انتقل إلى المحتوى

ابن السبيل



تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.

الفصل العاشر

ابنُ السَّبِيلِ

انتشار أم ازدحام ؟
قال صلى الله عليه وسلم : البلاد بلاد الله والعباد عباد الله، فحينما أصبت خيراً فأقم).
إن تؤمن أيها القارئ بأن الجنسية التي تحملها أفضل من غيرها وأنه لا يحق لأبناء الجنسيات المسلمة الأخرى الاستنفاع والاستمتاع بما في الدولة التي تقيم فيها فاعلم أنك مسمار في نعش التخلف الذي نحن فيه. لعل من ألعن الآفات التي ابتلينا فيها هي الحدود التي تفصل بين ما يسمى بـ الدول الإسلامية والتي لا تبيح للناس ولا للمنتجات الانتقال من مكان لآخر إلا بموافقات مسبقة في أغلب الأحيان. لقد كانت الحدود مثلاً مغلقة بين الجزائر والمغرب حتى كتابة هذه الصفحات عام ٢٠٠٧م لأكثر من ١٣ سنة. ومساوئ هذا الغلق بين الحدود (وبالذات الاقتصادية منها) أمر معلوم يدركه الكثير من الباحثين. والسؤال هو إذاً: لماذا أكتب هذا الفصل؟ والإجابة هي أنه لفتح الحدود إيجابيات قصوى لا يتم تفعيلها جذرياً إلا بتطبيق الشريعة، وهو موضوع هذا الفصل. كما أن الاشكالية التي أدت إليها هذه الحدود ليست فقط في حبس الأفراد والمنتجات من الانتقال ولكنها في إيجاد عقلية ما يعرف بـ «المواطنة» عند السواد الأعظم من المسلمين فالمواطنة هي من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان. فالمواطنة ببساطة تعني أنه لا مساواة بين المسلمين، وأن بعضهم أفضل من بعض في موطن دون آخر. ومن جهة أخرى فهي تعني المساواة بين أبناء الأرض الواحدة، أي بين المسلم والهندوسي مثلاً. هكذا ترسخ مفهوم الشعب الواحد على حساب مفهوم الأمة الواحدة. ألا ترى كيف أن المواطنين ينتشون فرحاً عندما يهزم فريقهم لكرة القدم فريق دولة مسلمة أخرى؟ وتزداد النشوة طرباً إن كان الفريق المهزوم من دولة مجاورة نكاية بالجار. لقد تغلغل مفهوم المواطنة كإحساس في التفرقة في التعامل بين المسلمين على جميع الأصعدة. فعندما حبس الأفراد داخل حدودهم ازدادت غربتهم عمن جاورهم لأن التجارب والعادات والتقاليد كانت تنمو في معزل عن الجوار، فزادت بالتالي حدة التمايز بين المسلمين القاطنين في المناطق المختلفة، فتمايزت الثقافات وازدادت اللهجات اختلافاً بيناً فيما بينها، فعندما يرى البحريني قطرياً يدرك مباشرة أنه بعيد عنه بسبب هذا التمايز برغم قرب المسافة بينهما. إلا أن رفضي للمواطنة لا يعني بالطبع رفض حب المرء لموطن مولده أو نشأته. فمن منا لا يحب وطنه؟ ولكن هذا الحب يجب ألا يقف حائلاً ضد الآخرين للتمتع بنفس هذا الحب. فحبي للطائف لأنني ولدت ونشأت كطفل فيها يجب ألا يعطيني الحق في منع الآخرين من حق القدوم لهذه المدينة ومن ثم الحصول على نفس هذا الحب بعد العيش فيها. وهذا ما تفعله المواطنة حالياً من منع الآخرين المهاجرين من الجنسيات الأخرى من الاستيطان إلا في مواطنهم.
١٠٣٥


١٠٣٦ 🗏
ولعل الآفة الأغرب هو أن من الباحثين من يعتقد أن هذا أمر فرضته الحداثة وأنه ضريبة لا مفر منها وأنه الطريق الأمثل للتعايش مع الشعوب الأخرى. وما ترسخ هذا إلا لأنه قد تغلغل في رؤوسهم مفهوم هو أنه لا يمكن إقامة حياة معاصرة إلا بدولة ذات حدود . وهناك باحثون يعتقدون أن في مفهوم المواطنة إثراء للأمة المسلمة. فلعله قد تذوق وصفةً لأكلة ليبية تختلف عنها في تونس، وهذا ينطبق على جميع العادات والتقاليد. وأرجو ألا تعتقد أخي القارئ أنني ضد هذه الخصوصيات للمجتمعات، فهذه الخصوصيات هي بالفعل ثراء للمجتمعات إن كانت خصوصيات نابعة عن انفتاح بين جميع أجزاء العالم الإسلامي. فخصوصية إيجاد أكلة نابلسية تكون أفضل نكهة إن هي وجدت من خلال تراكم تجارب أهل نابلس بالانتقاء مما هو متوافر في جميع العالم، وليس مما هو متوافر في الأسواق الفلسطينية فقط . وسيأتي بيان هذا في الحديث عن «المعرفة» بإذن الله. وهناك من الباحثين من هم في حيرة عن طبيعة العلاقة بين الفرد والوطن إن نحن سرنا على الشريعة التي تدفع لإيجاد أمة واحدة، فما هو مصير الأقليات غير المسلمة في ظل الأمة الواحدة؟ وهل نفقد مشاركة هذه الأقليات الفاعلة في بناء المجتمع؟ وهكذا من أسئلة جعلت من المواطنة مسألة قبل بها الكثير برغم أنها آفة لأنها تحبس الخبرات والموارد والأفراد، فأصبحت المواطنة هي البديل لمفهوم الأمة، والمواطنة هي بالتأكيد حمل الجنسيات محددة، والجنسيات ما هي في الواقع إلا حقوق تمنح لأبناء وطن دون غيرهم. وإلا ما الداعي للجنسيات والمواطنة ؟ فأنت كسوري مثلاً لا حق لك كغيرك الكويتي في إيجاد مصنع في الكويت. أي أن المواطنة بالضرورة تمزيق للأمة الواحدة لأن حقوق الفرد المسلم تختلف من مكان لآخر، وفي هذا التمزيق حبس الحريات الانتقال للأفراد والمنتجات والمعرفة ومن ثم ا
التخلف.
وإليك المثال الآتي لترى عظم الآفة: قال أحمد الربعي وهو وزير سابق في دولة الكويت في ما نصه: «إذا لم تعجبكم الكويت فاخرجوا منها». وكان هذا في حوار تلفازي عن أوضاع من لا يحملون الجنسية الكويتية إلا أنهم يعيشون في دولة الكويت. وقد تم تسمية هؤلاء باسم «البدون»: أي بدون هوية: أي من لا يحملون الجنسية الكويتية، وفي الوقت ذاته ليست لهم أوراق تمكنهم من العودة لأوطان آبائهم وأجدادهم، فهم إما أبناء من هاجر إلى الكويت من الدول المجاورة ثم استقر بها، أو أبناء امرأة كويتية تزوجت من رجل لا يحمل الجنسية الكويتية أو ما شابه. وهكذا تراكم عددهم لانجذابهم إلى بلد غني بموارده النفطية. ونظراً لأنهم لا أوراق لهم فقد سموا باسم «البدون». فأجرت قناة «المستقلة» الفضائية نقاشاً عن حالهم المأساوي، وكان من ضمن المتحدثين الوزير السابق الذي رد بشدة على من كان يقول بأن هؤلاء الكويتيين «البدون» بشراً ولابد وأن تكون لهم حقوق. وكان النقاش بين طرفين، أحدهما يريد الدولة الكويتية أن تعطي هؤلاء البدون بعض الحقوق، والآخر يرفض ذلك لأن في أخذهم الجنسية الكويتية الحق في المشاركة في التمتع بالكثير من الحقوق التي يتمتع بها الكويتي كالتعليم والصحة. ولعلك هنا تسأل: ولكن ما ذنب الكويتيين بأن يشاركهم الآخرون في نفطهم ؟ فأجيب: إن سألت هذا السؤال فلازلت تفكر بنفس المفهوم الذي يعتقد أن ما على الأرض من خيرات هي من حق من سكن حولها حتى وإن لم يعمل بها، وهذا مفهوم وضعي والإسلام يغرس مفهوما آخر، وهو أن ما على أو في باطن الأرض من خيرات هي ملك لمن عمل بها واحتازها كما رأينا في فصل «الخيرات». وهنا أؤكد لك أيها القارئ إن لم تؤمن بالإسلام بأنه إن تم العمل بالشريعة فإن المحصلة هي أن وضع أي كويتي حينئذ سيكون أفضل مما هو عليه الآن، وكذلك حال جميع الناس كما سترى بإذن الله.
.


١٠ ابن السبيل
ور
۱۰۳۷
وهذا مثال آخر لعظم آفة المواطنة: لقد قامت السعودية (وهي من أكثر الدول الإسلامية تطبيقاً للشريعة) بوضع إعلان في أماكن متفرقة، فرأيت إحداها في لوحة تزيد في أبعادها عن المترين في ثمانية أمتار ووضعت في مكان يزيد في ارتفاعه عن ١٠ أمتار بحيث لا يخطؤه المار بالطريق، وكان نص الإعلان هو الآتي: «أخي صاحب العمل: تشغيل المقيم غير النظامي يتعارض مع الأمن الاجتماعي. معاً ضد مخالفي أنظمة الإقامة والعمل. مع تحيات المديرية العامة للجوازات». لاحظ أن الدعاية لا تمتلك المبرر أو النص الشرعي لمنع المسلمين من غير السعوديين إلا القول بأنه يتعارض مع الأمن الاجتماعي. وفي نفس الدولة أيضاً هناك إعلان يقول: «أخي المواطن: إن امتناعك عن التعامل مع مخالفي أنظمة الإقامة مطلب وطني. فاحرص على ذلك». وفي السعودية أيضاً رأيت صورة في جريدة «الاقتصادية» توضح عمالاً باكستانيين يعملون في السوق في تحميل البضائع من الدكاكين إلى العربات. فقام صحفي سعودي بتصويرها معلقاً عليها بالآتي: «ما زالت العمالة السائبة تجد لها مكاناً ومجالاً للعمل في أسواقنا دون أي رقابة تمنع هذه الظاهرة». أما إن كان العامل سعودياً، فلعل التعليق يكون: «تأملوا هذا الشاب المكافح من أجل لقمة العيش». وبالطبع فما هذا إلا قليل من الكثير الذي تعرفه وتراه كل يوم وباستمرار من التمييز بين من هو مواطن ومن هو غير مواطن. أي أن العقلية عند السواد الأعظم من الناس تأقلمت على أنه لا يمكن العيش دون مواطنة لدرجة أنها غزت أيضاً بعض علماء الدين باعتباره أمراً معاصراً مفروضاً لابد لنا من التعايش معه. إليك المثال الآتي: سأل بعض طلاب العلم الشيخ ابن عثيمين عن الكفيل الذي يحضر عاملاً أو موظفاً من بلاد أخرى ووعده أن يعطيه مثلاً ألف ريال في الشهر، ثم عندما قدم العامل نكث الكفيل وأعطاه مبلغاً أقل، مهدداً إياه أنه إن لم يقبل فسيلغي العقد. فهل هذا جائز شرعاً؟ وهل للناس إبلاغ السلطات بهذا التعسف إن ادعى الكفيل أن العامل لا يقوم بعمله كما يجب علماً بأن العامل كان قد تحمل مبالغ كبيرة حتى يتمكن من القدوم إلى السعودية؟ لذلك تلحظ أن العامل في مثل هذه الحالات مضطر للقبول بما يدفعه له الكفيل وإلا خسر الكثير. فاستفسر الشيخ ابن عثيمين عن الحالة ووضح له الطلاب الاحتمالات الممكنة أن الكفيل قد يكون ظالماً ومدعياً أن العامل لا يقوم بعمله كما يجب، أو العكس، فإن العامل قد لا يقوم بعمله كما يجب، فكان السؤال: هل يتم إبلاغ السلطات لرفع الظلم عن العامل؟ قال الشيخ ابن عثيمين مجيباً: «هذه مشكلة، هذا بارك الله فيك إذا علمنا أن الكفيل صادق وأن هذا العامل لم يقم باللازم فإنه يجب أن ندل عليه، لأنه أصبح العامل هو الظالم. أما إذا علمنا أن الكفيل هو الظالم فهنا قد نقول أنه لا يجب أن نخبر بمكانه من جهة، وقد نقول إذا كان النظام يقتضي أن نخبر فأخبر»." إن المهم هنا ليس إجابة الشيخ في محاولته لإحقاق الحق، ولكن المهم هنا هو القناعة المغروسة لدى الكثير من أن نظام الكفالة أو ما شابه والذي أوجدته الدول الثرية أصبح إطاراً نظامياً لدرجة أن فقيهاً ربانياً كان يستخدم «الكفيل» برغم أنها مخالفة للشرع وبرغم أن معظم علماء الشريعة يرفضون مفهوم المواطنة لأنها لابد وأن تكون على حساب مفهوم الأمة الواحدة. فعلماء الشريعة دائمي التمسك بالخطاب القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾. لقد تكرر هذا الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ في القرآن الكريم ۸۸ ،مرة ، منها ٨٧ مرة كافتتاحية للآيات إشارة إلى التساوي بين الناس في الحقوق والمسؤوليات والواجبات والتآخي وبغض النظر عن الأصل أو الجنس أو اللون كما هو معلوم. إلا أن وضعنا الآن مخالف تماماً، لقد أصبحت الأمة المسلمة وكأنها إقطاعات لجماعات مختلفة. لأوضح هذا بمثال: إذا كان هناك إقطاعيان (كما كان من يسمون بالنبلاء في العصور الأوروبية المظلمة) أحدهما غني جداً لأن مزارعه مثمرة لكثرة الخيرات بها من ماء وتربة وما شابه، والآخر فقير لأن أرضه قاحلة، ولكل منهما
هذا
كلمة


۱۰۳۸ 🗏
عمال كالحارس والمزارع والخادم فستكون أوضاع من يعملون عند الإقطاعي الثري أفضل حالاً بالطبع. ولأن الإقطاعي الأغنى لن يسمح لمن يعملون عند الأفقر بالعمل في أرضه، فسيكونون أفقر بالطبع إلا إن سمح لهم بالعمل في أرض الإقطاعي الأغنى وحال هذين الإقطاعيين هو حال الدول الإسلامية، فالجنسيات (هذا مصري وذاك قطري) هي صكوك الإقطاع، والحكام ومن معهم هم الإقطاعيون أو ما يسمون بالنبلاء، (أو ما يسمون بالمماليك في عهد المماليك مثلاً)، وعموم الناس هم العمال فيها. فعامل أو أمير المدينة أو القرية وكأنه يملكها كإقطاع، والوزير وكأنه يملك الوزارة كإقطاع، وهكذا. فالدول النفطية الغنية ذات حدود مغلقة على من أراد العمل من الدول الأفقر برغم أن الجميع مسلم. فهل هذا عدل؟ معاذ الله أن يقبل الإسلام بهذا. وأين الدليل الشرعي على هذا الوضع مع سكوت بعض علماء الشريعة على هذا الحال؟ وكأن هناك اتفاقاً مبطناً بين هؤلاء البعض بالسكوت عن هذا الخروج على الشريعة وبين تمكينهم بتقريبهم من الحكام والإغداق عليهم. لقد حول هؤلاء العلماء (أي علماء المواكب) بسكوتهم الأمة المسلمة إلى مقاطعات للإقطاعيين. فقد سمعت من هئية الإذاعة البريطانية تقريراً اقتصادياً أنه عندما ارتفعت أسعار النفط إلى سبعين دولاراً للبرميل، قامت مؤسسة دلتا ٢، وهي من أحد أهم الأذرع الاستثمارية لدولة قطر، بدفع مبلغ ۱۲ بليون جنية إسترليني، أو ما يعادل ٢٤,٥ بليون دولار أمريكي في ذلك الوقت (شهر يوليو (۲۰۰۷م) لشراء سلسلة بقالات سينسبري Sainsbury البريطانية المعروفة. أي أن أموالاً جمعت من خيرات استخرجت من أراضي المسلمين بدأت تستثمر في مواقع غير إسلامية، بينما هناك الملايين من المسلمين دون عمل لأن العالم الإسلامي وكأنه سجون كبيرة متجاورة تمنع الناس من الترحال إلا بتأشيرات دخول، حتى وإن دخلوا لدولة نفطية فهم لا حق لهم في ذلك النفط، ناهيك عن السكان المحليين الذين لا يحق لهم ذلك أيضاً. وبالطبع فهذا لا ينطبق على النفط في الكويت فقط ولكن على الفوسفات في الأردن، وعلى الزئبق في الجزائر ، وعلى الغاز في قطر، وعلى الذهب في السعودية، أي على جميع المعادن في جميع الدول. فهل هذا إلا منطق الإقطاعيين؟ إن جميع هؤلاء يحاربون ما أحل الله من ترحال. إذ لن ترحل الأفكار ولن تنتقل، ولن ترحل المعرفة ولن تنتقل، ولن ترحل البضائع ولن تنتقل، ولن ترحل المواد الخام ولن تنتقل. وكأنهم يئدون الأمة المسلمة وهي حية. قل معي " أخي القارئ : اللهم اسحق كل من توظف في عمل يوقف انتقال المسلمين من أي مكان لأي مكان آخر على وجه الأرض. وما أكثر هؤلاء، فمنهم عامل وجندي الجوازات، ومنهم موظف استخراج الجوازات، ومنهم. عامل وجندي ومراقب الحدود، ناهيك عن كبار الموظفين والعلماء الموالين الساكتين. والساكت عن الحق شيطان أخرس. وعندما تنتهي بإذن الله من قراءة هذا الكتاب لعلك ستصل إلى قناعة أنه لا سبيل لدحر اليهود إلا بالتحرر السياسي والتمكن الاقتصادي، وهذا لا يكون إلا بالتحرر من هذه الإقطاعات أي أنه لا سبيل للوصول إلى القدس إلا من خلال هدم الحدود بين (ما يسمى بـ) الدول الإسلامية. وهناك أمثلة لدول فتحت حدودها لجنسيات غير مسلمة ومن العالم الغربي حصرياً مثل إمارة دبي التي أتاحت لكل فرد غربي حق الاستثمار والسكنى في دبي لدرجة أن السكان الأصليين أصبحوا ندرة فتغيرت جميع القيم لينتشر الانحلال الخلقي وتصبح دبي مدينة مكتظة بكل فاسد، وهذا بالطبع وضع مرفوض لنا كمسلمين. ولكن ما علاقة هذا بالتمكين؟
لقد حاولت سابقاً هدم فكرة الدولة بمفهومها المعاصر بأنها ليست إسلامية لأنها تقتات على حقوق الناس. ومن الآن وصاعداً سأبني مفهوم الأمة الإسلامية. لقد تحدثنا عن المبادرة وقلنا أن التمكين يأتي من ثلاثة طرق هي الموارد والموافقات والمعرفة. كما تحدثنا عن الموارد ورأينا كيف أن الشريعة قصت الحقوق لتضع الخيرات في أيدي


١٠ ابن السبيل
:
۱۰۳۹
الناس. وفي هذا الفصل سنتحدث أيضاً عن الموارد ولكن بتوضيح الحركيات التي وضعتها الشريعة لتسهيل وصول الناس للخيرات. وفي مقدمتها إلغاء الحدود والقوميات والمواطنة وما شابه من مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان (تذكر تسمية الأسماء). وبالإضافة لطرق التمكين الثلاثة، فهناك ثلاث مراحل للتمكين المرحلة الأولى هي البدء. فأي مشروع لابد له من بداية مثل إحياء أرض أو استخراج معدن أو أخذ مكان في السوق (أي الأصول المنتجة) وقد تحدثنا عن ذلك. وسنتحدث عنه في هذا الفصل أيضاً ولكن بتوضيح الحركيات التي تعين الناس على البدء ومن ثم الانطلاق. وأرجو أن تلحظ بأن هذا يختلف تماماً عما أطلقه الغرب والفرنسيين بالذات عن شعار «دعه يعمل دعه يمر» أو Laissez-faire كما تنطق باللغة الإنجليزية والمرحلة الثانية هي البلورة، وهي مرحلة تتشكل فيها الخبرة وتتراكم فيها المعرفة ويظهر فيها المنتج، وهي موضوع الفصول القادمة عندما نتحدث عن حقوق الشراكة ومبادئ الفصل والوصل بين الأفراد كبيع الحاضر للباد ومواقع الناس في الخطط كما في فصل «الأماكن». أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الاستمرارية والصقل المعرفي، وفيها يحتاج الإنسان المبادر سواءً كان صانعاً أو مزارعاً أو
ساكناً لنوع من الحماية في المجتمع، وهذه سنتحدث عنها في فصول «البركة» و «المعرفة» و «المدينة» بإذن الله.
كما قلنا، فإننا نعيش كمسلمين اليوم في مجتمعات إن لم تكن رأسمالية فهي متأثرة بالنظم الرأسمالية من حيث الحقوق. فالدول تمتلك الأراضي، وتضع القوانين لاستثمارها كما وضحنا . وهكذا من تدخلات للدولة أفرزت مجتمعات مثقلة بالأنظمة مما أدى لتقييد وتثبيط الناس. وقد تقول بأنه لابد من هذا وإلا عمت الفوضى بانجذاب الناس إلى حيث الموارد الأغنى مثل النفط. فأقول: لا، لأن فكرة السيطرة على الموارد ناتجة من فكر غربي متأصل من الخوف على هذه المصادر من النفاذ، ومن الخوف من سوء تصرفات الناس، فظهرت الأنظمة للحفاظ على هذه المصادر. فهناك من يعتقد بأنه سيأتي زمان وتنفذ فيه المعادن من الأرض. فهل يمكننا تصور زمن ستنفذ فيه الموارد فتظهر المجاعات؟ أي هل سيأتي زمن ويزاداد فيه عدد السكان لدرجة نقصان الموارد الكافية لإطعام سكان الأرض؛ للتوضيح: تصور حافلة ممتلئة بالركاب، وأن بعضهم يكاد يسقط من نوافذ الحافلة لكثرة من بها، فهل يمكن أن تؤول حال الكرة الأرضية لوضع تمتلئ فيه بالسكان بحيث يدفع الناس بعضهم البعض في البحر فيسقطون فيها من ضيق الأرض عليهم؟ وماذا سيأكلون عندها، وأين سيعملون؟ إن هذا لسؤال مهم أثر في الفكر الغربي الرأسمالي أو الاشتراكي فظهرت القوانين بدعوى الحفاظ على الثروات والذي أثر في دولنا الإسلامية، فمنع الناس من الوصول للموارد. لذلك يجب الوقوف عند هذا السؤال أولاً ثم الاستمرار في الكتاب. لأنه إن ثبت أن موارد الأرض لن تكفي البشر بدليل ظهور المجاعات مثلاً، كان من المنطق عندها أن نقبل بالفكر الغربي المبني على سيطرة الدول على الموارد خوفاً عليها من النضوب، وعندها فسنحتاج كل فترة وأخرى لمنظومة جديدة من الحقوق التي تعيد السيطرة على استهلاك خيرات الأرض كلما نقصت. أي أن منظومة الحقوق يجب أن تتغير بتقادم الزمن كلما شحت الموارد. أي أن المجتمعات دائمة القفز من منظومة لأخرى من الحقوق.
أما إن أثبتنا أن موارد الأرض ذات بركة تفوق حاجة البشر في كل الأزمان، فعندها نستطيع أن ندحض الحاجة إلى تدخلات الدول ونطالب بمقصوصة الحقوق التي وضعها الإسلام والتي تحث الناس على الترحال إلى حيث الموارد لتسخيرها لمنتجات أي لا حدود. فالإسلام إن طبق سيؤدي لأمة ذات عقلية مشبعة بمفهوم الترحال. أمة يهاجر أفرادها إلى مواطن الثروات ويستغلونها أينما وجدت إذ لا حدود. أي أمة متحركة تتفاعل مع الخيرات في


١٠٤٠ 🗏
كل مكان لتتمكن. لذلك سميت هذا الفصل بـ «ابن السبيل» لأن الشريعة تدعم الترحال وهذا سيؤدي للبركة كما سنوضح بإذن الله. والبركة كما هو معلوم هي النماء والزيادة وبالذات «الكثرة في كل خير». أي أن هذا الفصل سيوضح الحركيات التي ستؤدي لتكامل المجتمع من خلال الحقوق التي تدفع الناس للانتقال لاستغلال الخيرات التي أودعها في الأرض المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد، لا كما تفعل الأنظمة المعاصرة التي تمنع الناس من الانتقال بين بقاع العالم وتحبسهم في مواضع جغرافية محددة ذات مواصفات مواطنية وضيعة، ومن ثم تمنعهم فيها من استغلال الخيرات لتبقى الأمة المسلمة متخلفة لا منتجة وفقيرة لدرجة أنها لا تحتمل أي طارئ بيئي كالأعاصير. فكما هو معلوم فإن الشدائد مثل الجفاف أو انخفاض منسوب المياه في الأنهار عادة ما تؤدي للمجاعة وفي هذا تحريض للدول للتدخل للسيطرة بدعوى إنقاذ البشرية. لذلك لابد من دحض هذه الفكرة أولاً.

المجاعة كمثال

لقد بلغ . عدد العاطلين في العالم العربي عموماً ٢٤ مليون عاطل سنة ٢٠٠٨م، وهناك دراسة مفادها أن الدول العربية بحاجة لاستحداث خمسة ملايين وظيفة سنوياً خلال هذا العقد. ففي السودان برغم توافر الأراضي الزراعية الخصبة والماء، إلا أن البطالة كما هو معلوم منتشرة بينما الدولة تستورد الغذاء!!! أما في الدول النفطية الزاخرة بفرص العمل كالسعودية مثلاً، فإن ما نسبته ٢٦,١%، أي أكثر من ربع القوى العاملة كانت عام ١٤٢٧هـ عاطلة عن العمل. وهذه أرقام متحفظة جداً لأنها من إحصائيات الدول، والواقع بالتأكيد أكثر من هذا بكثير لأن الإحصائيات لا تأخذ في الحسبان إلا الأفراد الذين يفترض بهم أن يعملوا في نظر الدول، وليس الراغبين في العمل ولا يجدونه، فالإحصائيات لا تشتمل مثلاً على الذكور من الكهلة لأنها تفترض أنهم في سن التقاعد، ولا تشتمل أيضاً على الشبان الذين يفترض بهم أن يكونوا على مقاعد الدراسة، ناهكيك عن إغفال أكثر الإناث. وفي الوقت ذاته وبرغم هذه البطالة في السعودية، فهناك الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة دون استثمار في وقت يتم فيه جلب معظم أنواع الأكل من الخارج. وهذا شعب تمكن من استيراد الغذاء لأن حكومته تمتلك أموال النفط فتنفقه على الناس من خلال استحداث الوظائف البيروقراطية، والشعب ينفق المال على الغذاء الذي يستورده التجار، أي وكأن الدولة فندق اشتراكي ضخم لأن المعظم غير منتج في هيكل بيروقراطي إقطاعي ضخم. ولكن إن لم يكن هناك نفط فما الذي كان بالإمكان أن يحدث؟ أي ما الذي يمكن أن يحدث إن وجد شعب يحكمه نظام لا مال لديه ولا يبيح للناس الانطلاق في العمل لأن من هم في الدولة بيدهم المصالح ؟ ماذا سيأكل الناس؟ فهل يعقل أن يأكلوا أطفالهم؟؟!! ؟؟!! تأمل الاقتباس الآتي من كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي. فهو كتاب يستعرض المجاعات التي وقعت في مصر وأسبابها لدرجة أن الناس كانوا يأكلون الأطفال في إقليم يزخر بأحد أطول الأنهار في العالم، يقول المقريزي مثلاً في وصف ما وقع من غلاء في الدولة الأيوبية:
«ثم وقع الغلاء في الدولة الأيوبية وسلطنة العادل أبي بكر بن أيوب في سنة ست وتسعين وخمسائة: وكان سببه توقف النيل عن الزيادة وقصوره عن العادة، فانتهت الزيادة إلى اثني عشر ذراعاً وأصابع. فتكاثر مجيء الناس من القرى إلى القاهرة من الجوع ودخل فصل الربيع فهب هواء أعقبه وباء وفناء، وعدم القوت حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع، فكان الأب يأكل ابنه مشوياً


١٠ ابن السبيل
ومطبوخاً، والمرأة تأكل ولدها، فعوقب جماعة بسبب ذلك. ثم فشا الأمر وأعيا الحكام، فكان يوجد بين ثياب الرجل والمرأة كتف صغير أو فخذه أو شيء من لحمه ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على الناس فينتظرها حتى تتهيأ، فإذا هي لحم طفل؛ وما أكثر ما يوجد ذلك في أكابر البيوت. ووجدت لحوم الأطفال بالأسواق والطرقات مع الرجال والنساء مختفية، وغُرّق [أو حُرّق] في دون شهرين ثلاثون امرأة بسبب ذلك. ثم تزايد الأمر حتى صار غذاء الكثير من الناس لحوم بني آدم بحيث ألفوه. وقل منعهم منه لعدم القوت من جميع الحبوب وسائر الخضروات وكل ما تنبته الأرض
.<...
י
ويقول واصفاً سوء الحال في زمن الأتراك:
بمجيء
ودخلت سنة خمس وتسعين [٦٩٥هـ] وبالناس شدة من الغلاء وقلة الواصل، إلا أنهم يُمنون أنفسهم ء الغلال الجديدة، وكان قد قرب أوانها . فعند إدراك الغلال هبت ريح سوداء مظلمة من نحو بلاد برقة هبوباً عاصفاً وحملت تراباً أصفر كسا زروع تلك البلاد، فهافت * كلها، ولم يكن بها إذ ذاك إلا زرع قليل، ففسدت بأجمعها، وعمت تلك الريح والتراب إقليم البحيرة والغربية ... فهاف الزرع وفسد الصيفي من الزرع كالأرز والسمسم ... فتزايدت الأسعار. وأعقبت تلك الريح أمراض وحميات عمت سائر الناس فترفع سعر السكر والعسل وما يحتاج إليه المرضى، وعدمت الفواكه وأبيع الفروج بثلاثين درهماً والبطيخة بأربعين، . وأقحطت بلاد القدس والساحل ومدن الشام إلى حلب. ... وكان ببلاد الكرك والشوبك وبلاد الساحل لما يرصد للمهمات والبواكر ما ينيف عن عشرين ألف غرارة ب فحملت إلى الأمصار. وقحطت مكة ... فرحل أهلها حتى لم يبق بها إلا اليسير من الناس، ونزحت سكان قرى الحجاز ... واشتد الأمر بمصر وكثر بها من أهل الآفاق، فعظم الجوع وانتهب الخبز من الأفران والحوانيت حتى كان العجين إذا خرج إلى الفرن انتهبه الناس فلا يحمل إلى الفرن، ولا يخرج الخبز منه إلا ومعه عدة يحمونه بالعصي من النهابة. فكان من الناس من يلقي نفسه على الخبز ليخطف منه ولا يبالي بما ينال رأسه وبدنه من الضرب لشدة ما نزل به من الجوع. فلما تجاوز الأمر الحد أمر السلطان بجمع الفقراء وذوي الحاجات وفرقهم على الأمراء، فأرسل إلى أمير المائة ج مائة فقير، وإلى أمير الخمسين خمسين، حتى كان لأمير العشرة عشرة، فكان من الأمراء من يطعم سهمه من الفقراء لحم البقر مثروداً في مرقة الخبز، يمده لهم سماطاً يأكلون جميعاً، وفيهم من يعطي فقراءه رغيفاً، وبعضهم كان يفرق الكعك، وبعضهم يعطي رقاقاً، فخف ما بالناس من الفقر. وعظم الوباء في الأرياف والقرى، وفشت الأمراض بالقاهرة ومصر وعظم الموتان، وطلبت الأدوية للمرضى، فباع عطار برأس حارة الديلم من القاهرة في شهر واحد بمبلغ إثنين وثلاثين ألف درهم، ... وطلب الأطباء وبذلت لهم الأموال وكثر تحصيلهم فكان كسب الواحد منهم في اليوم مائة درهم. ثم أعيا الناس كثرة الموت فبلغت عدة من يرد اسمه الديوان السلطاني في اليوم ما ينيف عن ثلاثة آلاف نفس، وأما الطرحاء وهم الذين يلقون في الطرقات حين موتهم دون أن يُعتنى بدفنهم] فلم يُحصر عددهم بحيث ضاقت الأرض بهم، وحُفرت لهم الآبار والحفائر وألقوا فيها،

هامش

منه
١٠٤١
ء) «هافت: من الهيف وهو شدة العطش، والمقصود هنا جف الطبلخانات، ثم أمراء العشرت ثم أمراء الخمسات ثم الأجناد من الزرع». المماليك السلطانية وأجناد الحلقة. وكان من قواعد رتبة أمير المائة أن ب) الغرارة: وعاء من الخيش ونحوه توضع فيه الحبوب، الجمع م صاحبها يتكفل بالإشراف على مائة ،فارس، وفي الوقت نفسه يقدم غرائر، والغرارة تعادل إردبا ونصف» على ألف فارس ممن دونه أي يتولى قيادتهم أثناء المعركة ولذلك جـ) «أمير مائة: المرتبة الأولى بين مراتب الأمراء في عصر المماليك اصطلح على تسميته في هذا العصر بأمير مائة ومقدم ألف، وربما أي أعلى طبقات الأمراء في الجيش المملوكي وأقل منها أمراء اكتفى بأحد الاسمين» (۸).


١٠٤٢ 🗏
وجافت الطرق والنواحي والأسواق من الموتى وكثر أكل لحوم بني آدم خصوصاً الأطفال، فكان يوجد الميت وعند رأسه لحم الآدمي، ويمسك بعضهم فيوجد معه كتف صغير أو فخذه أو شيء من
لحمه ...».
V
إن الاقتباس السابق، وغيره كثير، يجعل الإنسان في حيرة دائمة عن عدل الله سبحانه وتعالى ورحمته وكرمه فيظهر السؤال الشيطاني مباشرة في ذهن الفرد: لماذا حدث ما حدث لهؤلاء المسلمين ؟ وكيف سيكون حالي إن وقع علي ما حدث لهم؟ وهل سأبيع أبنائي أو بناتي أو أتركهم لآخرين ليطعموهم موقناً أن من يتكفلونهم لن يأكلوهم؟ فأين الرحمة والعدل والعطاء والكرم والجود وبالذات في ظل الآيات الكثيرة مثل قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ؟ فإن كان هذا حال الدواب فمن الأولى أن يكون حال المسلمين الذين يذكرون الله أكثر تكريماً في الرزق إن أريد لهم أن يحيوا حياة طيبة، كما قال تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وكما قال في سورة فاطر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقِ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم منَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ . فلابد وأن يكون على مر التاريخ أناس صالحون في ظل هذه المجاعات. فكيف يمكن الجمع بين الآيات وما يحدث لهؤلاء الصالحين من المسلمين من مجاعات وهو الله المعطي والواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد؟ إن الإجابة المباشرة للعلماء هي أن هذا من الابتلاءات. فالمؤمن مبتلى كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ﴾ . إلا أن سياق الآية واضح، فالابتلاء بالجوع هو ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ﴾ الجوع، وهذا تبعيض، وكذلك النقص في الأموال والأنفس والثمرات هو أيضاً تبعيض، فقد يُتوفى لرجل ما عزيز، أو قد يخسر تجارته، والذي يؤكد هذا التبعيض هو مفهوم البشرى للصابرين، فالمعنى يتجه على أن من ابتلي كفرد وصبر فقد نجا، لأن الصبر يعني الاستمرار على تحمل الشدة، أي تحمل الابتلاء، ولا يكون الاستمرار إلا بالمقدرة على التحمل، وهذا في حد ذاته تبعيض لأن الاستمرار في التحمل لن يحدث إن كان الابتلاء كارثياً وبالذات على مجموع الأمة كإعصار قاتل. ومن جهة أخرى فإن الصبر لا يكون إلا في هذه الحياة، وليس في الآخرة لأن الناس سيصبرون رغماً عنهم في الآخرة على أهوال يوم القيامة. فالمقصود بقوله تعالى : ﴿الصَّبِرِينَ﴾ هم من تحملوا الابتلاءات في هذه الدنيا. أي باختصار فإن الابتلاءات لا تعني بالضرورة أنها سنة الله في خلقه أن يبتليهم كجماعة وباستمرار إلا إن كانت عذاباً كالريح الصرر العاتية لغير المسلمين. أي أنه سبحانه وتعالى أكرم المسلمين بحفظهم من مثل هذه الكوارث. فكيف يمكن الجمع إذاً بين حفظه سبحانه وتعالى لأمة الإسلام من الكوارث وبين ما حدث من مجاعات وما علاقة هذا بالتميكن والحدود والمواطنة ؟ لنبدأ بمسألة الحفظ: فهناك في الأثر ما يؤكد استجابته سبحانه وتعالى لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بحفظ هذه الأمة من الكوارث. ففي صحيح مسلم عن ثوبان مثلاً قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال: من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا».
۹


١٠ ابن السبيل
١٠٤٣
ولأهمية المسألة لننظر إلى كتاب «فتح الباري» في الحديث عن قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مَن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ . وبإمكانك قفز هذا النص الآتي لطوله ودقة تفاصيله، فهو بالنسبة لموضوعنا يؤكد أن الله جلت قدرته قد تكفل لهذه الأمة ألا يستأصلها بكارثة بيئية. يقول الحافظ ابن حجر أثابه الله مفصلاً:
الخسف
باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ ، الآية ﴿يَلْبِسَكُمْ يخلطكم﴾ من الالتباس يلبسوا يخلطوا هو من كلام أبي عبيدة في الموضعين، وعند ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السدي مثله. قوله: ﴿شِيَعًا﴾ فرقا هو كلام أبي عبيدة أيضاً وزاد واحدتها شيعة، وللطبرى من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿شِيَعًا﴾ قال: الأهواء المختلفة، قوله عن جابر وقع في الاعتصام من وجه آخر عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت جابراً، وكذا للنسائي من طريق معمر عن عمرو بن دينار قوله ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾، قال: أعوذ بوجهك، زاد الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد عن عمرو الكريم في الموضعين قوله: هذا أهون أو هذا أيسر هو شك من الراوي والضمير يعود على الكلام الأخير، ووقع في الاعتصام هاتان أهون أو أيسر، أي خصلة الالتباس وخصلة إذاقة بعضهم بأس بعض، وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عباس ما يفسر به حديث جابر ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بـأس بعض، فرفع الله عنهم والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين). فيستفاد من هذه الرواية المراد بقوله من فوقكم أو من تحت أرجلكم، ويستأنس له أيضاً بقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. ووقع أصرح من ذلك عند ابن مردويه من حديث أبي بن كعب قال في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ ، قال الرجم، أو مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، قال الخسف، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن شيوخه أيضاً: أن المراد بالعذاب من فوق الرجم، ومن تحت: الخسف. وأخرج من طريق ابن عباس أن المراد بالفوق أئمة السوء، وبالتحت: خدم السوء. وقيل المراد بالفوق: حبس المطر، وبالتحت: منع الثمرات. والأول هو المعتمد. وفي الحديث دليل على أن الخسف والرجم لا يقعان في هذه الأمة. وفيه نظر فقد روى أحمد والطبري من حديث أبي بن كعب في هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ ﴾ الآية. قال: هن أربع، وكلهن واقع لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة نبيهم بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم، وقد أعل هذا الحديث بأن أبي بن كعب لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية، فكأن حديثه انتهى عند قوله لا محالة، والباقي من كلام بعض الرواة. وأعل أيضا بأنه مخالف لحديث جابر وغيره، وأجيب بأن طريق الجمع أن الإعادة المذكورة في حديث جابر وغيره مقيدة بزمان مخصوص، وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم. وقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾، إلى آخرها فقال: أما أنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد، وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها، وعند أحمد صحيح من حديث صحار بالمهملتين، أوله مضموم مع التخفيف العبدي رفعه، قال: لا تقوم يخسف بقبائل، الحديث. وسيأتي في كتاب الأشربة في الكلام على حديث أبي مالك الأشعري، ذكر الخسف والمسخ أيضاً، وللترمذي من حديث عائشة مرفوعاً يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف ولابن أبي خيثمة من طريق هشام بن الغازي بن ربيعة الجرشي عن أبيه عن
بإسناد
الساعة
حتى


١٠٤٤
جده رفعه يكون في أمتي الخسف والمسخ والقذف الحديث وورد فيه أيضاً عنه عن علي وعن أبي هريرة عند وعن عثمان عند وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عمرو وسهل بن سعد عند ابن ماجة
وعن أبي أمامة عند أحمد وعن عبادة عند ولده وعن أنس عند البزار، وعن عبد الله بن بسر وسعيد بن أبي راشد . عند الطبراني في الكبير وعن ابن عباس وأبي سعيد عنده في الصغير، وفي أسانيدها مقال غالباً، لكن يـدل مجموعها على أن لذلك أصلاً ويحتمل في طريق الجمع أيضاً أن يكون المراد أن ذلك لا يقع لجميعهم وأن وقع لأفراد منهم غير مقيد بزمان كما في خصلة العدو الكافر والسنة العامة، فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث ثوبان رفعه في حديث بأوله : أن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها الحديث، وفيه و إني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدواً من غير أنفسهم وأن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح بيضتهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً. وأخرج الطبري من حديث شداد نحوه بإسناد صحيح، فلما كان تسليط العدو الكافر قد يقع على بعض المؤمنين لكنه لا يقع عموماً، فكذلك الخسف والقذف، ويؤيد هذا الجمع ما روى الطبراني من مرسل الحسن قال : لما نزلت: ﴿قُل هُوَ الْقَادِرُ﴾ الآية، سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه، فهبط جبريل فقال: يا محمد: إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين: أن يأتيهم عذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم فيستأصلهم كما استأصل الأمم الذين كذبوا أنبياءهم، ولكنه يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتاب والتصديق بالأنبياء انتهى. وكأن من قوله وهذان الخ من كلام الحسن. وقد وردت الاستعاذة من خصال أخرى منها عن ابن عباس عند ابن مردويه مرفوعاً: (سألت ربي لأمتي أربعاً فأعطاني اثنتين ومنعني اثنتين، سألته أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغـرق من الأرض فرفعهما) الحديث. ومنها حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم مرفوعاً: (سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم بالسنة، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وعند الطبري من حديث جابر بن سمرة نحوه لكن بلفظ : (أن لا يهلكوا جوعاً). وهذا مما يقوي أيضا الجمع المذكور، فإن الغرق والجوع قد يقع لبعض دون بعض، لكن الذي حصل منه الأمان أن يقع عاما. وعند الترمذي وابن مردويه من حديث خباب نحوه، وفيه: (وأن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا. وكذا في حديث نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه عند الطبراني وعند أحمد من حديث أبي بصرة بالباء والصاد المهملة . نحوه. لكن قال بدل خصلة الإهلاك أن لا يجمعهم على ضلالة. وكذا للطبري من مرسل الحسن ولابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة رفعه: (سألت ربي لأمتي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة: سألته أن لا يكفر أمتي جملة فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وللطبراني من طريق السدي مرسلاً نحوه. ودخل في قوله بما عذب به الأمم قبلهم الغرق كقوم نوح وفرعون، والهلاك بالريح كعاد، والخسف كقوم لوط وقارون، والصيحة كثمود وأصحاب مدين، والرجم كأصحاب الفيل وغير ذلك مما عذبت به الأمم عموماً. وإذا جمعت الخصال المستعاذ منها من هذه الأحاديث التي سقتها بلغت نحو العشرة، وفي حديث الباب أيضا أنه صلى الله عليه وسلم سأل رفع الخصلتين الأخيرتين فأخبر بأن ذلك قد قدر من قضاء الله، وأنه لا يرد . وأما ما زاده الطبراني من طريق أبي الزبير عن جابر في حديث الباب بعد قوله: قال ليس هذا، قال ولو استعاذه لأعاذه، فهو محمول على أن جابرا لم يسمع بقية الحديث، وحفظه سعد بن
أبي وقاص وغيره، ويحتمل أن يكون قائل ولو استعاذه الخ بعض رواته دون جابر والله أعلم».١٠ 🗏


١٠ ابن السبيل
١٠٤٥
وهذا التبرير الشرعي السابق لك أخي القارئ إن كنت مؤمناً. وأعلم أنت تدرك أن كل ابتلاء سيؤدي
للمزيد من الأجر لأنه سبحانه تعالى قال في محكم كتابه في سورة الزمر: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. أي أنه ليس من سنته سبحانه وتعالى أن يضرب الجماعات بالمجاعات لدرجة أكل الأطفال، بل هي ابتلاءات مؤقتة تقع على أفراد هنا وهناك. ولكنك قد تقول: ولكن هناك كوارث أخرى مما وقع على خير الناس كما حدث في طاعون عمواس في عهد السلف في الشام . فقد جاء في تفسير القرطبي عن طاعون عمواس قوله:
«وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين كما قال معاذ في طاعون عمواس إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم: (اللهم أعط معاذاً وأهله نصيبهم من رحمتك). فطعن في كفه رضي الله عنه. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة، ولم أعرف ما دعوة نبيكم، فسألت عنها فقيل: دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم، فمنعها فدعا بهذا. ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف). وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله عليه وسلم عن الطاعون: فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد. وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام: الطاعون شهادة والمطعون شهيد . أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه. ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد. وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث، والله أعلم».
۱۱
ستأتي الإجابة بعد عدة صفحات بإذن الله على هذه الحادثة (طاعون عمواس). فما أحاول إثباته لك منطقياً (وبالذات إن لم تكن مؤمناً أيها القارئ يتلخص في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وكذلك قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ كيف؟ هناك منظومة كونية (أولاً) ومقصوصة حقوق (ثانياً). فبالنسبة للمنظومة الكونية وهي التي وضعها الله القدير الحق الخالق الخلاق البارئ المصور جلت قدرته سبحانه وتعالى فهي سارية وذات دورات مثل مواقيت الشروق التي يمكن التنبؤ بمواعيدها بدقة، أو في النقيض لا يمكن التنبؤ بأوقاتها مثل الزلازل. ومع تقادم الزمن وتطور العلوم فإن ما لا يمكن التنبؤ بمواعيدها تتحول لملمات يمكن التنبؤ بمواعيدها مثل الأعاصير التي تُرى بالأقمار الصناعية قبل أن تضرب في أيامنا هذه. لذلك نجد أن القرآن الكريم لا يصف مثل هذه الملمات بالكوارث، بل بالشدائد كما في قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ . فالسنين السبع التي نقص فيها ماء نهر النيل برغم أنها كان من الممكن أن تكون كارثة هائلة لأنها مجاعات مستمرة لسبع سنين، إلا أنها وصفت بـ ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ . فالله سبحانه وتعالى جعل لنا فيها عبرة بالغة الأهمية وهي أنه إن تمكن البشر من التحرز وأخذ الاحتياطات اللازمة فإنه حتى وإن نقص نهر كالنيل ولفترة طويلة كالسنين السبع المتتالية فإنه لن تظهر المجاعة. ففي قصة يوسف عليه السلام عبرة ما بعدها عبرة عن مقصوصة الحقوق. فبرغم أن نهر النيل يكاد يكون المصدر الوحيد للري الزراعي في منطقة شبه صحراوية ومع انخفاض النهر لسبع سنين متتالية إلا أن يوسف عليه السلام تمكن من تلافي المجاعة في وضع
كان


١٠٤٦ 🗏
جميع سكان المناطق المجاورة يلجؤون فيه إلى منطقة النيل للتزود بالغذاء كما فعل إخوة يوسف عليه السلام. أي إن لم تطبق مقصوصة الحقوق فإن المنظومة الكونية ستظهر أحياناً وكأنها كوارث بيئية كما تُحدث الأعاصير، أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن تأثير مثل هذه الشدائد كالجفاف أو الأعاصير سيكون طفيفاً يستوعبه البشر إن هم فهموه لأنه جزء من المنظومة الكونية (أولاً) ، واستعدوا له ،(ثانياً)، وهاتان تأتيان بتطبيق مقصوصة الحقوق. ولتوضيح هذه الجملة الأخيرة أقول:
للإجابة على مثل هذه التساؤلات الشيطانية حول رحمة الله، قارن أخي القارئ الاقتباس السابق مما قاله المقريزي عن المجاعة بقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوزُونٍ﴾ . وركز على قوله تعالى: ﴿مَوزُون﴾ وكيف أنها قد تعني الاستدامة sustainability والله أعلم. فقد جاء في «التفسير الكبير
» ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ : وفيه بحثان البحث الأول : أن الضمير في قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾، يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض، وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي إلا أن رجوعه إلى الأرض أولى لأن أنواع النبات المنتفع بها إنما تتولد في الأراضي، فأما الفواكه الجبلية فقليلة النفع، ومنهم من قال رجوع ذلك الضمير إلى الجبال أولى لأن المعادن إنما تتولد في الجبال والأشياء الموزونة في العرف والعادة هي المعادن لا النبات.
البحث الثاني اختلفوا في المراد بالموزون وفيه وجوه الوجه الأول أن يكون المراد أنه متقدر بقدر الحاجة. قال القاضي: وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج إليه الناس وينتفعون به، فينبت تعالى في الأرض ذلك المقدار. ولذلك أتبعه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ﴾، لأن ذلك الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين: الأول بحسب الأكل والانتفاع بعينه، والثاني أن ينتفع بالتجارة فيه. والقائلون بهذا القول قالوا الوزن إنما يراد لمعرفة المقدار. فكان إطلاق لفظ الوزن لإرادة معرفة المقدار من باب إطلاق اسم السبب على المسبب. قالوا: ويتأكد ذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقدار، الرعد ۸، وقوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ . الحجر ۲۱
والوجه الثاني: في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب. والله تعالى إنما يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم. فلا بد وأن يحصل من الأرض قدر مخصوص ومن الماء والهواء كذلك، و ومن تأثير الشمس والكواكب في الحر والبرد مقدار مخصوص، ولو قدرنا حصول الزيادة على ذلك القدر المخصوص أو النقصان عنه لم تتولد المعادن والنبات والحيوان. فالله سبحانه وتعالى قدرها على وجه مخصوص بقدرته وعلمه وحكمته، فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع.

هامش

وجاء في تفسير القرطبي التالي: «﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ ، والمقصود من الإنبات الإنشاء والإيجاد. : أي مقدر معلوم، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما وقيل: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا﴾ ، أي في الجبال. ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونِ﴾ ، من قال موزون لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء، قال الشاعر: قد كنت الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقردير، حتى الزرنيخ قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه. وقال قتادة : موزون والكحل كل ذلك يوزن وزنا، روي معناه عن الحسن وابن زيد. وقيل يعني مقسوم. وقال مجاهد: موزون ،معدود ويقال هذا كلام أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن . وقيل ما يوزن فيه الأثمان موزون، أي منظوم غير منتشر . فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن لأنه أجل قدراً وأعم نفعاً مما لا ثمن له» (۱۲). من الجواهر والحيوانات والمعادن. وقد قال الله عز وجل في الحيوان:


١٠٤٧
١٠ ابن السبيل
رحمهم
والوجه الثالث في تفسير هذا اللفظ أن أهل العرف يقولون: فلان موزون الحركات، أي حركات متناسبة حسنة مطابقة للحكمة، وهذا الكلام كلام موزون إذا كان متناسباً حسناً بعيداً عن اللغو والسخف، فكان المراد منه أنه موزون بميزان الحكمة والعقل. وبالجملة فقد جعلوا لفظ الموزون كناية عن الحسن والتناسب. فقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونِ﴾»، أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة ومطابقة المصلحة.
والوجه الرابع في تفسير هذا اللفظ أن الشيء الذي ينبت من الأرض نوعان: المعادن والنبات. أما المعادن فهي بأسرها موزونة وهي الأجساد السبعة والأحجار والأملاح والزاجات وغيرها، وأما النبات فيرجع عاقبتها إلى الوزن لأن الحبوب توزن وكذلك الفواكه في الأكثر والله أعلم».
تلحظ في أول الاقتباس السابق إثارة التفريق في مرجعية الضمير في قوله تعالى: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا﴾ ، هل هو إلى الأرض أم إلى الجبال؟ فإن كانت القناعة أن ما على كليهما من إنبات فهو موزون، فلا حاجة عندها منطقياً لإثارة هذا التفريق. فالخطاب في الإنبات هو إذاً لكل ما في باطن أو ما على الأرض بما فيها الجبال. ثم تلحظ أن الفقهاء الله اختلفوا في المراد بالموزون على أربعة وجوه، إلا أنهم برغم اختلافاتهم، إن عاشوا واطلعوا على ما توصل إليه العلم اليوم من أن الكرة الأرضية عبارة عن دورات حياتية تدعم بعضها بعضاً (وهو ما يسمى اليوم بعلم الاستدامة sustainability)، فإنهم لن يعارضوا أن المراد بكلمة ﴿مَوْزُونٍ﴾ ذات ارتباط وثيق بالاستدامة (حتى مع تزايد التعداد السكاني للأرض كما سترى في الحديث عن نظرية مالناس في هذا الفصل بإذن الله). ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيشَ﴾، كما ذهب لذلك القاضي رحمه الله، تأويل على أن الله سبحانه وتعالى يعلم المقدار الذي سيحتاج إليه الناس وينتفعون به فيُنبت جلت قدرته ذلك المقدار سواء كان المنبوت نباتاً أو معدناً. أي أن الاستنتاج ممن ذهب للوجه الأول من الفقهاء لمعنى موزُون هو أنه لأنه سبحانه وتعالى يعلم الغيب، فقد وضع في الأرض ما يكفي سكانها في كل العصور. وما يدعم هذا التأويل من أن مَوْزُون قد تعني لنا اليوم بيئة مستدامة ذات عطاء يكفي جميع البشر هو الوجه الثاني في تفسير اللفظ من أن هذا العالم هو عالم الأسباب: أي أنه سبحانه وتعالى وزن ما تحتاجه النباتات والحيوانات والناس فأودع في الأرض ما يمكنها من الاستمرار، أو كما جاء في «التفسير الكبير»: «فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع». أما الوجه الثالث للتأويل فهو أيضاً يدعم أن مَوْزُون يعني الاستدامة، لأن لفظ مَوْزُون يعني «الحسن واللطافة ومطابقة المصلحة»، وهذا بالطبع لسكان الأرض. وبالنسبة للوجه الرابع للتأويل، وهو أن ما ينبت في الأرض عموماً نوعان: المعادن والنبات، وأنهما مما يوزن، وأنه سبحانه وتعالى أنبت في الأرض منهما ما يكفي البشر، فهو أيضاً تأويل يدعم أن المقصود من قوله تعالى: ﴿موزُون لابد وأن يعني الاستدامة، ولكن فقط إن طبق شرع الله كما سترى بإذن الله. فالسؤال هو الآن: إن كانت الآيات الكريمة تشير إلى الاستدامة فهل هناك تعارض بين ما وصفه المقريزي من مجاعات وبين الآيات التي تدل على أن ما على الأرض من خيرات ستكفي الناس لأن الله سبحانه وتعالى جواد كريم معط واهب وهاب؟ لعلك قد تقول ابتداءً أن ما قاله المقريزي من أكل الأم لابنها بسبب المجاعة مبالغة تعودنا عليها في كتابات بعض من سبق، وهذه منها . إلا أن الاستنتاج الأهم بالنسبة لموضوعنا هو أن المجاعات كما أثبت لنا التاريخ دائمة الظهور، وفي هذا تعارض ظاهري مع الآيات (التي تؤكد كرم الله سبحانه وتعالى وجوده وعطاءه والحياة الطيبة للمؤمنين وأن ما على الأرض من خيرات يكفي سكانه لاتزانه). فقد قفز سعر


١٠٤٨ 🗏
الرز مثلاً أثناء كتابتي لهذا الكتاب لأكثر من الضعف خلال عدة أشهر ثم إلى الضعف مرة أخرى خلال أسبوعين ( وذلك في شهر ربيع الآخر ١٤٢٨هـ)، وهناك الكثير من التنبؤات أن مئات الملايين من الناس في الدول الفقيرة قد يموتون جوعاً بسبب النقص في الغذاء على مستوى العالم. أي أن هناك تناقضاً ظاهراً بين الآيات وبين الواقع. للإجابة على هذا التناقض الظاهري لنجب أولاً على السؤال الآتي: كيف ولماذا حدثت المجاعة في مصر التي بها نهر النيل وهو نهر فيه الكثير من الخير؟ بالطبع فإن الإجابة الظاهرة ستكون كما وضح المقريزي في أول الاقتباس بسبب نقص المياه أو هبوب الرمال وبالتالي قلة الإنتاج الزراعي أي بـ بسبب شدة بيئية. ولكن في الوقت ذاته، إن حدثت شدة في الدول الصناعية المعاصرة، فلن تحدث المجاعة عندهم، لماذا؟ فعندما ضرب إعصار كاترينا مثلاً مدينة نيوأورليانز، فرغم كل الدمار الذي أحدثه، فإن عدد القتلى لم يكن كبيراً مقارنة بتدمير مدينة بأكملها. فها هي ذي الأمور ترجع إلى ما كانت عليه رويداً رويداً، وهذه شدة مفاجئة وأكثر شدة من نقصان ماء النيل الذي يظهر رويداً رويداً ويمكن التنبؤ به من منابع النهر مع تقدم العلم. فهم في الدول الصناعية إن نقص نهر عندهم فهم رويداً رويداً يتمكنون من تلافي المجاعة، كما حدث في مصر في عهد يوسف عليه السلام الذي تصدى للمجاعة. أما عندما ضرب بورما مثلاً إعصار في جمادى الأولى من سنة ١٤٢٩ هـ فقد قتل مباشرة ما يزيد عن مائة ألف لأنه شعب متخلف. حتى وإن كان المجتمع متقدماً تقنياً كما حدث في السونامي الذي ضرب اليابان ودمر المفاعل النووي بمنطقة فوكوشيما، فاليابانيون يعلمون أن مثل هذا السونامي يضرب تلك الشواطئ كل خمسين إلى مئة سنة، ومع هذا استوطنوها. أي أنه ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ . فهم مثل بعض سكان شواطئ أندونيسيا، بدل السكني بعيداً عن الشاطئ، نسوا جيلاً بعد جيل النظام الكوني ثم عند وقوع الكارثة رموا باللوم على الطبيعة التي هي من خلق الرحمن الرحيم!! لقد وثق اليابانيون بتقنيتهم كثيراً وبنوا مفاعلاً نووياً ثم بعد دماره لم تعد المنطقة صالحة للحياة البشرية والحيوانية والنباتية، فقد كان من الممكن إعادة استثمار الشاطئ للزراعة إن لم يظهر التلوث الإشعاعي بسبب دمار المفاعل.
إن ما أحاول توضيحه هو أن الشدائد ولا أقول الكوارث البيئية جزء من النظام الكوني، فلا يمضي أسبوع
في
إلا وتسمع فيه عن أعاصير أو جفاف أو فيضانات أو زلازل أو ما شابه من أحداث أو ملمات تضرب منطقة ما العالم، لكن هذه الأحداث أشد ما تكون تأثيراً في الدول المتخلفة. فكما هو معلوم فإن المجتمعات تتباين في مقدرتها على التعامل مع هذه الأحداث. وما أحاول توضيحه (كما ستستنتج بإذن الله خلال الفصول القادمة) هو أنه مع تطبيق الشريعة فإن حدة تأثير هذه الملمات على السكان ستتضاءل حتى أنها قد تصل لدرجة متدنية من التأثير على حياة الناس إلا بقدر اقتصادي يسير على مجموع الأمة دونما وفيات وحتى إن كانت الملمة شديدة كما في السنين السبع الشداد في قصة يوسف عليه السلام، وأن العكس هو الذي حدث في مصر من مجاعة في العصور المختلفة لأن الشريعة لم تطبق في مصر آنذاك كما يجب، فكانت نسبة تعداد من هم أعلى قليلاً من مستوى خط الفقر من السكان جد مرتفع، ومع النقصان القليل في الغذاء ارتفعت الأسعار بفعل قوى العرض والطلب في الأسواق فلم يتمكن هؤلاء الكثرة من متوسطي الدخل أو ممن هم أعلى قليلاً من خط الفقر من التعامل مع الغلاء، فظهرت المجاعات لتخزين الغذاء من قبل من لديهم الأموال خوفاً من الجوع، فكان النقصان الحاد المفتعل للمواد الغذائية. وهنا تأتي الإجابة على السؤال: لماذا حدث هذا في بلاد المسلمين ولا يحدث عند الغرب الآن؟ والإجابة كما وضحت في الحديث عن «العقل أم التمكين» في فصل «قصور العقل» هي أن التمكين الذي تمتع به أفراد المجتمعات


١٠ ابن السبيل
١٠٤٩
الغربية أفرز أفراداً أكثر تحملاً لمثل هذه الكوارث برغم أنها مجتمعات ليست مسلمة لأن الأفراد أكثر تمكيناً ولأن الحكومات أكثر تحملاً للمسؤولية بسبب الديمقراطية لكن تذكر أن الديمقراطية ستؤدي للفساد لا محالة)، وأن هذا لم يكن الحال في الدول الإسلامية لأنها خرجت عن مقصوصة الحقوق، وأنه إن طبقت الشريعة فإن مثل هذه الشدائد ستكون أقل تأثيراً على المسلمين منها على أي مجتمع غربي. وللمزيد من التوضيح أقول:
تدخلات
هناك جانبان للمسألة، الجانب الأول هو سلوكيات الناس في حال المجاعات، والجانب الآخر هو الحكومات التي تؤثر في مقصوصة الحقوق. لنعود إلى مصر أولاً: إن قرأت كتاب المقريزي فإن أول ما تلحظه هو كثرة المجاعات مع تقادم الزمن لدرجة أنها قد تأتي أحياناً في فترات قد تقل عن عشر سنوات. وأن ما يركز عليه المقريزي هو المجاعة الغلاء والذي قد يكون لسبب غير بيئي أحياناً وتزداد حدته مع الشدائد البيئية فتجده يقول واصفاً أول غلاء في الإسلام في مصر ثم مستطرداً:
بسبب
ثم جاء الله سبحانه بالإسلام، فكان أول غلاء وقع بمصر في سنة . سبع وثمانين من الهجرة، والأمير يومئذ بمصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان من قبل أبيه. فتشاءم الناس، لأنه أول غلاء، وأول شدة رآها المسلمون بمصر. .. ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية في محرم سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة [٣٣٨ هـا والأمير يومئذ أبو القاسم أنوجور بن الإخشيد، فثارت الرعية ومنعوه من صلاة العتمة في الجامع العتيق. ثم وقع غلاء في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة [ ٣٤١ هـ ] ، فكثر الفأر في أعمال مصر، وأتلف الغلات والكروم وغيرها، ثم قصر النيل فنزع السعر في شهر رمضان. وفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة [٣٤٣ هـ عظم الغلاء حتى بيع القمح كل ويبتين ونصف بدينار. ثم طلب فلم يوجد وثارت الرعية وكسروا منبر الجامع بمصر. ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية أيضاً واستمر تسع سنين متتابعة وابتدأ في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة [٣٥٢ هـ] والأمير إذ ذاك علي بن الإخشيد، وتدبير الأمور إلى الأستاذ أبي المسك كافور الإخشيدي. وكان سبب الغلاء أن ماء النيل انتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعاً وأربع أصابع، فنزع السعر بعد رخص، فما كان بدينار واحد صار بثلاثة دنانير، ... ثم مات كافور فكثر الاضطراب وتعددت الفتن وكانت حروب كثيرة بين الجنـد والأمراء قتل فيها خلق كثير، وانتهبت أسواق البلد وأحرقت مواضع عديدة فاشتد خوف الناس وضاعت أموالهم وتغيرت نياتهم وارتفع السعر وتعذر وجود الأقوات ... ثم وقع الغلاء في أيام الحاكم بأمر الله وذلك في سنة . وثمانين وثلاثمائة [۳۸۷) هـ ] ، وكان سببه قصور النيل . ، ... فلما كانت سنة خمس وتسعين وثلاثمائة [٣٩٥ هـ] توقف النيل حتى كسر الخليج في آخر مسري، ... فارتفعت الأسعار ووقفت الأحوال في الصرف، ...» ..
سبع
۱۳
لعل أول ملحوظة على الاقتباس السابق هي أنه لم ير مسلموا مصر غلاءً حتى سنة ٨٧ للهجرة، وما هذا والله أعلم إلا لأن الشريعة كانت أكثر تطبيقاً، ثم بعد ذلك ظهر الغلاء الثاني وكان ذلك سنة ٣٣٨ للهجرة، أي بعد أكثر من مئتي سنة، ثم تقاربت الفترات بين المجاعات. وفي هذا مؤشر جيد على أن هناك علاقة واضحة بين تطبيق مقصوصة الحقوق وبين المجاعات. فكان التقارب (إن تصفحت كتاب المقريزي بين المجاعات لأقل من عشرة سنوات أحياناً بين المجاعة والأخرى بسبب الغلاء. أي أن الناس لم ينسوا بعد المجاعة السابقة، فهي لا تزال في ذاكرتهم ومع ذلك لم يحتاطوا لها ووقعوا في شراكها مرة أخرى لماذا؟ إن السبب والله أعلم هو أن السواد الأعظم من الناس أفراد لا قرار لهم يمكنهم من الاحتياط للمجاعات لأن ما لديهم من مال بالكاد يكفيهم لتغطية


1.0. 🗏
ضرورياتهم، وهذا قد لا يحدث في المناطق الصحراوية مثلاً، فالناس في المناطق الصحراوية لم يعانوا من المجاعات كذات التكرار كما هو الحال في مصر لأنهم أناس احتاطوا لقلة الغذاء المتوقع عندهم إن حدث طارئ ما، فقد تتعرض طرقات توصيل الإمدادات الغذائية للتعطل بسبب خلاف سياسي أو ما شابه. أي لأن فرص تعرضهم للمجاعة أكثر، فهم أكثر حذراً ولديهم بالتالي من المؤن التي تخزن وتُقتات مثل الفواكه المجففة واللحوم المملحة والسكاكر ما يكفيهم لآجال طويلة. أي أن قلقهم المستمر أوجد لديهم ولدى جميع السكان في مثل هذه الظروف الصعبة نوعاً من الحذر في تأمين الغذاء باستمرار وبالتالي أصبح التفكير والاستعداد للمجاعة عرفاً فأضحى الغذاء موفوراً حتى وإن كان قليلاً جداً بحيث لا تقع المجاعة إلا نادراً. وهذا ما لم يحدث في مصر لأن السكان لم يبلوروا أعرافاً تعتمد بالدرجة الأولى على المواد الغذائية طويلة الأجل لأن الإشكالية ليست جغرافية بقدر ما هي اقتصادية سياسية بالنسبة لهم، بينما هي لأهل قرية صحراوية جغرافية أولاً ثم اقتصادية سياسية. فسكان مصر يأملون في حكم لا يؤدي بهم ! للغلاء لأن الخير متوافر ويرونه أمامهم، لكن لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق فإن آمالهم لم تتحقق، بل ظهر الغلاء بعد الغلاء فاستمر الجوع في الظهور، والذي كان من المفترض به أن يظهر في قـريـة صحراوية أيضاً، ولكن لأن الأعراف التي تتصدي للجوع أخذت موقعاً متقدماً في أولويات» أهل القرية الصحراوية لم تظهر عندهم المجاعات بقدر ظهورها في مصر.
وهناك سبب آخر هو أن طبيعة سكان مكة المكرمة مثلاً لا تشبه سكان مصر المنتجة غذائياً والتي تعتمد على الكثير من الأيدي العاملة الكادحة، وهؤلاء هم الأفقر الذين لا يحتملون أي غلاء يذكر، فالمسألة ليست في توافر الغذاء فقط ولكن في التركيبة الاقتصادية، أي في عدم تطبيق مقصوصة الحقوق. فإن نظرت للاقتباس السابق الثاني للمقريزي، تلحظ أن السلطان أمر بجمع الفقراء وفرقهم على الأمراء بحيث أن على أمير المائة أن يؤمن الغذاء لمئة إنسان، وعلى أمير الخمسين أن يؤمن الغذاء الخمسين، وهكذا. أي أن مجموع ما هو متوافر في مخازن السلاطين والمقربين منهم والتجار يكفي الجميع، فالإشكالية هي في العدالة في التوزيع وليست في نضوب الخيرات بالدرجة
الأولى كما أثبتت لنا قصة يوسف عليه السلام. تأمل الآتي مما قاله المقريزي وكيف أن المجاعة تم تلافيها:
«وبلغت زيادة النيل في سنة ثمان وتسعين [۳۹۸ هـ] أربعة عشر ذراعاً وأصابع، فلحقت الناس من ذلك شدائد. وتمادى الحال إلى سنة تسع وتسعين [٣٩٩ هـ] فكسر الخليج في خامس عشر توت، والماء في خمسة عشر ذراعاً، فنقص في تاسع عشر توت وانحط. فعظم الأمر، وكظ الناس [أجهدهم وآلمهم] الجوع، فاجتمعوا بين القصرين، واستغاثوا بالحاكم في أن ينظر لهم، وسألوه أن لا يهمل أمرهم، فركب حماره وحرج وخرج من باب البحر، ووقف وقال: «أنا ماض إلى جامع راشدة، فأقسم بالله لئن عدت فوجدت في الطريق موضعاً يطؤه حماري مكشوفاً من الغلة لأضربن رقبة كل من يقال لي أن عنده شيئاً منها، ولأحرقن داره وأنهبن ماله». ثم توجه وتأخر إلى آخر النهار، فما تبقى أحد من أهل مصر والقاهرة وعنده غلة حتى حملها من بيته أو منزله وشونها في الطرقات، وبلغت أجرة الحمار في حمل النقلة والواحدة ديناراً. فامتلأت عيون الناس، وشبعت نفوسهم، وأمر الحاكم بما يحتاج إليه في كل يوم، ففرضه على أرباب الغلات بالنسيئة، وخيرهم في أن يبيعوا بالسعر الذي يقرره بما فيه من

هامش

هـ ) «الأهراء هي حواصل لخزن أنواع الغلال المتنوعة الخاصة وله ناظر يسمى ناظر الأهراء وينفق منها ما يوقع به عليها. وتعرف بالسلطان احتياطاً للطوارئ الاقتصادية ولا تفتح إلا عند الضرورة الأهراء في مصطلحنا الحديث بالشونة»، كما يقول المحقق (١٥). وكان كل من أراد بيع غلة اتجه إلى الأهراء لبيعها. وكان للأهراء ديوان


1051 ابن السبيل
الفائدة المحتملة لهم، وبين أن يمتنعوا فيختم على غلاتهم ولا يمكنهم من بيع شيء منها إلى حين دخول
١٤
الغلة الجديدة. فاستجابوا لقوله وأطاعوا أمره، وانحل السعر وارتفع الضرر، ولله عاقبة الأمور » . ۱٤
ويقول في موضع آخر
يدبر
«ثم وقع الغلاء في أيام الخليفة الآمر بأحكام الله ووزارة الأفضل ، بلغ القمح في كل مائة اردب بمائة وثلاثين ديناراً. فتقدم الخليفة إلى القائد أبي عبد الله بن فاتك، الملقب بعد ذلك بالمأمون البطائحي، أن الحال، فختم على مخازن الغلات وأحضر أربابها وخيرهم في أن تبقى غلاتهم تحت الختم إلى أن يصل المغلّ الجديد أو أن يفرج عنها وتباع بثلاثين ديناراً كل مائة أردب. فمن أجاب أفرج عنه، وباع بالسعر المذكور، ومن لم يجب أبقى الختم على حواصله وقدر ما يحتاج إليه الناس في كل يوم من الغلة، وقدر الغلال التي أجاب التجار إلى بيعها بالسعر المعين، وما تدعو إليه الحاجة، بعد ذلك بيع من غلات الديوان على الطحانين بالسعر. فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت الغلة الجديدة، فانحلت الأسعار واضطر أصحاب الغلة المخزونة إلى بيعها خشية من السوس، فباعوها بالنزر اليسير، ندموا على ما فاتهم من البيع بالسعر الأول. ثم وقع غلاء شنيع وقحط ذريع في أيام الحافظ لدين الله ووزارة الأفضل بن وحش إلا أنه لم يستمر، فإن الأفضل المذكور كان قد ركب إلى الجامع العتيق بمصر وأحضر كل من يتعلق به ذكر الغلة، وأدب جماعة من المحتكرين ومن يزيد في الأسعار، ووظف عليهم القيام بما يحتاج إليه في كل يوم. وباشر الأمر بنفسه وأخذ فيه بالحد، فلم يسع أحد خلافه، ولم يزل الحال كذلك إلى أن من الله تعالى بالرخاء، وكشف عن الناس ما نزل بهم من البلاء، ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . ثم وقع غلاء في أيام الفائز بوزارة الصالح طلائع بن رزيّك، وبلغ فيه الأردب خمسة دنانير لقصور ماء النيل عن الوفاء. وكان بالأهراء من الغلات ما لا يحصى، فأخرج جملة كثيرة من الغلال وفرقها على الطحانين، وأرخص سعرها ومنع من احتكارها وأمر الناس ببيع الموجود منها وتصدق على جماعة من المتجملين والفقراء بجملة كثيرة. وتصدق سيف الدين حسين وغيره من الأمراء وأرباب الجهات بالقصر ما نفس عن الناس، ولم يستمر الحال على ذلك سوى مدة يسيرة حتى فرج الله وهجم الرخاء».
17
١٠٥١
ويقول المقريزي في موضع آخر إشارة إلى كثرة المخزون لدى السلاطين ومن حولهم من الأمراء الأثرياء
وكيف أن بعض التجار ماتوا حسرة لكساد بضاعتهم لاحتكارهم لها وعدم تمكنهم من بيعها في الوقت المناسب أثناء
المجاعة بسبب جشعهم فاعتراها السوس:
«واستمر النيل ثلاث سنين متوالية لم يطلع منه إلا القليل، فبلغ الأردب من القمح إلى ثمانية دنانير. وأطلق العادل للفقراء شيئاً من الغلال وقسم الفقراء على أرباب الأموال، وأخذ منهم اثني عشر ألف نفس، وجعلهم في مناخ القصر، وأفاض عليهم القوت، وكذلك فعل جميع الأمراء وأرباب السعة والثراء، وكان الواحد من أهل الفاقة إذا امتلأ بطنه بالطعام بعد طول الطوى سقط ميتاً، فيدفن منهم كل يوم العدة الوافرة، حتى أن العادل قام في مدة يسيرة بمواراة نحو مائتي ألف وعشرين ألف ميت، فإن الناس كانوا يتساقطون في الطرقات من الجوع، ولا يمضي يوم حتى يؤكل عدة من بني آدم. وتعطلت الصنائع وتلاشت الأحوال وفنيت الأقوات والنفوس حتى قيل: «سنة . سبع افترست أسباب الحياة»، فلما أغاث الله الخلق بالنيل لم يوجد أحد يحرث أو يرزع، فخرج الأجناد بغلمانهم وتولوا ذلك بأنفسهم، ولم تزرع أكثر البلاد لعدم الفلاح، وعدمت الحيوانات جملة، فبيع فروج بدينارين ذلك كانت المخازن مملوءة غلالاً. والخبز متيسر الوجود يباع كل رطل بدرهم ونصف،
ونصف، ومع د


١٠٥٢ 🗏
وزعم كثير من أرباب الأموال أن هذا الغلاء كسني يوسف عليه السلام، وطمع أن يشتري بما عنده من الأقوات أموال أهل مصر ونفوسهم، فأمسك الغلال وامتنع عن بيعها. فلما وقع الرخاء ساست [أي اعتراها السوس] كلها ولم ينفع بها فرماها، وأصيب كثير ممن اقتنى المال من الغلال، فبعضهم مات عقب ذلك شر ميتة، وبعضهم أجيح في ماله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ، وهو الفعال لما يريد». ويشير في موضع آخر إلى كثرة الخير حتى أثناء المجاعة وموت الناس توضيحاً لما لدى السلطان من مال:
۱۷
وخلت الضياع من أهلها، حتى أن القرية التي كان بها مائة نفس لم يتأخر بها إلا نحو العشرين، وكان أكثرهم يوجد ميتاً في مزارع الفول لا يزال يأكل منه إذا وجده حتى يموت، ولا يستطيع الحراس ردهم لكثرتهم . ومع ذلك زكت الغلال في الكيل أضعاف المفهوم. ولقد كان للأمير فخر الدين الطنبغا المساحي من جملة زرعه مائة فدان فول، لم يمنع أحداً من الأكل منها في موضع الزرع، ولم يُمكن أحداً من يحمل منه شيئاً. فلما كان أوان الدراس لم يرض بمن وكل إليه أمر الزرع حتى خرج بنفسه، ووقف على أجران تلك المائة فدان الفول، فإذا تل عظيم من القشر الذي أكل الفقراء فوله أخضر، فطاف به وفتشه فلم يجد به شيئاً من الفول، فأمر به عند انقضاء شغله أن يُدرس لينتفع بتبنه، فحصل منه سبعمائة وستون أردباً، فعُدّ ذلك من بركة الصدقة وفائدة أعمال البر ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ »
۱۸
وهنا ملحوظة مهمة، أن المجاعة قد وهي تم تلافيها في الحالات السابقة بتدخل السلاطين أو تصدق الأمراء، وهذا حل مؤقت برغم حله لأزمة المجاعة، إلا أن لتدخل السلطات سلبيات كثيرة كما سترى بإذن الله. فقد يؤدي إلى عزوف البعض عن التجارة، وقد يؤدي إلى الرشاوي بأن يفلت بعض التجار من قبضة السلطان لأن موظفيه ليسوا بالأمانة الكافية، وهكذا من ثغرات سنأتي عليها بإذن الله في فصول الفصل والوصل» و «الموافقات» و «البركة». فليس الحل في تدخلات الدولة، بل حلول ذاتية أخرى وضعتها الشريعة سيأتي بيانها بإذن الله، ولكن فقط ذكرت السابق لإثبات أن ما هو متوافر في المخازن يكفي السكان. أي أن العبرة من السابق هو أنه لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق، فإن البنية الاقتصادية تؤدي لظهور النقصان في الموارد وذلك لتركيبة السوق التجارية من جهة (كما سترى بإذن الله ) ، ولأن نفوس الناس من جهة أخرى، عادة ما تكون أكثر شراهة وأنانية كنفوس التجار مثلاً الذين قد يحتكرون الغذاء إن لم تطبق مقصوصة الحقوق.
أي أن هناك علاقة وطيدة بين قيم الناس وسلوكياتهم ومدى تطبيق مقصوصة الحقوق. فمع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن نفوس الناس ستكون ذات إيثار وجود وعطاء. فالناس (ومنهم التجار) سيسعون في الغالب لإيثار الآخرين على أنفسهم للحصول على المزيد من الأجر. وكما هو معلوم فإن الأجر يزداد بزيادة حاجة المعطي لما يتصدق به لغيره. هنا نرى أن الإسلام يحث على هذا السلوك بشدة كما في قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. لاحظ قوله تعالى: ﴿خَصَاصَةٌ﴾، فهي تعني الفاقة. ولاحظ أيضاً كلمة مَسْغَبَة والتي تعني مجاعة في قوله تعالى في سورة البلد: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةِ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةً﴾. فالسغب الجوع، والساغب هو الجائع. وهناك آيات أخرى وأحاديث كثيرة في هذا الخصوص كما هو معلوم، وفيها من الحض على الإيثار لدرجة أن البعض من المؤمنين قد


١٠ ابن السبيل
١٠٥٣
ينتظرون المجاعات للتفاني في العطاء، لا كما يحدث عادة من فزع بظهور أقل غلاء ما يؤدي بالناس لخزن الغذاء تحسباً من سوء الحال مما يؤدي للمزيد من الغلاء لنقصان المتوافر في الأسواق، وهكذا يزداد الخوف من المجاعة فيزداد خزن الناس للغذاء فيزداد الغلاء ويزداد الخوف ثم الخزن ثم الغلاء فتظهر المجاعة المفتعلة التي أول ما تقع على بطون الفقراء. وهكذا من دورات من الخوف والخزن والغلاء حتى تنضب الأسواق فتظهر المجاعة المفتعلة
فعلاً.
أي أن الإسلام يحارب المجاعة أيضاً من خلال سلوكيات الأفراد ليرتقي بهم في جميع الحالات سواء طبقت مقصوصة الحقوق أو لم تطبق لأن هذه مسألة تخص الأفراد في سلوكياتهم. فالفقير باستطاعته الإيثار والتصدق على آخر أكثر فقراً منه حتى وإن كان السلطان جائراً. أي أن لدينا مقصوصة أو منظومة حقوق تؤثر في سلوكيات الأفراد، فيكون المجتمع مكون من أفراد أكثر إيثاراً أو أكثر أنانية في مجموعهم على مستوى المجتمع؛ أما على مستوى الفرد فإن لكل فرد سلوكه الذي يرتقي به لدرجة معينة من الإيثار بناء على درجة إيمانه (وهذه سيأتي بيانها بإذن الله).
.
تذكر أخي القارئ أنني حاولت مراراً الفصل بين القيم والحركيات وأنه حتى وإن طبق غير المسلمين حركيات التمكين فسيتمكنون. كيف؟ إن ما ذكر سابقاً من سلوكيات مختلفة واستعدادات متفاوتة ما هي إلا العوامل الظاهرية التي تؤثر في ظهور المجاعات، وهناك بالطبع عوامل أخرى مثل علاقات التجمعات الحضرية الاقتصادية مع ما يجاورها من أقاليم وما شابه، إلا أنها جميعاً ليست الجذور بقدر الآتي (وبالذات لك أيها القارئ إن لم تكن مسلما): كما سأحاول الإثبات بإذن الله ، فإنه مع تطبيق مقصوصة الحقوق ووصول الناس للخيرات وحرية الحركة والإنتاج فإن الخير إنتاجياً سيزداد ويعم. ومع تقارب الناس في الدخل في مجتمع ترتفع فيه نسبة الملاك، فإن كل جماعة ستتمكن من إيجاد العرف الذي يؤهلها للتصدي لأي مجاعة لأن لديها من الخبرة في التعامل مع ظروف منطقتها ما يؤهلها لذلك التصدي، وهذا ما لم يحدث في مصر لارتفاع نسبة الفقراء مقارنة بالقلة من الطبقة الحاكمة الذين كانوا يحتاطون للمجاعة بخزن أكثر مما يستهلكون مثلهم مثل التجار الاحتكاريين. ولأن القرارات عادة بأيدي هؤلاء القلة، فإن همهم لم يكن منصباً على إيجاد هذه الأعراف للتحسب للمجاعات، بينما الفقراء منشغلون في كدهم لتغطية نفقات ضرورياتهم، فضاعت فرصة ظهور الأعراف لانقسام المجتمع. وبالعكس: أي مع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن الشدائد تصبح معلومة ومتوقعة وباستطاعة المجتمع التصدي لها من جانبين: الجانب الأول هو التقدم المعرفي، والجانب الثاني هو سلوكيات الأفراد. وهذان الجانبان كما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله يزدادا ازدهاراً في المعرفة وإيثاراً في السلوك مع تطبيق مقصوصة الحقوق. عندها نستطيع القول أن المؤمنين يحيون حياة طيبة في مأمن من المجاعات، ولكن مع بعض الابتلاءات التي تصيب بعض الأفراد. أي أن المجاعات إن ظهرت فهي من عند أنفسنا، أي من الناس إن لم يطبقوا مقصوصة الحقوق وليس من الشدائد الكونية بالدرجة الأولى. ومع تقادم الزمن واستمرارية تطبيق مقصوصة الحقوق جيلاً بعد جيل تتبلور العلوم التي ستتمكن من التصدي لخطورة ظهور المجاعات، فيتمكن المجتمع المصري مثلاً من معرفة أوقات انخفاض منسوب ماء النيل من منابعه والتعامل معه بالاستعداد له، وهكذا تنتقل الشدائد الكونية التي لا يمكن التنبؤ بوقت ظهورها إلى منظومات يمكن التحرز منها والاستعداد لها ببناء الصوامع المناسبة حجماً واستحداث الوسائل لحفظ الأغذية المحلية لآماد أبعد، وهكذا.


