انتقل إلى المحتوى

الخيرات

تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.

الفصل الثالث

الخيرات

إحياء الإحياء: المفاتيح

قال صلوات ربي وسلامه عليه: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له).
يعتقد الكثير أن التخلف الفقر. فهم يقولون بأن الفقر يؤدي للضعف والمرض، وعندها لن يتمكن الإنسان من العمل، وبهذا يزداد فقره. ولكن لماذا لا يذهب الفقير للطبيب؟ لأنه لا يملك المال. ومن جهة أخرى، لماذا لا تساعده الدولة على الخروج من المرض ببناء المستشفيات مثلاً؟ والإجابة هي: لأنها لا تملك المال أيضاً. ولكن من أين تأتي الدولة بالمال؟ بالطبع من الضرائب على المنتجات. ولكن المنتجات قليلة بسبب فقر الناس وقلة إنتاجهم. أي أن مشكلة ما مثل المرض ستؤدي إلى ثانية مثل الضعف ثم إلى ثالثة مثل قلة الإنتاج ورابعة، وهكذا نجد أنفسنا في دائرة لن نتمكن من الخروج منها إلا بالعودة للفقر كمسبب للتخلف. وبإمكانك أخي القارئ أن تفكر في دائرة أخرى تبدأ بشيء آخر وتنتهي بالحاجة للمال. مثلاً: لماذا يهمل الطالب في دراسته؟ لأنه لا يحب الدرس. ولماذا لا يحب الدرس؟ لأن من وضع المنهج لم يدرك حدود إمكانات الطالب أولاً، ولأن الطالب لا يجد ما يحفزه على الاجتهاد للتخرج للعمل لانتشار البطالة ثانياً. ولماذا لم يدرك المؤلف إمكانات الطالب؟ لأنه موظف غير مؤهل، وقد لا يكترث نظراً لقلة دخله. ولماذا الموظف غير مؤهل؟ لأنه لم يتلق التعليم الكافي لعدم توفر المال. ولماذا دخله قليل ولا يكترث؟ لأن سلم الرواتب متدني بسبب قلة المال في الدولة. ولماذا المال قليل في الدولة؟ لكثرة الرشاوي وقلة الإنتاجية للشعب. ولماذا البطالة بين الشباب ؟ لعدم وجود الوظائف. ولماذا لا تتوافر الوظائف؟ لعدم وجود المال للاستثمار. وهكذا تنتهي الدائرة بالفقر. مثال ثالث لماذا لا يتظافر الناس للقضاء على مصدر مرض ما، كتسوير مستنقع لمنع الأطفال من النزول فيه، أو كحفر بئر مشتركة لشرب الماء النقي؟ لأنهم غير مترابطين، هذا إن لم يكونوا جهلة لفقرهم لذلك لا يدركون أهمية الماء النقي فهم بانتظار من يقوم لهم بذلك. إنهم
بانتظار الدولة التي تمتلك المال، وهكذا يقتنع الكثير بأن التخلف هو بسبب الفقر. وهذا بالطبع غير صحيح.
وإن أمعنا التفكير في التخلف لوجدنا أن الآفات كثيرة كما ذكرنا في فصل «قصور العقل». فهناك أنظمة الحكم الجائرة التي تضع الأشخاص في المناصب لقرابتهم لا لكفاءتهم، وهناك قلة الإنتاجية للسكان بسبب الكسل وانعدام الحوافز، وهناك الفاسدون والفاسقون الذين وصلوا للمناصب، وهناك المرتشون والكسالى والمنافقون والانتهازيون من المسؤولين، وهناك البطالة وقلة المصانع والمعامل والمزارع، وهناك عدم توفر المهارات لدى من أراد
١٤٩


  1. 🗏
    العمل وقلة الأجور، وهناك سوء الإدارة وانعدام الثقة وعدم التعاون والتكافل بين الأفراد، وهناك قلة المواد الخام. وما هذا إلا نقطة في بحر من التخلف. فكيف يمكن لنا الخروج من هذا التخلف؟ وهل وقف الإسلام حقاً أمام التنمية التي تزيل التخلف كما يقال؟
    وبالإضافة للفقر فهناك من يرى أن أسباب التخلف هي الجهل والمرض. أي وكأننا إن قدمنا لشعب متخلف الكتاب والدواء والمال فسيتغير حاله. وبالطبع فإن هذا غير صحيح. فالمسألة أكبر من ذلك. فمن أهم من بحث وكتب في أسباب تخلف دول العالم الثالث باحث الماني اسمه شوماخر Schumacher. فقـد وضع كتاباً تحدث في
    بعض فصوله عن العالم الثالث وأحدث هذا الكتاب ضجة في الغرب ومن ثم تبعه الكثير من الباحثين. فمما قاله في کتابه: إن مشكلة شعوب العالم الثالث ليست في فقرها وقلة مواردها أو عدم توفر البنية الأساسية بها، ولكن المشكلة هي في جهلها. فيقول موضحاً لنتصور أننا زرنا مصنعاً حديثاً. فعندما نتجول فيه وخلال تعقيداته المذهلة فلن نستطيع أن نمتلك أنفسنا من التعجب، ثم نسأل أنفسنا : كيف تمكن الفكر الإنساني من إنشاء هذه المنشآت؟ ما هو الكم من العلم والمكتشفات والاختراعات والخبرات التي تجسدت في هذه الأجهزه والمعدات؟ والجواب بالطبع هو: إن المصنع لم ينبع من فكر شخص واحد، ولكنه تطور عبر الزمن. فقد بدأ بداية بسيطة، ثم أضيفت إليه إضافات، وعدلت تعديلات، وبالتدريج، ومن خلال التحسينات عبر عشرات السنين وصل إلى ما هو عليه الآن من تطور ودقة. ولكن ما نراه من ذلك المصنع اليوم ماثلاً أمام أعيننا لا يوضح لنا كل ما مر به المصنع من تطور واحتياجات، فهذا مخفي أي أن ما نراه من المصنع هو كرأس الجبل الجليدي. فالجبل الجليدي مكون من جزئين: جزء فوق الماء يراه الجميع وهو الأصغر، وجزء مخفي تحت الماء لا يُرى ويحمل ما هو فوق الماء. وبالنسبة للمصنع، فالذي لا نراه في زيارتنا هذه أعظم بكثير من المصنع القائم أمام أعيننا. فنحن لا نرى التجارب التي مرت بها المصانع الأخرى والتي استفاد منها هذا المصنع، ولا نرى العلماء والمبتكرات وراء هذه التعقيدات، ولا نرى أولئك الذين ماتوا نتيجة أخطاء التصميم في المصانع الأخرى والتي ساهمت في تطوير هذا المصنع. ولن نرى بالتأكيد الخلفية التعليمية الكبيرة لأولئك الذين صنعوا هذا المصنع ابتداءً من المرحلة الابتدائية وانتهاءً بمراكز الأبحاث التي بدونها لم يكن ليوجد هذا المصنع. أي أن الزائر للمصنع لا يرى إلا رأس الجبل الجليدي، ولا يرى القاعدة. فهناك عشرات من أمثال هذا المصنع من مؤسسات لا نراها في المجتمع الغربي، والتي من غيرها لما نتج هذا المصنع. وإذا لم تتمكن شعوب ما يسمى بالعالم الثالث من إيجاد العشرات من مثل هذه المؤسسات التي تدعم وجود المصنع، فلن يعمل هذا المصنع بكفاءة إن تم نقله إلى دول العالم الثالث. وإذا أنشئ فسيكون جسماً غريباً دخيلاً على المجتمع الذي استورده كتلة جاهزة وبناه. وسيعتمد المصنع في تشغيله على الأيدي الخارجية. وبناءً على نظرية شوماخر، فإن هذا هو حالنا اليوم في العالم الإسلامي، فقد كان اهتمامنا هو التركيز على رأس الجبل الجليدي. أي أننا بنينا الظاهر وهو الطريق المرصوف والمطار الفخم وشبكات التصريف والملاعب ومحطات الإرسال، ونسينا المخفي وهو الذي يبني هذا الظاهر ويجعله مستمراً ونامياً. فعندما نزور الغرب ونرى المنشآت نعتقد أننا سنلحق بهم بمجرد بناء ما بنوه بأموالنا. ولعل في دبي وقطر مثال صارخ. أي أننا نحاول وضع رأس الجبل الجليدي، وهو الظاهر فوق سطح الماء. وبدون القاعدة الكبرى المخفية التي تحمل الرأس قد يغرق هذا الرأس، ولكن بعد زمن. ألم تر الكثير من المؤسسات والمصانع التي بنيت ولم تنتج كما يجب ؟

الخيرات
١٥١
فما هو
دمرت جميع
إذاً هذا الشيء الخفي أو قاعدة الجبل الجليدي الذي يدعم الظاهر، أي يدعم رأس الجبل الجليدي؟
يقول شوماخر بأنها ثلاث دعائم هي التعليم والتنظيم والتهذيب. فالتطور لا يبدأ بالمنشآت، ولكن بالناس وتعليمهم وتنظيمهم وتهذيبهم. فالتعليم معروف للجميع، والتنظيم هو أداة ليتفاهم أفراد المجتمع فيما بينهم ويزيد إنتاجهم، أما التهذيب فهو زرع روح الإخلاص والمبادرة للعمل. وبدون هذه الدعائم الثلاث فلن تقف أمة مهما كانت مواردها ومهما اغتنت، وكلما زاد غناها زاد دلال شعبها ليصبح عالة على الشعوب الأخرى كما في دول الخليج النفطية. وخير مثال لأهمية هذه الدعائم الثلاث هو ما حدث في الدول التي دمرت بعد الحروب العالمية كاليابان وألمانيا. فهذه الشعوب كانت تتمتع بدرجة عالية من التعليم والتنظيم والتهذيب قبل الحرب. وعندما منشآتها أثناء الحرب وقفت بعدها وأعادت بناء نفسها في فترة قصيرة جداً، وبطريقة أفضل مما كانت عليه قبل الحرب. وما كان هذا إلا لأن الذي دمر وتهشم أثناء الحرب هو رأس الجبل الجليدي الظاهر لنا، وليست القاعدة التي لا نراها. بل وقد ازدادت هذه القاعدة صلابة أثناء الحرب وبالذات التهذيب والتنظيم بين أفراد المجتمع. ولهذا نهضت هذه الشعوب مرة أخرى وبشكل أفضل. وهذا هو السر في أن التطور والازدهار لا يقفز ببناء المنشآت، ولكنه ينمو تدريجيا بنمو الدعائم الثلاث. وهذه، كما يقول شوماخر، هي المشكلة الرئيسة في دول العالم الثالث التي تسعى للتطور والازدهار. إنها تعتقد أن التطور يمكن جلبه من مجتمعات أخرى، أو إيجاده بالمال، أو التخطيط له تخطيطاً شاملاً، فهم يعتقدون أن التطور يقفز بالبناء والتشييد والذي اقترحه شوماخر هو أن التطور نتاج نمو تحت ظروف مستتبة في إطار ثابت معلوم للكل، فهو لا يقفز ولكنه ينمو بنمو الدعائم الثلاث." إذا أدركت أخي القارئ مغزى السابق ستدرك عمق المأساة وطول المشوار الذي ينتظر دول الشعوب الجاهلة. ففي كل يوم تزيد المسافة بيننا وبين تلك الدول الصناعية. فلا تغتر بوجود تلفاز أو حاسوب بمنزلك أو سيارتك، وحسبنا الله ونعم الوكيل. إن البلدان التي تستورد محطات أرضية وتشتري أقماراً صناعية لن تدخل عصر الفضاء، كما أن الدول التي تشتري الأسلحة لن تكون في عداد الدول العسكرية لأنها ستحتاج لقطع الغيار من الدول المنتجة التي قد تكون عدوة لها مستقبلاً، وستحتاج إلى موظف الأسرار الفنية، وهكذا من احتياجات تضع الدول المستهلكة تحت سيطرة الدول المنتجة. وبعد دفع الكثير من الأموال لشرائها ومن ثم تدريب أفراد الدول المتخلفة لاستخدامها تكتشف تلك الدول بأن الدولة الصانعة قد أنتجت ما هو أحدث وأقوى منها، وإلا لما تخلصت منها ! وهكذا تكون التبعية.
إن هذا الطرح لشوماخر أثر في الكثير من المفكرين (أو بالأحرى (الضالين وانبثقت منه مدارس فكرية وبالذات في علم التنمية كما سنرى في فصل الفصل والوصل» بإذن الله، فظهرت توجهات تنادي بتعليم الفقراء لزيادة التنمية، وأخرى تطالب بضبط الإنفاق الحكومي ليأتي الاتزان المالي ليزدهر الاستثمار، وثالثة تندد بالاستبداد السياسي وانعدام الحرية للأفراد كمسبب للتخلف. وهكذا فإن معظم إن لم تكن جميع التوجهات، تتفق على ضرورة تمكين أفراد المجتمع بإعطائهم حقوقهم حتى يخرجوا من التخلف. إلا أن كل هذه التوجهات تحاول التأقلم مع النظام الرأسمالي كإطار أي محاولة تمكين الناس ضمن العقلانية البشرية التي أنتجت الأنظمة والقوانين، أي محاولة تمكين الناس ضمن القيود البشرية. وهذا هو لب المشكل في التخلف بالنسبة لي. فشوماخر ومن مثله من علماء يرون أن التنمية لن تكون إلا بالتعليم والتنظيم والتهذيب وما شابهها من أدوات التمكين ولكن


١٥٢ 🗏
ضمن المنظومة البشرية السائدة للحقوق وأنا لا أرى أن هذه الدعائم أو ما شابهها سبباً جذرياً للخروج من التخلف، برغم أنها أدت لازدهار العالم الغربي. فنحن والعالم أجمع سنكون أشد ازدهاراً إن نحن قصصنا الحقوق كما أراد الله العليم الحكيم. لذلك سأرفض طرح شوماخر وما شابهه من طروحات تنموية لأنها في محصلتها تثبيت للعقلانية البشرية في إدارة المجتمعات التي ستؤدي للتلوث البيئي والفساد لا محالة. وبرغم عمق طرح علماء التنمية
في الإطار الرأسمالي إلا أنه ليس الأعمق كما سترى بإذنه تعالى. فماذا أراد لنا الإسلام للخروج من هذا الوهن؟
لقد بدأت التفكير مبدئياً في هذا السؤال في صيف عام ١٩٧٤م عندما زرت إنجلترا لأتفاجأ كطالب مبتدئ في تخصص العمارة بالفارق العمراني بين العالمين الإسلامي والغربي فكنت أسأل محتاراً: من أين أتوا بكل هذه الأموال لبناء كل هذه المنشآت وبهذا الإتقان؟ ثم في صيف ۱۹۸۰م (١٤٠٠هـ) بدأت التفكير بجدية في مسألة التخلف العمراني عندما بدأت مرحلة الدكتوراه بقراءة الكتب الإسلامية عن العمران. ثم ازددت قناعة بضرورة استمراري في هذا المضمار عندما زرت تونس لدراسة المدينة العتيقة. فكنت أرى شباب تونس في المقاهي جلوساً يلعبون الطاولة ويشربون الشاي أو فقط ينظرون إلى المارة دون ما إنتاج ولساعات وهم فقراء. وكنت أقارنهم بمن في الغرب وأسأل: «لماذا لا يتحركون؟ لماذا لا يعملون وينتجون؟ ألا يريدون إصلاح حالهم؟ ألا يريدون زيادة دخلهم؟». والإجابة باختصار: إن الأبواب موصدة أمامهم . وهذا بالطبع ينطبق على العالم الإسلامي كله. ولكن لماذا أبواب العمل موصدة؟ أعتقد أنه سبحانه وتعالى هداني للإجابة على هذا السؤال. وبالإمكان تلخيصه في عبارة واحدة هي: إن عدم تطبيق الشريعة هو سبب التخلف، وذلك لأن تطبيقها سيؤدي إلى التمكين والذي يؤدي للمبادرة التي تحرر المجتمعات من الاستعباد الذي تفرضه الرأسمالية أو الاشتراكية ليزدهر المجتمع دون تلوث بيئي
وانحلال خلقي». وهذا هو المهم: كيف نوجد ازدهاراً إنسانياً دون فساد. وهذا هو موضوع باقي الكتاب.
نحن الآن في مجتمع لا يبادر إلى فعل شيء. فإن فكرنا مثلاً في بناء مصنع أو تنظيف مدينة أو تحرير أرض مغتصبة، نجد أنها جميعاً بحاجة إلى مبادرات. ولكن هل السبب في انعدام المبادرة هو الناس؟ لا، إنهم تعودوا على ذلك لأن النظام المجتمعي أقلمهم عليه. ولكن لماذا؟ إن الإجابة بالنسبة لي واضحه الآن. إنه بسبب تغير مقصوصة الحقوق. فكر معي أخي. إن أردت فعل أي شيء لتحسين حالك مالياً أو لرفع شأن أمتك فلأي شيء ستحتاج؟ لنقل بأنك تريد فتح محل بيع أو منجرة لصنع الأثاث أو مصنع للطائرات أو حتى مفاعل نووي لتوليد الطاقة، فستحتاج إلى ثلاثة عناصر رئيسة هي: أولاً : الموارد سواءً كانت مالية أو مكانية: فالموارد المالية هي لشراء ما تحتاجه من أعيان كأدوات النجارة أو اللحام أو المكاتب أو أجهزة الحاسب الآلي ونحوها. والموارد المكانية هي أماكن لتضع فيها هذه الأعيان كبقالة أو ورشة أو مستودع. ثانياً: التصاريح والتراخيص ونحوها من موافقات من الدولة حتى لا يعترضك أحد. وثالثاً: المعرفة كالخبرة وأسرار الصنعة حتى لا تنتج منتجاً يرفضه الناس لارتفاع سعره أو رداءة جودته. وهذه الثلاثة في أيامنا هذه صعبة المنال، لذلك تجد الناس لا يبادرون . فالموارد سواءً كانت مالية أو مكانية قليلة بين الناس، بل هي في أيدي الأثرياء ومسؤولي الدول وليس عموم الناس وأما التصاريح فقد تكون أكثرهم صعوبة في بعض الدول ولن تأتي إلا بعد المرور على عشرات المسؤولين والدوائر الحكومية وبالذات إن كان المشروع كبيراً كاستحداث مصنع مثلاً. وأما الخبرة فهي محصورة بين من ورثوا الصنعة وبين من تعلموها في معاهد علمية لأنهم يملكون المال وبين من ثابروا وخاطروا للمرة الأولى لتعلم أسرار الصنعة وهم قلة.


الخيرات
١٥٣
وبالطبع فإن هذه العناصر الثلاثة (الموارد والموافقات والمعرفة متداخلة بطريقة يصعب علينا فصلها في مجتمعاتنا الرأسمالية. فقد تقول مثلاً بأن المال يأتي بكل شيء. فهو سيأتي بالتصاريح برشوة المسؤولين مثلاً، وسيأتي بالمعرفة باستئجار من عمل في مصنع آخر، وسيأتي بالموارد من أجهزة وأماكن وهذا صحيح في أيامنا هذه لأننا نعيش في مجتمعات رأسمالية. ففي مجتمعات اشتراكية قد لا يكفي المال للحصول على التصاريح، بل العلاقات مع ذوي السلطة أحياناً. ولأن المال أصبح كل شيء، فقد اقترنت المبادرات بأصحاب رؤوس الأموال. فتجد أن رجال الأعمال الذين يملكون المال ينتقلون من مشروع لآخر لأنهم يملكون مفاتيح المبادرة. فلديهم المال ويستطيعون الحصول على التصاريح وبإمكانهم استئجار من يعرف أسرار المهنة. أما من يملكون أسرار المهنة فقد لا يتمكنون من البدء في مشروع ما إلا بشق الأنفس لأنهم لا يملكون المال، وهكذا. ومن ولد فقيراً عاش فقيراً إلا من ارتشى أو جاهد بعنف وثابر باستثمار القليل الذي لديه، ليزداد رويداً رويداً في مجتمع يوصد الأبواب أمام المعدمين. فلا غرابة إذاً إن نحن رأينا الناس جلوساً في المقاهي بلا عمل لأن الأبواب موصدة ولا مفاتيح لديهم لتلك الأبواب الثلاثة. وكثرة الصد للأبواب هذه شكلت المجتمع المعاصر ليصبح خاملاً عاطلاً مهزوماً في أفراده بلا مبادرة. وجميع هذه الأمور من صد للأبواب أو فتحها هي مسائل في الحقوق. فعندما يمنع من أراد تحويل غرفة في منزله لحانوت فإنه يفقد حقوقه، وعندما تمنع خيرات الأرض من أناس وتعطى لآخرين فقد التهمت حقوقهم. وهكذا. فماذا فعلت الشريعة مع هذه الأبواب الثلاثة (الموارد والموافقات والمعرفة)، ومن الذي يملك مفاتيح هذه الأبواب؟
إن الشريعة لمعجزة. فقد وضعت مفاتيح هذه الأبواب الثلاثة مباشرة بين يدي من أراد العمل. فقد وضعت الموارد في أيدي من وصلوا إليها، وأتاحت لهم فرص الحركة دونما تراخيص إلا إن ثبت أن فعلهم مضر بالآخرين لتلافي التلوث، ووضعت من الحركيات ما ينشر المعرفة دونما احتكار، وهكذا يعز المجتمع وينتصر. كيف؟ إن الإجابة على هذا السؤال متفرقة في الفصول الباقية لهذا الكتاب. وسنبدأ بالموارد المكانية لأهميتها. فكما قلنا، فإن من المحال أن يكون المجتمع عزيز وأفراده أذلاء. وكيف تأتي العزة للفرد وهو لا سقف له ينام تحته، ولا مأوى له يأويه. فحتى تأتي العزة لابد لكل فرد مستقل بأسرته من مكان يستقر فيه، فإن استقرت نفسه أصبح عندها عضواً فاعلاً في مجتمعه. أي لابد للإنسان من مكان يختص به للسكنى أو العمل. وهذا ما فعله مقص الإحياء.

المقص الأهم: الإحياء

كم أتمنى أن يعود الإحياء. إنه مقص معجز للحقوق في الأماكن. وهو مقصنا الثاني. بالطبع فإن الناس متفاوتون في متطلباتهم ومقدراتهم. لذلك قصت الشريعة الحقوق مكانياً لهذا التفاوت من خلال الإحياء. إن الإحياء هو باختصار إحياء الأرض غير المملوكة وغير المستغلة والتي عرفت في الشرع بـ «الموات». قال صلوات الله وسلامه عليه: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له). لقد كان الاستيلاء على الأراضي أمراً شائعاً في القرون الأولى للإسلام لأن الأراضي غير المملوكة وغير المستخدمة لم تكن ملكاً لأحد ولأي فرد حق تملكها إن هو عمل فيها وكانت تسمى بالموات، كما أنه لم تكن لها قيمة شرائية لأنها لم تكن سلعة، مثلها مثل الهواء: فكل من احتاج شيئاً من الهواء استنشق ما شاء، وكذلك كل من احتاج مكاناً للسكنى أو للزراعة أو للصناعة أحيا من الأرض ما شاء. وقد


١٥٤ 🗏
كانت هناك مبادئ وأعراف متبعة لامتلاك هذه الأراضي.
ومع أن الأراضي غير المستغلة اليوم كثيرة، وبالذات تلك البعيدة عن المدن التي لم تكن لتوجد أصلاً إن حكمنا بالشرع (أي المدن الكبرى (المركزية ما يعني زيادة الأراضي القابلة للإحياء، إلا أن الإحياء منع في أيامنا هذه. فهذا باب قفلته الدول ووضعت مفاتيحه في أيدي المسؤولين. لذلك مات الإحياء." وحتى تقف الأمة يجب أن يحيا الإحياء مرة أخرى، لأن إحياءه . سيحيي الناس، وإحياء الناس سيحيي الأمة. ولكن الذي حدث هو أن الحكام أقطعوا الأراضي للمقربين منهم أو لطائفة مهنية ما أو لأفراد قبيلة ما تدعي ملكيتها للأرض، وكل هذا الإقطاع لأن الأرض أصبحت سلعة وذات مردود استثماري نظراً لتوفر الخدمات التحتية لها مثل الصرف الصحي والكهرباء. لذلك يكون السؤال: هل توافر الخدمات سبب لتحول الأرض إلى سلعة؟ سنرى بإذن الله.
لقد عرف الحنفية الموات على أنها الأرض التي لم يكن فيها أثر زراعة، ولا بناء لأحد، وليست ملكاً لأحد، ولم تكن من مرافق البلد كأن تكون محتطباً لأهل قرية ما أو مرعى دوابهم وما شابه، وأن تكون خارجة عن البلد بحيث إذا وقف في أدناها من العامر منادٍ بأعلى صوته لم يُسمع أقرب الناس إليها من العامر. ومن الواضح أن هذا التعريف يخرج كل الأراضي المحيطة بالعامر من الإحياء لأنها لا تعتبر مواتاً في المذهب الحنفي، فالأراضي التي هي خارج أسوار المدينة مثلاً أو المتاخمة لأرض معمورة كمزرعة لا يمكن إحياؤها لأنها ملاصقة للعامر. ويقول الماوردي في هذا منتقداً المذهب الحنفي: «وهذان القولان [ يعني قول أبي حنيفة وأبي يوسف] يخرجان عن المعهود في اتصال العمارات ويستوي في إحياء الموات جيرانه والأباعد». فكما تعلم فإن مباني وعقارات البيئة التقليدية كانت متلاصقة. فكيف تكون متلاصقة إذا لم تكن مواتاً ثم تحيا؟ وهذا ما قصده الماوردي بقوله «يخرجان عن المعهود في اتصال العمارات». وما هذا النقد للماوردي إلا عينة لما ذهب إليه الفقهاء. أي أن المذاهب الثلاثة الأخرى لا تتفق مع المذهب الحنفي في اشتراط البعد عن العامر. فالموات عند الشافعية كما عرفه الماوردي: هو كل ما لم يكن عامراً ولا حريماً لعامر وإن كان متصلاً بعامر. قال الشافعي: «بلاد المسلمين شيئان: عامر وموات، فالعامر لأهله كل ما صلح به العامر إن كان مرفقاً لأهله من طريق وفناء ومسيل ماء أو غيره فهو كالعامر في أن لا يملك على أهله إلا بإذنهم. ا هـ، والموات هو الأرض الخراب الدارسة ». وعند المالكية فالموات هي الأرض التي لا مالك لها ولا ينتفع بها. وعرفها الحنابلة بأنها كل أرض بائرة لم يعلم أنها ملكت أو ملكها من لا عصمة له."
Λ
ولعلك لاحظت بأن جميع هذه التعاريف وغيرها لا تقحم السلطان أو الدولة كمالك للأرض الموات، وهذا الاستنتاج مهم لأنه يضع جميع الأماكن كموارد متاحة لمن أراد العمل أدرك أخي القارئ بأنك تقول بأن هذا سيؤدي للفوضى، وأنك تقول: «سيتقاتل الناس على الأراضي، وستتعرج الطرق. وأين سيكون الإحياء في مدننا المزدحمة؟». وأنا لا ألومك على هذا القول لأنك نشأت في مجتمع رأسمالي أعطى للأرض قيمة، فأصبحت مورداً نادراً بسعر مرتفع برغم توافر الأراضي في كل مكان. فالكرة الأرضية لم تضق بسكانها بعد. انظر من حولك سترى الصحاري والسهول دون استثمار. وتجد الناس يزدحمون في المدن التي أوجدتها أنظمة الحكم. فلماذا هذا الاختناق؟ والإجابة هي: لأن الدولة هي التي تقرر وليس الناس. فهي قد منعت الناس من الذهاب إلى حيث خيرات الأرض، بل سحبتهم إلى المدن بحثاً عن عمل. فإن لم يمنع الناس من الإحياء لانتشر العامر في كل مكان فيه مورد تحت الأرض أو فوقها، ولما حشر الناس في المدن كما سنوضح في فصل ابن السبيل» بإذن الله جلت قدرته.


