انتقل إلى المحتوى



تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.

الفصل السادس

دَوْلَة النَّاسِ

تحرر أم بيت مال ؟ ﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ..﴾
كما هو معلوم، فحتى تكون الدولة ذات كيان في المفهوم المعاصر ولتتمكن من القيام بمهامها لابد لها من مؤسسات ورجال ومنشآت، وهذه لا تكون إلا بالأموال. ولعلك لاحظت من الفصول السابقة أن الدولة إن طبقت الشريعة ستكون فقيرة مقارنة بالسكان. فقد بينت سابقاً أن الدولة لم تمتلك الأراضي كالناس إلا في حدود ضيقة. كما أن الدولة كما ذكرنا لن تتمكن من جذب السكان للعمل لديها (وسيأتي بيانه أكثر بإذن الله)، وبهذا تذهب جميع الأراضي للناس الذين سيستثمرونها، فيكون الناس بذلك أثرى من الدولة. وبينت في فصل «الخيرات» كيف أن المعادن في باطن الأرض وظاهرها من حق من بذل مجهوداً واحتازها، وبهذا ستقع خيرات الأمة في أيدي العاملين من الناس إن طبقت الشريعة. كما وضحت في الفصل السابق أن الزكاة لن تقع في يد الدولة إلا إن كانت عادلة، وأنها من حق ثمانية أصناف من الناس وليس الدولة. ولعلك هنا تسأل متعجباً: إن لم يكن للدولة أموال، فلن تكون هناك دولة بالمفهوم الحديث، فلن تستطيع الدولة القيام بمهامها لأنها لا تستطيع تسخير الناس للعمل لديها ! أي أني كنت في الفصول السابقة أحاول هدم مفهوم الدولة الحديثة من منظور الإسلام. وهذا الفصل هو أيضاً خطوة أخرى في هدم هذا المفهوم.
إن من يقرأ كتب السلف بتمعن سيفاجأ بأن بيت المال لم يوجد في عهده صلى الله عليه وسلم، بل ظهر بعد ذلك. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقسم كل ما يأتي إليه من مال في يومه ولا يدعه لغده. أي أن بيت مال المسلمين إن وجد كان خاوياً دائماً، فما الحكمة من هذا؟ هناك ثلاث حكم أساسية: الأولى هي أن مجرد وجود مال في الدولة سيجعل بيت المال مستهدفاً من ضعاف النفوس في المجتمع للوصول إليه، ومتى ما وصلوا إليه ازدادوا قوة وتسلطاً، ومن ثم سيحاولون زيادة دخل بيت المال ليزدادوا سطوة وترفاً. ولقد وضعت في الحاشية مثالين من العهد العباسي لتستشعر ما وقع فيه الحكام ومن يعملون معهم من تبديد لأموال الدولة، وهذه ظاهرة معروفة لا تحتاج لإثبات. وبهذا التمزيق لأموال المسلمين تضمحل إنتاجية المجتمع بالضرورة لأن زيادة دخل بيت مال الدولة لابد وأن يكون من أموال أو أراضي الناس، وبهذا تقل حركة الأفراد فيقل الإنتاج. ولعلك تقول متعجباً بأن جميع الحكام ليسوا كذلك. فأجيب: لقد أثبت لنا التاريخ انجذاب الأسوأ من الناس للحكم إلا فيما ندر. فقد أتى عمر بن عبد
۳۲۹


٣٣٠ 🗏
العزيز
بعد الخلف
الراشدين رحمهم الله، ثم انتظرت الأمة كثيراً حتى أتاها نور الدين زنكي ومن ثم صلاح الدين، وها هي ذي الأمة تنتظر صلاح الدين آخر لعدة قرون. كما أن هناك قادة أفذاذ مثل ألب أرسلان والظاهر بيبرس، إلا أن نسبة هؤلاء لمجموع حكام الأمة (١٤) (قرناً) نسبة تكاد لا تذكر أي أن النظام السياسي المطبق على أرض الواقع لمجموع الأمة المسلمة هو نظام عقيم لم يفرز ما تستحقه الأمة من سلاطين. فهل يعقل أن يضع لنا سبحانه وتعالى شريعة تؤدي لنظام سياسي اقتصادي يفرز سلاطين يستبدون بالأمة؟ كلا، لابد وأن نكون نحن المخطئون في الفهم ومن ثم التطبيق. فإن طبقت الشريعة لوصل للحكم قادة ربانيون. أما الحكمة الثانية من جعل بيت المال خاويا فهي أن أي مال أريد له الاستثمار لابد له وأن يتحرك. ومتى ما وجد خاملاً، حتى وإن كان في بيت مال، فسيؤدي إلى تعطيل الإنتاج لجمود المال، فكانت حكمة الشريعة بعدم حبس المال في أي مكان حتى وإن كان بيت مال المسلمين. ولكن لا تظن أخي أنه لا دولة في الإسلام، بل الأمة كلها دولة كما سيأتي بإذن الله. والحكمة الثالثة ما يجب شرحه قبل الاستمرار في هذا الفصل. وهناك حكم أخرى سنأتي عليها بإذن الله.
«التشابك»، وهو

التشابك

إن من طبيعة الحياة المعاصرة شبك الناس بعضهم ببعض . وقد يكون هذا التشابك في الأعيان كاشتراك آلاف الأفراد في ملكية شركة واحدة من خلال الأسهم، أو تشابكهم في الأماكن كتداخل المسؤولين عن الشارع. فإن درست أي شارع مثلاً من حيث إنشائه وصيانته لوجدت أن القائمين عليه أناس كثيرون متداخلون في علاقاتهم ومسؤولياتهم وينتمون لمؤسسات كثيرة كالبلديات والماء والكهرباء. ويتشابك الناس في المؤسسات كالتعليمية مثل المدرسين والإداريين في الجامعات وللتوضيح أقول: لقد تحدثنا في المقدمة عن سهولة الحياة المعاصرة وتعقيد علاقاتها. فمن أين أتى هذا التعقيد ؟ للتوضيح لنضرب مثالاً واحداً: لنقل بأن هناك حاجة لبناء مدرسة ما، فكما هو معلوم فإن أول قرار هو رصد المال لبناء المدرسة، ثم اختيار الموقع بما يلائم الميزانية المرصودة، أو رصد ميزانية تلائم الوضع ثم عمل التصاميم المناسبة، وبعد ذلك اختيار المقاول المنفذ ومراقبة التنفيذ ثم تجهيز المدرسة واختيار الأساتذة وما إلى ذلك. وفي كل مرحلة لابد وأن يشتبك المسؤولون بعضهم ببعض ما يؤدي لإيجاد علاقات تربط الناس بعضهم ببعض بطريقة سلطوية هرمية في الغالب. فعند وضع الميزانية مثلاً نجد أن هناك من يحاول خفضها، وأن هناك من يحاول رفعها لاختلاف المصالح أو اختلاف وجهات النظر، فالذي يريد رفعها قد يعتقد أن التعليم بإنشاء مدارس شاملة بكل أنواع المعامل هو أقصر وسيلة لتمكين المجتمع، ومن يريد خفضها يرى أن إنشاء مدرسة متواضعة مع بذل الفارق المالي في إيجاد مدارس أخرى متواضعة هو طريق أسرع للتنمية، وهكذا. إلا أن من يتخذ القرار هو في النهاية جماعة أو فرد واحد مسؤول يقع تحته أفراد يعملون له ومن فوقه أفراد هو مأمور بإطاعتهم. وعند اختيار الموقع تتشابك المصالح مرة أخرى لتزداد حدة تشابك العلاقات وتتعقد، فمنهم من يريد بناء المدرسة هنا ومنهم من يريدها هناك، ومن ثم تتكون اللجان وتوضع الدراسات والتحاليل لتبرير القرار الذي قد يذهب شرقاً أو غرباً تبعاً لأهواء أفراد اللجنة أو ما يروا فيه المصلحة. ومن ثم قد توصي هذه اللجنة أن قرارات واضعي الميزانية غير ملائمة، ثم تأتي التصاميم لينتقد المصممون قرار اختيار الموقع وهكذا. ففي كل مرحلة تتخذ القرارات في إطار القرارات التي سبقتها، وهكذا يتشابك الأفراد ويتداخلون في اتخاذ القرارات بطريقة تؤدي


٦ دولة الناس
مع
۳۳۱
لتسلط بعضهم على بعض، وكل بناء أو مكان أو استثمار تنظر إليه من حولك تجده يشبك الناس. فالشارع توجد تحت أرضه أنابيب المياه والمجاري وأسلاك الكهرباء، وكل واحدة من هذه المرافق لها دائرتها التنفيذية التي ترتبط الدوائر الأخرى وتنسق معها حتى لا تعتدي دائرة على أعيان الأخرى. هذا بالنسبة للعمران. أما بالنسبة للمجتمع فالتشابك أعظم، فهناك مؤسسات التعليم والصحة والدفاع والأمن والقضاء. لنأخذ وضع المناهج الدراسية في التعليم مثلاً، فكل مادة دراسية لا توضع إلا بموافقات من أطراف شتى. فهناك من يضع المنهج، وهناك من يراجعه ويثني عليه أو ينقده، وهناك من يوافق عليه، وهناك من يأمر بتدريسه، ثم تأتي طباعة الكتب وإخراجها، وبهذا تتشابك المجتمعات في كل شيء لتتعقد العلاقات وتتجلى للناس في شكل هرمي سلطوي. ولعل أوضح تشابك هو التركيبة السياسية في المجتمع والتي تفرز أشخاصاً يخضعون لآخرين، وهكذا. ولهذه التشابكات ثمن نفسي وهدر بيروقراطي يدفعه المجتمع كما سنوضح لاحقاً بإذن الله . ولكن على العموم، كلما زادت مركزية اتخاذ القرار في المجتمع كلما زاد التشابك بين الناس وتعقدت علاقاتهم وتسلط بعضهم على بعض. فالمجتمع الاشتراكي أكثر تشابكاً بين أفراده من المجتمع الرأسمالي، فمرفق النقل الجوي مثلاً في دولة اشتراكية يقع تحت مظلة الدولة، أي تحت أيدي أفراد أكثر منه في دولة رأسمالية تقوم فيه شركة خاصة بمهمة النقل الجوي، وهكذا. لذلك بدأت الدول الرأسمالية، بالإضافة لعوامل أخرى، للتوجه إلى ما يسمى بالـ «خصخصة» لتخفيف حدة التشابكات التي تنتج بيروقراطية ورقية دونما إنتاج فعلي. إلا أن ما تفرزه مقصوصة الحقوق في الإسلام نظام أسمى كما سيأتي بإذن الله. ولقد اخترت كلمة «تشابك» لأنها في الغالب تعبير لغوي سلبي عن الخلط والتداخل. فالعلاقات بين الأفراد قد تكون إيجابية أحياناً بأن يصل الإنسان جاره أو قريبه أو يشترك اثنان في صناعة شيء ما كما سأوضح بإذن الله. أما التشابك فسيؤدي للتعقيدات التي يُستحب للمجتمعات الاستغناء عنها. والتشابك يعني أيضاً التربص بالآخرين، فالشبكة هي المصيدة في الماء، إذ أن الصائد يتربص بفريسته بشبكها في الشبكة. وهكذا التشابك، أفراد قد يتربصون ببعضهم البعض. لذلك اخترت كلمة «تشابك» لأنها تعبير يفي بمعنى الاختلاط المؤدي للإنتاج أو للالتباس الذي يفرز الضغينة وهدر الوقت والمال والمجهود من جهة، وتربص الناس بعضهم ببعض من جهة أخرى، وهو تعبير نحتاجه لتشابك معظم أمور حركة الحياة في وضعنا المعاصر.
ب
ولعل السؤال هو: هل التشابك ضرورة؟ وهل هو في مصلحة المجتمع؟ والإجابة: لا، كما سيأتي بإذن الله. فبإمكانك التفكير في مجتمع يبني مدارسه عن طريق المستثمرين»، أو أن يجتمع سكان حي ما لبناء مدرسة لهم بأموالهم ومجهوداتهم دون مؤسسات حكومية وذلك بجمع التبرعات وتوكيل رجل مشهود له بالصلاح والخبرة لإتمام المهمة، وهكذا. وأرجو ألا يعتقد القارئ بأنني أرمي إلى حياة بدائية في قرى لبناء الكتاتيب. لا، فالمسألة هي نظام مجتمعي. فجامعة هارفارد المعروفة هي جامعة خاصة وليست مرتبطة بمؤسسة حكومية تفرض عليها القوانين

*** هامش ***

ب) ففي لسان العرب: «والشبك: الخلط والتداخل، ومنه تشبيك ذكر الفتن فشبك بين أصابعه وقال: اختلفوا فكانوا هكذا). ابن الأصابع. وفي الحديث: إذا مضى أحدكم إلى الصلاة فلا يشبكن بين سیده: شبك الشيء يشبكه شبكاً، فاشتبك وشبكه، فتشبك أنشب أصابعه فإنه في صلاة، وهو إدخال الأصابع بعضها في بعض ؛ قيل : كره بعضه في بعض وأدخله. وتشبكت الأمور وتشابكت واشتبكت: ذلك ... وقيل التشبيك والاحتباء مما يجلب النوم فنهى عن التعرض لما التبست و اختلطت» (۲) ينقض الطهارة، وتأوله بعضهم أن تشبيك اليد كناية عن م ملابسة جـ) يقول ابن منظور : والشباك القناص الذين يجلبون الشباك وهي الخصومات والخوض فيها، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم حين المصائد للصيد» (۲).


۳۳۲ 🗏
منهم .
انطلاقاً.
كوزارات التعليم مثلاً، بل هي جامعة مستقلة، فتشابكها المفروض عليها مع المجتمع أقل، لذلك فهي أكثر وكذلك جامعة أكسفورد بإنجلترا والتي هي تجمع لعدة كليات مستقلة مالياً وإدارياً. وفي عالمنا الإسلامي إن نظرت إلى مؤسسات العمل الخيري، كهيئات الإغاثة الإسلامية، تجد أنها مؤسسات أكثر عطاءً لأنها لا ترتبط بالدولة برغم أنها تقف على أكتاف أفراد متطوعين. ففي مجتمع إسلامي إن تم تمكين الناس كما تحاول الشريعة، وزادت نسبة الملاك، لكان بناء مدرسة على نفقة السكان أمراً ميسوراً جداً لثراء السكان. وأرجو ألا تعتقد أنني أرى في المثال الغربي للجامعات الخاصة نموذجاً يحتذى به. فكما سترى بإذن الله فإن المجتمع الإسلامي إن طبقت الشريعة سيكون مختلفاً في مؤسساته عن العالم الغربي اختلافاً جذرياً. كما أن هذا المال الذي تصرفه الدول لبناء المدارس، أليس من أموال الأمة التي كان من المفترض بها أن تكون في أيدي الناس؟ وسنوضحه أكثر بإذن الله. ولكن لغرض الاستمرار في هذا الفصل أقول: إن أهم مسبب للتشابك هو اقتناع معظم أفراد المجتمع الحالي، وبالذات المتخصصين بأن من حق الدولة الحصول على المال الذي ستنفقه لتنظيم المجتمع. فتتجمع الأموال لدى الدولة لتنفقها على المؤسسات والمشروعات تحت مظلة التنظيم والتنمية وما إلى هنالك من شعارات حداثية، وبهذا يتشابك الناس سلباً. لذلك، ولإلغاء التشابك السلبي لابد للثروات من أن تبقى في أيدي الناس ولا تذهب للدولة، لأنها إن ذهبت للدولة لابد من إنفاقها على المؤسسات والمشروعات، وعندها لابد من التشابك بين أفراد المجتمع والدولة والذي لن يستمر في أدائه إلا من خلال تركيب سلطوي هرمي بين أفراده أي الاستعباد، وهذا هو عين المرض كما سيأتي بإذن الله. وقد تسأل: هل يريد لنا هذا المؤلف أن نعيش دون دولة في تخلف ؟ فأقول : لا ، وأرجو أن تنتظر، فالحياة بتحجيم مسؤوليات الدولة لا تعني التخلف، كما أن الإسلام يوجد دولة، ولكن ليس بمفهومها المعاصر. فقد انقسم الباحثون إلى فسطاطين، أحدهما رأى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان داعياً أكثر من كونه رجل دولة، فأبرزوا جانب الدعوة من حياته رامين بذلك إلى أنه لم يؤسس دولة ولا حكماً، وأن من قام بذلك خلفاؤه من بعده، ويقع في هذا الفسطاط علي عبد الرازق وطه حسين مثلاً. وبهذا، فإن من في هذا الفسطاط يُخضعون شؤون الحياة ومستجداتها لعقولهم، وبالتالي لا يعارضون ظهور الدولة بمفهومها المعاصر، فلا مفر عندها من التشابك بين الناس. أي أن الأمة ستخرج عن مقصوصة الحقوق في تشريعاتها كما ذكرت في فصل «قصور العقل»، وهذا كفر بواح. والفسطاط الآخر، ويقطنه معظم الباحثين المعاصرين ويذهبون إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث داعياً فقط، ولكنه بالإضافة للدعوة فقد وضع الأسس اللازمة لظهور أمة ذات سيادة بدولة. ولإثبات ذلك، جمعوا الأدلة لدحض من قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان داعياً فقط. ومن ثم أتى دور فهم هذه الأدلة، ولأنه لا وجود أمامهم لنموذج للدولة غير النموذج الغربي، فقد توجه الفهم إلى استنباط نموذج يشبه النموذج الغربي إلا أنه مؤسلم، فكانت الاجتهادات باستحداث تشريعات تنبثق من الإسلام ولكنها بتراكماتها تخرج الأمة عن مقصوصة الحقوق، كدعوى منع الناس من استخراج المعادن خوفاً على ثروات الأمة. وبتراكم هذه التنظيمات أتت الحاجة للتنفيذ، فكثر المسؤولون لدى الدولة، وظهرت الطبقات السياسية الاجتماعية، وأتى استعباد الطبقات بعضها لبعض فصارت الأمة، وبرغم عقيدتها الإسلامية في عباداتها، إلا أنها أمة وكأنها غربية في حقوقها. وكما سترى بإذن الله، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أوجد أمة بدولة ذات ملامح واضحة بحيث يصعب على الفرد أن تكون له الخيرة من أمره، وإنما عليه السير في صراط مستقيم مرسوم من الحقوق، وأن هذه الأمة إن سلكت الصراط ستختلف تماماً عما نراه الآن في كل من شعوب القوميات الإسلامية والحضارات الغربية.


٦ دولة الناس
۳۳۳
ولكنك قد تقول: إن العالم الغربي متقدم تقنياً وذا إنتاج مادي غزير في ظل مجتمع متشابك في علاقاته
وهرمي في سلطاته، وهذا دليل على أن التشابك سيؤدي للنمو ! فأقول: لا. إن ما يعيشونه من رغد مادي ما هو إلا بسبب تطور وسائل الإنتاج الناتج من التراكم المعرفي لمئات السنين، وهذه ستنمو أكثر في ظل مقصوصة الحقوق إن طبقت الشريعة ودون تلويث بيئي كما سترى بإذن الله. فمن المنطقي أن يكون هدف أي أمة العيش برغد وسعادة وعزة ولكن دون تلوث بيئي أو فساد أخلاقي. وما وصل إليه الغرب من ترف وقوة كان، وسيبقى، على حساب التلوث البيئي. ولأن الشريعة لم تطبق، فأنت ترى البديل الأسوأ لعدم وجود ما ينافسه، أو كما يقال باللهجة العامية: «الأعور بين العمي مفتح». أما عندما تحكم الشريعة وببقاء بيت المال خاوياً بتطبيق مقصوصة الحقوق فإن الأمة ستكون أكثر انطلاقاً لأن الثروات أضحت بأيدي الناس الذين سيتنافسون ويثابرون دونما تقييد من السلطات ولكن دون الإضرار بالبيئة وبأنفسهم لأنهم يخضعون لمقصوصة الحقوق وسيأتي بيانه بإذن الله). لذلك، ولهذه الحكم الثلاثة كان لابد وأن يبقى بيت المال خاوياً دائماً. وهذا هو لب موضوع هذا الفصل.

بيت المال

لقد وجد اعتقاد بأن بيت مال المسلمين هو مبنى محصن تحفظ فيه الأموال العامة التي لا يختص بها فرد وأن للسلطان التصرف بها. وكما هو معلوم، فقد ظهر علم فقهي عن بيت المال مختص في دراسة جمع وحفظ وإنفاق أموال المسلمين العامة. وبمرور الوقت وبزيادة حجم هذا المال أصبح له مكاناً يحفظ فيه ويدخر لحين إنفاقه، وقد يكون هذا المكان بوسط المسجد أو في قصر الحكم أو في بيت الخليفة أو مبنى مستقلاً في ذاته. ثم مع ظهور الدولة الحديثة تقبل المفكرون وبعض الفقهاء انتقال مفهوم بيت المال في الإسلام إلى مفهوم وزارة المالية بصورتها الحديثة فوضعت الدراسات والضوابط والشروط التي تبحث في إيرادات الدولة ومصروفاتها وما يترتب عليها من مهام لإعداد الميزانية العامة للدولة. وهنا كانت الزلة بأن تقبل معظم المفكرين والفقهاء هذه المؤسسات المالية وكأنها نابعة من الشريعة الإسلامية. فما صحة هذا؟
كما هو معلوم، فإن التركيبة الديمقراطية الغربية للدول المعاصرة انبثقت أصلاً من الإغريق الذين تأثر بهم الروم من بعدهم. ونظام الدولة الرومانية لم يكن خافياً على الرسول صلى الله عليه وسلم، فكما هو معلوم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عاش في عهد كان الروم فيه قد تعدوا قمة مجدهم، فقد شيدوا المدن التي بها الساحات والمحاكم والمسارح والملاعب والتي لابد وأن مر بها الرسول صلى الله عليه وسلم مثل تلك التي بجرش ودمشق أثناء

*** هامش ***

د) قلنا في الفصل السابق أن بعض الفقهاء قسموا الأموال ثلاثة أقسام: والقسم الثاني الغنيمة، وهو ما أخذ بالقهر والقتال من الكفار. والقسم الصدقة، أي الزكاة، والفيء، وهو ما اجتبي من أموال أهل الذمة، الثالث الصدقة، وهي الزكاة، وقلنا أن الفرق بين التقسيمين هو أن والخمس: وهو خمس غنائم أهل الحرب والركاز العادي وما يكون من الأول يضع الخمس في قسم لوحده، كخمس الغنيمة وخمس الركاز غوص أو معدن. وقلنا أن هناك تقسيم آخر، وهو أيضاً ثلاثة أقسام معا؛ أما التقسيم الثاني فيضع الغنيمة في قسم لوحده. ولقد شرحنا فيء ومغنم وصدقة، قسمان يؤخذان من المشركين، أحدهما الفيء الصدقة، وبقي لنا شرح الغنيمة ثم الفيء ومصرفهما، وأخيراً سأوضح وهو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، والجزية الخمس شاملا الركاز لأن الفقهاء تعاملوا مع مصرف خمس الغنيمة وعشر أموال أهل دار الحرب إذا دخلوا تجاراً، ونصف عشر تجارات والركاز معاً. أي أنني سأحاول الجمع بين التقسيمين. أهل الذمة، وخراج الأرضين ومال من مات من المشركين ولا وارث له.


٣٣٤
قد
و 🗏
تجارته قبل أن يبعث، أو أنه على الأقل قد سمع عنها، فهذه المدن لم تكن خافية على أحد، وبالذات عنه صلوات ربي وسلامه عليه إذ أن القرآن الكريم أنزل عليه وحكى له قصص الأمم السابقة التي تكبرت ومن ثم عذبت مثل الفراعنة وعاد وثمود، ففرعون مثلاً بنى المدن والأهرامات بجمع أموال الضعفاء. أي أن فكرة إقامة دولة ذات نفقات تجمع من الضرائب كان أمراً معروفاً، فصلوات ربي وسلامه عليه لابد وأن شاهد أو سمع قبل بعثته عن جنود الروم وزيهم الموحد ودروعهم ورماحهم المصنوعة بأيدي صناع مهرة تحت إدارة الدولة والأهم من هذا فهو سمع عن أصحاب المكس وحذرنا منهم. ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة صاحب مكس ، يعني العشار. والمكس هو «ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن وجمعه مكوس والماكس والمكاس من يأخذ المكس ويقال له أيضاً صاحب المكس». ولابد وأنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يعلم أن هذه الأموال التي كانت تؤخذ كانت قوة للسلاطين يتصرفون بها في تسيير أمور الدولة من إنشاء مدن وتجهيز جيوش وبناء جسور وتعبيد طرق. أي أن مفهوم الدولة كان معلوماً له وأنه لابد وأن تعرف على هذا المفهوم أثناء رحلاته التجارية قبل أن يبعث لاسيما أنه ارتحل إلى الشام في التجارة)، أو أنه أخبر به بعد أن بعث أو حتى بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة. لذلك يكون السؤال:
لماذا لم يحاول الرسول صلى الله عليه وسلم تقليد الروم أو الفرس بإيجاد دولة مسلمة بوضع الضرائب على الناس وجمع الأموال لبناء المدن وتجهيز الجيوش ونحوهما من متطلبات الدولة؟ والإجابة باختصار: لأنه كان يتبع ما يوحى إليه. وهذا من أكبر الشواهد على أنه رسول لأنه إن لم يوح إليه لكان من المنطق أن يتبع نفس النهج الذي سار عليه الروم أو الفرس في إنشاء دولة ولكن بطريقة مختلفة بعض الشيء لتلائم العرب. فبرغم أن دولة الروم كانت أكثر ديمقراطية من دولة الفرس، إلا أنه صلوات ربي وسلامه عليه اتبع شيئاً آخر تماماً ولم يقترح إنشاء دولة أكثر ديمقراطية من دولة الروم مثلاً . وللتوضيح سأختار مثالين ماليين لهذا الفصل هما: أولاً الغنائم: فبدل إنشاء جيش متخصص للحرب كما كان الروم والفرس يفعلون، أي بدل وجود جيش له مخصصات مالية شهرية ولا عمل لأفراده إلا القتال، فقد رفع صلوات ربي وسلامه عليه راية الجهاد لمن أراد الأجر ثم تأتي الغنائم، أي تنعدم الحاجة لنفقات الدولة على الجند، فلا يتطلب هذا كنز المال في بيت المال لإنفاقه على الدفاع عن المسلمين. وثانياً: حركة المال: فبدل تكديس الأموال في بيت المال، كان المال يُنفق بسرعة على الناس. فكان بيت المال خاوياً دائماً، هذا إن وجد في عهده صلوات ربي وسلامه عليه. فكما رأينا في الفصل السابق، فبدل جبي الأموال للدولة من الناس لنفقات الدولة كانت الزكاة تذهب إلى الأصناف الثمانية من الناس، وكذلك كان كل من الفيء والخمس يذهبان لأصناف أخرى محددة من الناس كما سيأتي بإذن الله. أي أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يفكر قط في إنشاء دولة تقسم الناس إلى قسمين: حاكم ومحكوم، أي لم يفكر قط في إيجاد دولة مشابهة لما كان عليه الروم والفرس آنذاك، أو مشابهة لما كان قبل الإسلام مثل دولة الفراعنة، بل أوجد «دولة للناس» بمفهوم مختلف وتركيبة مختلفة تماماً، أهم محاورها الاقتصادية الآتي: إن كل ما يأتي من مال كان ينفق مباشرة على فئات محددة من الناس، وكل ما تحتاجه الأمة من نفقات يأتي من حث الناس على التبرع، وهذه حركية فذة تنهض بالأمة بأكملها كما سيأتي بإذن الله. إلا أن مطلقاً أن الحاكم لا سلطة له لأنه لا مال في بيت المال، بل على العكس، سيزداد ولاء الناس للحاكم
هذا لا يعني وستكون له سلطات محددة ولكن في أطر مختلفة عما أوجدته دولنا المعاصرة كما سترى في فصول قادمة بإذن الله.
ومن


٦ دولة الناس
۳۳۵

أولاً: الغنائم

إن من الملفت للنظر أن ما أخذه الجند في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو بعد النصر، أما في أيامنا هذه فهو قبل المعركة سواء انتصر الجند أم انهزموا وذلك على شكل أموال شهرية محددة (رزقة أو مرتب شهري أو مهية)، وهذه الأموال هي عبء مالي على الدولة في مجموعها، ففي أي الحالين نتوقع من المجاهد أو الجندي المثابرة والحرص على النصر ؟ قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ....﴾ وكما مر بنا في فصل «الأراضي»، وبرغم الخلاف في قسمة الأراضي المفتوحة عنوة، فإن الأولى هو قسمة أربعة أخماسها بين الغانمين؛ أما بالنسبة للمنقولات، فهناك إجماع من هذه الآية ومن فعله صلوات ربي وسلامه عليه ومن سير الغزوات على أن كل مال غنمه المسلمون ذهب مباشرة لمن شارك في الجهاد إلا الخمس بنص الآية. فقد كانت الأربعة أخماس من نصيب المجاهدين. فقد جاء في فتح الباري في شرح باب قوله تعالى: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ، أن الفقهاء اتفقوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان «يعطي الغنيمة للغانمين بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده، فلما فرض الخمس تبين للغانمين أربعة أخماس الغنيمة لا يشاركهم فيها أحد، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بنسبة الخمس إليه إشارة إلى أنه ليس للغانمين فيه حق ...».. وفي صحيح البخاري في نفس الباب أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون، وهنا إشارة إلى أن الأمة ستبقى ظاهرة طالما جاهدت وقسمت الغنائم بين الغانمين، وإن لم تفعل فلا مفر من المذلة. وهذه العبارة الأخيرة هي ما سأوحاول توضيحها في الصفحات الآتية:
جاء في سنن أبي داود والبيهقي ومسند الإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر وتبايعتم بالعينة وتركتم الجهاد في سبيل الله ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم ثم لا تنزع منكم حتى ترجعون إلى ما كنتم عليه وتتوبون إلى الله. وجاء في فيض القدير: «وأخذتم أذناب البقر كناية عن الاشتغال عن الجهاد بالحرث، ورضيتم بالزرع: أي بكونه همتكم ونهمتكم، وتركتم الجهاد أي غزو أعداء الرحمن ومصارعة الهوى والشيطان، سلط الله : أي أرسل بقهره وقوته عليكم ذلاً، بضم الذال المعجمة وكسرها، ضعفاً استهانة، لا ينزعه: لا يزيله ويكشفه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم، أي الاشتغال بأمور دينكم. وأظهر ذلك في هذا القالب البديع لمزيد الزجر والتقريع حيث جعل ذلك بمنزلة الردة والخروج عن الدين». وأخرج الطبراني عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب. وكما هو معلوم
.

*** هامش ***

هـ) وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله يعني أنه إن تركت الأمة الجهاد وتفرغت لمكاسب الحياة فسيأتي الذل. عليه وسلم يقول: (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وابتغوا أذناب وما يؤدي إليه حث الشريعة للجهاد هو إيجاد أمة تنقلب من أمة البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله وتبايعوا بالعين أنزل الله عليهم البلاء مدنية وقت السلم إلى أمة تنخرط في الجهاد بكامل طاقاتها وقت فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم ) . وهنا لابد من التوضيح الآتي: إن الحاجة. فتأمل في الأثر الآتي الحث على الجهاد وتقـديـمـه حتـى على الحث على الجهاد لا يعني ترك كل مسائل الحياة كما قد يفهم من هم هذا العبادة كالطواف بمكة. فقد جاء في الإصابة في تمييز الصحابة: الحديث والحديث الذي بالمتن بأن العمل في الزراعة مثلاً لابد وأن «وأخرج الطبري من طريق يحيى بن أيوب المصري عن الوليد بن أبي يؤدي لأمة ذليلة. فكما هو معلوم فإن في العمل المدني كالزراعة الوليد قال : كنت بمكة وعليها عثمان بن عبد الرحمن بن سراقة وهو والصناعة قوة لاقتصاد الأمة. بل نص الحديث من باب إبراز أهمية أمير فسمعته يخطبهم يقول: يا أهل مكة إنكم أقبلتم على عمارة البيت الجهاد وعلو منزلته حتى لا تتنازل عنه الأمة. وكما سترى فإن الحديث بالطواف وتركتم الجهاد في سبيل الله ولا أعنتم المجاهدين، فإني

*** هامش ***


٣٣٦ 🗏
لكل دارس للشريعة فإن مكانة الجهاد في الإسلام جد عالية، فهي ذروة سنام الإسلام، ولا حاجة لي هنا لإثبات حث الشريعة ودفعها للمسلمين للجهاد. فكل ما عليك فعله أخي القارئ هو إلقاء نظرة سريعة على سورتي التوبة والأنفال. ولضرب مثال واحد من سورة البقرة: ففي الدر المنثور في شرح قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، جمع السيوطي أكثر من ثلاثين حديثاً مختلفاً تقنع كل شاك مرتاب أن الجهاد هو سمة هذه الأمة إلى يوم القيامة ولا يمكن تعطيله. وأنه مفروض على جميع الطبقات دون استثناء، وليس كأيامنا هذه التي حصر فيها العمل المسلح على طبقة الجند الذين يعملون لحكام الدول مع سكوت العلماء على هذا الوضع الخارج عن الشريعة. فإن كانت هناك استثناءات من الجهاد فهي للمعذورين من جميع الطبقات، كمن يقوم على والديه، أو كالمريض ومن في حكمهما من المعذورين. حتى أن بعض فقهاء السلف رحمهم الله ذهبوا إلى أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَى﴾ في الآية السابقة تعني الوجوب. فمما جمعه السيوطي رحمه الله الآتي:
«وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد؛ فالقاعد إن استعين به أعان، وإن استغيث به أغاث وإن استغني عنه قعد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ قال نسختها هذه الآية: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وأخرجه ابن جرير موصولا عن عكرمة عن ابن عباس وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس قال: عسى من الله واجب. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: كل شيء في القرآن عسى، فإن عسى من الله واجب. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال: كل شيء من القرآن عسى فهو واجب إلا حرفين، حرف التحريم: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَقَكُنََّ﴾، وفي بني إسرائيل: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾»
6

*** هامش ***

سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من (ز) أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: «إن الله أمر أظل غازيا أظله الله، ومن جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمكة بالتوحيد وإقام الصلاة أجره)، الحديث. قال : فسألت عنه فقيل لي إنه ابن بنت عمر هذا وإيتاء الزكاة وأن يكفوا أيديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة حدیث حسن». فإن تم تقديم الجهاد حتى على عون الحجيج فإن نزلت سائر الفرائض وأذن لهم في القتال فنزلت: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ تقديمه على العمل الإنتاجي زراعياً كان أم صناعيا فهو من باب أولى ، يعني فرض عليكم وأذن لهم بـ بعد ما كان نهاهم عنه، وَهُوَ وسيأتي بيان العلة بإذنه تعالى في فصل «النور» (۱۰). القتال كُره لكم ، يعني ! ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا﴾مشقة لكم. وهو أخرج أحمد والبزار عن معاذ بن جبل أنه قال : يا نبي الله حدثني ، يعني الجهاد، قتال المشركين، ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ويجعل الله بعمل يدخلني الجنة؟ قال: (بخ بخ، لقد سألت العظيم، لقد سألت عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة. ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا﴾ يعني القعود لعظيم، لقد سألت لعظيم، وإنه ليسير على من أراد الله به الخير، تؤمن عن الجهاد. ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ فيجعل الله عاقبته شرا فلا تصيبوا ظفرا
بالله وباليوم الآخر، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتعبد الله وحده لا ولا غنيمة» (۱۲). تشرك به شيئا حتى تموت وأنت على ذلك، ثم قال: إن شئت يا معاذ حـ ومما ذكره السيوطي أيضاً: «وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن حدثتك برأس هذا الأمر وقوام هذا الأمر وذروة السنام). فقال جبير قال : . عسي على نحوين: أحدهما في أمر واجب قوله: ﴿فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ القصص الآية ٦٧ معاذ : بلى يا رسول الله. قال: إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا أَن وأما الآخر فهو أمر الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر ليس واجب كله، قال الله: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُم﴾ الصلاة والزكاة، وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله ، إنما أمرت ، ليس كل ما يكره المؤمن من شيء هو خير له، وليس كل ما أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويشهدوا أن لا إله أحب هو شر له، ... وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ما تقول في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على، أواجب الغزو على الناس من أجلها؟ قال: لا، كتب على أولئك حينئذ» (١٣).
الله) (۱۱).


٦ دولة الناس
۳۳۷
أخي القارئ: هل يمكننا القول أنه لا إسلام بلا جهاد؟ وسبب هذه المقولة هو ظهور آراء لبعض الفقهاء المعاصرين الذين تراخوا تحت ضغوط السلاطين الحاليين إلى الذهاب بأن الجهاد لم يعد سمة لهذه الأمة لتغير ظروف العلاقات الدولية المعاصرة، لا سيما في ظل العولمة وسيأتي دحض ما ذهبوا إليه بإذن الله). وكما سترى من خلال الآتي فإن الجهاد ماض إلى يوم القيامة سواءً كان جهاد دفع أو طلب، أو كان فرض عين أو كفاية. لأننا إن أثبتنا أن في الجهاد مصلحة لكافة البشر وللمسلمين فإنه لا معنى للقول بتعطيله لا سيما أن النصوص القرآنية ساطعة في هذا الخصوص. ولكن ما علاقة الجهاد ببيت المال؟ إن أثبتنا أن الدفاع عن الوطن (وهو أكبر عبء مالي على الدول المعاصرة ويستنزف ميزانياتها) هو مسؤولية ملقاة على الجميع ومن أموال الناس مباشرة، فلا معنى لإيجاد وزارة للدفاع لتستنزف أموال الأمة. كيف ؟ إن تدبرنا آيات وأحاديث الجهاد نجد أنها تدور حول عدة محاور لدفع الناس للجهاد قدر المستطاع لتعتز الأمة. وقد لاحظت منها ثمانية محاور والآيات والأحاديث الآتية أشهر من أن
تذكر. لذلك يمكنك وبالذات إن كنت من علماء الشريعة قفز الصفحات الخمس الآتية إلى المحور الثامن):
المحور الأول هو التهديد بالوعيد الشديد لمن تقاعس عن الجهاد كما في قوله تعال: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وكما ترى فإن الآية لا تخاطب طبقة أو جماعة محددة، بل تخاطب جميع المسلمين دونما استثناء. وكذا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُنجيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. حتى تلك الطبقة التي تفرغت لخدمة الحجيج والمعتمرين بمكة المكرمة معتقدة أنها الأفضل أتاها التبيان لمنزلة الجهاد وأنه الأعلى كما في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ﴾ . ومن السنة من باب الوعيد لمن لم يجاهد أو حتى لم يحدث نفسه بالجهاد ما أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق. وكما هو معلوم فإن النفاق سمة تؤدي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار. وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لقي الله بغير أثر من جهاد لقيه وفيه ثلمة، والثلمة تعد انتقاصاً من الشيء. * حتى أنه صلوات ربي وسلامه

*** هامش ***

ط
١٤
ط) هذا في الآخرة، أما في الدنيا فقد تم التشنيع على المنافقين وتبيان فقد خبى نوره. وكما سنوضح بإذن الله، فإن من سمات المجتمع المسلم صفاتهم لدرجة أنه صلوات ربي وسلامه عليه أمر بعدم الصلاة عليهم متى ما طبقت مقصوصة الحقوق بروز ظاهرة النفاق كمحدد مهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُم عَلَىٰ قَبْرِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُونَ﴾للتمييز بين الناس وفي هذا مزيد للإنتاجية (١٥). . والنفاق ) جاء في مختار الصحاح : ظاهرة مهمة ستلازم المجتمع المسلم متى ما طبقت مقصوصة الثُّلْمَة الخلل في الحائط وغيره، وقد ثَلَمَهُ من باب ضرب فانْتَلَمَ وتَتَلَّم، الحقوق. فأنت لا ترى أو حتى تسمع عن المنافقين في أيامنا هذه وتلمه أيضا مشدداً للكثرة ، وفي السيف ثَلْم وفي الإناء ثلم إذا انكسر كمسألة يتناقش حولها الناس لأن النفاق لم يعد الظاهرة التي تميز بين من شفه شيء ...». وجاء في لسان العرب: «وثلم في ماله ثلمة إذا
وه
الناس، بل التمييز بناءً على التفوق الإنتاجي ( كلاعب رياضي) أو ذهب منه شيء، والأثلم التراب والحجارة» (١٦).
الاحتياز المالي (رجل ثري) أو منصب سياسي. أما التفاوت الديني


۳۳۸ 🗏
الله،
عليه لم يبايع رجلاً تردد في قبول الجهاد كشرط للبيعة: فقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن الخصاصية قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإسلام، فاشترط علي: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الخمس وتصوم رمضان وتؤدي الزكاة وتحج وتجاهد في سبيل الله . قلت: يا رسول الله، أما اثنتان فلا أطيقهما، أما الزكاة فمالي إلا عشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهم، وأما الجهاد فيزعمون أن من ولى فقد باء بغضب من فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها ثم قال: (لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخل الجنة). ثم قلت يا رسول الله أبايعك. فبايعني عليهن كلهن». فتأمل هذا الربط الشديد بين الجهاد وبين كون الإنسان مؤمنا. وهذا ما تستشفه من الآيات الآتية: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوا أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُم أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ﴾»، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتَرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنَكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ ۖ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ .
۱۸
۱۷
والمحور الثاني هو الوعود الكثيرة التي تسيل لعاب كل من تمنى الشهادة فللشهيد الحور العين والشفاعة لأهله والخروج من الدنيا دونما أدنى ألم . فقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة. وعن عبادة بن الصامت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن للشهيد عند الله عز وجل ست خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ویرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) . وجاء في سنن الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع يده في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن إمرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها. كما أن الشهيد لا يعد ميتاً ، بل حياً . عند الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ . وجاء في المستدرك على الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا). وجاء أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله تبارك وتعالى أنا أبلغهم عنكم وأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتا ﴾ ١٩ وبالإضافة لكل ما سبق من تكريم فإن الشهيد من خير الناس منزلة. فقد أخرج النسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس عام تبوك وهو مضيف


۳۳۹
٦ دولة الناس
.
ك
ألا
ظهره إلى نخلة، فقال: ألا أخبركم بخير الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله ولا يرعوي إلى شيء منه. وأخرج الطبراني عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الإسلام ثلاثة: سفلى وعليا وغرفة. فأما السفلى فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين، فلا تسأل أحد منهم إلا قال أنا مسلم. وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفضل من بعض. وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم). تحرك أخي القارئ هذه الوعود طاقات وغرائز القادرين على الجهاد طلباً للشهادة حتى وإن كانوا قلة؟ فإن خرج من كل ألف مسلم مجاهد واحد لخرج من مليار مسلم الآن ما يفوق مليون مجاهد والمسلمون يزدادون عدداً كل يوم. إلا أن هذا لن يحدث لإحكام الدول إغلاق أبواب الجهاد أمام المجاهدين. أدرك أخي القارئ أنك تسأل: ولكن كيف سيكون الجهاد في أيامنا هذه التي تستخدم فيها الطائرات والدبابات؟ سيأتي بيانه بإذنه تعالى.
والمحور الثالث هو
۲۱
الأجر العظيم لمن جاهد في سبيل الله حتى وإن لم يستشهد. فتأمل الأحاديث الآتية لترى عظم أجر المجاهد ( ناهيك عن الشهيد). فقد أخرج أحمد والبزار والطبراني عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المجهاد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع متى رجع). وأخرج مالك وعبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مثل المجاهد في سبيل الله، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله، كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد، وتكفل الله للمجاهد في سبيله أن يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرجعه سالماً بما نال من أجر وغنيمة). «وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: علمني عملا يعدل الجهاد، قال: (لا أجده حتى تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجداً فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر). قال: لا أستطيع ذاك. قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات».٢٢ والمتأمل للأحاديث التي تحض على الجهاد قد يستنتج أن أجر المجاهد لا حد له من عظمه، وهذا ملاحظ من أقوال الفقهاء من شرح هذه الأحاديث. فقد جاء في فتح الباري مثلاً: وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر، وكذلك المجاهد لاتضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب لما تقدم من حديث أن المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات. وأصرح منه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ ﴾) ) .

*** هامش ***

ك) وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن عباس أن ويشهد أن لا إله إلا الله) (٢٠). رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بخير الناس ل وجاء في تحفة الأحوذي: «زاد النسائي من هذا الوجه الخاشع منزلا؟)، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (رجل أخذ برأس فرسه في الراكع الساجد، وفي الموطأ وابن حبان كمثل الصائم القائم الدائم، سبيل الله حتى يموت أو يقتل ألا أخبركم بالذي يليه ؟، قالوا: بلى ولأحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعا مثل المجاهد في قال: (امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور سبيل الله كمثل الصائم نهاره والقائم ليله. وشبه حال الصائم القائم الناس. ألا أخبركم بشر الناس؟ قالوا: بلى. قال : الذي يسأل بالله بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون، لأن ولا يعطي). وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمر. صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بخير الناس منزلة، قالوا: بلي وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب لحديث إن قال: (رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله حتى يقتل أو يموت، ألا المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات» (۲۳).
أخبركم بالذي يليه؟ رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة


٣٤٠ 🗏
بل حتى أن الصائم القائم الذاكر الذي لا يفتر لن يرتقي لعشر ما للمجاهد من أجر. فقد جاء في الترغيب والترهيب: «عن معاذ بن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة أتته فقالت: يا رسول الله، انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى وبفعله كله، فأخبرني بعمل يبلغني عمله حتى يرجع؟ قال لها: أتستطيعين أن تقومي ولا تقعدي وتصومي ولا تفطري وتذكري الله تعالى ولا تفتري حتى يرجع؟). قالت: ما أطيق هذا يا رسول الله. فقال: والذي نفسي بيده لو أطقته ما بلغت العشور من عمله). فتأمل هذه المقارنة بين من يعبد ربه دونما أدنى انقطاع وبين من يخرج للجهاد. فلفظ «العشور » لا يعني هنا، والله أعلم، العشر تحديداً، لكنه توجيه للكف عن المقارنة بين العابد في محرابه وبين المجاهد ببدنه وماله فالإسلام دين حركة وعمل لا دين رهبنة وتصومع وتصوف وهذا هو المحور الآتي:
۲۵
المحور الرابع: إن الناس أصناف في مشاربهم ومقدراتهم الإيمانية. فمنهم من يستمتع بالقيام ليلاً لساعات، ومنهم من هو أقدر على الصوم، ومنهم من هو أعظم خُلقاً. فلجميع هؤلاء نجد أن الإسلام يعظم لهم الأجر إن هم جاهدوا. فالإسلام دين يحث الناس على التحرك. فإن قارن القائم ليلاً مثلاً عمله بالجهاد سيستصغر قيامه لساعات طوال ليلاً ويندفع للجهاد. فقد «أخرج الترمذي وحسنه والبزار والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشعب فيه عيينة ماء عذب فأعجبه طيبه فقال: لو أقمت في هذا الشعب واعتزلت الناس، لن أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله. من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة). وفواق الناقة هو الفترة الزمنية بين الحلبتين للناقة. فهلا تأملت عظم هذا الأجر خلال هذا الزمن القصير. وإن تدبرنا هذه الأحاديث نستوعب عندها قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْل الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ۲۷

*** هامش ***

ن
م) وأخرج البيهقي عن أكيدر بن حمام قال : أخبرني رجل من في أعلي غرف الجنة، فمن فعل ذلك لم يدع للخير مطلباً ولا من الشهر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : جلسنا يوماً في مسجد رسول مهرباً يموت حيث ما شاء أن يموت) » (٢٤). الله صلى الله عليه وسلم فقلنا لفتى فينا اذهب إلى رسول الله صلى الله (ن جاء في اللسان: «والفواق والفَوَاق: ما بين الحلبتين من الوقت لأنها عليه وسلم فاسأله: ما يعدل الجهاد؟ فأتاه فسأله. فقال رسول الله صلى تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتـدر ثم تحلب. يقال ما أقام الله عليه وسلم: (لا شيء). ثم أرسلناه الثانية، فقال مثلها. ثم قلنا إنها عنده إلا فواقاً. وفي حديث علي قال له الأسير يوم صفين: أنظرني من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث، فإن قال لا شيء فقل ما فواق ناقة. أي أخرني قدر ما بين الحلبتين. وفلان يفوق بنفسه فؤوقا يقرب منه، فأتاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء). إذا كانت نفسه على الخروج. وفواق الناقة وفواقها رجوع اللبن في فقال: ما يقرب منه يا رسول الله. قال: طيب الكلام وإدامة الصيام ضرعها بعد حلبها، يقال تنتظره فواق ناقة، وأقام فواق ناقة، جعلوه والحج كل عام، ولا يقرب منه شيء بعد». . وأخرج النسائي وابن ظرفا على السعة، وفواق الناقة وفواقها ما بين الحلبتين إذا فتحت يدك، حبان والحاكم وصححه عن فضالة بن عبيد: سمعت رسول الله صلى وقيل إذا قبض الحالب على الضرع ثم أرسله عند الحلب.... ﴿ما لَهَا مِن فَوَاق﴾ الله عليه وسلم يقول : ( أنا زعيم - والزعيم الجميل - لمن آمن بي وأسلم : يقرأ بالفتح والضم ، أي ما لها من راحة ولا إفاقة ولا نظرة. وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت وأصلها من الإفاقة في الرضاع إذا ارتضعت البهمة أمها ثم تركتها حتى


٣٤١
٦ دولة الناس
وهناك أحاديث أخرى تؤكد هذا المحور، ألا وهو الدفع للحركة. فكما هو معلوم فإن الخوف يثبط الكثير
من الناس عن الجهاد، فإن قيل لهم : عليكم بالجهاد ولو لفواق ناقة أو حراسة ليلة واحدة فقط، لما تردد بعضهم مقارنة بالأجر. وهؤلاء بجهادهم للحظات سيخترقون حاجز الخوف بفضل الله ومنه، وعندها قد يستمر جهادهم ليصبح سمتهم. فقد أخرج ابن ماجة عن أنس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة، السنة ثلثمئة يوم، اليوم كألف سنة). ألا تتوقع أخي القارئ أن يحاول الفرد المؤمن حتى وإن لم يكن شجاعاً المشاركة بحراسة ولو لليلة واحدة كسباً للأجر. فما هو عظم حجم هذا الأجر يا ترى؟! إن قمنا بحسابه كما نص الحديث نجده يعادل حاصل ضرب ألف في ثلاث مئة مضروباً في ألف. وهذا يعادل صيام رجل وقيامه في أهله ثلاث مئة مليون يوم. والله يضاعف مرات ومرات لمن يشاء، فهو الكريم الجواد الوهاب. الله أكبر أخي القارئ على هذا الأجر لمجرد حراسة ليلة واحدة. ما أجرم سلاطين الأمة المعاصرين ومن ساندوهم من العلماء الذين منعوا الجهاد بحجة تغير ظروف الزمان. لقد حرموا المسلمين الخير الكثير. فقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة. وأخرج النسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن عثمان بن عفان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. كما أن هناك روايات عن فضل ساعة واحدة في الجهاد. فقد أخرج ابن سعد عن سهيل بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مقام أحدكم في سبيل الله ساعة خير من عمله عمره في أهله. فتأمل هذه النصوص التي تدفع الناس للحركة.
س
المحور الخامس: إن الجهاد مشقة في الترحال والكر والفر. فقلة النوم والراحة والغذاء والملبس أمور لابد منها؛ ناهيك عن الخوف من الموت وكيد الأعداء. هنا أتت الشريعة بضرب عدة أمثلة كالغبار الذي يصيب المجاهدين أو الجروح ونحوها من آلام ومشاق لتحيلها إلى محفزات تحبب المؤمنين في الجهاد. فبالنسبة للغبار المنبعث من السير إلى المعركة أو المنبعث من نفس المعركة فقد «أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار».٢٩ وليست القدمان فقط، بل هناك أحاديث عن تحريم سائر الجسد. فقد أخرج أبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. ٣٠ «وأخرج أحمد والطبراني عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما خالط قلب الله عليه النار»، والرهج الغبار. وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: قال رسول

*** هامش ***

إمرىء رهج في سبيل
الله إلا
حرم
تنزل شيئاً من اللبن، فتلك الإفاقة الفواق. وروي عن النبي أنه قال وسلم يقول: (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة بقيام ليلها عيادة المريض قدر فواق ناقة) ...» (٢٦). وصیام نهارها)؛ رواه أحمد . وجاء في المستدرك على الصحيحين عن
س) وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: أمر فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرية أن تخرج. قالوا: يا رسول الله كل ميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمو له عمله إلى يـوم أنخرج الليلة أم نمكث حتى تصبح ؟ قال: أفلا تحبون أن تبيتوا القيامة، ويؤمن من فتان القبر) (۲۸). هكذا في خريف من خراف الجنة). والخريف الحديقة. وجاء في نيل (ع) جاء في لسان العرب: «رهج : الرَّهْجُو الرَّهَجُ : الغبار. وفي الأوطار: «وعن عثمان بن عفان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه الحديث : ما خالط قلب امرىء رَهَجٌ في سبيل الله إِلا حرَّم ا
الله


٣٤٢ 🗏
الله
صلی
يوم
القيامة).
الله عليه وسلم: (من راح روحة في سبيل الله كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسك . وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا آمنه الله دخان النار يوم القيامة؛ وما من رجل تغبر قدماه في سبيل الله إلا آمن الله قدميه من النار.
٣٣
ومن أمثلة هذا المحور العين: فقد أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة أعين لا تمسها النار: عين فقئت في سبيل الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله. وكذلك الجروح : فقد جاء في مسند الإمام أحمد أن معاذاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جرح جرحاً في سبيل الله جاء يوم القيامة لونه لون الزعفران وريحه ريح المسك عليه طابع الشهداء. ومن سأل الله الشهادة مخلصاً أعطاه الله أجر شهيد وإن مات على فراشه. ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ).٣٥ وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين أو أثرين: قطرة دمع من خشية الله وقطرة دم تهراق في سبيل الله. وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله. وكما ترى فإن أي أذى أو مشقة يتعرض لها المجاهد تكتب له كحسنات، حتى إن أصغر أثر يصيب الإنسان سيؤجر عليه كشيب الشعر مثلاً: فقد أخرج عبد الرزاق عن مكحول قال: «حدثنا بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة قتل أو مات دخل الجنة، ومن رمى بسهم بلغ العدو أو قصر كان عدل رقبة، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن كلم كلمة جاءت يوم القيامة ريحها مثل المسك ولونها مثل الزعفران)»، والكلم الجرح.
ق
المحور السادس: كل المسلمين خطاؤون، ألسنا كذلك؟ هنا يأتي الجهاد كوسيلة لتكفير الخطايا إلا الدّين.
.
۳۸
وفي هذا جذب للناس للجهاد فمَن مِنَ المسلمين لم يخطئ أو لم يكن ضالاً ثم هداه الله ؟ كلنا كذلك. لهؤلاء الذين يستشعرون آلام تأنيب الضمير من المعاصي، أي لجميع من آمن، يأتي الجهاد كفرصة لحط الخطايا. أي أن جميع «المؤمنين» قد يهبون للجهاد. فقد جاء في المستدرك على الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بليلة أفضل من ليلة القدر ؟ حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى

هامش

عليه النار ؛ الرَّهَجُ : الغبار. وفي حديث آخر: من دخل جَوْفَهُ لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله وعين بكت من خشية الرَّهَجُ ، لم يدخله حر النار. وأَرْهَجَ الغبار : أثاره . والرَّهَجُ : السحاب الله وعين غضت عن محارم الله ) (٣٤). الرقيق كأنه غبار». وأخرج أبو داود في مراسيله عن ربيع بن زياد ص) وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إذ هو بغلام من قريش والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن معاذ معتزل عن الطريق يسير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قاتل فواق ناقة (أليس ذاك فلانا؟). قالوا: بلى. قال : ( فادعوه. فدعوه، قال: (ما فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو بالك اعتزلت الطريق ؟ قال : يا رسول الله كرهت الغبار. قال: قتل فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فلا تعتزله ، فوالذي نفس محمد بيده، إنه لذريرة الجنة) (۳۱). فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران وريحها ف) وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ريح المسك، ومن جرح في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء) (٣٦) . عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ق) جاء في لسان العرب: «الكَلْمُ: الجُرح، والجمع كُلُوم وكلام عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس أنشد ابن الأعرابي: يشكو، إذا شد له حزامه، شکوی سلیم ذرِبَتْ في سبيل الله ) . وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أنس قال كلامه، سمى موضع نهشة الحية من السليم كلماً، وإنما حقيقته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار أبدا عين الجُرحُ ، وقد يكون السليم هنا الجريح، فإذا كان كذلك فالكلم باتت تكلاً في سبيل الله وعين بكت من خشية الله . وأخرج الطبراني هنا أصل لا مستعار. ...» (۳۷).
عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة


٦ دولة الناس
۳۹
٤٠
.
٣٤٣
أهله. وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحات عنه الخطايا كما يتحات عذق النخلة. ولندرك أهمية هذا المحور لنتصور عدد الحجيج في أيامنا هذه، فهم يزيدون عن المليوني حاج كل سنة. ومن حج رجع كيوم ولدته أمه منقى من الذنوب والخطايا. فتأمل كيف أن غزوة واحدة تعدل أربعين حجة ( في بعض الروايات لمن أدى فريضة الحج. فقد أخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حجة خير من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة). يقول: «إذا حج الرجل حجة الإسلام فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإسلام خير من أربعين غزوة». وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: السفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة. أي أن الشريعة إن طبقت فإن عدد المجاهدين سيزيد في أيامنا هذه سنوياً عن المليوني مجاهد إن قارنا هذا بالحج. فالحج إن جذب أكثر من مليوني حاج، فإن الجهاد الذي يفضله سيجذب أكثر من ذلك إن فتح باب الجهاد وبالذات في أيامنا هذه التي انتشرت فيها وسائل الدعوة كالأشرطة السمعية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تشعل الهمم (وسيأتي بيانه بإذن الله).
ت
أما المحوران السابع والثامن فهما من أمور الدنيا. فالمحور السابع هو طمأنة المجاهد إن خرج في سبيل الله بأن يحفظ له سبحانه وتعالى الحفيظ ما ترك وراءه من مسؤوليات فترة غيابه في الجهاد، كحفظ الأهل والمال. فقد أخرج الطبراني «عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا خرج الغازي في سبيل الله جعلت ذنوبه جسراً على باب بيته، فإذا خلف ذنوبه كلها فلم يبق عليه منها مثل جناح بعوضة، وتكفل الله له بأربع: بأن يخلفه فيما يخلف من أهل ومال، وأي ميتة مات بها أدخله الجنة، فإن رده سالماً بما ناله من أجر أو غنيمة، ولا تغرب الشمس إلا غربت ذنوبه». وفي الجهاد أيضاً منجاة من الهم والغم. ومن هذا الذي سلم من هموم الدنيا وغمومها؟ فقد أخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم. هذه سبعة محاور من الوعيد والوعود للحض على الجهاد، وكأنها رماح في نحور الأمم غير المسلمة. ولكنك قد تقول، وبالذات إن لم تكن مقتنعاً بالجهاد كطريق العزة في الإسلام بأن هذه المحاور لن تجذب الكثير من الناس للجهاد لأنها ليست إلا غيبيات وغير ملموسة في دنيانا. فمن لا يؤمن باليوم الآخر، أو كان ضعيف الإيمان فلن ينصاع لما سبق من محاور لأنها وعود غيبية. فالخوف من الموت يفوق كل الوعود. فأقول: هذا ما تريده الشريعة كما سيأتي بيانه بإذن الله في الفصل الآتي، لأنه إن لم يخرج المؤمنون للجهاد وخرج المراؤون والمنافقون ستقع المهارات الحربية في أيدي هؤلاء المنافقين الذين سيكونون مادة سهلة في أيدي السلاطين ليوطدوا أهواءهم.

هامش

ر) «وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول قال: كثر المستأذنون حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج في غزوة تبوك، فقال عليه وسلم: (ساعات تفتح فيها أبواب السماء وقل ما يرد على داع رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غزوة لمن قد حج أفضل من أربعين دعوته بحضور النداء والصف في سبيل الله تبارك وتعالى) (٤٣). ث) «وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: بني
حجة )» (٤١). ش) وأخرج عبد الرزاق عن اسحق بن رافع قال: «بلغني عن المقداد الإسلام على عشرة أركان الإخلاص لله وهي الفطرة، والصلاة وهي أن الغازي إذا خرج من بيته عدد ما خلف وراءه من أهل القبلة وأهل الملة، والزكاة و هو ] الطهرة، والصيام وهو الجنة، والحج وهو الذمة والبهائم يجري عليه بعدد كل واحد منهم قيراط قيراط، كل الشريعة، والجهاد وهو العزة، والأمر بالمعروف وهو الحجة، والنهي ليلة مثل الجبل أو قال مثل أحد» (٤٢). عن المنكر وهو الواقية والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي ت) وجاء في «الأربعين في الجهاد» : « ... أخبرنا مالك بن أنس عن أبي الألفة» (٤٤) .