١٠٥٤ 🗏
أيضاً:
ولكن ماذا عن طاعون عمواس؟ أليست كارثة عمت المجتمع؟ وهل يمكن القول أن الإجابة هي ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ ؟ فالطاعون يكون قاتلاً إن كان المجتمع جاهلاً بالمرض. وهذا الذي حدث. ولعلك تسأل: وهل من العدل أن يبعث الله الحق سبحانه وتعالى مرضاً فتاكاً لأمة لا تستطيع التعامل معه؟ فأجيب: لقد كتب الله سبحانه وتعالى علينا الإيمان به بالغيب ليتم تمييز الناس بين مؤمن وكافر. وفرض على المؤمن عبادات ومنها شتى أنواع الأعمال لإعمار الأرض لتتفوق الأمة المسلمة على غيرها من الأمم فينتشر الحكم بما أنزل الله (أي تطبيق مقصوصة الحقوق، فيعيش البشر خلائف دون فساد هذا هو «المحك»، العمل لأجل أجر الآخرة لأن المؤمن يؤمن بالغيب، أو العمل من أجل المال ولكن في إطار مخافة الله جلت قدرته. وكيف يكون الأجر عظيماً لعمل نتائجه متوقعة وأكيدة؟ إذاً لابد من المجاهدة، وأعلى ما تكون المجاهدة إن حفت بنتائج غير متوقعة، مثل الجهاد في سبيل الله الذي قد لا ينتهي بالنصر ولكن بالموت (الشهادة)، ومثل الهجرة للضرب في الأرض التي قد لا تنتهي بالربح ولكن بالنصب والخسارة، وهكذا. لذلك، وحتى يكون الامتحان مثيراً وصعباً وبحاجة للمثابرة والمجاهدة والإبداع والتفكر خلق الله الحق سبحانه وتعالى الضر (والله أعلم) من أصغرها حجماً (مثل الأتربة التي تتطاير في الهواء لتسبب الحساسية للبعض، إلى الجراثيم الفتاكة التي تجتث الآلاف)، إلى أكبرها حجماً (مثل البراكين أو الأمواج الهائلة التي تجتاح الشواطئ فتجرف آلاف المنازل. فجميع هذه الشدائد بحاجة لإبداع في ظهورها وديمومتها، ولا يستطيع فعل ذلك إلا خالق عظيم. فقط فكر في الأتربة التي تتطاير في الهواء، فهذه بحاجة لطاقات هائلة لتطير. وفكر في الجراثيم، فهذه بحاجة لإبداع كي تخترق الأجسام وتُمرضها، فهي حية بديعة الخلق ولها مهمات محددة برغم ضُرها لنا. لذلك أوجد الله الحق سبحانه وتعالى، والله أعلم، جميع هذه الأضرار حتى نضطر للتصدي لها فتزداد الحياة إثارة وجهاداً فيتم التمييز بين من يعمل لوجه الله ممن يعمل لغير الله، أو من يعمل خوفاً من الله ومن يعمل دون الالتفات لحرمات الله. فكانت الأمراض لمعرفتها والتصدي لها ممن يريدون الأجر.
مع
کائنات
وفي .
هذا
وفي الوقت ذاته، فإن الحق سبحانه وتعالى خلق بشراً بعقلية إن طبقت مقصوصة الحقوق فإنها ستزدهر علمياً وتستطيع التصدي لمثل هذه الآفات. فطاعون عمواس لم يشمل الأمة المسلمة، بل وقع على جماعة في الشام، فكان من قتل منهم شهيداً بإذن الله، أما من نجا منهم فهو مر بتجربة تدفعه لحث المجتمع لإيجاد العلوم التي تكفل عدم ظهور هذا المرض مرة أخرى بالمجاهدة العلمية، فتتراكم المعرفة. فيرى كل من في الكون كيف أن الله الحق سبحانه وتعالى الخالق الخلاق البديع المصور خلق بشراً بعقلية باهرة تجيد التعامل والتفاعل الشدائد . التفاعل لإعمار الأرض دليل على عظمة الخالق جلت قدرته الذي خلق الإنسان المبدع. فما حدث في التعامل مع طاعون عمواس هو ظهور فكرة تفريق المسلمين لجماعات أصغر متباعدة لكي لا تنتقل العدوى بينهم حتى اختفى المرض. فبرغم بدائية هذا الحل بالنسبة للأطباء المعاصرين، إلا أنه كان في وقته حلاً جذرياً أنهى المرض بأقل وفيات ممكنة. وكما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله ، فمع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن المعرفة ستتجه نحو إسعاد أكبر عدد ممكن من السكان. فالأمراض المجهولة ستتحول إلى أمراض يمكن التعامل معها والتصدي لها بالتقدم المعرفي الذي يزدهر بتطبيق مقصوصة الحقوق من خلال العلماء المجاهدين جيلاً بعد جيل. فإن انتشرت مثل هذه الأمراض أو الشدائد واستمرت، فهو من عند أنفسنا لأننا لم نطبق شرع الله. أي أن الآفة كل الآفة هي في تدخلات الدول أو الحكومات أو السلاطين التي تؤدي لعدم تطبيق مقصوصة الحقوق فلا يتقدم العلم ويوظف كما يجب كما هو حال


١٠ ابن السبيل
1.00
مجتمعاتنا اليوم التي وصلت إلى القمر في علومها التقنية وهي لا تدرك بعد كيفية التخلص من بعض الأمراض التي تفتك بالملايين من الفقراء كمرض الملاريا برغم توفر المعرفة للعلاج، فالعلم لم يتقدم لإسعاد كل الناس. أي أنه إن لم يتم الاستعداد للشدائد كما يجب، ستصبح الأمراض أوبئة قاتلة، وتصبح الأعاصير كوارث مدمرة، ويؤدي الجفاف للمجاعات، فيلجأ الكفرة إلى سوء الظن بالله المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق. أما الملحدون، فإن لومهم يتجه نحو الطبيعة التي لا تفكر على أنها هي التي أوجدت الجراثيم والأعاصير والجفاف. وما أدركوا أنهم والطبيعة وكل من في الكون لن يستطيعوا حتى استحداث أصغر وأضعف جرثومة. لا، بل فوق كل هذا وذاك، واستكباراً على شرع الله، ومن خلال الحكم بالعقل، يزداد الفساد جيلاً بعد جيل.
ولعلك تسأل إن لم تكن مؤمناً ولكن الحياة الآن بها الكثير من الإثارة، فالأبحاث التي يقوم بها العلماء في
تقدم باهر ودون الحاجة للعمل لوجه الله عز وجل ولكن لجمع المال، أو حتى فقط للتلذذ بالبحث العلمي، ألا ترى كيف أن الأطباء العلمانيين تمكنوا من تقديم العلاج في شتى المجالات مثل غسيل الكلى؟ فما الحاجة للجهاد علمياً لمن يؤمنون بالغيب إن كان هذا ميسوراً في نظام رأسمالي يستأجر العلماء؟ فأجيب: إن ما تقوله صحيح، إلا أن العلاج ليس في متناول الجميع، أي أن المعرفة لم تتجه لخدمة الإنسانية، بقدر خدمة الأغنياء، والأسوأ هو أنها لم تتجه لاستغلال ثروات الأرض دون تدميرها. وهذه أمور سنأتي عليها في فصل «المعرفة» بإذن الله. وأرجو ألا تستنتج أيها القارئ بأنه لابد لنا من مجتمع مؤمن إن أردنا تطبيق مقصوصة الحقوق، أي لابد من الباحث المؤمن، ولابد من العامل المؤمن، ولابد من الحاكم المؤمن. فأجيب مذكراً: كما وضحت مراراً، فإنه حتى وإن طبق مجتمع كافر مقصوصة الحقوق فإنه سيعيش في رغد مادي في دنياه حتى وإن كان أفراده يعملون من أجل مصالح أنفسهم لأن الإطار الاجتماعي الاقتصادي الناتج من تطبيق مقصوصة الحقوق نظراً لارتفاع نسبة الملاك مثلاً سيدفع العلماء لإيجاد الأدوية التي تعالج السواد الأعظم لأنه هو الأكثر ربحاً (كما سترى بإذن الله في فصول قادمة). ولكن بالطبع، إن كان المجتمع مؤمناً ويُطبق مقصوصة الحقوق فسيكون أكثر رغداً وسعادة وعزاً.
ولكنك قد تقول أيضاً: إن هذا المؤلف اختار وضعاً محدداً من مصر لإثبات طرحه، فها هي ذي المدن مثل دبي والرياض في وسط الصحراء ويأتيها غذاؤها من كل مكان في عصر العولمة دون اكتراث سكانها حتى بالنظر للسماء هل ستمطر أم لا !!! فأجيب ولكنك إن نظرت للعالم من حولك ترى آثار المجاعات في مواضع أخرى مركزة من العالم كما في القرن الأفريقي مثلاً. وتراها متفرقة في كل العالم من خلال السكان الذين لا ماء نقي لديهم يشربونه، ولا مكيفات تقيهم حر الصيف، ولا وقود يقيهم برد الشتاء، ولا مال يؤمن لهم الدواء، وهكذا من مظاهر الفقر التي لا حصر لها ولا عد في كوكب يعج بكل أنواع الخيرات. فالمسألة ليست مجاعة بسبب نقص الرز والخبز، ولكنها مسألة فساد يرتكز على دعوى شح الموارد المفتعلة بسبب النظام الاقتصادي السياسي الوضعي الذي يدعي أن ما على الأرض من موارد لن يكفي البشر ، فهل هذا صحيح ؟ فلعل أهم ذريعة لتدخل الحكومات هي أن الموارد على كوكب الأرض غير كافية لجميع الناس، لذلك لابد للحكومات من التدخل للسيطرة على طريقة توزيعها بين الناس. إن تقصي صحة هذا الادعاء هو موضوعنا القادم بإذن الله.


١٠٥٦ 🗏

الندرة النسبية

لماذا تسيطر الدول على المصادر الطبيعية؟ هل تخاف عليها من الانتهاء؟ هل هناك حجم أمثل للسكان في الكرة الأرضية أو في دولة ما ؟ لقد تضاعف عدد سكان الكرة الأرضية بين عامي ١٩٥٠ و ١٩٨٧م من ٢,٥ إلى ٥ بلايين نسمة. وهذه زيادة سريعة إذا ما علمنا أن عدد سكان الأرض قد تضاعف من ١,٢٥ إلى ٢,٥ بليون نسمة خلال مائة عام. وأن المتوقع هو زيادة السكان إلى ٨ بلايين أو أكثر بحلول عام ٢٠٢٥م. ولكن كيف سيكون المستوى المعيشي في المستقبل بهذه الزيادة السكانية؟ لقد بدأ المفكرون في القلق عما يمكن أن يحدث للبشر مستقبلاً لأن معظم المفكرين على قناعة بأن موارد الأرض محدودة لأن الكرة الأرضية ذات حجم محدود أو حتى في ضمور، فكيف يمكن للناس العيش إذاً وهم في ازدياد؟ يقول آرثر ويستنج Arthur Westing مستنتجاً مثلاً: لابد لتعداد سكان الكرة الأرضية الحالي أن ينخفض إلى النصف إن أراد البشر العيش على مستوى من الاستهلاكية يشابه المستوى الغربي الحالي. ۱۹ أي ظهرت عدة أسئلة تربط زيادة النمو السكاني بموارد الأرض وبالفقر والجهل والمرض. وأهمية هذا الموضوع لطرح هذا الكتاب هو أن الإسلام دين لا يجبر الناس على تحديد النسل، وهذا بالطبع مضاد للفكر العلماني كما هو معلوم. كما أن الكثير من نظريات التنمية ترى ضرورة تحديد النسل لتتمكن المجتمعات من مواردها. لأن التمكن من الموارد سيزيد من دخل الدول التي ستستطيع عندها اللحاق بركب العولمة جنباً إلى جنب مع الدول الصناعية الغنية. وسأنتقد التنمية والعولمة في العالم الغربي في الفصول القادمة.
ولكن لغرض بناء هيكل الأمة الإسلامية في هذا الفصل والفصول القادمة لابد لنا من شرح علاقة الإنسان في الإسلام بالخيرات عموماً كالمواد الخام من حيث الكفاية، وكيفية استغلال الإنسان لها لعمارة الأرض. وحتى نتمكن من ذلك يجب أن نمر أولاً وسريعاً على هذه العلاقة فكرياً عند بعض علماء الاقتصاد من المسلمين ثم في العالم الغربي متمثلاً في نظرية مالثاس. أما إن كنت أخي القارئ مسلماً ممن يؤمنون بأن ما على الأرض من خيرات ستزيد دائماً عن استهلاك البشر فبإمكانك قفز الصفحات الآتية لأن تفاصيلها قد تبعدك عن لب طرح الكتاب، أي عن مقصوصة الحقوق التي تمكن الناس والذهاب مباشرة إلى الفقرة الأخيرة من الجزء القادم: «نظرية مالثاس»، ثم إلى عنوان: «انتشار أم ازدحام». أما إن لم تكن مسلماً، فعليك القفز إلى «نظرية مالثاس» إن أردت الاستعجال لأن التفاصيل في الصفحات القادمة هي للمتخصصين من المسلمين.
إن من أسس علم الاقتصاد عموماً أن الموارد على الأرض محدودة، بينما رغبات الإنسان لا حدود لها، ولهذا ظهر مصطلح الندرة النسبية». فما درج على تسميته بـ «المشكلة الاقتصادية هو فرضية مفادها أن المجتمعات الإنسانية تواجه محدودية في الموارد الطبيعية مقارنة باللامحدودية في الرغبات الإنسانية. لذلك، وحتى يتم تحقيق أكبر قدر ممكن من هذه الرغبات فلابد من تبني سلماً للأولويات على المستوى الفردي والجماعي حتى يتم توفير
الحاجات الأساسية والكماليات المتجددة. فالدكتور أنور عبد الكريم يقول مثلاً موضحاً المشكلة الاقتصادية:

هامش

و) كما أثبت العلم الحديث. تأمل قوله تعالى في سورة الرعد في الآية ٤١: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾, وكذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء في الآية ٤٤: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغَلِبُونَ﴾.


١٠ ابن السبيل
وحيث أن علم الاقتصاد علم إنساني - يهدف لدراسة جهود الإنسان الموجهة نحو سد حاجاته، فإننا سنتناول تحديد مفهوم المشكلة الاقتصادية. فالمشكلة الاقتصادية في المنظور الإسلامي تنحصر في الندرة النسبية للموارد الطبيعية وتعدد الحاجات الإنسانية وتجددها باستمرار، وهذا ما يؤدي إلى عجز الطبيعة عن تلبية تلك الحاجات، الأمر الذي يؤدي إلى ضرورة الاختيار بين البدائل. وفي المنظور الماركسي فإن المشكلة تنحصر في التناقض بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع، فإذا ساد التوافق بين شكل الإنتاج وتلك العلاقات فإن ذلك سيؤدي إلى سيادة الاستقرار في الحياة الاقتصادية. أي أن المشكلة الاقتصادية ستستمر طالما أن المجتمعات الإنسانية لم تصل إلى مرحلة الشيوعية، فإذا بلغت هذه المرحلة، فإن الإنتاج يصبح وفيراً ويتمكن عندها أفراد المجتمع من الحصول على كامل احتياجاتهم».
١٠٥٧
وبالطبع، فإن فكرة الندرة النسبية هذه تصطدم مباشرة مع العقيدة الإسلامية، ففي الاقتباس السابق كما ترى هناك اتهام بأن الطبيعة تعجز عن تلبية الحاجات البشرية، فالخطاب موجه للطبيعة، وما الطبيعة إلا من خلق الله الرازق الرزاق المعطي الواهب الوهاب الكريم الجواد جلت قدرته. فمن المسلّم به كما هو معلوم فإن الإسلام إن لم يحث على زيادة النسل، فهو لم يمانع ذلك قطعاً، بل ورغب فيه. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقال في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى في سورة الإسراء أيضاً: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَنًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾. وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَالْآنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾. فهذه الآيات هي بعض مما يستشهد به الفقهاء على عدم جواز منع النسل.٢١ أما من السنة المطهرة فقد جاء في فتح الباري مثلاً: «فأما حديث فإني مكاثر بكم فصح من حديث أنس بلفظ : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة). أخرجه ابن حبان وذكره الشافعي بلاغاً عن ابن عمر بلفظ: (تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم » . ۲۲ أي أن الإسلام يحث على النمو السكاني، وهذا الازدياد في النمو السكاني ضد فكرة محدودية الخيرات على الأرض إلا إن كان الإسلام يريد للبشرية أن تعيش في نقصان مستمر في مستهلكاتها جيلاً بعد جيل. أي أن لدينا إشكالية اقتصادية جذرية بين الإسلام والفكر العلماني ولابد لنا من تقصيها كمسلمين.
لأن فرضية محدودية الموارد تتجه ضد قناعات بعض الاقتصاديين المسلمين، أثابهم الله، أمثال عبد العزيز هيكل وعبد الله غانم ومحمد شوقي الفنجري، فقد ظهر فريق آخر من الاقتصاديين المسلمين مثل رفيق يونس المصري ومحمد علي القري يرى أنه من الواقعية والمنطق بمكان إن لم نسلّم بالندرة المطلقة فيجب على الأقل أن نسلم بالندرة النسبية للموارد. فالذين قالوا بأن الإيمان بالندرة عموماً ينافي العقيدة الإسلامية استدلوا بآيات منها مثلاً قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ، ومنها قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءَ لِلسَّائِلِينَ﴾. ففي مثل هذه الآيات دليل نصي على أن الموارد الطبيعية تفوق احتياجات السكان على الأرض. وبالطبع فإني في هذا الكتاب أرفض قبول فكرة الندرة النسبية لأنه لا النص القرآني ولا الحديث النبوي ولا المنطق الإنتاجي إن طبقت مقصوصة الحقوق


1.01 🗏
يدعم . هذا التوجه كما سأثبت بإذن الله . ولدحض آراء القائلين بالندرة النسبية اخترت الرد على باحثين معروفين. الباحث الأول هو رفيق يونس المصري إذ يقول في المشكلة الاقتصادية:
الحاجات. ومع
هي
الاختيار. ومع
O..
«ولأجل حل هذه المشكلة [أي المشكلة الاقتصادية، لابد من العمل على زيادة الموارد أو تقليل ذلك فإن هذا الحل يبقى نسبياً، لأن المشكلة الاقتصادية تبقى قائمة، ولكن حدتها تقل. إن حل المشكلة يقتضي الإنتاج مع ما فيه من زيادة المنافع والإنتاج يعني تخصيص عوامل الإنتاج مع ما فيه من تعظيم المنافع، كما يعني الإنتاج توزيع الناتج مع ما فيه من تعميم المنافع. هذه الندرة النسبية، وهذه هي المشكلة الاقتصادية التي يقال عنها بأنها مشكلة الندرة، وهذا هو علم الاقتصاد الذي يعرف، من بين تعريفات أخرى، بأنه علم الندرة، أو علم الاختيار، لأن الندرة تستلزم ذلك فإننا نسمع بين الحين والآخر أصواتاً من المسلمين وغيرهم تنكر الندرة، أو تقول بأن الندرة خرافة أو وهم. فقد صدر کتاب ترجم إلى العربية عام ۱۹۸۳م بعنوان: "صناعة الجوع: خرافة الندرة" الفرنسيس مور لابيه Frances Moore Lappe وجوزيف كولنز Joseph Collins أفرد الباب الأول منه للكلام عن رعب الندرة وجاء فيه: "إن تشخيص الجوع بأنه نتيجة لندرة الغذاء والأرض هو لوم للطبيعة على مشكلات من صنع البشر. ففي العالم يوجد على الأقل مليون من البشر سيئي التغذية أو الجائعين. هذا الجوع يوجد في مقابل الوفرة، وهنا تكمن الإهانة" وكان هذان المؤلفان قد أصدرا قبل ذلك في عام ۱۹۸۰م، كتاباً ترجم إلى العربية في عام ١٩٨٢م بعنوان: "۱۰ خرافات عن الجوع في العالم" ننقل منه هذا النص بتصرف: "الخرافة الأولى: يجوع الناس بسبب الندرة: يوجد الجوع في مقابل الوفرة، وهنا يكمن الانتهاك، فالأرض تنتج الآن أكثر مما يكفي لتغذية كل مخلوق بشري، سواء على مستوى الكون أو حتى على مستوى كل بلد من البلدان التي يقترن اسمها في أذهاننا بالجوع أو الموت (...). هناك أكثر من الكفاية لإطعام كل فرد، فإذا نظرنا إلى الحبوب وحدها وجدنا أن محصولها يكفي لسد حاجة كل فرد (...) الجوع حقيقي، أما الندرة فلا". وفي عام ١٩٨٢م، نشر أحد الاقتصاديين العرب، وهو الأستاذ الدكتور جلال أحمد أمين، مقالاً في مجلة العربي بعنوان: "خرافة الحاجات الإنسانية غير المحدودة قال فيه: "لا أعتقد أن أحداً ممن يشتغلون بأي علم من العلوم الاجتماعية سوف ينكر أن وراء ما يطرحه من نظریات تكمن دائماً افتراضات خفية، لا يذكرها صراحة، ولكنه يسلم بها تسليماً مسبقاً، ويتركها تتحكم في تفكيره واستنتاجاته. من بين هذه الافتراضات الخفية في علم الاقتصاد أن الإنسان يفضل دائماً أن يحوز كمية من السلع والخدمات أكثر مما يحوزه بالفعل (...). نجد هذا الافتراض كامناً مثلاً وراء تعريف الاقتصادي لعلمه ابتداءً. فالتعريف الشائع لعلم الاقتصاد هو أنه ذلك العلم الذي يبحث في التوفيق بين الموارد المحدودة والحاجات الإنسانية غير المحدودة. فهذا التعريف نفسه يقوم على افتراض أن ليس هناك حدود لما يحتاجه الإنسان ويطلبه، وأنه مهما بلغ دخل الفرد فإنه لن يكف أبـداً عن طلب المزيد، أو أنه على الأقل لن يرفض المزيد منه. ولحق بهذا الرأي عدد من الاقتصاديين المسلمين، وإني آخذ على المنكرين للندرة المآخذ التالية:
1) يبدو لي أنه في عرضهم للمسألة يخلطون بين المشكلة الاقتصادية وحلها، فعندما يتكلمون عن إمكان تكثير الموارد، أو تقليل الحاجات، يوهموننا بأنهم يتحدثون عن المشكلة، والحق أنهم يتحدثون
عن حلها.
۲) قد يقتصرون على الموارد الغذائية والحاجات الغذائية، فيظهرون أن الموارد كافية، والحاجات مهما عظمت فلابد أن تجد لها حداً. ولكنهم يبنون كلامهم على فرض أن الناس وحدة واحدة مثالية،


١٠ ابن السبيل
ليست بينهم حدود ولا قيود ، ولا تزاحم ولا تظالم، ولا تغابن ولا تقاتل ولا قوي ولا ضعيف. إن على هؤلاء المنكرين أن يميزوا بين المشكلة وحلها.
المتناقصة،
ثم إن حاجات الناس لا تقتصر على الغذاء ولا على الضروريات فحسب، فإن أطماعهم في حب التملك والادخار وتكوين رأس المال واتخاذ عروض القنية وعروض التجارة والأصول السائلة والمتداولة والثابتة، لا تحدّ، والموارد يمكن أن يحولها الإنسان من شكل إلى آخر، فيمكن أن يزيد الأغذية وينقص المساكن، أو العكس، أو يمكن أن يزيد الأدوية وينقص المباني والمراكب، أو يزيد الزبدة (السلع المدنية) وينقص المدافع (السلع العسكرية)، إلى آخر ما هو معروف في مبحث منحنى إمكانات الإنتاج. وإذا كان هناك بعض الحاجات التي يمكن أن ينطبق عليها قانون المنافع فإن هناك حاجات أخرى كثيرة لا ينطبق عليها هذا القانون، بل ربما ينطبق عليها قانون المنافع المتزايدة. وكما أن بعض القوم من الغرب أو من العرب تراءى لهم أن الندرة قد تكون وهماً أو خرافة، فإن هناك بعض الباحثين من الاقتصاديين المسلمين يقولون بأنه إذا ما طبق الإسلام فلا يعود هناك أي مشكلة اقتصادية. ولعل هؤلاء يظنون أن الإسلام إذا قام فلا ظلم ولا غبن ولا نفاق ولا معصية. ثم ربما تقل حدة المشكلة، لكن المشكلة تبقى قائمة بالنظر لطبيعة الموارد، وطبيعة الإنسان الذي يشغله شأن عن شأن. ...».
۲۳
ويقول في موضع آخر مؤكداً على وجود الندرة النسبية
«أما ما زعمه مالتوس (١٨٣٤م) من أن الحاجات تزداد بمتوالية هندسية، والموارد الغذائية تزداد بمتوالية حسابية ( عددية)، فهو مبالغ فيه، لا سيما وأنه على مستوى الكون، لا على مستوى البلد، أو الأسرة، أو الفرد، فهذا قد يصح أن نطلق عليه أنه وهم أو خرافة. أما الندرة النسبية، والمشكلة الاقتصادية، فإنها حقيقة لا خرافة وعلم لا وهم . وإذا كانت الندرة خرافة فلابد أن يكون علم الاقتصاد خرافة، لأن علم الاقتصاد هو علم الندرة فهل علم الاقتصاد خرافة؟ إن السعي لإنتاج أعظم ناتج بأقل كلفة لن يكون أبداً من باب الخرافة، وإن السعي لزيادة الموارد، ورفع المستوى المعيشي والتنافسي للفرد والأسرة والأمة لن يكون وهماً أو خرافة، إلا عند الذين يرضون بأن يكونوا في ذيل القافلة».
٢٤
١٠٥٩
إن تفحصت الاقتباس السابق ستلحظ أنه في تعريفه للندرة النسبية يعتقد بأنه حتى وإن زادت الموارد وقلت الحاجات فإن الندرة النسبية ستستمر برغم قلة حدتها. ثم ينكر على الباحثين المسلمين رفضهم لهذه الفكرة. إلا أنه في هذا الرفض لا يأتي بدليل معرفي مقنع كإحصائيات بحثية. فهو ينقد ما كتبه الباحثان لابيه وكولنز عن رعب الندرة دون تفنيد مزاعمهما بدليل مقنع. ثم يفعل الشيء ذاته في نقد جلال أحمد أمين الذي أصاب مقتلاً بالقول بأن علم الاقتصاد مبني في الغرب على افتراضات خفية يسلم بها الاقتصادي من أنه لا حدود لما يحتاجه الإنسان ويطلبه، فالناقد رفيق المصري لم يقدم أي دليل أو منطق لرفضه سوى تبيان أن إشكالية من يرفضون الندرة النسبية هو أنهم يخلطون بين المشكلة وحلها. وهنا يظهر تساؤل: ما الفرق إن حدث خلط في ذهن الباحث، أو أن الباحث لا يريد أن يركز على المشكلة، بل على حلها إن كان هدف الباحث هو الوصول إلى حل اقتصادي. فلكل باحث طريقته في التفكير للوصول للحل. ثم تأتي نقطته الأخرى والمنبثقة من الأولى وهي أن من ينكرون الندرة النسبية أنهم عندما يحاولون إثبات ذلك إنما يقتصرون في أدلتهم على المواد الغذائية وعلى أن هناك سقفاً للحاجات. والسؤال هنا هو : أليس الغذاء هو الأهم وأنه هو الذي يستنهك أكثر الموارد؟ فإن ثبت أن لا إشكالية


1.7. 🗏
فيه، فمن باب أولى ألا تكون هناك إشكالية في الندرة في الموارد الأخرى. ولكن لنقل بأنه محق في هذا النقد إذ أنه لا بحث مستفيض هنالك يوضح أبواب الندرة لأن الإنسان كما يقول يستطيع أن يوجه طاقات الإنتاج من شكل لآخر، كأن يزيد من التغذية على حساب البناء، أو البناء على حساب خدمات الصحة. فعندما يزداد التركيز على الغذاء فإن هذا قد يكون على حساب تعبيد الطرق مثلاً، عندها يكون لب نقده متمثلاً في الآتي: إن البشرية ليست وحدة واحدة مثالية، وأن هناك حدوداً تفصل بينهم، وقيوداً تثبطهم، وأن هناك تزاحم وتظالم وتغابن وتقاتل وقوي وضعيف، وكل هذا لابد وأن يؤدي إلى الندرة النسبية كما يزعم. هنا أقول: تدبر قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ﴾ . إن في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ﴾ إعجاز فكري، أليس هذا الذي يقول به رفيق المصري جدل في كرم الله وجوده؟ فالله عز وجل يذكرنا في الآية بأنه جلت قدرته سخر لنا ما في السموات والأرض وأسبغ ، أي «أوسع وأتم» علينا نعمه ظاهرها وباطنها، وبعد كل هذا سيأتي من يجادل في كفاية هذه النعم بغير علم ولا هدى. وهناك آية أخرى تشير إلى نفس الجحود وهي قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَءَاتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. فما المناسبة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ إلا إن كانت تعني أن هناك من سيجحد الكفاية؟ ولعلك هنا تقول إن لم تكن مؤمناً : إن هذا دليل نصي لا أعترف به، وليس دليلاً مادياً أو منطقياً. عندها أجيب: إن نقد رفيق المصري لمن يرفضون الندرة النسبية مبني على تشبع مغموس في النظام الاقتصادي الوضعي الحديث كما قال جلال أحمد أمين. وهذا واضح من قول رفيق المصري بأن حاجات الناس لا تقتصر على الغذاء والضروريات فحسب، ولكن على حب التملك والادخار وتكوين رأس المال واتخاذ عروض القنية وعروض التجارة والأصول السائلة المتداولة والثابتة». فيكون ردي: إن حب التملك غريزة بلا شك، إلا أن الذي يجعل هذه الغريزة تستشري في النفوس هو التركيبة الاقتصادية للمجتمعات. فإن كانت المجتمعات كحالنا اليوم، تُفتح فيها أبواب التمكين للبعض على حساب الآخرين، فيتفاوت الناس في الثراء وبالتالي تزدان أسواقها بكل ما هو ترفيهي وزخرفي، فإن حب التملك سيزداد شراهة عند الناس لأن للفائض المالي ،معنى فتظهر الشركات التي تنتج الكماليات بأشكال لا نهاية لها وتضعها في إطار وكأنها من الضروريات في دعاياتها الجاذبة لتسحب أموال الناس، فيندفع لها المستهلكون، لذلك تجد أن الاقتصاديين يصرون على أن الحاجات الإنسانية غير محدودة، لأن هذا هو الماثل أمامهم، فهم لم يروا البديل. أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق، فإن هذه الغريزة ستذبل (ليس لأن الأسواق جرداء، ولكن لأن بضائعها ذات جودات متقاربة كما ذكرت سابقاً). وهذا ينطبق أيضاً على الغرائز الأخرى.
ولعل الأهم هو نقده بأنه حتى وإن طبقت الشريعة فإن الناس سيتظالمون وأن الغبن والنفاق والمعصية وما شابه من صفات سلبية لن تنقرض. وهذا صحيح . لحد ما. فقد كان النفاق حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. إلا أن هنا خلطا. فمن هذه الصفات السلبية منها ما هو بين العبد وربه كالنفاق، ومنها ما هو بين الفرد والآخر، كالظلم. لهذا أقول: ليس للصفات السلبية بين العبد وربه تأثير اقتصادي مؤثر مع تطبيق مقصوصة الحقوق. فقد يكون الفرد منافقاً ويحب لبس الذهب إن كان رجلاً، ولا يستطيع ذلك أمام الناس لنفاقه، بل قد يقوم به في منزله، فهو بهذا مسرف ما يؤثر في موارد الذهب. وكما سترى في الحديث عن نظرية مالثاس بإذن الله، فإنه ما من معدن نضب على الأرض بسبب استهلاك البشر، بل كلما ازداد الاستهلاك كلما ظهرت مناجم جديدة، فالإشكالية ليست


١٠ ابن السبيل
في توفر الخيرات، ولكن في طريقة الوصول إليها وتسخيرها لمنتجات. وهذا لا علاقة له بما هو متوافر على الأرض من كميات (أي أن المسألة ليست بسبب الندرة)، ولكن ذو علاقة جذرية بالتركيبات الاقتصادية للمجتمعات التي تثبط أو تسهل تسخير المواد الخام إلى مستهلكات إنسانية، وهذه بسبب مقصوصة أو منظومة الحقوق. أما بالنسبة للموارد التي ستنضب لا محالة مثل النفط، فإن البشرية ستخرج بإذن الله من الحاجة إليها قبل نفاذها وذلك بسبب النمو المعرفي وبالتالي قلة اعتماد الناس عليها (وسيأتي بيانه بإذن الله).
والآن آتي لنقد آخر لما قاله رفيق المصري: فهو عندما يقول بأن الظلم والتغابن وما شابه من سلبيات لن تنقرض حتى مع تطبيق الإسلام، أجيب بل ستنقرض كما سترى بإذن الله. ولكن حتى إن لم تنقرض ووجدت فهي ستبقى في النفوس ولن تجد لها تأثيراً على الاقتصاد لأنه ، مع تطبيق مقصوصة الحقوق والفصل بين الناس (وسيأتي بيانه في فصول: «الفصل والوصل» و «الموافقات» و «البركة» بإذن الله فلن يتمكن فرد من ظلم الآخر لأن المنتجين منفصلين، فالظلم هو بسبب التركيبات الاقتصادية السياسية للمجتمعات التي ظهرت من نسج العقول القاصرة والتي تسمح بالضرورة باتصال الناس فيظهر الظلم لأن المصالح مثلاً مركزة في أيدي أفراد على حساب آخرين. وعدم الاتزان هذا في اتصال الناس هو الذي يؤدي لظهور الظلم وظهور الطبقات الثرية فتظهر المنتجات الفارهة التي تفتح شهية الأفراد للمزيد من الجشع في التملك والمزيد من الظلم والمزيد من التغابن والتحاسد والكيد للحصول على المزيد من المال للمزيد من الرفاهية، وهكذا. أي أن العلاقات السلبية المحتملة للظهور كالظلم بين الأفراد مثلاً ستذبل أيضاً مع تطبيق مقصوصة الحقوق بإذن الله.
أما نقدي الجذري لما قاله رفيق المصري فهو أن النظريات الاقتصادية المعاصرة لا تستطيع سوى التفكير في إطار حدودي محدد: فهذه دولة، وذاك إقليم، وتلك مدينة، وهنا ،شركة وهناك مؤسسة، ولهذا تظهر الندرة النسبية لأن حرية حركة الناس والسلع بسبب الحدود السياسية التي تمنع انسياب الأفراد والمعرفة) والحدود الاقتصادية الجمارك التي تثبط انسياب المنتجات والحدود الإدارية حتى في نفس الدولة ( كالتفتيش بحجة الأمن) تثبط التكامل بين الموارد في المواقع المختلفة وسيأتي بيانه بإذن الله). وهذا واضح من قوله: «إن البشرية ليست وحدة واحدة مثالية، وأن هناك حدوداً تفصل بينهم ...». فعندما تستورد الأردن النفط وتبيعه بأسعار خيالية لساكنيها، وهو متوافر بغزارة في الخليج، يتبادر للأذهان بأن هناك ندرة لأن تثبيط النقل من موقع لآخر يؤدي لتثبيط الإنتاج فتظهر الندرة. ناهيك من أن أموال النفط لن تُقسم بين سكان تلك الدولة بالعدل. فقد أقرت وزيرة المالية النيجيرية في مقابلة تلفزيونية سنة ١٤٢٦ هـ، ، أن ١٪ من سكان نيجيريا يتمتعون بـ ٨٠٪ من واردات النفط.٢٥ أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق، فإن الحدود كما سترى بإذن الله لا وجود لها أصلاً، فبالتالي لن تظهر الندرة، والأهم كما وضحت في الحديث عن الضروريات والكماليات (في فصل «القذف بالغيب»، وسيأتي المزيد من التوضيح في الفصول القادمة بإذن الله هو انتقال جميع الأعيان المنتجة والخدمات مع الزمن من الكماليات إلى الحاجيات ثم إلى الضروريات لتسع جميع أفراد المجتمع وبجودة عالية، وبهذا لن يتمكن المسرف من الإسراف لأن ما هو متوافر في الأسواق جله من الضروريات والذي كان من الكماليات في يوم ما هكذا تشبع أعين الناس، عندها فلا إسراف، وبهذا تنقرض فكرة الندرة من الأذهان. أما مع تطبيق الأنظمة الوضعية، وكثرة الهدر والظلم والتفاوت في الاستهلاك بين الأغنياء والفقراء، يتساءل الناس عن وفرة الموارد بإساءة الظن بالله الواحد القهار.


١٠٦٢ 🗏
وهنا آتي لمسألة: إن الكثير من الباحثين الإسلاميين يرون أن الحل لمشكلة الندرة هو في دفع سلوكيات الأفراد نحو المزيد من الترشيد في الاستهلاك. ومنهم من يقول بأن الإسلام يشابه ما ينادي به أنصار البيئة في الغرب بالدعوة لتقليل الاستهلاك قدر الإمكان. وأنا أقول: إن الإشكالية ليست في سلوكيات الأفراد بقدر ما هي في ما هو متوافر في الأسواق، فمع تطبيق مقصوصة الحقوق ستزداد نسبة الملاك في المجتمع مع تقارب دخلهم، عندها كما سترى بإذن الله، فإن الطلب على الضروريات سيزداد، وبالتالي ستنحسر المنتجات الترفيهية كما أشرت، فيأتي الترشيد في الاستهلاك رغماً عن الجميع لأن ما هو متواجد في الأسواق راشد في حد ذاته، أو سيؤدي للترشيد في الاستهلاك فلن توجد ثريا فارهة، ولن توجد حلوى تستنهك الكثير من الوقت في الإعداد لأن القلة من المشترين سيتمكنون من الحصول عليها. وهكذا تنحسر الندرة. إلا أن هذا لا يعني أن تكون الأسواق جرداء، بل ستكون أكثر وفرة وتنوعاً في المنتجات مما هي عليه الآن ولكن بتقارب في الجودة لتقارب الناس في الدخل (كما سيأتي بإذن
الله).
وأخيراً: إصرار رفيق المصري على أن الندرة حقيقة وليست خرافة، لأنها إن أصبحت خرافة فإن علم الاقتصاد بالتالي سيصبح خرافة. هنا أجيب كما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله، فإن الحاجة لمعظم العلوم الإنسانية ستضمحل مع تطبيق مقصوصة الحقوق. فلن تحتاج المجتمعات لعلماء في الاقتصاد أو السياسة أو التخطيط أو الاجتماع وما شابه من علوم إنسانية، بل فقط التركيز على العلوم الإنتاجية، كالتقنيات والكيمياء والفيزياء والرياضيات، وهي معارف لفهم وتسخير ما خلقه الله جلت قدرته لنا. فمع تطبيق مقصوصة الحقوق سيتم بإذن الله تسخير العقول المهدرة في المعارف الإنسانية للمزيد من التركيز على معارف الإنتاج فيزداد الخير دون هدر، فتضمحل الندرة المفتعلة في أعين الضالين. وقد تظهر علوم مثل الاقتصاد، ولكن ليس بثوبها الحالي المنصب على التخطيط للآخرين، بل في حدود ضيقة، كأن يتعلم الشركاء كيفية زيادة إنتاجهم لمنتج ما بتكاليف أقل، وهكذا. أي أن علم الاقتصاد الحالي سيصبح فعلاً خرافة (وهو كذلك). وإن نظرت لما قاله رفيق المصري لتأكدت من أن علم الاقتصاد هو علم يحاول تنظيم المجتمع. فهو يقول: إن السعي لزيادة الموارد ورفع المستوى المعيشي والتنافسي للفرد والأسرة والأمة لن يكون وهماً أو خرافة إلا عند الذين يرضون بأن يكونوا في ذيل القافلة». فكما ترى أخي القارئ، فإن رفع المستوى المعيشي للأمة لن يكون حقيقة في أذهان الاقتصاديين العلمانيين إلا من خلال التدخل في القرارات الاقتصادية للأمة، أي السيطرة على الموارد وكيفية استثمارها على مستوى الأمة، وهذا ما ترفضه مقصوصة الحقوق التي ترسم طرقاً للأفراد للانطلاق دون تصادمات بينهم، كما سترى بإذن الله.
لننظر الآن إلى باحث مسلم آخر لا يرفض الندرة النسبية. لقد لخص الدكتور محمد علي القري حجج الاقتصاديين المسلمين القائلين بالندرة النسبية ومتبنياً إياها. فهو يقول في وصف المشكلة الاقتصادية ناقداً (نصاً وعقلاً) من يرفضون فكرة الندرة النسبية:
«غير أن الموقف الذي نرتضيه هو خلاف ذلك. فالمشكلة الاقتصادية وصف ملائم يقبله العقل لواقع الحياة الاقتصادية، ولا نرى أن العقل في هذه المسألة ينا في النقل للأسباب التالية: أ) أن دلالة الآيات الآنفة على عدم وجود المشكلة الاقتصادية غير قطعية، وفي الكتاب العظيم آيات أخرى تشير إلى اتصاف هذا العالم بندرة الموارد، وهي ذات دلالة أرجح على المعنى المقصود مثل قوله تعالى: ﴿وَلو بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.


١٠٦٣
١٠ ابن السبيل
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِتُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. فدل ذلك على أن الموارد في الأصل غير متاحة لبني البشر بالطبيعة، ولكن الله ينزل ما يشاء
كيف يشاء ومتى شاء، ينزلها بقدر معلوم ، وهذا وصف قريب لواقع الموارد في فرضية الندرة. ب) إن الأوامر الشرعية التي تنظم الاستهلاك تحث في مجملها على الاقتصاد في استخدام الموارد والابتعاد عن التبذير والإسراف، إذ حتى لو كان المسلم يتوضأ من نهر جار فمطلوب منه أن يقتصد في استخدام الماء. ولو كانت الموارد غير محدودة لما برزت الحاجة إلى مثل هذا السلوك، فهو إذن دليل على المحدودية. إن التبذير والإسراف في استخدام الموارد بدون حاجة سيؤدي إلى تخصيص غير أمثل لها وحرمان أشخاص آخرين أو أجيال أخرى منها . ذلك إذن دليل على ندرة تلك الموارد.
ج) إن البركة التي وردت في الآية الكريمة دليل على أن الصفة الغالبة في الموارد المتاحة للإنسان هو الشح والقلة. ذلك أن بركة المولى عز وجل ليست سنة من سنن الطبيعة، موجودة في الأشياء بالخلقة، يتمتع بها المحسن والمسيء والمسلم والكافر والبر والفاجر، ولكنها منحة يهبها عز وجل لمن يشاء، فيعمل معها القليل عمل الكثير ، وما ذلك إلا دليل على أن الأصل الندرة، والله أعلم.
د) وكما أن النقل يوافق هذا الموقف فالعقل يؤيده أيضاً. فإن فيما نشاهده اليوم في حياة الأفراد وفي حياة المجتمعات دليل على ترجيح صحة هذه الفرضية، ووجاهة تبنيها كأساس للدراسات الاقتصادية. فعلى مستوى الفرد قلما تتوافر له الموارد التي تحقق كل رغباته حتى لو كان أغنى الأغنياء. وكذلك المجتمعات، فإنها تعاني من عدم كفاية الموارد لسد جميع الرغبات، ولذلك صارت التنمية الاقتصادية إحدى التحديات المعاصرة لكل مجتمعات العالم. وما التنمية إلا محاولة لتحسين نوعية الموارد الاقتصادية برفع كفاءة الإنتاج وزيادة كمية تلك الموارد حتى تحقق مستوى أعلى من المعيشة لأفراد المجتمع.
هـ) المشكلة الاقتصادية هي مشكلة الندرة النسبية. فالموارد الاقتصادية الكامنة في الكرة الأرضية بشكل إجمالي ربما تكون كافية لكل الناس. فالله قدر فيها أقواتها لتكون كافية للبشر ما دام لهم في الحياة الدنيا مقر. يقول عز وجل: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. ولكن الأمر يختلف عندما تؤخذ حالة كل مجتمع خلال فترة معينة على انفراد فهو يواجه ندرة الموارد المتاحة، مما يستدعيه أن يجتهد للتوفيق بين هذه الموارد وحاجاته المتجددة، وليس أدل على ذلك من حقيقة أن استخدام أي مورد يستغرق الوقت والوقت بحد ذاته مورد محدود بالضرورة لأن اليوم لا يزيد عن ٢٤ ساعة وعمر الإنسان محدود بعدد من السنين قل أو كثر . إذن و إن اعترض البعض على فرضية الندرة المطلقة، فالندرة النسبية أمر وارد ومشاهد في حياة الناس.
و) إن لفرضية المشكلة الاقتصادية في دراسات النظام الاقتصادي أهمية خاصة، فهي تقدم تفسيراً قوياً لظهور كثير من المؤسسات المهمة في الأنظمة الاقتصادية المختلفة. فظهور الملكية بأنواعها المختلفة وظهور نظم التوزيع التي تتبناها المجتمعات المختلفة وظهور نظام الأسعار ... ألخ، إنما مرده وجود ود المشكلة الاقتصادية. فلو كانت الموارد الاقتصادية متاحة بلا حدود لما احتاجت المجتمعات إلى تعيين حدود الملكية لأن كل فرد يستطيع عندئذ أن يحصل على ما يريد بلا حدود، ولما اقتضى الأمر تبني ترتيبات منضبطة لتوزيع الموارد ولتوزيع الإنتاج . ولذلك يمكن أن نخلص إلى أن الموقف من هذه الفرضية هو قبولها». ٢٦


١٠٦٤ 🗏
منهم .
الله
حتى يكون الرد مقنعاً، فلابد من الرد على جميع أسبابه وبالترتيب، فهي تظهر وكأنها حجج دامغة. وسأبدأ بالرد على السبب الأول (أ)، وهو سببه الأهم لعل أول ما يلفت النظر في الاقتباس السابق هو الاستشهاد بالآيات القرآنية على أنها في الأرجح «تشير إلى اتصاف هذا العالم بندرة الموارد كما يزعم الباحث. وهذا استنتاج لم يقل به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقل به أي صحابي، فمن أين أتى؟ بل هناك إحجام عن الخوض في تحديد كمية ما على الأرض من خيرات لأن السلف لم يحتاجوا في ذلك الوقت للخوض في هذه المسألة أصلاً، والله أعلم. فالخير حولهم عميم. حتى إن أصابهم قحط ثم أمطرت، فقد كانت كمية الماء النازل من السماء لا تثير في ذهن أي فرد شكاً في كرم وجوده وعطائه. هذا إن لم يكن التوجه بين علماء السلف رضوان الله عليهم هو أن ما على الأرض من خيرات يفوق حاجات الناس بدليل الكثير من الآيات التي تدل على كرم الله وجوده مثل قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَءَاتَاكُم مِّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وبدليل الآيات التي تشير إلى اتساع الأرض وحث الناس للانتشار فيها طلباً للرزق (كما سيأتي بإذن الله في الحديث عن الهجرة). فالقول بالندرة إذاً مسألة مستحدثة، وهذا لابد وأن يؤدي في أذهان الناس إلى أحد أربعة احتمالات: الأول أن الله الكريم سبحانه وتعالي غير قادر على إعمار الأرض بالخيرات لفقره والعياذ بالله، وهذا ما قاله اليهود لعنة الله عليهم كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . والاحتمال الثاني: أنه سبحانه وتعالى قادر إلا أنه بخل بذلك على الناس والعياذ بالله كما قالت اليهود أيضاً، كما في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ . والاحتمال الثالث: أنه سبحانه وتعالى قادر وكريم إلا أن حكمته تقتضي تقليل بعض الموارد لمصلحة البشر، لذلك فهناك نقص في الخيرات، أو ندرة نسبية كما يزعم الدكتور القري. والإحتمال الرابع: أن الله سبحانه وتعالى قادر وكريم وأن ما على الأرض أكثر بكثير مما يحتاجه البشر مهما بلغ تعدادهم، وأن هذا لا يعني قط أنه لن يوجد من بين الناس من هو فقير. أي أنه لا علاقة بين توافر الخيرات على الأرض وبين نقصانها عند بعض الناس. وبالنسبة لي، وكما سأثبت بإذن الله، فإن الاحتمال الرابع هو الذي أعتقد به كمسلم وكباحث يرى ما حوله من خيرات. أما الاستنتاج المباشر بأن ما على الأرض من موارد تتصف بالندرة النسبية لهو بالنسبة لي استنتاج مضلل ومشكك في كرم الله وجوده وقدرته. ولعلك هنا تسأل: لماذا؟ فأجيب:
هو
إن مجرد القبول بالندرة النسبية يعني أن الله غير قادر والعياذ بالله، أو أنه كما قالت اليهود بخيل (والعياذ بالله). أي أنه من الواضح أن الاحتمالين الأول والثاني بالنسبة لنا كمسلمين إن كانا مبنيين على عدم المقدرة أو البخل مرفوضان عقدياً. أما رفضي للاحتمال الثالث فيأتي من عدة زوايا: الأولى هي أن القول بمحدودية الموارد فكرة لا تنفصل عن الزمن. فإن كانت الموارد كافية في الماضي وغير كافية الآن بسبب النمو السكاني، فإن لهذه الزاوية وجهين: الأول هو أن موارد الكرة الأرضية ثابتة منذ الأزل، لذلك هي تنقص بالاستهلاك، لذلك سيأتي يوم وتنفذ، أي أن الله سبحانه وتعالى علام الغيوب لم يعلم بهذا ولم يستعد لحدوث هذه الزيادة السكانية والعياذ بالله، وهذا وضع مرفوض عقدياً لأنه سبحانه وتعالى علام الغيوب. وهنا لا ننسى بالطبع ما هو منتشر في كتب الفقه عن تقدير الله للأرزاق كالذي ورد في فتح الباري مما رواه مسلم من حديث «عبد الله بن عمرو مرفوعاً أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء». ولكنك قد تقول : بل الموارد


١٠٦٥
١٠ ابن السبيل
عما هو
الوجه الثاني هو نسبية) فهذا يعني
تجدد نفسها بانتقالها من حال إلى حال كالكربون مثلاً. فأجيب: ليس دائماً، فالنفط مثلاً إن لم ينضب فسينقص عليه في وضعه الحالي القابل للاستهلاك البشري (إلا أن هذا لا يعني الندرة النسبية كما سيأتي بإذن الله). أنه سبحانه وتعالى سيزيد هذه الموارد كلما زاد التعداد السكاني. وبالتالي فإن ظهر نقص (أي ندرة أنه سبحانه وتعالى والعياذ بالله غير قادر على زيادة الخيرات أو أنه بخل بذلك على البشر والعياذ بالله، وهذا أيضاً احتمال مرفوض لأننا نعيش الآن ندرة نسبية بحسب مفهوم من يزعمون الندرة النسبية. (تأمل أخي القارئ كيف أننا ننجرف لفتح أبواب حوارية فيها عدم حسن الظن بالله جلت قدرته للدفاع عن الشريعة، ولكن لابد من هذا الكي). الزاوية الثانية للاحتمال الثالث هو القول بأن لإنقاص الخيرات ضرورة حتى لا يبغي الناس بعضهم على بعض. وهذا مرفوض منطقياً لأنه بنقصان الخيرات سيزداد البغي بين الناس بسبب ازدحامهم على الموارد. وسبب أنه قد تظهر الحجة من البشر المستكبرين يوم الحساب للخالق جلت قدرته أنه كان هناك نقص في الموارد مما اضطرهم للتظالم لاندفاعهم التنافسي على كل ما هو نادر فكيف يحاسبون على وضع هم دفعوا إليه؟ أنه سبحانه وتعالى يُنزل من المواد كيفما شاء ومتى شاء حتى تفي المواد بحاجات البشر. وهذه ستأتي مناقشتها بعد النظر في تأويل قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ والتي استشهد بها الدكتور القري. فالاستنتاج الذي وصل إليه من الآية هو أن فيها دلالة على أن الموارد في الأصل غير متاحة لبني البشر بالطبيعة، ولكن الله ينزل ما يشاء كيف يشاء ومتى شاء، ينزلها بقدر معلوم ، وهذا وصف قريب لواقع الموارد في فرضية الندرة». والآن لنقد هذا الاستنتاج، لابد لنا أولاً من النظر في تأويل معنى الآية. يقول القرطبي رحمه الله في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ.....﴾
الرفض هو
الزاوية الثالثة للاحتمال الثالث
هي
«فيه مسألتان : الأولى في نزولها: قيل إنها نزلت في قوم من أهل الصفة، تمنواسعة الرزق. وقال خباب بن الأرت: فينا نزلت نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت: ﴿وَلَوْ بَسَطَ﴾. معناه: وسع، وبسط الشيء نشره، وبالصاد أيضاً. ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾، طغوا وعصوا. وقال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ودابة بعد دابة، ومركباً بعد مركب، وملبساً بعد ملبس. وقيل: أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه لقوله: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً. وهذا هو البغي، وهو معنى قول ابن عباس: وقيل لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع ، وقيل : أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق، أي لو أراد المطر لتشاغلوا به عن الدعاء، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا. وقيل: كانوا إذا أخصبوا أغار بعضهم على بعض، فلا يبعد حمل البغي على هذا الزمخشري: لبغوا من البغي، وهو الظلم. أي لبغي هذا على ذاك، وذاك على هذا لأن الغنى مبطرة مأشرة. وكفى بقارون عبرة. ومنه قوله عليه السلام: (أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها. ولبعض العرب: وقد جعل الوسمي ينبت بيننا، وبين بني دودان نبعاً وشوحطاً. يعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن، أو من البغي وهو البذخ والكبر، أي لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد. ﴿وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾، أي ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم. وقال مقاتل: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾، يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا.


1.77 🗏
بهم
الثانية: قال علماؤنا: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على الله الاستصلاح فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد، فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، فليس ضيق الرزق هواناً ولا سعة الرزق فضيلة، وقد أعطى أقواماً مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل خلاف ما فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره إساءته، ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته. وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة، وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده الغنى وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم، فإني عليم خبير. ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى فلا تفقرني برحمتك». ولأهمية الآية لنأخذ تأويلاً آخر. يقول الطبري رحمه الله :
۲۷
«ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين تمنوا سعة الدنيا والغنى فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ ، فوسعه وكثره عندهم، لبغوا فتجاوزوا الحد الذي حده الله لهم إلى غير الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه. ذكر من قال ذلك : حدثني يونس قال : أخبرنا بن وهب قال: قال أبو هانئ: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾، ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا. حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال : ثنا حيوة قال: أخبرني أبو هانئ أنه سمع عمرو بن حريث يقول : إنما نزلت هذه الآية ثم ذكر مثله. حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ، الآية. قال: كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها . فقال له قائل: يا نبي الله هل يأتي الخير بالشر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل يأتي الخير بالشر؟ فأنزل الله عليه عند ذلك. وكان إذا نزل عليه كرب لذلك وتربد وجهه حتى إذا سري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل يأتي الخير بالشر؟)، يقولها ثلاثاً: إن الخير لا يأتي إلا بالخير. يقولها ثلاثاً. وكان صلى الله عليه وسلم وتر الكلام، ولكنه والله ما كان ربيع قط إلا أحبط أو ألم ، فأما عبد أعطاه الله مالاً فوضعه في سبيل الله التي افترض وارتضى، فذلك عبد أريد به خير وعزم له على الخير. وأما عبد أعطاه الله مالاً فوضعه في شهواته ولذاته وعدل عن حق الله عليه، فذلك عبـد أريد به شر وعزم له على شر. وقوله: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ، يقول تعالى ذكره: إن الله بما يصلح عباده ويفسدهم من غنى وفقر وسعة وإقتار وغير ذلك من مصالحهم ومضارهم ذو خبرة وعلم بصير بتدبيرهم وصرفهم فيما فيه صلاحهم»
۲۸
إن أول ما يلفت النظر عند تدبر الآية هو أن الآية تربط بين بسط الرزق وبين البغي. والبغي هو، كما هو
واضح من التأويلين السابقين، قد يعني الاستزادة من المستهلكات أو قد يعني ظلم الآخرين لأن الغنى مبطرة


١٠ ابن السبيل
١٠٦٧
مأشرة، أو قد يعني الاستكبار. وأنه لو بسط الله الرزق لعباده لظهر البغي. ولكن المنطق والواقع كما هو مشاهد هو الآتي: إن نقص على الناس الرزق فسيأتي البغي بينهم وبطريقة أشد لأن شح الموارد سيؤدي للتنافس عليها ما يؤدي للتظالم لأن الفائز بالموارد سيحاول توجيهها في مصالحه أو هبتها أو بيعها لمن يعمل له أو يحقق له مصالحه (وهذا الذي حدث في المجاعة في مصر كما مر بنا آنفاً). هذا بالإضافة للآتي : إن نظرنا لتأويل البغي في النصين السابقين، فقد يقول قائل أن معنى الاستزادة الذي قال به ابن عباس رضي الله عنه قد يؤدي لضرر الإنسان بنفسه لإسرافه، وليس بالضرورة لظلم الآخرين، فأقول: لكن إن كان في آلية الاستزادة تعد على حقوق الآخرين كما هي العادة، فإن الظلم سيظهر، وهذا هو تأويل الزمخشري على أن البغي هو الظلم. أي أن تأويل ابن عباس والزمخشري قد يلتقيان عند الظلم. والتأويل الثالث على أن البسط سيؤدي للكبر كما فعل قارون، فهو أيضاً سيؤدي للظلم لأن الثري حتى يبقى ثرياً لابد له وأن يستعمل الآخرين الذين قد يُظلمون. وكما ترى في هذا الكتاب، فإن الثراء لا يمكن أن يكون إلا بقفل أبواب التمكين على هؤلاء الآخرين، وإلا لما عمل هؤلاء الآخرون لدى هذا الثري إلا إن لم يكن ظالماً، وهذا وضع نادر. ولأن أبواب التمكين في الغالب مقفلة لعدم تطبيق الشريعة، فإن الظلم واقع من الأثرياء على الفقراء في معظم الأحوال حتى وإن لم يكن من الأثرياء مباشرة، ولكن من خلال منظومة حقوق المجتمع: كأن يكون هنالك تاجر أمين صدوق في دولة غنية يفد إليها فقراء الدول الأخرى كما في دول الخليج النفطية، فأمانة هذا التاجر لا تعني قط أن هذا المحتاج المسلم الذي يعمل تحته غير مظلوم من هذا المجتمع الذي يعمل فيه كغريب برغم حسن معاملة التاجر له. كما أن الظلم قد يعني أيضاً ظلم الإنسان لنفسه. فزيادة الخيرات قد تعني المزيد من الإسراف. أي باختصار، فإن البغي هو الظلم في الغالب. وهذا هو الاستنتاج الأول، وهو ما يوافق عليه معظم الفقهاء. ولا حاجة للمزيد من الإثبات. فقط تدبر قوله تعالى في سورة الشورى، فهي تُظهر بوضوح أن البغي هو الظلم. قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . لاحظ حرف العطف الواو في الآية الثانية بين ﴿يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ و ﴿وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ﴾. وكأن الآية تقول أن كل ظالم لابد وأن يكون باغياً.
فالبغي قرين الظلم.
أما الاستنتاج الثاني فهو : إن كانت الموارد ذات ندرة نسبية كما يقول الدكتور القري، وإن كان الظلم منتشراً كما هو واقع الحال الآن، فإن الآية معطلة وذلك لأن بسط الرزق سيؤدي للبغي كما هو مفهوم ظاهر الآية. أي حتى نفهم الآية لننظر لعكس معناها: ألا وهو أن قبض الرزق (أي الندرة، لن يؤدي للبغي. إلا أن البغي منتشر، إذاً الآية معطلة والعياذ بالله . أي أن الموارد لابد وأن تكون غير نادرة الآن بنص الآية لأن هناك بغياً، وكما تعلم أخي القارئ، فإن هذا ليس هو الحال في معظم الأزمان. وسبب هذا الاستنتاج . هو أن الآية لا تتحدث عن المسلمين فقط، ولكن عن جميع الخلق بدليل قوله تعالى: ﴿لعِبَادِهِ﴾. فهذه الآية إخبارية عن كل الأزمان، فهي تضع مبدءاً من عند الله عالم الغيب والشهادة. فإن كان السابق ،صحيحاً، فلابد وأن يكون المقصود بالبسط في الرزق في الآية شيء آخر غير الموارد المادية من خيرات في الأرض. فما هو المقصود إذاً؟
الاستنتاج الثالث: إن الله الحق سبحانه وتعالى له حكمة في إنقاص بعض الخيرات «على الأفراد» (لاحظ أنني وضعت على الأفراد» بين قوسين للتأكيد). قال تعالى في سورة الشورى ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ


١٠٦٨ 🗏
وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ . ففي النصين السابقين (للقرطبي والطبري) توضيح لهذه الفكرة، وهي أنه سبحانه وتعالى يبسط الرزق على فرد ويقدره عن آخر للحكم (بكسر المهملة) الموضحة في التأويلين (النصين). فقد يكون هناك جاران أو أخان، أحدهما غني والآخر فقير، بينما موارد المجتمع المحيطة بهما هي نفسها. لذلك يمكن القول بأن المقصود بالبسط والقدر في الأرزاق ليس وفرة ما هو موجود في الطبيعة، بقدر ما هو التوزيع للخير بين الأفراد، كالمهارات التي يتمتع بها الأفراد أو الفرص التي تتاح لهم. فهذا يرث من زوجته الملايين، وذاك يحترق متجره. وهذا كثير الحركة في طلب الرزق، وذاك كثير النوم. هذا وفقه الله ليقع على تخصص يحبه فيزداد إبداعاً، وذاك وقع في مهنة لا يطيقها فيزداد إهمالاً وبالتالي فقراً. وجميع هذا البسط أو القدر في الرزق على الأفراد هو بعلمه حتى لا يظهر البغي، وليس لأنه سبحانه وتعالى غير قادر أو من بخل والعياذ بالله. أما ما نراه من بغي الآن فهو بسبب عدم تطبيق مقصوصة الحقوق برغم عدم الندرة النسبية للموارد.
أي أن الآية تقول لنا أن التفاوت في تقدير الأرزاق هو على مستوى الأفراد وليس الجماعات الذين يقطنون مناطق أو أقاليم مختلفة. ولكن في الوقت ذاته، وكما هو واضح فهناك تفاوت في الأرزاق بين المناطق. فبرغم تساوي سكان نفس المنطقة في الفرص لأخذ الموارد من الطبيعة، فإن هناك اختلافات بين المناطق أو الأقاليم. وأفضل مثال على ذلك الماء. والآيات التي تشير لمشيئة الله عز وجل وحكمته في توزيع الماء كثيرة مثل قوله تعالى في سورة النور: ﴿... وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ....﴾ وقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة الزخرف : ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾. وقوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَلْوِ اسْتَقَدِمُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّاءَ غَدَقًا﴾. ففي الآيات السابقة تلحظ أن في كل آية إشارة إلى أن الماء من عند الله وبأمره بأن يصيب به من يشاء (آية سورة النور)، أو يذهبه عمن يشاء (آية سورة المؤمنون)، أو أنه سبحانه وتعالى يحيي به بلدة ميتة آية سورة الزخرف)، أو لأن السكان استقاموا على الطريق المستقيم فقد سقوا ماء غدقاً (آية سورة الجن). إلا أن هذه الاختلافات بين المناطق لا تعني قط أن هناك ندرة، بل اختلافات، هذا إقليم جاف وذاك ممطر ، وهذا يتمتع بوفرة في الزئبق وذاك به مراع أكثر، وهذا إقليم تسهل زراعته، وذاك تكثر على شواطئه الأسماك برغم جفاف أرضه، وهكذا. أي أن الآية تشير في مفهومها إلى الاحتمال الرابع، وهو أن الله سبحانه وتعالى كريم وأن ما على الأرض أكثر بكثير مما يحتاجه البشر مهما بلغ تعدادهم، وأن هذا لا يعني قط أنه لن يوجد من بين الناس فقراء لأن الله الحق سبحانه وتعالى حكم (بكسر المهملة) في توزيع الأرزاق وقدرها عن البعض دون البعض في بيئات ثرية بمواردها برغم جهل الناس بهذا الثراء. فمن كان مثلاً يتوقع تصبح دولة مثل قطر بهذا الثراء وهي أرض جرداء في صحراء؟ فلعل سكانها أو المارين بها في الماضي ظنوا أنها منطقة بها ندرة في الموارد، وهي كذلك إن تم النظر إليها بمفردها في العالم الإسلامي، أما إن نظر لها وكأنها قطعة من العالم الإسلامي، فهي بذلك مكملة لمورد مهم للمسلمين الغاز الطبيعي)، وهي بحاجة لموارد أخرى مهمة بالنسبة لها. وهذا هو موضوع هذا الفصل:
أن
أي توضيح كيف أن الشريعة تحيل المناطق المتباعدة ذات الموارد المختلفة في العالم الإسلامي إلى كتلة اقتصادية واحدة بسبب التفاعل بين الموارد والناس فتظهر أمة لا تشعر بأي ندرة نسبية وهكذا وبهذا المنظور، فلا


١٠ ابن السبيل
1.79
ندرة هنالك، بل بسط في الموارد الطبيعية، مع حكمة في عدم بسطها على البعض دون البعض الآخر من الناس، أي
أنه لا ندرة نسبية.
ومما يزيد هذا الاستنتاج قوة هو الآيات الآتية: قال تعالى في سورة الشورى ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. لاحظ أن قوله تعالى: ﴿لِمَن﴾ تعني الأفراد ولا تعني الطبيعة. وهذا الاستنتاج يظهر أيضاً في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . فهنا ترى أن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، والتي أتت بعد قوله تعالى: ﴿لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ تأكيد لنفس الاستنتاج. ثم إن نظرت للآيتين الآتيتين، مثلهما مثل آية سورة الشورى التي استشهد بها الدكتور القري، فإن في قوله تعالى عِبَادِهِ دلالة مباشرة على أن البسط أو التقدير في الرزق هو على الأفراد قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وقال في سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ . وهذا التأكيد يظهر أيضاً بطريقة مختلفة في سورة النحل التي توضح التفضيل بين الأفراد في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
ولعلك هنا تقول: إن في التفاضل في الرزق بين الأفراد والمناطق مؤشر على الندرة. فسكان منطقة ما إن لم يكن لديهم معدن معين فإن لديهم نقص في ذلك المعدن، أي أن هناك ندرة نسبية. فأجيب: إن هذه الحفرة هي التي وقع فيها معظم من قال بالندرة النسبية. لأضرب مثالاً: إن الموارد المتاحة في أرض مساحتها عشرة آلاف متر مربع لابد وأن تكون ناقصة لما يحتاجه أي فرد مهما قلت احتياجاته. فإن وجد بها ينبوع ماء فلن يوجد بها سمك مثلاً، وإن وجد بها سمك فلن يوجد بها ألمنيوم مثلاً. أما إن كبرنا المساحة بأن نظرنا لمدينة مثلاً، فستزداد كمية الخيرات المكملة بعضها بعضاً، فقد يوجد الماء والسمك والألمنيوم، ولكن قد لا يوجد القصدير. ثم إن نظرنا لإقليم ما فقد توجد فيه معظم المعادن ولكن ليس كلها. وهكذا كلما كبرت المساحة كلما ظهر التكامل بين الموارد المتاحة كما
هو معلوم.
ولكن لماذا أقول بأنها حفرة؟ لأن استنتاج من قال بالندرة النسبية هو بقبول منظومات الحقوق المعاصرة التي تفصل بين الأقاليم. وهذا استنتاج مضلل لأنه مبني على الحكم بغير شرع الله (كما حدث مع رفيق يونس المصري). أما إن تم النظر للموارد بتطبيق شرع الله، فإن في تكامل الموارد بين الأقاليم المختلفة. مع حركة الناس والمنتجات الدائمة من إقليم لآخر المزيد والمزيد من التكامل. فتأمل حكمة الخالق جلت قدرته. فما يحاول كتاب «قص الحق» إثباته، هو أنه إن وزع الله الكريم الجواد سبحانه وتعالى الخيرات بطريقة تتوافر بها معظم الموارد في مساحات أصغر، كأن توجد في قرية صغيرة جميع الموارد التي تحتاجها الحياة البشرية، فإن الندرة النسبية ستظهر بالتأكيد بسبب الاستهلاك المستمر للموارد في هذه المساحة الصغيرة. إلا أن حكمته سبحانه وتعالى اقتضت وجود الموارد، وبالذات المعادن، في مناطق متباعدة وبكميات كبيرة حتى تظهر التقنيات والصناعات التي تتمكن من استخراج هذه الخيرات وبكميات كبيرة ثم تحويلها لمنتجات لتنقل لمناطق أخرى فيظهر التكامل فلا تظهر الندرة النسبية. أي أنه بالطبع ستكون هناك ندرة نسبية إن نظرنا لمساحة أصغر ، والإسلام لم يأت ليكون سكان قرية