100
الخيرات
إن هناك الكثير من الأدلة من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء وبعض الحكام وآراء الفقهاء التي تؤكد أن من بادر وعمل وأحيا أرضاً ملكها. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (العباد عباد الله والبلاد بلاد الله ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له)؛ وفي حديث آخر في الموطأ قال صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً فهي له، وليس لعرق ظالم حق، وأضاف مالك: «وعلى ذلك الأمر عندنا». وفي حديث ثالث ذكره الإمام الحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤)، قال صلوات الله وسلامه عليه: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له وما أكلت العافية منها فهي له صدقة). وفي صحيح البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق).
۱۱
۱۰
إن أحاديث الإحياء كثيرة لدرجة أن الإحياء أصبح عرفاً مقبولاً أقره بعض الحكام. فقد جاء مثلاً رجل إلى على كرم الله وجهه فقال: أتيت أرضاً قد خربت وعجز عنها أهلها، فكريت أنهاراً وزرعتها. قال: كل هنيئاً وأنت مصلح غير مفسد، معمر غير مخرب». وقد كانت الدولة الإسلامية تعترف بملكية أولئك الذين أحيوا الموات. قال حکیم بن رزيق: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي (يأمره) «إن من أحيا أرضاً ميتة ببنيان أو حرث، ما لم تكن من أموال قوم ابتاعوها من أموالهم، أو أحيوا بعضاً وتركوا بعضاً، فأجز للقوم إحياءهم الذي أحيوا ببنيان أو حرث». وذكر ابن قدامة بأن عروة قال: «قضى بذلك [يعني الإحياء] عمر بن الخطاب في خلافته وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء وإن اختلفوا في شروطه». ولك الآن أن تتخيل أن الإحياء معمول به في أيامنا هذه، فهل تتوقع أن يقوم الناس بكراء المنازل ؟ أم أنهم سيحيون أرضاً حتى وإن كان ببناء غرفة واحدة والسكنى بها ثم بالتدريج بناء غرفة أخرى ومرافق وهكذا ليكتمل المنزل بدلاً من كراء دار بمبلغ سنوي؟ إن في الناس غريزة من وضع الله جل وعلا، وهي حب ما يملكون. فعند شراء الإنسان أرضاً في أيامنا هذه بعد سنين من الادخار تجده يحاول زيارتها للاطمئنان على أنه لم يُعتدى عليها. وتجده يذهب إليها ليتأمل منزله فيها مستقبلاً، أي أنه يحلم بها، ثم يجمع كل طاقته لبنائها. فتصور أنه حصل على الأرض بغير مال، ستجده جاداً ومثابراً ومبادراً حتى يسكن. وتتحول طاقة شراء الأرض إلى بناء المسكن وبهذا يقل العناء. إنها لغريزة وضعها الله سبحانه وتعالى حتى لا يستعبد الناس هذا الساكن، لأن من لم يملك أرضاً كان ضعيفاً وعرضة للاستغلال برشوة إن كان ذا منصب. أما الناس فهم عرضة للقهر دون مقاومة لانكسارهم، أي أنهم عرضة للاستعباد. والآن سأذكر بعض مبادئ الإحياء التي قد لا تبدو متعلقة بموضوعنا (قص الحق)، ولكن ستظهر العلاقة عند التعليق عليها مجتمعة بإذن الله. لقد اتفق الفقهاء على أن الأراضي المملوكة وغير العامرة لا تملك بالإحياء. ولكن الاختلاف في ما كان عامراً من أراضي المسلمين فخرب وصار مواتاً عاطلاً على ثلاثة أقوال: قال مالك: يملك بالإحياء سواء عُرف أربابه أو لم يعرفوا، لأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتاً عادت إلى الإباحة، كمن أخذ ماءً من نهر ورده فيه. وقال الشافعي بأنه لا يملك بالإحياء سواء عُرف أربابه أو لم يعرفوا. أما أبو حنيفة فقال: إن عُرف أربابه لم يملك بالإحياء، وإن لم يعرفوا ملك بالإحياء، وهذا بإذن الإمام. وتُجمع المذاهب الأربعة أن ما كان عامراً من أراضي غير المسلمين فخرب وصار مواتاً عاطلاً فهو كالموات، كالذي لم يثبت فيه عمارة، فيجوز إحياؤه. وهذه الآراء بالطبع برغم اختلافاتها فإنها تزيد من مخزون الأراضي الموات إن أهملت الأراضي المحياة، كما أنها نذير لمن أحيا أرضاً بعدم إهمالها لأن الآخرين الأكثر نشاطاً قد يأخذونها إن هي تركت لتعود مواتاً. هكذا فتحت الشريعة
عموم
الأبواب لمن أراد العمل.
۱۲


🗏
ولكن ما هي الأعمال المطلوبة للإحياء والمؤدية لملكية الأرض؟ هي باختصار كل ما لزم من الأعمال للوظيفة المحياة من أجلها الأرض. وفي هذا يقول الماوردى: «وصفة الإحياء معتبرة بالعرف فيما يراد له الإحياء، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق ذكره إحالة على العرف المعهود فيه، فإن أراد إحياء الموات للسكنى كان إحياؤه بالبناء والتسقيف، لأنه أول كمال العمارة التي يمكن سكناها». والظاهر أنه لاختلاف الأعراف من منطقة إلى أخرى اختلفت آراء الفقهاء في تحديد المطلوب للإحياء. فمثلاً، لا يشترط أبو يعلى الحنبلي (ت ٤٥٨) التسقيف للإحياء للسكنى مثل الماوردي فيقول: «وصفة الإحياء فيما يراد للسكنى حيازتها، ببناء حائط، ولا يشترط فيه تسقيف البناء». أما بالنسبة للزراعة فيقول: « وفيما يراد للزرع والغرس أحد شيئين : إما حيازتها بحائط، أو سوق الماء إليها إن كانت يبساً، أو حبسه عنها إن كانت بطائح [ساحل البطيحة وهي الأرض ذات الماء المستنقع، لأن إحياء اليبس بسوق الماء إليه، وإحياء البطائح بحبس الماء عنها حتى يمكن زرعها وغرسها». وإحياء قرية في الصحراء يكون، كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «بتسوية أرضها، وبناء جدر حولها وتقسيمها بيوتاً ودوراً وحوانيتاً ونحو ذلك». ولا يشترط لملكية الأرض المحياة بأن تسكن أو تزرع إنما تهيئتها فقط للزراعة أو السكني. وفي هذا يقول الماوردي (وهو شافعي (المذهب): وغلط بعض أصحاب الشافعي فقال: لايملكه أي الأرض المحياة حتى يزرعه أو يغرسه، وهذا فاسد لأنه بمنزلة السكنى التي لا تعتبر في تملك المسكون». وفي توضيح الحائط المراد تحويط الأرض به لإحياء الأرض يقول ابن قدامة: « ولابد أن يكون الحائط منيعاً يمنع ما وراءه ويكون مما جرت العادة بمثله ويختلف باختلاف البلدان، فلو كان مما جرت عادتهم بالحجارة وحدها كأهل حوران وفلسطين، أو بالطين كالفطائر لأهل غوطة دمشق، أو بالخشب أو بالقصب كأهل الغور، كان ذلك إحياء».
صفة
الله
وفي المجموع: «والإحياء الذي يملك به أن يعمر الأرض لما يريده، ويرجع في ذلك إلى العرف، لأن النبي صلى عليه وسلم أطلق الإحياء ولم يبين، فحمل على المتعارف، فإن كان يريده للسكنى فأن يبني سور الدار من اللبن والآجر والطين والجص إن كانت عادتهم ذلك، أو القصب أو الخشب إن كانت عادتهم ذلك، ويسقف وينصب عليه الباب لأنه لا يصلح للسكنى بما دون ذلك، فإن أراد مراحاً للغنم أو الحظيرة للشوك والحطب بنى الحائط ونصب عليه الباب، لأنه لا يصير مراحاً وحظيرة بما دون ذلك ...».ب
هو
ومن السابق يتضح أن الأعراف هي التي تحدد معنى الإحياء، وأن الإحياء ليس للسكنى فقط ولكن لأي وظيفة تحتاج مكاناً كزراعة أو صناعة. وهذا أمر مهم حتى لا يقوم أي فرد بقليل من العمل لامتلاك أرض بدعوى أنه أحياها. ولكن عليه أن يعمل ما يكفي لاستغلال الأرض وإلا أخذها الآخرون . منه كما سنرى بإذن الله. ولعل المهم لنا الآن أن كل من أراد الإحياء سيعمل في الأرض قدر استطاعته. وأريد منك أخي القارئ أن تلحظ نتيجة وستتأكد منها تدريجياً باستمرارك في القراءة وهي أن مقدار ما يحصل عليه الإنسان مرتبط بمقدرته هو بذاته وقد يساعده آخرون كأقاربه أو أصدقائه ولكن في حدود ضيقة. فلا تتصور أن يأتي شخص ويحيي عشرات الكيلومترات المربعة بمفرده لأنك الآن تعيش في مجتمع رأسمالي أنتج أفراداً أثرياء جداً ولديهم من المال ما يكفي

*** هامش ***

ب) وقد قال الخليفة عمر بن عبد العزيز «من غلب الماء، على شيء لأن إحياء اليبس بسوق الماء إليه، وإحياء البطائح بحبس [أي حسرا الماء عنه وجففه] فهو له». ويقول الماوردي بالنسبة للزرع حتى يمكن زرعها وغرسها في الحالين. والثالث حرثها، والحرث يجمع والغرس: «و إن أراد إحياءها للزرع والغرس اعتبر فيه ثلاثة شروط إثارة المعتدل وكسح المستعلي وطم المنخفض، فإذا استكملت هذه أحدها جمع التراب المحيط بها حتى يصير حاجزا بينها وبين غيرها. الشروط الثلاثة كمل الإحياء وملك المحيي» (١٣). والثاني سوق الماء إليها إن كانت يابسا وحبسه عنها إن كانت بطائح
الماء عنها


الخيرات
101
لتسخير الكثير من الناس للعمل لديهم. وما كان هذا إلا لأن الرأسمالية أعطت مفاتيح التمكين للقليل من الناس وأغلقته أمام الكثير من المعدمين، فظهر الأثرياء. أما بتطبيق الشريعة فإن هذا لن يقع لتقارب الناس في مقدراتهم المالية لأن الشريعة فتحت الأبواب للكل. فعلى الرغم من تفاوت الناس في استطاعاتهم إلا أن تفاوتهم متقارب مقارنة بما تفرزه الرأسمالية. لذلك فلا ثراء فاحش في المجتمع. وبهذا يتفاوت الناس في ثرائهم بناءً على استطاعتهم في الإحياء والعمل والمثابرة. فمن عمل أكثر استقطع مكاناً أكبر. أما من حاول تسويـر أرض أكبر كإحياء فإنه (كما سنرى بإذن الله) لأنه محتجر وليس محيي.
سيمنع
كما أرجو أن تلحظ أن الإحياء كمقص للمكان يؤدي إلى زيادة نسبة الملاك في المجتمع. لنقل بأن نسبة الملاك للعقارات في مجتمع اشتراكي هي عشرة في المئة، وأن نسبة الملاك في مجتمع رأسمالي هي أربعون في المئة، فهي في مجتمع يطبق الشريعة قد تصل إلى مئة في المئة. لماذا؟ لأن المجتمعات الحديثة التي منعت الإحياء، سواءً كانت رأسمالية أو اشتراكية، فهي إنما فتحت الأبواب للقلة وأغلقتها أمام العامة من الناس. أما الشريعة فعندما فتحت الأبواب للكل فمن المنطقي أن يقوم معظم الناس ببناء دورهم بأنفسهم لأن العقبة الأولى، وهي امتلاك أرض، قد أزيلت، أو قد يقوموا بشراء دار من مستثمر حصل على الأرض مجاناً مما خفض التكلفة، وبهذا يرتفع عدد الملاك في المجتمع، ويصعب الاستعباد بين الأفراد، فالكل عزيز. ولكن لنوضح الإقطاع أولاً ثم نعود للإحياء لاشتراكهما في
بعض الخصائص.

مقص الإقطاع

١٤
١٥
الإقطاع شرعاً هو إقطاع الإمام (الحاكم) المسْتَقْطَع (أي الشخص الذي سيأخذ الأرض) قدر ما يتهيأ له عمارته، كأن يعطي الحاكم أرضاً لرجل في منطقة ما ليعمرها كما هو الحال في أيامنا هذه، وهي ما تعرف بـ «أراضي المنح» في السعودية مثلاً. وبالطبع لا يكون للسلطان إقطاع ما كان مملوكا لأحد، ولكن له أن يقطع من الموات أو مما تملكه الدولة (بيت المال). والإقطاع نوعان: إقطاع تمليك وإقطاع استغلال وقد قسم العلماء الأرض المُقْطَعَة إلى ثلاثة أقسام: موات وعامر ومعادن. وسنركز هنا على الموات والذي قسم أيضا إلى نوعين: الأول هي الأرض التي كانت ولا تزال مواتاً لما روى وائل بن حجر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً فأرسل معاوية أن أعطه إياه أو أعلمه إياه». والنوع الثاني هي الأرض التي كانت عامرة وخربت فصارت مواتاً. وهذا النوع يجوز للحاكم إقطاع ما كان معموراً منه بغير المسلمين، واختلف الفقهاء في حكم ما إذا كانت بيد المسلمين قبل أن تصير خراباً وأقوالهم هي نفس الأقوال بشأن الإحياء.

*** هامش ***

جـ) ويضيف ابن قدامه: « وذكر البخاري عن أنس قال: دعا رسول فإن رأيت أن تقطعنيها اتخذ فيها قصيلا [القصيل هو النبات الذي لا الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين فقالوا يا رسول ثمر فيه الخيلي فافعل؛ قال فكتب عمر إلى أبي موسى إن كانت كما الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، ورُوي أن أبا بكر يقول فأقطعها إياه». ويذكر الماوردي: «قد أقطع رسول الله صلى الله أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا، وأن عثمان أقطع خمسة من أصحاب عليه وسلم الزبير بن العوام ركض فرسه من موات النقيع فأجراه ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وسعدا وابن مسعود وأسامة بن رمی بسوطه رغبة في الزيادة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد وخباب بن الأرت، ويروى عن نافع أبي عبد الله أنه قال لعمر إن أعطوه منتهى سوطه». وإقطاع الاستغلال قسم إلى نوعين : عُشر قبلنا أرضا بالبصرة ليست من أرض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين وخراج، وسنذكرهما في فصل قادم بإذنه تعالى (١٦).


١٥٨ 🗏
مهم .
هل تذكر ما شرحناه عن مبدأي الحاجة والسيطرة للملكية؟ إنهما تعنيان أن بيت مال المسلمين لا يملك الأرض غير المملوكة كالموات؛ وهذا من حكمة الشارع حتى لا تصبح الأراضي الموات مادة في أيدي السلاطين. فالأرض أرض الله والعباد عباد الله . وفي هذا يقول الشافعي بعد ذكر حديثين للإحياء: «ففي هذين الحديثين وغيرهما الدلالة على أن الموات ليس ملكا لأحد بعينه ... والمدينة بين لابتين تنسب إلى أهلها من الأوس والخزرج ومن فيه من العرب والعجم ، فلما كانت المدينة صنفين أحدهما معمور ببناء وحفر وغراس وزرع، والآخر خارج من ذلك، فأقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخارج من ذلك من الصحراء، استدللنا على أن الصحراء وإن كانت منسوبة إلى حي بأعيانهم ليست ملكا لهم كملك ما أحيوا ...». وهذا الاستنتاج للشافعي يرحمه الله جداً. فهناك أراض تعرف بأنها لقبيلة ما، أي منسوبة لهم، وهي غير مزروعة بفعل الناس، مثل الأراضي حول مدينة عمان بالأردن مثلاً، أو تلك التي في مناطق عسير والتي تدعي القبائل ملكيتها، فهي لا تعتبر ملكاً لتلك القبائل أو لبيت المال، لأنها إن اعتبرت ملكاً للقبائل وقاموا ببيعها بعد تقسيمها فقد تكونت طبقة من السكان حصلت على المال وما يجلبه من سلطة وتبختر دون جدارة. أما إن اعتبرت ملكاً لبيت المال، لكان التصرف بها في أيدي الحكام وأهوائهم، وهذه كارثة كما سنرى بإذن الله . ويقول الإمام محمد أبو زهرة مثلاً في أهواء الحكام: «وقد رأينا بعض الذين يكتبون في المسائل الإسلامية يقول : إن الملكية وظيفة اجتماعية ولا نرى مانعاً من استعمال هذا التعبير، ولكن يجب أن يعرف أنها بتوظيف الله تعالى لا بتوظيف الحكام؛ لأن الحكام ليسوا دائماً ،عادلين، فلو كانوا عادلين دائماً كعمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان أو الصديق أو علي أو عمر بن عبد العزيز لقلنا: إن التوظيف منهم سيكون دائماً في دائرة العدل والحق وما شرعه الله تعالى، ولكن إذا صادفنا عادلاً فسنجد غيره مراراً ...».۱۸
وإذا لم تكن الأراضي غير المملوكة ملكاً لبيت مال المسلمين، فالسؤال هو: ما هي الأراضي غير العامرة والتي يملكها بيت المال والصالحة للإعمار ؟ كما سنرى بإذن الله، فإن مصادر الأموال لبيت مال المسلمين كانت قليلة لأن الأموال، إن طبقت الشريعة لن تكون في يد الدولة كأيامنا هذه حيث يعيش الناس على الدولة، بل على العكس، ستكون الأموال بأيدي الناس وستعيش الدولة على أموال الناس. وهناك عدة سبل لوصول الأراضي لبيت المال ومن أهمها الصوافي والأراضي المعطاة لبيت المال من الناس والغنائم. وهذه المصادر نادرة وقليلة. فالصوافي هي ما اصطفاه الإمام لبيت المال من فتوح البلاد كأموال الحكام وأهليهم أو أموال رجل قتل في الحرب أو ما هرب عنه أربابه، ومثال ذلك ما اصطفاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرض السواد. وهذه معدمة في أيامنا هذه لتوقف الجهاد. أما إن تم إحياء فريضة الجهاد، فإن ما سيذهب لبيت المال قليل جداً من مجموع الكل كما سترى بإذن الله. أما الأراضي المعطاة لبيت المال من الناس، فهي كما حدث في المدينة المنورة عندما أعطى الأنصار الأراضي التي لم يتمكنوا من استصلاحها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم." وهذه أيضاً نادرة. ومن هذا يتضح بأن أكثر
الإقطاعات لابد وأن تكون من الأراضي الموات والقليل جداً من بيت مال المسلمين إذا ما قورنت بالموات.
وفي أيامنا هذه، فإن الحكومات التي تدعي الإسلام، فبعد إلغائها للإحياء حازت الأراضي الموات ومنعت الناس من الإحياء، وقام الحكام بإقطاع الموات للمقربين منهم أو ممن يتوقعون منهم معروفاً، أو لتقريب من يخشونهم أو يرجون رضاهم. ثم قام هؤلاء المتنفذين الذين حصلوا على الأراضي كإقطاع ببيعها لآخرين من المستثمرين. ثم قام هؤلاء المستثمرون بتخطيط تلك الأراضي إلى قطع أصغر وبيعها للناس الذين عاشوا الدهر


الخيرات
١٥٩
يجمعون المال لشراء الأرض. ٢٠ ثم يأتي السؤال: إذا كان للناس شرعاً إحياء الموات دون إذن الإمام؛ فلماذا كان الإقطاع من الأراضي الموات سابقاً ؟ أي إذا كان للناس الإحياء من الموات، فلماذا يذهبون للسلطان أو ينتظرونه ليقطع لهم ؟ فبإمكانهم الإحياء والإجابة هي أن استخدام الإقطاع تركز أكثر في حالة بناء المدن الجديدة كبغداد. أي أن الأراضي غير العامرة لن تكون مملوكة لا لأفراد ولا لبيت مال المسلمين إن طبقت الشريعة، بل ستعد مواتاً ومتاحة لمن أراد العمل. وفي هذا تقليص لأهواء الحكام والوصوليين المتنفذين فهم لن يتمكنوا من التلاعب بالأراضي وإعطائها لمن أرادوا بل هي من نصيب من عمل وسعى. لها. قارن هذا الوضع بحالنا اليوم الذي تلاعبت فيه الحكومات بالحقوق واستولت على هذه الأراضي واعتبرتها ملكاً لها لتهبها لمن تشاء، أو بالأصح لتزيد من حقوق من تشاء من الناس، وليس بناءً على الجدارة، بل بناءً على المحسوبيات والعلاقات ليتعفن المجتمع. ليس هذا فحسب، ولكن ركز أخي القارئ في الآتي من قواعد الإحياء والإقطاع لترى كيف قصت الشريعة الحقوق.

مقص الاحتجار

الاحتجار هو تعليم الأرض الموات أو الأرض المقطعة المراد إحياؤها. وقد يكون التعليم بوضع علامات من الحجارة أو التراب أو غرس أخشاب أو تسوير أرض بحائط أو شوك أو ما شابه، ليُستدل على حدودها. وهنا قد يأتي فرد ويحاول حجز رقع أكبر من الأراضي ذات المواقع الإستراتيجية ليتمكن من بيعها، فهل سيتمكن من ذلك؟ وأهمية هذا السؤال هو لأنه من تمكن فقد قص لنفسه من الأماكن أكثر مما يحتاج، وهذه الزيادة قد تكون أداة في يده لزيادة حقوقه لقهر غيره. ذلك لأن الاحتجار أسهل من الإحياء لذلك قد يتمكن فرد نشط من توزيع نشاطه بين عدة أراض ليحتجر رقعاً أكثر. لكن الشريعة والحمد لله قصت الحقوق بحيث لا تُمكن هذا الفرد من التمكن من غيره. فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عادي الأرض لله وللرسول ثم لكم من بعد، فمن أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين»، وذلك لأن رجالاً احتجروا من الأرض ما لا يعملون فيها. ويضيف أبو يوسف (ت ۱۸۲): «فإن لم يحيها (أي المحتجر) بعد ثلاث سنين فهو في ذلك والناس شرع واحد، فلا يكون أحق به بعد ثلاث سنين». ويقول ابن قدامة أن المحتجر يصير أحق الناس به لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق».

*** هامش ***

د) إن هذا واضح من كثرة ما دوّن من الإقطاعات في كتب الحديث هـ) ويذكر العبادي بأن عبارة: «وليس لمحتجـر حق بعد ثلاث والتاريخ. فلقد استخدمها البلاذري مثلاً في كتابه فتوح البلدان في سنين» في الحديث انفرد بزيادته الإمام أبو يوسف والراجح أنه قول أكثر من خمسين موضعاً. وفي أحد هذه المواضع يقول: «ثم استخلف عمر بن الخطاب، وذلك رداً لبعض المحدثين من الفقهاء الذين قالوا أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله ، رحمه الله، في ذي الحجة سنة اثنين بأن «ملكية الأرض تسقط بعدم الإعمار والتعطيل ثلاث سنوات وثلاثين ومائتين، فأقام بالهاروني وبنى بناءً كثيرا وأقطع الناس في ظهر مستمرة دون النظر في ملكيتها أكانت ثابتة بالإحياء أم بغيره». وفي سر من رأى بالحائر الذي كان المعتصم بالله احتجره بها قطائع بدائع الصنائع: «ولو أقطع الإمام الموات إنسانا فتركه ولم يعمره لا فاتسعوا بها وبنى مسجداً جامعاً كبيراً وأعظم النفقة عليه وأمر برفع يتعرض له إلى ثلاث سنين، فإذا مضى ثلاث سنين فقد عاد مواتاً كما منارته لتعلو أصوات المؤذنين فيها حتى نظر إليها من فراسخ ، فجمع كان وله أن يقطعه غيره ... فإذا أمسكها ثلاث سنين ولم يعمرها دل الناس فيه وتركوا المسجد الأول، ثم أنه أحدث مدينة سماها المتوكلية على أنه لا يريد عمارتها، بل تعطيلها فبطل حقه وتعود إلى حالها مواتاً وعمرها وأقام بها وأقطع الناس القطائع» (۲۱). ...». ولا خلاف في هذا بين الفقهاء (۲۲).


  1. 🗏
    وبالنسبة لمن أراد الإحياء فهو بالطبع بحاجة لبعض الوقت لترتيب أموره في الموقع، لذلك فقد قصت له
    ۲۳
    الشريعة ما يعطيه نوعاً من الطمأنينة للاستمرار في الإحياء. فالمذهب الحنفي مثلاً يعتبر المحتجر «أحق بالأرض من غيره حتى لم يكن لغيره أن يزعجه لأنه سبقت يده إليه والسبق من أسباب الترجيح . ولا يقطعها الإمام غيره». " ويعتبر الشافعية المحتجر أحق من غيره اختصاصاً لا ملكاً. ففي نهاية المحتاج: «من شرع في عمل إحياء لم يتمه كحفر الأساس أو علم على بقعة بنصب أحجار ... فمتحجر عليه، أي مانع لغيره منه بما فعله، وحينئذ هو أحق به من غيره، اختصاصاً لا ملكاً»، وكذلك باقي المذاهب ٤
    ٢٤

المبادرة

وبالطبع فإن الإحياء يختلف من وظيفة لأخرى، فإحياء أرض للسكنى ليست كإنشاء مصنع كبير، فالمصنع بحاجة لوقت أطول للتجهيز ، لذلك فقد ترك بعض فقهاء الشافعية والحنابلة مدة الاحتجار لرأي الإمام وللعرف ولم يقيدوها بثلاث سنين، ففي حاشية الباجوري (ت (۱۲۷۷): «فإن طالت عرفا مدة تحجره بلا عذر قال له الإمام: أحيي أو اترك». وذكر ابن قدامة: «فإن طالت المدة عليه فينبغي أن يقول له السلطان إما أن تحييه أو تتركه ليحييه غيرك، لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم، فلم يمكن من ذلك كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع، فإن سأل الإمهال لعذر له أمهل الشهر والشهرين ونحو ذلك ...».٢٥ وهنا لابد للمجتمع من ميزان دقيق ذي مقص واضح بين تدخل الحاكم وبين مماطلة من أرادوا الإحياء وبين استطاعتهم أو إهمالهم للأرض بعد إحيائها. وتفصيله في الآتي:
كما سنستنتج بإذن الله، فإن الناس سيتقاربون في دخلهم برغم تفاوت مقدراتهم إن طبقت الشريعة. فلا ثراء فاحش يُمكن الفرد من استخدام الآخرين. لذلك قد يحاول فرد أن يطيل فترة الاحتجار لأرض ذات موقع متميز لعله يتمكن من بيعها. هنا أتت الشريعة بمقص واضح ألا وهو أن الأرض المحتجرة أو المقطعة لا تملك، وبالتالي لا تباع إلا بعد الإحياء. ففي هذا يقول أبو يعلى الحنبلي: «فلو أراد المحتجر على الأرض بيعها قبل إحيائها لم يجز على ظاهر كلام أحمد ... »، ولم يجز بيعها أيضاً على الظاهر من المذهب الشافعي، وجوزه كثير من أصحاب الشافعي. ولقد كان بعض الحكام يأخذون الأرض التي عجز المقطع له عن عمارتها لتعطى لغيره. فيذكر البلاذري بأن زياداً «كان يقطع الرجل القطيعة ويدعه سنتين فإن عمرها وإلا أخذها منه، فكانت الجموم لأبي بكر ثم صارت لعبد الرحمن بن أبي بكرة ...». ويظهر أن مبدأ استرجاع الأرض المقطعة ممن لا يقدر على إحيائها بدأت عندما أخذ ما لم يتمكن بلال بن الحارث من إحيائه من الأرض المقطعة له من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا تفتح الأبواب أمام الجادين وتغلق أمام من أهمل أي أن الشريعة تحث على الجدارة في الأداء.

*** هامش ***

بفعل الخليفة عمر
و
٢٦
و) جاء في الخراج ليحى بن آدم: «جاء بلال بن الحارث المزني إلى أجل ، فقال : فانظر ما قـويـت عليه منها فأمسكه، ومالم تطق، وما لم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه أرضاً طويلة عريضة، فلما تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله شيئاً ولي عمر قال له: يا بلال أنت استقطعت رسول الله صلى الله عليه أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : و : والله لتفعلن وسلم أرضا طويلة عريضة فقطعها لك، وإن رسول الله صلى الله عليه فأخذ منه ما عجز عن عمارته، فقسمه بين المسلمين» (۲۷). وسلم لم يكن يمنع شيئاً يُسأله، وانت لا تطيق ما في يديك، فقال:


الخيرات
161
سؤال: هل تسقط ملكية الأرض المحياة إن أهملها المحيي؟ كما مر سابقاً، فهناك قول بأن ما ملك بالإحياء ثم ترك حتى عاد مواتاً فهو كالذي قبله سواء. فقال مالك: يملك هذا لعموم قوله: (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، ولأن أصل هذه الأرض مباح ...». وذهب بعض الحنفية إلى قول مشابه لأنهم اعتبروا الإحياء إثبات لملك الاستغلال وليس الرقبة ولكن هذا الرأي يخالفه جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة، فيقول ابن قدامة: «ولنا: أن هذه الأرض [يعني الأرض المحياة يعرف مالكها، فلم تملك بالإحياء كالتي ملكت بشراء أو عطية ... ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك ...». ورغم أن هذه الآراء مختلفة إلا أن محصلتها واحدة، وهي قلق المهمل في الإحياء. فقد يتخذ شخص قراراً خاطئاً بالإحياء لموقع ما لوظيفة ما ثم يكتشف خطأه ويضطر لإهمال الأرض لتبور. عندها تكون الأرض عرضة للإحياء من غيره. لذلك ظهرت مسائل فقهية لتوضيح هذا التعارض في استثمار المجهودات. فكما لاحظنا فلابد للمحيي أو المقطعة له الأرض من وضع مجهود من عمارة أو زراعة ليمتلك الأرض. وحتى للاحتجار، فلابد للشخص من بذل بعض المجهود للحصول على حق الاختصاص مثل بناء حائط مثلاً. أي أن مبدأ الملكية باستثمار بعض المال أو المجهود قد يؤدي إلى النزاع بين الناس فقد يقوم شخص ما بإحياء أرض يملكها آخر ظناً منه أنها موات لأنها أهملت، أو حتى عمداً لمصلحة له. وفي هذه الحالة، فإن حقوق هذا الذي استثمر في أرض غيره لا تضيع. فكيف هذا؟
قال صلوات الله وسلامه عليه: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته، وليس له من الزرع شيء). وقد ورد أن «رجلاً أحيا أرضاً مواتاً فغرس فيها، وعمر، فأقام رجل البينة أنها له، فاختصما إلى عمر بن الخطاب، فقال لصاحب الأرض: إن شئت قوّمنا عليك ما أحدث هذا فأعطيته إياه، وإن شئت أن يعطيك قيمة أرضك أعطاك». أما إذا أبي صاحب الأرض أن يعطي المحيي قيمة ،عمارته، فيقول ابن الرامي: «تكون [أي الأرض] شركة الأرض بقيمة أرضه براحاً، والعامر بقيمة عمارته، ولا يجبر العامر أن يعطي لرب الأرض قيمة أرضه ويخرجه منها». وفي كتاب الأموال: «من ابتنى في أرض قوم، وهم شهود ، فإن لم ينكروا فهم ضامنون لقيمة بنائه. وإن هم أنكروا فله نقضه، وعليه ما أحدث في أرضهم». كما أن هناك مبدأ مأخوذ به في أكثر الأقوال وهو أن المحيي أحق من المتحجر، أي أنه إذا تحجر شخص أرضاً فعطلها فجاء آخر فعمرها فالمحيي أحق بها.٣٢ وأخيراً،

*** هامش ***

بينهما،
رب
ط
ز) ويقول جمهور المالكية بأن الإقطاع لا تزول ملكيته بزوال صاحب هذا الحديث أنه أبصر رجلين من بياضة يختصمان إلى رسول الإحياء، لأن سبب الملك ليس الإحياء ولكن الإقطاع، وهو حكم من الله صلى الله عليه وسلم في أرض لأحدهما، غرس فيها الآخر نخلاً، أحكام الأئمة، وهذه تصان عن النقض. كما ذهب جمهور المالكية فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الأرض بأرضه، وأمر إلى القول بأن ما يملك بالأسباب القولية كالبيع أقوى من الأسباب صاحب النخل أن يخرج نخله، قال: فلقد رأيته يضرب في أصول الفعلية كالإحياء، فيزول الملك بزوال الإحياء (۲۸). النخل بالفـؤوس وأنه لنخل عم. قال يحيى: والعم قال بعضهم: الذي ح) كما ورد « أن عمر بن عبد العزيز كان يقضي في الرجل إذا أخذ ليس بالقصير ولا بالطويل، وقال بعضهم: العم القديم، وقال بعضهم: الأرض ، فعمرها وأصلحها ، ثم جاء صاحبها يطلبها: أنه يقول الطويل» (۲۹).
لصاحب الأرض: ادفع إلى هذا ما أصلح فيها، فإنما عمل لك، فإن قال (ط) ويضيف ابن الرامي: وحكى ابن حبيب تفسیر اشتراكهما لا أقدر على ذلك، قال للآخر : ادفع إليه ثمن أرضه»، وهذه قد تفسر فقال : تُقوّم الأرض براحاً لا عمارة فيها ثم تقوم معمورة فينظر ما بأن على مالك الأرض أن يقبل الثمن المعطى له ممن أصلح الأرض، مما زادت في قيمتها العمارة فيكون العامر شريكا لرب الأرض بذلك، يحث الناس على العمل في أرضهم وعدم إهمالها وإلا عمرها الآخرون ويكون سبيلهما سبيل الشريكين إن أحبا اقتسما وإن أحبا أمسكا» وفي الخراج ليحيى بن آدم ... عن يحيى بن عروة عن الزبير عن أبيه (٣٠). قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة لم تكن ي) وفي الخراج قال عبد الله : «من اقتحم على قوم فبنى في أرضهم بغير لأحد قبله فهي له، وليس لعرق ظالم حق قال: فلقد حدثني إذنهم فله نقضه، وإن أذنوا له في البناء فله قيمة بنائه» (۳۱).