٣٤٤ 🗏 وهنا لعلك تسأل عن الغنائم، فهناك الكثير من الآيات والأحاديث التي تعد الناس بالغنائم بعد النصر، وهذه أمور دنيوية. هنا نأتي لمحورنا الأخير (الثامن)، فالمحاور السبعة السابقة ما هي إلا حث من الشريعة لمن آمن. وقد وضعتها للتذكير بها في فصلي «الديوان» و «البركة»، لأنك ستقتنع عندها بإذنه تعالى بأن نسبة عدد المؤمنين ستزداد في المجتمع متى ما طبقت الشريعة، وسيكون لهذه المحاور السبعة تأثير كبير في الأمة. أما المحور الثامن فهو دنيوي، إنه عن الغنائم، لذلك فقد يجذب إليه المعدمين من الفقراء أو من أرادوا السبي من الشباب، وهؤلاء هم من المؤمنين في الأغلب، لأن الفقير المنافق لن ينجذب في الغالب للجهاد خوفاً من الموت حتى وإن كانت هناك. غنائم، لأن الغنائم ليست أكيدة في نظره وسيأتي تفصيله في فصل «الديوان» بإذن الله). فلاحظ كلمة «غنيمة» و«فيء» في الأحاديث الآتية: ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه، والذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة . وأخرج ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المجاهد في سبيل الله مضمون على الله إما أن يلقيه إلى مغفرته ورحمته، وإما أن يرجعه بأجر وغنيمة؛ ومثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر حتى يرجع ). وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من سرية تغزو في سبيل الله فيسلمون ويصيبون الغنيمة إلا أن تعجلوا ثلثي أجرهم في الآخرة، ويبقى لهم الثلث. وما من سرية تخفق وتخوف وتصاب إلا تم لهم أجرهم . وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم أنجي الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمه، أو رجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه).
عمر
رضي
٤٦
خ
ΕΛ
أي أن سنته صلوات ربي وسلامه عليه قسمة الغنائم بين الغانمين وهي ما سار عليها الخلفاء من بعده صلوات ربي وسلامه عليه. فقد كتب الخليفة . الله عنه إلى عمار أن الغنيمة لمن شهد الوقعة». وهناك قصة مؤثرة تؤكد هذا الأصل. فبعد انتصار المسلمين في نهاوند وبعد قسمة الغنائم بين المجاهدين أحضر السائب إلى المدينة المنورة للفاروق الخليفة عمر رضي الله عنه سفطين (إناءين) فيهما لؤلؤ وزبرجد وياقوت. فأمر الخليفة بإدخالهما بيت المال حتى ينظر في شأنهما ، وأمر السائب باللحاق بجنده. ففعل السائب ذلك وخرج سريعاً إلى الكوفة وبات عمر. . فلما أصبح عمر بعث في أثر السائب رسولاً. إلا أن الرسول لم يدرك السائب إلا عندما دخل الكوفة. فقال له المبعوث بأن يرجع للمدينة في الحال لأن الخليفة الفاروق يطلبه. فعادا مباشرة إلى المدينة. فلما رأى عمر السائب قال: «مالي وللسائب». فقال السائب: «ولماذا؟». قال الخليفة: «ويحك، والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا، فيقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني

هامش

خ) وأخرج النسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذ وفي المستدرك على الصحيحين عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن يحكي عن ربه قال: أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاثة كلهم ضامن على الله : ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته أرجعته بما أصاب من أجر أو رجل خرج غازيا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله غنيمة، وإن قبضته غفرت له . وأخرج الترمذي وصححه عن أن الجنة أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر أو المجاهد في سبيلي هو علي ضامن إن قبضته أورثته الجنة، وإن رجعته غنيمة، ورجل دخل بيته بالسلام فهو ضامن على الله ) (٤٧). رجعته بأجر أو غنيمة ) (٤٥).
بن


٦ دولة الناس
٣٤٥
عني
٤٩
سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما لا أبالك، والحق بهما فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم». قال السائب: «فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم. ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف. فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً بعد. وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين ...». هلا تأملت هذه القصة لتتأكد من عمق هذا الأصل الذي تصر فيه الشريعة على القسمة. فحتى هذه المجوهرات والتي كان يمكن لها أن تخزن ببساطة في بيت المال (وليست كالأنعام التي تتطلب رعاية)، ثم لتباع وقت الحاجة، تمت قسمتها ولم تترك لبيت المال. فالأصل هو القسمة، وفي هذا جذب للفقراء من المؤمنين للجهاد. ولتتأكد من هذا الأصل سأعرض بعض المسائل الخلافية التي ناقشها الفقهاء لتوقن من خلال ذلك أن الأصل الإجماع على القسمة برغم جميع الاختلافات.
الطائفة
۵۱
إن أول إيراد مهم للمسلمين كان من غزوة بدر . " عندها ظهر خلاف بين المسلمين في أخذ الغنيمة، فرأت التي . لحقت بالمشركين وقتلتهم بأن الغنيمة لهم، ورأت الطائفة التي أحدقت بالرسول صلى الله عليه وسلم لكي لا ينال العدو منه بأن الغنيمة لهم، ورأت الطائفة التي استولت على الغنائم بأنها لهم. فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. فقسم الرسول صلى الله عليه وسلم الغنيمة بينهم جميعاً على السواء. فكان هناك مذهب هو أن الغنيمة للرسول صلى الله عليه وسلم يقسمها كيف ما رأي المصلحة، ثم هي لمن بعده من الأئمة."" إلا أن مذهب الجمهور هو أن قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَن الأَنفَالِ﴾، قد نسختها آية الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ....﴾ ويقول القرطبي موضحاً: «... وهذا ليس بشيء لما ذكرناه، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ...﴾ ثم عين الخمس لمن سمى في كتابه، وسكت عن الأربعة الأخماس؛ كما سكت عن الثلثين في
قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثَّلُثُ﴾ فكان للأب الثلثان اتفاقاً. وكذا الأربعة أخماس للغانمين إجماعاً .....٥٣
٥٤
أي لم يظهر أي خلاف بين الفقهاء في أحقية الغانمين في الأربعة أخماس إن كانت من المنقولات، أما غير المنقولات فقد رأينا كيف أن الأرجح قسمتها بين الغانمين. أي أن الخلاف ظهر في مسائل أخرى مثل الأسارى والنفل. حتى هذه لنمر عليها سريعاً أخي القارئ لتتأكد من أحقية المجاهدين في الغنائم. فبالنسبة للأسارى فهناك مذهب بأن «بيد الإمام إن رأى أن يمن على الأسارى بالإطلاق ،فعل، وبطلت حقوق الغانمين فيهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال وغيره». وهناك قول للشافعي بأن «كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك قسم؛ إلا الرجال البالغين فإن الإمام فيهم مخير أن يمن أو يقتل أو يسبي. وسبيل ما أخذ منهم وسبي سبيل الغنيمة». ومن هذا تلحظ كيف أن الشريعة قصت حقوق المشاركين في المعركة بطريقة تدفعهم لتحقيق النصر، فإن لم ينالوا الشهادة فسينالوا الغنائم، ومنها النساء والذراري. ومسألة السبي هذه معروفة ومثبتة ولا تحتاج لتوضيح وهي المنبع الأول للرق. ألا تظن أخي القارئ بأن في هذا دافع للمؤمنين من الشباب للجهاد لأن ما سبي من النساء جاز نكاحه؟ لعلك تقول، وبالذات إن كنت علمانياً: أعوذ بالله، كيف يتقبل هذا المؤلف في هذا الزمن جواز الرق؟ فهاهم بعض علماء المسلمين يتراجعون عنه! والبعض الآخر يتحرجون منه. فأقول: انتظر لأوضح المسألة في فصل «المدينة» بإذن الله. ولكن باختصار، فمقابل
00
هذا الحث هناك الكثير من الحركيات المؤدية لتحرير الرق لينتفي الفساد من الأرض، كما سيأتي بإذن الله.


٣٤٦ 🗏
وهو
الفقهاء
وحججهم
.
وبالإضافة لما سبق فهناك النفل والنفل هو زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصلاة، ما عدا الفروض». وهي تعطى لمن أبلى بلاء حسناً في المعركة. ففي صحيح البخاري عن ابن عمر: : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونقلوا بعيراً بعيرا». وفي تفسير هذا الحديث آراء متعددة تدور حول الخلاف الآتي: هل يؤخذ النفل من أصل الغنيمة، أم من الخمس، أم من خمس الخمس؟ وهل الذي يقرر النفل هو أمير الجيش أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وإن قرأت هذه الآراء وستأتي بتفصيل في الفصل القادم بإذن الله) ورأيت تحفظ لاستنتجت أنهم يختلفون في آرائهم حول حقوق الغانمين في النفل وقد وضعها ابن حجر بطريقة تريك أن الخلاف ليس في أحقية من شارك في المعركة في الغنيمة، بل هي في النفل من أين سيأتي، ومن سيقرر ذلك. أي أن نصيب كل فرد في الجيش من الغنائم أمر مفروغ منه. فمذهب الشافعي أن النفل من خمس الخمس، وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور: النفل من أصل الغنيمة، وقال مالك وطائفة لا نفل إلا من الخمس. وأغلب الآراء تتجه إلى أن النفل من الخمس لرواية مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم. ويلخص ابن حجر قائلاً: «وروی مالك أيضاً عن أبي الزناد أنه سعيد بن المسيب قال: كان سمع الناس يعطون النفل من الخمس. قلت: وظاهره اتفاق الصحابة على ذلك. وقال ابن عبد البر: إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة ...». فهذه مؤشرات على أن الغانمين أخذوا الأربعة أخماس وجزء من الخمس. ولعل من الملفت هو أن هذه الأحقية في الأربعة أخماس كانت عرفاً سائداً لا ينكره أحد لدرجة أن البعض كان يأخذ الغنائم بنفسه مباشرة قبل القسمة، لذلك أتى النهي عن ذلك ووصف بأنه غلول. فالغلول في اللغة «أن يأخذ من المغنم شيئاً يستره عن أصحابه». وجاء في المستدرك على الصحيحين عن «عبـد الله بن عمرو رضي ا عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسها ويقسمها. فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال : يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة. قال: أسمعت بلالاً نادى ثلاثاً ؟. قال: نعم. قال: فما منعك أن تجيء به؟ قال: يا رسول الله، فاعتذر. قال: (كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك » . وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه «أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم حنين، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (صلوا على صاحبكم). فتغير وجوه الناس لذلك. فقال: (إن صاحبكم غل في سبيل الله. ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي

*** هامش ***

ض
الله
الغلالة
ض) وجاء في زاد المسيير: «الغلول أخذ شيء من المغنم خفية، ومنه اختلفت الآراء في التخلص من متاع من غل. ففي الأم مثلاً: «قلت وهي ثوب يلبس تحت الثياب. والغلل وهو الماء الذي يجري للشافعي: أفرأيت المسلم الحر أو العبد الغازي أو الذمي أو المستأمن بين الشجر. والغل وهو الحقد الكامن في الصدر. وأصل الباب يغلون من الغنائم شيئا قبل أن تقسم ؟ فقال: لا يقطع ويغرم كل واحد الاختفاء ...» (٥٧). من هؤلاء قيمة ما سرق إن هلك الذي أخذه قبل أن يؤديه، وإن كان ظ) وجاء أيضاً عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخل مسلمة أرض القوم جهلة علموا ولم يعاقبوا فإن عادوا عوقبوا. فقلت للشافعي: الروم فأتي برجل قد غل، فسأل سالماً عنه، فقال: سمعت ن أبي يحدث أفيرجل عن دابته ويحرق سرجه أو يحرق متاعه؟ فقال: لا يعاقب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رجل في ماله، وإنما يعاقب في بدنه. وإنما جعل الله الحــدود على إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه . قال : فوجدنا الأبدان، وكذلك العقوبات، فأما على الأموال فلا عقوبة عليها» (٥٨). في متاعه مصحفا فسئل سالم عنه فقال بعه وتصدق بثمنه». وقد


٦ دولة الناس
ظ
7.
٣٤٧
درهمين». وجاء في فتح القدير في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾»: «أي يأت به حاملاً له على ظهره كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيفضحه بين الخلائق. وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد، يطلع عليها أهل المحشر: وهي مجيئه يوم القيامة بما غله حاملاً له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب عليه». وفي صحيح البخاري في باب ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾, وَلِلرَّسُولِ يقول صلوات ربي وسلامه عليه: إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة). وفي فتح الباري في شرح هذا الحديث استفادة هي أن «من أخذ من الغنائم شيئاً بغير قسم الإمام كان عاصياً. وفيه ردع الولاة أن يأخذوا من المال شيئاً بغير حقه أو يمنعوه من أهله». وبالطبع، فإن من أهم مسببات تحريم الغلول من حيث الحقوق هو في كونها أخذ من حقوق المجاهدين. فقد قال ابن عربي: «قال علماؤنا: تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر».
٦١
ب ۲
أدرك بأنك إن كنت من علماء الشريعة تسأل: ولكن من الجهاد ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو جهاد دفع ومنه ما هو جهاد طلب، فلماذا هذا التعميم؟ سيأتي بيان ذلك، ولكن فقط من كل ما سبق أرجو أن تكون قد اقتنعت أن حق المجاهدين في الغنائم ماض إلى يوم القيامة، فقد قصها الله سبحانه وتعالى لهم، وأن هذا أصل في الشريعة؛ ومن جهة أخرى فإن الجهاد فريضة دينية يجب أن تتاح لكل من أراد الاستزادة من الأجر. وهذا أصل آخر. وهذان الأصلان تم نقضهما تدريجياً خلال الدويلات والمماليك المتعاقبة حتى عصورنا الحالية التي أوجدت فيها وزارات للدفاع، فأصبح الدفاع عن الوطن وظيفة لطائفة محددة من السكان هم العسكر. وهؤلاء العسكر عاطلون عن الإنتاج إلا في فترات الحروب مما يستنهك قوى الأمة، هذا إن لم توجه الطائفة الحاكمة هؤلاء العسكر لحماية نظامها الحاكم الذي قد لا يتفق مع مصالح الأمة المسلمة فيفتكون بالشعب. أما في الإسلام فإن كل مسلم هو جندي عند الحاجة، وكل جندي هو فرد منتج وقت السلم، أي أن المجتمع ينقلب من الجندية وقت الحرب إلى المدنية وقت السلم، وفي هذا استغلال أقصى للطاقات وعزة لكل الأفراد. لذلك نقول إن أمة الإسلام هي دولة الناس. أما في أيامنا هذه فالناس لا يعرفون الجندية لمدنيتهم، أو بالأصح لخنوعهم لجهلهم بالأمور الحربية، فقد انقسم المجتمع إلى طبقات متباينة هي: طبقة الجند وطبقة اللاجند وهم العوام، وإلى الطبقة الحاكمة التي قد تكون جندية كما في بعض الجمهوريات، وقد لا تكون كدول الملوك)، وهذه الأخيرة تسيطر على الجند ليصبح الشعب ذليلاً. فانتشر الجهل العسكري والسياسي بين الناس وسهلت قيادتهم. فأين الناس من حضه صلوات ربي وسلامه على الرمي مثلاً؟ لقد أراد الإسلام لجميع أفراد الأمة التدرب على حمل السلاح وإتقان استخدامه ليصبح عرفا. و .. ومتى ما أصبحت المهارات الحربية عرفاً بين الناس استحالت السيطرة عليهم. فلن يتمكن السفهاء من قيادتهم. فقد حض الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على الاستمرار في التدرب على استخدام
السلاح وإن لم يجاهدوا وحتى الممات وذلك ليصبح علم وإدارة واستخدام الأسلحة عرفاً بين الناس. كيف؟

هامش

غـ) وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قام أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. أو على رقبته رقاع تخفق، فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك).
لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس وقال أيوب عن أبي حيان فرس له حمحمة» (٥٩). لها حمحمة يقول : يا رسول الله أغثني، فأقول : لا أملك لك من الله شيئا (۲) وقال القرطبي: «وفي تغريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في قد أبلغتك. وعلى رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول: الغنيمة فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر فمن غصب لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. وعلى رقبته صامت فيقول: يا رسول الله شيئا منها أدب اتفاقا ...»(٦٢).


٣٤٨ 🗏

القوة الحقة

جاء في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي .٦٣ لاشك أن أي متأمل لوضعنا المعاصر يدرك مباشرة أن قوة الولايات المتحدة الأمريكية تتمثل في الرمي. فالجنود الأمريكان هم أخوف البشر لحرصهم على الحياة وما قوتهم التي هم عليها الآن إلا من الرمي. فهم يرمون بالطائرات والصواريخ كل من خالفهم دون انخراطهم بالضرورة في أي اشتباك عسكري مباشر. فبعد أن تقوم طائراتهم وصواريخهم بدك المواقع ينزل إليها جنودهم في وضع شبه آمن. فإن تمسك المسلمون بهذا الحديث وسخروا جميع طاقاتهم للرمي وإتقانه تقنياً لما استعمروا (بكسر الميم). فهلا قرأت الحديث مرة أخرى لترى مدى ضرورة الربط بين الرمي والقوة من خلال الإعداد والاستطاعة. فلا قوة دون رمي متقن، ولا رمي دون إعـداد واستطاعة. لذلك، ولتأكيد هذا المعنى فقد كررها صلوات ربي وسلامه عليه ثلاث مرات. فتأمل. ولكن السؤال هو: من الذي سيرمي؟ أهم طائفة معينة يحددها السلطان؟ وعندها قد يجمع الأموال من الناس قهراً بدعوى أن القوة الرمي وأن هذا لا يتأتى إلا بالتقنية العالية التي تتطلب الأموال، لذلك فله جمعها فتظهر وزارات الدفاع! هنا
لابد من التوضيح.
٦٤
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾: .... وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة من سلاح وأما قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، فقال بن وكيع: حدثنا ... عن ابن عباس: ترهبون به عدو الله وعدوكم، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم». وكما ترى فإن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم﴾ موجه لجميع الأمة. وسأقوم بتوضيح مسألة ضرورة كون المجتمع المسلم مجتمعاً عسكرياً ومدنياً في آن واحد كشرط لتحقيق العزة للأمة المسلمة في فصل «المدينة». ولكن لغرض الاستمرار في طرح الكتاب أقول: سترى من التسلسل الآتي للفقهاء ضرورة تدرب جميع المسلمين الدائم على السلاح حتى يصبح عرفاً. فقد جاء في تفسير الطبري في تأويل الآية السابقة:
«قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين من السلاح والرمي وغير ذلك ورباط الخيل. ولا وجه لأن يقال عني بالقوة معنى دون معنى من معاني القوة، وقد عم الله الأمر بها. فإن قال قائل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين أن ذلك مراد به الخصوص بقوله: (ألا إن القوة الرمي)، قيل له: إن الخبر وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوة عليهم. فإن الرمي أحد معاني القوة لأنه إنما قيل في الخبر: ألا إن القوة الرمي) ولم يقل دون غيرها. ومن القوة أيضا السيف والرمح والحربة وكل ما كان معونة على قتال المشركين كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم ...».
٦٥
فالقوة إذا كتعريف أخذت توجهات شتى ولم يقصرها العلماء على الرمي. فقد جاء في تفسير الطبري أيضاً أن رجلاً لقي مجاهداً بمكة ومع مجاهد جوالق قال: «فقال مجاهد هذا من القوة»، ومجاهد يتجهز للغزو. وورد في سبل السلام» أن حديث الرمي أفاد الآتي: «القوة في الآية بالرمي بالسهام لأنه المعتاد في عصر النبوة، ويشمل الرمي بالبنادق للمشركين والبغاة، ويؤخذ من ذلك شرعية التدرب فيه لأن الإعداد إنما يكون مع الاعتياد إذ من لم


٦ دولة الناس
٣٤٩
י
يحسن الرمي لا يسمى معداً للقوة». فهلا لاحظت الجملة السابقة التي تنص على أن «الإعداد إنما يكون مع الاعتياد»، وأن هذا لا يتأتى إلا بالتدريب المستمر. وهذا جلي من سيرته صلوات ربي وسلامه عليه. ففي صحيح البخاري أن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان). قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم، قال
V
النبي صلى الله عليه وسلم: (ارموا فأنا معكم كلكم». وهذه الحاجة للتدريب المستمر هي ما قصده صلوات ربي وسلامه عليه، والله أعلم في الحديث الذي رواه مسلم أن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه. إن في قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه توجيه باستمرارية التدرب حتى وإن اعتز المسلمون وفتحوا الآفاق. ولتتأكد من هذا الاستنتاج تأمل ما جاء في صحيح مسلم أيضاً. فقد كان عقبة بن عامر يتدرب على السلاح برغم مشقة ذلك عليه لكبر سنه. فعن «الحارث بن يعقوب عن عبد الرحمن بن شماسة أن فقيما اللخمي قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك؟ قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعانيه. قال الحارث: فقلت لابن شماسة وما ذاك؟ قال : إنه قال: (من علم الرمي ثم تركه فليس ج ۲ منا أو قد عصى» وهل يستسيغ أي مؤمن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وخطاب الرسول عام يشمل جميع المستطيعين الحمل السلاح وعندما يتدرب هؤلاء أمام الآخرين وباستمرار وبرغم إتقانهم لحمل السلاح، عندها سينتشر حمل السلاح بين العامة ويكثر الحديث عنه وعن إتقان استخدامه وصناعته والتزين به والمباهاة بالتمكن منه، لاسيما أن الأعمال التي يقوم بها الفرد مع سلاحه سيؤجر عليها حتى إن كان لاهياً. فاللعب بالسلاح لا يعد مضيعة للوقت. فقد جاء في المستدرك على الصحيحين عن خالد بن زيد قال: «كنت رامياً أرامي عقبة بن عامر، فمر بي ذات يوم فقال: يا خالد أخرج بنا نرمي، فأبطأت عليه فقال: يا خالد تعال أحدثك ما حدثني رسول الله عليه وسلم وأقول لك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر
،
الله صلى الجنة: صانعه الذي احتسب في صنعته الخير ومتنبله والرامي ارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. وليس من اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه وملاعبته زوجته ورميه بنبله عن قومه ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها)». وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة : انتضالك بقوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك، فإنها من الحق. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انتضلوا واركبوا، وإن تنتضلوا أحب إلي. إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب فيه الخير والمتنبل والرامي به.

هامش

جـ (۲) وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم عن توضيح عبارة «لم شديدة لمن تركه بلاعذر». وفي سنن ابن ماجة أن عقبة بن عامر أعانه» الآتي: «قوله بن شماسة بضم الشين وفتحها، قوله: لم أعانيه الجهني قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من تعلم هكذا هو في معظم النسخ لم أعانية بالياء؛ وفي بعضها لم أعانه الرمي ثم تركه فقد عصاني ) . وقال ابن تيمية «وثبت عنه في الصحيح بحذفها وهو الفصيح والأول لغة معروفة سبق بيانها مرات قوله صلى أنه قال: (ارموا واركبوا، وان ترموا أحب إلى من أن تركبوا، ومن تعلم الله عليه وسلم: (من) علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى الرمي ثم نسيه فليس منا) ، وفي رواية: (ومن تعلم الرمي ثم نسيه هذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه، وهو مكروه كراهة فهي نعمة جحدها)» (٦٩).


٣٥٠ 🗏
وعندما يلهوا رجال الأمة بالأسلحة ويؤجرون على ذلك وتصبح الأمة بأجمعها أمة محاربة، فمن ذا الذي سيستطيع حتى الاقتراب منها ؟ فالأمة المسلمة وكأنها كائن حدوده الخارجية ملتهبة على الدوام تحرق كل من حاول لمسها. وهذه هي القوة الحقة. فالقوة ليست فقط بالمقدرة القتالية لطائفة في المجتمع، أو بالتقدم التقني الذي ينتج الطائرات والدبابات، ولكن بإحالة المهارات القتالية إلى عرف يعلمه الجميع في المجتمع، فيصبح القتال وفنونه هو لهو الناس ومدار حديثهم. وهناك شرط آخر للقوة الحقة ولا تأتي إلا بالحكم بما أنزل الله، وهو وضع الموارد في أيدي الناس ليكون الاقتصاد في أوج قوته فيتم تسخير التقنية لخدمة التسليح، وهذه التقنية تتغذى على ما يقدمه الناس طوعاً من أموالهم وابتكاراتهم لأن فن القتال أصبح عرفاً حتى وإن لم يشتركوا فيه بأنفسهم، بل بسماعهم الدعم المالي والدعم الذاتي (أي بانخراطهم فيه بأنفسهم إن كانت لديهم الموهبة). وعندها تصبح القوة الرمي، لأن الرمي وتقنياته تدفعها أمة الإسلام بأكملها وليس السلاطين وسيأتي بيانه بإذن الله). فتقنية الرمي التي بهرت العالم الآن على يد الغرب هي نتاج طائفة من شعوبهم، فكيف إن اجتمعت أمة الإسلام على إنتاج تقنية الرمي وإتقان فنونه، وعندها فيا ويل الذي يحاول احتلال أي جزء من ديار المسلمين أو حتى لمس حدودهم. هل أدركت أخي مغزى قوله صلى الله عليه وسلم : (وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ) ؟ وفي هذا يقول الشوكاني
سيقدمون له
«فيه تصريح بأن الرمي أفضل من الركوب، ولعل ذلك لشدة نكايته في العدو في كل موطن يقوم فيه القتال، وفي جميع الأوقات بخلاف الخيل فإنها لا تقابل إلا في المواطن التي يمكن فيها الجولان دون المواضع التي فيها صعوبة لا تتمكن الخيل من الجريان فيها وكذلك المعاقل والحصون».
۷۰
عنه
أدرك أخي القارئ أنك تقول: إن المعارك الآن ليست بالسيوف والرماح، بل هي متطورة لدرجة لا يتمكن معها أي فرد غير متخصص في استخدام الأسلحة الحديثة من المشاركة. أي يستحيل علينا تطبيق الشريعة الآن. سأجيب على هذا السؤال في فصل «المدينة» بإذن الله ، ولكن باختصار فإن دولة إسرائيل المحتلة قاتلها الله، دولة ينخرط معظم أفرادها في الحياتين المدنية والعسكرية برغم أنها تستخدم أعلى أنواع التقنية الحربية. أي أن المسألة ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية للعلاقات بين أفراد المجتمع. وأرجو ألا تعتقد أنني أرمي إلى أن الشريعة ستؤدي لمجتمع مشابه للكيان الصهيوني في تنظيمه، بل فقط سقت المثال لترى أن هناك بدائل أخرى غير التي نحن عليها في وضعنا المعاصر. فتطبيق مقصوصة الحقوق سيؤدي لأمة ذات ميزان دقيق ( كما سيأتي بإذن الله) يفرز العدد المطلوب من المجاهدين والعتاد ذي التقنية العالية لتبقى الأمة عزيزة دون تسلط طبقة العسكر على عموم كما هو حادث الآن.
الأمة
ومن حيث الحقوق أقول: إن الدفاع عن الأمة الآن أصبح دفاعاً عن قوميات ومن حق طائفة العسكر الذين تحكمهم الأنظمة، فتم تهميش العامة من الناس والذين قد يكون بينهم من هم أشجع من الجند والحكام. كما أن قرارات الدخول في الحروب أصبحت من حقوق زعماء القوميات في الدول ذات الحدود البينية. أما في الأسلام فإن هذه مسألة لم تترك للسلاطين لعظم أمرها، بل قصها الله سبحانه وتعالى، فقد قُصت الحقوق بفرض الجهاد على كل مسلم مستطيع إن تعرضت ديار المسلمين للغزو، أي حقاً للأمة على الفرد في حالة تعرض بلاد الإسلام للاعتداء. أما في حالات السلم فالجهاد فرض كفاية، أي أن لكل فرد الحق في المشاركة في العمل الجهادي إن هو رغب، وعلى الأمة تسهيل مهمته هذه بأموال المسلمين من الزكاة أو من التبرعات وسيأتي بإذن الله). أما في الدول


٦ دولة الناس
٣٥١
القومية أو العلمانية المعاصرة، فلا يحق لكائن من كان في العمل العسكري إلا بموافقة السلطات، فهل رأيت كيف انقلبت الحقوق وانقلب حال المسلمين تبعاً لذلك. فلم أجد مما قرأت أن هناك دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم حاول في يوم من الأيام عزل الحياة العسكرية عن المدنية ؟ كلا، فهو لم يفعل ذلك قط، بل على العكس، كان ينادي بالجهاد ويأخذ معه كل من استطاع حمل السلاح، وكان يحث الجميع على إتقان أمور الحرب.
مسألة مهمة أخرى، هي أن الشريعة بوضعها للغنائم في أيدي الغانمين فهي إنما تمنع التشابك المترتب على النفقات الحربية. فإن كان الدفاع عن الوطن ضرورة، فإن ذهاب الأموال لبيت المال للتجهيز الحربي ضرورة كما يقول المعاصرون. وبهذا ينشأ التشابك الذي تحدثنا عنه والذي سيؤدي إلى استعباد طبقات نفس المجتمع بعضها لبعض وإلى الهدر في الطاقات والإمكانات وسيأتي بإذن الله. وهذا وضع ترفضه الشريعة وتحاول تلافية من خلال قص الغنائم كحقوق للغانمين، وهذا لا يتم إلا بجعل الغنيمة بعد النصر ، فلا تذهب بذلك الأموال لبيت المال. ومن جهة أخرى، وللحصول على أشجع الأفراد من المؤمنين (وليس المنافقين) للجهاد فقد فتحت الشريعة الباب للجميع ليأتوا إلى الجهاد طائعين راغبين. وهؤلاء الراغبين في الجهاد، ولأنهم من جغرافيات وطبقات شتى، ولأنهم سيعودون لمواطنهم بعد إنهاء ما أتوا من أجله (الجهاد)، فلن يتمكنوا من تكوين جماعة عسكرية متسلطة في مدنهم، لا كما تفعل وزارات الدفاع الآن بربط الجند الآتين من طبقات مختلفة برباط الطاعة العمياء للسلطان من خلال الأرزاق أو العطاءات الأموال الشهرية أو السنوية، وسيأتي بإذنه تعالى).
وإن أدركنا أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحض عليه، يظهر سؤال محوري مهم: لماذا لم يجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال لتجهيز الجند؟ فلم يكن هناك ديوان لعطايا الجند أو أموالاً مخصصة كالرزقة (كالعطاء والرواتب أو المهيات للعسكر في وقته، بل ظهرت الدواوين في خلافة عمر رضي الله عنه (وسيأتي بيانه بإذن الله)؟ ولماذا لم يخزن صلوات ربي وسلامه عليه المال في بيت المال لتجهيز الجيش؟ بل كان الجهاد لمن يرغب من الناس بأموالهم وبأنفسهم، فكان المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يحث المسلمين على التصدق. فتأمل المجموعتين الآتيتين من المواقف لتستنتج أن الأمة المسلمة . «دولة الناس».
هي

المجموعة الأولى

في السنة التاسعة من الهجرة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بغزو الروم. وكما قال ابن هشام: في «زمان عسرة الناس، وشدة من الحر وجدب من البلاد ... فأمر الناس بالجهاز». وفي الوقت ذاته لا مال مكنوز في بيت المال. فتأمل هذا الموقف الشديد على المسلمين. فكيف يمكن تجهيز جيش الحرب الروم؟ إن الآيات في القرآن الكريم التي تحض على الجهاد بالمال وتقديمها على النفس معروفة وواضحة. منها ما يحث المسلمين للنفير بالمال والنفس كقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ ومنها ما يُعرّف المؤمن بأنه المجاهد بماله ونفسه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾." أي أن التجهيز للجيش يأتي في معظمه تطوعاً من الناس. فبرغم شدة الحر والجدب تلك السنة، إلا أن هذا التجهيز للجيش أتى بعد تقسيم


٣٥٢ 🗏
۷۲
خيبر، فكان وضع بعض الناس جيد، كما . يستنتج منذر قحف، ومع ذلك لم يلجأ صلوات ربي وسلامه عليه لفرض الضرائب، بل لجأ لما كان لديه هو من مال بالإضافة لتبرعات الناس. ٧٢ ففي تجهيز جيش العسرة مثلاً أنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه ألف دينار فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن قال: «اللهم أرض عن عثمان فإني عنه
راض».
۷۳
والمبدأ هو أن على كل مسلم مستطيع أن يحاول تجهيز نفسه بنفسه، وأن يحاول تجهيز غيره إن استطاع، أما من لم يجد ما يجهز به نفسه فكان يأتي للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كان لدى الرسول ما يحمله عليه أعطاه وإلا كان صلى الله عليه وسلم يقول لهم: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ .....﴾ ففي سورة التوبة وصف لما حدث، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَّبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ . " وفي توضيح الآيات يقول ابن إسحاق: «فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان. فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج . معه. فأعطاهما ناضحاً له، فارتحلاه، وزودهما شيئاً من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». والناضح هو الجمل الذي تسقى عليه الماء.
Vo
٧٤
والأمثلة التي تشابه هذا الموقف كثيرة دلالة على استمرارية تأثير حث القرآن الكريم للناس على الإنفاق في سبيل الله، ولعل من الأمثلة المشهورة على هذا ما ذكره البخاري في صحيحه عندما نزل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ، فقد جاء أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، قال: وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها، فهي إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بخ يا أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين). فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه ...». ففي هذه الحالة وبرغم أن أبا طلحة رجل ثري من الأنصار، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض عليه شيئاً، بل عندما أتاه أبو طلحة بالحديقة لم يدخلها الرسول صلى الله عليه وسلم في خزينة الدولة ليأجرها كاستثمار أو نحو ذلك، بل وجهه إلى قسمتها بين أقاربه بأن قال له: (... قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين). ألم يكن بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يضع آليات لسحب بعض الأموال من الناس تحسباً لطارئ تحتاجه الدولة أو

هامش

٢) ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَرَةِ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (۷۱).


٦ دولة الناس
٣٥٣
لتجهيز الجيش. أي أنه لم يكن تجهيز الجيش أو أي شأن من شؤون الأمة أمراً مفروضاً من خلال الضرائب على الناس. فالإسلام لم يأخذ بهذا المسلك أبداً، بل ترك أمر الجهاد وتجهيز الجيش للتسابق بين الناس. فقد أخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يغز ولم يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أهل بيت لا يخرج منهم غاز أو يجهزون غازياً أو يخلفونه في أهله إلا أصابهم الله بقارعة قبل الموت . " وأخرج مالك وعبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو ضامن أن أدخلته الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما كلم بكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبدا؛ ولكن لا أجد ما أحملهم عليه ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي. والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل.
ه ۲
ثم إن تفكرنا في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: ولكن لا أجد ما أحملهم عليه ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي سيظهر سؤال وهو : لقد تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم من إخراج الناس للجهاد بأنفسهم وأموالهم بوعود بالغنائم بعد النصر وبالجنة في الآخرة، وهذه الوعود طرفها الأول ملموس، وهو الغنيمة، إلا أنه ليس أكيد المنال وطرفها الآخر بعيد المنال لمن في قلبه شك وارتياب، وهو الجنة. ولعل الخوف من الموت هو الأكبر في نفوس الناس؛ وفي هذا حافز للتخلف فكيف تمكن صلوات ربي وسلامه عليه من إيجاد مجتمع يشق فيه على الأفراد التخلف عن الجهاد، وهذا لم يحدث في العصور اللاحقة؟ ستكون الإجابة بالنسبة للكثيرين بأن خير القرون هو قرن الرسول صلى الله عليه كما جاء في صحيح البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته . هنا تظهر إشكالية بدليل نص الحديث وبدليل واقع تخاذل الناس للخروج للجهاد في أيامنا هذه هي أن الإسلام أصلح للقرون الأولى. وبالطبع هنا يأتي سؤال آخر: وهل يعقل أن يكون الإسلام خاتم الأديان وأن يكون في الوقت ذاته صالحاً لزمان دون آخر؟ وهل هذا من عدله سبحانه وتعالى بين البشر؟ لقد أثرت هذه المسألة أخي القارئ لأربطك بمسألة القيم والوعود والمنّة. فالكثير من المفكرين الإسلاميين والباحثين يلقون بمسألة التخلف، ومنها أن قروننا الحالية ليست كالأولى، لتغير قيم الناس. وكما قلت مراراً، فإن طبقت الشريعة ستأتي العزة حتماً دون اللجوء للوعود غير الملموسة (كالوعد بدخول الجنة) أو حتى دون الحاجة لمنة أحد وأن قيم أفراد المجتمع ستتغير للأفضل. وهنا قد يظهر لك تضاد بين حديث خيرية القرون الأولى وما أحاول إثباته بأن المسلمين ستكون لهم العزة والمجد إن هم طبقوا الشريعة في أي زمان؛ بل أقول على العكس، فالإسلام يزداد

هامش

هـ٢) وجاء في السنن الكبرى: «أنبأ محمد بن سلمة والحارث بن سرية تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه ولا يجدون ما مسكين قراءة عليه عن ابن القاسم قال: حدثني مالك عن يحيى بن يتحملون عليه، ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي، فوددت أني أقاتل في سعيد عن أبي صالح السمان عن أبي هـر يـرة عن رسول الله صلى الله سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل) (۷۷). عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف عن


٣٥٤ 🗏
ملاءمة كلما تقادم الزمن، فهو أصلح لنا ممن سبقونا ، وأصلح لمن سيأتي من بعدنا منه لنا (كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى في فصل «البركة»). كيف؟
حسب
إن حديث خيرية القرون الأولى هو من إعجازه صلوات ربي وسلامه عليه بإخباره لما سيقع في لاحق الزمان، وأن هذا، والله أعلم، هو وبال الخروج على الشريعة. بالطبع فإن من عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقوا الدين عنه هم الأفضل بسبب القرب منه وصفاء التلقي عنه، وأن من أتى من بعدهم أقل مرتبة، ولكن هذا ا يعني المسافة الشاسعة بين قرنه صلوات ربي وسلامه عليه وبين ما هو عليه حالنا من ضعف وتخلف لاسيما أن القرآن الكريم والحديث الشريف بين أيدينا. أي أن من عدله سبحانه وتعالى أن نحصل على نفس الظروف التي تؤدي للعزة إن نحن سرنا عليها ، وقد أعطانا إياها سبحانه وتعالى وهي الشريعة ومنها مقصوصة الحقوق والتي تتجلى في الجهاد في المبادئ الآتية: إن المشاركة في الغزو أو الدفاع عن ديار المسلمين حق لكل من رغب من القادرين، وليست حكراً على طبقة عسكرية ما . وأن التجهيز الحربي يجب أن يغذى من عطاءات الناس كل . مقدرته، وأن هذا لا يكون رغماً عن الناس ولكن طواعية منهم. إن هذه المبادئ لابد وأن تؤدي لوضع لا تجمع فيه الأموال في بيت المال بدعوى احتمالية وقوع هجوم على المسلمين، وهذا هو المهم في المسألة. وعند خواء بيت المال لابد وأن تقع أموال الأمة في أيدي الناس، فيستثمر الناس هذه الأموال لتزداد، وعندها فإن القليل الناتج للجهاد من الكثير الذي لدى الناس سيكون أكثر من الكثير الذي قد يوضع في بيت المال وينتج عنه القليل للدفاع عن الوطن كما هو حالنا اليوم. هذا بالإضافة إلى أن دعم الجهاد من أموال الناس لا يعني حبس بعض أموال الأمة في مكان ما كبيت المال ليكون جامداً، بل جميع أموال الأمة في حركة استثمارية دائمة، وعندها سيكون الرمي قوياً «وباستمرار» لا محالة، وهذه هي القوة الحقة. وهذا ما قصده صلوات ربي وسلامه عليه، والله أعلم، عندما أعلن أن القوة الرمي، وهذه القوة المستمرة لا تأتي إلا في ظل الشريعة. فقد تتمكن أمة من إتقان الرمي بقهر شعوبها بسحب الأموال منهم من خلال الضرائب كما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقاً، ولكن هذا التفوق في الرمي سيكون لأمد محدود لأن الشعب المقهور لن يتمكن من دعم آلة الرمي ومؤسساته إلا لزمن وجيز لأنه أنهك اقتصادياً عن النمو.
أي أن الرمي لن يكون قوة مستمرة إلا في ظل مقصوصة الحقوق. وهذا ما تريده الشريعة لنا، أي قوة باستمرار.
.
ولتتأكد من السابق فكر أخي القارئ في الموقف الآتي: عندما نقصت الأسلحة على المسلمين فضل الرسول صلى الله عليه وسلم استعارتها من مشرك على فرض الضرائب على الناس ثم شرائها بتلك الأموال. لأنه إن فرض صلى الله عليه وسلم الضرائب على الناس لأصبحت سنة يجمع بها السلاطين الأموال لتحبس في بيت المال تحسباً لوقوع هجوم على المسلمين. فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدراعاً فقال: أغصباً يا محمد ؟ قال: بل عارية مضمونة). قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له. قال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب». وهنا استنتاج موفق للدكتور منذر قحف يقول فيه: «لم تكن الدولة الإسلامية عند الاقتراض من صفوان في حالة فقر، فقد كان جيش الرسول صلى الله عليه وسلم الذي فتح مكة اثنتي عشر ألفاً، وكان طلقاء مكة قد أسلموا، عدا بضعة أفراد يعدون على الأصابع؛ وكان في مقدور الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفرض ضريبة بسيطة جداً ليشتري هذه الأدرع الثلاثين أو الأربعين، ولكنه لم يفرض ضريبة وآثر القرض العام بدلاً من ذلك». ^ وهنا أيضاً


٦ دولة الناس
يعني .
٣٥٥
لابد من التذكير بما قلناه في فصل «الأموال» من أن قوله صلوات ربي وسلامه عليه في حق الإبل إطراق فحلها وإعارة دلوها وحمل عليها في سبيل الله ... الحديث لا مطلقاً أن للدولة الحق في أخذ بعض الإبل أو أخذ منفعتها. فمن كل ما سبق لابد وأنك اقتنعت أخي القارئ الآن أن حق الإبل في سبيل الله لابد وأن يعني أن على الناس تطوعاً استخدام أو إعارة أو التبرع بإبلهم لتغزو في سبيل الله. وأنه لا يعني قط أن للدولة أو من يمثلها (كما ذهب بعض الباحثين) الأخذ من بعض إبل الناس أو من أموالهم لدعم الجهاد.
ΔΙ
فأغلظ له؛
ثم تأمل وضع الرسول صلى الله عليه وسلم المالي. فهو لم يجمع المال قط كما ذكرنا في فصل «الأموال». فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أصحابه، فقال: (دعوه فإن لصاحب الحق ،مقالا، واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه، وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه. قال: (اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء». وفي السنن الكبرى للبيهقي «عن عائشة قالت: اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم جزوراً من أعرابي بوسق تمر عجوة، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهله تمراً فلم يجده، فذكر ذلك للأعرابي، فصاح الأعرابي واغدراه. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنت يا عدو الله أغدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالا). فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خولة بنت حكيم، وبعث بالأعرابي مع الرسول. فقال: (قل لها إني ابتعت الجزور من هذا الأعرابي بوسق تمر عجوة فلم أجده عند أهلي فأسلفيني وسق تمر عجوة لهذا الأعرابي). فلما قبض الأعرابي حقه رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : قبضت؟ قال: نعم وأوفيت وأطبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أولئك خيار الناس الموفون المطيبون». فلماذا لم يحبس صلوات ربي وسلامه عليه بعض المال لمثل هذه الظروف؟ إنه لم يجمع المال أبداً. حتى مال المتوفي الذي لا وارث له، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وخليفته أبو بكر يجتهدان في دفعه لقريب ما إن لم يكن له ورثة مهما بعد هذا القريب. تفكر في قول ابن تيمية في حديثه عن الفيء في الآتي:
ثم إنه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال المسلمين، كالأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين وكالغصوب والعواري والودائع التي تعذر معرفة أصحابها، وغير ذلك من أموال المسلمين العقار والمنقول، فهذا ونحوه مال المسلمين، وإنما ذكر الله تعالى في القرآن الفيء فقط لأن النبى ما كان يموت على عهده ميت إلا وله وارث معين لظهور الأنساب فى أصحابه. وقد مات مرة رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى أكبر رجل من تلك القبيلة. أي أقربهم نسباً ! باً إلى جدهم. وقد قال بذلك طائفة من العلماء كأحمد في قول منصوص وغيره. ومات رجل لم يخلف إلا عتيقاً له، فدفع ميراثه إلى عتيقه. وقال بذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. ودفع ميراث رجل إلى رجل من أهل قريته، وكان هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه نسب، كما ذكرناه، ولم يكن يأخذ من المسلمين إلا الصدقات. وكان يأمرهم أن يجاهدوا

هامش

و ٢) وجاء في سنن أبي داود: «حدثنا ... عن أناس من آل عبد الله بن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان: (إنـا قـد فـقـدنـا من صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا صفوان، هل عندك أدراعك أدراعا ، فهل نغرم لك؟ قال : لا يا رسول الله لأن في قلبي من سلاح ؟ قال : عارية أم غصباً ؟ قال : لا ، بل عارية . فأعاره ما اليوم ما لم يكن يومئذ. قال أبو داود وكان أعاره قبل أن يسلم ثم بين الثلاثين إلى الأربعين درعا، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم» (۷۹). حنيناً، فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعاً.


٣٥٦
في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كما أمر الله به في كتابه. ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوان جامع على عهد رسول الله وأبي بكر رضى الله عنه، بل كان يقسم المال شيئاً فشيئاً، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر المال واتسعت البلاد وكثر الناس فجعل ديوان العطاء للمقاتلة
وغيرهم » .
۸۲ 🗏

المجموعة الثانية

قارن أخي القارئ المجموعة السابقة من المواقف مع المجموعة الآتية في فعله صلوات ربي وسلامه عليه عندما كثرت لديه الأموال: ففي صحيح البخاري أن محمد بن جبير قال: «أخبرني جبير بن مطعم: أنه بينا هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس، مقبلاً من حنين، علقت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعـراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة خطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جبانا)». أي أن جماعة من الأعراب أتوا للرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما سمعوا عن تقسيمه للغنائم حتى عدلوا بناقته عن الطريق فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم حتى ألجؤوه إلى سمرة، أي شجرة من شجر البادية ذات شوك فانتزعت رداءه، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في ما معناه: أنه إن كان معه من الأنعام عدد أشجار الشوك لقسمه بينهم. فتأمل كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخر شيئاً من المال تحسباً لتجهيز جيش أو ملمات، بل كان يقسمه
من فوره.
ز ۲
ولتأكيد هذه المسألة لأهميتها لنعرض لأحاديث أخرى : ففي صحيح البخاري أيضاً عن «أنس رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين، فقال انثروه في المسجد. وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحداً إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال : يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خذ). فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع. فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلي. قال: (لا). قال: فارفعه أنت علي. قال: (لا). فنثر منه ثم ذهب يقله فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي. قال: (لا) . قال : فارفعه أنت علي. قال: (لا). فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق. فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي علينا عجباً من حرصه. ه. فما قام رسول عليه وسلم وثم منها درهم». هلا تدبرت هذا الحرص على التخلص من المال وبسرعة؟ وجاء في صحيح البخاري أيضاً «أن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، نفد ما عنده، فقال: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر ) » . وجاء في الطبقات الكبرى «عن أبي

هامش

حتى
Λε
٨٥
الله صلى
الله
ز٢) وفي حديث آخر في صحيح البخاري رواه أنس بن مالك قال عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة «كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، الحاشية، فأدركه أعرابي جذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة ثم أمر له بعطاء» (۸۳).


٦ دولة الناس
٣٥٧
الحويرث قال: قدم وفد تجيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلاً وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقال: (مرحبا بكم)، وأكرم منزلهم وحباهم وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد. وقال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سناً. قال: (أرسلوه إلينا). فأقبل الغلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أمرؤ من بني أبناء الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتي. قال: (وما حاجتك؟ قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي. فقال: (اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى ستة عشر. فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلام فقالوا: ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو أن نموت جميعا). ألم تذرف عيناك أخي
القارئ ؟
AV
٨٦
۸۸
إن في السابق أدلة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدخر المال قط سواء لإنفاقه للجهاد أو غيره. ومما يدل أيضاً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينفق كل ما يأتيه مباشرة هو أن عطاءه للوفود كان يتفاوت بمقدار ما عنده وحالة الوفود فيستنتج الهمشري قائلاً: «وكان عطاء الرسول يتفاوت بسبب الأموال وحالة الوفود، فقد أعطى وفد (ذي مرة) وكانوا ثلاثة عشر رجلاً لكل واحد عشر أواق فضة، وفضل رئيسهم الحرث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، وأعطى وفد (سلامان) وكانوا سبعة نفر لكل واحد خمس أوق لكل رجل، واعتذر بلال لهم عند عطائهم بقوله : ليس عندنا اليوم مال. فقالوا: ما أكثر هذا وأطيبه ...». فإن تأملنا هذا نستنتج أن المال قد يكون متوفراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يكون. وليس كالحكومات الحالية التي لها ميزانيات. فالميزانية تعني حبس المال الآتي لصرفه مستقبلاً بالتخطيط لإنفاقه. أما فعله صلوات ربي وسلامه عليه فلم يذر شيئاً في بيت المال. فقد كان الناس يسألوه ولا يعطيهم أحياناً لعدم توفر المال حينئذ. فعن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطه، فتغيظ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم يأتينا فيسألنا، فإن لم نجد ما نعطيه تغيظ، وإنه من سأل وله أوقية، أو عدلها فقد سأل الناس إلحافاً». بل حتى يمكن القول أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بالإضافة لتفضيله الاستقراض على فرض الضرائب، كان يعد الناس بالعطاء متى ما توفر المال. وفي هذا تجفيف أشد لموارد بيت المال ليبقى خاوياً على الدوام. أي كلما أتى مال ذهب مباشرة لتغطية الديون أو الوعود بالعطاء. فقد جاء في صحيح البخاري «عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا). فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم. فلما جاء مـال البحرين أمر أبو بكر فنادى من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا. فأتيته فقلت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي كذا وكذا. فحثى لي حثية خمسمائة وقال: خذ مثليها». ٨٩ و إن كان هذا هو سلوك أولي الأمر، ففي مثل هذه الأحوال بالطبع لن ينجذب ضعاف النفوس للعمل للسلاطين لأنهم يوقنون أن ما قد يأتي من مال سيذهب مباشرة لسداد الديون. فإذا ما قارنت المجموعتين السابقتين من المواقف أخي القارئ فسيظهر لك السؤال الآتي: لقد كان المال يأتي للرسول صلى الله عليه وسلم باستمرار وكان ينفقه في يومه باستمرار ولا يدخره، فلماذا لم يقم بحفظ بعض المال
فعددتها فإذا .
هي .


٣٥٨ 🗏
۹۰
الذي غنمه المسلمون مثلاً ليدخره لتجهيز المجاهدين لاسيما أنه علم أن الجهاد دائم ولن يتوقف؟ فهو الذي قال: ... والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل. أي لماذا لم يضع ميزانية كما تفعل الدول وهو يدرك أن الجهاد مستمر ؟ والإجابة هي أنه صلوات ربي وسلامه عليه مأمور. ففي صحيح البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت). وفي هذا تأكيد على أنه صلوات ربي وسلامه عليه إنما ينفذ أمراً سماوياً بالقسمة كجميع تعاليم الدين الأخرى. لأنه إن حفظ بعض المال لأدى ذلك إلى ظهور مؤسسات كوزارات الدفاع ولأصبحت مسؤولية الدفاع عن الأمة حكراً لشريحة معينة من الناس وهذا ما يرفضه الشرع، لأن ذلك سيؤدي لطائفة تتمتع بمهارات عسكرية مما يشعر هذه الطائفة بالقوة، وبذلك ستصبح هذه الطائفة متسلطة على أفراد الأمة، وبهذا ينقسم المجتمع إلى قوي وضعيف، وطائفة حاكمة وأخرى محكومة، وهذه الطائفة قد تسخر تلك الأموال لأهوائها كما أثبت لنا التاريخ.
هكذا أصبح العمل العسكري وظيفة» وليس «عبادة»، فهؤلاء الجند يطيعون الحكام، وهذا أوجد التخلف الذي نحن فيه، فهؤلاء الحكام ليس لهم هم إلا الاستمرار في الحكم. فالشعار هو كما هو معلوم: إما أن نحكمكم أو أن نقتلكم، فكان التخلف كما سأثبت بإذن الله. وكما ترى فإن المهم هو أن الدفاع عن الأمة جهاد في سبيل الله، وهذه عبادة مفروضة على كل من استطاع بالمال والنفس. وعندما يعلم الكل أن عليه الانخراط في الجهاد وأن عليه أن يكون دوماً مستعداً، فعندها سيحاول الكل اكتساب مهارات القتال، فيتقارب الأفراد في مهاراتهم القتالية فيصعب على شريحة استعباد وتسخير شريحة أخرى لمصالحها. لذلك نقول بأن الإسلام دولة الناس وهذه هي القوة الحقة. أي أن من مواصفات المجتمع المسلم الدمج التام بين الوظيفتين العسكرية والمدنية، ولا وجود للطبقة السياسية كما سنوضح في فصل «المدينة» بإذنه تعالى. لذلك فإن ما أتى به الرسول صلوات ربي وسلامه عليه يعتبر ثورة بالنسبة لأفكار تنسيق المجتمعات في عصره. فقد كان المجتمع الروماني والفارسي في زمنه صلى الله عليه وسلم مقسوماً لطبقة العسكر والطبقة الحاكمة والعامة كأيامنا هذه. أي أنها كانت مجتمعات ضالة كمجتمعات اليوم. فأتى الإسلام بمنظومة مختلفة للحياة فاجأت تلك المجتمعات الضالة وتغلبت عليها. وأدرك أخي القارئ بأنك لازلت تقول: ولكن الغزوات في السابق كانت بدائية، فهي بالخيول والسيوف والرماح، أما الآن فهي بالطائرات والصواريخ، فكيف يترك الأمر للناس وليس لجهة متخصصة ؟ فأقول: إن وضع الجهاد كما أتى به الإسلام هو الأفضل للأمة كما سأوضح بإذن الله. ألا ترى حال المسلمين اليوم من هوان وذل أمام اليهود وأسلحة الدول الإسلامية تهترئ في المخازن فلن يكون الوضع أسوأ مما هو عليه الآن إطلاقاً، وسنوضح هذا أكثر في الحديث عن الأمن. ونفس هذا المنطق ينطبق على جميع شؤون الحياة الخرى كالصحة والتعليم والعمران كما سترى بإذن الله.

يوسف عليه السلام

إن المتأمل للسابق لابد وأن يتبلور في ذهنه سؤال محير ألم يكن لدى الرسول صلى الله عليه وسلم أي تخطيط ؟ فهو يعطي من أتوا إليه من الأموال ثم يقترض الأسلحة للإعداد للمعركة وفي هذا كما يتبادر لذهن كل


٦ دولة الناس
٣٥٩
علماني تناقض واضح لاسيما أنه رسول مأمور بنشر الدعوة ومحاربة من عاداه بالإعداد الدائم لهذه المهمة، وقد يقول قائل: إن هذا لا يتأتى إلا بخزن الأموال لشراء السلاح أخي القارئ إن في هذا التناقض لإعجاز بالنسبة لي يثبت أن محمداً صلوات ربي وسلامه عليه مرسل من رب العالمين. كيف ؟ إن التخطيط سواءً كان اقتصادياً أو اجتماعياً أو عمرانياً ثلاثة أنواع من حيث الحقوق: التخطيط للذات والتخطيط للأعداء والتخطيط للآخرين. وبالطبع فإن هذه الأنواع الثلاثة تتداخل لبلوغ هدف مستقبلي كما ينظر له العلمانيون. فتحت مظلة التخطيط العـام تُعطى الحقوق للأفراد ليخططوا في ظلها، وهكذا فإن جميع أنواع التخطيط مباحة ومتداخلة فأصبح التخطيط علماً.
لنوضح . هذه النقطة :
تخطط
للأمة
في ع عصر العولمة، ونظراً لأن الشريعة لم يعمل بها، فالدولة هي التي تخطط عادة. فهي تخطط للأمن مثلاً وذلك من خلال إنشاء وزارة الداخلية وما تحتاجه من مؤسسات كالشرطة والمباحث، وهذه حتى تصل لأهدافها الأمنية تضع متطلبات للناس مثل ضرورة حمل الجوازت عند السفر، ومن لم يحملها أو من لم يحصل على تأشيرة سفر لن يتمكن من التنقل من مكان لآخر. أي أن المسلم قد فقد حقاً من حقوقه، ففي الإسلام يحق للمرء التنقل دون حدود ) كما سيأتي بإذن الله. أي أن التخطيط أدى لمتطلبات تغير مقصوصة الحقوق. ومن الأمثلة الأخرى المعروفة ضرورة الحصول على ترخيص لفتح محل تجاري من وزارة التجارة التي تخطط لاقتصاد البلد، وضرورة الحصول على ترخيص للبناء من البلديات التي تخطط للمدن. أي أن التخطيط العام للدولة يؤدي إلى توزيع الحقوق لمؤسسات حكومية توزع هي من ثم الحقوق على جهات أخرى، وهكذا تتداخل جميع أنواع التخطيط الثلاثة. فوزارتا الدفاع والخارجية تخططان للأعداء، ووزارة البلديات تخطط للمدن، ووزارة التعليم للتعليم، والمؤسسات الخاصة كالشركات تخطط لنفسها للمزيد من الربح. لكل هذا فقد ظهر ميدان التخطيط كعلم له أدواته وأفكاره كما قلت، ففي التخطيط للمؤسسات هناك التخطيط الإستراتيجي وهو على أنواع منها مثلاً ما عرف بتخطيط سوات swot، وفي التخطيط للمدن هناك التخطيط العقلاني الشامل rational comprehensive planning، وفي التخطيط الاقتصادي هناك نظريات كينز وما بعدها من نظريات (وسنأتي عليها بإذن الله)، وجميع هذه النظريات التخطيطية لها أسسها العلمية التي تتمحور حول إيجاد صورة ذهنية للمستقبل وإجراءات الوصول لهذه الصورة من خلال أهداف واضحة. إلا أن المشكلة في هذه النظريات هو أنها، برغم أنها تخطيط للذات، إلا أنها ستؤثر على الآخرين بالضرورة. فالدولة تعتبر نفسها ذات واحدة وتخطط لنفسها (كوضع الخطط الخمسية مثلاً) إلا أن خططها ستقيد الآخرين. فإن خططت لاقتصادها بوضع ضرائب من نوع ما، فهي إنما تضع قيوداً على الآخرين. وهكذا كلما فكرت في التخطيط تجد أن أنواعه تتداخل لتقيد بعضها بعضاً، كل تخطيط يضع الإطار لجماعة أخرى تتحرك داخلها وتخطط لنفسها لتجد نفسها تخطط للآخرين، أي أن جميع الأنواع الثلاثة تتداخل.
أما في الإسلام فإن الوضع غير ذلك: فبالنسبة للتخطيط للذات فهذا من حق الفرد أو الجماعة شرعاً كما سترى بإذن الله، فلكل فرد الحق في التخطيط لوقته أو ماله. فللفرد تخطيط أرض كبيرة لإنشاء مجمع سكني مثلاً بإحيائها. وهذا ينطبق أيضاً على الجماعة: فلكل جماعة الحق في التخطيط لنفسها، كالشركاء في المال الذين يستثمرون أموالهم دونما الحصول على ترخيص من أحد. وبالنسبة للتخطيط للأعداء، فهو أمر معروف ومطلوب شرعاً ويعني التربص بالأعداء والقيام بكل ما هو مطلوب للاستعداد لهم لردعهم. أما التخطيط للغير فهو مرفوض


٣٦٠ 🗏
في الإسلام، كيف؟ قد يقول قائل بأن النصر على الأعداء لا يتأتي إلا بالتخطيط الإقتصادي السديد للأمة الذي ينهض بها ويوفر لها ما تحتاجه من نفقات للتجهيز الحربي. وهنا الكارثة لأن أي تخطيط اقتصادي لابد وأن يعني التخطيط للغير، وهو النوع الثالث من أنواع التخطيط الذي يرفضه الإسلام وسنوضح التخطيط للأعداء في فصل «المدينة» بإذنه تعالى. ولكن باختصار، فإن النصر على الأعداء لن يكون إلا بأمة قوية اقتصادياً وهذا لا يتأتى إلا بتطبيق مقصوصة الحقوق وليس كما يذهب المعاصرون بالقول أن ذلك لا يكون إلا بالتخطيط. فمتى ما استخدم التخطيط لإيجاد قوة اقتصادية فإن هذا لابد وأن يعني الضعف الاقتصادي لأن التخطيط متى ما استخدم في أي أمة لابد وأن يكون باستخدام العقل القاصر الذي لا يعلم الغيب كما قلنا في فصول سابقة، أي تخطيط جماعة من الأمة لباقي أفراد الأمة، أي التخطيط للآخرين (أي النوع الثالث من أنواع التخطيط من حيث الحقوق). وهذا النوع هو ما تمنعه الشريعة. كيف؟
تذكر أخي القارئ ما قلناه في الفصول السابقة من أن أي تخطيط لابد وأن يعني أخذ حقوق من البعض ومنح آخرين حقوقاً لم تكن لهم وأن في هذا حكم بغير ما أنزل الله وأن هذا سيؤدي لتلوث بيئي وفساد خلقي (كما سيأتي بإذن الله). لهذا لم يجمع صلوات ربي وسلامه عليه المال في بيت المال وآثر إنفاقه مباشرة لأنه رسول مأمور بالوحي كما ذكرنا. فهو ينفذ ما يؤمر به، فإن لم يكن رسولاً من رب العالمين لتأثر بما حوله من أنظمة حكم آنذاك كانت تجمع المال من الناس للتجهيز الحربي، وفي هذا إعجاز تشريعي إذ أن الرسول المصطفى الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم مأمور من ربه وكان ينفق كل ما يأتيه وذلك حتى تستقر الأموال في أيدي الناس الذين سيحرصون على استثمارها فتزداد الأمة قوة في اقتصادها. ولعل الأهم هو تلافي استقرار الأموال في بيت المال حتى لا تكون مطمعاً للرذلاء للوصول إليها ثم تنفق تحت مظلة التخطيط الذي سيخرج الأمة بالضرورة عن الحكم بما أنزل الله. ولكنك قد تقول: إلا أن إنفاقه صلوات ربي وسلامه عليه كان جزافاً، فكان يعطي من أتاه في يومه دونما أي تريث لينتقي من بين الناس الأحوج منهم فيعطيهم فأقول هنا الإعجاز ، لأنه إن أراد التريث في الإنفاق فهذا يعني بقاء المال في بيت المال ليوم أو يومين، وهنا قد يأتي السلاطين من بعده ويسيرون على سنته ويحبسون الأموال لأيام أكثر، فحتى حبس المال ليوم أو يومين سيكون ذريعة للسلاطين الذين يقومون مقامه في الإنفاق) للتريث في الإنفاق. وهنا سيأتي سلاطين لا محالة (كما أثبت لنا التاريخ لينفقوا تلك الأموال بأهوائهم، أو في أحسن الأحوال بالتخطيط لإنفاقها في مشروعات مدنية ما يؤدي للرشاوي كما سترى بإذن الله. هكذا تخرج الأمة من حكم الله لأن في التخطيط للغير حكم بغير ما أنزل الله وما له من عواقب. فكان الأصلح جذ المسألة من جذورها بعدم ترك المال يبيت في بيت المال أبداً. فهلا قرأت الآتي بتأن: جاء في سنن أبي داود:

هامش

حـ٢) إن كلمة «تخطيط » في مفهومها نابعة من الغرب، وهي بذلك لا من جهة ثانية لم أرد استحداث كلمة أخرى ذات صفة سلبية لوصف تميز بين التخطيط للغير أو للذات، لذلك أرجو أن تلاحظ أنني ما يقوم به المخططون المعاصرون سواءً كان في الاقتصاد أو العمران استخدمت كلمة «تخطيط » بطريقة سلبية في الحديث عن التخطيط أو الاجتماع. لذلك أرجو الانتباه لهذه النقطة التي تثير معظم القراء، للغير واستخدمتها بطريقة إيجابية في الحديث عن التخطيط للذات فهم يتألمون عندما يقال أنه لا تخطيط في الإسلام لأن هذا معناه علما أنها كلمة ذات معنى واحد في المفهوم العلماني. لقد فعلت ذلك الفوضى بالنسبة لهم إذ أن الفهم السائد هو أن في التخطيط تنظيم حتى لا أزيد المسألة تعقيداً من جهة (لأن التخطيط مذموم للغير في يؤدي لزيادة الإنتاج، وأن النقيض لديهم هو الفوضى وليس الخروج الإسلام لأنه كما قلنا لابد وأن يعني تغيير مقصوصة الحقوق، ولأنني عن مقصوصة الحقوق. لذلك وجب التنويه.