۱۰۷۰ 🗏
واحدة إخوة، بل أتى ليكون سكان جميع الأمة إخوة. وهذا أمر محسوم بين علماء الشريعة ولا حاجة لإثباته، فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ...﴾، في توجيههم في كل شؤون الحياة إشارة إلى التساوي والتآخي بينهم وبغض النظر عن المواقع. قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي أن الاستنتاج الذي قال به متبنوا الندرة النسبية استنتاج باطل وفاسد.
وهنا لابد من استخدام مثل هذه الألفاظ (باطل وفاسد) لأن في الاستنتاج بالندرة تعد على كرم الله وجوده. فكيف يكون الله كريماً جواداً إن خلق بشراً ووضعهم في أرض لن تفي بمتطلباتهم؟ ألم يقل الحق الكريم سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وَحَمَلْنَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ؟ فتأمل التصوير البديع لقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، فالحمل لا يعني فقط تمكين ابن آدم من الانتقال فكان بالإمكان القول: ونقلناهم بل الحمل قد يعني أيضاً، والله أعلم، الحمل بحنية ورفق، فتصور أما وهي تحمل طفلها وترفعه بطريقة تحاول فيه حمايته من كل ما قد يضره أو حتى يعكر صفوه. هكذا يجب أن نفهم الآية التي تزخر بالكلمات التي هي كلها فيض وعطاء مثل: كرمنا وحملنا وزرقنا وطيبات وفضلنا تفضيلاً (أحمد الله أخي القارئ على هذا التكريم). ثم تدبر قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَءَاتَكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ . فماذا تعني: ﴿مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ ؟ أَلا تعني كل ما يشتهيه ابن آدم ؟ ألا تعني الفيض والزيادة لأن شهوات ابن آدم كثيرة ولكنها لن تطغى بأمر الله إن طبقت مقصوصة الحقوق كما سيأتي بإذن الله)؟ فبالطبع، إن كنت لا تؤمن بهذا الكرم، فعلى الأقل لعلك توافق أنه لا ندرة إن كنت مسلماً تؤمن بكلام الله الحق. فبعد كل هذا الذي آتاناه الكريم الجواد والواهب الوهاب من نعم لا تعد ولا تحصى، أتى الإنسان الظلوم الكفار وأنكر وقال بأن هناك ندرة نسبية. بل لقد وضع الحق سبحانه وتعالى للبشر أكثر مما يكفيهم وبطريقة بديعة بنوع من التباعد بين العناصر وبكميات كبيرة حتى يتحرك الناس في مساحات تمكنهم من تصنيع هذه الموارد دون ازدحام كما سترى بإذن الله في الحديث عن الانتشار والازدحام، وحتى يتمكن الناس من خلال التجارب المستمرة في نفس الموقع لنفس المادة الطبيعية من بلورة الأعراف التقنية للاستفادة من هذه الموارد بأقل جهد ممكن (كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصل «المعـرفـة»). ثم أتى هؤلاء الاقتصاديون المعاصرون ليستنتجوا من حكمة التباعد بين الموارد بأن هناك ندرة نسبية !!! فأقول:
الوكيل.
حسبي
الله ونعم
هل رأيت كيف يؤدي الجهل إلى التعدي على أسماء الله الحسنى تقدست أسماؤه. تدبر الآيتين الآتيتين اللتين تكملان بعضهما. قال تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فما المقصود بقوله تعالى بأن ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؟ ومَن مِن الناس؟ أليسوا العلماء والمفكرين (أو بالأحرى (الضالين الذين يقولون بأن هناك ندرة نسبية ؟ وكالآيات السابقة، فإن مقدمة هذه الآية تقول بأنه إن كان هناك بسط وتقدير فهو على الأفراد بدليل قوله تعالى: ﴿لِمَن﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ . أما لماذا التركيز في هذه الآية على أن ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ فهو، والله أعلم، وصف عالم الغيب والشهادة لحالنا اليوم من جهل والذي انتشرت فيه فكرة الندرة النسبية بين معظم الناس. وما حدث هذا إلا لأن الحكم هو بغير ما أنزل الله. فظهرت الحدود بين الدول فحبست المنتجات والمعارف، وظهر الترف والإسراف بسبب تراكم الثراء عند


١٠ ابن السبيل
۱۰۷۱
البعض على حساب الآخرين ، فنُسبت الندرة النسبية بسبب الخروج عن شرع الله إلى ما خلق الله المعطي الواهب الوهاب الجواد بالطعن في كرم الله ومنه جهلاً من أكثر الناس. والآية الأخرى المكملة في المعنى هي قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. هنا ترى أنه سبحانه وتعالى قفل المسألة بالقول: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ولأن علمه سبحانه وتعالى يفوق علوم كل من خلق، وجب علينا أن نؤمن أن علم عالم الغيب والشهادة هو علم يحيط أيضاً وبالضرورة بواقعنا المعاصر. وهنا آتي لأهمية تدبر القرآن الكريم بمنظور يوضح لنا ما نحن فيه اليوم من إشكاليات ويرشدنا للخروج منها. ولأن معظم التفاسير كانت تركز في الماضي على أن الشرك هو عبادة الأوثان المنحوتة ظهر إعراض من الكثير من المفكرين المعاصرين عن تدبر القرآن الكريم لأنهم يرون الكفرة المعاصرين برغم عدم عبادتهم للمجسمات، وبرغم عدم اكتراثهم للأديان، يأكلون كما تأكل الأنعام ويتمردغون تلذذاً بما خلق الله. والقرآن الكريم كلام الله لكل الناس في كل الأزمان وكل الأماكن. فلابد لنا إذاً من الرجوع إليه لإيجاد الحلول المعاصرة. وهذا ما سأحاول إثباته من خلال نقض مفهوم الندرة النسبية في الآتي:
تدبر الآيتين الآتيتين: قال تعالى في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ . فإن قارنا الآيتين، نجد أن الأولى تبدأ بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، بينما الثانية تبدأ بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾، بينما باقي الآيتين، أي قوله تعالى:﴿ ... أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَالِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ متطابقتان تماماً. لماذا وما علاقة الاختلاف بالندرة النسبية؟ إن نظرت للآيات التي تسبق هاتين الآيتين قد يتضح السبب، والله أعلم: يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
أما في سورة الزمر فإن الآيات كالآتي:
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
إن الملاحظ على سياق الآيات في السورتين التشابه إلا أن آيات سورة الروم تركز على الناس، بينما آيات سورة الزمر تركز على فرد واحد. وكلا السياقين يبدءان بضر أصاب الناس أو الفرد، ثم لجوء من مسهم أو مسه الضر إلى الله السميع المجيب، ثم عندما يستجيب لهم أو له الحق سبحانه وتعالى، يأتي الجحود. لاحظ الفرق: ففي سورة الروم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ ...﴾، بينما في سورة الزمر يقول جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا


۱۰۷۲
بسبب . 🗏
مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ .....﴾ تلحظ أيضاً أن في سورة الروم فريق، أي جماعة تشرك بالله بعد أن دعت الله واستجاب لها، وهذه الجماعة التي أشركت هي جزء من جميع الناس الذين دعوا الله المجيب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون﴾ ؛ أما في سورة الزمر فإن الذي يجحد هو فرد يدعي أن الضر الذي أصابه أزيل عنه علمه وليس بسبب نعمة الله مجيب الدعاء، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ . هذا هو الفرق المهم لموضوعنا الناس في سورة الروم والفرد في سورة الزمر. ويتكرر هذا التمييز مرة أخرى ففي سورة الروم يأتي تنبيه آخر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾. فالتركيز على الناس، بينما في سورة الزمر على أفراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾، أي أفراد من جماعة وليس جميع الناس. وسيأتي بإذن الله توضيح علاقة هذا الفرق مع الندرة النسبية.
ومن جهة أخرى، فإن هناك فرق بين الرؤية والعلم. ففي سورة الروم كان الخطاب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، بينما في سورة الزمر كان الخطاب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ . والفرق كما هو معلوم هو أن الرؤية أوضح من العلم في الإدراك عند الناس، فإن انتشرت في مجتمع ما معلومة كظاهرة انتشار مرض السرطان بسبب التدخين مثلاً، فإن الكثير سيعلم خبرها وكأنها تُرى لانتشارها؛ أما إن ظهر مرض أكثر ندرة، مثل التهاب الكبد الوبائي بسبب انتقال الفيروسات عن طريق أدوات أطباء الأسنان، فإن كان الذين يعلمونها أقل، ولم تنتشر المعلومة لتصل إلى مرحلة من الشيوع والوضوح وكأنها تُرى، فهي علم . فالرؤية في هذا الإطار إذاً هي إدراك لمعلومة إلا أنها أكثر انتشاراً، والعلم برغم وضوحه إلا أنه معلومة لم تصل لمرحلة من الانتشار وكأنها تُرى، لذلك فهي معلومة قد يجهلها الكثير. فكان في الخطاب تنبيه مناسب للاختلاف. فمع العدد الأكبر، أي مع النَّاسَ قال تعالى في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، أما في سورة الزمر، ومع الفرد الإنسن قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾، فبرغم أن خطاب العلم في هذه الحالة للجماعة إلا أن الاعتبار أو الاتعاظ للمعلومة هو لمن مسه الضر وهو فرد أو أفراد ولكن ليس كل الناس، فكان علماً ولم يكن رؤية. ولكن ما علاقة هذا بالندرة النسبية وأوضاعنا المعاصرة كالعولمة مثلاً؟
بالنسبة لعذاب الدنيا، فكما هو معلوم فهناك نوعان من العذاب عذاب يؤدي للهلاك مثل الريح الصرر أو الطوفان أو الوباء الذي يقتل وعذاب يصيب الإنسان أو قريبه في بدنه أو ماله إلا أنه لن يقتله، بل ينجو منه، وهذه هي الفتن أو الابتلاءات. أي أنها في المحصلة ضر يصيب ابن آدم فالضر المقصود في سياق الآيتين (الروم والزمر) والله أعلم، والذي يمس البشر سواء كانوا جماعة أو فرداً هو نوع من الألم أو الضيق أو الشدة، إلا أن المصاب به سينجو منه لأنه لم يمت . وفي الغالب فإن هذا الألم هو نقص في ما يحتاجه الإنسان أو يريده، كنقصان المال بخسارة تجارة أو احتراق مصنع، أو بنقصان الصحة كمرض مؤلم أو مقعد، أو بنقصان الأهل كفقدان ابن أو زوجة، وهكذا. فالضر إذاً يمكن أن نقول عنه بأنه عموماً النقصان فيما يحتاجه الإنسان أو يريده. وهناك آية تطرقنا لها سابقاً توضح هذا المعنى للنقصان: قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فإن تدبرنا الآية نجد أنها تركز النقصان في الأموال والأنفس والثمرات، فالأموال وكأنها الأصول المنتجة، مثل رأس المال كالمصنع، وهذه قد يخسرها المالك؛ ثم الأنفس، وهم الأحباب أو المقربون أو العقول والأيدي التي تستثمر تلك الأموال، وهذه قد يموت عزيز أو قد يمرض من يعملون في الأصول المنتجة كأقارب أو


١٠ ابن السبيل
۱۰۷۳
شركاء؛ ثم الثمرات، وهي كالمنتجات الصناعية أو الزراعية الجاهزة للاستهلاك أو البيع، وهذه قد لا يستفيد منها الإنسان بعد كل عناء الإنتاج بسبب الجفاف الذي قد يضرب الأرض قبل بدو الصلاح، أو باحتراق مستودع منتجات المصنع فلا بيع أو بغرق السفينة الناقلة للبضائع ففقدان كل شيء.
والآن يأتي الربط مع الندرة النسبية، فمن قالوا بالندرة النسبية، إنما قالوا ذلك لقناعتهم . بأن هناك نقصاً في الموارد الطبيعية، وهذا يؤدي للضر لأن نقص الطعام قد يؤدي للهزال، ونقص المباني قد يؤدي للعيش في الشوارع، ونقص الأدوية قد يؤدي للمزيد من المرض، وهكذا. وفي الوقت ذاته، فإن الكوارث مثل الجفاف أو الزلازل تمس الناس بالضر أيضاً، إلا أن المحصلة هي أيضاً نقصان في الأموال والأنفس والثمرات. فالزلزال يخسف المال كصدع المصنع، أو يقتل الأنفس كدفن ابن تحت الأنقاض، أو يدمر الثمرات بطم المخازن. أي إن استثنينا النقص في الأنفس (مثل فقدان زوجة أو شريك أو موظف فإن معظم أنواع النقصان المؤدية للضر نجد أنها مباشرة تجتمع في ندرة المنتجات والذي قد يأتي بسبب ندرة الموارد الطبيعية. حتى النقصان في الأنفس قد يُنسب بعضه لندرة المنتجات ولكن بطريقة غير مباشرة. فقد يموت طفل بسبب عدم توفر اللقاح، وقد تموت زوجة بسبب تعسر الولادة لفقدان الطبيبة والتي هي ندرة لعدم توفر الجامعات بسبب فقر ذلك الإقليم فيما يصدره من مصنوعات. وهكذا يجتمع الضر في ندرة الموارد فهذا هو توجه من يقولون بالندرة النسبية.
إلا أننا إن تدبرنا آية سورة البقرة، نجد أنها تخبرنا بأن النقص ليس مطلقاً، أي ليس مستمراً، وليس في الموارد الطبيعية، ولكنه ﴿بشَيْءٍ مِّنَ النقص في الأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ . فكما هو معلوم فإن الموارد الطبيعية لا تصبح أموالاً إلا بعد حيازتها أو تحويلها من خام إلى منتج. أي أن الآية تحصر النقص الذي سيصيب ابن آدم في ما هو ليس من موارد الطبيعة من أموال وأنفس وثمرات كما أن هذا النقص إن نزل كما مر بنا، هو في الغالب على ابن آدم، فرداً أو جماعة، وليس نقصاً في الموارد الطبيعية. فالطبيعة هي من خلق الله، وهو جلت قدرته الذي يفعل بها ما يشاء، لذلك فقد يسلطها على خلقه ليمسهم الضر كمنع القطر عنهم. إلا أن الآيات التي أشرنا إليها سابقاً تدل على أنه إن كان هناك مس من الضر، أي نقصان في الأموال والأنفس والثمرات، فهو بسط الرزق على الناس أو ه. أما ما في الطبيعة من خيرات فهي دائمة الوجود، برغم أن المطر قد يزيد أو ينقص، وبرغم أن العواصف قد تضرب إقليماً دون آخر كنوع من التكريم أو التعذيب (تذكر الحديث عن الشدائد). أي أن ما هو متوافر في الطبيعة منها ما هو ثابت كالجبال ومعادنها، ومنها ما هو متغير كالسحب ومياهها . أي أن الخيرات منها ما ثبتها الله جلت قدرته، ومنها ما يغيرها بمنه وجوده وكرمه. وفي الخلاصة، فإن مس الضر لا يعني بالضرورة النقصان في الموارد الطبيعية. وهي لب ما يدور حوله القائلين بالندرة النسبية. ولكنك قد تقول : إن ما على الأرض غير كاف، وتقول أيضاً: ولكن الله ينزل من الموارد الطبيعية بقدر ما يشاء بدليل بعض الآيات، أليس كذلك! فأجيب: ستأتي الإجابة بإذن الله.
تقديره.
نعود للآيات: إن ما تقوله الآيات هو أنه إذا مس الناس أو الفرد الضر، تضرعوا ثم لجؤا بالدعاء إلى الله السميع المجيب، ثم إذا رفع عنهم الضر، كان الشرك من الناس ( كما في سورة الروم، وكان الاستكبار من الفرد (كما في سورة الزمر). أي أن السمة الظاهرة في جحود الناس الشرك، وفي جحود الفرد الاستكبار. وهنا نأتي لفارق دقيق ومهم: نرى أن آيات سورة الروم تقول: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ، بينما آيات سورة الزمر تقول:


١٠٧٤ 🗏 ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلمٍ﴾. ففى آيات سورة الروم لأن الضر مس الناس ثم رفع عنهم لأنهم أنابوا إليه، أتى الشرك من فريق منهم لأنهم في الأصل كانوا كُثر عندما أصابهم المس، ومن هؤلاء الكثر، وبعد حصول الرحمة بعد الإنابة، ظهر فريق أشرك بالله وذلك بالحكم بغير ما أنزل الله أي حكم بالأهواء وكما مر بنا في فصول سابقة فإن الحكم بغير ما أنزل الله هو حكم بالأهواء، وهذا شرك). وسبب . هذا التأويل هو أنه (في سورة الروم) إن اعترف، ومن ثم قام هؤلاء الذين مسهم الضر، بنسبة الرحمة والسعة التي هم فيها إلى الله واستمروا في الإنابة، لما كانوا مشركين لأن الاعتراف بفضل الله يجعلهم مقربين الله وبالتالي في إطار شرع الله. إلا أنهم كفروا بما أتاهم الله من نعيم في الأبدان والأمن والأموال أي لأن النقصان ذهب عنهم فلا نقصان لا في الأموال ولا في الأنفس ولا في الثمرات) بل متاع مستمر مع جحود مستمر وبالتالي عدم اكتراث لشرع الله فإنه لا محالة من أنهم سيحكمون بغير شرع الله في تدبير أمور حياتهم، وهذا تراكم للشرك، لذلك كان الوعيد بقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ . أي أن لكفرهم بهذا النعيم وتمتعهم به عاقبة سيدركونها.
وما يؤكد هذا التأويل من أن جحود «الناس» سيؤدي للحكم بغير ما أنزل الله لا محالة هو الآتي: كما مر بنا فإن في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ إشارة واضحة إلى أن جماعة هي التي أشركت، وهذه الجماعة هي الجماعة الحاكمة. لماذا؟ لنتدبر قوله تعالى في سورة الروم في نفس السياق: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنَا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ . فكما مر بنا في فصل «الديوان» في توضيح معنى السلطان، هو أن الخطورة كل الخطورة هي في تسلل الأحكام أو الأفعال كأسماء للنظام المجتمعي فتصبح أعرافاً ذات تسميات يتقبلها الجميع ومن ثم يسير عليها النخبة أو الملأ السلاطين) وربما دون وعي من الناس من أن الحكم الذي هم فيه هو غير شرع الله. فالتسميات كالبنوك أو الوزارات مثلاً تصبح بذلك وكأنها سلاطين تحكم الناس بقبول منهم لا لشيء إلا لأنها أصبحت أسماء منتشرة مع اعتقاد الجميع أنها حق، فلا يتجرأ أحد على مساءلتها، وهي في الواقع ضلال. وكما مر بنا أيضاً في فصل «الديوان»، فإن الآيات التي تقصيناها أجمعت على أن الحق ينزل من الله نزولاً، وأنه لا يمكن أن يُستحدث من البشر لأنهم من بين عدة أسباب لا يستطيعون الإنزال. أي أن السلطان هو إن نزل من عند الله، أي أنها الشريعة. وبدمج هاتين الفكرتين (معنى السلطان والإنزال) نستطيع أن نفهم أهمية سؤال الآية الاستنكاري: أي هل أنزل الله الحق سبحانه وتعالى على هؤلاء الجاحدين الذين مسهم الضر ثم رفع عنهم، سلطاناً يحكمون به (أي هل أنزل عليهم مجموعة من الأحكام من عند غير الله، ليحكموا بها)؟ وبالطبع فإن الإجابة تأتي من نفس الآية من جهتين ضمنياً : جهة أنها ليست سلطاناً، وجهة أخرى أنها لم تُنزّل.
الحق
ما يزيد السؤال في الآية استهزاءً من الكفرة هو التصوير الفني الذي يجسد السلطان وكأنه كائن يتحدث بقوله تعالى: ﴿سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ . أي أن الأفعال الآثمة ازدادت قوة وتمكيناً بين الكفرة وأصبحت واضحة بينهم وكأنها لغتهم اليومية، وكأنها تتكلم بلسان حالهم. فكما هو معلوم فإن الكلام هو أوضح وأسهل طريقة للتواصل، وكأن الأفعال الآثمة هي ديدنهم المعتاد فأصبحت من وضوحها وكأنها تتكلم. ولكن ماذا يقول السلطان الآثم إن تكلم؟ هنا نأتي لرقي بلاغي آخر. تلحظ أن الآية تقول: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، أي يتحدث بطريقة حاضرة (مضارع) يَتَكَلَّمُ عن أفعال وكأنها من زمن ماض بعيد ولازالت مستمرة بقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. ولأن الأفعال من ماض بعيد ولازالت مستمرة فقد نشؤوا فيها ولم يروا غيرها، فكان المزيد من


١٠ ابن السبيل
١٠٧٥
الاستمساك بالشرك بالمزيد من الإفك ( كما هي حال الحضارة الغربية (الآن). وهناك آية أخرى في سورة العنكبوت تؤكد على الترابط بين الشرك والإفك وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي أن الإفك والسلطان بغير ما أنزل الله، يجتمعان مع الشرك. وكأن السلطان بغير ما أنزل الله هو في الواقع إفك وذلك لسببين: الأول: إن العلاقة بين الإنسان وربه كما هو معلوم هي في العبادات والمعاملات. وعبادة الأصنام شرك، أما المعاملات فهي تصبح شركاً إن لم تكن من عند الله، أي إن كانت كذباً على الله لأنها ليست من عند الله، بل هي من اختراع البشر مثلها مثل جميع الأنظمة الوضعية التي أصبحت كأنها سلاطين.
ثانياً: تقول الآية: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ . أي هناك إخبار عن شيئين: الأول هو عبادة الأوثان، وهذا معلوم، والثاني خلق الإفك. فكيف يُخلق الإفك؟ كما هو معلوم فإن الإنسان لا يخلق الأشياء أبداً، بل يصنعها بتحويلها من حال إلى حال، فهو يصنع الأثاث والطائرة، أي الأعيان، وهذه حقائق مادية لأنها في الأصل مركبة من مواد طبيعية. أي أنها ليست إفكاً. إذاً كل ما يصنعه ابن آدم مما هو ملموس ليس إفكاً (بل أعيان). لذلك لابد وأن يكون الإفك مما هو ليس ملموساً. ولكن ما الذي يمكن أن يخلقه البشر وليس ملموساً؟ إنه الكلام وتوابعه كالشعر والنثر وكتب الأديان والمعتقدات والسحر والأنظمة والقوانين وما شابه. وجميع السابق إن كان من عند الله، فهو الحق، وإن لم يكن من عند الله فهو الإفك. تدبر الآيات الآتية التي تشير إلى هذا المعنى. قال تعالى في سورة النور في حادثة الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ . وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ . هنا ترى أن عصى موسى لأنها حقيقة كانت تلقف كل ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ لأنها ليست إلا سحراً ودجل في كذب. إلا أن الذي يؤثر في المجتمعات ويسير أمور الناس ويؤدي للظلم والتظالم ليس النثر أو الشعر أو السحر، بقدر ما هو كل ما يحكم التعاملات بين الناس في إدارة شؤون الحياة. أي أن السلطان الذي يتكلم بما كانوا به يشركون هو الحكم بغير ما أنزل الله والعقيدة من ورائه. أي أن الإفك المخلوق هو الحكم بغير ما أنزل الله، أي أنه منظومات الحقوق الوضعية والله أعلم . وهذه المنظومات متى ما طبقت ظهرت الندرة النسبية للإسراف في الاستهلاك ولسوء توزيع الموارد. لذلك نجد أن الآية تنتهي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أَي تنتهي بتوجيه الناس لما يخرجهم من الندرة النسبية بأن الرازق الرزاق هو الله.
ومع
كل هذا، فإن رحمة الله واسعة، فهذا الذي فعلوه بعبادة الأوثان أو بالحكم بغير ما أنزل الله، كانت له عواقب كمنع المطر عنهم أو كوضعهم في مأزق سياسي يمنع عنهم قوافل الإمداد تدبر قوله تعالى في سورة النحل في وصف مكة المكرمة لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. والقرية هي الحاضرة كما هو معلوم. فهذه قرية كانت تعتمد في حياتها لا على مواردها الذاتية، ولكن على تجارتها، ثم عندما كذبت وكفرت ذاقت العذاب. وهذه سنة مستمرة على كل القرى بالطبع سواء كانت تعتمد على التجارة أو على مواردها الذاتية الزراعية أو الصناعية أو كانت عاصمة سياسية لإمبراطورية عظمى والسنة أو النمط الذي تشير إليه سورة الروم هو التضرع بعد تذوق العذاب وهكذا معظم البشر خلال الأجيال المتعاقبة: إسراف وكفر ثم


1.17 🗏
عذاب ثم تضرع ثم إجابة ورحمة واسعة ثم تلذذ مع جحود ثم عذاب ثم تضرع، وهكذا من دورات بين الأجيال المتعاقبة دون الاتعاظ فالآيات السابقة تظهر دورتين، الأولى انتهت برحمة الله بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً﴾ ، والثانية انتهت برحمة الله أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرحُوا بِهَا﴾. وهكذا يحظى كل جيل بفرصة التضرع لأنه لا ذنب له بما ورثه ممن قبله، فهذا من رحمة الله بإعطاء كل جيل الفرصة. حتى يأتي جيل ويرفض ويستمر رافضاً فيشتد عليه العذاب حتى لا يجد مخرجاً إلا اللجوء الله وهو في حالة ضعف كما قد يحدث في عصر العولمة. فما هو حادث الآن في عصر العولمة من فساد بسبب الحكم بغير ما أنزل الله باستنزاف الموارد بتلويث الأرض وظلم الفقراء، لا مخرج له إلا لجوء الناس الله السميع المجيب. تأمل رحمة الله في الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. فهذه دورة تتطلب التضرع، إلا أن الناس الآن لم يفكروا في ذلك بعد حتى يتمكن العذاب منهم بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بظهور المزيد من التلوث. ومتى ما أصابتهم سيئة بالنقص في الأموال والأنفس والثمرات، بما قدمته أيديهم لأنهم لم يحكموا بشرع الله، إذا هم يقنطون ثم يتضرعون الله جلت قدرته، وهكذا من دورات.
والآن لننظر لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، والتي تبدأ بالسؤال الاستنكاري عن الرؤية بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ . فكما كان طغيان الحكم بغير ما أنزل الله وكأنه سلطان يتكلم، فإن الرؤية هنا وكأنها أداة للمشركين والتي كان من المفترض بها أن تفعل فعلها لترى مقدرة الله في بسط الرزق وتقديره على من يشاء خلال الأجيال المتعاقبة، إلا أنها لم تر ذلك على الرغم من وضوحه. ولكن لماذا هو واضح لهم؟ لأن من سبقهم كانوا في ضر مسهم، ثم تضرعوا لله السميع المجيب، ثم أذاقهم رحمته فبسط عليهم من رزقه إلا أنهم أشركوا بالحكم بغير ما أنزل الله الحق سبحانه وتعالى. وقد تكرر هذا في الأمم السابقة وبين الأجيال لنفس الأمة بين بسط وتقدير . فالرؤية للناس كان من المفترض بها أن ترى هذه التسلسلات للأحداث بين الأجيال من نقصان في الأموال والأنفس والثمرات، أي تقدير الرزق، ثم الإنابة ثم الرحمة بتوسعة الرزق ثم الشرك. إلا أنها رفضت رؤية هذا برغم انتشار أخبار تلك الأمم والأجيال والتي كان من الواجب أن ترى أخبارهم أكثر من أن تعلمها.
ولكن السؤال هو: فيم كان عدم الرؤية؟ هذا هو السؤال المهم والمفتاح لموضوعنا عن الندرة النسبية. لقد كان رفضهم، كما تقول الآية، في رؤية ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. فهم لم يروا هذه المقدرة لله، ولكنهم رأوا شيئاً آخر في هذه الدورة التي نحن فيها الآن من عولمة الكفر مثلاً، لقد رأوا أن الله جلت قدرته عزوف عن التدخل في شؤون عباده، وكأنه غير موجود والعياذ بالله. لذلك فلم تتم نسبة التلوث البيئي وظلم الفقراء لمنظومة الحقوق الوضعية، أي لم تتم نسبتها للشرك، ولكن إلى الطبيعة التي لم تتمكن من مسايرة استهلاكاتهم، بالقول بأن الأرض ذات موارد محدودة، أو أنها لا تحتمل تلويث البشر. لذلك قالوا بضرورة تخفيض نسبة الكربون، وزيادة الرقعة الزراعية، وهكذا من أفكار كلها تدور خارج إطار شرع الله، ودون اللجوء إلى الله عز وجل. فقد وصلت بهم الثقة أوجها، وكأن ابن آدم يستطيع قهر كل شيء. فإن كنت مؤمناً أخي القارئ سترى وتستشعر هذا الذي يحدث في عصر العولمة من تلويث بيئي وانحلال خلقي بدليل قوله تعالى في الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . أما إن لم تكن مؤمناً فلن تكترث لأنك ترى الحضارة الغربية تنتشر على الكرة الأرضية وترى ثراء من


١٠ ابن السبيل
۱۰۷۷
أخذوا بالرأسمالية وترى تمكن المجتمعات من مجابهة الكوارث من خلال عمليات الإنقاذ، إلا أن الذي لن تراه هو أن البشر الآن وسط دورة من الرحمة حتى يأتيهم العذاب، عندها سيتضرعون الله السميع المجيب الرحمن الرحيم رغماً عنهم. وقد بدأ العلماء الآن كما هو معلوم، بدق أجراس الإنذار عن التلوث القادم المهلك للبشر (والذي أثرته في الفصول الأولى). ولكن ماذا عن آيات سورة الزمر والتي تركز على الفرد؟ قبل الذهاب إليها لنمر سريعاً على تأويل السلف رحمهم الله لآيات سورة الروم حتى تتأكد أن ما عرضته سابقاً لا يتعارض مع ما قالوا به، بل هو إضافة نحن بحاجة إليها في عصرنا بإذن الله. يقول القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ ، أي قحط وشدة ﴿دَعَوْا رَبَّهُم﴾ أن يرفع ذلك عنهم. ﴿منِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ، قال ابن عباس : مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام التعجب. عجب نبيه من المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم. أي إذا مس هؤلاء الكفار ضر من مرض وشدة ﴿دَعَوْا رَبَّهُم﴾ أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم، مقبلين عليه وحده دون الأصنام لعلمهم بأنه لا فرج عندها. ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِنْهُ رَحْمَة﴾ أي عافية ونعمة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ، أي يشركون به في العبادة. قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَهُمْ﴾، قيل: هي لام كي، وقيل: هي لام أمر، فيه معنى التهديد كما قال جل وعز: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن فَلْيَكْفُرْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، تهديد ووعيد . وفي مصحف عبد الله: وليتمتعوا، أي مكناهم من ذلك لكي يتمتعوا، فهو إخبار عن غائب مثل ليكفروا، وهو على خط المصحف خطاب بعد الإخبار عن غائب، أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا﴾ ، استفهام فيه معنى التوقيف، قال الضحاك: ﴿سُلْطَنًا﴾ أي كتابا وقاله قتادة والربيع بن أنس، وأضاف الكلام إلى الكتاب توسعا، وزعم الفراء أن العرب تؤنث السلطان تقول : قضت به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح ، و به جاء القرآن والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة، أي حجة تنطق بشرككم. قاله بن عباس والضحاك أيضاً. وقال علي بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد قال: سلطان جمع سليط، مثل رغيف ورغـفـان، فتذكيره على معنى الجمع، وتأنيثه على معنى الجماعة، وقد مضى في آل عمران الكلام في السلطان أيضاً مستوفي، والسلطان ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمراً يستوجب به عقوبة كما قال تعالى: ﴿أَوْ لَاأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ ، يعني الخصب والسعة والعافية. قاله يحيى بن سلام النقاش: النعمة والمطر. وقيل الأمن والدعة. والمعنى متقارب. ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ ، أي بالرحمة. ﴿وَإِن تُصِبَهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ، أي بلاء وعقوبة قاله مجاهد السدي قحط المطر . ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي بما عملوا من المعاصي. ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ، أي ييأسون من الرحمة والفرج. قاله الجمهور. وقال الحسن: إن القنوط ترك فرائض الله سبحانه وتعالى في السر، . والآية صفة للكافر. يقنط عند الشدة ويبطر عند النعمة. كما قيل : كحمار السوء إن أعلفته . رمح الناس وإن جاع نهق، وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة. وقد مضى في غير موضع. فأما المؤمن فيشكر ربه عند النعمة ويرجوه عند الشدة. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، أي يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط».
وجاء في تفسير الطبري الآتي:
۲۹
«يقول تعالى ذكره: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا﴾ ، على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الآلهة والأوثان كتابا بتصديق ما يقولون وبحقيقة ما يفعلون، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾»، يقول فذلك الكتاب ينطق


۱۰۷۸ 🗏
بصحة شركهم، وإنما يعني جل ثناؤه بذلك أنه لم ينزل بما يقولون ويفعلون كتاباً ولا أرسل به رسولا، وإنما هو شيء افتعلوه واختلقوه اتباعاً منهم لأهوائهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك، حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ ، يقول أم أنزلنا عليهم كتاباً فهو ينطق بشركهم.
۳۰
.«...
وبالنسبة لآيات سورة الزمر ، فقط نريد هنا التركيز على الاختلافات عن آيات سورة الروم التي تدحض فكرة الندرة النسبية. لقد كان التركيز في آيات سورة الزمر على الفرد كما قلت آنفاً، وأنه عندما بسط الله عليه الرزق استكبر وما علم أنه في فتنة. هنا نرى أن السياق يركز على العلم أكثر من الرؤية. ففي الآية الأولى في السياق (الآية ٤٩) قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفي الآية الرابعة (الآية (٥٢) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ . وبين الآيتين لا تجد ذكراً للسلطان كما في سورة الروم، وذلك لأنه لم يتكون فريق يحكم الجماعة بغير ما أنزل الله، فلا سلطان هنالك، ولكنه استكبار على مستوى أفراد بسط الله عليهم في الرزق، فلم يشكروا نعمة الله، لذلك سيصيبهم مس من الضر بما كسبوا كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ . لاحظ قوله تعالى: ﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ فهي تبعيض من جماعة لأفراد. فهذا فرد قد يفقد تجارته، وذاك قد يفقد ابنته، وثالث قد يحترق محصوله، وهكذا. هنا نرى بوضوح أن تقدير الرزق مرتبط بالسلوك للأفراد وليس للجماعات لأن الشذوذ السلوكي هو من الأفراد، لذلك كان الخطاب الاستنكاري بالعلم والذي لم يعم وكأنه مرئي كما في آيات سورة الروم. ولكن ما علاقة هذا بالندرة النسبية؟
تلحظ أن قوله تعالى: سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا تكرر مرتين في آية واحدة في المرة الأولى بصيغة الماضي في قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ ، وفي المرة الثانية بصيغة الإخبار المستقبلي في قوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ . إلا أن الإصابة بالسيئات لن تقع على الجميع، ولكن فقط على الذين ظلموا كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ﴾ . وهنا استنتاج مهم من التكرار بالصيغتين الماضي والمستقبل وفي نفس الآية وهي أن هذه هي آلية أو نمطية ستستمر في هذا المجتمع، مرة هذا يجحد، وفي الوقت ذاته ذاك يشكر، وهذا يأتيه نقص في الأنفس، وذاك نقص في الثمرات ثم يتوب فيوسع الله عليه في الرزق، وهكذا نجد أن المجتمع وكأنه تشكيلة أو نسيج (موزايك) من جميع الحالات في نفس الوقت. وهذا لا يكون إلا في مجتمع مسلم. ولكنك قد تسأل: وكيف علمت أن هذا المجتمع مسلم ؟ فأجيب: إن الآيات ولأنها تركز على الأفراد فلابد وأن تعني ضمناً أنه مجتمع مسلم، لأنه إن كان المجتمع كافراً فلن يحكم بشرع الله، عندها سيشرك وسيأتيه إما عذاب مهلك أو نقص جماعي في الموارد كما هو الوصف في سورة الروم. وهناك سياق آخر للآيات في سورة يونس يصف أيضاً حالة جماعة النَّاسَ التي استكتبرت ومكرت بعد الرحمة التي أتتهم من بعد مس الضر الذي بهم، فكان العذاب للجماعة بأن أتاها أمر الله فجعلها حصيداً وذلك بعد بغيهم في الأرض بغير الحق. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ هُوَ الَّذِي يُسَيَرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بهم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ


١٠ ابن السبيل
إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
۱۰۷۹
أما هذا المجتمع الذي تصفه سورة الزمر ، فلأنه مسلم فلم يستكبر منه إلا أفراداً هنا وهناك بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ﴾. لذلك قدّر سبحانه وتعالى الرزق على هؤلاء، فأناب بعضهم إلى الله، ثم عندما خولهم نعمة منه استكبر بعضهم. وفي هذا التسلسل نلحظ أن الجماعة لم يمسها نقص في الأموال والأنفس والثمرات. أي أن ما لديها من متطلبات حياتية لم تتأثر بالنقص كجماعة. وهناك آيات أخرى بها نفس الإشارات ولكن بتركيز آخر، يقول جل وعلا في سورة الزمر أيضاً: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ النَّارِ أَمَّنْ هُوَ قَنِتٌ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ . هنا نرى أن الإنابة بعد مس الضر ثم النعمة أدت إلى ظهور الأنداد، والذي قد يعني اللجوء للاحتكام بغير ما أنزل الله ، أي إلى الأهواء ولكن في مجتمع مسلم بدليل الآية التاسعة، أي قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتٌ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا ...﴾، والتي تشير للمقارنة بمسلم آخر. لذلك لا يمكن الاستشهاد بمثل هذه الآيات من أنه إن بسط الله الرزق أو قدره على أحد فإن في هذا دليل على الندرة النسبية، بل على العكس: إن فيه دليل على الوفرة. كيف؟
بالمقارنة بآيات سورة الروم أو سورة يونس التي تركز على الجماعة ترى الاستنتاج الأهم بوضوح إن وضعت في ذهنك أخي القارئ كل الذي سبق من استنتاجات، وهو أنه يندر أن تصيب جماعة مسلمة بأكملها نقص في الأموال والأنفس والثمرات إن هي حكمت بشرع الله . بل إن النقص كنمط متكرر سيصيب بعض الأفراد بدليل آيات سورة الزمر التي تركز على الأفراد حتى وإن أصابت الجماعة المسلمة نقص في الثمرات كما حدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة، فإن هذا وضع استثنائي وليس هو الوضع النمطي، وهذه شدة وستزول مع التقدم المعرفي بإذن الله (تذكر ما مر بنا عن الشدائد). وبالتالي فإن لم يكن الوضع النمطي هو النقص على الجماعة في الأموال والثمرات فإنه لا ندرة نسبية في الموارد بالضرورة، لأنه لا نقص في الأموال والثمرات. فهو سبحانه وتعالى عندما خلق الأرض وما عليها، خلقها بحيث لا تقع الحجة من البشر على الله جلت قدرته بأنهم وضعوا في أرض ذات خيرات محدودة. بل سبحانه وتعالى، والله أعلم خلق الكرة الأرضية وكأن كل من عليها يتمتع باستهلاك يغنيه عن سؤال الناس إن حكم الجميع بشرع الله ولأجيال متتالية إلى يوم الدين. إلا أن هذا لم يحدث بعد لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق إلا في العصور الإسلامية الأولى أي لابد وأن تكون الخيرات ميسورة حتى يقع الامتحان على الناس. وهنا آتي لنقد القري في سببه الثاني (ب) لعلاقته بهذه المسألة، ثم نعود لإتمام نقد سببه الأول.
إن نظرت للاقتباس السابق من قول الدكتور القري، تلحظ أنه في السبب الثاني (ب) يقول بأن الأوامر الشرعية عادة ما تحث على الاقتصاد في استخدام الموارد والابتعاد عن التبذير والإسراف. وكدليل على ذلك يأخذ حالة الأمر بالاقتصاد في ماء الوضوء حتى وإن كان الإنسان على نهر جار. ثم يستنتج ا أنه: «لو كانت الموارد غير


۱۰۸۰ 🗏
لحظة،
و
محدودة لما برزت الحاجة إلى مثل هذا السلوك، فهو إذن دليل على المحدودية». وهنا أقول: إن الحالة هي العكس تماماً. إن الإسلام أتى بأوامر ونواهي لتطاع، وهذا هو الامتحان. وعادة ما يكون الامتحان أكثر صعوبة إن كانت الأوضاع أكثر إغراء. لنأخذ مثالاً: إن لم يزن رجل في مجتمع محافظ جداً لا يمكن أن يرى فيه أصبع امرأة ولا يتمكن من الاحتكاك مع أية امرأة ولا مشاهد فاضحة، فهل أجر هذا الذي لم يزن لأن الفرصة لم تتح له ولأن شهواته لم تثر، كمن عاش في مجتمع تُتاح فيه كل أنواع الممارسات الجنسية والمناظر الإباحية وهو في إثارة في كل ثم خرج منها نظيفاً لخوفه من الله جلت قدرته؟ بالطبع شتان بين الحالين. وكذلك الإسراف في الماء، فإن كان الماء معدماً، فهل لهذا الذي اقتصد في استخدام الماء رغماً عنه أجر كمن التزم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعيش في منطقة تكثر فيها المياه وعليه أن يحافظ عليها؟ بالطبع لا. لذلك، فحتى يكون الامتحان صعباً، يجب أن تكون الموارد أكثر من كافية. فإن كان الأمر للعبد بعدم الإسراف في المأكل، فلابد وأن يكون الأكل وافراً ومشهياً حتى يظهر التزامه، أما إن لم يوجد الأكل فالفرد بالطبع غير مسرف رغماً . وهكذا. أي أن الأوامر الشرعية التي تحث على الاقتصاد لا يمكن أن تستخدم كدليل على أن موارد الكرة الأرضية ذات ندرة نسبية. ولكنك قد تقول: إلا أن الشريعة تدفع لإيجاد مجتمع محافظ حتى لا تثار الشهوات لعون الناس لحفظ فروجهم، وهذا المنطق يجب أن ينطبق على الموارد أيضاً !! أي لدفع الناس على عدم الإسراف يجب أن تكون الموارد ذات ندرة نسبية !! فأجيب: بل على العكس، إن ندرة الموارد ستدفع الناس للخوف من الجوع، فتزداد الندرة لخزن الناس للمستهلكات. ألا ترى الدول تتقاتل فيما بينها للسيطرة على المناطق ذات الموارد الأكثر . أما الوفرة فعادة ما تُشبع عيون الناس فتظهر القناعة، وليس كالغرائز الجنسية التي تزداد سعيراً بزيادة المعروض.
سو
عنه،
أنه
والآن نعود لإكمال النقطة الأولى في دحض أسباب الدكتور القري، فقد بقي لنا الرد على استدلاله بقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلَّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِِِِِِِِِشَ وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلَهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾». فهو استدل من هذه الآيات الثلاث أن «الموارد في الأصل غير متاحة لبني البشر بالطبيعة، ولكن الله ينزل ما يشاء كيف يشاء ومتى شاء، ينزلها بقدر معلوم، وهذا وصف قريب لواقع الموارد في فرضية الندرة ( كما يقول). لعلك لاحظت أخي القارئ أن المهم في الآيات، وكما يُفهم من ظاهرها، أن هناك خزائن وأن الله جلت قدرته ينزل منها ما يشاء بقدر معلوم. إلى هنا فلا إشكالية، لأن الآية لم تشر قط إلى الندرة النسبية. إلا أن الدكتور القري، والله أعلم، يبدو استنتج من الخزائن ومن الإنزال بقدر معلوم أن هناك ندرة نسبية !!! وإلا كيف وصل لاستنتاجه؟ وللرد أقول: أدرك أيها القارئ بأنك إن لم تكن مؤمناً ، وبالذات إن لم تكن من علماء الشريعة فلن تكون هذه الردود مقنعة لك. ولكنني في هذه الردود ألجأ للنصوص لأن من استدل بالندرة النسبية لجأ إليها. لذلك وجب علي نقد الاستدلالات التي ظهرت من آيات سورة الحجر السابقة كالآتي: إن السياق مكون من ثلاث آيات، فبالنسبة للأولى، فقد سبق وأن ناقشنا هذه الآية، واستنتجنا من قوله تعالى ﴿مَوْزُونٍ﴾ أن ما على الأرض لابد وأن يؤدي لما يعرف في عصرنا الحاضر بالاستدامة من كل الخيرات. وأنه لا يمكن الاستدلال بها على محدودية الموارد.
ولكن لنقل أنك لم توافق وأن الاتزان قد يعني لك اتزان في ضيق، فإن نظرنا للآية الثانية في السياق، أي لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾، فمع إيماننا بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا


١٠ ابن السبيل
۱۰۸۱
كالكريم والجواد الوكيل الولي المتولي، فهل يكون الاستنتاج من قوله تعالى مَعَديش أن ما وضعه سبحانه وتعالى على الأرض وفير بكرم وجود؟ أم أنه بقدر كفاية الناس الذين لا حد لشهواتهم وبالذات إن هم كفروا؟ أم بكميات محدودة؟ قد تكون إجابتك كالآتي: لا يمكن القياس على شهوات الناس لأنه لا حد لها. فأسأل: ولكن كيف تأخذ الأرض زخرفها؟ ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءِ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؟ ألم يقل أيضاً في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؟ وهنا آيات أخرى كثيرة حول هذه السنة، وهي أنه سبحانه وتعالى يمهل الكفرة ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة حتى إذا أخذت الأرض زخرفها أو حتى إن عمروها أكثر مما عمروها وهم في ترف وإسراف ورغد من العيش جاءهم العذاب. فكيف يكون الترف والإسراف إن كانت الموارد محدودة؟ فقط تدبر الآيات التي بها معاني الإسراف والترف. قال تعالى في سورة الأنبياء: «﴿ثُمَّ صَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. فكيف يكون إهلاك المسرفين إن لم يسرفوا في الموارد؟ وقال تعالى في سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ . وقال عز وجل في سورة المؤمنين: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا ......﴾ فكيف يُترفهم سبحانه وتعالى إن لم تكن الموارد كافية؟ ولعلك تقول بأن هذا لأمم سالفة في وقت كان الناس فيه قلة. فأجيب: إنها سنة الله الحق سبحانه وتعالى على جميع العصور. فقوله جل وعلا في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، هو خطاب لجميع العصور بما فيها عصر العولمة. فكيف تكون الأرض ذات زينة ومواردها شحيحة إذاً؟ هكذا تجد أن من سنته سبحانه وتعالى هي أن يكثر الخير وتُعطى الفرصة تلو الفرصة للناس من الرحمن الرحيم ليزداد التمحيص لعل الناس يرجعون إليه. أي لا يمكن الاستدلال من هذه الآية أن هناك ندرة نسبية لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أخبرنا أنه قد جعل لنا فيها مَعَيشَ ، لذلك ستكون هذه المعايش بما يوافق كرم الكريم الجواد وليس كرم من طبق اقتصاداً ضَيّق ما كان واسعاً من خيرات من خلال منظومات حقوق وضعية. بقي لنا النظر في الآية الثالثة.
.
أما بالنسبة للآية الأهم في استنتاج الدكتور القري، أي لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ ، فإن ما يُؤلم هو كيف استدل من هذه الآية على أن الموارد على الأرض محدودة؛ فهو يقول: ولكن الله ينزل ما يشاء كيف يشاء ومتى شاء، ينزلها بقدر معلوم وهذا وصف قريب لواقع الموارد في فرضية الندرة». والسؤال هو: إن كانت الأشياء تنزل من خزائن الله كيفما شاء وبقدر معلوم، فهل يعني هذا أنها تنزل بقدر يناسب كرم الله وجوده وعطائه ومنه وإحسانه ورزقه أم ما يناسب عقل الاقتصادي؟ لذلك لابد لنا أن نحمد الله لأن ما ينزل هو بعلم وقدر الكريم الجواد الرازق الرزاق المعطي الواهب الوهاب، وإلا هلك الكون. ألا يمكن القول أن هذا الذي قيل عن الندرة النسبية فيه تعد على صفة الكرم والجود لله سبحانه وتعالى؟ ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَنُ
قَتُورًا﴾ ؟


۱۰۸۲ 🗏
إن ما أحاول تلافيه في الآتي هو الانزلاق في نقاش عن العقيدة، وبإذنه وعـونه سأتمكن. لعل كلمة خَزَآينه تعطي الباحث الأخرق انطباعاً أن هناك مكاناً تُخزن فيه الأشياء كالمعادن مثلاً. ثم يتم الإنزال منها بقدر محدد، عندها ستظهر الندرة النسبية والعياذ بالله إن كان الذي نزل قليل. وإن كان الباحث أكثر حمقاً فقد يتصور أن لهذه الخزائن أحجاماً أو أبعاداً أو حتى أبواباً تشبه ما عند البشر إلا أنها ضخمة جداً. فأجيب: لابد لنا كمسلمين أن نؤمن بكلام الله جل وعلا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فلأن عقولنا قاصرة، فلابد لنا من الإيمان بنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ولكن دون الخوض في الماهيات والكيفيات الغيبية. لأضرب بعض الأمثلة المشهورة : الله في السماء قد يسأل ملحد أو أحمق ما أي سماء؟ وأين في السماء ؟ ألا ترى أن الكرة الأرضية تدور، إذا السماء في كل مكان، إذا الله حولنا ومن بيننا في كل مكان !!! وقد يستطرد قائلاً: ولكن إن كانت السماء فوق، فأين هو فوق؟ أهو فوق القطب الشمالي أم فوق الجنوبي؟ وهكذا من أسئلة لا يمكن أن تجد لها إجابة لأن العقل قاصر. وهذه مشكلة كثير من المسلمين. وهذا أمر يعلمه علماء الشريعة جيداً. فتاريخ الفلسفة (أو بالأحرى الضلال) في العالم الإسلامي محشو بأفكار الطوائف المختلفة التي ما اختلفت بشراسة إلا في أمور لا يمكن الإجابة عليها مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ . فقد يسأل أحدهم: فكيف يداه سبحانه وتعالى وكيف تُبسط ؟ وهل تشبه أيدي البشر ؟ وقد يجيب معتوه آخر لا لا تشبه يد أحد من الخلق، بل هي قد تكون عظيمة أكثر من عظم كذا أو كذا لأنه تعالى قال في سورة الزمر : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وهكذا ينجرف الناس في كيفيات فوق عقولهم ناسين أنه من أصول العقيدة الإيمان بالغيبيات. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ؟ فهل إن بحثنا ووصلنا بعقولنا لتفسيرات نظن أو نرجح صحتها دون قطعيات، نكون آمنا بالغيب؟ لنأخذ المثال الآتي المشهور: قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . فقد يسأل أو حتى يفكر ضال كيف استوى وما هو الاستواء؟ فقط إن فقهنا معنى قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ﴾ سنتوقف عن جميع هذه المناقشات التي لا تنتج إلا الضغائن والتي ما ظهرت إلا لقصور عقول من ناقشوها. لذلك يجب أن نقول كما قال أهل السنة والجماعة الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. فقط ودون الجدل لأننا مهما تجادلنا وفكرنا وتخيلنا فلن نصل لإجابة، وإن ظننا أننا وصلنا فلن نطمئن لصحة الإجابة، فلا فائدة من الجدل إلا في إضاعة الوقت. ولكن ما مناسبة هذا لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ ؟
إن من الضلال أن نحاول تشبيه أو حتى التفكير فيما هو متصل بالله جلت قدرته بمعايير البشر. فمثلاً إن كانت الخزائن محدودة عند البشر فهذا لا يعني بالضرورة أنها محدودة عند الله الكريم الجواد. فقد تكون محدودة أو لا تكون. لا نعلم ولا ضرورة لأن نعلم لأنه من علم الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به. ثم إن قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾، فهذا لا يعني الإنزال بالمفهوم البشري. وفي الوقت ذاته لا ننفي الإنزال، بل نؤمن به ولكن دون نقاشه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده لم يناقشوا مثل هذه المسائل. لذلك فإن كنت مسلماً أقول لك: إن الخيرات تنزل من عند الله بنص الآية ويجب أن تؤمن بهذا ودون السؤال كيف. وقد تجادل: ولكنني لا أرى المعادن تهبط. فأقول: إن من الشهب ما هو معادن ويهبط بكميات كبيرة، إلا أن هذا لا يعني أبداً أن نفسر الإنزال على أنه بهذه الطريقة نقطة أخرى وهل سبحانه الخالق الخلاق بحاجة لإنزال برغم أن الآية تشير لذلك،


۱۰۸۳
١٠ ابن السبيل
فكما أثبت العلم فإن جميع العناصر تتكون من نواة بها بروتونات ونيوترونات وتدور حول النواة الإلكترونات، إلا أن الاختلاف بين خصائص العناصر هو في عدد البروتونات. وجميع هذه الأجسام تسبح بحمده. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ؟ ألا يشمل قوله تعالى: ﴿وَإِن مَن شَيْءٍ﴾ البروتونات والنيوترونات والإلكترونات وحتى مكوناتهم من أجسام أصغر مثل الكواركز ؟ ألا يستطيع الخالق الخلاق تغيير أعداد هذه الأجسام التي تسبح بحمده بقوله كُن فَيَكُونُ)، فيصبح الصخر ذهباً في موضعه دونما أي إنزال بتغيير أعداد البروتونات. مسألة أخرى، قد لا ينزل شيء، ولا يتغير شيء، ولكن الله قد يهدي البشر للاستفادة مما هو متوافر بتقدم العلم وبطريقة لم تخطر على فكر أي فرد ألم يُستخدم النفط لتطير الطائرات؟ هل فكر أحد قبل قرنين أن هذا السائل الأسود سيطير به الناس؟ وهكذا فقد يأتي زمان وترى جميع رمال الصحراء وكأنها كنز لا ينضب من العطاء في الغذاء أو الطاقة بتقدم العلم فلا تظهر الندرة النسبية دونما الحاجة لزيادة ما على الأرض من عناصر. وهكذا نجد أنفسنا في حيرة عن معنى الإنزال. لذلك نؤمن به ولا نناقشه لأنه من الغيب، إلا إن ظهرت بتقدم العلم قطعيات تحيل ما كان غيباً علينا إلى معرفة.
وأخيراً من قال أن الخزائن هى مكان بالضرورة، تدبر قوله تعالى في سورة ص: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ . فكيف توضع الرحمة في خزائن؟ بالطبع لن أجيب على السؤال لأن فيه بدعة. ولكني سقت السؤال لتربط بين رحمة الله التي لا حد لها وبين ما لدى الله من خير لا حد له، فهنالك كما أثبتت الاكتشافات ملايين النجوم التي تخلق في لحظات من عدم وجميع هذه المجرات ونجومها بإمكانه سبحانه وتعالى الواحد القهار تحويلها في لحظة إلى معادن نادرة وفاخرة بقوله ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ . أي أن الاستدلال بالآية الكريمة على أنها تشير إلى الندرة النسبية تسطيح واضح. وبالنسبة لسبب الدكتور القري الثاني (ب) فقد تمت الإجابة عليه آنفاً، أما سببه الثالث (ج) والمتعلق بالبركة والتي رجع فيها إلى قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴾، نجده هنا يستنتج أن في الآية دليل على أن «الصفة الغالبة في الموارد المتاحة للإنسان الشح والقلة». وسبب هذا الاستنتاج بالنسبة له هو أن «بركة المولى عز وجل ليست سنة من سنن الطبيعة». أي أنها كما يقول: ليست «موجودة في الأشياء بالخلقة، يتمتع بها المحسن والمسيء والمسلم والكافر والبر والفاجر، ولكنها منحة يهبها عز وجل لمن يشاء، يعمل معها القليل عمل الكثير، وما ذلك إلا دليل على أن الأصل الندرة» (كما يقول). وحتى أتمكن من الإجابة، يجب أن نفهم مقصده أولاً. فإن رجعت لنصه ستستنتج أن فكرة البركة بالنسبة له، هي في حد ذاتها فكرة تعني أن الأصل هو «الشح والقلة كما يقول. لماذا؟ لأنه منطقياً بالنسبة له، إن لم تكن الموارد شحيحة لما ظهرت فكرة البركة أصلاً لأن كل شيء متوافر. أي أن فكرة البركة تعني بالضرورة «الشح والقلة» في عموم الموارد، ثم تأتي البركة من الله سبحانه وتعالى كمنحة يهبها لمن يشاء. وقبل الرد عليه لنمر أولاً على أقوال المفسرين للآية يقول ابن كثير في تأويله:
هو
«وقال عكرمة ومجاهد في قوله عز وجل: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، جعـل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها، ومنه العصب باليمن والسابوري بسابور والطيالسة بالري. وقال ابن عباس وقتادة والسدي في


1-12 🗏
قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، أي لمن أراد السؤال عن ذلك. وقال ابن زيد معناه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، أي على وفق مراده من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج إليه، وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾، والله أعلم».
۳۱
من الواضح من التأويلات السابقة أنه ما من تأويل قال بأن وَقَدَّرَ تعني النقصان، بل جميع السابق فيه إشارة إلى حكمة الله في وضع الخيرات المناسبة في المكان المناسب. وقد تأتي (وَقَدْرَ) بمعنى الخلق أيضاً كما قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه «أضواء البيان»:
التقدير
«التقدير والخلق في لغة العرب معناهما واحد. والأقوات جمع قوت، والمراد بالأقوات، أرزاق أهل الأرض ومعايشهم وما يصلحهم، وقد ذكرنا في كتابنا «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب»، إن آية فصلت هذه، أعني قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ، يفهم منها الجمع بين الآيات الدالة على أن الأرض خلقت قبل السماء كقوله هنا: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ثم رتب على ذلك بثم، قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ . والعرب تسمي التقدير خلقاً، ومنه قول زهير الأول أن المراد بخلق ما في الأرض جميعاً قبل خلق السماء، الخلق اللغوي الذي هو التقدير، لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود، والعرب تسمي التقدير خلقا ومنه قول زهير : ولأنت تفري ما خلقت، وبعض القوم يخلُقُ ثم لا يفـري. والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت حيث قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الوجه الثاني أنه لما خلق الأرض غير مدحوة وهي أصل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلاً. والدليل من القرآن على أن وجود الأصل یمکن به إطلاق الخلق على الفرع وإن لم يكن موجوداً بالفعل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرَنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾، فقوله: ﴿خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوْرْنَكُمْ﴾»، أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم
آدم الذي هو أصلكم.
۳۲
.«...
والآن لنأخذ تأويلات أخرى وذلك لأهمية الآية كدليل لمن يقولون بالندرة النسبية، والتي ظهرت، والله أعلم، لأن قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ﴾ أنت بعد قوله تعالى: ﴿وَبَارَكَ﴾، ففهم بعض المعاصرين أن بينهما تضاداً وذلك لأنهم يعيشون في فساد توزيع الثروات فذهب فهمهم أن قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ﴾ قد يأتي بمعنى الشح والعياذ بالله. يقول الطبري رحمه الله (وبإمكانك قفز الاقتباس الآتي فقد لخصته في الفقرة التالية):
«يقول تعالى ذكره وجعل في الأرض التي خلق في يومين جبالاً رواسي، وهي الثوابت في الأرض، ﴿من فَوْقِهَا﴾، يعني من فوق الأرض على ظهرها، وقوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ ، يقول وبارك في الأرض فجعلها دائمة الخير لأهلها، وقد ذكر عن السدي في ذلك ما حدثنا موسى قال : ثنا عمرو قال: ثنا أسباط عن السدي: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ ، قال : أنبت شجرها . ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ، اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: وقدر فيها أقوات أهلها بمعنى أرزاقهم ومعايشهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن: ﴿وَقَدْرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال: أرزاقها. حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال: قدر فيها أرزاق العباد، ذلك الأقوات. حدثنا موسى قال: ثنا عمرو قال: ثنا أسباط عن السدي: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ، يقول أقواتها لأهلها. وقال آخرون: بل معناه وقدر فيها ما يُصلحها. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل قال ثنا الوليد بن مسلم عن خليد بن دعلج عن قتادة قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا


١٠ ابن السبيل
أَقْوَاتَهَا﴾ ، قال صلاحها. وقال آخرون: بل معنى ذلك وقدر فيها جبالها وأنهارها وأشجارها. ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها وساكنها من الدواب كلها. حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة : ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها، وقال آخرون: بل معنى ذلك وقدر فيها أقواتها من المطر. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال من المطر. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الآخر منها لمعاش بعضهم من بعض بالتجارة من بلدة إلى بلدة ذكر من قال ذلك . حدثني الحسين بن محمد الذارع قال: ثنا أبو محصن قال : ثنا حسين عن عكرمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال اليماني باليمن والسابرية بسابور. حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال: ثنا أبو محصن عن حصين قال: قال عكرمة وقدر فيها أقواتها اليمانية باليمن والسابرية بسابور وأشباه هذا. حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت حصيناً عن عكرمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال: في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها اليماني باليمن والسابري بسابور. حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال: البلد يكون فيه القوت أو الشيء لا يكون لغيره، ألا ترى أن السابري إنما يكون بسابور وأن العصب إنما يكون باليمن ونحو ذلك. حدثني إسماعيل بن سيف قال : ثنا ابن عبد الواحد بن زياد عن خصيف عن مجاهد في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال: السابري بسابور والطيالسة من الري. حدثني إسماعيل قال : ثنا أبو النضر صاحب البصري قال : ثنا أبو عوانة عن مطرف عن الضحاك في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ، قال : السابري من سابور والطيالسة من الري والخبر من اليمن. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أخبر أنه قدر في الأرض أقوات أهلها وذلك ما يقوتهم من ويصلحهم من المعاش ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أنه قدر فيها قوتا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرف في البلاد لما خص به بعضاً دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر ومن البحر من الماكل والحلي. ولا قول في ذلك أصح مما قال جل ثناؤه: قدر في الأرض أقوات أهلها لما وصفنا من العلة».
۳۳
الغذاء
1.10
ولتلخيص الأقوال أقول: برغم الاختلافات في جميع السابق إلا أنك لن تجد مـن أشار إلى أن قوله تعالى وَقَدَّر قد تعني الشح في الموارد لأنها أتت بعد قوله تعالى: ﴿وَبَارَكَ﴾». فمن المفسرين من قال أنها تعني أرزاقها، أي الأرض. ومنهم من قال أنها تعني أرزاق العباد ومنهم من قال أنها تعني أقوات أهلها. ومنهم من قال أنها تعني تقديره جلت قدرته لما يُصلحها ومنهم من قال أنها تعني أنه «قدر» فيها جبالها وأنهارها وأشجارها». ومنهم من قال أنها تعني أن الله «قدر فيها أقواتها من المطر» . ومنهم من قال أن الله «قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الآخر منها لمعاش بعضهم من بعض بالتجارة من بلدة إلى بلدة». ومنهم من قال أن « في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها». ومنهم من قال: «البلد يكون فيه القوت أو الشيء لا يكون لغيره». وحتى أقفل المسألة بإذن الله لابد من توضيح
الآتي، إذ أنه قد يأتي من يدعي أن هذه الأقوال السلفية لا تلائم عصرنا وأن البركة تعني أن هناك شحاً في الموارد.
من الواضح من تأويلات الفقهاء بأن وَقَدْرَ تعني الكفاية، أو ما هو ملائم من توافر الخيرات. لذلك يمكننا الاستنتاج من السابق بأن هناك في العموم ثلاثة مستويات أساسية لتواجد الموارد هي: الشح ثم الكفاية ثم


1.17 🗏
الزيادة. وبالطبع فإن هناك احتمالات مختلفة بين هذه الثلاثة. فقد يكون الشح كبيراً، وقد تكون الزيادة كبيرة أيضاً وبينهما عشرات المستويات. وما استنتجه د. القري من الآية هو أن الأصل الشح، ثم مع البركة تظهر الكفاية أو الزيادة لمن أكرمه الله جل وعلا. أما ما أحاول إثباته فهو العكس، أي أن الأصل في الموارد هو الزيادة، وإن استكبر فرد أو جماعة فإن العقاب من الله هو النقصان الذي يعيد الناس لمستوى الكفاية في الغالب أو النقصان في النادر، فيظهر تذمرهم والذي يتجلى إما في الإنابة لله فتنزل رحمته، أو يتجلى في الكفر والتسخط فيأتي العذاب، والله أعلم. وما يجعلني أستنتج هذا هو آيات القرآن الكريم. كيف؟
تذكر أنه سبحانه وتعالى قال في سورة البقرة كما مر بنا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ﴾ ، فهذا النقص هو ابتلاء، فهو إذا الوضع المؤقت لمن تم ابتلاؤهم، وليس الوضع المعتاد. ومن تم ابتلاؤهم في العادة هم قلة أو حتى أنهم ندرة على مستوى المجتمع. أي أنني (وأرجو ألا تنسى هذا لا أنكر أن هناك نقص على البعض إلا أن هذا هو الوضع الشاذ. أما الوضع المعتاد فهو كما هو واضح من الآيات الكثيرة التي تذكرنا بأن الله جل وعلا هو الذي يبسط الرزق ويقدر. ولعلك لاحظت في ما مضى من هذا الفصل أنني تلافيت استخدام كلمة «يقبض» أو «قبض» والتي هي عكس البسط، بل كنت أستخدم كلمة «يقدر» تأسياً بالقرآن الكريم. فمن جوده وكرمه سبحانه وتعالى فإن الآيات دائمة الجمع بين البسط وهو الزيادة وبين ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهي الكفاية. فلاحظ كلمة ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في الآيات التسع الآتية: قال تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ ، وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، وقال تعالى في سورة القصص : ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وقال تعالى في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى في سورة سبأ أيضاً: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ، وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾، وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿له مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أما القبض فقد أتى في ذكر المنافقين كما في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾. والقبض هنا يختلف بالطبع عن «القابض»، وهو أحد أسماء الله الحسنى والتي لا تعني البخل، بل تعني مقدرته سبحانه وتعالى على قبض كل شيء كقبضه للسموات والأرضين والأرواح. أما بالنسبة للأموال والخيرات فقد أتى القبض كعقاب منه سبحانه وتعالى بقبض رزقه عمن بخلوا عن فعل الخيرات والتصدق وليس تقتيراً أو بخلاً أو عدم مقدرة منه سبحانه وتعالى والعياذ بالله كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾.


١٠ ابن السبيل
۱۰۸۷
وهل هناك أدلة أكثر إقناعاً من هذا العدد من الآيات والتي تشير لكرمه سبحانه وتعالى؟ فجميع الآيات السابقة وغيرها تؤكد على أن الله المعطي الواهب الوهاب يبسط الرزق ويقدر . والبسط كما هو معلوم الزيادة، أما القدر فهو الكفاية كما قال المفسرون آنفاً. أي أنه سبحانه وتعالى نسب لنفسه البسط والكفاية وليس البسط والشح أو الكفاية والشح. وللمزيد من التأكد لننظر لآيات أخرى تظهر وكأنها الأكثر شحاً وقد يظن البعض أنها تتجه لقبض الرزق، وليس تقديره. قال تعالى في سورة الطلاق ﴿ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقُ مِمَّا ءَاتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ . وهنا قد تقول من قوله تعالى: بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا أن العسر قد يعني الشح. فأجيب: كلا لأن القائل هو الله الكريم الجواد. فقد يكون الشخص معسوراً إلا أن لديه ما يكفيه لأنه أمر بالنفقة مما عنده ويؤيد هذا الاستنتاج التأويل الآتي لقوله تعالى في سورة الفجر: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ﴾. هنا ترى أن من قدر عليه رزقه فهو في ابتلاء قد يؤدي به إلى التعدي على قدر الله العزيز الحكيم بالظن أن الله أهانه. وهنا قد يذهب الاعتقاد بأن هذا النقصان، إلا أن تفاسير السلف تشير إلى أن قوله تعالى ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ﴾ تعني عدم الإكثار والسعة أو تعني الإعطاء قدر الكفاية. لننظر لتأويل الطبري مثلاً إذ يقول في تأويل الآية:
«وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾، يقول: وأما إذا ما امتحنه ربه بالفقر، فقدر عليه رزقه، يقول: فضيق عليه رزقه وقتره فلم يكثر ماله ولم يوسع عليه. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾»، يقول: فيقول ذلك الإنسان: ربي أهانني، يقول: أذلني بالفقر ولم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه ورزقه من العافية في جسمه. حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾، فيقول: ربي أهانني ما أسرع كفر ابن آدم. حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب: قال: قال ابن زيد قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ، قال : ضيقه. واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ، فقرأت عامة قراء الأمصار ذلك بالتخفيف، فَقَدَرَ بمعنى فقتر، خلا أبي جعفر القارئ فإنه قرأ ذلك بالتشديد فقدر. وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: قدر بمعنى يعطيه ما يكفيه. ويقول: لو فعل ذلك به ما قال ربي أهانني والصواب من قراءة ذلك عندنا بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه. وقوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتيمَ﴾، اختلف أهل التأويل في المعني بقوله كلا في هذا الموضع وما الذي أنكر بذلك، فقال بعضهم: أنكر جل ثناؤه أن يكون سبب کرامته من أكرم كثرة ماله، وسبب إهانته من أهان قلة ماله. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي﴾ ما أسرع ما كفر ابن آدم. يقول الله جل ثناؤه: كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا ولا أهين من أهنت بقلتها، ولكن إنما أكرم من أكرمت بطاعتي وأهين من أهنت بمعصيتي. وقال آخرون: بل أنكر جل ثناؤه حمد الإنسان ربه على نعمه دون فقره وشكواه الفاقة. وقالوا معنى الكلام كلا، أي لم يكن ينبغي أن يكون هكذا، ولكن كان ينبغي أن يحمده على الأمرين جميعاً علي الغنى والفقر. وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن قتادة، لدلالة قوله: بل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ، والآيات التي بعدها على أنه إنما أهان من أهان بأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، وسائر المعاني التي عدد وفي إبانته عن السبب الذي من أجله أهان من أهان الدلالة الواضحة على سبب تكريمه من أكرم، وفي تبيينه ذلك عقيب قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَنُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعْمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾، بيان واضح عن الذي أنكر من قوله ما وصفنا » . .
٣٤
يعني


۱۰۸۸ 🗏
فكما ترى في السابق فإن بعض التأويلات تأتي بمعنى الكفاية، أو أن الفرد لم يُوسع عليه. إلا أنك قد تقول: ولكن لا مفر من أن بعض التأويلات ذهبت إلى أن قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ﴾ تعني الضيق في الرزق. ولعلك تستشهد لذلك بما تراه من فقر مدقع (بسبب الخروج عن شرع الله ) وبالتفسير الآتي للبغوي مثلاً:
العسرة هي
«وأما إذا ما ابتلاه بالفقر ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، قرأ أبو جعفر وابن عامر : (فَقَدرَ)، بتشديد الدال. وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان أي ضيق عليه رزقه . وقيل : قدر بمعنى قتر وأعطاه قدر ما يكفيه. ﴿فَيَقُولُ رَبّى أَهَنَنِ﴾ ، أذلني بالفقر. وهذا يعني به الكافر تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلته. ...».
۳۵
وبهذا قد يتجه المعنى من هاتين الآيتين الأخيرتين (الطلاق والفجر) على أن البركة هي لمعالجة الشح، وأن الشح بالتالي هو الأصل في الموارد في نظر المتقبلين لنظرية الندرة النسبية. فأجيب ولكن لا تنسى أن هذه الحالات الاستثناءات كما ذكرت مراراً، وأن هذا الإعسار يقع على الناس، ولا يقع على الموارد الطبيعية. فإن كان معظم الناس في خير، فلابد إذا وأن تكون البيئة الحاضنة لهم مليئة بالخيرات. كيف؟ لنقل أن نقيض البركة هو الشح. ولنسأل: البركة في ماذا؟ هل البركة في ما على الأرض من خيرات؟ أم أن البركة فيما عند الناس؟ لنعود للآية التي استشهد بها الدكتور القري، أي لقوله تعالى في سورة فصلت: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءَ لِلسَّابِلِينَ ﴾ . تلحظ أن حرف العطف الواو تفصل بين ﴿وَبَرَكَ فِيهَا﴾ و ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ . أي أن لدينا شيئين قد يكونان مختلفين في جوانب ومتشابهين في جوانب أخرى لوجود حرف العطف الواو، والله أعلم. ولكن لأن البركة والتقدير متضادين بالنسبة لمن يقولون بالندرة النسبية، فهذا قد أن خطاب البركة هو للأرض، بينما خطاب التقدير هو للناس. وبهذا فإن الآية تقول بوضوح بأن البركة قد وضعت في كل الأرض بدليل قوله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾. وبهذا يكون الاستنتاج على أنه لا دليل من الآية على شح الموارد. وهذا الاحتمال التأويلي الأول. وهناك احتمال ثان وهو أن يتجه المعنى إلى أنه سبحانه وتعالى بارك الأقوات مع حساب كميات هذه البركة بتقديره هو بعلمه تلبية لطلبات السائلين التي يعلمها سلفاً لأنه عالم الغيب. أي أن وَقَدَّرَ تعني أنه قد قسم بحكمة. وهنا سيكون الاستنتاج أن كلاً من البركة والتقدير ليسا المقصود بها الأرض، بل الناس. وبهذا أيضاً لا يمكن الاستشهاد بالآية على أن فيها استدلال بأن الأصل الندرة لأنها لا تتحدث عن الأرض
هو
ولكن عن الناس.
يعني
لكن إن أمعنا في الآية نلحظ أن ما يرجح التأويل الأول هو أنه بالإضافة للواو، فإن كلمة فيها تفصل بين ﴿وَبَارَكَ﴾ و ﴿وَقَدَّرَ﴾. فوجود الكلمة قد يعني أن البركة عامة في الأرض دون شح لأن البركة لكل الأرض، وإلا لكانت الآية كالآتي: بارك وقدر فيها. إلا أنك في الوقت ذاته قد تقول مصراً: لكن الله جل وعلا ﴿ قَدَّرَ فيها﴾ أيضاً، وأن الضمير عائد إلى الأرض في التقدير، أي الشح، أي الندرة النسبية. فأجيب: تلحظ أنه جلت قدرته قال موضحاً بأن التقدير هو على الناس السائلين بقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. وهذا الاستنتاج يتفق ما استنتجناه سابقاً من أنه إن كان هناك نقص فهو على الناس الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، أو المستكبرين داخل المجتمع المسلم. أي أن الأصل هو البركة، وأن الندرة هي الاستثناء وتقع على بعض الناس
فقط .