١٦٢ 🗏
هناك نوازل مدونة من القرن الأول والتي يتضح فيها بجلاء تصادم المجهودات، وجميع هذه النوازل، والتي استخدمها الفقهاء لاستنباط الأحكام، لا تُضِيعُ مجهود من عمل في الأرض إلا إذا كان متعدياً؛ وفي هذه الحالة فللمتعدي ما بذل في الأرض منقوضاً." هل رأيت أخي القارئ كيف أن حقوق من يبادر لا تضيع؟ وليس كأيامنا هذه إذ أن صلة الفرد بالحكام والمسؤولين هي التي تحدد له حقوقه.
ك
ولكن أين السلطة من كل هذا في المدينة الإسلامية ؟ فهل من الواجب استئذان الحاكم أو مسؤول حكومي للإحياء؟ لأنه إن كان الاستئذان ضرورة من الحاكم أو من ينيبه فقد اكتسب هذا الحاكم سلطة قد يستخدمها في توزيع الحقوق كيفما أراد لا كيفما أرادت الشريعة. إن هناك خلافاً بين الفقهاء في الحاجة إلى إذن الإمام للإحياء، فجمهور العلماء باستثناء الإمام أبي حنيفة وبعض فقهاء المذهب الحنفي قالوا أن من أحيا مواتاً ملكه حتى وإن كان ذلك من غير إذن الإمام. والظاهر هو أن هذا الخلاف نتج من عدة أمور منها: محاولة تجنيب الناس التشاح وهو سبب اشتراط أبي حنيفة لإذن الإمام، ومنها الرجوع إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس لأحد إلا ما طابت به نفس إمامه ٣٦ ومنها الأخذ بحديث الإحياء نفسه، هل قاله الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً حاكماً أو مشرعا ؟ فمن قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال الحديث باعتباره إماماً اشترط إذن الإمام، ومن قال أن الرسول قال الحديث باعتباره مشرعا مخبراً لم يشترط إذن الإمام. وقد فرق الإمام مالك بين الأراضي المجاورة للعامر والأراضي البعيدة عنه، واشترط إذن الإمام للمجاور للعامر ٣٨٠ غير أن الذي طبق في البيئة التقليدية هو رأي جمهور الأئمة مثل الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وغيرهم كثير " لأنهم رأو أن أحاديث الإحياء واضحة ويجب أن لا يُشترط إذن الإمام لامتلاك الأرض المحياة. وفي «الأم» رد قوي للشافعي يرحمه الله على الذين قالوا بضرورة إذن الإمام، فقد قال رحمه الله:
ل
«فکیف خالفتم ما رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر ، وهذا عندكم سنة وعمل بعدهما، وأثبتم للوالي أن يعطي، وليس للوالي أن يعطي أحداً ما ليس له، ولا يمنعه ما له، ولا على أحد حرج أن يأخذ ما له، وإذا أحيا أرضاً ميتة فقد أخذ ما له، ولا دافع عنها، فيقال للرجل فيما لا دافع عنه وله أخذه، لا تأخذ إلا بإذن سلطان؛ فإن قال قائل للرجل فيما لا بد للسلطان أن يكشف أمره، فهو لا يكشف إلا وهو معه خصم، والظاهر عنده أنه لا مالك لها. فإذا أعطاها رجلاً، ثم جاءه من يستحقها دونه ردها إلى مستحقها، وكذلك لو أخذها وأحياها بغير إذنه فلا أثبتم للسلطان فيها معنى، إنما كان له معنى لو كان إذا أعطاه لم يكن لأحد استحقها أخذها من يديه، فأما ما كان لأحد لو استحقها بعد إعطاء السلطان إياها أخذها من يديه . له إلا بمعنى أخذ الرجل إياها لنفسه (قال

*** هامش ***

فلا
معنی
ك) عندما سئل أبو يوسف: «ما ينبغي لأبي حنيفة أن يكون قد قال كان له أن يحيبها، وكان ذلك الإذن جائزاً مستقيما. وإذا منع الإمام هذا (أي اشتراط إذن الإمام للإحياء) إلا من شيء لأن الحديث قد أحدا كان ذلك المنع جائزاً ولم يكن بين الناس التشاح في الموضع جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحيا أرضا مواتاً فهي الواحد ولا الضرار فيه مع إذن الإمام ومنعه وليس ما قال أبو حنيفة له فبين لنا ذلك الشيء، فإنا نرجو أن تكون قد سمعت منه في هذا يرد الأثر إنما رد الأثر أن يقول: وإن أحياها بإذن الإمام فليست له. شيء يحتج به؟»، قال أبو يوسف: «حجته في ذلك أن يقول : الإحياء لا فأما من يقول هي له فهذا اتباع الأثر ولكن بإذن الإمام ليكون إذنه يكون إلا بإذن الإمام أرأيت رجلين أراد كل واحد منهما أن يختار فصلاً فيما بينهم من خصوماتهم وإضرار بعضهم ببعض» (٣٥). موضعاً واحداً وكل واحد منهما منع صاحبه أيهما أحق به ؟ أرأيت إن ل في قواعد الأحكام لابن عبد السلام: «قوله صلى الله عليه وسلم أراد رجل أن يحيي ا أرضا ميتة بفناء رجل وهو مقر أن لا حق له فيها من أحيا أرضاً ميتة فهي له حمله أبو حنيفة رحمه الله على التصرف فقال: لا تحييها فإنها بفنائي وذلك يضرني. فإنما جعل أبو حنيفة إذن بالإمامة العظمى، لأنه لا يجوز الإحياء إلا بإذن الإمام، وحمله الإمام في ذلك ها هنا فصلاً بين الناس، فإذا أذن الإمام في ذلك لإنسان الشافعي رحمه الله على التصرف بالفتيا لأنه الغالب عليه» (۳۷).
لا يخالفهما


الخيرات
١٦٣
الشافعي) وهذا التحكم في العلم تدعون ما تروون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر أحد علمناه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لرأيكم وتضيقون على غيركم أوسع من هذا».
وقد تراجع بعض فقهاء المذهب الحنفي عن موقفهم. فقد قال أبو يوسف، وهو صاحب الإمام أبي حنيفة: «أما أنا فأرى إذا لم يكن فيه ضرر على أحد ولا لأحد فيه خصومة أن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائز إلى يوم القيامة، فإذا جاء الضرر فهو على الحديث وليس لعرق ظالم حق» ٤٠ أي أن الذي طبق في العصور الأولى هو رأي الجمهور إلا في البقاع التي تسلط فيها الحكام على الناس مثل المدن الرئيسية كبغداد. فقد أخذ أكثر الحكام برأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله . فتم تقييد أيدي الناس وقلت الأراضي المحياة، فتأثر الاقتصاد. تأمل كيف فعل العقل القاصر: فإن اشتراط إذن الإمام في الإحياء يعني منع الناس من الإحياء إلا بإذن الإمام. فكيف توصل العقل القاصر لمثل هذا الحكم الذي يناقض نصاً صريحاً؟ لقد أتى كما قلت من فكرة تم ابتداعها بالقول بأن الرسول صلوات ربي وسلامه عليه إنما أطلق الحديث على اعتبار أنه حاكماً للأمة وليس مشرعاً. فكيف استحدثت هذه الفكرة أصلاً في الشريعة؟ أي فكرة أن الرسول صلى الله عليه قد يكون حاكماً أو مشرعاً؟ فلم أقرأ أو أسمع أنه صلوات ربي وسلامه عليه فرق بين أقواله التي أطلقها. أما بالنسبة لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم فقد وضحتها في المقدمة وقلت أنها ليست في دائرة الحقوق. هكذا تدخل العقل القاصر وعطل النصوص التي ضيعت الأمة. أي أن الأصل كما ذهب جمهور الفقهاء هو الإحياء دون إذن الإمام في أي موضع حتى وإن كان داخل العامر (أي كما ذهب لذلك الشافعي وأحمد، رحمهما الله).
ليس هذا فحسب، ولكن على الإمام أيضاً التسليم بحق الملكية لمن أحيا أرضا مواتاً من غير إذنه. وفي هذا يقول أبو الأعلى المودودي: «فلا يتوقف حق العامل في ملكية أرضه على إذن الحكومة، وهو يصبح مالكاً لأرضه على ما قد خوله الله ورسوله من الحق. وللحكومة أن تسلم بحقه وتقره عليه إذا رفع إليها الأمر عند النزاع». وذكر يحيى بن آدم القرشي في كتابه الخراج: أن رجلا تحجر على أرض ثم عطلها، فجاء آخر فأحياها، فاختصما إلى عبد الملك، فقال: ما أرى أحداً أحق بهذه الأرض من أمير المؤمنين، ثم التفت إلى عروة بن الزبير، قال: فقال: ما تقول؟ قال: أقول إن أبعد الثلاثة من هذه الأرض أمير المؤمنين، قال : ولم ؟ قال : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العباد عباد الله والبلاد بلاد الله ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له . قال : فقال عبد الملك: انظروا إلى هذا يشهد على الله عليه وسلم بما لم منه، قال عروة: أفأُكفّر أو أكذب مما لم أسمع يسمع. منه، أسمعته يقول: الظهر أربع والعصر كذا والمغرب كذا، إن الذين جاؤونا بهذا هم جاؤونا بهذا». اللهم ارحم عروة رحمة واسعة.
رسول
الله
صلی
٤١

شحذ الهم

تخلفنا
هل قرأت أخي القارئ ما قاله أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فما بالك بما يحدث اليوم؟ إن سبب . هو تغير مقصوصة الحقوق التي أفقدت الناس الهمم الإنتاجية بسبب استئثار السلاطين ومن حولهم من مسؤولين بالحقوق لأنفسهم. فلهم ولأعوانهم وأقاربهم وما أكثرهم أن يمروا في المطارات دون أي تفتيش أما أنت فتقف لأنك مشكوك بك، ويتم تفتيش أمتعتك ولهم الإعفاء من دفع فواتير الهواتف وعليك الدفع وإلا فقدت هاتفك.


172 🗏
وهكذا في كل شيء، ولا أريد تذكيرك، فأنت تعيش هذا صباح مساء. إنه وضع لا يمكن أن يحدث إن طبقت الشريعة كما سنرى بإذن الله. فإن قرأت قواعد الإحياء والإقطاع ثانية فستلحظ أن الشريعة قصت الحقوق لتلائم طاقات واحتياجات الأفراد الذين يعملون وينتجون، وأن هذه القواعد هي ضد كل من تكاسل وحاول الوصول لأطماعه نفاقاً. فأول قاعدة وضعتها الشريعة كما رأينا في الحديث عن الحاجة والسيطرة في الملكية، هي أن كل ما لا يُسيطر عليه ولا يُحتاج له لا يملك. لذلك فإن الأراضي الموات وغير العامرة لا يحق للدولة ملكيتها، فهي حق للجميع ليأخذ منها، كل قدر طاقته. وعند توافر الأرض بزيادة العرض تفقد الأرض قيمتها. فكما هو معلوم في علم الاقتصاد، فإن قلة العرض تزيد السعر نظراً لندرة السلعة. وإليك المثال الآتي والذي برغم سذاجته إلا أنه يوضح الفكرة. لنقل بأن موقع أرض مدينتك التي تعيش فيها هي مستودع ضخم بارتفاع أربعة أمتار. أي أن كامل مدينتك وكأنها خزان مصمت بارتفاع أربعة أمتار. ثم ملئ هذا الخزان بالرز. فكم سيكفي هذا الرز سكان المدينة التي أنت بها؟ بالطبع ستقول مباشرة أنه قد يكفي عشرات السنين، لأن كمية الرز تزيد عن مجموع السكان. فقد يقابل كل ساكن على الأقل مئة متر مكعب من الرز ، هذا إن كان متوسط الكثافة هو شخص واحد في كل ٢٥ متراً مربعاً، أي أن المسافة بين كل شخص وآخر هي ٥ أمتار. وهذه كثافة مرتفعة إن أخذنا في الحسبان جميع مساحات المدينة مثل الطرق والساحات. فإن أكل كل فرد متراً مكعباً من الرز بمفرده سنوياً هذا إن أكل في كل وجبة ما حجمه لتراً، وهذا أمر محال)، فإن الرز سيكفي السكان مئة سنة على أقل تقدير. أي وكأن الرز لا قيمة له من كثرته. أما إن ملك شخص واحد جميع هذا الرز وقرر أن يخرج للسكان في كل يوم كيلوجرام من الرز، فإن نصيب كل ساكن قد يكون رزة واحدة فقط لأنه لا يستطيع شراء رزة أخرى لأن سعرها سيكون جد مرتفع نظراً لندرة كل رزة. وعندها قد يضطر ساكن ما لقسمة الرزة الواحدة ثلاثة أقسام ليأكلها، ثلث رزة في الصباح وثلث آخر في وقت الظهيرة وثالث في المساء. أدرك أخي القارئ بأنك تقول بأن هذا المثال مضحك. إلا أن هذا هو ما يحدث في الأراضي تماماً. فعلى الرغم من كثرة الأراضي التي تزيد عن كمية الرز، إلا أنها أصبحت سلعة، فتم حشر عدة عوائل في شقة سكنية واحدة. وهذا ما حاولت الشريعة تلافيه. فلم تكن الأرض سلعة قط، ولم تكن لها قيمة شرائية نظراً لكثرة المعروض منها وذلك بفتح باب الإحياء، فقد كانت الأرض من نصيب أولئك الذين يعملون بها مقابل إعمارها. وهذه الحقيقة، وبرغم بساطتها، تعني إزالة أهم عائق لمن أراد العمل. وبالطبع فإن الكل يريد العمل. فكما سترى أخي القارئ فإن أفراد المجتمع المسلم إن طبقت الشريعة، سيرتقون بكرامتهم بحيث يصعب على الفرد أن يسأل الآخرين أعطوه أو منعوه، فالعمل أهون على النفس الحرة من السؤال. أما في أيامنا هذه، فتجد الناس في دول الخليج وقوفاً عند أبواب الحكام يستعطفونهم في قطعة أرض، فبرغم مظاهرهم الفاخرة إلا أنهم أذلة. وفي الدول الإسلامية الأخرى فالوضع آيس لأن السلاطين أسوأ، فلا أراض أصلاً لتمنح إلا للمقربين. ولهذا أصبحت الأراضي نادرة ليحشر الناس في عمائر سكنية برغم كثرة الأراضي وتوافرها. فكان هم الناس الأول للحصول على مساكن أفضل، أي إنهم منشغلون بأنفسهم. فهل يرجى من مثل هؤلاء تحرير فلسطين؟ إن عليهم تحرير أنفسهم من الاستعباد ليحرروا غيرهم. أما ما فعلته الشريعة فهي فتح الأبواب تلو الأبواب لمن عمل حتى يتحرر الناس. تأمل ما تحاول الشريعة دفع المسلم إليه في التلخيص الآتي:
منهم
.
جمع
المال
إذا تيقن المسلم أن بإمكانه امتلاك أرض دون إذن الحاكم، فإنه بالتأكيد سيحيي الأرض التي سيحتاج إليها وبالذات إن كان من الفقراء. وإذا تيقن المؤمن المحتاج بأن إحياءه للأرض لا يؤدي إلى امتلاكها فقط، ولكن أيضاً


الخيرات
إلى نيل الثواب من الله عز وجل لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكله العوافي منها فهو له صدقة)،٤٢ فإنه سيعمل لا محالة. أما إن علم المسلم بأن الأراضي غير العامرة تعد مواتاً بالنسبة لبعض المذاهب، أو تعد موافقة مبدئية من أصحابها لإحيائها لأن أصحابها لم يمتلكوها بعد بناءً على رأي بعض المذاهب الأخرى، فسيحاول أن يقص من الأرض ما هو بحاجة له؛ وإن علم أن الأرض المحياة التي أهملها مُحيوها ستعود مواتاً في رأي بعض المذاهب، وأنه سيمتلكها بإعمارها، فسينتظرها إن كانت إستراتيجية في موقعها ويحييها لتصبح منتجة مرة أخرى وتضيف لمجموع ما تنتجه الأمة. ألم تر الأراضي في أيامنا هذه في أواسط المدن مهملة هنا وهناك لأنها مملوكة للدولة أو لثري فاحش الثراء صنعته الرأسمالية ويعيش في مدينة أخرى؟
أما إن أدرك المحيي أن أرضه التي أحياها إذا لم يستمر في إعمارها قد تعـود مـواتـاً ومن ثم قد يحييها الآخرون فإنه سيحاول قفل هذا الباب عليهم بالمثابرة في العمل فيها. وإذا علم الفرد أن الأرض التي وهبت له كإقطاع إذا لم تُعمّر في فترة معلومة فستؤخذ منه فلابد له من المثابرة. وإذا علم بأن الأرض التي احتجرها أو التي أخذها كإقطاع لا تعد ملكاً له، وأنه قد يحييها آخرون فيفقد ملكيتها، لأن المحيي أحق من المحتجر في ملكية الأرض شرعاً، فسيثابر للعمل لإثبات إعمارها ليمتلكها. وإذا علم المحيي بأن أي استثمار من مبانٍ أو غرس يضعه في أرض موات ثم يتضح بأنها مملوكة لقوم آخرين، فإن استثماره لن يضيع عليه، بل سيجبر الملاك على تعويضه، أو سيصبح شريكاً لمالك الأرض، فإنه لن يتردد في المخاطرة. وهذا بالطبع غالباً ما يصيب أرضاً ذات موقع متميز. فإن كانت كذلك فإن في هذا دافع للمالك لإحيائها لتصبح أرضاً منتجة وإلا ذهبت منه، أو أن في إحيائها برجل غير مالكها زيادة إنتاجية لمجموع الأمة وخسارة للمالك. وهذا وضع يرفضه الكثير من الرأسماليين لأن فيه (بالنسبة لهم) تعد وظلم للإنسان الذي ثابر وجمع مالاً ومن ثم استثمره في الأرض، أي أن في هذا تثبيط للآخرين كما يقولون. فأجيب: إن ما تفعله الشريعة هو توجيه هذا الاستثمار لشيء آخر منتج وليس للأرض، لأن في هذا احتكار يعطل إنتاجية الأمة. وهذا من حكمة الشريعة التي تطلق العنان للاستثمار في كل ما ليس فيه مضرة على البشر. فالاستثمار في مصنع للتبغ أو المخدرات أمر مرفوض لوضوح ضرره برغم استفادة ملاكه منه. وهذا مثال واضح وصارخ. ولعل الاستثمار في الأرض مثال أقل وضوحاً. فالشريعة توجه المجتمع للابتعاد عن الاستثمار في الأرض كسلعة كما هو حاصل الآن. فالناس يشترون الأرض لاستسهالهم الاستثمار فيها. فالأرض أصبحت كمخزن للفائض المالي عند الكثيرين الذين لا يجيدون أو لا يريدون المخاطرة في أي استثمار. فكل ما عليهم هو شراء أرض بيضاء والانتظار ليرتفع ثمنها. فهم يقولون منتظرين: الأرض لا تأكل ولا تشرب، ولا زكاة عليها، فهي أفضل مكان للاستثمار». فأقول: إن الأرض لم توضع الزكاة عليها لأنها لم تكن سلعة، ويجب ألا تكون سلعة. وهذا هو الأصل. لأنها إن أصبحت سعلة ستصبح، كما هو الآن، العائق الأول لأي استثمار. فمعظم الاستثمارات سواء كانت مصنعاً أو مزرعة أو محلاً تبتدئ بالأرض كموقع. فإن كان للموقع ثمن، فإن هذا سيعيق الآخرين من البدء في الإنتاج. فالأرض هي من أولى مراحل الإنتاج. وسترى بإذن الله أن في تحرير الأرض من امتلاك من لا يعملون حكمة كبرى بإزالة العقبة الأولى. وهذه من صفات مقصوصة الحقوق. فلعلك لاحظت أخي القارئ كثرة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإحياء وبألفاظ مختلفة. وما كان هذا إلا ليذكرنا صلوات ربي وسلامه عليه ويحرصنا على العمل به ولكن أتت الحكومات فأماتت الإحياء لتخرج عن شرع الله. فكان الجزاء قلة الإنتاج.
فعله


١٦٦ 🗏

إحياء الإحياء

إن لي أمنية أن أتمكن يوماً من كتابة كتاب بعنوان: «إحياء الإحياء» أو «إحياء الأحياء»، لعلي أظفر بأجر قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ . والفرق بين العنوانين هو أن الأول إحياء لمبدأ إحياء الأرض، والثاني هو إحياء للأحياء، أي للناس. فالناس بغير تطبيق الشريعة لمبدأ الإحياء كأنهم أموات برغم أنهم يأكلون كما تأكل الأنعام ويتحركون فهم مسلوبو الإرادة والعزة والكرامة كما سترى بإذن الله. وما أريد فعله في ذلك الكتاب هو القيام بدراسة مستفيضة من خلال إحصائيات دقيقة عن تأثير إحياء الأرض في نفوس الناس بشحنهم بالهمم والعزة ما سيؤدي لإحياء المجتمع بأسره من خلال سعادة الجميع باستقرارهم وزيادة إنتاجيتهم.
القضاء
تأمل قوله تعالى الذي «قد»، والله أعلم، يصف هذا الوضع في الآية السابقة: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، والسؤال هو: كيف يكون إحياء الناس؟ إن قتل النفس بالنسبة للكثير من الناس سيعني على حياة فرد ما، فهذا فعله البشر كما فعل نمرود مع سيدنا إبراهيم عليه السلام. فقد كان الملك نمرود يدعي
وأن
٤٣
٤٥
الربوبية. «فقال لإبراهيم من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ﴾ . فقال نمرود: أنا أحيي وأميت. وأحضر رجلين، فقتل أحدهما وترك الآخر. فقال: قد أحييت هذا وأمت هذا». أي أن ما فعله نمرود من عدم القتل لا يعني الإحياء، بل الإعفاء. فهل يستطيع أحد من الناس إحياء البشر ؟ فهذا بيد الله سبحانه تعالى المحيي المميت. فهو المحيى فقط، ولكن الآية تقول: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ، فما معنى الآية إذاً؟ والإجابة: لابد تعني . شيئاً آخر. وبالنسبة لتفسير الفقهاء فقد اختلفت أقوالهم: فمنهم من قال أن معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، أي «من عفا عمن وجب له القصاص منه فلم يقتله». ومنهم من قال أن «معنى ذلك: ومن قتل نبياً أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا. ومن شد على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا». ومنهم من أولها على أنها العمل على إنقاذ الآخرين من غرق أو حرق أو هدم. فكما ترى فإن تأويلين من التأويلات السابقة (الأول والثالث) يلتقيان عند تصرف طرف لما فيه صالح طرف آخر. أي هناك طرفان، أحدهما بحاجة للآخر. فالذي يعفو عمن قتل قريب له بحاجة للعفو، وكذلك المحتاج للإنقاذ من غرق أو هدم أو حريق، فهو الطرف الذي يتوقع العون. هنا المعنى يتجه لإنقاذ فرد واحد، وهو إما الجاني أو المحتاج للإنقاذ، ولعل فيه أجر إحياء جميع الناس إلا أنه ليس إحياء لجميع الناس. أما التأويل الثاني، وهو الأخذ بيد السلطان (إذ لا أنبياء الآن) فهو ما أود التركيز عليه. فكيف يكون إحياء الناس جميعاً من خلال السلطان؟ إن الإجابة تأتي والله أعلم من نفس الآية من قوله تعالى:

*** هامش ***

م) جاء في تفسير الطبري: «ذكر من قال ذلك قال بن زيد في من غرق أو حرق أو هلكة. ... عن منصور عن مجاهد: ﴿وَمَنْ قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، يقول من أحياها أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قال: من غرق أو حرق أو أعطاه الله جل وعز من الأجر مثل لو أنه أحيا الناس جميعاً، أحياها هدم.... عن خصيف عن مجاهد : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ، قال : أنجـاها». فلم يقتلها وعفا عنها. قال: وذلك ولي القتيل والقتيل نفسه يعفو عنه وجاء في أحكام القرآن لابن عربي: «ومنها أن من قتل واحـداً فـهـو قبل أن يموت» (٤٤). متعرض لأن يقتل جميع الناس؛ ومن أنقذ واحداً من غرق أو حرق أو ن) جاء في تفسير الطبري: «ذكر من قال ذلك : . عدو فهو معرض لأن يفعل مع جميع الناس ذلك، فالخير عادة والشر عن منصور عن مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ، قال : من أنجاها لجاجة» (٤٦).
...


الخيرات
١٦٧ ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾، كيف؟ قال الطبري في تفسيرها: «يقول: لساعون في الأرض بالفساد وقاتلوا النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حربا الله ولرسوله، فمن فعل ذلك يا محمد فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض». هنا في هذا التفسير نلحظ أنه يركز على الجانب السلبي لتصرفات الأفراد، فمن سعى فساداً في الأرض بالقتل أو إعلان الحرب على المجتمع أو من يمثله فكأنه قتل الناس جميعاً أو كأنه لم يحي الناس. ولكن ماذا عن التفسير الآخر، وهو ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ؟ أي ماذا عن الإحياء للناس جميعاً، فكيف يأتي؟ وما علاقة ذلك بالرسل الذين أرسلوا بالبينات والمسرفين من الناس؟
٤٧
تنتهي .
بالنسبة لي أخي القارئ، فإن في الآية إعجاز فكري لغوي يستحيل أن يأتي إلا من عند عالم الغيب والشهادة كيف؟ لننظر للآية مرة أخرى: قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ . نلحظ قوله تعالى أو أتت بين القتل بغير نفس وبين الفساد في الأرض، وبالطبع فإن الخطاب ،واضح، فهو يعني شيئين مختلفين والله أعلم، هما القتل للنفس التي حرمها الله أولاً، والفساد في الأرض ثانياً. وهذا الثاني (الفساد في الأرض) لا يعني قتل إنسان لآخر مباشرة، بل من خلال بدائل أخرى مثل منع وصوله للماء ليشرب منه ما سيؤدي لعطشه ثم موته، وما إلى ذلك من أمثلة مباشرة. وهناك أمثلة أخرى غير مباشرة ستؤدي لقتل الناس كإباحة الربا مثلاً : فقد يُقدم إنسان لا يملك الخبرة التجارية بالاقتراض من بنك ربوي ثم لا يتمكن من سداد ما عليه ثم تسوء حالته النفسية فيسيء معاملة أهله فتضطر ابنته بسبب سوء المعاملة والفقر إلى العمل في الدعارة ثم في المخدرات ثم : حياتها بالموت. هكذا يكون الفساد. لاحظ هنا أن قوله تعالى ﴿أو﴾ لم تُذكر في الحديث عن الإحياء. فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . وهنا استنتاجان، الأول هو: لأن الإحياء عكس الإماتة، فالمسببان للموت أي القتل والفساد) سيأخذان عكسيهما في الإحياء، أي عدم قتل الناس مباشرة بالعفو عند المقدرة، والعمل على إيجاد ما سيحول دون قتل الناس بطريقة غير مباشرة، مثل محاربة الربا (الربوا) . والاستنتاج الثاني هو أن الإحياء للأفراد بغض النظر عن طريقة الإحياء يعتبر إحياء لجميع الناس سواء كان ذلك عن طريق العفو عن القاتل أو عن طريق إنقاذ الغريق أو عن طريق محاربة مروجي المخدرات. تلحظ أن كلا الاستنتاجين يتجهان إلى أن الإحياء لا يعني فقط العفو عن القاتل، ولكن أيضاً كل عمل سيؤدي في النهاية لإحياء الناس بالتخفيف من وسائل القتل بكل الطرق، مثل إصلاح عطب في طريق قد يخفف من الحوادث المرورية وما شابه من أمثلة وما يعزز هذا الاستنتاج هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ . هنا إشارة واضحة أن الإحياء للناس لا يكون فقط بالإعفاء عن القاتل، ولكن باتباع ما جاءت به الرسل من البينات أي من أوامر ونواهي، وهذه تشتمل على حقوق الآدميين، أي على مقصوصة الحقوق، فكيف تُحيي الناس ما أتت به الرسل من بينات؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من الربط بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ .. السؤال هو: كيف يأتي الإسراف ؟ والإجابة هي: الإسراف لا يحدث كما هو معلوم إلا إن وجد مجتمع يكثر فيه الأغنياء. ثم يكون السؤال متى يكثر الأغنياء والإجابة هي إن كان هناك فقراء فإن كان الجميع يحصل على ما