٦ دولة الناس
٣٦١
عن زيد أنه .
سمع
أبا سلام قال: حدثني عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالاً مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فاستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه حتى اعترضني رجل من المشركين فقال: يا بلال إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني. ففعلت، فلما أن كان ذات يوم : توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي، قلت: یا لباه. فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قريب. قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك. فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني. فخرجت حتى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشر فقد جاءك الله بقضائك). ثم قال: ألم تر الركائب المناخات الأربع ؟) فقلت: بلى. فقال: (إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيم فدك، فاقبضهن واقض دينك). ففعلت. فذكر الحديث: ثم انطلقت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد، فسلمت عليه فقال : ما فعل ما قبلك؟ قلت : قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق شيء. قال: أفضل شيء ؟ قلت: نعم. قال: (انظر أن تريحني منه فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد. فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقص الحديث، حتى إذا صلى العتمة يعني من الغد دعاني قال: (ما فعل الذي قبلك؟) قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله. فكبر وحمد الله شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك. ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته. فهذا الذي سألتني -
عنه».
ولقد ذكر الحديث أيضاً في سنن البيهقي والبزار والمعجم الأوسط والكبير بألفاظ مختلفة وفيها ذكر لعدم دخوله صلوات ربي وسلامه عليه إلى أهله حتى يتم إنفاق جميع المال، وأنه بات في المسجد إلى أن تم ذلك، حتى أن أبا عبيد خصص فصلاً في كتابه «الأموال» عن «تعجيل إخراج الفيء وقسمته بين أهله». وبالطبع فإنه خص التعجيل لأموال الفيء لأن الأموال كانت كما قال ثلاثة هي الصدقات والغنائم والفيء. فالصدقات توزع في مواضعها كما مر بنا، وكذلك الغنائم في أرض المعركة، إلا أن الفيء هو الذي كان يؤخذ وكان يمكن أن يدخر حتى ينفق، غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعجل قسمته بشكل ملفت للنظر مما دفع أبا عبيد، والله أعلم، لتخصيص فصل لهذه المسألة في كتابه. وفي هذا الفصل يقول أن الحسن بن محمد قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبل مالاً عنده ولا يبيته، قال أبو عبيد : يعني أنه إذا جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاءه عشية لم يبيته حتى يقسمه». وقد ورد في الصحيح أنه صلى بأصحابه العصر ذات يوم ثم قام فزعاً يتخطى الرقاب، فلما رجع سألوه فقال: ذكرت شيئاً من تبر كان عندنا فكرهت أن يحبسني فذهبت فوزعته). فتصور
۹۱


٣٦٢ 🗏
هذا الحرص منه صلى الله عليه وسلم على ضرورة الإنفاق دونما تأخير. حتى وإن كان المال جد كثير فإنه يصر على إنفاقه. ففي البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين . " وهذا بالطبع ينطبق على جميع الأموال سواءً كانت فيئاً أو صدقة أو غنيمة. فمن ذا الذي يستطيع إنفاق مثل أحد ذهباً في ثلاثة أيام؟ ولكنك قد تقول إن يوسف عليه السلام كان مخططاً بارعاً. فهو قد جمع الاحتياطي من الأقوات لسبع سنين ليوزعها على الناس في السبع السنين العجاف التالية. فياله من تخطيط ؛ كما أنه حصل على التمكين اللازم لذلك. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ . وإن علمنا أن سورة يوسف مكية، وأنها تثبت التخطيط في القرآن كما يقول البعض، فلماذا لم يخطط الرسول صلى الله عليه وسلم؟ كما قد تستنتج أيضاً من قصة يوسف أن اجتماع التمكين مع الذكاء للمخطط لابد وأن يؤدي لتخطيط فذ في مصلحة الأمة بدليل قصة يوسف عليه السلام!! فأقول: إن هذا صحيح إن تم للمخطط العلم بالغيب وكان نزيهاً. والنزاهة متوفرة لدى البعض الذين يمكن اختيارهم لمواقع قيادية، ولكن ليس العلم بالغيب. إن ما قام به يوسف عليه السلام من تخطيط ضرورة لأنه قد علم الغيب من خلال الرؤيا التي أولها بأن السبع البقرات السمان سيأكلهن سبع عجاف. وهذا وضع لن يحدث لأي منا الآن لأننا لا نعلم الغيب (تذكر ما قلناه من أهمية الربط بين علم الغيب والتخطيط سابقاً). حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب. ألم يأمره الحق سبحانه وتعالى بالقول: ﴿قُل لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، وأمـره عـالم الغيب والشهادة بالقول: ﴿قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وأمره العليم الحليم بالقول: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذَا لَمِنَ الظَّلِمِينَ﴾ * ولأن سنته صلوات ربي وسلامه عليه هي خاتمة الأديان فيجب ألا تعتمد على علم الغيب، فلكل أمة منسكها وشرعتها ومنهاجها. قال تعالى: ﴿لِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم﴾ . وقال أيضاً: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ . أي أن ما كتبه الله لنا من منسك وشرعة ومنهاج لا يعتمد على علم الغيب أبداً، لذلك أراد لنا العليم الحكيم البلوغ للعزة والسعادة بطريق آخر دون اللجوء للتخطيط الذي يستلزم علم الغيب. وهذا الطريق الآخر هو مقصوصة الحقوق التي تصر فيها الشريعة على إنفاق المال وعدم حبسه في بيت المال للحكم الثلاث التي ذكرناها في أول هذا الفصل والله أعلم. فمضار جمع المال في بيت المال يفوق مضار إنفاقه مباشرة حتى وإن ذهب كأعطيات للوفود. وهنا ملحوظة لابد من التنويه إليها وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان غالباً ما ينفق لحوائج المسلمين بالاقتراض ثم يسدد ذلك مما يأتيه كما رأينا ذلك فيما ذكره بلال رضي الله عنه، ككسوة إنسان مسلم. وهذا يعني أن ما أنفق كان بدافع الحاجة القصوى، وفي هذا بالطبع حكمة في الإنفاق وليس


٦ دولة الناس
٣٦٣
جزافاً كما قد يفهم. فكانت جل النفقة لسداد الديون (ديون الدولة التي أنفقت للناس المحتاجين وليس لمشروعات أو غيرها من نفقات (كما ستتأكد أكثر بإذنه تعالى. وهذه الإستراتيجية الإنفاقية هي ما على المسؤولين في الدولة القيام به ولا تنطبق على الأفراد الذين كان لهم ادخار نفقة سنة قادمة إن أرادوا ذلك، فللأفراد التخطيط لأنفسهم إن خافوا من الوقوع فريسة للديون وبالتالي المذلة. أما المسؤولون عن بيت المال فعليهم الإنفاق على المحتاجين من الناس حتى بالاقتراض لأن في ذلك عزةً للأفراد وتحريراً لهم فيتحولوا لأفراد منتجين (وسيأتي بيانه بإذن الله). لذلك قلنا أن التخطيط للغير قد حاربه الإسلام، أما التخطيط للذات فهو أمر مطلوب. أي أن القاعدة هي أن يخطط كل لنفسه ولا يخطط لغيره، بينما تضع الشريعة الإطار الذي يسير فيه الجميع (أي من يخططون لأنفسهم) حتى لا يصطدموا مع بعضهم من جراء تضارب مصالحهم كما سيأتي بإذن الله، وشتان بين هذا وبين ما يذهب إليه من قدموا عقولهم على النص، أي ما يذهب إليه العلمانيون. فالقاعدة عندهم هي أن يخطط كل لنفسه وله التخطيط لغيره إن كان مسؤولاً عن ذلك. فهلا تأملت هذا الفرق الجوهري بين المنهجين والذي يمكن اختصاره في الآتي: أحدهما يخطط للآخرين (العلماني) والآخر (أي الإسلام يرفضه، وحتى يتم إقفال باب التخطيط للآخرين كان لابد لبيت المال أن يكون خاوياً في شرعة الإسلام. ولكن ماذا عن مصرف خمس الغنيمة؟ ألا يعد مالاً للتجهيز الحربي؟ وماذا عن الجزية والفيء؟

ثانياً: حركة المال

إن حركة المال من خلال دراسة الفيء والخمس هو مثالنا الثاني لتوضيح سنته صلوات ربي وسلامه عليه في أنه لم يحاول إنشاء دولة بمفهومها الذي كان عند الروم والفرس والذي انبثق منه مفهوم الدولة الحديثة، بل وضع مفهوماً مختلفاً تماماً. وسأضع الآن طرحاً ثم أقوم بالدفاع عنه في باقي الكتاب. والطرح هو: إن كمية المال الموجود في بيت المال أو وزارة المالية وسرعة حركته مؤشر على صحة الأمة .وعزتها أي أن لدينا مؤشرين، أحدهما كثرة المال وقلته في بيت المال والثاني سرعة حركته في الخروج منه. فكلما زادت سرعة خروج المال من بيت المال كلما زادت الأمة عزة وقوة وإنتاجاً، والعكس صحيح، أي كلما زاد بقاء المال في بيت المال كلما ضعفت الأمة. أما كثرة المال المنفق وقلته فهو مرتبط بزمن اتساع رقعة الدولة المسلمة. فعند زيادة الرقعة في الاتساع تكثر الأموال التي ترد بيت المال، وعندها تكون الأمة عزيزة، أما إن توقف الاتساع، وحتى إن كانت الدولة كبيرة، فيجب انخفاض تدفق المال لبيت المال لتبقى الأمة عزيزة، وإلا ذلت أي لا وجود لبيت المال إلا لحظياً. أي إن لم تكن الدولة في توسع مستمر وكثر مال بيت مالها فذاك مؤشر لاتجاه المجتمع نحو الضعف لأن مصدر المال حينئذ ليس من الغنائم والفيء ولكن من الضرائب على الناس كما حدث مع جميع الدول كالأموية والعباسية والفاطمية والمملوكية والعثمانية وغيرهم، وعندها تنفق الأموال في غير محلها. ألا ترى السلاطين ينفقون على من أرادوا كالشعراء والقادة لكسب الولاء وعلى ما يمتعهم كبناء القصور.
وللتوضيح أقول: لقد رأينا في فصل «الأموال» كيف أن الزكاة كانت تخرج من الناس وإلى الناس وليس بالضرورة من خلال المرور ببيت المال، ورأينا كيف كان تقسيم أربعة أخماس الغنائم مباشرة دون الذهاب لبيت


٣٦٤ 🗏
المال، إذ لم يكن هناك (والله أعلم) بيت مال في عهده صلوات ربي وسلامه عليه. فلم أجد مما قرأت ما يشير إلى وجود مؤسسة ذات موظفين أو عمال أو مقر ذي مبنى يسمى بيت مال في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، بل هو المسجد يأتي إليه المال وينفق منه في يومه، بالإضافة للمسجد فلعل هناك موقعاً مفتوحاً تحبس فيه مؤقتاً بعض الأنعام التي تصل للرسول صلى الله عليه وسلم كزكاة. هنا يظهر سؤال مهم لابد من تقصي الإجابة عليه قبل الإستمرار هو: كيف أصبح بيت المال مؤسسة حكومية؟

الديوان

97
إن الديوان مسألة جوهرية لموضوع قص الحق، وقد يساء فهمه، لذلك لابد من التأني بعض الشيء في تقصيه، وسأقوم بشرحه بإيجاز في هذا الفصل ثم أوضح تأثيره على الأمة في فصل «الديوان». فنظراً لأهميته فقد خصصت له فصلاً كاملاً. ما هو الديوان؟ جاء في لسان العرب: «الديوانُ أَصله دوان، فعوض من إحدى الواوين ياء لأنه يجمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية لقالوا دياوين، وقد دونت الدواوين. قال ابن بري: وحكى ابن دريد وابن جني أنه يقال دياوين». وجاء في القاموس: «الديوان ويُفتح مجتمع الصحف والكتاب، يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه عمر رضي الله تعالى عنه جمعه دواوين ودياوين». قال ابن عرفة: «الديوان لقب لرسم جميع أنواع المعدين لقتال العدو بعطاء» . " فهو إذاً قوائم لسجلات تحوي أسماء أفراد سيحصلون على مال أو نفقة من الدولة. وهذه السجلات متعددة، منها مثلاً ديوان الشهداء، وهي كما جاء في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: «قوله: كتب في ديوان الشهداء: الديوان بالكسر ويفتح مجمع الصحف والكتاب، يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه عمر رضي الله . عنه، قاموس، فالمراد أنه يكتب اسمه مع أسمائهم في محل كتابتهم، والمراد منه ومما قبله أن يعطي ثوابهم وإن تفاوتت الكيفيات» . " ومن الدواوين أيضا ديوان قبيلة ما، کديوان حمير مثلاً أو ديوان خزاعة أو حتى اجتماع جماعة معينة لتحمل ديـة فـرد منهم كالعاقلة. ففي الإستذكار مثلاً:
«وأجمع أهل السير والعلم بالخبر أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الإسلام وكانوا يتعاقلون بالنظرة، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى - جعل عمر الديوان. واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان وجمع به الناس وجعل أهل كل جند يداً، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو».
۲
ولعلك لاحظت من السابق بأن الديوان لم يوجد في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، بل ظهر في عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه. فقد جاء في البحر الرائق: ويقال إن عمر رضي الله تعالى عنه أول من دون

هامش

ط٢) العاقلة لغة جمع عاقل، وهم الذين يغرمون العقل، وهي الدية لعلمهم بحاله.... والعاقلة عند أكثر الفقهاء العصبات من أهل وإنما سميت الدية عقلاً لوجهين كما يقول د. نزيه حماد: «أحدهما العشيرة. وعند الحنفية: أهل الديوان لمن هو منهم، وقبيلته التي تحميه أن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول والثاني أنها تعقل الدماء عن فيمن ليس منهم» (۹۸).
السفك. أي تمسكها. وقيل: لأنهم يمنعون من يحملونها عنه من الجناية


٦ دولة الناس
٣٦٥
الدواوين في العرب، أي رتب الجرائد للعمال وغيرها كذا في المصباح». ومما يؤكد هذا أن الديوان كمؤسسة هو لم تظهر في السنة النبوية لا فعلاً ولا حتى اسماً. ولابد للباحث من ملاحظة هذا والتنبه إليه. فقد ذكر ابن منظور مثلاً في ثنايا شرح الديوان: وفي الحديث: لا يجمعهم ديوان حافظ، قال ابن الأثير: هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. وأول من دَوَّنَ الديوان عمر ، رضي الله عنه، وهو فارسي معرب». فتلحظ في النص السابق قول ابن منظور: «وفي الحديث: لا يجمعهم ديوان حافظ»، فهذا قول قد يستنتج منه الباحث أنه كان هناك ديوان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. إما إن رجعنا لمصدر قول ابن منظور وغيره في الحديث فسيتضح لنا أنه من كلام كعب بن مالك رضي الله عنه عندما روى قصة تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. ففي صحيح البخاري في الحديث الطويل يقول كعب رضي الله عنه: «... . ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان ...». ويقول ابن حجر موضحاً السابق من قول كعب ولا يجمعهم ديوان حافظ ، يعني كعب بذلك الديوان، يقول لا يجمعهم ديوان مكتوب، ... وقوله يريد الديوان هو كلام الزهري، وأراد بذلك الاحتراز عما وقع في حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اكتبوا لي من تلفظ (بالإسلام). وقد ثبت أن أول من دون الديوان عمر رضي الله عنه،
.«...
ك ٢
ففعله رضي
الله
أرجو ألا تسـ تستنتج أخي القارئ من السابق أنني أسحبك إلى تخطئة فعل الخليفة عمر رضي الله عنه، كلا، عنه قد يكون صائباً «لوقته». فلم يشكك أحد من الفقهاء في شرعية تدوين الدواوين. فهذا ابن تيمية يشير إلى أن الدواوين سنة وإن كانت تسمى في اللغة بدعة بقوله: «بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله، يعنى من الاجتماع على مثل هذه، وهي سنة من الشريعة؛ وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وهي الحجاز واليمن واليمامة وكل البلاد الذي لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب، ومصر الأمصار كالكوفة والبصرة، وجمع القرآن في مصحف واحد، وفرض الديوان والأذان الأول يوم الجمعة وإستنابة من يصلي بالناس يوم العيد خارج المصر ونحو ذلك مما سنه الخلفاء الراشدون لأنهم سنوه
بأمر الله ورسوله، فهو سنة وإن كان فى اللغة . يسمى بدعة؛ وأما الجهر بالنية وتكريرها فبدعة سيئة

هامش

ي٢) جاء في الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى عن توقيت ذلك بالأمور وقوتهم على الجلى والخفى وجمعهم لما شذ وتفرق، ثم سمي الآتي: «وفي سنة خمس عشرة وضع عمر الديوان وفرض العطاء مكان جلوسهم باسمهم، فقيل ديوان. وأول من وضع الديوان في للمسلمين ولم يكن قبل ذلك، وروى الزهري عن ابن المسيب أن ذلك الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه». وبالنسبة لقوله صلى الله كان في المحرم سنة عشرين» (۹۹). عليه وسلم: (اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس)، فهو حديث
ك٢) الحديث طويل وقد وضعت جزءاً منه في الحاشية. كما تلحظ في صحيح البخاري وشرحه ابن حجر على أنه كانت «من عاداتهم من قول ابن منظور عن الديوان أيضاً أن الكلمة أصلها فارسية ثم كتابة من يتعين للخروج في المغازي»، أي ليس بالضرورة سجلاً عربت. وهذا ما وضحه الماوردي إذ قال: «وفي تسمية ديوان وجهان لأفراد يعطون أرزاقاً قبل الغزوة. فالنص الكامل للحديث هو: «عن أحدهما أن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون حذيفة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لي مع أنفسهم فقال : ديوانه، أي مجانين فسمي موضعهم بهذا الإسم ثم من تلفظ بالإسلام من الناس. فكتبنا له ألفاً وخمس مائة رجل، فقلنا حذفت الهاء عند كثرة الاستعمال تخفيفاً للاسم فقيل ديوان. والثاني نخاف ونحن ألف وخمسمائة، فلقد رأيتنا ابتلينا، حتى أن الرجل أن الديوان بالفارسية اسم الشياطين ، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم ليصلي وحده وهو خائف، ...» (١٠٠).


٣٦٦ 🗏
ليست مستحبة باتفاق المسلمين لأنها لم يكن يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه
الراشدون».
أثاب الله شيخ الإسلام ابن تيمية في توضيح ما ذهب إليه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فها هو يشرح البدعة في موضع آخر بقوله:
«وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات فقال: أخاف عليك الفتنة. فقال له السائل: أي فتنة في ذلك ؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله عز وجل. قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله . وقد ثبت فى الصحيحين أنه قال: (من رغب عن سنتي فليس مني. فأي من ظن أن سنة أفضل من سنتى فرغب عما سننته معتقداً، أنما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس مني، لأن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن النبي أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة. فمن قال : أن هدي غير محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من هدي محمد فهو مفتون بل ضال. قال الله تعالى إجلالا له وتثبيتا لحجته على الناس كافة ﴿فَلْيَحْذَر الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي وجيع. وهو صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين باتباعه وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه واستحباب ما أحبه وأنه لا أفضل من ذلك، فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره. وفي صحيح مسلم عن النبي أنه قال: هلك المتنطعون)، قالها ثلاثاً. أى المشددون في غير موضع التشديد. وقال أبي بن كعب وابن مسعود: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول: نعمت البدعة هذه، فإنها بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل هذه وهي سنة من الشريعة. وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ومصر الأمصار كالكوفة والبصرة وجمع القرآن فى مصحف واحد، وفرض الديوان وغير ذلك. فقيام رمضان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال، وكانوا على عهد رسول الله يصلون جماعة وفرادى، لكن لم يداوم على جماعة واحدة لئلا يفترض عليهم، فلما مات استقرت الشريعة، فلما كان عمر رضى الله عنه جمعهم على إمام واحد، والذي جمعهم أبي بن كعب، جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعمر هو من الخلفاء الراشدين حيث يقول صلى
الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، ل ۲ يعني الأضراس لأنها أعظم في القوة».
ولكن ما الذي دعى الخليفة عمر رضي الله عنه إلى وضع الديوان ؟ إنها الحقوق. يقول الماوردي موضحا: «والديوان موضوع . لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال». ثم يلخص الماوردي سبب وضع الخليفة عمر رضي الله عنه للديوان بقوله:

هامش

ل٢) ويقول ابن تيمية أيضاً مدافعاً عن الخليفة عمر رضي الله عنه «ثم استخلف عمر فقهر الكفار من المجوس وأهل الكتاب وأعز ، وقول النبي صلى الله الإسلام ومصر الأمصار وفرض العطاء . ووضع الديوان ونشر العدل عليه وسلم : ( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا وأقام السنة وظهر الإسلام في أيامه ظهوراً بان به تصدیق قوله تعالى قيصر بعده، و ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، فكان و﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ عمر رضي الله عنه هو الذي انفق كنوزهما، فعلم أنه أنفقها في سبيل ، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ الله وأنه كان خليفة راشدا مهديا ثم جعل الأمر شورى في ستة ...»
.(1+1)


٦ دولة الناس
عداً.
واختلف الناس في سبب وضعه له، فقال قوم سببه أن أبا هريرة قدم عليه بمال من البحرين فقال له عمر : ماذا جئت به؟ فقال خمسمائة ألف درهم. فاستكثره عمر فقال له: أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مئة ألف خمس مرات فقال عمر ا أطيب هو ؟ فقال : لا أدري. فصعد عمر المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلاً، وإن شئتم عددنا لكم فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديواناً لهم، فدون أنت لنا ديواناً. وقال آخر : بل سببه أن عمر بعث بعثاً وكان عنده الهرمزان فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف منهم رجل وآجل بمكانه فمن أين يعلم صاحبك بـه، فأثبت لهم ديواناً. فسأله عن الديوان حتى فسره لهم. وروى عابد بن يحيى عن الحارث بن نفيل أن عمر رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئاً. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أرى مالاً كثيراً يتبع الناس، فإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديواناً وجندوا جنوداً، فدون ديواناً وجند جنوداً. فأخذ بقوله ودعا عقيل بن أبي طالب ومخزمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من شبان قريش وقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبدؤا ببني هاشم فكتبوهم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة ثم رفعوه إلى عمر. ر. فلما نظر فيه قال: لا ما وددت أنه كان هكذا، ولكن ابدؤا بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله. فشكر العباس رضوان الله عليه على ذلك ...».
رضي
٣٦٧
أي أن أهم دافع لوضع الديوان هو كثرة المال والحاجة لطريقة تنظم تقسيمه، فكانت فكرة الديوان. ولعلك لاحظت بأن الخليفة عمر الله عنه كان ملتزماً بالسنة، فهو لم ينفق الأموال على تشييد مبنى كمدرسة أو تعبيد طريق أو إنشاء مؤسسة حكومية، بل قسمها جميعاً بين الناس برغم كثرتها. كما أنه لم يُبقِ شيئاً من المال في بيت المال ليُخطط لتوزيعها، بل وزعها فوراً كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل. ولتأكيد ذلك لنقرأ الآتي
من الأم:
«قال الشافعي رحمه الله تعالى: وأخبرنا غير واحد من أهل العلم من قبائل قريش أن عمر بن الخطاب لما كثر المال في زمانه أجمع على تدوين الديوان فاستشار فقال : بمن ترون أبدأ؟ فقال له رجل: ابدأ بالأقرب فالأقرب بك. قال : ذكر تموني، بل أبدأ بالأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هامش

م٢) ومن مختلف الروايات بإمكان الباحث الاستشفاف بأن السبب فالأقرب بعد أن قال علي وعبد الرحمن بن عوف لعمر ابدأ بنفسك، هو ضبط الحقوق في العطاء. فقد جاء في الاستقصا لأخبار دول فقال: لا، بل بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبدأ بالعباس ثم المغرب الأقصى مثلاً: «قال ابن خلدون يقال وضع عمر الديوان بالأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفرض لأهل لسبب مال أتى به أبو هريرة من البحرين، فاستكثروه وتعبوا في بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن بعدهم إلى الحديبية أربعة قسمته، فسموا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء والحقوق. فأشار آلاف أربعة آلاف، ثم لمن بعدهم ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثم ألفين خالد بن الوليد بالديوان وقال: رأيت ملوك الشام يدونون. فقبل منه وخمسمائة، ثم لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لمن بعد عمر. وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير القادسية واليرموك ألفا ألفا، ولروادفهم خمسمائة خمسمائة ثم ثلاثمائة ديوان، فقال له: ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم، فإن من تخلف أخل ثم مائتين وخمسين ثم مائتين. وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بمكانه، وإنما يضبط ذلك الكتاب، فأثبت لهم ديوانا. فأمر عمر لكل واحدة عشرة آلاف وفضل عائشة بألفين، وجعل النساء على رضي الله عنه عقيل بن أبي طالب ومخزمة بن نوفل وجبير بن مطعم :مراتب: فلأهل بدر خمسمائة ثم أربعمائة ثم ثلاثمائة ثم مائتين، وكانوا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية مرتباً على والصبيان مائة مائة ...» (١٠٢).
الأنساب مبتدأ فيه بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرب


٣٦٨ 🗏
وبني
فبدأ ببني هاشم .... أخبرنا غير واحد من أهل العلم والصدق من أهل المدينة ومكة من قبائل قريش وغيرهم، وكان بعضهم أحسن اقتصاصا للحديث من بعض، وقد زاد بعضهم على بعض في الحديث أن عمر لما دون الديوان قال أبدأ ببني هاشم ثم قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم المطلب، فإذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع الديوان على ذلك وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة، ثم استوت له بنو عبد شمس ونوفل في جذم النسب فقال: عبد شمس إخوة النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه وأمه دون نوفل، فقدمهم ثم دعا بني نوفل يتلونهم ثم استوت له عبد العزى وعبد الدار فقال في بني أسد بن عبد العزى: أصهار النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أنهم من المطيبين ..... ثم استوت له سهم وجمح وعدي بن كعب، فقيل له ابدأ بعدي فقال: بل أقر نفسي حيث كنت فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد، ولكن انظروا بني سهم وجمح ، فقيل قدم بني جمح ثم دعا بني سهم، فقال: وكان مختلطا كالدعوة الواحدة، فلما خلصت إليه دعوته كبر تكبيرة عالية ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلى حظي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا بني عامر بن لؤي فقال بعضهم إن أبا عبيدة بن الجراح الفهري لما رأى من تقدم عليه قال: أكل هؤلاء تدعو أمامي؟ فقال: يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم ،قومك، فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه، فأما أنا وبنو عدي فنقدمك إن أحببت على أنفسنا . ...».
ديوان عدي وسهم
۱۰۳
إن في النص السابق للشافعي رحمه الله دلالة على ورع الخليفة عمر وتقواه فها هو ذا يختار طريقة لتوزيع المال تنزله في موضع متأخر برغم أنه كان ثالث رجل في الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد خليفته الأول أبي بكر رضي الله عنه، ثم يكبر فرحاً عندما يأتيه الدور بقوله: «الحمد لله الذي أوصل إلى حظي من رسول الله صلى الله عليه وسلم». ولعل ما يثبت نزاهته وورعه ولا حاجة لإثبات ذلك في هذا الكتاب، فهذا أمر أشهر من أن يذكر) هو سؤال ابنه عبد الله بن عمر له عن سبب تقديم أسامة بن زيد له. فتأمل الآتي: جاء في الا الاستذكار:
«وكان عمر أول من دون الدواوين ففضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس أجمعين. ففرض لهن اثني عشر ألف درهم، وفرض لأهل بدر المهاجرين خمسة آلاف درهم، وللأنصار البدريين أربعة آلاف. وقد روي عنه من وجوه أيضاً أنه فضل العباس وعلياً وألحق الحسن والحسين في أربعة آلاف. وقيل إنه ألحق أسامة بن زيد ومحمد بن عبد الله بن جحش وعمر بن أبي سلمة بهما، وجعل عبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف، فكلمه في ذلك وقال: شهدت ما لم يشهد أسامة، وما شهد مشهداً إلا شهدته، فلم فضلته علي ؟ فقال : كان أبوه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة أحب إلى الله عليه وسلم منك ...».
رسول الله
صلى ا
1-2
فتأمل هذا الحرص على التمييز في التفضيل حتى على نفسه وابنه رضي الله عنهما. إلا أن السلاطين ليسوا بهذه النزاهة، لذلك فإن فعله رضي الله عنه صالح لزمانه الذي اتسم بوجود صحابة قد لا ترتقي أمة بأكملها في عصور فقد أصبح الديوان أداة وكأنها شرعية لتتغير بواسطتها مقصوصة الحقوق. فقد استمر
لاحقة لظفر أحد منهم. الديوان في التاريخ الإسلامي، وأصبح من أهم البذور التي زرعت حقوق بيت المال لينمو على حساب حقوق الناس لتثمر الدولة المعاصرة كما سيأتي في فصلي «الديوان» و «المكوس» بإذنه تعالى. فأصبح الدفاع عن الأمة مثلاً مهمة تناط بطائفة محددة (هم الجند) بأخذ العطاء من بيت المال بعد أن توضع أسماؤهم في سجلات الدواوين، وليس كما وضحنا في الحديث عن الجهاد، أي ليس كما كانت الغنائم تؤخذ بعد النصر، لنضرب بعض الأمثلة من كتب


٦ دولة الناس
٣٦٩
الفقه. فقد جاء في الشرح الكبير مثلاً: «وجاز للإمام جعل الديوان بفتح الجيم، بأن يجعل الإمام ديواناً لطائفة يجمعها وتناط بهم أحكام، والديوان بكسر الدال على الصحيح اسم للدفتر الذي يجمع فيه أسماء أنواع الجند المجاهدين». وفي المدونة الكبرى: «قال سحنون: قال لي الوليد بن مسلم : سمعت أبا عمرو الأوزاعي يقول: أوقف عمر بن الخطاب وأصحاب رسول الله وسلم هذا الفيء وخراج الأرض للمجاهدين، ففرض منه
صلی
الله
عليه
للمقاتلة والعيال والذرية، فصار ذلك سنة لمن بعده، فمن افترض فيه ونيته الجهاد فلا بأس بذلك».١٠٥ وجاء في المهذب الآتي: «وينبغى للإمام أن يضع ديواناً يثبت فيه أسماء المقاتلة وقدر أرزاقهم لما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: قدمت على . عمر رضى الله عنه من عند أبي موسى الأشعرى بثمانمائة ألف درهم، فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: قد جاء للناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا علي بمن أبدأ منهم. فقالوا: بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك. قال: لا ولكن أبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب إليه. فوضع الديوان على ذلك ... ويجعل العطاء فى كل عام مرة أو مرتين، ولا يجعل في كل شهر ولا في كل أسبوع لأن ذلك يشغلهم عن الجهاد ...». هل لاحظت عبارة: «وينبغي للإمام أن يضع ديواناً يثبت فيه أسماء المقاتلة وقدر أرزاقهم ...»؟ والسؤال هو: ألا يكون ولاء الجند في هذه الحالة للسلاطين الذي يعطونهم العطايا؟ ألم تبدأ المسألة بالانقلاب؟
1.7
ولكن كيف حدث ما ذكر آنفاً؟ إن ما فعله الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه هو إيجاد سجلات لتنظيم الإنفاق لتدوين من أخذ ممن لم يأخذ حتى لا يتكرر العطاء للبعض على حساب آخرين؛ أي أنه رضي الله عنه وضع الديوان لتقسيم ما أتى من مال، أي أنه لم يجعل الديوان لجمع الأموال ثم إنفاقها كما فعل الأمويون ومن بعدهم من السلاطين. وشتان بين الحالين. ولأن الديوان أصبح فيما بعد يضم أسماء من يعطون من أموال نظير تفرغهم للجهاد، كان لابد من توفر مال متدفق باستمرار لبيت المال لتغطية أعطيات من هم في سجلات الديوان. فمن أين يأتي هذا المال المتدفق باستمرار ؟ لقد كان يؤخذ من الناس من زكاة أموالهم وبفرض الضرائب عليهم أحياناً أخرى كما سنوضح في فصلي «الديوان» و «المكوس» بإذن الله . هنا كانت الزلة وهنا كانت الكارثة التاريخية، أي بقبول بعض الفقهاء للديوان كمؤسسة شرعية لأن الخليفة عمر رضي الله عنه تقبلها، فتسلل الديوان كمؤسسة إلى المجتمع المسلم (وسيأتي تفصيل ذلك في فصل «الديوان» بإذن الله)، وهنا ملحوظة دقيقة ومهمة، فهناك فرق بين تقبل مؤسسة كمسمى مع تحوير وظيفتها بما يلائم حال المسلمين كما فعل الخليفة عمر أثابه الله، وبين تقبلها بوظيفتها الآتية من مجتمع آخر بحقوقها. أخي القارئ: انتبه لهذا الفرق فتقبل الخليفة عمر للديوان كمؤسسة تنظم تقسيم ما أتى من مال (مع تحوير وظيفتها تسلل إلى الشريعة كمؤسسة بحقوقها كما كانت لدى الأمم الأخرى. فقد افترض الفقهاء في كتبهم أن الحاكم نزيه وأن المال إن تجمع له فعليه أن يجتهد في إنفاقه لما فيه صلاح المسلمين. إلا أن هذا نادر الحدوث. لذلك، كما رأيت وسترى بإذن الله، فإن الشريعة لا تخاطر بمستقبل الأمة بافتراضات قد تخطئ. لذلك فهي، أي الشريعة، تجذ مثل هذه الأمور من جذورها حتى لا تقع. فلم يضع الرسول صلى الله عليه وسلم ديواناً، وهو مرسل من رب العالمين الذي يعلم أن هناك ديواناً لدى الفرس، ولم يأمر سبحانه وتعالى رسوله به. أي أن ما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه كان صالحاً لوقته فقط، ولكن ليس لكل الأزمان كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. فتم بذلك استغلال الديوان من أولي الأمر لاحقاً كمؤسسة شرعية تجمع فيها الأموال. وما أعان على هذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء من إقرار للديوان، إلا أن هذا الحرص على مصالح المسلمين كما هو معلوم لم يتم على
مر


۳۷۰ 🗏
التاريخ. فرغم أن الفقهاء يضعون الضوابط على إنفاق بيت المال وما يجب على الحاكم فعله، إلا أن واقع الحال هو غير ذلك كما يشهد التاريخ، فقد كانت الأموال كما هو معلوم تنفق لتثبيت أركان الحكم وفي شهوات السلاطين أو كما يرى السلطان ما فيه مصلحة الأمة في أفضل الأحوال، ولأنه بشر لا يعلم الغيب وبالتالي فهو بالضرورة ذو أفق ضيق فإنه سيخطئ لا محالة. وحتى يستمر السلطان في منصبه كان عليه أن يحصل على الأموال بطريقة متدفقة باستمرار إلى بيت المال حتى تغطي نفقات الدولة المستحدثة والتي ظهر اعتقاد بين بعض الفقهاء ومعظم الباحثين المعاصرين أنها ضرورة من ضروريات الحكم من جهة (وسأدحضه بإذنه تعالى)، وحتى تدفع الأموال للجنـد المتفرغين للعمل الحربي من جهة أخرى، وإلا فقد السلطان ولاء هؤلاء الجند . هكذا تطور الحال ليصل في أيامنا هذه إلى ظهور الأجهزة القمعية كالمباحث والاستخبارات وأمن الدولة وما شابه من مؤسسات تبطش لتثبيت أركان الظلمة مثل قذافي ليبيا وبشار سوريا. وكما قلنا فإن الشريعة تهدف لإيجاد مجتمع غير منقسم في تركيبته الاجتماعية لطائفة حربية وأخرى مدنية، بل الوظيفتان العسكرية والمدنية مندمجتان. ولترى حرص الفقهاء وقلقهم حتى لا يسيء السلاطين استخدام أموال بيت المال تأمل ما قاله الماوردي مثلاً:
«والذي يشمل عليه ديوان السلطة ينقسم أربعة أقسام : أحدها ما يختص بالجيش من إثبات وعطاء. والثاني ما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق والثالث ما يختص بالعمال من تقليد وعزل. والرابع ما يختص ببيت المال من دخل وخراج. فهذه أربعة أقسام تقتضيها أحكام الشرع يتضمن تفصيلها ما ربما كان لكتاب الدواوين في إفرادها عادة هم بها أخص. فأما القسم الأول: فيما يختص بالجيش من إثبات وعطاء فإثباتهم في الديوان معتبر بثلاثة شروط ، أحدها: الوصف الذي يجوز به إثباتهم. الثاني: السبب الذي يستحق به ترتيبهم. والثالث: الحال التي يقدر به عطاؤهم. فأما شرط جواز إثباتهم في الديوان فيراعى فيه خمسة أوصاف: أحدها: البلوغ، فإن الصبي من جملة الذراري والأتباع، فلم يجز أن يثبت في ديوان الجيش فكان جارياً في عطاء الذراري. والثاني: الحرية، لأن المملوك تابع لسيده فكان داخلاً في عطائه، وأسقط أبو حنيفة اعتبار الحرية وجوز إفراد العبد بالعطاء في ديوان المقاتلة، وهو رأي أبي بكر وخالفه فيه عمر واعتبر الحرية في العطاء، وبه أخذ الشافعي. والثالث: الإسلام ليدفع عن الملة باعتقاده ويوثق بنصحه واجتهاده، فإن أثبت فيهم ذمياً لم يجز، وإن ارتد منهم مسلم سقط . والرابع السلامة من الآفات المانعة من القتال؛ فلا يجوز أن يكون زمناً ولا أعمى ولا أقطع، ويجوز أن يكون أخرس أو أصم، فأما الأعرج فإن كان فارساً أثبت، وإن كان راجلاً لم يثبت. والخامس أن يكون فيه إقدام على الحروب ومعرفة بالقتال، فإن ضعفت منته عن الإقدام أو قلت معرفته بالقتال لم يجز إثباته، لأنه مرصد لما هو عاجز عنه. فإذا تكاملت فيه هذ الأوصاف الخمس كان إثباته في ديوان الجيش موقوفاً على الطلب والإيجاب، فيكون منه الطلب إذا تجرد عن كل عمل، ويكون لمن ولي الأمر الإجابة إذا دعت الحاجة إليه، فإن كان مشهور الاسم نبيه القدر لم يحسن إذا أثبت في الديوان أن يحلى فيه أو ينعت، فإن كان من المغمورين في الناس حلي ونعت، فذكر سنه وقده ولونه وحلي وجهه ووصف بما يتميز به عن غيره، لئلا تتفق الأسماء ويدعى وقت العطاء، وضم إلى نقيب عليه أو عريف له ليكون مأخوذاً بدركه. ...». ۱۰۷
ن ۲
إن القارئ للنص السابق (وسنأتي على أمثلة أخرى بإذنه تعالى، وبرغم عدم وجود أدلة كقال الله عز وجل وقال الرسول صلى الله عليه وسلم سيقتنع بأن الديوان أداة شرعية للسلطان لتنظيم الإنفاق من بيت المال. ومما يزيد

هامش

ن۲) المنة بالضم: القوة، ورجل منين، أي ضعيف (١٠٧).


٦ دولة الناس
۳۷۱
في قناعته هو ذكر الخليفة أبي بكر في النص في الحديث عن وضع الضوابط لإثبات الأفراد في الديوان: فقد ذكر خمسة أوصاف منها الحرية واستدل بأن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه أسقط اعتبار الحرية في العطاء، وهذا صحيح (كما سيأتي بإذن الله)، فلم يفرق الخليفة أبو بكر رضي الله عنه في العطاء بين الناس بناءً على منازلهم كما فعل عمر، إلا أن التفرقة من عدمها كانت في المال الآتي من الثغور ليقسم على الناس ولم يكن في العطاء من الديوان لمال مستقبلي كأجر كما ذهب بعض الفقهاء وكما يفهم من النص، أي أن الخلفاء قسموا ما هو موجود من مال لديهم ولم يضعوا أسماء في سجلات الدواوين لدفع المبالغ كإيجار للأفراد مقابل أداءهم الحربي مستقبلاً، حتى وإن وجد ديوان للجند كما أشار خالد بن الوليد على الخليفة عمر، فهو ديوان لتنظيم قسمة الغنائم التي ستأتي بعد النصر وليس أجراً للمشاركة في المعركة، ومعاذ الله أن يفعل ذلك أحد من خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أكثر الناس علماً بأن الجهاد عبادة. وشتان بين الحالين. فإنشاء ديوان لتوزيع الغنائم يحرر الجنود من الخضوع للحاكم، أما إنشاء الديوان لدفع أجر مستقبلي سيؤدي لولاء الآخذ للمال لمن يدفعه له لأنه ينتظر الدفع كل فترة محددة لأنه موعود به، وهذا الذي سيدفع المال هو السلطان والذي يُفترض فيه أن يحكم بما أنزل الله وعندها سيكون ولاء طائفة الجند لهذا السلطان، وهذه فتنة للسلطان لأن بيده قوة قد يقمع بها من خالفه (كما يحدث غالباً). أي أن الديوان هو للسلاطين لأنه يضع الأموال بين أيديهم، فيكون خروجهم عن شرع الله أمر وارد لأنهم بتحكيمهم عقولهم لما فيه صلاح المسلمين سيخرجون عن مقصوصة الحقوق بالضرورة كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى في فصلي «الديوان» و «المكوس». والشريعة بحكمتها جذت هذه المسألة من جذورها حماية للسلطان من الضياع بعدم ترك الأموال بيده كما سترى بإذن الله لأن في هذا ضياع أمة بأكملها. ولكنك قد تقول: إن على المسلمين إطاعة السلطان إن لم يخرج عن الشرع، ولا ضرر من تراكم المال في يده لإعانته على مهامه فأقول : بالطبع فإن له السمع والطاعة في حدود ما أمر الله، إلا أن هذه الحدود ستتغير بالضرورة بزيادة المال في يد السلطان، فما يحاول هذا الكتاب إثباته هو أن الشريعة قد قصت جميع حقوق الحياة ولم تتركها لفرد ليفتي فيها بهواه، فالإسلام دين مكتمل. ومعظم إن لم تكن جميع تدخلات السلطان أو الحكومات في الحياة متى ما دعمت بالنفقة لابد وأن تؤدي للخروج عن مقصوصة الحقوق كما سأثبت بإذنه تعالى في الفصل القادم. فهذه مسألة مهمة أفردت لها فصلاً كاملاً. أي متى ما وجد المال بأيدي الحكومات لابد له من إنفاق، وهذا الإنفاق هو الذي سيؤدي للخروج عن مقصوصة الحقوق.
فتنة
ولتأكيد أن الديوان ما هو إلا أداة لقسمة ما أتى من مال في زمن الخلفاء تفكر في الآتي: لقد كان معظم المسلمين يأخذون من الفيء من خلال الديوان في عهد الخليفتين عمر وعثمان، وفي الوقت ذاته لا يوجد ذكر لأي أثر عن فرض الضرائب على الناس في زمانهما دليلاً على أن الديوان لم يكن حينئذ إلا سجلاً لتنظيم تقسيم ما سيأتي للدولة من أموال الفيء وسيأتي بيان مصادر أموال الفيء في هذا الفصل بإذن الله). فعلى سبيل المثال جاء في سير أعلام النبلاء الآتي:
«وقال ميمون بن مهران): قال محمد بن مروان بن الحكم ما يمنعك أن تكتب في الديوان فيكون لك سهم في الإسلام؟ قلت: إني لأرجو أن يكون لي سهام في الإسلام قال: من أين ولست في الديوان؟ فقلت : شهادة أن لا إله إلا الله سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وصيام رمضان سهم، والحج سهم. قال: ما كنت أظن أن لأحد في الإسلام سهماً إلا من كان في الديوان. قلت: هذا ابن عمك حكيم بن حزام لم يأخذ ديواناً قط، وذلك أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة فقال: (استعف يا


۳۷۲ 🗏
حکیم -
خير لك ، قال : ومنك يا رسول الله ؟ قال : ومنى ، قال : لا ،جرم، لا أسألك ولا غيرك شيئاً أبداً، ولكن ادع الله لي أن يبارك لي في صفقتي، يعني التجارة. فدعا له. رواها عبد الله بن جعفر عن أبي المليح عنه. قال فرات سمعت ميمونا يقول: لو نشر فيكم رجل من السلف ما عرف إلا قبلتكم».
۱۰۸
العطاء
فمن السابق تستنتج أن معظم المسلمين حينئذ كانوا يأخذون من الديوان. وجاء في مصنف عبد الرزاق الآتي: «أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: محا الزبير نفسه من الديوان حين قتل عمر، ومحا عبد الله بن الزبير نفسه حين قتل عثمان».١٠٩ فمن الأثرين السابقين تستنتج أن الديوان كأداة لتنظيم للمسلمين استمر لفترة ولكن دون فرض الضرائب على الناس لأنه إن فرضت الضرائب على الناس لعلمنا بذلك. أي أن الديوان أداة لتنظيم نفقات ما سيأتي على عموم الناس، وهو ما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه ومن بعده عثمان، أي أنه لم يكن أداة لتنظيم نفقات الدولة عموماً مما يتطلب تدفق المال باستمرار وهذا لا يتأتى إلا بفرض الضرائب كما سترى في فصلي «الديوان» و «المكوس» بإذن الله.
ولتتأكد من أن المال بالنسبة للخليفة عمر لم يكن مصدراً لإنشاء دولة، بل كان هماً وعليه توزيعه بين الناس كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم تأمل الآتي: ففي مصنف عبد الرزاق عن
عمر
«إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : لما أتي بكنوز كسرى قال له عبد الله بن الأرقم الزهري: ألا تجعلها في بيت المال حتى تقسمها ؟ قال : لا يظلها سقف حتى أمضيها. فأمر بها فوضعت في صرح المسجد، فباتوا يحرسونها، فلما أصبح أمر بها فكشف عنها فرأى فيها من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ منه البصر. قال: فبكى عمر. فقال له عبد الرحمن بن عوف : ما يبكيك يا أمير المؤمنين، فوالله إن كان هذا ليوم شكر ويوم سرور ويوم فرح. فقال عمر : كلا، إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقي بينهم العداوة والبغضاء . ثم قال: أنكيل لهم بالصاع أم نحثو ؟ فقال علي بل احثوا لهم. ثم دعا حسن بن علي أول الناس فحثاله، ثم دعا حسيناً، ثم أعطى الناس ودون الدواوين وفرض للمهاجرين لكل رجل خمسة آلاف درهم في كل سنة، وللأنصار لكل رجل منهم أربعة آلاف درهم، وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكل امرأة منهن اثني عشر ألف درهم إلا صفية وجويرية فرض لكل
منهم .
واحدة منهما ستة آلاف درهم .
.«<...
11.
رحم الله خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لم يكن ليقصد أن يتحول الديوان لأداة تؤدي لفرض الضرائب كما حدث لاحقاً. بل بكى من هم هذا المال. ففي سنن البيهقي أنه لم ينم تلك الليلة من حمل هم هذا
المال. فعن
«عبید الله بن عبد الله بن موهب قال: سمعت أبا هريرة يقول : قدمت على عمر بن الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمانمائة ألف درهم فقال لي: بماذا قدمت؟ قلت: قدمت بثمانمائة ألف درهم. فقال: إنما قدمت بثمانين ألف درهم. قلت: بل قدمت بثمانمائة ألف درهم. قال: ألم أقل لك أنك يمان أحمق، إنما قدمت بثمانين ألف درهم، فكم ثمانمائة ألف ؟ فعددت مائة ألف ومائة ألف حتى عددت ثمانمائة ألف. قال: أطيب ويلك؟ قلت: نعم. قال: فبات عمر ليلته أرقاً حتى إذا نودي بصلاة الصبح قالت له امرأته : يا أمير المؤمنين ما نمت الليلة فقال : كيف ينام عمر بن الخطاب وقد جاء الناس ما لم يكن يأتيهم مثله منذ كان الإسلام؟ فما يؤمن عمر لو هلك وذلك المال عنده . فلم يضعه


٦ دولة الناس
في حقه. فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يكن يأتهم منذ كان الإسلام، وقد رأيت رأياً فأشيروا علي، رأيت أن أكيل للناس بالمكيال. فقالوا: لا تفعل يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الناس وكثر المال أعطيتهم عليه. قال: فأشيروا علي بمن أبدأ منهم. قالوا: بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك ومنهم من قال أمير المؤمنين أعلم. قال: لا ولكن ابدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب إليه. فوضع الديوان على ذلك .......
111
۳۷۳
أرجو أن تكون قد اقتنعت أخي القارئ بأن الهدف الرئيس من الديوان فترة الخلفاء الراشدين كان تقسيم المال الموجود وليس لاستحداث وظائف حربية أو مدنية يوضع بموجبها الناس في سجلات الدواوين كما قبل بعض الفقهاء ذلك. حتى أن هناك رواية أن الخليفة علي عليه السلام لم يقبل بالدواوين. فقد جاء في الاستذكار: «عن يحيى بن عقيل الخزاعي عن أبي يحيى قال: قال علي رضي الله عنه إني لم أعن بتدوين عمر الدواوين ولا تفضيله، ولكني أفعل كما كان خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، كان يقسم ما جاءه بين المسلمين ثم يأمر بيت المال فينضح ويصلي فيه». وعن «أنس بن سيرين أن علياً رضي الله عنه كان يقسم الأموال حتى يفرغ بيت المال فیرش له فيجلس فيه». "
۱۱۲
إن قبول الخليفتين عمر وعثمان بالديوان أو رفض علي له لم يؤثر ، والله أعلم، على واقع المسلمين الإقتصادي التمكيني في وقتهم إلا اليسير، أي لم يغير مقصوصة الحقوق وذلك لأن فرض الضرائب على الناس هو الذي يفقدهم حقوقهم، ولأن الضرائب لم تفرض عليهم، ولأن مصادر قص الخيرات (كإحياء الأراضي والمعادن) لازالت كما وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يكن للديوان كمؤسسة أثر سلبي في تمكين الأفراد آنذاك. وهذا هو أهم استنتاج لهذا الجزء من الكتاب. ولكن على المدى البعيد، فإن رفض الخليفة علي كرم الله وجهه سيجذ تسلل الديوان كمؤسسة حكومية لتركيبة الأمة المسلمة. أي أن الخطأ ليس في تقبل الخليفة عمر رضي الله عنه وأثابه للديوان كطريقة لتنظيم توزيع الأموال، بل والله أعلم في بعض الفقهاء والباحثين الذين تقبلوا الديوان كمؤسسة بحقوقها كما كانت في الأمم الأخرى فتأثر التمكين كما سنرى بإذنه تعالى.
لقد تقصينا فيما سبق الزكاة وأربعة أخماس الغنيمة ورأينا أنها أموال تذهب للناس ليزدادوا تمكيناً، وبقي لنا أن نتقصى (أولاً) الفيء عموماً، ثم خمس الغنيمة والفيء ومصرفهما، ثم (ثانياً) الركاز.

أولاً الفيء

١١٤
.«<...
وفي
إن معظم المال الذي كان يأتي لبيت المال هو من الفيء . فما هو الفيء؟ «الفيء مأخود من فاء يفيء إذا رجع». وجاء في فتح الباري: «قال الشافعي وغيره من العلماء: الفيء كل ما حصل للمسلمين مما لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب». ۱۱۳ وقال القرطبي: «والإيجاف: الإيضاع في السير وهو الإسراع، ... والركاب الإبل المغني: «والإيجاف أصله التحريك، والمراد ههنا الحركة في السير إليه ... فكل ما أخذ من مال مشرك بغير إيجاف مثل الأموال التي يتركونها فزعاً من المسلمين ونحو ذلك فهو فيء. وما أجلب عليه المسلمون وساروا إليه وقاتلوا عليه فهو غنيمة، سواء أخذ عنوة أو استنزلوا أهله بأمان ...» وقد لخص أبو عبيد الفيء كما رأينا في فصل «الأموال»
١١٥


٣٧٤ 🗏
بأن قال: «وأما مال الفيء فما اجتبي من أموال أهل الذمة مما صولحوا عليه من جزية رؤوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرمت أموالهم، ومنه خراج الأرضين التي افتتحت عنوة ثم أقرها الإمام في أيدي أهل الذمة على طسق يؤدونه، ومنه وظيفة أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا منها على خراج مسمى، ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها عليه لتجارتهم، ومنه ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات، س ۲ فكل هذا الفيء ...». لذلك وحتى نقف على ما يدخل بيت المال وكيف يصرف لابد من أن نتقصى جميع الموارد بنوع من الاختصار، ولكن أرجو المعذرة أخي القارئ فإن النصوص الآتية قد تكون مملة لك لأنك لست من الفقهاء، أو مملة لك إن كنت منهم لأن فيها تكرار عليك. ولكن لابد من قراءة النصوص لكي نقف على كمية الفيء ومصرفه لأهمية هذه المسألة لبيت المال، وسنبدأ بالجزية:

الجزية

الجزية" هي باختصار الضريبة التي فرضها الإسلام على أهل الذمة، مقابل حمايتهم، وأمنهم باستقرارهم تحت حكم الإسلام، وهي منهم تقوم مقام الزكاة من المسلمين، ولذلك تسقط بإسلامهم». ويقول العبادي في الجزية: «وقد راعى الشارع في أحكامها العدل والرحمة؛ فجماهير الفقهاء على أنها لا تجب إلا على كل رجل حر عاقل، قادر على أدائها، مرة في العام .. لأن الله عز وجل قال: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾، أي عن وفي فتح الباري: «﴿عَن يَدٍ﴾، أي عن طيب نفس، وكل من أطاع لقاهر وأعطاه عن طيب نفس من يده فقد أعطاه عن يد. وقيل معنى قوله: ﴿عَن يَدٍ﴾ ، أي نعمة منكم عليهم، وقيل يعطيها من يده ولا يبعث بها
قدرة وغنى
۱۱۹
.«...
۱۱۸
.«..
ستستشف من النصوص الآتية أن الجزية كانت تؤخذ من عدد قليل جداً من غير المسلمين. فهي بذلك ليست مصدراً مهماً لبيت المال كما يُعتقد. ولعل أول ما يثير انتباه من يقرأ كتب السلف في الجزية هو أنها لم توضع

هامش

س٢) يقول ابن تيمية في الفيء: «ولهذا قال الفقهاء أن الفيء هو ما المسلمين، كالأموال التي ليس لها مـالـك معين مثل من مات من أخذ من الكفار بغير قتال، لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال المسلمين وليس له وارث معين، وكالغصوب والعواري والودائع التي وسمي فيئا لأن الله أفاءه على المسلمين، أي رده عليهم من الكفار، فإن تعذر معرفة أصحابها وغير ذلك من أموال المسلمين، العقار والمنقول، الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته لأنه إنما خلق فهذا ونحوه مال المسلمين : الخلق لعبادته، فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم وهناك قصيدة تلخص مصادر الأموال لبيت المال. قال القاضي بدر التي لم يستعينوا بها على عبادته لعبادة المؤمنين الذين يعبدونه وأفاء الدين بن جماعة:
إليهم ما يستحقونه، كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم جهات بیت المال سبعتها في بيت شعر حواها فيه كاتبه يكن قبضه قبل ذلك، وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى خمس وفيء خراج جزية عشر وارث فرد ومال ضل صاحبه والمال الذي يصالح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين كالحمل وكما سنرى في فصل «النور»، فإن المصدرين الأخيرين نادران جداً، الذي يحمل من بلاد النصارى ونحوهم، وما يؤخذ من تجار أهل وهما وارث فرد ومال ضل صاحبه»، ويزدادان ندرة مع تطبيق الحرب وهو العشر، ومن تجار أهل الذمة إذا أتجروا في غير بلادهم الشريعة بسمو المجتمع. أما المصادر الخمسة الأولى، فسنتطرق لها في وهو نصف العشر. هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ مواضع. مختلفة من هذا الفصل (١١٦). وما يؤخذ من أموال من ينقض العهد منهم والخراج الذي كان عـ٢) يقول محمد خليل هراس في الحاشية، وهو محقق كتاب الأموال: مضروبا في الأصل عليهم وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين بأن «اعتبار الجزية من الفيء لا يعرف له سند أو لعله رأي أبي عبيد» ثم إنه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال
.(۱۱۷)


٦ دولة الناس
٣٧٥
لتكون مصدر دخل لبيت المال بقدر ما هي حافز لغير المسلمين للدخول في الإسلام لسقوطها عند إسلامهم. فيقول الشوكاني مثلاً: «قال العلماء : الحكمة في وضع الجزية أن الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في فلم يأخذ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزية
.«<..
ف ۲
عمر
مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام من نصارى بني تغلب مثلاً. ففي الأموال لأبي عبيد: «... عن زرعة بن النعمان - أو النعمان بن زرعة أنه سأل بن الخطاب وكلمه في نصارى بني تغلب. وكان عمر قد هم أن يأخذ منهم الجزية. فتفرقوا في البلاد فقال النعمان –
ص ۲
بهم
أو زرعة بن النعمان - العمر يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال، إنما هم أصحاب حروث ومواش، ولهم نكاية في العدو، فلا تعن عدوك عليك عمر بن الخطاب، على قال: فصالحهم . أن أضعف عليهم الصدقة، واشترط عليهم أن لا ينصروا أولادهم ...». فإن كانت الجزية مالاً يشكل رافداً مهماً من روافد بيت المال لما تركه الخليفة عمر رضي الله عنه لاسيما أنه حق من حقوق المسلمين، فهو قد ضاعف عليهم الصدقة، وهي كما رأينا في الفصل السابق لا تؤخذ من كل فرد بل مما ينتجه الناس من أنعام وتجارة ونحوهما. وأرجو أن تتفكر أخي القارئ في الآتي:
هل يمكن للشريعة أن تضع نظاماً اقتصادياً للأمة يتم الاعتماد فيه على الجزية؟ لأنها إن فعلت فهي (أي الشريعة) لا تحث غير المسلمين على تبني الإسلام وذلك حتى يستمر الدخل المالي، وفي هذا تناقض واضح. لذلك لابد للدولة المسلمة أن تُبنى فكرياً على عدم الاعتماد على الجزية كمصدر مالي لبيت المال، لأنه إن أتى يوم وأسلم جميع من في الأرض مثلاً، فلا مورد مالي لبيت المال من الجزية لأنه لا كفار يومئذ. فكيف يمكننا فكرياً تصور وضع تفرض فيه الشريعة حقاً للمسلمين أي من أموال الجزية يناقض مقصدها وهو نشر الإسلام. لذلك حاول الفقهاء تضييق باب الجزية، فمنهم من لم يقبله من قريش، ومنهم من لم يقبله من مشركي العرب حتى تؤول الجزيرة العربية كلها للإسلام لأنها إن قبلت الجزية فسيكون لأهل الذمة الاستمرار في العيش في الجزيرة العربية. لذلك كانت هناك بعض الاختلافات بين الفقهاء عمن تؤخذ منهم الجزية. ومن بين مئات النصوص اخترت لك المثالين الآتيين: جاء في الكافي لابن عبد البر (وهو مالكي المذهب):
«لا تؤخذ الجزية إلا من كافر حر بالغ ذكر قوي على الاكتساب ولا جزية على النساء ولا على الصبيان ولا على المجانين المغلوبين على عقولهم، ولا على الرهبان أهل الصوامع، ولا على شيخ فان ولا على فقير، ولا يكلف الأغنياء الأداء عن الفقراء. وتقبل الجزية عند مالك من كل كافر كتابي ومجوسي ووثني وغيرهم من أصناف أهل الكفر عرباً وعجماً إلا المرتدين فإنه لا تقبل منهم جزية لأنهم لا يقرون على ردتهم. وإذا انتقل الكافر من ملة إلى أخرى من الكفار أقر عليها وأخذت منه
الجزية».
۱۲۲
إلا أن هناك أقوالاً تخالف ما ذهب إليه الإمام مالك، فيقول الجصاص في أحكام القرآن مثلاً:

هامش

ف٢) في نيل الأوطار: «وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ولأسبين ذراريهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة، حين نصروا عليه وسلم: (لا تصلح قبلتان في أرض وليس على مسلم جزية). رواه أولادهم»، ويقول أبو يوسف مثلاً: «والجزية واجبة على جميع أهل أحمد وأبو داود، وقد احتج به على سقوط الجزية بالإسلام وعلى المنع الذمة ممن في السواد وغيرهم من أهل الحيرة وسائر البلدان من اليهود من إحداث بيعة أو كنيسة» (۱۲۰). والنصارى والمجوس والصابئين والسامرة ماخلا نصارى بني تغلب ص٢) وتكملة ما جاء في النص: «... قال مغيرة: فحدثت أن علياً قال وأهل نجران ..» (۱۲۱). لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي: لأقتلن مقاتلتهم،


٣٧٦ 🗏
«وقال الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً. قال أبو بكر: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُم﴾ يقتضي قتل سائر المشركين. فمن الناس من يقول إن عمومه مقصور على عبدة الأوثان دون أهل الكتاب والمجوس، لأن الله تعالى قد فرق في اللفظ بين المشركين وبين أهل الكتاب والمجوس بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّبِئِينَ وَالنَّصَرَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ ، فعطف بالمشركين على هذه الأصناف فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان وإن كان الجميع من النصارى والمجوس والصابئين والمشركين وذلك لأن النصارى قد أشركت بعبادة الله وعبادة المسيح والمجوس مشركون من حيث جعلوا الله نداً مغالباً، والصابئون فريقان أحدهما عبدة الأوثان والآخر لا يعبدون الأوثان ولكنهم مشركون في وجوه أخر، إلا أن إطلاق لفظ المشرك يتناول عبدة الأوثان، فلم يوجب قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ إلا قتل عبدة الأوثان دون غيرهم. وقال آخرون: لما كان معنى الشرك موجوداً في مقالات هذه الفرق من النصارى والمجوس والصابئين فقد انتظمهم اللفظ ، ولولا ورود آية التخصيص في أهل الكتاب خصوا من الجملة، ومن عداهم محمولون على حكم الآية عرباً كانوا أو عجما، ولم يختلفوا في جواز إقرار المجوس بالجزية. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار، وروى سفيان بن عيينة عن عمرو سمع مجالداً يقول: لم يكن . عمر بن الخطاب يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبدالرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سنوا بهم . سنة أهل الكتاب). وروى يحيى بن آدم عن المسعودي عن قتادة عن أبي مجلز قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر أنه من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله، ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن، ومن أبى فعليه الجزية. وروى قيس بن مسلم ع الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام، فمن أسلم منهم قبل منه، ومن أبى ضربت عليه الجزية، ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة .

هامش

ق٢) وتكملة ما جاء في النص: «... وروى الطحاوي عن بكار ... بكر وعمر وعثمان أخذوا الجزية من المجوس. وقال علي أنا أعلم حدثنا عوف: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة : أما بعد الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرءونه وأهل علم يدرسونه، فنزع ذلك فاسأل الحسن ما يقع من قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما من صدورهم. وقد ذكرنا فيما تقدم من الدلالة على أنهم ليسوا أهل يجمعون من النساء اللاتي لا يجمعهن أحد غيرهم؟ فسأله فأخبره أن كتاب من جهة الكتاب والسنة. وأما ما روي عن علي في ذلك أنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل من مجوس البحرين الجزية وأقرهم كانوا أهل كتاب فإنه إن صحت الرواية فإن المراد أن أسلافهم كانوا على مجوسيتهم، وعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ على أهل كتاب لإخباره بأن ذلك نزع من صدورهم، فإذا ليسوا أهل كتاب البحرين العلاء بن الحضرمي، وفعله بعد رسول الله صلى الله عليه في هذا الكتاب، ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب ما روي في حديث وسلم أبو بكر وعمر وعثمان. وروى معمر عن الزهري أن النبي صلى الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مجوس البحرين: الله عليه وسلم صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من إن من أبى منهم الإسلام ضربت عليه الجزية، ولا تؤكل لهم ذبيحة، العرب. وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله ولا تنكح لهم امرأة . ولو كانوا أهل كتاب الجاز أكل ذبائحهم عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر بن الخطاب أخذها ومناكحة نسائهم لأن الله تعالى قد أباح ذلك من أهل الكتاب، ولما من مجوس السواد، وأن عثمان أخذها من بربر. وفي هذه الأخبار أن ثبت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من المجوس وليسوا أهل النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس، وفي بعضها أنه كتاب ثبت جواز أخذها من سائر الكفار، أهل كتاب كانوا أو غير أخذها من عبدة الأوثان من غير العرب، ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في أهل كتاب إلا عبدة الأوثان من العرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم جواز أخذ الجزية من المجوس. وقد نقلت الأمة أخذ عمر بن لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وبقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُم﴾ الخطاب الجزية من مجوس السواد، فمن الناس من يقول إنما أخذها ، وهذا في عبدة الأوثان من العرب، لأن المجوس أهل كتاب، ويحتج في ذلك بما روى سفيان بن عيينة عن ويدل على جواز أخذ الجزية من سائر المشركين سوى مشركي العرب أبي سعيد عن نصر بن عاصم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه ...» (۱۲۳).


٦ دولة الناس
۳۷۷
وقد لخص ابن حجر مذاهب بعض الفقهاء بأن قال:
.. وفرق الحنفية فقالوا تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب. وحكى الطحاوي عنهم أنها تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم، ولا يقبل من مشركي الـعـرب إلا الإسلام أو السيف، وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتدوا به قال الأوزاعي وفقهاء الشام. وحكى ابن القاسم عن مالك أنها لا تقبل من قريش. وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس، ولكن حكى ابن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط ... » . .
١٢٤
ومن هذه المذاهب السابقة نستنتج أن من عليهم دفع الجزية مقابل البقاء على دينهم قد تكون طوائف محددة من غير المسلمين وليس كل من هو غير مسلم، وهذا يقلل من دخل بيت المال ولو بشيء يسير. ومن جهة أخرى، فإن الجزية لا تؤخذ من الكل، بل فقط ممن هو قادر على القتال. فعن نافع عن أسلم، مولى عمر: «أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد: أن يقاتلوا في سبيل الله ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه الموسى وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى. قال أبو عبيد: يعني من أنبت». ويعلق أبو عبيد فيقول: «وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية، ومن لا تجب عليه ألا تراه إنما جعلها على الذكور المدركين، دون الإناث والأطفال؟ وذلك أن الحكم كان عليهم القتل لو لم يؤدوها. وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية».١٢٥ أي أن الشريحة التي تُطالب بدفع الجزية هي فئة صغيرة من بين غير المسلمين.
أما بالنسبة للصبي والشيخ فقد اختلف الفقهاء. فيقول الشوكاني واختلف السلف في أخذها من الصبي، فالجمهور قالوا لا تؤخذ على مفهوم حديث معاذ، وكذا لا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع في قول ..». ومن يقرأ المختارات الآتية مما كتبه أبو يوسف عمن تؤخذ منه الجزية يتفاجأ بسماحة الإسلام مقارنة بما تم شنه من تشويه في حق الإسلام في الجزية:
أخذ
١٢٦
«وإنما تجب الجزية على الرجال منهم دون النساء والصبيان ... وإن جاءوا بعرض قبل منهم مثل الدواب والمتاع وغير ذلك. ويؤخذ منهم بالقيمة. ... ولا تؤخذ الجزية من المسكين الذي يتصدق عليه، ولا من أعمى لا حرفة له ولا عمل، ولا من ذمي يتصدق عليه ولا من مقعد. والمقعد والزمن إذا كان لهما يسار أخذ منهما وكذلك الأعمى وكذلك المترهبون الذين في الديارات إذا كان لهم يسار منهم، وإن كانوا إنما هم مساكين يتصدق عليهم أهل اليسار منهم لم يؤخذ منهم، وكذلك أهل الصوامع إن كان لهم غنى ويسار، وإن كانوا قد صيروا ما كان لهم لمن ينفقه على الديارات ومن فيها من المترهبين والقوام أخذت الجزية ، منهم، ويؤخذ بها صاحب الدير ، فإن أنكر صاحب الدير الذي ذلك الشيء في يده وحلف على ذلك بالله وبما يحلف به مثله من أهل دينه ما في يده شيء من ذلك ترك . ولا تؤخذ الجزية من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل ولا شيء له
ولم يؤخذ منه شيء
۱۲۷
.«...
.....
أي أن الشريحة التي تؤخذ منها الجزية قد قلت أكثر ، فهي لا تؤخذ إلا من المقتدرين من أصحاب المهن والتجارات. ولكن ماذا يحدث إن رفض بعض هؤلاء المقتدرين دفع الجزية، هل يرغمون على الدفع؟ لابد من التوضيح أولاً أن الشريعة تحفظ لأهل الذمة حقوقهم خوفاً من التعدي عليها من بعض السلاطين المتعسفين. ففي


۳۷۸ 🗏
المستدرك على الصحيحين: «عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام، وما من عبد يقتل نفسا معاهدة إلا حرم الله عليه الجنة ورائحتها إن يجدها). قال أبو بكرة: أصم الله أذني إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا». وعن «عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يرح ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد
۱۲۸
من كذا وكذا) .١٢٨ ثم يكون السؤال: ألا يستغل بعض أهل الذمة مثل هذه الأحاديث للتمادي في التباطؤ في دفع الجزية؟ أقول: قد يفعلون. فبرغم وجود بعض التجاوزات في إرغام أهل الجزية على دفعها فإن هذه ليست سنته صلوات ربي وسلامه عليه فيقول أبو يوسف مثلاً بأن . عمر بن الخطاب رضي الله عنه «مر بطريق الشام وهو راجع في مسيره من الشام على قوم قد أقيموا في الشمس يصب على رءوسهم الزيت فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية لم يؤدوها، فهم يعذبون حتى يؤدوها. فقال عمر: فما يقولون هم؟ وما يعتذرون به في الجزية؟ قالوا: يقولون لا نجد، قال: فدعوهم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة ، وأمر بهم فخلى سبيلهم». لذلك قال أبو يوسف رحمه الله حاضاً الخليفة هارون الرشيد للرفق بأهل الذمة: «وقد ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ...... وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوصى بأن قال: «أوصيكم بذمة الله، فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم». وفي فتح الباري الشرح الآتي: «وفي رواية عمرو بن ميمون «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم». قلت: ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه. وقوله في هذه الرواية ورزق عيالكم أي ما يؤخذ منهم من الجزية والخراج وقال المهلب في الحديث الحض على الوفاء بالعهد، وحسن النظر في عواقب الأمور، والإصلاح لمعاني المال وأصول الاكتساب».
ر ۲
۱۳۰
إن في العبارة السابقة للخليفة عمر رضي الله عنه بعد نظر. ذلك لأن في حفظ حقوق أهل الذمة . دعم مالي للأمة. فوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل الذمة إما أن تؤدي إلى إسلامهم، وبهذا يزداد دخل المسلمين من زكاتهم، وإما أن يستمر بعضهم في دفع الجزية إن هم أمنوا على حالهم. ففي الأموال لأبي عبيد: «قال: وحدثنا عبد الرحمن عن سفيان، عن أبي إسحاق عن صعصعة قال سألت ابن عباس، فقلت إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم؟ فقال: بغير ثمن؟ قلت: بغير ثمن، قال: فما تقولون؟ قلت: نقول: حلالاً لا بأس به. فقال: أنتم تقولون كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . » . .
۱۳۱

أي إن طبقت سنته صلوات الله وسلامه عليه فإن دخل بيت المال سيتناقص إن دخل أهل الذمة في الإسلام أو إن أصر البعض على عدم الدفع بحجة أنهم غير مقتدرين لأنه لا سبيل إلى تعذيب أهل الجزية لأخذها إلا إن

هامش

(٢) وهناك الكثير من الروايات في الرفق بأهل الذمة منها: «وحدثنا ما هذا؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذين يعذبون بعض أشياخنا عن عروة عن هشام بن حكيم بن حزام أنه وجد الناس في الدنيا يعذبون في الآخرة ...) (١٢٩). عياض بن غنم قد أقام أهل الذمة في الشمس في الجزية فقال: يا عياض


٦ دولة الناس
۳۷۹
۱۳۲
.«<...
ثبت أنهم مقتدرون وجاحدون، فعندها يقع عليهم حكم الشرع. ومن جهة ثانية فإن تركهم في أرضهم لإعمارها قوة للمسلمين. ففي كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة حكمة في عدم إرهاق أهل الذمة. تأمل ما كتبه عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «... فضع الجزية على من أطاق حملها. وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم، ولمسلم عن جابر مرفوعاً: (يوشك أهل العراق أن لا يجتبى إليهم بعير ولا درهم قالوا: مم ذلك؟ قال: (من قبل العجم يمنعون ذلك». ويقول ابن حجر: «وفيه علم من أعلام النبوة، والتوصية بالوفاء لأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم نفع المسلمين، وفيه التحذير من ظلمهم وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئاً فتضيق أحوالهم».
ت ۲
۱۳۳
وبرغم تفاؤل بعض الفقهاء بما قد يأتي من الجزية من مال للمسلمين إلا أننا من كل ما سبق نستنتج أن القادرين على دفع الجزية ممن بقوا على دينهم قلة وحتى هذه القلة، فمن اختلاف الآراء حول مقدار الجزية نستشف أنها كانت ضئيلة على الفرد. فهناك آراء تقول بأن الجزية متفاوتة بين الغني والفقير. فمنهم من يقول بأنه لا جزية على الفقير. وأقل الجزية عند الجمهور دينار في كل سنة من كل حالم. أما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة. وهناك رأي يقول بأن تعريف الغني هو من يملك ألف دينار نقداً وثلاثة آلاف دينار عروضاً ويركب الخيل ويختم الذهب. أي أن هذا الغني الذي يملك حوالي أربعة آلاف دينار بين نقـد وعروض سيدفع أربعة دنانير كجزية، فتأمل هذا المبلغ الضئيل (واحد في الألف). وبالطبع فهناك ما يدفعه عن أرضه الخراجية وتجارته (وسنوضحه بإذن الله). ومن هذا نستخلص أن الجزية مقارنة بمجموع أموال الأمة لم تكن مبلغاً ذا قدر لأنها تؤخذ طائفة محدودة وبمبالغ ضئيلة جداً. أي أن ما يأتي لبيت المال من الجزية ضئيل جداً إن طبقت الشريعة. هذا وحتى الذي يؤخذ، فإن طبقت الشريعة فإن بعضه، وإن لم يكن أكثره، سيعود للمحتاجين من أهل الجزية، وذلك لأن عدد المحتاجين من النساء والأطفال والعجزة سيفوق عدد من يدفعون الجزية إن تحايل المقتدرون عن الدفع وكان نهج الحكام الرفق بهم. ففي كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله يأمره فيقول: «وانظر

هامش

ش٢) وفي فتح الباري: وأقل الجزية عند الجمهور دينار لكل سنة والكوفة والبصرة وما أشبهها - فإني أرى أن يصيره الإمام إلى رجل من وخصه الحنفية بالفقير، وأما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة أهل الصلاح في كل مصر ومن أهل الخير والثقة ممن يوثق بدينه وهو موافق لأثر مجاهد كما دل عليه حديث عمر ...». وجاء في وأمانته ويصير معها ـه أعواناً يجمعون إليه أهل الأديان من اليهود الكافي لابن عبد البر : « ... ومقدار الجزية أربعة دنانير على أهل والنصارى والمجوس والصابئين والسامرة فيأخذ منهم على الطبقات الذهب وأربعون درهما على أهل الورق لا يزاد على ذلك ولا ينقص إلا على ما وصفت ثمانية وأربعين درهماً على الموسر مثل الصيرفي والبزاز لمن يقوى على شيء. وقد قيل إنه يزاد على هذا المقدار على أغنيائهم وصاحب الضيعة والتاجر والمعالج الطبيب وكل من كان منهم بيده ويؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهم، وإلى هذا رجع صناعة وتجارة يحترف بها أخذ من أهل كل صناعة وتجارة على قدر ومن بلغ منهم ا أخذت الجزية عند بلوغه ولا ينتظر به الحول من صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون درهما على الموسر وأربعة يوم بلغ. ومن أسلم سقطت عنه الجزية لما مضى، ولو أسلم قبل تمام و عشرون درهما على الوسط من احتملت صناعته ثمانية وأربعين الحول بيوم أو بعده عند مالك، ومن غاب منهم واختفى ثم قدر عليه درهما أخذ منه ذلك، ومن احتملت أربعة وعشرين درهما أخذ ذلك أخذ منه لما مضى، ولا زكاة على ذمي في شيء مما يملك غير جزية رأسه منه، وإثنا عشر درهما على العامل بيده مثل الخياط والصباغ وسواء كان عند مالك تغليباً أو غيره إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم والإسكاف والخراز ومن أشبههم ...» (١٣٥). التي أقروا فيها وصالحوا عليها ...» (١٣٤). ث ٢) وقد اختلفت الجزية في زيادتها ونقصانها بناء على مقدرة أهل ت ٢) وبالنسبة للدرهم فإن الجزية كانت على الغني ثمانية وأربعين الجزية. فقد زادها عمر رضي الله عنه على أهل الشام أكثر منها على درهماً وعلى المتوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير اثني عشر. ويقول أهل اليمن لأنهم أكثر غنى (١٣٦). أبو يوسف في مقدار الجزية: «فأما أمر الأمصار – مثل مدينة السلام


۳۸۰ 🗏
« من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه ، وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ...». وهذا الفعل لعمر بين عبد العزيز هو اقتداء بما فعله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بشيخ من أهل الذمة يسأل الناس على أبواب الناس. فقال: ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه».١٣٧ ليس هذا فحسب، بل هناك قلة من الفقهاء ممن قالوا بدفع الزكاة لأهل الجزية تيمناً بما فعله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فمن الفقهاء من يرى أن الفرق بين المسكين والفقير في آية الصدقة في سورة التوبة هو أن الفقراء هم فقراء المسلمين، والمساكين هم فقراء أهل الكتاب. لذلك يعطون من الزكاة. ما أجملك يا إسلام من شرع.
خ ۲
وأخيراً، فالجزية تدفع أعياناً وليست نقداً إن أراد الذمي ذلك، وهذا من باب التيسير. ففي الأموال: «وقد جاء الثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر معاذاً حين خرج إلى اليمن بالتيسير على الناس وأن لا يأخذ كرائم أموالهم. ثم جاء مفسراً عن معاذ في حديث له آخر أنه قال هناك: ائتوني بخميس" أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة. فالأسنان ض" بعضها ببعض أشبه من العروض بها. وقد قبلها معاذ. وروى عن عمر وعلي مثله في الجزية أنهما كانا يأخذان مكانها غيرها. قال: حدثني يحيى بن بكير عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه كانت تأتيه من الشام نعم كثيرة من الجزية. قال: حدثنا محمد بن ربيعة وأبو نعيم عن سعيد بن سنان عن عنترة عن علي أنه كان يأخذ الجزية من أصحاب الإبر الإبر، ومن أصحاب المسال المسال، ومن أصحاب الحبال الحبال . قال أبو عبيد : فأراهما قد رخصا في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنما
١٤١
أصلها الدراهم والدنانير والطعام». وكما رأينا في الزكاة كيف أن الشريعة تحارب الاحتكار بأخذ الزكاة من الأعيان، فكذلك فعلت بقبولها في الجزية. وبهذا يقل ما في بيت المال من الأموال النقدية. وفي هذا حكمة عظيمة إذ أن المال كمصدر للقوة والتسلط للسلطان كما قلنا سيتناقص لتحل مكانه بعض الأعيان التي يصعب التلاعب بها مقارنة بالأموال، بل ستذهب الأعيان لمن هم في حاجتها.
وبهذا يمكننا الاستنتاج بأن الجزية لم تكن مصدر دخل للدولة إن طبقت الشريعة، بل قوة للمسلمين عموماً إما بإسلام من عليهم الجزية أو بأموال الجزية نفسها التي قد تذهب إلى أهل الجزية فيتم تأليف قلوبهم ويسلموا، وهكذا يزداد عدد المسلمين بمرور الوقت وبحسن المعاملة. فالإسلام دين لم يأت لقهر الشعوب الأخرى وأخذ أموالهم لترف المسلمين، ولكنه دين يحاول نشر توحيد الله عز وجل. لذلك فزيادة عدد المسلمين بين البشر كمقصد شرعي سيمحق أي محاولة من السلاطين لصد الناس عن الإسلام سعياً وراء الجزية. وإن أدركنا عمق هذا الهدف للإسلام اقتنعنا أن باب الجزية كدخل للدولة هو باب موصد أمام بيت المال. ويجب أن يبقى موصداً

هامش

خـ٢) يقول القرطبي في تفسير الآية ٦٠ من سورة التوبة: «ومطلق فاستعارها للثوب (۱۳۹). لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن ض۲) لعل المقصود بالأسنان هي أسنان النعم، كناية عن الانتقال من تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد على استحقاق لاستحقاق آخر في الزكاة إن تساوت في القيمة، فيقول أبو فقرائهم. وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل عبيد في موضع آخر : فالصدقة عندنا على هذا أن الأسنان يؤخذ الكتاب ...» (۱۳۸). بعضها مكان بعض، إذا لم توجد السن التي تجب على ما روي عن ذ٢) الخميس الثوب الذي طوله خمسة أذرع، وقال الجوهري : الخميس علي بن أبي طالب، وما كان يأخذ به سفيان لأن فيه تيسيراً على الذين ضرب من برود ،اليمن، وجاء في البخاري خميص بالصاد ، قيل إن تؤخذ منهم، ووفاء للذين تؤخذ لهم» (١٤٠). صحت الرواية فيكون مذكراً من الخميصة، وهي كساء صغير


۳۸۱
٦ دولة الناس
في حسابات جميع السلاطين، لأن من واجبهم نشر الإسلام بين من يسكنون بين ظهراني المسلمين، وعندها لا جزية تؤخذ. إلا أن هذه الحركية التي تولد المسلمين من أهل الجزية لم تستمر نظراً لتعسف السلاطين كما سنرى في فصل قادم بإذنه تعالى. ولكني أريدك أخي القارئ أن تتذكر من كل ما سبق مسألة جوهرية، سواء اتفقت مع تفاصيل الجزية أو لم تتفق وهي أنه يستحيل على الشريعة أن تضع نظاماً مالياً للأمة يؤدي إلى عدم نشر الإسلام. وإن وافقتني على هذا فلابد لك من أن توافقني على أن نشر الإسلام يعني اضمحلال الموارد المالية من الجزية لأنها تسقط عمن أسلم. أي كلما زاد عدد المسلمين بإسلام غير المسلمين كلما نقص دخل بيت المال من الجزية، أي من الفيء. وهؤلاء الذين يدفعون الجزية سيصبحون ممن يدفعون الزكاة. والزكاة كما قلنا أموال تذهب للناس. أي أن الفيء في تناقص كلما أسلم أهل الجزية، وبهذا يضمحل دخل بيت المال. وهذا أهم استنتاج. وهذا الاستنتاج ينطبق أيضا على الآتي:
عمر

أموال غير المسلمين

ظ ۲
وماذا عن المصادر الأخرى من أملاك غير المسلمين كالتي توضع على تجارتهم وخراج أراضيهم وأنعامهم ونحوها؛ لقد اختلفت المذاهب في ما يؤخذ منهم. لهذا فسأعرض عليك باختصار الأقوال المختلفة للفقهاء لترى كيف حتى أن الأقوال التي ذهبت بفرض أعلى قدر لم يكن تقديرهم ليمثل دخلاً يعتد به لبيت المال. وسنبدأ بتجارتهم بالتركيز على أهل الذمة لأنهم الأكثر بين المسلمين مقارنة بالمجوس ونحوهم من غير المسلمين. إن العشر برغم أنه كان معروفاً لم يكن مطبقاً في عهده صلى الله عليه وسلم . والظاهر هو أن أول من وضع العشر في الإسلام هو الخليفة عمر رضي الله عنه. فعن عاصم بن سليمان عن الشعبي قال: «أول من وضع العشر في الإسلام .». وعن مالك بن أنس: «سألت ابن شهاب الزهري: لم أخذ عمر العشر من أهل الذمة؟ فقال: كان يؤخذ منهم في الجاهلية فأقرهم عمر على ذلك». وقد وضح محقق كتاب الأموال قائلاً: «لا يجوز أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه يقر عملاً من أعمال الجاهلية، وما ذكره المؤلف تبعاً لمالك من مصالحته إياهم على ذلك».١٤٢ وهذا موقف متوقع إذ أن . عدد أهل الذمة ازداد في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه بعد الفتوحات التي تعدت مصر والشام وبلاد فارس. وهنا حركية لطيفة من فعل عمر رضي الله عنه. فعند زيادة عدد غير المسلمين يأتي منهم مال لينفق على اليسير الذي ستحتاجه الدولة لوجودهم كطائفة غير مسلمة بين المسلمين فوجود غير المسلمين لابد وأن يؤدي لبعض التجاوزات بين الطائفتين المسلمة وغير المسلمة لاختلافهم في العقيدة وبالتالي القيم. وعندها ستحتاج الدولة للقضاة ومن يعينهم في أعمالهم كجماعة حيادية للفصل بين الطائفتين. أما إن اعتنق غير المسلمين الإسلام فسيقل الخلاف لاتحاد القيم، وعندها يقل المورد المالي المتوقع تبعاً لذلك. لذلك كان العشر أكثر انتشاراً في عهد الخليفة

هامش

ظ ٢) هناك بعض الاختلافات في الأحكام التي تتأثر بكون الكافر غير المسلمين إلا أنني لم أدرجها تحت هذا العنوان لأنها ضريبة ذمياً أو غير ذمي. ولا حاجة لفتح هذا الباب خوفاً من الإطالة. إلا أن وضعت على النفس وليست على الأملاك برغم أنهـا تـفـرض على نسبة هؤلاء الكفار من غير أهل الكتاب في ديار المسلمين قلة لذلك المقتدرين على الكسب فقط.
يمكن تجاهلهم لغرض هذا الكتاب. كما أن الجزية تعتبر من أموال


۳۸۲ 🗏
عمر. أما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كانت الطائفتان في وضع شبه تجابهي وكانت رقعة الدولة المسلمة صغيرة، وليس كوقت الخليفة عمر الذي خضع فيه كثير من غير المسلمين لحكم الإسلام. ومع ذلك، فإن التمسك بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأولى بالاتباع.
العشر هو تعبير عما كان يؤخذ من التجار. وبرغم اختلافات المذاهب إلا أن معظمها ذهبت على أن على أهل الكتاب ضعف ما على المسلمين. فعن أنس بن سيرين قال: «بعث إلي انس ابن مالك فأبطأت عليه ثم بعث إلي فأتيته فقال: إن كنت لأرى أني لو أمرتك أن تعض على حجر كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك عين عملي فكرهته، إني أكتب لك سنة عمر، قلت: أكتب لي سنة عمر، فكتب: يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهماً درهم. وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهم. قلت له: ومن لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يقدرون الشام». إلا أن هناك أثر عن زياد بن حدير قال: «أمرني عمر أن آخذ من تجار أهل الذمة مثل ما آخذ من تجار المسلمين».
مر
درهم
أخذ
واختلفت الآراء أيضاً حول نصاب تجارة أهل الذمة. قال أبو عبيد بعد ذكر عدة أحاديث عن العشر: «فإذا الذمي بالمال على العاشر فإن سفيان كان يقول: لا يأخذ منه شيئاً حتى يبلغ مائة درهم، فإذا بلغ . مائة منه نصف العشر. وقال غيره من أهل العراق لا يأخذ منه . شيئاً حتى يبلغ مائتي درهم».١٤٤ أما مالك وأهل الحجاز فذهبوا على أنه يؤخذ منه حتى إن لم يبلغ المائتين وسبب ) الخلاف أن أهل العراق شبهوا ما يؤخذ بالصدقة." هو أما مالك وأهل الحجاز فقد اعتبروه بمنزلة الجزية التي تؤخذ منهم. " وقد رجح أبو عبيد قول سفيان الذي أخذ بالقياس على ما يؤخذ من المسلمين بجعل فرع المال على حساب أصله، ولأنه أشبه بفعل الخليفة عمر رضي الله
عنه.
ج۳
ب
واختلفت الآراء أيضاً حول ماهية الأموال التي تؤخذ منها العشور، فقال أهل العراق إنما يؤخذ مما يبقى في أيدي الناس من الأموال كالصامت والمتاع والرقيق، أما إذا مر التاجر بالفواكه وأشباهه التي لا تبقى في أيدي

هامش

غـ٢) وهناك حديث آخر عن زياد بن حيدر أيضاً قال: «أمرني عمر قد ضم أموال أهل الذمة إلى أموال المسلمين في حق واحد. فلهذا حملنا أن آخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب وقت أموالهم على الزكاة إذ كان لأدنى الزكاة - حد محدود وهو
نصف العشر». وعن ابن السائب بن يزيد قال: كنت عاملاً على المائتان . فأخذنا أهل الذمة بها وألغينا ما دون ذلك» (١٤٥). سوق المدينة في زمن عمر . قال: فكنا نأخذ من النبط العشر»، والنبط (٣) وقد وضح أبو عبيد سبب مذهبهم بأنهم قالوا: «إن الذي يؤخذ هم الأنباط وقد سكنوا جنوبي فلسطين. وعن سالم بن عبد الله بن من أهل الذمة ليس بزكاة فينظر فيه إلى مبلغها وإلى حدها، إنما هو عمر عن أبيه قال: «كان عمر يأخذ من النبط : من الزيت والحنطة بمنزلة الجزية التي تؤخذ من رؤوسهم. ألا ترى أنها تجب على الغني نصف العشر. لكي يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية والفقير على قدر طاقتهم من غير أن يكون لأدنى ما يملك أحدهم العشر». وجاء في نيل الأوطار: «وعن رجل من بني تغلب أنه سمع وقت مؤقت وعلى ذلك صولحوا؟ قالوا: فكذلك مـا مــروا به من
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس على المسلمين عشور، إنما التجارات يؤخذ منها ما كانت، قليل أو كثير» (١٤٦). العشور على اليهود والنصارى). رواه أحمد وأبو داود ... أي ليس جـ٣) قال أبو عبيد : « وأما سفيان في توقيته المائة أن يؤخذ منها ويترك عليهم غير الزكاة من الضرائب والمكس ونحوهما. قال في القاموس مما دونها، فمذهبه فيه أنه لما رأى أن الموظف على أهل الذمة هو عشرهم يعشرهم عشراً وعشوراً أخذ عشر أموالهم اهـ. وقال الخطابي الضعف مما على المسلمين، في كل مائتين عشرة، جعل فرع المال على يريد عشور التجارات دون عشور الصدقات، ...» (١٤٣). حساب أصله، وأوجب عليهم في المائة خمسة كما يجب عليهم في ۳) فذهبوا إلى «أن عمر حين سمى م ما . ا يجب في أموال الناس التي تدار المائتين عشرة، ليوافق الحكم بعضه بعضاً. وأسقط ما دون المائة، كما للتجارات إنما قال: يؤخذ من المسلمين كذا ومن أهل الذمة كذا ومن عفى للمسلمين عما دون المائتين فصارت المائة الذمي [كذا] كالمائتين أهل الحرب كذا ولم يوقت في أدنى مبلغ المال وقتاً. قالوا: ثم رأيناه للمسلمين سواء....» (١٤٧).


٦ دولة الناس
۳۸۳
الناس فلا يؤخذ فيها منه شيء. أما أهل الحجاز فقالوا أنه يؤخذ منه كل ما مر به للتجارة سواء بقي في أيدي الناس
أم لم يبق."
١٤٨
١٤٩
وقال سفيان وأهل العراق بأنه لا يؤخذ من المال الواحد أكثر من مرة واحدة في السنة وإن مر به به مراراً. وقال مالك وأهل الحجاز أنه يؤخذ منه كلما مر بالتجارة و إن مر بماله في السنة مراراً. ويرجح أبو عبيد قول أهل العراق مستشهداً بالإمامين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. فعن رزيق (أو زريق) بن حيان الدمشقي، وكان على جواز مصر: «أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه من مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون في التجارات من أموالهم من كل عشرين ديناراً ديناراً، فما نقص فبحساب ذلك، حتى تبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت ثلث دينار فلا تأخذ منها شيئا. واكتب لهم بما تأخذ كتاباً إلى مثله من الحول». ووضح المحقق شارحاً: «يعني لا يدفعون بعد ذلك شيئاً حتى يمر عام كامل على هذا الكتاب».٣٥
هـ ٣
وإن قال الرجل: «علي دين أو قال: ليس هذا المال لي، وحلف عليه، فإنه يصدق على ذلك، ولا يؤخذ منه شيء». هذا مذهب أهل العراق، أما أهل الحجاز فلم يقبلوا قوله. وهناك قول وسط بأنه «إن كان له شهود من المسلمين على دينه قبل ذلك منه، ولم يكن على ماله سبيل ، ... ...». وكما ترى، فبرغم هذه المذاهب المختلفة إلا أن أكثر ما كان يؤخذ من التجار هو نصف العشر، أي ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ومرة في السنة في الأرجح. أي خمسة في المئة مما كان مخصصاً لتجارتهم. وبالطبع، فهذا الفارق قد يدفع بعض أهل الذمة لاعتناق الإسلام.
واختلفت المذاهب أيضاً في ما يؤخذ من أهل الذمة من ثمارهم وأنعامهم. قال أبو يوسف مثلاً: «وليس في مواشي أهل الذمة من الإبل والبقر والغنم زكاة، والرجال والنساء في ذلك سواء. قال أبو يوسف: حدثنا سفيان عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: ليس في أموال أهل الذمة إلا العفو. قال أبو يوسف: وليس في شيء من أموالهم، الرجال منهم والنساء زكاة إلا ما اختلفوا به في تجارتهم فإن عليهم نصف العشر ، ... » . بينما قال أبو عبيد بأن هناك رأياً بأن عليهم ضعف ما على المسلمين في كل شيء حتى الثمار والأنعام. فيقول معلقاً بعد ذكر عدة أحاديث:
و
«والحديث الأول، حدیث داود بن كردوس، وزرعة، أو النعمان هو الذي عليه العمل: أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين، ألا تسمعه يقول : من كل عشرين درهما درهم. وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مروا بأموالهم على العاشر من كل أربعين درهماً درهم. فذاك ضعف هذا.
وهو
المضاعف

هامش

ز
د٣) وعن عطاء بن السائب عن ابن زياد بن حدير: «أن أباه كان لزمه للمسلمين فهو يريد إبطاله بالدعوى. وليس بمؤتمن في ذلك كما يأخذ من نصراني في كل سنة مرتين، فأتى عمر بن الخطاب فقال: يا يؤتمن المسلمون على زكاتهم في الصامت، إنما هذا فيء وحكمه غير أمير المؤمنين: إن عاملك يأخذ مني العشر في السنة مرتين فقال عمر : حكم الصدقة» (١٥١).
ليس ذلك له، إنما له في كل سنة مرة. ثم أتاه فقال : أنا الشيخ النصراني، و قد يكون معنى «الإختلاف بالتجارة» كما وضحه محمد خليل فقال عمر : وأنا الشيخ الحنيف قد كتبت لك في حاجتك» (١٥٠). هراس محقق كتاب الأموال لأبي عبيد هو التجارة التي يسافر بها هـ) القول هو لأبي عبيد. وتكملة ما جاء في النص: «... لأن الدين التجار. ولعل المعنى أيضاً هو الإختلاف بين البائع والمشتري في السعر حق قد وجب لربه عليه، فهم أولى به من الجزية لأنها إن كانت حقاً ثم الاتفاق، وبهذا فالتعريف يشمل كل شيء يباع (١٥٢). للمسلمين في عنقه فإنه ليس يحصى أهل هذا الحق، فيقدر على قسم (۳) وتكملة ما جاء في النص: «ولا يؤخذ من مال حتى يبلغ مائتي مال الذمي بينهم وبين هذا الغريم بالحصص ، ولا يعلم كم يؤخذ ه درهم أو عشرين مثقالاً من الذهب أو قيمة ذلك من العروض وقد علم حق الغريم، فلهذا جعلناه أولي بالدين من غيره. فإن لم يعلم للتجارة » (١٥٣). هذا الذمي إلا بقوله كان مردوداً غير مقبول منه، لأنه حق قد
دین
منه.


٣٨٤ 🗏
المجموع:
الذي اشترط عمر رضي الله عنه عليهم، وكذلك سائر أموالهم من المواشي والأرضين، يكون عليها في تأويل هذا الحديث الضعف أيضاً، فيكون في كل خمس من الإبل شاتان، وفي العشر أربع شياه، ثم على هذا ما زادت. وكذلك الغنم والبقر ، وعلى هذا الحب والثمار، فيكون ما سقته السماء فيه عشران، وما سقي بالغروب والدوالي فيه عشر ، وفي مذهب عمر رحمه الله أيضاً وشرطه عليهم أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم مثل ما على أموال رجالهم، كذلك يقول أهل الحجاز....
إلا أن مذهب جمهور أهل العلم في الثمار أنه لا يؤخذ العشر من ثمار الذمي، إلا أبا حنيفة لم .
«لا يجب العشر عندنا في ثمار الذمي والمكاتب وزرعهما وأوجبه أبو حنيفة في زرع الذمي وثمره لعموم الحديث: فيما سقت السماء العشر، ولأنه حق يجب لمنفعة الأرض فاستوى المسلم والكافر فيه كالخراج، واحتج أصحابنا أن العشر زكاة للحديث السابق في الكرم يخرص كما يخرص النخل، ثم تؤدى زکاته زبيبا، كما تؤدى زكاة النخل تمراً، وإذا كان زكاة فلا يجب على الذمي كسائر الزكوات، أو يقال حق يصرف إلى أهل الزكوات، فلم يجب على الذمي كسائر الزكوات. وأما الحديث فمخصوص بما ذكرناه، وأما القياس المذكور فليس كما قالوه، بل حق العشر متعلق بالزرع على سبيل الطهرة للمزكي».
ذلك.
ير . ففي
وبهذا قد ينجذب غير المسلمين للعمل في الرعي والزراعة مقارنة بالمسلمين. وهكذا نستنتج أنه إن طبقت الشريعة فإن أعلى دخل يأتي لبيت المال من أموال أهل الذمة هو خمسة في المئة من عروض التجارة وعشرة في المئة من المنتجات الزراعية مما سقاه مجهود إنساني وعشرون في المئة مما سقته السماء، أي الخمس. وهذه الأخيرة هي في بعض الأقوال وليس مذهب الجمهور، وهي ما يؤخذ مما يخرج من الأرض وليس من مجمل قيمة الأرض بما فيها من أعيان كالمباني والمعدات والزرع والنفقات وإن اعتبرنا أن الزراعة استثمار مجد وأن الربح الصافي هو خمس تكلفة الأرض بزراعتها، وهذا رقم استثماري مرتفع، فإن ما يذهب لبيت المال من الزراعة هو خمس الخمس من رأس المال، أي أربعة في المئة من رأس المال. وهذا أقل مما يؤخذ من عروض التجارة وهو الخمسة في المئة. أي أن دخل الدولة (الفيء) في جميع الأحوال لن يزيد على خمسة في المئة من رأس مال غير المسلمين. وهذه النسبة هي من النسب المرتفعة التي تصل إلى بيت المال (باستثناء ما كان يؤخذ من تجار أهل الحرب والأرض الخراجية التي أسلم صاحبها، وهذا نادر كما سنوضح بإذن الله). ولكن يجب أن نتذكر (من الصفحات السابقة) بأن هذا الدخل هو أعلى مورد من أموال غير المسلمين. فهناك من الآراء ما يخفف كثيراً عن أهل الذمة. فقد قال الخطابي: «والذي يلزم

هامش

حـ٣) وتكملة ما جاء في النص لأبي عبيد : ... وقالوا أيضاً إن أسلم من أموال المسلمين ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة إذا اختلفوا التغلبي أو اشترى مسلم أرضه تحولت الأرض إلى العشر كسائر للتجارة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب العشر. وأخرج سعيد المسلمين، وخالفهم في ذلك بعض أهل العراق» (١٥٤). بن منصور عن زياد بن جدير قال استعملني عمر بن الخطاب على ط۳) ويوضح الشوكاني ما قاله الخطابي قائلاً: «ولعله يريد على العشور فأمرني أن آخذ من تجار أهل الحرب العشر ومن تجار أهل مذهب الشافعي، وأما عند الحنفية والزيدية فإنهم يقولون يؤخذ من الذمة نصف العشر ومن تجار المسلمين ربع العشر، وأخرج مالك عن تجار أهل الذمة نصف عشر ما يتجرون به إذا كان نصاباً، وكان ذلك ابن شهاب عن سالم عن أبيه، كان عمر يأخذ من القبط من الحنطة الإتجار بأماننا .... وقد أخرج البهقي عن محمد بن سيرين أن أنس بن والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة. ولا مالك قال له أبعثك على ما بعثني عليه عمر ؟ فقال : لا أعمل لك عملاً يؤخذ ذلك منهم إلا في السنة مرة لظاهر اقترانه بربع العشر الذي على تكتب لي عهد عمر الذي كان عهد إليك، فكتب لي أن تأخذ لي المسلمين ... » (١٥٦).
حتى


٦ دولة الناس
٣٨٥
ط ۳
اليهود والنصارى من العشور هو ما صولحوا عليه، وإن لم يصالحوا عليه فلا شيء عليهم غير الجزية، ...». وفي الأموال لأبي عبيد: «وحدثنا هشيم، أخبرنا منصور عن الحسن قال: ليس على أهل الذمة صدقة في أموالهم وليس عليهم إلا الجزية». و «حدثنا أبو بكر بن عياش عن مغيرة عن إبراهيم [أي إبراهيم النخعي] قال: الصدقة على من تجر من أهل الكتاب». قال أبو عبيد: «يعني أنه ليس عليهم في غير التجارات صدقة، وهو عندي تأويل حديث يروى عن ابن عباس يحدثونه عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه أن إبراهيم بن سعد سأل ابن العباس: ما في أموال أهل الذمة؟ فقال العفو. قال أبو عبيد: يريد أنه قد عفى لهم عن الصدقة، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عفونا لكم عن صدقة الخيل والرقيق).... قال أبو عبيد: أفلا ترى أنه صلى الله عليه وسلم إسقاط الصدقة سمی عفواً؟ فكذلك العفو في أموال أهل الذمة الذي ذكره ابن عباس إنما هو إسقاط الصدقة.
عنهم ..
ولعلك لاحظت أنه برغم اختلاف الأقوال فإن المحصلة هي أن ما على غير المسلمين دفعه في التجارة أعلى في نسبته مما يدفعه المسلمون مقارنة بالزراعة والرعي. وإن تم تطبيق ما على التجارة على الصناعة من حقوق كما هي عادة الفقهاء (كما رأينا في فصل «الأموال»)، فإن في هذه الحركية جذب لغير المسلمين للعمل في الزراعة والرعي على حساب التجارة والصناعة. ولكن هل هذا يناقض كما هو ظاهر ، ما ذكرناه في فصل «الأموال» من أن الشريعة رفعت نصاب زكاة الأنعام مقارنة بالزروع ورفعت نصاب زكاة الزروع مقارنة بعروض التجارة وذلك لجذب المسلمين لما فيه إنتاج غذائي حيواني ومن ثم زراعي مقارنة بالتجارة والتصنيع ؟ بالطبع لا. ذلك لأن هدف الشريعة تأمين الغذاء للمجتمع أولاً كما قلنا ليتمكن قطاع التصنيع وتوزيعه تجارياً من الإستمرار. فالشريعة وضعت من الحركيات، كما رأينا في فصل «الأموال»، ما يجذب المسلمين إلى القطاع الرعوي ومن ثم الزراعي مقارنة بالتجارة والصناعة، وكذلك فعلت مع غير المسلمين، فالجذب وبرغم أنه لغير المسلمين أكثر منه للمسلمين في الرعي والزراعة إلا أنه للجميع وذلك حتى يتوفر الغذاء للمجتمع ليستمر ، ولكن داخل هذه التركيبة هدف آخر: فكما هو معلوم فإن من بيدهم الأموال من تجار وصناع هم الأكثر سيطرة في الأمم ممن يعملون في الحرف الرعوية والزراعية: فهم الأكثر تأثيراً مثلاً في المجتمعات من خلال مصنوعاتهم التي تؤثر في قيم أفراد المجتمع. أي وكأن الشارع بهذا
التوزيع لاستيفاء الفيء من غير المسلمين فهو إنما يزيد المسلمين قوة داخل مجتمعاتهم لتنتشر القيم الإسلامية الحميدة حماية للأمة. فإن تمكن تاجر غير مسلم مثلاً من الصناعة فقد يقيم مصنعاً للمعازف، ويأتي تاجر غير مسلم ويروج له بضاعته، وهكذا. فتأمل حتى هذه المحاولة من الشريعة لحفظ الأمة من خلال مقصوصة الحقوق. وبالنسبة للتجار القادمين من بلاد غير المسلمين، فهناك ملحوظة لطيفة وهي أن الدور كانت آنذاك دارين: دار الإسلام ودار الحرب، ودار الحرب هي كل رقعة خارج حكم المسلمين. أي أن العالم كان مقسوماً في نظر الفقهاء إلى عالمين (وهناك تقسيم آخر سنأتي عليه بإذنه تعالى): عالم المسلمين، وعالم غير المسلمين، وعالم غير المسلمين هو موطن الكفار، وكانوا يسمونه بدار الحرب. أي أن التقسيم لم يأخذ قط بالقوميات في الأحكام، كأن يقال هذا سوري وذاك مصري. بل دار سلم ودار حرب، تعبيراً عن استمرارية الجهاد على من هم خارج ديار

هامش

ي٣) والعفو كما وضحها محمد خليل هراس: «وأما كلمة العفو التي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، ويكون المراد به أجاب بها ابن عباس السائل عما في أموال أهل الذمة فليست نصاً في ما جاء في الحديث من صدقة الرقة يعني الدراهم». وقد تحدثنا عن هذا المعنى، بل يجوز أن يكون أراد بها معنى الزيادة والفضل كما في العفو في فصل «الأموال» (١٥٧).


٣٨٦ 🗏
هذا
المسلمين. فالحقوق تتبع التقسيم، فحقوق التاجر المسلم غير حقوق غير المسلم، وحقوق التاجر غير المسلم الذي يعيش في ديار المسلمين تختلف عمن يعيش في ديار الكفر، فقارن هذا الوضع بما هو عليه حال التجار اليوم. فمنظومة الحقوق الحالية وضعت دون أن تميز بين تاجر مسلم وتاجر غير مسلم، بل وضعت بتمييز التاجر المواطن من غير المواطن، فكل التجار القادمين لبلد مسلم هم في نظر ذلك البلد أجانب سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. أما مقصوصة الحقوق فهي تقص الحقوق تبعاً لدين التاجر. كيف؟
عليهم؟ قالوا العشر، قال: فخذوا منهم العشر»
١٥٨ .«
بالنسبة لما يؤخذ من تجار أهل الحرب، أي من لا يعيشون بين المسلمين، فقد كانت المعاملة بالمثل. فقد سئل الخليفة عمر رضي الله عنه: «تجار الحرب كم نأخذ منهم إذا قدموا علينا؟ قال: كم يأخذون منكم إذا قدمتم وقد اتفق الفقهاء على أن على التاجر الآتي من دار الحرب «العشر كلما مر لأنه إذا دخل دار الحرب بطلت عنه أحكام المسلمين، فإذا عاد إلى دار الإسلام كان مستأنفاً للحكم، كالذي لم يدخلها قط، لا فرق بينهما». وقد أجمعوا أيضاً على أن الحربي (أي التاجر من بلاد غير المسلمين) لا يؤخذ بقوله إن ادعى أن عليه دين أو أن المال ليس بماله. غير أن هذا العشر نادر جداً لقلة التجار من ديار الحرب مقارنة بمساحة العالم الإسلامي. فهذا المصدر كمورد لبيت المال قليل أيضاً مقارنة بالمصادر الأخرى.
ك ٣
أي يمكننا الاستنتاج أن الفيء لن يزيد عن خمسة في المئة من أملاك غير المسلمين في جميع الأحوال، بل قد يقل عنه كثيراً. وسنأتي على بيان طريقة صرفه بإذن الله لتتأكد أن دولة الإسلام هي دولة الناس، ولكن من كل ما سبق أرجو أن تتذكر أخي القارئ دائماً أن أهم مسألة هي أنه كلما زاد تعداد أمة الإسلام بإسلام غير المسلمين كلما قل دخل الأمة من الفيء، لأنه لا فيء من غير المسلمين بعد. إسلامهم. وكما هو معلوم في الأنظمة الوضعية المعاصرة فإن ميزانية الدول عادة ما تزداد بزيادة عدد السكان لزيادة الحاجة للنفقات . أما في الإسلام، فحتى إن زاد العدد، فإن كان الجميع أو المعظم مسلماً فلن يزداد الدخل، بل سيقل، فتأمل هذا الوضع الذي يبدو متناقضاً. أي أن الفيء يتناقص بزيادة عدد السكان. ألا يعني هذا أن النظرية الاقتصادية الإسلامية لا تعتمد على الفيء أبداً؟ فتأمل. وما هذا إلا لأن دولة الإسلام هي دولة الناس. وتذكر أيضاً أنه لا يعقل أن يكون من أهداف الإسلام إبقاء غير المسلمين على دينهم أو زيادة عدد غير المسلمين لأن عليهم العشور والجزية وما إليها من أموال تجبى لبيت المال، بل على العكس، فمن أهداف الإسلام نشر الإسلام، وعندها سيضمحل دخل الدولة من الفيء، لذلك لابد «وألا» يكون الفيء في حسبان أي اقتصادي مصدراً من مصادر بيت المال. أي أن كل اقتصادي يضع نظاماً اقتصادياً نموذجياً للدولة المسلمة آخذاً في حسبانه ما تم ذكره سابقاً من عشور وجزية كرافد من روافد دخل الدولة لابد وأن يكون مخطئاً. وهذا أشد ما ينطبق على الآتي:

هامش

ك٣) إلا في حالة واحدة فيتم تصديق الحربي، وذلك إذا مر بجوار، أي جارية، يعني إماء، فقال : هؤلاء أمهات أولادي، قبل منه (١٥٩).


٦ دولة الناس
۳۸۷

ً## إجتماع العشر والخراج : قياس أو استحسان

قال لي أحدهم مرة : إن التأجير بالتقسيط المؤدي للتملك هو من متطلبات العصر، وأنت تقول أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فلماذا لم يأت الإسلام بهذه الصورة من العقد؟ فأجبت: إن هذا العقد هو بيعتان في بيعة، وقد حرمه الإسلام، والمجتمعات الحديثة تتطلب مثل هذا العقد لتراكم الفساد الاقتصادي لعدة قرون، فنسبة الملاك في مجتمعاتنا المعاصرة قليلة جداً مقارنة بما كان سيوجد إن طبق الإسلام، لهذا ظهرت الحاجة لخدمة السواد الأعظم من غير المقتدرين بعقود مستحدثة مثل هذه. والإسلام ليس مسؤولاً عن هذا الخلل. فكيف تريده أن يأتيك بالحل؟ فهل من مسؤولية الشريعة مثلاً تخفيف نسبة السرقات إن لم تحكم المجتمعات بقطع يد السارق، ليكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان ؟ ١٦٠ (تذكر مثال (الإيدز) فهناك الكثير من الآفات التي ما ظهرت إلا بسبب تطبيق الرأسمالية والتي تبدو وكأنها متطلبات معاصرة ولم يوجد لها الإسلام حلاً. وهنا لا نقول بأن الإسلام عاجز عن تقديم الحل، بل من غير اللائق البحث عن الحل، لأنه لن يكون حلاً جذرياً، بل حلاً ترقيعياً ليجاري المسلمون عصرهم الملوث بحقوق منظومات مجتمعات أخرى، وفي هذا تعميق للضياع لأن في إيجاد الحل قبول للانحراف ما يؤدي لانحراف أكبر، والله أعلم. فالقبول بالتأجير المؤدي للتميك سيزيد المقرضين قوة مالية على حساب المستأجرين (كما سترى بإذن الله. فالأولى إذاً استثمار المجهود للعودة إلى عصر السلف. مثال آخر من السياسة لا تجد أخي القارئ للكثير من الجماعات الإسلامية برنامجاً مقنعاً عن كيفية المشاركة في الحكم بتكوين أحزاب ودخول الانتخابات ونحوها من أدوات الديمقراطية لأنهم يحاولون تكييف وضع الإسلام مع أنظمة أتت مع تراكمات سياسية غير إسلامية. وفي مثل هذه الأوضاع نلحظ أن فقهاء بعض الأحزاب يبحثون عن الحلول، فيجدون المخرج في الأخذ بالرأي والاستحسان على حساب القياس لأن القياس لن ينقذهم من مأزقهم. فلا عجب إن أخذت معظم الدول بالمذهب الحنفي في معظم الأحكام العمرانية كما وضحت في كتاب «عمارة الأرض» لأنه مذهب يأخذ بالاستحسان. وللتوضيح لنأخذ وضع الأرض الخراجية التي أسلم صاحبها، وكذلك الأرض الخراجية التي اشتراها مسلم لنتقصى المقارنة بين القياس والاستحسان من حيث الفيء.
هو
لقد تحدثنا في فصل «الأراضي» عن الأرض الخراجية التي فتحت عنوة، وتقصينا طرق استيفاء خراجها وكيف أنها كانت تنقص بمرور الزمن وقلنا أن الذي حدث في الواقع أن الأرض لم تقسم وبقيت ملكاً لبيت المال. وقلنا أن حالها ساء لدرجة نزوح بعض من كان يعمل فيها وأن المسلمين عزفوا عن شراء أرضها لأنهم اعتبروها وقفاً لعموم المسلمين، وأنهم ترددوا حتى في شراء منتجاتها. وقلنا أن سنته صلوات ربي وسلامه عليه هي في تقسيمها بين الغانمين وبذلك تصبح ملكاً لهم ولورثتهم من بعدهم. ورأينا الخلاف الذي وقع بين الفقهاء في تقسيمها. ولأن الأرض في الواقع لم تقسم واعتبرت ملكاً لعموم المسلمين ظهر خلاف فقهي عجيب: ما الذي سيحدث إن أسلم صاحب الأرض الخراجية، أو اشتراها ،مسلم، هل عليه دفع العشر والخراج معاً أم يسقط عنه الخراج؟ إن أعلى مورد وجدته لبيت المال مما يؤخذ من الأفراد هو من دخل الأرض الخراجية التي أسلم صاحبها، أو من الأرض الخراجية التي اشتراها مسلم. ففي كلتا الحالتين على الرجل أن يدفع الخمس أو الربع كخراج بالإضافة لدفع العشر كزكاة، أي أن مجموع ما يدفعه قد يصل إلى خمس وثلاثين في المئة مما تنتجه الأرض، وهذا رقم كبير مقارنة بالعشر. فكما رأينا في فصل «الأراضي» فإن رأي جمهور الفقهاء هو أن الأرض الخراجية تبقى على حالها حتى إذا أسلم من كان


۳۸۸ 🗏
ل ۳
يعمل بها أو انتقلت ملكيتها إلى رجل مسلم. إلا أن هناك رأياً آخر : فعن محمد بن عبيد الله قال: «أسلم دهقان فقام إلى علي عليه السلام، فقال له علي: أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا». ويقول أبو عبيد معلقاً: «فتأول قوم لهذه الأحاديث: أن لا عشر على المسلمين في أرض الخراج. يقولون : لأن عمر وعلياً رضي الله عنهما لم يشترطاه على الذين أسلموا من الدهاقين. وبهذا كان يفتي أبو حنيفة وأصحابه». فهم يحتجون بهذه الآثار على أنه لا يجتمع عشر وخراج لأن الأرض الخراجية لا زكاة فيها. وكان هذا رأي بعض السلف مثل الليث بن سعد برغم أنه كان يخرج العشر من أرضه مع الخراج وقد قام أبو عبيد بدحض هذا الرأي بأن قال: «وليس في ترك ذكر لأن العشر حق واجب على المسلمين في أرضيهم لأهل الصدقة، لا يحتاج إلى اشتراطهما عليهم عند دخولهم في الأرضين ...... ٣٢ أي وكأن الخراج أشبه بكراء الأرض التي يملكها عموم المسلمين. فأداء الكراء لصاحب الأرض لا يسقط الزكاة. فهذا الذي اشترى أرضاً خراجية لا تسقط عنه الزكاة، وهذا الذي أسلم فعليه الخراج وعليه الزكاة. أي أن العشر والزكاة قد اجتمعتا على نفس الأرض، وهذا وضع عجيب. فكيف وصلنا إليه، وما هو رأي فقهاء المذاهب؟
دليل على سقوطه عنهم
عمر
وعلي العشر
لقد ذهب جمهور الفقهاء على تقبل اجتماع العشر والخراج على نفس الأرض إلا أبا حنيفة فكان لا يرى اجتماعهما. ففي أحكام القرآن للجصاص
«فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يجتمعان. وقال مالك والثوري والحسن بن صالح
:
وشريك والشافعي: إذا كانت أرض خراج فعليه العشر في الخارج والخراج في الأرض. والدليل على أنهما لا يجتمعان أن عمر بن الخطاب لما فتح السواد وضع على الأرض الخراج، ولم يأخذ العشر من الخارج وذلك بمشاورة الصحابة وبموافقتهم إياه عليه فصار ذلك إجماعاً من السلف، وعليه مضى الخلف. ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالناضح نصف العشر)، وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما. فلو وجب الخراج معه لكان ذلك بعض الواجب لأن الخراج قد يكون الثلث أو الربع، وقد يكون قفيزاً ودرهما. وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قــدر العشر إلى النصف لأجل المؤنة التي لزمت صاحبها. فلو لزم الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي للزوم مؤنة الخراج، ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة وما تخلف فيه كما خالف النبي صلى الله عليه وسلم بين ما سقته السماء وبين ما سقي بالناضح لأجل المؤنة، ويدل عليه حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (منعت العراق قفيـزهـا و درهمها، ومعناه ستمنع ولو كان العشر واجباً لاستحال أن يكون الخراج ممنوعاً منه، والعشر غير

هامش

ل۳) ففي الأموال: «وقد روي عن ابن عباس حديث تأوله بعضهم (۳) وتكملة ما جاء في النص : «ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه على أنه لا يجتمع العشر والخراج». «حدثنا يحي بن بكير عن الليث بن وسلم قال: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له، ولم يقل: على أن يؤدي سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال ابن عباس: ما أحب أن يجمع عنها العشر . فهل لأحد أن يقول : لا عشر عليه فيها؟ ...». ويعلق - أو قال: يجتمع - على المسلم صدقة المسلم وجزية الكافر. قال أبو محمد خلیل هراس في الحاشية فيقول: «وهذا هو المعقول أن الخراج لا عبيد : وليس وجهه ذلك . عندي، إنما مذهبه فيه الكراهة للمسلم أن يسقط العشر لأنه أشبه بجزية على الأرض أو كراء فلا يتنافى مع يدخل في أرض الخراج فيجتمع عليه الحقان ...». والذي يعنيه أبو إيجاب العشر الذي هو حق مقرر على المسلم فيما يخرج من أرضه من عبيد هو أن ليس تأويل حديث ابن العباس على ما تأوله البعض من زرع أو ثمر. ومن العجيب أن كثيراً من المسلمين في مصر إلى الآن لا كراهية إيجاب العشر مع الخراج (١٦١). يخرجون زكاة زرعهم استناداً إلى مذهب أبي حنيفة في أن أرض الخراج
لا عشر عليها» (١٦٢).


٦ دولة الناس
۳۸۹
ممنوع لأن من منعالخراج كان للعشر أمنع ، وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض . وأيضا لما كان العشر والخراج حقين الله تعالى لم يجز اجتماعهما عليه في وقت واحد، والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع وجوب زكاة السائمة وزكاة التجارة. فإن قيل: إن الخراج بمنزلة الأجرة والعشر صدقة، فكما جاز اجتماع أجر الأرض والعشر في الخارج، كذلك يجوز اجتماع الخراج والعشر، وذلك لأن أرض الخراج مبقاة على حكم الفيء، وإنما أبيح لزارعها الانتفاع بها بالخراج وهو أجرة الأرض، فلا . ذلك يمنع وجوب العشر مع الخراج قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها أن عند أبي حنيفة لا يجتمع العشر والأجرة على المستأجر، ومتى لزمته الأجرة سقط عنه العشر، فكان العشر على رب الأرض الآخذ للأجرة، فهذا الإلزام ساقط عنه. وقول القائل: إن أرض الخراج غير مملوكة لأهلها وأنها مبقاة على حكم الفيء خطأ، لأنها عندنا مملوكة لأهلها، والكلام فيها في غير هذا الموضع. وقوله إن الخراج أجرة خطأ أيضاً من وجوه أحدها أنه لا خلاف أنه لا يجوز استئجار النخل والشجر ، ومعلوم أن الخراج يؤدى عنهما، فثبت أنه ليس بأجرة. وأيضا فإن الإجارة لا تصح إلا على مدة معلومة ولم يعتقد أحد من الأئمة على أرباب أراضي الخراج مدة معلومة. وأيضا فإن كانت أرض الخراج وأهلها مقرون على حكم الفيء فغير جائز أن يؤخذ منهم جزية رؤوسهم لأن العبد لا جزية عليه. ومما يدل على انتفاء اجتماع الخراج والعشر تنافي سببهما وذلك لأن الخراج سببه الكفر لأنه يوضع موضع الجزية وسائر أموال الفيء، والعشر سببه الإسلام، فلما تنافى سبباهما تنافى مسبباهما ... » . .
١٦٣
إن من الملفت للنظر في النص السابق هو الرجوع إلى رأي أبي حنيفة رحمه الله وكأنه حجة أو دليل يعتد به وذلك في قوله: «قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها أن عند أبي حنيفة لا يجتمع العشر والأجرة على المستأجر ...». ولعل القارئ يتعجب من التباين والحجج بين المذهبين في هذه المسألة. فأدلة من أخذوا بالقياس تتجه نحو اجتماع العشر والخراج على نفس الأرض، بينما المنطق يرفض هذا الاجتماع لأن العشر والخراج معاً سينهكان صاحب الأرض الذي أسلم، وهل هذا جزاء إسلامه؟ وقد يعزف الناس عن العمل في مثل تلك الأرض لنقصان الجدوى الاقتصادية فيها، وبهذا قد تصير خراباً لإهمال الناس لها كما رأينا في فصل «الأراضي». قارن السابق بما جاء في المجموع : قال ابن المنذر في وجوب اجتماع العشر والخراج:
ن
«هو قول أكثر العلماء، ممن قال به عمر بن عبد العزيز وربيعة والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والليث وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود. وقال أبو حنيفة: لا يجب العشر مع الخراج واحتج بحديث يروى عن ابن مسعود مرفوع: لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم. وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: منعت العراق قفيزها ودرهمها . ولما روي أن دهقان نهر الملك " لما أسلم قال عمر بن الخطاب رضي ا الله عنه: سلموا إليه الأرض وخذوا منه الخراج فأمر بأخذ الخراج ولم يأمر بأخذ العشر، ولو كان واجباً لأمر به، ولأن الخراج يجب بالمعنى الذي يجب به العشر، وهو منفعة الأرض، ولهذا لو كانت الأرض سبخة لا منفعة لها لم يجب فيها خراج ولا عشر فلم يجز إيجابهما معاً، كما إذا ملك نصاباً من السائمة للتجارة سنة، فإنه لا يلزمه زكاتان، ولأن الخراج يجب بسبب الشرك، والعشر بسبب

هامش

ن نهر الملك: كورة واسعة ببغداد. ولقد ذكر الأثر في مراجع أخرى كسنن البيهقي الكبرى ومصنف عبد الرزاق بصيغة الأنثى: أي إمرأة من نهر الملك (١٦٤).