١٠ ابن السبيل
۱۰۸۹
والآن سأرد على . سبب الدكتور القري الرابع (د) لتبنيه فكرة الندرة النسبية فهو بعد أن ذكر الأسباب النقلية، أي استناده للأدلة الشرعية، وهي ما سبق دحضه، انتقل للأدلة العقلية، فهو يقول مستنتجاً: «وكما أن النقل يوافق هذا الموقف فالعقل يؤيده أيضا. فإن فيما نشاهده اليوم في حياة الأفراد وفي حياة المجتمعات دليل على صحة هذه الفرضية، ووجاهة تبنيها كأساس للدراسات الاقتصادية». ولكن لماذا هذا الاستنتاج؟ تجد الإجابة في قوله معللاً: «فعلى مستوى الفرد قلما تتوافر له الموارد التي تحقق كل رغباته حتى لو كان أغنى الأغنياء». أخي القارئ: أليست هذه عبارة مشحونة بجشع وشراهة وسوء ظن بالناس، كل الناس حتى الأغنياء منهم؟ فأين ذهبت القناعة؟ بالطبع قد تجيب سائلاً: ولكن ماذا عن حديث زيد بن أرقم الذي قال: «لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة، لأبتغي إليهما آخر ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب»." فأقول: إن هناك فرق شاسع بين التمني، وبين الواقع الذي يؤثر في سلوكيات الناس ويصيغهم. فالحديث السابق عن زيد بن أرقم هو وصف لما يتمناه ابن آدم. أي أنه يصف غريزة متأصلة في ابن آدم، وقد تكون هذه الغريزة أحد الدوافع السلوك معين، كالعمل بأمانة أو كالغش أو كالتحايل أو كالتكاسل والاعتماد على الآخرين، وما شابه. أي أن هذه الغريزة هي البذرة التي ستنبت سلوكيات تختلف باختلاف المجتمع. فإن كان المجتمع ذا منظومة حقوقية بها ثغرات تمكن الناس من الغش عندها سيتمكن بعض الأفراد من الحصول على المزيد من المال من خلال الغش، أما إن كان المجتمع يغلق بإحكام جميع هذه المنافذ من خلال منظومات حقوقه، فلا مجال للمزيد من المال إلا من خلال العمل بأمانة وإخلاص. وهكذا. فالمجتمع بمظومات حقوقه هو التربة الصالحة أو الفاسدة والذي ورثناه في مجتمعاتنا المعاصرة من أجدادنا جيل بعد جيل، إن استثنينا عهد السلف، هو منظومات حقوقية ذات ثغرات مكنت بعض الأفراد للمزيد من الثراء بعمل أقل في وقت ازدادت فيه الكماليات بسبب تراكم الثروات عند البعض دون الآخرين، فانفلتت الشهوات للمزيد من التلذذ الاستهلاكي، فأصبح ابن آدم كما وصفه الدكتور القري، فرد «قلما تتوافر له الموارد التي تحقق كل رغباته حتى لو كان أغنى الأغنياء». فلا نلوم الباحث إن قال ما قال، لأنه يصف ما يراه من أفراد ذوي شراهات لا حد لها. أي أن استنتاجه مبني على مشاهدات لن تحدث إن طبقنا مقصوصة الحقوق. فغريزة حب المال إن استثمرت في تربة مجتمع يحكم بشرع الله، فكما سترى في الفصول القادمة بإذن الله، فإنه لا مجال لها إلا أن تدفع الفرد للمزيد من العمل بأمانة وإخلاص وإتقان. أي أن الثقافة السلوكية ستتغير وتصبح عرفاً كما سيأتي بيانه بإذن الله. فإن كانت بذرة الفرد فاسدة، فلا مجال لها للنمو في تربة صالحة، ومع الزمن ستختفي القيم المؤدية للتحايل والنفاق والتزلف والسرقة والبطالة، ولا سلاطين من ذوي الأموال الطائلة والهيمنة التامة ليحوم حولهم المتسلقين المتنفذين، فعندها حتى وإن كان لدى فرد حذق نشط فائضاً مالياً، فإنه لا مجال لإنفاق ذلك الفائض إلا في تبرعات خيرية لأن ما يراه في الأسواق من مستهلكات ليست بذات الإغراء الذي يدفعه للمزيد من الشراهة بسبب تقارب الناس في الدخل مما يؤدي لتقارب جودة المستهلكات في الأسواق كما ذكرت وسيأتي المزيد من التوضيح بإذن الله). أي أن من عدله سبحانه وتعالى أنه برغم اتصاف ابن آدم بالطمع، إلا أنه سبحانه وتعالى أنزل له مقصوصة من الحقوق، إن هو سار عليها، فستنقلب هذه الغرائز إلى نعم دافعة للعمل ومثمرة للمجتمع، وليست نقماً تنهش اقتصاد الأمة. أي أن استنتاج الدكتور القري، هو من وضع لم يطبق شرع الله، لذلك لا يمكن الاستدلال بمثل هذه الظواهر (ظاهرة الجشع مثلاً) كدليل على الندرة النسبية.


۱۰۹۰ 🗏
وهذا الدحض السابق ينطبق أيضاً على استنتاجه الآخر من أن عدم الكفاية ينطبق أيضاً على المجتمعات الطموحة الذي يقول بأنها تعاني من عدم كفاية الموارد لسد جميع رغبات ذلك المجتمع لدرجة أن التنمية الاقتصادية أصبحت من إحدى التحديات المعاصرة لكل مجتمعات العالم وذلك لتحقيق مستوى أعلى من المعيشة بتحسين نوعية الموارد الاقتصادية برفع كفاءة الإنتاج. ولعلك تؤيده فيما يقول لأنك ترى تردي مجتمعات العالم الثالث مقارنة بالعالم الرأسمالي، ولعلك تنسب ذلك إلى الندرة النسبية. فأقول : إن ما يراه الباحث الآن من انخفاض في مستوى المعيشة ليس مرده نقصان الموارد. فهذه اليابان دولة لا موارد لها، بل هي تستورد المواد الخام وتصنعها وتصدرها، وذات مستوى معيشي مرتفع لأن متوسط إنتاج الفرد مرتفع. وكذلك إيطاليا، بلد بمساحة صغيرة إلا أن المعظم فيها يعمل وينتج. وهناك دول متوسطة الإنتاج، فهي تتمتع بموارد وتصنعها كماليزيا مثلاً، إلا أن هناك دولاً لديها موارد ولا تجيد استغلالها فأصبحت شعوبها مدللة كالدول العربية النفطية. وهناك شعوب كما يرى الاقتصاديون، لا موارد لها ولا عمل ولا إنتاج، بل شعوب نائمة، وهي ما يستنتج منها الاقتصاديون فكرة الندرة النسبية كبعض الدول الأفريقية. وهنا أقول إن التصنيف السابق للشعوب هو تصنيف ظهر لأن تلك الشعوب لم تطبق شرع الله، فتعددت منظومات حقوقها فاختلفت مخرجاتها، فمنها المجتمعات التي تحفز الأفراد للمزيد من العمل كاليابان ليصبح الفرد فيها مطحوناً، ومنها من يرمي الفرد غير المنتج في الطرقات كالولايات المتحدة الأمريكية، ومنها من تمكن بحصافة من إيجاد اتزان بين الفقراء والأغنياء مثل الدول الإسكندنافية، ومنها من أوجد استعباداً داخلياً بين طبقات المجتمع المختلفة كالدول العربية. وهكذا إن استثنينا اليابان والدول الإسكندنافية، نجد أن جميع الشعوب تئن إما من كثرة العمل على حساب الراحة النفسية أو من الفقر كما في الدول الأفريقية ذات الموارد الثرية، أو تئن من مهانة شعوبها مع السلاطين كما في الدول العربية الغنية (فلن تجد شعباً على وجه الأرض يهاب الحكام وينافق لهم كما يفعل هؤلاء). ولا حاجة هنا لنقد الدول الإسكندنافية التي اتصفت بكآبة أفرادها. فإن طبقت الشريعة فسنحصل على مجتمع منتج غني عزيز وسعيد . تذكر ما قلناه في فصل «القذف بالغيب» عن الضروريات والحاجيات والكماليات، وعن الهدر والتعاسة والهموم والأمراض. فجميع المنظومات الحقوقية البشرية ستؤدي لاستنزاف الموارد المتاحة إما بسوء استخراج مواردها أو بسوء تصنيعها أو بسوء توزيع منتجاتها. وستتجلى هذه النقاط رويداً رويداً خلال صفحات هذا الكتاب بإذن الله.
أي أن الحجة بأن المجتمعات تعاني من نقص في الموارد هي حجة مبنية على مشاهدات المجتمعات الحالية التي لا تحكم بشرع الله، فكان العقاب هو النقصان الظاهري في الموارد. فدولة مثل السودان (التي تزخر أراضيها بكل أنواع الخيرات) شعبها من أفقر الشعوب. فهل نستنتج منها بأن هناك ندرة نسبية؟ ولكنك قد تقول: وماذا عن الصومال؟ فأجيب: إن في كل أرض خيرات مودعة لم يع ابن آدم بعد لأهميتها، وسيأتي زمانها مع التقدم العلمي. فهذا الملح الذي كان سلعة إستراتيجية في زمن ما لأنه كان الوسيلة الوحيدة لحفظ اللحوم وكان الناس يتقاتلون عليه، أصبح الآن سلعة لا أهمية له من كثرته. فمع تطبيق مقصوصة الحقوق، فإن المناطق التي لم تع البشرية أهمية خيراتها لن تكون آهلة بالسكان ومتى اكتشفت خيراتها، جذبت إليها الناس إذ أنه لا حدود، بل أمة واحدة دائمة البحث عن الخيرات كما سترى في هذا الفصل بإذن الله. وبالطبع، إن تم حبس شعب داخل حدود أرض لا خيرات فيها «بمنظار أهل ذلك الزمان الجاهل»، ستظهر الندرة النسبية. ولعل أفضل مثال على ذلك الضفة الغربية، فهي أرض وُصفت في القرآن الكريم في عدة آيات بأنها أرض مباركة، إلا أنها تئن من الفقر بسبب الحصار اليهودي عليها.


١٠ ابن السبيل
۱۰۹۱
قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ . فقط إن فكرت في العالم الإسلامي ككتلة اقتصادية واحدة، لما تجرأت قط على التفكير بالندرة النسبية. فما بالك وإن كان التفكير على مستوى العالم أجمع إن طبقت مقصوصة الحقوق؟ حتى وإن لم يسلم كل من في الأرض فإن المنتجات ستفيض إن طبقت حقوق الآدميين كما أتى بها الإسلام.
و
والآن لننظر لسببه الخامس (هـ) لتبنيه الندرة النسبية. فالدكتور القري يعترف ضمناً بأن ما على الأرض من موارد بشكل إجمالي ربما تكون كافية لكل الناس». إلا أن الندرة ستظهر كما يقول «عندما تؤخذ حالة كل مجتمع خلال فترة معينة على انفراد، فهو [أي المجتمع يواجه ندرة الموارد المتاحة، مما يستدعيه أن يجتهد للتوفيق بين هذه الموارد وحاجاته المتجددة». وهنا أجيب سائلاً: وهل يمكن الحكم على خلق الله بغير تحكيم شرع الله ؟ فإن كانت الأنظمة المعاصرة للمجتمعات تفصل بين المواقع وتحبس الناس ومن ثم تظهر الندرة النسبية، وإن كان هناك فساد في التوزيع، وإن كان هناك هدر، فهل نقول بوجود الندرة النسبية كحقيقة أم كظاهرة بسبب خلل التفكير
البشري ؟
ويزيد الباحث استدلالاً لاستنتاجه بأنه لأن وقت الإنسان في حد ذاته محدود، فهو إن حاول تسخير الموارد المتاحة، فلن يتمكن لمحدودية وقته. وهذا استشهاد باطل، بدليل توافر المنتجات بزخم شديد مع التصنيع المعاصر. فهذه الدول كاليابان تنتج أكثر مما تستهلك في وقت محدود. فمع تقدم العلم أكثر وأكثر قد يأتي زمان ولا يقوم فيه البشر إلا بالعمل القليل بإدارة الأجهزة التي تقوم بالإنتاج. كأن تقوم أجهزة بحرث الأرض، وأخرى بسقيها، وثالثة بقطف الثمار، ورابعة بتصنيف الثمار، وخامسة بصفها ،وتعبئتها، وهكذا حتى تصل للمستهلك بأقل مجهود بشري ممكن. وإلا كيف تمكن الناس من تجديد هواتفهم النقالة كل فترة وأخرى؟ فأين الأيدي لصناعة هذه الأجهزة؟ إنها تصنع في مصانع تعمل ليل نهار ولا تكل ولا تمل. وكلما زاد الطلب زادت المصانع. وهكذا فإن الطعن في أن الله خلق وقتاً غير كاف لإنتاج الناس لهو طعن في الدين بأن الأمة التي تقضي صلواتها الخمس في المساجد ستكون أقل إنتاجاً لمحدودية الوقت. وكما سترى، وقد أشرت لذلك سابقاً، فإن الأمة إن طبقت مقصوصة الحقوق سيكون عندها الكثير والكثير من الوقت للتعبد وللتفرغ للهوايات والزيارات مع وفرة في الإنتاج
أما بالنسبة لسببه الأخير (و) فهو سبب علمي بحثي فهو يقول بأن لدراسة المشكلة الاقتصادية، أو الندرة النسبية أهمية خاصة لأنها تقدم كما يقول: «تفسيراً قوياً لظهور كثير من المؤسسات المهمة في الأنظمة الاقتصادية المختلفة. فظهور الملكية بأنواعها المختلفة وظهور نظم التوزيع التي تتبناها المجتمعات المختلفة وظهور نظام الأسعار ... ألخ، إنما مرده وجود المشكلة الاقتصادية». ثم يضرب بعض الأمثلة لإثبات أهمية دراسة المشكلة الاقتصادية أو الندرة النسبية مثل تعيين حدود الملكية ومثل تبني ترتيبات منضبطة لتوزيع الموارد ولتوزيع الإنتاج». وهنا يكون ردي بالمثال الآتي: عندما تحوز الدول على عوائد الثروات وعندما تقوم هي باستخراج المعادن، أي عندما تحكم بغير شرع الله تصبح الدولة غنية مقارنة بالشعب وتصبح لها عاصمة اقتصادية تجذب لها المعدمين بحثاً عن عمل، فتزدحم المدن، فتشح فيها الأماكن وترتفع أسعارها، وتضيق الأرض على الناس بما رحبت، عندها لابد للمجتمع من استحداث نظام دقيق وفعال لتحديد وحفظ الملكيات. أما إن انتشر الناس في الأرض بحثاً عن الرزق لأن مواقع الموارد متفرقة، وبالتالي تنخفض قيمة الأرض كسلعة، فإن الحاجة لمثل هذه الأنظمة


۱۰۹۲ 🗏
ستضمحل، وسيتعارف الناس على أملاكهم فيما بينهم بأقل بيروقراطية ممكنة كما سيأتي بيانه بالتفصيل بإذن الله في فصل «الأماكن».
وهذا ينطبق أيضاً على مؤسسات التوزيع. فالإسلام يريد أفراداً لا ينتظرون منة أحد إلا الله الحنان المنان. فهم سيهبون ويعملون إن لم تُغلق أمامهم أبواب التمكين. أي أنهم سيأخذون مما عملوا به من معدن واستخرجوه ثم باعوه، وسيأخذون مما اشتروه من خام وصنعوه وباعوه، وسيأخذون مما زرعوه وحصدوه وباعوه. هكذا يأتي التوزيع، بالأخذ بالجدارة والإنتاج بجدارة، وليس بمنة مسؤول دولة أو حاكم يهب هذا دون ذاك فيظهر الفساد لتظهر المؤسسات للحفاظ على طريقة التوزيع للوصول للعدل، فتنتفخ الدولة بالمزيد من الموظفين الذين لا هم لهم إلا ملء بطونهم، فتظهر الأنظمة للحفاظ على المال العام من هؤلاء، ليظهر من يجيد تلافي تلك الأنظمة، وهكذا من مرافعات ومداولات وأنظمة ليزداد ثراء البعض على حساب الآخرين فتزداد الأسواق زينة لهم فتزداد أنفسهم شراهة فتزداد السرقات ويزداد الفقر ثم يأتي اقتصادي ويدعي أن هناك ندرة نسبية وأننا بحاجة لدراسة الظاهرة ليجد المجتمع نفسه بحاجة للمزيد من الاقتصاديين الذين لا ينتجون إلا ورقـاً وهماً وغماً فيزداد المجتمع
بيروقراطية.
أي كلما انتفخ المجتمع بيروقراطياً كلما قل الإنتاج، وبالتالي اعتقد البعض أن هناك عجز في الموارد فتظهر المؤسسات للحفاظ على الموارد وعلى حسن توزيعها فيزداد الانتفاخ البيروقراطي وتزداد الحاجة لحسن التوزيع فتتأكد الندرة النسبية. لقد كان نقدي لهذا الباحث دون غيره لأنه ممن وضعوا في مكان واحد أهم حجج القائلين بالندرة النسبية. وأدرك أيها القارئ إن لم تكن مسلماً أو كنت علمانياً بأن السابق غير مقنع لك، لذلك أرجو التركيز على الآتي.

نظرية مالثاس

لقد تأثر الفكر الغربي بنظرية مالثاس عن علاقة النمو السكاني بالتنمية. فقد كتب القسيس الإنجليزي توماس مالثاس سنة ۱۷۹۸م مقالة مفادها أن الفقر والتخلف ما هما إلا نتيجة مباشرة للنمو السكاني الذي لا تواكبه الموارد المتوفرة على الأرض. فالنمو السكاني يفوق ما تحتويه الأرض من خيرات، وذلك لأن النمو السكاني يزداد على شكل متوالية هندسية، أي أن ۲ ستصبح ٤ ثم ۸ ثم ١٦ ثم ۳۲ وهكذا، بينما النمو الغذائي يزداد بمتوالية عددية، أي أن ٢ ستصبح ٤ ثم ٦ ثم ٨ ثم ١٠ وهكذا. وقد اشتهرت هذه المقالة في الأوساط العلمية والعملية وصاغت الفكر الغربي في النظر للموارد الأرضية، وبالذات الفكر الرأسمالي. فيقول روس Ross مثلاً واصفاً تأثير مقالة مالناس على النظريات السكانية بأنها «أعظم تأثير مستمر صاغ التفكير الأكاديمي والعالم عن جذور الفقر، والتي [أي نظرية مالثاس] دافعت عن مصالح رأس المال ضد المآسي الإنسانية الكثيرة التي تسببها الرأسمالية».٣٨ فمعظم النظريات عن التخلف كانت تجهض ، إلا نظرية مالثاس فقد كانت ذات جوهر صعب الإجهاض، وبالتالي أثرت في الفكر الغربي. فقد وضع مالثاس «قانوناً طبيعياً» عن الفقر يصعب تجاهله لدرجة ظهور مجموعتين تجاه نظرية مالثاس مجموعة ترفض النظرية، ولنسميهم «المتفائلين، أو الرافضين لنظرية مالناس»، ومجموعة تتبنى


١٠ ابن السبيل
۱۰۹۳
النظرية ولنسميهم «المالثوزيون». وقد دار جدل فكري بين المجموعتين دام عدة عقود يلخص منظور الفكر الغربي للموارد. لهذا سأعرضه لأهميته لموضوعنا عن علاقة الإنسان بالموارد على الأرض وبالبركة.
كما قلنا فإن عدد السكان في القرون الأخيرة ازداد بسرعة لم يزددها من قبل في التاريخ. فهل موارد الأرض تكفي هذه الزيادة؟ هناك قول للمالثوزيين بأن تعداد الحيوانات في اتزان لأنها تعيش على بعضها البعض، فنسب الولادات قريبة من نسب الوفيات. أما الإنسان فذو وضع مختلف، فعدد الوفيات قد قل في وقت زادت فيه نسب الولادة. لذلك، فالمالثوزيون يرون أن على البشرية أن تضع حلاً إنسانياً بالسيطرة على الإنجاب قدر المستطاع. وبالتالي فهم يقولون أن من يحارب تحديد النسل فإنما هو يوافق على قتل البشر مستقبلاً بسبب قلة الموارد التي ستؤدي للجوع والمرض. وفي المقابل، يرى المتفائلون، أي الرافضون لنظرية مالثاس (وهم قلة)، أن التاريخ البشري إلا زيادة مستمرة في التعداد السكاني، وبالتالي فهو زيادة في المشاكل التي تواجه الإنسانية، وعندها سيأتي الإنسان بالحلول الفذة التي سترفع من مستوى البشر المعيشي. ولذلك، فإن هذا النمط من الإبداع سيستمر إلى الأبد. أي كلما زاد عدد السكان، كلما زادت مشاكلهم، وكلما أتت الحلول التي سترفع من مستوى الإنسان المعيشي. فالنمو السكاني بهذا قد لا يعتبر نقمة على البشرية. إلا أن المالثوزيين يرون أن الزيادة السكانية بالنسبة لدول العالم الثالث لا تعني إلا نقصان الغذاء وزيادة الجهل وانتشار الأمراض وزيادة نسبة الوفيات بين الأطفال والمسنين والتلوث البيئي. ففي كل ثانية يتم مثلاً قطع هكتار واحد من الغابات لاستيعاب استهلاك النمو السكاني من
ما هو
الأخشاب والوضع أسوأ إن نحن أدركنا أن معظم النمو السكاني هو في الدول غير الصناعية، وهي الأفقر.
لقد كان عدد سكان الأرض أقل من بليون نسمة لآلاف السنين. إلا أن الزيادة بدأت في القرن الثامن عشر ثم انفلتت بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد الخمسينات من القرن الماضي لدرجة أنها وصلت إلى ٦,٧ بليون نسمة أثناء كتابة هذا الفصل. وهناك تنبؤات من الأمم المتحدة أن العدد سيتضاعف خلال الخمسين السنة القادمة. وأن ٩٠ ٪ من هذه الزيادة ستكون في الدول غير الصناعية، بينما يبقى التعداد السكاني في الدول الصناعية ثابت تقريباً. أي أن ٤,٣ بليون نسمة سيضافون إلى أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا. وهي من المناطق التي لا تتمكن من التعامل مع النمو السكاني لفقرها. إن هذا لوضع مخيف كما يظهر لأول وهلة ولذلك يكون السؤال: ما علاقة النمو السكاني بالتخلف وأمراضه كالفقر والجهل ؟ للإجابة على هذا السؤال لنركز على مسألة تغذية البشر فقط كمثال. برغم وفاة ٥٦ مليون إنسان في حروب القرن الماضي، إلا أن النمو السكاني لم يتوقف. بسبب قلة الوفيات الناتج عن التقدم العلمي الذي أدى لظهور اللقاحات وتقدم الطب وتقنية تنقية المياه، ونحو ذلك. فظهر خوف في الستينات من القرن الماضي بأن سكان الأرض سيزدادون لدرجة أن الإحصائيين تنبؤا بأن الأرض ستمتلئ بالسكان في نوفمبر سنة ٢٠٢٦ م. وأن الصين والهند ستكونان من أوائل الدول التي سيتقاتل فيها الناس على الأكل، لذلك لابد من حلول جذرية كإيجاد مساكن تحت البحار أو جلب أغذية من خارج الأرض ونحوها من أفكار خيالية. إلا أن السبعينات والثمانينات أظهرت منظوراً آخر، فبرغم زيادة عدد السكان وازدياد الاستهلاك الغذائي إلا أن المنتجات البشرية فاقت النمو السكاني، وسبب ذلك هو أن الأراضي الزراعية قد تضاعفت إنتاجيتها وزاد بذلك نصيب الفرد من السعرات الحرارية. أي أن التقنية تمكنت من إيجاد إبداعات تؤدي لاستيعاب النمو السكاني. وباستخدام المبيدات الحشرية والبذور المحسنة وتقنية الري ازداد الإنتاج الغذائي في الدول المتخلفة لدرجة أن الدول الصناعية


🗏
كانت تدفع الأموال للمزارعين في بلدانها حتى يتوقفوا عن الإنتاج لكي لا تنخفض الأسعار. ففي السبعينات تمكن زارعوا الرز في دول العالم الثالث من حصد أراضيهم ثلاث مرات في السنة، بدل مرة واحدة. وهذا وضع لم يكن لمالثاس التنبؤ به. أي أن التقنية الزراعية تقدمت لدرجة أن إنتاج مساحة ملعب واحد لكرة القدم يكفي لإطعام ألف شخص طوال العام. أي مع مرور الزمن ستزداد البشرية ثراءً مع زيادة تعدادها السكاني باستخدام العلم. إلا أن هذا منطق رفضه المالثوزيون واستدلوا على ذلك بظهور المجاعات التي تسببت في قتل مئات الآلاف بسبب النمو السكاني الذي لم تواكبه مقدرة السكان على الإنتاج في الصحراء الأفريقية وأثيوبيا مثلاً. أي أن هناك رقعا من الكرة الأرضية زاد فيها التعداد السكاني عن مقدرة سكان بيئتهم لدعمهم، وأن هذه الظاهرة ستعم كل الأرض إن عاجلاً أو آجلاً. ولكن هناك من رفض هذا الرأي وقال بأن المجاعة في أثيوبيا هي بسبب الحروب وبالتالي عدم تمكن السكان من الإنتاج. فالحروب كانت قديماً بين القبائل إلا أنها لم تدمر الأرض لكونها بدائية، أما الحروب الأخيرة فقد تسببت في تلويث الأرض وقطع الطرق لإيصال الغذاء للمحتاجين فكانت المجاعة. وعندما توقفت الحرب بدأت آثار المجاعة في الزوال. أي أن نظرية مالثاس ليست صحيحة، فإن كانت صحيحة لاتسعت رقعة المجاعة مع مرور الزمن. ولكن السؤال لازال قائما ما هو التعداد السكاني الذي تستطيع خيرات الأرض أن تستوعبه؟ والإجابة متفاوتة بتفاوت المجيبين. فمنهم من قال بأن باستطاعة الأرض بما هو متوافر الآن من تقنية إن استخدمت بشكل لائق تغذية حوالي ٣٥ بليون نسمة، ولدي قناعة كما سأوضح بإذنه تعالى أن الأرض ستستوعب عدداً يفوق تصورنا الحالي وبمستويات استهلاكية أفضل مما عليه الآن إن تمكن البشر من استخدام حكمتهم في التعامل مع موجودات الأرض تحت مظلة مقصوصة الحقوق.
وهناك سؤال آخر: كيف ستكون نوعية الحياة ومستوياتها الاستهلاكية عندما يزداد سكان الأرض؟ لقد وجد الباحثون إجابة مشابهة على هذا السؤال في جزيرة موريتشس وهي جزيرة بالقرب من مدغشقر شرق القارة الأفريقية، فقد تعرض سكان هذه الجزيرة لظواهر نظرية مالثاس بسبب زيادة تعداد سكانهم في الستينات من القرن الماضي. فموريتشس جزيرة طولها ۸۳ ميلاً ، وذات موارد محدودة. وبالإضافة لكل هذا فقد كانت الأكثر زيادة في التعداد السكاني في العالم في ذلك الوقت. كما أنها كانت دولة فقيرة وتعتمد في اقتصادها على تصدير قصب السكر، وكانت بذلك تنفق معظم أموالها لتغذية شعبها. أي أن الدولة ستوضع في مأزق اقتصادي إذ لا توجد أراض إضافية لزراعة قصب السكر، لذلك بدأ الفقر والبطالة والمرض في الانتشار بين السكان، فسارع الباحثون بدراسة هذه الجزيرة لأنها وضع مصغر لما يمكن أن يحدث على الأرض مستقبلاً، ولما تنبأ به مالثاس.
ولأن جزيرة موريتشس وضعت تحت المجهر وأتاها الباحثون من كل مكان، فقد حثت الدولة الناس على تقليل الإنجاب من ستة إلى ثلاثة أطفال لكل امرأة، وبرغم جميع المحاولات لتوعية السكان لبلوغ هذا الهدف إلا أن النمو السكاني لم يتوقف، فبدء الفزع بأن ما على الجزيرة من موارد لن يكفيها لبناء المستشفيات والمدارس والطرق، وبهذا سينحدر المستوى المعيشي في الجزيرة. إلا أن هذا لم يحدث، فقد حدث العكس تماماً، فلأن موريتشس

هامش

ز) ولكن هناك سلبيات، ففي مثال الزر مثلاً، وبرغم زيادة الإنتاج بمعدل ۳ ٪ سنوياً في أندونوسيا إلا أنها فقدت ١,٥٠٠ صنفاً من أصناف الرز التي كانت تتمتع بها المزارع التقليدية (٣٩).


١٠ ابن السبيل
C
۱۰۹۵
تمكنت من تخفيف النمو السكاني بعض الشيء، فقد تمكنت من استثمار بعض المال الفائض في استصلاح الأراضي الصخرية وتحويلها لأراض زراعية، وتمكنت من مضاعفة إنتاجها بزراعة نفس الأرض لمحصولين في السنة، فبالإضافة لقصب السكر فقد زرعت البطاطس مثلاً على نفس الأرض بين كل موسم وآخر لقصب السكر. أي أن سكان موريتشس كانوا يحاولون كسر نظرية مالثاس ولفعل ذلك فقد دخلوا في التصنيع، فبدؤا في إنشاء مصانع الإلكترونيات بين مزارع قصب السكر، واستقطبت رؤوس الأموال لتوفر العمالة، وهكذا بدأت النهضة الإنتاجية، ولعل الذي ساعد سكان موريتشس لدحض نظرية مالناس هو مستواهم التعليمي والذي مكنهم من التأقلم مع معطياتهم الجديدة والتقنية الجديدة. وبهذا ازداد دخلهم وتحسن حالهم برغم زيادة التعداد السكاني، أي أن نموهم السكاني أثبت أنه ذخر لهم وليس عقبة أمام تقدمهم. وهناك من الدراسات ما تقول بأن باستطاعة الجزيرة الصغيرة هذه أن تستوعب ما لا يقل عن ثلاثة ملايين نسمة.
C
إلا أن هذا النجاح في جزيرة موريتشس وفي مناطق أخرى كاليابان لم يقنع المالثوزيين. ففي اليابان كانت هناك دراسات بعد الحرب العالمية الثانية تشير إلى أن اليابان لن تتمكن من النهوض الاقتصادي إلا إذا انحسر نموها السكاني، ولكن الذي حدث هو العكس كما هو معلوم، فاليابان كانت أسرع دولة في النمو الاقتصادي في نهاية القرن العشرين برغم أنها من أكثر الدول كثافة في السكان. والهند كذلك، فقد تضاعف دخل الفرد فيها برغم الزيادة السكانية، ومن الاقتصاديين من يتنبأ للهند بأنها قد تصبح يوماً ما كمدينة هونج كونج من الناحية الاقتصادية. أي أن نظرية مالناس التي أثرت في نظريات التنمية في الفكر الغربي بدأت في نهاية القرن الماضي بالتراجع. فبدأ الشك يدب في نفوس علماء الغرب من صحة نظرية مالثاس فبمثل هذه الدراسات التي تدرس تاريخ الشعوب من حيث ثقافة أفرادها وتعليمهم وصحتهم ودخل أفرادهم، وتعداد سكانهم، ونوعيات وكثافة موارد أرضهم، توصل الباحثون لنتائج مهمة، ولعل أشهرها هو ما نشره المركز الأمريكي الوطني للعلوم سنة ١٩٨٦م US National Academy of Sciences ومفاده أن القول بأن النمو السكاني سيؤدي للفقر لهو استنتاج خاطئ. فالفقر هو بسبب الجهل وفقدان المهارات ورأس المال، وليس بالضرورة بسبب النمو السكاني، فالنمو السكاني قد يؤدي للفقر ولكن ليس بالضرورة. فقد يكون النمو السكاني ذخراً للدول. فالكرة الأرضية لم تشهد نمواً سكانياً كما شهدته العقود الخمسة الأخيرة، إلا أن متوسط دخل الفرد قد ارتفع، كما أن تعليمه ومتوسط عمره قد ازداد. أي أن النمو السكاني ليس عقبة أمام التقدم البشري، بل هو داعم له إن كان بنسب معقولة لا تؤثر في الاستثمار
البشري.
إلا أن جميع هذه الإثباتات لم تقنع المالثوزيين، فبعد ظهور کتاب Silent Spring أو «الربيع الصامت» للمؤلفة ريشيل كارزون Rechel Carson أوائل الستينات من القرن الماضي والذي يعتبر المؤشر الحقيقي لبدء الوعي البيئي اتجه الباحثون لدراسة التلوث البيئي بجميع أنواعه. وبهذا تجمع للماثيزيين الكثير من الأدلة التي مكنتهم من القول أن التقدم البشري ما كان إلا على حساب التلوث البيئي. فما الذي سيحدث لطبقة الأوزون مستقبلاً مثلاً؟ فهم يقولون بأننا ندمر الأرض التي تدعمنا، فها هي ذي الغابات تتصحر، وها هي ذي درجات حرارة

هامش

ح) وهنا لابد من التنويه بأنه قد تتغير الظروف في هذه الجزيرة الديمقراطيات التي تؤدي لتناحر الأحزاب، وبالتالي سيظهر الفقر. مستقبلاً بعد انتهاء هذا الكتاب لسبب سياسي أو آخر من خلال لذلك فإن مثال هذه الجزيرة ليس حجة في حال تغير الظروف.


1.97 🗏
الأرض في ارتفاع، وها هي ذي المحيطات المتجمدة تذوب، وهكذا. وهم بالطبع محقون، كما يقول كثير من العلماء، ولكن السؤال هو: هل النمو السكاني هو المسؤول عن هذا التلوث؟ أم أن هناك مؤثرات أخرى؟ قال المالثوزيون أن المدن تزداد مساحة على حساب الغابات مثلاً ، فالغابات تقطع ليصنع من أخشابها الأثاث لدعم النمو السكاني، والناس يستخدمون البرادات والمكيفات التي تستهلك غاز CFCS الذي يوسع فتحة الأوزون، وكلما زاد عددهم زاد استهلاكهم، وهكذا.
كما أن الأراضي غير المنتجة اقتصادياً تهمل بسبب الرأسمالية، وهذه قد تتحول إلى صحراء. أي بالإمكان الربط بين النمو السكاني والتصحر مثلاً بسبب الاستهلاك البشري والذي ارتفع بسبب زيادة السكان. لذلك ظهرت أبحاث تدرس العلاقة بين التصحر والنمو السكاني في الدول المتاخمة للصحراء الكبرى بأفريقيا كمثال واختلفت نتائجها: فمنها من استنتج أن الصحراء تزحف على المدن في حدود الصحراء الكبرى بسرعة ثمانية كلم في السنة بسبب النمو السكاني، ومنها من يرى العكس فبعد النظر إلى نسب الأراضي التي تغيرت استخداماتها بفعل النمو السكاني أثبتت أنه لا علاقة بين النمو السكاني والتصحر. فقد تقرر المجتمعات مثلاً تحويل الأراضي الرعوية إلى زراعية لأسباب اقتصادية، وقد تؤدي الحرب بين دولتين إلى نزوح المزارعين من أراضيهم التي ستتصحر بالإهمال، أو قد يحدث جفاف يزيد من نسبة التصحر. وهذه عوامل لا تمت للنمو السكاني بصلة. وفي المحصلة، فإن الحقيقة أُثبتت هي أن لا علاقة بين التلوث البيئي والنمو السكاني، ولعل أفضل مثال على ذلك هو تقطيع الأشجار في غابات الأمازون بالبرازيل: إذ أن حوالي عشرة في المئة من الغابات في البرازيل قد أبيدت بعد تقطيع أشجارها، وعشر هذه المساحة قد أبيدت بسبب هجرة السكان إليها، أي بسبب النمو السكاني، أما الباقي، أي التسعة أعشار، فهي بسبب قيام كبار التجار بتحويل الغاباب إلى مزارع لتربية الأبقار لبيع لحومها، والعجيب هو أن هذه التجارة ليست مجدية للاقتصاد البرازيلي ومع ذلك فإن الحكومة البرازيلية تدعم هؤلاء المستثمرين اقتصاديا !
التي ا
هي
وإن نظرت أخي القارئ لأي موقع إلكتروني أو كتاب عن التصحر ستلحظ مباشرة أن أسباب التصحر . إما بسبب التغير المناخي أو بسبب تدخل البشر. والتغير المناخي أصلاً بسبب السلوك البشري كما هو معلوم ومثبت من الكثير من الدراسات. فقد عاشت الكرة الأرضية ماضيها دون تصحر. فلماذا يظهر التصحر الآن؟
أما
والإجابة هي أن التصحر ملازم للتلوث البيئي الناتج من قصور العقل البشري الذي يستهلك دونما إصلاح. التصحر بسبب تدخل البشر، فهو كما تشير الكثير من الدراسات بسبب سلوك الناس في التعامل . مع التصحر. فهم يهجرون الأراضي للمدن الكبرى فتترك دون زراعة ورعاية مثلاً. وهناك دراسة تقول بأن التصحر في أوائل هذا القرن كلف العالم حوالي ٤٢ بليون دولار سنويا. في حين تقدر الأمم المتحدة أن الأنشطة المضادة للتصحر والتي تحتاجها الكرة الأرضية من وقاية وإصلاح وتأهيل للأراضي لن يكلف سوى نصف ذلك المبلغ أو أقل (من ١٠ إلى ٢٢,٥ بليون دولار سنوياً). وهناك دراسة أخرى تشير إلى أن التصحر في أفريقيا بسبب عوامل متعددة من أهمها الفقر. وبالطبع فإن الفقر عادة يؤدي إلى سوء استخدام الأراضي الزراعية ما يؤدي لتدهور التربة وبالتالي تعريتها والتي تمثل بداية التصحر. ذلك أن الفقر هو بسبب المنظومات الحقوقية التي لا تمكن الأفراد الكثر الذين قد يحافظون على الأراضي، بل تمكن الأثرياء من استئجار الفقراء بأقل الأسعار وإنهاك الأراضي الزراعية : تطلعاً من الربح بتحميل الأراضي فوق طاقتها. فلا همّ للمستثمرين إلا المزيد من الربح، فكانت الوصفة المثلى للتصحر.
للمزيد


۱۰۹۷
١٠ ابن السبيل
وهنا لعلك مباشرة تستنتج أن الوصفة الأمثل لمكافحة التصحر هي زيادة نسبة الملاك الواعين الذين يستطيعون مجابهة التصحر كل في موقعه كما تفعل الشريعة بزيادة نسبة الملاك. أي أن زيادة الكثافة السكانية على الأرض هي ذخر لها لحمايتها من التصحر إن مكن الناس. أي عكس ما يقال عن النمو السكاني. أي على الرغم من عدم ثبوت العلاقة بين النمو السكاني والتصحر، فإن النمو السكاني لازال هو الملام، ولعل أفضل مثال على هذا ما هو حدث في الصحراء الكبرى. فقد أوضحت الصور الجوية أن مساحة الصحراء الكبرى قد ارتفعت من ٨٦٣٣,٠٠٠ کم مربع سنة ١٩٨٠م إلى ٩,٢٦٠,٠٠٠ كم مربع سنة ۱۹۸۲م. وهنا أُلقي اللوم على النمو السكاني لأن الساكنين على الحدود الصحراوية أحالوا بعض الأراضي الزراعية إلى مراع. إلا أن الصور الجوية بعد ذلك أوضحت أن الصحراء قد انحسرت: ففي عام ١٩٨٧م كانت مساحة الصحراء الكبرى ٩,٤١١,٠٠٠ كم مربعاً ثم انحسرت سنة ١٩٨٨م إلى ۲, كم مربعاً. وأخيراً، ومع ظهور أجهزة الكشف عن المياه ثبت أن الصحاري تحوي مياه جوفية بكميات كبيرة. ففي الربع الخالي مثلاً هناك نوعين من المياه الجوفية: مياه سطحية وتوجد على عمق مئة متر تقريباً، ومياه عميقة وتوجد على عمق يزيد عن ألف متر. وهذه إن استخرجت وعولجت لتحولت الصحاري إلى جنان تغذي الأرض من الخيرات. فتأمل هذا الرقم يقول الدكتور عبد الله العمري (أستاذ كرسي استكشاف الموارد المائية بالربع الخالي بجامعة الملك سعود بالرياض إن الماء الموجود في الربع الخالي (أو الغالي كما يسميه) يقدر بـ ٥٠٠ ألف مليون متر مكعب من الماء الصالح للاستهلاك. أليس الله الخالق الخلاق كريم جواد؟ فلماذا يتم إلقاء اللوم على النمو السكاني إذاً؟ط
إنه الضياع، فلأن المالثوزيين يعتقدون أن ما على الأرض محدد لعدم إيمانهم بالله تجدهم يبتكرون الأسباب. فهم يصرون على أن التلوث البيئي هو بسبب النمو السكاني. وذلك لأن عدد السكان، كما يقولون، مؤشر يلازمه مؤشرين آخرين هما كمية ما يستهلكه الشخص الواحد، والتقنية المستخدمة في الإنتاج. لذلك فإن التلوث ما هو إلا حاصل ضرب كل من التعداد السكاني في استهلاكية الفرد وفي التقنية المستخدمة. وبهذا يكون سكان العالم الصناعي هم أهم ملوث في الكرة الأرضية لأنهم كثيروا الاستهلاك ويستخدمون تقنية مضرة بالبيئة. فالدول الصناعية برغم أنها تشكل خمس اليابسة إلا أن سكانها يستهلكون أربعة أخماس موارد الكرة الأرضية، وتتسبب مصانعهم في ٧٠٪ من التلوث البيئي على الكرة الأرضية. فقد أشارت بعض الدراسات أن المسؤول الأول عن التلوث التقنية المستخدمة وليس النمو السكاني. ففي أوروبا الشرقية، وبرغم قلة تعداد السكان وقلة الاستهلاك للفرد إلا أن هذه الدول هي الأكثر تلويثاً للبيئة. فبقليل من الاستثمار في التقنية ستتمكن مصانع تلك الدول من خفض غازاتها المنبعثة إلى النصف. أي أن التقنية المستخدمة هي مهم في التلوث. فبزيادة المعرفة سيتمكن الإنسان من إيجاد منتجات أقل تلويثاً.ي

هامش

هو
سب
ط) لكن هناك حقيقة أخرى قالها المالثوزيون، وهي أن الأراضي أسيء استخدام تلك الأراضي فتصحرت (٤٠). القابلة للزراعة غير المستغلة قد يستنهكها السكان الذين لا أرض لهم ي لنضرب مثالاً على ذلك: فقد كانت الصناعـات الحـديـديـة بقطع أخشابها للوقود. إلا أن رد المتفائلين هو أن هذا ليس بسبب والكيماوية قبل حوالي أربعين سنة هي العمود الفقري للاقتصاد النمو السكاني، ولكن بسبب نظام الملكية الذي أتاح للأغنياء دفع القوي، وهذه صناعات ملوثة للبيئة ويصعب تنقيتها، أما الآن فإن الفقراء للمناطق المتاخمة للصحاري ومن ثم التصحر. فقد اضطر صناعة المعلومات والإلكترونيات ونحوها هي العمود الفقري لأي
الفقراء في دول العالم الثالث إلى النزوح لأراض قابلة للزراعة ولكن اقتصاد متمكن. وهذه أقل تلويثاً.
دون المعرفة بزراعتها ودون إدراك منهم لإمكانات الأرض، وبالتالي


۱۰۹۸ 🗏
فكما ترى فإن المالثوزيين في انهزام دائم. ومع ذلك فإن لهم موقفاً عقلانياً ثابتاً لأنهم لا يؤمنون بالله العزيز الحكيم. فهم يقولون أنه لابد وأن يأتي يوم تنضب فيه بعض موارد الأرض. ولأن هذا اليوم لم يأت بعد فلا يعني هذا بالنسبة لهم عدم صحة نظرية مالثاس. فكان السؤال: متى ستفنى موارد الكرة الأرضية بهذا البذخ الاستهلاكي المرتفع ؟ للإجابة على هذا السؤال وقع سنة ۱۹۸۰م تحد بين المتفائل جولیان سایمن Julian Simon والمالثوزي بول إيرلك Paul Ehrlich . وفي هذا التحدي طلب المتفائل من المالثوزي أن يختار أي خمس من المواد الخام، فإن ارتفع سعرها مستقبلاً فإن هذا يعني أنها بدأت في النضوب، وإن لم يرتفع فهذا يعني أنها تزداد في الظهور لأن الناس يجدون منها أكثر فأكثر، ومع مرور الوقت سينخفض سعرها بآلية العرض والطلب في الأسواق. وأن على المالثوزي سايمون أن يختار التاريخ المستقبلي المناسب لهذا التحدي. فاتفقا على أن يكون الموعد بعد عشرة أعوام. ثم في عام ۱۹۹۰م تم مراجعة أسعار تلك المواد الخمس التي اتفق عليها في التحدي ووجد أنها جميعاً قد انخفضت. أي أن الخيرات على الأرض لم تنضب، ولكنها زادت بزيادة المعرفة البشرية في استخراج الموارد. فحجم الكرة الأرضية بالنسبة لأحجام الناس ومستهلكاتهم كبير جداً جداً إذ لا وجه للمقارنة. فكان السؤال الرأسمالي المحير: كيف يمكن لنا الجمع بين زيادة استهلاك البشر وانخفاض الأسعار والإجابة هي: أن الأرض هائلة في مواردها، فكلما نضب معدن من مكان ما ظهر في أماكن أخرى، كما أن البشر يجدون البديل الذي يغنيهم عن ذلك المعدن الذي بدأ بالنضوب. فمخزون النفظ مثلاً سيكفي البشر لعدة عقود مع ظهور الغاز كبديل. كما أن التقنية المتقدمة بتقدم الإنسان المعرفي قد تغني الإنسان يوماً ما عن النفط والغاز باللجوء للطاقة الشمسية أو الهيدروجينية ونحوهما من موارد قد لا نعلمها، أي أن الإنسان قد يستغني يوماً ما عن النفط بـرغـم عـدم نضوبه، وقد يخف استهلاك الحديد عندما يتوقف البشر عن تشييد سكك الحديد والمباني الحديدية، وقد يخف الإقبال على النحاس عندما يستغني البشر عن أسلاك الكهرباء، وهكذا.
ولكنك قد تقول إن العلاقة بين التلوث البيئي والنمو السكاني أمر مفروض. فالقلق من نقصان الأكسجين بسبب انحسار رقعة الغابات بفعل استهلاك البشر أمر أكيد، وكذلك ندرة مياه الشرب النقية التي لا تكفي الفقراء من سكان الأرض حالياً أمر مقلق أيضاً. أي أن المسألة ليست خامات وغذاء فقط، ولكنها مسألة سلوك إنساني. والقلق سيزداد إن نحن أدركنا أن سكان الأرض سيتضاعفون ثلاث مرات قبل نهاية القرن الحالي. فهل ستكفي الموارد التي على الأرض سكانها حينئذ ؟ وبأي مستوى استهلاكي؟ لذلك ظهرت عبارات مخيفة تنبه المجتمعات من هذا النمو السكاني، مثل «الانفجار السكاني». إلا أن المطمئن للعلماء هو أن النمو السكاني ينخفض مع زيادة التعليم. أي كلما زاد النمو الاقتصادي والتعليمي انخفض النمو السكاني. فبانحسار الجهل يتجه السكان لتحديد نسلهم. وهكذا مع انتشار العلم وثبات نسبة المواليد ستثبت الكثافة السكانية مرة أخرى. فهناك من العلماء من يعتقد بأن سكان الأرض سيستقرون خلال هذا القرن إلى ما بين ثمانية واثنا عشر بليون نسمة. فالإحصائيات تشير إلى انخفاض نسبة المواليد في بعض الدول النامية في العالم كما حدث في الدول الصناعية والسبب في ذلك هو

هامش

ك) وقد يستقر النمو السكاني بنهاية القرن الحالي ليكون حوالي الاقتصادي وارتفاع مستوى التعليم بين أفراد شعبها. ففي نهاية عام عشرة بلايين نسمة، وسبب هذا الاستقرار هو أن الدول الصناعية ١٩٩٥م ازداد عدد سكان الأرض بحوالي ٨٦ مليون نسمة، أي بنسبة بدأت في التوقف عن النمو أو حتى ا النقصان في بعض السنين ، وأن ١,٤٨ %، وهذه أقل بكثير مما كان متوقعاً نظراً لارتفاع نسبة التعليم الدول الأخرى مثل الصين ستستقر في نموها السكاني بزيادة نموها (٤٢).


١٠ ابن السبيل
۱۰۹۹
أن التعليم يقنع الناس أن كل مولود جديد هو عبء اقتصادي على الأسرة من حيث تنشئته وتعليمه (كما رأينا في فصل «القذف بالغيب»). أما في الدول غير الصناعية والتي تزداد فيها نسبة المواليد فإن كل مولود هو زيادة في الدخل لأن السكان عادة ما يعملون في الحقول بأيديهم، وكلما كثرت الأيدي العاملة كلما زاد الدخل. فعلى سبيل المثال: على الأسر أن تسير في بعض الدول الأفريقية عشرة أميال أحياناً للحصول على الماء الصالح للشرب، وهذا عمل قد يوكل للأطفال، كما أن الأطفال سيقومون برعاية المسنين من آبائهم فلا يلام السكان إذاً إن هم أكثروا الإنجاب. لذلك فالمشكلة تقف، كما يقول الباحثون، عند تمكن هذه الدول من كسر دائرة الفقر بتعليم أبنائها ليحل الاتزان بين نسب الولادة والوفيات. وعندها سيثبت تعداد سكان الأرض. لذلك يعتقد الغرب أن تحديد النسل سيوقف كل المشاكل. ألا تراهم يقيمون المؤتمرات التي يطالبون فيها دول العالم الثالث بتحديد النسل !
إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة للعالم الفقير ، لأن هذا لن يحدث إلا عندما تساعد الدول الصناعية دول العالم غير الصناعي على التخلص من الفقر والجهل والمرض. وهذا بعيد المنال لأن طبيعة النفس البشرية الأمارة بالسوء تحول دون ذلك. بل تفعل الدول الصناعية عكس ذلك كما هو معلوم (وكما سنوضح في الحديث عن العولمة بإذن الله، فهي تمتص الدول الفقيرة أكثر فأكثر ، فيزداد الوضع سوءاً أكثر فأكثر. أي أن السؤال: ما هو التعداد السكاني الذي يمكن للأرض أن تستوعبه لهو سؤال خاطئ في الأصل، فالسؤال يجب أن يكون: كيف سيعيش هؤلاء الناس؟ فقد يكون العدد منخفضاً إلا أن الحياة ستكون تعيسة بسبب التلوث البيئي. فإن لم يوجد العالم الثالث واستمر العالم الصناعي بهذا المعدل من التلويث لتلوثت الكرة الأرضية برغم انخفاض عدد السكان. وقد يزداد عدد السكان ويعيشون بسلام ودون تلويث وتزداد معرفتهم ويرتقون بمستواهم المعيشي إن هم أحسنوا التصرف. وبهذا سيرتقي مستواهم التعليمي والصحي والاستهلاكي، وسيعملون لساعات أقل لتمكنهم من تسخير الآلة في مصانعهم، وهكذا يقفز المجتمع البشري من حسن لأحسن. أي أن الإشكالية هي في السلوك البشري وليس في النمو السكاني. وبهذا الاستنتاج وصل مفكروا العالم الغربي لمأزق فكري فهم اعتقدوا لعدة عقود أن النمو السكاني هو أساس كل مشكل، وأن الحل بذلك سيكون بكل بساطة في تخفيض حدة هذا النمو، إلا أن أبحاثهم أثبتت لهم أن المعضلة هي في سلوكهم البشري، والذي هو انبثاق من منظومة حقوقهم، ولا سبيل لتغيير ذلك لأن الرأسمالية تحكمهم وتوجه سلوكهم (كما مر بنا).
ولكن في جميع الأحوال، فإن للمالثوزيين مقولة حقة فهم يقولون أن البشر بهذا التلويث يتجهون نحو إفساد الأرض وتدميرها، إلا أن هذا الإفساد لم يأت بعد، وأنه قادم لا محالة، كالذي سقط من الدور الخمسين، وقبل اصطدامه بالأرض وأثناء مروره بالدور الثالث، ولأنه لم يمت بعد، يقول : إنني لازلت بخير، متجاهلاً بذلك أنه سيموت بعد لحظات. لنضرب مثالين فقط : إن ارتفاع سطح البحر مسألة مفروغ منها بسبب الاحتباس الحراري، أن أربعة أخماس التجمعات السكانية التي يسكنها أكثر من نصف مليون ساكن تقع على شواطئ البحار والتي من بينها ثلاث أخماس المدن العملاقة مثل بومبي ونيويورك وبانكوك وإسطنبول، إلا أن البشرية لم تفعل شيئاً لتلافي غرق بعض أجزاء هذه المدن. أي أن عصر المدن العملاقة قد يصل إلى نهاية مفاجئة قبل العام ٢٠٥٠م إن لم تغير البشرية نمط تلويثها البيئي كما يقول المالثوزيون. مثال آخر: إن للسيارة بريقاً وأناقة وإبداعاً في التصميم بسبب اجتهاد الشركات في بيعها ليزداد ربحها حتى وإن كان على حساب البيئة، وهذا يجعل كل فرد يحلم بالتباهي
ومع


🗏
٤٣
بامتلاكها، لذلك فقد أصبحت السيارة من مباهج الحياة التي بدأت تتفشى حتى في الدول التي بدأت بنفض غبار الاشتراكية عن نفسها ودخلت في الرأسمالية كروسيا والصين ودول أمريكا الجنوبية . لذلك فمن المتوقع أن يصل تعداد السيارات عام ٢٠٢٠م إلى مليار سيارة. وكل سيارة ستنفث غازها في الهواء مما سيؤدي لتلويث لا يعلم أضراره إلا الله سبحانه وتعالى. وهنا يقف الرافضون لنظرية مالثاس في صمت لأنهم يرون التلوث البيئي ولا يستطيعون إنكاره أو إيقافه، بل يحثون الشركات والدول لفعل شيء ما، إلا أن الكل يستهلك وينتظر الآخر، وهكذا يستمر التلوث. تذكر قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ .
ثم ظهرت دراسة مفادها أن سكان الأرض بعد ۷۸۰ سنة سيزدادون ليصلوا إلى شخص واحد في كل متر مربع من اليابسة إن كان معدل النمو السكاني ١,٣٪. وكما هو معلوم من علم الرياضيات، ولأن الرقم الكبير يزداد أكثر وأكثر، فإن سكان الأرض لن يملؤا نصفها قبل عشرات السنين من ذلك التاريخ. أي أن هذا الخط من التفكير مغلق أمام المالثيزيين. أي أنهم في حيرة، فموارد الأرض أكثر مما يستطيع البشر استهلاكها، ولكن الإشكالية هي في سلوك البشر. أي أن الغربيين لا يحاولون إلقاء اللوم على نظامهم المجتمعي بل على غيرهم، كإلقاء اللوم على ما خلق عز وجل بأنه غير كاف وبأن هناك ندرة نسبية، قاتلهم الله. إن العلمانيين يتناسون الكثير من الدراسات التي تدحض حججهم بوضوح تام. فقد جاء في تقرير البنك الدولي أنه لو وزع الدخل بشكل مختلف عن الوضع الحالي على صعيد الكرة الأرضية فإن الناتج الحالي للحبوب وحده لزود كل فرد بأكثر من ۳۰۰۰ سعراً حرارياً بالإضافة لـ ٦٥ غراماً من البروتين يومياً، وهذا أكثر بكثير من أعلى التقديرات لما يحتاجه الفرد . ٤
الله
٤٤
ثم في بداية القرن الحالي بدأ المالثوزيون بالانهزام. لنأخذ مثلاً زعيمهم بول إيرلك Paul Ehrlich الأستاذ بجامعة ستانفورد، فهو بعد كتابه الذي نشره سنة ١٩٦٨م والذي أصبح في وقته الكتاب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة الأمريكية والذي كان بعنوان: الانفجار السكاني Population Bomb ، كتب كتاباً آخر بعد أربعين سنة، أي سنة ٢٠٠٨م بعنوان: The Dominant Animal ، وملخص الكتاب يتمحور حول التساؤل: كيف أن حيواناً واحداً، وهو الإنسان، أصبح قوياً وتمكن من الهيمنة على الأرض وما عليها من موارد وأنه سيدمر قدرات الأرض لدعم حياة الكائنات؟ وما الذي يمكن أن نفعله للتخفيف من حدة ذلك؟ وحال ظهور الكتاب أحدث ضجة، فقد أجريت . معه العديد من المقابلات الإعلامية فاستمعت لثلاثة منها. والملاحظ عليها جميعاً وكذلك ما كتب عن كتابه من تحقيقات، هو أنه تراجع عن القول بأن موارد الكرة الأرضية غير كافية، فهو لا يقول الآن بأن النفط سينضب مثلاً، ولكن خطابه الآن . أن البيئة ستفسد قبل نفاذ النفط. فما قاله لمجلة US News بالنص هو الآتي: «We're not running out of fossil fuels - we're running out of environment». وفي هذا النص تأكيد على التحول الكبير في قناعته حول الندرة النسبية. وفي أحد المقابلات الإذاعية سألته المذيعة لإحراجه: لقد تنبأت في كتابك الأول (الانفجار السكاني) بأن مئات الملايين من البشر سيموتون في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي بسبب الجوع، إلا أن هذا لم يحدث؟ فكانت إجابته بأنه أخطأ التوقيت ولم يخطئ التحذير ، لأن النمو السكاني سيتوقف لا محالة، فإما أن نوقفه نحن البشر بإرادتنا أو أن البيئة ستفعل ذلك لنا لأنها ستفسد وسيقل الغذاء وسيموت الناس. وقال له مستمع آخر ناقداً: بأننا إن وضعنا جميع البشر الآن في مكان واحد
هو
٤٥


١٠ ابن السبيل
لوسعتهم أرض مربعة ضلعها ١٥ ميلاً وهذا بالطبع برص الناس حشراً الواحد بجانب الآخر)، فالأرض إذاً أكبر بكثير من النمو السكاني وكذلك مواردها ( كما يقول المستمع) ، وأن الإشكالية هي في سلوكياتنا الاقتصادية بدليل أنه حتى إن لم يوجد سكان العالم الثالث، فإن الكرة الأرضية قبل أن تنضب مواردها ستفسد تلوثاً لأن سكان الدول الصناعية عادة ما يستثمرون في المزيد من الصناعات لاستثمار رؤوس أموالهم، فهذه هي سمة الرأسمالية الملوثة، أي المزيد من الإنتاج والمزيد من التلويث. فمن الاقتصاديين مثلاً من يرى أن نقصان السكان يعني نقصان الأيدي العاملة وبالتالي نقصان الضرائب ونقصان المقدرة الشرائية، وأخيراً انهيار النظام التقاعدي. فكان الأولى بالمؤلف ( كما يقول المستمع كتابة كتاب عن خطورة الانفجار التنموي development bomb وليس الانفجار السكاني! فكانت إجابة المالثوزي بول إيرلك أن حشر الناس في مكان واحد لهو أمر ممكن، وهي ما تسمى بظاهرة هولندا، أي بالإمكان العيش بكثافة سكانية عالية كالهولنديين، إلا أن الحياة ستكون مزرية لأن الهولنديين يستوردون الكثير من الخارج، وهذا المبدأ لا يمكن أن يطبق على جميع الأرض. ثم ضرب عدة أمثلة مدارها أن كل فرد يضاف للأرض يعني المزيد من التلويث فمن الأمثلة أن جميع سكان الصين يغلون ماء الشرب لانتشار التلوث المائي، وفي الغلي للماء المزيد من التلويث الهوائي بسبب الاحتراق، وهذا بسبب كثرة السكان. ثم سـ ، سأل: فقط لنتصور ما الذي سيحدث إن حصل سكان الصين البالغ عددهم ١,٣ بليون نسمة على سيارات خاصة، فما هو حجم التلوث المتوقع، وهذا بسبب الزياة السكانية؟ ثم أضاف: ولا يحق لنا منع سكان الصين أو الهند من التمتع بما تمتعنا به من رفاهية في حين أننا لم نفعل شيئاً تجاه الحد من خطورة التلوث، فعندها ستظهر الكارثة لا محالة. فمن الأرقام العجيبة التي ضربها كمثال لإثبات طرحه هو أن هناك ثلاثة بلايين شخص يعيشون على دولارين يومياً، بينما تدفع أوروبا ٢,٥ دولاراً أمريكياً يومياً لكل بقرة كمعونة للمزارعين. وفي هذا مؤشر واضح على الإسراف وسوء التوزيع. ومن الأمثلة التي ضربها أيضاً هو أن نسبة المواليد من الإناث هي ضعف الذكور في المستوطنات التي تقع بالقرب من القطب المتجمد. وفي هذا إنذار واضح على التلوث الكيميائي. ولعل من أوضح التغيرات ما حدث للبحيرات التي كان النرويجيون يتزلجون عليها صيفا ، فلا يستطيعون ذلك الآن بسبب التغير المناخي.
عبر
إلا أن الملاحظ هو أن هذا المؤلف، وهو زعيم المالثوزيين، يحاول من خلال كتاباته الآن التركيز على ضرورة تغيير السلوك الحضاري. فهو قد انهزم وتراجع عن فكرة أن الموارد غير كافية، وبدأ التركيز على أن البشر يسيؤن التصرف، وبزيادة السكان تزداد السلوكيات المؤثرة على البيئة سلباً، لذلك فنحن بحاجة لما يسميها بالتطور الثقافي أو الحضاري cultural revolution ، فهو يرى ضرورة دراسة ما هية وجود البشر، أي من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون؟ كيف هيمنا على الكرة الأرضية؟ وماذا تعني الهيمنة لأجيالنا المستقبلية؟ فهو يرى أننا تطورنا أحقاب زمنية بتطور بطيء، والآن فجأة ندمر كل شيء بالتلويث المرعب لدرجة أن البيئة تمر بتغير يفوق إمكانية الكائنات الحية للتكيف معها. لذلك كما يقول: لابد لنا من تغيير الناس جذرياً في طريقتهم في التفكير والتعامل مع العالم والحضارات. فعموم الناس يعتقدون أن الغذاء يأتي من البقالة، ولا يدركون التداخلات المعقدة بين نظام المواصلات والزراعة، وعلاقة ذلك بالنفط. ففي الخمسين السنة الماضية حولنا الولايات المتحدة الأمريكية (كما يقول) من بلاد للناس إلى بلاد للسيارات. وعلينا أن نفعل الآن العكس من خلال التخطيط. ثم يسأل: وهل زادنا هذا سعادة ؟ فيجيب بأن الفرد الآن يستهلك من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف ما كان يستهلك عندما كان هو شاباً، إلا أن السعادة لم تزدد في نظره.


۱۱۰۲ 🗏
إن من الواضح تماماً أن هذا الباحث الضال الذي يؤمن بنظرية التطور للبشر له أهداف نبيلة. فهو يريد لنا أن نحرص على سلوكياتنا المستقبلية لإنقاذ الأرض للأجيال القادمة. ولكن كيف يتم ذلك؟ فعندما سئل: ولكن كيف توقف الإفراط في الاستهلاك ؟ أجاب بأن الإشكالية تكمن في ضرورة تغيير السلوك الإنساني وفي إيقاف النمو السكاني ثم بالتدريج إنقاصه. وعندما سئل عن التعداد السكاني الأمثل للأرض أجاب بأنه حوالي البليوني نسمة، أي كما كانت عندما ولد هو (وقد كان عمره في وقت المقابلة ٧٦ سنة). ثم أصر أحد السائلين: ولكن كيف تتم السيطرة على السلوك الإنساني؟ كانت إجابته بأنه منذ عدة سنوات وهو في بحث مع اقتصاديين عالميين عن كيفية إيجاد نظام اقتصادي يحقق للبشر السعادة. أخي القارئ، إن الذي لاحظته من جميع مقابلاته التلفازية أو الإذاعية أو المنشورة هو أنه لا يستطيع الخروج من النظام الحقوقي الذي يعيش فيه، فهو لم يذكر قط النظر لأي نظام من دين سماوي لحل الإشكالية. بل جميع الأجوبة سواء منه أو ممن ناقشوا علاقة النمو السكاني بالفساد البيئي تتمحور حول استخدام العقل البشري للإتيان بالحلول. وفي العصر الذي انهزمت فيه الاشتراكية، فإن العقل العلماني لا يتحرك إلا في إطار حقوقي ديمقراطي رأسمالي. وكما ستقتنع بإذن الله فإنه لا مخرج من هذا المأزق إلا بمقصوصة الحقوق التي تؤدي للخروج من الديمقراطية برأسماليتها ومن ثم للبركة في موارد الأرض بجعلها دائمة الخير لنا. فكيف تعامل الإسلام مع هذه المسألة؟

انتشار أم ازدحام

٤٦
لنبدأ بالإحصائية الآتية: إن وضع كل إنسان في عشرة أمتار مربعة، وهذه مساحة وكأنها غرفة مربعة ضلعها ٣,١٦ متراً، فإن كل كيلو متراً مربعاً سيسع . مئة ألف نسمة، وبهذا فإننا بحاجة إلى ٦٧ ألف كيلو متراً مربعاً لإسكان ٦,٧ بليون نسمة، وهو التعداد الحالي لسكان الأرض. أي أننا بحاجة لقطعة أرض مربعة طول ضلعها ٢٥٩ كيلو متراً تقريباً. وهذه المساحة أصغر من مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة والبالغة ٨٣,٦٠٠ كيلو متراً مربعا. فأين باقي الكرة الأرضية؟ بالطبع ستجيب: إن هذا لوضع مزر، فهو جد مزدحم فأقول: نعم، ولكنه مؤشر على أنه لا إشكالية في مساحة الكرة الأرضية. ولهذا أقول: إن لم تكن الإشكالية في المساحة، ولم تكن أيضاً في الموارد بدليل انهزام المالثيزيين، فلماذا الضجيج إذاً وكل هذه المحاربة للنمو السكاني؟ فتجيب: بأنه ضجيج خوفاً من التلوث. فأقول : أجل ولكن هذا التلوث بسبب منظومات الحقوق التي تفرز بشراً يلوثون «رغماً . أنني قلت: رغماً . عنهم، لأن منظومات الحقوق الوضعية ستسحبهم لذلك رغماً عنهم. فقد يوجد جنس بشري يلوث الفرد فيه أكثر من عشرة أفراد من جنس آخر كما هو حال العالم الغربي الآن. فالتلويث حاصل وقادم لا محالة لأن منظومات الحقوق الحالية ستفرز بشراً يلوثون ويفسدون بما كسبت أيديهم كما سترى بإذن الله، فقد أخبرنا الحق سبحانه وتعالى بهذا كما مر بنا في قوله تعالى في سورة الروم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ . فمهما حاول المفكرون الضالون إيجاد حل بعقولهم القاصرة فلن يستطيعوا. ومن أهم عناصر هذا القصور هو كيفية ظهور المستوطنات، وهذا هو موضوعنا الآتي: أي هل هناك طريقة مثلى لكيفية توزيع الناس على الأرض للاستفادة من الخيرات بأقل تلويث ممكن؟


١٠ ابن السبيل
۱۱۰۳
لقد كانت التركيبة السكانية في «معظم » المجتمعات قبل الثورة الصناعية، كما هو معروف، عبارة عن قرى ومدن منتشرة على الأرض بطريقة تعكس مواطن وجود الثروات إلى حد كبير. ففي المناطق التي تكثر فيها مادة ما تظهر مستوطنة لاستغلال تلك المادة نظراً لصعوبة نقلها لمناطق أخرى قبل تصنيعها. وبالطبع فهناك استثناءات وهي المدن التي أنشئت بقرار سياسي مثل سامراء. ومن الاستثناءات أيضاً بعض المدن التي ازدهرت عبر الزمن بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها السياسية (لأن الشريعة لم تطبق) برغم أن موقعها لا يدعم مستوى استهلاكيتها مثل القاهرة. ولأن الموارد على الأرض منتشرة فقد توزعت المستوطنات تبعاً لذلك لصعوبة نقل الخيرات. أما بعد الثورة الصناعية، ومع ظهور المواصلات الحديثة واستقرار المصانع فقد تغير الحال. فأخذت الموارد تأتي لمواقع المصانع. فاليابان الآن كما ذكرت من كبرى الدول الصناعية برغم استيرادها لمعظم المواد الخام من الخارج.
وكما هو معلوم أيضاً، فمن حيث الأيدي العاملة، فقد كان سكان مناطق ما قبل الثورة الصناعية يستهلكون ما ينتجون بأيديهم، فلم يكن هنالك فائض في الأيدي العاملة مقارنة بالوضع بعد الثورة الصناعية التي أدت إلى تسخير الآلة ومن ثم ظهور فائض في العمالة، فظهرت طبقات من السكان تنشغل بابتكار المنتجات وتنظيم إنتاجه وتسويقه واستثمار رأس المال وإدارته ونحوها من مهن تكتلت في المدن وليس بالضرورة بالقرب من مصادر المواد الخام. لذا ظهرت المدن الكبرى وصار الازدحام سمة العمران. أي أن الحضارة البشرية انتقلت من مجتمعات ما قبل صناعية منتشرة تشدها موارد الأرض في الغالب، إلى مجتمعات تكتلت في مدن وبكثافة عالية وتُشد إليها الموارد. فأي وضع هو الأفضل للبشر بين هذين النقيضين، وهل هناك أوضاع أخرى؟ وما تأثير ذلك على التلوث؟
لقد وزع الله الحق سبحانه وتعالى الخيرات في باطن الأرض وظاهرها بحكم قد لا ندرك أكثرها لأن من صفاته سبحانه وتعالى أنه الرازق الرزاق. ولكن الظاهر هو لأن الخيرات تختلف في ندرتها، فقد وزعت بطريقة تؤدي للاستثمار الأمثل لها إن طبقت مقصوصة الحقوق. فمن الخيرات ما هو متوافر في جميع الأماكن تقريباً مثل الخضروات لأنها أكثر حاجة واستهلاكاً، ومنها ما هو متوافر في معظم الأماكن مثل أحجار البناء، ومنها ما هو أكثر ندرة مثل بعض الفواكه التي تتطلب مناخاً معيناً كالزيتون أو الرز، ومنها ما هو نادر في إقليمه كالمراعي في أعالي الجبال السويسرية التي يحيط بها عدد محدد من السكان، ومنها ما هو أكثر وأكثر ندرة على مستوى الكرة الأرضية كالذهب والقصدير. لهذا يتحرك الناس وينجذبون إلى مواقع هذه الخيرات لاستهلاكها أو لحيازتها ومن ثم تصنيعها أو نقلها كخام لمناطق أخرى كما هو معلوم . وبهذا تتكون عدة شبكات متداخلة من العاملين: شبكة من التجار المصدرين توجهها تفاوضات وتحزبات ،وانقسامات وشبكة من المستوردين والباعة توجهها احتياجات الناس ورغباتهم، وشبكة من الإداريين لخدمة الحكام أو الحكومات لتنظيم الاستغلال الأمثل للموارد (كما يزعمون)، وشبكة من السائقين وعرباتهم لنقل المنتجات وشبكة من السماسرة، وهكذا من شبكات يصعب حصرها. فتتداخل هذه الشبكات وتتآلف أو تنقسم فتقوى شبكات على شبكات أخرى ليظهر لكل ثمرة أو مادة خام أو بضاعة منتجة عدة شبكات تتداخل مع شبكات المستهلكات أو المواد الأخرى. ومن جهة أخرى فإن هذه الشبكات تختلف في سعة انتشارها وقوتها، فمنها ما هو واسع الانتشار لمساحات أكبر ولكن بندرة كشبكة توزيع الزئبق مثلاً، ومنها ما هو واسع الانتشار ولكن بكثافة مثل شبكة توزيع الحليب. ومنها ما هو محلي مثل شبكة بيع الخضروات الطازجة. ومنها ما هو قوي لأنه لسلعة إستراتيجية مثل شبكة بيع النفط، ومنها ما هو ضعيف مثل


🗏
شبكة بيع الملح. فإن حاول فرد وصف هذه الشبكات وأسباب ظهورها أو أفولها وأسباب قوتها أو ضعفها وأسباب الحاجة لها أو الاستغناء عنها لما استطاع لأنها مما لا يستطيع العقل البشري الإمساك بزمام ملامحها ناهيك عن دراستها لوضع تصورات أفضل لتحسين أدائها كما يحاول المخططون أو الاقتصاديون فعله. لذلك فإن وضع أي منظومة من الحقوق لتوجيه هذه الشبكات، لهو من القذف بالغيب من مكان بعيد الذي نهينا . عنه لقصور عقولنا كما في قوله تعالى الذي سبق وأن ذكرنا تأويله في سورة سبأ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . لماذا؟ إن النفس أحياناً إن لم تكن أمارة بالسوء بظلم الآخرين وبالذات إن لم تطبق مقصوصة الحقوق، وإن لم تكن تهوى التلذذ والاستمتاع، فهي على الأقل في معظم الأحوال نفس تتلافى المشقة. وفي جميع الأحوال فهي بحاجة للمال لتحقيق هدفها، لذلك فهي للوصول لما تشتهيه قد ترى الحق بمنظار نفسها وقد تخطئ. أي لابد، وكما هو ثابت ومشاهد وملموس، أن تظهر الصراعات بين الناس وبالذات إن كانت المسألة تتصل بالأموال. فهذه الغرائز البشرية قد تدفع صاحبها لإساءة التصرف. وعندها فإن من أهم ما يحاول الناس الوثوب عليه للمزيد من المال هو هذه الشبكات: إما باستحداثها من غير حق، كأن يفرض سلطان ما على التجار إمرار بضائعهم على الجمارك فتظهر شبكات الجمارك؛ أو التدخل في شبكات الآخرين من غير حق، كأن تفرض الدولة على منتجي مادة خام نوع من التنظيم بحجة السلامة فتظهر شبكة من الموظفين المراقبين للتأكد من تطبيق هذه التنظيمات؛ أو إضعاف شبكات الآخرين من غير حق، كأن يشيع فرد بأن كثرة استهلاك مادة ما سيؤدي لمرض كذا وكذا؛ أو تحطيم شبكات الآخرين من غير حق، كأن يقوم قوم مدعومين من السلطات أو زعيم القبيلة بمنع من يستخرج الفضة من منطقة ما ومنح حق الاستخراج لآخرين لاحتكار تلك المادة؛ أو تقطيع أوصال شبكات الآخرين بغير حق بقطع الطرق بين نقاط التوزيع كالحدود بين الدول أو بثقب أنابيب نقل النفط لينساب النفط فتظهر بحيرة نفطية ليسرق منها النفط (كما هو حادث في العراق الآن. وهكذا فإن مجالات التعدي والتناحر والخلافات لا تنتهي. وقد كانت قديماً تأخذ شكلاً تعسفياً كما هي قصص الأمم السالفة: كما في قوله تعالى: ﴿تَقْعُدُوا﴾ في سورة الأعراف والتي مرت بنا في فصل «الديوان»: ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿تَعْثَوْا﴾ في سورة هود والتي مر تأويلها أيضاً: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، وكما في قوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ في سورة العنكبوت: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾. أما حديثاً فإن مجالات الخلاف تأخذ شكلاً حضارياً تحت شعار التنظيم والحفاظ على الموارد لندرتها النسبية أو تحت أي حجة أخرى، فتظهر كافة أنواع السبل للسيطرة على هذه الشبكات لتتجلى في صورة أنظمة وقوانين تسيّرها الدول. والدول رجال لهم أهواء، وبهذا فقد يساء استخدام هذه الأنظمة والأنظمة كما ذكرت أسماء وكأنها آلهة كما مر بنا في الحديث عن «تسمية الأسماء» في فصل «الديوان» كما في تأويل قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَإِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾.
وهنا لابد من التوضيح بأن أي تدخل من كائن من كان في سيولة وانسياب ونشاط هذه الشبكات سيؤدي إما إلى فساد هذه الشبكات ولن تكون قادرة على العطاء كما هو حال الدول الاشتراكية، أو أنه سيؤدي إلى كفاءة تبدو وكأنها مرتفعة مع ظلم شنيع وهدر كبير كما في الدول الرأسمالية وبالطبع فبين هذين النقيضين ستظهر