١٦٨ 🗏
يحتاجه لحياته من مستلزمات فلا فقراء ولا أغنياء، بل مجتمع يحظى أفراده بمعظم المتطلبات، أما إن وجد فقراء، فهم تحت رحمة الأغنياء الذين يسخرونهم لإسرافهم. فحتى يسرف الثري في حفلة ماجنة لابد وأن يكون هناك فقراء يعملون للإعداد لهذه الحفلة مثل تجهيز الطعام بكميات كبيرة مثلاً؛ وحتى يسرف غني آخر في بناء قصر كبير لابد وأن يكون هناك عمال فقراء يجذبهم بماله للعمل له. وهكذا إن فكرت ملياً تجد أن المسبب الأول للإسراف هو وجود طبقتين: طبقة غنية تملك الكثير وطبقة فقيرة مضطرة للعمل لهم. أي وكأن الآية تقول لنا: إن إحياء الناس من خلال ما أتت به الرسل، ومنها » إحياء الأرض سيؤدي إلى ارتفاع نسبة الملاك في المجتمع فينعدم الفقراء، فلا
يستطيع الأثرياء (لأنهم قلة جداً) من تسخير الآخرين لإسرافهم، وهكذا يحيا الجميع. فتدبر عمق المعنى. ولعل ما يميز مجتمعاتنا اليوم هي أن معظم سكانها لا يملكون ما يسكنون ، فهم مستأجرون. أي أن معظهم في هم مالي. ولعلك تدرك جيداً أن كثرة الالتزامات المالية على الفرد تفقده الاطمئنان وحرية الانطلاق ليقل عطاؤه. أي أن المجتمعات التي لم تحكم بما أنزل الله مكبلة بقيود العقارات نظراً لانخفاض نسبة الملاك فيها. أما إن زادت نسبة الملاك كما يحدث عند إحياء إحياء الأرض، فإن نسبة من يشاركون في بناء المجتمع ستزداد بانطلاقهم بعطائهم. أي أن إحياء الإحياء ضرورة لإحياء الأمة. فالأمة جسد خلاياه الأفراد وإن عز الأفراد عزت الأمة. ومن جهة ثانية فإن قتل الإحياء الذي جعل للأرض قيمة أوجد طبقة مستثمرة لها، وإليك إحدى هذه القصص. ففي خارج مدينة الطائف قام بعض التجار بإحاطة أراض بيضاء بأسوار وتمكنوا من احتجارها ثم تمكنوا بطرقهم التي يعرفونها من الحصول على سندات بملكيتها (صكوك)، ثم باعوها للناس الذين منعوا بعد ذلك من إحيائها بالبناء عليها لأنها منطقة خصصت لتكون أراض زراعية بقرار حكومي، أي أن تجار العقار ذهبوا بالأموال، هكذا وبمثل هذه الحيل تتكدس الثروات في أيدي تجار العقار. ولعل أشهر حيلة هو الاتفاق بين شخص مقرب من السلطان حصل على أرض شاسعة (بأمر ملكي أو قرار جمهوري أو تفويض وزاري وبين تجار العقار الذين يشترون الأرض من هذا المقرب من السلطان كمساهمة أو يتشاركون معه ومن ثم يخططون الأرض ويبيعونها لعموم الناس ليستأثروا بالأرباح. أي أنهم طبقة مستهلكة وليست منتجة لأي منتج ذو منفعة مباشرة للسكان، فهم لا هم لهم إلا إنتاج «أساليب الحصول على الأراضي وتخطيطها وبيعها ليزداد التكدس المالي عندهم ويزداد التضييق على الناس ليضمحل الإنتاج الفعلي، وهذا من التطاول في البنيان والذي هو من علامات الساعة، فالتطاول ليس الارتفاع في البنيان فقط، ولكن أيضاً التسابق بين شركات أو مؤسسات العقارات التي بدأت في طرح مزادات عقارية تسحب أموال المجتمع لتدفن في هذه الأراضي كاستثمارات. ولعل من أشهرهم من أحاط بابن حسني مبارك (جمال مبارك) في مصر. ومن جهة ثالثة، فإن قتل الإحياء الذي جعل الأرض سلعة أدى لظهور أنماط بنائية قد لا تتفق مع المسلمين واحتياجاتهم، بل لا تتفق أيضاً مع متطلبات الإنسان الكريم. فانتشرت ظاهرة السكنى في العمائر. وشتان بين فرد يُحشر في شقة سكنية وآخر يسكن في منزل بنوع من البحبوحة. فكوكبنا لم يضق بعد على البشر حتى يحشر السكان. ولكنك قد تقول: ولكن الموارد الأرضية، ومنها موارد المسلمين لن تكفي الكل للعيش في بحبوحة، فالمساكن مكلفة الإنتاج. فأقول: كلا، هذا ما ستستنتجه بإذن الله. فالله سبحانه وتعالى الخبير العليم يعلم ما يفعل. فهو لم يخلق البشر ويضعهم على أرض لا تكفي احتياجاتهم. بل هو الرازق الرزاق الكريم. فما على الأرض من خيرات يفوق ما يحتاجه البشر وإن تضاعفوا وتضاعفوا كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصل «ابن السبيل»، لكن البشر
هم الذين خرجوا عن حكم الله فأتاهم العذاب من عند أنفسهم. كيف؟
عادات


الخيرات
١٦٩
٤٨
إن أنواع العذاب بسبب الحكم بغير ما أنزل الله كثيرة وسنأتي عليها. ولكن ما يتصل بموضوعنا الآن هو ظهور ما . يسمى بالمساكن العشوائية، أو ما يعرف في تخصصات علم الاجتماع والعمارة والتخطيط بـ squatters وهي مناطق سكنية أحيا فيها الفقراء الأرض غير العامرة المحيطة بالمدن دون إذن السلطات. ولأن الأرض المحياة كانت ملكاً للدولة أو لشركة ما أو لشخص ثري (كما يزعمون)، فقد قيل عنها أنها ملكت عنوة أو بوضع اليد. لذلك أطلقت عليها أسماء إما أن تصف حالتها غير القانونية (البشرية) أو تعكس حالتها البنائية المهترئة. فهي تسمى في بعض الدول العربية بالصناديق، أو تسمى في المغرب بالمكسيك، وتسمى في تركيا كوجاكنده، وتسمى في بعض دول أمريكا اللاتينية فافيلاس. لذلك فهي الآن علم يدرس في تخصصات الاجتماع والعمارة والتخطيط وكأنه مرض. ونظراً لاستمرار قساوة الرأسمالية التي تزيد الثري ثراءً والفقير فقراً، ومع ازدياد نسبة الفقراء فقد بدأت مثل هذه الأحياء في الازدياد لدرجة أنها أصبحت تشكل أكثر من ثلثي مدن الدول الفقيرة، وأمست أمراً يقلق المسؤولين. كما أن الدول عادة ما ترفض الاعتراف بهذه الأحياء بحجة أن السكان قد استحوذوا على الأراضي بوضع أيديهم عليها عنوة كالبناء عليها ليلاً وعلى عجل لوضع السلطات أمام الأمر الواقع. لذلك تحارب الدول عادة هؤلاء الفقراء بعدم تقديم المرافق والخدمات لهم خوفاً من انتشار مثل هذه الأحياء. فأتى هذا العلم الذي يدرس هذه المناطق ليثير أسئلة مثل: كيف يمكن الحد من انتشار هذه الأحياء؟ ومتى ما وجدت فكيف يمكن تحسين حالها وبأقل التكاليف؟ وما هي اقتصادياتها وكيف يتصرف سكانها؟ وكما أثبتت الدراسات فإن الملاك عادة ما يتآزرون ويحسنون مساكنهم بمجرد اعتراف الدولة لهم بملكيتهم للأراضي المستحوذة. وهذا رد فعل واضح وناتج من شعور السكان بالاطمئنان ومن ثم الجد والمثابرة والاستثمار فيما يملكون فتتحسن تلك الأحياء. فيظهر نوع من التعاون بين السكان عجيب. وتتغير نفسياتهم ويزدادون سعادة، وهكذا ينتقلون من أفراد معدمين إلى متمكنين وبأقل التكاليف المالية، ومن ثم يكونون ذخراً للمجتمع برغم تهالكهم المالي. ورغم كل هذه الإثباتات التي أتت بها الدراسات إلا أن الدول عادة ما تعادي هؤلاء الفقراء وتحارب استحواذهم للأراضي البيضاء التي لا عمار فيها لأن أصل المشكل هو أن الفقراء أخذوا أراضي غيرهم من أصحاب النفوذ أو المسؤولين في الدولة. أي والله، إنه الإصرار على إلغاء الإحياء لمصلحة الأثرياء. فلأن الأرض أصبحت سلعة وقام ثري ما في مجتمع رأسمالي بوضع ما فاض لديه من مال في أرض ليستثمر في بيعها مستقبلاً، أتت الدولة لحمايته، كما هو الحال في معظم دول أمريكا الجنوبية مثلاً. وإن لم تفعل فإن النظام الرأسمالي الذي يعتبر الأراضي الموات سلعة)، سينهار. فالصراع بالأسلحة بين ملاك الأراضي وأولئك الذين اغتصبوها ( كما يقولون، أو أحيوها كما أعتقد أصبح سمة المدن. وهكذا ظهرت العداوة بين الأحياء، فبعض مدن أمريكا الجنوبية منقسمة في أحيائها، فهناك أحياء للفقراء وأخرى للأثرياء. أي أن الحداثة (التي حكمت العقل البشري الذي منع الإحياء بدعوى التنظيم من خلال التخطيط) أساءت للمجتمع بتمزيق نسيجه الاجتماعي، فأصبح الأغنياء يخافون الفقراء لكثرتهم، وبهذا بدأت الأحياء المحاطة بالأسوار الحماية من بداخلها من الأثرياء في الظهور وكأنها جزر من اليابسة داخل المحيط المائي. ففي البرازيل انتشرت هذه الجزر من الأحياء والتي تسمى بالـ «فافيل» وبها كافة مستلزمات الرفاهية المترفة للسكان الأثرياء. وكأنها سجون اختيارية، فسكانها يعيشون في قلق مستمر. فالوضع الطبيعي هو أن يوضع المجرمون في السجون والكل طليق. أما هناك، فيوضع الأثرياء داخل هذه الجزر لخوفهم على أنفسهم من الفقراء، بينما الفقراء، وهم الأكثر، طلقاء خارج هذه الجزر. وفي كاليفورنيا في تلال بفرلي بفرلي هلز ذات المساكن الفخمة يقوم الأثرياء باستئجار أفراد مسلحين


۱۷۰ 🗏
لحمايتهم في منازلهم من الفقراء كما هو الحال في الهند في العمائر السكنية الفارهة التي هي في الواقع جزر الأثرياء داخل محيط الفقراء ولكنها رأسية. وقد تقول: إن هذا الوضع المأساوي هو في دول غير إسلامية، فنحن لا زلنا بخير. فأقول : لقد بدأ في الظهور مؤخراً، فما هي إلا مسألة وقت وستستشري إن لم نعد للحكم بما أنزل الله.
.
ولأننا نعيش في مجتمعات رأسمالية فقد قسم الناس إلى نقيضين من يملكون ومن لا يملكون. وقد لا تستشعر هذا التقسيم أخي القارئ لأنك قد تعيش في دولة نفطية مثلاً. أو أنك موظف مستور في حاله المالي إلا أنك تعاني من هم بعض النفقات. غير أن الإحصائيات تشير لازدياد الفقر إن تمادينا في الحكم بغير ما أنزل الله كما حدث مع الأمم الرأسمالية الأخرى، بل حتى أسوأ. فهناك إحصائية مزعجة تتنبأ بأن عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي سيرتفع إلى ٨٠ مليون فرد بحلول عام ۲۰۲۰م إن استمرت سياسات الدول العربية على ما هي عليه الآن. ألا تعني هذه الأرقام أن هؤلاء العاطلين قد ينجذبوا للمخدرات والإجرام؟ فكما هو معلوم فإن الفراغ مع الفقر يولدان اليأس الذي يدفع الإنسان لفعل ما يعتقد أنه سينقذه من البؤس والهم. فالبطالة لا تعني عدم الإنتاجية فقط، ولكن تعني أيضاً انتشار الأمراض النفسية والسرقات والدعارة وانعدام الأمن؛ إنها تعني فساد المجتمع. فتأمل كيف أن الإسلام وضع مفاتيح التمكين بأيدي الناس مباشرة دونما وسيط؛ لقد أعطتهم الأرض مباشرة، عندها يكون السؤال: إن قدمت الشريعة للإنسان الأرض فمن أين له المال ليبدأ البناء؟ هذا هو موضوعنا الآتي:

الفتات

حي
وبعد سماح الشريعة للإنسان الحصول على أرض للسكنى أو الزراعة أو الصناعة، وضعت له مقصاً آخر يعينه على البناء. فإن كان الفرد معدماً (وهذا وضع نادر إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله، إلا أنه انتشر مع الرأسمالية)، فكيف سيبدأ البناء دون سؤال الناس أعطوه أو منعوه ؟ والإجابة هي عن طريق «اللقطة». كيف؟ إن زرت أية مستوطنة للفقراء ستلحظ أن السكان يجمعون كل ما يمكنهم من أعيان بنائية ومن ثم ينشئون منها مبنى يأويهم. فهم يجمعون مثلاً صفيحة معدنية مستهلكة، أو قطعة بلاطة مكسورة، أو كرسي حمام ملقى في مهملات بجانب الأغنياء، أو قطعاً خشبية من بقايا صناديق الشحن ونحوها من مواد. أي أن السكان المعدمين يجمعون هذا الفتات المهمل ليصنعوا منه مسكناً. وقد يكون هذا المسكن رديئاً جداً في مظهره، إلا أن الساكن فيه مستور ويعلم أنه بمثابرته سيصلح حاله. أي أنه بعد السكنى ستأتي مرحلة أخرى، ألا وهي التحسين. وهذا يحدث عادة وكما هو معروف من تعاون السكان كأن يستعير المحيي للأرض عربة زميل له مقابل أن يقوم هو بمساعدته بعضلاته بنقل متاعه من مكان لآخر. أو قد تقوم زوجة المحيي بإعداد وجبة غذاء لأصدقاء زوجها الذين يعينونه في نقل مواد البناء. حتى أن المساعدات قد تتعدى المعارف لتشمل معارف المعارف بتبادل المنفعة دون مردود مالي. فقد يحضر زيد زميله الكهربائي لإنهاء بعض التوصيلات الجاره مقابل أن يقوم الجار بتعليم أبناء الكهربائي. وهكذا في غضون سنوات سيصبح الفرد مالكاً لمسكن يفي بالغرض وإن لم يكن فارها. وهكذا يتحسن الحال. هذه سنة أثبتت نفسها في جميع الأحياء التي تمت دراستها. فالناس يسعون جاهدين لتحسين مساكنهم. فما الذي فعلته الشريعة إذاً إزاء هذه الغريزة التحسينية؟


الخيرات
۱۷۱
إن لكل شيء بداية. وبداية السكن بعد تقديم الأرض هي السماح للإنسان المعدم بالتقاط أي شيء مهمل ليجعل منه مسكناً حتى وإن كان ما ينتجه مسكناً مهترئاً. فالمسكن المهترئ الذي يقطنه إنسان عفيف لا يسأل الناس، سينقلب في أشهر إلى مسكن كريم بالسعي الحثيث من هذا العفيف. أما إن أغلق الطريق على الفقير ابتداءً فسيستمر الفقير فقيراً. فلابد للفقير من نقطة للبدء مهما كانت حقيرة في نظر الأثرياء. فمما يساعد الفقراء في الشريعة الحصول على حاجاتهم من مواد البناء بالتقاطها من أماكن متعددة وتجميعها لبناء مسكن هو، والله أعلم، مبدأ اللقطة في الشريعة، وهي المال الضائع من ربه يلتقطه غيره. كيف؟
۵۰
لما يسعى
پریده
إن الملكية في الشريعة لا تسقط بالإهمال أو الإعراض، إلا أن هناك استثناءات لهذه القاعدة، منها المحقرات وهي ما يغلب الظن على أن فاقده لا يكثر أسفه على ما فقد مثل قطعة الحلوى. وهذه المحقرات يجوز التقاطها وملكيتها. فعن أم الدرداء رضي الله عنها قالت: «قال لي أبو الدرداء رضي الله . عنه لا تسألي أحداً شيئاً. قالت: إن احتجت؟ قال: تتبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم؛ فخذيه فاخبطيه، ثم اطحنيه، ثم اعجنيه، ثم کلیه ولا تسألي أحداً شيئا». وهناك أحاديث أخرى كثيرة معروفة تحث المسلم على ألا يسأل الناس، بل . بنفسه (وسأوضحه في فصل «البركة» بإذن الله، لأن الأصل ليس بناء البيئة، ولكن بناء الإنسان القويم الذي سيبني البيئة. فحتى لا يسأل المسلم الناس وتذل نفسه أتاحت له الشريعة الفرصة بالتقاط المحقرات من الأعيان، أما ما كانت ذات قيمة منها فتملك بعد تعريفها سنة في أكثر أقوال الفقهاء لقوله صلى الله عليه وسلم في اللقطة: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها. وفي رواية أحمد عن جابر قال: «رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به». والمهم بالنسبة لنا مواد البناء: فمن ذلك اعتبار الحجارة الملقاة بين الأزقة لقطة. أما إذا تساقطت من مبنى ما، ولم يعلم بها المالك فلا يحل أخذها؛ وكذلك إذا كانت من ملك يتيم أو وقف. والظاهر هو أن الناس كانوا يلتقطون ما يهمل لفترة طويلة من مواد البناء لحاجتهم إليها واستفادتهم منها؛ ويتعاملون معها وكأنها لقطة. ومثال ذلك هو ما ذكره البلاذري بأن زياداً ابتنى دار الإمارة بالبصرة فأراد أن يزيل اسمه عنها ، ويظهر أن المبنى كان قد عرف بدار زياد أو مبنى زياد «فهم ببنائها بجص وآجر فقيل له إنما تزيد اسمه ثباتاً وتوكداً فهدمها وتركها، فبنيت عامة الدور حولها من طينها ولبنها وأبوابها ...»، وهناك أمثلة أخرى. وحتى إذا اغتصب شخص قطعة واستخدمها في بنائه واستناداً للقاعدة

*** هامش ***

ف
۵۳
ء
هو
س) وقد خالف الحنابلة ذلك، ففي المغني: «ولنا قول عمر وابن والمروي عن طريق عمر بن شعيب عن أبيه عن جده «أتى رجل العباس ولا نعرف لهما مخالفاً في الصحابة ولأنه تعريض لنفسه لأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله كيف ترى من متاع الحرام وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الأمانة فيها فكان تركه يرى في الطريق الميتاء أو في قرية مسكونة؟ فقال: (عرفه سنة، فإن أولى وأسلم كولاية مال اليتيم وتخليل الخمر ...»؛ ويلخص القرافي جاء صاحبه وإلا فشأنك به ) » (٥٢). آراء الفقهاء فيقول: «يظهر أن اللقطة من فروض الكفاية، وقال ف) مثال آخر، وقد يكون الدافع له رد فعل أو انتقام سياسي، وهو ما الشافعي رحمه الله بالوجوب والندب ، كما قال بهما مالك قياسا على أورده السمهودي من أن إبراهيم بن هشام والي المدينة خلال حكم الوديعة بجامع حفظ المال، فيلزم الندب أو قياساً على إنقاذ المال هشام بن عبد الملك (١٠٥-١٢٥هـ) كان قد أحدث داراً أخذ بها سوق الهالك فيلزم الوجوب. وقال أبو حنيفة أخذها مندوب إلا عند خوف المدينة، وسد بها وجوه الدور والشوارع في السوق؛ ويذكر الضياع فيجب. وعند أحمد بن حنبل رضي الله عنه الكراهه لما في السمهودي عدة إضافات للدار بوصف دقيق ويورد عبارة ابن شبه الالتقاط من تعريض نفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من «ولم تزل – أي تلك الدور - على ذلك حياة هشام بن عبد الملك، وفيها التجار، فيؤخذ منهم الكراء، حتى توفي هشام، فقدم بوفاته ابن
التعريف ...» (٥١). ع) وفي المجموع حديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه النووي مكرم الثقفي، فلما أشرف على رأس ثنية الوداع صاح: مات الأحول،


۱۷۲ 🗏
الشرعية «الضرر لا يزال بالضرر » يقول ابن نجيم: «لو غصب ساجة، أي خشب، وأدخلها في بنائه، فإن كانت قيمة البناء أكثر يملكها صاحبه بالقيمة. وإن كانت قيمتها أكثر من قيمته، لم ينقطع حق المالك عنها». كما أن الشريعة تراعي مواطن الضرورة أو شدة الحاجة. فقد جاء في مذهب الإمام أحمد كما يحكيه ابن القيم «أن قوماً إذا اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك ، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك، وجب على صاحبه بذله بلا نزاع. ولكن هل له أن
ص
يأخذ عليه أجراً؟ فيه قولان للعلماء». باختصار، إذا كان المنزل يسكن في حالة الضرورة، فما بالك بالتقاط مواد البناء المهملة، وما أكثرها في بيئتنا الحالية. فإن نظرت لأي موقع تحت الإنشاء سترى الكثير من المواد المهملة التي يمكن إعادة استخدامها. أي أن هدف الشريعة هو الدفع لبناء إنسان كريم عزيز عن طريق تأمين مأوى له من خلال مبادرته هو بذاته بفتح أبواب التمكين له. ولكن إياك أن تظن أيها القارئ أن الإسلام يدفع للاشتراكية. لا، فكما سترى بإذن الله، فهناك فارق كبير بين الإسلام والاشتراكية أو الرأسمالية. فقد وقع الكثير في محاولات لتقريب الإسلام من تلك النظم البشرية القاصرة كما سترى بإذن الله. كما أرجو ألا تعتقد أن كل مباني المسلمين مهترئة، كلا، فالوصف السابق هو لمن هم أفقر، فالناس سيكونون في معظم الأحوال مكتفين كما سترى بإذن الله، بل لن يوجد حتى مبنى واحداً مهترئاً إن طبقت الشريعة لجيلين متتاليين كما أوقن، والله أعلم.
ولكنهم
يظهر أن مبدأ التقاط ما لا مالك له من مواد البناء، قد طبق أيضاً لاستغلال مواد بناء المباني الأثرية غير الآهلة مثل الآثار الرومانية والفرعونية. فلم يكتف المسلمون بإحياء ما كان خرباً وعاطلاً من أراضي غير المسلمين أخذوا مواد بنائهم أيضاً؛ فهناك الكثير من المباني التي بنيت في الشام ومصر باستخدام حجارة هذه الآثار وحتى في المساجد وقد رأيتها بنفسي." ولم أجد من قراءاتي ما يشير إلى اعتراض العلماء على إعادة استخدام هذه الحجارة من مباني غير المسلمين لإعادة استخدامها في مساجد المسلمين إلا إن كانت من معابد ككنائس أهل الذمة. أعمدة مساجد القيروان مثلاً من الحضارات السابقة غير المسلمة. أي أن إعادة استخدام مواد البناء في مباني مختلفة لهو مؤشر على فتح الشريعة لأبواب المبادرة وعلى الاستغلال التام للموارد المتاحة.
فمعظم
وبعد هذا التمكين المادي يأتي التمكين الحقوقي، وهذه هي «الجائزة»، فعلى السلطات أن تعترف بملكيات الأفراد للأراضي المحياة وما عليها من مبان مهما كانت مهترئة. لذلك فقد كان استخدام المدونات الورقية مثل الصكاك وما شابه من متطلبات المحاكم ومؤسسات السجل العقاري في أيامنا هذه أمراً لا وجود له في عهد السلف. فغالبية البيئة كانت تعتمد على الأعراف بين سكان نفس المنطقة في تحديد الملكيات، ولم تعتمد على الدواوين إلا نادراً وفي العصور المتأخرة. فمن هذه الحالات النادرة ما ذكره لنا اليعقوبي من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من كتب الناس على منازلهم وصك وختم أسفل الصكاك. ولكن بالمقابل هناك الكثير من الروايات التي تؤكد دور الأعراف والاستغناء عن الصكاك. فعندما قام الملك الظاهر بيبرس بمطالبة ذوي العقارات بمستندات تشهد

*** هامش ***

واستخلف أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فلما دخل دار هشام تلك ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل. صاح به الناس: ما تقول في الدار؟ قال: اهدموها، فوقع الناس قال شيخنا - يعني ابن تيمية - والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك فهدموها، وانتهبت أبوابها وخشبها وجريدها، فلم يمض ثالثة حتى مجاناً، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وضعت على الأرض» (٥٤). ص) وتكملة ما حكاه ابن القيم: ... وهما وجهان لأصحاب أحمد » » (٥٥) .


الخيرات
۱۷۳
۵۸
OV
هو
لهم بالملكية، وإلا انتزعها من أيديهم قال ابن عابدين: فقام عليه أي على الظاهر بيبرس شيخ الإسلام الإمام النووي رحمه الله تعالى، وأعلمه بأن ذلك غاية الجهل والعناد وأنه لا يحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه، لا يحل لأحد الاعتراض عليه، ولا يكلف إثباته ببينة؛ ولا زال النووي رحمه الله تعالى يشنع على السلطان، ويعظه إلى أن كف عن ذلك، فهذا الحبر الذي اتفقت علماء المذاهب على قبول نقله والاعتراف بتحقيقه وفضله نقل العلماء على عدم المطالبة بمستند عملاً باليد الظاهر فيها أنها وضعت بحق». ولقد كان العرف مرجعاً أيضاً في الخلافات بين الجيران في حالة غياب البينة. فيقول عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠) في قواعد الأحكام: «وجود الأجنحة المشرعة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب المشتركة فإنها دالة على أنها وضعت باستحقاق، وكذلك القنوات المدفونة تحت الأملاك والجداول والأنهار الجارية في أملاك الناس دالة على استحقاقها لأرباب المياه لأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق». فعندما يحيي شخص أرضاً ويضع قناة تحت الأرض لتصريف مياهه أو روشاناً في الهواء ثم يحيي آخر الأرض التي بجانبه وتكون هذه الخارجة أو القناة في أرض الجار فهي قد وضعت بحق وعلى الجار احترامها وسنوضحه بإذنه تعالى). وحتى تتأكد من هذا القول فكل ما عليك فعله الذهاب لقرية والسؤال عن الصكاك أو المدونات الورقية لإثبات الملكيات للناس، فلن تجد في الغالب شيئاً من هذا. فالكل يقر بملكية ما بيد جاره من أعيان. وهكذا يصير العمران شبكة من الملكيات المعروفة للكل. ومسألة الصكاك هذه أمر مهم في مجتمع رأسمالي لأن الأثرياء يملكون الكثير من العقارات التي يستثمرون ليسوا من سكانها أو حتى بالقرب منها أحياناً، فكانت الصكاك ضرورة لإثبات الملكيات. أما إن ارتفعت نسبة الملاك في المجتمع بفتح أبواب التمكين كالإحياء فكل فرد حينئذ يسكن في عقاره وتنتفي بذلك الحاجة للصكاك إلا نادراً. وفي هذا خير كثير للمجتمع لأنه شل لاحتمال تدخل الدولة في شؤون الناس، فالحقوق واضحة ومقصوصة؛ كل يملك ما بيده إما إن فرضت الصكاك فهي باب للمسؤولين للتحايل على الناس وأخذ حقوقهم أو نقلها لآخرين بالادعاء على الملاك من خلال الصكاك. ألا توجد الكثير من العقارات الآن ذات الصكوك المتعددة؟ لقد وجدت في مكة المكرمة والقاهرة وفي كل أرض مرتفعة السعر. كما أن فرض الصكاك على العقارات سيزيد من بيروقراطية الدولة ومصاريفها من خلال الحاجة لموظفين لا فائدة منهم إلا في استحداث نظام سيتم استغلاله بطريقة أو بأخرى ضد بعض السكان لصالح آخرين وتتغير بذلك مقصوصة الحقوق. وقد حدث هذا في أطهر بقاع الأرض. أي أن نظام الصكاك قد يكون أداة لتغيير الحقوق إن أسيء استغلاله. وهذا باب لم تفتحه الشريعة أو تحث عليه، بل هو بينة لمن أراد وليس ضرورة متطلبة. فقد يملك القليل من أفراد المجتمع، إن طبقت الشريعة، أكثر من عقار وعندها قد يضطر هؤلاء الأفراد لوثائق لإثبات ملكيات تلك العقارات من خلال مبايعة يثبتها القاضي. وهذا نادراً ما يحدث نظراً لكثرة العقارات مقارنة بتعداد السكان إن كان الإحياء حياً، كما سترى عند الحديث عن «الأماكن» بإذن الله.
فيها، لذلك
هم
۵۹
ولعلك لاحظت الفرق بين الإسلام والرأسمالية. ففي النظم الرأسمالية، وبالذات في علم التنمية (كما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله) فإن الدول تحاول مساعدة الفقراء بتحديد الأماكن التي عليهم أن يبنوا فيها، وهكذا من توجهات. أي أن الدولة التي تدعي المعرفة توجه الفقراء الجهلة (كما تعتقد الدول). أما الإسلام فلا يفعل ذلك، ولكن يفتح الأبواب ابتداءً للجميع لأن المبدأ هو أن الجميع غير جاهل، بل الناس يدركون ما يفعلون، وكما سترى


١٧٤ 🗏
في فصل «المعرفة» فسيكون الناس أكثر إدراكاً لما عليهم فعله إن طبقت الشريعة لأنهم يحملون المسؤولية. وأخيراً: قد تقول: «ولكن الإحياء سيؤدي للفوضى وأنني لم أجب بعد على هذه المسألة؟ وكيف يمكن الإحياء في عصر تحتاج فيه الأرض للكثير من البنية التحتية؟» . فأقول: مهلاً. إن هذا موضوع مهم وسنأتي عليه بإذنه تعالى في الحديث عن «الأماكن»، ولكن باختصار، فبرغم أن الشريعة تطلق أيدي الأفراد لإحياء الأرض، إلا أنها تفصل بينهم حتى لا تصطدم مجهوداتهم وذلك من خلال العديد من المبادئ التي تفصل الحقوق مثل حقوق الارتفاق وحريم الأرض مثل مسيل مائها وفنائها وما شابه. لقد تحدثنا في هذا الجزء من الفصل عن مقص الإحياء، ولعله من أهم مفاتيح التمكين، إلا أن المفاتيح كثيرة، بل إن الشريعة كلها مفاتيح للتمكين، ومن أهم هذه المفاتيح أيضاً قص الثروات والمعادن التي أودعها الله الرازق الرزاق الكريم في أرضه، وهو ما سنتقصاه تالياً:

قصر الثروات

لقد تحدثنا عن ثلاثة متطلبات للتمكين هي: الموارد والموافقات والمعرفة. وفي الآتي سنركز أيضاً على الموارد بالرجوع لمبادئ إحياء الثروات الطبيعية مثل المعادن والأملاح ونحوهما والتي أطلقها رسولنا صلى الله عليه وسلم، إذ أن الشريعة أوجدت مبادئ تقص الحقوق للأجدر في العمل وبالتالي في الإنتاج للوصول للخيرات. بينما أوجدت مجتمعاتنا الحداثية الحالية مقصات مبنية على القرابة والنفوذ والنفاق والتزلف والرشوة للوصول للثروات. وحتى يصل أصحاب النفوذ والتسلط ومن والاهم للموارد كان لابد لهم من قفل الأبواب لمن أراد الأخذ من الموارد لتصبح حكراً للدولة، فتم قفل باب الوصول للمصادر الطبيعية، وهو أهم موضوع فيما بقي من هذا الفصل. "
7.
إن الخيرات التي أودعها الله الخالق الخلاق الكريم الجواد الرازق الرزاق المعطي الواهب الوهاب الغني المغني سبحانه وتعالى في الأرض لا تعد ولا تحصى كالعافية والهواء والماء والمعادن والمأكولات. والذي يهمنا الآن من هذه النعم هي كل ما يحتاجه البشر لصناعة الأعيان مثل الطائرات والمباني والأسلحة والمعدات والأدوات الدقيقة والملابس. وهذه الخيرات التي تصنع منها الأعيان منها ما هو ظاهر كالأنعام والقطن والملح، ومنها ما هو باطن كالذهب والنفط. فإن استثنيت الإنتاج الفكري (كتصميم برامج الحاسب الآلي (مثلاً) ثم نظرت للمصنوعات من حولك ثم سألت نفسك كيف أنتجت، تجد أنها جميعاً أنتجت من الأرض فهذه السيارة مصنوعة من معدن ومطاط وأسلاك ومواد أخرى. والأسلاك مصنوعة من بلاستيك ونحاس والبلاستيك مصنوع من النفط، والنفط من الأرض. وهكذا ستجد نفسك تعود دائماً لخيرات طبيعية أودعها الله سبحانه وتعالى في الأرض. فصانع الملابس قد يزرع القطن بنفسه أو قد يشتريه من مزارع آخر، وقد يحصل على الصوف من أغنام في مزرعته أو قد يشتريها من تاجر قد اشتراها من مزرعة في قرية أو قارة مجاورة، وهكذا تجد نفسك في سلسلة من الموردين والتجار لتنتهي بجهة تحصل على المادة الطبيعية من الأرض سواءً كانت صوفاً أو حديداً أو نفطاً. لذلك، فمن المنطقي أن يقل الإنتاج متى أقفلت المجتمعات الأبواب أمام من أراد العمل للوصول لهذه الخيرات لأن النبع قد أغلق. أما إن تم فتحه فسيزداد الإنتاج لوفرة الخيرات لكثرة العمل. وهؤلاء الذين يعملون، ولكي يزداد ربحهم تجدهم يحاولون إيجاد ابتكارات لاستغلال المعادن التي يستخرجونها لمصنوعات ليزداد استهلاك الناس منها. وبهذا يغنى المجتمع في


الخيرات
۱۷۵
منتجاته. أي أن سهولة الوصول للخيرات ستؤدي لزيادتها فتتراكم المعرفة التصنيعية لانخراط الناس في الابتكار والانشغال بتسويق المنتجات المستحدثة وسيأتي بيانه بإذنه تعالى في فصول عدة. أما الذي حدث في العالم فهو قفل هذه الأبواب. وهنا سؤال سنجيب عليه بنوع من التفصيل في فصل «ابن السبيل» بإذن الله : هل خيرات الكرة الأرضية محدودة وقد تنضب بزيادة الاستهلاك وبالذات تلك القليلة منها كالحيتان أم أنها تزيد عن احتياجات البشر حتى وإن ازداد تعدادهم؟ والإجابة كما سترى بإذن الله أن ما في الأرض يفوق حاجة البشر، فلا داعي لتضييق الخيرات على الناس بدعوى التنظيم خوفاً من نضوب الموارد. ثم يكون السؤال الآتي: كيف فعلت الشريعة مع هذه الخيرات؟ باختصار : برغم اختلاف الفقهاء إلا أن الشريعة أوجدت مقصات فذة محكمة للحقوق لكل من أراد العمل واجتهد ليحصل على ما أراد ؛ فإن طبقت الشريعة لكثُرت الخيرات ولتراكمت المعرفة ولزادت المنتجات ولعاش البشر في سعادة ودون فقدان الأرض للموارد. تذكر أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي يبدئ ويعيد. كيف؟
هي
لقد قسم الفقهاء المعادن إلى ظاهرة وباطنة. فالمعادن الظاهرة هي التي لا يحتاج الإنسان إلى مجهود كبير
هي
ملك لبيت
للحصول عليها مثل الملح والقار، فهي المعادن التي «جوهرها المستودع بارزاً». أما المعادن الباطنة فهي التي لا يتحصل عليها إلا بالعمل مثل الذهب والحديد . " وهذه قسمت أيضاً إلى قسمين: معادن جامدة مثل الحديد، ومعادن جارية أو مائعة كالنفط. كما ميز الفقهاء بين أنواع الأراضي التي توجد فيها المعادن، هل هي أراض مملوكة أم أراض مباحة أم أراض تابعة لبيت المال. وقد اتفقوا على أن المعادن الموجودة في أراضي بيت المال المال، وبالتالي يكون التصرف فيها للسلطان لما فيه مصلحة الأمة. " وكما رأينا في الحديث عن مبدأي الحاجة والسيطرة في الملكية، فإن أراضي بيت المال قليلة جداً. فمعظم الأراضي كانت مواتاً. أي أن الخيرات التي تتحكم فيها الدولة كانت قليلة جداً مقارنة بما هو مودع في أراضي الأمة، وسنؤكد هذا أكثر في الحديث عن أملاك الدولة في الفصل القادم بإذنه تعالى، أي فصل «الأراضي».
٦٣
وبالنسبة للمعادن المودعة في الأراضي المملوكة، فقد انقسم الفقهاء في حكمها إلى جماعتين: أغلب المالكية من جهة، وباقي المذاهب من جهة أخرى مع بعض فقهاء المالكية. فأغلب المالكية ذهبوا في المشهور إلى أن المعادن لا تتبع الأرض التي هي فيها في الأحكام، بل هي لجميع المسلمين يفعل فيها الإمام ما يراه محققاً للمصلحة. وبهذا فهي تذهب للسلطات. ومن أدلتهم في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن من معادن القبلية، مما يدل على أن أمر المعادن للإمام. ومن أدلتهم أيضاً أن المعادن في جوف الأرض، فهي بذلك أقدم من ملك المالكين، فلم يملكوها بملك الأرض، فهي فيء لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أي لم تفتح عنوة، فوجب أن تكون للمسلمين عامة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلَا رِكَابٍ﴾. ومن أدلتهم أيضاً أن المعادن يحتاجها الناس، وقد يجدها شرارهم؛ فلو لم يكن حكمها للإمام لأدى ذلك إلى الفتن والهرج.
٦٤
إلا أن هذا الرأي لجمهور المالكية (برغم وجود رواية عن مالك أن المعادن تبع للأرض التي هي فيها) هو الشاذ مقارنة بالمذاهب الثلاثة الأخرى. وقد يكون هناك بحث متكامل معاصر لدحض هذا الرأي ولم أقف عليه. ولكن على العموم فالمسألة واضحة. فالذين خالفوا هذا الرأي يرون أن حديث إقطاع بلال بن الحارث المزني الذي استدل به المالكية هو حديث ضعيف. ففي المجموع مثلاً:


١٧٦ 🗏
«وفي إقطاع المعادن روى أحمد وأبو داود عن ابن عباس قال: «أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها ، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم». وفي إسناده أبي أويس عبد الله بن عبد الله أخرج له مسلم في الشواهد وضعفه غير واحد. قال أبو عمر بن عبد البر : هو غريب من حديث ابن عباس ليس يرويه عن أبي أويس غير ثور. وحديث عمرو بن عوف رواه أحمد وأبو داود أيضاً بمعنى حديث ابن عباس، وفي إسناده ابن ابنه كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف عن أبيه عن جده».
وفي نيل الأوطار للشوكاني تضعيف للحديث أيضاً. أما دليلهم على أن المعادن في جوف الأرض أقدم من ملك المالكين فهو دليل باستخدام العقل لا القياس، لذلك يجب إعادة النظر فيه. فالأرض في ذاتها معادن مفتتة وضعت على شكل تربة، وهي أقدم من ملك المالكين، ومع ذلك فهي تملك. كما أن الأرض تملك بالإحياء بزراعتها. والزراعة تأخذ من معادن الأرض المفتتة في التربة. ومنها ما ينهك الأرض كزراعة قصب السكر مثلاً. لذلك لا ينطبق استخدام الآية كدليل لأننا إن طبقنا هذا المفهوم سيكون كل ما على الأرض من معادن لعامة المسلمين والتصرف فيها بيد السلطات، ما سيؤدي لمركزية القرارات وفي هذا تثبيط لهمم الأفراد كما سنرى بإذن الله. وهذا مفهوم أقرب للاشتراكية منه للإسلام . وأما دليلهم على أن المعادن قد تقع في أيدي شرار الناس وأن ذلك سيؤدي للفتن، فقد أثبت لنا التاريخ عكس هذا. فمتى ما وضعت الخيرات بأيدي الحكام ظهرت الفتن. تدبر ما قاله سبحانه وتعالى في الفيء في سورة الحشر : ﴿ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. لقد وضعت فصلاً كاملاً لهذه الآية كما سيأتي في فصل «دولة الناس» بإذنه تعالى. فعدم اعتبار المعادن تبعاً للأرض سيجعلها دولة بين الأغنياء لأن سلطة الحاكم ستزداد بازدياد ما يسيطر عليه من خيرات، وبهذا ينجذب الناس إليه للعمل له لتحقيق ما يرى فيه المصلحة، والتي قد . تُخرج الأمة عن مقصوصة الحقوق الشرعية إلى منظومة من الحقوق من وضع السلطات كما هو حادث الآن في الدول الإسلامية. أما إن وضعت الخيرات في أيدي الناس، فحتى أولئك الأشرار سيتحولون لأخيار لاضمحلال الشر بسمو المجتمع، كما سيأتي بإذنه تعالى.ق
أخي القارئ: إن ما ذكرته سابقاً ليس اجتهاداً. فأنا لست مجتهداً. ولكنني رأيت أن أقوال معظم المذاهب والفقهاء في كفة أرجح، وأنها أقرب للصحة برغم وجود اختلافات طفيفة بين المذاهب الثلاثة التي انقسمت إلى

*** هامش ***

ق) كما أن للمالكية مذهب بأن على المعادن زكاة وهي ربع العشر المسلمين على ما يجوز له .. وإن كانت في أرض ممتلكة، فهي لصاحب فكيف يجتمع عدم ملكية الناس للمعادن مع وجوب الزكاة عليهم ؟ الأرض يعمل فيها ما يعمل ذو الملك في ملكه .. وإن كانت في أرض الصلح؛ فإن أهل الصلح أحق بها ، إلا أن يسلموا فتكون لهم. واستدلوا
وسنوضح هذا في فصل «دولة الناس» بإذنه تعالى.
ر) الآتي من حاشية كتاب العبادي وهو ملخص جيد لآراء المالكية إذ لرأيهم هذا بأنه لما كان الذهب والفضة ثابتين في الأرض كانا يقول: «بين ابن رشد في المقدمات الممهدات، أن المشهور عند لصاحب، بمنزلة ما ثبت فيها من الحشيش والشجر. وعقب على ذلك المالكية هو مذهب ابن القاسم، ورواية عن مالك في المدونة .. وأما ابن رشد بقوله: «والقول الأول أظهر ، لأن الحشيش والشجر ثابتان في سحنون، ورواية عن مالك في كتاب ابن المواز؛ فقد ذهبوا إلى أن الأرض بعد الملك، بخلاف الذهب والورق في المعادن». .... وفي المعادن تبع للأرض التي فيها، فإن كانت في أرض حرة، أو في الذخيرة بين أن حجة سحنون ومن معه أن من ملك ظاهر الأرض ملك أرض عنوة، أو في الفيافي التي هي غير ممتلكة؛ كان أمرها إلى الإمام باطنها وأجزائها. ثم قال: «وابن القاسم يمنع أنه من أجزاء الأرض؛ يقطعها لمن يعمل فيها، أو يعامل الناس على العمل فيها الجماعة بل من الأعيان المباحة» » (٦٧).
هي


الخيرات
۱۷۷
مجموعتين: فالمجموعة الأولى هي ما قال به الحنفية والظاهرية وبعض الشافعية وسحنون من المالكية في رواية عن مالك في كتاب ابن المواز أن المعادن التى تظهر في الأرض المملوكة تملك بملك الأرض سواء كانت ظاهرة أم باطنة لأنهم اعتبروا المعادن من أجزاء الأرض، وإن كان بعضها أفخر من بعض، فتملك بملك الأرض لأن من ملك أرضاً ملك عمقها. وهنا أقول: إن تم تنفيذ هذا الرأي على أرض الواقع، ألا نتوقع من الناس أن يقدموا على استخراج الخيرات التي هي في أراضيهم لأنها تعتبر ملكاً لهم إن هم أخرجوها؟ بالطبع هذا سيحدث. وبهذا تكثر المعادن ويقل سعرها ليصل إلى ما تحدده آلية السوق من عرض وطلب. وهذا مفتاح مهم لقص الخيرات وضعته الشريعة
بأيدي الناس.
٦٨
أما المجموعة الثانية فهي ما قال به الحنبلية في الأظهر وبعض الشافعية إلى أن ملكية المعادن الجارية مثل النفط مباحة لمن استخرجها ولا تملك بملك الأرض، إلا أنه يكره دخول الأرض المملوكة بغير إذن مالكها. فقد جاء في المغني: «وأما المعادن الجارية، كالقار والنفط والماء، فهل يملكها من ظهرت في ملكه؟ فيه روايتان: أظهرهما لا يملكها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والناري، " رواه الخلال. ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم يملكها بملك الأرض كالكنز والثانية يملكها، لأنها خارجة من أرضه المملوكة له، فأشبهت الزرع والمعادن الجامدة». ولكن المهم هنا أخي القارئ هو أن من استخرجها من الأرض
سيملكها لأنه حازها.
۷۱
مفتاح آخر: ذهب نفس فقهاء المجموعة الثانية الذين تم ذكرهم سابقاً (الحنبلية في الأظهر وبعض الشافعية أيضاً) إلى أن المعادن الجامدة الموجودة في الأرض المملوكة تملك بملك الأرض سواءً كانت ظاهرة أم باطنة؛ فهم بهذا يوافقون المجموعة الأولى. فيقول الماوردي مثلاً: «فإذا أحيا مواتاً بإقطاع أو غير إقطاع فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر أو باطن ملكه المحيي على التأبيد كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفره من الآبار»." واستدلوا على أن المعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها لأنها جزء من أجزاء الأرض كالأحجار، وبما روي عن عكرمة مولى بلال بن الحارث. ففي موضع آخر يقول ابن قدامة: «ومن أحيا أرضاً فملكها بذلك، فظهر فيها معدن ملكه ظاهراً أو باطناً إذا كان من المعادن الجامدة لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا منها ويفارق الكنز لأنه مودع فيها وليس من أجزائها ...». وقد ميز بعض الشافعية بين المعادن الظاهرة والباطنة، فلا تملك الظاهرة بملك الأرض، بينما تملك الباطنة .

*** هامش ***

ت
ث
٧٤
ش) الفرق بين المجموعتين هو في ملكية المعادن المائعة، وفي تمييز (ث) إلا أن الدليل الذي استخدموه كما يقول العبادي يدل على أنهم بعضهم لملكية المعادن الظاهرة. يميزون بين الجارية وغيرها، حيث بينوا أن حجتهم هي: أنها مائع ت) قال عكرمة مولى بلال بن الحارث : «أقطع رسول الله صلى الله يجري تحت الأرض، ويجيء إلى مكانه (٧٥). عليه وسلم بلالاً كذا من كذا إلى كذا وما كان فيها من جبل أو خـ لم أقرأ في ما ذهب إليه الشيعة بما فيه الكفاية. ولكن رأي محمد معدن. قال: فباع بنو بلال من عمر بن عبد العزيز أرضاً ، فخرج فيها باقر الصدر هو أن الأراضي الموات ملك للدولة وللإمام التصرف فيها. معدنان. فقالوا: إنما بعناك أرض حرث ، ولم نبعك المعدن. وجاءوا ومما يستدل به هو أن إطلاق الرسول صلى الله عليه وسلم لمبدأ الإحياء بكتاب القطيعة التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيهم في إنما هو إذن منه بوصفه حاكماً وليس باعتباره نبيـا ! وقد أثر هذا جريدة. قال: فجعل عمر يمسحها على عينيه، وقال لقيمه : انظر ما التبني لهذا الرأي على رأيه في ملكية المعادن، فلم يعط الفرد الحق في
استخرجت منها، وما أنفقت عليها، فقاصهم بالنفقة ورد عليهم تملك المعادن إلا بالقدر الذي يلبي حاجته الخاصة (٧٦).
الفضل» (۷۳).


۱۷۸ 🗏
هي.
لعلك لاحظت أن المعادن هي للناس وليست للدولة برغم الاختلافات بين الفقهاء، أي هل ملك لمالك
الأرض أم أنها لمن أخذ منها؟ وهذا يدفع الناس للعمل والفارق بين ما سبق ذكره وما سيأتي هو أن المعادن ظهرت في أرض مملوكة ولم يقصد الإنسان المحيي الذهاب للمعادن. وهذا نادر الحدوث لأن نسبة الأراضي العامرة المملوكة أقل بكثير من غير المملوكة (المباحة)، ومع ذلك فقد قصت هذه المعادن كحقوق لمالك الأرض. أما الغالب فهو انتشار الناس في الأرض بحثاً عن الخيرات في الأراضي المباحة. تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. فالأراضي المباحة كثيرة كما رأينا سابقاً. فَمِنْ حق من ستكون هذه المعادن إذا انتشر خبر أن الذهب أو النفط متوافر في منطقة ما؟ ومن حق من ستكون هذه المعادن إن حاول فرد التنقيب عنها في أراض مباحة وحصل عليها؟

المعادن الظاهرة

قلنا إن المعادن ظاهرة وباطنة، فبالنسبة للمعادن الظاهرة في الأرض المباحة فقد اتفق فقهاء الشافعية والحنبلية والحنفية على أن أرض المعادن الظاهرة لا تملك بالإحياء، ولا يجوز للإمام إقطاعها لأحد من الناس لأن فيها ضرر على المسلمين وتضييقا عليهم. فقد جاء في المجموع شرح المهذب
ض
«قال الشافعي رضي الله عنه : ومثل هذا كل عين ظاهرة كنفط أو قار أو كبريت أو موميا أو حجارة ظاهرة كموميا في غير ملك لأحد، فليس لأحد أن يتحجرها دون غيره، ولا للسلطان أن يمنعها [يمنحها لنفسه ولا لخاص من الناس، لأن هذا كله ظاهر كالماء والكلأ، أهـ. وهي التي يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والنفط وأحجار التلك الذي يتخذ مسحوقه لتبريد الجلد، وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس، ولا احتجازها دون المسلمين لما في ذلك من التضييق عليهم وحرمانهم خيرات ظاهرة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمال معدن الملح في مأرب باليمن، فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العد (أي: الجاري)، أمر برده، فأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح الكثير منزلة مشارع الماء وطرقات المسلمين».
أريت كيف أن الشافعي يرحمه الله يؤكد على عدم جواز إقطاع الأراضي التي بها المعادن الظاهرة وأنه لا يحق لأحد أن يتحجرها لنفسه حتى وإن كان السلطان نفسه. ولعلك إن تأملت ما سأنقله في الصفحات القليلة القادمة من كتب الفقهاء لتأكدت من حرصهم رضوان الله عليهم على هذا المبدأ لأهميته. وهذا سبب مهم من أسباب عزة المسلمين إن هم حرصوا على بقاء المعادن ملكاً لمن بذل مجهوداً ووصل إليها، لا أن تأخذها الدول

*** هامش ***

ذ) ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فِى بحال والناس فيه شرع، وهكذا النهر والماء الظاهر فالمسلمون في هذا : «فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض كلهم شركاء. وهذا كالنبات فيما لا يملكه أحد وكالماء فيما لا يملكه جميعاً لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع» (۷۷). أحد، فإن قال قائل ما الدليل على ما وصفت؟ قيل: (أخبرنا) ابن عيينة ض) مادة تستخرج من الأرض وتستعمل دواء. عن معمر عن رجل من أخل مأرب عن أبيه أن الأبيض بن حمال سأل ظ) وفي الأم: «وأصل المعادن صنفان : ما كان ظاهراً كالملح الذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطعه ملح مأرب فأراد أن يقطعه أو يكون في الجبال ينتابه الناس فهذا لا يصلح لأحد أن يقطعه أحداً قال أقطعه إياه، فقيل له إنه كالماء العد، قال: (فلا إذن) ...» (۷۸).


الخيرات
۱۷۹
وتتصرف بها. تأمل هذا النص مثلاً من المجموع أيضاً:
وأما المعادن فإنها إن كانت من المعادن الظاهرة لم يجز إقطاعها لما روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أبيض بن حمال أنه استقطع النبي صلى الله عليه وسلم ملح المأرب فأقطعه إياه، ثم أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله إني قد وردت الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس بها ملح، ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العد بأرض، فاستقال أبيض بن حمال فقال أرض قد أقلتك فيه على أن تجعله مني صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهو منك صدقة، وهو مثل الماء العد ومن ورده أخذه».
من
۷۹
وتأمل ما قاله ابن عقيل من الحنابلة: «هذا من مواد الله وفيض جوده الذي لا غناء عنه، فلو ملكه أحد بالاحتجاز ملك منعه فضاق على الناس، فإن أخذ عنه الثمن أغلاه، فخرج عن الموضع الذي وضعه الله من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة، وهذا مذهب الشافعي وأحمد ولا نعلم لهما مخالفـاً الأئمة».٨٠ وتأمل ما جاء في المغني: «وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة وهي التي يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين لأن فيه ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمال معدن الملح، فلما قيل له إنه بمنزلة الماء العد رده، كذا قال أحمد. ...». وتأمل ما قاله الكاساني من المذهب الحنفي: وكذلك أرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني عنها المسلمون لا تكون أرض موات حتى لا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد لأنها حق لعامة المسلمين، وفي الإقطاع إبطال حقهم وهذا
لا يجوز ...».
۸۲
۸۱
أي أن كل أرض بها معدن، وبإمكان الناس الحصول على معدنها دون كبير مجهود أو بذل للمال فلا يحق لأحد امتلاكها بإحياء أو بغيره لأن فيه تضييق على عموم المسلمين. ولعل الأهم منع إقطاعها. تأمل حجة الشافعي مشيراً إلى ضرورة منع إقطاع المعادن الظاهرة، فحجته قوية مقنعة إذ يقول رحمه الله:
۸۳
«فنمنعه إقطاع مثل هذا، فإنما هذا حمى، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حمى إلا لله ورسوله. فإن قال قائل: فكيف يكون حمى؟ قيل هو لا يحدث فيه شيئا تكون المنفعة فيه من عمله، ولا يطلب فيه شيئاً لا يدركه إلا بالمؤنة عليه، إنما يستدرك فيه شيئاً ظاهراً ظهور الماء والكلاً. فإذا تحجر ما خلق الله من هذا، فقد حمى الخاصة نفسه، فليس ذلك له، ولكنه شريك فيه كشركته في الماء والكلأ الذي ليس في ملك أحد، فإن قال قائل: فإقطاع الأرض للبناء والغراس ليس حمى، قيل: إنه إنما يقطع من الأرض ما لا يضر بالناس، وما يستغني به وينتفع به هو وغيره، قال: ولا يكون ذلك إلا بما يحدثه هو فيه من ماله فتكون منفعته بما استحدث من ماله من بناء أحدثه أو غرس أو زرع لم يكن لآدمي، وماء احتفره ولم يكن وصل إليه آدمي إلا باحتفاره ...» . .
Λε
ويقول العبادي بعد عرض نصوص الفقهاء التي تعارض إقطاع المعادن الظاهرة : فهذا النص يقرر أن العلة في منع تملك هذه الأعيان تملكاً فردياً؛ هي أن المنفعة التي تنال منها لا تتناسب مع العمل الذي يبذل من أجلها،

*** هامش ***

غ) والنصوص في هذا كثيرة جداً. فقد قال الرملي مثلاً في المعادن لأخذ نحو حطبها وصيدها وبركة لأخذ سمكها، وظاهر كلام الظاهرة: «وللإجماع على منع إقطاع مشارع الماء وهذا مثلها بجامع الأصحاب المنع من التملك والارتفاق ولكن الزركشي قيد المنع الحاجة العامة وأخذها بغير عمل، ويمتنع أيضاً إقطاع وتحجر أرض بالتملك» (٨٥).


۱۸۰ 🗏
فينال الأفراد بذلك نفعاً كبيراً دون جهد معقول». فمتى ما حصل بعض الأفراد على نفع كبير (بامتلاك تلك الأراضي) دون جهد مناسب تكاسلوا واستحبوا كثرة المال بقليل من العمل، وأصبحوا آفة في المجتمعات من خلال بحثهم عن الملذات لإشباع نزواتهم لشغل أوقات فراغهم، وهكذا تظهر بذرة الفساد. وهذا ما حدث في المجتمعات المسلمة عندما استحوذت الدول تدريجياً على الأراضي التي بها المعادن وامتلكت غلاتها لتنفقها تحت مظلة المصلحة العامة على المقربين من السلاطين وعلى المسؤولين الذين يزدادون فساداً حتى في الحكومات الديمقراطية، وحتى وإن كانت النفقة للمصلحة العامة وكان الحكام مخلصين، فهي من صنع منطقهم الذي لا يعلم الغيب.
تحدثنا عن
وهنا لابد من التنويه أن بعض علماء التخطيط والاقتصاد يقولون بأنهم بإمكانهم أن يتنبؤا بما سيحدث مستقبلاً فيخططون له وذلك لتوافر نظريات التنبؤ بالمستقبل، لذلك لابد وأن تبقى الثروات حكراً لقراراتهم. وقد هذا سابقاً. ولكن ما أود لفت النظر إليه هنا هو استحالة ما يقولون به وذلك للآتي. إن قولهم صحيح في إطار ما يقررون وذلك لامتلاك السلطات للثروات. لنضرب مثالاً : لأن الثروات في أيدي السلطات، فقد يقررون تشييد طريق يربط بين المدينة والقرية «ق»، ويكون التشييد من ريع المعادن في منطقة أخرى. ثم يتنبؤون أن القرية «ق» ستنتعش اقتصادياً لأن فيها موارد معدنية معينة، فيخططون لبناء المدارس والمستشفيات فيها. وبهذا فهم يعطون القرية «ق» الأولوية على القرية «ق۲» من منطقة ثالثة مثلاً. وفي هذا هضم لحقوق سكان القرية «ق۲»، وبهذا فقد ترتفع الهجرة إلى القرية «ق» على حساب القرية «ق۲». فقد يكون هناك معدن نفيس في قرية «ق٢» والسلطات لا تدرك ذلك. وهكذا يتراكم الضياع بزيادة التخطيط من امتلاك الدولة للثروات لاعتقاد المسؤولين أنهم يُلمون علماً بكل شيء. وسترى بإذن الله بأن لهذا المنطق آثار سلبية كثيرة. وهنا تظهر حكمة الشريعة التي قطعت دابر هذا الطريق وحررت المعادن من ملكية الدولة لتضعها في أيدي الجادين في العمل. فهذه المعادن في الأرض المباحة، تصبح ملكاً لمن حازها ليقوم بتصنيعها أوبيعها بعد استخراجها من موضعها باتفاق فقهاء المذاهب الثلاثة وبعض فقهاء المذهب المالكي. ولكن ماذا عن المعادن الباطنة ولعلها الأهم؟

إحياء المعادن

لقد استدل بعض الفقهاء على أن ملكية المعدن أياً كان (وليس (الأرض تكون بإحيائه بإظهاره. واتفقوا على أن كل ما يجمع أو يحاز من معادن سواء ظاهرة أو باطنة في الأراضي المباحة هي ملك لمن احتـازها وبذل مجهوداً في جمعها. وبالطبع فإن في هذا دفع للكثير من الناس للعمل. فقد استنتج العبادي من دراسته للمذاهب بأن قال: «اتفق الفقهاء على أن ما يحاز من معادن الأراضي المباحة يملك بالحيازة والاستيلاء؛ وإن اختلفوا في مقدار الواجب فيه من الزكاة، وأنواع المعادن التي يجب فيها، وغيرها من الأمور التي تتعلق بالمعادن». ^ وانظر مثلاً إلى ما قاله ابن
قدامة من المذهب الحنبلي:
٨٦
«ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن فهو أحق بما يناله منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له. فإن أخذ قدر حاجته، وأراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره، منع منه؛ لأنه يضيق على الناس ما لا نفع فيه، فأشبه ما لو وقف في مشرعة الماء لغير حاجة. وإن أطال المقام والأخذ ، احتمل أن يمنع؛ لأنه يصير كالمتملك له. واحتمل أن لا يمنع؛


الخيرات
۱۸۱
لإطلاق الحديث وإن استبق إليه اثنان وضاق المكان عنهما أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه. ويحتمل أن يقسم بينهما ؛ لأنه يمكن قسمته، وقد تساويا فيه، فيقسم بينهما، كما لو تداعيا عيناً في أيديهما ولا بينة لأحدهما بها . .
.«<...
AV
هذا عن المعادن ذاتها. ولكن ماذا عن الأراضي المباحة التي تحوي المعادن الباطنة، هل تملك بالعمل فيها؟ بالنسبة للأرض التي تحوي المعادن الباطنة، وباستثناء المذهب المالكي، فقد اختلف الفقهاء على مذهبين: فذهب الشافعية في الصحيح والحنبلية في ظاهر المذهب إلى أن الأرض التي بها معادن باطنة لا تملك بالإحياء. واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كما رأينا في الإحياء، علق الملك بإحياء الموات. والإحياء عمارة، أما الوصول إلى المعادن ففيه حفر وتخريب، لذلك لا يكون سبباً لملك المكان ولكنه ملك للمعدن. وهذا يخالف موات الأرض لأنها
۸۸
إن أعمرت ينتفع بها على الدوام من غير عمل مستأنف كالزراعة. وأرجو أن تلحظ أخي القارئ وأنت تقرأ ما نقلته من كتب الفقهاء أنهم عندما يستخدمون كملة «معدن» أو «معادن باطنة» فهم يقصدون بها الأرض التي بها المعدن أحياناً. فهم متفقون على أن المعادن المستخرجة ملك لمن استخرجها، ولكن الخلاف هو في ملكية الأرض التي بها المعادن الباطنة. فتأمل الآتي من المجموع:
«أما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصل إليها إلا بالعمل والمؤنة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج، فإذا كانت ظاهرة فلا تملك بالإحياء لما سيأتي، وإن لم تكن ظاهرة، فحفرها إنسان لم تملك بذلك في ظاهر مذهب أحمد والشافعي، وهو قول أبي إسحاق المروزي، ويحتمل أن يملكها بذلك، وهو قول للشافعي والمصنف والنووي في المنهاج. ومنع أبو القاسم الصيمري أن يملك الكلاً، ولأنه لو فرخ طائر في الأرض لم يملك. وقول أكثر الأصحاب يملك لأنه من نماء الأرض كمن يملك غنماً فإنه يملك أصوافها وأشعارها لأنه نماء ملكه، ولأنه إظهار تهيأ بالعمل والمؤنة، فملك بالإحياء كالأرض ، ولأنه بإظهاره تهيأ للانتفاع به من غير حاجة إلى تكرار ذاك العمل، فأشبه إحاطة الأرض وإجراء الماء إليها . ووجه الأول أن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي تهيأ بها المحيي للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا حفر وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فإن قيل: فلو احتفر بئراً ملكها وملك حريمها، قلنا: البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا عمارة، وهذه المعادن تحتاج . عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة فافترقنا. . . » .ب٢
وقال أبو يعلى الحنبلي: «وأما المعادن الباطنة فهي ما كان جوهرها مستكناً فيها لا يوصل إليه إلا بالعمل، كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد، فهذه وما شابهها معادن باطنة، سواءً احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتصفية وتخليص أو لم يحتج، فلا يجوز إقطاعها كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع».
وذهب الحنفية والشافعية في قول والحنبلية في قول إلى أن من عمل في أرض لاستخراج معدن يملك الأرض بالإحياء. واستدلوا بأنها موات لا يوصل إلى ما فيها إلا بالعمل والمؤنة، أي بالإنفاق عليها، فيملكها المحيي كما يملك