۳۹۰ 🗏
الإسلام، فلم يجتمعا. واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( فيما سقت السماء العشر). وهو صحيح كما سبق بيانه في باب زكاة الثمار، وهو عام يتناول ما في أرض الخراج وغيره. واحتجوا بالقياس الذي ذكره المصنف وبالقياس على المعادن، ولأنهما حقان يحبان بسببين مختلفين لمستحقين فلم يمنع أحدهما الآخر كما لو قتل المحرم صيداً مملوكاً، ولأن العشر وجب بالنص فلا يمنعه الخراج الواجب بالاجتهاد. أما الجواب عن حديث لا يجتمع عشر وخراج)، فهو أنه حديث باطل مجمع على ضعفه انفرد به يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة عن حماد عن ابراهيم النخعي عن . علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي رحمه الله تعالى في معرفة السنن والآثار: هذا المذكور إنما يرويه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم من قوله، فرواه يحيى بن عنبسة هكذا مرفوعاً. ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في الضعف لروايته عن الثقات الموضوعات. قاله أبو أحمد بن عدي الحافظ فيما أخبرنا به أبو سعيد الماليني عنه هذا كلام البيهقي وكلام الباقين بمعناه ، ... » . .
C
170
وبرغم ظهور أدلة من ذهبوا إلى وجوب اجتماع العشر والخراج ( كما سيأتي بإذن الله) إلا أنك تلحظ من السابق تردد الفقهاء في الإصرار على موقفهم وذلك بقوله: «ولأن العشر وجب بالنص فلا يمنعه الخراج الواجب بالاجتهاد». فقوله: «الواجب بالاجتهاد تعبير عن أن اجتماع العشر والخراج واقع مستحدث. وقد رجح بعض الفقهاء المعاصرين أدلة ما ذهب إليه الجمهور، ذلك لأنهم ( كما سيأتي بيانه في فصل المكوس» بإذن الله) ظنوا أن الدولة لن تتمكن من القيام بوظائفها إلا بالمال الوفير وفي اجتماع العشر والخراج تحقيق لذلك. فيقول القرضاوي معللاً . سبب اجتماع العشر والخراج وذلك: أن سبب الخراج التمكن من الانتفاع وسبب العشر وجود الزرع، كما أن العشر يتعلق بعين الخارج من الأرض ، والخراج يتعلق بالذمة، ومصرف العشر هم الأصناف الثمانية في آية: إِنَّمَا الصَّدَقَدتُ ، إلخ. ومصرف الخراج رواتب الجند والموظفين والمصالح العامة للدولة، وإذا كانا حقين مختلفين سبباً متعلقاً ومصرفاً ولا منافاة بينهما جاز اجتماعهما كأجرة حانوت التجارة وزكاتها ...». وقد جمع القرضاوي رد الجمهور على أدلة الحنفية. فمما جمعه مثلاً قوله:
۱- فأما حديث: (لا يجتمع عشر وخراج فهو كما قال النووي، حديث باطل مجمع على ضعفه، انفرد به يحيى بن عنبسة ... ٢- وأما حديث أبي هريرة منعت العراق ... إلخ، فقال النووي: فيه تأویلان مشهوران في كتب العلماء المتقدمين والمتأخرين، أحدهما : أنهم سيسلمون وتسقط عنهم الجزية. والثاني: أنه إشارة إلى الفتن الكائنة في آخر الزمان، حتى يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم، من زكاة وجزية وغيرها، ولو كان معنى الحديث ما زعموه للزم ألا تجب زكاة الدراهم والدنانير والتجارة. وهذا لا يقول به أحد . س ٦- وأما قولهم: إن الخراج وجب عقوبة بسبب ) الكفر، فليس كذلك أيضاً؛ لأنه إنما وجب أجرة للأرض سواء أكانت في يد مسلم أم كافر. ولو كان الخراج عقوبة ما وجب على مسلم كالجزية. ومما يشهد لذلك أن الدول الحديثة تفرض على مواطنيها ضريبة تسمى «ضريبة الأملاك العقارية» وهي قطعاً لا تقصد بذلك عقوبتهم. بل إسهامهم في نفقات الدولة. وإذن لا صحة للقول بأن سبيليهما متنافيان؛ فإن الخراج أجرة الأرض والعشر زكاة الزرع ولا تنافي بينهما، كما لو استأجر أرضاً فزرعها».
لاحظ أن العجيب في القول السابق هو استشهاد القرضاوي بما تفعله الدول المعاصرة كدليل يحتج به بقوله: «ومما يشهد لذلك أن الدول الحديثة تفرض على مواطنيها ضريبة تسمى «ضريبة الأملاك العقارية» وهي قطعاً لا تقصد بذلك عقوبتهم». وما حدث هذا إلا لاقتناعه بضرورة توافر المال للدولة حتى تتمكن من القيام


٦ دولة الناس
۳۹۱
بمهامها (وسندحض هذا فيما بعد بإذن الله. وهكذا تتضارب أخي القارئ الأدلة إن هذا الاختلاف في المذاهب حول الأرض الخراجية التي تملكها الدولة ممثلة لعموم المسلمين أمر متوقع لأنه وضع مستحدث وغير طبيعي، فإن تم تقسيم الأراضي بين الغانمين كما هي سنته صلوات ربي وسلامه عليه لما وُجدت الأراضي التي تملكها الدولة «بتاتا»، وبالتالي لما اجتمع العشر والخراج على نفس الأرض، ولما احتاج الفقهاء للخوض في هذه المسألة. حتى خمس الغنائم الذي هو لغير الغانمين فله مستحقوه كما سنوضح بإذن الله، ومتى ما ذهبت إليهم فهو ملك لهم ومن ثم تجب عليهم الزكاة. أي لا خراج إلا على أراضي الصلح، وهو وضع مختلف تماماً (وسيأتي بيانه بإذن الله). لكن لأن الأرض لم تقسم، ولأن الدولة امتلكت الأراضي، نجد أن مذهب أهل الرأي في هذه الحالة فقط يبدو «وكأنه» أكثر ملائمة لرفضه الجمع بين الخراج والعشر. فجميع مذاهب أهل القياس أكثر سداداً من مذاهب أهل الرأي إلا في هذه المسألة، فلم أجد لمذهب أهل الرأي مقارنة بأهل الحديث قولاً يخدم العمران كما وضحت في كتاب «عمارة الأرض» بحمد الله. لذلك يجب أن نتمسك بالسنة بحذافيرها في مسائل العمران ونأخذ بالقياس فقط، ونتجنب الاستحسان لأنه تقديم للعقل على النص، ولأنا لا ندرك بعقولنا القاصرة الحكمة من حكم شرعي إلا بعد قرون كما حدث في عدم تقسيم سواد العراق على الغانمين فظهر الاستحسان وكأنه المنقذ. فهو علاج لخطأ. فما فعله الاستحسان في هذه الحالة هو أسلمة الخطأ ليتضاعف عبر الأجيال كما سترى بإذن الله . وهذا مثال واحد ونادر من عهد السلف، أما في أيامنا هذه التي تلوثت فيها الحياة بمنظومات من الحقوق المستوردة من مجتمعات أخرى، فقد كثرت الحالات التي تتطلب الاجتهاد والاستحسان، لذلك تجد العلماء يتجهون للاجتهاد بالاستحسان على حساب القياس، لأن القياس لن يخدمهم لتلوث الوضع الحالي، أما الاستحسان فسيوجد لهم المخارج التي تتفق مع المنطق البشري القاصر، وفي هذا التطبيع تعميق لمأساة المسلمين وتخلفهم. ولعل الاستنتاج المهم لموضوعنا هو أن اجتماع العشر والخراج على نفس الأرض هو وضع مستحدث لن يوجد أصلاً إن سرنا على سنته صلوات ربي وسلامه عليه، وعندها فإن هذا الرافد من الأموال لبيت المال لن يوجد ابتداءً.
وهنا لابد من توضيح الآتي: إن ما قال به جمهور الفقهاء (برغم أنه مستنتج من واقع كان من المفترض به ألا يوجد أصلاً). قد يؤدي إلى هلاك بعض الأراضي لأن اجتماع العشر والخراج أمر شاق على كل مستثمر. فما قال القرضاوي وغيره من الفقهاء بالقياس على جواز اجتماع أجرة الحانوت وزكاتها قياس في غير محله، فعندما يقوم

هامش

س٣) النص المستقطع مما ذكره القرضاوي هو الآتي: «۳- وأما قصة قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن المسلم يكون له أرض خراج؟ الدهقانة فمعناها: أن يؤخذ منها الخراج، لأنه أجرة فلا يسقط قال: خذ الخراج من ههنا - وأشار بيده إلى الأرض – وخذ الزكاة من بإسلامها ولا يلزم من ذلك سقوط العشر. وإنما ذكر الخراج لأنهم ههنا - وأشار بيده إلى الزرع . قال شريك: لعل عمر لا لا يكون قال ربما توهموا سقوطه بالإسلام كالجزية، وأما العشر فمعلوم لهم هذا، حتى سأل عنه، أو بلغه فيه، فإنه كان ممن يقتدى به. وأما القول وجوبه على كل حر مسلم فلم يحتج إلى ذكره، كما أنه لم يذكر أخذ بأن عمر والصحابة رضي الله عنهم لم يأخذوا العشر مع الخراج فلأن زكاة الماشية منها، وكذا زكاة النقود وغيرها. وأجاب بعضهم بأن أرض الخراج في عصرهم كانت في أيدي الكفار. فإن ادعى أنه لم خطاب عمر يحتمل أن يكون للقائم على أمر الخراج خاصة، وليس له يأخذوا العشر ممن أسلم فهذه دعوى لا دليل عليها. ٥- أما قولهم: إن ولاية على العشور ، أو أنه لم يكن وقت أخذ العشر، أو أنها لم يكن سبب العشر والخراج واحد، فليس كذلك، لأن العشر يجب في نفس لها ما يجب فيه العشر. ٤- وأما استدلالهم بأن عمل الأئمة والولاة الزرع والخراج يجب عن الأرض سواء زرعها أم أهملها. وبعبارة استمر على عدم الجمع بين العشر والخراج وصار إجماعاً عملياً أخرى سبب ب الخراج التمكن من الانتفاع، وسبب العشر وجود المال فمنقوض بما صح عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه أخذ نفسه. ٦- ...» (١٦٦).
العشر والخراج معا. روى يحيى بن آدم عن عمرو بن میمون بن مهران


۳۹۲ 🗏
مستثمر ما ببناء حانوت لتأجيره فهو يقوم بذلك بعد دراسة تشير إلى أن موقع ذلك الحانوت ونفقات إنشائه وما إليها من مؤشرات استثمارية ستؤتي ثمارها لأنها ستجذب من يستأجرها ويتمكن من دفع الإيجار وإخراج الزكاة معاً. أما إن لم يكن الإقدام على مثل هذا الاستثمار مجدياً فلن توجد مثل هذه المحلات إلا إن كان المستثمر جاهلاً. وهذا وضع جد مختلف عن الأراضي الخراجية. فليست كل أرض خراجية ذات غلة تغطي كلاً من العشر والخراج معاً لأنها كانت أرضاً يدفع عنها صاحبها قدراً معلوماً من غلتها لمن كان حاكماً لتلك المنطقة قبل قدوم المسلمين. فعندما أقدم المستثمر على الزراعة ذلك الوقت استثمر الأرض مدركاً لما عليه دفعه. أما بعد أن فتحت عنوة وأصبحت ملكاً لبيت المال وفرض عليها الخراج، ثم أضيفت عليها الزكاة، فإن الصافي من غلتها قد لا يكون مجزياً بعد دفع العشر والخراج معاً، وبهذا فقد يهملها من يستغلوها وقد تموت كما رأينا في «الأراضي». فالفرق بين الحالين واضح. فالحانوت وجد بعلم مسبق بما عليه من حقوق سيدفعها من سيستثمر بها من مالك أو مستأجر، لذلك فلن يخاطر الفرد بمثل هذا الاستثمار إلا بعد حسابات مطمئنة على الإقدام. أما الأرض الخراجية فقد لا تحتمل اجتماع العشر والخراج لأنها عندما استثمرت لم تكن تدفع اجتماع الاثنين، وقد لا تطيقه فتُهجر. ومعاذ الله أن يأتي الإسلام بتشريع يهلك الحرث.
أي إن استخدم القياس وبرغم اختلاف الفقهاء سنلحظ عندها أن الأحكام تأتي ملائمة متى ما كان الوضع ناتج عن تطبيق السنة النبوية، ولكانت الأحكام الفقهية واضحة وسلسة. أما إن لم تطبق السنة النبوية ثم نتج وضع عجيب بالقياس (كاجتماع العشر والخراج، عندها ستظهر الأحكام التي تحرج الجميع، وعندها سيأتي الاستحسان وكأنه أداة لتوجد المخرج. لذلك نرى انتشار اللجوء للاستحسان كأداة في أيامنا هذه لإيجاد المخارج بأحكام غريبة معقدة التركيب لنصل إلى ما يعتقد المجتهدون أنه صحيح. والإسلام سهل وصريح وواضح، إنه بيّن، كما دلت على ذلك الآيات الكثيرة من القرآن والتي تحوي كلمات مثل ﴿بَيَّنَّا﴾ ، ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿لِتُبَينَ﴾، ﴿مبِينٌ﴾، ﴿بَيَانَهُ﴾ ، ﴿بَيَانُ﴾ ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾، ﴿تِبْيَنًا﴾، ﴿يُبينُهَا﴾، ﴿تَبَيَّنَ﴾ ، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. وفي الأخذ بالاستحسان تعميق للضياع. وسنأتي على أمثلة أخرى في فصل «المكوس» بإذنه تعالى. ولكن لنأخذ الآن أرض المسلم التي اشتراها غير المسلم، أو الأراضي التي صولح عليها أهلها ثم أسلم صاحب إحدى تلك الأراضي كمثال توضيحي آخر. لقد كان الحكم في هذه الأرضي واضحاً لأنها نتيجة طبيعية لتطبيق الشريعة وبالتالي يمكن استخدام القياس معها. فبالنسبة لأراضي أهل الصلح فإن أراضيهم عند أكثر الفقهاء تصير أرض عشر إن أسلم صاحبها. فعن مالك: «أما أهل الصلح فمن أسلم منهم فهو أحق بأرضه، وأما أهل العنوة فإن أرضهم ومالهم للمسلمين، لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم، وصارت فيئا للمسلمين. وأما أهل الصلح فإنهم منعوا بلادهم وأنفسهم حتى صولحوا عليها ...... ويقول المحقق شارحاً: «يعني إذا وقع الصلح والأرض لا تزال في يده لم يغلب عليها، فإنها تكون ملكاً له، فإذا أسلم بقيت معه وعليه العشر». أي أن الحقوق التي عليه هي مثل ما على المسلمين.
هنا نرى أن القياس أتى بحكم سهل وسديد وواضح يؤدي إلى استمرار عمارة الأرض. إلا أن أهل الرأي لهم مذهب آخر، فأبا حنيفة كان يرى أن الصلح باق على حاله. يقول أبو عبيد: «وأما الذي يقول به أبو حنيفة فغير عنه محمد أنه كان يقول من أسلم منهم، أو اشترى أرضه مسلم من أهل الصلح، فإن الصلح باق على
هذا: أخبرني
حاله». ثم يقول أبو عبيد مستنتجاً: «وأما الذي أختار أنا فذاك القول أنهم إذا أسلموا كلهم ردت أحكامهم إلى


٦ دولة الناس
۳۹۳
هو
ع
۱۷۰
الله
عنه.
أحكام المسلمين، فكانت أرضوهم أرض عشر لأنه شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده: أنه من أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فإن الإسلام يهدم ما كان قبله ألا ترى أنه يحال بينهم وبين ما كانوا عليه من شرب الخمر وغير ذلك إذا أسلموا، فكذلك بلادهم، إنما يكون عليهم الخراج ما كانوا أهل ذمة. فإذا أسلموا وجب عليهم فرض الله تعالى في الزكاة، وكانوا كسائر المسلمين» . ١٦٧ أي أن الخراج يسقط بالإسلام كالجزية.١٦٨ ولعل في وصية عمر بن عبد العزيز إلى واليه عبد الحميد بن عبدالرحمن تأكيد لهذا الاستنتاج. فقد أمره قائلاً: «سلام عليك، أما بعد، فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام، وسنن خبيثة سنتها عليهم عمال السوء، وإن أقوم الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك أن توطنها لطاعة الله، فإنه لا قليل من الإثم، وأمرتك أن تطرز عليهم أرضهم، وأن لا تحمل خراباً على عامر، ولا عامر على خراب، ولا تأخذ من الخراب إلا ما يطيق، ... ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض فاتبع في ذلك أمري، فقد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ...». وبهذا تصبح أحكام الأرض الخراجية التي صولح عليها أهلها إن أسلم صاحبها كأحكام أي أرض لأي مسلم، أي أرض عشر وهي ما تؤخذ منها الزكاة فقط. وقد ذكرنا هذه الأحكام في الفصل السابق أي أن هذا الباب كمورد لبيت المال كان باباً موصداً أيضاً إن اتبعت سنته صلوات ربي وسلامه عليه وتم الأخذ بالقياس وليس بالاستحسان. وهذا الاستنتاج المهم لنا (وهنا ملحوظة هامشية لعلك التفت إليها على الاقتباس السابق للإمام مالك رحمه الله عندما قال: «وأما أهل العنوة فإن أرضهم ومالهم للمسلمين ...» وهذا الحكم بالطبع بالرجوع إلى فعل عمر رضي أما إن اتبع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فمثل هذه الأراضي تكون قد قسمت بين الغانمين كما مر بنا). وماذا عن أرض العشر التي قام بامتلاكها ذمي؟ هناك أربعة أقوال. أولها هو الأضعف : وهو أن الأرض العشرية تتحول إلى أرض خراجية. وسبب ضعف هذا القول هو أن الأرض لا تتحول من عشر إلى خراج بسـ ح بسبب صفة المالك لها وإنما أرض الخراج من الأرض التي غنمها المسلمون ثم أقروا أهلها عليها وضربوا عليها الخراج والقول الثاني لأبي يوسف هو أن يضاعف على الذمي العشر. والقول الثالث لسفيان بن سعيد ومحمد بن أن يؤخذ منه العشر على حاله والقول الرابع لمالك بن أنس هو أنه لا شيء على الذمي فيها «لأن الصدقة إنما هي على المسلمين زكاة لأموالهم وطهرة لهم، ولا صدقة على المشركين في أرضيهم ولا مواشيهم، إنما الجزية على رؤوسهم، صغاراً لهم، وفي أموالهم إذا مروا بها في تجارتهم». وروى بعضهم عن مالك أنه قال: لا عشر عليه، ولكنه يؤمر ببيعها لأن في ذلك إبطالاً للصدقة».۱۷۲ «ويروى عن الحسن بن صالح أنه قال: لا عـشـر عليه ولا خراج إذا اشتراها الذمي من مسلم وهي أرض عشر ، وقال : وهذا بمنزلته لو اشترى ماشيته، أفلست ترى أن الصدقة قد سقطت عنه فيها . .... ويعلق أبو عبيد على هذه المذاهب قائلاً: «وقول مالك والحسن بن صالح وشريك في هذا أشبه بالصواب. لأن الخراج يسقط عن الذمي إذا كان يملك رقبة الأرض، وإنما يجب الخراج على من كان في أرض غيره، كما أعلمتك أن الخراج بمنزلة الغلة والكراء. وسقط عنه العشر لأنه لا صدقة على الكافر في ماشية، ولا
۱۷۱
....
الحسن هو
عندي
صامت، فكذلك أرضه إنما هي مال من
ماله

هامش

عـ٣) لعل المراد من تطرز: «أن يعلمها لهم وينسق حدودها» (١٦٩). ف) يعني بالصامت ما ليس له رغاء ولا ثغاء كعروض التجارة
والنقدين من الذهب والفضة (۱۷۳).


٣٩٤ 🗏
إن المنهج الذي سرت عليه سابقاً، وسأسير عليه في باقي الكتاب بإذنه تعالى، هو توضيح مقصوصة الحقوق وما ستؤدي إليه من تركيبة حتمية للمجتمع إن نحن تمسكنا بها. كما أنني حاولت منهجيا تلافي الولوج في الإيمان بالغيبيات لأن في هذا إضعاف لطرح الكتاب مع من لا يؤمن بأن الإسلام هو الدين الحق. ولتوضيح هذا المنهج من خلال الآراء الأربعة السابقة أقول : إن في القول الرابع الذي ذهب إلى أنه لا تؤخذ من الذمي العشر لأنها زكاة (والزكاة طهر)، تفسير غير مقنع نظرياً لكل علماني برغم ترحيبه واقعاً بهذا القول لأن فيه تخفيف على غير المسلمين. وسبب مقولتي هذه هو أن العلماني لا يؤمن بالغيبيات، بل هو مادي في تفسير كل شيء. فهو لن يقتنع بأن الزكاة طهر للمال وأنها ستقي دافع الزكاة من المصائب كمرض ابنه أو إصابة زرعه بآفة ما)، ولن يقتنع أيضاً أن كون الزكاة طهراً هي من أهم العلل في كونها عفو لغير المسلمين، وما هذا إلا لأن العلماني مادي العقيدة ولا يؤمن بالغيبيات. فكل شيء مالي عنده لابد وأن يحسب من خلال التوقعات المادية الملموسة. أما بالنسبة للمؤمن فإن دفع الزكاة عبادة فيها تكريم وتطهير للمزكي، وهذا تشريف لا يستحقه غير المسلم حتى وإن كانت فيه خسارة مادية، كما يظهر، لمجموع المسلمين.
هي
ص
نعود لموضوعنا: إن لم نأخذ بالغيبيات في الاعتبار كما يريد العلمانيون فإن القول الرابع قد يجذب البعض من غير المسلمين للعمل الزراعي إن باع المسلم أرضه لأنه لا عشر عليهم. ولكن السؤال هو: متى سيبيع المسلم أرضه؟ والإجابة لعدة أسباب منها أنه قد ورثها ولا يستطيع العمل بها لقلة خبرته، أو لأنه يريد الهجرة لموقع آخر، أو أنه أدرك أن هناك مهنة أخرى أكثر ربحاً وأقل عناء كالعمل في التجارة أو التصنيع، أو أن هناك أرضاً أخرى أكثر عطاءً إلا أنها أعلى سعراً من أرضه، فيضع ما لديه من مدخرات مع ما سيجنيه من مال من البيع لشراء تلك الأرض الأفضل، وهكذا من معادلات يدركها البائع المسلم . " حينئذ سيبيع المسلم أرضه التي قد ينجذب إليها الذمي لأنه لا زكاة عليه، وعندها كما ذكرنا سابقاً، سيزداد المسلمون قوة لأن فرداً مسلماً انتقل إلى مهنة أخرى أفضل أو إلى موقع آخر أفضل أو إلى طبقة التجار والصناع. وفي جميع الأحوال فإن المسلم سيستفيد من جهة، ولن تبور الأرض من جهة أخرى. فمثلاً إن انتقل المسلم إلى عمل تجاري أو صناعي فهذا خير لأن السلطة في المجتمعات عادة ما تكون في أيدي الطبقات التجارية والصناعية أكثر منها في أيدي المزارعين والرعاة كما ذكرنا سابقاً، وهكذا إن تفكرت في الاحتمالات الأخرى فهي في صالح المسلم.
أما القول الأول فهو الأضعف كما ذهب الفقهاء وبينوا علة ذلك فقهياً. كما أن في تحول الأرض من عشرية إلى خراجية إضعاف لقيمتها الشرائية لأن الإقبال عليها من غير المسلمين سيقل إذ أن دفع الخراج عادة ما يكون أعلى من العشر أو نصفه. وفي هذا مضرة على البائع المسلم. وبالنسبة للقول الثاني لأبي يوسف رحمه الله الذي ذهب إلى مضاعفة العشر على الذمي، فهو قول لم أجد له أصلاً يقاس عليه، بل هو اجتهاد، والله أعلم، بالإضافة لما يؤدي إليه

هامش

ص٣) وقد يتبادر للذهن أن المسلم قد يضطر لبيع أرضه إن كان الشريعة لأن الغارمين هم أحد الأصناف الثمانية الذين يستحقون مديوناً. هذا احتمال وارد حتى في هذه الحالة فإن الأرض ستكون الزكاة. كما أن سمو المجتمع مالياً لن يؤدي لاضطرار أي مسلم لبيع ذات قيمة مرتفعة لأنها بجذب غير المسلمين لها إذ لا عشر ولا خراج أرضه كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى في فصل «النور». أي أن السبب عليها سيزداد عدد المهتمين بشرائها فيرتفع السعر إلا أن احتمال الأهم لبيع المسلم لأرضه هو محاولته لتحسين حاله أما بالانتقال لأرض اضطرار بيع المسلم لأرضه لتراكم الديون عليه أمر نادر إن طبقت أكبر أو لمهنة أخرى أكثر ربحاً كالصناعة مثلاً.


٦ دولة الناس
۳۹۵
كالقول الأول من إضعاف للقيمة الشرائية للأرض نظراً لمضاعفة العشر. بقي القول الثالث الذي ينص على أخذ
هذا
العشر، أي إبقاء العشر على حاله فهذا القول سيؤدي إلى استشعار الذمي بالمساواة مع المسلمين، وقد يسلم . بالإضافة لما يؤخذ من أرضه مما يوازي العشر لينفق في مصالح المسلمين. وهذا القول أيضاً لا أعلم مصدره الفقهي من قرآن كريم أو سنة مطهرة. أي أن القول الرابع (وهو أنه لا شيء على الذمي هو الأرجح كما بين أبو عبيد لأن فيه قياس بصدقة الكافر في ماشيته وفي الصامت. وإن تأملت هذه النتيجة قد تقتنع أن هدف الشريعة لم يكن قط سوق المال لبيت المال من أي مصدر كان فلماذا لا يؤخذ المال من الكفرة لصالح المسلمين؟ إن الإجابة بالطبع هي ا أن دولة الإسلام هي دولة الناس. فإن في زيادة عدد المسلمين عزة للإسلام وبالذات إن كانت الزيادة نابعة من اعتناق غير المسلمين للإسلام. فعادة ما يكون المسلم الذي اعتنق الإسلام أكثر إيماناً ممن ولد مسلماً. وبالطبع فهناك شواذ لهذه القاعدة، فالسواد الأعظم من الفقهاء الأجلاء مثلاً كانوا من أبوين مسلمين. وإن استثنينا هؤلاء وأمثالهم، فإن معظم من أسلم عادة أكثر إيماناً ممن ولد مسلماً. فمعظم الصحابة لم يكونوا مسلمين، بل اعتنقوا الإسلام عن قناعة. وهؤلاء هم الأكثر فهماً، وبهم سيزداد الإسلام عزة. وفي القول الرابع جذب لغير المسلمين لتبني الإسلام مما يلحظونه من أنفة المسلمين من أخذ الأموال منهم لأن أموالهم ليست طهراً لهم. فتأمل.
إن أهم استنتاج أريدك أن تتذكره أخي القارئ مما سبق هو أن الأخذ بالقياس إن طبقت سنته صلوات ربي وسلامه عليه سيغلق الباب على بيت المال، أما إن لم تطبق فإن الاستحسان يظهر وكأنه أداة منطقية لحل ما تعانيه المجتمعات المعاصرة من خلل فلا غرابة إذن إن جرت الدول المعاصرة وراء مذاهب أهل الرأي ليزداد دخل بيت المال. أي أن ما يرد بيت المال إن طبقت الشريعة من الفيء جد قليل كما أريدك أن تقتنع بفكرة محورية أرادها الإسلام لنا كعصب للحياة، ألا وهي أننا إن استثنينا خمس خمس الغنائم وخمس الفيء (وسيأتي بيانه بإذنه تعالى) فإن الشريعة لم تأت بأنظمة أو تشريعات تسعى لجمع المال ليوضع في بيت المال لتنفقه الدولة، وهذا ما حاولت في الصفحات الماضية من هذا الفصل تبيانه. وهناك دليل منطقي آخر : تصور أن جميع باقي سكان الكرة الأرضية قد أسلموا، عندها سيكون تعداد سكان الدولة المسلمة كبيراً جداً، أي أن المسلمين يعيشون في دولة واحدة كبيرة جداً إن طبقت الشريعة، وكما هو معلوم في ذهن الاقتصاديين المعاصرين أنه كلما كبرت الدولة كلما كثرت نفقاتها، وحينئذ لا خمس من الغنائم هنالك لأنه لا فتوحات، ولا فيء يؤخذ إلا من الأراضي التي صولح عليها أهلها، والزكاة تذهب للناس. أي ليس للدولة إلا خمس الفيء، أي أن موارد الدولة جد قليلة في وقت الدولة فيه أكبر ما تكون. فكيف يمكننا الجمع بين النقيضين؟ أي دولة كبيرة دون موارد مالية. فأقول: إنهما ليسا نقيضين إلا في أذهان الاقتصاديين المعاصرين، بل هو ما يجب أن يكون، سواءً كبرت الدولة أم صغرت فلا أموال للدولة إلا إن توسعت الدولة بالفتوحات وعندها ستأتي أموال الفيء والغنائم لتذهب للناس مباشرة، أما إن لم تكن هناك فتوح فإن المال القادم لبيت المال جد قليل كما رأينا. ولكن ماذا عن هذا المال القليل، كيف ينفق شرعاً؟ تأمل الآتي لتتيقن أن دولة الإسلام هي دولة الناس.


٣٩٦ 🗏

مصارف الفيء وخمس الغنائم

لعل الفيء وخمس الغنائم وقسمتهما ومن ثم مصرفهما من أكثر المسائل الفقهية إيهاماً في الأموال. ولقد جمعت توضیح مصرف الفيء وخمس الغنائم معاً لأن معظم الفقهاء تعاملوا معهما معاً. وقد تباينت آراؤهم واختلفت، وما حدث هذا إلا لكثرة الأموال التي أتت لبيت المال والتي كان يجب أن تقسم بين الغانمين، ولأنها لم تقسم ظهر وضع مستحدث كما رأينا في سواد العراق. وإن استثنينا الأئمة الأربعة وكبار الفقهاء كابن تيمية وابن قدامة وأبي عبيد فإن معظم الفقهاء كانوا يتناقلون النصوص فيما بينهم دون التركيز على مآلات ما ينقلون على أرض الواقع، وهذا منهج سليم، والله أعلم إن لم يحدث تغيير على بعض الأحكام التي تؤثر على غيرها، وإلا فالنتيجة غير محمودة. ولتوضيح ذلك بمثال مشهور من غير الأموال لتتضح الصورة أقول: إن الأصل في الماء هو أن يكون طهوراً أو نجساً كما وضح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم أتى بعض الفقهاء وأوجدوا صنفاً ثالثاً وهو الماء الطاهر، كالماء المستعمل (وليس بنجس). وبناءً على هذا الاستحداث استجدت أحكام لم تكن موجودة في فقه السلف. أي أن بعض الفقهاء أصلوا أصولاً ثم بنوا عليها فروعاً. فإن كان الأصل مختلف فيه، فكيف يكون الفرع؟ فلابد إذاً وأن تظهر الاختلافات المتباينة بين الفقهاء في العصور اللاحقة. " وهذا الذي حدث في الفيء. فقد كثر مال الفيء لأن الأرض المفتوحة عنوة لم تقسم واعتبر خراجها من موارد الفيء، فكان لابد من إيجاد أحكام لصرفها، فظهر الخلاف الذي كان يجب ألا يوجد إن قسمت الغنائم غير المنقولة. لذلك كانت معظم الكتابات عن مصرف الفيء وخمس الغنائم مبهمة إن تأملها القارئ برغم ظهورها وكأنها واضحة. ولقد وضعت ثلاثة نصوص في الحاشية لتوضيح ذلك (من تفسير القرطبي والمجموع والمدونة الكبرى). ۱۷ ولضرب مثال واحد هنا في المتن، فقد جاء في
روضة الطالبين ما نصه:
...»
عنه
ق
«فصل: جميع ما ذكرناه في المنقولات من أموال الفيء، فأما الدور والأرض فقد قال الشافعي رضي الله ، هي وقف للمسلمين تستغل وتقسم غلتها في كل عام، كذلك أبدا، هذا نصه. فأما أربعة أخماس الفيء فمن الأصحاب من يقول الحكم بأنها وقف مفرع على أنها للمصالح، فأما إن جعلناها للمرتزقة

هامش

ق) جاء في كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه مثلاً الآتي: يكون القول بتقسيم الماء لثلاثة أقسام قول راجح، فمجال بحثنا هو . فمن ذلك اسم الماء مطلق فى الكتاب والسنة، ولم يقسمه النبي مقصوصة الحقوق، لذلك وجب التنويه (١٧٤). صلى الله عليه وسلم إلى قسمين طهور وغير طهور، فهذا التقسيم (۳) ولا يلام الفقهاء على عدم تركيزهم بالقدر الكافي واكتفاؤهم مخالف للكتاب والسنة وانما قال الله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، وقد بالنقل من بعضهم البعض لأن الشريعة بحار، وهم يسبحون في شتى بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما وقع عليه اسم الماء فهو بحار الشريعة، فعليهم أن يلموا مثلاً بمسائل لا حصر لها قد تصل في طاهر طهور سواء كان مستعملا فى طهر واجب أو مستحب». تفاصيلها من مدى جواز رهن المسلم لمصحفه عند كافر إلى مدى وبالطبع أخي القارئ فلن أخوض في هذه المسألة لأنني لست فقيهاً، استحباب عدم كسر عظام العقيقة، ومن حكم شعر الكلب أهو فلا علم لي بأرحج الأقوال في تقسيمات الماء، وقد سقت المثال هنا نجس أم لا ، إلى لحم الجراد هل هو لحم أم لا؟ ولأن الإلمام بـ م بجميع لتوضيح مسألة تراكمات الاجتهادات من خارج حقوق الآدميين أحكام الشريعة في إطارها الذي تعقد بتراكم الاجتهادات المستحدثة للتبيان، وسترى بإذنه تعالى في فصل «النور» أنه كلما طبقت الشريعة عبء يفوق مقدرة السواد الأعظم من عقول البشر، فقد كانت بالالتزام بالنصوص في مقصوصة الحقوق كلما ازدادت الأمة سمواً في النتيجة هي نقل بعض الفقهاء لما اعتقدوا أنه صواب من أقوال قيمها وكلما انتفت الحاجة للاجتهادات؛ وعلى العكس، كلما تُرك الآخرين دون التفرغ الوقتي للتعمق في الأحكام، وهذا الذي حدث العمل بنصوص الشريعة باللجوء للاستحسان وغيره من أدوات في مصرف الفيء وخمس الغنائم وبالذات من خلال تقبل الديوان الاجتهاد كلما تغير حال المسلمين لوضع يتطلب اجتهادات لحل ما كمؤسسة مالية تنظم الإنفاق للأموال مما يعني جواز حبس ال وقع بهم (تذکر مثال حاجة الناس الآن للتأجير المنتهي بالتمليك الذي للإنفاق المستقبلي كما ذهب بعض الفقهاء، وهذا مخالف لفعله تحدثنا عنه)، وهذا الطرح أكثر ما ينطبق على مقصوصة الحقوق، فقد صلوات ربي وسلامه عليه كما سيأتي في النص بإذن الله.
المال


٦ دولة الناس

--- ۳۹۷فتقسم بينهم كالمنقولات وكالغنيمة والأصح جريان هذا الحكم سواء قلنا مصالح أو للمرتزقة ا لتبقى الرقبة مؤبدة وينتفع بغلتها المستحق كل عام بخلاف المنقولات فإنها معرضة للهلاك والغنيمة بعيدة عن نظر الإمام واجتهاده لتأكد حق الغانمين. فإذا قلنا بالوقف فوجهان: أحدهما المراد به التوقف عن قسمة الرقبة دون الوقف الشرعي، وأصحهما أن المراد الوقف الشرعي للمصلحة، فعلى هذا وجهان: أحدهما . يصير وقفا بنفس الحصول كما يرق النساء والصبيان بالأسر، وأصحهما لا، لكن الإمام يقفها، وإن رأى قسمتها أو بيعها وقسمة ثمنها فله ذلك. وقول الشافعي رحمه الله هي وقف أي تجعل وقفا، وأما خمسه فسهم المصالح لا سبيل إلى قسمته بل يوقف وتصرف غلته في المصالح، أو يباع ويصرف ثمنه إليها، والوقف أولى، ويجيء الوجه السابق أنه يصير وقفا بنفس الحصول. وسهم ذوي القربى فيه الخلاف المذكور في الأخماس الأربعة تفريعا على أنها للمرتزقة، وسهم اليتامى والمساكين وابن السبيل يرتب على سهم ذوي القربى إن قلنا إنه وقف فهنا أولى، ولأن ذوي القربى متعينون وإلا فالأصح أنه وقف، وقيل لا. وإذا تأملت هذه الاختلافات في الأخماس الأربعة ثم في الخمس علمت أن المذهب أن الجميع وقف، وهو الموافق لنص الشافعي رضي الله عنه. فصل: إذا زادت الأخماس الأربعة على حاجات المرتزقة فإن قلنا إنها للمرتزقة، وهو وفي جواز صرف شيء منه إلى إصلاح الحصون وإلى الكراع والسلاح ليكون عدة لهم وجهان أصحهما نعم، فإن قلنا إنها للمصالح صرف الفاضل إلى باقي المصالح كإصلاح الحصون والكراع والسلاح، وإن فضل شيء ففي جواز صرفه إليهم وجهان. ويجوز صرفه إليهم عن كفاية السنة القابلة بلا خلاف ...».

لعلك لاحظت أن النص السابق يستند على قول الشافعي رحمه الله بأن الدور والأراضي هي وقف للمسلمين تستغل وتقسم غلتها كل عام والأمر ليس كذلك كما وضحنا في «الأراضي». فالشافعي رحمه الله لم يقل بوقف الأراضي المفتوحة عنوة، بل قال بقسمتها بين الغانمين فبالنسبة لسواد العراق فقد ذهب إلى أن عمر رضي الله عنه استطاب أنفس الغانمين، لذلك جعلت وقفاً. وما نقل في كتاب روضة الطالبين هو تأويل لقول الشافعي لأن معظم الفقهاء ذهبوا إلى قبول أو حتى ترجيح فعل عمر رضي الله عنه بعدم تقسيم أرض السواد مما جعل الشافعي يوافقهم كما قال ابن المنذر.١٧٦ أما إن كان المقصود في النص هو أموال الفيء التي تحدثنا عنها كالجزية والخراج، فهي أموال منقولة لا توقف! فالمال الوحيد الذي يمكن أن يوقف كعقار هو خمس الخمس من الأراضي المفتوحة عنوة، وهي التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق أموالها على السلاح وليس على الأفراد المقاتلين. كما تلحظ أيضاً من النص السابق ظهور كلمة «للمرتزقة»، وهم المقاتلون الذين يأخذون الأرزاق نظير تفرغهم للقتال، وهذا كما مر بنا سابقاً مناقض لسنته صلوات ربي وسلامه عليه، فالأموال، أو بالأصح الغنائم تأتي بعد النصر وليس قبل المعركة كالأرزاق. ولعل أهم ملحوظة هي أن النصوص في هذا الخصوص لا تعتمد على قال الله عز وجل وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، بل تجدها تأخذ تفسيراً منطقياً يتناسب مع اجتهاد العالم. انظر للآتي من روضة الطالبين في الحديث عن مصرف أربعة أخماس الفيء بعد التوضيح أنها على ثلاثة أقوال في تفصيله للقول الثاني عن المرتزقة برغم أنه لا يرجحه، بل يسرد الأقوال المختلفة. فقط ألق نظرة سريعة أخي القارئ على هذه الابتكارات:
«والثاني للمصالح، والثالث أنها تقسم كما يقسم الخمس فيقسم جميع الفيء على الخمسة الذين ذكرناهم وهذا غريب. فعلى الثاني نبدأ بالأهم فالأهم وأهمها تعهد المرتزقة، وكذا حكم خمس الخمس، فالقولان الأولان متفقان على أن المصرف المرتزقة وإنما يختلفان فيما فضل عنهم. فرع: وللامام في القسمة على المرتزقة وظائف : إحداها يضع ديوانا: قال في الشامل وهو الدفتر الذي يثبت


۳۹۸
بهم
فيه الاسماء: فيحصي المرتزقة بأسمائهم وينصب لكل قبيلة أو عدد يراه عريفا ليعرض عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة ويثبت فيه قدر أرزاقهم. قلت: نصب العريف مستحب والله أعلم. الثانية: يعطي كل شخص قدر حاجته فيعرف حاله وعدد من في نفقته وقدر نفقتهم وكسوتهـم وسـائـر مؤنتهم، ويراعي الزمان والمكان وما يعرض من رخص وغلاء وحال الشخص في مروءته وضدها وعادة البلد في المطاعم فيكفيه المؤونات ليتفرغ للجهاد فيعطيه لأولاده الذين هم في نفقته أطفالا كانوا أو كبارا، وكلما زادت الحاجة بالكبر زاد في حصته. وهل يدفع إليه ما يتعهد منه الأولاد أم يتولى الإمام تعهدهم بنفسه أو بنائب له ؟ فيه قولان أظهرهما الأول. وحكى الحناطي وأبو الفرج الزاز وجها أنه لا يعطي الأولاد شيئا لأنهم لا يقاتلون، وهذا شاذ ضعيف. وإذا كان له عبد يقتنيه للزينة أو للتجارة لم يعط له. وإن كان يقاتل معه أو يحتاج إليه في الغزو السياسة الدواب ونحوها أعطي له. وكذا لو كان له عبد يخدمه وهو ممن يخدم، بل لو لم يكن له عبد واحتاج إليه أعطاه الإمام عبداً ولا يعطي إلا لعبد واحد. وفي الزوجات يعطي للجماعة. وإذا نكح جديدة زاد في العطاء لأن نهايتهن أربع، والعبيد لا حصر لهم، وكأن هذا في عبيد الخدمة. فأما الذين يتعلق : مصلحة الجهاد فينبغي أن يعطي لهم وإن كثروا . قلت كذا هو منقول، وإنما يقتصر في عبيد الخدمة على واحد إذا حصلت به الكفاية. فأما من لا تحصل كفايته إلا بخدمة عبيد فيعطي لمن يحتاج إليه ويختلف باختلاف الأشخاص، والله أعلم. والوجه الشاذ في الأولاد يجري في الزوجات والعبيد. فرع: يعطى المرتزق مؤنة فرسه، بل يعطى الفرس إذا كان يقاتل فارسا ولا فرس له، ولا يعطى للدواب التي يتخذها زينة ونحوها. فرع يعطى كل منهم بقدر حاجتهم ولا يفضل أحد منهم بشرف نسب في الإسلام أو الهجرة وسائر الخصال المرضية، بل يستوون كالإرث والغنيمة، وفي وجه يفضل إذا اتسع المال. الثالثة: يستحب أن يقدم في الإعطاء وفي إثبات الاسم في الديوان قريشا على سائر الناس وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. قال الأستاذ أبو منصور : هذا قول أكثر النسابين وبه قال الشافعي وأصحابه وهو أصح ما قيل. وقيل هم ولد إلياس، وقيل ولد مضر، ... الرابعة لا يثبت في الديوان اسم صبي ) ولا مجنون ولا امرأة ولا عبد ولا ضعيف لا يصلح للغزو كالأعمى والزمن، وإنما هم تبع للمقاتل إذا كانوا في عياله يعطى لهم كما سبق، وإنما يثبت في الديوان الرجال المكلفين المستعدين للغزو، وإذا طرأ على المقاتل مرض أو جنون فإن رجي زواله أعطي ولم يسقط اسمه، وإلا أسقط اسمه. وفي إعطائه الخلاف الآتي في زوجة المقاتل بعد موته ، وأولى بالإعطاء. قلت : ترك من شروط من يثبته في الديوان الإسلام، وذكر الماوردي في الأحكام السلطانية شرطاً آخر وهو أن يكون فيه إقدام على القتال ومعرفة به، فإن اختل ذلك لم يجز إثباته لعجزه عما هو مرصد له، . فرع من مات من المرتزقة هل ينقطع رزق زوجته وأولاده لزوال المتبوع أم يستمر ترغيباً للمجاهدين؟ قولان، وقيل وجهان: أظهرهما الثاني، فعلى هذا ترزق الزوجة إلى أن تتزوج والأولاد إلى أن يبلغوا ويستقلوا بالكسب أو يرغبوا في الجهاد فيثبت اسمهم في الديوان ومن بلغ منهم وهو أعمى أو زمن رزق على هذا القول كما كان يرزق قبل البلوغ، هذا في ذكور الأولاد، وأما الإناث فمقتضى كلامه في الوسيط أنهن يرزقن إلى أن يتزوجن. الخامسة: يفرق الأرزاق في كل عام مرة، ويجعل له وقتاً معلوماً لا يختلف، وإذا رأى مصلحة أن يفرق مشاهرة ونحوها فعل في أول السنة أو آخرها فعله، وعلى هذا ينزل قوله في الوجيز، يفرق في أول كل سنة وقول الآخرين يفرق في آخر كل سنة. فرع : إذا مات واحد من المرتزقة بعد جمع المال وانقضاء الحول صرف نصيبه إلى ورثته ولا يسقط هذا الحق بالإعراض عنه على الظاهر، كذا قاله الإمام. وإن مات بعد جمع المال وقبل تمام الحول فقولان ويقال وجهان أظهرهما يصرف قسط ما مضى إلى ورثته كالأجرة. والثاني لا شيء لهم كالجعل في الجعالة لا يستحق قبل تمام العمل. وإن مات قبل جمع المال 🗏


٦ دولة الناس
وبعد الحول فظاهر النص أنه لا شيء للورثة، وبه قال القاضي أبو الطيب وآخرون وبه قطع البغوي، وقال الشيخ أبو حامد: يصرف نصيبه مما سيحصل إلى ورثته، وإن مات قبل جمع المال، وقبل انقضاء الحول. فإن قلنا إذا مات بعد الحول لا يستحق فهنا أولى وإلا ففي قسط ما مضى الخلاف فيما إذا مات قبل الحول وبعد جمع المال، هذا كله إذا كان العطاء مرة في السنة، فإن رأى الإعطاء في السنة مرتين فصاعداً فالاعتبار بمضي المدة المضروبة ...»..
۱۷۷
۳۹۹
إن معظم ما كتب عن قسمة الفيء وخمس الغنائم مشابه لما ذكر سابقاً، فلا أدلة من القرآن الكريم أو من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله، بل هي تراكمات لاجتهادات الفقهاء فهم لا يرتبون أولوية النفقات بتقصي ذلك شرعاً، بل يذكرون أبواب المصارف بعد تقديم نفقات المرتزقة. فإن تأملت ما اقتبسته سابقاً ستجد أحكاماً لم يفكر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قط. مثال على ذلك: هل يتم توزيع الأرزاق مرة أم مرتين في السنة، وفي أول السنة أو في آخرها ؟ هكذا تم نسج الكثير من الأحكام التي لا تلائم إلا وضعاً يكون فيه بيت المال مكنوزاً بالمال. ولكنك قد تقول : ما المضرة من حبس بعض المال لتدفع في وقت محدد للمقاتلين ولورثتهم حتى يطمئن هؤلاء المقاتلون، ففي هذا دفع لشر الأعداء؟ فأقول: هذا شيء لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم قط، فهو لم يدفع مالاً لأي إنسان مقابل جهاده في سبيل الله قبل المعركة فهو إن أعان مجاهداً بدابة تحمله أو بسلاح يحمله فلا يعني هذا أنه أوجد نظاماً مالياً لجميع من سيقاتلون. وهذه من أهم النقاط في هذا الفصل. فإن كلمة «جهاد» مرتبطة بعبارة « في سبيل الله ولا تنفصلان ولم أجد في الأثر ولا حتى رواية واحدة حتى وإن كانت ضعيفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى إنساناً مالاً مقابل مشاركته في المعركة قبل المعركة، ولكن كانت الغنائم تؤخذ بعد النصر، فنفقات الرسول صلى الله عليه وسلم كما رأينا كانت لأفراد محتاجين أو لتأليف القلوب ولم تكن لمقتنيات إلا على الكراع والسلاح الذي يمكن الأفراد من المشاركة في القتال، وليس مالاً لهم ليعيشوا منه. فلابد من اتباع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وإن أجمع الفقهاء على غير ذلك. فمجرد فرض مال للمقاتل مثلاً أو لورثته حتى تتزوج الزوجة أو حتى يبلغ أطفاله الحلم ونحوها من معايير للنفقات من وضع الفقهاء يتطلب الوجود الدائم للمال في بيت المال، وهذا ما تحاول الشريعة تلافيه ابتداءً بجعل بيت المال خاوياً للحكم الثلاث التي ذكرناها في أول الفصل. ومن جهة أخرى فإن في كفالة أهل المرتزقة من بيت المال إضعاف لتوكل الناس على الله عز وجل. فأفضل المجاهدين هم الذين خرجوا متيقنين بأن الله سيخلفهم في أهلهم، وهؤلاء هم الأشجع لأنهم تركوا أهليهم الله عز وجل، أفلا يستشهدون في سبيله؟ وهل هناك من معط بعد الله المغني الكريم الجواد الحفيظ ؟
ولكنك قد تقول: بأن عدد المجاهدين سينخفض لأن في هذا الطرح اتكال على الغيبيات غير الملموسة، وأن حبس بعض المال لأهل المجاهد أمر ملموس سيسحب الأفراد للجهاد، فما الضرر من هذا؟ هنا أقول: إن ما أثبته التاريخ لنا هو العكس، ففي فلسطين مثلاً في أيامنا هذه قامت إحدى الفتيات بعملية استشهادية ضد الصهاينة وخلفت وراءها طفلين أحدهما رضيع. فكما سمعت فقد انهالت العروض من الفتيات على زوج الفدائية الشهيدة للزواج منه لاحتساب أجر تربية الطفلين. فبرغم هذا الحصار المؤلم وما أدى إليه من فقر شديد بين الفلسطينين إلا أن الخير لازال بينهم بكفالة أهل الشهيد. ولنا في السلف قدوة، فلم يترك الصحابة زوجات وأبناء المستشهدين دونما كفالة، أي أن أبناء وبنات الشهداء وزوجاتهم هم الأكرم في المجتمع إن تم تطبيق مقصوصة الحقوق لأن أموال المجتمع عندها ستكون في أيدي الناس الذين سيغدقون العطاء على ذوي الشهداء. ومع مرور الزمن سيصبح
هذا


٤٠٠ 🗏
الإغداق عرفاً يطمئن كل مجاهد . أما إن تجمعت الأموال في بيت المال فقد يذهب بعضها لبعض أهل المرتزقة، أما الأغلب فسيذهب في تسخير الأموال لأهواء السلاطين وتمكينهم من الحكم والاستبداد. والله العليم الحكيم يعلم هذه الغريزة عند البشر إن تجمعت تحت أيديهم الأموال، لذلك قص سبحانه وتعالى الحقوق بجذ هذه المسألة من جذورها، والله أعلم.
أعتقد أنك أخي القارئ في حيرة من سؤال محوري: كيف ذهب الفقهاء لجواز دفع المال للمقاتلين سلفاً بخلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد وقعت في هذه الحيرة ولم أجد لها إلا تفسيرين: الأول هو أن كثرة الأموال بسبب عدم قسمتها بين الغانمين وضع الفقهاء في حرج، فأين يذهب المال؟ فجميع آيات القسمة في القرآن الكريم تدفع الأموال لأفراد محددين بأسمائهم كالفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل، وليس لمنشآت أو مؤسسات حكومية، إلا ما كان الرسول صلى الله عليه ينفقه على الكراع والسلاح من خمس خمس الغنائم أو خمس الفيء إن زاد عن نفقة أهله، وهذا السلاح أيضاً يدفع لأفراد لا سلاح معهم (والتفسير الثاني سيأتي في فصل
«الديوان» بإذنه تعالى وهو التقليد).
وهنا نقطة مهمة يجب الالتفات إليها، وهي أن أعطيات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت آنية بطريقة لا تربط المعطي بالآخذ. فالجندي الذي يأخذ مالاً في موعد محدد يرتبط في ولائه بالمعطي، أما أعطيات الرسول صلى الله عليه وسلم ولأنها مرة واحدة، وقد تتكرر بناءً على حاجة الآخذ، إلا أنها تعطى بطريقة لا تربط بالضرورة الآخذ بالمعطي لأنه قد لا يأخذ مالاً مرة أخرى إما لعدم توفر المال لخواء بيت المال أو لأنه لا فتوحات قادمة أو لأنه غير موعود بالأخذ. وبهذا سيكون الفرد الذي أخذ المال متحرر من ولائه للمعطي «بسبب المال». وهذه مسألة دقيقة إلا أنها جد مهمة لم يركز عليها الكثير (وسيأتي توضيحها في فصل «الديوان» بإذن الله). فهم، أي الفقهاء، قياساً بدفع المال لشراء السلاح مثلاً لم يمانعوا دفع المال لمن يحملون السلاح بصفة مستمرة (مرة أو مرتين في السنة) لأن في ذلك عز للإسلام والمسلمين كما اعتقدوا والله أعلم. ولكن الذي حدث، كما أثبت لنا التاريخ وذكرته مراراً، هو أن قلوب من يأخذون المال ستطيع من ينفق عليهم، أي ستطيع السلطان حتى وإن لم يحكم بما شرع الله وبهذا أتى استعباد السلاطين للناس وكان الخروج عن مقصوصة الحقوق لأن السلاطين سيحكمون بغير ما أنزل الله بالضرورة (وسيأتي بإذنه تعالى لأن ما يعينهم على ذلك من رجال ومال وضع بين أيديهم. ولتوضيح ما سبق لابد من التأني في شرح مصارف الفيء وخمس الغنائم. ولعل ابن تيمية رحمه الله كان من أدق العلماء في نقل مذاهب الفقهاء لمصارف الفيء والخمس الغنائم. لنقرأ أولاً ما كتبه رحمه الله كمدخل للموضوع وهو من أفضل ما كتب تلخيصاً. ولكن لاحظ من قوله: «ومن الفيء ما ضربه عمر رضي الله عنه على الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها كأرض ...»، لاحظ أن ما يسرده هو أقوال للآخرين وليس بالضرورة ما يعتقده هو. كما أرجو أن تلحظ أن التي يسردها ما كثرت إلا لأن الغنائم لم تقسم وانتقلت لبيت المال فاتسعت النفقات. قال رحمه الله:
وذكر مصارف الفيء بقوله: ﴿ما أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا


٤٠١
٦ دولة الناس
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، فهؤلاء
سب
المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني من أصحاب أحمد وغيرهم أن من الصحابة لم يكن له في الفيء نصيب. ومن الفيء ما ضربه عمر رضى الله عنه على الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها كأرض مصر وأرض العراق إلا شيئاً يسيراً منها وبر الشام وغير ذلك، فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير الأئمة كأبي حنيفة ومالك وأحمد، وإنما يرى تخميسه الشافعي وبعض أصحاب أحمد. وذكر ذلك رواية عنه قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعى أن في الفيء خمساً كخمس الغنيمة. وهذا الفيء لم يكن ملكاً للنبى في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعي وبعض اصحاب أحمد كان ملكا له. وأما مصرفه بعد موته فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار. فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يصرف فى سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يختص به المقاتلة بل يصرف فى المصالح كلها. وعلى القولين يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء، فإن الشافعي قال ينبغي للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة، وهو من بلغ ويحصي الذرية، وهي من دون ذلك والنساء إلى أن قال : ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم، ويعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم . قال : والعطاء من الفيء لا يكون إلا لبالغ يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه في أنه ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإن فضل من الفيء شيء وضعه الإمام فى أهل الحصون والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما يقوى به المسلمون، فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال. قال: ويعطى من الفيء رزق العمال والولاة وكل من قام بأمر الفيء من وال وحاكم وكاتب وجندى ممن لا غنى لأهل الفيء عنه. وهذا مشكل مع قوله أنه لا يعطى من الفيء صبى ولا مجنون ولا عبد ولا إمرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال لأنه للمجاهدين، وهذا إذا كان للمصالح، فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين وكولاة أمورهم من ولاة الحرب وولاة الديوان وولاة الحكم ومن يقرئهم القرآن ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم ويؤذن لهم، ويصرف منه في سداد ثغورهم وعمارة طرقاتهم وحصونهم ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضاً، ويبدأ فيه بالأهم فالأهم، فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا منفعة فيهم. هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. قال أصحاب أبي حنيفة : يصرف في المصالح ما يسد به الثغور من القناطر والجسور، ويعطى قضاة المسلمين ما يكفيهم، ويدفع منه أرزاق المقاتلة، وذووا الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها، وما فضل عن منافع المسلمين قسم بينهم. لكن مذهب الشافعى وبعض أصحاب أحمد أنه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر المال أعطا. منهم . عامة المسلمين، فكان لجميع أصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب غنيهم وفقيرهم. لكن كان أهل الديوان نوعين مقاتلة البالغون، وذرية وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال. ومع هذا فالواجب تقديم الفقراء على الأغنياء الذين لا منفعة فيهم، فلا يعطى غني شيئا حتى يفضل عن الفقراء. هذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه، ومذهب الشافعي كما تقدم تخصيص الفقراء بالفاضل،
وهم
۱۷۸
.«...