١٠ ابن السبيل
11.0
احتمالات كثيرة. ولكنك قد تتساءل وتقول : أي وكأنك يا جميل أكبر تدعو لانفلات آليات السوق ! كما أنه إن تركت الأمور دون تدخل المجتمع المتمثل في الدولة فستعم الفوضى ! فأجيب: إن المسألة ليست اشتراكية مسيطر على أسواقها وليست رأسمالية بأسواق مفلوتة، بل هنالك مبادئ وضعتها الشريعة تؤدي لأعلى كفاءة ممكنة دون ظلم. كيف؟ إن الشريعة تهدف دائماً إلى فتح أبواب التمكين (كأحقية ملكية المعادن لمن حازها كما مر بنا)، وتهدف إلى إيصال الناس للخيرات (وهو موضوع هذا الفصل، وتهدف إلى الفصل بين العاملين حتى لا تتشابك مصالحهم، وتهدف لإيجاد شفافية تامة في الأسواق حتى ينجذب الناس لما هو أكثر ربحاً، فيزداد التنافس على ما هو مربح ليقل سعره وينتشر، وتهدف لحماية المنتجين رغماً عن الحكومات لأنهم هم الذين سيكونون الأقوى إن كانوا على الحق وهذه مواضيع فصول «الفصل والوصل» و «الموافقات» و «المعرفة»، وهكذا من حـركيـات تؤدي للمزيد من الحرية في التحرك دون الإضرار بالآخرين أو بالبيئة رغماً عن الجميع لأن الحرية المعطاة للأفراد تجعلهم ينطلقون في مسارات لا صدامية وتجعلهم يتقاربون في الدخل فتتفتت جميع عمليات استخراج الخيرات أو حصدها أو صيدها أو تصنيعها أو بيعها إلى عمليات أصغر وأصغر إلى الحد الأكثر كفاءة. فلكل منتج حجم ملائم لأعلى كفاءة، وهو في الغالب أصغر حجماً مما نراه الآن في النظم الرأسمالية التي ابتلينا فيها. وهكذا تزداد الكفاءة وترتفع الجودة بزيادة المعرفة. وهذه ستتضح بإذن الله في فصلي «الشركة» و «المعرفة». أما في هذا الفصل فسنركز فقط على الحركيات التي وضعتها الشريعة لدفع الناس للوصول للخيرات.
كما ذكرت في الحديث عن الندرة النسبية، فإن هناك حكمة من تواجد الخيرات بكميات وفيرة في مناطق متباعدة فيسهل استخراجها بكميات كبيرة للاستفادة القصوى منها بنقلها كخام أو بنقلها بعد تصنيعها فتنتقل المعرفة بين المناطق بانتقال الناس بنقلها (هذه منطقة خليجية بها النفط مثلاً، وتلك الأردن بها الزيتون والفوسفات مثل آخر). وهنا لابد من التنويه على أن النقل بكميات كبيرة لا يعني أبداً من خلال شركات أو مؤسسات كبيرة كما هو حالنا اليوم، بل أفراد كُثر أو جماعات كثر كشركاء إلا أن كل جماعة مستقلة بذاتها برغم ظهور التعاونات بينهم. أي تعظيم المنافع بين الأقاليم كما هو معروف اقتصادياً ولكن ليس من خلال الشركات الحكومية أو الرأسمالية التي تعمل كمؤسسات كبيرة، بل من خلال أفراد كُثر يعملون فرادى أو كجماعات صغيرة متحدة كشركاء. وفي هذه الحكمة أي تواجد المواد المختلفة في المناطق المختلفة بحيث تتمايز المناطق) قال عكرمة في تأويل الطبري الذي مر بنا في قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءَ لِلسَّائِلِينَ ﴾:
«وقال آخرون: بل معنى ذلك : وقدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الآخر منها لمعاش بعضهم من بعض بالتجارة من بلدة إلى بلدة. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن إدريس قال: سمعت حصيناً عن عكرمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، قال : في كل أرض قوت لا يصلح في
غيرها: اليماني باليمن والسابري بسابور».
وفي هذه الحكمة أيضاً قال الهمذاني:
....
«لولا أن الله عز وجل خص بلطفه كل بلد من البلدان وأعطى كل إقليم من الأقاليم بشيء منعه غيرهم، لبطلت التجارات وذهبت الصناعات، ولما تغرب أحد ولا سافر رجل ولتركوا التهادي وذهب الشرى [الشراء] والبيع والأخذ والإعطاء، إلا أن الله عز وجل أعطى كل صقع في كل حين نوعا من


11.7 🗏
الخيرات ومنع الآخرين ليسافر هذا إلى بلد هذا، ويستمتع قوم بأمتعة قوم، ليعتدل القسم، وينتظم
التدبير».
٤٧
أي أن ما قاله هذان العالمان في تأويل الآية (وهو ما أصبح حقيقة بديهية لدى الجغرافيين والاقتصاديين المعاصرين) هو هذا التواجد للخيرات المختلفة في أقاليم مختلفة بحيث أن كل إقليم له سمته المختلفة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهناك عامل آخر ألا وهو فطرة انجذاب الناس للخيرات وتسخيرها ليظهر تفاعل هذان العاملان كمشكل أو كصائغ للحضارة المادية البشرية. فكما هو معلوم فإن الناس أطياف ولهم غرائز متفاوتة كحب الربح والتباهي بالابتكارات والتفاخر بالمقتنيات، وهذه الغرائز تدفعهم للعمل. فتجد بعض الناس يستوطنون حيث الأمطار للرعي وآخرون بالقرب من مصادر المياه لإحياء الأرض بزراعتها مثلاً. وعند تجمعهم حول الآبار وبمحاذاة الأنهار واحداً تلو الآخر تظهر التكتلات السكانية بتعاون الناس بتبادل المنتجات، وبزيادة الخبرة والمعرفة مع مرور الوقت يزداد الإنتاج من الصنف الواحد ليقوم الناس بتبادل المنتجات، وهكذا يزداد الفائض الإنتاجي الحيواني والزراعي بتراكم المعرفة. وعندها يتفرغ بعض الناس لأعمال أخرى غير الزراعة والرعي. فيظهر الحرفيون ثم بزيادة المعرفة تزداد أدوات تحسين الإنتاج ويزداد تفرغ الناس لأعمال تحتاج دقة وبراعة أكثر فتصبح الزراعة والرعي صناعة، ويزداد الإنتاج أكثر وأكثر ويتفرغ عدد أكبر من الناس للإبداع للمساهمة في الحضارة البشرية بمنتجات كمالية وترفيهية وإسرافية كآلات الموسيقى ومستلزمات السينما والمسرح، أي وهكذا انتهى بحث الناس عن السعادة إلى اللهو والمرح كالرقص والغناء والتنافس الرياضي وفي الوقت ذاته قاتل الناس بعضهم بعضاً بالحروب سعياً لنشر معتقداتهم أو الاستحواذ على خيرات أكثر باستعمار الآخرين.
ΕΛ
إن الذي شرح في الفقرة السابقة هو مختصر شديد لما سارت عليه البشرية. وهذا في اعتقاد الكثير أنه المسار الطبيعي والمحتوم لظهور حضارة البشر وأنه لا طريق آخر. وفي هذا الكتاب سأوضح بإذنه تعالى أن هذا الذي حدث ليس بالضرورة المسار الصحيح للبشر وذلك لأن مقصوصة الحقوق لم تُطبق في الحضارة البشرية إلا في مراحل متقطعة من التاريخ مثل زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. فالذي حكم وسير هذا الظهور الحضاري هو منظومة الحقوق التي أوجدها البشر بعقلهم القاصر، فكان طريق البشرية الحتمي للتلوث والفساد كما قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَل غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ . تدبر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. إن البشر كما هو معلوم ذوي كفاءات ومقدرات ومبادرات مختلفة، هذا يستمتع بالعمل بيديه وذاك يحب تحريك عقله، هذا حكيم وذاك يعلم هذا ضعيف وذاك قوي، هذا مثابر وذاك بطيء، هذا مبدع وذاك مقلد، هذا مقدام وذاك متردد. وهذا التفاوت ضرورة لإيجاد الحضارة البشرية. ذلك لأن التفاعل بين هذه الأصناف اللانهائية من الناس يؤدي إلى «التكاتف أو التكامل» الذي يحتاجه البشر للإبداع والابتكار والتصنيع للحياة برغد من جهتين: جهة يتكاتف فيها الناس بدعم نواقص بعضهم، فقد يكون هناك منتج بحاجة لمن يقطع المعدن وآخر يرسم عليه. فالذي لا يهوى الرسم ويجب استخدام عضلاته قد لا يتأفف من التقطيع، أما من يهوى الرسم فسيبدع في الرسم. ففي هذه الحالة تكاتف الاثنان لإنهاء المنتج، وهذا التكاتف هو ما تحاول الشريعة دفع الناس إليه. فنجد أن


۱۱۰۷
١٠ ابن السبيل
مثلاً
العلاقات بين المتكاتفين مبنية على الشراكة. ومن جهة أخرى فإن الناس يكملون بعضهم بعضاً. فهناك من الناس من يجيد التدبير لأنه أكثر حكمة من غيره في تدبير نفقاته فيجمع رأسمال لإنشاء مشروع يضطر فيه لاستئجار آخرين. فهنا تكامل بين من بيده المال ومن يقوم بالعمل أجيراً. ولعل التمييز هنا بين التكاتف والتكامل يكمن في العلاقة بين الأفراد فالتكاتف علاقة بين الشركاء، وهذا هو النمط الذي سينتشر إن تم استخدام مقصوصة الحقوق لفتح الشريعة لأبواب التمكين ولتقارب الناس في الدخل ولندرة الأيدي العاملة العاطلة، أما التكامل فهو علاقة بين الأجراء مع الملاك، وهذا النمط هو المنتشر حالياً باتباع الأنظمة العقلانية التي لا تفتح أبواب التمكين للناس بالعدل فتظهر العمالة التي يقوم أصحاب رؤوس الأموال بتوظيفها إجارة. وهذا تمييز مهم يؤثر في البركة، وسأوضح عواقبه لاحقاً بإذن الله إذ أن التكاتف سيجلب التكامل، ولكن التكامل لن يجلب التكاتف بين الشركاء والأجراء.
أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الموارد في الأرض بأنواع لا نهائية في مواضع لا تحصى، وخلق البشر بأطياف مختلفة ومقدرات لا نهائية وهداهم إلى مقصوصة من الحقوق توجههم (كما سترى بإذن الله) للتفاعل الأمثل بين الموارد المادية والقدرات الإنسانية. لذلك فإن أي حضارة لابد لها من خاصيتين أساسيتين لتوجد وتستمر : هما الخيرات المتفرقة والمتنوعة التي في الأرض من جهة، والتمكين للناس ذوي المقدرات والمواهب المختلفة من جهة أخرى، تأمل قوله تعالى في الآية ۱۹ من سورة الحجر ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ . فالآية تقول لنا بوضوح أن هناك أرضاً شاسعة ممدودة فيها من كل شيء موزون، والاتزان لا يكون إلا بين شيئين أو أكثر. أي أن هناك خيرات كثيرة موزعة باتزان، أي بحكمة، هذه مادة يحتاجها الناس يومياً فهي في كل مكان، وهذه يجب أن تستخرج بكميات كبيرة فهي في أماكن متباعدة، وهكذا. تدبر قوله تعالى: ﴿مَدَدْنَها﴾ وعلاقتها بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايشَ﴾، أليست ذات عمق يوضح أن الخيرات تقع في مواقع متباعدة بدليل قوله تعالى في الآية الثانية التي تقول لنا أنه الكريم الجواد الذي جعل لنا فيها المعايش، وهو الذي لا يتأتى إلا بالتمكين. ثم تدبر قوله تعالى أيضاً في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . فالتمكين في الأرض لا يكون إلا بالوصول للخيرات، ثم المعايش بالعمل فيها. وقد أتت الرأسمالية لتحاول القضاء على هاتين الخاصيتين وذلك (أولاً) بإلغاء التفاوت بين الناس وسحق مواهبهم بتوحيد مهاراتهم من خلال الفصول الدراسية مثلاً والمهنية المحتكرة لمن لهم شهادات والوظائف الإدارية لخدمة الأهرام البيروقراطية وسيتضح أكثر بإذن الله في فصل «المعرفة»)، و(ثانياً) بنزع التمكين من الناس من خلال السيطرة على الموارد بجعلها حكراً للدولة أو لجهات محددة كالشركات والمؤسسات بدعوى الخوف عليها من النضوب أو سوء الاستغلال، لذلك فلابد للبركة من أن تمحق لأن الرأسمالية تحارب هاتين الخاصيتين. وما أصر عليه في هذا الكتاب هو الطرح الآتي:
كلما زاد التعداد السكاني وزاد التفاوت بين كفاءات الناس ومقدراتهم ومهاراتهم من جهة لأنه لا قيود عليهم، وكلما زاد التفاوت في خيرات الأرض نوعاً ومكاناً بين المواقع من جهة أخرى، كلما كان البشر أكثر رغداً إن تم تمكين الناس بمقصوصة الحقوق لسبب واحد هو أن الإنتاج وبالذات بالتكاتف» بين هذه الأطياف المختلفة من الناس والمواد المتنوعة في الأماكن المتفرقة سيؤدي لمنتجات أكثر تنوعاً وكما لينعم البشر. ولقد قلت «بالتكاتف» لأن انتشار الشراكة بين الناس انصياعاً لمقصوصة الحقوق سيؤدي لظهور معرفة تتسم بتجزئتها


۱۱۰۸ 🗏
للمستهلكات لعناصر أصغر وأصغر بالتقدم المعرفي للوصول للحجم الأمثل كفاءة، فيتم تصنيع هذه الأجزاء الأصغر من قبل شركات ذات أفراد أقل وأقل ليصل الحجم للشراكة الأكثر كفاءة وبتكاتف مشترك بين الشركاء فيسهل تعلم التقنية ويسهل نقل المنتج الذي يتحد مع منتجات أخرى ليتكون العنصر الاستهلاكي الأكبر (وسيأتي بيانه بإذن الله). لضرب مثال سريع فإن صناعة أجهزة الحاسب الآلي مثلاً ستتفتت إلى أجزاء أصغر وأصغر تقوم كل شركة مكونة من عدة أفراد من تصنيع أحد الأجزاء المتقنة لأن عرف التصنيع أصبح متقناً وسامياً ومعلوماً للجميع فيظهر العرف التقني الذي يُسهّل اتصال وعمل هذه الأجزاء مجتمعة. ولحدوث هذا فهناك عدة شروط سنوضحها في هذا الكتاب وأحد هذه الشروط ومن أهمها هو حرية انتقال الناس والمواد الخام والمنتجات وهو موضوع هذا الفصل. فهذا إنسان يحتمل البرد فلا بأس لديه من العمل في أعالي الجبال في مناحل النحل، وذاك يهوى الأجهزة الدقيقة ولا يحب الجهد البدني فلن يمل من العمل في مكان ضيق بأجهزة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهذا يستمتع بالزراعة تحت الأمطار فيذهب حيث الأمطار. وهذه معادلة مهمة. فأكاد أجزم، وهذا معلوم، أن كل من أبدع في حياته سواء كان في العلوم أو المبتكرات أو التصنيع أو كان حرفياً هو شخص «يحب ما يفعله». لذلك كان مبدعاً لانشغاله المستمر في ما يفعل، وبتراكم المعرفة لديه أصبح مبدعاً ومتقناً لمنتجه أكثر وأكثر سواء كان منتجه مادياً كآلة يصنعها أو خدمة يقدمها للآخرين كحلق رؤوسهم أو تصليح أجهزتهم. وهذا المبدأ البسيط، وهو وقوع الناس على ما يحبون من أعمال أو على الأقل ما لا يكرهون)، مبدأ معلوم ومهم، إلا أن تطبيقه يصعب في ظل المجتمعات الحالية. وحتى يقع الإنسان على عمل يحبه، فلابد وأن تتاح له خيارات أكثر وأكثر، وهذا لا يكون إلا بفتح آفاق الانتقال أمامه في أي اتجاه ليجد ما يلائمه إن لم يجده في مستوطنته. لذلك سنركز على حرية تنقل الناس ليذهبوا لما يستمتعون بأدائه، أو ما هم في حاجة لأدائه. فتأمل أخي القارئ ما جاءت به الشريعة.

ابن السبيل

هل حاولت دق قطعة خشبية ثقيلة في حائط خشبي؟ إن حاولت فستلحظ أنك قد تحتاج ليد ثالثة إلا أن كانت لديك الخبرة. فبإحدى يديك ستثبت الخشبة على الحائط، وبالأخرى تثبت المسمار، وستحتاج الثالثة لتطرق المسمار. وعندها أيضاً ستحتاج عدة ضربات خفيفة لغرز المسمار مبدئياً، ثم عدة ضربات شديدة لغرسها عميقاً، وبعد كل هذا قد يدخل المسار معوجاً في الحائط. وإن كانت لديك بعض الخبرة فقد تتمكن من مسك قطعة الخشب برغم ثقلها والمسمار معاً بيد واحدة وبالأخرى تدق المسمار، وعندها قد تضرب يدك. أما إن رأيت نجاراً فستلحظ أنه يثبت الخشبة بيد، وبالأخرى وبحركة سريعة يغرز المسمار بدفعها بالمطرقة ثم يطرقها مباشرة. هل هو أكثر ذكاءً منا أم أنه أكثر مراناً ؟ ومنهم من يستطيع فعل ذلك بيد واحدة وفي ضربتين فقط، في الأولى يركز المسمار عميقاً، وفي الثانية ينهي إدخالها بالكامل داخل الخشبة والحائط. هذا ما لاحظته من مراقبة النجار عندما كنت أبني الدور (الفلل) كمستثمر. إنه ليس فقط المران الذي أوجد هذا النجار الفذ، بل هي أيضاً المعرفة، فهو لم يبتكر طريقة مسك المطرقة ولكنه تعلمها من غيره، وغيره تعلمها من آخر، وهكذا لننتهي بشخص ابتكر طريقة بدائية ثم طورها ثان وأضاف إليها ثالث لتصل لمرحلة متقدمة من الإتقان بعد مئات أو آلاف الأشخاص. ثم يأتي آخر (كما هو حاصل) ويخترع جهازاً لفعل الشيء ذاته ودون الحاجة لليدين المتمرستين ويتم تطوير هذا الجهاز


۱۱۰۹
١٠ ابن السبيل
مرات ومرات. وهذا مثال بسيط للتراكم المعرفي، وفي حالة النجار فالمسألة مسألة مران بالإضافة للمعرفة، أما في حالات كثيرة أخرى كصناعة الأجهزة فإن المسألة بحاجة للتراكم المعرفي أكثر من المران. وإن فكرت في صناعة الطائرات والحاسبات، لأدركت أنه كلما زاد عدد المساهمين في إيجاد المنتج، كلما تحسن الإنتاج وبجهد ووقت وتكلفة أقل على الفرد الذي سيستفيد من إنجازات الآخرين ويبني عليها. وهذا أمر معروف للكل. لذلك تعقد المؤتمرات لتبادل المعرفة. فكلما زاد عدد المشاركين كلما زادت المعرفة. ألم تسمع عنهم في الغرب وهم يجدون في عقد المؤتمرات الواحد تلو الآخر لإيجاد علاج لمرض نقص المناعة (الإيدز) ؟ لأن العقول الكثيرة لابد وأن تكون أفضل من العقول المحددة عدداً. ولكن كيف تأتي بعقول كثيرة إلا إن كان عدد السكان أكثر وهؤلاء بحاجة لمساحة جغرافية واسعة، ففي مدينة واحدة قد يوجد ألف طبيب مثلاً، وفي ألف مدينة سيوجد مليون طبيب. فهل تجربة مليون طبيب مثل تجربة ألف طبيب؟ وقس على ذلك كل شيء. ففي مدينة عمان بالأردن مثلاً خبرة جيدة في التعامل مع الجبال في قصها وبناء الحوائط الاستنادية ونحوها من تراكم معرفي قد لا يوجد في مدن أخرى مستوية نسبياً. فإن أتى مهندس وأقام في عمان مثلاً لعدة أشهر وعاد لموطنه ومعه هذه الخبرة، لقفزت مدينته في هذا المضمار ولتلافت الأخطاء والتكاليف الكبيرة المتوقعة من الجهل حتى وإن كانت المواقع الجبلية في تلك المدينة قليلة. أي متى ما تمكن هؤلاء المفكرون والمهنيون والحرفيون من الانتقال بحرية من مكان لآخر فهم ينقلون معهم خبرتهم. ومن جهة أخرى فإن أي خبرة أو معرفة لابد لها وأن تتحسن عندما تنتقل لأنها ستوضع في ظروف مختلفة ولأنها ستعرض على أناس آخرين ذوي مدارك مختلفة. وهذا ينطبق على إدارة مستشفى وبناء ناطحة سحاب وأساطيل صيد الأسماك وكل ما يخطر ببالك من علوم أو منتجات أو خدمات يقدمها البشر.
جميع
لقد رأيت في الثمانينات من القرن الماضي (١٤٠٠هـ) خبراً في التلفاز في الولايات المتحدة الأمريكية عن نشوب حريق في مبنى ضخم بينما عدد من رجال الأعمال يعقدون اجتماعاً لهم في الأدوار السفلى من ذلك المبنى. والعجيب هو أن رجال الأعمال أصروا على الاستمرار في اجتماعهم لأنهم أتوا من ولايات مختلفة برغم نصح رجال الإطفاء لهم بالانصراف إن الذي حدث في ذلك الاجتماع من فوائد هو في مصلحة أولئك الذين أتوا إليه بمحض إرادتهم من ولايات بعيدة، فعدم تفويت المصلحة بالنسبة لهم تستحق المخاطرة بالبقاء. والمهم لنا هو أن الذي حدث في ذلك الاجتماع، سواء اتفق رجال الأعمال أو اختلفوا في صفقاتهم، هو انتقال المعرفة والخبرة بينهم. فكل فرد منهم أتى من ولاية بعيدة ويحمل في رأسه أو في حقيبته خبرته العلمية والعملية ليحاول الآخرون تلقفها حتى إن حاول هو إخفاءها. لذلك لا عجب إن تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية لأنها دولة كبيرة دون حدود داخلية، فبعد دخولك للولايات المتحدة الأمريكية، وبالذات قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لن يوقفك أحد ليسألك عن هويتك، بل لك أن تتنقل كيفما شئت، لذلك كان التراكم المعرفي الإنتاجي فيها مهول مقارنة بباقي الشعوب. وإن جلست في مطار ما في الولايات المتحدة الأمريكية لرأيت مئات الطائرات تنطلق من نفس المطار في اليوم الواحد في جميع الاتجاهات. ومعظم هؤلاء المسافرين هم خبراء ورجال أعمال. كما أن الكثير منهم يرتحلون مع أبنائهم للعيش في مناطق تبعد آلاف الأميال إن وجدوا مكاناً أرغد عيشاً. وبهذا فهم يحسنون من أوضاعهم المادية لدرجة أن بعض القرى تهجر تماماً لعدم مقدرتها لمجاراة عصرها إما لنضوب مواردها أو لقساوة نظامها الضريبي ونحوهما من أسباب. كما أن بعض المدن تترنح اقتصادياً وتهجر بعض أحيائها السكنية مما يحتم على المسؤولين في المدينة إعادة النظر في هيكلة المدينة. وإن تم تعميم هذه الظاهرة على عموم المجتمع وتحسن دخل


۱۱۱۰ 🗏
كل فرد بترحاله لتحسن دخل المجتمع عموماً لوقوع كل إنسان على ما هو أفضل له. أي أن المعرفة من خلال الأفراد دائمة التنقل والتحسين في كل لحظة. فلا غرابة إذاً إن هم أنتجوا الأفضل، أي أن الأمريكان ليسوا أكثر ذكاءً منا، بل لأن مجتمعهم مكنهم من التنقل كانوا أفضل إنتاجاً نوعاً وكماً. فماذا فعل الإسلام؟
عندما تقرأ القرآن وتمر على آيات يذكر فيها ابن السبيل كقوله تعالى في سورة الإسراء مثلاً: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، ستعتقد أن هناك مسافراً سرقت منه أمواله لأن المجتمع لم يكن آمناً آنذاك لذلك فإن الإسلام حث بالتصدق عليه ليبلغ مدينته رأفة به. هذا اعتقاد الكثير من الناس بأن ابن السبيل إنسان معدم بحاجة للعطاء لأن كلمة ﴿ابْنَ السَّبِيل﴾ أتت بعد كلمة ﴿الْمِسْكِينَ﴾ مثلاً. وهذا يظهر أحياناً في تعاريف بعض الفقهاء. فالقرضاوي مثلاً يعرفه باختصار في عنوان بأن: «ابن السبيل الذي أيأسه الانقطاع عن الأهل والمال». أي أن النظرة وكأنها عاطفية لفك أزمة إنسان وليست حركية لدفع عجلة المعرفة في المجتمع.
٤٩
ي، والله
إن كان الأمر كذلك فلماذا لم تعامل الشريعة ابن السبيل كالفقراء؟ فالمسافر عندما يفقد ماله لسبب ما فهو في واقع الأمر فقير أو مسكين، فلماذا حث القرآن الكريم المسلمين على دفع المال لابن السبيل تخصيصاً ولم يجعله من ضمن الفقراء أو المساكين؟ ولماذا جعلته الشريعة من أحد الثمانية الذين يستحقون الزكاة؟ ومن أحد الخمسة الذين لهم الأخذ من خمس الغنيمة؟ ومن أحد الخمسة الذين يستحقون خمس الفيء؟ والإجابة هي، أعلم، أن ابن السبيل هو السفير الذي يفجر طاقات الأرض، وهو سفير المعرفة، والذي به تنتقل المعرفة بين الأقطار ومن ثم يأتي التمكين للأمة بإذن الله، والمعرفة قوة كما يقال: knowledge is power، أي أن ابن السبيل هو حركية تمكين. فعندما يعلم الفقير بأن هناك بلداً تتوافر فيه فرص العمل فقد يهب للترحال. وعندما يدرك طالب علم أنه بسفره الخارج وطنه وحصوله على شهادة عليا سيتحسن حاله فسيسعى للترحال. ولعل أهم عقبة أمام هؤلاء هو تكلفة السفر والتأشيرات لأنهم عند وصولهم سيعملون مباشرة. وفي حركية ابن السبيل حث للناس قدر المستطاع على الترحال إن هم رغبوا أو كانوا في حاجة لذلك لرفع مستواهم المعيشي بالعمل في مناطق أخرى أو
للعودة لأوطانهم لزيارة أهليهم إن هم انتقلوا منها طلباً للعلم أو للرزق. فتأمل ما أتت به الشريعة في ابن السبيل. لنتدبر أولاً الآيات، قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. هنا نرى أن التوجيه واضح بقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾، والتي تعني المشي بتأني وبالملاحظة كناية عن التدبر خلال السير للاتعاظ والاعتبار حتى يتبلور في ذهن السائر التفكر في خلق الله كيف يمكن أن يكون بدأ. وهذا الشيء لا يحدث إلا إن قام كل فرد بفعل ذلك بنفسه لعله يستشعر عظمة الخالق، وبالتالي يصبح مؤمناً طائعاً منصاعاً لأوامر الله ونواهيه. أي أن خطاب السير للجميع، فإن ساروا تفكروا وتغيروا. وهذا ملاحظ باستمرار، فكم من الحمقى الذين يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء ويتفصحنون جاهلين بأنهم جهلة. فإن ساروا لعلموا أنهم جهلة. لذلك فإن كلمة سيروا وردت في القرآن الكريم ١٤ مرة إشارة إلى أهميتها، وبالذات الآيات التي تخيف الناس لما يمكن أن يحدث لهم إن هم كفروا. فمن هذه الآيات مثلاً قوله تعالى في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . فهذه آية تربط بوضوح بين السير والاعتبار ومن ثم تأثير ذلك لإيجاد عمران غير فاسق باتعاظ


١٠ ابن السبيل
السائرين. وتدبر أيضاً كلمة يَسِيرُوا كما في قوله تعالى في سورة الحج ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. فكما أشارت الأبحاث المعاصرة، فإن القلب هو مقر العقل في الإنسان، والدماغ أداة متلقية من القلب. وهنا نرى الربط واضح بين السير والاتعاظ ولإن حاولنا النظر في الآيات الأخرى عن السير في القرآن الكريم لما انتهينا من قوة
هذه الآيات وعظمتها بلاغة لترسيخ مفهوم ضروري للأمة أو شرط من شروط العزة ألا وهو السير في الأرض. وهناك آيات أخرى تؤكد نفس المعنى بأن السير يؤدي للعزة. تدبر قوله تعالى في سورة الملك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولَا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ . ترى هنا أن في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا﴾ أمر بالسير رويداً رويداً بتفحص مناكب الأرض حتى نجد الخيرات فيأتي الرزق من عند الله والواهب الوهاب وبتراكم الرزق على الأفراد تستغني الأمة وسيأتي تأويل الآية لاحقاً بإذن الله). ولعل أهم سير هو سير الجهاد والذي أكد عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة مرت بنا في الحديث عن العمل العسكري في فصل «الديوان». منها قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . فهذا الأمر بالنفير هو للمؤمنين، أما المنافقين الذي لا يحبون الترحال، بل هم ملتصقون بأماكنهم لأنهم بعدت عليهم الشقة فإن الآية التي تليها مباشرة تصفهم بالقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. هذا هو الفرق بين المؤمن الذي ينفر سواء كان خفيفاً أو ثقيلاً، وبين المنافق الذي تبعد عليه الشقة. يقول السعدي في تفسيره:
«لو كان خروجهم عَرَضًا قَرِيبًا أي لطلب عرض قريب ومنفعة دنيوية سهلة التناول وكان السفر ﴿سَفَرًا قَاصِدًا﴾، أي قريباً سهلاً لاتبعوك لعدم المشقة الكثيرة. ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾، أي طالت عليهم المسافة وصعبت عليهم السفر، فلذلك تثاقلوا عنك وليس هذا من أمارات العبودية، بل العبد حقيقة هو المتعبد لربه في كل حال القائم بالعبادة السهلة والشاقة، فهذا العبد لله على كل حال » . .
٥٠
٥١
ومن الأحاديث النبوية التي تحث على الترحال قوله صلى الله عليه وسلم: (سافروا تستغنوا). وقوله أيضاً: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)، (وسنأتي بتبيان أكثر لهذه المسألة لأهميتها في الحديث عن الهجرة). هكذا حث الإسلام على السير في الأرض، أي الترحال. ولكن الحث لا يتحقق على أرض الواقع إلا إن وجدت التسهيلات. وهذا ما فعلته الشريعة.
۵۳
قال القرطبي في تعريف ابن السبيل: قوله تعالى: ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ السبيل الطريق، ونسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها». وقال الطبري أن ابن السبيل هو «المجتاز من أرض إلى أرض». ويقول الشوكاني: «قال المفسرون: هو المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان غنياً في بلده. وقال مجاهد: هو الذي قطع عليه الطريق. وقال الشافعي: ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة». ثم تأمل الآيات الآتية: قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
٥٤


۱۱۱۲ 🗏
وقال في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيل إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال في سورة الحشر : ﴿مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . فهذه الآيات الثلاث التي تحكم العلاقة بين الفرد والمجتمع قصت لابن السبيل جزءاً من المال المفروض على الناس، هذا بالإضافة لحث الناس على دعم ابن السبيل في غير هذه الآيات الثلاث. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ....﴾ وقال أيضاً في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. وقال في سورة الإسراء: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. وفي سورة الروم: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ . أي أن كلمة ابنَ السَّبِيل ذكرت في القرآن الكريم في ثمانية مواضع. أما في الحديث فالأمثلة كثيرة، ولننظر لواحدة منها: ففي صحيح البخاري حث صلوات ربي وسلامه عليه بذل الصدقة لثلاثة: المسكين واليتيم وابن السبيل. فعن
«عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يحدث: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا ،حوله، فقال: إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها . فقال رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما شأنك، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك ؟ فرأينا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل). وكأنه حمده فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضراء، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل)، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة ) . ٥٥
:
فتأمل كيف قرن الرسول صلى الله عيه وسلم التصدق على ابن السبيل مع اليتيم، وهذا من باب الندب لفعل الخير، والله أعلم، وهو غير ما فرض لابن السبيل من أموال الزكاة والفيء والغنائم كما هو واضح من الآيات
السابقة.
أخي القارئ: إن درست ابن السبيل فستجد إجماعاً كبيراً بين ما ذهب إليه الفقهاء في الكثير من المسائل إلا في بعض التفصيلات التي لن تؤثر على حث الناس على الترحال. فمثلاً تجد أنه لا خلاف بينهم في استحقاق وبقاء سهم ابن السبيل من أموال الزكاة. وأنهم أجمعوا على أن من له يسار في بلده، أي أنه ليس بفقير في بلده، فهو ابن سبيل ومستحق لأموال الصدقة. ففي تفسير الطبري أن معقل بن عبيد الله قال: سألت الزهري عن ابن السبيل، قال: يأتي علي ابن السبيل وهو محتاج. قلت: فإن كان غنياً؟ قال: وإن كان غنياً. ... وعن الضحاك أنه قال: في الغني


١٠ ابن السبيل
۱۱۱۳
٥٦
إذا سافر فاحتاج في سفره، قال: يأخذ الزكاة». ومسألة الغنى هذه مهمة ويجب التأكيد عليها لأنها مدعاة لغير الفقراء والذين ليسوا بالضرورة أغنياء للترحال ليتحسن حالهم المعيشي بالضرب في الأرض ابتغاء فضل الله بالبحث عن المعادن مثلاً في شتى بقاع الأرض أو مشاركة آخرين العمل في مناطق جديدة وجد أنها تدعم نوع من أنواع الصناعة أو الذهاب لمدينة أخرى بها صناعات واعدة وبحاجة لأيدي عاملة. فشرط كون الإنسان ابن سبيل ليستحق من الزكاة هو أن يكون مسافراً وليس بالضرورة فقيراً لهو شرط فذ يدفع المثابرين للإقدام. ففي المجموع «وإنما يعطى المسافر بشرط حاجته في سفره ولا يضر غناه في غير سفره ، ... » ..
٦٢
7.
۵۸
۵۹
OV
عنه
٦١
أما الاختلافات بين الفقهاء فهي قليلة: فمثلاً هل يعطى من أراد السفر للنزهة؟ فيه وجهان: «أحدهما يدفع إليه لأنه غير معصية. والثاني لا يدفع إليه لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر » . ومن الأمثلة أيضاً على الاختلافات أن من يريد إنشاء السفر، أي أنه لم يخرج للطريق، بل يعد العدة للسفر : هل يعطى من الزكاة أم لا؟ قال الشافعي بأنه كالمجتاز، أي كالذي يجتاز بلداً أخرى لبلوغ مكان سفره، فهو كمن يريد إنشاء السفر «فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما لأنه يريد السفر لغير معصية، فأشبه المجتاز». وفي المجموع: «ابن السبيل ضربان: أحدهما: من أنشأ سفراً من بلد كان مقيماً به سواء وطنه وغيره. والثاني غريب مسافر يجتاز بالبلد. فالأول يعطى مطلقاً بلا خلاف. وأما الثاني فالمذهب الصحيح الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي رضي الله ، وقطع به العراقيون وغيرهم أنه يعطى أيضاً مطلقاً، ...». وقال أبو حنيفة ومالك: «لا يعطى المنشئ بل يختص بالمجتاز». وهناك قول وسط لابن قدامة: «ولنا أن ابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها، كما يقال: ولد الليل. للذي يكثر الخروج فيه، والقاطن في بلده ليس في طريق، ولا يثبت له حكم الكائن فيها، ولهذا لا يثبت له حكم السفر بهمة به دون فعله، ...». وهذه المذاهب برغم اختلافها إلا أنها تحث على الترحال بدرجات. فما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة يدفع الناس للترحال لأقرب قرية أو مدينة ومن ثم يصبحون مجتازين ويحق لهم الأخذ من الزكاة. أما ما ذهب إليه الشافعي فهو أكثر حافزاً للسفر لأن المسافر يأخذ المال في بلده قبل الخروج للطريق، وفي هذا طمئنة له ودافع أكبر للترحال، والذي يظهر هو أن ما ذهب إليه ابن قدامة مذهب وسط لأن من عقد العزم على السفر قد يتهاون عن السفر كما يرى البعض، وبالذات لأنه في موطنه، وعندها قد يصعب استعادة المال منه، أما إن خرج إلى الطريق فهو مستحق للزكاة حتى وإن كان في بلده أي برغم هذه التفاوتات إلا أن من أراد السفر يدرك جيداً أنه سيحصل على ما يعينه، حتى وإن جمع القليل الذي سيوصله لأقرب قرية وعندها سيصبح مجتازاً مستحقاً للزكاة لينطلق منها لمدينة أخرى وأخرى حتى يستقر في موطن يجد فيه معدناً أو علماً يلائم مهاراته ومقدراته. إلا أن النص القرآني الكريم واضح فلماذا لا تدفع الأموال لمن جهز حاله للسفر؟ وهل إن تلاعب فرد بأموال الزكاة وأخذها ولم يسافر، نقفل الباب أمام الآخرين؟ فكما سترى بإذن الله، فإن سمو القيم مع تطبيق مقصوصة الحقوق مجتمعاً يندر أن يوجد فيه من يكذب. وفي الوقت ذاته لن نصل لذلك المجتمع السامي دون تطبيق مقصوصة الحقوق. بل قد أقول أنه يندر أن يتهاون ابن السبيل في موطنه عن السفر بعد أخذ الأموال لأن من أعطوه الأموال م معه في نفس الموطن ويعرفونه في الغالب. فهذا موقف أصعب من موقف الغريب الذي قد يأخذ من هذا وذاك لجهل الناس به. أي أن الذي لا أستطيع فهمه هو لماذا التضييق على ما وسعه الله ؟ فهذا الدكتور القرضاوي مثلاً يرد مذهب الشافعي بالقول:
ستوجد
٦٣


١١١٤ 🗏
يعود نفعها
«أما رأي الشافعي رضي الله عنه فيؤخذ به - فيما أرى - فيمن يسافرون لمصلحة عامة . لدين الإسلام أو للجماعة المسلمة، كمن يسافر في بعثة علمية أو عملية يحتاج إليها في بلد مسلم، أو
يسافر في أي مهمة تعود على الدين والمجتمع المسلم بنفع عام، على أن يقر ذلك من يُعتبر رأيهم من أهل المعرفة والديانة».
٦٤
إن تأملت السابق وكل من قال مثله تجد أن هؤلاء لا يفكرون أبداً في آليات التنفيذ. فالقرضاوي عندما يقول: «على أن يقر ذلك من يُعتبر رأيهم من أهل المعرفة والديانة»، فهو إنما يخوّن مباشرة المسلم المريد للسفر، وحتى يثبت ذلك المسلم أنه مسافر لما فيه مصلحة عامة قد يضطر للكذب أو لتضخيم مهمته وإظهار أهميتها. ثم من الذي سيتحقق من ذلك؟ بالطبع إنهم أفراد ومن سيعيّن هؤلاء الأفراد ؟ في الغالب الدولة. وهكذا تُفتح أبواب البيروقراطيات لتظهر وزارات الزير مرة أخرى لينسحب المجتمع في هموم الإثباتات التي لا تتم إلا بأوراق وأختام تصاديق وما إلى ذلك. فلماذا نضيق واسعاً لا سيما إن علمنا أن حركية ابن السبيل شرط للعزة كما ستقتنع بإذن الله؟ وهنا يظهر سؤال يثيره القرضاوي ويجيب عليه: «هل يوجد ابن السبيل في عصرنا؟» فيجيب: «ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن صنف ابن السبيل» لم يعد له وجود في عصرنا، نظراً لسهولة المواصلات وسرعتها وتنوعها، حتى أصبح العالم كله كبلد واحد. ونظراً لوجود الوسائل الكثيرة الميسرة لحصول الإنسان على ماله بالقدر الذي يريد من أي مكان في الدنيا، عن طريق الحوالة على البنوك ونحوها. هذا ما ذكره المرحوم الشيخ أحمد مصطفى المراغي في «تفسيره». ولكننا نخالفه ونرى أن ابن السبيل يوجد - رغم ما ذكره من سهولة الحصول على المال من أي بلد – في صور شتى: 1 - صورة واقعة لابن السبيل : فمن الناس من يعد غنيا وليس له رصيد في البنوك، فكيف يحصل مثله على ماله إذا كان بعيداً عنه ؟ ومثل من ينقطع - لظروف وأسباب مختلفة – في قرية ثانية، أو صحراء شاسعة. ولا يستطيع الوصول إلى المدينة، حتى يأخذ من البنك ما يريد، فماذا يكون موقفه؟ إن مثل ابن سبيل؛ لأنه غني انقطع عن ماله، فاستحق العون وهي صورة وإن كانت نادرة فهي تقع. ٢ - المشردون واللاجئون ومن الناس من يجبر على مغادرة وطنه، مفارقة ماله وأملاكه، من قبل الغزاة المحتلين، أو الطغاة المستبدين من الحكام الكفرة وأشباه الكفرة، الذين يضطهدون أهل الخير والصلاح، ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم بغير حق، إلا أن يقولوا: ربنا الله. ۳۰۰۰ - من له مال لا يقدر عليه ولو في بلده . .... ٤ - المسافرون لمصلحة وإذا أخذنا بمذهب الشافعي الذي يُدخل في ابن السبيل: من يريد سفراً ولا يجد نفقة، واعتبرنا ما رجحناه من اشتراط أن يكون هذا السفر في مصلحة معتبرة للإسلام أو للجماعة المسلمة - أمكننا أن نجد في عصرنا صوراً كثيرة لهذا الصنف في الطلاب النابهين والصناع الحاذقين والفنيين المتقنين وغيرهم ممن يحتاجون إلى بعثات للخارج، للتخصص في علم نافع، أو التدريب على عمل منتج، يعود أثره بالخير على الدين والأمة. ٥ – المحرومون من المأوى:
هذا
هو
.... ٦ - اللقطاء ... » .
٦٥
تلحظ من السابق أن الفئة الرابعة فقط من الفئات الست هي ابن السبيل. أما الفئات الخمس الأخرى وهم المقطوعون عن أموالهم والمشردون واللاجئون ومن له مال ولا يقدر عليه والمحرومون من المأوى واللقطاء فهؤلاء هم في الواقع من الفقراء. كما تلحظ أيضاً أن القرضاوي في النقطة الرابعة التي يتحدث فيها عن المسافرين لمصلحة، برغم أنه يؤيد فكرة دعم المسافرين للتعلّم إلا أن الفكرة المسيطرة عليه وعلى بعض الفقهاء هو أن ابن السبيل إما أنه لا يوجد في أيامنا هذه، أو في أحسن الأحوال إن وجد، فهو شخص إما منقطع عن الوصول لماله أو


1110
١٠ ابن السبيل
أنه شخص بحاجة لدعم مالي للسفر، فيسعى للمال لأخذه أو قد يفتطن له فرد فيدفع له المال. إلا أن الشريعة كما رأيت سابقاً وسترى في الآتي أيضاً بإذن الله تحاول إيجاد مجتمع غُرست فيه حركية مستمرة وظاهرة لدرجة أنها أصبحت عرفاً أن لكل فرد مهما كان غنياً، وحتى إن كان فى موطنه، فله الحق فى السفر مراراً وتكراراً من مال الزكاة أو الغنائم أو الفيء، لأنه كلما زاد عدد المسافرين كلما نهضت الأمة. أي أن المسألة ليست تفريج كربة فرد، بقدر ما هي تفريج مهانة أمة. فالأمة التي لا يسافر أفرادها باستمرار ستبقى أمة ذليلة لعدم انتقال المعرفة والمنتجات، وإن لم تنتقلا فلن تتطورا. أي أن الشريعة تصر على أن يسافر أكبر عدد من الأفراد بأكثر عدد من المرات. لذلك تجد أن الحقوق مقصوصة بطريقة لم تسبقها فيها أمة، ولن تأتي أمة مثلها من حيث حث الناس على الترحال. والآتي بعض الأمثلة لهذه الحركيات التي قصت الحقوق.
ماذا إن كان ابن السبيل يريد بلداً بعد بلده أو يريد من المال ما يعينه على سفره والعودة مرة أخرى إلى بلده؟ فقد ينوي السفر لدورة تدريبية ثم العودة، أو السفر لمنطقة سمع بوجود فرص عمل بها ويريد أن يتحقق من ذلك بنفسه ثم يعود لأهله، أو يريد أن يجرب نفسه هل سيرتاح في تلك المدينة أم لا، وما إلى ذلك من أسباب تدفع الناس للسفر والعود. إن الشريعة تقص له الحق في مال الزكاة أو الفيء أو الغنائم لأنه يعد ابن سبيل. تأمل الآتي من
المغني:
«وإن كان ابن السبيل مجتازاً يريد بلداً غير بلده، فقال أصحابنا: يجوز أن يدفع إليه ما يكفيه في مضيه إلى مقصده ورجوعه إلى بلده، لأن فيه إعانة على السفر المباح، وبلوغ الغرض الصحيح، لكن يشترط كون السفر مباحاً، إما قربة الحج والجهاد وزيارة الوالدين، أم مباحاً كطلب المعاش والتجارات. فأما المعصية فلا يجوز الدفع إليه فيها لأنه إعانة عليها وتسبب إليها، فهو كفعلها، فإن وسيلة الشيء جارية مجراه، ...».
ومن التسهيلات التي وضعتها الشريعة هي الأخذ بقول الناس دون بينة إن عرف فقرهم. ففي المغني: «وإن ادعى الحاجة ولم يكن عُرف له مال في مكانه الذي هو به قبل قوله من غير بينة، لأن الأصل عدمه معه. وإن عرف له مال في مكانه لم تقبل دعواه للفقر إلا بالبينة، كما لو ادعى إنسان المسكنة». وفي المجموع: «قال أصحابنا: إذا ادعى رجل أنه يريد السفر أو الغزو وأعطي من الزكاة بلا بينة ولا يمين»." وقال القرطبي في تفسير آية الزكاة في الحديث عن الأصناف الثمانية:
«فإن جاء وادعى وصفاً من الأوصاف، هل يقبل قوله أم لا؟ ويقال له أثبت ما تقول؟ فأما الدين
٦٨
فلابد من أن يثبته، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له ويكتفى به فيها. والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح، وهو ظاهر القرآن. روى مسلم عن جرير (عن أبيه)" قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار ، قال : فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار " أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر ، بل كلهم من مضر ، فتمعر " وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ ، الآية إلى قوله : رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . تصدق رجل من ديناره من در همه من ثوبه من صاع بره، حتى قال، ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة"


1117 🗏
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، فاكتفى صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحث على الصدقة، ولم يطلب منهم بينة، ولا استقصى هل عندهم مال أم لا .
VV
Vo
۷۳
.....
أما إن وصل ابن السبيل لمدينة أو قرية يريد الإقامة بها أو أنه مجتاز عنها لما بعدها فإنه يعطى ويستضاف حتى وإن كان له مال في بلده. ففي الحديث الذي ذكره البخاري في «باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل» ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح لأبناء السبيل الذين قدموا إلى المدينة المنورة الانتفاع قدر حصتهم بشرب اللبن من إبل الصدقة. وقد استنبط البخاري كما يقول ابن حجر «جواز استعمالها (أي إبل الصدقة) في بقية المنافع إذ لا فرق، وأما تمليك رقابها فلم يقع ...».. وفي تفسير الطبري عن قتادة: «وابن السبيل، الضيف، جعل له فيها حق». أي أن المسافر إن نزل في بلدة يمر بها لغيرها أو هي منتهى رحلته فله «الحق» في الضيافة. لاحظ أنني وضعت كلمة «الحق» بين معقوفتين للتأكيد. فهناك من المذاهب ما يرى بأن ابن السبيل هو الضيف الآتي من سفر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت. قال (أي قتادة): وكان يقول: حق الضيافة ثلاث ليال، فكل شيء أضافه بعد ذلك صدقة»." وفي صحيح مسلم الحديث المشهور عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)». وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أخبرت أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟). قال: قلت: يا رسول الله نعم. قال: فصم وافطر وصل ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وان بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام. . الحديث» وزورك: أي زوارك وأضيافك. وفي مسند الإمام أحمد أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروماً فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه). وكما ترى أخي القارئ، فإن إكرام الضيف كما يظهر من بعض الأحاديث السابقة وكأنه حق للمسافر، فقد جاء في «الترغيب والترهيب» الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء قضى وإن شاء ترك. لذلك ظهر خلاف بين الفقهاء حول حق الضيف: هل استضافته مستحبة أم أنها واجبة؟ وحتى لا نتيه أخي القارئ في تفاصيل هذه المسألة فهي أكبر من أن أتمكن من تفصيلها لكثرة أحاديثها وتفاوت مستويات أسانيدها، اخترت لك ما ذكره الشوكاني لأهميته، والذي يرجح فيه حق الضيف بأنه واجب خلافاً لما قال به الجمهور. جاء في نيل الأوطار:
۷۸
۷۹
«باب ما جاء في الضيافة: عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله : إنك تبعثني فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى. فقال: (إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. وعن أبي شريح الخزاعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته. قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة. ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه). متفق عليهما. وعن المقدام أبي كريمة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليلة


۱۱۱۷
١٠ ابن السبيل
الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروماً كان ديناً له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه). وفي لفظ : من نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه). رواهما أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروماً فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه. رواه أحمد. حديث المقدام سكت عنه أبو داود هو والمنذري. قال الحافظ في التلخيص وإسناده على شرط الصحيح، وله أيضاً من حديثه: (أيما رجل أضاف قوماً فأصبح الضيف محروماً فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله. قال الحافظ : وإسناده صحيح. وعن أبي هريرة عند أبي داود والحاكم بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الضيافة ثلاثة أيام، فما سوى ذلك فهو صدقة). وعن شقيق بن سلمة عند الطبراني في الأوسط قال: دخلنا على سلمان فدعا بماء كان في البيت وقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التكلف للضيف لتكلفت لكم. وحديث أبي هريرة المذكور في الباب قال في مجمع الزوائد رجال أحمد ثقات. وفي الباب عن عائشة أشار إليه الترمذي. قوله: لا يقرونا بفتح أوله من القرى، أي لا يضيفونا قوله : بما ينبغي للضيف، أي من الإكرام بما لابد منه من طعام وشراب وما يلتحق بهما قوله : فخذوا منهم حق الضيف) إلخ، قال الخطابي: إنما كان يلزم ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن بيت مال ، وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حق لهم في أموال المسلمين. وقال ابن بطال : قال أكثرهم إنه كان هذا في أول الإسلام حيث كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله جائزته، كما في حديث الباب. قالوا: والجائزة تفضل لا واجب. قال ابن رسلان: قال بعضهم المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراض من لم يضيفكم بألسنتكم. وتذكروا للناس لؤمهم والعيب عليهم. وهذا من المواضع التي يباح فيها الغيبة كما أن القادر المماطل بالدين مباح عرضه وعقوبته وحمله بعضهم على أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك. قال النووي: وهذا تأويل ضعيف أو باطل لأن هذا الذي ادعاه قائله لا يعرف انتهى. وقد تقدم ذكر قائله قريباً، فتعليل الضعف أو البطلان بعدم معرفة القائل ضعيف أو باطل، بل الذي ينبغي عليه التعويل في ضعف هذا التأويل هو أن تخصيص ما شرعه صلى الله عليه وسلم لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل، ولم يقم هـا هـنـا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة، وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعاً، كالمطالبة بسائر الحقوق. فإذا أساء إليه واعتدى عليه بإهمال حقه كان له مكافأته بما أباحه له الشارع في هذا الحديث. ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾». «قوله: (من كان يؤمن بالله ... إلخ، قيل المراد من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوانه، ويؤمن بيوم القيامة الآخر استعد له واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بما أمر به وينتهي عما نهي عنه. ومن جملة ما أمر به إكرام الضيف وهو القادم من السفر النازل عند المقيم، وهو يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى. قال ابن رسلان: والضيافة من مكارم الأخلاق ومحاسن الدين وليست واجبة عند عامة العلماء خلافاً لليث بن سعد فإنه أوجبها ليلة واحدة وحجة الجمهور لفظ جائزته المذكورة فإن الجائزة هي العطية والصلة التي أصلها على الندب، وقلما يستعمل هذا اللفظ في الواجب. قال العلماء: معنى الحـديـث الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف، انتهى.
والحق وجوب الضيافة لأمور: الأول إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب. والثاني التأكيد البالغ بجعل ذلك فرع الإيمان بالله واليوم الآخر، ويفيد أن فعل خلافه فعل


۱۱۱۸ 🗏
من لا يؤمن بالله واليوم الآخر. ومعلوم أن فروع الإيمان مأمور بها، ثم تعليق ذلك بالإكرام وهو أخص من الضيافة، فهو دال على لزومها بالأولى والثالث قوله: (فما كان وراء ذلك فهو صدقة)، فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة، بل واجب شرعاً. قال الخطابي: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف، ويقدم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته، فما جاوز الثلاث فهو معروف وصدقة إن شاء فعل وإن شاء ترك. وقال ابن الأثير : الجائزة العطية، أي يقري ضيفه ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به مسافة . يوم وليلة. والرابع قوله صلى الله عليه وسلم: ليلة الضيف حق واجب) ، فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله. والخامس قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام الذي ذكرنا، فإن نصره حق على كل مسلم. فإن ظاهر هذا وجوب النصرة، وذلك فرع وجوب الضيافة. إذا تقرر هذا تقرر ضعف ما ذهب إليه الجمهور وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس ولحديث: (ليس في المال حق سوى الزكاة). ومن التعسفات حمل أحاديث الضيافة على سد الرمق. فإن هذا مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة، وكذلك تخصيص الوجوب بأهل الوبر دون أهل المدن استدلالاً بما يروى أن الضيافة على أهل الوبر. قال النووي وغيره من الحفاظ إنه حديث موضوع لا أصل له. قوله: (أن يثوي) بفتح أوله وسكون المثلثة، أي: يقيم. قوله: (حتى يحرجه) ، بضم أوله وسكون الحاء المهملة، أي يوقعه في الحرج، وهو الإثم لأنه قد يكدره فيقول: هذا الضيف ثقيل أو قد ثقـل عـلـيـنـا بـطول إقامته، أو يتعرض له بما يؤذيه أو يظن به ما لا يجوز. قال النووي: وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث بغير استدعائه. وأما إذا استدعاه وطلب منه إقامته أو علم أو ظن منه محبة الزيادة على الثلاث أو عدم كراهته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما جاء لأجل كونه يؤثمه. فلو شك في حال المضيف هل تكره الزيادة ويلحقه بها حرج أم لا؟ لم يحل له الزيادة على الثلاث لظاهر الحديث. قوله: (ليلة الضيف، أي ويومه بدليل الحديث الذي قبله. قوله : (بفنائه)، بكسر الفاء وتخفيف النون ممدوداً وهو المتسع أمام الدار، وقيل ما امتد من جوانب الدار، جمعه أفنية. قوله: (فله أن يعقبهم، الخ، قال الإمام أحمد في تفسير ذلك: : أي للضيف أن يأخذ من أرضهم وزرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم وعنه رواية أخرى أن الضيافة على أهل القرى دون الأمصار. وإليه ذهبت الهادوية وقد تقدم تحقيق ما هو الحق».
۸۱
رحم الله الإمام الشوكاني، فقد لخص في السابق أهم النقاط، فلعل أول ما تستنتجه من السابق، حتى وإن لم تتفق معه، هو أن إكرام الضيف واجب. وهنا نأتي لمسألة مهمة للنفس المسلمة العزيزة وهي المنة: إن نزول الفرد كضيف، كما جرت العادة وبالذات في أيامنا هذه، يُشعر بالمنة من المضيف، إلا أن ابن السبيل عندما ينزل ضيفاً فليس عليه أن يستشعر منة أحد أبداً لأن الشريعة قصت له حق الضيافة. فإن كانت الضيافة حق له قصته له الشريعة ففي هذا دافع للكثير من الأعزاء من الناس للترحال. فلا عجب إن تمكن الفقهاء الأوائل من الترحال دوماً لأن الفقراء منهم مستضافون أينما نزلوا. فهم متوكلون على الله وعلى ثقة بأنهم سيصلون إلى مقصدهم قرية بعد قرية. فإن أتى طالب علم من الأندلس إلى بغداد للقاء الإمام أحمد، وهو لا يحمل إلا كتبه والقليل من الزاد وخرج باليسير من المال، فلا عجب إن قطع هذا المشوار لأن له الحق في كل قرية أو مدينة ينزلها. فهم رضوان الله عليهم تتبعوا الأحاديث كلمة كلمة وفي المستوطنات مدينة مدينة وتحملوا عناء السفر الشاق، وما حدث هذا إلا لأن المجتمعات كانت تدعمهم لأن الإسلام أمر بالاستضافة لابن السبيل وكأنه حق، وهو بالفعل حق في معظم الأقوال كما قال النووي رحمه الله: «فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعاً»، فظهر عرف لدى المسلمين أينما كانوا بأهمية


١٠ ابن السبيل
۱۱۱۹
إكرام الضيف، وأن التهاون في حقه إثم ومذلة وفضيحة وعار، لدرجة أنه استفحلت في بعض القبائل إلى الإسراف في الإكرام فأصبح الضيف عبئاً على بعض المستورين من الناس. وحتى هذه عولجت بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم في الاقتباس السابق.
إن تمعنت فيما قاله الشوكاني لعلك تقتنع أن الضيافة حق للمسافر. حتى وإن رفض بعض البخلاء هذا، فإن المؤمنين بتكاثر تعدادهم بتطبيق مقصوصة الحقوق، لن يتجرؤا على خذل الضيف، وفي هذا مدعاة للمزيد من السفر. وأرجو ألا تعتقد أخي القارئ أن المجتمع المسلم سينقلب إلى مجتمع وكأنه اشتراكي يُفرض فيه على السكان استضافة المسافرين. كلا، فالنفس المسلمة أبية لها عزتها، لذلك فلن يلجأ لهذا الحق في الاستضافة إلا المحتاجين من أبناء السبيل، وهؤلاء مع تطبيق مقصوصة الحقوق سيكونون قلة مقارنة بالسكان المستقرين. فلكل ابن سبيل واحد هناك العشرات أو المئات من السكان في القرى، أو حتى الآلاف في المدن ولابد وأن يكون بين هؤلاء المستقرين من يسعى للأجر بتصيد أبناء السبيل. أما بالنسبة لغير الفقراء، فقد كانت المدن الإسلامية كما هو معلوم تعج بالمضافات كالأربطة والوكالات والنزل والتي منها ما هو مجاني كالأوقاف ومنها ما هو مقابل القليل من المال. وإن طبقت مقصوصة الحقوق فإن هذه المضافات ستزداد أكثر وأكثر.
ثم تذكر أيضاً أخي القارئ أن ابن السبيل ولأنه من الأصناف الثمانية التي فرضت لهم الزكاة، فهو لن يشعر بهذه المنة لأنها حق له بإقرار الشرع، فهو في منة من الله الحنان المنان، وهذا يدفع الناس للترحال أكثر. فيقول القرطبي مثلاً . عن حق ابن السبيل في شرح آية الزكاة بأنه «يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف. وقال مالك في كتاب ابن سحنون: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. والأول أصح؛ فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد وقد وجد منة الله تعالى ...». وتذكر أيضاً أن ابن السبيل من الأصناف الخمسة التي لها سهم من الغنائم. ففي تفسير آية الغنيمة يقول الطبري: «وقد أجمعوا أن حق الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم. فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه، إلى غير أهل السهمان الآخر، ...».
۸۲
ليس هذا فحسب، بل الضيافة قد تتعدى أيضاً إلى معاونة ابن السبيل في أمور سفره كحزم ورفع أمتعته. وفي هذا قال أبو جعفر: «أن ابن السبيل هو صاحب الطريق، والسبيل هو الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله الحق على من مر به محتاجاً منقطعاً به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه
إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حملان».
۸۳
وكما هو معلوم فإن الماء كان من ضروريات السفر في عهد السلف، كما أنه عنصر يصعب حمله وبالذات في سفر المسافات الطويلة في المناطق الحارة، لذلك أتت الشريعة بالحث على بذلها لابن السبيل. فقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره، لقد أعطيت بها كذا وكذا، فصدقه رجل).٨٤ فإن تأملنا معنى الحديث أدركنا حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إعانة الناس على السفر.


۱۱۲۰ 🗏
وأحقية المسافر في التزود بالماء مسألة لا أريد الخوض فيها لأنها ليست محورية جداً لهذا الفصل لتغير ظروف السفر في أيامنا هذه، ولكن إن قرأت الآتي مما قاله ابن قدامة لأدركت أحقية ابن السبيل في الماء والذي قد تقاس عليه أمور أخرى إن رأى الفقهاء ذلك. يقول ابن قدامة رحمه الله :
أنه قال:
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها ونهى أن يمنع الماء مخافة أن يرعى الكلأ ، يعني إذا كان في مكان كلأ وليس يمكنه الإقامة لرعيه إلا بالسقي من هذا الماء فيمنعهم السقي ليتوفر الكلأ عليه. وروى أبو عبيدة بإسناده عن عمر أ «ابن السبيل أول شارب». وعن بهيسة قالت : قال أبي : يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء) . قال : يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: (الملح). وليس عليه بذل آلة البئر من الحبل والدلو والبكرة لأنه يخلق ولا يستخلف غيره بخلاف الماء، وهذا كله هو الظاهر من مذهب الشافعي. ولا فرق فيما ذكرنا بين البنيان والصحارى. وعن أحمد أنه قال: إنما هذا في الصحارى والبرية دون البنيان. يعني أن البنيان إذا كان فيه الماء فليس لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه» . ٨٥
۸۵
أي أن مسألة عون ابن السبيل في الشرع مثل بذل المال له أو استضافته أو إعانته في شحن متاعه أو تزويده بالماء شأن عظيم قد أهملناه في أيامنا هذه تماماً. فلماذا هذا الدعم في القرآن الكريم والسنة المطهرة للناس للسفر؟ لأن هذه الشريعة هي من عند الله الذي يعلم ما ينفع البشر. لذلك أتت الشريعة بقص جزء من أموال الزكاة والفيء والغنيمة لمعاونة الناس على التمكين. أما بالنسبة لماهية التجهيز للمسافر فلنقرأ الآتي من المجموع:
«قال أصحابنا : ويعطى ابن السبيل من النفقة والكسوة ما يكفيه إلى مقصده أو موضع ماله إن كان له مال في طريقه هذا. إن لم يكن معه مال لا يكفيه أعطي ما يتم به كفايته. قال ابن الصباغ والأصحاب: ويهيأ له ما يركبه إن كان سفره مما تقصر فيه الصلاة أو كان ضعيفاً لا يقدر على المشي، وإن كان قوياً وسفره دون ذلك لم يعط المركوب. ويعطى ما ينقل عليه زاده إلا أن يكون قدراً يعتاد مثله أن يحمله بنفسه، قال السرخسي وصفة تهيئة المركوب أنه إن اتسع المال اشترى له مركوب، وإن ضاق اكتري له. قال أصحابنا: ويعطى ابن السبيل سواء كان قادراً على الكسب أم لا. ... قال الرافعي: وهل يعطى جميع مؤنة سفره؟ أم زاد بسبب السفر؟ فيه وجهان: الصحيح، الجميع وهو ظاهر كلام الجمهور، قال أصحابنا : يعطى كفايته في ذهابه ورجوعه إن كان يريد الرجوع، وليس له في مقصده مال. هذا . هو المذهب، وبه قطع الأصحاب ونص عليه الشافعي .
٨٦
فتأمل هذه التسهيلات وهذا العون أخي القارئ. ومن البديهي أن هذه المعايير تأخذ طابعاً آخر في أيامنا هذه، كنفقات الطائرة أو القطار وما شابه. ولنقل بأن المسلمين قد توقفوا عن الفتوحات كأيامنا هذه، أو أنهم فتحوا جميع بقاع الأرض مستقبلاً بإذن الله). ولنقل بأن جميع من هم في ديار المسلمين من غير المسلمين قد أسلموا، وهذا أمر متوقع إن قام المسلمون بدورهم فلا فيء ولا غنائم هناك لتقسم أي لا مال لابن السبيل إلا من أموال الزكاة فقط. وهي المال الوحيد المفروض على الناس إخراجه، أي أن الزكاة هي المصدر الوحيد لابن السبيل ولأي صنف آخر من الأصناف الثمانية في الزكاة، وهي ما يجب على كل من فكر في أمة الإسلام مالياً أن يقتنع بأنها المصدر الثابت والمستمر لأي تنظير اقتصادي (إن استثنينا حق الضيافة وهو ليس بمال مدفوع في يد المسافر). فكيف ستقسم أموال الزكاة عندها وما هو سهم ابن السبيل؟ لنقل بأن هناك في قرية ما فقير ومسكين وابن سبيل وغارم، فهل على المزكي أن يعطي جميع هؤلاء، أم له أن يختص جميع زكاته لصنف واحد كابن السبيل؟ هناك شبه


١٠ ابن السبيل
AV
۱۱۲۱
إجماع بين فقهاء المسلمين بأنه ليس على المزكي أن يعطي جميع الأصناف الثمانية لأن في ذلك نوع من المشقة، وبالذات إن كان المال قليلاً. كما أن على المزكي كما يقول ابن قدامة «أن لا يجاوزهم، وذلك لأن الآية (أي آية الزكاة) إنما سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه، لا لإيجاب الصرف إلى الجميع » . وبرغم الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة، فالفائدة الأهم لموضوعنا، هي أن سهم ابن السبيل لم يسقط ولن يسقط، فهو ثابت بنص القرآن الكريم لمن أراد السفر إلى يوم القيامة. إلا أن هذا الحق أسقط عملياً برغم وجوده نظرياً في الشريعة، فهل بإمكان أي مسلم السفر في أيامنا هذه بالأخذ من الزكاة؟ وهل له استخراج الخيرات كالمعادن؟ بالطبع لا. لذلك تقوقعت المعرفة في المدن وبقيت الخيرات كامنة تحت الأرض ودون استغلال فتخلف المسلمون.
ولكن هل للمزكي أن يخرج جميع زكاته لصنف واحد، كأن يخصها لصنف ابن السبيل مثلاً؟ جاء في تفسير ابن كثير: «وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع لها أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: أحدهما أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة. والثاني أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطي جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران قال ابن جرير: وهو قول جماعة عامة من أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء ...» .. ومن الفقه الشافعي: «ويجب أن يسوى بين الأصناف في السهام ولا يفضل صنفاً على صنف، لأن الله تعالى سوى بينهم، والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن، وأقل ما يجزئ أن يصرف إلى ثلاثة، فإن دفع إلى اثنين ضمن نصيب الثالث، وفي قدر الضمان قولان، ومن المذهب المالكي يقول القرطبي أنها تعطي لصنف أو كل الأصناف. فقد قال الكيا الطبري: «حتى ادعى مالك الإجماع على ذلك». ومن الفقه الحنبلي يستدل ابن قدامة بأنه يجوز إخراجها لصنف واحد بدليل قوله
۸۹
.«...
۹۰
۸۸
تعالى في سورة البقرة: ﴿ إن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فقد صرفها سبحانه وتعالى لصنف واحد في الآية. وفي الحديث المتفق عليه حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فقد ذكر صنفاً واحداً أيضاً. كما أن ابن قدامة ذكر الكثير من الآثار التي تدل على جواز إخراجها لصنف واحد. وفي الأموال لأبي عبيد أيضاً عدة أقوال تجيز ذلك مثل قول عطاء: «إذا وضعتها في صنف واحد أجزاك»، ومثل قول العباس: «إذا وضعتها في صنف واحد من هذه الأصناف فحسبك، إنما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ وكذا وكذا لئلا يجعلها في غير هذه الأصناف». وعن حماد عن إبراهيم قال: «إذا كان المال ذا مز (أي ذا فضل وكثرة ففرقه في الأصناف، وإذا كان قليلاً فأعطه صنفاً واحداً». لذلك كان هناك قول بأنه يستحب تفريق الزكاة على ما أمكن من الأصناف الثمانية ليخرج المزكي من الخلاف. ولكن بالتأكيد فإن دفعها المزكي لابن السبيل فقط فقد سقطت عنه الزكاة. فلم يقل عالم أو فقيه بأن الدفع لا يجزئه.
۹۲
۹۳
ولنقل بأن المزكي قرر دفع زكاته لصنف ابن السبيل، وهناك أكثر من شخص يرغب في السفر، فهل عليه أن يساوي بين أفراد الصنف الواحد، حتى وإن لم يكف ما يدفعه لهم لسفرهم، أم يدفع لهم حسب حاجاتهم، وعندها قد تذهب الزكاة لشخص أو إثنين؟ هنا لم تكن الصورة قاطعة بالنسبة لي. فالمذهب الشافعي يشير إلى جواز دفع سهم صنف واحد لثلاثة أشخاص على الأقل، فقد جاء في المجموع: «والثانية التسوية بين آحاد الصنف ليست واجبة، سواء استوعبهم أو اقتصر على ثلاثة منهم أو أكثر، وسواء اتفقت حاجاتهم أو اختلفت، لكن


۱۱۲۲ 🗏
٩٤
يستحب أن يفرق بينهم على قدر حاجاتهم، فإن استوت سوى، وإن تفاضلت فاضل بحسب الحاجة استحباباً، فرق الأصحاب بين التسوية بين الأصناف حيث وجبت وآحاد الصنف حيث استحبت بأن الأصناف محصورين، فيمكن التسوية بلا مشقة بخلاف آحاد الصنف ، ...». وفي المغني قول بتعميم من أمكن من كل صنف إن قام المزكي بالقسمة. وتوضيح لطريقة التقسيم إن قام بها العامل عليها بأن تعطى للأهم فالأهم: «وأهمهم وأشدهم حاجة، فإن كانت الصدقة تفي بحاجة جميعهم، أعطي كل إنسان منهم قدر ما يدفع به حاجته، فيعطى الفقير ما يغنيه، وهو ما تحصل له به الكفاية في عامة ذلك، له ولعياله، ويعطى المسكين ... والغارم ما يقضى به غرمه، وإلى المكاتب ما يوفى كتابته والغازي يعطى ما يحتاج إليه لمونة غزوه، وابن السبيل ما يبلغه بلده، وإن نقصت الصدقة عن كفايتهم فرق فيهم على حسب ما يرى. ويستحب أن لا ينقص من كل صنف عن أقل من ثلاثة، لأنهم أقل
الجمع .
۹۵
.«...
ومما سبق تستنتج بأن
سهم
ابن السبيل قد لا يقل شأناً في نظر المزكي من سهم الفقير أو المسكين أو الغارم أو المكاتب أو المجاهد، بل هو مواز لهم في نظره. وفي هذا حكمة تتضح في الآتي: هل ستمطر السماء رماناً أم علينا أن نزرعه؟ وهل ستخرج الأرض مذياعاً أم علينا أن نصنعه؟ إن للبركة شروطاً، ولعل من أهمها عمل الناس كما قلنا. ولكن كيف يعمل الناس وهم بعيدون عن مصادر الثروات؟ لذلك كانت الهجرة بالضرب في الأرض والذهاب للخيرات أمراً، والله أعلم، بسببه خفف الله عن المسلمين قيام الليل وقرنه بالجهاد في سبيله، قال تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِي سَبيل الله ....﴾ وكذلك كان الانتشار في الأرض حتى في يوم الجمعة حث لطلب الرزق، قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾." وكأن المشي في مناكب الأرض، أي في جبالها أمراً ربانياً، قال تعالى في سورة الملك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وقد فسرت المناكب أيضاً بأنها أطراف الجبال ونواحيها أو طرقها .وفجاجها. فتأمل كيف أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالبحث عن الرزق حتى في الجبال وهي من أشد المناطق وعورة. قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ : وكلوا من رزق الله الذي أخرجه لكم من مناكب الأرض»، أي من جبالها. فعندما يتمكن الناس من السفر بحرية مطلقة ستفعل هذه الخيرات لتصبح منتجات.
كما أن الإسلام أباح للمسافر القصر والجمع في الصلاة. قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ ......﴾ وكما هو معلوم فإن العلة في القصر ليست المشقة، فالمريض قد يجد الكثير من المشقة ومع ذلك لا يقصر الصلاة. فتأمل هذا الحث بهذا التسهيل. قالت لي قريبة أنها تحب السفر لتجمع وتقصر الصلاة. فهل في الجمع والقصر حث للضرب في الأرض؟ هذا بالإضافة إلى أن دعوة المسافر مستجابة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاث دعوات لا شك فيهن: دعوة المسافر والمظلوم ودعوة الوالد على ولده . ناهيك عن الأجر، فقد جاء في «الدر المنثور» عن كعب بن
۹۸


١٠ ابن السبيل
۱۱۲۳
عجرة قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه، فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان). فما بالك إن كان الخروج والسعي طلباً للرزق إلى مكان بعيد. وهكذا من تكريم على المزيد من الجذب والحث على الترحال.

تحريك الأمة

والآن لنقل بأن هناك زيداً من الناس لا يستمتع بأداء عمله في موطنه لأن كل الأعمال التي بها تتصل بالرعي ومنتجاته مثل صناعة الحليب والدباغة ونحوهما، وأنه يحب أن يعمل في صناعة الأقمشة، أو يعتقد بأنه قد يكون أكثر سعادة إن هو عمل في صناعة الحديد ومنتجاته، لذلك إن بقي زيد في موطنه قد يتحول لفرد غير منتج ومع مرور الزمن سيصبح كئيباً ثم فقيراً. وكما أشارت الأبحاث، وكما هو معلوم ،ومشاهد، فإن البطالة تأتي بالملل ومن ثم بالفقر ومن ثم قد ينغمس الإنسان في الرذيلة وربما الجريمة، فإن تم تقديم الفقير على ابن السبيل في إخراج الزكاة باستمرار، سيبقى زيد وأمثاله دون ترحال لمكان قد يكونون فيه أكثر إنتاجاً. لأنه في كل سنة سيستجد فقراء أمثال زيد لأنهم لم يتمكنوا من الترحال. أما إن أخذ ابن السبيل حقه، فإن زيداً سيرحل لمنطقة سيبدأ الإنتاج فيها، دافعاً للزكاة هناك، وقد يأتي إلى مكان زيد شخص آخر يحب صناعة الرعي ومنتجاته
وبعمله سيبتهج ويصبح دافعاً للزكاة، ولعله أتى من زكاة مال .زيد هل رأيت الحكمة من ابن السبيل؟
ويصبح
.
ومن جهة أخرى فإن الشريعة، كما رأينا، أعطت دافعي الزكاة الحق في تخصيص الزكاة لصنف واحد. إلا أن بعض الأقوال ذهبت لتقسيم الزكاة بين ثلاثة على الأقل. وهنا قد يحاول دافع الزكاة إقناع قريب أو جار له أن يسافر لمنطقة أخرى سمع أن بها فرص للعمل، وقد يجمع له من أقارب آخرين ما يوصله إلى المدينة الأخرى، أو قد يقوم أب بجمع أموال زكاة أصدقائه لإرسال ابنه لمنطقة أخرى وهكذا يجتمع لهذا الابن ما يوصله لمقر عمل جديد، فيبدأ بأمل جديد ليشق طريقه. أي أنه إن لم تتدخل الدولة بجمع أموال الصدقات ثم إعادة توزيعها فإن الناس سيدفعون الزكاة بأنفسهم دون الرجوع للاختلافات الدقيقة بين الفقهاء. فمسألة ابن السبيل ليست بهذا التعقيد، فإن دفع فرد زكاة ماله لابن السبيل المنشئ للسفر ومن مدينته وكانت النفقات للسفر ذهاباً وإياباً، فهل يستطيع أحد العلماء لومه وزجره بأن زكاته لن تجزئه؟ بالطبع لا . وعندها فلابد وأن يكون لأي فقير يريد السفر، أو لأي عاطل يريد العمل، أو لأي طالب علم يريد الاستزادة، إما قريب أو صديق أو ما شابه ممن سيدفعون له نفقات السفر، وبهذا تتحرك الأمة. انظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية كيف بدأت بمهاجرين فقراء أتوا لأرض بها ثروات لم تكن مستغلة بعد، وأقاموا بها دولة قوية إنتاجياً، إلا أنها فاسدة. فكل ما كان لدى أولئك المهاجرين هو زاد طريقهم وحلمهم الذي بدؤا به حياتهم. وهكذا أبناء السبيل، فلكل ابن سبيل حلم يسعى له، ولأنه سافر، فلابد وأن يكون مقداماً، أو أنه قد ملّ من وضعه المزري ويبحث عما هو أفضل له. وبتحسن حال الجميع تتحسن
حال الأمة.