*** هامش ***

ب ٢) وتكملة ما جاء في المجموع : « ... أما إذا ملك الأرض بالإحياء لهم. وههنا لم يقطع عنهم شيئاً لأنه إنما ظهر بإظهاره له، ولو تحجر فظهر أن فيها معدناً من المعادن الجامدة ظاهراً أو باطناً فقد ملكه لأنه الأرض أو أقطعها فظهر فيها المعدن قبل إحيائها لكان له إحياؤها ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها ويفارق الكنز فإنه ويملكها بما فيها لأنه صار أحق به بتحجره وإقطاعه فلم يمنع من مودع فيها وليس من أجزائها؛ ويفارق ما إذا كان ظاهراً قبل إحيائها إتمام حقه ...» (۸۹). لأنه قطع عن المسلمين نفعاً كان واصلاً إليهم، ومنعهم انتفاعاً كان


۱۸۲ 🗏
الأرض الموات. فيقول ابن قدامة من المذهب الحنبلي في المغني ناقداً ظاهر مذهب الشافعية والحنابلة: «فأما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصل إليها إلا بالعمل والمؤنة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج، فإذا كانت ظاهرة لم تملك أيضاً بالإحياء لما ذكرنا في التي قبلها، وإن لم تكن ظاهرة فحفرها إنسان وأظهرها لم تملك بذلك في ظاهر المذهب وظاهر مذهب الشافعي، ويحتمل أن يملكها بذلك، وهو قول للشافعي، لأنه موات لا ينتفع به إلا بالعمل والمؤنة، فملك بالإحياء كالأرض، ولأنه بإظهاره تهيأ للانتفاع به من غير حاجة إلى تكرار ذلك العمل، فأشبه الأرض إذا جاءها بماء أو حاطها، ووجه الأول أن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي تهيأ بها
المحيي للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا حفر، وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع ، ...» . .
ج ۲
لعلك لاحظت أن الفقهاء رحمهم الله يلتزمون بالقياس حتى إن لم يكن الاستنتاج منطقياً في الظاهر. فمما جاء في المجموع وفي المغني: «وهذا حفر ، وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع»، قد تتعجب لهذا القياس الذي يضع فيه الإنسان مجهوداً في الحفر أكثر من الزراعة إلا أنه لا يملك الأرض لأنه بالقياس تخريب وليس إعمار. للتوضيح تأمل الآتي:

مبادى التمكين من الخيرات

لعلك لاحظت وستلحظ أخي القارئ أن الخلاف بين الفقهاء في أحقية ملكية الأرض المباحة التي بها معادن تنبع من الرجوع لثلاثة أحاديث هي: قوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)؛ و: المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والنار والكلاً)؛ و: (لا حمى إلا الله ولرسوله)؛ ذلك لأن هذه الأحاديث تتداخل في أهدافها وتكمل بعضها البعض فتدفع الفقيه إلى الحرص على الموازنة بين كمية الجهد المبذول لاستخراج المعدن مقارنة بحق عموم المسلمين في الوصول إليه. وتدفعه أيضاً إلى آراء ستؤدي إلى مثابرة الناس الدائمة في العمل كشرط لملكية المعدن. وإذا ما تأملنا أقوال الفقهاء سنجدها تصب في محاولاتهم لعدم حرمان من احتاج لمعدن ما لمنفعة شخصية له من الوصول إليه؛ وفي الوقت ذاته فستؤدي إلى عدم حرمان من حاول الاستفادة من المعادن باستخراجها للتجارة أو التصنيع ؛ وبهذا فهي تحاول عدم تثبيط من ثابر وعمل ووصل للمعدن. فنلحظ أن الفقهاء يحاولون إيجاد اتزان بين هذه المطالب بالاحتكام إلى تلك الأحاديث. لهذا، فحتى وإن اختلفوا فيما بينهم فهم لازالوا في خندق واحد يدفع المجتمع للإنتاج، أي أنهم لم يصدروا أحكاماً فقهية قد تؤدي إلى وضع الثروات في أيدي أفراد قد يستعبدون الآخرين مثل المسؤولين في الدولة، وهذا استنتاج مهم. فالملكيات للمعادن كحقوق تؤول لمن يعمل وليست للدولة. كل يقص من أرض الله، أي عطاء من الله ما يلبي متطلباته التصنيعية والتصديرية. هكذا وضعت المفاتيح في أيدى من أرادوا العمل. وفي هذا إعجاز فكري في قص الحقوق. أي أن ثلاثة أحاديث قد لا تبدو عميقة وشاملة لشخص عقلاني في تفكيره إلا أنها قصت الحقوق لجميع المصادر الطبيعية. وللتوضيح أقول:

*** هامش ***

جـ ٢) وتكملة ما جاء في المغني: «فإن قيل فلو احتفـر بئراً ملكها قال أصحابنا: وليس للإمام إقطاعها. لأنها لا تملك بالإحياء والصحيح وملك حريمها. قلنا: البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا جواز ذلك « لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث عمارة وهذه المعادن تحتاج عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة فافترقنا. معادن القبلية جلسيها وغوريها»» (۹۲).


الخيرات
۱۸۳
بالنسبة للحديث الأول الذي أخرجه أبو داود: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)، فعلى الرغم من أنه ضُعف في إرواء الغليل، إلا أنه حديث اعتمد عليه فقهاء السلف للوصول لأحكامهم كما رأينا، فهو مذكور في أهم المراجع. ولعل من أسباب عدم التفات الفقهاء لضعفه في استنباطاتهم، والله أعلم، هو أنهم لم يستخدموه كحجة في قضايا العقيدة، ولأن معنى الحديث يستقيم مع مبادئ الإحياء ويكمل الحديثين الآخرين. فهو حديث لا يبيح . ما هو مملوك من الأعيان لمن سبق. فكيف يسبق إنسان الآخرين لشيء مملوك ؟ فهم، أي الملاك، قد سبقوه إليه. فهو بذلك حديث ينحصر فعله في كل ما هو مباح. ولكن في الوقت ذاته، إن تأملنا وسائل التملك في الشريعة كالإحياء والوراثة والهبة نجد أنها تنبثق من المثابرة على العمل. فأصل ما يوهب أو يورّث هو عمل الواهب أو المورث. أي أن جميع الملكيات تأتي من تراكم العمل. وهذا بالطبع ليس كأيامنا هذه التي تملك فيها السلطات الثروات بوضع اليد ثم إعطائها كامتيازات للآخرين ( كامتيازات التنقيب عن المعادن مثلاً).
الله
وبالنسبة للحديث الثاني الذي أخرجه مسلم وأبو داود: المسلمون شركاء في ثلاث، في الماء والنار والكلأ)، ولا خلاف على صحته: فإن الملفت هو أن معناه جامع مانع لجميع الثروات الطبيعية. فإن تأملت اختيار ٩٤ الرسول صلى عليه وسلم لهذه الأعيان الثلاثة لاقتنعت بنبوته صلى الله عليه وسلم لأنها تغطي جميع خصائص الخيرات على الأرض وذلك حتى يتمكن الفقهاء من القياس عليهم. وبهذا فلن يُترك معدن صلب أو مائع أو ملح أو نبات إلا وقد دخل فيهم. فالنار تمثل كل عين قد تكون حقيرة في ذاتها إلا أنها ذات فائدة قصوى للآخذ. فالنار شيء يصعب استحداثه إن لم تتوافر للإنسان أدوات الاستحداث. فإن أعطاها محدثها لغيره فلن يفقد هو شيئاً يذكر مقابل منفعة الآخذ. فالشعلة لن تفقد من نفسها شيئاً إن أشعلت شيئاً آخر. ومثال ذلك البكتيريا في أيامنا هذه. فهي تتكاثر بطريقة عجيبة من حفنة قليلة جداً كالنار فإن أعطى مالك معمل كيميائي لآخر حفنة منها فسيستفيد منها الآخذ دون مضرة على المعطي (إلا) في إطار رأسمالي احتكاري، وسنوضحه بإذن الله). وإن لم يتمكن المحتاج لها من أخذها فسيبقى من دون نفعها، وفي هذا مضرة عليه وبالتالي على المجتمع. فهي لا تؤخذ بسهولة من البيئة، بل تستنبط بنوع من المعرفة، لذلك كانت النار خير مثال لها.
وأما الماء فهو يمثل كل ما هو ضروري للنجاة، فالماء أغلى مفقود وأرخص موجود. ولا يعقل أن يُمنع إنسان الماء وبالذات إن كان مهدداً بالموت إن لم يحصل عليه. فحياة المسلم ذخر للأمة مقابل شفة ماء. لذلك كان مثالاً صارخاً لكل ما هو ضروري. وكذلك باقي المعادن بنوع من التفاوت. فكما أن الماء قد يكون ظاهراً كما في الأنهار، وباطناً كما في الآبار، فكذلك المعادن. لذلك كان في قياس الماء على المعادن في احتيازه وملكيته استنباط للأحكام في كل معدن يصعب الوصول إليه كالماء إن كان نادراً. فالوصول لقطرة ماء في وسط الصحراء بحفر بئر قد يكون شاقاً كالوصول الجزيء يورانيوم من منجم في منطقة نائية. فمن وصل للماء بمشقة فقد ملكه وله بيعه، إلا إن كانت حياة الآخر مهددة بالموت فعليه بذله، وللآخرين حق استحداث آبارهم من نفس الحوض تحت الأرض. وأما الكلأ فهو يمثل مجموعة المعادن المنتشرة الظاهرة على الأرض كالتي تُستأصل وتجمع ثم تملك، وللمالك بيعها. مثلها مثل الأملاح الظاهرة غير النادرة أو الألماس أو الذهب النادر الذي يصفى من حجارة الأنهار مثلاً. وكيفما فكرت في المعادن تجد نفسك تعود لخصائص هذه الأعيان الثلاثة التي تغطي جميع الاحتمالات في الاستنباط بالقياس. فالمعادن الباطنة مثلاً، والتي هي بحاجة لحفر مستمر في أعماق المناجم مع كل استخراج تجمع بين الماء والكلأ. فكأنك


١٨٤ 🗏
تحفر بئراً ثم تجمع من أسفلها الكلاً. وعندما ينتهي الكلأ تحفر للأعمق لأخذ المزيد من الكلأ، فمع كل حفر تُفتح آفاق جديدة من الخيرات لك. ولأنك قمت بذلك المجهود فستمتلك الكلأ، ولكن ليس لك منع من وصل إليه من مكان آخر. وهكذا المناجم. فكل من حفر منجماً امتلك ما استخرجه من معادن، ولكن ليس له منع الآخرين الذين قد يصلون لنفس عرق المعدن من أرض مجاورة. فالعروق تزيد في طولها عن عشر كيلومترات أحياناً.
۹۵
أما بالنسبة للحديث الثالث: (لا حمى إلا الله ولرسوله، فإن صحته تأتي أيضاً من شهرته لما حماه الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي صحيح البخاري أن الصعب بن جثامة قال: «بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وأن عمر حمى الشرف والربذة». والحمى هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح." فهناك أماكن تتعلق بها مصلحة المسلمين كالأنهار والأراضي المتروكة حول القرى ليستعملها أهلها للرعي والحصاد، فوقوع هذه الأماكن تحت ملك فرد ما قد يبطل الانتفاع بها، لذلك كانت تحمى، أي يمنع الناس من إحيائها وامتلاكها فرادى، فهي لعموم المسلمين أو لطائفة ذات نفع مباشر لهم، كمحتطب قرية مثلاً. وبالنسبة لمعنى الحديث يقول الشوكاني موضحاً: «قال الشافعي يحتمل معنى الحديث شيئين: أحدهما ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى الأول ليس لأحد من الولاة يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخليفة خاصة ، ... » . وقد قال أكثر الفقهاء بالقول الثاني وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حمى جبلاً بالنقيع لخيل المسلمين من الأنصار والمهاجرين، ولأن أبا بكراً حمى بالربذة (اسم منطقة)، ولأن عمر بن الخطاب حمى من السرف (اسم منطقة). فمعنى الحديث بذلك لا حمى إلا على مثل ما حماه الله ورسوله للفقراء والمساكين ولمصالح كافة المسلمين. وقد استخدم صلوات الله وسلامه عليه هذا اللفظ بالنهي وذلك لأن العزيز منهم في الجاهلية، كرئيس القبيلة، كان ينفرد بالحمى لنفسه بأن يحدد أرضاً لا ترعى فيها إلا ماشيته هو. فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
بعده أن
۹۸
۹۷
ولأهمية هذا الموضوع أي محاولة الشريعة إبعاد الدولة عن ملكية المعادن أو ملكية الأراضي التي بها المعادن حتى لا تكون دولة بين الحكام ومن والاهم، ولكي تفتح الشريعة الأبواب لمن أراد العمل حتى يزدهر المجتمع، تأمل أخي القارئ المقاطع الآتية من كتب السلف وطريقة تفكير الفقهاء لتقتنع بأن الأحاديث التي ذكرتها سابقاً برغم اختلافات الفقهاء أدت إلى قص الخيرات لتوضع في أيدي من ثابر على العمل، (ولكن لاحظ أيضاً أنهم عندما يستخدمون كلمة «المعدن» فهم يقصدون الأرض أحياناً) ففي المجموع:
«وإن سبق إلى معدن باطن وهو الذي لا يوصل إليه إلا بالعمل والمؤنة كمعدن الذهب والفضة والحديد والرصاص والياقوت والفيروزج فوصل إلى نيله ملك ما أخذه لقوله صلى الله عليه سلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به. وهل يملك المعدن ؟ فيه قولان أحدهما) يملكه لأنه موات لا يوصل إلى ما فيه إلا بالعمل والإنفاق، فملكه بالإحياء كموات الأرض (والثاني) لا يملك وهو الصحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الملك في الموات على الإحياء وهو العمارة، والعمل في المعدن حفر وتخريب فلا يملك به، ولأنه يحتاج في كل جزء يأخذه إلى عمل فلا يملك منه إلا ما أخذ، ويخالف موات الأرض لأنه إذا . انتفع به على الدوام من غير عمل مستأنف فملك .
عمر
به، فإن
قلنا أنه يملك بالإحياء ملكه إلى القرار وملك مرافقه، فإن تباعد إنسان عن حريمه وحفر معدناً فوصل إلى العرق لم يمنع من أخذ ما فيه، لأنه إحياء لموات لا حق فيه لغيره، فإن حفر ولم يصل إلى


الخيرات
١٨٥
هو
النيل وصار أحق به كما قلنا فيمن تحجر في موات الأرض. فإن قلنا : لا يملك كان كالمعدن الظاهر في
إزالة يده إذا طال مقامه، وفي القسمة والتقديم بالقرعة من يرى الإمام في تقديمه».
۹۹
لاحظ أن النص السابق يربط بين حديث السبق وحرص الفقيه على المثابرة للعمل، وفي هذا استنتاج أن من عمل في أرض مباحة بها معادن باطنة لم يملكها، ولكن كان له البقاء في المكان لاستخراج المعادن لأن العمارة هي لمادة المعدن وليست للأرض لأن المحيي ... يحتاج في كل جزء يأخذه إلى عمل فلا يملك منه إلا ما أخذ ..». وكما معلوم، فإن طبيعة وجود المعادن تكون في رقع كبيرة تحت الأرض على شكل فتات في التربة كالذهب، أو على شكل عروق أو كتل معدنية كالفحم الحجري أو على شكل شبه بحيرات كالنفط، ويتم الوصول إليها من مواقع محددة تعرف بالمناجم. فإن تم اكتشاف معدن ما في باطن الأرض عن طريق شخص ذي خبرة في التنقيب وتم بناء منجم أو بئر نفط، فقد يأتي آخرون لنفس الموقع ولكن من نقاط أخرى فينشئون مناجم مجاورة، وهكذا يتم فتح الباب للآخرين للعمل. وهذا ما قصده النص بالقول: «فإن تباعد إنسان عن حريمه وحفر معدناً فوصل إلى العرق لم يمنع من أخذ ما فيه ..». والآن تأمل ما قاله ابن قدامة أثابه الله من المذهب الحنبلي للوصول لنفس الحكم مع تفصيل أكثر، مع حرصه على فتح الباب لمن أراد العمل:
«ولو شرع إنسان في حفر معدن ولم يصل إلى النيل صار أحق به كالمتحجر الشارع في الإحياء، فإذا وصل إلى النيل صار أحق بالأخذ منه ما دام مقيماً على الأخذ منه، وهل يملكه بذلك؟ فيه ما قد ذكرنا من قبل، وإن حفر آخر من ناحية أخرى لم يكن له منعه، وإذا وصل إلى ذلك العرق لم يكن له منعه سواء قلنا أن المعدن يملك بحفره أو لم نقل، لأنه إن ملكه فإنما يملك المكان الذي حفره، وأما العرق الذي في الأرض فلا يملكه بذلك . ومن وصل إليه من جهة أخرى فله أخذه. ولو ظهر في ملکه معدن بحيث يخرج النيل عن أرضه فحفر إنسان من خارج أرضه كان له أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه لأنه لم يملكه، إنما ملك ما هو من أجزاء أرضه، وليس لأحد أن يأخذ ما كان داخلاً في أرضه من أجزاء الأرض الباطنة، كما لا يملك أخذ أجزائها الظاهرة. ...»..
1..
ومن الطبعي أن تكون هناك معادن نفيسة في منطقة محددة فيتنافس عليها الناس، وهنا أيضاً وضعت الشريعة مبادئ لا تحد من همة من أراد العمل. ففي المجموع أيضاً:
«ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر وهو الذي يوصل إلى ما فيه من غير مؤنة كالماء والنفط والمومياء والياقوت والبرام والملح والكحل كان أحق به، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به، فإن أطال المقام فيه ففيه وجهان. (أحدهما) لا يـ يمنع لأنه سبق إليه (والثاني) يمنع يصير كالمتحجر، فإن سبق اثنان وضاق المكان وتشاحا، فإن كانا يأخذان للتجارة ، هايأ الإمام بينهما (أي قسم ) فإن تشاحا في السبق أقرع بينهما، لأنه لا مزية لأحدهما على

*** هامش ***

لأنه
۲
د٢) المهايأة هي قسمة المنافع بين الشركاء، وهي نوعان: مهايأة أو هذا نصفها والآخر نصفها الآخر، والمنجم هذا من جهة وذاك من مقاسمة الزمان، ومهايأة المكان أو الأعيان. ففي مهايأة الزمان يتفق جهة أخرى. ويقال للمهايأة بالنون مهانأة، لأن كل واحد هنا الشريكان على سكنى الدار مناوبة مثلاً، كأن يسكن هذا سنة صاحبه فيما أراده، وقيل بالياء لأن كل واحد هيأ للآخر ما طلب منه. والآخر سنة أخرى؛ أو على زراعة أرضهما ، كأن يزرعها هذا سنة فالمها يأة إذاً وسيلة وضعتها الشريعة لاستغلال المكان والمحافظة عليه والآخر سنة أخرى، وعلى استخدام منجم كأن يستخدمها هذا يوماً دون قسمته متى اتفق الشركاء. أما إذا طلب أحد الشريكين المهايأة والثاني يوماً آخر، وهكذا. أما مهايأة المكان فهي أن يتفقا على سكنى والآخر القسمة فإن القسمة تقدم على المهايأة. أي أن الشريعة تلافت
الدار كليهما، أحدهما في العلو والآخر في السفل، أو يزرعا الأرض وضع العقار في موقف قد يختلف فيه الأفراد (١٠١).


١٨٦ 🗏
الآخر فقدم بالقرعة. وإن كانا يأخذان للحاجة ففيه ثلاثة أوجه. أحدها: يقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. والثاني: يقسم بينهما لأنه يمكن لهما القسمة فلا يؤخر حقه. والثالث: يقدم الإمام أحدهما لأن للإمام نظراً في ذلك فقدم من رأى تقديمه، وإن كان من ذلك ما يلزم عليه مؤنة بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء فيه ملح جاز أن يملك بالإحياء لأنه يوصل إليه بالعمل والمؤنة فملك بالإحياء كالموات..... «وهذه الأوجه هي كلها عند أحمد وأصحابه».٢.
۱۰۲
وأظنك لاحظت أخي القارئ أن بعض الآراء في حالة نشوب خلاف بين الناس على الموارد تسمح للسلطان أن ينظم الناس تلافياً لظهور الفوضى. وهذا مدخل ولج الحكام للسيطرة على منابع الخيرات. وقد نجحوا في بعد أن أصدروا القوانين التي تضع الأراضي المباحة تحت تصرف الدولة.١٠٣ لدرجة أن عبارة «أراض مباحة» أو
ذلك
منه
الناس
«موات» لم تعد معروفة لدى الناس الآن، فقد نجحت الحداثة في إيجاد الدول التي غسلت عقول عموما والمختصين كالمخططين. لذلك نجد أن جميع منابع الثروات الآن تحت أيدي الدول، والدول عبارة عن مسؤولين، والمسؤولين أناس لهم أهواء وحتى إن لم تكن لهم أهواء، وحرصوا على المصلحة العامة، فلن يتمكنوا من الوصول إليها؛ لأنه، كما وضحنا في السابق لابد لهم من استحداث وسائل لاستثمار ریع هذه المعادن لمصلحة المجتمع. وهذه الوسائل ستؤدي بالضرورة إلى التنظيم والتقنين. وهذا هو الذي سيخرج الأمة عن الشريعة. وبهذا نعود لنفس النقطة مرة أخرى. أي أن السلطة بحجة احتمالية ظهور نزاع بين الناس منعت إحياء المعادن. ولكنني من مراجعاتي لكثير من النوازل في بيئات ما قبل الحداثة لاحظت أن النزاع بين الناس نادر الحدوث ١٠ وهذا من حكمته سبحانه وتعالى كما سيأتي بإذن الله. ومن جهة أخرى، فكما سترى في فصل «ابن السبيل»، فإن الخيرات على الأرض أكثر من مقدرة البشر على استهلاكها حتى وإن تضاعفوا في تعدادهم السكاني إن هم حكموا بما أنزل الله، كما أن إنتاجهم سيزداد مقابل استهلاك أقل للموارد نظراً لانعدام البيروقراطية إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله. ومع ندرة حدوث التشاح بين الناس، بالإضافة لكثرة الموارد، إلا أن الخوف من نضوبها والخوف من الخلاف بين الناس كان حجة للمسؤولين للتسلط على الثروات. وما أثرت هذه المسألة هنا إلا للتذكير بها لاحقاً.
غير أن فقهاء السلف، كما فعلوا في الإحياء، انتبهوا لهذه المسألة ببعد نظرهم ووضعوا بالقياس ما يمنع تسلط الدول على منابع الثروات. ففي النص الآتي من «الأم» ستلحظ أن الشافعي يذهب إلى أن أرض المعادن لا تملك حتى بالعمل المستمر فيها. فإحياؤها هو العمل والأخذ منها، وأنها إن أحييت بالأخذ منها ثم تركت دثر إحياؤها وعادت مواتاً ليتسنى للآخرين الأخذ منها. كما أنه لا يملك المقطعة له الأرض ذلك الموقع بحيث يكون له منع الناس من المعادن إن هو توقف عن العمل، وأن المحيي أحق من المقطعة له إذا توقف المقطعة له عن العمل، أما إن منحها الحاكم لفرد من الناس فهو جور من السلطان. تريث وأنت تقرأ قول الإمام الشافعي الآتي رحمه الله :
«وفي إقطاع المعادن قولان: أحدهما أنه مخالف لإقطاع الأرض لأن من أقطع أرضاً فيها معادن أو عملها ليست لأحد فسواء في ذلك كله وسواء كانت المعادن ذهباً أو فضة أو نحاساً أو حديداً أو شيئا في معنى الذهب والفضة مما لا يخلص إلا بمؤنة ولم يكن ملكاً لأحد، فللسلطان أن يقطعها من استقطعه إياها ممن يقوم به وكانت هذه كالموات في أن له أن يقطعه إياها، ومخالفة للموات في أحد القولين، وأن الموات إذا أحييت مرة ثبت إحياؤها، وهذه إذا أحييت مرة ثم تركت دثر إحياؤها، وكانت في كل يوم مبتدأ الإحياء، يطلبون فيها مما يطلب في المعادن، فإقطاعه الموات ليحييه يثبته له ملكاً، ولا ينبغي أن يقطعه المعادن إلا على أن يكون له منفعتها ما أحياها، وإحياؤها إدامة العمل


الخيرات
السلطان
وهو
فيها. فإذا عطلها فليس له منعها من أحد عمل فيها، ولا ينبغي أن يقطعه منها ما لا يعمل، ولا وقت في قدر ما يقطعه منها إلا ما احتمل عمله قل منها ما عمل أو كثر، والتعطيل للمعادن أن يقول قد عجزت عنها. قال الشافعي) فمن خالف بين إقطاع المعادن والأرضين للزرع انبغى أن يكون من حجته أن يقول : إن المعادن إنما هي شيء يطلب فيه ذهب أو فضة أو غير ذلك مما هو غائب عن الطالب مخلوق فيه ليست للآدميين فيه صنعة، إنما يلتمسونه ويخلصونه، والتماسه وتخليصه ليس صنعة فيه، فلا يكون لأحد أن يحتجره على أحد إلا ما كان يعمل فيه. فأما أن يمنع المنفعة فيه غيره ولا يعمل هو فيه، فليس له. ولقد رأيت للسلطان أن لا يقطع معدناً إلا على ما أصف من أن يقول أقطع فلاناً معادن كذا على أن يعمل فيها. فما رزقه الله أدى ما يجب عليه فيما يخرج منه. وإذا عطلها كان لمن يحيبها العمل فيها وليس له أن يبيعها له . قال : ومن حجة من فرق بين ملكها وبين ملك الأرض أن يقول : ليس له بيعها ولا بيع الأرض لا معدن فيها ، قال : ومن قال هذا قال ولو ملكه إياها يعملها ملكاً بكل حال لم يكن له إلا على ما وصفت، وكان هذا جوراً من السلطان يرد. وإن عملها هو بغير عطاء من السلطان كانت له حتى يعطلها. ومن قال هذا أشبه أن يحتج بأن الرجل يحفر البئر بالبادية فتكون له، فإذا أورد ماشيته لم يكن له منع فضل مائها، وجعل عمله فيها غير إحياء له، جعله مثل المنزل ينزل بالبادية فلا يكون لأحد أن يحوله عنه. وإذا خرج منه لم يمنع منه من ينزله، وجعله غير مملوك ، وسواءً في هذا معدن الذهب والفضة وكل تبر وغيره مما يطلب بالعمل، ولا يكون ظاهراً كظهور الماء والملح والظاهر . وأما ما كان من هذا ظاهراً من ذهب وغيره فليس لأحد أن يقطعه ولا يمنعه وللناس أن يأخذوا منه ما قدروا عليه، وكذلك الشذر يوجد في الأرض. ولو أن رجلاً أقطع أرضاً فأحياها بعمارة بناء أو زرع أو غيره فظهر فيها معدن كان يملكه ملك الأرض وكان له منعه كما يمنع أرضه في القولين معاً، والقول الثاني أن الرجل إذا أقطع المعدن فعمل فيه فقد ملكه ملك كالأرض، وكذلك إذا عمله بغير إقطاع. وما قلت في القولين معا في المعادن فإنما أردت بها الأرض الفقر تكون أرض معادن فيعملها الرجل معادن. وفي القول الأول يكون عمله فيها لا يملكه إياها إلا ملك الاستمتاع يمنعه ما كان يعمل فيه، فإذا عطله لم يمنعه غيره. وفي القول الثاني إذا عمل فيها فهو كإحياء الأرض يملكها أبداً ولا تملك إلا عنه».
100

التحرر والاستعباد

۱۸۷
رحم الله الإمام الشافعي. إن حاولت أخي القارئ شرح ما قاله الشافعي لك مرة أخرى فلن أتمكن من توصيل تلك الأحكام بعبارات موجزة كما فعل. لذلك قررت تركها كما هي دون شرح. تأملها أخي القارئ لتقتنع بأن الشريعة مبنية على أن المعادن لن تنفذ من الأرض مهما أخذ الناس منها لسد حاجاتهم أو حتى لسد طموحاتهم بتصنيعها (كما سيأتي بيانه في فصل «ابن السبيل» بإذن الله). كما أن الشريعة مبنية على وضع المفاتيح في أيدي كل من أراد العمل. وكما فعلت أحاديث إحياء الأرض (وهي نصوص واضحة)، فإن هذه الأحاديث الثلاثة كمقصات للخيرات (وهي نصوص واضحة أيضا ستؤدي إلى فتح الأبواب لكل من أراد العمل، وبالتالي إلى زيادة نسبة عدد الملاك في المجتمع. كيف؟ هنا سؤال مهم: لماذا يعمل شخص في منجم رجل آخر ؟ إن هذا لن يحدث إلا نادراً (كما سيأتي بيانه في فصل «الشركة» بإذن الله. ألا تعتقد أن الإنسان سيشترك مع آخرين ويستخرجون المعادن من أرض مجاورة لمنجم إذا ثبت وجود معدن ما في تلك البقعة من الأرض؟ بالطبع نعم. فبدل أن يكون الإنسان عاملاً لدى