٤٠٢ 🗏
وللتفصيل أقول: كيف تنفق أموال الفيء وخمس الغنائم، ولمن ؟ إن في الإجابة على هذا السؤال إقناع لي بأن
الإسلام دين أتى لتكريم البشر. فالأموال شرعاً وباختصار تذهب للناس ولا تذهب للمشروعات أو للمنشآت أو للجنـد أو للموظفين كما هو الحال في أيامنا هذه (باستثناء بعض الموظفين في حدود ضيقة كالقضاة ومعاونيهم والعاملين على الزكاة، وسيأتي بيانه بإذن الله). ولكن قد تسأل: من سيبني المدارس والمستشفيات، ومن سيقوم على الأمن، ومن سيحارب الأعداء؟ وقد يقول قائل بأنه لم تكن هناك مدارس ومستشفيات أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك لم تُبن تلك المنشآت، أما الآن فلابد منها؟ سأرد على هذه المسائل كل في حينه. ولكن المهم الآن الأموال كانت تذهب للناس مباشرة والذين إن تمكنوا أوجدوا المؤسسات والمنشآت. كيف؟
هي
۱۷۹
هو
أن
بالنسبة للغنيمة: فهناك إجماع على أنها تخمس بنص قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيل إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ١٧٩ كما أن هناك إجماع كما قلنا سابقاً بأن الأربعة أخماس للغانمين، أما الخمس فهو للمسمين في الآية؛ أما غير المنقولات أي العقارات، فقد تحدثنا عن الخلاف فيها في فصل «الأراضي» وقلنا أن الأولى اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الأربعة أخماس بين الغانمين. ولكن هناك اختلاف في مسائل منها سلب المقتول وسنوضحه في فصل «الديوان» بإذن الله) ومنها القسمة، هل تقسم خمس الغنائم إلى خمسة أسهم أم أقل أم أكثر ؟ ومذهب الجمهور هو أن خمس الغنائم تقسم خمسة أسهم، وممن قال ذلك عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة وابن جريج والشافعي وغيرهم كثير. أما الذي قال بالقسمة ستة . أسهم فهو أبو العالية. وسبب الاختلاف هو أن من قالوا أنها خمسة أسهم جعلوا سهم الله عز وجل وسهم رسوله صلى الله عليه وسلم سهماً واحداً. أما من قال إنها ستة ، أسهم فقد جعل الله عز وجل مردود لعباده من أهل الحاجة وهو غير الرسول صلى الله عليه وسلم. وهناك من ذهب إلى أن خمس الغنيمة تقسم ثلاثة أسهم. فقد جاء في المغني: «وروي عن الحسن وقتادة في سهم ذي القربى كانت طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله. ورى ابن عباس أن أبا بكر وعمر قسما الخمس على ثلاثة أسهم. ونحوه حكي عن الحسن بن محمد بن الحنفية. وهو قول أصحاب الرأي، قالوا : يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين ابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته. قرابته أيضاً ...» .ش ه. وسهم
سهم
سهم
مذهب جمهور أهل العلم بأن خمس الغنيمة تقسم خمسة أسهم
وقد علل ابن قدامة رحمه الله سبب ترجیح بأن . الرسول صلى الله عليه وسلم سهماً واحداً وذلك لأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ هو الله عز وجل وسهم سهم . افتتاح كلام تبركاً به، لا لإفراده بسهم، فإن الله سبحانه وتعالى الدنيا والآخرة. وأضاف: «وقد روي عن ابن عمر وابن عباس قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس على خمسة». وذكر النسائي عن عطاء قال: «خمس الله وخمس رسوله واحد. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء» . ١ ويقول ابن قدامة موضحاً: «وما ذكره أبو العالية فشيء لا يدل عليه رأي ولا يقتضيه قياس،
۱۸۱

هامش

ش٣) وتكملة ما جاء في النص: «... وقال مالك: الفيء والخمس يرى. وقال الثوري: الخمس يضعه الإمام حيث أراه الله عز وجل» واحد، يجعلان في بيت المال. قال ابن القاسم وبلغني عمن أثق به أن (۱۸۰).
مالكاً قال: يعطي الإمام أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما


٦ دولة الناس
٤٠٣
ولا يصار إليه إلا بنص صحيح يجب التسليم له، ولا نعلم في ذلك أثراً صحيحاً سوى قوله. فلا يترك ظاهر النص وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله من أجل قول أبي العالية». ثم يرد ابن قدامة مذهب أهل الرأي مبيناً:
«وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية، فإن الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئاً، وجعل لهما في الخمس حقا. كما سمى للثلاثة الأصناف الباقية. فمن خالف ذلك فقد خالف نص الكتاب. وأما حمل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سهم ذي القربى في سبيل الله فقد ذكر لأحمد فسكت وحرك رأسه، ولم يذهب إليه، ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله تعالى وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم ..
.«<...
ت ۳
أخي القارئ: لقد حرصت أن أضع الآراء المختلفة قدر المستطاع بين يديك حتى ترى التباين بين الآراء لأثير مسألة جوهرية في الشريعة ألا وهي برغم أن المذاهب تختلف فيما بينها إلا أنك تجدها تدور في فلك معين ولا تخرج عنه إلا فيما ندر. فهي تذهب بالأموال للناس وليس للدولة. ولعل سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم ذي قرباه من الأمثلة على هذا. قارن الآتي مثلاً: فبالنسبة لما جاء عن حمل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على ذي القربى في سبيل الله يقول ابن قدامة:
سهم
ما
وقد تكلم في رواية ابن عباس عن أبي بكر وعمر أنهما حملا على سهم ذي القربى في سبيل الله؛ فقيل أنه يرويه محمد بن مروان وهو ضعيف، عن الكلبي، وهو ضعيف أيضاً، ولا . يصح . عند أهل النقل. فإن قالوا: فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس بباق، فكيف يبقى سهمه؟ قلنا: جهة صرفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة المسلمين، والمصالح باقية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، وهو مردود عليكم ... » .
۱۸۳
وروي عن الحسن بن محمد بن الحنفية أنه قال: «اختلفوا في هذين السهمين، يعني سهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسهم ذي القربي فأجمع رأيهم على أن يجعلوها في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا في خلافة أبي بكر وعمر في الخيل والعدة في سبيل الله». جاء في «المستدرك» : «عن قيس بن محمد قال: سألت الحسن بن محمد عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول ﴾ الآية، فقال هذا مفتاح كلام، الله تعالى في الدنيا والآخرة. قال: اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائلون: القربى لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قائلون: لقرابة الخليفة، وقال قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة من بعده، فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما » . ١٨٤ ولكن برغم هذه الاختلافات إلا أن الكل يجمع على أن الخمس حق للناس وليس لجهة أخرى، إلا ما ذهب للكراع والسلاح وليس للمقاتلين كدعم مالي مقابل جهادهم» برغم الاختلافات في الأسهم، وهذا هو المهم. فمن النص السابق للحسن بن محمد بن الحنفية ومعظم النصوص الأخرى

هامش

ث ۳
خ
ت وتكملة ما جاء في النص ... فإن ابن عباس لما سئل عن سهم الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من ذي القربى قال: إنا كنا نزعم أنه لنا، فأبي ذلك علينا قومنا . ولعله أراد الخمس شيئاً كما كان يقسم لبني هاشم ولبني المطلب. وأن أبا بكر بقوله: أبي ذلك علينا قومنا، فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه لم حملهما عليه في سبيل الله، ومن تبعهما على ذلك. ومتى اختلف يكن يعطي قربي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان يعطيهم، الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنة كان أولى. وقول وكان عمر يعطيهم وعثمان من بعده، رواه أحمد في مسنده، ...» ابن عباس موافق للكتاب والسنة. فإن جبير بن مطعم روى أن رسول (۱۸۲).


٤٠٤ 🗏
قدماً
تلحظ أن هناك اتفاقاً بأن سهمي الرسول صلى الله عليه وسلم وذوي قرباه قد وضعت في الخيل والسلاح، وهناك قول آخر سنأتي عليه بإذن الله. أما الأخماس الأخرى فهي للمحتاجين من اليتامى والمساكين وابن السبيل. والنفقة على السلاح وعلى هؤلاء كما سيأتي بإذن الله ضرورة لعزة المجتمع ويجب تقديمها على غيرها من النفقات، وهذا مذهب أخذ به الخليفتان في قول. فالسلاح سيمكن من لا سلاح له من المشاركة في الجهاد، واليتامى قد يكونون من ذوي الشهداء، وفي هذا زيادة طمأنة للمجاهد للإقدام على الجهاد، والمساكين إن لم ينتشلوا من الفقر بتمكينهم سيشلون حركة تقدم المجتمع وسيأتي بيانه بإذنه تعالى)، أما ابن السبيل ونظراً لفاعليته في دفع المجتمع للتمكين فقد أفردت له فصلاً كاملاً. ولعلك هنا تسأل: إن كان السلاح مهماً كما قلت، فلماذا لا توضع الضرائب على الناس لذلك؟ فأقول: لاحظ أن الفرق واضح بين أخذ الدولة للمال من الناس ومن ثم إنفاقه على السلاح (وفي هذا هدر للأموال لأنه سيقع تحت أهواء السلاطين ومن معهم، وبين سهمي رسول الله صلى الله عليه وسلم لشراء السلاح، فهذا مال قليل يتناسب مع القليل من الفقراء الذين يرغبون في الجهاد في مجتمع معظم أفراده أغنياء لأن الشريعة فتحت أبواب التمكين لجميع الناس. فتجهيز جيش كبير يتطلب الكثير من المال والذي لا يتأتى إلا بمساهمة معظم المسلمين الميسورين بأموالهم وأنفسهم. فشتان بين الحالين.
أما المذهب الثاني والذي أيده الإمام أحمد وهو قول ابن عباس بأن قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم باقية وأن لهم الخمس، فهو يوافق النص الصريح في القرآن الكريم لاسيما أنهم منعوا الصدقات. فآية الغنائم تحوي: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ، وآية الفيء تحوي: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول﴾ . وكما قال الفقهاء، فقوله تعالى: ﴿لله﴾ هو افتتاح كلام
أنه
تبركاً به، لا لإفراد الله سبحانه وتعالى بسهم، فإن الله سبحانه وتعالى الدنيا والآخرة. وهنا لي وجهة نظر، وهي سبحانه وتعالى ذكر نفسه في الآية للفت أنظار المسلمين على أنه برغم أنه مذكور في الآية إلا أن ليس له سهماً، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم سيأتي يوم وهو مذكور في الآية وليس له أي سهم. وبهذا فإن سهم الرسول صلى الله عليه وسلم سيتوقف إلا أن حق آل البيت مستمر بنص الآية. عندها سيظهر احتمالان، الأول هو الحاجة لفتوى لقسمة الفيء وخمس الغنائم إلى أربعة أقسام والاحتمال الآخر، وهو الأولى بالاتباع (لأنه لابد وأن يكون عند الخليفتين معلومات لا نعلمها نحن الآن)، هو التأسي بفعل الخلفاء، أي المحافظة على التخميس وجعل سهم الرسول صلى الله عليه وسلم في اليتامى والمساكين والسلاح كما فعلا مع تخصيص خمس الفيء وخمس خمس الغنائم لآل البيت. فكما هو معلوم فإن هناك المحتاجين منهم، ولا أريد الخوض في سهم الرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته لأنها كانت مصدر خلاف بين السنة والشيعة. فالمهم هو أنه في الحالتين فلن يذهب المال لبيت المال لينفق على

هامش

ث۳) ففي هذا المثال نجد أن المذهب الذي يقول أن هناك ستة أسهم للكثير من المذاهب المختلفة والتي تتحد للوصول لأهدافها برغم وأن أحدها يذهب الله فهو يوكل أمر صرف هذا السهم للحاكم اختلاف المذاهب . فجميع الأحكام العمرانية مثلاً تؤدي لزيادة نسبة وعندها سيستمد الحاكم قوة بهذا المال لأنه قد يتصرف فيه لغير عدد الملاك وتحاول تلافي تدخل السلطات وتصر على إلقاء المسؤولية الناس مما يراه من مصالح المسلمين كبناء قنطرة مثلاً، وعندها قد على من هم في الموقع من سكان وهكذا من أهداف وصل إليها الفقهاء تتغير مقصوصة الحقوق لأن الاستثمار لم يكن في الناس. وهذا بالقياس برغم الاختلافات بينهم، وهذا من عظم الشريعة. وحتى في المذهب هو الضعيف والذي لم يذهب إليه أحد إلا أبو العالية كما هذا الكتاب تلحظ الشيء ذاته، فجميع المذاهب كما رأينا بـرغـم رأينا . اختلافاتها في الإحياء فهي تهدف لزيادة نسبة الملاك، وفي المعادن
خـ) وأرجو أن تلتفت أخي القارئ لهذا، لأن الاختلافات بين رأينا كيف أن الآراء برغم اختلافاتها إلا أنها تنتهي بتمكين الناس، الفقهاء هو من الثغرات التي يحاول معادوا الشريعة الولوج منها وهكذا. وهذه الملحوظة ستستمر معنا لآخر الكتاب. لتشكيك المسلم في شريعته ففي كتاب «عمارة الأرض» عرضت


٦ دولة الناس
العسكر أو الموظفين كأرزاق أو على المشروعات أي أن المهم لنا هو أن الأموال تذهب للناس وليس للحكومات.
٤٠٥
١٨٥ أما
ماذا عن مصرف الفيء؟ هناك قول بأن الفيء يخمس كما تخمس الغنيمة، وهو مذهب الشافعي، مذهب الجمهور فهو أن الفيء غير مخموس. فنظراً لأن الفيء كان يذهب للمرتزقة والعمال والقضاة والمؤذنين والقراء والعيون ونحوهم، فإن الشافعي أثابه الله حرصاً منه على حقوق المذكورين في آية الفيء ذهب إلى أن الفيء يخرج خمسه لهؤلاء. أي أن الفيء مخموس قال ابن المنذر: «ولا يحفظ عن أحد قبل الشافعي في الفيء خمس، كخمس الغنيمة ...». ويوضح ابن قدامة مذهب الشافعي قائلاً: «ووجه الأول قول الله تعالى: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الأغنياءِ منكُمْ﴾. فظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء، وهم أهل الخمس ....». أي أن الآيتين، آية الفيء وآية الخمس، قد اشتملتا على نفس المستحقين، لذلك كان مذهب الشافعي هو تقسيم الفيء خمسة أقسام ومن ثم يصرف خمس الفيء وخمس الغنيمة للرسول ولقرابة الرسول واليتامى والمساكين وابن السبيل. وفي هذا حد من صلاحيات السلطان لأن خمس الفيء سيخرج من حدود تحكمه إذ أنه حق لأهل الخمس. ويحاول ابن قدامة الجمع بين مذهب الشافعي ومذهب عامة أهل العلم بأن يقول:
١٨٦
وجاءت الأخبار عن عمر دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه، فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض، وفي إيجاب الخمس فيه جمع بينهما وتوفيق، فإن خمسه للذي سمي في الآية، وسائره ينصرف إلى من في الخبر كالغنيمة ولأنه مال مشترك مظهور عليه، فوجب أن يخمس، كالغنيمة والركاز وروى البراء بن عازب، قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل عرس بإمرأة أبيه، أن أضرب عنقه وأخمس ماله». لذلك، فهؤلاء الذين أخذوا بتخميس الفيء قالوا بأن حكم مصرف خمس الفيء هو حكم مصرف خمس
۱۸۷
۱۸۸
الغنيمة. فبالنسبة للشافعي: «الفيء والغنيمة يجتمعان في أن فيهما الخمس لمن سماه الله تعالى». وقد رأينا أن مصرف الخمس من الغنيمة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لليتامى والمساكين وابن السبيل وللكراع والسلاح. وبذلك يكون مصرف خمس الفيء (لمن ذهب لتخميسه) للناس أيضاً المسمين في آية الفيء وهم أنفسهم
المسمين في آية الغنيمة.
۱۸۹
وهناك قول لم يأخذ به الفقهاء، وهو أن آية الفيء قد نسخت بآية الغنيمة. قال قتادة في تفسير آية الفيء: «كان الفيء في هؤلاء، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ ، فنسخت هذه ما كان قبلها في سورة الحشر ١٩ وجعل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر وسائر ذلك لمن قاتل عليه». وقال القرطبي: «فقال قوم من العلماء: إن قوله تعالى: ﴿ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل ...». ثم يرد القرطبي هذا الرأي بعد سرد عدة آثار بقوله: «وقد قيل أن سورة الحشر نزلت بعد الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدم المتأخر
۱۹۰
۱۹۱
.«...
ولكن ماذا عن الأكثر : أي عن مصرف الفيء لمن لم يخمسوه وهم الجمهور، وعن مصرف أربعة أخماسه لمن خمسوه؟ لقد اختلفت الآراء أيضاً، ولكن برغم هذه الاختلافات إلا أن المصرف في جميع الأحوال ينتهي بالأموال في


٤٠٦ 🗏
أيدي الناس لتمكينهم إن سرنا على سنته صلوات ربي وسلامه عليه كما ستلحظ أخي القارئ إن تأملت الآتي من صحیح مسلم. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:
:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا " ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ..
.....
قال أبو عبيد: «قوله : ( فإن أبوا أن يتحولوا)، يعني من دار التعرب إلى دار الهجرة. يقول: إن لم يهاجروا. قال أبو عبيد: فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره في الفيء: أنه لم ير لمن لم يلحق بالمهاجرين ويعنهم على جهادهم عدوهم ويجامعهم في أمورهم في الفيء والغنيمة حقاً. ثم روى الناس عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه رأى لكل المسلمين فيه شركا».
۱۹۳
هناك ملحوظتان على النص السابق وبالذات من جمع الرسول صلى الله عليه وسلم حكم الغنيمة والفيء معاً من قوله: (ولا يكون لهم من الغنيمة والفيء شيء ... : الأولى هي أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب بالمال مباشرة للناس. فكما رأينا فإن أربعة أخماس الغنيمة كانت تقسم مباشرة بين الغانمين. وهذا ما لاحظناه في فعله صلوات ربي وسلامه عليه عندما كان يسرع في القسمة دون تأخير في موقع الحدث. حتى الفيء لم يكن ينتظر بين يديه صلوات ربي وسلامه عليه، بل يقسم مباشرة: ففي صحيح البخاري في باب «ما كان النبي صلى الله عليه
هامش

من الغلول وهو الخيانة في الغنيمة، يعني أخذ شيء منها قبل ثالث أيضاً «عن أبي أمامة قال: دخلت أنا يوما وعــروة على عائشة القسمة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ ، (۱۹۲) رضي الله عنها فقالت: لو رأيتما نبي الله صلى الله عليه وسلم في مرضة ض٣) يقول الطبري في أحاديث الباب: استدل بهذه الأحاديث من مرضها وكانت له عندي ستة دنانير ، قال موسى بن جبير: أو سبعة، زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي من أصل الغنيمة لغير فأمرني نبي الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها، فشغلني وجع رسول الله المقاتلين، قال: وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة» (١٩٤). عليه وسلم حتى . عافاه الله ثم سألني عنها فقال: (أكنت ظ ۳) لقد ذكرت بعض الآثار سابقا عن سرعة قسمة الرسول صلى الله فرقت الستة أو السبعة؟ قالت لا والله، شغلني وجعك. قالت: عليه للمال سواء كان مال غنيمة أو فيء أو مالاً خاصاً به من خمس فدعا بها ثم فرقها، فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله عز وجل وهي الخمس. والآتي تأكيد لذلك. فقد جاء في سنن البيهقي الكبرى مثلاً عنده؟ . وجاء في المستدرك على الصحيحين عن «عبد الله بن عمرو عن «عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد قال: كان رسول الله صلى الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يـوم بـدر في عليه وسلم لا يبيت مالا ولا يقيله. قال أبو عبيد: إن جاءه غدوة لم ثلاث مائة وخمسة عشر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ينتصف النهار حتى يقسمه وإن جاءه عشية لم يبت حتى يقسمه، اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع هذا مرسل». وفي حديث آخر: «عن أم سلمة قالت : دخل علي رسول فأشبعهم. ففتح الله له يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل الله صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه. قالت: فحسبت ذلك من إلا وقد رجع بجمل أو جملين. فاكتسوا وشبعوا». فمن الواضح هنا أن فقلت : ما لك ساهم الوجه؟ فقال: من أجل الدنانير السبعة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم ولم يحتفظ بها لنوائب التي أتتنا أمس ولم نقسمها وهي في خصم الفراش». وفي حديث مستقبلية. والآثار في هذا الخصوص كثيرة. لننظر مثلاً على كتاب
وجع


٦ دولة الناس
٤٠٧
ض
وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه عندما أفاء الله على رسوله من أموال هوزان نجد أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يعطي رجالاً من قريش المئة من الإبل في موقع الحدث.ظ" أما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه «فقد» يذهب بالأموال لبيت المال أولاً ثم يقسم بين المستحقين ليسجل في الديوان. فقد تضاربت النصوص في هذا. ففي سنن البيهقي عن يحيى بن سعيد عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعبد الله بن الأرقم: اقسم بيت مال المسلمين في كل شهر مرة اقسم مال المسلمين في كل جمعة مرة، ثم قال: اقسم بيت المال في كل يوم مرة. قال: فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، لو أبقيت في مال المسلمين بقية تعدها لنائبة أو صوت، يعني خارجة. قال: فقال عمر رضي عنه للرجل الذي کلمه: جرى الشيطان على لسانك، لقنني الله حجتها ووقاني شرها، أعد لها ما أعد لها رسول الله الله عليه وسلم، طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم». لعلك لاحظت أخي القارئ من السابق أن المال يدخل لبيت المال ويحفظ ولو لفترة وجيزة ثم ينفق. وهناك حديث آخر يفيد القسمة مباشرة. ففي سنن البيهقي أيضاً:
١٩٦
الله
صلی
«أنه لما قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصيب من العراق قال له صاحب بيت المال: أنا أدخله بيت المال. قال: لا ورب الكعبة، لا يؤوى تحت سقف بيت حتى أقسمه. فأمر به فوضع في المسجد ووضعت عليه الأنطاع، وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار. فلما أصبح غدا معه العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف أخذ بيد أحدهما أو أحدهما أخذ يده. فلما رأوه كشطوا الأنطاع عن الأموال فرأى منظراً لم ير مثله رأى الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ فبكى. فقال له أحدهما: إنه والله ما هو بيوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور. فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت، ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم. ثم أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني أسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ . ثم قال: أين سراقة بن جعشم؟ فأتى به أشعر الذراعين دقيقهما فأعطاه ، اه سواري
غ
کسری. ...».

هامش

المستدرك على الصحيحين. فعن: «مجاهد عن بن عباس رضي الله عنهما غـ٣) وتكملة الحديث: «... فقال : ألبسهما. ففعل، فقال: قل الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن بيع المغانم حتى أكبر. قال: الله أكبر . قال: قل الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بن تقسم. وقد روي بعض هذا المتن بإسناد صحيح على شرط الشيخين». هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج. وجعل يقلب ففي هذا الحديث إشارة إلى سرعة القسمة في موقع الحدث لدرجة أن بعض ذلك بعضا فقال : إن الذي أدى هذا الأمين. فقال له رجل: أنا بعض الناس كانوا يستعجلون أخذ الغنائم ويبيعونها، فنهى الرسول أخبرك أنت أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت صلى الله عليه وسلم عن ذلك حتى تقسم الغنائم ويأخذ كل إنسان رتعوا. قال: صدقت ثم فرقة. قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة لأن قسمته ثم يتصرف فيه. وفي المستدرك أيضاً عن «مجمع بن يعقوب بن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: (كأني بك قد مجمع بن يزيد الأنصاري عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري، وكان لبست سواري كسرى . قال : ولم يجعل له إلا ســواريـن. قــال أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال : شهدنا الحديبية مع رسول الله الشافعي: أخبرنا الثقة من أهل المدينة قال: أنفق عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذ الناس يهزون بالأباعر، فقال رضي الله عنه على أهل الرمادة حتى وقع مطر فترحلوا، فخرج إليهم بعض الناس لبعض ما للناس ؟ قالوا أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه عمر رضي الله عنه راكبا فرسا فنظر إليهم وهم يترحلون بظعائنهم وسلم، فخرجنا مع الناس ،نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم فدمعت عيناه، فقال رجل من بني محارب بن خصفة: أشهد أنهـا واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ انحسرت عنك ولست بابن أمة، فقال له عمر رضي الله عنه: ويلك عليهم : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، فقال رجل: يا رسول الله ، أفتح ذلك لو كنت أنفقت عليهم من مالي أو من مال الخطاب، إنما أنفقت
هو ؟ قال: نعم والذي نفس محمد بيده ، إنه لفتح ) . فقسمت خيبر عليهم من مال الله عز وجل» (۱۹۷).
على أهل الحديبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة عشر سهماً، وكان الجيش ألفا وخمس مائة فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً». (١٩٥).


٤٠٨ 🗏
إن ورع الخليفة عمر رضي الله عنه جد شديد كما ترى، وكذلك تمسكه بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم بمحاولة إنفاق المال بأسرع وقت ممكن دون إبطاء. ولكن الذي حدث هو أن من أتى بعده من الأمويين بدؤا بجمع المال في بيت المال للتخطيط لإنفاقه، وهكذا تجمعت لهم الأموال التي أدت لطغيانهم فظهرت بذرة ضياع الأمة؛ وما حدث هذا إلا لأن الديوان قد ثبت كأداة في المؤسسة المالية، ولأن بيت المال قد ظهر كمكان يجمع فيه المال ولو مؤقتاً ولم يقسم في موقع الحدث والذي دفعهم على هذا الخروج التدريجي عن سنته صلوات ربي وسلامه عليه
الآتي:
عبيد) هو
۱۹۸
إن الملحوظة الثانية على النص السابق (من صحيح مسلم، أي حديث سليمان بن بريدة عن أبيه وتعليق أبي أن المصارف في كلتا الحالتين لم تكن لمنشآت أو منظمات تتبع للدولة، ولكنها ذهبت لأفراد من الناس. ولكن الفرق بين فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الخليفة عمر هو أن عمر رضي الله عنه رأى أن مصرف الفيء يجب أن يعم المسلمين. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعط مثلاً الاستحقاق لأموال الفيء وخمس الغنيمة للأعراب من المسلمين، بل فقط لمن جاهد وساعد على الجهاد أو نحوهما من أفعال تعود بالنفع للمسلمين. فعن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان، وبعض الحديث عن أيوب عن الزهري، في حديث عمر حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان، فذكر عمر الأموال ثم قرأ هذه الآية: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيل ...﴾ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ...﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ ....﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ، قال: فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له حق فيها، أو قال: حظ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم، فإن عشت إن شاء الله ليؤتين كل مسلم حقه، ، أو قال: حظه، حتى يأتي الراعي بسرو حمير لم يعرق فيه جبينه».٢٠٠ قال أبو عبيد معلقاً: «فهذه آية الفيء، فرأي عمر أن الآية محيطة بالمسلمين، وأنه ليس منهم أحد يخلو من أن يكون له فيها نصيب، ثم اختلف المسلمون بعد ذلك أيضاً. فقال قائلون: من لم يكن له غناء عن المسلمين في جهاد عدو، أو قيام بحكم أو اجتباء ،مال، أو غير ذلك، مما يرجع على المسلمين نفعه، ولم يكن مع هذا من أهل الفاقة والمسكنة، فلا حق له في بيت المال الحديث الرسول صلى الله عليه بع وسلم الذي ذكرناه قوله: وليس لهم في الغنيمة والفيء شيء. وقال آخرون: بل المسلمون شركاء في الفيء كلهم، لأنهم أهل دين وقبلة، وهم يد واحدة على الأمم، يواسي بعضهم بعضاً، ويرد أقصاهم على أدناهم يذهبون في ذلك إلى كلام عمر، مع احتجاجه بتأويل القرآن فاختلفوا لاختلاف هذين الحكمين عندهم ...». * وسنعلق في فصل «ابن السبيل» على الملحوظة الثانية من أن الفيء لا يكون للأعراب، بل فقط لمن أعان المسلمين في مصالحهم كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وسنوضح السبب بإذنه تعالى على أنها هي ما يجب أن يتبع في فصل «البركة». ولكن المهم الآن هو أن مجرد محاولة قسمة المال على جميع المسلمين يتطلب نوعاً من التنظيم في التقسيم الذي يتطلب

هامش

ء٤) السرو من الجبل ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عـن - غلظ جـ٤) ويعلق محمد خليل هراس مرجحاً قسمة الغنيمة بين الغانمين الجبل، ومنه سرو حمير لمنازلهم (١٩٩). فقط بأن الآيات المذكورة ليست نصاً وإن كانت محتملة «ولكن ب٤) ويعلق محمد خليل هراس على كلام أبي عبيد فيقول: «وهذا تأويلها بما يوافق الحديث أولى» (٢٠٢). هو القول الذي يجب المصير إليه لموافقته الحديث ولا يجوز العدول د٤) ولكن يجب ألا ننسى أن المحتاجين عادة ما يأتون مباشرة عند
عنه لقول أحد وإن كان عمر» (۲۰۱).
معرفتهم بقدوم الفيء، فهم كانوا في الانتظار.


٦ دولة الناس
حبس
٤٠٩
المال لبعض الوقت، أما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم من قسمة المال لحظة قدومه على من يحتاجون إليه فلا يحبس المال أبداً.
الأمة
بالنسبة للملحوظة الأولى، وهي أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم كان بقسمة المال مباشرة فهناك حكمتان ظاهرتان الأولى : إن مجرد التفكير في صرف الأموال لمجموع يعني تأخير الصرف وإيجاد ديوان للصرف وإيجاد جهاز لتحديد ماهية هؤلاء الأفراد وبالذات إن كانت المسألة على نطاق دولة من المغرب للشارقة أو الصين، كما حدث في الدولة الأموية ومن بعدها من الدول، وهكذا يظهر المستشارون والمسؤولون والموظفون والعمال لدى الدولة، فقد تظهر وزارة لذلك الهدف وما تحتاجه من منشآت ونفقات وهكذا تظهر نواة الدولة بمفهومها الحالي (كما ذكرنا سابقاً)، وعندها سينجذب بعض ضعاف النفوس لهذا المال، وبهذا قد يتمكنون من التصرف في أملاك المسلمين وسيغيرون مقصوصة الحقوق لمنظومة من ابتداعهم، لاسيما أنهم سيحاطون بآخرين ممن يحبون المال، وبهذا يظهر الهرم السلطوي الفاسد . لذلك فمن الأولى التمسك بالسنة بحذافيرها واتباع نهجه صلوات ربي وسلامه عليه بتقسيم الفيء لحظة قدومه، لأن حفظه لوقت لاحق سيؤدي لإيجاد مؤسسة بيروقراطية غير منتجة، هذا إن لم تكن فاسدة. ولعلك تساءلت أخي القارئ عند قراءة كيفية توزيع الرسول صلى الله عليه وسلم للأموال في المسجد : لماذا كان يصرف المال في يومه وبهذه السرعة ؟ لماذا لم يتريث لصرفها لمن قد يظهر في اليوم التالي من الناس والذي قد يكون أشد حاجة لها ممن أخذوه في نفس اليوم؟ فلماذا هذه العجلة؟ لقد ذكرنا الإجابة سابقاً في الحديث عن يوسف عليه السلام والتخطيط. ولكن فقط للتذكير مرة أخرى لأهمية المسألة أقول: إن مجرد تأخير توزيع المال ليوم واحد أو حتى الساعة واحدة لهو أشد ضرراً على الأمة من دعم أفراد محتاجين قد يظهرون لاحقاً وذلك لأنه ستُفرج حال هؤلاء المحتاجين إن عزت الأمة بتحسن حال معظم أفراد المجتمع لأنه لا دولة هنالك بالمفهوم الغربي المعاصر . فالتأخير في الصرف سيزرع في النفوس الضعيفة حب الوصول للسلطة لوجود المال، وبهذا ستظهر الدولة بمفهومها الحديث. وهذه حكمة عميقة يجب أن نلتفت إليها.
د٤
أما الحكمة الثانية من تقسيم المال لحظة قدومه في موقع الحدث هي أن القسمة ستكون بالطبع علناً، والكل يرى المال يوزع، فهل سيجرؤ عندها شخص لا يستحق القسمة من التقدم لأخذ أي شيء؟ بالطبع لا. وقد يتسلل فرد أو اثنان لأنه لا حياء لهم ويحرجون المسؤول عن المال أمام الجميع، إلا أن هذا الوضع أقل ضرراً من خزن المال في وزارة ثم الصرف منها من خلال معاملات وأوراق تدور في كواليس المكاتب وتحفظ داخل المخازن ولا يعلم عنها إلا الله العليم الحكيم الحليم ومن ثم موظفين متواطئين. وإن قارنت الوضعين لأدركت أن فرصة ذهاب المال لغير المستحقين أكبر في الدول المعاصرة منها في مفهوم الدولة في الإسلام. أما فعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو اجتهاد منه . وصالح لوقته لأن نفوس الناس في أيامه ليست كباقي الأزمان، فلو أدرك رضي الله عنه ما سيؤول إليه حفظ المال ومن ثم صرفه في مستقبل الزمان لما فعل بالتأكيد ذلك رضي الله عنه، والله أعلم. لذلك كانت سنته صلوات ربي وسلامه عليه في الإنفاق المباشر على المستحقين أو المحتاجين في موقع الحدث أولى بالاتباع. وبالتأكيد ستسأل: ولكن بتغير الظروف المعاصرة سيستحيل على سلطان الجلوس في المسجد أو في موقع الحدث والصرف للناس وبالذات إن كانت الدولة متسعة؟ هذا سؤال محوري ومهم وسآتي بإذنه تعالى على بيانه في فصل
«البركة».


٤١٠ 🗏
ولعل في المثال الآتي ما يقنع بأنه صلى الله عليه وسلم كان ينفق الأموال على الناس ولا يحبسها. فكما هو
معلوم فإن رؤساء الدول لديهم الكثير من الضيوف لإنهاء أعمال الدولة، فما بالك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول يُعلم الناس أمور دينهم، فلابد وأن يستضيف الكثير من الناس وعلى الدوام وبالذات في السنين الأخيرة من بعثته. أليس من المنطق إذاً أن يضع بعض المال لبناء مضافة؟ لم أجد من الأثر ما يفيد أنه خصص مالاً لبناء مضافة، بل كانت هناك دار معروفة تكرر ذكرها في كتب التاريخ، وهي دار رملة بنت الحارث ولعلها تبرعاً من المالك، فكما سيأتي فإن معظم ما احتاجه المجتمع كان يأتي من التبرعات كما في الجهاد. فقد كانت هذه الدار تستخدم لإضافة الوافدين مثل وفد بني تغلب ووفد بني فزارة ووفد خولان ووفد الرهاويين. ففي البداية والنهاية مثلاً:
«قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع وهم عشرة نفر فيهم سواء بن الحارث وابنه خزيمة بن سواء فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا. ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله
منهم.
.«...
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستثمر في الوفود بتأليف قلوبهم بالأعطيات. ففي الطبقات
الكبرى مثلاً:
«أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أسامة بن زيد عن زيد بن طلحة التيمي قال: قدم خمسة عشر رجلا من الرهاويين وهم حي من مذحج على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحدث عندهم طويلا وأهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا منها فرس يقال له المرواح، وأمر به فشور بين يديه فأعجبه، فأسلموا وتعلموا القرآن والفرائض وأجازهم كما يجيز الوفد أرفعهم اثنتي عشرة أوقية ونشأ، وأخفضهم خمس أواق ثم رجعوا إلى بلادهم .......
هل رأيت (كما قلت مراراً كيف ينفق صلوات ربي وسلامه عليه المال دون تردد ودون خوف مما قـ سيأتي. تأمل الآتي: لم يحبس الرسول صلى الله عليه وسلم أي مال تحسباً لوفد قد يأتي، فإن وجد المال أعطاهم. وإن لم يوجد استضافهم قدر استطاعته. فلماذا يفعل هذا وهو النبي المرسل لإتمام مكارم الأخلاق لا سيما أن الكرم من مكارم الأخلاق؟ فهو لم يحبس المال حتى لتوفير الطعام لضيوفه. فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ما رواه أبو هريرة إذ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: ألا رجل يضيف هذا رحمه الله ؟ فقام رجل من الأنصار يقال له طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نومي الصبية وأطفئي المصباح وأريه بأنك

هامش

هـ) الآثار في أخبار الوفود وكرم الرسول صلى الله عليه وسلم ولو قد رجعنا إليه هدمناه. وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بالإنفاق عليهم كثيرة منها مثلاً ما جاء في الطبقات الكبرى: «أخبرنا أشياء من أمر دينهم فجعل يخبرهم بها. وأمــر من يعلمهم القرآن محمد بن عمر الأسلمي قال حدثني غير واحد من أهل العلم قال : قدم والسنن وأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وأمر بضيافة فأجريت عليهم وفد خولان وهم عشرة نفر في شعبان سنة عشر فقالوا: يا رسول الله ثم جاؤوا بعد أيام يودعونه فأمر لهم بجوائز اثنتي عشرة أوقية ونش. نحن مؤمنون بالله ومصدقون برسوله، ونحن على من وراءنا من قومنا ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس، وحرموا ما وقد ضربنا إليك آباط الإبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما حرم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحلـوا مـا أحل لهم . فعل عم أنس ؟ ) صنم لهم. قالوا : بشر وعر أبدلنا الله به ما جئت به (۲۰۳).
«<...


٦ دولة الناس
٤١١
تأكلين . معه، واتركيه لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعلت، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . ٢٠٤ وإن تأملت هذا الوضع لأدركت أنه صلى الله عليه وسلم نبي مرسل ينفذ أمر الحكيم الخبير، فلم يحبس المال تحسباً لضيوفه أو خجلاً منهم، بل أنفقه في يومه. وكما هو معلوم فإن أبا هريرة قد أسلم في فترة متأخرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أي كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحتاط من كل ما مر به من تجارب مع ضيوفه وأن يقتطع جزءاً من المال لمصاريفهم أو لاستثماره للنفقة عليهم، إلا أنه لم يفعل، لأن مضرة الفعل أكبر. فتأمل حكمة الإسلام
«حرص
الليل».
٢٠٦
الخلفاء حرصوا على أن يكون بيت المال خاوياً. فيستنتج د. منذر قحف مثلاً من العهد الراشدي
٢٠٥
ففي
الخلفاء الراشدين على عدم تراكم الموارد في بيت المال والسرعة في إنفاقها كلما وردت إليه ...». الأم مثلاً أن علياً رضي الله عنه قال مخاطباً بيت المال: «لا أمسي وفيك درهم، فأمر رجلاً من بني أسد فقسمه إلى ولكن هنالك استنتاجات أخرى لبعض الباحثين فالجنيدل مثلاً . يستنتج أنه بسبب كثرة الأموال في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه توفرت السيولة في بيت المال على الدوام. فيقول بأن بيت المال في عهد الخلافة الراشدة لاسيما في عهد عمر لم يخل من وجود أموال سائلة على مدار الوقت وأن الوقائع تثبت ذلك وذلك لاختلاف مواعيد الجباية لمختلف الفرائض المالية، ...» .. ومما مر بنا من أفعال الخليفة عمر رضي عنه أجد صعوبة في تقبل هذا الاستنتاج إلا إن كان المال المقصود جد قليل مقارنة بما كان يأتي لبيت المال. فالخليفة عمر يدرك جيداً أن بقاء المال في أيدي الناس لهو أفضل استثمار تنموي. ففي فتوح البلدان مثلاً الآتي:
۲۰۷
الله
«عن جهم بن أبي جهم قال: قدم خالد بن عرفطة العذري على عمر فسأله عما وراءه؟ فقال: تركتهم يسألون الله لك أن يزيد في عمرك من أعمارهم ما وطئ أحد القادسية إلا وعطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود ذكراً كان أو أنثى إلا ألحق في مائة وجريبين في كل شهر. قال عمر: إنما هو حقهم وأنا أسعد بأدائه إليهم لو كان من مال الخطاب ما أعطيتهموه، ولكن قد علمت أن فيه فضلا، فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنماً فجعلها بسوادهم، فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها، فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه. فإني لا أدري ما يكون بعدي وإني لأعم بنصيحتي من طوقني الله أمره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات غاشاً لرعيته لم يرح ريح الجنة»
وفي الطبقات الكبرى عن حزام بن هشام الكعبي عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب يحمل ديوان
۲۰۸
خزاعة حتى ينزل قديـداً فتأتيه بقديد، فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن ثم يروح فينزل عسفان فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفي». فمن مثل هذه النصوص يثبت لك أخي القارئ أن الخليفة عمر أدرك أن ذهاب المال للناس واستثمارهم له لهو في مصلحة الأمة. لذلك فلابد وأن يكون رصيد بيت المال جد منخفض وعلى الدوام في عهده اتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. وبرغم هذا الانخفاض إلا أن بعض الفقهاء كان له رأي بأن يحبس السلطان بعض المال تحسباً لظروف مستقبلية (وهذا ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم). فالإمام أبو حنيفة يرى أن يقوم الإمام بتكوين احتياطي من الأموال يستخدم في سنوات العجز». ٢٠٩ ويقول الماوردي: «وإذا فضلت حقوق بيت المال عن مصرفها، فقد اختلف الفقهاء في ،فاضله، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث. وذهب الشافعي إلى أن يقبض على أموال من يعم به صلاح


٤١٢ 🗏
۲۱۰
المسلمين ولا يدخر لأن النوائب تعين فرضها عليهم إذا حدثت ...».. إن إصرار الإمام الشافعي رحمه الله وأثابه على عدم إدخار المال أمر معروف. ففي روضة الطالبين مثلاً: «لا يحبس شيء من مال الفيء خوفاً أن ينزل بالمسلمين نازلة، بل يفرغ الجميع في الوقت المعين، ثم إن نزلت نازلة فعلى جميع المسلمين القيام بأمرها، فإن غشيهم
۲۱۱
العدو فعلى جميعهم أن ينفروا» ٢١١ أثاب الله الإمام الشافعي فما أبعد نظره. أما الإمام مالك فإنه يترك المسألة للحاكم. فقد جاء في تفسير القرطبي: «فأما الفيء فقسمته وقسمة الخمس سواء، والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين ،فعل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قسمه كله بين الناس وسوى فيه بين عربيهم ومولاهم ويبدأ بالفقراء ..».. فقارن أخي القارئ ما سبق مع ما ذكر مراراً وتكراراً في كتب الفقه في وقت كان المسلمون فيه أشد ما يكونون لحبس المال لشراء السلاح. ففي الأموال مثلاً: «حدثني حجاج عن ابن قال: أخبرني عمر بن دينار عن الحسن بن محمد أن رسول الله لم يكن يقبل مالاً عنده ولا يبيته. قال أبو عبيد : يعني أنه إذا جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه، وإن جاءه عشية لم يبيته حتى يقسمه». ولكنك قد تقول بأن من الآراء السابقة (كما ذهب الإمام مالك وليس الشافعي) ما ينص على أن مصرف الفيء متروك لاجتهاد الإمام، وقد يجتهد أحد الأئمة بأن من المصلحة تعبيد طريق للصالح العام، أو توسعة مسجد كالمسجد الحرام، أو إيجاد شبكات للكهرباء أو الماء، وهذه ليست أموالاً للناس؟ فأقول: لقد ذكرت في أول
جريج
مهم
۲۱۳
سمع
الفصل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وصل الشام وأنه لابد وأنه رأى ما شيده الروم من منشآت، وأنه قد عما فعله الفرس من إنجازات ،عمرانية، فلماذا لم ينفق المال على المنشآت مثلاً ؟ وقلنا لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتبع النهج البشري في التفكير بإيجاد دولة بمفهومها الروماني أو الفارسي أو المعاصر. لذلك، للإجابة على السؤال: لماذا لا يحق للسلطان بذل المال إلا على أناس محددين، لابد من شرح الآتي كمثال توضيحي ثم أعود إلى المصارف مرة أخرى.

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ

﴾ إن لكل دولة أوجدها البشر إنجازات تظهر قوة الدولة وسطوة السلطان. ومن هذه الإنجازات بناء المدن وما بها من معابد وأسواق وطرق معبدة وجسور ونحوها من منجزات عمرانية. فعندما يُقال دولة رومانية فإنك سرعان ما قد تتذكر الساحات والأعمدة والملاعب الرومانية، وعندما يقال فرنسا قد تتذكر برج آيفل، وهكذا المعالم الأخرى مثل تاج محل وساعة بيج بن إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك في المدينة المنورة قط. فكما رأينا في فصل «الخيرات» فلم يحث على بناء سوق المدينة ومنع ضرب الخراج عليها. ولعل أهم منشأة للمسلمين

هامش

و٤) وجاء في فتح الباري: «واختلف العلماء في مصرف الفيء، فقال يخمس، وأن أربعة أخماسه للنبي صلى الله عليه وسلم وله خمس الخمس مالك: الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال ويعطي الإمام كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة. أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهاده، وفرق الجمهور بين وقال الجمهور مصرف الفيء كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمس الغنيمة وبين الفيء فقال: الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من واحتجوا بقول عمر : فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى خاصة». وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس
غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام الأربعة» (۲۱۲). بحسب المصلحة. وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الفيء


٦ دولة الناس
٤١٣
هي
ذلك فقد
منع صلوات ربي وسلامه عليه الإسراف فيها. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما أُمرت
المسجد، ومع بتشييد المساجد) (أي برفع البناء وتطويله كما قال البغوي)، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى». فإذا كان صلوات الله وسلامه عليه قد منع الإسراف في بناء المساجد فما بالك بالمنشآت الأخرى مثل المنازل والطرق. ففي سنن أبي داود أن عبد الله بن عمرو قال: «مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أطين حائطاً لي أنا وأمي، فقال: ما هذا يا عبد الله؟، فقلت: يا رسول الله شيء أصلحه، فقال: (الأمر أسرع من ذاك». وهذا حائط لمنزل والدة صحابي، فما بالنا بمبنى الإنسان لنفسه ؟ وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزاة فأخذت نمطاً (بساط له خمل) فسترته على الباب، فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه أو قطع، وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين». ٢١٦ وروى الطبراني عن أبي جحيفة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستفتح عليكم الدنيا حتى تنجدوا بيوتكم كما تنجد الكعبة). قلنا: ونحن على ديننا؟ قال: نعم فأنتم اليوم خير من يومئذ). قلنا: يومئذ؟ قال: بل أنتم اليوم خير ) » ۲۱ فهل أراد لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نعيش في مبان مهلهلة هزيلة آيلة للسقوط ؟ أو أنه أراد لنا أن نعيش في مدن بلا طرق أو شبكات ري مثلاً؟ معاذ الله، بل هناك حكمتان:
الأولى هي عدم الإسراف في الاستثمار العمراني لأن هذا لابد وأن يكون على حساب تمكين المجتمع بعدم الإنفاق على أولويات أخرى تؤدي لعزة المجتمع كالإنفاق على الجهاد أو التعليم أو الصحة. فعندما تقرر الدولة تعبيد طريق بين منطقتين، فإن تكاليف هذا الطريق لابد وأن تكون على حساب تعليم أو صحة سكان في مناطق أخرى. فأيهما أفضل للمجتمع، تعبيد الطريق أم تعليم السكان في منطقة أخرى أم صحة السكان في منطقة ثالثة؟ لا أحد يعلم الإجابة على هذا السؤال لأنه من علم الغيب، لذلك يصعب التخطيط لهذه المسألة. فذاك الطريق كاستثمار تنموي إن كان من تمويل الدولة لابد وأن يكون قاصراً في عطائه مقارنة بما تقدمه الشريعة من حلول كما سترى بإذن الله. فالإسلام أراد للمسلمين التمكين، وهؤلاء المسلمون بعد التمكين سيقومون بما يحتاجونه دون مالي أو وقتي وبطريقة أفضل بعد تمكنهم أي أن العمران ليس غاية كما تفعل الدول المعاصرة، بل هو وس وسيلة، وعندما يتمكن أفراد المجتمع ويزداد ثراؤهم لابد للعمران من أن يتبعهم بارتقائه فيكون أفضل بناءاً. فالعمران في

هامش

ز٤) وفي صحيح البخاري: «كان سقف المسجد من جريد النخل ذلك مراراً، حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه، فشكا وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أكِنَّ الناس وإياك أن تحمر أو تصفر ذلك إلى أصحابه، فقال: والله إني لأنكر رسول الله صلى الله عليه فتفتن الناس». أكن الناس: «بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد وسلم، قالوا خرج فرأى قبتك قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها النون المضمومة بلفظ المضارع من أكن الرباعي، يقال أكننت الشيء حتى سواها بالأرض، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات . إكناناً أي صنته وسترته». وفي سنن النسائي عن أنس أن النبي صلى الله فلم يرها ، قال : ما فَعَلتِ القبة؟ قالوا: شكا الينا صاحبها إعراضك عليه وسلم قال: (من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد عنه، فأخبرناه، فهدمها، فقال: أما إن كل بناء وبـال على صاحبه إلا مالا، إلا مالا يعني ملابد منه». وهذا الإعراض ليس لأن القبة
.(٢١٤)
يوم
ح) وقد أعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عن رجل بني قبة في محرمة في ذاتها ولكن لأنها إسراف في ذلك الوقت الذي كان المسلمون داره، ففي سنن أبي داود أيضاً: «حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا فيه أشد ما يكونوا للمال حاجة لنشر الدعوة. فقد تكون القبة أمراً عثمان بن حكيم، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلوباً في بعض المناطق لعدم توفر الخشب للتسقيف مثلاً، أو قد خرج فرأى قبة مشرفة فقال: ما هذه ؟ قال له أصحابه: هذه لفلان تكون مطلوبة لبعض أنواع المباني التي تتطلب بهواً كبيراً من غير رجل من الأنصار، قال: فسكت وحملها في نفسه حتى إذا جاء صاحبها أعمدة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد تعليم الأمة أن التمكين
رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عليه في الناس أعرض عنه، صنع مقدم على بناء المنشآت كما سنوضح بإذن الله (٢١٥).


٤١٤ 🗏
۲۱۸
نظر الإسلام وسيلة وليس غاية كما فعل الروم والفرس وكما تفعل المجتمعات الحالية. فالإسلام يستثمر في الإنسان بتمكينه والذي يقوم هو بعد تمكنه من بناء العمران، لذلك كانت مصارف الفيء كلها للناس، أما إن ذهب المال للدول فستقوم الدول ببناء المنشآت التي ستكون على حساب بناء الإنسان في الأغلب، فيزداد العمران إتقاناً في مناطق ليزداد الفقر في مناطق أخرى. وشتان بين المنهجين في التفكير وسيأتي تفصيله في «الأماكن» بإذن الله). لذلك نقول أن الإسلام دولة الناس، وليس دولة الحكومات. وحتى تكون دولة الإسلام «دولة الناس» كانت أموال الفيء تصرف على الناس مباشرة لا على المشروعات والمنشآت أو المؤسسات الحكومية.
أما الحكمة الثانية: فإن مجرد التفكير في صرف الأموال للصالح العام يعني تعريف ماهية هذا الصالح، وبالطبع فإن هذا سيؤول للحكومات أو للسلاطين، وقد ينجرفوا وراء أهوائهم في هذا التعريف. وإن لم يفعلوا وكانوا أتقياء فلابد لهم من مستشارين لتعريف هذا الصالح ثم تظهر المؤسسات الحكومية والوزارات لتطبيق هذا الصالح إن كان الصالح بناء مستشفى مثلاً. ولكنك قد تقول بأن الوضع في حكومات ديمقراطية لابد وأن يكون مختلفاً. فأقول: إن الوضع هو ذاته برغم أنه أكثر عدلاً، فالسلطان ومن معه من حزبه محاسبون في دولة ديمقراطية حقة، إلا أن تعريف الصالح العام لازال خاضعاً لعقولهم، وهذا سيؤدي إلى نفس التركيبة المجتمعية: أي أن المجتمع سينشق إلى طائفتين: طائفة تقرر وأخرى يقرر لها، فتتعمق بهذا المجتمعات ذات المؤسسات الحكومية تأصيلاً في المجتمع. وهكذا تتراكم الأعمال لدى الدولة من تراكم الأموال، وبالتالي ستظهر الدولة بمفهومها الحالي المبني على وضع الناس في طبقتين: حاكمة ومحكومة عابدة ومستعبدة (بكسر الباء). لأن مجرد وجود جهاز للدولة يعني ضرورة وجود ميزانية لنفقاتها وبالتالي ضرورة جمع المال لهذه النفقات فيذهب الفيء وغيره من المصادر إلى الدولة، ويتم استعباد المسؤولين للناس، فلا تكون الدولة دولة الناس، بل دولة السلاطين أو المسؤولين، فيظهر التشابك الذي تحدثنا عنه في أول الفصل، ويصبح مال الدولة مستهدفاً من كل طامع للوصول إليه.
وحتى تقتنع أخي القارئ بأن أموال الفيء يجب أن تذهب للناس شرعاً، تأمل موقع قوله تعالى: ﴿كَى لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ في آية الفيء. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. لقد أتى قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ في قلب الآية بين الأمر بكيفية القسمة وبين طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. وإن تأملت قول العزيز العليم ﴿كَيْ لَا﴾ لأدركت أن عاقبة عدم قسمة الفيء كما أمر الحكيم الخبير هو أن المال سيكون دولة بين الأغنياء لا محالة. ففي لسان العرب في شرح ﴿كَيْ﴾ يقول ابن منظور: «حرف من حروف المعاني ينصب الأفعال بمنزلة أن، ومعناه العلة لوقوع الشيء، ... وقد تدخل عليه اللام ... فيقال: تحرز كي لا تقع، ... قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ....﴾ الجوهري: وأما «كي» مخففة فجواب لقولك لم فعلت كذا؟ فتقول كي يكون كذا، وهي للعاقبة كاللام وتنصب الفعل المستقبل». ۲۱۹ أي أن ﴿كَيْ لَا﴾تعني وقوع المال بالضرورة في أيدي الأغنياء إن لم يقسم الفيء كما أمر علام الغيوب. أي أن وقوع المال بين أيدي الأغنياء عاقبة محتومة لا مفر منها إن لم يقسم الفيء كما أمر الخبير العليم. كيف؟
في تفسير دولة قراءتان إحداهما بفتح الدال والأخرى بضم الدال وهي الدارجة: قال القرطبي رحمه


٦ دولة الناس
طع
٤١٥
الله: ﴿دُولَةً﴾، بالرفع، أي كي لا تقع ﴿دُولَةً﴾ فكان تامة. و ﴿دُولَةً﴾ رفع على اسم كان ولا خبر له. ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ . وإذا كان تامة فقوله: ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾» متعلق بـ ﴿دُولَةً﴾ على معنى تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ وصفاً لـ ﴿دُولَةً﴾. وقراءة العامة دُولَةً بضم الدال. وقرأها السلمي وأبو حيوة بالنصب. قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء الدولة (بالفتح) الظفر في الحرب وغيره وهي المصدر. وبالضم إسم الشيء الذي يتداول من الأموال. وكذا قال أبو عبيدة: الدولة اسم الشيء الذي يتداول. والدولة الفعل ...». ثم يستنتج القرطبي قائلاً: «ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء ي أخي القارئ إن وضعنا التفسيرين لكل من ﴿كَى لَا﴾ و ﴿دُولَةً﴾ نستنتج أن العاقبة بوقوع المال بين أيدي «الرؤساء والأغنياء والأقوياء»، كما قال القرطبي، أمر لا مفر منه إن لم يقسم الفيء كما فصل علام الغيوب. فانظر لاستنتاج الطبري أيضاً إذ قال: «وقوله: ﴿كَى لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُم﴾، يقول جل ثناؤه: وجعلنا ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى لهذه الأصناف كيلا يكون ذلك الفيء دولة يتداوله الأغنياء منكم بينهم، يصرفه هذا مرة في حاجات نفسه، وهذا مرة في أبواب البر وسبل الخير، فيجعلون ذلك حيث شاؤوا، ولكننا سننا فيه سنة لا تغير ولا تبدل». ٢٢٢
.«<...
.
ولكن كيف يقع المال في أيدي الأغنياء إن لم يقسم كما أمر الله عز وجل في آية الفيء؟ كما ذكرت في فصل «الأراضي»، فإن هناك اعتقاد بين الفقهاء الذين ذهبوا لعدم قسمة غير المنقولات من الغنائم أن حفظ الأموال في بيت المال حتى تصرف على اليتامى والمساكين والمقاتلين وفي بناء الحصون الطرق ونحوها من مصالح، أفضل من تقسيمها بين الغانمين لأنها إن قسمت بين الغانمين لأصبحت دولة بين الأقوياء في الجهاد فيصبحوا الأغنياء في المجتمع. وقلت أن المسألة هي العكس تماماً. كيف؟ لقد أثبت لنا التاريخ أن حفظ أموال الفيء في بيت المال سيجعله دولة بين الأغنياء ليستبد بها السلاطين ومن معهم. أما إن قسمت الأموال مباشرة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأصناف التي ذكرتها آية الفيء أو بين الغانمين دون حفظها في بيت المال فلن تكون دولة بين الأغنياء. هذا الطرح يتضح من الآتي: إن وضع المال في بيت المال سيمكن السلاطين من التلاعب به وسيقترب منهم البعض ليصبحوا أغنياء فينفردوا بتحكيم أهوائهم لتسيير المجتمع بما لديهم من سلطة وثراء وذلك من خلال قفل أبواب التمكين بالضرورة على الآخرين وذلك لأنهم فتحوها لأنفسهم من خلال تغيير الأنظمة والقوانين وما إليها من وسائل معروفة للجميع. لنضرب بعض الأمثلة للتوضيح: فقد يقنع مسؤول ما السلطان أو الوزير بإقطاع ابنه أرضاً بها معادن في دولة غير ديمقراطية، أو قد يستثني الوزير أو المدير شريكاً له (بالباطن) من أحد البنود في نظام يمنع التنقيب في منطقة ما في دولة ديمقراطية، أو قد يضع بعض المسؤولين نظاماً للشركات المشاركة في مناقصة ما ولا تنطبق إلا على شركاتهم، وهكذا تفتح الأبواب المغلقة (كمنع إحياء المعادن) للقلة المقربة مما يعني غلقه على الآخرين (وسنأتي لتفصيل هذا من خلال أمثلة أخرى في فصول قادمة بإذنه تعالى).

هامش

ط٤) يقول الطبري في القراءة: «والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ي٤) وتكملة ما جاء في النص: ... لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا ذلك ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ﴾ بالياء ﴿دُولَةً﴾ بضم الدال ونصب الدولة على أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع. ثم يصطفي منها أيضاً بعد المعنى الذي ذكرت في ذلك لإجماع الحجة عليه، ...» (۲۲۰).
المرباع ما شاء، ...» (۲۲۱).


٤١٦ 🗏
وهذا ما يمكن استشفافه من بلاغة القرآن الكريم فقد استخدم سبحانه وتعالى لفظ ﴿الْأَغْنِيَاء﴾ في قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ ، وفسرها المفسرون بأنها تعني الرؤساء والأقوياء والأثرياء ونحوه. فلماذا اقتصر علام الغيوب على ذكر الأغنياء فقط ولم يذكر السلاطين والأقوياء مثلاً؟ إن الحكمة من هذا، والله أعلم، هي أن معظم الناس، سواء كانوا رؤساء أم أقوياء أم أغنياء يسعون لمزيد من الغنى والذي سيأتي لهم بالمزيد من «الترف» و «التسلط»، والتسلط سيؤدي للحكم بغير ما أنزل الله بالضرورة كما سيأتي بإذن الله. فالرجل الغنى قد لا يكون رئيساً أو حتى مقرباً من الطبقة الحاكمة في نظام سياسي معين، كما في دولة رأسمالية مثلاً، إلا أنه قوي دائما حتى في المجتمعات التي تطبق القانون بحزم لتمكنه من مجابهة أو حتى التحايل على القانون بمحاميه. كما أن الرئيس أو من هو مقرب من السلطة غالباً ما يسعى للثراء باستخدام السلطة وقد يكثر ماله وبالتالي سيزداد ترفاً، فهل رأيت سلطاناً فقيراً أو رجل فقير مقرب من السلطان في أيامنا هذه وبالتالي ليس مترفاً إلا فيما ندر؟ أما القوي، فلن يكون قوياً إلا باستمداد قوته من السلطة السياسية، فالقوة المقصودة هنا بالطبع ليست قوة البدن، بل قوة التسلط، وهذه ستأتي للإنسان بالثراء بجذب الطبقة الحاكمة لأهوائه إن تمكن من التقرب إليهم. فكما هو معلوم فإن الأثرياء في الغرب حتى في الدول الديمقراطية ذات الشفافية العالية يؤثرون في الطبقة الحاكمة من خلال دعمهم المالي للمرشحين لإيصالهم لسدة الحكم، فالمال هنا أتى بالسلطة. وقد يصل فقير لسدة الحكم مثلاً ثم يصبح غنياً بتسلطه (كقذافي ليبيا أو جمال عبد الناصر مصر). أي أننا إن نظرنا للمسألة من جميع الطرق سنجد أن الغنى ومن ثم الترف هدف لأكثر الناس، وهذه غريزة عند معظم الناس إلا القلة (وهؤلاء القلة من السلاطين إن لم يكترثوا للثراء فإن من حولهم من البطانة سيفعلون، كما حدث مع جمال عبد الناصر مثلاً عندما حكم بغير ما أنزل الله). والأغنياء كما هو معلوم وبالذات في عصر العولمة هم الذين بيدهم زمام أمور المجتمعات، فهناك دراسة مفادها أن الشخص في الولايات المتحدة الأمريكية لن يصل لكرسي في مجلس الشيوخ إلا بإنفاق أكثر من خمسة ملايين دولار، ومتى ما وصل لذلك المنصب زاد نفوذه، وهكذا يقوم هو وأمثاله بالتأثير على القوانين في تطبيقها في الدول الديمقراطية أو حتى بنسجها كما يشتهون في الدول غير الديمقراطية. وما القوانين إلا تحليل وتحريم. أي أن أهواء الأغنياء هي التي تحكم تلك المجتمعات برغم تعرضهم لكل الضغوط من الناخبين (كما سيأتي بإذن الله)، وهكذا تتغير مقصوصة الحقوق.
أي أن علام الغيوب سبحانه وتعالى يخبرنا أننا إن لم نقسم الفيء كما أمر، فسننتهي بمجتمع تركيبته الاجتماعية مبنية على أهواء الأغنياء ما يؤدي للفساد (كما سيأتي بإذن الله). وحتى لا نقع في مجتمع فاسد يجب أن تذهب الأموال للناس الذين سماهم الله سبحانه وتعالى في آية الفيء. ولكن هذا لا يعني قط أن يبقى من لم يأخذوا من الفيء من المسلمين فقراء وأن لا يزداد الأغنياء غنى وراحة، فالناس يختلفون في مقدراتهم وعزائمهم ومواهبهم، ولكن المقصود، وكما سنوضح في فصل «الشركة» بإذن الله، هو أن يتقارب الناس من الثراء فيما بينهم دون قهر الأفذاذ منهم وذلك بفتح أبواب التمكين للجميع، لا كما تفعل الرأسمالية بغلقها لأبواب التمكين أمام معظم الناس لأن الأغنياء بيدهم زمام الأمور. فالغنى كظاهرة تتفشى في المجتمع عندما تزيد نسبة الفقراء الذين

هامش

ك٤) وذلك لأنهم إن لم يقطفوا ثمار مجهوداتهم التي تتلائم مع
مقدراتهم وسعيهم فلن يتقدم المجتمع.


٦ دولة الناس
٤١٧
أغلقت في وجوههم فرص التنمية، فالغني تعبير عن الفارق بين رجل لديه آلاف أضعاف ما لدى الآخرين. أما إن كان الجميع مقتدرين ومتقاربين في الدخل، وبرغم وجود البعض الذين قد يملكون أضعاف (وليس آلاف أضعاف) الآخرين لتفوقهم في قدراتهم فلا فقر في المجتمع ، وبهذا ستضعف سلطة الأغنياء ويكون الحكم لله، كما سنوضح
بإذنه تعالى.
ولعلك لاحظت من السابق تلازم الغنى والترف، فالأغنياء هم المترفون، ومتى ما كانت السلطة لدى المترفين فسقوا وضاع المجتمع والسبب في هذا والله أعلم، هو أن الإنسان الغني مالياً في الغالب لم غنياً إلا لأنه (الأول) حرص وسعى لذلك أو (الثاني) لأنه ورث غناه. فأما من ورث غناه (الثاني) فإن ثروته ستقل إن أنفق ماله في وجوه الخير أو إن لم يحرص بشدة على زيادة ثرائه، أما إن حرص وثابر على زيادة ماله فهو كمن سعى وحرص لاستحواذ المال (أي مثل الأول)، لذلك فمعدنهما سواء (أي الأول والثاني)، أي أنهما قد يكونا من طينة استحواذية تحرص على زيادة المال وتكديسه بطرق قد لا تكون مشروعة أحياناً، وهؤلاء هم الخوف منهم إن وصلوا للسلطة أو أثروا عليها، فماذا يُرجى من إنسان همه الأكبر الحرص على جمع المال إن أصبح مشرعاً، أي محللاً ومحرماً للمجتمع، فسيسخر سلطاته للتحليل والتحريم للمزيد من الغنى لخدمة طموحاته. ولتتأكد من هذا الاستنتاج تأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تدميرًا﴾ ٢٢٣ ومعنى الآية عندما تقرأ ﴿أَمَرْنَا﴾ بقصر الألف وغير مدها وتخفيف الميم وفتحها، أي «أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها بمعصيتهم الله»، وهذه هي القراءة الأولى بالصواب كما يقول الطبري. وهناك احتمال آخر للمعنى وهو: «جعلناهم أمراء ففسقوا فيها، لأن العرب تقول: هو أمير غير مأمور. وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : قد يتوجه معناه إذا قرئ كذلك إلى معنى أكثرنا مترفيها ، ... » . قال ابن زيد: «ذکر بعض أهل العلم أن أمرنا أكثرنا. قال: والعرب تقول للشيء الكثير أمر لكثرته ...».. وهناك قراءة أخرى بتشديد الميم، أي ﴿أَمَّرْنَا﴾ من الإمارة. يقول الطبري: «... عن علي عن ابن عباس قوله ﴿أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾، يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ » ٢٣٦ وعن أبي العالية: «قال: ﴿أَمَّرْنَا﴾، مثقلة : جعلنا عليها مترفيها مستكبريها». وهناك قراءة ثالثة وهي ﴿آمرنَا﴾، بمد الآلف أي أكثرنا فسقتها كما قال الطبري. فعن أبي رجاء عن الحسن «في قوله ﴿آمرنَا متْرَفِيها﴾ قال: أكثرناهم». فتأمل.