١١٢٤ 🗏
ولنقل بأن هناك شخص يستحق الزكاة لأكثر من سبب كأن يكون غارماً ويريد السفر، فهل له أن يأخذ مقدار سهمين، سهم لسداد دينه وسهم لسفره هنا اختلفت المذاهب. فمن المذهب الحنبلي: «وإن اجتمع في واحد سببان، يجوز الأخذ بكل واحد منهما منفرداً، كالفقير الغارم، أعطي بهما جميعاً»، وهذا بالطبع ينطبق على المسافر الفقير أيضاً. وهناك قول آخر لمعظم الشافعية وهو ألا يعطى إلا بسبب واحد، ويختار المتصدق عليه أيهما شاء.١٠٠ ولكن إن أعطي لأكثر من سبب ثم زاد معه مال من سفره وهو فقير «أخذ الفضل لفقره لأنه إن فات الاستحقاق بكونه ابن سبيل حصل الاستحقاق بجهة أخرى، وإن كان غارماً أخذ الفضل لغرمه».١٠١ فتأمل كل هذه التسهيلات لدفع الناس للسفر وبالذات الفقراء منهم وكلي ثقة أنه إن عاش هؤلاء الفقهاء وبالذات الشافعي وأحمد رحمهما الله، ورأيا ضرورة السفر لإنقاذ الأمة لسهلا الأمور أكثر وأكثر ليزداد الترحال أكثر وأكثر، فترتقي الأمة
أكثر وأكثر.
وللتذكير أقول ملخصاً: إن أدرك مستثمر أن بإمكانه السفر حتى وإن لم يكن فقيراً ليستكشف إمكانية استخراج معدن في منطقة بالقرب من قرية نائية لم يستكشفها أحد بعد فسيفكر جدياً في السفر. وإن أدرك أي إنسان سواء كان فقيراً أو غنياً ويهوى العلم بأنه سيحصل على تكلفة سفره حتى وإن كان منشئاً للسفر، أي عند خروجه من مدينته، فسيسافر بالتأكيد إلى بلد سمع فيها باكتشاف طبي جديد ليتعلمه ويعود به إلى بلده. وإن سمع حداد بأن هناك تقنية جديدة لصبغ الحديد ليقاوم الصدأ ولكنها في بلاد بعيدة وأن بإمكانه السفر حتى وإن لم يحصل على كامل نفقات سفره لأنه سيعامل كابن سبيل مجتاز في كل مدينة ينزلها وأنه سيستضاف فيها فسيسافر لا محالة للعودة بتلك التقنية لمصنعه. وإن أدرك شاب أن بإمكانه الحصول على نفقة سفره ذهاباً وإياباً لديار بها معهد متخصص في الكيمياء الحيوية فإنه سيحاول إقناع أقاربه بدفع جزء من الزكاة له ليتمكن من تعلم ذلك العلم. وإن أصبح العرف في المجتمع أن الفقير بإمكانه السفر دون أن يثبت فقره لمن هم في بلده، بل يؤخذ بقوله، وأنه كغريب وكمجتاز في بلاد أخرى سيستضاف ولن يسأل عن بيئة عما يملك في موطنه فإنه سيفكر في السفر جدياً لمنطقة تم اكتشاف معدن بها وبها أعمال شاغرة. وإن علم زيد أن بإمكان رجل ثري وضع زكاته في ثلاثة أصناف من الثمانية، فسيحاول الوصول إليه ليكون أحد أبناء السبيل، أو سيحاول الوصول إلى رجل متوسط الدخل لعله يأخذ منه كامل زكاته لسفره. وإن رفض المزكي دفع الزكاة إليه لوجود فقير يظهر أنه أشد حاجة منه فسيحاول زيد إقناعه بالالتزام أمام أقاربه بأنه سيعود لوطنه ومعه صنعة جديدة مفيدة لأهل بلده، فسيحصل على ما يعينه على السفر وقد يوفي بوعده ويأتي بمعرفة جديدة تنفع البلدة. وإن أدرك سكان قرية ما أن هناك رجلاً صعب المزاج وأنه منهك بالديون ولديه رغبة في الانتقال من بلده وأن الشريعة تجيز دفع سهمين له كغارم وكابن سبيل فسيتعاونون لدفع ديونه وتغطية نفقات سفره ليبدأ حياة جديدة في مدينة أخرى، وقد يصلح حاله بتغير المحيط عليه بفضل الله عز وجل. وإن تيقن جميع هؤلاء المسافرين بأنه لا منة لأحد من الخلق عليهم، وأن هذا حق من حقوقهم، فسيشعرون بكرامة تعينهم على رفع إنتاجهم، ومن ثم سيخبرون الآخرين عن تجربتهم، الآخرون بالتأكيد. وهكذا تنتشر المعرفة ويصل الأفراد إلى مواطن الثروات التي أودعها الله الواهب الوهاب في أرضه لإيجاد الثمار والزروع والمأكولات والملبوسات وصنع الأجهزة والمعدات والأسلحة وما إليها مما يحتاجه المسلمون. لقد أصاب الشافعي رضي الله عنه وأرضاه بإذن الله عندما قال قصيدته التي هي كلها بصيرة فذة عن الدعوة للضرب في الأرض وحلاوة الغربة وكيف أنها أول الطريق للعزة. تأمل الآتي فما أروع ما قاله وما أبعد نظره
لذلك فسيسافر


١٠ ابن السبيل
إن قسته بزمانه رحمه الله وأسكنه فسيح جناته:
ما في المقام لذي عقل وذي أدبِ
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه
إني رأيتُ وقوف الماء يفسده
مِنْ رَاحَةٍ فَدَعِ الْأَوْطَانَ وَاعْتَرِبِ
وانصب فَإِن لِذِيذَ العَيشِ فِي النَّصَبِ
إن سَاحَ طَابَ وَإِن لَم يَجْرٍ لَم يَطِبٍ
والأسد لولا فراقُ الأرض (الغاب) ما افترست والسهم لولا فراقُ القوسِ لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمةً
والتَّبَرَ كَالتُربَ مُلَقَى فِي أَمَاكِنِهِ
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبه
لَمَلَّهَا النَّاسُ مِن عُجْمٍ وَمَن عَرَبِ
والعود في أرضه نوع من الحطب
وإِن تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كَالذَّهَبِ
١١٢٥
لقد كتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى ابن شهاب يأمره في مواضع الزكاة: «هذه منازل الصدقات ومواضعها إن شاء الله، وهي ثمانية أسهم : فسهم للفقراء وسهم للمساكين وسهم ... وسهم لابن السبيل. ... وسهم ابن السبيل يقسم ذلك لكل طريق على قدر من يسلكها ويمر بها من الناس لكل رجل من ابن السبيل ليس له مأوى ولا أهل يأوي إليهم، فيطعم حتى يجد منزلاً أو يقضي حاجته، ويجعل في منازل معلومة على أيدي أمناء لا يمر بهم ابن سبيل له حاجة إلا آووه وأطعموه وعلفوا دابته، حتى ينفذ ما بأيديهم إن شاء الله». وجاء في تاريخ الطبري عن عمر بن عبد العزيز أيضاً الآتي: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السري أن اعمل خانات في بلادك، فمن مر بك من المسلمين فاقروهم يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعاً فقووه بما يصل به إلى بلده». ١٠٣ هل رأيت كيف أن أموال ابن السبيل كانت تصرف على مرافق السفر. وهذا
...:
به
بالطبع هو عمر بن عبد العزيز الذي كان المسلمون يثقون به ويدفعون له الزكاة، لذلك كانت القرارات مركزية من الحاكم بالتوجيه لما يجب أن يكون عليه حال ابن السبيل من تكريم وإغداق. ولكن إن كان الحاكم هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أو حتى آخر عادل مثله، فإن للناس كما رأينا في الفصول السابقة تفريق الزكاة بأنفسهم، عندها فمن المتوقع أن يقوم بعض الأفراد، وقد يكونون من العاملين عليها مثلاً، بإيجاد جميع التسهيلات لابن السبيل من أموال الزكاة، مثل شراء تذاكر السفر وإيجاد محطات الاستراحة للحافلات أو القطارات، وما شابه من مرافق؛ أو قد يجتمع بعض المزكين بإنشاء استراحة على طريق مهم بين مستوطنتين بحثاً عن المزيد من الأجر، أو قد تظهر شركة لتعبيد الطرق في العالم الإسلامي بين المستوطنات وتقوم بذلك مقابل أسهم تبيعها وكأنها أسهم زكاة وتقوم بالإعلان عنها فيقبل عليها المزكون إن أثبتت الشركة جدارتها في مشروعاتها السابقة وإن عرف أن القائمين لا كاللصوص في الدول الذين لا يستطيع فرد مساءلتهم أو زحزحتهم من مناصبهم، وهكذا من
عليها ممن يوثق بهم، أفكار من عقلي القاصر لأن الشريعة لم تطبق.
هذا إن تقلبلنا فكرة إنفاق الأموال عن طريق الناس أو السلطات على مرافق ابن السبيل. إلا أن الأصل والأسلم هو دفع المال إلى ابن السبيل نفسه والذي سينفقها بنفسه على الخدمات التي يرى أنها تعينه على سفره. ولعل الأفضل، أي التمسك بالشرع قدر المستطاع. عندها ستظهر المرافق ولكن بمحاولة رجال الأعمال تقصي ما
هذا
هو


١١٢٦ 🗏
يتطلبه ابن السبيل الذي سنفق المال بنفسه وعلى نفسه، وفي هذا المزيد من التمكين للأمة لأنه لا هدر متوقع. أي أن مسألة ظهور التسهيلات لأبناء السبيل لا يمكن لي أو لأحد أن يتوقعها لأن الظروف المستحدثة في ظل التقنيات المستحدثة وفي ظل مقصوصة الحقوق ستؤدي بالتأكيد إلى حلول فذة ستظهر في حينها. ولعلك هنا تتساءل عما إن أعطيت الأموال للعاملين عليها لدفعها لابن السبيل قائلاً: ولكن ما الذي سيضمن أن هؤلاء العاملين عليها لن يستفردوا بالأموال كما يفعل السلاطين وأعوانهم ؟ فأجيب لأن الناس هم الدافعون، فهم سيوقفون الدفع إن فقط شكوا في مصداقية هؤلاء المتطوعين الذين ينظمون الرحلات أو ينشؤون المحطات. وهذا ليس كالضرائب التي تؤخذ غصباً ثم تودع في أيدي المسؤولين العابثين الذين لا يستطيع أحد جدالهم لأن الشرطة والآلة العسكرية بأيديهم لأن العمل العسكري أصبح وظيفة. أي أن ما تم فعله أيام . عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ليس بالضرورة ما سيكون إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن للناس دفع الزكاة لغير السلطان وبالذات إن لم يكن عادلاً. وهذا ينطبق أيضاً على الفيء، فقد أجاز بعض الفقهاء كابن تيمية رحمه الله صرف السلطان للفيء في طرق الناس. فهو يقول في الفيء مثلاً:
«وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقاً، إلا ما خُص به نوع كالصدقات والمغنم. ومن المستحقين ذوو الولايات عليهم كالولاة والقضاة والعلماء والسعاة على المال جمعاً وحفظاً وقسمة، ونحو ذلك، حتى أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك . وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يـ ما يعم . سداد الثغور بالكراع والسلاح وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس كالجسور والقناطر
وطرقات المياه والأنهار».
نفعه
من
وكما وضحت في الفصول السابقة، فإن طبقت مقصوصة الحقوق فلا مال للدولة للقيام بتعبيد الطرق، فهذه من المحدثات. أي هكذا تولدت قناعة بين معظم الفقهاء بجواز أو حتى تحييد قيام الدولة بالتجهيزات اللازمة للتنمية كتعبيد وتجهيز الطرق. فقد ذكرت الباحثة نعمت مثلاً أن بعض الفقهاء المعاصرين ذهبوا إلى جواز استخدام الفيء في تمويل مشروعات التنمية . ١٠٤ وكما سترى في الحديث عن الوفورات في فصل «الأماكن» بإذن الله فإن جميع المرافق سيتم تلبيتها من خلال الناس وبطريقة أفضل وأكفأ ذلك لانعدام البيروقراطيات والتسيب والتلاعب الحادث من جراء قيام من يسمون بمسؤولي الدول بتوفير هذه الخدمات، لأن أموال الصدقات والغنائم والفيء في أيدي الناس أصلاً.
إن اقتنعت بما استنتجناه أخي القارئ في فصلي «الأموال» و «دولة الناس» من أن الأموال المفروضة على المسلمين هي الزكاة فقط، وإن قلنا أن المزكين حاولوا التسوية بين الأصناف الثمانية فإن تُمن (بضم المثلثة) ما يخرج من الزكاة سيذهب لابن السبيل. وإن علمنا أن ما حصلت عليه السعودية في عام واحد فقط (٢٠٠٩م) من النفط
1.0
هو
زاد عن ٤٠٠ مليار دولار، وأن الناتج القومي العربي كان ٤٤٠ مليار دولاراً سنة ۱۹۸۰م، ۱۰۹ وهذا الرقم الثاني . الذي سآخذ به احتياطاً لأنه الأصغر بكثير، فإن زكاة هذا المال هو ۱۱ مليار دولار إن اعتبرنا الأموال كعروض
التجارة أو المعادن باعتبار أنها أصيبت متفرقة بتعب ومؤنة أي ٢,٥%، ومن ثم يكون نصيب ابن السبيل هو ١٣٧٥ مليون دولار في السنة وذلك بقسمة الزكاة على ثمانية. وهنا ملحوظة وهي أننا لم نأخذ في الاعتبار ما ينتجه الأفراد في أعمالهم، ولا نصيبهم من الزكاة، ولم يكن حساب الزكاة الخمس في المعادن، إنما هذا الرقم هو ما أنتجته الدول من معادن وتجارة خارجية وبتحفظ شديد علماً أن هذا الرقم هو رقم أخذ في وقت تسيطر فيه الدول على جميع


۱۱۲۷
١٠ ابن السبيل
الموارد لذلك كان الناتج القومي العربي جد ضعيف مقارنة بإمكانات الأمة، كما أنه يفتقر للصحة نظراً للتلاعب في الأرقام حتى لا يظهر ثراء الدول فيفتضح أمر المسؤولين. ولعل الأهم هو أن هذا الرقم لا يعكس الإنتاج البيني بين سكان مدينة واحدة أو مدن متقاربة، بل إنتاج الدول، وعادة ما تقارب ميزانيات الدول الصناعية حوالي عشر إنتاجها القومي (أو أقل أو أكثر حسب نظام الدولة الاقتصادي، لذلك فإن تمكنا من إيجاد إحصائية تشمل النشاط المالي فإن الرقم (١٣٧٥ مليون دولار قد يضرب في عشرة ليعكس النشاط الإنتاجي، ناهيك عن احتساب زكاة الزروع والأنعام وما شابه من الأموال الظاهرة. فتأمل كيف سيكون الترحال سهلاً وميسوراً لكل من أراد التنقل إن وضع العالم العربي مبلغ ١٣,٧٥٠ مليون دولار سنوياً. ألا يفوق هذا الرقم ميزانيات عدة خطوط جوية مجتمعة؟ (بل يفوق، إلا أنه في الوقت ذاته هو خمس ما ملكه ملك عربي لدولة إسلامية كبرى، فبعد وفاته اتضح أن أملاك هذا الملك بلغت ۷۱ مليار دولار، فتفكر!). فإن كانت تكلفة الرحلة بين الرياض وعمّان أو عمان والقاهرة هي حوالي ٣٣٣ دولاراً بالتقريب (في ذلك التاريخ) فإن مجموع من سيتمكنون من السفر مجاناً في السنة الواحدة سيزيد عن ٤١ مليون مسافر. هذا إن كان السفر جواً، أما إن كان السفر براً أو بحراً فإن العدد سيزيد عن أي أكثر من ثلثي سكان العالم العربي (ملحوظة: كان سكان العالم العربي ٢٨٠ مليون نسمة وقت كتابة هذه الصفحات). وكما هو معلوم فهناك الكثير من طلاب العلم المتحمسين النابغين الذين لم يعقهم من السفر لخارج أوطانهم إلا قيمة تذكرة سفر لم توفرها لهم مجتمعاتهم، فانحبسوا في ديارهم لتفقد الأمة المسلمة إنتاجهم، فتأمل.١٠٦ أي أن الشريعة أوجدت حركية تقص الحقوق بطريقة توجد أمة ذات عقلية تهجر حالها لما هو أحسن، أمة
۲۰۰ ملیون،
تدفع الناس للانتقال من مواطنهم لمناطق أخرى بحثاً عما هو أفضل، فمن هذا الذي يترك موطنه إلا إذا لم يكن مقتنعاً بوضعه ويود الترحال لموطن آخر؟ ولكن أين سيذهب ؟ لقد وضعت الشريعة حركية أخرى معاكسة لحركية الدفع (أي حركية ابن السبيل) وهي حركية جاذبة، أي حركية تسحب الناس للمناطق التي بها خيرات غير مستغلة بعد. وهي موضوعنا الآتي:

وتُرد على فقرائهم »

۱۰۷
ينزح
الناس
إن الإحصائيات التي أجريت عن النزوح من الأرياف والقرى إلى المدن لهي مفزعة. فلماذا للمدن ويتركوا ديارهم وأحبابهم ؟ بالطبع هناك أسباب كثيرة من أهمها السببين الآتيين: الأول هو الاعتقاد السائد بين أهل الريف أن فرص العمل في المدن أكثر ولا يلامون على ذلك. فبتسلط الدول التي تفصل الحقوق كيفما شاءت، تكدست الوظائف في المدن على حساب الأرياف، فكانت المدن مقراً لوزارات الزير ومؤسساتها. حتى الشركات التي تنشئ المصانع في الأرياف وتصدر منها السلع للخارج مباشرة دون المرور على المدن عليها أن تفتح مكاتب في المدن لتسهيل إجراءاتها من تصاريح وموافقات حكومية ما يزيد من فرص العمل في المدينة. فالمدينة أصبحت القلب الذي لابد لكل نشاط اقتصادي أو سياسي أن يمر من خلاله. ومتى ما حصل إنسان آت من الريف على عمل مهما كان تافها، وكان دخله أكثر مما يحصل عليه في قريته وتحسن مظهره بمقتنيات حديثة، كساعة براقة يقتنيها، أو معطفاً صاخباً في لونه يلبسه عند زيارة أهله في الريف، كانت هذه دعوة للآخرين للنزوح إلى المدينة.


۱۱۲۸ 🗏
أما السبب الثاني للنزوح للمدن فهو بريق الحياة فيها. فلأن حقوق المجتمعات في أيدي سكان المدن، ولأنهم هم الأثرى لتمكنهم من ثروات المجتمع، نجد أن الخدمات تحوم حولهم. فانتشار المستشفيات والمدارس في المدن لا تقارن بالقرى. كما أن الملاهي والملذات عادة ما تُسكب على سكان المدن لأن فيهم الأقوى والأثرى، فالطرق والساحات المزدانة بالأشجار والأنوار ودور السينما والملاهي والمطاعم الفاخرة والمباني الشاهقة والمصاعد الزجاجية ونحوها من مباهج الحياة في المدن مقارنة بالطرق الوعرة المظلمة والمباني المهلهلة وندرة الدواء والكتاب في الريف تقنع كل مقدام على أنه لا حياة له في القرية. لذلك كثر النزوح من القرى للمدن ليجد الناس أنفسهم يعيشون في أكشاك وأعشاش وفي أوضاع مزرية مؤملين أن حالهم سيتحسن يوما ما بالحصول على عمل. إنه الأمل. وهكذا تنتشر البطالة بين هؤلاء الفقراء ليكونوا مادة سهلة التسخير لمن هو أقوى وأغنى، فيتم تجنيد بعضهم ليكونوا حراساً للأغنياء، ويتم تسخير أخريات للدعارة، ويتم توجيه أولئك ليكونوا مروجين للمخدرات، وما هذا إلا لأن مجتمع المدينة أصبح هرمياً في هيكله التسلطي والمادي يستعبد فيه القوي الضعيف والغني الفقير، كما وضحت سابقاً. لقد تمكن الشيطان، نعوذ بالله منه، من إخراج البشر من مقصوصة الحقوق، لمنظومة من الحقوق أوجدت مجتمعات تسكن مدناً مكتظة مزدحمة. ومتى كان الازدحام، كان التلوث من اجتماع الفضلات والنفايات، وكان ارتفاع الأسعار ليستغل الأثرياء الفقراء في الدعارة والجريمة المنظمة، وكان الاضطراب النفسي من تزاحم الناس في المنازل والطرقات والانتظار في السيارات لساعات، وهكذا من أمراض اقتصادية واجتماعية ونفسية حتى أصبح التلوث والفساد هما سمة العصر. ولذكر أمثلة سريعة عن تلوث الهواء أقول : فبرغم أن المدن الإنجليزية تعد من أنقى المدن في العالم وبالذات مقارنة بدول العالم الثالث من حيث تعداد السيارات، إلا أن الدراسات أشارت أن التلوث الناجم عن ازدياد عدد السيارات في المدن الإنجليزية الكبرى قد رفع تكاليف الرعاية الصحية بمقدار خمسة بلايين دولار سنة ١٩٩٦م. أما مدينة أثينا، فهي من أكثر المدن تلوثاً بعوادم السيارات، وفي أكثر الأيام تلوثاً تضاعفت نسبة الوفيات فيها ست مرات في التسعينات من القرن الماضي. أما في مدينة بومبي بالهند، فإن ضرر استنشاق الهواء لمن لا يدخنون يعادل تدخين عشر سجائر يومياً.١٠٨
هو
حادث
أي أن المدينة برغم تلوثها أصبحت نقطة جذب لا لشيء إلا لتمركز السلطة والثروة فيها. وهذه ظاهرة متفشية في ما يسمى بدول العالم الثالث أكثر منها في الدول الصناعية، وذلك لأن حقوق من في الريف في دول الغرب أكثر صيانة ممن هم في دول العالم الثالث والتمركز الاقتصادي والإنتاجي في المدن أقل حدة مما . في العالم الثالث، فكان بريق المدينة أقل شداً لسكان الريف لتوافر الخدمات لديهم. إلا أن الوضع أيضاً مزرٍ في العالم الغربي مقارنة بما كان للإسلام أن ينتجه إن كان الحاكم هو الشرع (كما سيأتي بإذن الله). أي برغم تفاوت الوضع بين العالمين الثالث والغربي، تستمر المدينة الحديثة في جذبها للناس برغم فقدانها الذاتي لمقومات الحياة الأساسية. وحتى تستمر الحياة فيها تجلب إليها مقومات الحياة من كل اتجاه. فالعواصم السياسية مثل عمّان والرياض وأبو ظبي تجلب إليها جميع مستلزمات الحياة بما فيها المياه. فقد بلغ مثلاً عقد مشروع نقل مياه رأس الزور إلى الرياض ٩ بلايين ريال والعقد هو لنقل الماء بعد تحليته مسافة ٩٠٠ كلم في خط أنابيب مزدوج يصل قطر الواحد منها ٧٢ بوصة (ستة أقدام)، مع إنشاء محطات الضخ والمحطات الطرفية والخزانات. وسينقل المشروع بعد ٩٠٠ ألف متر مكعب من المياه المحلاة يومياً إلى الرياض. هذا بالإضافة لنقل الكهرباء التي تصل إلى ألف ميجاواط .١٠٩ ناهيك عن نقل المأكولات إلى العواصم التجارية كالدار البيضاء. حتى المدن التي تحوي مقومات
انتهائه


١٠ ابن السبيل
۱۱۲۹
الحياة، مثل القاهرة وإسطنبول ونيويورك وواشنطن، فقد أنهكت واستنهكت لأنها حُمّلت ما لا تطيق من كثافة سكانية بتمركز السلطة والمال اللذين يجذبان الناس فهذه المستوطنات وكأنها كائن متطفل parasitic على المناطق الأخرى. أي لأن من يقطنون المدن الكبرى ذوي سطوة فلابد لهذه المدن من أقاليم تابعة لها لتتغذى عليها، وفي هذا إنهاك لتلك الأقاليم. وهذه حتمية لا مفر منها على مر التاريخ إن لم نحكم بالإسلام. وبهذا فإن جميع الأقاليم ليست مستغلة لما هو أجدر ، بل هناك الكثير من الهدر وهكذا نادراً ما نجد مدينة تعكس بجدارة استطاعة مقوماتها الحياتية، أي أن البشر أوجدوا مجتمعات كان من أكبر همومها نقل مقومات الحياة من مكان لآخر، فكم في هذا من هدر للطاقات والأوقات والأموال؟ فكم من الأموال هي تكلفة استحداث مجاري مياه الأمطار في جدة والرياض؟ وكم من الأموال هي تكلفة استحداث شبكات القاطرات تحت الأرض في القاهرة أو الدار البيضاء؟ أي وكأن مسؤولي سكان المدن، لأنهم الأقوى سلطاناً والأكثر مالاً، يجلدون الآخرين ويسخرونهم لخدمتهم. إنه استعباد إنساني لا مفر منه إن سار البشر على منظومات حقوقهم. فهل يُعقل أن يقبل الإسلام الذي يهدف لتحرير البشر من عبادة الناس لعبادة الله بوضع كهذا؟ معاذ الله، فماذا فعلت الشريعة لتوجد الاتزان بين مقومات الموقع الجغرافي وطاقات البشر ولتتلافى الهدر والتمركز الاقتصادي والسياسي في مجتمعات استعبادية؟ لقد وضعت الشريعة حركيات للحد من تفشي هذين السببين أي) توفر فرص العمل في المدينة وبريقها)، أو حتى إيقاف حدوث هذين السببين وذلك عن طريقين: الأول إيقاف تسلط من في المدينة على غيرهم، والثاني منع ذهاب الأموال لأهل المدن.
كيف؟
بالنسبة لإيقاف تسلط من في المدن على غيرهم، وهو موضوع هذا الكتاب، فكما رأينا في فصل «الخيرات» فإن للناس الحق في الأخذ من المعادن وإحياء الأرض دون إذن من السلطات، وهكذا من حركيات توزع الحقوق بين الناس أينما كانوا وبشكل يمنع تسلط أناس على آخرين فلا تظهر المدن الجاذبة بسبب تراكم السلطة والمال فيها (وهو موضوع الفصول القادمة. أما بالنسبة لمنع ذهاب الأموال لأهل المدن، فقد أوجدت الشريعة حركية سميتها وترد على فقرائهم» تجذب بها الناس لمواضع الخيرات في الأرض، وهي ما نحن بصدده الآن:
لقد كانت المكوس أو الضرائب تؤخذ في الجاهلية من سكان القرى والأرياف والمدن لتذهب للسلطان کكسرى وقيصر لينفقها كيف شاء في تجهيز جيش لغزو الآخرين أو لشهواته ونحوها من غرائز بهيمية لا تعكس إلا جهل البشر كما ذكرت. وإن فاض شيء دفعه لمن حوله من أعوان وكذلك الحال في النظام الرأسمالي والاشتراكي المعاصر، أي في الجاهلية المعاصرة، فإن الأموال تؤخذ أيضاً من الناس على شكل ضرائب وجمارك ورسوم وتذهب لمن هم في العواصم والمدن الرئيسة وحتى مع نظريات التخطيط الحديثة التي تدعو لتلافي مركزية اتخاذ القرارات وتلافي مركزية استثمار الأموال في المدن الكبرى، بل توزيعها حتى لا يظهر التكدس السكاني، فإن الواقع هو أن الاقتصاديين والمخططين وبالطبع السياسيين سيستثمرون حيث مستوطناتهم أولاً. فالمدن الكبرى مثلاً، وبالذات العواصم، كانت أول مكان نُفذت تقنيات الهاتف الجوال أو المحمول أو الخلوي فيها، وهي المناطق التي بها هؤلاء البيروقراطيون، وبهذا تكون المدينة أكثر جذباً. إلا أن للإسلام نظرة أخرى: فهو قد قرر، كما رأينا في الفصول السابقة، تحجيم الدولة مالياً وأن تكون جل أموال المجتمع في أيدي الناس، وأنهم هم الذين يدفعون الزكاة. وكما ذكرت مراراً في فصلي «الأموال» و «دولة الناس» فإن أموال الزكاة والفيء والغنائم هي للناس وليست


۱۱۳۰ 🗏
لمشروعات وما شابه وأنه مع تقادم الزمن إن طبقت الشريعة وانتشر الإسلام فإن المصدر الأهم لإعادة توزيع الثروات هو الزكاة ولكن لأي نوع من الناس تعطى الزكاة، وأين هم؟
بالنسبة لأي نوع من الناس فسوف نتطرق إليه لاحقاً بإذن الله. أما بالنسبة لموقعهم فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس». ومن هذا الحديث، ومن لفظه صلوات ربي وسلامه عليه وترد على فقرائهم ١١٠ كان هناك شبه إجماع بأن الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لابد وأن تعطى للأصناف الثمانية في نفس المنطقة لحكم كثيرة. أي أن الزكاة لا ترسل لمدينة أخرى كعاصمة الدولة أو مدينة إقليمية، بل تعطى للفقراء والمساكين والغارمين ونحوهم من المستحقين للزكاة في نفس المدينة أو القرية أو البادية. ولأهمية هذا الموضوع للتمكين لابد من تأكيده شرعاً، أولاً:
۱۱۰
عن أبي جحيفة قال: «قدم علينا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، فكنت غلاماً يتيماً فأعطاني قلوصاً». وفي مسند الإمام أحمد أن أعرابياً سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عدة أسئلة منها: أنشدك الله الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ قال رسول الله
۱۱۲
١١٥
تدبر
صلى الله عليه وسلم: (اللهم نعم)». وعن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب: أنه قال في وصيته: «أوصي الخليفة من بعدي كذا ، وأوصيه بكذا، وأوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أي يأخذ من حواشي أموالهم فيرد في فقرائهم». ۱۱۳ وجاء في مصنف ابن أبي شيبة» عن عمرو بن مرة عن أبيه قال: «سئل عمر عما يؤخذ من صدقات الأعراب كيف يصنع بها؟ فقال عمر : والله لأردن عليهم الصدقة حتى تروح على أحدهم مائة ناقة أو مائة بعير». ١١٤ وجاء أيضاً عن فرقد السبخي قال: «بعث معي بزكاة إلى مكة، فلقيت سعيد بن جبير فقال: ردها إلى الأرض التي حملتها منها». أخي القارئ أهمية هذه العبارة السابقة: «ردها إلى الأرض التي حملتها منها». وعن طاووس قال: «كان في كتاب معاذ من خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته».١١٦ والآثار في هذا كثيرة جداً. فبعد ذكر عدد منها يستنتج أبو عبيد قائلاً: «والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها أن أهل كل بلد من البلدان أو ماء من المياه، أحق بصدقتهم، ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها، حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها».۱۱۷ فتأمل العبارة أخي القارئ: «حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها». وفي موضع آخر يقول مستنتجاً: «فكل هذه الأحاديث تثبت أن كل قوم أولى بصدقتهم حتى يستغنوا عنها، ونرى استحقاقهم ذلك دون غيرهم، إنما جاءت به السنة لحرمة الجوار وقرب دارهم من دار الأغنياء».۱۱۸
۱۱۹
والآن لنأخذ أقوال المذاهب لتأكيد المسألة لأهميتها: ١١٩ فقد قال مالك: «لا يجوز نقل الزكاة إلا أن يقع
۱۲۰
۱۲۱
بأهل بلد حاجة، فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد». ١٢٠ وذهب الشافعية إلى أنه «لا يجوز نقل الزكاة، ويجب صرفها في بلد المال، إلا إذا فقد من يستحق الزكاة في الموضع التي وجبت فيه». وقالت الحنابلة: «المذهب على أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر» وقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث
۱۲۲


١٠ ابن السبيل
۱۱۳۱
۱۲۳
بها من بلد إلى بلد؟ قال: لا. قيل : وإن كانت قرابته بها ؟ قال : لا». وكما ترى فإن الفقهاء يستخدمون لفظ «لا يجوز» تأكيداً لمنع نقل الزكاة من بلدها. إلا أن هناك بعض الآراء التي تبيح ذلك مع كراهته. فقد ذهب الأحناف على أنه يكره نقل الزكاة من بلدها إلا أن ينقلها إلى قرابة محتاجين لما في ذلك من صلة الرحم، أو جماعة هم أمس حاجة من أهل بلده، أو كان نقلها أصلح للمسلمين أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم، أو كانت الزكاة معجلة قبل تمام الحول، فإنه في هذه الصور جميعها لا يكره النقل». ١٢٤ إلا أن هناك بعض الفقهاء الذين لم
يمانعوا نقلها وهم قلة وهم
بحمد
۱۲۵
الله . ٢٥
ولعل الحكمة الظاهرة في منع نقل الزكاة من بلدها هو أن فيها إيلام لمن هم في نفس البلد من الفقراء
لنقصان الزكاة.
عنهم !
إن نقلت. وفي هذا تأخير لتمكينهم كما سأوضح بإذن الله ، فتضيع حكمة هامة للزكاة. لذلك فإن مذهب الجمهور هو دفعها للأقرب للتمكين. وبالطبع فإن هذا ينطبق على الفيء أيضاً، فلا تنقل أموال الفيء من بلد لآخر. ففي تفسير القرطبي : قال علماؤنا ويقسم كل مال في البلد الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا ثم ينقل إلى الأقرب غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرمادة ...» . .
١٢٦
أما الحكمة من وضع الزكاة في بلدها في نظر الفقهاء فهو «إغناء الفقراء من كل بلد، فإذا أبيح نقلها من بلد مع وجود فقراء بها، أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين».۱۳۷ وقد حدث أبو جعفر محمد بن علي أن علياً قال: «إن الله عز وجل فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي للفقراء. فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء. وحق على الله تبارك وتعالى أن يحاسبهم ويعذبهم».۱۲۸ فهذا الفقير الذي يرى الخيرات من ثمار وأجهزة بيد الأغنياء ويعلم أن جزء منها قد يأتيه سيكون في حال أفضل ولن يعتدي عليها. أما إن علم أنه لا رزق له فيها، فقد لا يحاول المحافظة عليها، هذا إن لم يعتد عليها. ولا نريد هنا توضيح العلاقة بين الكفر والفقر، فهي مسألة معروفة. فقد استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر والفقر وعذاب القبر. ويقول محقق كتاب الأموال: «فلو خرجت زكاة أغنيائهم إلى بلد آخر وهم محتاجون إليها فإن ذلك يورث في قلوبهم الحقد على هؤلاء الأغنياء ويحدث هوة بين الفريقين قد تجر إلى ما لا تحمد عقباه». ١٣٩ وهل يعقل أن يضع سبحانه وتعالى مقصوصة من الحقوق تؤدي للفقر ليفتن الناس في دينهم؟ معاذ الله، بل إن من أهداف الشريعة دفع المجتمع لوضع ينعدم فيه الفقراء حتى لا يفتن
الناس في دينهم. كيف؟

جذب العاطلين

۱۲۹
إلا أن الحكمة الباطنة والأهم لموضوعنا هي أن عدم نقل الزكاة سيجذب العاطلين عن العمل من جميع الأقاليم الأقل ثراء إلى المناطق التي يكثر فيها مال الزكاة. فكثرة مال الزكاة مؤشر على الرغد الاقتصادي في منطقة ما. فإن ظهر معدن في منطقة ما وكان للناس استخراجه وأصبحوا أثرياء فإن كثرة زكاة مالهم ستجذب بالتأكيد الآخرين لتلك المنطقة التي هي أكفأ في خيراتها في ذلك الزمن. وقد يأتي العاطلون بأموال الزكاة المخصصة لابن السبيل في ديارهم. فإن كانت هناك مثلاً منطقة سهلية خصبة خلف الجبال وبها مياه جوفية فذهب إليها فرد


۱۱۳۲ 🗏
فاكتشف المياه فأحيا ما استطاع ثم أتى الثاني والثالث والرابع وأحيوا وهكذا وجدت ضاحية صغيرة وخرج من ثمارها زكاة فإن فقراء المناطق الأخرى سينجذبون للعيش بجانبها انتظاراً للزكاة أي أن العاطلين عن العمل في المناطق الأخرى وهم هنالك فقراء ويستحقون من سهم ابن السبيل في الزكاة، إن أرادوا السفر، سيأتون إلى حيث تكثر أموال الزكاة ويأخذون منها لأنهم أحق من فقراء المناطق الأخرى ثم يبدؤن الإحياء في نفس المنطقة لأن الخيرات المودعة في تلك البقعة أكثر من كافية إذ أنها لا تزال بكراً، وهكذا سيزداد مجموع عدد المنتجين في المجتمع وينحسر عدد غير القادرين على العطاء من المناطق الأخرى. وإن تم تطبيق نفس هذه الفكرة على جميع المواضع الأخرى التي تزخر بالخيرات المعدنية والمراعي وما شابه، ستأتي البركة بإذن الله بكثرة العطاء والإنتاج لأن العاطلين القادمين انقلبوا إلى منتجين. تدبر المثال الآتي: إن منطقة رديف في تونس تزخر بالفوسفات، ومع هذا فهي منطقة مهملة ولا تحوي حتى المرافق الأساسية للحياة مقارنة بالعاصمة تونس. وما حدث هذا إلا لأن الحكومة التونسية جميع المواد الخام ووظفت الأفراد كأجراء بمبالغ تافهة. فالعمال في المناجم لا يملكون ما يستخرجونه. هكذا تزدهر تونس العاصمة مقارنة برديف التي بقيت قاحلة. فيتزاحم الناس في العاصمة وتبقى رديف وأمثالها مهملة فيخسر الاقتصاد لأنه لا تفان في الاستخراج للمعادن ومن ثم لا تصنيع. . أما بتطبيق مقصوصة الحقوق وبامتلاك الناس للمعادن ومن ثم إنفاقهم على أنفسهم ستظهر شتى أنواع المرافق لخدمتهم لتمكنهم المالي، وبدفعهم للزكاة أيضاً سينجذب آخرون لتزدهر رديف وأمثالها في المناطق الزاخرة بالخيرات.
ملکت
أي أن رد الزكاة لفقراء نفس المنطقة مدعاة للتقارب في الدخل بذهاب الناس الذين لا يجدون عملاً للأرض التي بها فائض من الزكاة، وبالطبع فإن فائض الزكاة مؤشر على توافر الخيرات، وبهذا تزداد القوى العاملة في الأرض
تلك
الأثرى ويزداد الناس العاملون ويزداد الإنتاج. أما المناطق الأفقر في الثروات فستزداد الهجرة منها لتقل هموم المناطق في دعم هؤلاء العاطلين الذين يحتاجون الخدمات كالصحة والتعليم لأن التعداد السكاني أصبح يفوق موارد المنطقة. أي أن المستوطنات بشتى أنواعها تجذب أو تدفع العقول والأيدي العاملة فتظهر أو تضمحل المستوطنات بناءً على جدارة الموقع في دعم الحياة. والمؤشر الأهم لمدى جدارة الموقع في دعم الحياة الأرغد هو مقدار الخارج من الزكاة. أي أن هناك اتزان يتغير عبر الزمن لكل منطقة بين ما تحويه من خيرات وبين عدد من يسكنون بها. ولا يمكن لأي عقل بشري أن يوجد هذا الاتزان إلا مقصوصة الحقوق من خلال حركية وترد على فقرائهم». ». وهذا استنتاج مهم . لهذا الكتاب، إذ لا حاجة لنقل المواد إلا فيما ندر، فلا هدر هنالك إلا بالقدر الضروري. لنأخذ مثالاً متطرفاً: فقد يوجد معدن الألمنيوم في منطقة ما وتظهر الصناعات التي تعتمد على الألمنيوم وتتكاثر الإبداعات وتتراكم المعرفة وتزداد المصانع لدرجة أن الألمنيوم قد لا يكفي لاستيعاب النمو السكاني الذي هو بحاجة لمصانع مستحدثة، وهذا يتطلب جلب الألمنيوم من مناطق أخرى لحيث المصانع ومن ثم نقل تلك المصنوعات لمناطق أخرى لتسويقها، فلا هدر هنا إن تم جلب الألمنيوم، لأن المصانع تعتبر استثماراً، بل إنها من ضرورات البركة إلا إن بدأت المصانع بالظهور في مناطق أخرى بها ألمنيوم بهجرة سكان هذه المنطقة التي بدأت مواردها تتزن مع عدد السكان، وهكذا ينتقل الناس لتلك المنطقة الأخرى. أما سكان المنطقة الأسبق، وإن انخفض عليهم منسوب الألمنيوم المنتج، فإما أن يوجدوا بدائل أخرى كرفع مواصفات الألمنيوم بالتقدم العلمي، أو عليهم الدخول في صناعات أخرى أو الضرب في أرض الله الواسعة. وهكذا فإن لكل زمن مواقع أفخر من مواقع بناء على التقدم العلمي والتقني للمجتمع. وهذا مثال متطرف لمادة قد تنفذ، إلا أن الوضع الطبيعي في الغالب هو غير ذلك. فإن


١٠ ابن السبيل
۱۱۳۳
الخيرات كما حاولت أن أثبت سابقاً، أكثر بكثير من مقدرة البشر على الاستهلاك إن هم حكموا بالشرع كما سأثبت بإذن الله. فقارن هذا بمدننا المعاصرة التي لا تعكس جدارتها الاقتصادية، بل تعكس سطوة حكامها وتكدس الأموال في خزائن الدولة، بينما الأرياف تئن فقراً وتخلفاً. ولأهمية هذا الموضوع لابد لنا من تأكيد مسألة عدم نقل الزكاة بشرح جوانبها المختلفة.
لأن الشريعة فتحت الأبواب لمن أراد العمل بوضع مفاتيح الخيرات في يده، ولأنها دفعت له من الزكاة ما يكفيه لنقله لمناطق العمل كابن سبيل، ولأنها دفعت له من الزكاة ما يخرجه من فقره إن وصل لمنطقة تكثر بها أموال الزكاة، فإنه من الطبعي أن يبدأ هذا المزكى عليه بالعمل والعطاء لكي لا يستمر فقيراً. وهكذا يقل الفقراء حتي يضمحلوا في المنطقة، وسيأتي زمان قد لا يجد فيه أهل المنطقة من يستحق الزكاة من الفقراء والمساكين. تأمل الآتي من الأموال فعن ابن جريج قال:
«أخبرني خلاد أن عمرو بن شعيب أخبره أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، ثم قدم على عـمـر، فرده على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني. فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل فقال معاذ : ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئاً». ٢٠
۱۳۰
هل رأيت كيف تناقصت الحاجة للزكاة لأنها دفعت لمن هم في نفس المنطقة، فقد زادت الزكاة المرسلة من الصحابي الجليل معاذ للخليفة عمر من الثلث ثم للنصف ثم لكاملها وذلك لأن هؤلاء الذين دفعت لهم الزكاة تمكنوا باستغنائهم، فقل عدد الفقراء سنة بعد أخرى حتى انعدموا أما إن أرسلت الزكاة للعاصمة لاستمر الفقراء في بؤسهم، ولهؤلاء مضار تؤثر على الأغنياء لأن الفقراء عالة على العاملين المنتجين في جميع المتطلبات التعليمية والصحية وما شابه، فيقل ثراء الأغنياء لتحملهم نفقات الفقراء الذين لا يستطيعون دعم أنفسهم. وهكذا ينتشر الفقر ويزداد ثراء بعض أهل العاصمة الذين تذهب إليهم أموال الضرائب لينجذب إليها الناس. فيختل الاتزان بين موارد الأرض وكفاءة الناس. وهذا من الإعجاز التشريعي فتأمل.
۱۳۱
والظاهر هو أن ظاهرة انعدام الفقراء بسبب رد الزكاة لفقراء نفس المنطقة حدثت في مناطق عدة فظهر سؤال فقهي: إن استغنى عن الزكاة فقراء بلد أو ظهرت حاجة ملحة في منطقة أخرى كمجاعة مثلاً، فهل يجوز نقلها؟ بالنسبة للحنابلة فقد أجازو نقلها. فقد قال أحمد: «لا تخرج صدقة قوم عنهم من بلد إلى بلد إلا أن يكون فيها فضل عنهم، ، لأن الذي كان يجبى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر من الصدقة إنما كان عن فضل منهم، يعطون ما يكفيهم، ويخرج الفضل عنهم». ومن المالكية فقد روى عن سحنون أنه قال: «ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج . والظاهر هو أن الناس كانوا يتمكنون في الأقطار والأقاليم بعد دفع الزكاة إليهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده لدرجة أن الفائض كان عندها يذهب للمدينة المنورة. وعندها فقط تكون الرخصة في النقل كما قال أبو عبيد بعد ذكر عدة آثار مثل حديث معاذ حين قال لأهل اليمن: «ائتوني
۱۳۲
.«...


١١٣٤ 🗏
بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة». فيقول أبو عبيد مستنتجاً: «وليس لهذه الأشياء محمل إلا أن تكون فضلاً عن حاجتهم، وبعد استغنائهم عنها كالذي ذكرناه عن عمر
ومعاذ».
۱۳۳
أما الحكمة الأخرى الباطنة المهمة من حصر الزكاة في بلدها ،والله أعلم فهي إضعاف قوة بيت المال، وبهذا يقل تسلط الدولة على الناس، وفي هذا قوة للناس كما ذكرت في الفصول السابقة، لأن المال لن يذهب لبيت المال بل يبقى في أيدي سكان نفس المنطقة (أي لن تظهر المدن الكبرى التي تستنهك موارد الأمة. فلا . يصبح بيت المال ممراً للمال ليتمكن من في نفسه ضعف من المسؤولين من التلاعب به وتطبيقاً للشريعة فقد كان الفقهاء يقولون برد المال الآتي من المناطق التي بها مستحقين. فعن سفيان بن سعيد أن زكاة حملت من الري إلى الكوفة، فردها عمر بن عبد العزيز إلى الري». ١٣٤ وتأمل تغير قرار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فعن أبي جريج قال: « كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن ضعوا شطر الصدقة. قال أبو عبيد : يعني في مواضعها) وابعثوا إلي بشطرها. قال: ثم كتب في العام المقبل أن ضعوها كلها». «وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام، إلى خراسان».١٣٦ لذلك فإن من الملاحظ أن المدينة المنورة على الرغم من نموها في عصر الخلفاء رضوان الله عليهم إلا أنها لم تنمو النمو الكبير كعاصمة لدولة امتدت من فارس إلى المغرب، وما ذلك إلا لأن الأموال كانت تصرف في مواقعها للفقراء.
١٣٥
۱۳۷
ولعل الاستثناء بنقل الزكاة هو للأقارب مع تردد بعض الفقهاء. فيقول أبو عبيد : «فإن جهل المصدق فحمل الصدقة من بلد إلى آخر سواه، وبأهلها فقر إليها، ردها الإمام إليهم، كما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما أفتى به سعيد بن جبير. . إلا أن ابراهيم والحسن ترخصا في الرجل يؤثر بها .قرابته وإنما يجوز هذا للإنسان في خاصة ماله. فأما صدقات العوام التي تليها الأئمة فلا، ومثل قولهما حديث أبي العالية». وقد كان أبو العالية يحمل زكاته إلى المدينة المنورة. قال أبو عبيد : ولا نراه خص بها إلا أقاربه أو مواليه». «وروي عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قرابة».١٣٨ وماذا إن كان الرجل في بلد، وماله في بلد آخر؟ قال أحمد في رواية محمد بن الحكم: «إذا كان الرجل في بلد، وماله في بلد فأحب إلى أن تؤدى حيث كان المال، فإن كان بعضه حيث هو، وبعضه في مصر، يؤدي زكاة كل مال حيث هو ...». فتأمل هذا الإصرار من الإمام أحمد رحمه الله والذي الفقراء لحيث المزيد من الخيرات، فيعملون وينتجون وتزيد الخيرات أكثر وأكثر.
۱۳۸
۱۳۹
١٤٠
وماذا إن خالف المزكي ونقلها لبلد آخر؟ بالنسبة للحنابلة فهناك قولان: الأول أنها أجزأته في قول أكثر أهل العلم، وذلك لأنه دفع الحق إلى مستحقيه، فبرئ منه كالدين، والآخر لا تجزئه لأنه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه، أشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف الثمانية وقد اختارها ابن حامد وبالنسبة للشافعية فقد أتى في المجموع: «فحاصل المذهب أنه ينبغي أن يفرق الزكاة في بلد المال، فلو نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحقين فللشافعي رضي الله عنه في المسألة قولان وللأصحاب فيه ثلاث طرق، أصحها عندهم أن القولين في الإجزاء وعدمه، أصحهما لا يجزئه، والثاني يجزئه ولا خلاف في تحريم النقل والطريق الثاني أنهما في التحريم وعدمه، أصحهما يحرم، والثاني لا يحرم ولا خلاف أنه يجزئ ....! .١٤١ فتأمل هذا التردد بين الفقهاء في نقل الزكاة: هل هي تجزئ المزكي أم لا؟ إن مثل هذه الأحكام تجعلك تقتنع أن هذا الدين هو دين الحق ففي الوقت الذي تجتمع فيه
.


١٠ ابن السبيل
۱۱۳۵
آراء الناس جميعاً سواء كان قبل الإسلام أم في الحاضر الديمقراطي بنقل الأموال من بلد إلى بلد، أتى الإسلام بغير ذلك قبل أربعة عشر قرناً.
وماذا إن نسي العامل على الزكاة فقيراً، فهل عليه تعويض هذا الفقير في السنة القادمة عن حقه الذي لم يأخذه في السنة الماضية؟ قال أبو عبيد : «فإن لم يعلم الإمام بحاجة أهل الصدقة حتى يقسمها في غيرهم أو فعل ذلك بعض عماله، ثم علم به هو بعد، فإنه يروى عن عمر بن الخطاب أنه أضعف الصدقة في مثل هذا من قابل»، وذلك ليعوضهم عما فاتهم من صدقة العام الذي قبله. ثم يروي أبو عبيد قصة جديرة بالتأمل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكرها سلمة الدولي إذ يقول:
١٤٢
١٤٥
كيف
«بينا عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة، ١٤٣ وإذا أعرابية فتوسمت الناس١٤٤ فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة، ولي بنون، وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بعث محمد بن مسلمة ساعياً، فلم يعطنا، فلعلك ، يرحمك الله أن تشفع لنا إليه. قال: فصاح بيرفاً: أن ادع لي محمد بن مسلمة، فقالت: إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه. فقال: إنه سيفعل إن شاء الله. فجاءه يرفأ فقال: أجب. فجاء فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فاستحيت المرأة، فقال عمر : و : والله ما آلو أن اختار خياركم أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه؟ فدمعت عينا محمد، ثم قال عمر: إن الله بعث إلينا نبيه صلى الله عليه وسلم فصدقناه واتبعناه فعمل بما أمره الله به، فجعل الصدقة لأهلها من المساكين، حتى قبضه الله على ذلك ثم استخلف الله أبا بكر فعمل بسنته حتى قبضه الله، ثم استخلفني فلم آل أن أختار خياركم، إن بعثتك فأد إليها صدقة العام وعام أول، وما أدري لعلي لا أبعثك. ثم دعا لها بجمل فأعطاها دقيقاً وزيتاً، وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر، فإنا نريدها، فأتته بخيبر، فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا، فإن فيه بلاغاً حتى يأتيكم محمد بن مسلمة، فقد أمرته أن يعطيك
حقك
للعام وعام أول» . "
١٤٦
ألم تدمع عينيك أخي القارئ. لذلك يجب أن نقول دائماً: إن الإسلام دولة الناس. وقارن هذا بما يحدث في أيامنا هذه، فبعد ظهور الحدود بين الدول وانحباس الناس بين قضبان الجوازات والتأشيرات، ظهرت مناطق فقيرة، وأخرى غنية، فكان حال الفقير في منطقة الأغنياء، أغنى من متوسطي الدخل في مدن الفقراء. فحار الفقهاء، فبدأت المطالبة بالفتاوى بجواز نقل الزكاة لمن هو أحوج لديار المسلمين أينما كانوا بحجة تغير الحال لتغير الزمان. فمن الفقهاء من أفتى ومنهم من احتار فإن عمت الفتوى بجواز نقل الزكاة، يكون الإسلام قد تغير قليلاً، وهكذا يتراكم القليل حتى يكون الإسلام غير الإسلام والعياذ بالله. لنأخذ المثال الآتي على هذا الخروج عن الشرع: كما ذكرت سابقاً ومراراً بأنه نظراً لتغير الظروف المعاصرة، وفي هذه الحالة نظراً لظهور الحدود بين الدول، أتى بعض العلماء بفتاوى حتى تلائم الشريعة وضعنا المعاصر بحسن نية منهم أثابهم الله وغفر لهم. فهذا الشيخ القرضاوي بعد ذكر الأدلة التي تظهر بوضوح أنه لا يجوز نقل الزكاة من بلدها يقول بجواز ذلك نظراً لتغير الظروف. فهو
يقول:
والذي يلوح لي - بعد ما ذكرناه من الأحاديث والآثار والأقوال - أن الأصل في الزكاة أن تُفرق حيث جمعت، رعاية لحرمة الجوار، وتنظيماً لمحاربة الفقر ومطاردته، وتدريباً لكل إقليم على الاكتفاء الذاتي، وعلاج مشاكله في داخله. ولأن فقراء البلد قد تعلقت أنظارهم وقلوبهم بهذا المال، فكان حقهم فيه مقدماً على حق غيرهم. ومع ذلك كله لا أرى مانعاً من الخروج على هذا الأصل، إذا


١١٣٦ 🗏
رأى الإمام العادل – بمشورة أهل الشورى - في ذلك مصلحة للمسلمين وخيراً للإسلام».
١٤٧
العجيب أنك ترى في السابق إدراك القرضاوي للأدلة إلا أنه بعد كل ذلك يقول بغير ما تأمر به الأدلة الواضحة. ثم لدعم مذهبه يذكر بعض النصوص للفقهاء منها مثلاً: «وقال ابن القاسم من أصحابه: إن نقل بعضها لضرورة رأيته صواباً». فهل هذا القول لابن القاسم دليل أم أنه رأي لفقيه ومهما علت مكانته؟ وكيف يستدل بمثل هذا أمام النصوص الثابتة ؟ ولإثبات مذهبه يستشهد القرضاوي ببعض الاستنباطات العقلية التي لابد لي من ذكرها ثم دحضها. يقول غفر الله له ولكن تذكر أن: إن من البيان لسحراً):
ومما يؤكد ذلك ما يأتي: أولاً: أن أي بلد أو إقليم في الدولة الإسلامية الواسعة ليس جزءاً مستقلاً كل الاستقلال. ولا ولاية منفصلة عن سائر الولايات. ولكنها ترتبط بالحكومة المركزية، وبسائر المسلمين - ارتباط الجزء بالكل، والفرد بالأسرة والعضو بسائر الجسد وهذه الوحدة والترابط والتكافل الذي يفرضه الإسلام، لا يستقيم معه أن يُترك كل بلد وشأنه في عزلة عن البلاد الأخرى، وعن عاصمة الإسلام، فإذا نزلت نازلة كمجاعة أو حريق أو وباء ببلد، كان أهله أحوج إلى العون. وإسعافهم ألزم من ذوي الحاجة في بلد الزكاة. ثانياً : أن هناك مصارف مثل تأليف القلوب على الإسلام والولاء لدولته، ومثل «سبيل الله » فقد اخترنا أنه يشمل الجهاد وما في حكمه من كل عمل يعود على الإسلام بالنصر وعلو الكلمة. ومثل ذلك إنما يكون غالباً من شأن الإمام، وبتعبير عصرنا من شأن الحكومة المركزية، حتى لو قصرنا مدلول «سبيل الله» على «الجهاد» فإنه في عصرنا ليس من شأن الأفراد ولا الإدارات المحلية. بل هو من شئون الدولة العليا». ومن . هنا يتحتم أن يكون للحكومة المركزية مورد تنفق منه على هذه الأمور التي تفرضها مصلحة الإسلام ومنفعة المسلمين. فإن كان لديها من الموارد ما يغنيها عن الزكاة، فبها ونعمت، وإلا فللإمام أن يطلب من زكوات الأقاليم ما يسد تلك الثغرات. ومن هنا ذكر القرطبي قولاً لبعض العلماء في هذه المسألة وهو: أن سهم الفقراء والمساكين، يقسم في موضع المال، أما سائر السهام فتنقل باجتهاد الإمام. وهذا من الأمور الاجتهادية التي يجب أن يؤخذ فيها برأي أهل الشورى، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون، ولذا لا تخضع لتحديد ثابت، ولا يعتبر أخذها أمراً لازماً مطرداً في كل عام ... ثالثاً: أن مما اشتهر حتى صار يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار : ... ومثل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لقبيصة بن المخارق في الحمالة: (أقم حتى تأتينا الصدقة؛ فإما أن نعينك عليها وإما أن نحملها عنك . فرأى إعطاءه إياها من صدقات الحجاز، وهو من أهل نجد. ورأى حملها من أهل نجد إلى
أهل الحجاز. ...».
١٤٨
ليس هذا فقط، بل بعد ذلك يذهب القرضاوي لجواز نقل الأفراد زكاتهم لحاجة أو مصلحة فيقول:
«وإذا كان للإمام أن يجتهد في نقل الزكاة من بلد إلى غيره لمصلحة إسلامية معتبرة، فإن للفرد المسلم الذي وجبت عليه الزكاة أن ينقلها أيضاً لحاجة أو لمصلحة معتبرة أيضاً، إذا كان هو الذي يتولى إخراجها بنفسه. كما هو حاصل الآن. وذلك مثل الاعتبارات التي ذكرها الحنفية في جواز النقل. كأن تنقل إلى أقارب محتاجين، أو إلى من هو أشد حاجة وأكثر فاقة، أو إلى من هو أنفع للمسلمين وأولى بالمعونة، أو إلى مشروع إسلامي في بلد آخر. يترتب عليه خير كبير للمسلمين، قد لا يوجد مثله في البلد الذي يكون فيه المال. أو نحو ذلك من الحكم والمصالح التي يطمئن إليها قلب المسلم الحريص على دينه ومرضاة ربه» ...
١٤٩


١٠ ابن السبيل
۱۱۳۷
لعلك أخي القارئ إن تمعنت في السابق وكنت من أهل الحديث (أي لست من أهل الرأي) تسأل محتاراً: إن كان للحاكم بعد المشورة نقل الزكاة، وإن كان للأفراد أيضاً إن هم رأوا المصلحة نقل الزكاة، فما الحاجة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ أي لماذا لم يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالبحث والتمحيص والاجتهاد ومن ثم
وضع
ور
الأموال بحذر فيما هو أصلح؟ أي وهكذا فإن التمحيص ثم الوقوع على مصالح السلاطين والأفراد هو تجميع المصالح ا الأمة!!! أي أنه صلوات ربي وسلامه عليه أمرنا أمراً قاصراً والعياذ بالله، ذلك لأن لكل سلطان مصالح يراها بوضوح، ولكل فرد مزك قريب في منطقة أخرى إما فقيراً أو مديوناً أو ابن سبيل أو نحو ذلك. فهل رأيت حاكماً (إن لم يكن أميراً على إمارة نفطية صغيرة ليس بحاجة للأموال لتنفيذ المشروعات الحيوية للأمة؟ وهل رأيت رجلاً لا محتاجين له من أقاربه في مدن أخرى؟ فإن كان كذلك، أي إن كان لمعظم السلاطين برامج تنموية حيوية ومهمة للأمة كإنشاء مصنع للأدوية، وإن كان لمعظم الناس أقارب بحاجة للقوت أو العلاج أو السفر، فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لن يُطبق أبداً لأن ظروف التطبيق منتفية. فما الداعي إذاً من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هكذا تتغير الشريعة عندما يقوم العقل القاصر بتحليل الأمور ويضعها في إطار منطقي ليجابه أو يهرب من قال الله جل وعلا وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قرأت ما قاله القرضاوي مرة أخرى فقد تُعجب بحجته ولعلك توافقه عليها، لأنه رجل فاضل وحريص على المصلحة وكلامه في محله « في نظر الناس». وهنا تكمن الإشكالية التي أثرتها سابقاً ومراراً، وهو أننا في خضم هذه الرؤية قد ننسى تماماً أن عقولنا قاصرة ولا نرى عمق المسألة. كيف؟ لنرد على نقاطه (وإن كنت مكانك أخي القارئ، فلعلي أحاول تجربة ألا وهي الرد عليه قبل قراءة الآتي وذلك بإعادة قراءة ما سبق من قوله والتفكر فيه، فإن استوعبت ما سبق ذكره في هذا الكتاب فلابد لك وأن تتمكن من الرد عليه بنفسك وبنفس الطريقة التي سأقوم بها في الآتي):
:
يقول في نقطته الأولى أن أي بلد ليس مستقلاً بذاته، بل هو جزء من الكل. وهذا كلام أكيد ويضعه لك في صورة ترقق قلبك لأنك تريد الوحدة والترابط الذي ينادي به. ثم يبني على السابق فكرة مهمة (ثانية) ألا وهي أن الكل مرتبط بالحكومة المركزية. ولأننا في ضعف الآن ونتمنى ظهور الخلافة، فسنوافقه على ذلك. ثم تأتي الفكرة المنطقية الثالثة المنبثقة عن الوحدة ألا وهي أنه يجب ألا تكون هنالك عزلة بين المناطق، وهذا بالطبع أمر مطلوب. ثم يبني فكرة منطقية رابعة ألا وهي أن الذي يزيل هذه العزلة هو التكافل بين المناطق. هنا أنت مهيأ لتقبل ما سيأتي عن كيفية إزالة هذه العزلة، وعن إمكانية تآزر المناطق. فيأتي الاقتراح منه بأن «إسعاف» من هم أحوج في مناطق أخرى غير بلد الزكاة أولى، أي «ألزم ممن هم في بلد الزكاة فلا مانع إذاً من نقل الزكاة، بل هذا هو الصواب في نظره. وهنا أيضاً ستوافقه لأنك ترى بعنيك مناطق منكوبة وآخرى رغدة وبإسراف. وهكذا تقتنع ناسياً أن هذا التفاوت الكبير بين رغد المناطق هو بسبب عدم تطبيق الشريعة أصلاً. هل رأيت كيف يفعل العقل القاصر بتراكمات تبدأ منطقية وتتوالى ليكون الحكم في النهاية بغير ما أتى به الشرع؟ أي أن ردي هو الآتي:
إن لما حرص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من منع نقل الزكاة حكمة تتضح في التسلسل الآتي بإذن الله: هناك خيرات (أصول منتجة) على الأرض وهناك أفراد. والأمة ستكون في أفضل حال إن وقع أكبر عدد من هؤلاء الأفراد على أكثر الخيرات في مواقعها المتعددة وسخروها لمنتجات. أي كلما كثر الإنتاج كلما زادت الأمة قوة اقتصادية. وهذا يتطلب رفع عدد العاملين قدر المستطاع بما يكافئ خيرات المناطق وبأقل هـدر ممكن. فعندما


۱۱۳۸ 🗏
تحبس الزكاة في مناطقها، سيأتيها الفقراء لأخذ الزكاة، وليس جميع هؤلاء الفقراء من العجزة والمعاقين والمرضى، بل معظمهم ممن يستطيعون العمل إلا أن المجتمع الذي هم فيه لم يتح لهم الفرصة. ومن ثم سيعمل هؤلاء لأنهم سيجدون فرص عمل أكثر مما هو متوافر في مواطنهم المتشبعة بالأعمال والتي بسببها أصبحوا فقراء. أما إن نقلت الزكاة، أي لم يأت الفقراء إليها، فلن يرتحلوا لمواقع العمل، بل وقد ينتظرون الزكاة في السنة القادمة لأنهم في مدن أو مستوطنات لا تتوافر فيها فرص العمل لأنها مناطق مشبعة بالأيدي العاملة مقارنة بالموارد المتاحة. فإن فكرنا بهذه الطريقة، أي إن نقلنا الزكاة، فستكون بعض المناطق منتجة للزكاة وهي في الوقت ذاته بحاجة للأيدي العاملة لأن الخيرات بها تفوق إمكانات سكانها، ومناطق أخرى تنتظر أموال الزكاة سنة بعد أخرى وبها بطالة في الأيدي
العاملة.
مختلف
أي أن نقل الزكاة يجهض عامل الجذب للمواقع الأكثر ملاءمة للإنتاج. بينما منع نقل الزكاة سيسحب الأيدي العاملة لمناطق الخيرات حتى تتشبع بالعمالة التي تتناسب مع مستوى توافر الخيرات، ثم بعد فترة من النمو السكاني ستظهر زيادة في الأيدي العاملة القابلة للارتحال لمواطن أخرى جديدة تجذب العاملين، وهكذا ستكون جميع المستوطنات أو القرى أو المدن في اتزان دائم بين ما هو متوافر بها من الخيرات وبين الأيدي العاملة مع ظهور مستوطنات جديدة. أي أن مستوى التشغيل للأيدي العاملة في أعلى مستوى ممكن على الدوام، وبهذا يكون الاقتصاد في أعلى إنتاج ممكن، إذا لا هدر في نقل المواد الخام من منطقة لأخرى، وعندها يكون للأمة الكثير من المال لتغطية جميع الشدائد (الكوارث المحتملة. فإن وقعت شدة في منطقة ما، ولأن المال كثير وموزع في . المناطق والثرية جميعاً، فعندها سيرسل المال مباشرة من الناس إلى المنكوبين من الشدائد عن طريق المنظمات الإغاثية مثلاً. أما إن أرسلت للسلطان، فهناك احتمالان: إن كان عادلاً، فهذا محمود ونادر؛ أما إن لم يكن كما هي الحال في معظم الأحوال، فستضيع بعض أو حتى معظم الأموال في أهواء السلاطين، أو بين أيدي من تحتهم، فتتبدد ثروات الأمة التي كان المفترض بها أن تؤدي للاتزان بين المناطق المختلفة، فأدت بنقل الزكاة إلى التفاضل بين المناطق المختلفة لتظهر الدولة بمفهومها الحديث المبني على وزارات الزير والتي تحدثنا عنها في الفصول السابقة، والتي تجذب الأيدي العاملة للمدن الكبرى لتشغيل هذه الأيدي والعقول في البيروقراطيات الورقية اللامنتجة. أي أن الهدف الأساس من الزكاة، وهو تسخير خيرات الأرض بجذب الناس للخيرات، قد انتفى بسبب قصور العقل
البشري.
ولعلك تسأل : وماذا عن النكبات إن أصابت منطقة ما ؟ ألا يتآزر المسلمون معها؟ ألم تنقل الزكاة في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه في عام الرمادة؟ فأجيب: إن لم تنقل الزكاة فإن الخير العميم بقوة الاقتصاد سيحتمل أي شدة تصيب المسلمين مهما كانت لأن الأمة قوية اقتصادياً بحمد الله. وما حدث في عهد الخليفة الفاروق عمر رضي الله . عنه هو في وقت لم تستمر فيه الشريعة في التطبيق لعقود، فلم يكن هناك تراكم للثروات يستطيع التصدي والإيفاء لمثل هذه المجاعة. فلا شدائد مع تطبيق مقصوصة الحقوق إذاً كما ذكرت في الحديث عن المجاعة سابقاً. وحتى إن تم الاستدلال بهذه الحادثة، فإن الدليل هو حول إمكانية نقل الزكاة في حالة الشدائد، لا أن تستخدم حالات الشدائد كدليل لإعطاء السلطان الحق في نقل الزكاة لما فيه المصلحة في نظره أو حتى في نظر مستشاريه،
وشتان بين الحالين


۱۱۳۹
١٠ ابن السبيل
أما بالنسبة لنقطة القرضاوي الثانية، والتي محورها حاجة الدولة للأموال، فإن الملفت هو ظهور عبارات معاصرة لا تمت للإسلام بصلة مثل: «الحكومة المركزية» و «الدولة العليا» والتي سترفع راية الجهاد، إشارة إلى أن العمل العسكري في عصرنا ليس من شأن الأفراد ولا الإدارات المحلية، بل هو شأن للدولة والتي لا يرى بأساً من أن لها أخذ الزكاة ونفقتها على متطلباتها إن لم يكن لديها من الموارد ما يكفيها. ولعلك هنا أيضاً إن كنت من أهل الحديث تتعجب وتسأل: ألم يكن الجهاد أحوج للمال في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فلماذا لم يسحب صلوات ربي وسلامه عليه أموال الزكاة للجهاد، بل كان الجهاد كما وضحت في الفصول السابقة مرتكزاً على مساهمات الأفراد مالاً ونفساً؟ أليس الخطاب في قوله تعالى في سورة التوبة ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ للأفراد وليس للدولة؟ وما يؤكد أنه للناس هو قوله تعالى في نفس الآية: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ . فالخطاب بالخفة والثقل يوجه للناس عادة لأن منهم الثقيل، وليس للدولة بالضرورة. وقد تحدثنا عن العمل العسكري وأنه ليس وظيفة في الفصول
الخفيف ومنهم السابقة.
وبالنسبة لنقطته الثالثة وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة المنورة ليصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار، وأن هذا صار يقيناً بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لقصيبة بن المخارق في حمالته: (أقم حتى تأتينا الصدقة)، فإن في هذا تعد على الرسول صلى الله عليه وسلم. فهل يعقل أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء ويفعل شيئاً آخر؟ فبالنسبة لحديث بن المخارق وما شابه من آثار (مثل قول معاذ لأهل اليمن: «ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة») فقد جاء الرد عليها في كتاب «الأموال » لأبي عبيد (كما مر بنا إذ يقول: «وليس لهذه الأشياء محمل إلا أن تكون فضلاً عن حاجتهم، وبعد استغنائهم عنها كالذي ذكرناه عن عمر ومعاذ». أي أن أموال الزكاة التي كانت تأتي للمدينة المنورة هي الفائض من الزكاة بعد استغناء سكان المنطقة الخارج منها الزكاة وهي التي كان يتصرف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن صلوات ربي وسلامه عليه يستدعي الأموال وفي مناطقها التي تأتي منها من يستحق الزكاة. معاذ الله أن يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم غير ما أمر.
ومن جهة أخرى فقد استدل القرضاوي أن ابن المخارق من أهل نجد وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه من صدقات أهل الحجاز وبهذا يجوز نقل الزكاة. وهنا سوء فهم كبير يتضح في السؤال الآتي: هل الزكاة لمن في المنطقة ممن هم من سكانها أم أنها لمن ينتمون إليها نسباً لنقل أن مغربياً هاجر إلى الأردن، فهل يأخذ من الزكاة أم يمنع منها وترسل لمن كان من سكان الأردن إلا أنه تركها لمنطقة أخرى كالبحرين مثلاً؟ بالطبع فللمغربي الأخذ منها لأنه أصبح في المنطقة، فلا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى، وإلا لكان الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم بدفع الزكاة للأقارب من أفراد القبيلة أو العشيرة أو نحو ذلك تفضيلاً لهم على من أتوا مهاجرين. وكما هو معلوم فقد أوصى القرآن الكريم بإيتاء الأقارب، وهذا غير الزكاة كما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ . وهكذا ترى أنه لا يصح الاستشهاد بأخذ رجل من نجد للفائض من زكاة أهل الحجاز. فإن ظهر الألمنيوم بكميات تجارية في موريتانيا مثلاً، وجذب أطيافاً شتى من المسلمين ممن يعيشون في الصين أو اليمن أو الصومال وكانوا فقراء فهم أحق بالزكاة من الموريتاني الذي هاجر للسودان مثلاً. وبهذا


١١٤٠ 🗏
الاختلاط بين هؤلاء الناس ذوي الخلفيات المختلفة ستظهر حضارة قوية بسبب تبادل التجارب وانصهارها في بوتقة تعتمد على استخراج وتصنيع الألمنيوم. وعندما يعود هؤلاء لزيارة أقاربهم، ينقلون معهم تقنية الصناعات التي اكتسبوها. هذا إن عادوا
أما استدلاله بما قال به الحنفية في جواز النقل لمن هم أشد فاقة، فهذا قول لم تأخذ به المذاهب الأخرى لأنه مبني على اجتهاد عقول لابد وأن تكون قاصرة فمن هم أشد فاقة سيزدادون فاقة إن لم يضربوا في الأرض. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٍ فَتُهَاجُرُوا فِيهَا فَأَوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. وهنا ترى الاستثناء هو للمستضعفين مثل المرضى والعجزة والمعاقين وهؤلاء، حتى وإن لم يهاجروا إلى مواطن دفع الزكاة، فإن الفائض من أموال الزكاة في المناطق الأخرى سيصلهم ولكن بعد حبس الزكاة في مواطنها ، فتزداد العمالة في تلك المواطن فيزداد وعاء الزكاة عطاء. أما إن فتح باب جواز نقل الزكاة بحجة هؤلاء المستضعفين، فإن الأيدي العاملة لن تهاجر، بل ستنتظر الزكاة. وهكذا لن يتغير الحال، بل سيسوء عاماً بعد عام لأن الزكاة كانت تنقل.
أخيراً، بالنسبة لقول القرضاوي بأن هناك مصالح مهمة للمسلمين يطمئن إليها قلب المسلم الحريص على دينه، ومرضاه ربه»، فلماذا لا تنقل إليها الزكاة؟ هنا أيضاً لابد وأن يكون الرد واضحاً بالنسبة لك أخي القارئ، ألا وهو أن تفضيل دفع الزكاة لهذه المصالح إن كانت خارج أرض الزكاة، سيؤدي لإنقاص الأيدي العاملة في مواطن الخيرات لأن العمالة لم تنجذب لحيث الموارد كما يجب. وهكذا ينقص وعاء الزكاة عاماً بعد عام، أما مع حبس الزكاة في مواطنها وبالتالي كثرة الأيدي العاملة فيها وبزيادة الإنتاج سيزداد وعاء الزكاة، ومن ثم سيكون هناك الكثير والكثير من المال لتغطية مثل هذه المصالح وأكثر.