۱۸۸ 🗏
مالك
منجم
ما، سيحاول أن يكون شريكاً، أو حتى مالكاً لمنجمه ولكن قد تقول بأن المعدم قد لا يمتلك المال للقيام بذلك؟ فأقول : بأنك لا زلت تفكر بطريقة رأسمالية، لأننا في مجتمع رأسمالي تجمعت فيه الأموال عند البعض الذين بيدهم المفاتيح لأنهم يملكون رأس المال مثلاً أو لعلاقاتهم مع أولي الأمر الذين يجيزون للبعض التنقيب عن المعادن ويمنعونه عن آخرين. فنجد الكثير من الناس يضطرون للعمل لدى أولئك الذين بيدهم المفاتيح لأن الأبواب موصدة أمامهم. وبهذا يصير من بيده السلطة أو المال محور الناس، فالناس يحترمونه ثم يطيعونه وتزداد الطاعة لدرجة الخروج عن المقبول حتى يكون الاستعباد بين البشر، فيخرج الناس من عبادة الله لعبادة البشر. فهل يعقل أن يضع سبحانه وتعالى نظاماً استعبادياً لعباده؟ معاذ الله، إن الإسلام دين تحريري. يحرر البشر قدر المستطاع من عبادة الناس إلى عبادة الله العلي القدير. فلا يمكن لعقل بشري أن يأتي بنظام اجتماعي يحرر الناس من تسلط البشر كما فعلت الشريعة. أما ما يحاول الشيطان فعله، نعوذ بالله منه فهو عكس ذلك، فهو يحاول إيجاد آلهة من البشر. فكل ثري أو ذي نفوذ في السلطة تجده وكأنه إله وذلك من طواف الناس المتمصلحين من حوله. فبذرة الفساد في المجتمعات هي استعباد الناس بعضهم لبعض. وهذه أولى بداياتها، فإن منع الناس من الوصول للمعادن وتُرك ذلك لما تقرره الدول، فستتكدس الثروات في أيدي البعض ويظهر الاستعباد. أما إن وضعت المفاتيح بأيدي عموم المسلمين، فسيفقد أولئك المسؤولين تألههم وسينخفض عدد الأثرياء ويقل الفارق بين أغنى فرد وأفقر فرد في المجتمع، كما سنوضح بإذنه. وهكذا ومع مرور الزمن ستزداد نسبة عدد الملاك في المجتمع، ولهذا فوائد كثيرة سنذكرها لاحقاً بإذنه. وكما سنوضح في فصول «الشركة» و «والفصل والوصل» و «الأماكن» و «البركة» بإذن الله، فإن السمة الغالبة في العمران الإسلامي هي الشراكة بين الناس تملكاً في كل ما هو إنتاجي، وهذا لا يؤدي إلى الاستعباد بين البشر، بل إلى التكامل المتسم بالإنتاجية الشديدة لمجموع الأمة برغم قلة عدد ساعات عمل الفرد مقارنة بالمجتمعات الرأسمالية بسبب قلة الهدر في المجتمعات المسلمة كما سترى بإذنه. لذلك سميت هذا الفصل بـ «الخيرات» ولم أسمه بـ «الثروات» أو «المعادن» لأن الثروات والمعادن تنقلب إلى خيرات متسمة بالبركة.
وسبب
ملحوظة هامة: قلت إن الرأسمالية تفضل من بيده رأس المال وتفتح له الأبواب، وأن الاشتراكية تفضل عموم المجتمع متمثلاً في السلطة ذات الأهواء، وفي كلتا الحالتين فإن الأبواب موصدة أمام الكثير من القادرين على العطاء، وهذه من كبريات الجرائم في حق البشرية. أما الإسلام فكما رأينا فهو يفتح الأبواب بناء على المقدرة. ولقد قلت سابقاً بأن الأحاديث الثلاثة قد لا تبدو عميقة وشاملة لشخص عقلاني في تفكيره، إلا أنها تقص الحقوق لجميع المصادر الطبيعية بطريقة ليست رأسمالية وليست اشتراكية، بل بطريقة تحث الجميع على العطاء دون تفضيل، هذه المقولة هو لجوء الفقهاء إلى القياس، وليس الاستحسان في الوصول للأحكام. فالقول الذي لا يعطي من وصل لمعدن ما في باطن الأرض الحق في امتلاك الأرض (لأن العمل فيها يستأنف في كل مرة بالأخذ من المعدن بتخريبه) هو قول قد يبدو غريباً للوهلة الأولى. فمن المعلوم أن العمل في أرض بزراعتها مرة واحدة باستثمار واحد كحفر بئر ماء وتسوير للأرض سيؤدي إلى عطاء مستمر في كل موسم زراعي دون تكرار مستمر للنفقة، فإن هذه الأرض تملك، أما المناجم التي بها الكثير من النفقة للوصول للمعادن لا تملك لأن الفقهاء قالوا بأنها في كل مرة يتم تخريبها بعد الأخذ منها، فالقياس هنا أوصلنا لوضع قد يرفضه العقل ظاهرياً؛ إلا أنه هو الأصوب لأن الأراضي ذات المعادن الظاهرة أقل في مساحاتها من الأراضي التي بها المعادن الباطنة وأراضي المعادن الباطنة أقل في مساحتها من الأراضي التي تصلح للزراعة والسكنى فبرغم الاختلافات الطفيفة بين الفقهاء نجدهم باستخدام
ومع
ذلك


الخيرات
۱۸۹
القياس يجمعون على منع امتلاك الأرض ذات المعادن الظاهرة لندرتها ولسهولة الوصول لمعادنها. وبرغم اختلافهم في ملكية الأرض التي بها المعادن الباطنة أيضاً، إلا أنهم يتفقون على عدم منع الأخذ من معدنها أو معدن عرقها من أرض مجاورة لها. هل رأيت كيف أن القياس أدى لأحكام أعدل بفتح الباب لمن أراد العمل برغم أنها قد لا تبدو عقلانية في بادئ الأمر ؟ وأن الخلافات بين الفقهاء مهما كانت فهي لا زالت تضعهم في خندق واحد يدفع المجتمع
للإنتاج ويطلق يده. لا كما فعلت الأنظمة الحالية التي دفعت الشباب للجلوس في المقاهي لقتل الوقت. قاتلهم لخروجهم عن شرع الله الحكيم العليم الخبير الرازق الرزاق المعطي الواهب الوهاب الكريم الجواد.
الله
ولابد أنك تسأل: كيف سيتمكن الناس من استخراج الثروات، فهذا بحاجة لشركات متخصصة ذات خبرة؟ فأجيب باختصار: أليست الشركات المتخصصة مجموعة من الأفراد الذين يعملون مأجورين لحساب غيرهم (أي لدى الشركات ؟ فلماذا لا يجتمعون إذاً ويعملون لحساب أنفسهم؟ وهذه مسألة سأوضحها لاحقاً بإذن الله. وأخيراً إن من الطبعي أن يؤدي استخراج وجمع الناس الخيرات الأرض إلى كثرتها وانخفاض أسعارها. وعندها ستظهر الصناعات التي ستحاول تسخير هذه الخيرات الأولية لما ينفع الناس، وبكثرة المصنوعات تأتي الحاجة لمحاولة بيعها لتصريفها كمستهلكات، وحتى يتم هذا لابد من أفراد يعملون في التجارة، وهؤلاء لن يُوجدوا إلا إذا فتحت المجتمعات أبوابها لمن أراد العمل في التجارة وهذا ما فعلته الشريعة أيضاً، وهو موضوعنا الآتي:

مقاعد الأسواق

يوم
من
لندعو للشاب محمد البوعزيزي بالمغفرة. فهو، برغم حصوله على شهادة جامعية، كان . يبيع الفاكهة في سيدي بوزيد بتونس، إلا أنه منع. فقد أحرق نفسه . ۱۳ صفر احتجاجاً على منعه من البيع، ثم توفي بعدها يوم ١٥ صفر ١٤٣٢هـ، الموافق ١٩ يناير ٢٠١١م. وقتل النفس كما هو معلوم كبيرة، لكنه بحرق نفسه (لنسأل الله له المغفرة) أشعل فتيل الثورة في تونس الخضراء ثم ليبيا ثم أرض الكنانة لتتحرر الأمة بالتدريج بإذن الله الحكومات التي تمنع الناس من الوصول للخيرات. ومن هذه الخيرات ما هو مكاني. فأحقية الفرد في البيع الذي كفلته الشريعة لبوعزيزي منعته منه السلطات. فما كان منه إلا أن أحرق نفسه قهراً من سلب السلطات منه هذا الحق. فماذا إن أتيحت له الفرصة وهو بهذه الهمة والعزيمة التي حرق بها نفسه؟ فلعله . يصبح تاجراً ناجحاً إن هو عاش في مجتمع يطبق الشريعة. أي إن فتحت له أبواب التمكين المكاني. هذا هو موضوع مقاعد الأسواق:
لقد جرت العادة أن يبيع التجار ما ينتجه الصناع. وحتى يتم تصريف البضائع بكميات أكبر، عادة ما يقوم الصناع بدفع السلع للتجار لتسويقها حتى إن كان ذلك دون دفعات مالية مقدمة، أو حتى مقابل مبلغ رمزي لوجود الثقة بين الطرفين من كثرة التعامل، ثم يقوم التاجر بتسديد قيمة ما باعه. وإن لم توجد الثقة بين الصانع والتاجر، فعادة ما يدفع الصانع أو التاجر الوسيط بجزء يسير من منتجاته للتاجر لترويجه لإيجاد الثقة، ثم تزداد الكميات تبعاً لذلك. وبهذا لا يكون رأس المال هو العقبة الأكبر في التجارة، ولكن الثقة والخبرة ووجود مكان لعرض السلع وبيعها؛ إلا في السلع التي تتطلب معدات متخصصة مثل ثلاجات التبريد والتي يصعب الحصول عليها دون رأس المال. أي أن معظم السلع لا تتطلب معدات للعرض ولكن لمكان مع ترتيب لبعض الرفوف للعرض مثل الملابس


۱۹۰ 🗏
والمعلبات والقرطاسيات والمعدات والأجهزة. حتى الأعيان الكبيرة حجماً مثل السيارات والبرادات والغسالات، فهي بحاجة لمكان دونما تجهيزات معقدة. أي أننا إن استثنينا بعض المبيعات كالمأكولات التي تتطلب البرادات، فإن معظم السلع بحاجة لمكان بقليل من التجهيزات. ومن جهة أخرى، فإن هناك الكثير من السلع المعروفة بجودتها وكثرة استهلاكها، والتي عادة ما يُقدم عليها المشترون دون ضرورة لعرض متقن لتخفيف التكلفة مثل المعلبات من المشروبات الغازية والأقلام والهواتف ونحو ذلك من الماركات المعروفة. حتى الخضار فبالإمكان عرضها على منضدة في مكان في السوق دون معدات تبريد لأن التجار عادة ما يعرضون كميات تنفذ في نفس اليوم لمعرفتهم بما يمكن أن يستهلك في ذلك اليوم من تجاربهم السابقة دون الحاجة لخزنها ليوم آخر. أما بالنسبة للسلع التي تتطلب أجهزة في العرض ولمعرفة في التعامل كالصيدليات فسنؤجلها لفصول قادمة بإذن الله.
أي أن المكان يعد من أهم موارد التجارة. فكل تاجر لابد وأن يكون له مكان يعرض فيه بضاعته، حتى في أيامنا هذه إن فكر أحد بالتجارة عن طريق شبكة الحاسب الآلي (الإنترنت) فلابد له من مكان لوضع حاسوباته. ولكن العادة هي أن التاجر بحاجة لمعرض متسع لعرض أنواع الملبوسات أو المعلبات، أو لدكان صغير لبيع القرطاسيات أو تصوير الأوراق، أو حتى لعربة تجوال لبيع المشروبات أو المأكولات. وهكذا تختلف الأماكن التي يحتاجها التجار باختلاف سلعهم. إلا أن العادة هي أن معظم التجار العصاميين يبدؤون بتجارة صغيرة تكبر مع زيادة خبرتهم ورأسمالهم، ولكن لابد للبدء من مكان حتى وإن كان صغيراً.
الله
1.7
لقد قامت الشريعة بتمكين كل من أراد التجارة بوسيلتين الأولى هي منع احتكار سوق المدينة لأي فرد كان، والثانية هي منع فرض الضرائب عليها. فأول سوق كان في الإسلام هو سوق المدينة المنورة. وكان سوقاً مفتوحاً لكل من رغب العمل بناءً على توصية الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي وفاء الوفا للسمهودي (ت ٩١١) الكثير من الروايات (الضعيفة) عن اختيار موقع سوق المدينة المنورة إلا أنها جميعها تؤكد على نهيه صلى الله عليه وسلم عن تضييق السوق بالأخذ منه أو حيازته أو حتى تأجيره. فقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم برجله أرض سوق المدينة وقال: (هذا سوقكم؛ فلا ينقص منه، ولا يضر بنّ عليه خراج ١٠٦ وهناك روايات أخرى كقوله عليه وسلم: (هذا سوقكم لا تتحجروا، ولا يُضرب عليه الخراج. وروى ابن شبة أيضاً وابن زبالة عن محمد بن عبد الله بن حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق على المسلمين بأسواقهم. وروى ابن زبالة عن خالد بن إلياس العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز بالمدينة : إنما السوق صدقة فلا يضر بن على أحد فيه كراء». وفي وفاء الوفا أيضاً عن ابن أبي ذئب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . مر على خيمة عند موضع دار المنبعث فقال: (ما هذه الخيمة ؟ فقالوا : خيمة لرجل من بني حارثة كان بييع فيها التمر. فقال: (حرقوها). فحرقت ..».. فهذه الخيمة مع مرور الزمن قد تتحول لملك خاص لصاحب الخيمة؛ وبمثل هذا الاحتكار مع التكرار في مواقع أخرى من التجار الآخرين بالاقتداء ستقل مساحة أسواق المسلمين مما يضيق على ظهور تجار

*** هامش ***

صلی
هـ٢) جاء في مجمع الزوائد : عن أبي أسيد أن رجلا جاء إلى النبي صلى عليه خراج. قلت رواه ابن ماجه بغـير سـيــاقه، رواه الطبراني في الله عليه وسلم فقال : بأبي أنت وأمي إني قد رأيت موضعاً للسوق، أفلا الكبير وفيه الحسن بن علي بن الحسن أبي الحسن البراد ولم أجد من تنظر إليه؟ قال: (بلي)، فقام معه حتى جاء موضع السوق. فلما رآه ترجمه» (۱۰۸).
أعجبه وركضه برجله وقال : نعم سوقكم، فلا ينتقض ولا يضر بن


الخيرات
۱۹۱
جدد. وبرغم أن هذه الأحاديث المتعلقة بمنع ضرب الخراج قد ضُعفت، " ألا أن الذي يقويها هو فعله صلوات ربي وسلامه عليه. فلم أجد في الأثر أنه صلى الله عليه وسلم قد أخذ أجراً على المواضع في الأسواق من كائن من كان. لهذا، فمن استنتج من العلماء المعاصرين» أن ضعف هذه الأحاديث لا يلزم المسلمين بعدم فرض الضرائب على الأسواق، عليه أن يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرض الضرائب على التجار. فهذه الأحاديث التي تمنع ضرب الخراج هي نصوص برغم ضعفها إلا أنها مدعومة بأفعاله صلوات ربي وسلامه عليه.
الأكفاً.
إن أول عقبة لمن أراد العمل في أيامنا هذه هو إيجاد مكان للبيع لأن عليه أن يستأجر مكاناً أو يبني مكاناً. ثم إن عليه نوع من الضريبة للحصول على الترخيص. وفي كلتا الحالتين فهو بحاجة لرأس المال. ومن السابق ستستنتج أخي القارئ أن عقبتي الضريبة والمكان قد أزالتهما الشريعة. إلا أن هذا لا يعني أن تكون أسواق المسلمين في فضاءات مكشوفة ودون بناء دائماً وأبداً. فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمنع من أراد الاستثمار في بناء سوق ضخم مغطى لكرائه للتجار في أرض يحيبها كمستثمر في مكان ما، ولكنه يعني أن يكون في كل مدينة أو قرية سوقاً واحدة على الأقل دون تأجير أو ضريبة لتمكين أولئك الذين سيبدؤون حياتهم التجارية من العدم في تلك السوق، وبعد زمن ومع زيادة الربح سيتمكنون فيخرجون من تلك السوق إلى سوق مبنية يملكونها أو يستأجرونها. ويعني أيضاً منع الدولة من فرض الضرائب على الأسواق. أي أن هذه السوق التي منع ضرب الخراج عليها، هي بداية لكل مثابر؛ وكأنها مكان لإيجاد أو مفرخة لتفريخ) التجار الذين لا مال لهم. فيبدؤون صغاراً ليكبروا. وهكذا يولد التجار الذين لم يرثوا الأموال من ذويهم، وهم العصاميون ولعلهم وحتى يتم تفعيل هذه الأماكن لمن هو أجدر من الناس، وضعت الشريعة مقصاً للتمكين من الأسواق وهو ما عرف في الشريعة بحق الاختصاص، وهذه هي الوسيلة الثانية. فيعرف ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥) الاختصاص بقوله: «وهو عبارة عما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته فيه وهو غير قابل للشمول والمعاوضات، ويدخل تحت ذلك صور (ومنها) مرافق الأسواق المتسعة التي يجوز البيع والشراء فيها كالدكاكين المباحة ونحوها، فالسابق إليها أحق بها ..». ١٠٩. كما أن بعض الفقهاء يعرّفونه بتمليك الانتفاع، وهو مختلف عن تمليك المنفعة. والفرق بينهما . هو أن تمليك الانتفاع يؤهل الشخص لاستخدام المكان بنفسه مثل سكنى المدارس والربط والمجالس في الجوامع والمساجد ومقاعد الأسواق، أما تمليك المنفعة فيؤهل الشخص لاستخدام المكان بالاضافة إلى تمكين غيره من الانتفاع به بعوض كالإجارة أو بغير عوض كالعارية " ويقول الشافعى في مقاعد الأسواق: «فمن قعد في موضع منها لبيع كان أحق به بقدر ما يصلح له، ومتى قام عنه لم يكن له أن يمنعه من غيره ... والمقاعد

*** هامش ***

و٢) جاء في تهذيب الفروق: «تمليك الانتفاع عبارة عن الإذن وهي أنواع، إحداها : الاختصاص بإحياء الموات بالتحجر والإقطاع، للشخص في أن يباشر هو بنفسه فقط، كالإذن في سكنى المدارس الثاني: الاختصاص بالسبق إلى بعض المباحات، الثالث: الاختصاص والربط والمجالس في الجوامع والمساجد والأسواق ومواضع النسك بالسبق إلى مقاعد الأسواق الرابع الاختصاص بمقاعد المساجد
فقط
كالمطاف والمسعى ونحو ذلك ، فلمن أذن له في ذلك أن ينتفع بنفسه للصلاة والعزلة والاعتكاف، الخامس: ...» (۱۱۰). ويمتنع في حقه أن يؤاجر أو يعـاوض بطريق من طرق (۲) ويكمل ابن قدامة: «وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «منى المعاوضات أو يسكن غيره ... وتمليك المنفعة عبارة عن الإذن مناخ من سبق»، وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية للشخص في أن يباشر هو بنفسه أو يمكن غيره من الانتفاع بعوض (البارية : الحصير (المنسوج وتابوت وكساء ونحوه، لأن الحاجة تدعو كالإجارة أو بغير عوض كالعارية ...». وفي قواعد الأحكام للعز بن إليه من غير مضرة فيه، وليس له البناء لا دكة ولا غيرها لأنه يضيق عبد السلام في باب الاختصاص بالمنافع بعض الأمثلة للاختصاص على الناس ويعثر به المارة بالليل والضرير في الليل والنهار ..» (١١٢).


۱۹۲ 🗏
۱۱۱
بالسوق ليس بإحياء موات». وفي المغني: «قال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة فهو له إلى الليل، وكان
هذا في سوق المدينة فيما مضى ..». ويقول البلاذري (ت (۲۷۹ أن عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه أنه قال: «كنا نغدو إلى السوق في زمن المغيرة بن شعبة، فمن قعد في موضع كان أحق به إلى الليل فلما كان زياد قال: من قعد في موضع كان أحق به ما دام فيه». ويقول أبو عبيد في الأموال: «حدثنا محمد بن عبيد عن محمد بن أبي موسى عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجت مع علي عليه السلام إلى السوق فرأى أهل السوق قد حازوا أمكنتهم. فقال: ما هذا؟ فقالوا: أهل السوق قد حازوا أمكنتهم. فقال: ليس ذلك لهم، سوق المسلمين كمصلى المسلمين، من سبق إلى شيء فهو له يومه حتى يدعه» . ١١٣ أي أن تعريفات الفقهاء والمؤرخين لحق الاختصاص تفيد أن السابق إلى مكان ما
۱۱۳
١١٤
110
كان أحق به من غيره. ليس هذا فحسب، ولكن الظاهر هو أن منع الخراج على الأسواق مع حق الاختصاص أديا إلى إيجاد عرف في عهد السلف بأن يقوم الباعة بحيازة مكان ما لوقت معلوم في الساحات العامة أو الطرق الواسعة للبيع بإحضار قطع من الأثاث لوضع سلعهم عليها أو فقط بتعليم المكان بحوائجهم. كيف لا وهناك حديث يقوي هذه الأفعال. فقد روى الحاكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (منى مناخ من سبق). وقد روي هذا الحديث في معظم كتب الحديث كسنن أبي داود وابن ماجة والبيهقي الكبرى والترمذي والدارمي والمعجم الأوسط وكذلك في كتب الفقه كالمغني والمجموع وكتاب الأموال لأبي عبيد إشارة إلى أنه نص كان يعمل به ليس في الأسواق فقط، ولكن في كل مكان غير مملوك وبإمكان المسلمين الاستفادة منه فعلى سبيل المثال جاء في المجموع: «ويجوز الارتفاق بما بين العامر من الشوارع والرحاب الواسعة بالقعود للبيع والشراء ... فإن سبق إليه كان أحق به، لقوله صلى الله عليه وسلم: منى مناخ من سبق، وله أن يظلل بما لا ضرر به على المارة ...». وجاء في المغني: «وما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران فليس لأحد إحياؤه سواءً كان واسعاً أو ضيقاً، وسواءً ضيق على الناس أو لم يضيق، لأن ذلك يشترك فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم؛ ويجوز الارتفاق بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد، ولا يضر بالمارة لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار، ولأنه ارتفاق مباح من غير إضرار فلم يمنع منه كالاجتياز، قال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة فهو له إلى الليل، وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (منى مناخ من سبق ». " وبهذا تكون جميع الأماكن الواسعة سوقاً لمن أراد العمل. أرأيت كيف أن الشريعة فتحت الأبواب للتجار. فالشوارع بساحاتها أكثر بكثير من السكان حتى وإن قام جميع سكان المدينة بالتجارة، فالكل قد يعمل في فناء داره ولا يحق للسلطة منعه من ذلك. وبهذا تكثر أماكن التجارة، وستكثر أكثر إن علمت أن الأمر ينطبق أيضاً على الأفنية في الأسواق وأفنية المساجد وأفنية المباني العامة كمداخل المدينة وأسوارها. فجميع هذه الأماكن مباحة لمن أراد التجارة ولكن دون الإضرار بالعامة. فمثلاً، يمنع التجار من زراعة تلك الأفنية أو بناء المظلات والفواصل والأجنحة بها إذا كان الطريق ضيقاً. فكتب الحسبة التي ألفها المحتسبون مثل السقطي

*** هامش ***

حـ٢) يقول الماوردي مثلاً: «فأما حريم الجوامع والمساجد، فإن كان (۲) يقول ابن رجب الحنبلي في القواعد في هذه المسألة: «مقاعد الارتفاق به مضراً بأهل المساجد والجوامع منعوا منه ولم يجز للسلطان الأسواق ومجالس المساجد ونحوها يصح نقل الحق فيهما بغير عوض أن يأذن لهم فيه لأن المصلين به أحق، وإن لم يكن مضراً أجاز لأن الحق فيهما لازم بالسبق ولو أثر بها غيره فسبق ثالث فجلس فهل ارتفاقهم بحريمها» (١١٦) . يكون أحق من المؤثر أم لا؟ على وجهين. أحدهما نعم، لأن حق


الخيرات
۱۹۳
والسنامي تعج بمثل هذه الأحكام التي تحد من التعدي على العامة في شوارعهم
۱۱۷
ومن هذا العرض يتضح لنا أن نسبة الأفراد المتمكنين في المجتمع المسلم في التجارة لابد لها وأن تزداد، وذلك لأن بعض أفراد المجتمع بدلاً من استئجار مكان ما قد حصلوا على المكان دونما أجر. وبهذا، فهم بدل العمل لدى تجار آخرين، سيعملون لأنفسهم، وبالتدريج سيتمكنون ويصبحون تجاراً ينافسون غيرهم. أي أن عدد ما يحتاجه المجتمع ممن يعملون في التجارة قد لا يتغير كثيراً، إلا أن نسبة المتمكنين منهم الذين يعملون لأنفسهم هي التي ستزداد. وهذه النسبة ستزداد أكثر إذا ما علمنا، كما سنرى في فصل «ابن السبيل» بإذن الله، أن إحياء الأرض وإحياء المعادن سيؤديان إلى كثرة المدن وانتشارها دون ازدحام بسبب انتشار المعادن في الأرض، وبهذا تكثر الأماكن التي يمكن لها أن تكون أسواقاً في كل مكان، وتكثر بالتالي نسبة المتمكنين. وهذه التركيبة العمرانية الانتشارية مختلفة عن مجتمعاتنا الحالية التي تتركز فيها السكنى في مدن مكتظة بالسكان دون الانتشار في الأرض، وبهذا الازدحام يأتي الضيق في المكان لتزداد أسعار المحلات لتغلق الأبواب على المعدم ليضطر للعمل عند غيره. أي أن النتيجة هي عكس ما تفعله الشريعة. كما أن هاتين الوسيلتين (منع ضرب الخراج وحق الاختصاص) اللتين وضعتهما الشريعة أدتا إلى نوع من المنافسة بين الناس للتسابق على الأماكن المتميزة في الأسواق. ولنسمي هذا المبدأ بالأسبقية. وفي مثل هذه الحالات قد يحدث نوع من النزاع بين المتنافسين على نفس الموضع، أو قد يحدث خلاف في الاتفاق على الحدود التي تفصل بين أماكنهم. وهنا ظهرت أسئلة فقهية منها : هل يحق لشخص ما أن يتنازل عن حق الاختصاص لآخر؟ وهل حق الاختصاص يسقط بانتهاء النهار أم أنه سيستمر حتى يرفع التاجر متاعه؟ي٢
ط ۲
وهنا لابد لي من توضيح مصطلح سيتكرر استخدامه مراراً وهو: «المركزية» وعكسها «اللامركزية». فعند تدخل السلطة أو الحاكم (أو من ينوب عنه كالموظفين في الحقوق ومن ثم تغيير مقصوصة الحقوق: نقول بأن هناك نوعاً من المركزية. وهذا يحدث عندما تقوم السلطة بالإشراف على تنفيذ المشروعات البيئية المقدمة من المخططين مما يغير مقصوصة الحقوق. أو عندما تضع الدولة يدها على بدائل التنمية أو تسيطر بطريقة أو بأخرى على الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية بطريقة تخرج عن الشريعة. فعندها تظهر المركزية والتي لابد وأن تغير مقصوصة الحقوق التي وضعتها الشريعة. وفي إطار موضوعنا الحالي، فإن مركزية الدول في اتخاذ القرارات ستمنع الناس من

*** هامش ***

القائم زال بانفصاله فصار الحق ثابتاً بالسبق. والثاني لا لأنه لو قام على ظاهر كلامه في رواية حرب، لأنه لو كان أحق به أبداً خرج عن لحاجة ونحوها لم يسقط حقه، فكذا إذا آثر غيره لأنه أقامه مقام حكم الإباحة إلى الملك» (١١٩). نفسه. وبني بعضهم هذا الخلاف على القول بعدم كراهة الإيثار (ك٢ إن هناك اختلافاً بين الفقهاء في تدخل الحاكم في أفنية الشوارع بالقرب، فأما إن قلنا بكراهيته فالسابق أحق به وجهاً واحداً. وفرق والطرق، فيقول الماوردي: «وفي حكم نظره (أي السلطان) وجهان: بعضهم بين مجالس المساجد ونحوها ومقاعد الأسواق، فأجاز النقل في أحدهما أن نظره فيه مقصور على كفهم عن التعدي ومنعهم من المقاعد خاصة، لأنها منافع دنيوية فهي كالحقوق المالية» (١١٨) . الإضرار والإصلاح بينهم . عند التشاجر، وليس له أن يقيم جالساً ولا ي٢) وفي القواعد لابن رجب: «وهل ينتهي حقه بانتهاء النهار أو أن يقدم مؤخراً ويكون السابق إلى المكان أحق به من المسبوق. يمتد إلى أن ينقل قماشه عنها ؟ على وجهين، وظاهر كلام أحمد في والوجه الثاني أن نظره فيه نظر مجتهد فيما يراه صلاحاً في إجلاس من رواية حرب الأول لجريان العادة بانتفاء الزيادة عليه، وعلى الثاني فلو يجلسه ومنع من يمنعه وتقديم من يقدمه كما يجتهد في أموال بيت أطال الجلوس فهل يصرف أم لا؟ على وجهين لأنه يفضي إلى المال وإقطاع الموات ... وإذا تركهم على التراضي كان السابق منهما الاختصاص بالحق المشترك». ويقول أبو يعلى الحنبلي: «وإذا انصرف إلى المكان أحق به من المسبوق، فإذا انصرف عنه كان هو وغيره من عنه (أي المكان) كان هو وغيره فيه من الغد سواء، يراعى السابق فيه الغد فيه سواء يراعى فيه السابق إليه» (١٢٠).