هامش

ل ٤
ل٤) وتكملة ما جاء في تفسير الطبري: «... ويحتج لتصحيحه ذلك ن٤) وعن قتادة أيضاً: «أكثرنا مترفيها، أي جبابرتها، ففسقوا فيها بالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير وعملوا بمعصية الله ...». وهنا ملحوظة على القراءة الثالثة وهي أن المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة. ويقول: إن معنى قوله: مد الألف في الرسم العثماني في أول الكلمة عادة ما يأتي مرسوماً مأمورة ): كثيرة النسل. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من هكذا: «ءا» ، وليس بالضرورة «آ» كقوله: ايت كما في أول الكوفيين ينكر ذلك من قيله، ولا يجيز أمرنا بمعنى أكثرنا إلا بمد سورة النور في قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا ايَاتٍ بَيِّنَاتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الألف من آمرنا ...» (٢٢٤). ، وكقوله: ﴿ءَامَنًا﴾ في قوله تعالى في
م٤) وتكملة ما جاء في النص: «... فأما إذا وصف القوم بأنهم كثروا، سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه يقال: أمر بنو فلان، وأمر القوم يأمرون أمراً، وذلك إذا كثروا . وكقوله: ﴿ءَاتَيْنَهُمُ﴾ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ وعظم أمرهم، ...» (٢٢٥). . وبذلك فلعل القراءتان الأولى والثانية أصح، والله أعلم (۲۲۷).


٤١٨ 🗏
وأظنك تسأل متعجباً ولكن إن قسمت الغنائم بين الغانمين فإن ثراءهم سيزداد، أي وكأنهم إقطاعيون جدد،
وبالتالي قد يؤول المجتمع لنفس المصير ؟ فأقول لا للسببين الآتيين: الأول هو أن من ذهب للجهاد إنسان يختلف في معدنه عمن يعمل لدى الدولة كموظف وبالذات إن تم حبس المال في بيت المال. فهذا الذي يعمل لدى الدولة أقرب للطمع في أموال الدولة ومن ثم تغيير أنظمتها ليزداد غنى وترفاً، فهو أقرب للطمع من المجاهد الذي ترك أهله وماله وبذل نفسه للإستشهاد في سبيل الله. فالمجاهد لم يكترث للمال أصلاً وذهب للجهاد إلا إن كان فقيراً، فإن كان النصر فاز بالغنيمة التي ستنتشله بمن الله من فقره. والسبب الثاني هو أن ما يقسم من مال سواء كان من الغنيمة أو من الفيء فهو مال مقطوع يأخذه المستحق اليتيم أو الفقير أو المجاهد أو ابن السبيل وتنقطع علاقته بالدولة، أما من يعمل لدى الدولة، وبالذات إن كان بيت المال مكنوزاً بالمال، فإن علاقته المستمرة بالسلاطين ستتيح له الكثير من الفرص للتخطيط معهم ووضع الإستراتيجيات لسلب المال مباشرة أو بوضع القوانين والأنظمة التي ستتيح له الفرصة تلو الفرصة لأنه مستمر في الوجود في منصبه في وقت تتدفق فيه الأموال لبيت المال باستمرار. فشتان بين الحالين. ولكن ماذا عن الغنائم كالتي في سواد العراق إن قسمت ووقعت في أيدي مجاهدين أثرياء، ألن يصبحوا كالإقطاعيين؟ والإجابة هي نفس الشيء: هؤلاء الأثرياء بسبب ما غنموه ليسوا في موقع السلطة، فلن يتمكنوا من سحب المجتمع بأهوائهم. كما أن المجتمع، لأنه فتح أبواب التمكين للجميع، سيتسم . مجتمع ذو بطالة منخفضة أو حتى منعدمة، وعندها سيضطر هذا الذي غنم الكثير من دفع أجور عالية إن أراد سحب الناس للعمل لديه، فالغني لن يوجد ولن يستمر إلا بتسخير الآخرين للعمل لديه. وهكذا سرعان ما يضمحل ثراؤه وتضعف سلطته المستمدة من المال ليصبح كالآخرين، إلا أن الأهم هو أنه رجل ورع لأنه كان مجاهداً، فهو ذو معدن مختلف عمن يطوفون حول السلطان لعلهم يتمكنون من الثراء. فلاحظ الفرق بين الحالتين. وهكذا فإن الشريعة حافظت على الحافز للجهاد، ألا وهو المغنم، وعلى جعل بيت المال خاوياً في الوقت ذاته لمنع
الاستعباد.
بأنه

قسمة الفيء

لقد اتبع
الله
الخلفاء الراشدون نهج الرسول صلى عليه وسلم في قسمة الفيء بجعله في الناس فقط. إلا أن هناك اختلافاً ظهر بين الخلفاء في مقدار ما يعطى للأفراد من الفيء. فكما رأينا فإن نهج الرسول صلى الله عليه وسلم كان في إعطاء الناس قدر حاجاتهم، إلا المؤلفة قلوبهم من الزكاة، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم برغم ثرائهم ما يحببهم في الإسلام وأهله. ولكن عندما كثر المال بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وقل عدد الفقراء اختلفت القسمة وهنا ملحوظة وهي أن المجتمع به الفقير والغني في معظم العصور حتى وإن انعدم الفقراء فإن الناس يتفاوتون في الثراء. وعندها يمكن القول أن الفقر مسألة نسبية، وحينئذ يمكن توزيع المال على من هم أقل ثراءً حتى يتقارب الناس في الدخل أكثر وأكثر بتمكينهم من الحصول على الحاجيات. وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بتقديم أهل الحاجات. وهذه الطريقة الأولى. وهناك طريقة ثانية، وهي ما ذهب إليها أبو بكر الله الصديق رضي عنه للمساواة في التقسيم كما ثبت في معظم كتب الفقه. ففي الاستذكار مثلاً:


٦ دولة الناس
٤١٩
«عن عائشة قالت: قسم أبو بكر رضي الله عنه للرجل عشرة ولزوجه عشرة ولعبده عشرة ولخادم زوجته عشرة، ثم قسم السنة المقبلة لكل واحد منهم عشرين عشرين. وروي عن ابن أبي ذئب عن خالد بن الحارث بن عبد الرحمن بن مرة مولى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: قسم لي أبو بكر مثل ما قسم لسيدي. والأحاديث عن أبي بكر في تسويته في قسمة الفيء بين العبد والحر والشريف والمضروب والرفيع والوضيع كثيرة لا تختلف عنه في ذلك، وكذلك سيرة علي رضي الله عنه والآثار عنه أيضا بذلك كثيرة لا تختلف».
۲۲۸
أما الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه فقد قسم بطريقة ثالثة بين الناس. ففي الاستذكار أيضاً: «عن إسماعيل بن عمر قال: لما فرض عمر بن الخطاب الديوان جاءه طلحة بن عبيد الله بنفر من بني تميم ليفرض لهم، وجاءه رجل من الأنصار بغلام مصفر سقيم فقال عمر للأنصار: من هذا الغلام؟ قالوا: هذا ابن أخيك، هذا ابن أنس بن النضر . قال عمر: مرحباً وأهلاً. وضمه إليه وفرض له ألفاً. فقال له طلحة يا أمير المؤمنين انظر في أصحابي هؤلاء. قال : نعم يفرض له في ستمائة ستمائة. فقال طلحة: والله ما رأيتك كاليوم، أي شيء هذا؟ فقال عمر: أنت يا طلحة تظنن أني أنزل هؤلاء منزلة هذا، هذا ابن من جاءنا يوم أحد أنا وأبو بكر وقد أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، فقال يا أبا بكر ويا عمر ما لي أراكما واجفان، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فإن الله حي لا يموت، ثم ولى بسيفه فضرب عشرين ضربة عدها في وجهه ثم قتل شهيداً، وهؤلاء قتل آباؤهم على تکذیب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف أجعل ابن من قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ معاذ الله أن نجعله بمنزلة سواء. قال أبو عمر: كان س ٤ يفضل أهل السوابق ومن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ومنزلة في العطاء».
:
في ظل هذين المذهبين للخليفتين بين المساواة والتفضيل سيحتار الباحث إن أراد ترجيح أحدهما لأن كلاهما كما يظهر أكثر سداداً من الآخر طالما أنهما استثمرا الأموال في الناس. وسيطول البحث للوصول للأرجح، ذلك أن فعل الخليفة أبو بكر رضي الله عنه منطقي في التسوية لأنه لا يحاسب الناس على ماضيهم وأنسابهم. أما فعل الخليفة رضي الله عنه فقد يقال أن فيه تحفيز لمراقبة الناس لسلوكياتهم المستقبلية لأنها قد تؤثر على أعطياتهم. فقد كان لمبادرات الصحابة من مشاركاتهم في الغزوات تأثير على مقدار العطاء. فمن شارك في غزوة بدر ليس كمن لم يشارك مثلاً. والأفضل بالطبع هو نهج الرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه بإذن الله. وهذا التباين بين فعل الخليفتين الله عنهما جعل بعض الفقهاء يتركون المسألة لظروفها ليحددها ولي الأمر. ولعل ابن قدامة أفضل من لخص
عمر
رضي
المسألة إذ قال رحمه الله:
«فصل: واختلف الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في قسم الفيء بين أهله، فذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى التسوية بينهم فيه، وهو المشهور عن علي رضي الله عنه، فروي أن أبا بكر رضي الله عنه سوى بين الناس في العطاء وأدخل فيه العبيد فقال له عمر يا خليفة رسول الله، أتجعل الذين

هامش

س٤) وجاء في الاستذكار أيضاً الاستنتاج الآتي عن قسمة الخليفة تختلف الآثار عنه فيما علمت أنه فرض لأزواج النبي صلى الله عليه عمر رضي ا الله عنه: «والآثار عنه في قسمته وسيرته في الفيء وتفضيله وسلم اثنى عشر ألفاً ولكنه لم يلحق بهن أحداً. وروي عنه أنه جعل كثيرة لم تختلف في التفضيل ولكنها اختلفت في مبلغ العطاء، ولم العباس في عشرة آلاف، ...» (۲۲۹).


٤٢٠ 🗏
جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن إنما دخلوا في الإسلام كرها؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا الله وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ فلما ولي عمر رضي الله عنه فاضل بينهم وأخرج العبيد. فلما ولي علي سوى بينهم وأخرج العبيد. وذكر عن عثمان أنه فضل بينهم في القسمة، فعلى هذا يكون مذهب اثنين منهم : أبي بكر وعلي التسوية. ومذهب اثنين: عمر وعثمان التفضيل. وروي عن أحمد رحمة الله عليه أنه أجاز الأمرين جميعاً على ما يراه الإمام ومؤدى اجتهاده إليه. فروي عن الحسن بن علي بن الحسن أنه قال: للإمام أن يفضل قوماً على قـوم. وقال أبو بكر: اختيار أبي عبد الله أن لا يفضلوا وهذا اختيار الشافعي وقال أبي : رأيت قسم الله المواريث على العدد بكون الإخوة متفاضلين في الغناء عن الميت والصلة في الحياة والحفظ بعد الموت، فلا يفضلون. وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأربعة الأخماس على العدد، ومنهم من يعطى غاية الغناء ويكون الفتح على يديه، ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضرر بالجبن والهزيمة. وذلك أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو انتصابهم للجهاد فصاروا كالغانمين. والصحيح إن شاء الله أن ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام يفعل ما يراه من تسوية وتفضيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي الأنفال فيفضل قوماً على قدر غنائمهم، وهذا في معناه والمشهور عن عمر رضي الله عنه أنه حين كثر عنده المال فرض للمسلمين أعطياتهم، ففرض للمهاجرين من أهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار من أهل : بدر أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ولأهل الفتح ألفين وقال: بمن أبدأ؟ قيل له : بنفسك. قال: لا ولكن أبدأ بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبدأ ببني هاشم ثم ببني المطلب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)، ثم ببني عبد شمس لأنه أخو هاشم لأبويه، ثم ببني نوفل لأنه أخوهما لأبيهما، ثم الأقرب فالأقرب. قال أصحابنا: ينبغي أن يتخذ الإمام ديواناً، وهو دفتر فيه أسماء أهل الديوان وذكر أعطياتهم. ويجعل لكل قبيلة عريفا. فقد روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف عام حنين على كل عشرة عريفا. وإذا أراد إعطاءهم بدأ بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن عمر رضي الله عنه، و ، ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار لأن فيهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن خديجة منهم حتى تنقضي قريش وهم بنو النضر بن كنانة، ثم من بعد قريش الأنصار ثم سائر العرب ثم العجم والموالي. ثم تفرض الأرزاق لمن يحتاج المسلمون إليهم من القضاة والمؤذنين والأئمة والفقهاء والقراء والبرد والعيون ومن لا غنى للمسلمين ثم في إصلاح الحصون والكراع والسلاح، ثم بمصالح المسلمين من بناء القناطر والجسور وإصلاح الطرق وكري الأنهار وسد بثوقها وعمارة المساجد، ثم ما فضل قسمه على سائر المسلمين
عنه،
ويخص ذا الحاجة ...».
تلحظ من السابق أخي القارئ أن أموال الفيء تذهب أولاً لجميع الناس (قريش ثم الأنصار ثم سائر
العرب ثم العجم والموالي) ثم إن فضل شيء ذهب لمن هم في خدمة المسلمين من الناس كالقضاة والمؤذنين ثم أخيراً للمنشآت كإصلاح الحصون. ولكن لاحظ أن سبب الخلاف هو تراكم الأموال التي لم تكن كذلك في عهد الرسول

هامش

ع٤) ويلخص ابن حجر فيقول: «واختلف الصحابة في قسم الفيء أن من قال بالتفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال إنه إلى نظر فذهب أبو بكر إلى التسوية وهو قول علي وعطاء واختيار الشافعي، الإمام، وهو الذي تدل عليه أحاديث الباب، والله أعلم ...» (٢٣٠). وذهب عمر وعثمان إلى التفضيل، وبه قال مالك، وذهب الكوفيون ف٤ جاء في سنن أبي داود : ..... عن عوف بن مالك، أن رسول الله إلى أن ذلك إلى رأي الإمام، إن شاء فضل وإن شاء سوى، قال ابن صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل بطال : أحاديث الباب حجة لمن قال بالتفضيل كذا قال، والذي يظهر حظين وأعطى العزب حظا ...» (۲۳۲).


٦ دولة الناس
٤٢١
صلى الله عليه وسلم، كما أنها كانت في الأموال الفائضة بعد الإنفاق على المستحقين الذين ذكرتهم آية الفيء، أي ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ، وسيأتي بيانه بإذن الله. فالسؤال هو: ما الذي فعله صلوات ربي وسلامه عليه عندما كثر المال لديه لنقتدي به ؟ أي هل ساوى أم فاضل بين الناس؟ إن كانت لدينا القناعة أن الدين أتى مكتملاً في الحقوق، فلابد وأن نجد الإجابة الدالة في سنته صلوات ربي وسلامه عليه. لذلك أقول: إن هذا الوضع أي تراكم المال المفاجئ في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، هو وضع مستجد لأن أربعة أخماس الغنائم، والتي هي حق للغانمين لم تقسم، ولأنها لم تقسم أصبحت هي السمة المميزة لأموال الفيء. فإن قسمت لما تراكم المال «الكثير» كفيء ليحار الفقهاء في قسمته. كما أن هذا ظرف تاريخي قد لا يحدث إلا مرة واحدة، وهي فترة سحق المسلمين لأقوى دولتين على وجه الأرض الفرس والروم و في آن واحد. ولكن لنفترض أن المسلمين بإذنه تعالى سيعودون مرة أخرى لمجدهم بدليل قوله صلوات ربي وسلامه عليه في صحيح مسلم: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء). ٢٣١ عندها قد يكثر مال الفيء مرة أخرى، فكيف سيقسم؟ ولكن تذكر أن هذا وضع افتراضي لأنه إن أتت الفتوح وقسمت الغنائم فإن الفيء جد قليل كما بينت، حتى وإن زاد مال الفيء عن النفقات فهو وضع نادر بحيث لا يصبح سمة مميزة لأموال بيت المال.
۲۳۱
من الملاحظ على معظم ما قسمه الرسول صلى الله عليه وسلم كما رأينا وسيأتي أيضاً بإذن الله) أنه لهدف محدد كإغناء فقير أو سداد دين غارم أو تأليف قلب، وهكذا. كما أن هذه النفقات كانت تنفق حتى إن لم يكن لدى الرسول صلى الله عليه وسلم مال كما رأينا، إذ أن بلالاً رضي الله عنه كان يقوم بذلك. أي أن ما ينفقه الرسول صلى الله عليه وسلم سيصبح ديناً متراكماً يقوم بسداده متى ما توافرت له السيولة الكافية. كما أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يعد البعض بأن يدفع لهم متى ما توافرت لديه السيولة مثلما وعد جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فلما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم وأتى المال قام الخليفة أبو بكر رضي الله عنه بوفاء الوعد كما مر بنا. وهذه الوعود لابد وأن تكون للمحتاجين، وهم من أهل الفيء، ففي مثل هذه الظروف ستتراكم احتياجات الأمة أولاً بأول حتى أنها قد تصبح قروضاً على الدولة فتذهب بذلك معظم الأموال لمن يستحقونها أولاً بأول ولن تكون هناك حاجة للحيرة للتقسيم بالتسوية أو بالمفاضلة بين الناس في معظم الأحيان.
فع
ومن الملاحظ أيضاً أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يعطي بقدر الحاجة. ففي حجة الله البالغة مثلاً: واختلفت السنن في كيفية قسمة الفيء، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين والأعزب حظاً». أي أن هناك سنة واضحة في التقسيم وهي حسب الحاجة ولهدف محدد. الهدف يتغير. كيف؟ لننظر للآتي ونقارنه بما مضى من أعطيات الرسول صلى الله عليه وسلم: ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك:
«أن ناساً من الأنصار قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم . من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل. فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم، ولم يدع معهم أحداً غيرهم. فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما كان حديث بلغني عنكم؟ قال له فقهاؤهم: ا م أما ذوو آرائنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم
وهذا


٤٢٢ 🗏
محدد وهو
فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشاً ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني أعطي رجالاً حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به. قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: (إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحوض). قال أنس فلم نصبر».
ص٤
ففي هذه الحالة، وبرغم كثرة الأموال إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعط الأنصار ودفع المال لهدف تأليف القلوب. أي أن هناك إستراتيجية واضحة في ذهن الرسول صلى الله عليه وسلم في النفقة (والله أعلم) تذهب بكل المال مباشرة في معظم الأحيان. أما إن زاد المال فهناك إستراتيجية أخرى (وهذا نادر الحدوث بحيث يزيد عما تراكم من ديون ووعود)، فإن زاد المال عن تغطية الديون والوعود عندها فقط كان يعطي صلوات ربي وسلامه عليه كل من يأتي إليه ويطلب منه كما حدث عندما قسم الأموال التي أتت من البحرين ووضعت في المسجد ولم يقم الرسول صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم. ففي هذه الحالة سيتقدم البعض لأخذ المال إما لحاجتهم أو لحرصهم على الاستزادة. فإن كانوا من المحتاجين فإن في إغنائهم تمكين للمسلمين لأنهم سيتحولون بهذا الأخذ لأفراد منتجين، وهذا من مصارف الفيء، أما إن كانوا من الحريصين على الاستزادة فإن في إطفاء ح ، حرصهم . ضرر أخف من حبس المال في بـ بيت المال. لذلك كان صلوات ربي وسلامه عليه ينفقه دون تردد لأنه كان في معظم الأحيان من الخمس المخصص له، والله أعلم. فكما مر بنا في الحديث الذي رواه البخاري «أن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسع من الصبر)».
أي أنه صلى الله عليه وسلم لم يضع ديواناً يتم الصرف بموجبه بانتظام لجميع الناس أو لطبقات محددة. بل هناك استراتيجيات واضحة في النفقة لا تؤدي لفائض مالي «إلا فيما ندر». فهو رسول مأمور. ألم يقل صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث الذي رواه البخاري: (ما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت)؟ وسبب المقولة بأن الفائض المالي نادر جداً هو أن الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه قسم بعض المال بين الناس بالمساواة، وهؤلاء الناس من غير الأصناف التي ذكرت في آية الفيء ) أي من غير ذوي قربي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن غير اليتامى والمساكين وابن السبيل. أي أن هناك فائضاً مالياً قد ظهر ولو طفيفاً في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولم يظهر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. ولعل هذا الفائض هو خمس الرسول

هامش

ص٤) وقد ذكر الحديث أيضاً بلفظ آخر: «عن عبد الله بن زید بن قال شيئاً قالوا الله ورسوله أمن. قال: (لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. عاصم قال : لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا إذ عليه وسلم إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت أمرءا من الأنصار، ولو ما أصاب الناس. فخطبهم فقال: (يا معشر الأنصار، ألم سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ وكنتم شعار والناس دثار . إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني عالة فأغناكم الله بي؟، كلما قال شيئاً قالوا الله ورسوله أمن. قال: على الحوض» (۲۳۳).
لم
يصبهم .
ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كلما


٦ دولة الناس
٤٢٣
مفاضلة
صلى الله عليه وسلم والذي كان ينفقه على كل من يطلبه منه، وهو ما فضّل الخليفة أبو بكر قسمته بالتساوي بين الناس. فأي السبل في النفقة ، هي الأولى بالاتباع إذاً: لا فائض كما حدث مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أم فائض طفيف يقسم بالتسوية لأن الغنائم قسمت بين الغانمين في عهد أبي بكر الصديق)، أم فائض كبير يقسم بين الناس (لأن الغنائم لم تقسم فكثر الفيء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه)؟ لنتقصى المسألة. كما هو معلوم، فإن مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان مكوناً من جماعتين هما المهاجرين والأنصار. وقد كان المهاجرون هم الأقل مالاً لأنهم تركوا ديارهم وأموالهم عند الهجرة، لذلك أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الفيء. ففي سورة الحشر وبعد آية الفيء قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وفي تفسير هذه الآية يقول الطبري: «كيلا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء المهاجرين. وقيل: عني بالمهاجرين: مهاجرة قريش». ويقول أيضاً. عن قتادة: «هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر ، خرجوا حبا لله ولرسوله واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها» .٢٣٤ فلهؤلاء قسم الفيء. ثم تأتي الآية التاسعة من سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ . ولا خلاف من أن المقصود بهذه الآية هم الأنصار، ولكن الخلاف ظهر في أحقيتهم وأمثالهم في الفيء مستقبلاً. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعط الأنصار من فيء بني النضير إلا لثلاثة من فقرائهم، لذلك ظهر السؤال الآتي بين الفقهاء: هل أموال الفيء عموماً للفقراء المهاجرين والمسمين في آية الفيء ؟ أم أنها تعم جميع المسلمين كما فعل الخليفة عمر رضي الله عنه؟ أي هل الآية التاسعة معطوفة على ما قبلها أم مقطوعة عنها ؟ لأنها إن كانت مقطوعة فالفيء من حق الفقراء والمهاجرين (الآية الثامنة) والمسمين في آية الفيء فقط دون غيرهم (الآية السابعة). أما إن كانت معطوفة فهي ستعم الجميع. ولقد تحدثنا عن هذا سابقاً عند التعليق على حديث سليمان بن بريدة عن أبيه. بالإضافة لما سبق يقول القرطبي موضحاً:
،
واختلف أيضاً هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة؛ فتأول قوم أنها معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْفَسِقِينَ﴾»، فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع ثم قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ . فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يوجف عليه حين خلوه، وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر. ثم قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾، وهذا كلام غير معطوف على الأول. وكذا ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَن﴾، ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم : فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين. وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء. وكذا ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ، ابتداء كلام والخبر ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا﴾ ....».


٤٢٤ 🗏
أي أن أموال الفيء ليست لجميع المسلمين بما فيهم الأغنياء. بل هي للأصناف المسماة في آية الفيء (الآية السابعة)، أي للرسول صلى الله عليه وسلم ولذي قرباه ولليتامى والمساكين وابن السبيل وللفقراء المهاجرين وهم المذكورون في الآية الثامنة، وهؤلاء المهاجرين إنما أصبحوا من أهل الفيء لأنهم فقراء، وبهذا فإن أموال الفيء تذهب لمن هم في الآية السابعة فقط. وما يعزز هذا الاستنتاج هو نص الآية التاسعة، فهي واضحة وبينة، فتأمل الآية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فمن الواضح أنها تصف حال الأنصار الذين أحبوا من هاجر إليهم من مكة المكرمة ،وغيرها ، فهم، أي الأنصار، لا يجدون في صدورهم شيئاً على المهاجرين كالحسد مثلاً، لأن المهاجرين فُضّلوا عليهم في العطاء من الفيء. فقد قال الطبري مثلاً في تفسير الآية: « ... قال بن زيد في قوله الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ﴾، قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين. وقوله: ﴿وَلَا يَجدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ ، يقول جل ثناؤه: ولا يجد الذين تبوءوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدورهم حاجة، يعني حسداً، مما أوتُوا ، يعني مما أوتي المهاجرون من الفيء، وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أعطاهما لفقرهما، ...». وقال القرطبي: «﴿وَلَا يَجدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ ، يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره». فإن ذهب التفسير لما قاله الطبري والقرطبي وغيرهما، فإن الآية التاسعة هي بالتأكيد مقطوعة عن الآيتين السابعة والثامنة. فبرغم كل هذا الوضوح لا أدري كيف أوّلت بطريقة مختلفة وعطفت على ما قبلها. وما يزيد هذا الاستنتاج قوة هو الآية العاشرة والتي أولت على أنها تعم جميع المسلمين من اللاحقين بالفيء، إلا أن معنى الآية كما هو واضح لا يشير إلى ذلك. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ . والغل هو البغض والحسد. فقد جاء في تفسير الطبري: «قال بن زيد في قول الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾، قال: لا تورث قلوبنا غلاً لأحد من أهل دينك. حدثنا ... عن بن أبي ليلى قال كان الناس على ثلاث منازل المهاجرون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ، وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، يقول جل ثناؤه مخبراً عن [كذا] قيل الذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل في قلوبنا غلاً لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا». وجاء في أحكام القرآن لابن عربي في تفسير الآية: «فيها مسألتان: المسألة الأولى في تعيين هؤلاء، وفي ذلك قولان: أحدهما أنهم أهل الإسلام غير ذين من سائر القبائل والأمم من الصحابة. الثاني أنهم التابعون بعد قرن الصحابة إلى يوم القيامة، وهو اختيار جماعة منهم . بن أنس، رواه عنه سوار بن عبد الله وأشهب وغيرهما قالوا: قال مالك: من سب أصحاب رسول الله فلا حقّ له في فلعلك لاحظت من التأويل السابق للآية العاشرة أنها لابد وأن تكون مقطوعة عن الآية السابعة
.

هامش

ق٤) بالطبع فهناك تفسيرات أخرى. ولقد وضعت تفسيراً مفصلاً من
فتح القدير في الحاشية (٢٣٥).


٦ دولة الناس
٤٢٥
حسداً
والثامنة في عطاء الفيء لأن من جاء متأخراً عمن أخذوا سابقاً من الفيء من المسلمين لا يجدون في قلوبهم. على من سبق لأن من سبقهم أخذوا من الفيء ولم يأخذوا هم مثلهم. فالسبب في الغل هو عدم المساواة في العطاء. وإن قرأت الآيات مرة أخرى من الآية السادسة إلى العاشرة تجد أنهاواضحة وبينة ولا تشير أبداً إلى أن الفيء يعم جميع المسلمين، بل فقط المسمين في الآية السابعة. وهذا الاستنتاج يزداد قوة إن تذكرت أخي القارئ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعط الأنصار في الحديث الذي مر بنا والذي رواه البخاري عندما دعى الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار بعد أن قسم أموال هوزان. فلماذا هذا الإصرار على عدم إعطاء الأنصار إلا ليكون فعله مثلاً يحتذى به في أن الفيء لا يعم جميع المسلمين ولكن فقط المسمين في آية الفيء. وهناك سبب عملي آخر، ألا وهو أن الإسلام دين صالح لكل زمان، فكيف يمكن قسمة الفيء في عصرنا هذا الذي زاد فيه عدد المسلمين عن الألف مليون. لابد وأن نحتاج لجهاز حكومي ضخم ليتم التوزيع، لتكون المحصلة في النهاية بضعة قروش أو فلسات لكل مسلم. ولعل نفقات هذا الجهاز الحكومي البيروقراطي ستأكل جميع مال الفيء نفسه. لهذا، فلابد وأن يكون الفيء للمسمين في الآية، وبالذات الأفقر من المسلمين ثم الأقل فقراً والذين يمكن تحديدهم بسهولة، ففي إغنائهم قوة للمسلمين لأنهم سيصبحون متمكنين، كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى.
عنه،
الله
ولكنك قد تقول بأنه قد يكون هناك فائض ليقسم إما بالتسوية أو بالمفاضلة بدليل فعل الصديق رضي ، فأيهما نختار؟ أقول: لن يكون هناك فائض حتى وإن طبقت الشريعة لمئات السنين دون انقطاع، فهذا أمر شبه محال لأن البشر باتباعهم لغرائزهم وشهواتهم سيخرجون ولو جزئياً عن مقصوصة الحقوق. والله الخبير الحكيم يعلم هذا. فلابد إذا وأن يكون هناك فقراء في المجتمعات بسبب الخروج ولو جزئياً عن شرع الله، وهؤلاء الفقراء من أهل الفيء، وفي هذه الحالة فلن يكون هناك فائض في مثل هذه الظروف، لذلك فإن الشريعة كانت علاجاً لهذا الخروج عن شرع الله. ولكن على فرض أن الشريعة طبقت تماماً لمئات السنين، عندها ستزداد نسبة الملاك ويقل الفقراء ولكنهم لن ينقطعوا وذلك لأن الفقر مسألة نسبية كما سنوضح في فصل «ابن السبيل» بإذن الله. فالفقير ليس فقيراً لأنه لا يجد ما يأكل، ولكنه فقير لأنه برغم حصوله على مأكله وملبسه لا يجد من المهارات والمعدات ما يمكنه من العمل والإنتاج ليتحول من فرد آخذ للفيء وللصدقات إلى فرد منتج يرقى لمستوى الآخرين في الإنتاج. حتى وإن طبقت الشريعة لمئات السنين وانقطع الفقر تماماً فسيبقى ابن السبيل، وهو المسافر الذي من خلال سفره تنتقل المعرفة من موطن لآخر وبهذا تخرج خيرات الأرض. فهذا الباب من الإنفاق، أي ابن السبيل، سيبقى ضرورة للبشرية لترتقي علمياً وإنتاجياً كما سيأتي بيانه بإذن الله. وبالإضافة لكل هذا، فإن بند اليتيم من أموال الفيء قد يستمر أيضاً بين المسلمين إن هم حرصوا على الجهاد لأن الشهداء سيخلفون وراءهم أيتاماً. وكما قلت، ولأن الفقر أمر نسبي لأن الناس يتفاوتون في مقدراتهم الفكرية والجسدية فإن تحصيلهم المالي عند فتح أبواب التمكين سيتفاوت، وعندها سيتفاضل الناس ولو قليلاً فيأتي المال من الفيء إن وجد ليخفف من هذا التفاضل القليل. أي من كل هذا لعلك استنتجت أن أموال الفيء لن تفيض أبداً لتقسم بين غير المسمين في آية الفيء. أما ما قسمه أبو بكر الصديق فلعله من خمس الرسول صلى الله عليه وسلم (لاحظ أن هذا غير خمس آل البيت). أي أن الأولى تطبيق النص القرآني كما هو وإلا تحول المسلمون إلى شعوب شبه اشتراكية. وهذا استنتاج جد سنعلق عليه في فصل «الديوان» بإذن الله تعالى.
مهم


٤٢٦ 🗏
وهو
لكن السؤال لازال قائماً : أي النهجين أحق بالاتباع إن لم يحاول الناس السفر وانقطع باب ابن السبيل وآمن جميع الناس ولم يكن هناك جهاد (وهذا افتراض محال). لعل الأمر واضح، فإن فعل الخليفة الصديق رضي الله عنه، أفضل رجل على وجه الأرض بعد الأنبياء، هو الأولى بالاتباع لأنه قد يكون لديه علم من الرسول دفعه للمساواة. فهو الأكثر التصاقاً بالرسول صلى الله عليه وسلم. ومن جهة أخرى فإن قسمة الفائض بالمساواة بين الناس لن يتطلب الكثير من المعاملات البيروقراطية كما تتطلبها المفاضلة التي هي بحاجة للكثير من الموظفين للتقصي والتمحيص بين الناس ومن ثم إيجاد إدارة لتنظيم الإنفاق «لعل» العدل يتأتى بين الناس. حتى وإن تأتى فقد يترك بين القلوب ضغينة، لذلك فإن فعل الخليفة أبي بكر الصديق هو الأولى بالاتباع، ناهيك عن أن الناس قد تغيروا، فلا صحابة من أهل بدر مثلاً اليوم، وأين أحفاد أحفاد أحفاد ... أحفادهم. فكيف يمكن إيجاد آلية للحكم على التفاضل بين الناس إلا أهواء الحكام.
رہ
بقيت مسألة أخيرة في هذا الخصوص: لنقل بأن هناك فقراء وأيتام وأبناء سبيل، فهل يقسم الفيء بالتساوي بين أهل الفيء أو كما يراه السلطان؛ نظراً لأن معظم الفقهاء ذهبوا لترك ذلك لما يراه ولي الأمر لم أجد ما يشير على وجود خطوط واضحة تفصل بين المصارف الخمسة إلا ما كان لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم. فهم قد منعوا رضوان الله أخذ الصدقة وأعطوا خمس ما أفاءه الله على رسوله. وقد تولى أمره الخليفة الصديق رضي عنه ثم من بعده الفاروق عمر رضي الله عنه ثم ترك الأمر للعباس وعلي رضي الله عنهما. ففي صحيح البخاري الآتي: عن عقيل عن ابن شهاب قال:
الله.
عنهم من
حتى
عمر
على
«أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكراً من حديثه، فانطلقت حتى دخلت على مالك بن أوس فسألته، فقال مالك: انطلقت أدخل على عمر إذ أتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم. قال: فدخلوا وسلموا فجلسوا، ثم لبث يرفأ قليلاً فقال لعمر : هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم. فأذن لهما، فلما دخلا سلما وجلسا. فقال عباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا. فقال الرهط عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: اتئدوا، أنشدكم بالله الذي به تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة؟ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه. قال الرهط : قد قال ذلك. فأقبل ع علي وعباس فقال : أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا المال بشيء لم يعطه أحداً غيره. قال الله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾، فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم ولا أستأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقى منها هذا المال. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته. أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. قال لعلي وعباس: أنشد كما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم. ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أنا ولي رسول الله فقبضها أبو بكر يعمل فيها بما عمل به فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتما حينئذ، وأقبل على علي وعباس تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول


٤٢٧
٦ دولة الناس
الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك وأتى هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما عمل به فيها أبو بكر وبما عملت به فيها منذ وليتها وإلا فلا تكلماني فيها ، فقلتما ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك. أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ فقال الرهط : نعم. قال: فأقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتمـا عنها فادفعـاها فأنا ش أكفيكماها».
أما بالنسبة لخمس الرسول صلى الله عليه وسلم، فبناءً على قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس وهو مردود عليكم، وبناءً على قوله صلى الله عليه وسلم: (لا نورث، ما تركنا صدقة ، فقد ذهب الفقهاء كما مر بنا على أن ذلك لولي الأمر يضعه حيث يرى كما فعل الخليفتان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكراع والسلاح من خمس خمس الغنيمة أو خمس الفيء. وقد توضع في نفقات أخرى للدولة (وسيأتي بإذن الله).
ت ٤
ولعلك أخي القارئ تتعجب لما طرحته هنا لأنك استنتجت أنه لا مال للدولة من الفيء إلا الخمس الذي كان للرسول صلى الله عليه وسلم. كما أن هذا الخمس من الفيء جد قليل لأن الفيء في أصله قليل كما وضحت (إن قسمت الغنائم بين الغانمين)، وأن أربعة أخماس الفيء هو من نصيب المذكورين في آية الفيء من سورة الحشر. وبذلك فإن خمس الرسول صلى الله عليه وسلم هو للدولة. وحتى أزيد هذا الاستنتاج تأكيداً في ذهنك أريدك أن تتأمل الآتي: لم يكن في ذهن الخلفاء في النفقة شيء إلا الناس اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم. فهم لم يحاولوا الإنفاق على مؤسسات مدنية أو إنشاء مبان حكومية برغم علمهم بما فعله الروم والفرس بعد أن فتحوا ديارهم. بل كان الخلفاء ينفقون المال على الناس قدر المستطاع. وسأضرب بعض الأمثلة: لقد كانت أموال الفيء تعطى للموالي أيضاً، فقد فرض الخليفة عمر للأنصار ومواليهم أربعة آلاف أربعة آلاف. وقد كتب الخليفة عمر إلى أمراء الأجناد: ومن أعتقتم من الحمراء فأسلموا فألحقوهم بمواليهم، وعليهم ما عليهم، وإن أحبوا أن يكونوا قبيلة وحدهم فاجعلوهم أسوتكم في العطاء والمعروف ....». وعندما أعطى عامل العرب وترك الموالي كتب إليه عمر: «أما

هامش

ر٤) أما ما وضحه ابن قدامة في الاقتباس الطويل السابق من أن قالت : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله للحاكم المفاضلة قياساً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فاضل عليه وسلم من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها في النفل وذلك مكافأة لمن هم أكثر بلاء في الجهاد، فإن هذا في الغنائم ذلك وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل وليس في الفيء ، وقد مر بنا الحديث عن النفل سابقاً. أما مسألة صحة به إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ. فأما القياس، فهذه مسألة نتركها لعلماء أصول الفقه للحكم على ذلك. صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأمـا خيبر وفدك ش٤) وفي صحيح البخاري أيضاً: عن عروة بن الزبير أن عائشة أم فأمسكها عمر وقال هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانتا المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر. قال فهما على صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى ذلك إلى اليوم». وهناك أحاديث أخرى وضعتها في الحاشية (٢٣٦). الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلى الله عليه ت٤) هناك بعض القواعد في صرف أموال الفيء كقضاء الدين عن وسلم مما أفاء الله عليه. فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه الناس وكتفضيل أهل الحاضر على البادية وسنذكرها في فصول قادمة وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة . فغضبت فاطمة بنت رسول بإذنه تعالى.
الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى ٤ الحمراء هم العجم والروم لغلبة الحمرة على ألوانهم (۲۳۷). توفيت. وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر.


٤٢٨ 🗏
عمر
ذع
ضع
خ
ظ ع
بعد، فبحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم».٢٣٨ وكان من مصارف الفيء أيضاً الذرية. فقد فرض الخليفة لكل مولود في الإسلام العطاء بعد أن كان العطاء بعد الفطام. وكذلك فعل ذو النورين عثمان رضي الله عنه وعلي كرم الله وجهه. حتى اللقيط كان يعطى من بيت المال. فتأمل كيف كانت أموال الفيء تذهب للناس فقط، لذلك نقول إن دولة الإسلام هي دولة الناس. ولكنك قد تقول: إن الإسلام دين يحث على الكسل لأن الأموال تذهب للناس دون عناء منهم، أليس الأحرى بها أن تذهب لإنشاء مؤسسات للدولة أو منشآت لها؛ للإجابة أرجو التفكر في الآتي لعل عجبك يزول
من الواضح من السابق بأن جميع أموال الفيء هي من غير المسلمين. فإذا كان مقصد الشريعة نشر الإسلام فلابد وأن يكون النسق الاقتصادي مبني على عدم الاعتماد على أموال أهل الذمة وغيرهم من الكفار كمصدر مالي كما ذكرنا، لأننا لابد وأن نجتهد لإدخال جميع البشر في الإسلام ومتى ما حصل هذا فلا كفار هنالك لضرب الجزية عليهم، ولا خراج من أراضي العنوة، وهكذا فكيف إذاً يأتي الشرع بنسق اقتصادي يعتمد على أموال غير المسلمين؟ أي أن الأموال التي تجنى من غير المسلمين ( كالجزية والخراج ونصف العشر على تجارتهم ونحوها) يجب ألا تكون في حسبان أي حاكم كمصدر دخل لبيت المال لأن الأصل هو نشر الإسلام قدر المستطاع، وبهذا ينعدم هذا المصدر إن اعتنق غير المسلمين الإسلام كما ذكرنا . وهذا تناقض جذري في التفكير عند من يعولون على أموال غير المسلمين كمورد لبيت المال. فهل يريدون لطائفة من البشر أن تبقى غير مسلمة على الدوام ليؤخذ منهم الفيء (كما حدث مع الأسف وسيأتي بيانه في فصل «الديوان» بإذن الله. فإن سرنا في نفس المنطق لقلنا أنه قد يأتي سلطان ويحاول زيادة دخل بيت المال بأن يلجأ إلى رد المسلمين عن دينهم حتى يزداد عدد غير المسلمين ليزداد دخل بيت المال. وهذا بالطبع منطق مجنون (وقد وقع والعياذ بالله عندما لم ترفع الجزية عن من أسلم، وسيأتي بيانه بإذن الله). لهذا فمن الحكمة عدم اعتبار أي دخل مالي من الكفار كمصدر ثابت لبيت المال. حتى أراضي الصلح، فهي تؤول إلى أراض تدفع عنها الزكاة بإسلام أصحابها. أي أن الفيء كمصدر مالي لبيت المال هو وضع مؤقت إن طبقت الشريعة إلا ما يؤخذ من تجار أهل الحرب، وحتى هذا المصدر فهو من المفترض به أن ينقطع إن عم الإسلام. الأرض، لذلك لا يعقل أن يكون الفيء مورداً يعتد به لبيت المال إلا ما يأتي من مال مما صولح عليه الكفار ببقاء أراضيهم أراض خراجية. وهذه ضئيلة جداً مقارنة بمساحة العالم الإسلامي إذ أن معظم الأراضي الإسلامية فتحت عنوة أو أسلم أهلها وهم فيها. بل على العكس فالمؤلفة قلوبهم هم من الأصناف الثمانية المستحقين للزكاة، وهم من

هامش

خـ٤) جاء في الأموال: «وحدثنا يزيد بن أبي عقيل يحيى بن المتوكل السنبلانية أي وافرة الطول يقال ثوب سنبلاني وسنبل ثوبه إذا أسبله عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: كان عمر لا يفرض وجره من خلفه أو أمامه، والنون زائدة (٢٤٠). للمولود حتى يفطم، قال: ثم أمر مناديا فنادى: لا تعجلوا أولادكم عن ض٤) جاء في الأموال: «وحدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي الفطام، فإنـا نفـرض لكل مولود في الإسلام. قال: وكتب بذلك في الحجاف عن رجل من خثعم، قال: ولد لي ولد فأتيت علياً فأثبته في الآفاق بالفرض لكل مولود في الإسلام» (۲۳۹). مائة» (٢٤١). ذ٤) فقد حدث محمد بن هلال المديني قال: حدثني أبي عن جدتي ظ٤) جاء في الأموال: «وحدثنا ابن أبي عدي عن سفيان بن سعدي أنها كانت تدخل على عثمان بن عفان، ففقدها يوماً، فقال لأهله مالي عن زهير بن ثابت، أو ابن أبي ثابت، عن ذهل بن أوس عن تميم بن لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته : يا أمير المؤمنين: ولدت الليلة غلاماً. قال: أتيت علياً بمنبوذ فأثبته في مائة». والمنبوذ هو مسیح فقالت: فأرسل إلي بخمسين درهما وشقيقته سنبلانية. ثم قال: هذا وسمي منبوذاً لأن أمه رمته ونبذته على الطريق (٢٤٢).
عطاء ابنك، وهذه كسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مائة».
اللقيط


٦ دولة الناس
٤٢٩
غير المسلمين. فبدل سحب الأموال من غير المسلمين لتصبح فيئاً فإن الأموال قد تذهب من صدقات المسلمين لتأليف القلوب. أي أن هدف الإسلام أيضاً هو الأخذ من أموال المسلمين لدفعها لغير المسلمين حتى يعم الإسلام الأرض، ولكن الذي حدث بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية وقلة عدد المسلمين آنذاك هو تجمع أموال الفيء، فكان لابد من توزيعها على الناس بدل جمعها في مكان واحد خوفاً من أن يؤدي ذلك لإنشاء دولة بالمفهوم الروماني أو الفارسي أو المعاصر، وما كان هذا إلا والله أعلم ، لأن الإسلام أتى لإخراج الناس من عبادة السلاطين إلى عبادة الله عز وجل، ومن عبادة الناس بعضهم البعض إلى عبادة الحق تبارك وتعالى، لا كما يحدث في تلك الدول الاستعبادية. لذلك فمن الطبعي أن يحاول الإسلام منع جمع الأموال في بيت المال قدر المستطاع إلا بالقدر اليسير وللحاجة الملحة للمسلمين كنفقات القضاة كما سيأتي بإذنه تعالى، لأنه إن ذهب المال لبيت المال وجمع فيه انجذب إليه ضعاف النفوس وتمكنوا منه ومن ثم استبدوا واستعبدوا الناس كما ذكرنا، فيخرج الناس بذلك من عبادة الله لعبادة الحكام والعياذ بالله. ألم تر لحال الناس كيف يستذلون أنفسهم حول الحكام؟ فمن الفطرة ألا ينجذب الأتقياء والأعزاء من الناس لمال الآخرين، بل ينجذب إليه محبوا الدنيا ومتبعوا الأهواء وبأي ثمن، وهذا الذي حدث في دويلات العالم الإسلامي. أي أن الفيء كمورد مالي لبيت المال هو وضع يجب أن يكون مؤقتاً مهما طال الزمن لأنه من الكفار، لذلك لا يعتمد عليه شرعاً. ومتى ما وجد فيجب أن يصرف مباشرة للناس. وهذه ليست كالاشتراكية التي تؤدي لتكاسل الناس ولكنه وضع مؤقت كما رأينا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لتلافي خطر جمع المال في بيت المال. وكما ستتأكد في فصول قادمة بإذنه تعالى وبالذات في فصل «الشركة» و «الفصل والوصل» و «الموافقات»، فإنه لا مصدر للمال للناس في الشريعة إلا بالعمل والإنتاج. فتطبيق مقصوصة الحقوق ستؤدي لمجتمع الكل فيه يعمل وينتج لدرجة تفوق حتى إنتاج الدول الرأسمالية كما سيأتي بإذن الله.
فأرجو منك الإمهال. وللتذكير بأهم نقطة أقول: إن الفيء والغنائم مؤشران على عزة المسلمين لأنهما لن يكونا إلا بالاتساع المستمر لدولة الإسلام. وإن توقف الاتساع فيجب على هذين الموردين أن ينضبا إن قام المسلمون بواجبهم بسحب الكفار للإسلام، وبهذا يبقى بيت المال خاوياً فلا ينجذب إليه ضعاف النفوس، وهذا ما يجب أن يكون، وهكذا لن يستعبد أفراد المجتمع بعضهم بعضاً. فالعبودية لله وحده جلت عظمته. أما مسألة إثبات أن العزة لن تأتي إلا إن كان بيت المال خاوياً، أي إن كان المال بيد الناس، فهذه ستتضح أكثر في الفصول القادمة بإذنه تعالى. وأخيراً لعلك تسأل: وماذا عن خمس الركاز أي عن زكاة المعادن أليست مالاً كثيراً؟ أليست لبيت المال؟ هذا هو موضوعنا الآتي:

ثانياً: الركاز

لقد اختلفت المذاهب في تعريف الركاز . ولهذه الاختلافات تأثيرات كبيرة على تركيب الأمة الإقتصادي وبالتالي السياسي والاجتماعي وذلك لأن أحكام المعادن المستخرجة من باطن الأرض أو المأخوذة من ظاهرها تتغير بتغير تعريف الركاز. ولأن المعادن هي أهم مصدر للأموال وبالذات في مجتمعاتنا المعاصرة التي تعتمد على التصنيع في معاشها الاستهلاكي وجب علينا التأني في مسألة تعريف الركاز


٤٣٠ 🗏
يعني المعادن
هناك قول بأن المقصود بالركاز هو كل ما وجد في باطن الأرض من خيرات، لذلك فهو قد التي أودعها الخالق الخلاق البارئ الرازق الرزاق المعطي الواهب الوهاب في باطن الأرض، أو قد يعني ما كنزه الناس من حلي أو نقود. قال البابرتي في العناية موضحاً:
«والمال المستخرج من الأرض له أقسام ثلاثة: الكنز، والمعدن والركاز. والكنز: اسم لما دفنه بنو آدم. والمعدن: اسم لما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقها . والركاز : اسم لهما جميعاً. والكنز مأخوذ من كنز المال كنزاً: أي جمعه والمعدن من عدن بالمكان : أقام فيه والركاز من ركز الرمح: أي غرزه .. وعلى هذا جاز إطلاقه عليهما جميعاً، لأن كل واحد منهما مركوز في الأرض: أي مثبت، وإن اختلف الراكز، وعلى كل واحد منهما بانفراد».
وهناك مذهب معاكس، أي أن المعدن ليس بركاز ، فقد جاء في المدونة الكبرى:
«وقال لي مالك : سمعت أهل العلم يقولون في الركاز إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال ولم يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أو تكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس هو بركاز ، وهذا الأمر عندنا » .
غ
ولكن الملاحظ على جمهور الفقهاء هو أنهم كانوا يستخدمون لفظ «الركاز » عادة عند الحديث عن أحكام ما كنزه الإنسان، بينما يستخدمون لفظ «معدن» في الحديث عن أحكام المعادن التي أودعها الخلاق العليم في باطن الأرض. كما أن الملاحظ هو أن الكنوز كانت منتشرة في الماضي لأن الناس كانوا يتعاملون بالأعيان مثل نقود الذهب والفضة والمجوهرات، فكانت تخزن ومن ثم قد تقع في أيدي آخرين بعد وفاة ملاكها إن لم يكن لهم ورثة أو نحوه، أما في أيامنا هذه فنادراً ما نسمع عن وقوع الإنسان على كنز إلا في المواقع الأثرية لاختلاف التعاملات المالية من عينية إلى ورقية، وفي هذه الأيام إلى الكترونية. لذلك سنقسم الركاز هنا، وكما فعل الفقهاء، إلى قسمين: ما أودعه الله سبحانه وتعالى في الأرض (المعادن) وما كنزه الإنسان. ونظراً لندرة الكنوز في أيامنا هذه سنمر عليها سريعاً ثم نذهب للمعادن.

هامش

غ٤) وجاء في فتح القدير: «... والكنز للمثبت فيها من الأموال بفعل على أنها لمسلم كوجود الشهادة أو آية من القرآن فهي لقطة «لأنه ملك الإنسان، والركاز يعمهما لأنه من الركز مراداً به المركوز أعم من لمسلم لم يعلم زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى کون را كزه الخالق أو المخلوق» (٢٤٣). بعضه علامة الكفر فكذلك نص عليه أحمد، ...». وفي صحيح
به) جاء في حاشية الأموال التوضيح الآتي: « والمراد بالعجماء الدابة البخاري: «وقال الحسن: ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه تنفلت لا يكون معها أحد وتكون بالنهار لا بالليل .... ومعنى جبار الخمس، وما كان من أرض السلم ففيه الزكاة، وإن وجدت اللقطة في هدر، يعني لا ضمان على صاحبها» (٢٤٤). أرض العدو فعرفها، وإن كانت من العدو ففيها الخمس». قال ابن جه) قال ابن حجر في شرح والمعدن جبار»: «أي هدر، وليس المراد حجر : «قال ابن المنذر : ولا أعلم أحداً فرق هذه التفرقة غير الحسن» أنه لا زكاة فيه، إنما المعنى أن من استأجر رجلاً للعمل في معدن مثلاً (٢٤٧). فهلك فهو هدر ولا شيء على من أستأجره ...». وجاء في الأموال في هـه وقد ذكر الحديث بلفظ مشابه في الأموال كالآتي: «... عن حاشية الشرح الآتي: «وقوله : (المعدن جبار، أي أن الرجل يحفر عمرو بن شعیب بب، لا أدري أسنده إسماعيل أم لا؟ أن المزني سأل رسول المعدن في ملكه أو في موات فيسقط فيها أحد المارة فيموت فلا ضمان الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة توجد في الطريق العامر، أو قال عليه، وكذلك قوله : ( البئر جبار) ، وقال النووي في الحديث تصريح الميتاء فقال: (عرفها سنة، فإن جاء صاحبها إلا فهي لك). قال: يا بوجوب الخمس في الركاز وهو دفين الجاهلية ... » (٢٤٥). رسول الله فما يوجد في الخرب العادي؟ قال: فيه وفي الركاز ده) هذا قول الحسن والشعبي ومالك والشافعي وأبو ثور. ويعرف الخمس». وجاء في فتح الباري: «قوله: وفي الركاز الخمس، قد تقدم ذلك من العلامات التي تظهر على ما وجد كأسماء الملوك وصورهم ذكر الاختلاف في الركاز، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه المال المدفون، وصلبهم وصور أصنامهم ونحوه. أما إن كان كانت العلامات تدل لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في


٦ دولة الناس
٤٣١
إن الأصل في الركاز عموماً هو الحديث المتفق عليه عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «العجماء جبار،ب
جه
والبئر جبار، والمعدن جبار وفي الركاز الخمس». ٢٤٦ هذا حديث مهم وسنأتي بإذنه تعالى على تأثيره المجتمعي في فصول أخرى؛ ولكن بالنسبة للركاز ، فقد اختلفت أحكام الفقهاء بناءً على نوع الكنز ومكان وجوده والشخص الواجد له، ولكن في جميع الأحوال وبرغم الاختلافات إلا أن هناك إجماع بينهم بأن الدولة لا حق لها في أربعة أخماس الكنز. فمثلاً ، إن كان الكنز مما دفنه غير المسلمين كأن يكون من دفن الجاهلية وجب على من وجده
يعلم
ده
إخراج الخمس والباقي له، أما إن كانت علاماته تدل على أنه لمسلم فهو لقطة. وإن وجده في موات أو أرض لا لها مالك مثل الأراضي التي بها الأبنية القديمة وقبور الجاهلية فهو لمن وجده وفيه الخمس بلا خلاف. ويوضح ابن قدامة قائلاً: «ولو وجده في هذه الأرض على وجهها أو في طريق غير مسلوك، أو قرية خراب، فهو كذلك في الحكم؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال: (ما كان في طريق مأتي أو في قرية عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فلك. وما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس». وكما ترى هنا فإن ما وجد ليس للدولة باتفاق الفقهاء إلا الخمس، ولكن الخلاف بين الفقهاء هو حول السؤال: لمن الكنز إن وجد في ملك الغير ؟ مثلاً كأن ينتقل إنسان إلى دار اشتراها، ثم كنزاً، فهل الكنز له أم للمالك الذي كان قبله؟ والإجابة: الكنز له في إحدى روايتين لأن الكنز مودع فيه وأن
وجد
هـه
زه
وہ
الواجد ظهر عليه فله ملكه والرواية الثانية هو للمالك من قبله، وإن لم يعترف فهو للذي قبله إلى أول مالك. أما إن وجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي، فهو إما لمالك العقار أو لمن وجده ولكن ليس للدولة. وماذا إن اکتری فرد داراً فوجد فيها ركازاً ؟ أهي للواجد أم لمالك العقار ؟ وما هي الأعيان التي تعتبر ركازاً؟ أهي الأثمان

هامش

طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة فإن مسألة من استأجر أجيراً ليحفر له في داره فأصاب في الدار كنزاً فهو كان المالك الذي وجده هو له، وإن كان غيره فإن ادعاه المالك فهو له للأجير. نقل ذلك عنه محمد بن يحيى الكحال. قال القاضي: هو وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك كالأرض الصحيح، وهذا يدل على أن الركاز لـواجـده. وهو قول الحسن بن ...». وقد ذكر الحديث بألفاظ أخرى في سنن أبي داود وفي السنن صالح وأبي ثور. واستحسنه أبو يوسف، وذلك لأن الكنز لا يملك الكبرى (٢٤٨). بملك الدار على ما ذكرنا في القسم الذي قبله، فيكون لمن وجده.
وه) جاء في المغني: «وهذا مذهب الشافعي. لأنه كانت يده على ولكن إن ادعاه المالك فالقول قوله، لأن يده عليه بكونها على محله، الدار، فكانت على ما فيها. وإن انتقلت الدار بالميراث حكم بأنه وإن لم يدعه فهو لواجده. وقال الشافعي هو لمالك الدار إن اعترف
ميراث، فإن اتفق الورثة على أنه لم يكن لموروثهم، فهو لأول مالك به، وإن لم يعترف به فهو لأول مالك، لأنه في يده. ...» (٢٥٠). فإن لم يعرف أول مالك فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك. حه) تأمل الآتي من الأم قال الشافعي رحمه الله تعالى : ... والركاز والأول أصح إنشاء الله تعالى لأن الركاز لا يملك بملك الدار، لأنه الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد في الأرض ليس من أجزائها وإنما هو مودع فيها ، فينزل منزلة المباحات من التي من أحياها كانت له من بلاد الإسلام ومن أرض الموات، وكذلك الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره، فيأخذه فيكون أحق هذا في الأرض من بلاد الحرب ومن بلاد الصلح إلا أن يكونوا صالحوا به، ولكن إن ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه أنه له، فالقول قوله، على ملك مواتها، فمن وجد دفنا من دفن الجاهلية في موات فأربعة لأن يده كانت عليه لكونها على محله، وإن لم يدعه فهو لواجده ....» أخماسه له والخمس لأهل سهمان الصدقة. قال الشافعي: وإن وجد ركازاً في أرض ميتة يوم وجده وقد كانت حية لقوم من أهل الإسلام
.(٢٤٩)
زه) جاء في المغني: «القسم الثالث أن يجده في ملك آدمي مسلم أو العهد كان لأهل الأرض لأنها كانت غير موات كما لو وجده في معصوم أو ذمي، فعن أحمد ما يدل على أنه لصاحب الدار، فإنه قال في دار خربة لرجل كان للرجل. قال الشافعي: وإذا وجده في أرض من استأجر حفاراً ليحفر في داره فأصاب في الدار كنزاً عادياً (أي الحرب في أرض عامرة لرجل أو خراب قد كانت عامرة لرجل فهو قديماً من عهد عاد ونحوه: فهو لصاحب الدار. وهذا قول أبي حنيفة غنيمة وليس بأحق به من الجيش وهو كما أخذ من منازلهم. قال ومحمد بن الحسن. ونقل عن أحمد ما يدل على أنه لواجده، لأنه قال في الشافعي وإذا أقطع الرجل قطيعة في بلاد الإسلام فوجد رجل فيها


٤٣٢ 🗏
كالذهب والفضة أم كل ما وجد مثل النحاس والآنية وغير ذلك؟ ** فإذا ما قرأنا ما كتب عن جميع هذه الأسئلة سنلحظ أن جميع المذاهب برغم اختلافاتها تشترك في أنه لا حق للدولة في الركاز إلا في الخمس على اختلاف بين المذاهب وهو موضوعنا الآتي:
لقد اتفق الفقهاء بأن ما يجب إخراجه من الركاز هو الخمس، ولكن الاختلاف كان بينهم في مصرفه: من حق من الخمس؟ وهل هناك نصاب؟ فمن الفقهاء من قال بأن مصرفه مصرف الزكاة، ومنهم من قال بأن مصرفه مصرف الفيء. فذهب كل من الشافعي، وفي رواية عن أحمد، أن مصرفه مصرف الزكاة كما قال ابن قدامة «لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين. حكاه الإمام أحمد، وقال: حدثنا سعيد، حدثنا سفيان عن عبد الله بن بشر الجثعي عن رجل من قومه يقال له ابن حممة قال: سقطت على جرة من قديم بالكوفة، عند جبانة بشر، فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي رضي الله عنه. فقال: اقسمها خمسة أخماس. فقسمتها فأخذ علي منها خمساً وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ ولأنه مستفاد من الأرض، أشبه المعدن والزرع .