"الأقرب فالأقرب

وماذا إن فاضت الزكاة عن حاجة سكان مستوطنة وكان لابد لها من أن تنقل فأين تذهب؟ جاء في الأموال عن حماد عن إبراهيم قال: «تقسم الصدقة على أهل الماء، فإن لم يجد على الماء من يستحقها نظر إلى أقرب المياه إليهم فقسمها فيهم. فإن لم يجد فالأقرب فالأقرب». ١٥٠ وهنا تعبير لطيف عن «أهل الماء». فقد كان هناك من السكان من يستوطنون حول مواضع المياه سابقاً لأنها من أهم الأصول المنتجة. أما الآن فقد يستوطنون حول منابع الخيرات مثل المعادن أو في مدن زراعية أو صناعية. لذلك فقد تنقل الزكاة إن عدم المستحقون من مستوطنة تعيش على صناعة المطاط مثلاً إلى أقرب مستوطنة بحاجة للزكاة. ففي المغني من المذهب الحنبلي: «والمستحب تفرقة الصدقة في بلدها، ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان. قال أحمد في رواية صالح: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله ما لم تقصر الصلاة في أثنائها، ويبدأ بالأقرب فالأقرب، وإن نقلها إلى البعيد لتحري قرابة، أو من كان أشد حاجة فلا بأس ما لم يجاوز مسافة القصر » وفي المجموع من المذهب الشافعي: «إذا عدم في بلد جميع الأصناف وجب نقل الزكاة إلى أقرب البلاد إلى موضع المال، فإن نقل إلى الأبعد كان على الخلاف في نقل الزكاة وإن
١٥١ .«<


١٠ ابن السبيل
١١٤١
١٥٢
عدم بعضهم، فإن جوزنا نقل الزكاة، نقل نصيب المعدوم إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد، وإن لم نجوزه فوجهان مشهوران، ...». وفي تفسير القرطبي من المذهب المالكي: قال علماؤنا ويقسم كل مال في البلد الذي جبي فيه ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم ...».
١٥٣
ستصبح
مسألة
إن الحكم (بكسر المهملة) من نقل الزكاة للأقرب فالأقرب كثيرة، ولعل من أهمها الآتي: الحكمة الأولى هي تجنب تلاعب «العاملين عليها قدر المستطاع. فإن نقلت الزكاة لبلاد بعيدة فإن مراقبتها من دافعيها . صعبة. أما إن وزعت في المناطق الأقرب فإن الوقوف على تأثير دفع الزكاة على المجتمع يكون أكثر تلمساً، فيسهل تقصي أداء العاملين عليها إن أعطيت لهم. أي إن لم يخرجها دافعوها بأنفسهم.
والحكمة الثانية هي التكافل الاجتماعي فكما أن دفع الزكاة في نفس المنطقة يغلق الهوة بين الأثرياء والفقراء بتمكين الفقراء، فإن المنطق نفسه ينطبق أيضاً على المستوطنات المتقاربة (وهذه مهمة). فإن كانت مستوطنة ثرية وبجانبها مستوطنة بها فقراء، فلابد وأن تتأثر المستوطنة المنتجة للزكاة سلباً لقرب المسافة من الفقراء الذين إن لم يقترن فقرهم بالمفاسد فعلى الأقل يتواجد بينهم من هم من ذوي القيم اللا استنهاضية، أي من هم قليلوا المبادرة. أما إن دفعت الزكاة لفقراء المستوطنة الأقرب فسينهضون ويزول الفقر عنهم ويصبحون دافعين للزكاة بعد تمكنهم، أما الذين دفعوا الزكاة لهؤلاء الذين تمكنوا فسيزداد عطاؤهم لأنهم أصبحوا أكثر أمناً في مستوطناتهم، إذ لا فقراء من حولهم، وبهذا تصير هذه المستوطنة أكثر ثراءً، وتصبح تلك المستوطنة الآخذة للزكاة مستوطنة دافعة للزكاة بعد مدة وهكذا تنتشر دائرة الثراء من خلال الزكاة حتى تعم الأبعد ثم الأبعد لتشمل كامل الأمة. فمن أسس الإسلام أن يعم الخير بالتوجه من الأقرب ثم الذي يليه قرباً ثم الأبعد والأبعد منه، لأن محاولة دفع الزكاة بالقفز من القريب للبعيد، ومهما كانت الحاجة لابد وأن يعمق الأسى بين الفقراء لمقارنتهم أنفسهم بمن حولهم من الأغنياء ومن ثم التقاعس ، فالفقر إحساس نفسي بالمقارنة حتى وإن توافرت الضروريات، فيكون نسيج
الأمة عندها ممزقاً بين مستوطنات متجاورة غنية وأخرى فقيرة فيبقى الكل قلقاً إن لم يكن عاجزاً عن النهوض.
بتصنيع
١٥٤
أما الحكمة الثالثة فهي التكامل الإنتاجي فكل منتج لابد له من منتجات مكملة. فالسيارة هي نتاج التكامل بين صانعي الإطارات للكفرات والزجاج للنوافذ والجلود للمقاعد والصلب للمكائن وهكذا. وعادة ما يتجه التصنيع في تطوره من الشمولية للتخصص. فقد كانت موسسات أو شركات تصنيع السيارات سابقاً تقوم كل أجزاء السيارة من محركاتها لمقاعدها، ومع التقدم الصناعي كان على الشركات أن تركز على التصميم والتطوير والتسويق وذلك لظهور مؤسسات تصنيعية متخصصة أكفأ منها في بعض المنتجات، فبدأت شركات السيارات بالتعاقد مع قطاعات صناعية أخرى لتنتج لها ما لا تتقن هي القيام به إن هي أرادت لسياراتها الريادة والبقاء في السوق فهذه شركة متخصصة تطور وتصنع المولدات الكهربائية لعدة شركات من السيارات. وتلك شركة تصنع الطلاء ليلائم مواصفات أجواء حارة أو رطبة أو باردة، وهناك شركة متخصصة تصنع جميع أنواع الزجاج للنوافذ لعدة شركات. هكذا بفتح السوق وظهور قطاعات تصنيعية حديثة مختلفة يحصل التنافس لتكمل المؤسسات التصنيعية بعضها بعضاً. ومن الطبعي أن تظهر المؤسسات التصنيعية التي تساهم في صنع السيارة في مناطق قريبة من مصانع السيارات كما هو الحال مثلاً في مدينة ديترويت بولاية ميتشيجان الأمريكية. وإن دفعت الزكاة لهؤلاء
الأقرب تمكنوا وساهموا في إيجاد قطاعات إنتاجية تكمل ما تحتاجه تلك الشركات. ولنضرب مثالاً أشمل على ذلك:


١١٤٢ 🗏
عندما يظهر معدن، ولنقل بأنه النفط، في مكان ما ويأتي إليه المسلمون بزكاة الآخرين كأبناء سبيل من
شتى بقاع الأرض لاستخراجه، فإن من سيأتي أصلاً . هم الذين يحبون أو يحتملون صناعة النفط على الأغلب، وما حدث هذا إلا لأن أبواب العمل مشرعة للجميع، فيظهر التنافس بين الأقاليم المختلفة ذات القطاعات الزراعية والصناعية لجذب الأيدي العاملة. عندها فإن كل فرد سيتجه إلى العمل الذي يحبه ويهواه كما ذكرت سابقاً إذ لا حدود. وبهذا ستبدأ صناعة النفط بوضع أفضل مما إن بدأت به بموظفين من شركات مجبرين على العمل، لا سيما أن هؤلاء القادمين يعملون لأنفسهم وليسوا موظفين عند غيرهم، ولأنهم يعملون لأنفسهم سيكونون أكثر همة وجداً وحرصاً. وقد تسأل : وكيف يمكن للأفراد القيام بذلك، فهذه مهمة عادة ما تقوم بها الدول؟ فأجيب: وهل الدول تقوم بذلك أم أنها تدعها للشركات والمؤسسات المتخصصة للقيام بها؟ ومن أين أتت هذه المؤسسات، أليست هي أفراداً تجمعهم الخبرة؟ فلماذا لا يجتمع أفراد ويأسسون شركة لهم لاستخراج النفط ؟ هنا قد تحتار لأننا مغسولوا الدماغ بالحاضر الملوث وتسأل: ولكن كيف، ومن يدير هؤلاء الذين يعملون لأنفسهم؟ فالميزة في الشركات المعاصرة هي الإدارة فأقول : انتظر ستأتي الإجابة بإذن الله ، ولكن باختصار، ستأخذ الإدارة منحى آخر لأن الملاك، العاملين هم فهم ليسوا بحاجة للمحفزات لزيادة الإنتاج وهم ليسوا بحاجة للمراقبة لأن المراقبة ذاتية، وهكذا تضمحل الحاجة للإدارة بمفهومها الحديث المبني على التحايل على العمال لاستخراج أعلى إنتاج منهم بأقل تكلفة لتستبدل الإدارة الحديثة بالأعراف التشغيلية. أي أن علم الإدارة سيأخذ شكلاً آخر تماماً كباقي العلوم الإنسانية كما سيأتي بإذن الله.
نعود للموضوع: ثم يأتي أفراد آخرون وينافسون من أتى قبلهم بإنشاء شركات أخرى تحفر بجانبهم. فكما رأينا في فصل «الخيرات» فإن الحركيات التي وضعتها الشريعة ستؤدي إلى جذب الجميع للعمل. وهكذا تكثر الشركات في نفس المنطقة لدرجة تشبع المنطقة لوضع يلائم مقدرة السكان على التصدير والتصنيع (وسيأتي بيانه بإذن الله في فصلي «الشركة » و «المعرفة»). وباستخراج المادة الخام وانتشارها سيقوم البعض الآخر بشرائها وتكريرها. وهؤلاء قد يأتي بعضهم كأبناء سبيل، وبالطبع فلن يحق لأحد منعهم من القدوم أو الاستيطان شرعاً لأنه لا حدود بين دول مفتعلة، بل أمة مسلمة واحدة. وهنا ملحوظة، وهي أنه قد لا تفيض الزكاة وتخرج من المنطقة إلا بعد «تشبعها» بالأيدي العاملة. وتشبعها يعني أن هذه المنطقة ستبقى جاذبة للأيدي العاملة وتخرج منها الزكاة التي تسحب الفقراء إلى المستوى الذي يوازي ما تستطيع المنطقة استيعابه من العاملين، وعندما تكثر زكاة هؤلاء تذهب لمن هم في مستوطنات أخرى قريبة، وهؤلاء الأقرب قد يدخلوا في صناعات مشتقة من النفط (كالبتروكيماويات
النفط مثلاً) لقرب مصدر منهم.
وهنا أرجو أن تتذكر أخي القارئ ما قلناه من أن الزكاة تخرج أعياناً. هكذا تظهر قطاعات إنتاجية جديدة تعتمد على النفط ومنتجاته. وهكذا ينجذب أفراد آخرون لتلك المنطقة التي تصنع البتروكيماويات، وعندما يتمكن هؤلاء العاملين في البتروكيماويات وتذهب زكاتهم للأقرب ستظهر صناعات تعيش على البتروكيماويات في مستوطنات أبعد لأن الزكاة تخرج أعياناً من البتروكيماويات ولأن الصناعة بدأت في التحول من العمومية إلى التخصص، وهكذا يتكامل التصنيع ويتقدم وينمو لعدم وجود أنظمة تضعها الدول لتقيد الناس. فمفهوم الدولة عادة ما يؤدي إلى ظهور طبقات بيروقراطية تفصل بين القطاعات الإنتاجية. أما إن ترك الأمر للشريعة فإن مفهوم


١٠ ابن السبيل
١١٤٣
الاعتماد على الذات في مجتمع ما سيؤدي إلى قنوات من التعاون بين الأفراد والجماعات (سنوضحه بإذن الله)، وبهذا يتشكل المجتمع إلى جماعات اقتصادية بأحجام مختلفة تتناسب مع طبيعة الإنتاج، وهكذا حتى يرتفع مستوى الخيرات لمستوى يوازي توافر الموارد في المنطقة، فتظهر مواد جديدة في مناطق جديدة يهاجر إليها من لا عمل لهم في هذه المناطق التي بدأت تكتظ بالسكان بكثرة انجذاب الناس إليها. أي أن المدن تحيا وتخبو بناءً على جدارة موقعها. ولكن ما الذي سيحدث لهذه المستوطنات التي ستنضب مواردها؟ وماذا سيحدث للأمة إن نضبت الموارد كالنفط مثلاً؟ وهل نتوقع كل قادم أن يتمتع بمعرفة كافية للمشاركة في التصنيع ؟ وهل ستكبر المدن وتزدحم حيث المواد الخام الأغلى كالنفط أو الذهب مثلاً على حساب المناطق الأخرى؟ لا تقلق أخي القارئ، فالشريعة معجزة، وسنوضح هذه المسائل في فصول «الأماكن» و «المعرفة» و «البركة» بإذن الله.
وهنا قد يقول ناقد: إن الأثرياء قد يسيّروا العالم الإسلامي بأموالهم التي جنوها من استخراج الموارد من باطن الأرض. فأقول: لا، فمتى فتح باب استخراج الثروات لجميع المسلمين فإنهم سيتنافسون ولن يستطيع شخص احتكار منطقة ما لنفسه كما بينت في فصل «الخيرات»، لذا ستتفتت ثروات المسلمين بين الملاك من أصغر لأصغر، فتكون الشركات مكونة من أفراد منسجمين لإنتاج أكبر عين ممكنة (كما سنوضح في فصل «الشركة» بإذن الله). إلا أن هؤلاء الأصغر في مجتمعاتهم كبار بالنسبة للمجتمعات الأخرى لسمو المجموع الإنتاجي للأمة كما سترى بإذن الله. والأهم هو أن تقنية الصناعة ( كالنفط مثلاً) ستكون بأيدي المسلمين. فسيظهر أفراد يستخرجون المعادن، وآخرون يصنعونه، وغيرهم يسوقونه، وهكذا تكون التقنية ملكاً للأفراد لا الدول. أي أن التقنية ستُوجد ولا
تُستورد.
(كقطاعات
أما عندما تكون التنمية بيد الدول أي أنها مركزية، فهي ستخضع إما للأهواء أو للتخطيط في أفضل الأحوال، والتخطيط ما هو إلا من عقل قاصر، وبذلك تنمو القطاعات منفردة وقد لا تتكامل بفعل الانقطاعات التي تفرضها مؤسسات الدولة مع القطاعات الأخرى. أما إن كان الإنتاج بيد السكان، فإن التنمية ستكون بالضرورة بالاستفادة من القطاعات الأخرى، وحاجة كل قطاع للآخر، وبذلك تزداد الروابط بين القطاعات منتجي السيارات مثلاً) وتتكامل لترتبط بقطاعات أخرى تصنع منتجاً آخر مشابهاً مثل الطائرات والقاطرات. وبالطبع ستظهر قطاعات متوسطة تربط هذه القطاعات مثل صانعي مولدات الكهرباء للطائرات والسيارات والقاطرات. هكذا تُثري القطاعات بعضها بعضاً وتزداد قوة بتراكم المعرفة بحيث يصعب انهيارها وذلك لأن مصلحة الجميع في استمرار هذه القطاعات. كما أن الفائض المالي سيستثمر في ذات التصنيع وفي ذات المجتمع لأن الأموال بأيدي الناس. وبهذا يأتي التمكين المبني على مقصوصة الحقوق التي تؤدي لمستوطنات من مدن وقرى منتشرة وملتصقة بخيرات الأرض ومتناسبة في أحجامها مع موارد الأرض، فلا يظهر الهدر، وليس كالوضع الحالي الذي تعيش فيه المدن عالة على غيرها من المواقع ليكون الهدر في أعلى مستوياته فيكون الضياع والذل
للأمة.
لقد أثرت السؤال الآتي سابقاً: ما الحكمة من وضع الخيرات في الأرض في أماكن مختلفة وليست معظم الموارد في مكان واحد ؟ أي لماذا خلق الله النحاس في إقليم ما ولم يضعه في إقليم آخر؟ ولماذا الزيتون في هذه المناطق وليست تلك؟ هناك حكمة ظاهرة لهذا والله أعلم وهو أن استخراجها بكميات كبيرة يتطلب وجودها


١١٤٤ 🗏
بكميات كبيرة حتى تستمر لفترة أطول كما ذكرت آنفاً، وهذا يتطلب نوع من التباعد بين الخيرات حتى يظهر نوع من التفسح المكاني ليتمكن السكان من استخراجها بسهولة، وحتى يظهر نوع من التفرغ الزماني من السكان للاستفادة منها إذ أن تواجد الصناعات المتشابهة في مناطق متقاربة تعتمد على نفس المعدن سيركز المعرفة ويرتقي بها، إلا أن هذا لا يعني أبداً أن تكون المستوطنة أو المدينة متخصصة تماماً لمنتج ما دون غيره. بل يعني نوعاً من التخصص الذي يرفع من المستوى المعرفي للاستفادة من المعدن، وفي الوقت ذاته لن يظهر الملل في المستوطنة من كثرة انتشار ذات الصناعات المعتمدة على نفس المعدن، بل هناك صناعات أخرى حيوية تساند المجتمع على العيش برغد. فمثلاً، قد لا تكون جميع المصانع في منطقة ما عن منتجات المطاط فقط لأنها تزخر بالمطاط الطبيعي، بل هناك صناعات أخرى مساندة مثل المياه الغازية أو تعليب اللحوم أو تكرير النفط. والسبب في هذا هو أن الرعيل الأول الذين اكتشفوا المعدن في منطقة ما كان جل نشاطهم في الأغلب منصباً على التصدير للمادة الخام، ثم يأتي آخرون للعمل بالتصنيع، أي أن كل منطقة ستأتيها أنواع مختلفة من الخيرات من خلال تصدير المناطق الأخرى لها. ولأن هذه القرارات التصديرية والتصنيعية من السكان، فإن المتوقع إذاً أن تكون الجدوى الاقتصادية هي الدافع الأساس وراء اتخاذ هذه القرارات. أي برغم أن المعادن متواجدة في أماكن متباعدة، وفي هذا ميزة للتفسح المكاني والتفرغ الزماني للسكان، إلا أن المحصلة هي ظهور مستوطنات بها نوع من الاتزان بين التميز في التصنيع وبين الثراء الناتج من التعددية في المنتجات أي برغم توافر جميع مستلزمات الحياة (إما بصناعتها في نفس المستوطنة وإما باستيرادها) إلا أن كل مستوطنة متميزة وتشتهر بصناعة منتجات ما. هذا بالإضافة للآتي: كما هو معلوم، فإن الحضارات البشرية المتباعدة ستحتاج للمنتجات المختلفة لاستهلاكها حتى تستمر الحياة فيها برغد، عندها لابد من نقل هذه المنتجات المصنعة ( في الغالب) أو حتى وإن كانت خاماً في النادر من مكان لآخر، وبهذا ينتقل الناس من مكان لآخر فينقلون معهم معارفهم وتراثهم ومعتقداتهم، فإن طبقت مقصوصة الحقوق ستوجد تربة خصبة لتنتشر فيها القيم الخيرة، أي أن قيم الإسلام ستعم الأرض فلا يظهر الفساد. وهذه حكمة بالغة لأنني كما قلت مراراً فإن أي حكم بغير ما أنزل الله لابد وأن يؤدي للفساد. هذا المحور (أي الانتقال) هو من أهم أهداف هذا
الفصل. كيف؟

الهجرة

إن ما يهطل على لبنان من الأمطار يقدر بحوالي ۹,۷۰۰ مليون متر مكعب سنوياً.١٥٠ وهذه كمية تكفي لعشرة ملايين من السكان إذا استهلك كل فرد منهم أكثر من مترين مكعبين ونصف يومياً.١٥٦ وهـذا خير كثير حتى وإن وصل سكان لبنان إلى عشرة ملايين نسمة مستقبلاً، وبالطبع فهم أقل من ذلك الآن. وليستأثر السكان بهذا الكم من الماء عليهم أن ينتشروا في كامل مساحة الدولة بحيث يسكنون وبينهم مسافات متساوية حتى يتمكن كل فرد، طفلاً كان أو شيخاً، من جمع ذلك الماء. وبالطبع فإن هذا مستحيل. فالناس بحاجة للتجمع في قرى ومدن لأن في التقارب ضرورة للبشر لتبادل السلع والخدمات فيما بينهم وبهذا لن تكون الاستفادة من تلك المياه التي لم تحبس. أي أن في جمع السكان في مكان واحد إهدار للموارد، وفي تفريقهم ضرر على المجتمع وذلك لأن أي حضارة بحاجة للاستفادة من عنصرين هما الموارد والناس فإن اجتمع سكان دولة ما في مدينة واحدة لما أتت الاستفادة من


١٠ ابن السبيل
١١٤٥
الموارد الموزعة في أرجاء الدولة كالماء والثمار والمعادن، وإن تفرقوا ما استفاد الناس من خبرات بعضهم. فالأحياء السكنية في بيروت مثلاً ذات الطرق الضيقة والعمائر المرتفعة برغم نظافتها إلا أنها ملوثة بسبب كثرة المركبات مثلاً. فإن ذهبت إلى خارج بيروت وعن بعد سترى غمامة التلوث فوق المدينة بسبب الازدحام. فهل هناك ميزان يضبط العلاقة بين انتشار السكان وبين تجمعاتهم حتى تأتي الاستفادة القصوى من الناس ومن الموارد فتظهر المستوطنات دون تلوث وهدر ؟
نعم، هناك ميزان دقيق. فبالإضافة لما ذكرناه عن ابن السبيل وردّ الزكاة لفقراء نفس البلد ثم الأقرب فالأقرب، فهناك الهجرة. ولكن حتى يكون الميزان دقيقاً يجب أن لا يكون تحت تصرف فرد أو جماعة من الأفراد، کالسلطان وحاشيته، أو كوزارة مثل وزارة التخطيط ومستشاريها، بل يجب أن يكون الميزان بيد مجموع السكان، كل يتحرك كيف شاء. وذلك لأن قرار إنشاء المستوطنات إن كان بيد فرد أو جماعة صغيرة فإن احتمال حدوث خطأ في حق الجماعة سيؤدي لكارثة؛ أما إن كان في يد مجموع الأمة، فإن احتمال الخطأ غير وارد، كما سترى بإذن الله. ولأن وضع القرار في يد مجموع أفراد الأمة أمر شبه مستحيل على العقل البشري، ظهرت في بيئاتنا المعاصرة الوزارات المتخصصة كوزارات التخطيط للقيام بذلك بوضع خطط مستقبلية لتوسع المدن وإنشاء مدن جديدة من خلال المزيد من الاستثمارات في مدينة ما من خلال المصانع وما شابه من قرارات جاذبة للسكان، وهكذا. وقد تقول أخي القارئ ولكن قرارات الدول قد تكون صائبة أحياناً كالمدن الجديدة التي أنشئت في مصر مثل مدينة ستة أكتوبر. فأقول: وكم استهلكت هذه من موارد ؟ فهل ما تعطيه قدر ما أخذته؟ وقد تقول «نعم» لأنك لم تر البديل، فأنت ترى أفضل الحلول السيئة، فنحن لم نلمس الحلول الجيدة بعد لأن الإسلام لم يحكم، أما إن حكم، فإن القرار الاستيطاني يتفتت في أيدي السكان كل يتخذ قراره حسب تجربته ومعاناته وطموحاته ليستوطن في أفضل مكان ملائم له لتظهر المدن والقرى. كيف؟
لقد حاولت الشريعة زيادة نسبة عدد الملاك في المجتمع قدر المستطاع، ثم وضعت هؤلاء الملاك في مواقف تزيدهم خبرة ومعرفة وإدراكاً، ثم أتاحت لهم فرصة اتخاذ القرار. والنتيجة إن طبقت الشريعة هي أن مجموع قرارات هؤلاء المستوطنين المدركين ستشكل خريطة الأمة المسلمة استيطانياً. كيف؟
إن أي مستوطنة تتكون من شيئين (وهذا أمر بدهي): أناس وأعيان. فبالنسبة للأعيان (سواء كانت مستهلكات مثل الملابس، أو مستثمرات تعيش أطول مثل (المباني إما أن تكون خاماتها أو هي ذاتها مستخرجة محلياً، أو أنها مستوردة. وهنا يظهر اتزان معين إن طبقت الشريعة يعكس جدارة موقع المستوطنة بين ما هو متوافر بها من خيرات وبين ما يُستورد إليها من خامات ومنتجات ولن يظهر هذا الاتزان إلا إن كان للناس حرية الانتقال دون تأشيرات وحدود وبيروقراطيات. فإن كان الذي يُستورد كثيراً ولا خامات أو مصنوعات كافية تصدرها هذه المستوطنة تفي باستهلاكاتها ، فإن الفقر سيظهر على السكان لأن ما يستوردونه أقل من أن يسع الجميع، لهذا سينتقل بعضهم مباشرة لمناطق ذات خيرات تفوق المستهلكات كالذهاب لمنطقة ظهر بها نفط أو ألمنيوم حديثاً. وهكذا تتنافس المستوطنات لجذب الناس، فيظهر مع الزمن اتزان بين جميع المستوطنات، لأن الكل يبحث عن الأفضل لنفسه وينتقل إليه. أي حتى مناطق المعادن الفاخرة كالنفط، ستنزل في مستواها المعيشي إلى مستوى مستوطنة تزرع القطن لأنها (أي مناطق النفط ذات جاذبية أكبر، وبالتالي بتزايد السكان تتوزع الثروات بين عدد أكبر من


١١٤٦ 🗏
الناس. إلا أن هذا العدد الأكبر ليس عاطلاً، بل يعمل في صناعات نفطية. بينما المنطقة التي تزرع القطن لأنها فقدت بعض الأيدي العاملة، ستنتج قطناً أقل، فيرتفع سعر القطن فيتحسن حال المزارعين مالياً، فيظهر الجذب لهذه المنطقة مرة أخرى لحساب مناطق النفط أو غيرها من خيرات مثلاً. وهكذا يظهر اتزان بين جميع المناطق في الدخل وبغض النظر عن كمية الموارد لأن البوتاسيوم ليس بنادر ، ولأن النفط ليس بنادر ، بل هناك الكثير الذي يكفي البشر إن هم تمكنوا من الانتقال والاستخراج لهذه الخيرات أو الأصول المنتجة ودون قيود. أي أن الاستنتاج هنا هو أن حرية انتقال الناس مصحوبة بجدارة المستوطنة بين ما تنتجه وما تستورده لتظهر الحياة الرغدة، سيؤدي لاتزان في الأيدي العاملة بين المستوطنات وبالتالي تتقارب المستوطنات في مستوى رغدها برغم قلة بعض الموارد مقارنة بالموارد الأخرى، أي يتقارب الناس في الدخل المادي. وهذا استنتاج مهم سيتأكد لاحقاً بالمزيد من الاستدلالات بإذن الله، وسنأتي أيضاً بإذنه على تأثيره الإيجابي على الأمة مثل تحرر الأفراد واختفاء النفاق والتزلف والكذب والجبن والبخل والأنانية والرذيلة والاستكبار ، مع انتشار العدل والفضيلة والكرامة والنخوة والصدق والشرف والشهامة والنزاهة والتواضع والعطاء والكرم والمروءة وتركيز الناس على الإبداع والإنتاج، ... إلخ.
قلت إن أي مستوطنة هي شيئين أناس وأعيان، وقد تحدثنا عن الأعيان، أما بالنسبة للناس، فهم إما حكاماً بأيديهم القرارات الاستثمارية (حالياً)، أو محكومين ومنهم الأثرياء الذين بأيديهم مفاتيح الاستثمار، أو فقراء يبحثون عن عمل. ولأن الشريعة إن طبقت قطعت دابر ذهاب الأموال للحكام، ولأن السلاطين عادة ما يقطنون العواصم، فلن تستقطب هذه العواصم الناس من الأرياف مثلاً لأنه لا أموال لدى السلاطين لظهور الاستثمارات المؤسسية، مثل الوزارات، ولا مرافق مميزة تميزها عن القرى مثلاً، وبهذا ستكون العاصمة مستوطنة مثل باقي المدن كما كانت المدينة المنورة وقت الخلافة. والشيء ذاته ينطبق على الأثرياء، فمع فتح أبواب العمل للجميع ومع زيادة نسبة الملاك كما ذكرت مراراً، فلا أثرياء بيدهم مفاتيح التمكين، ولا مدن بها ملاه فارهة، وبهذا لن ينجذب الباحثون عن العمل إلا للمناطق الأجدر من حيث توافر الخيرات. وهذا يختلف تماماً عن وضعنا الحالي، إذ أن المدن الكبرى تشفط كل شيء لأن بها السلاطين والمتنفذين والأثرياء، فهي إذاً مستوطنات متطفلة ولا تعكس جدارة مواقعها، بل تعكس تلاعب ولؤم وشراسة وتسلط واستعباد من بها من سلاطين وأثرياء. لذلك تُجلب لهذه المدن كل متطلبات الحياة من كل مكان فيظهر الهدر بكثرة نقل المنتجات مثل ما هو حادث الآن في جميع العواصم والمدن العربية الكبرى مثل القاهرة وطرابلس ودمشق وصنعاء والرياض وعمان وبغداد والجزائر.
بالإضافة للسابق من قص الحقوق لابن السبيل وفتح أبواب التمكين، فإن الشريعة وحتى يظهر الميزان الدقيق بين المستوطنات دفعت أفرادها للهجرة باستمرار لما هو أفضل. وكلما زاد عدد المنقولين لما هو أفضل كلما انتقلت الأمة ككل لموقع تمكيني أفضل. كيف؟
إن أهل البادية أو الأعراب أو أهل الوبر هم الذين يرتحلون عادة من موقع لآخر سعياً للرزق كالسعي وراء الماء. وبالنسبة لاستيطانهم فهناك حركيتان قد تبدوان متناقضتين: الأولى هي أن الشريعة ترد زكاة أغنياء أهل البادية إلى فقرائهم، تماماً كما فعلت مع سكان الحضر. وفي هذا جذب لفقراء البادية للاستمرار كقوم رحل إن كانت الزكاة مجزية، وجذب أيضاً لبعض فقراء الحاضرة لهم، وبالتدريج قد يصبحون رحلاً برغم ندرة حدوث هذا. والحركية الثانية هي أن الإسلام دين كما يقول بعض الباحثين يحاول جمع المسلمين في مناطق حضرية حتى


١٠ ابن السبيل
١١٤٧
يتكاتفوا ويتكاملوا ليزدادوا قوة. أي وكأن الإسلام دين يحث المسلمين للانتقال من حياة الترحال في البادية إلى حياة الاستقرار في الحاضرة. فلماذا هذين الموقفين اللذين يبدوان وكأنهما متناقضين، بينما هما متكاملين كما سأوضح؟ إن بعض الأعراب أثرى من بعض ولو قليلاً، لذلك، فكما فعلت الشريعة مع سكان الحضر بحبس زكاة أغنيائهم في فقرائهم فعلت الشيء ذاته مع الأعراب. ففي المجموع مثلاً:
«قال أصحابنا : أرباب أموال الزكاة ضربان أحدهما المقيمون في بلد أو قرية أو موضع من البادية، لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً، فعليهم صرف زكاتهم إلى من في موضعهم من الأصناف سواء المقيمون عندهم المستوطنون والغرباء المجتازون والضرب الثاني أهل الخيام المتنقلون وهم صنفان: أحدهما قوم مقيمون في موضع من البادية لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً إلا لحاجة، فلهم حكم الضرب الأول فيصرفون زكاتهم إلى من في موضعهم فإن نقلوا عنه كانوا كمن نقل من بلد إلى بلد. الصنف الثاني أهل خيام ينتقلون للجهة وهم الذين إذا أخصب موضع رحلوا إليه وإذا أجدب موضع رحلوا منه، فينظر فيهم فإن كانت حللهم متفرقة صرفوا الزكاة إلى جيران المال، وهم من كان من المال على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، قال أصحابنا: فيجوز الدفع إلى هؤلاء قولاً واحداً ، ... » .
١٥٧
١٥٨
وفي الأموال بعد ذكر حديث سؤال ضمام بن ثعلبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستنتج أبو عبيد أن
سنته صلوات ربي وسلامه عليه هي أن يرد في فقرائهم ما يؤخذ من أغنيائهم، وكذلك كان يروى عن عمر». وفي رضي الله عنه قال في صدقة أهل البادية: «لأرددنها عليهم: حتى تروح على
عمر
الرواية التي مرت بنا أن الخليفة أحدهم مائة من الإبل»، يعني الصدقة. فتصور إصرار الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رد زكاة أغنياء
١٥٩
البادية إلى فقرائهم «المستوطنون والغرباء المجتازون»، فقد يلجأ فقير من الحضر للبادية للبحث عن المعادن ويبقى فقيراً حتى يجد ما يريد، وأثناءها سيأخذ هو كغيره من فقراء البادية من الزكاة حتى وإن ارتفع نصيب المحتاج منهم إلى مئة من الإبل، وهذه برغم المبالغة إلا أنها قد تكون أكثر مما يملكه بعض سكان الحضر، فسترد لفقراء الأعراب ومن يسكنون معهم أو حولهم ولا تذهب لغيرهم. وبالطبع فإن في هذا حث للطامحين من الشباب للضرب في الأرض خارج المدن وفي كل المناطق بحثاً عن الموارد، وإن احتاجوا لزاد، فهم الفقراء المجتازون الذين لهم حق
من زكاة أهل البادية.
وفي المقابل فإن الإسلام في نظر البعض دين يحث على التحول من دار التعرب إلى دار الهجرة». فقد ذكرنا في حديث بريدة في فصل «دولة الناس» وصية الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش بأن يدعوهم للإسلام، وأن يخبرهم بأنهم إن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا أن يخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم من الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. قال أبو عبيد: «قوله: فإن أبوا أن يتحولوا، يعني من دار التعرب إلى دار الهجرة. يقول: إن لم يهاجروا. قال أبو عبيد: فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره في الفيء: أنه لم ير لمن لم يلحق بالمهاجرين ويعنهم على جهادهم عدوهم ويجامعهم في أمورهم في الفيء والغنيمة صفوان بن عمر قال: «كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن الحصين: أن للجند بالفريضة: وعليك بأهل مر الحاضرة وإياك والأعراب، فإنهم لا يحضرون محاضر المسلمين ولا يشهدون مشاهدهم».
حقاً
17.
.«...
وعن


١١٤٨ 🗏
مثل هذه الآثار السابقة أثارت جدلاً حول علاقة أهل البادية بالحاضرة. فالباحث الجنيدل مثلاً ينوه على أن مبدأ تفضيل الحاضرة على البادية في العطاء هو اتجاه جديد لم يسبق أبو عبيد إليه أحد.١٦٢ لهذا لابد لنا من التأني في تقصي . هذه العلاقة لأهميتها لما يمكن أن تكون عليه خريطة الاستيطان في الأمة المسلمة إن طبقت الشريعة. ولعل السؤال المهم الإجابة عليه هو: هل تفرق مقصوصة الحقوق في التعامل بين الجماعتين (أي بين أهل الحضر وأهل الوبر)؟ فإن كان هناك فرق في التعامل فكيف هو من حيث الحقوق؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة مهمة لنا للآتي: إن العلاقة بين الجماعات المستقرة مثل سكان مدينتين مع وجود مسافة كافية بينهم عادة ما تكون أكثر استقراراً لأن الاحتكاك بين سكان المدينتين أقل وبالذات إن كانوا مسلمين، أما مع انقاسم المسلمين لجماعتين، إحداهما مستقرة وهم أهل الحضر، الأخرى متحركة وهم أهل البادية، فإن العلاقة قد تتسم أحياناً بالعداوة لوجود الاحتكاك المستمر. ففي زيارة لي إلى جنوب المغرب العربي بوادي ضرعة لاحظت أن جميع القرى (وتسمى القصور أو «لقصور» باللهجة الدارجة في تلك المنطقة مسورة بأسوار محصنة ومرتفعة، ثم بعد البحث وجدت أنها بنيت أساساً للدفاع عن سكان القرى من البدو الرحل الذين قد يغزون هذه القرى ويسلبون بعض غلاتها، ثم لاحظت أن هذا النمط من القرى المسورة هو السائد في معظم أرجاء العالم الإسلامي. فوجود أسوار المدن القديمة على المستوطنات المتاخمة لبلاد غير المسلمين كما في الأربطة مسألة مفهومة، أما الأسوار التي على المدن التي هي داخل أو في قلب العالم الإسلامي أو في المناطق النائية مثل وادي ضرعة بالقرب من الصحراء فلابد وأن يكون لها تفسير آخر غير الخوف من أعداء العقيدة. فوجدت أنه الخوف من أهل البادية في معظم الأحوال، أو خوف من مسلمي مدينة أخرى لفساد السلاطين كما حدث في الأندلس عندما تفشت الحروب بين ملوك وأمراء الطوائف، فكان لابد من تحصين المدن. وبالطبع وكما سيأتي بإذن الله، فإن هذا الخوف هو بسبب عدم تطبيق الشريعة التي أدت لظهور طبقات اجتماعية أثرى من أخرى، فكان الترف في المدن الذي هو مطمع لكل فقير أو سلطان جشع. فكما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن طبقت الشريعة سيعم الأمن جميع الأمة. ففي الحديث المشهور خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصد ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون». وهذا الوعد بالأمن قد وقع بالفعل في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز رضي عنهم أجمعين. ولكن في معظم العصور، ضاع الأمن. وكما سيأتي بإذن الله في الحديث عن الأمن، فإن تطبيق مقصوصة الحقوق سيؤدي لأمة آمنة من أعدائها في الخارج وأعدائها من الداخل كقطاع الطرق. ومع انتشار الأمن تزداد الانتقالات بين المستوطنات فيسهل انتقال الأفراد فتنتقل معهم ويسهل نقل المنتجات والمواد الخام فتزداد الأمة تمكيناً، لا أن تعيش داخل مدن محصنة.
الله
١٦٣
عن
المعرفة
وهنا يظهر سؤال أخر أي الأمم أكثر إنتاجاً وتمكيناً : أمة معظم أو جميع سكانها من البدو الرحل؟ أم أمة معظم أو جميع سكانها من الحضر ؟ أم أمة مختلطة في نسيجها بين البدو الرحل والحضر وبأي نسبة؟ من الواضح لأي راصد، أن الأمة كلما استقر سكانها زاد إنتاجها، والدليل على ذلك هو أمم العالم الغربي والذي يعتمد جل إنتاجه القومي على إنتاج المستقرين من الناس، وليس على أفراد رحل قط. وهناك شبه إجماع كما مر بنا بأن الحضارات في تقدمها المعرفي والإنتاجي تنتقل من مجتمع رعوي إلى زراعي ثم صناعي ثم معرفي. ولكن إن ضربت شدة كالجفاف


١٠ ابن السبيل
١١٤٩
هم
و
منطقة ما، فإن أهل البادية . الأقدر على التحمل لأن لديهم معرفة تجعلهم قادرين على التحول بحثاً عن الماء. وهذه ميزة. ميزة أخرى: إن سكان البادية الرحل عادة ما هم متماسكون لأنهم أبناء قبيلة واحدة. فالتجانس بينهم يحل الكثير من الإشكاليات التي لا تحل إلا بالقوانين عند الحضر. وهذا استنزاف بيروقراطي للحضر. والتجانس بين أفراد القبيلة أيضاً يعطي الفرد المزيد من الإحساس بالأمان لأنه بين جماعته، فالتارك لأهله والمهاجر لمنطقة جديدة عادة ما يجد صعوبة في الذوبان في موطنه الجديد وبالذات إن كانت تلك المنطقة قبلية الطابع لأن المستوطنين القبليين قد لا يتيحون للقادم فرصة الذوبان بينهم فالقبائل التي تقع شمال الباكستان وجنوب أفغانستان مثلاً، برغم أنها مستقرة، إلا أنها قبائل يصعب اختراقها كما لاحظت. أما إن كثرت على المستوطنات هجرات الأفراد كما حدث في القاهرة مثلاً، والتي كانت نقطة جذب على مر العصور، فإن القبلية كرابط بين الأفراد تضمحل، لتحل محلها روابط أخرى كالمهنية أو المذهبية أو الانتساب لجغرافية معينة أو حتى الجيرة فقط وما شابه من روابط لا تعتمد على الدم بالدرجة الأولى فما هو موقف الإسلام من هذه العلاقات؟
سؤال آخر: لقد اعتمد سكان المدن في بعض أنحاء العالم الإسلامي، ولا زالوا، على البدو في بعض مستهلكاتهم مثل اللحوم والألبان؟ فهل نقصان نسبة سكان البدو يعني نقصان هذه المنتجات؟ وفي هذا ضرر كبير على أهل الحاضرة. هنا بالطبع ستكون الإجابة لك واضحة وهي أنه مع التقدم المعرفي فإن جميع المنتجات الحيوانية التي تعتمد على البدو الرحل بالإمكان توطينها كما هو الحال في العالم المعاصر بظهور شركات الإنتاج الحيواني. ولكن هل هذا هو الأفضل للأمة، أي أمة دون بدو رحل؟
بعد هذه المقدمة لألخص أولاً ما تحاول الشريعة فعله ثم أحاول إثبات ذلك في الصفحات الآتية: إن مسألة تفضيل الحضر على البدو في العطاء مسألة مستحدثة لأننا كما مر بنا في الفصول السابقة فإنه لا مال للدولة إلا القليل، وهذا القليل إن قسم فلا يقسم إلا بما أمرت به الآيات الثلاث، أي آيات الصدقات والفيء والغنائم. وهذه الآيات لا تفرق بين حضري وبدوي، بل هي لفئات محددة من الناس مثل الفقراء والغارمين وأبناء السبيل. ولعلك تقول: وماذا عن الآثار السابقة عن تفضيل الحضر على البدو ؟ أي الحث على التحول من دار التعرب إلى دار الهجرة»؟ فأجيب: إن نظرت إلى حديث بريدة في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم إن أمر أميراً على جيش بأن يدعوهم للإسلام وأن يخبرهم بأنهم إن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، وأنه إن أبوا أن يتحولوا أن يخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، وأنه لا يكون لهم من الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن المسألة واضحة فهي لا تنطبق فقط على الأعراب ولكن على كل من لم يهاجر وكل من لم يكن مع جماعة المسلمين. فكل من لم يعن جماعة المسلمين ضد عدوهم من الكفرة حتى وإن لم يكن أعرابياً، فلا حق له بالطبع في الغنائم. وكما قال أبو عبيد: «فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره في الفيء: أنه لم ير لمن لم يلحق بالمهاجرين ويعنهم على جهادهم عدوهم ويجامعهم في أمورهم في الفيء والغنيمة حقاً ...». وكذلك إن نظرت للآثار الأخرى، فلطالما لم يكن هناك دليل نصي من القرآن الكريم أو السنة المطهرة، فلا يمكن الاعتماد على الآثار مقارنة بآيات القرآن الكريم التي قصت الحقوق المالية. فكما مر بنا في الفصول السابقة، فإن العمل العسكري أصبح وظيفة بعد أن كان عبادة، وهكذا كان لأهل الحضر الحظ الأوفر لأنهم في الديوان. أرجو أن تتأمل أخي القارئ الآتي مما جاء في كتاب «الأموال» لأبي عبيد، فهو من


  1. 🗏
    أفضل ما كتب في مقارنة الحقوق بين أهل الحضر والأعراب، وتجد أن بعضها آثاراً تعتمد على العطاء من الديوان والذي تم نقده في الفصول السابقة. يقول أبو عبيد رحمه الله:
    «باب فرض العطاء لأهل الحاضر وتفضيلهم على أهل البادية : حدثني نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح أن رجلاً من أهل البادية سألوه يرزقهم فقال : لا والله لا أرزقكم حتى أرزق أهل الحاضرة. فمن أراد بحبحة الجنـة فعليه بالجماعة، فإن يـد الله على الجماعة. حدثني أبو اليمان حدثنا صفوان بن عمرو قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن الحصين أن مر للجند بالفريضة، وعليك بأهل الحاضرة وإياك والأعراب فإنهم لا يحضرون محاضر المسلمين ولا يشهدون مشاهدهم. قال أبو عبيد : ليس وجه هذا عندنا أن يكونوا لم يروا لهم في الفيء . بء حقاً، ولكنهم أرادوا أن لا فريضة لهم راتبة تجري عليهم من المال كأهل الحاضرة الذين يجامعون المسلمين على أمورهم ويعينونهم على عدوهم بأبدانهم أو بأموالهم أو بتكثير سوادهم هذا أهل المعرفة بكتاب الله وسنة رسوله والمعونة على إقامة الحدود وحضور
    عن
    ابن
    بأنفسهم، وهم معه الأعياد والجمع وتعليم الخير . فكل هذه الخلال قد خص الله بها أهل الحضارة دون غيرهم. فلهذا نرى أنهم آثروهم بالأعطية الجارية دون من سواهم. ولأولئك مع هذا حقوق في المال لا تدفع إذا نزلت وهي : ثلاثة أوجه أحدها أن يظهر عليهم عدو من المشركين فعلى الإمام والمسلمين نصرهم والدفع عنهم بالأبدان والأموال أو تصيبهم الجوائح من جدوبة تحل ببلادهم فيصيرون منها إلى الحطمة في الأمطار والأرياف فلهم في المال المغوثة والمواساة. أو أن يقع بينهم الفتق في سفك الدماء حتى يتفاقم فيه الأمر ثم يقدر على رتق ذلك الفتق وإصلاح ذات البين وحمل تلك الدماء بالمال. فهذا حق واجب لهم. فهذه الحقوق الثلاثة . هي التي تجب لهم في الكتاب والسنة الجائحة والفتق وغلبة العدو من المشركين. وعليها كلها شواهد في التنزيل والآثار: فأما النصر على العدو فإن حجاجاً حدثنا . جريج في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوا أَوَلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا مَعَكُمْ فَأَوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قَالَ: قال ابن عباس : ترك رسول الله الناس يوم توفي على أربع منازل مؤمن مهاجر، والأنصار وأعرابي لم يهاجر إذا استنصره النبي نصره، وإن تركه فهو إذنه له، وإن استنصروا النبي كان حقاً عليه ينصرهم. قال: فذلك قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، قال : والرابعة التابعون بإحسان. عن ابن عباس قال: قال ابن جريج: وقوله: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبيرٌ﴾، يقول: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين تكن فتنة في الارض وفساد كبير. قال أبو عبيد : فهذا حقهم في النصر على العدو. وأما في الجائحة والفتق: فإن ابن أبي عدي ويزيد بن هارون حدثنا عن بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة القشيري قال : قلت يا رسول الله : إنا قوم نتساءل أموالنا ، فقال : يسأل الرجل في الجائحة والفتق ليصلح بين الناس، فإذا بلغ أو كرب استعف. وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب عن هارون بن رياب عن كنانة بن نعيم عن قبيصة بن المخارق الهلالي قال: أتيت رسول الله في حمالة فقال: (أقم تأتينا الصدقة، فإما أن نعينك عليها وإما أن نحملها عنك، فإن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل
    حتى

1101
١٠ ابن السبيل
حتى
مع
الله بن .
عمر
كذا
تحمل بحمالة بين قوم فيسأل حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداد من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن قد أصابته فاقة وأن قد حلت له المسألة، فيسأل حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش ثم يمسك. وما سوى ذلك من المسائل سحت يأكله صاحبه يا قبيصة سحتا). قال أبو عبيد : فأراه أجاب معاوية بن حيدة قبيصة وقبيصة بن المخارق بهذا الجواب، ورأى لهما في المال حقاً، وهما من أهل نجد ليسا من الحاضرة ولا ممن هاجر إلى المدينة. ألا تسمع إلى قوله لقبيصة: (أقم تأتينا الصدقة، فاما أن نعينك عليها وإما أن نحملها عنك . فرأى لهما عند حمالة الدماء لإصلاح الفتق وعند الجائحة حقاً في الصدقة. ولو لم ير ذلك لهم واجباً ما صرف إليهم حق غيرهم لأن للصدقة أهلاً لا توضع إلا فيهم. وإذا كان ذلك لهم في الصدقة فالفيء أوسع وأعم لأن آية الفيء عامة وآية الصدقة خاصة. فهذه الخلال الثلاث هي التي وجدناها توجب حقوقهم الجائحة والفتق وغلبة العدو، إلا أنه ذكر الفاقة في حديث قبيصة وأرى الجائحة ترجع إليها، وإليها يصير المعنى. فأما درور الأعطية على المقاتلة وإجراء الأرزاق على الذرية فلم يبلغنا عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الأئمة بعده أنه فعل ذلك إلا بأهل الحاضرة الذين هم أهل الغناء عن الإسلام. وقد روي عن عمر شيء كأنه مفسر لهذا القول: حدثني سعيد بن أبي مريم عن عبد العمري عن نافع عن ابن عمر ، أن عمر كان لا يعطي أهل مكة عطاء ولا يضرب عليهم بعثاً هم وكذا، كلمة لا أحب ذكرها. قال أبو عبيد : أفلا تراه لم يجعل لهم عطاء داراً إذ كان لا يغزيهم، ورأيه هذا المعروف عنه في الفيء أنه ليس أحد إلا له فيه حق، فهذا يبين لك أنه أراد بحقوق أهل الحضر الذين ينتفع بهم المسلمون الأعطية والأرزاق، وأراد بحقوق الآخرين ما يكون من النوائب. وأبين من هذا حديث له آخر : حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر قال: لما زوجني عمر أنفق علي مال الله شهراً ثم قال: يا يرفأ، احبس عنه. . قال : ثم دعاني فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أي بني فإني لم أكن أرى هذا المال يحل لي إلا بحقه، ولم يكن أحرم علي منه حين وليته وعاد أمانتي قد أنفقت عليك من مال الله شهراً ولن أزيدك عليه، وقد أعنتك بثمن مالي، أو قال بثمن مالي بالعالية، فانطلق فاجدده ثم بعه ثم قم إلى جانب رجل من تجار قومك، فإذا ابتاع فاستشركه ثم استنفق وأنفق على أهلك. قال أبو عبيد : أفلا تراه قد قطع الإجراء عنه إذ لم يكن يسأل من أمور المسلمين، ولو كان في شيء من أمورهم لرويت أنه كان لا يقطعه عنه. وقد روي عن علي بن أبي طالب ما يبين هذا حدثنا الأشجعي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن كثير بن نمر قال: جاء رجل لرجل من الخوارج إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين إني وجدت هذا يسبك. قال: فسبه كما سبني. قال : ويتوعدك. فقال: لا أقتل من لم يقتلني. قال علي: لهم علينا. قال أبو عبيد حسبته قال: ثلاث: أن لا نمنعهم المساجد أن يذكروا الله فيها، وأن لا نمنعهم الفيء ء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا. قال أبو عبيد : أفلا ترى أن علياً رأى للخوارج في الفيء حقاً ما لم يظهروا الخروج على الناس وهو مع هذا يعلم أنهم : يسبونه ويبلغون منه أكثر من السب، إلا أنهم كانوا مع المسلمين في أمورهم ومحاضرهم حتى صاروا إلى الخروج بعد. فكل هذا يثبت أن إجراء الأعطية والأرزاق إنما هو لأهل الحاضرة أهل الرد عن الإسلام والذب عنه. وأما من سوى ذلك فإنما حقوقهم عند الحوادث تنزل بهم. فهذا عندي هو الفصل فيما بين الفريقين، وهو تأويل قول عمر رضي الله عنه ليس أحد إلا له في هذا المال حق. وهذا سبيل الفيء خاصة. فأما الخمس والصدقة فلهما سنن غير ذلك وستأتي في مواضعها إن شاء الله. قال أبو عبيد فهذه حقـوق أهل البدر في فيء أهل الحاضرة وأموالهم وأما حقوق بعضهم في أموال بعض فغير هذا وذلك أن الذي يؤخذ من أهل البادية إنما هو صدقة وليس بفيء، فهو مردود فيهم واجب لفقرائهم على أغنيائهم في كل عام. وفي ذلك


١١٥٢ 🗏
أحاديث ..... فهذا ما جاء في الأعراب ولا أرى حال من سكن القرى والسواد والجبال إلا كحالهم
يجب لهم ما يجب لهم وعليهم ما عليهم ..
١٦٤
لننظر لأهم أدلة أبي عبيد : ففي الأثر الأول والذي رفض فيه أبو عبيدة بن الجراح رحمه الله أن يرزق أهل
١٦٥
البادية، فإن الحديث غير مطمئن لأن فيه بقية بن الوليد، وهو مدلس مشهور . حتى وإن صحت الرواية فإن الرفض للعطاء كما هو واضح ليس لأنهم أهل بادية ولكن لأنهم ليسوا مع الجماعة، فكما قال: «فإن يد الله على الجماعة». فإن تحول فرد من البادية وانضم للجماعة فإن له ما لأهل الحضر. فالعبرة إذاً ليست بأصل الناس كما هو واضح من جميع الآثار ، ولكن بمواقعهم. ومن جهة أخرى، فإن ما لدى العامل أو السلطان من مال كما مر بنا في الفصول السابقة هو من أموال الغنائم التي كان يجب أن تقسم، إلا أنها لم تقسم بين الغانمين وأصبحت فيئاً، وكما ذكرت، فإن هذا الفعل هو صالح لزمن الخليفة عمر بين الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وهذا ليس كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم الصالح لكل الأزمان، وعندها فلا ديوان لأن العمل العسكري عبادة، وبهذا يستوي الجميع (الحضري والبدوي) في عدم الأخذ من الديوان. وهذا ينطبق أيضاً على الأثر الذي ذكره صفوان بن عمرو مما كتبه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وقد قال أبو عبيد معللاً: «ليس وجه هذا عندنا أن يكونوا لم يروا لهم في الفيء حقاً، ولكنهم أرادوا أن لا فريضة لهم راتبة تجري عليهم من المال كأهل الحاضرة». والفريضة الراتبة التي تجري من المال هي بالطبع بسبب الديوان.
أما بالنسبة للتعليل الذي ذكره أبو عبيد من أن أهل البادية لا يجامعون المسلمين على أمورهم ويعينونهم على عدوهم بأبدانهم أو بأموالهم أو بتكثير سوادهم بأنفسهم»، وأنهم ليسوا كالحاضرة، أي ليسوا من أهل المعرفة بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه (أي أبا عبيد لهذه الأوجه لم ير أحقيتهم في الأعطية الجارية، فإن وجهة النظر هذه لم يقل بها أحد من الفقهاء بالحكم على جماعة ما كمجموعة لأنهم أعراب، وبالتالي ليسوا أهل معرفة بأمور الدين وبالتالي فإن حقوقهم المالية، إن استثنينا الديوان، تختلف عن باقي المسلمين. فقد يكون (وهذا نادر) من بين الأعراب من هو أفقه من بعض الحاضرة. إلا أن الأعراب في مجموعهم بالتأكيد أقل علماً من أهل الحاضرة، فهذا مما لا شك فيه إلا أن هذا لا يعني قط التمييز في العطاء إلا في الديوان لأنهم كما قال أبو عبيد، لا يعينون المسلمين في تكثير سوادهم بأموالهم وأنفسهم. أي أن نفس العلة، أي عدم المشاركة في القتال (دفاعاً أو هجوماً نفساً أو مالاً)، هي السبب في حرمانهم.
أما بالنسبة للحقوق الأخرى، فلا فرق بين أهل البادية والحاضرة إلا في اختلافات بين الفقهاء مما لا يؤثر في الحقوق التمكينية، مثل تردد بعض الفقهاء في جواز إمامة البدوي على الحضر. فكما سيأتي عن حقوق الأعراب بإذن الله، فقد تردد مثلاً الفقهاء في رفض شهادة أحد من الأعراب لأنه أعرابي فقط . وهكذا يمكن القول بأن حقوق أهل البادية المالية، كما وضحها أبو عبيد، كباقي المسلمين. فعلى الإمام والمسلمين نصر أهل البادية والدفاع عنهم بالأبدان والأموال إن تعرضوا لغزو ما، وعلى المسلمين إعانتهم إن أصابتهم جائحة أو جدوبة، وعلى المسلمين أيضاً معاونتهم إن وقع بينهم الفتق في سفك الدماء وكان بالإمكان رتق ذلك الفتق وإصلاح ذات البين وحمل تلك الدماء بالمال». فهذه الحقوق الثلاثة واجبة لأهل البادية كما يقول أبو عبيد ويثبت من خلال الآثار. ولعل من أهم الآثار عنه كان لا يعطي أهل مكة العطاء ولا يضرب عليهم بعثاً برغم أنهم ليسوا من أهل البادية. أي
أن عمر
رضي
الله


١٠ ابن السبيل
١١٥٣
وكأنه عاملهم
كأهل البادية، وفي الوقت ذاته العطاء منع عن ابنه عاصم الذي تزوج رضي الله عنهما. وباختصار، فإن التفضيل بين الأعراب وأهل الحاضرة هو في الفيء والذي سببه الديوان. وقد تم نقد هذا في الفصول السابقة، أما في الحقوق التمكينية الأخرى فلا فرق. والآن لننظر لتأويل القرطبي لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ . فهو وضح بعض حقوق الأعراب باختصار في الآتي رحمه الله:
قوله تعالى: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، فيه مسألتان، الأولى: لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجاً منها ونائياً عنها من الأعراب فقال : كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن، وقيل لأنهم أقسى قلباً وأجفى قولاً وأغلظ طبعاً وأبعد عن سماع التنزيل، ولذلك قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَأَجْدَرُ﴾، أي أخلق ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ أن في موضع نصب بحذف الباء تقول أنت . جدير بأن تفعل وأن تفعل، فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا بـ أن، وإن أتيت بالباء صلح بـ أن وغيره، تقول: أنت جدير أن تقوم وجدير بالقيام ولو قلت أنت جدير القيام، كان خطأ. وإنما صلح مع أن لأن أن يدل على الاستقبال، فكأنها عوض من المحذوف. ﴿حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ، أَي بأَلا يعلموا أي فرائض الشرع، وقيل حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم. الثانية: ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة : أولها لا حق لهم في الفيء والغنيمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة، وفيه ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. وثانيها: إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة لما في ذلك من تحقق التهمة. وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعي كل تهمة والمسلمون كلهم . عنده على العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلاً مرضياً وهو الصحيح لما بيناه في البقرة. وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافاً ثلاثة: أحدها بالكفر والنفاق، والثاني بأنه ﴿يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ . والثالث بالإيمان ﴿باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾، فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول، وذلك باطل وقد مضى الكلام في هذا في النساء. وثالثها أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي وقال مالك : لا يؤم وإن كان أقرأهم. وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي الصلاة خلف الأعرابي جائزة، واختاره بن المنذر إذا أقام حدود الصلاة. قوله تعالى: ﴿أَشَدُّ، أصله أشدد وقد تقدم. كُفْرًا، نصب على البيان. ﴿وَنِفَاقًا﴾، عطف عليه. ﴿وَأَجْدَرُ﴾ ، عطف على أشد ومعناه أخلق، يقال فلان جدير بكذا، أي خليق به، وأنت أن تفعل كذا والجمع جدراء وجديرون. وأصله من جدر الحائط، وهو رفعه بالبناء، فقوله: أجدر بكذا، أي أقرب إليه وأحق به ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا﴾، أي بألا يعلموا. والعرب جيل من الناس
جدير
هو
والنسبة إليهم عربي بين العروبة وهم أهل الأمصار والأعراب منهم . سكان البادية خاصة. (التوبه (۹۸): قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ﴾ من في موضع رفع بالابتداء. ﴿مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا﴾، مفعولان، والتقدير ينفقه، فحذفت الهاء لطول الاسم. ﴿مَغْرَمًا﴾، معناه غرماً وخسراناً، وأصله لزوم الشيء، ومنه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، الفرقان، أي لازماً، أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرماً ولا يرجون عليه ثواباً. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، التربص الانتظار، وقد تقدم. والدوائر جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية أي يجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوء


١١٥٤ 🗏
الدخلة وخبث القلب. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، قرأه ابن كثير وأبو عمرو بضم السين هنا وفي الفتح، وفتحها الباقون وأجمعوا على فتح السين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾، مريم. والفرق بينهما أن السوء بالضم المكروه. قال الأخفش: أي عليهم دائرة الهزيمة والشر. وقال الفراء: أي عليهم دائرة العذاب والبلاء. قالا: ولا يجوز امرأ سوء بالضم، كما لا يقال هو امرؤ عذاب ولا شر. وحكي عن محمد بن يزيد قال: السوء بالفتح الرداءة. قال سيبويه مررت برجل صدق، ومعناه برجل صلاح وليس من صدق اللسان. ولو كان من صدق اللسان لما :قلت مررت بثوب صدق، ومررت برجل سوء ليس هو من سؤته، وإنما معناه مررت برجل فساد. وقال الفراء : السوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية. قال غيره: والفعل منه ساء يسوء وء والسوء بالضم اسم لا مصدر، وهو كقولك: عليهم دائرة البلاء والمكروه. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ، أي صدق، والمراد بنو مقرن من مزينة، ذكره المهدوي. ﴿قُربتٍ﴾، جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى، ...».
١٦٦
ولا أريد الولوج في الاختلافات بين الفقهاء في قبول شهادة أو إمامة أهل البادية. فالذي يهمنا هنا هو أن هناك توجه بين الفقهاء (كما هو واضح من مجموع السابق في تردد الفقهاء في إمامة البدوي وما شابه) لحث البدو على الاستقرار ولكن دون فرض ذلك عليهم وهذا مهم). وقد لخص د. الجنيدل موقف أبي عبيد مؤيداً بالقول:
هنالك
نرى أن اتجاه أبي عبيد إلى بحث هذه المسألة من الجديد في فقه أبي عبيد الاقتصادي اتجاه منه إلى حفز همة البادية إلى التوطن والاستقرار حتى يستفاد من العنصر البشري، وهو أهم وسيلة للتنمية الاقتصادية. فجهود البادية المبعثرة لا فائدة منها، فإذا أبوا ورجعوا إلى الأرض واستقروا فيها وبنوها وكسبوا صفة التوطن والاستقرار والثبات بأن قاموا بالزراعة والفلاحة وأنشأوا الصناعة فهذه العمارة المطلوبة من المواطن، والإسلام يرى أن الاجتماع والالتئام خير قوة، ويد الله مع الجماعة، والبادية متفرقون في باديتهم لا يستقر لهم قرار متشتتين في الأرض، فلا يشاركون المسلمين أفراحهم وأحزانهم ولا يشاركونهم في المنشط والمكره ... ولا شك أن في الأخذ بهذا الرأي اتجاهاً إلى تنمية المجتمع وتوطيناً للبادية واستقرار لهم من حياة الرحل والنأي عن الحاضرة، فالبادية في الحقيقة ليس لهم إنتاج ، وهم في رأينا طاقة مهدرة وكم مهمل إذا قيس بكفاءة الحضري، مع أن البادية ذو عقل راجح وذهن وقاد، فالمواطن الحضري المستقر ذو حركة دائبة مستمرة يسعى لرزقه صباحاً ويفيء مساء يبني بلده ويحميها من غائلة الأعداء» .
فقط. فالرسول صلى
الله
١٦٧
لكن الملاحظ هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحث أهل البادية على الاستيطان، بل وضح لهم حقوقهم عليه وسلم مثلاً حث الشباب على الزواج، وحث المسلمين على العمل بأيديهم، وهكذا فإن هناك الكثير مما حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وبوضوح؛ أما مع البادية، فلا نص صريح يقطع المسألة، بل تنبيه بأنهم إن لم يكونوا مع الجماعة، فليس لهم حق في الفيء والغنائم. فما الحكمة من هذا؟ إن الحكمة والله أعلم تتضح من مفهوم الهجرة. فكما سترى بإذن الله فإن الشريعة حثت وبشدة على الهجرة، وهذا يختلف عن استيطان أهل البادية، فالهجرة هي هجرة مسلم حضري لمنطقة أخرى حضرية. أما استيطان أهل البادية فهو تغيير في نمط الحياة. وحتى يتمكن الناس من الهجرة من منطقة اقتصادية لأخرى، إن كانت المسافات بعيدة بين القرى والمدن، فإن في وجود أهل البادية إن طبقت مقصوصة الحقوق بانتشار الأمن مزيد من الحث على الهجرة لأن أهل البادية عادة ما يستفيدون من المسافرين ببيع الغذاء لهم مثلاً؛ وفي الوقت ذاته، فإن أبناء السبيل والمجتازين من الفقراء لهم حق في زكاة أهل البادية إن هم كانوا بالقرب منهم. ومع كثرة المستوطنات بزيادة تعداد


١٠ ابن السبيل
1100
المسلمين ستتقارب المدن والقرى وتقل مسافات السفر شيئاً فشيئاً. وبالتأكيد فإن من بين البدو من يحب العلم ويستوطن، وبينهم من يمرض ويبحث عن طبيب في الحاضرة وقد تعجبه حياة أهل الحاضرة ويستوطن. هكذا يزداد استيطان البدو بزيادة الكثافة السكانية وتتقارب المستوطنات لأن المسلمين في هجرة دائمة بحثاً عن مواقع جديدة للخيرات لأن في هذا تمكين حث عليه الإسلام وبشدة (كما سيأتي في الفقرة الآتية بإذن الله).
هل رأيت الحكمة من عدم فرض الاستيطان على أهل البادية؟ فهناك مصلحة من وجودهم في بعض المراحل من تاريخ الأمة، وبالذات عندما تكون القرى والمدن متباعدة وكان التعداد السكاني منخفضاً . وبالزيادة السكانية وكثرة المستوطنات بسبب هجرة الناس لمواطن الخيرات المتفرقة على الأرض ومن ثم تقارب المستوطنات لكثرتها قد تضمحل حياة البادية في وقت تكون فيه المستوطنات بكثافات منخفضة لأنها كثيرة في العدد. وهذه مسألة مهمة: أي أنه إن طبقت الشريعة فإن النمط الاستيطاني هو كثرة عدد المستوطنات بكثافات أقل وجودة عالية في نوعية الحياة (وسيأتي بيانه بإذن الله). أي تخفيض الكثافات السكانية قدر المستطاع. وهذا نقيض ما تؤدي إليه الرأسمالية والحداثة والعولمة: أي تمركز الاستيطان في حاضرات أقل عدداً ولكن بكثافات عالية لأن معظم القرارات بيد من هم في المدن الكبرى فينجذب الناس إليهم كما ذكرت.
وفي النقيض قد يضرب الأمة جفاف ما يقلل من تعداد السكان في إقليم ما، وعندها قد يتحول بعض الحضر لحياة الترحال بالتعلم من هؤلاء البدو الرحل فتزداد نسبة البدو الرحل في المجتمع. أي ليس كما قال ابن خلدون من أن الشعوب تتجه نحو التحضر بالانتقال من حضارة رعوية إلى زراعية فهناك دراسة المستشرقين تقول بأن الأعراب المسلمين عندما وصلوا إلى شمال أفريقيا، تحولت أو تخلفت كما يقولون) بعض المستوطنات من حياة تعتمد في اقتصادها على الزراعة إلى اقتصاد رعوي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وأن في هذا تخلف واضح وفيه بالتالي اتهام للمسلمين بالبداوة. وقد ركز الاستعمار على هذه الظاهرة واستغلها وبالذات لأنها تتفق مع ما قاله ابن خلدون من خط سير تحضر المجتمعات، وأنه أتى (أي الاستعمار لإنقاذ العالم المغاربي ودفعه للتحضر. إلا أن الباحث المغربي حامد تريكي أثابه الله مع زميله برنارد Bernard Rosenberger قاما ببحث وأثبتا فيه أنه في تلك الفترة بالذات ضرب جفاف شمال أفريقيا، فقامت القبائل العربية التي كانت مهاجرة من الجزيرة العربية (وهم قبائل بني هلال وبني سليم وبني معقل والتي اندفعت في السهول الأطلسية واستقرت في المناطق الزراعية)، بالتحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الرعوي بسبب انتشار المجاعة والأوبئة ومن ثم الوفيات. فقد ظهر بسبب الجفاف عدم اتزان بين عدد الأيدي العاملة وما تنتجه الأرض، ففي الاقتصاد الرعوي تكون الحاجة للأيدي العاملة أقل مقارنة بالاقتصاد الزراعي مقابل مساحة أكبر وذلك بتعليم سكان المناطق الجافة حياة الترحال، فتم إنقاذ الناس من المجاعة. ثم بعد انقضاء الجفاف رجحت كفة الاستيطان مرة أخرى وعادت المجتمعات إلى الاقتصاد الزراعي. أي أن ما قاله ابن خلدون ليس بالضرورة صحيح على الدوام. لكن لاحظ أخي القارئ: ما المانع من أن يكون المجتمع رعوياً إلا أنه متحضر ويستخدم أعلى أنواع التقنيات في حله وترحاله ؟١٦٨ وأثناء مراجعتي الأولى لهذا الفصل (شهر رمضان ١٤٢٩هـ الموافق سبتمبر ٢٠٠٨م) قامت مؤسسة أوكسفام oxfam التي تهتم بالفقراء وحقوق الإنسان بالاقتراح بتعليم سكان الحضر في القرن الأفريقي مهنة الرعي للتغلب على المجاعة لأن الرعاة عادة أقدر على مجابهة الجفاف الذي كانت تمر به تلك المنطقة من سكان الحاضرة لأنهم (أي


١١٥٦ 🗏
البدو الرحل على مر القرون تمكنوا من إيجاد سبل معرفية لمجابهة أقصى ظروف الجفاف بالترحال لأماكن الأمطار وبترشيد الاستهلاك للماء القليل. انظر لقول الحق سبحانه وتعالى في سورة السجدة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ . من الظاهر أن في الآية إفادة أن الأمطار ستهطل، وأحياناً في مناطق لا يتوقعها ابن آدم. لكن هل في الآية إشارة إلى أنه إن كان الإنسان متسلحاً بالمعرفة فعندها يستطيع متابعة المياه في ظروف الجفاف فيأكل من الأرض هو وأنعامه؟ وسبب هذا السؤال هو سياق الآية: فقد جاء في تأويل معنى الجرز في تفسير القرطبي على أنها «الأرض اليابسة التي لا نبات فيها»، فالجرز «الأرض التي جرز نباتها، أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز». وقال عكرمة: «هي الأرض الظمآى، وقال الضحاك : هي الأرض الميتة العطشى، وقال الفراء: هي الأرض التي لا نبات فيها، وقال الأصمعي: هي الأرض التي لا تنبت شيئاً». فبرغم أن في الآية توجيه للكفرة لرؤية مقدرة الله بسوق الماء لأرض بحاجة للماء، إلا أن في تقديم الأنعام على الناس إشارة (والله أعلم) إلى أن توزيع الماء على الأرض إبداع يستطيع فهمها والاستفادة منها هذا الذي يرصدها لأجيال وبتمعن لتصبح للراصد معرفة يتسلح بها كما يفعل
هي
أهل الوبر كيف؟
إن الجميع يعلم أن سوق الماء من الله سبحانه وتعالى الذي بدأ الآية بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، فالرؤية كما ذكرت سابقاً معلومة أصبحت منتشرة لدرجة الرؤية، إلا أن الآية تُختتم بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾»، فلماذا هذا التكرار التذكيري بصيغة أخرى؟ والإجابة والله أعلم هى أن الإبصار رؤية إلا أنها بحاجة للتأمل الذي يأتي للمتأمل أو الراصد بالبصيرة، والبصيرة هي تلمس لطريق أو نهج أو مسلك مستقبلي. وما يعضد هذا قوله تعالى: ﴿أنا نَسُوقُ﴾، لأن السوق يعني التوجيه بحكمة وبسيطرة. فقد جاء في مختار الصحاح: «وساق الماشية من باب قال وقام، فهو سائق وسَوَّاق شدد للمبالغة، واسْتَاقَها فانساقت. وساق إلى امرأته صداقها».١٦٩ وجاء في لسان العرب: قال أبو منصور : السُّوقة بمنزلة الرعية التي تَسُوسُها الملوك، سُمُّوا سُوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم. يقال للواحد سوقة. ... السُّوقة من الناس الرعية. ومَنْ دون الملك. وكثير من الناس يظنون أن السوقة أهل الأسواق. السُّوقة من الناس من لم يكن ذا سُلطان. ۱۷۰ أي أن السحب والرياح يوجهها الحكيم بحكمته لتمطر السماء، أي بسوقها. ولأن السوق يعني السيطرة بحكمة، ولأن الحكمة لها حيثيات، أي أن هناك حيثيات لهذا السوق، فإن وقع الإنسان على هذه الحيثيات فلعله يستطيع التوجه لحيث المياه ببصيرة وذلك إما قبل نزول المطر انتظاراً له أو بعد نزوله بمعرفة مواقع نزوله. ولعل المهم أيضاً هو أن هذا الماء النازل حتى وإن كان قليلاً ووجده الإنسان بعد نزوله، فإنه (وبالذات لأهل الوبر من خلال التجربة ،والتعلم أي التبصر)، يستطيع التعامل مع هذا الماء القليل للاستفادة منه. فمن تعريفات الواحة مثلاً إيجاد الحياة من قطرة ماء بحسن استغلالها. فإن كان المطر قليلاً جداً فقد لا يجتمع للإنسان من الماء ما يكفيه ليشرب منه وبالذات إن وصل لحيث مواقع الأمطار متأخراً بعد نزولها، فقد شربتها الأرض ليخرج الكلأ الذي تأكله الأنعام أولاً، ثم يعيش الإنسان على هذه الأنعام من لبنها ولحمها ثانياً. فتأمل الحكمة من تقديم الأنعام على الإنسان في الآية.
ولعلك هنا تسأل: ولكن هل في هذا تعارض، لأنني قلت سابقاً في الحديث عن المجاعة أن الأمة المسلمة إن طبقت الشريعة فستتحمل شتى أنواع الكوارث التي سميتها بالشدائد تأسياً بالقرآن الكريم) لأن الأمة ثرية، أما


١٠ ابن السبيل
١١٥٧
هنا فأقول بأن الجفاف المستمر قد يكون وسيلة لتحويل طائفة من الحضر إلى حياة الترحال، أي أن هذا تناقض واضح؟ فأجيب كما سيأتي تالياً، فإن حث الشريعة الناس على الهجرة سيؤدي لظهور مستوطنات تتكاثر وتتقارب بزيادة التعداد السكاني، لأن الموارد موزعة في الأرض بدل تركز السكان في مدن كبرى وعندها فإن الأمة في وضع أفضل لتحمل الشدائد بتآزر المستوطنات، إلا أن الأمة ليست دائماً في هذا الوضع لأن الشريعة لم تطبق لآجال، فإن طبقت لعقود ولأجيال سنصل لتلك المرحلة والتي يمكن وصفها على أنها شبكة من المستوطنات المتصلة التي تدعم بعضها بعضاً. أما إن لم تظهر هذه الشبكة لأن الشريعة لم تطبق لآجال، أو لأن التعداد السكاني منخفض جداً في إقليم ما، فعندها فإن أية شدة (كجفاف مستمر لسنين تصيب مستوطنة شبه مقطوعة، فستؤثر بالطبع في سكان تلك المنطقة، عندها ستظهر فائدة البدو الرحل الذين يمتلكون معرفة النجاة في مثل هذه الظروف. ولعل هذه من الحكم التي «لم» تدفع بسببها الشريعة البادية على التحضر (والله أعلم) . وللوقوف على هذه المسألة بطريقة أفضل لننظر ببعض التفصيل لأهمية الهجرة في الإسلام.
۱۷۲
۱۷۱
فقد
لقد كانت الهجرة على من أسلم أمراً مطلوباً لكي يتآزر المسلمون ولا ينال منهما الأعداء منفردين في الديار. ثم عندما استقر أمر المسلمين بعد فتح مكة وزال خطر الفتنة عن الدين تغير الحال. فعن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا). وعن عمرو بن دينار عن طاوس «أنه كان يأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استقروا على سكناكم، انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية، فإذا استنفرتم فانفروا)». وعندما قدم سلمة بن الأكوع إلى المدينة «فلقيه بريدة بن الحصيب فقال: ارتددت يا سلمة عن هجرتك، فقال: معاذ الله. والله إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اسكنوا الشعاب). فقالوا: يا رسول الله: إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا. فقال: أنتم مهاجرون حيثما كنتم». قال أبو عبيد: «وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا وجه آخر: أنه قال: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)».١٧٤ ومن آثار أخرى، وكما هو معلوم، فإن هجرة الفرد أو حتى الجماعات الصغيرة للحاق بالجماعات الأكبر فراراً بالدين أمر حث عليه الإسلام بعد فتح مكة، وهذا الأمر يتغير من فرض عين إلى أمر مستحب بناءً على خطورة الموقف. فكلما كان المسلم مستضعفاً أو غير متمكن من دينه كلما وجبت عليه الهجرة. فكما ترى أخي القارئ فإن أهمية تكتل المسلمين في جماعات أمر عظيم في الإسلام. فعن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ..
۱۷۵
۱۷۳
وأهمية التكتل في الإسلام لعدة أسباب منها مثلاً تمكن المسلمين من الدفاع عن أنفسهم. ومنها أيضاً تمكنهم من دينهم، لأنهم بتواجدهم بالقرب من بعضهم البعض يحثون بعضهم للقيام بأمور دينهم. وجميع. هذه الأسباب تجتمع ولا تأتي إلا بقيام الإسلام كدين حاكم. لذلك كان النهي عن العيش في بلاد غير المسلمين إلا لضرورة. فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين). قالوا: يا رسول الله ولم ؟ قال : لا تتراءى ناراهما). ١٧٦ ولأن الحفاظ على الدين من أهم ما في حياة المسلم، فقد قدم في المصالح. فتأمل الآتي والذي ذكره أبو عبيد (والذي مر بنا في الاقتباس السابق): فعن ابن جريج في قوله تعالى في آخر سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيل الله


١١٥٨ 🗏
وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ
يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوا أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا مَعَكُمْ فَأَوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قال: قال ابن عباس : ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم توفي على أربع منازل مؤمن مهاجر والأنصار، وأعرابي لم يهاجر، إذا استنصره النبي صلى الله عليه وسلم نصره، وإن تركه فهو إذنه له. وإن استنصروا النبي صلى الله عليه وسلم كان حقاً عليه أن ينصرهم، قال: فذلك قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، قال : والرابعة التابعون بإحسان» .
۱۷۸
۱۷۷
ومن النص السابق نلحظ أن لتناصر المسلمين أهمية ندركها من الآتي: قال ابن جريج: «وقوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ، يقول إلا تعاونوا وتناصروا في الدين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». قال ابن كثير: «أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل». إلا أن ابن كثير وغيره من المفسرين إن عاشوا الآن ورأوا ما عليه سكان الأرض من فساد وتلوث لتعجبوا من إعجاز القرآن الكريم بالتنبؤ بالفساد والتلوث بقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، وذلك لأن في عدم تكتل المسلمين مقارنة بتكتل الكفار ضعف للمسلمين، وبالتالي تراً لقيادة العالم لغير المسلمين، فكان الحكم للكفرة بعقولهم، أي بأهوائهم، وعم الأرض التلوث البيئي والانحلال الخلقي. لذلك كانت الحاجة ملحة للبشرية عامة أن يتكتل المسلمون حتى وإن كانوا قلة في بقعة صغيرة متحدين فيزدادوا قوة باتحادهم ثم ينتشروا شيئاً فشيئاً ولكن من خلال التكتل لينشروا حكم الله حتى لا يقع الفساد. فتأمل.
تذكر أخي القارئ ما ذكرته في فصل «القذف بالغيب» من أنه لابد من وجود حلبات للصراع بين الحق والباطل حتى تظهر محاسن الحق فينتشر، وما ذكرته من أن هناك ستة احتمالات وأن الشريعة تحاول إيجاد جماعات مؤمنة تحكم بشرع الله فينتشر الحق على أيديهم القوية بمن الله وقوته والآن لنضيف للسابق الآتي: لأن القوة في الماضي كانت محصورة في الشجاعة والتنسيق بين عدد أكبر من المقاتلين وما إلى ذلك من أمور مطلوبة للنصر آنذاك، لم يخطر على من فسروا القرآن الكريم أنذاك بأن هناك طريقاً آخر للنصر أصر عليه القرآن وشرحه بوضوح إلا أن المفسرين لم يركزوا عليه ألا وهو التمكن الاقتصادي وسآتي على الأدلة الشرعية حالاً، ولكن قبل ذلك أريدك أن تنظر للعالم الغربي الذي تمكن تقنياً بعد تمكنه اقتصادياً وبالتالي استفردت الحضارة الغربية بالعالم برغم فقدان الكفرة للشجاعة لحبهم للدنيا. فالشجاعة لم تعد معياراً وحيداً للنصر كما ظن المفسرون السابقون، ألا ترى اليهود يحاربون المسلمين في فلسطين ﴿مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾، والتي قد تأول أيضاً على أنها من داخل المصفحات، والله أعلم. وهذا التمكين الاقتصادي لا يأتي إلا بالانتشار (الهجرة) في الأرض وبتفجير مكامن الخيرات فيها والعمل حتى تصبح المواد الخام منتجات للتمكين كما فعل سكان الغرب عندما انتشروا في الأرض واستعمروا الدول وسخروا سكانها لخدمتهم. لذلك نجد أن القرآن الكريم حث المسلمين مراراً وتكراراً على الضرب في الأرض وقرنه بالجهاد، بل


١٠ ابن السبيل
.
۱۷۹
۱۸۰
١١٥٩
وقدمه عليه ١٧٩ والضرب في الأرض هو الإبعاد فيها سيراً». ١٨٠ تدبر قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. وبرغم تقديم الآية لمن يضربون في الأرض سعياً للرزق على المجاهدين في سبيل الله، إلا أننا نجد أن التفاسير ذهبت لتخفيف أهمية الضرب في الأرض مقارنة بالجهاد بالنفس. ١٨١ ولا شك أن الجهاد بالنفس أفضل، إلا أن القرآن الكريم ذهب لحث الناس على الضرب في الأرض لأنه أيسر لنفوس الكثير، مثلما قدم القرآن الكريم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، برغم أفضلية الجهاد بالنفس، وذلك لطبيعة النفس البشرية المحبة للدنيا إلا من رحم الله، والله أعلم.
۱۸۱
وكذلك تدبر قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فنرى أن التفاسير لا تعطي الضرب في الأرض طلباً للرزق أهمية ترقى للجهاد برغم تقديم الآية للضرب في الأرض على الغزو في سبيل الله . ففي الآتي مثال على ذلك: قال أبو جعفر:
۱۸۲
يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين، يقول لهم : لا تكونوا أيها المؤمنون في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الله، على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته. ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمة وأخبرهم أن موتاً في سبيل الله أو قتلاً في الله خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله،
ويتأخرون عن لقاء العدو».
۱۸۳
ففي هذا التفسير، كما في غيره، تم ربط الموت بالسفر، وربط القتل بالجهاد ثم وضعا معاً في سبيل الله، والذي عادة ما يفهم على أنه القتال ؛ وبهذا ذهب تأويل الآية إلى إبراز الجهاد. أي ذهب التأويل إلى الحث على القتال كسبيل وكأنه الأوحد للتمكين. ولنأخذ آية أخرى قال تعالى في سورة الزمر : ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ترى هنا أن معظم التأويل تذهب إلى أن الأجر الكبير هو في الهروب بالدين من أرض لا يتمكن المسلم من القيام فيها بمتطلباته التعبدية، وبالتالي فإن الأجر ليس بالضرورة في الضرب في الأرض طلباً في إصلاح الحال مستقبلاً. فقد جاء في تفسير ابن كثير مثلاً:
وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ، قال مجاهد : فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان. وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ ، قال إذا دعيتم إلى معصيته فاهربوا ثم قرأ : ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفِّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا. وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك. وقال السدي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، يعني في الجنة».
١٨٤
أي أن التأويلات ماضوية النظرة. فهي وكأنها تأمر المسلم الذي لا يستطيع القيام بأوامر الإسلام بالانتقال
من تلك المنطقة، باعتزال الأوثان مثلاً. أما ما أحاول إبرازه هنا فهو النظرة المستقبلية أيضاً. فإن قرأت آيات الهجرة


  1. 🗏
    السابقة مرة أخرى ستلحظ أنها تدفع المسلمين للهجرة في كل الأحوال لإصلاح الحال. أي ليس هرباً من سوء معاملة جماعة أو الشعور بالضعف بينهم فقط، بل أيضاً طلباً لتحسين الحال، وهؤلاء المهاجرين في جميع الأحوال لهم أجر كبير. فقد جاء في تفسير أبي السعود:
    «﴿إِنَّمَا يُوَفِّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، إلخ ترغيب في التقوى المأمور بها وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر كحيازتهم لفضيلة الإحسان لما أشير إليه من استلزام التقوى لهما مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق المهاجرة ومتاعبها. أي إنما يوفى الذين صبروا على دينهم وحافظوا على حدوده ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه لما اعتراهم في ذلك من فنون الآلام والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل ومفارقة الأوطان أجرهم بمقابلة ما كابدوا من الصبر. بِغَيْرِ حِسَابٍ ، أي بحيث لا يحصى ولا يحصر. عن ابن عباس رضى الله عنهما: لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يعرف وفي الحديث أنه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيؤتون بها أجورهم ولا تنصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صباً حتى يتمنى أهل العافيه في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من
    الفضل» .
    ١٨٥
    وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿يَعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاَيَ فَاعْبُدُونِ﴾. أَلا تدل الآية على أن السفر والترحال للعمل والانتشار في الأرض عبادة؟ إن نظرت للمدن الكبرى، تجد آلاف المحلات التي تقدم خدمات محددة مثل غسل الملابس أو الحلاقة أو بيع الفواكه، وجميع أصحاب هذه المحلات يتنافسون فيما بينهم بضراوة لكثرتهم في تلك المدن والسبب في بقاء هؤلاء في مثل هذه الحال من التنافس هو عدم رغبة ملاكها في الانتقال من تلك المدن. أما من يهاجر لمناطق جديدة بها خيرات لم تستغل بعد، فإنه سيقدم خدماته لسكان تلك المناطق المستحدثة ذات الخيرات غير المستنهكة دون منافسة شديدة أو حتى دون منافسة تذكر. وفي هذا تكميل ودعم لسكان تلك المناطق لتسير حضارة تلك المستوطنة إلى طريق الاكتمال فتأمل الآية، ثم انظر لما جاء في تفسير الآية من قول الإمام أحمد رحمه الله إذ يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم) » . ١٨٦ وجاء في المعجم الأوسط» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الله قال: (التمسوا الرزق في خبايا الأرض . فإن كان العمل عبادة كما تدل عليه الآثار الكثيرة الثابتة (وسنأتي عليها بإذن الله في فصل «البركة») فإن هذه الآيات والآيات الأخرى التي تدفع المسلمين للضرب في الأرض هي آيات مستقبلية النظرة، أي أنها تخطط للمسلمين ما عليهم فعله لصالحهم مستقبلاً. وتعني أن المزيد من الضرب في الأرض هو المزيد من القوة للأمة المسلمة. فإن اغتنى فرد واحد في الأمة بترحاله وتمكن وأصبح دافعاً للزكاة وليس آخذاً لها، فإن وضع الأمة أفضل قليلاً، وإن تمكن اثنين فهذا أفضل وأفضل، وهكذا مع الثالث ثم الرابع حتى يعم التمكين جميع أفراد الأمة فتكون عندها الأمة غنية. وعندما تكون الأمة غنية في أفرادها وليس في حكامها، فإن التربة ستكون خصبة للعلماء للمزيد من الانطلاق في الدعوة لحث الناس للجهاد والبذل والعطاء ومكارم الأخلاق وليسوا علماء مكمكمي الأفواه كأيامنا هذه. وهكذا (كما سيأتي بإذن الله) فإن الأمة ستزداد قوة
    رسول
    ل
    وعزة لأن هناك الكثير من المال لينفق في أوجه الخير والجهاد.