١٩٤ 🗏
فتح أي متجر مهما صغر إلا بموافقة منها. وكما رأينا فإن هذا لم تأخذ به الشريعة. بل فتحت الباب لمن سبق. ولكن ماذا إن تنافس الناس على نفس الموقع؟ هنا أيضاً، كان خوف الدول من التنازع بين التجار، بالإضافة إلى الخوف من سوء جودة المنتجات ونقص عوامل السلامة في البيع والشراء، كل هذا كان جسراً لتدخل الدول ووضع القوانين والمطالبة بالتراخيص لفتح محل مهما صغر. وسنناقش الآن مسألة التدخل لمنع التنازع، ونترك السيطرة على الجودة وعوامل السلامة لفصول أخرى.
ك ٢
فبالنسبة للتدخل في تنظيم الأسواق، فإن مبدأ الأسبقية كأداة لقص الحقوق، وبسبب التنافس بين من أراد العمل في التجارة، أدى إلى إثارة سؤال فقهي عن مدى أحقية السلطان في التدخل هل للسلطان التدخل وتنظيم الأفراد المتنافسين على مقاعد الأسواق بإقطاعهم إياها ؟ فإن كانت الإجابة بنعم، فإن هذا سيؤدي لمركزية القرار. فحتى لا يتنازع الناس ستطالب السلطات التجار بالتراخيص كما تفعل الآن. فإن كان للحكومات أو من يمثلها ذلك، فقد يقدم من يهوى من الناس على الآخرين وتتغير بذلك مقصوصة الحقوق. هنا أيضاً أتت الشريعة بما يمنع حدوث مثل هذا للحد من تسلط الدول. فالإقطاع من الطريق (الشارع) مثلاً لا يؤدي إلى الملك، فهناك قول ينص على أنه لا معنى للإقطاع من الطريق ولا يحق للحاكم ذلك بخلاف الموات. وهناك من يرى غير ذلك. أي أن هناك اختلافاً طفيفاً بين الفقهاء في هذه المسألة، وبدراستها يمكننا الاستنتاج أن تدخل السلطة في مقاعد الأسواق كان في حدود ضيقة ومشروطة من قبل الفقهاء وكأنها أمور تنظيمية إن حدث خلاف وأفضل مثال على ذلك مقالة السيوطي (ت (۹۱۱) في «البارع في إقطاع الشارع»، وخلاصتها أن تدخل السلطان لا يكون إلا لفض النزاعات بين التجار إن حدث. ومن جهة أخرى فهناك رأي مفاده أن مبادرة الأفراد تقدم على المركزية، أي تقدم على تدخل السلطان؛ فيقول السبكي (ت (۷۷۱) من المذهب الشافعي: «وأما إذا سبق واحد قبل الإقطاع فينبغي أن يمتنع الإقطاع لغيره ما دام حقه باقياً ولا يأتي فيه خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به، وحاصله أن السبق موجب للأحقية قطعاً بالحديث والإقطاع موجب للأحقية على الصحيح؛ فإن تعارضا قدم الأقدم تاريخاً. ولو فرضنا أنهما حصلا في وقت واحد فينبغي تقديم السبق لأنه ثابت بالنص، وإنما لم نقدمه بعد الإقطاع لأنا نجعل الإقطاع سبقاً». ١٢٢ أريت كيف فتحت الشريعة الباب لمن أراد العمل وثابر. ويقول أبو يوسف من المذهب الحنفي: «ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئاً من طريق المسلمين مما فيه الضرر عليهم، ولا يسعه ذلك. وإن أراد الإمام أن يقطع طريقاً من طرق المسلمين الجادة رجلاً يبني عليه وللعامة طريق غير ذلك قريب أو

*** هامش ***

ل ۲
۱۲۲
ل٢) يقول السيوطي في استعراضه لآراء المذهب الشافعي: ويجوز بالإقطاع فلم يكن لغيره أن يقعد فيه» (١٢١). للسلطان إقطاعه (أي مقاعد (الأسواق لكنه لا يملكه بل يكون أولى مـ ٢) ويقول ابن رجب في القواعد: «إذا سبق اثنان إلى الجلوس به. ويمنع أن يبني دكة لأنه يضيق الطريق ويضر بالضرير بالأماكن المباحة كالطرق الواسعة ورحاب المساجد ونحوها لمعاش وبالبصير بالليل. وإذا أقطع السلطان موضعاً كان أحق به سواء نقل أو غيره، فالمذهب أنه يقدم أحدهما بـالقـرعـة، وفيه وجه بتقـديـم متاعه إليه أو لم ينقل ، لأن للإمام النظر والاجتهاد؛ وإذا أقطعه ثبت السلطان لمن يرى منهما بنوع من الترجيح، وكذلك لو استبقا إلى يده عليه. وقال الخوارزمي في الكافي: القطائع ضربان إقطاع إرفاق موضع في رباط مسبل أو خان أو استبق فقيهان إلى مدرسة أو صوفيان وإقطاع تملك. أما إقطاع الإرفاق وهو أن يقطع الإمام أو نائبه من إلى خانكاه ذكره الحارث، وهذا يتوجه على أحد الاحتمالين الذي إنسان موضعاً من مقاعد الأسواق والطريق الواسعة ليجلس فيه للبيع ذكرهما في المدارس والخوانق المختصة بوصف معين أنه لا يتوقف والشراء، فيجوز إذا كان لا يضر بالمارة. هذا هو المذهب». وفي الاستحقاق فيها على تنزيل ناظر، فأما على الوجه الآخر وهو توقف المجموع: «ويجوز إقطاع ما بين العامر من الرحاب ومقاعد الأسواق الاستحقاق على تنزيله فليس إلا ترجيحه له بنوع من الترجيحات، للارتفاق، فمن أقطع شيئا من ذلك صار أحق بالموضع ، نقل متاعه أو وقد يقال أنه يرجح بالقرعة مع التساوي» (١٢٤). لم ينقل، لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه ثبتت يده عليه


الخيرات
١٩٥
۱۲۳
بعيد منه، لم يسعه إقطاع ذلك ولم يحل له وهو آثم إن فعل ذلك أما من المذهب الحنبلي فيقول أبو يعلى: «وظاهر كلامه [أي كلام أحمد في رواية حرب أنه لم يعتبر إذنه [أي إذن السلطان]، وإذا اعتبرنا إذنه فهو موضع اجتهاد وهو كفهم عن التعدي والإصلاح بينهم عند التشاجر ...».
م ۲
وللتلخيص أقول: تأمل كيف أن الشريعة جعلت مقاعد الأسواق من الأماكن المباحة مثلها مثل مقاعد المساجد ومواقع النسك كالمطاف والمسعى، إذ أنه اعتبر حق من حقوق تمليك الانتفاع، أو حق من حقوق الاختصاص. ومن حيث التمكين، فكلاهما واحد، ويعنيان الانطلاق للعطاء وغلق الأبواب أمام السلطة في التدخل في شؤون الناس إلا إن ظهر خلاف واستفحل الخلاف ليرتفع إلى القضاء. وفي هذا ميزة كما سترى لأنه سيؤدي لظهور الأعراف (وسيأتي بيانه بإذن الله). أما في بيئتنا المعاصرة فقد تدخلت السلطات فغيرت الحقوق فلم تمنح الفرصة بالسبق للأجدر كما أن مبدأ الأسبقية أدى إلى الحوار بين المتنازعين لحل الخلاف والذي أدى بدوره إلى الاتفاقات بينهم أو إلى تدخل الجيران أو من هم في نفس المهنة وإلا لعمت الفوضى، كما سأوضح في الحديث عن الأعراف بإذنه تعالى. ١٢٥ ولكن تذكر أن التنازع الذي تدخلت بحجته السلطات للسيطرة على الأسواق أمر نادر الحدوث إن تم الحكم بالشريعة، لأن انتشار المدن بسبب انتشار المعادن في الأرض سيزيد من المساحات القابلة لتكون مقاعد للأسواق (كما سيأتي بإذن الله)، وبهذا تقل احتمالات حدوث النزاع. وقد تسأل: ولكن هل يمكن للأسواق أن تكون لمن سبق من غير إيجار كما فعل صلوات ربي وسلامه عليه في سوق المدينة المنورة وبالذات في أيامنا هذه التي نحتاج فيها إلى البرادات الكبيرة والمخازن ومواقف السيارات وما إلى ذلك من متطلبات عصرية؟ سنجيب على هذا في فصل قادم بإذنه تعالى.

الحركيات أو القيم؟

أخيراً أود التذكير بفكرة منهجية أرجو ملاحظتها. إن أي باحث لابد وأن يتبنى أو يتأثر في بحثه بإحدى طريقتين في التفكير والتحليل : الأولى الإيمان بعقيدة ما أو رفضها وبالتالي محاولة إثباتها والدفاع عنها أو نقدها، وهذا ما يقع فيه معظم الباحثين فهم إما ينقدون الإسلام أو يحاولون الدفاع عنه، وهم إما ينقدون الرأسمالية أو يدافعون عنها، وهكذا. فهم تحت تأثير عقيدة ما. والطريقة الثانية هي أن يحاول الباحث التجرد من العقائد والقيم التي يعتقدها لعله ينجو من الغمامة التي تسيطر عليه فيكون أكثر حيادية في وزنه للأمور ليظهر وكأنه موضوعياً. وهذه مسألة صعبة، إلا أن الباحث إن نجح فيها فقد أثبت للآخرين قوة طرحه. وهذا ما يدعي الكثير من المعاصرين أنهم ينتمون إليه لأنهم يحررون أنفسهم من الأديان، ولكنهم يتناسون أنهم واقعون في شراك قيم العلمانية. أي أنهم واهمون بأنهم موضوعيين. وكما هو واضح فإنني متشبع في أفكاري بالإسلام، لذلك سيسهل على أي باحث نقدي بأنني من أنصار الطائفة الأولى التي غشيت رؤيته غمامة إسلامية لا تستطيع أن ترى الحق إلا فيما أتى به الإسلام. أي أنني لست موضوعياً. لذلك كان لابد من التنويه هنا إلى المنهجية التي أنتهجها وهي كالآتي:
إن هناك حركيات تفرض نفسها بغض النظر عن القيم. فكل إنسان مثلاً يحاول الفرار من الفقر، حتى أن بعضهم يحاول زيادة رأس ماله بأقل قدر ممكن من المشقة، ومن الناس من يحاول منع الآخرين من التدخل في


١٩٦ 🗏
شؤون حياته. وهكذا من ثوابت غريزية، كحب الملكية متأصلة في البشر بدرجات متفاوتة وبغض النظر عن معتقداتهم. فترى الأطفال يتنازعون فيما بينهم، كل يحاول أن يستأثر باللعبة لنفسه في أية حضارة كانوا. فمن علّم هؤلاء الأطفال حب الملكية؟ إنها غريزة جبلوا عليها. تدبر قوله تعالى: ﴿زُيِِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَتَابِ﴾. وهكذا من الكثير من الغرائز التي في تفاعلها فيما بينها توجد حركيات أو آليات يصعب إنكارها. ومن أوضح الأمثلة آليات الاقتصاد، فإن ارتفعت نسبة الفوائد الربوية ستقل السيولة النقدية لانجذاب الناس للادخار ولتخوف المستثمرين من المخاطرة فيضمحل الإنتاج المحلي ولكن مع السيطرة على التضخم، وهكذا من حركيات. وما أحاول فعله في هذا الكتاب هو التركيز على هذه الحركيات والابتعاد عن القيم قدر المستطاع. فبرغم أنني أستخدم الآيات والأحاديث كأدلة، إلا أنني أستخدمها كأدلة لاستنباط الحركيات. أي أنني هنا أستطيع القول بأن منهجيتي برغم أنني مشبع بالإسلام إلا أنها حيادية بالنسبة لك لأن حججي التي أطرحها هي من الحركيات وليست من القيم برغم أنني ألجأ إلى قال الله عز وجل وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. بينما تجد باحثين آخرين برغم أنهم علمانيون متحررون من الأديان إلا أنهم يقعون في الدفاع عن القيم وليس الحركيات، مثل تبني ضرورة خلع الحجاب، فهم يحاولون التحرر من الأديان ليقعوا في فخ فرض ما يعتقدونه على الآخرين. وكمثال توضيحي لصعوبة التخلص من القيم لنتدبر الآيتين:
الأولى قوله تعالى في سورة الأعراف في الآية ٩٦ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ . لقد ذهب التأويل بين معظم المفسرين على أن فتح البركات من السماء يعني نزول المطر وأنه من الأرض يعني ظهور الثمار وكثرة الأنعام. فقد جاء في تفسير ابن كثير: «وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ ، أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل وصدقت به واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي قطر السماء ونبات الأرض. قال تعالى: ﴿وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ، أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم». وجاء في التفسير الكبير للرازي: اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة. بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا﴾ ، آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ما نها الله عنه وحرمه، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ، بركات السماء بالمطر وبركات الأرض بالنبات والثمار وكثرة المواشي والأنعام وحصول الأمن والسلامة، وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب والأرض تجري مجرى الأم، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره. وقوله: ﴿وَلَكِن كَذَّبُوا﴾ ، يعني الرسل، فأخذناهم بالجدوبة والقحط بما كانوا يكسبون من الكفر والمعصية».
١٢٦
والآية الثانية، وهي مشابهة في المعنى للآية الأولى مع اختلافات هي الآية رقم ٦٦ من سورة المائدة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ . وقد فسرت أيضاً بتأويل مشابه. فقد جاء في تفسير ابن كثير:


الخيرات
۱۹۷ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ، قال ابن عباس وغيره هو القرآن. ﴿لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ، أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عـ ب عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتماً لا محالة. وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ، يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ، يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ، يعني يخرج من الأرض بركاتها. وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ... وقال بعضهم معناه: ﴿لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ، يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء ... وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ ، فقال : حدثنا علقمة عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يرفع العلم، فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله، ثم قرأ:﴿ وَلَوْ أنْهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَنَةَ وَالإنجيل﴾ »
ن ۲
أما بالنسبة للفرق بين الآيتين: فالأولى تفيد نزول العذاب إن كذب أهل القرى ولم يؤمنوا بما أتت به
منهم .
الرسل، أي لا إمهال والثانية تفيد أنه برغم إقامة أهل القرى للتوراة والإنجيل إلا أن هناك الكثير ساء ما يعملون، وأن العذاب ليس بالضرورة نازل بهم في الحال. فكيف يمكن الجمع بين الآيتين؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا التأويل السابق للآيتين لا يتعارض والله أعلم، مع الآتي: نظراً لأن الحياة كانت في السابق بسيطة وتعتمد في رغدها على ماء السماء وخصوبة الأرض، فقد توجه تأويل المفسرين إلى ذلك. أما في وضعنا المعاصر فإن الكثير يشككون في مصداقية هذه الآيات، ذلك لأنهم في حياتهم المعاصرة المبنية على التقنية التي تستطيع تحريك المنتجات من طرف في الأرض إلى طرف آخر ولا يدركون بلاغة القرآن الكريم وبالتالي يريدون فهم النص على أنه مجرد تساقط للمطر وظهور للثمار . وهذه بالنسبة لهم أمور تمكنت التقنية من التعامل معها، فالمياه يمكن تحليتها من البحر الذي لا ينضب، والتربة يمكن رفع خصوبتها بالأسمدة الكيماوية. لذلك فقد يقول قائلهم: إن مستوطنة في وسط الصحراء القاحلة قد تكون رغدة في عيشها لأن سكانها قد وجدوا بها نفطاً، فهم يبيعونه ويجلبون جميع مستهلكاتهم من كل مكان أي أن المكذبين يستطيعون العيش برغد دون التصديق بما أنزل على محمد صلى الله
عليه وسلم! لذلك كان لابد لي من الرد هنا. ولكن ما علاقة هذا بالمنهجية (حركيات أم قيم)؟ هناك إجابتان:
الأولى وهي الشائعة وهي تتبنى «القيم» كمنهجية في الرد وتنبع من السؤال الآتي: ولكن من الذي أودع النفط في أعماق الأرض، أليس الله الخالق الخلاق الكريم الجواد المعطي الواهب الوهاب سبحانه وتعالى؟ هنا قد يجيب ملحد بتحدٍ بأن النفط قد وجد بكميات كبيرة قبل آلاف السنين وأن العلم تمكن من تحديد تلك الكميات في

*** هامش ***

ن٢) وقد جمع الشيخ الشنقيطي يرحمه الله في كتابه «أضواء البيان» تفسير الآيتين فقال: « ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب ، وقوله تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِِيَنَّهُ حَيَوةً طَيِّبَةً﴾
للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ، أي في الدنيا ، مَن ، ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ .(۱۲۷)


۱۹۸ 🗏
باطن الأرض. فسواء كفر الناس أم آمنوا فإن النفط موجود وسيعيش السكان عليه في رغد. وهنا يكون الرد من خلال قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ . أي أن في هذا الرغد استدراج منه سبحانه وتعالى كما قال في سورة القلم: ﴿فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهذا الاستدراج هو لإحقاق العذاب على الكفرة كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ . بل حتى أن عطاء الله في الدنيا للكفرة قد يتعدى مطر السماء وثمار الأرض «إن أراد أن يستدرجهم» إلى درجة زخرفة مساكنهم بطريقة باهرة (وسيأتي بيان هذا في فصل «الشركة» بإذن الله كما قال تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ . إلا أن نهاية جميع هذا المتاع الهلاك الحتمي والذي قد يأتي بعد أجيال (قرون) كما أخبر سبحانه تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنِ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾. فهذه سنته سبحانه وتعالى وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾. ولكن قد يقول قائل: خلال تعاقب هذه الأجيال، فهناك من الأفراد من يحيا ويموت من الكفار دون أن يرى العذاب! والإجابة هي: : لقد جاءت آيات كثيرة تخبر عن هؤلاء، فهم في عذاب بمجرد موتهم. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. أي أن العذاب الذي يأتي للأحياء كجماعة هو عذاب كبير يليق لأن يكون عبرة للأجيال الأخرى في مناطق أخرى، وليس كالعذاب الفردي برغم أنه سيكون مؤلماً للفرد إلا أن خبره قد لا يكون مؤثراً في الأمم الأخرى مثل العذاب الجماعي. لهذا والله أعلم نجد أن معظم الإخبار عن الأمم السابقة هو عن تعذيبهم بالعذاب الجماعي مثل الريح الصرصر العاتية والطوفان وجعل عالي الأرض سافلها، وهكذا. وهذه تأتي كل عدة أجيال أو قرون. وقد كان من آخرها والله أعلم ما حدث مثلاً في جنوب شرق آسيا تسونامي سنة (۲۰۰۵م، فقد التهم الطوفان أكثر من مئة ألف إنسان. وكذلك ما ضرب مدينة نيوأورليانز الأمريكية والمشتهرة بالفساد والتي أغرقت تماماً بعاصفة كاترينا. والمسلم المؤمن سيتقبل هذا التأويل،
أما العلماني أو غير مسلم فلن يكون هذا التأويل مقنعاً له لأنه مبني على معتقدات وقيم. وهنا نأتي للآتي: والإجابة الثانية تتبنى «الحركيات» وهي ما يتصل بموضوعنا، أي بالتمكين بالحقوق في الأرض والمنهجية لننظر لقوله تعالى في سورة الأعراف مرة أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ . تقول لنا الآية الآتية: إن آمن سكان المستوطنات (سواء كانت قرى أو مدناً) فإن البركات ستفتح عليهم من السماء والأرض. فهذه سنة من سننه سبحانه وتعالى. أي أن الآية تتحدث عن مقصوصة الحقوق. كيف؟ للإجابة لاحظ الآية الثانية التي تحدثنا عنها في سورة المائدة، أي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ


الخيرات
۱۹۹
مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ . تتحدث الآية عن الإقامة للتوراة والإنجيل وليس التصديق بهما فقط. بالطبع فإن التصديق يؤدي إلى العمل بهما، إلا أن النص كان صريحاً بالإقامة، والإقامة تعني كما جاء في كتب التفسير «إقامتها بالعلم والعمل» .١٢٨ إن في ورود قوله تعالى ﴿أَقَامُوا﴾ في الآية تعبير واضح عن ضرورة ظهور آثار التصديق بالعمل بالعلم على وجه الأرض كمعالم قائمة يراها الناس. فالإيمان في القلوب، وستظهر معالمه حتماً على الناس أو على الأرض، أما تعبير أقَامُوا ، وهي إخبار عن إنجاز جماعي وليس فردي، فلابد وأن تعني البروز بوضوح وكأنها قائمة كنتاج لعمل جماعي، أي أنه تراكم قائم لإنجازات المؤمنين، وعندها يأتي الرغد.
والآن سأحاول الربط بين الآيتين: قال تعالى في آية سورة المائدة (الآية الثانية): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ، نلحظ أن في الآية الثانية قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. فهل يعني هذا الجزء الأخير من الآية أن من أقاموا التوراة والإنجيل فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ليسوا بالضرورة جميعاً صالحين؟ فالآية تخبرنا بأن كثيراً منهم ساء ما يعملون ألا يتناقض هذا مع الآية الأولى التي تنذر بضرورة نزول العذاب؟ وما علاقة هذا بالتمكين ؟ بالنسبة للتناقض، فلا تناقض كما سيأتي بإذن الله. أما بالنسبة للعلاقة بالتمكين: فهناك أمران مختلفان والله أعلم : الأول هو المعتقدات والقيم والثاني هو حركيات أو آليات التمكين. كيف؟ انظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فبرغم فساد عقيدة الناس فيها، إلا أن حركيات مجتمعهم مقارنة بالمجتمعات الأخرى تسهل للأفراد الحركة للمزيد من الإنتاجية. وقد تحدثنا عن هذا في «العقل والتمكين»، وقلنا أن الحداثة بعقلانيتها ليست هي المسؤولة عن التقدم التقني الذي عليه الغرب الآن، بل التمكين للأفراد، وقلنا أيضاً في الفصل السابق أن السبيل الأول في طبيعة القرار والذي تميز بالاندفاع في القرارات تجاه الإنسان والأعيان هو المسؤول عن التقدم التقني برغم أن هذا السبيل سيؤدي للتلوث البيئي والانحلال الخلقي. أما ما يدفع إليه الإسلام فهو السبيل الثالث الذي يوجد مجتمعاً مندفعاً تجاه الأعيان ومحافظاً تجاه الإنسان ما سيؤدي للمزيد من التمكين كما رأينا في هذا الفصل من وضع مفاتيح التمكين في أيدي الناس (وسنأتي على مفاتيح أخرى بإذنه تعالى) ودون أن يؤدي ذلك للتلوث البيئي والانحلال الخلقي (كما سأثبت بإذنه تعالى). أي أن الآية تقول لنا أن أي مجتمع حتى وإن كان فاسقاً (أي أن كثيراً منهم ساء ما يحكمون) إلا إنه إن حكم بما أنزل الله في فتح أبواب التمكين فسيغزر إنتاجه وسيتمكن كما قال تعالى في سورة الإسراء : ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. وأن هذا التمكين لم يأت إلا بإقامة التوراة والإنجيل في السابق ولن يأتي الآن إلا بإقامة القرآن الكريم بعد نزول الوحي. فكيف يقام القرآن الكريم؟ يقام القرآن الكريم عندما يصبح حاكماً، أي عندما تقص الحقوق كما أمر سبحانه وتعالى وكما أمر رسوله صلوات ربي وسلامه عليه. قال تعالى: ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ . فقص الحقوق كما أتت بها الشريعة ستؤدي لإطلاق الأفراد للتفاعل مع خيرات الأرض فتظهر المنتوجات والمصنوعات فيكون الازدهار الاقتصادي فتسمو الأخلاق وتنتشر الفضيلة لانعدام استعباد الناس بعضهم لبعض، وهذه حركيات. وهذا هو لب موضوع هذا الكتاب. أي أن إقامة الشريعة التي تؤدي إلى إطلاق الأفراد ستزيد من المنتجات الإنسانية من شتى أنواع المصنوعات والتي ليست بالضرورة مقصورة على هطول الأمطار وخصوبة التربة. بالطبع، فإن الأمطار وخصوبة التربة تعني أيضاً ﴿بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن ليس بالضرورة،
.


۲۰۰ 🗏
فالمصنوعات الناتجة من تطبيق الشريعة التي تطلق أيدي الناس ستجعل الناس في شتى المجتمعات يأكلون ﴿من فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾، حتى وإن لم يكونوا شديدي التدين إلا أن زيادة دينهم بالنسبة لي ولك إن كنت من المسلمين زيادة في الخير والبركة. وهذا تمييز مهم بين القيم والحركيات أرجو أن تلتفت له. وهذا ما تحاول الآيات إيضاحه بجلاء إن نحن أمعنا التدبر لأضرب مثالاً :
لنقل بأن هناك مجتمعان، أحدهما مسلم والآخر غير مسلم، ففي الشريعة الإسلامية، يعتبر الطريق غير النافذ ملكاً لساكنيه من حوله كما سيأتي في «الأماكن» بإذنه تعالى). ولأنه ملكاً لهم فإن مسؤولية صيانته وتنظيفه على السكان وبالذات إن هم قرروا وضع باب على فم الطريق حتى لا يتمكن الغرباء من الدخول إليه. هذه الحركية، أي اعتبار الطريق غير النافذ ملكاً لساكنيه، ستوجد علاقات اجتماعية حميمة بين السكان برغم الخلافات التي قد تظهر في أول الأمر، لأن مسؤولية الصيانة على السكان، فإن لم يتحركوا فإنهم هم المتضررون أولاً وأخيراً. لذلك نجد أن مثل هذه الأماكن تسحب من حولها من السكان للمزيد من الألفة في أي مجتمع كان. فإن كان السكان من المسلمين، فقد يقيمون دروساً لتحفيظ القرآن بعد صلاة المغرب في طريقهم غير النافذ. أما إن لم يكونوا من المسلمين فقد يقيمون حفلات ماجنة في ذات الوقت مثلاً. لاحظ أن نفس الحركيات وتحت نفس الظروف تنتج أمكنة بنوعيات متشابهة عمرانياً،١٢٩ إلا أن النشاط اختلف من نشاط ورع للمسلم إلى نشاط ترفيهي لغير المسلم. لهذا قلت إن هناك أمران : المعتقدات وقيمها من جهة والحركيات وطريقة تنفيذها من جهة أخرى. فأرجو ملاحظة هذا التمييز، وفي هذا الكتاب فإن التركيز في جميع الفصول على الحركيات إلا فصل «البركة» الذي أدخلت فيه القيم. لذلك سيصعب على غير المسلم أن يدحض أفكار هذا الكتاب لأن الكتاب يتلافى الخوض في المعتقدات والقيم ويركز على الحركيات التي يصعب دحضها منها مثلاً إن تم سحب صلاحية الموافقة على استخراج المعادن من أيدي مسؤولي الدولة فسيكثر المستثمرون للمناجم، فهذه حركية حتمية . وهكذا باقي الحركيات النابعة من مقصوصة الحقوق. أي أن كتاب قص «الحق بالتركيز على الحركيات يحاول أن يقول للمسلمين: إن أنتم طبقتم الشريعة في مقصوصة الحقوق فإن العزة قادمة لا محالة لأنها سنة من سننه سبحانه وتعالى المبنية على ما جبل عليه
الخلق من غرائز.
وبرغم أن الأديان قد تختلف في تعاليمها كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، إلا أن جميع الأديان تتفق والله أعلم في أسس مقصوصة الحقوق، لماذا؟ لأن الخروج عن مقصوصة الحقوق يعني استعباد بعض البشر لبعضهم الآخر (كما سترى في باقي فصول هذا الكتاب بإذنه تعالى). وقد أتت جميع الأديان لتحرير البشر من عبادة الناس إلى عبادة الله الواحد القهار. كما أن الإسلام كدين خاتم أتي مهيمناً على جميع الأديان السماوية الأخرى كما دلت على ذلك الآية السابقة. لذلك فعلى غير المسلمين الإيمان والعمل به وهذا ما قاله ابن عباس وغيره كما مر بنا في التفسير السابق، وما قاله ابن تيمية رحمه الله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾، فإن إقامة
الكتاب العمل بما أمر الله به في الكتاب من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول [صلى الله عليه وسلم]».
۱۳۰


الخيرات
۲۰۱
إن قارنا تفسير الآيتين الأولى والثانية بالسابق نستنتج أن سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه هي تمكين المجتمعين المسلم وغير المسلم إن أخذ أي منهما بأسباب التمكين (أي الحركيات التي أتت بها الرسل حتى وإن لم يؤمن السكان بعقيدة أو قيم هذه الرسالات. فقد لا يؤمن مجتمع بتوحيد الله عز وجل، ولكنه إن حكم بمقصوصة الحقوق التي تطلق الأفراد فإنه سيتمكن كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. وفي هذا رد على الملحد المتحدي الذي يقول إن سكان قرية قاحلة في الصحراء وبها نفط تستطيع إحضار المستهلكات من كل مكان في العالم وتعيش في رغد حتى وإن كفرت بما أنزل الله. فنقول له: أجل هذا صحيح ولا يتعارض مع القرآن الكريم لأن القرآن الكريم يثبت هذا إلا أن هذه الأمة غير المؤمنة والتي تحكم بحركيات تقترب من مقصوصة الحقوق في إطلاق أيدي الناس للعطاء مع حفظ حقوقهم معرضة في أية لحظة لعذاب الله برغم رغدها المستمر لأجيال كما قال تعالى في آية سورة الأعراف: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ . وفي الوقت ذاته فإن كانت مؤمنة فبالإضافة للتمكين الناتج من حركيات الشريعة فإنه سبحانه وتعالى سيفتح عليهم بركات السماء من مطر وبركات الأرض من زروع ومعادن وأنعام أي أن المسألة نسبية، هكذا يتم الجمع بين الآيتين. وهكذا نفهم الآن أن البركات من السماء والأرض ليست بالضرورة المطر والثمار، ولكنها أيضاً تسخير جميع الموارد لمصنوعات يستمتع بها السكان من خلال العمل الممتع المبدع للسكان في ظل قيم إنسانية سامية لبشر يعبدون الخالق العظيم ، وهذا هو الإحياء للناس. لاحظ قوله تعالى في سورة ا النحل: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَالِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ . فالآية تخبرنا بأن الكتاب، أي القرآن الكريم، أنزل ليبين للناس ما اختلفوا فيه، وهذا يعني بالإضافة لمسائل العقيدة، فقه المعاملات، أي حقوق الآدميين، أي مقصوصة الحقوق. ثم تأتي الآية التي تليها لتضرب مثلاً بأنه سبحانه وتعالى أنزل من السماء ماء لإحياء الأرض بعد موتها. فإن تم ربطها بالآية التي قبلها في المعنى، فهي تعني أن إنزال الكتاب يعني إحياء الناس كما تم إحياء الأرض، وهذا لا يأتي إلا من خلال مقصوصة الحقوق والتي كلها حركيات. وهذا ما حاولت شرحه في الحديث عن قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ . أي أن جميع هذه الآيات تجتمع عند فكرة أن الإحياء للناس لن يكون إلا بمقصوصة الحقوق التي أتت بها الشريعة. وفي هذا الفصل رأينا كيف أن الشريعة أطلقت أيدي الناس لإحياء الأرض والمعادن والأماكن في الأسواق. ثم نأتي الآن على فصل آخر، وهو «الأراضي» لترى حكمة الشريعة في جذ جذور كل ما من شأنه أن يعطل أيدي عباد الله من الإنتاج، وهذا من الحركيات المهمة لإحياء الأمة.


🗏
۲۰۲