هامش

ل) وجاء في المعجم الأوسط: «لم يرو هـذا الحديث عن هشام بن
عروة إلا هشام بن عبد الله » (۱۸۷).


١٠ ابن السبيل
1161
لقد اختلفت التأويل في المعنى الذي أريد به سعة الأرض في الآيات السابقة، «فقال بعضهم: أريد بذلك أنها
۱۸۸
لم تضق عليكم فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه، ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فاهربوا منه . وقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أخرج من أرضي لكم من الرزق واسع لكم»، لما في الأرض من الخير والخصب. وقد ذهب المفسرون إلى أن الأولى بالتفسير هو الهروب من المكان الذي لا يتمكن فيه المسلمون من القيام بأمور دينهم بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِيَّيَ فَاعْبُدُونِ﴾ .۱۸۹ أي أن النظرة علاجية لإشكالية يعيشها المسلم. لكن إن عاش هؤلاء المفسرون ورأوا ما يجري للمسلمين الآن من ضعف نظراً لمنع السلطات الناس من الضرب في الأرض بامتلاك الدول للأراضي وإقامة الحدود التي تفصل بين الناس لقالوا بالجمع بين التأويلين، مع ترجيح التأويل الأول، أي بالجمع بين الهروب من مكان لا يتمكن فيه المسلمون من القيام بأمور دينهم، وبين
الضرب في الأرض سعياً للرزق لتمكين الأمة حتى وإن كانت مستوطناتهم التي يهاجرون منها تطبق الشريعة. وقد أتى الربط بين الضرب في الأرض وسعة الرزق بوضوح في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ الحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بهِ عَلِيمٌ﴾ . وقد نزلت هذه الآية في فقراء المهاجرين في المدينة المنورة، وحض الناس للتصدق عليهم، وأن سبب فقرهم هو عدم تمكنهم من الضرب في الأرض سعياً للرزق. أي وكأن في الآية دليل على أن عدم الضرب في الأرض سيؤدي للفقر، أو فيها مؤشر على أن أهم مسبب للفقر هو عدم المقدرة على الضرب في الأرض. فقال الطبري في معنى الإحصار أنه تصيير الرجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوه، وغير ذلك من علله إلى حالة يحبس نفسه عن التصرف في أسبابه». وقال أبو جعفر في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾»: «لا يستطيعون تقلباً في الأرض وسفراً في البلاد ابتغاء المعاش وطلب المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات ....» .. وقال ابن كثير: «والضرب في الأرض هو السفر».
۱۹۰
ثم لننظر لآية أخرى لتأكيد الاستنتاجات السابقة من أن الهجرة ليست بالضرورة فقط للقتال، بل تأخذ أيضاً معنى الترحال لمنطقة ما لتحسين الحال، قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾. هنا ترى في الوعد بالتكريم لمن هاجر إن هو قتل أو مات بأن له الرزق الحسن. وإن نظرت للتأويل الآتي لابن كثير تلحظ أنه كما في التأويلات السابقة توجه التأويل على أن الهجرة هي السفر فراراً من الكفرة أو لقتالهم في الأغلب. وما أحاول إثباته هو أن الهجرة هي أقرب في التأويل إلى الضرب في الأرض لتحسين الحال الاقتصادي. يقول ابن كثير:
يخبر تعالى عمن خرج مهاجراً في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلباً لما عنده وترك الأوطان والأهلين والخلان وفارق بلاده في الله ورسوله ونصره لدين الله ، ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أي في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ ، أي حتف أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ، أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ ، أي الجنة كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ، فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة


١١٦٢ 🗏
.
النعيم كما قال ههنا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، ثم قال ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ ، أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك. حليم ، أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه. فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فإنه حي عند ربه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ، والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم. وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه وعظيم إحسان الله إليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن ابن الحارث، يعني عبد الكريم عن ابن عقبة، يعني أبا عبيدة بن عقبة، قال: قال شرحبيل بن السمط : طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم ، فمر بي سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في سبيل اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ، وقال أيضاً : حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني ضمام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بجنازتين إحداهما قتيل والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل فقال فضالة : مالي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾، حتى بلغ آخر الآية. وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له تركت الشهيد فلم تجلس عنده ! فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميراً على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفي فذكر نحو ما تقدم .
۱۹۱
.«...
لعل الملحوظة الأهم في التأويل السابق هي قول فضالة بين عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبيل اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾». وفي مقولته هذه إشارة إلى التساوي في الأجر بين من هاجر وقتل أو هاجر ومات. وفي هذا والله أعلم استنتاج أن الهجرة ليست بالضرورة للقتال بل قد تكون بالضرب في الأرض لطلب الرزق. كيف؟ وهل هذا يعارض ما استنتجناه في فصل «دولة الناس» مما للشهيد من مكانة مميزة؟ إن تأويل ابن كثير، وكذلك التأويلات الأخرى التي أولت الهجرة المنتهية بالقتل على أنها جهاد، وأن الهجرة المنتهية بالموت هي موت حتف الأنف من غير قتال على الفرش وأنها أيضاً لابد وأن تكون جهاداً، فهذه التأويلات التي تساوي بين المقتول والميت اتجهت على أن كلا النهايتين هي في المعركة، لذلك فهناك نوع من التسوية لأن النية للاثنين هي الخروج للقتال لرفع كلمة الله وجل. وهنا ملحوظة دقيقة، وهي أنه إن كانت الهجرة كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من ترك الديار من بين الكفار، أي من مكة المكرمة، إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، فالتأويل الذي قال به ابن كثير نافذ ودقيق لأن الفرد المهاجر قد يقتل أو يموت في الطريق وقبل الوصول. أي أن الآية تصف حالة
عز


١٠ ابن السبيل
١١٦٣
محددة لوقت محدد، ، وكأنها صالحة لذلك الوقت فقط. ولكن لأن الآية صالحة لكل زمان، فسبب نزولها ليس مقيداً بحدث محدد لا يتكرر، بل الحاجة للهجرة ستظهر مراراً وتكراراً على مر التاريخ. فإن كان الهدف من الهجرة هو رفع شأن المسلمين من خلال الانضمام للجماعة المؤمنة، فإن الهدف سيتحقق بالضرب في الأرض بفراق الجماعة المؤمنة لمنطقة بها خيرات لأن في هذا رفع لشأن الأمة المؤمنة اقتصادياً. ولأن هذا الضارب في الأرض سيجد الكثير من المشاق وبالذات إن ذهب لموقع جديد هو من أوائل من سكن بها لأن بها خيرات مكتشفة حديثاً. لذلك فإن أجره عظيم إن خلصت نيته كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفِّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وبالطبع فإن الأجر عظيم لأن في هذه الهجرة قوة وعزة عسكرية أيضاً بعد كثرة الخيرات بأيدي المسلمين. وقد تكون الهجرة أيضاً من قلب مستوطنات المسلمين إلى أطرافها حيث لقاء العدو (سيأتي بإذن الله عند توضيح «المراغم»).
وفي جميع الأحوال، سواء كانت الهجرة فراراً بالدين للانضمام للجماعة المؤمنة أو للضرب في الأرض بالفراق عن الجماعة المؤمنة للبحث عن الخيرات أو للبحث عن العدو لمنازلته، فإن في معاناة الهجرة لمفارقة الأهل والديار ألم لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ومن مر بهذه التجربة. لذلك كان الوعد بالأجر الوفير حثاً للمهاجرين كما هو واضح من التأويل السابق. وبالطبع فإن كل هذا مشروط بخلوص النية لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى). وفي هذه الحالة، أي عندما يموت الشخص وهو مهاجر لمنطقة بها خيرات أو بحثاً عن الخيرات وناوياً بذلك رفع راية المسلمين عن طريق العزة الاقتصادية، فإنه حتى وإن مات ولم يقتل فهو في سبيل الله. فله الأجر العظيم في الآخرة، وله الوعد برغد العيش في الدنيا إن لم
يمت.
۱۹۳
ولتأكيد هذا الاستنتاج، أي أن في كل ضرب في الأرض مزيد من العزة للأمة، لننظر لآية أخرى: قال الحق سبحانه تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبيل اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال ابن عباس: «المراغم التحول من أرض إلى أرض وقال مجاهد : ﴿مُرَاغَمَا كَثِيرًا﴾ ، يعني متزحزحاً عما يكره». وقال السدي: «مبتغى للمعيشة».١٩٢ وفي قوله: ﴿وَسَعَةً﴾ ، قال ابن عباس والضحاك والربيع: «السعة في الرزق»، وقال غير واحد هو التحول من الضلالة إلى الهدى ومن القلة إلى الغنى». إلا أن الطبري رحمه الله لخص الأقوال بأن الأولى بالصواب هو أن «يدخل في السعة : السعة في الرزق والغنى والفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهم والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني السعة التي هي بمعنى الروح والفرج من مكروه ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم ... » . . ولأهمية الآية لموضوعنا لنحاول تدبرها ووضعها في إطار معاصر (وهذا مطلب علمي لنهوض الأمة. لننظر أولاً لتفسير القرطبي رحمه الله إذ يقول مبيناً أنواع الضرب في الأرض، ولكن ركز أخي القارئ على معنى «المراغم»، فهي المقصد:
١٩٤
«فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ﴾، شرط وجوابه: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾ اختلف في تأويل المراغم، فقال مجاهد: المراغم المتزحزح، وقال ابن عباس
6
والضحاك والربيع وغيرهم : المراغم المتحول والمذهب. وقال ابن زيد: والمراغم المهاجر. وقاله أبو عبيدة. قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني. فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام. ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب. وراغمت فلاناً:


١١٦٤
هجرته وعاديته ولم أبال إن رغم أنفه. وقيل إنما سمي مهاجراً ومراغماً لأن الرجل كان إذا أسلم عادی قومه وهجرهم، فسمى خروجه مراغماً، وسمى مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة. وقال السدي: المراغم المبتغي للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: المراغم الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى وكله قريب بعضه من بعض. فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده. فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم. فتلك المنعة هي موضع المراغمة. ومنه قول النابغة: «كطود يلاذ بأركانه عزيز
المراغم والمهرب».
سعة
الثانية قوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾، أي في الرزق. قاله ابن عباس والربيع والضحاك. وقال قتادة: المعنى من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى وقال مالك : السعة سعة البلاد. وهذا أشبه بفصاحة العرب. فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرج. ونحو هذا المعنى قول الشاعر : وكنت إذا خليل رام قطعي وجدت وراى منفسحاً عريضاً آخر لكان لي مضطرب واسع في الأرض ذات الطول والعرض».
الثالثة: قال مالك: هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق. وقال : والمراغم الذهاب في الأرض والسعة سعة البلاد على ما تقدم. واستدل أيضاً بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب. رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل المدينة. وروى ذلك عن ابن المبارك أيضاً.
الرابعة : قوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الآية .... ويقال جندع بن ضمرة من بني ليث وكان من المستضعفين بمكة، وكان مريضاً، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني. فهيء له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتنعيم. فأنزل الله فيه: ﴿وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾، الآية، ... وروى معمر عن قتادة قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ ، الآية، قال رجل من المسلمين وهو مريض: والله ما لي من عذر، إني لدليل في الطريق وإني لموسر فاحملوني، فحملوه فأدركه الموت في الطريق. فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو بلغ إلينا لتم أجره. وقد مات بالتنعيم. وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾، الآية. وكان اسمه ضمرة بن جندب، ويقال جندب بن ضمرة على ما تقدم. وكان الله غفوراً لما كان منه من الشرك، رحيماً حين
قبل توبته.
هي
الخامسة: قال ابن العربي: قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين: هرباً وطلباً. فالأول ينقسم إلى ستة أقسام الأول الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام. وكانت فرضاً في أيام النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان فإن بقى في دار الحرب عصى. ويختلف في حاله. الثاني الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف. قال ابن العربي وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، إلى قوله:﴿الظَّلِمِينَ﴾. الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام. فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع: الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه ، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار 🗏


١٠ ابن السبيل
بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. وأول من فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لما خاف قومه قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّي﴾ ، وقال : ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وقال مخبراً عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ، الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة. وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح، فيكونوا فيه حتى يصحوا. وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون. فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم بيانه في البقرة. بيد أن علماء نا قالوا: هو مكروه. السادس الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه . والأهل مثله وأوكد.
وأما قسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دين وطلب دنيا. فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام : الأول سفر العبرة: قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ، وهو كثير. ويقال إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها. وقيل: لينفذ الحق فيها. الثاني سفر الحج والأول وإن كان ندباً فهذا فرض الثالث: سفر الجهاد وله أحكامه. الرابع سفر المعاش. فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه من صيد أو احتطاب أو احتشاش، فهو فرض عليه. الخامس سفر التجارة والكسب الزائد على القوت. وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾، يعني التجارة، وهي نعمة . من الله بها في سفر الحج. فكيف إذا انفردت السادس في طلب العلم وهو مشهور السابع قصد البقاع. قال صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). الثامن الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع زيارة الإخوان في الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكاً على مدرجته، فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ قال: لا غير أني أحببته في الله . عز وجل. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) . !
.
۱۹۵
1170
إن المهم بالنسبة لموضوعنا هو معنى المراغم. فإن قرأت السابق ستلحظ أن المعنى الأوضح والخاص كما ذكر القرطبي بالمراغم هو: «موضع المراغمة»، أي أنها مكان. وما يميز هذا المكان . هو «أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده. ثم ذكر مثالاً توضيحياً بالقول: «فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم. فتلك المنعة هي موضع المراغمة». ثم : تلحظ أيضاً على الآية أنها نداء من الحق سبحانه وتعالى لكل مسلم، وأنها غير محددة بزمن معين، بل أطلقها سبحانه وتعالى نداءً لكل الأفراد في كل الأجيال في كل الأزمان بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ﴾. وهنا قد تقول: إلا أن الآية تحدد معنى الهجرة بأنها في سبيل الله وهذا لا يكون إلا للخروج للقتال أو ترك ديار الكفر. فأجيب: لقد ضيقت واسعاً يا أخي، فإن كانت الثقافة في المجتمع المسلم منتشرة على أن الضرب في الأرض للبحث عن الخيرات مسألة فيها مخاطرة بالحياة كمن يذهب للربع الخالي للبحث عن اليورانيوم مثلاً، وأن في هذا نصر للمسلمين بإضافة مثل هذه المادة الحيوية لحوزتهم وأن في هذه الخطوة نصر للمسلمين أكثر من ذهاب فرد إضافي لأرض المعركة، فإن هذا يعتبر جهاداً في سبيل الله إن كانت نية هذا الضارب في الأرض رفع شأن الأمة. وهذا ما يجب على العلماء الآن نشره وتأكيده، وهو أنه إن كان في السفر لتحسين حال الفرد لنفسه مالياً نية رفع شأن الأمة بخروجه من الفقر أو بإيجاد مصنع جديد أو منتج جديد أو التعلم لتقنية جديدة أو ما شابه من محفزات فإن كل هذا وما شابه يعتبر جهاداً إن خلصت النية برغم أن المحصلات دنيوية ومادية.


1166 🗏
الكلمة
وما يؤكد هذا التوجه هو كلمة يجد في الآية فهي جواب الشرط لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ﴾. ففي وعد «لكل» من هاجر دون استثناء أنه سيجد . ولاحظ أن الآية لا تقول بأنه «سيجد» بحرف السين إشارة الظرف المستقبل، بل هي مباشرة بالقول: يجد ، تأكيداً للمزيد من الوعد وما يزيد التأكيد أن السفر طلباً للرزق هو جهاد في سبيل الله هو عبارة ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾ . فإن كان المقصود بالهجرة الهرب من الكفار فقط أو قتالهم، فإن المهاجر سيجد جماعة في موضع محدد، أما الإطلاق بأن المسافر يجد في الأَرْضِ، ففيها وعد أدق بأن المقصود بالأرض هي الأرض عيناً بذاتها باتساعها لأنها هي مكامن الخيرات. فهذا التحديد الأول.
ثم يأتي تحديد آخر من خلال التنويه على أنه لأن الكرة الأرضية كبيرة جداً، فإن الخير سيوجد في موضع محدد على الأرض، ألا وهو موضع المراغمة. ولأن المعنى من المراغم هو موضع محدد، وهو موضع يغلب فيه المسلم من ينازعه رغم أنفه، ولأن الغلبة الآن في هذا العصر هو التمكن المادي بسبب التفوق الإنتاجي، وهذا يحدث في مواضع محددة إلا أنها «كثيرة»، مثل موقع المنجم وموقع المصنع، فإن كل مسلم يهاجر طلباً للرزق سيجد من خلال ضربه في الأرض ﴿مُرَاغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ . فإن كان المقصود بالهجرة فقط ترك مواطن الكفار، فإن ما سيجده المهاجر قد لا يكون فيه سعة كما حدث مع المهاجرين للمدينة من أهل الصفة مثلاً. تأمل الآية، فهي واضحة وضوح الشمس في هذه المسألة، فهي تقول بأن هناك سعة كثيرة في مواضع المراغمة. أي أن كل من هاجر طلباً لإصلاح حاله ونيته خالصة لله لرفع شأن المسلمين، وحتى إن كان ذلك طلباً للمال، فإن الله الحق سبحانه وتعالى سيجد الخير الكثير والذي هو في الوقت ذاته يعد مراغمة لأنوف الكفار لأن في المزيد من الرزق لهذا الفرد مزيد من القوة للأمة لأنه بتحسين حال فرد واحد سيزداد حال الأمة قوة، وفي هذا إرغام لأنوف الكفرة. إن عدت وقرأت الآية بهذا المفهوم أخي القارئ ستجد أنها واضحة وضوح الشمس.
يعده بأنه .
وما يؤكد هذا الاستنتاج أيضاً هو قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾. فالآية تربط بين التمكين والمعايش. فهي أيضاً واضحة بأن التمكين في الأرض يأتي من خلال المعايش، أي ما يعيش الناس عليه من مستهلكات ومستخدمات وما شابه مما يجعل أفراد الأمة أقوياء صحة وعلماً وعقيدة. لاحظ أن التمكين أتى قبل المعايش، والمقصود بالتمكين بالطبع مقصوصة الحقوق التي فتحت أبواب التمكين لينطلق الناس إن طبقت مقصوصة الحقوق، ثم تأتي المعايش بسبب وصول الناس للخيرات (الأصول المنتجة). وإن تم ربط هذا بقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ، فإن التمكين يأتي بالمعايش التي تزداد بالشكر الله جلت قدرته، وهذا يزيد التمكين في أمة أبوابها مشرعة لمن أراد العمل والإنتاج. وهكذا من دورات تمكينية تزيد الأمة قوة جيلاً بعد جيل بحيث يستحيل على أي أمة أخرى اللحاق بها. فله الحمد وله الشكر على هذه الشريعة وعلى هذه الخيرات.
والآن لنربط التمكين من خلال الهجرة بالزكاة فكما مر بنا سابقاً، فإن من الفقهاء (مثل القرضاوي) من ذهب لإمكانية إخراج الزكاة وبالذات الوقص في الأنعام أثماناً مثل زكاة البقر لصعوبة نقل وخزن البقر. وكما مر بنا فإن الوقص هو الذي بين الفرضين، ولا زكاة فيها بتحويلها لأثمان، بل تصر الشريعة لإخراج زكاة الأنعام والثمار بتلافي الأثمان، فإن علم فقراء مناطق أخرى بثراء منطقة ما سيذهبون إليها كمهاجرين ويأخذون الزكاة أعياناً. وفي هذا الإصرار فائدة لأن المهاجرين عندما يأخذونها فهم قد يبدؤون حياتهم في نفس خط من أخذوا منهم


١١٦٧
١٠ ابن السبيل
الزكاة، أي في مهنة الرعي إن كان الخارج من الزكاة من الأنعام أو قد تكون الزكاة عوناً لهم في الغذاء إن كان الخارج من الزكاة قوتاً. ومن الأمثلة الواضحة لهذا التمكين زكاة الزروع. فكما مر بنا سابقاً فإن لزكاة الزروع توقيتين وقت محدد لوجوب الزكاة، ووقت آخر لإخراج الزكاة وذلك فيما يجب أن يجفف ويصفى ليصبح قوتا، كالتمر وليس الرطب، والزبيب وليس العنب. وفي هذا مزيد من التمكين لمن هاجر لمنطقة بها زكاة ولا مال له، فعندها سيأخذ من الزكاة التي يجب أن تخرج أعياناً كقوت فتكون عوناً له حتى يستمر في الحياة إلى أن يجد عملاً في المنطقة التي هاجر إليها بسبب توافر الخيرات من معادن أو أرض خصبة أو ما شابه. فكل مهاجر إن كان فقيراً بالطبع سيتمكن من الاستمرار في الحياة برغم فقره إلا إن لم يكن له زاد يأكل. منه، عندها سيزداد حاله سوءاً. فلأن الغذاء هو الأهم، ولأنه لابد وأن يخرج من جنس المال المزكى، فإن المهاجرين سيحصلون على ما يمدهم . لحين الاستغناء بعد العمل لأن لديهم مما يقتات من الغذاء إن هم هاجروا لمواطن الزكاة، لا أن تأتيهم الزكاة في مواقع
بطالتهم.
بالقوة
وهذا ينطبق أيضاً على زكاة الفطر، فهناك خلاف فقهي معاصر بين العلماء على إمكانية إخراج زكاة الفطر أثماناً. وما حدث هذا إلا لأن الحدود الفاصلة بين الدول أوجدت فقراء في مدن كمدن دول الخليج النفطية هم بحاجة للأموال وليس بالضرورة للغذاء. ففقرهم مقارنة بمن حولهم من الأغنياء واضح، إلا أنهم ليسوا بحاجة ماسة للأكل، لذلك يأخذون القوت ثم يبيعونه للتجار مرة أخرى، وهؤلاء يبيعونه لمن يريد أن يخرج زكاة الفطر، وهكذا. أليس في هذا تلاعب واضح؟ فحار الفقهاء. لذلك ذهب بعضهم بجواز إخراجه أثماناً، ونظر بعضهم في إمكانية نقله لمنطقة أخرى إذ لا هجرة. تأمل هنا إصرار الشريعة من إخراج زكاة الفطر من قوت أهل البلد: فعندما يأتي ابن سبيل فقير أو حتى إن كان مكتفياً في موطنه ولكن لا مال له حيث هاجر، ثم يأخذ من القوت كزكاة فطر، فإن في هذا القوت غذاء له يمكنه من الاستمرار قوياً حتى يجد عملاً لأن الخيرات أمامه حيث هاجر، ولأنه يرى حال من يعملون من رغد فيزداد بذلك همة.
وبالنسبة لمقدار الزكاة على المعادن والتي كانت ربع العشر مع اختلاف في ماهية المعادن كما مر بنا في فصل «دولة الناس»، ففي هذا دفع كبير للناس للضرب في الأرض بحثاً عن المعادن، ثم إن أضفنا لهذا حقيقة أن الموارد متفرقة على الأرض، وأن الهجرة ستؤدي لمستوطنات متفرقة حيث مواقع الخيرات، فإنه لابد من تجار لنقل المواد الخام والمصنعة من موقع لآخر، وبهذا يكثر التجار لكبر شبكة التوزيع، ولأن هذه الشبكة تعتمد على أفراد يعملون لأنفسهم أو شركات صغيرة مستقلة متعاونة فيما بينها، وليست شركات محتكرة (وسيأتي بيانه بإذن الله)، ستكثر بكثرتهم زكاة التجارة، وهكذا تكثر أموال الزكاة، فيكثر انتقال الأفراد كأبناء سبيل إلى مواضع الخيرات فيأخذون القوت كزكاة، فيعملون ثم يتمكنون ثم يدفعون الزكاة، وهكذا من دورات تدحر الفقر حتى تخرج الأمة بأسرها من الفقر لأن موارد الله المحسن الكريم الجواد المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق على الأرض لا تتصف بالندرة النسبية.
ثم لنتفكر في الوعيد لأصحاب الأخدود، وهي القصة المعروفة عن الغلام الذي هزم الملك الذي ادعى الألوهية فاقتنع الناس بوحدانية الله، فما كان من الملك المهزوم هو وجنوده إلا أن حفروا أخاديد وأضرموا فيها النيران وأحرقوا كل من آمن بالله كما في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَبُ الأَخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا


١١٦٨ 🗏
قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ . ثم بعد كل هذا الإجرام نجد أن الله الكريم العفو سبحانه وتعالى يعطيهم فرصة التوبة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ . فتأمل هذا الإجرام بادعاء الألوهية ثم قتل المؤمنين بحرقهم، ثم بعد كل هذا إتاحة الفرصة لهم للتوبة. هكذا الإسلام، وهذا ما تفعله الهجرة في الإسلام بالعفو لمن أخطأ ودون ظلم أحد. فعندما يهاجر فرد من منطقته التي هو بها ، فإن هجرته قد لا تكون عن فقر، بل قد تكون بسبب خطأ اقترفه هو أو قريب له كالسارق أو الزاني أو من زنى ابنه أو ابنته فقرر الهروب من الفضيحة. فأسباب ترك الأوطان كثيرة. والإسلام لا يريد خسارة هؤلاء المسلمين الذين أخطؤا، لذلك فإن المهاجر ستفتح له الأبواب مرة أخرى لأنه سيذهب لمنطقة لا يعرفه فيها أحداً، ولأنه ذاق عقاب جرمه أو خطئه السابق، فهناك فرصة للبدء مرة أخرى لا سيما إن كان ذا صنعة في موطنه فهو ينقل معرفة الصنعة معه. وعادة ما أشبه هذا للطلاب بالحاسب الآلي الذي ضربه فيروس فبعد مسح جميع المعلومات منه ، وإعادة تثبيت الأنظمة فيه، يعود وكأنه حاسب آلي جديد. وكذلك المهاجر، فهو جديد في موطنه الجديد في كل شيء، إلا العبر التي استفاد منها في سابق حياته. فما ذنب الزاني إن عوقب وجلد وافتضح أمره ورفضه الناس في موطنه. فهذا فرد يعتبر زيادة في الخير إن هاجر لأنه نال جزاء معصيته. وليس كأيامنا هذه: تذكر ما قلناه عن بصمات الأصابع وكيف أن الدول تحاول الاحتفاظ بها. وفي هذا الاحتفاظ بالبصمات هم على كل من أخطأ خوفاً على مستقبله لأن ماضيه الآثم لازال يلاحقه ويقف أمامه كعقبة حتى وإن صلح حاله. ففي العالم الغربي مثلاً مؤسسات عملها فقط حفظ سجلات تاريخ كل مواطن من حيث مصداقيته في التعامل (مثل التزامه بدفع مستحاته المالية مع الغير، كمن اشترى سيارة بالتقسيط مثلاً، إلا أنه تأخر عن موعد سداد الأقساط لظرف قاهر)، فإنه إن بادر للبدء في أي مشروع فلن يلقى الدعم اللازم من البنوك هنالك. وهكذا فإن هذه المؤسسات بحفظها لهذه السجلات، برغم أنها تحفظ حقوق المقرضين إلا أنها تؤدي لخسارة المجتمع للكثير من المثابرين الذي أخطؤا ونالوا عقابهم. فإن كان الله العليم أتاح الفرصة لمن أخطأ، ألا يجب علينا أن ننسى ما فعله البعض من زلات وبالذات إن هم نالوا عقابهم وتابوا ثم هاجروا. فالهجرة في ذاتها تعني الأمل في المستقبل. فهذا المهاجر ترك كل شيء خلفه من أهل وأحباب وذكريات لا ليبدأ مرة أخرى في مستوطنة ستغلق عليه كل شيء، وكما سترى في فصل «البركة»، فإن سمو المجتمع ونقاوته سيجعل الكل حتى الذي أخطأ وهاجر سيجد بيئة أخرى يبدأ منها حياة إنتاجية جديدة، وبهذا ستحفظ حقوق الجميع كما سيأتي في فصل «المدينة» بإذن الله.
نقياً،
ولعلك هنا تسأل: إنك تركز على التمكين والغنى والثراء، والإسلام دين زهد وورع، فكيف يمكن الجمع
استعاذ
بين الحالين؟ فأجيب: سيأتي التوضيح بإذن الله في فصل «الفصل والوصل»، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر والفقر في الدعاء المشهور : اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وأعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت فلاحظ كيف قرن صلوات ربي وسلامه عليه بين الكفر والفقر في دعاء واحد. وكما رأينا، فإن الشريعة تحاول زيادة نسبة الملاك ومع ازديادهم ومع فتح أبواب التمكين، فإن الكل سيصل لمرحلة يحصل فيها على جميع ضرورياته ولكن دون اسراف أو استكبار لتقارب الناس في الدخل، وفي الوقت ذاته فإن الأمة قوية وعزيزة لأن أفرادها أغنياء مكتفون فلا تقلق، سيأتي تبيان هذا بإذن الله، فالغنى مبطرة ومأشرة بين الفقراء، أما الغنى بين الأغنياء المتقين، فهو نعمة أرادها الحق سبحانه وتعالى لجميع خلقه إن هم حكموا بما أنزل الله.


١١٦٩
١٠ ابن السبيل
هو
أي أن الإسلام دين يحث المسلمين على التكتل ليزدادوا قوة، لأن في قوتهم أمن لهم وحكم بما أنزل الله. وفي الوقت ذاته يحثهم على الضرب في الأرض سعياً للرزق. وحتى تستمر حركية العثور على الموارد بالضرب في الأرض وضعت الشريعة حركية تضمن لمن يضرب في الأرض ما يكفيه من رزق برد زكاة الأعراب لفقرائهم ولمن يجتازون بهم. فالضارب في الأرض هو ممن يجتازون فلا تناقض بين الموقفين إذاً: أي بين موقف الحث على الترحال وبين بهم موقف التكتل مع جماعة المسلمين لأنهما من ضرورات التمكين. لذلك كانت الهجرة كحركية مسؤولية يحملها كل مسلم ليتخذ قراره كما يرى. فعليه نصر المسلمين متى احتاجوا لذلك، وعليه الضرب في الأرض هروباً من الفقر متى احتاج هو لذلك، وعليه الفرار بدينه متى احتاج لذلك إن كان في قرية الحكم فيها بغير ما أنزل الله. وعليه الضرب في أدغال الغابات وفي جوف الأرض وفي صقيع القطب المتجمد للبحث عما هو جديد من مواقع تزخر بالخيرات إن احتاج المسلمون لذلك ولديه المقدرة. قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةَ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. فتأمل هذا الوعيد لمن لم يفر بدينه. فهل في هذه الآية وعيد أيضاً لمن لم ينصر المسلمين وهم مستضعفون كحالنا اليوم برغم ثراء حاله؟ إلا أن الثابت هو أن في الآية دليل كاف أنه لا يحق لأي جماعة مسلمة وضع حدود خارجية تمنع سفر المسلمين لأن في هذا تعطيل للآية. أي أن المسلمين المعاصرين بوضعهم للحدود الفاصلة بين الدول يعطلون القرآن الكريم ويهلكون أنفسهم.
إن حاولنا تلخيص الهجرة في الإسلام في جملة واحدة لأمكننا القول أن الهجرة تكاد تكون مفروضة على كل مسلم حتى يتمكن من أداء ما هو مطلوب منه شرعاً. وكيف يأتي هذا المطلب إن لم يتمكن المسلمون من خيرات الأرض ويستغنوا !!! فالفقر ،مذلة، وفي المذلة ضياع للحقوق. وفي ضياع حقوق المسلمين حكم بغير ما أنزل الله. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لذلك فتحت الشريعة أبواب الضرب في الأرض وحثت عليه حتى يتمكن المسلمون من الموارد التي أودعها العلي القدير في أرضه، فإن لم ينتشر المسلمون وتقوقعوا في مدنهم لما كان لهم التمكين بتفجير مكامن الأرض من خيرات. ولعل أهم استنتاج من هذا الجزء هو أن الشريعة ستوجد أمة ذات عقلية همها الهجرة إلى حيث الأفضل لدنياها والذي فيه كسب للأجر في الآخرة. فإن نظرت إلى مواقع مقابر الصحابة والتابعين المنتشرة في أرجاء المعمورة لأدركت عمق هذه العقلية أو الثقافة في تشكيل الأمة. أما الثقافة المعاصرة فهي ثقافة انغمست في التقوقع حول من هم أسوأ، أي في المدن الكبرى كالعواصم حول حكام بلهاء. وشتان بين ثقافتين: إحداهما مهاجرة متحررة ومنتجة في هيكلها، والأخرى قابعة مقيدة ومستهلكة في جوهرها.

الحدود: قطع السبيل

قال تعالى في سورة العنكبوت مخبراً عن قوم لوط : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَئْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. أي أن قوم لوط كانوا يقطعون السبيل، فكان جزاؤهم لجرمهم هذا بالإضافة إلى إتيانهم الرجال شهوة العذاب الشديد كما قال


۱۱۷۰ 🗏
تعالى في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سجيل منضُودٍ﴾. فتأمل هذا العذاب بجعل القرية بأكملها ﴿َلِيَهَا سَافِلَهَا﴾، وإمطارها بحجارة ﴿ِّن سجيل منضُودٍ﴾ . أي أن الشريعة كما مر بنا سابقاً في آيات كثيرة، تحاول قفل جميع الأبواب التي قد تؤدي لقطع السبيل لعظم جرم قطع السبيل في حق الأمة. فبالإضافة إلى جميع الحركيات السابقة التي تحاول منع ظهور الحدود، فإن الشريعة حاولت جاهدة قتل بذور احتمالية ظهور أي حد بين أقاليم العالم الإسلامي. فالأنهار مثلاً أو سلاسل الجبال أو الأودية التي تفصل بين الأقاليم، تحوي بطبيعتها احتمالية أن تكون مكاناً لظهور الحدود بين دول أو أقاليم لأن من هم من وراء تلك المعالم الجغرافية قد يستخدمونها كأوكار أو كمناطق تخفي أو تحصن لإيقاف المسافرين أو للانقضاض عليهم. وقد كانت هذه المحاربة لإمكانية ظهور حدود فاصلة من خلال حركيتين: الأولى لمجابهة السلطان، والثانية لمجابهة الجماعات أو الأفراد الذين تسول لهم أنفسهم قطع السبل.
:
بالنسبة للأولى: فإن الشريعة تمنع الناس من العمل تحت حكم كل من لم يحكم بما أنزل الله الحق سبحانه وتعالى. ففي الترغيب والترهيب عن أبي سعيد و أبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا خازناً ) ١٩٦ ففي هذا الحديث نهي عن العمل تحت حكم كل من لم يحكم بما أنزل الله. وسبب هذا الاستنتاج هو الآتي: ترى في الحديث أنه صلوات ربي وسلامه عليه حدد ظرفين كمثالين لنوعين من الأعمال التي ستؤدي للحكم بغير ما أنزل الله : الأول هو تقريب شرار الناس وفي هذا مثال على فقدان الأمانة وانحطاط القيم وسوء الأخلاق عند هؤلاء، وهم الذين يعينون السلطان في إدارة الحكم. والظرف الثاني هو تأخير الصلاة. لاحظ أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يقل: عدم إقامة الصلاة، بل حددها بالتأخير والذي يعني بعض التهاون في الفرائض ما يشير إلى البعد عن التوكل على الله وعدم اللجوء إليه والاستعانة به. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في ذم بني إسرائيل بأنهم اتخذوا غير الله وكيلاً في سورة الإسراء: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِى وَكِيلًا﴾ . فتقريب السلطان لشرار الناس سيؤدي بالتأكيد للحكم بغير ما أنزل الله. فكما ذكرت سابقاً، فإن ما يُمكّن الحاكم من الحكم بغير ما أنزل الله هم من يطيعونه ممن حوله من بطانة، وهؤلاء يوظفون الآخرين للعمل لهذا السلطان. فكان النهي عن العمل لهؤلاء السلاطين إن هم قربوا شرار الناس أو أخروا الصلاة، وهذا معيار يستطيع أي مسلم أن يراه بأم عينه ومن ثم يحكم بنفسه ولنفسه. فتأمل هذا الحديث الذي يضع قرار العمل للسلطان بأيدي الناس من خلال معيار مشاهد واضح وهو تأخير الصلاة. فخطاب الحديث واضح، أي قوله: (فمن أدرك ذلك منكم)، وهذا خطاب لكل مسلم.
وهكذا فإن لم يعمل الناس لهذا السلطان الذي يقرب شرار الناس أو يؤخر الصلاة (وما أكثر من لا يقيمون الصلاة في أيامنا هذه، فلن يجد السلطان من يعمل له كعريف أو شرطي أو جاب أو خازن، وهذه بالطبع أمثلة لمن يقومون بالوظائف الحكومية وبالتالي لن يظهر الحكم بغير ما أنزل الله. فإن وضعنا هذين الظرفين موضع التنفيذ، أي تقريب شرار الناس أو تأخير الصلاة، مع ما مر بنا في الفصول السابقة من أن السلطان لا مال تحت تصرفه إلا اليسير، فعندها فإنه لن يعمل لهذا السلطان أحد في الحدود، وبالتالي لن تظهر الحدود.


١٠ ابن السبيل
۱۱۷۱
وبالطبع ستقول: ولكن هناك من الناس من سيعمل للسلطات لضعف الوازع الديني أو للحاجة للمال ! فأجيب: قد يستطيع السلطان فرض العمل على الناس من حوله قهراً، أما في الحدود، ولأنها بعيدة بطبيعتها عن مركز الحكم ومقر إقامة السلطان، فإن الانفلات من العمل منها قهراً أمر ميسور على الناس. ولكنك قد تقول رافضاً: إن العمل في الدولة هرمي في هيكله فمن يعمل في الحدود مرؤوس، أي أن هناك من يراقبه من فوقه، ومن فوق هذا آخر وآخر حتى نصل للعاصمة !!! فأجيب: إن مسيرة ظهور الحكم بما أنزل الله، أو بغير ما أنزل الله، هو تراكم لحركيات تشد بعضها بعضاً فتسحب المجتمع تدريجياً لأحد الطريقين: أي الصراط المستقيم أو الهاوية. ولأن الحدود بعيدة، فإن فرص العمل قهراً أقل، وهذه حركية تشدها حركية أخرى هي قلة أموال الفيء لدى السلطان، فلا مال عنده يجذب الناس للعمل له إن طبقت الشريعة، ولا مال عنده لأنه لا مكوس لديه ممن يعملون في الحدود من العشارين. وهاتان ،الحركيتان إن أضفت لهما انتشار العرف بأحقية إحياء الأرض والمعادن دون إذن السلطان كحركية ثالثة، ثم أضفت حركية إنشاء مصنع دون موافقة السلطان طالما انتفى الضرر كحركية رابعة، وهكذا من حركيات (كما سيأتي بإذن الله، فإن وضع السلطان سيضعف ويضعف إن هو حكم بغير ما أنزل الله حتى يسقط أو يستقيم. لذلك لن يتجرأ سلطان للحكم بغير ما أنزل الله وسيأتي بيانه في فصل «الحكم» بإذن الله).
وإن تفكرت قليلاً أخي القارئ، فستستنتج مباشرة أنه لن يظهر الحد الفاصل إلا بوجود شرطة أو أفراد لهم صلاحية إيقاف الناس، وهؤلاء أفراد لهم أهواء ومصالح، وفي الغالب سيوظفون مواقعهم لتحقيق هذه الأهداف، وهذا مشاهد وملموس. فلا تمر البضائع إلا بعضها بعد دفع المكوس أو الرشاوي، ولا يمر الأفراد إلا بتأشيرات تُمنح لهذا وتمنع عن ذاك، وهكذا مما تعلمه من مآسي هذه الحدود التي يستغل من يعمل بها الأنظمة والقوانين لما يحقق رغباتهم أولاً. حتى وإن كنت أخي القارئ تمتلك جميع الوثائق الثبوتية، فإن مجرد الشك بك من موظف الجمارك يضعك تحت مجهر التفتيش. ولعلك هنا تسأل: ولكن لابد من التفتيش لدواعي الأمن ضد من يختطفون الطائرات مثلاً؟ فأجيب: هناك فرق شاسع بين التفتيش الذي تقوم به الدولة، وما تقوم به الشركات الناقلة. فإن طبقت الشريعة، فستظهر بإذن الله الشركات الناقلة وتظهر المطارات المتعددة، وعندها ستتنافس الشركات لجذب المسافرين، وعندها فإن التفتيش سيكون بطريقة أكثر إنسانية وبلطافة لأن من يفتش بحاجة لمال من يقوم بتفتيشه، لا كحالنا اليوم، والذي يُعامل فيه الأمناء من الناس وكأنهم قراصنة.
وكما ستستنتج أيضاً، فإن لهذه الحدود (لأنها توقف تدفق أو حتى تخفف من تدفق سريان الأفراد والمنتجات)، تأثير جذري سلبي على اقتصاد الأمة. لذلك كان النهي الشديد من الشريعة عن العمل كمكاس أو كعشار على الحدود. فكما مر بنا عن المكاسين سابقاً، فإن الأحاديث واضحة جلية بالزجر الشديد عن العمل كمكاس أو كعشار. وللتذكير فقط، ولأهمية المسألة، أورد لك بعض الأحاديث التي جاءت في كتاب «الترغيب والترهيب» دون التعليق عليها، فالزجر المراد منها واضح فقد جاء أن ظبية نادت الرسول صلى الله عليه وسلم وهي موثقة فقالت: «ادن مني يا رسول الله . فدنا منها فقال: ما حاجتك؟ قالت: إن لي خشفين في هذا الجبل، فحلني حتى أذهب فأرضعهما ثم أرجع إليك . قال : وتفعلين؟. قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل. فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت، فأوثقها. وانتبه الأعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ قال: نعم، تطلق هذه. فأطلقها فخرجت تعدو وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ». هنا في هذا الحديث إشارة
۱۹۷


۱۱۷۲ 🗏
الله رسول
صلى
لطيفة على أنه حتى البهائم تعلم عظم جرم العشار لأنه عمل يجدر به أن يكون مرفوضاً ولا منطقياً لكل ذي لب. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع الله عليه وسلم يقول: لا يدخل صاحب مكس الجنة)، قال يزيد بن هارون يعني العشار. وقال الحاكم في الحديث: صحيح على شرط مسلم. وقال البغوي: «يريد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكساً باسم العشر». أخي القارئ: أليسوا هؤلاء موظفي الجمارك ؟ وقال الحافظ : «أما الآن فإنهم يأخذون مكساً باسم العشر ومكوساً أخر ليس لها اسم، بل شيء يأخذونه
۱۹۸
حراماً وسحتاً ويأكلونه في بطونهم ناراً حجتهم ﴿دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ » ١٩٨ وفي رواية له في الكبير أيضاً : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى يدنو من خلقه فيغفر لمن
۱۹۹
يستغفر إلا لبغي بفرجها أو عشاري . ١٩٩ وكما هو معلوم، فإن جميع هذه المكوس في أيامنا هذه هي للحكومات لتذهب تحت مسميات للمتنفذين من المسؤولين. فتأمل الآتي واربط المعاني فعن أبي الخير رضي الله عنه قال: عرض مسلمة بن مخلد وكان أميراً على مصر على رويفع بن ثابت رضي الله عنه أن يوليه العشور، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن صاحب المكس في النار).
۲۰۰
وقد تقول أيضاً: أنه لابد من تفتيش الناس لإيقاف سريان الفساد مثل انتشار المخدرات والمسكرات ! فأجيب: كما سترى في فصل «المدينة» بإذن الله، فمع تطبيق مقصوصة الحقوق واندثار الفقر وظهور العزة سينحسر الفساد بإذن الله . ولنا في الإسلام قدوة عندما يوجهنا بمنع التفتيش عن المنكر، بل يجذه إن ظهر، لأن مجرد فكرة التفتيش قهراً سيوجد طبقة لا منتجة بل مراقبة الناس والتسلي بمتابعتهم تحت غطاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالذات في الحدود كنقاط تفتيش قهرية. فإنكار المنكر واجب إن رآه المسلم، كل مسلم، لا أن تقوم جماعة يضعها السلطان لتفتيش كل الناس على الحدود خوفاً من أن يقوم واحد في الألف من الناس من تهريب
مسكر.
وحتى تستمر الأحكام بغير ما أنزل الله، فلابد من السيطرة على قطعان الناس، وهذا لا يكون إلا بوضع حدود لتتم السيطرة على من هم بداخل الحدود. لهذا أتى الإسلام بمنع الحدود تماماً ومهما كانت الحجج. ولعل من أهم الحجج التي يتغنى بها المفكرون أو بالأحرى الضالون الحاجة للتخطيط سواء كان اقتصادياً أو عمرانياً. فالمخططون يعتقدون ويقولون بأن التقدم والرقي هو بالتخطيط، والتخطيط لن يكون إلا بحدود واضحة بين المناطق لتتم السيطرة على من هم داخل هذه المناطق من خلال الأنظمة والقوانين. وهنا أقول: إن التخطيط عادة ما يكون لمنطقة محددة كمدينة أو إقليم أو حتى دولة في حال التخطيط الإستراتيجي، أما مع ابن السبيل وحرية الحركة للناس فهذا يعني ترابط وتداخل جميع العالم الإسلامي ككتلة واحدة بحيث يصعب على أي مخطط فهم ما يجري في العالم الإسلامي بأكمله وبالتالي التخطيط له كما ذكرت سابقاً. فمدينة عدن مثلاً متأثرة اقتصادياً وثقافياً بأفريقيا من خلال الصومال، وهي متأثرة أيضاً بصنعاء، وصنعاء متأثرة بأبها جنوب الجزيرة العربية، وأبها متأثرة بمكة المكرمة وبجدة والمتأثرة بالمدينة المنورة ثم تبوك وعمّان ودمشق واللاذقية وهكذا حتى خارج العالم الإسلامي ليصل التأثير إلى روما، وبالطبع فإن الصومال متأثرة بالسودان، وتلك بمصر ثم ليبيا ثم تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وما بهم من مدن وقرى. ولهذا، وبحركيات ابن السبيل، سيستحيل التخطيط على أي عقل أو حتى مجموعة كبيرة من العقول مجتمعة لأن أي مخطط بحاجة للحدود للسيطرة على من هم داخل هذه الحدود،


١٠ ابن السبيل
۱۱۷۳
وهكذا فإن منع الحدود سيسقط الحاجة للتخطيط . إلا أن هذا لا يعني الفوضى كما سترى بإذن الله، بل المزيد من الإتقان والجودة على كافة الأصعدة.
فللتذكير فقط: فإن أي حد فاصل بين دولة وأخرى سيحد من زيادة التجارب، ويحد من بلورة المنتجات. ولأن الناس لهم أذواق مختلفة وإمكانيات مختلفة و أهواء مختلفة وطلبات مختلفة فستختلف بذلك المنتجات. وبالتالي مع الزمن، كلما كانت القاعدة الجغرافية أكبر لعدم وجود الحدود كلما كان المنتج أصفى وأفضل وفي متناول عدد أكبر من الناس. أي أن هناك أنواعاً مختلفة من كل منتج لكبر المساحة الجغرافية. أي أن من الأهمية بمكان ليس فقط ألا توجد حدود داخل العالم الإسلامي، ولكن لا حدود أيضاً للعالم الإسلامي مع الشعوب المجاورة. أي أن هناك فقط نقاط للدفاع عن العالم الإسلامي كالأربطة، كما سيأتي بيانه بإذن الله . فالتاريخ قد أثبت لنا أنه عندما يجتمع أكثر من دين في مكان واحد، فان الدين الإسلامي سينتصر وسيغلب وسيتوسع على حساب الأديان الأخرى بالأخلاق الإسلامية و ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . فعدم وجود حدود للعالم الإسلامي هو في مصلحة العالم الإسلامي. ولعلك هنا تقول كالسابق ولكن التخطيط هو لتلافي الفوضى الاقتصادية والعمرانية وللتوظيف الأمثل للموارد في الضروريات كالتعليم والصحة؟ فأجيب لقد ذكرت مراراً أنه مع تطبيق الشريعة فستنتفي الحاجة للتخطيط. أليست الرأسمالية مذهباً لا تخطيطياً، بل احترام لآلية السوق، فأين التخطيط؟ هذا من الناحية الاقتصادية. أليست توجهات الخصخصة ترك لتوفير الضروريات لآليات العرض والطلب في المجتمع، فأين التخطيط؟ أما من الناحية العمرانية، فكما سيأتي بإذن الله في فصل «الأماكن»، فإنه لا حاجة قط للتخطيط
بمفهومه الحديث.
عدم
:
وهنا لي ملحوظة، وهي والله أعلم لأن الشريعة قصت الحقوق بأن للابن مثلاً حق في مال أبيه المتوفي، أي أن الأحقية في المال هي بسبب النسب، فقد خلط الناس هذه الأحقية بالقومية واعتقدوا بأن بعض الحقوق بين الأب وابنه تنتقل إلى القوميات ولهذا اعتقدوا وسلموا أن مال نفط أرض قطر هي من حقوق «سكان قطر» الأسبقين وليس الوافدين. لذلك تلحظ ممانعة فقراء العالم الإسلامي لسكان الدول الثرية ومجادلتهم عندما يُمنع الفقراء من العمل في الدول الثرية بمواردها. لنقل بأن دولة اليمن مثلاً لا يوجد بها نفط، وأن النفط متمركز في قطر، فهل يحق لسكان قطر منع سكان اليمن من الهجرة إليها لاستخراج النفط؟ بالطبع شرعاً لا. ولكن الذي أن سكان الدول الفقيرة رضوا مكرهين على التقوقع داخل حدود دولهم، أما سكان الدول الثرية فقد رحب معظمهم بهذه الحدود لأن ما يخرج من ثروات يذهب للدولة ومن ثم إليهم، فبرغم السرقات التي تحدث على أيدي المسؤولين إلا أن الشعب راض لأن حاله أفضل من غيره. لنأخذ الكويت كمثال: فإن ما مجموعه ٦٠٪ من ميزانية دولة الكويت أنفق على شكل مرتبات شهرية (سنة ٢٠٠٨م) . فكان العيش بترف بإنتاجية منخفضة بينما شعبي اليمن والصومال في فقر مدقع، وكأن أولئك البشر غير هؤلاء. بل حتى أن بعض أعضاء مجلس الأمة الكويتي

هامش

حدث هو
م لاحظ أنني قلت: «سكان قطر»، ولم أقل : «أهل قطر». لأن إحيائها أو إن ورثها ممن عمل فيها وأحياها. وهكذا تنعدم علاقة استخدام العبارة: «أهل قطر»، قد تُفسر على أحقية جماعة سابقة في الأحقية بين الشعوب والأراضي، وتنعقد الأحقية بالعمل، وبهذا فلن أرض على غيرهم من القادمين فإن طبقت الشريعة الإسلامية، وفهم يكون للأرض أهل بل أهل الأرض هم من أحيوها مهما كانت الناس الإسلام حقاً، فإنه لا حق لفرد في أرض إلا بالعمل فيها مثل أصولهم الإسلامية.


١١٧٤ 🗏
رفع اقتراحاً بإقراض كل كويتي يزيد عمره عن ۲۱ عاماً مبلغ ۱۰ آلاف دينار، أي ما يعادل دخل ثمان مئة فقير لمدة شهر كامل بحيث يكون نصيب كل فقير دولاراً واحداً في اليوم (أي حد خط الفقر)، مما أثار جدلاً إعلامياً حول مدى كفاءة هؤلاء من سداد هذا الدين على المدى الطويل ومدى حاجتهم لهذا المبلغ الذي قد ينفق في كماليات فارهة. أي وكأن هناك مؤامرة على المستوى القومي بين سلاطين الدول الثرية ومواطنيها على الأمة المسلمة، فلا تستطيع أخي القارئ دخول هذه الدول الغنية والعمل إلا بتأشيرة وكفالة كما ذكرت. حتى أن بعض المثقفين سواء من العلمانيين أو الملتزمين (الشيوخ) في هذه الدول الثرية قد غسلت عقولهم. فهم على قناعة بأن الثروات داخل حدود دولهم هي من حق أبناء قوميتهم فقط ، لهذا فهم لا يناقشونها ناهيك عن رفضهم . لها. لقد صدق الروائي الطاهر بن جلون: «العنصري سجين تناقضاته». ليس هذا فقط، ولكن حتى هؤلاء الذين هاجروا من الدول الفقيرة وعاشوا لعشرات السنين في الدول الغنية فإنهم تحت رحمة قرار سلطان يستخدمهم كورقة سياسية للضغط أو الانتقام. فعندما قامت حرب الخليج الأولى بعد غزو الكويت، وعندما قررت حكومة اليمن الوقوف بجانب صدام حسين سياسياً لعله ينتصر ويعطيهم من الكعكة، فما كان من الدول الخليجية إلا طرد من أتوا من اليمن للعمل في دول الخليج، وعندما عاد هؤلاء لأوطان أجدادهم، لم يكن أمامهم إلا العيش معا في ما يسمى بمدن «الصفيح» أو «العشوائيات» أو «الأكواخ » لأنهم لم يتمكنوا من الاندماج في مجتمع فقير تركه أجدادهم أو أباءهم منذ أمد بعيد. ولأن حكومتهم لم تمتلك من الأموال ما يفي بإيوائهم، فكان الصفيح سكناً لهم والذي لا يليق إلا بالبهائم، وما علم هؤلاء الذين يعيشون في الدول الغنية بمواردها أنه إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن الجميع سينعم فسيكون أفقر فرد في العالم الإسلامي مع تطبيق مقصوصة الحقوق أفضل حالاً من أغنى فرد في أغنى دولة لم تطبق فيها مقصوصة الحقوق، ذلك أن العزة والكرامة (المفقودان الآن برغم رغد أثرياء النفط) سيجتمعون
لجميع السكان.
أي أن تغير
حجم
الملكية العامة في الدول الإسلامية بناءً على ثروات الأمم أمر لا مفر منه لوجود الحدود. حتى الفقهاء في الاقتصاد الإسلامي رضوا بهذه الحدود. فيقول منذر قحف مثلاً للإجابة على سؤال في مؤتمر: هل الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي أكبر مما هي في الاقتصاد الرأسمالي أم أصغر ؟ فيجيب (لاحظ كيف أن الإجابة تتقبل ضمناً وجود الحدود للدول):
حجم
«لا أستطيع أن أجزم بجواب لهذا السؤال، فإن ذلك يعتمد على معطيات كثيرة، منها مثلاً . الملكية العامة في مجتمع معين. فأقول: مثلاً في دول الخليج كلها، لو أردنا أن نطبق النظام الإسلامي في دول الخليج كلها، أو في ليبيا أيضاً لكان حجم الدولة كبيراً جداً؛ لأن الملكية العامة كبيرة جداً في الحياة الاقتصادية، فقد يصل القطاع العام، وقد يصل حجم الدولة، في مثل هذه الدول إلى ٩٠ أو ٧٩ % في بعضها، وفي العراق أيضاً يمكن أن يكون كبيراً بسبب أن الملكية العامة كبيرة. أما إذا أردنا أن نطبق ذلك على بنجلادش .. وبنجلادش كما هو معروف الآن فقيرة بالمعادن، وأراضيها مكتظة بالسكان، وحوالي خمسة أسباع أراضيها تغرق بالمياه ستة أو سبعة أشهر في السنة . مملوكة للأفراد نسبياً قطع صغيرة متناثرة، بل مفككة. في دولة مثل بنجلادش قد يكون حجم الدولة أصغر نسبياً بكثير مما هو عليه في دولة أخرى مماثلة لها، ولكنها غير إسلامية. فأنا لا أستطيع أن أزعم بأن النظام الاقتصادي الإسلامي يقضي بأن يكون حجم الدولة صغيراً .. أو أن توضع الدولة في قفص - كما عبر عنها بعض الإخوان - لا، فالدولة قد تكون كبيرة جداً أو قد تكون صغيرة جداً .
.. وهي
حسب


١٠ ابن السبيل
الظروف. هذا من جهة، ومن جهة ثانية إن على الدولة - سواء أكبرت أم صغرت حصتها في مجموع
الملكية في المجتمع - أن ترعى وتنمي هذه الملكية وتستعملها للمصالح العامة».
أما الحركية الثانية التي وضعتها الشريعة لمحاربة ظهور الحدود فهي التركيز على عدم ظهور أفراد أو جماعات من عموم الناس للعمل أو حتى التفكير في العمل في قطع السبل وذلك بوضع أشد العقوبات كالقتل والصلب لكل من ساهم بطريقة أو أخرى في قطع السبيل. قال تعالى في سورة المائدة في الآية ٣٣: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . لقد رجع لهذه الآية كدليل على عقوبة المحاربين، وهم قطاع الطريق. فإن تدبرت الآتي مما قاله ابن تيمية ستدرك عظم جرم قاطعي الطريق وكيف أن الشريعة تحاربهم وبإمكانك قفزه لطوله)، يقول ابن تيمية رحمه الله:
«ومن ذلك عقوبة المحاربين وقطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة من الأعراب والتركمان والأكراد والفلاحين وفسقة الجند أو مردة الحاضرة أو غيرهم. قال الله تعالى فيهم: إ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقد روى الشافعي رحمه الله في مسنده عن ابن عباس رضی الله عنهما في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، واذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله، ومنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة. وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيساً مطاعاً فيها ويقطع من رأى قطعه مصلحة، وإن كان لم يأخذ المال مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال كما أن منهم من يرى أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا، والأول قول الأكثر. فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حداً لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء، ذكره ابن المنذر ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلاً لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية لأنه قتله لغرض خاص. وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام بمنزلة السراق، فكان قتلهم حداً الله . وهذا متفق عليه بين الفقهاء حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل، مثل أن يكون القاتل حراً والمقتول عبداً، أو القاتل مسلماً والمقتول ذمياً أو مستأمناً، فقد اختلف الفقهاء: هل يقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل لأنه قتل للفساد العام حداً كما يقطع إذا أخذ أموالهم وكما يحبس بحقوقهم. وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط؛ والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة، وأن الردء والمباشر سواء. وهذا المأثور عن الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء، ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته. والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين، فإن النبي [صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويرد متسريهم على قاعدهم). يعنى أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالاً فان الجيش يشاركها فيما غنمت لأنها بظهره وقوته تمكنت، لكن تنفل
هو


١١٧٦
عنه نفلاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم الربع بعد الخمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث بعد الخمس، وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية لأنها في مصلحة الجيش كما قسم النبي لطلحة والزبير يوم بدر، لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش، فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية كقيس ويمن ونحوهما هما ظالمتان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار). قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه أراد قتل صاحبه). أخرجاه في الصحيحين. وتضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد. وفي ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ . وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا كما قد يفعله الأعراب كثيراً فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى . عند أكثر العلماء كأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُم مِّنْ خِلَافٍ﴾ ، تقطع اليد التي يبطش بها والرجل التي يمشى عليها، وتحسم يده ورجله بالزيت المغلى ونحوه لينحسم الدم فلا يخرج فيفضي إلى تلفه، وكذلك تحسم يد السارق بالزيت. وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل، فإن الأعراب وفسقة الجند وغيرهم إذا رأوا دائماً من هو بينهم مقطوع اليد والرجل ذكروا بذلك جرمه فارتدعوا بخلاف القتل فإنه قد ينسى، وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله من خلاف، فيكون هذا أشد تنكيلاً له ولأمثاله، وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفساً ولم يأخذوا مالاً ثم اغمدوه أو هربوا وتركوا الحراب فإنهم ينفون. فقيل نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون في بلد، وقيل هو حبسهم، وقيل هو ما يراه الإمام أصلح من نفى أو حبس أو نحو ذلك. والقتل المشروع هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه، لأن ذلك أروح أنواع القتل. وكذلك شرع ا الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم إذا قدر عليه، على هذا الوجه قال النبي: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتله، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته . رواه مسلم. وقال : إن أعف الناس قتلة أهل الايمان). وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم، وهو بعد القتل عند جمهور . ومنهم من قال : يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون. وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف حتى قال : يتركون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل. فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص. وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما ما خطبنا رسول الله خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لانـمثل بعد القتل، ولا نجدع آذانهم بهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم . مثل ما فعلوا، والترك أفضل كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ . قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضى الله عنهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لئن أظفرنى الله بهم لأمثلن بضعفى ما مثلوا بنا. فأنزل الله هذه الآية وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ ربِّي﴾، وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب، فأنزلت مرة ثانية، فقال النبي: (بل نصبر ) . وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضى الله عنه قال: كان النبي إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيراً ثم يقول: (اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً). ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال فقد قيل إنهم ليسوا
العلماء. 🗏


1177 ابن السبيل
محاربين بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب لأن المطلوب يدركه الغوث إذا بالناس، وقال أكثرهم إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد. وهذا قول مالك في المشهور عنه والشافعي وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبي حنيفة. بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم فإقدامهم عليه يقتضى شدة المحاربة والمغالبة ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله والمسافر لا يكون معه غالباً إلا بعض ماله، وهذا هو الصواب لاسيما هؤلاء المتحزبون الذين تسميهم العامة فى الشام ومصر «المنسر»، وكانوا يسمون ببغداد «العيارين»، ولو حاربوا بالعصى والحجارة المقذوفة بالأيدى أو المقاليع ونحوها فهم محاربون أيضاً. وقد حكى عن بعض الفقهاء: لا محاربة إلا بالمحدد، وحكى بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل، وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن فالصواب الذى عليه جماهير المسلمين أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال، فهو حربي. ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصى فهو مجاهد في سبيل الله. وأما إذا كان يقتل النفوس سراً لأخذ المال مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله وهذا يسمى القتل غيلة ويسميهم بعض العامة «المعرجين»، فإذا كان لأخذ المال فهل هم كالمحاربين أو يجري عليهم حكم القود؟ فيه قولان للفقهاء: أحدهما أنهم كالمحاربين لأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يدري به. والثانى أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ولي الدم والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يدري به واختلف الفقهاء أيضاً فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان وقاتل علي رضى الله عنهما، هل كالمحاربين فيقتلون حداً؟ أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم على قولين في مذهب أحمد وغيره لأن في قتله فساداً عاماً .
هم
۲۰۲
.«...
۱۱۷۷
هل لاحظت أخي القارئ في الاقتباس السابق كيف أن العقوبة تقع على قاطع الطريق حتى وإن كان المقتول غير مكافئ للقاتل؟ فالحر يقتل بالعبد، والمسلم يقتل بالذمي. وهل لاحظت أيضاً أنه حتى من لم يشارك في عملية قطع السبيل والقتل، بل كان مدبراً لها، أو مراقباً لها، كالأعوان (الردء) فإنه يقتل في قول الجمهور؟ وأنه حتى وإن كانوا مائة من الردء والمباشر واحد، فهم والمباشر للقتل سواء، لذلك فإنهم يقتلون لأن «الردء والمباشر سواء»؟ وهل لاحظت أيضاً أن بعض الفقهاء ذهبوا إلى أن القتل يكون بالصلب في مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم ويتركون «حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل»؟ وهل لاحظت أن من أخذ المال ولم يقتل فإن الحكم عليه هو بـ ر بقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ثم حسمهما بالزيت المغلي ليرتدع الآخرون؟ أي وكأن هذا الذي قطت يده ورجله من خلاف لهو رمز أو منارة Land mark لكل من يفكر في جرم قطع السبيل. وهل لاحظت أن من شهر السيف إلا أنه لم يسرق ولم يقتل، بل فر فإن عقابه النفي؟ وهل لاحظت أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع من الأسلحة، حتى وإن كانت عصى، فإنه حربي قاطع طريق يستحق نفس العقاب؟ فإن تفكرت في جميع السابق ستدرك مباشرة عظم جرم قطع السبيل وشدة وحزم تعامل الشريعة مع قاطعي السبيل حتى لا يتوقف تدفق الأفراد والمنتجات والمواد الخام. ألم يقل صلوات ربي وسلامه عليه: يوم من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر أربعين صباحاً) ۲۰۳ فتأمل هذا الحديث الذي يقدم الخير للأمة من جراء تطبيق مقصوصة الحقوق على الموارد وسيأتي بيانها في فصلي الموافقات» و «الحكم» بإذن الله).


۱۱۷۸ 🗏
أخيراً: فكر قليلاً أخي القارئ، هل يمكن لأي عقل أن يأتي بمثل هذه المبادئ البسيطة التي تتبلور في شكل حقوق تحيل الأمة من أمة خاملة إلى أمة تنتقل من موقع لآخر؟ وللتذكير أقول ملخصاً: لقد نـقـدنا نظرية مالثاس التي تنص على محدودية موارد الكرة الأرضية، ووضحنا أن النمو السكاني هو ذخر للأمة إن أحسنت التصرف من خلال تقصي المجاعة، وأن مجتمعاتنا المعاصرة زحمت نفسها في مدن وسحبت الخيرات من بقاع الأرض إلى من بيدهم السلطة والمال في المراكز الحضرية وأن في هذا هدر كبير. وقلنا بأن الاستغلال الأمثل للخيرات لن يأتي إلا بالجمع بين أناس متمكنين ذوي إمكانات ومقدرات متفاوتة وبين الخيرات المختلفة في المواضع المنتشرة على الأرض، ثم وضحنا حركية ابن السبيل التي تدفع الناس للترحال لتسخير خيرات الأرض، ورأينا كيف أن حركية ابن السبيل بكافة تفاصيلها إنما هي حركيات تمكينية لدفع الناس للهجرة، وفي الوقت ذاته وضعت الشريعة حركية أخرى تجذب الناس لمواضع الخيرات برد زكاة الأغنياء لفقراء نفس المنطقة وبهذا لن يذهب الفائض من إنتاج الناس لغيرهم، بل يعود إليهم ليزدادوا تمكيناً. ثم بدراسة زكاة الأعراب وحث الشريعة للناس للتحول من دار التعرب لدار الهجرة، وبعد شرح الهجرة في الإسلام استنتجنا أن الشريعة تهدف لإيجاد ميزان دقيق لدى الناس يدفعهم إلى إيجاد مجتمع ذي ثقافة تهجر واقعها لما هو أفضل، وبهذا تظهر في المجتمع حركية تدفع الناس من كل أفضل لما هو أفضل، وهكذا يتحسن المجتمع ويزداد دخله وترتفع زكاته. ثم رأينا كيف أن هذه الزكاة المرتفعة تُدفع لمن هم أحوج لينهضوا وبطريقة تخرجهم من عوزهم ليصبحوا متمكنين ودافعي زكاة، لأن الزكاة تذهب لمن هو أقرب فأقرب. ولعل أهم استنتاج هو أن جميع هذه الحركيات بيد الناس، وأن القرارات في دفع الزكاة والترحال وحبس المال في نفس المنطقة هي قرارات وضعتها الشريعة بأيدي السكان. فتتفتت بذلك قرارات ظهور المستوطنات بين الناس تلبية لمصالحهم فتظهر المستوطنات الكثيرة ذات الكثافات الأقل والتي تلبي رغبات السكان (ولكن هذا لا يعني عدم ظهور عدة مدن حضارية إسلامية كبرى، كما سيأتي بإذن الله).
قط
وأن أردنا أن نلخص هذا الفصل في جملة واحدة لقلنا إن التمكين لا يمكن أن يأتي لأمة إلا أن كانت أمة ذات ثقافة منغمسة في مفهوم الهجرة من موقع لآخر أفضل، أي من عمل لآخر أفضل، وهكذا يسمو المجتمع إنتاجياً ليضمحل الفقر. أي أن الاقتصاد في الإسلام ينفي فكرة الحدود بين الدول. فلا دول ذات حدود، ولا جغرافية محددة تنقلب إلى حدود دولة. بل هجرة في جميع الاتجاهات، أي لا مسؤولي دولة خلف طاولات، ولا جمارك ولا جوازات، ولا حدود دولية ولا عقبات، بل هجرة لمن استطاع. ولكن ما الذي يمكن للهجرة أن تحدثه في المجتمع؟ أقول: ستزيد من نسبة عدد الملاك ما سيؤدي لظهور الشراكة كنمط تعاملي بين الناس، ما يزيد الإنتاج ويريح الناس دون تلويث بيئي وانحلال خلقي، وهو موضوع الفصل القادم، أي فصل «الشركة».