هامش

دير
قلت: نعم.
قال: فخذها فاقسمها
بينهم.
ركازاً فهو لصاحب القطيعة وإن لم يعمرها لأنها مملوكة له. قال وإن كنت وجدتها في قرية ليس تؤدي خراجها قرية أخرى فلك الشافعي: وإذا وجد الرجل في أرض الرجل أو داره ركازاً فادعي أربعة أخماسه ولنا الخمس، ثم الخمس لك. قال الشافعي: قد رووا عن صاحب الدار أنه له فهو له بلا يمين عليه، وإن قال صاحب الدار علي رضي الله عنه بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم ليس لي وكان ورث الدار قيل إن ادعيته للذي ورثت الدار منه فهو الخمس في فقراء أهلك. هذا الحديث أشبه بعلي رضي الله عنه، والله بينك وبين ورثته وإن وقفت عن دعواك فيه أو قلت ليس لمن ورثت أعلم. قال الشيخ: هو كما قال، فقد روى سعيد بن منصور المكي في عنه الدار كان لمن بقى من ورثة مالك الدار أن يدعوا ميراثهم كتابه عن بن عيينة عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن رجل من قومه ويأخذوا منه بقدر مواريثهم ....». وجاء في المغني: «وإن اكترى يقال له حممة قال: سقطت علي جرة من دير قديم بالكوفة فيها أربعة داراً فوجد فيها ركازاً فهو لواجده في أحد الوجهين، والآخر هو فذهبت بها إلى علي رضي الله عنه فقال: اقسمها خمسة للمالك، بناء على الروايتين في من وجد ركازاً في ملك انتقل إليه، وإن أخماس، فقسمتها فأخذ منها علي رضي الله عنه خمساً وأعطاني أربعة اختلفا فقال كل واحد منهما هذا كان لي، فعلى وجهين أيضاً: أحدهما: أخماس. فلما أدبرت دعاني فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: القول قول المالك، لأن الدفن تابع للأرض، والثاني: القول قول نعم. قال: خذها فاقسمها بينهم» (٢٥٣). المكتري، لأن هذا مودع في الأرض، وليس منها، فكان القول قول من كه) ويقول ابن قدامة موضحاً: «ولو كان زكاة خص بها أهلها، ولم يده عليها كالقماش ...» (٢٥١). يرده على واجده، ولأنه يجب على الذمي، والزكاة لا تجب عليه، ولأنه
آلاف درهم،
.(٢٥٥)
طه) جاء في المغني أيضاً: «... في صفة الركاز الذي فيه الخمس، وهو مال مخموس زالت عنه يد الكافر، أشبة خمس الغنيمة» (٢٥٤). كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه، من الذهب والفضة والحديد له قال ابن قدامة: «ويتخرج أن لا يجوز ذلك، لأن الصحيح أنه فيء والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك. وهو قول اسحاق، فلم يملك تفرقته بنفسه، كخمس الغنيمة. وبهذا قال أبو ثور. قال: وأبي عبيد، وابن المنذر ، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن وإن فعل ضمنه الإمام . ...». وبالنسبة للنصاب فقد قال الجمهور بأنه مالك، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان لا نصاب على الركاز، بل الخمس في قليله وكثيره، إلا الشافعي في ولنا عموم قوله عليه السلام وفي الركاز الخمس. ولأنه مال مظهور الجديد فقد قال: «لا يجب فيه الخمس حتى يبلغ نصاب الزكاة» عليه من مال الكفار، فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه، كالغنيمة. إذا ثبت هذا فإن الخمس يجب في قليله وكثيره، وفي قول مه) إن كان استنتاجه مبني على أن الخليفة عمر رضي الله عنه أ عنه أخذ إمامنا ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في القديم. وقال في المال وقسمه، وفي هذا الفعل دليل على أن مصرف الخمس لابد وأن الجديد: يعتبر النصاب فيه، لأنه حق مال يجب فيما استخرج من يكون كالفيء لأن الخليفة هو الذي قسم المال، يكون السؤال الأرض، فاعتبر فيه النصاب كالمعدن والزرع . ولنا . عندها: لماذا لا يكون الاستنتاج أن الخليفة عمر رضي الله عنه وضع يه) جاء في سنن البيهقي الكبرى: عن الشعبي قال: جاء رجل إلى المال في الناس ولم يضعه في مصارف الدولة؟ وكما سيأتي في الحديث علي رضي الله عنه فقال : إني وجدت ألفا وخمس مائة درهم في خربة في عن المعادن بإذن الله، فإن الأرجح من مذاهب فقهاء السلف السواد. فقال علي رضي ا : أما لأقضين فيها قضاء بينا، إن كنت مصرف الخمس يكون في أهل الزكاة، والله أعلم (٢٥٦). وجدتها في قرية تؤدي خراجها قرية أخرى فهي لأهل تلك القرية،
الله عنه :
.(٢٥٢) «...
هو
أن


٦ دولة الناس
٤٣٣
ومن الذين قالوا بأن مصرف خمس الركاز هو الفيء أبو حنيفة والمزني وفي رواية عن أحمد. فقد روى أبو
عبيد عن هشيم عن مجالد عن الشعبي أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من
كه
المسلمين إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير ؟ فقام إليه، فقال عمر : خذ هذه الدنانير فهي لك». ولكن في كلتا الحالتين كما لاحظت أخي القارئ (سواءً كان المصرف في أهل الزكاة أو أهل الفيء) فإن الأموال ذهبت للناس وليس لبيت المال، وبهذا فهي لن تنفق على الجند أو على المنشآت أو على مؤسسات الدولة. أي أن الإختلافات في الكنز بين الفقهاء كانت تدور داخل دائرة واحدة تؤدي لتمكين الناس. وهناك رأي أيضاً أن بإمكان الإنسان أن يتولى تفرقة الخمس بنفسه، وهذا قول أحمد وأصحاب الرأي وابن المنذر ، « لأنه أدى الحق إلى مستحقيه، فبرئ منه، كما لو فرق الزكاة أو أدى الدين إلى ربه». وهناك رأي أن ذلك لا يجوز، بل يقوم ولي الأمر بتفرقة الخمس لأنه اعتبر من الفيء، حتى هنا فالحق في المال هو للناس وليس لمصروفات الدولة كما فعل الخليفة عمر الخمس بين من حضر من المسلمين. فهو قسمها بين الناس ولم يجعلها في مصالح الدولة
الله
قسم
له
عنه عندما رضي كما هو واضح من النص. لكن العجيب أن هناك من الفقهاء المحدثين من رجع لما ذكره أبو عبيد عن الشعبي، وذهب إلى أن خمس الركاز للدولة ولذلك فلها خلطه بالميزانية العامة. فالقرضاوي مثلاً يقول:
«وقال أبو حنيفة وأحمد ومالك في رواية أخرى عنه والجمهور مصرفه كالفيء. أي يخلط بالميزانية العامة للدولة، لما روى أبو عبيد بسنده عن الشعبي: أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب فأخذ منها الخمس - مائتي دينار - ودفع إلى الرجل بقيمتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضر من المسلمين، إلى أن فضل منها فضلة فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك ...».
مه
إن هذا لاستنتاج عج

المعادن

إن أهمية الآتي هو أن الفقهاء اختلفوا في ما يجب على مستخرج المعدن، فقد قال بعضهم أن عليه إخراج ربع العشر، وقال آخرون أنه الخمس. وبالنسبة لمصرفه فقد ذهب بعضهم إلى أنه زكاة، وذهب آخرون إلى أنه يُعطى للوالي ليتصرف فيه في مصالح المسلمين (كما مر بنا). أي أن ما يؤخذ من المعادن، قد يكون المصدر الوحيد والثابت لبيت المال بالإضافة لخمس الرسول صلى الله عليه وسلم من الفيء. لذلك سنوضح المعادن ببعض التفصيل لاسيما أنها تزداد في كميات استهلاكها بتقادم الزمن بالرقي المعرفي والتقني. فكما هو معلوم ،اليوم، ومع التصنيع، فإن المواد الخام تمثل معظم ثروات المجتمعات التي إن وقعت في أيدي حكام الدول لأصبح معظم أفراد المجتمع عمالاً لدى الدول ولتغيرت بنية المجتمع الإقتصادية والسياسية (كما هو حادث). فهذه مسألة جد مهمة. أما مع تطبيق الشريعة وكما مر بنا في فصل «الخيرات» فإن المعادن تقع في أيدي الناس ليبيعها من استخرجها أو يعالجها ليستغلها فيما يصنع، فتكثر المنتجات بكثرة العاملين، ويكثر الاستخراج لخيرات الأرض لتتمكن الأمة لأن الكل يعمل إذ لا بطالة مطلقاً. كما أرجو ملاحظة أن كلمة «خمس» تعني كلا من خمس الغنيمة، وتعني أيضاً الخمس الذي يوخذ


٤٣٤ 🗏
من معادن الأرض بالنسبة لبعض الفقهاء. ولأنهما مختلفتان في مصدرهما، ولكنهما بنفس التسمية، فيجب ملاحظة هذا التمييز عند قراءة النصوص لأن مذاهب الفقهاء في مستحقي الخمس اختلفت باختلاف المصدر برغم استخدام نفس التسمية، إلا أننا من سياق النص نستطيع التمييز بين خمس الغنيمة وخمس المعادن. وقد تحدثنا عن خمس الغنيمة، وهنا سأبين ما يؤخذ من المستخرج من المعادن.
نه
إن اشتقاق المعدن أتى من «عدن بالمكان، يعدن إذا أقام به، ومنه سميت الجنة: جنة عدن، لأنها دار إقامة وخلود».٢٥٧ وأساس الخلاف بين الفقهاء كما وضحها العبادي هو: «هل يعتبر المعدن ركازاً أم لا يعتبر؟ ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن في الركاز الخمس، فمن اعتبره ركازاً قال بوجوب الخمس، ومن لم يعتبره ركازاً اعتبره مما يخرج من الأرض، وأوجب فيه الزكاة، ومقدارها ربع العشر والذين اعتبروا فيه الخمس قاسوه على الغنائم أيضاً، لأنه كان في أيدي ،المشركين فأزالهم المسلمون عنه، فيجب فيه الخمس، كما في الغنائم ...». قال الزين بن المنير: «كأن الركاز مأخوذاً من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها، وأما المعدن فإنه ينبت في الأرض بغير وضع واضع هذه حقيقتهما، فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمها». وجاء في المدونة الكبرى: «قال أبو الزناد: والركزة أن يصيب الرجل الندرة من الذهب أو الفضة يقع عليها ليس فيها كبير مؤنة».٢٥٩ وجاء في فتح الباري: والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أن المعدن يحتاج إلى عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز، وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤونته خفف عنه في قدر الزكاة، وما خفت زيد فيه. وقيل إنما جعل في الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم، فكان له أربعة أخماسه، ...». وقال ابن تيمية رحمه الله: «والركاز الذي لا ريب فيه هو دفن الجاهلية، وهي الكنوز المدفونة فى الأرض كالمعادن، فأهل الحجاز لا يجعلونها من الركاز ، وهو مذهب أحمد وغيره وأهل العراق يجعلونها من الركاز . ...» ..
٢٦٠
وكما هو واضح من النصوص السابقة فإن المعدن المستخرج لا يعتبر ركازاً عند الجمهور، وبذلك لن يؤخذ
منه الخمس. إلا أن الأحناف لهم مذهب آخر. فقد قال السرخسي موضحاً لمذهب أبي حنيفة: «احتجوا بحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: وفي الركاز الخمس). واسم الركاز يتناول الكنز والمعدن جميعاً لأنه عبارة عن الإثبات، يقال ركز رمحه في الأرض إذا أثبته، والمال في المعدن مثبت كما هو في الكنز. ولما قيل : يا رسول الله، وما الركاز ؟ قال: (الذهب والفضة الذين خلقهما الله في الأرض يوم خلقها . ولما سئل رسول الله عما يوجد في الخرب العادي قال : فيه وفي الركاز الخمس ) ، فعطف الركاز على المدفون، فعلم أن المراد بالركاز المعدن، والمعنى فيه أن هذا مال نفيس مستخرج من الأرض، فيجب فيه الخمس كالكنز ، وهذا لأن المعنى الذي لأجله وجب الخمس في الكنز موجود في المعدن، فإن الذهب والفضة تحدث في المعدن من عروق كانت موجودة حين كانت هذه الأرض في يد أهل الحرب ثم وقعت في يد المسلمين بإيجاف الخيل، فتعلق حق مصارف الخمس بتلك العروق فيثبت فيما يحدث منها، فكان هذا والكنز سواء من هذا الوجه».

هامش

٢٦١
نه) لقد أجمع العلماء في الجملة على وجوب حق يؤخذ مما يستخرج سه وتكملة ما جاء في النص: «... وللحنفية أن يقولوا: إن المعدن من المعدن وذلك بالرجوع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢٥٨).داخل تحت قوله : ( وفي الركاز الخمس) لأنه ذكر المعدن، فلو قال: وفيه الخمس؛ لكان يخرج منه المال المدفون لأنه ليس بمعدن، فعدل إلى اللفظ الأعم له وللمال المدفون . ولم يوجد من أهل اللغة من يحسم النزاع بين الفريقين، فقد كان في فقهاء العراق: راسخون في اللغة


٤٣٥
٦ دولة الناس
غير أن الجمهور لم يأخذوا بمذهب أبي حنيفة، فهم لم يعتبروا المعدن ركازاً، فقد قال ابن بطال مقارناً: «ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز واحتج لهم بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازاً، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن. والحجة للجمهور تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو فصح أنه غيره ...». وبالنسبة لواو العطف التي ذكرها ابن بطال (وهذا أمر مهم)، فالواضح هو أن المقصود بها هو واو العطف في الحديث السابق الذكر : .... والمعدن جبار وفي الركاز الخمس). فقد وضح القرضاوي قائلاً: «على حين قال مالك والشافعي وفقهاء الحجاز بعامة : المعدن ليس بركاز، بل هو الكنوز المدفونة
العطف
في الأرض من عهد الجاهلية، بدليل ما رواه الجماعة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار وفي الركاز الخمس). فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين المعدن والركاز بواو العطف فصح غيره ...». وقد لخص الشوكاني موضحا: «قال مالك والشافعي الركاز دفن الجاهلية، وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما أن المعدن ركاز واحتج لهم بقول العرب أركز الرجل إذا أصاب ركازاً وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن، وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا: لا يقال للمعدن ركاز، واحتجوا بما وقع في حديث الباب من التفرقة بينهما بالعطف فدل ذلك على المغايرة، وخص الشافعي الركاز بالذهب والفضة. وقال الجمهور لا يختص واختاره ابن المنذر ...» .. وقال أحمد: «المعادن: هي التي تستنبط، ليس شيء دفن». ٢٦٤ وجاء في الأموال أن الركاز لأهل العراق هو المعدن والمال المدفون معاً. أما بالنسبة لأهل الحجاز فهو «المال المدفون خاصة » ، « فأما المعدن فليس بركاز »

هامش

ع
هو
عه
٢٦٣
کمحمد بن الحسن، ومن فقهاء الحجاز راسخون فيها كالشافعي، الذهب والفضة كما قال ابن قدامة: «قال مالك والشافعي: لا تتعلق والذي يبدو للناظر أن كلمة «الركاز » تحتمل المعنيين ...». وكما الزكاة إلا بالذهب والفضة ...»، بينما نجد في المدونة الآتي: «زكاة تلحظ هنا فإن القرضاوي لا يرجح ولكنه يضع الاحتمال للمعنين المعادن: قال: وقال مالك في زكاة المعادن: إذا أخرج منها وزن عشرين وذلك لأنه يميل إلى أنه إن كان المعدن من الركاز فإن فيه الخمس دينارا أو وزن مائتي درهم أخذت منه الزكاة مكانه ولم يؤخر. وما وهذا أكثر من ربع العشر أي أكثر من الزكاة، وبهذا يكثر المال خرج منها بعد ذلك أخذ منه بحساب ذلك مما خرج ربع عشره إلا أن الذي يذهب للدولة لأن القرضاوي يرجح امتلاك الدولة الجميع ينقطع نيل ذلك الغار. ثم يعمل في طلبه أو يبتدئ في شيء آخر ثم المعادن كالنفط مثلاً وسيأتي دحض ما ذهب إليه في فصل «المكوس يدرك. فلا شيء عليه حتى يكون فيما يصيب وزن عشرين دينارا أو بإذنه تعالى (٢٦٢).
وزن مائتي درهم. قال: وإنما مثل ذلك مثل الزرع إذا رفع من الأرض
عه) وجاء أيضاً الآتي بعد ذكر أحاديث تفيد أن المعادن ليست خمسة أوسق أخذ منه. فما زاد فبحساب ذلك». وتأمل ما جاء في ركازاً: «قال أبو عبيد: فقد تبين لنا الآن أن الركاز سوى المال المدفون المحلى لابن حزم: «وأما المعادن فإن الأمة مجمعة بلا خلاف من أحد لقوله: (وفيه وفي الركاز ) فجعل الركاز غير المال. فعلم بهذا أنه منها على أن الصفر والحديد والرصاص والقزديـر لا زكاة في أعيانها المعدن ...». ولكن المعنى هنا توجه للأموال المدفونة وليس المعادن وإن كثرت. ثم اختلفوا إذا مزج شيء منها في الدنانير والدراهم كما وضح المحقق (٢٦٥). والحلى، فقال طائفة: تزكى تلك الدنانير والدراهم بوزنها. قال أبو
فه بالنسبة للشافعية فإن الزكاة في الذهب والفضة هي ربع العشر محمد: وهذا خطأ فاحش لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط وليس الخمس كما سيأتي بإذن الله : فقد جاء في الإقناع للماوردي: «ولا الزكاة نصا فيما دون خمس أواقي من الورق وفيما دون مقدارها من زكاة في شيء منها إلا في معادن الذهب والفضة إذا بلغ المأخوذ منها الذهب ولم يوجب بلا خلاف زكاة في شيء من أعيان المعادن بعد السبك والتصفية مائتي درهم ورقاً أو عشرين مثقالا ذهبا المذكورة، فمن أوجب الزكاة في الدنانير والدراهم الممزوجة ويخرج منها ربع العشر إن كثرت مؤنتها، والخمس إن قلت ولا بالنحاس أو الحديد أو الرصاص أو القزديـر فقد خالف رسول الله يراعى فيها الحول لأنها فائدة تزكى لوقتها، ويضم ما أصابه في الأيام صلى الله عليه وسلم مرتين : إحداهما في إيجابه الزكاة في أقل من خمس المتتابعة، فإن قطع العمل ثم عاود استأنف ..... وبالنسبة للمالكية أواقي من الرقة، والثانية في إيجابه الزكاة في أعيان المعادن المذكورة. فإن مذهبهم في ماهية المعادن التي تؤخذ منها الزكاة غير واضح وأيضا فإنهم تناقضوا إذ أوجبوا الزكاة في الصفر والرصاص والقزدير بالتحديد. فالمشهور هو أن مالكا لم يذهب لأخذ الزكاة إلا من والحديد إذا مزج شيء منها بفضة أو ذهب وأسقطوا الزكاة عنها إذا


٤٣٦ 🗏
وبسبب هذه الاختلافات عن اعتبار المعدن ركاز أم لا، اختلفت أحكام الفقهاء في تحديد المعادن التي تجب
صه
فه
فيها الزكاة أو الخمس، فذهب مالك والشافعي وابن حزم إلى أنه يجب الإخراج عن الذهب والفضة فقط. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجب في كل ما ينطبع بالنار مما يستخرج من الأرض، كالحديد والرصاص، ولا يجب فيما لا ينطبع كالكحل. وذهب أحمد إلى أنه يجب في كل خارج من الأرض، منطبعاً كان أم غير منطبع. فيقول ابن قدامة في المعادن موضحاً المذهب الحنبلي: «وهو كل ما خرج من الأرض، مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة،
ره
قه
كالذي ذكره الخرقي ونحوه من الحديد والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والسبج والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة، " وكذلك المعادن الجارية كالقار والنفط والكبريت ونحو ذلك. وقال مالك والشافعي: لا تتعلق الزكاة إلا شه بالذهب والفضة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في حجر ، ولأنه مال مقوم مستفاد من الأرض، أشبه الطين الأحمر، وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه : تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع، كالرصاص والحديد والنحاس دون غيره ...».
ته
واختلف الفقهاء أيضاً في مقدار الواجب إخراجه من المعادن عندما تملك. ففي صحيح البخاري: «وقال مالك وابن إدريس الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس ، وليس المعدن بركاز ». أي ما يجب إخراجه من المعادن هو الزكاة. وهذا الاستنتاج يأتي أيضاً من شرح ابن حجر إذ يقول: «أما قول مالك فرواه أبو عبيد في كتاب الأموال، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك قال: المعدن بمنزلة الزرع، تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حتى يحصد . قال : وهذا ليس بركاز، إنما الركاز دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل». ولتأكيد هذا لأهميته تأمل ما جاء في المدونة الكبرى:

هامش

من
كانت صرفا، وهذا تحكم لا يحل. وأيضا فنسألهم عن شيء من هذه يزيد بن عبد الله بحمص ثنا كثير بن عبيد ثنا بقية عن عمر الكلاعي المعادن مزج بفضة أو ذهب فكان الممزوج منها أكثر من الذهب فذكره، ورواه أيضا عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن عمرو بن الفضة، ثم لا نزال نزيدهم إلى أن نسألهم عن مائتي درهم في شعيب مرفوعا، ورواه محمد بن عبيد الله العــزمـي عن عمرو بن كل درهم فلس فضة فقط وسائرها نحاس ، فإن جعلوا فيها الزكاة شعيب عن أبيه عن جده موقوفا . ورواة هذا الحديث عن عمرو كلهم أفحشوا جدا، وإن أسقطوها سألناهم عن الحد الذي يوجبون فيه ضعيف والله أعلم». وجاء في الدراية في تخريج أحاديث الهداية: الزكاة والذي يسقطونها فيه، فإن حدوا في ذلك حدا زادوا في التحكم «حديث لا خمس في الحجر ) أخرجه ابن عدي من روايـة عمـر بالباطل، وإن لم يحدوا حدا كانوا قد خلطوا ما يحرمون بما يحلون الكلاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: (لا زكاة في ولم يبينوا لأنفسهم ولا لمن اتبعهم الحرام فيجتنبوه من الحلال فيأتوه حجر)، وعمر ضعيف وتابعه العزرمي عن عمرو وهو أضعف منه. قال أبو محمد: والحق من هذا هو أن الأسماء في اللغة والديانة واقعة وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة : ليس في حجر اللؤلؤ ولا حجر على المسميات بصفات محمولة فيها، فللفضة صفاتها التي إذا وجدت الزمرد زكاة إلا أن يكون للتجارة، فإن كانت للتجارة ففيه الزكاة في شيء سمي ذلك الشيء فضة ...» (٢٦٦). موقوف» (۲۷۰). صه) المقصود بكل ما ينطبع بالنار كما وضحها القرضاوي: « مما ته وتكملة ما جاء في النص ... ولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يقبل الطرق والسحب» (٢٦٧). أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ، ولأنه معدن فتعلقت الزكاة بالخارج منه
قه) الزاج الأبيض: كبريتات الخارصين، والزاج الأزرق كبريتات كالأثمان، ولأنه مال لو غنمه وجب عليه خمسه، فإذا أخرجه من النحاس، والزاج الأخضر: كبريتات الحديد (٢٦٨). معدن وجبت فيه الزكاة كالذهب . وأما الطين فليس بمعدن، لأنه ره) المغرة: الطين الأحمر يصبغ به (٢٦٩). تراب. والمعدن: ما كان في الأرض من غير جنسها». وهذا أيضاً شه) الظاهر هو أن الحديث ضعيف. ففي سنن البيهقي الكبرى مذهب زيد بن علي والباقر والصادق، وعليه كافة فقهاء الشيعة كما روى عمر بن أبي . عمر الكلاعي الدمشقي عن عمرو بن شعيب عن ذكر القرضاوي، ما عدا المؤيد بالله فقد استثنى الملح والنفط والقار أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في (۲۷۱).
حجر). أخبرناه أبو سعد الماليني أنبأ أبو أحمد بن عدي الحافظ ثنا


٦ دولة الناس
قلت: أرأيت ما خرج من المعدن لم جعل مالك فيه الزكاة، وهو إن كان مغنماً إنما كان ينبغي أن يكون فيه الخمس، وإن كان إنما فيه الزكاة فإنما هو ،فائدة فإنه ينبغي أن لا يؤخذ منه شيء حتى يحول الحول عليه من يوم أفاده؟ فقال: قال مالك: إنما هو مثل الزرع إذا حصد كانت فيه الزكاة مكانه إذا كان فيه ما تجب فيه الزكاة. ولا ينتظر به شيئا إذا حصد . قال : وكذلك المعدن إذا خرج منه ما يبلغ أن تكون فيه الزكاة زكي مكانه ولم ينتظر به حتى يحول عليه الحول من يوم أفاده. وقال أشهب: إنها لما كانت ذهباً وفضة وكانت تعتمل كما يعتمل الزرع وكان أصله النبات كنبات الزرع جعلته بمنزلة الزرع. وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، فكما كان يكون في الزرع زكاته إذا حصد وإن لم يحل عليه الحول إذا بلغ ما فيه الزكاة كان في المعدن الزكاة مكانه حين أخرجه وصفاه. وإن كان لم يحل عليه الحول من يوم إخراجه أو من يوم عمل فيه إذا بلغ ما تجب فيه الزكاة مع ما فيه من الآثار».
٤٣٧
وقد علق محقق كتاب الأموال مستنتجاً: «يعني أن فقهاء الحجاز مجمعون على تلك التفرقة بين المعدن والركاز وأن المعدن سبيله سبيل الزكاة».٢٧٢ وجاء في صحيح البخاري أيضاً: «وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة». أي ربع العشر أي الزكاة. وفي الأموال يقول أبو عبيد : حدثنا قبيصة عن سفيان عن الله بن أبي بكر أن عمر بن عبد العزيز أخذ من المعادن الزكاة». ٧٤
عبد
ثه
أما بالنسبة للمذاهب، فقد ذهب الحنفية والشافعية في قول، إلى وجوب الخمس وذهب الحنبلية والمالكية في المشهور والشافعية في أصح الأقوال إلى وجوب ربع العشر وذهب المالكية في رواية والشافعية في قول إلى التفصيل بين إن أصابها مجتمعة من غير تعب ومعالجة ففيها الخمس، وبين إن أصابها متفرقة بتعب ومؤنة فيجب فيها ربع العشر. ففي المدونة:
«قلت: أرأيت معادن الذهب والفضة أيؤخذ منها الزكاة؟ فقال: قال مالك: نعم. قال: وقال مالك في المعادن ما نيل منها بعمل ففيه الزكاة. فقيل له : فالندرة توجد في المعادن من غير كبير عمل؟ قال: أرى فيها الخمس. فقيل له : إنه قد تكلف فيها عمل؟ قال : ودفن الجاهلية يتكلف فيه عمل، فإذا كان العمل خفيفاً ثم وجد هذا الذي وصفت لك من الندرة وهي القطعة التي تندر من الذهب والفضة، فإني أرى فيها الخمس ولا أرى فيها الزكاة قال : وقال مالك: وما نيل من المعدن بعمل يتكلف فيه، وكانت فيه المؤنة حتى أصاب مثل الذي وصفت لك من الندرة فإنما فيه الزكاة. قال: وقال مالك: ما نيل من المعدن مما لا يتكلف فيه عمل أو تكلف فيه عمل يسير فأصيب فيه مثل هذه الندرة ففيه الخمس، وما تكلف فيه العمل والمؤنة والطلب ففيه الزكاة. قال أشهب وقال في المعدن: يوجد فيه الذهب النابت لا عمل فيه. فقال لي كلما كان من المعادن ففيها الزكاة إلا ما لم يتكلف فيها من المؤنة ففيها الخمس. ...».
۲۷۵
ولكن السؤال هو: هل يمكن الحصول على الذهب أو الفضة أو أي معدن دون عمل ومشقة، أي وكأنه كنز؟ بالطبع لا، فهذا أمر جد نادر. لذلك، فكما ترى فإن الرأي الأرجح بين المذاهب هو وجوب ربع العشر. أي كالزكاة. وهذا استنتاج مهم لأن فيه تمكين للناس. فتصور أخي القارئ بأن ما يؤخذ من المعادن هو ربع العشر

هامش

ثه) وقد شرحه ابن حجر قائلاً: «وروى البيهقي من طريق سعيد وجاء في المدونة الكبرى: «قال أشهب عن سفيان: قال: سمعت عبد بن أبي عروبة عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الله بن أبي بكر يذكر أن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ من المعادن الركاز يؤخذ منه الخمس، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة من كل مائتي درهم خمسة دراهم» (۲۷۳).


٤٣٨
(وهذه مسألة . 🗏
جد مهمة)، أي اثنان ونصف في المئة مما تستخرجه من معدن إن كنت ممن يعمل في هذا المجال، ألا تظن أن في هذا حافزاً للكل أن يجتهد لاستخراج ما في باطن الأرض؟ بالطبع، فالكثير سيثابر، وبهذا يتم تسخير ما في باطن أراضي المسلمين لمنتجاتهم، بل سيحاول الناس إيجاد مصنوعات تعتمد على المواد الخام التي يستخرجونها (وسنوضحه بإذن الله ) حتى يزداد استهلاكها وبالتالي يزداد الطلب عليها ليرتفع سعرها فينجذب آخرون للعمل فيها فينخفض سعرها مع زيادة العرض ولكن بجودة أعلى وهكذا من دورات اقتصادية. وبهذا تصبح مصنوعات المسلمين معتمدة على موادهم الخام التي بأراضيهم. وقد تقول: ولكن بهذا قد تنفذ المواد الخام من ديار المسلمين، فأقول: أرجو الإمهال لفصل ابن السبيل»، لأن خيرات الأرض من معادن لن تنفذ على البشر، فهي من رزق الله الكريم الجواد المعطي. وإذا ما وضعت هذا الاستنتاج مع ما ذكرناه في فصل «الخيرات» عن مبادئ التمكين لاستغلال الخيرات لتعجبت من حكمة الإسلام في دفعها للناس للعمل والإنتاج. لذلك نقول أن دولة الإسلام هي
دولة الناس.
ولعلك لاحظت أيضاً أن جميع أقوال الفقهاء ودون استثناء وبرغم اختلافاتها توضح ما يجب أن يخرجه الفرد الحائز على المعدن وليس ما يجب أن تخرجه الدولة لأن ما في أذهان الفقهاء شرعاً هو أن المعادن المستخرجة من حق من حازوها وليست من حق الدولة. وهنا توضيح للمذهب المالكي، وهو أننا رأينا في فصل «الخيرات» أن المعادن المودعة في غير أرض بيت مال المسلمين بالنسبة لأغلب المالكية لا تتبع الأرض التي هي فيها في الأحكام، بل هي لجميع المسلمين يفعل فيها الإمام ما يراه محققاً للمصلحة، وهذا مخالف لمذهب الجمهور. ففي المدونة الكبرى سأل سحنون: «أرأيت المعادن تظهر في أرض صالح عليها أهلها ؟ قال : أما ما ظهر فيها من المعادن فتلك لأهلها، لهم أن يمنعوا الناس أن يعملوا فيها، وإن أرادوا أن يأذنوا للناس كان ذلك لهم، وذلك أنهم صالحوا على أرضهم، فهي لهم دون السلطان. قال: وما افتتحت عنوة فظهر فيها معادن فذلك إلى السلطان يصنع فيها ما شاء ويقطع بها لمن يعمل فيها لأن الأرض ليست للذين أخذوها عنوة». وكما هو معلوم فإن الأراضي المفتوحة عنوة كثيرة وكان المفترض بها أن تقسم بين الغانمين. ولكن لنقل أن الأصح هو ألا تُقسم، فهم (أي أغلب المالكية) ذهبوا إلى إخراج ربع العشر في ما يجب إخراجه من المعادن، وهذا لا يكون إلا إن كان المعدن ملكاً لمن أخرجوه من الناس، فكيف يجتمعان في الحكم إن كانت المعادن المحازة من أراض مفتوحة عنوة؟ والتفسير قد يكون ، والله أعلم، هو أن الذي اتبع في الواقع في بعض المعادن هو مذهب الجمهور وذلك لأن الدول (كالأمويين والعباسيين) في السابق لم تتمكن من السيطرة التامة على جميع الأراضي التي تحوي المعادن غير النفيسة، فكان الناس يستخرجون منها المعادن ليظهر السؤال عن حق المسلمين فيه: هل هو الزكاة أم الخمس ؟ لذلك كان للمالكية مذهب في أن المعادن عليها ربع العشر. ففي المدونة الكبرى: «قلت: أرأيت المعادن تظهر في أرض العرب؟ فقال: ما زالت المعادن تظهر في أرض العرب ويعمل فيها الناس. وتكون زكاتها للسلطان. وقد ظهرت معادن كثيرة بعد الإسلام، فما رأيت ذلك عند مالك يختلف وما كان منها في الجاهلية . قال : ولو اختلف ذلك عند مالك في أرض العرب أو عند أحد . منهم لعلمنا ذلك من قوله إن شاء الله. وما شأن ما ظهر في الجاهلية وما ظهر في الإسلام إلا شأن واحدة». ٢٧٦
وكما ترى فإن الفرق شاسع بين ربع العشر (٢٥) وهو مذهب الجمهور والخمس (٢٠% وهو مذهب أبي حنيفة)، لذلك، وحتى نعطي الموضوع حقه نظراً لأهميته، لابد من سرد قول مفصل من المذهب الحنفي، ثم سرد


٤٣٩
٦ دولة الناس
أقوال الجمهور حتى تتمكن أخي القارئ من المقارنة ثم الحكم والاقتناع لأهمية المسألة للتمكين. فقد قال السرخسي من المذهب الحنفي
«باب المعادن وغيرها: اعلم أن المستخرج من المعادن أنواع ثلاثة منها جامد يذوب وينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس ومنها جامد لا يذوب بالذوب كالجص والنورة والكحل والزرنيخ؛ ومنها مائع لا يجمد كالماء والزئبق والنفط. فأما الجامد الذي يذوب بالذوب ففيه الخمس عندنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى فيما سوى الذهب والفضة لا يجب شيء، وفي الذهب والفضة يجب ربع العشر والنصاب عنده معتبر حتى إذا كان دون المائتين من الفضة لا يجب شيء، وفي اعتبار الحول له وجهان، حجته قوله في الرقة ربع العشر وهو اسم للذهب والفضة. وفي الحديث أن النبي أعطى بلال بن الحارث معادن القبلية وهي يؤخذ منها ربع العشر إلى يومنا هذا. والمعنى فيه أنه مباح لم تحرزه يد قط، فكان لمن وجده ولا شيء فيه كالصيد والحطب والحشيش. وهذا لأن الناس في المباحات سواء، وإنما يظهر التقوم فيها بالإحراز ، فكانت للمحرز، إلا أن الزكاة واجبة في الذهب والفضة باعتبار أعيانهما دون سائر الجواهر، ولكن يشترط تكميل النصاب والحول على أحد الوجهين. وفي الوجه الآخر قال كم من حول مضى على هذا العين قبل أخذه واعتبار الحول لحصول النماء، وهذا كله نماء فلا معنى لاعتبار الحول فيه بخلاف الكنز فإنه كان في يد أهل الحرب وقد وقع في يد يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب ووجب فيها الخمس، ولم يؤخذ لخفاء مكانه حتى ظهر الآن، فلهذا يؤخذ منه الخمس . فأما الذهب والفضة من المعدن فحادث يحدث بمرور الزمان من غير أن كان في يد أحد، فهو كالحطب والحشيش. وأصحابنا احتجوا بحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: (وفي الركاز الخمس)، واسم الركاز يتناول الكنز والمعدن جميعا لأنه عبارة عن الإثبات، يقال ركز رمحه في الأرض إذا أثبته ، والمال في المعدن مثبت كما هو في الكنز. ولما قيل: يا رسول الله، وما الركاز ؟ قال : الذهب والفضة الذين خلقهما الله في الأرض يوم خلقها). ولما سئل رسول الله عما يوجد في الخرب العادي قال فيه وفي الركاز الخمس، فعطف الركاز على المدفون، فعلم أن المراد بالركاز المعدن والمعنى فيه أن هذا مال نفيس مستخرج من الأرض فيجب فيه الخمس كالكنز، وهذا لأن المعنى الذي لأجله وجب الخمس في الكنز موجود في المعدن، فإن الذهب والفضة تحدث في المعدن من عروق كانت موجودة حين كانت هذه الأرض في يد أهل الحرب ثم وقعت في يد المسلمين بإيجاف الخيل فتعلق حق مصارف الخمس بتلك العروق، فيثبت فيما يحدث منها، فكان هذا والكنز سواء من هذا الوجه، ثم يستوي إن كان الواجد حراً أو عبداً مسلماً أو ذمياً صبياً أو بالغاً رجلاً أو امرأة، فإنه يؤخذ منه الخمس والباقي يكون للواجد سواء وجده في أرض العشر أو أرض الخراج لأن استحقاق هذا المال كاستحقاق الغنيمة؛ . . وأما الجامد الذي لا يذوب بالذوب فلا شيء فيه لقوله: (لا زكاة في الحجر)، ومعلوم أنه لم يرد به إذا كان للتجارة، وإنما أراد به إذا استخرجه من معدنه فكان هذا أصلاً في كل ما هو في معناه . وكذلك الذائب الذي لا يتجمد أصلاً فلا شيء فيه لأن أصله الماء والناس شركاء فيه شرعاً. قال: (الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار، فما يكون في معنى الماء وهو أنه يفور من عينه ولا يستخرج بالعلاج ولا يتجمد،
كان ملحقا بالماء فلا شيء فيه».
۲۷۷
.....
وكما قرأت من السابق فإن المذهب الحنفي يرى إخراج الخمس من المعادن التي تذوب وتنطبع لدليلين أساسيين بالنسبة لهم الأول هو اعتبار المعدن ركازاً. وكما رأينا فإن هذه مسألة خالفها الجمهور (وسيأتي بإذن الله الرد على الأحاديث التي استدلوا بها). والثاني هو اعتبار المعادن ملكاً لغير المسلمين في الأصل إذ أنها كانت مخفية في


٤٤٠ 🗏
باطن الأرض ثم وقعت في أيدي المسلمين بإيجاف الخيل، لذلك تعلق الخمس فيها كحق للمسلمين. أي أن الأحناف قاسوا المعادن على الغنائم فقالوا ما معناه كالآتي: لقد كانت المعادن في أيدي الكفرة، ثم زالت أيديهم عنها بفتح المسلمين لديارهم، ولأنه لم تثبت أيدي المسلمين على هذه المواضع لأنهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال والصحاري والمغاور، فبقي ما تحت هذه الأراضي (أي المعادن) على حكم ملك الكفرة، ولأنه تم الاستيلاء عليها قهراً، فيجب فيها الخمس، أما الأربعة أخماس فهي لمن وجدها كغنائم الحرب. وقد نقد القرضاوي حجتهم قائلاً: ولكن في هذا الاستدلال تكلفاً، فإن ادعاء بقاء هذه المعادن على ملك الكفار ادعاء غير مسلم، كيف؛ وهي جزء
من أرض الإسلام في دار الإسلام؟ ومن ذا الذي يجزم بأن المعادن إنما تكونت في عصر ما قبل الإسلام؟». ومن جهة أخرى فإن طبق هذا القياس أي قياس المعادن على الغنائم على الأراضي الموات فإنه لن يكون هناك إحياء قط في معظم أراضي الأمة المسلمة لأن الكثير منها فتح عنوة. وعندها ستمتلك الدولة جميع الأراضي المحياة، وبهذا ينقلب المجتمع المسلم ليكون مجتمعاً اشتراكياً والعياذ بالله. فهذا قياس غير مقبول لاسيما أن الكفرة لم يمتلكوا الأراضي الموات التي وجدت في باطنها المعادن. وإن كان هذا الاعتبار (أي اعتبار المعادن كالغنائم) هو قياس لحكمهم، فماذا عن المعادن في باطن الأراضي الموات التي لم تفتح عنوة؟ فلابد لهم أن يوجدوا لها حكماً آخر ؟! ولا حكم لديهم فيها. فهم لم يميزوا بين المعادن المستخرجة من المدينة المنورة وما حولها مثلاً (وهي لم تفتح عنوة) وبين غيرها مما فتح عنوة بالقول أن فيها ربع العشر أي أن هذا الاستدلال واضح الضعف. وهكذا يتراكم قصور العقل البشري الذي لا يأخذ بالنص. فحرف الواو مثلاً في الحديث واضح ولا يحتمل التأويل، أي قوله صلوات ربي وسلامه عليه والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ) ، فهذا حديث متفق عليه. والمذهب المضاد لما قاله به الشافعي (رحمه الله وأسكنه فسيح جناته)، فهو يوسع على كل من أراد العمل والإنتاج بعدم أخذ العشر إلا من الذهب والفضة. أي أن المعادن الأخرى لا زكاة عليها، وبهذا يندفع الناس للإنتاج أكثر ليعم
الأحناف هو
ما أخذ
الخير، فقد جاء في الأم:
«باب زكاة المعادن: أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي قال: وإذا عمل في المعادن فلا زكاة في شيء ء مما يخرج منها إلا ذهب أو ورق فأما الكحل والرصاص والنحاس والحديد والكبريت والموميا وغيره فلا زكاة فيه. قال الشافعي وإذا خرج منها ذهب أو ورق فكان غير متميز حتى يعالج بالنار أو الطحن أو التحصيل فلا زكاة فيه حتى يصير ذهباً أو ورقاً ويميز ما اختلط به من غيره. قال الشافعي: فإن سأل رب المعدن المصدق أن يأخذ زكاته مكايلة أو موازنة أو مجازفة لم يكن له ذلك، و إن فعل فذلك مردود، وعلى صاحب المعدن إصلاحه حتى يصير ذهباً أو ورقاً ثم تؤخذ منه الزكاة. قال : وما أخذ منه المصدق قبل أن يحصل ذهباً أو ورقاً فالمصدق ضامن له، والقول فيما كان فيه من ذهب أو ورق قول المصدق مع يمينه إن استهلكه، وإن كان في يده فقال: هذا الذي أخذت منك، فالقول قوله. قال الشافعي ولا يجوز بيع تراب المعادن بحال لأنه فضة أو ذهب مختلط بغيره غير متميز منه. قال الشافعي: وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن المعادن ليس بركاز وأن فيها الزكاة. أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها الزكاة إلى اليوم. قال الشافعي: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث رواية ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وقد ذهب بعض أهل ناحيتنا إلى أن في


٦ دولة الناس
٤٤١
المعادن الزكاة. قال : وذهب غيرهم إلى أن المعادن ركاز فيها الخمس قال: فمن قال في المعادن الزكاة قال ذلك فيما خرج من المعادن فيما تكلفت فيه المؤنة فيما يحصل ويطحن ويدخل النار ...».

ربع العشر: المسألة الأولى

أي أن لدينا مسألتين: الأولى هي التأكيد على أن ما يجب إخراجه هو ربع العشر؛ والثانية هي تحديد المعادن التي يجب الإخراج عنها. بالنسبة للمسألة الأولى، فكما هو واضح من مذهب الجمهور فإن ما يجب إخراجه هو ربع العشر. ولتأكيد هذا لأهميته تأمل ما قاله ابن قدامة وبالذات في رده للأحاديث التي استشهد بها الأحناف. يقول (رحمه الله وأثابه وأسكنه فسيح جناته) في الواجب إخراجه من المعادن:
«وقدر الواجب فيه ربع العشر وصفته أنه زكاة. وهذا قول عمر بن عبد العزيز ومالك. وقال أبو حنيفة: الواجب فيه الخمس، وهو فيء، واختاره أبو عبيد، وقال الشافعي: هو زكاة. واختلف قوله في قدره كالمذهبين. واحتج من أوجب الخمس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس ). رواه النسائي والجوزجاني وغيرهما. وفي رواية: (ما كان في الخراب ففيه وفي الركاز الخمس. وروى سعيد، والجوزجاني بإسنادهما عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الركاز هو الذهب الذي ينبت من الأرض).٢٨١ وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وفي الركاز الخمس)، قيل: يا رسول الله، وما الركاز؟ قال: (هو الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض). ٢٨٢ وهـذا نـص. وفي حديث عنه عليه السلام، أنه قال: (وفي الـسـيـوب الخمس). قال : والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض. ولأنه مال مظهور عليه في الإسلام، أشبه الركاز . ولنا ما روى أبو عبيد بإسناده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية في ناحية الفرع، قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. ٢٨٦ وقد أسنده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده. ورواه الدار وردي عن ربيعة بن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه زكاة المعادن القبلية. قال أبو عبيد: القبلية بلاد معروفة

هامش

ظه
۲۸۲
۲۸۷
٢٨٥
خه) برغم أن القرضاوي ينتقد الأحناف إلا أنه يذهب إلى أبعد من ضه وجاء في المجموع: «قال المصنف رحمه الله تعالي: إذا استخرج أخذ الخمس، فهو يرى أن للدولة حيازة المعادن وبالذات النفيسة حر مسلم من معدن في موات أو في أرض يملكها نصاباً من الذهب أو منها، وسنأتي في فصل «المكوس» على تــوضـيـح مثل هذه الأقوال الفضة وجبت عليه الزكاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن للفقهاء المحدثين بإذنه تعالى (۲۷۸). الحرث المزني المعادن القبلية وأخذ منه الزكاة، فإن استخرجها مكاتب ذه) وقد ذهب الإمامية إلى إيجاب الخمس في المعدن وذلك بالاستناد أو ذمي لم يجب عليه شيء لأنها زكاة والزكاة لا تجب على مكاتب ولا إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾،ذمي، وإن وجده في أرض مملوكة لغيره فهو لصاحب الأرض ويجب . دفعه إليه، فإذا أخذه مالكه وجبت عليه زكاته. الشرح: هذا الحديث فقالوا أن الآية أوجبت الخمس فيما يغنم، فيدخل في ظاهر الآية كل رواه مالك في الموطأ عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد ما أخذ من ظاهر البر والبحر واستخرج من باطنهما. ولكن في من العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحرث المزني الروض النضير من كتب الفقه الزيدي أن هذا الاستدلال فيه نظر معادن القبلية وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا «أولاً: لأنه ينصرف إلى غنائم الحرب بدليل السياق. ثانياً: ولكثرة الزكاة إلى اليوم. هذا لفظ رواية مالك. وروى الشافعي عن مالك ورود اسم الغنيمة في لسان الشارع صلى الله عليه وسلم ،لذلك هكذا ثم قال الشافعي: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو أثبتوه لم کحديث: (أحلت لي الغنائم . يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، فإن الزكاة
.(۲۷۹) «...


٤٤٢ 🗏
كانت
بالحجاز. ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى فكان زكاة، كالواجب في الأثمان التي مملوكة له. وحديثهم الأول لا يتناول محل النزاع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر ذلك في جواب سؤاله عن اللقطة، وهذا ليس بلقطة، ولا يتناول اسمها، فلا يكون متناولاً لمحل النزاع. والحديث الثاني يرويه عبد الله بن سعيد وهو ضعيف. وسائر أحاديثهم لا يعرف صحتها، ولا هي مذكورة في المسانيد والدواوين. ثم هي متروكة الظاهر، فإن هذا ليس هو المسمى بالركاز. والسيوب: هو الركاز، لأنه مشتق من السيب، وهو العطاء الجزيل».
ثم تأمل ما قاله ابن حزم في المحلى، فحتى إن لم تتفق مع مذهبه لاعتقادك بظاهريته، إلا أن في قوة طرحه في الآتي توضيح لنقاط لم أتطرق لها لعلها تزيدك يقيناً أن ما يجب إخراجه هو ربع العشر فقط، يقول رحمه الله:
«مسألة: قال أبو محمد ولا شيء في المعادن كلها وهي فائدة لا خمس فيها ولا زكاة معجلة، فإن بقي الذهب والفضة عند مستخرجها حولاً قمرياً وكان ذلك مقدار ما تجب فيه الزكاة زكاه، وإلا فلا. وقال أبو حنيفة: عليه في معادن الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزديـر والحديد الخمس، سواء كان في أرض عشر أو في أرض خراج، سواء أصابه مسلم أو كافر عبد أو حر. قال: فإن كان في داره فلا خمس فيه ولا زكاة ولا شيء فيما عدا ذلك من المعادن واختلف قوله في الزئبق: فمرة رأى فيه الخمس ومرة لم ير فيه شيئا . وقال مالك في معادن الذهب والفضة : الزكاة معجلة في الوقت إن كان مقدار ما فيه الزكاة، ولا شيء في غيرها، ولا يسقط الزكاة في ذلك دين يكون عليه، فإن كان الذي أصاب في معدن الذهب أو الفضة ندرة بغير كبير عمل ففي ذلك الخمس. قال أبو محمد : احتج من رأى فيه الخمس بالحديث الثابت: (وفي الركاز الخمس). وذكروا حديثاً من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الركاز فقال: هو الذهب الذي خلفه الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض). قال أبو محمد: هذا حديث ساقط لأن عبد الله بن سعيد متفق على إطراح روايته، ثم لو صح لكان في الذهب خاصة. فإن قالوا: قسنا سائر المعادن المذكورة على الذهب، قلنا لهم فقيسوا عليه أيضاً معادن الكبريت والكحل والزرنيخ وغير ذلك. فإن قالوا: هذه حجارة، قلنا: فكان ماذا ومعدن الفضة والنحاس أيضاً حجارة

هامش

في المعدن دون الخمس وليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم الرحمن الرحيم إلى الأفناد من حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك . قال : وقد روى عن والصدقة على السعة والتيمة في السيوب الخمس، وفي البعل العشر، لا ربيعة موصولاً فرواه البيهقي عن ربيعة عن الحرث بن بلال بن الحرث خلاط ولا وراط ولا شفار ولا شناق ولا جنب ولا جلب، ولا يجمع بين عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية بعيرين في عقال من أحبي فقد أربى، وكل مسكر حرام). وبعث الصدقة وأنه أقطع بلال بن الحرث العقيق أجمع. والمعادن القبلية بفتح إليهم زياد بن لبيد الأنصاري. أما الخلاط فلا تجمع الماشية، وأما القاف والباء الموحدة، وهذا لا خلاف فيه وقد تصحف، والفرع بضم الوراط فلا يقومها بالقيمة، وأما الشفار فيزوج الرجل ابنته وينكح الفاء وإسكان الراء وبالعين المهلمة بلاد بين مكة والمدينة» (۲۸۰). الآخر ابنته بلا مهر ، والشناق أن يعقلها في مباركها، والأجباء أن تباع
ظه) الظاهر هو أن الحديث غريب. فقد ذكر في غريب الحديث الثمرة قبل أن تؤمن عليها العاهة» (۲۸۳). لابن الجوزي ولإبن سلام وللخطابي. وجاء في المعجم الكبير كالآتي: غـه جاء في لسان العرب: «... السيوب الركاز لأنها من سيب الله حدثنا عبدان بن أحمد ثنا كثير بن عبيد الحذاء ثنا بقية بن الوليد عن وعطائه. وقال ثعلب : هي المعادن وفي كتابه لوائل بن حجر: (وفي عتبة بن أبي عتبة عن سليمان بن عمرو عن الضحاك بن النعمان بن السيوب الخمس ) . قال أبو عبيد : السيوب الركاز، قال: ولا أراه أخذ سعد أن مسروق بن وائل قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من السيب وهو العطاء وأنشد : « فما أنا من ريب المنون بجبا وما بالمدينة بالعقيق فأسلم وحسن إسلامه، قال: يا رسول الله إني أحب أن أنا من سيب الإله بآيس». وقال أبو سعيد: السيوب عروق من تبعث إلى قومي رجلا يدعوهم إلى الإسلام، وأن تكتب لنا كتابا إلى الذهب والفضة تسيب في المعدن، أي تتكون فيه وتظهر. سميت قومي عسى ، الله أن يهديهم بها . فقال لمعاوية: اكتب له: بسم الله سيوبا لانسيابها في الأرض ...» (٢٨٤).


٤٤٣
٦ دولة الناس
ولا فرق. وأما الركاز فهو دفن الجاهلية فقط ، لا المعادن ، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك. والعجب كله احتجاج بعضهم في هذا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة ما كان منها في الخراب والأرض الميتاء، ففيه وفي الركاز الخمس، وهم لا يقولون بهذا. وهذا كما ترى لو كان المعدن ركازاً لكان الخمس في كل شيء من المعادن، كما أن الخمس في كل دفن للجاهلية أي شيء كان فظهر فساد قولهم وتناقضهم لاسيما في إسقاطهم الزكاة المفروضة بالخراج، ولم يسقطوا الخمس في المعادن بالخراج وأوجبوا فيها خمساً في أرض العشر وعلى الكافر والعبد، وفرقوا بين المعدن في الدار وبينه خارج الدار ، ولا يعرف كل هذا عن أحد قبلهم، وهم يقولون برد الأخبار الصحاح إذا خالفت الأصول، وحكمهم ههنا مخالف للأصول. فإن قالوا: قد روى عن علي أن فيه الخمس ؟ قلنا: أنتم أول مخالف لهذا الحكم إن كان حجة، لأن الخبر إنما هو في رجل استخرج معدناً فباعه بمائة شاة وأخرج المشتري منه ثمن ألف شاة، فرأى علي الخمس على المشتري لا على المستخرج له. وأما من رأى فيه الزكاة فاحتجوا بحديث مالك عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية وهي في ناحية الفرع . قال : فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. قال أبو محمد وليس هذا . ا بشيء لأنه مرسل، وليس فيه مع إرساله إلا إقطاعه عليه السلام تلك المعادن فقط، وليس فيه أنه عليه السلام أخذ منها الزكاة، ثم لو صح لكان المالكيون أول مخالف له لأنهم رأوا في الندرة تصاب فيه بغير كبير عمل الخمس، وهذا خلاف ما في هذا الخبر. ويسألون أيضا عن مقدار ذلك العمل الكبير وحد الندرة، ولا سبيل إليه بدعوى لا يجوز الاشتغال بها، فظهر أيضاً فساد هذا القول وتناقضه. وقالوا أيضاً : المعدن كالزرع يخرج شيء بعد شيء، قال علي: قياس المعدن على الزرع كقياسه على الركاز، وكل ذلك باطل، ولو كان القياس حقاً لتعارض هذان القياسان وكلاهما فاسد، أما قياسه على الركاز فيلزمهم ذلك في كل معدن وإلا فقد تناقضوا، وأما قياسه على الزرع فيلزمهم أن يراعوا فيه خمسة أوسق وإلا فقد تناقضوا ، ويلزمهم أيضا أن يقيسوا كل معدن من حديد أو نحاس على الزرع. واحتج كلتا الطائفتين بالخبر الثابت من طريق مسلم عن قتيبة، ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع، ثنا عبد الرحمن بن أبي نعم قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها بين أربعة نفر: عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل، وذكر رابعاً وهو علقمة بن علاثة، فقال: (من رأى في المعدن الزكاة هؤلاء من المؤلفة قلوبهم وحقهم في الزكاة لا في الخمس). وقال الآخرون: علي من بني هاشم ولا يحل له النظر في الصدقة، وإنما النظر في الأخماس. قال علي: كلا القولين دعوى فاسدة، ولو كانت تلك الذهب من خمس واجب أو من زكاة لما جاز ألبتة أخذها إلا بوزن وتحقيق لا يظلم ، المعطي ولا أهل الأربعة الأخماس، فلما كانت لم تحصل من ترابها صح يقيناً أنها ليست من شيء من ذلك، وإنما كانت هدية من الذي أصابها أو من وجه غير هذين الوجهين، فأعطاها عليه السلام من شاء. وقد قدمنا أنه لا زكاة في مال غير الزرع إلا بعد الحول، والمعدن من جملة الذهب والفضة، فلا شيء فيها إلا بعد الحول. وهذا قول الليث بن سعد وأحد أقوال الشافعي وقول أبي سليمان. ورأى مالك أن من ظهر في أرضه معدن فإنه يسقط ملكه عنه ويصير للسلطان، وهذا قول في غاية الفساد بلا برهان من قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا رأي له وجه، وعلى هذا إن ظهر في مسجد أن يصير ملكه للسلطان ويبطل حكمه ولو أنه الكعبة، وهذا في غاية الفساد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، فصح أن من ظهر في أرضه معدن فهو له يورث عنه ويعمل فيه ما شاء» .
معه
۲۸۸


رحم
۲۹۰ 🗏
الله ابن حزم وأثابه الله على التزامه بالنصوص. هكذا معظم فقهاء السلف. فالشوكاني مثلاً من حديث إقطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث، والذي أخرجه أبو داود ومالك في الموطأ من النص السابق لابن قدامة، ومن قوله: «فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة» يستنتج قائلاً: «فيه دليل لمن قال أن الواجب في المعادن الزكاة، وهي ربع العشر كالشافعي وأحمد وإسحاق. أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( في الرقة ربع العشر) ويقاس غيرها عليها، ... » .. ومن نفس الحديث، أي حديث إقطاع بلال بن الحارث، يستنتج أبو عبيد قائلاً: «وكان رأي عمر في المعادن كالذي يروى في القبلية من أخذ الزكاة» . " وجاء في المدونة: «قال أشهب وابن وهب وابن القاسم عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن وغير واحد من علمائهم حدثوه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع لبلال بن الحارث المزني معادن من معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. قال أشهب عن ابن أبي الزناد أن أباه حدثه: أن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ من المعادن ربع جا العشر...».
۲۹۱
هل رأيت كيف أن معظم الأقوال تذهب إلى إخراج ربع العشر إلا فيما ندر؟ غير أن معظم الفقهاء المعاصرين تنازلوا ولم يقولوا بوجوب الخمس فقط، بل ذهبوا لأبعد من ذلك فهم قالوا بأن المعادن يجب أن تكون ملكاً للدولة ولا تترك للناس. فهذا القرضاوي مثلاً يستنتج: «وهكذا ما كان كالبترول والحديد ونحوهما: يجب أن تحوزه الدولة، ولا يحوزه فرد أو أفراد، دون الناس». وهنا أريدك أخي القارئ أن تلتفت لمسألة فكرية ألا وهي: إ : إن كان لدينا مذهبان، أحدهما للجمهور الذي لم يأخذ بالرأي ولكن بالنصوص، فمن الأجدر اتباع قول الجمهور في الواقع العملي. لأننا إن لم نفعل وحكمنا بعقولنا لأن مذهب الجمهور قد لا يبدو ملائماً لوقتنا المعاصر) فإن الضياع سيزداد هذا المنطق يكون سليماً إن لم ندرك أبعاد تطبيق كلا المذهبين فما بالك إن قلت لك أن تطبيق مذهب الجمهور سيؤدي لأمة عزيزة قوية منتجة دون تلويث بيئي وفساد خلقي كما سأثبت لك بإذنه تعالى، هنا لابد وأن توافقني على ضرورة الأخذ بمذهب الجمهور بأن ما يجب إخراجه هو ربع العشر فقط. أما المذهب القائل بأن ما يجب إخراجه يجب أن يخضع لما يتكلفه الإنسان من مشقة ونفقات وذلك لأن سهولة الحصول على المعادن لابد وأن يجابه بزيادة ما يفرض على المستخرج للمعادن، فإنه مذهب لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم. بل ذهب إليه بعض الفقهاء المحدثين، فهذا القرضاوي يقول: «والفرق بين الخمس (۲۰) وربع العشر (٢,٥٪) ليس فرقاً هيناً، فلا بأس أن يفرض العشر أو نصفه، حسب قيمة المستخرج بالنسبة إلى التعب والتكاليف، وليس ذلك ابتداعاً لشرع جديد، بل هو صريح القياس على ما جاء به الشرع من التفاوت بين مقادير الواجب حسب نفع المال المأخوذ وسهوا ولة الحصول عليه أو مشقته» . ۲۹۳

هامش

ب٦) الحديث ذكر في ص ، صحيح البخاري في باب زكاة الغنم في الكتاب ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها » (۲۸۹). الذي وجهه أبو بكر رضي الله عنه للبحرين عن الصدقة: « ... وفي جـ٦ وتكملة ما جاء في النص: «... إلا أن تأتي ندرة فيكون فيها صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا الخمس كان يعد الندرة الركزة فيخمسها، لأن رسول الله صلى الله عليه زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى وسلم قال : ( في الركاز الخمس . . قال أبو الزناد: والركزة أن يصيب ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، الرجل الندرة من ذهب أو فضة يقع عليها ليس فيها كبير مؤنة » فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها (٢٩٢).
صدقة إلا أن يشاء ربها ، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين


٦ دولة الناس
٤٤٥
ألا ترى أخي القارئ أن في هذا ابتداع لشرع جديد؟ بالطبع، إنه لابتداع لماذا؟ لعلتين والله أعلم: الأولى
هي أن ما يراه بعض المعاصرين من تفاوت في ما يجب إخراجه هو بسبب مقارنتهم لمذهب الجمهور مع مذهب أهل الرأي، وللتوفيق بين المذهبين اقترحوا ما توصلوا إليه بعقولهم فكان شرعاً مستحدثاً لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم. أي معالجة الخطأ بخطأ آخر. فإن ثبت ضعف مذهب أهل الرأي فيجب عندها الأخذ بمذهب الجمهور لا أن نأتي بشرع جديد لترقيع ما وقع من خطأ لتزداد غربة الإسلام فلم تترك الشريعة تحديد ما يجب إخراجه لعقول الفقهاء أو الحكام، بل حددته بربع العشر لسبب مهم، وهو أن تحديد ما يجب إخراجه إن لم يكن ربع العشر فلابد وأن يتم من خلال عقول البشر ، وهنا سيظهر الخلاف بين المنتجين للمعادن وبين من بيدهم القرار، أي بين الناس وبين السلاطين ومن يعملون معهم من الجباة وهذا وضع تحاول الشريعة جذه من جذوره حتى لا يتلاعب السلاطين بنسب ما يجب إخراجه بتخفيفها على من أرادوا وزيادتها على من بغضوا، أو تغيير ما يجب إخراجه بتغير الزمان من خلال دراسات وبحوث قد تخضع للأهواء عند التنفيذ. فإن كان سعر النحاس اليوم مرتفعاً فقد ينخفض بعد سنوات برغم ثبات التكلفة، وعندها قد يقترح فقيه أو سلطان تغيير نسبة ما يجب إخراجه. وعندها لا تصبح الشريعة شرعاً، ولكن قانوناً يتغير بتغير الأحوال والأزمان. ولكنك قد تقول: وأين
الإنصاف، فهناك من المعادن ما يوصل إليه بسهولة ، وكأنه كنز، لذلك يجب زيادة ما يفرض على مستخرجه!
هنا نأتي للعلة الثانية وهي أن ما تراه من تفاوتات في أسعار المعادن يعكس بقدر كبير تدخلات الدول من خلال امتلاكها لمصادر المعادن أو من خلال فرضها للأنظمة والقوانين والجبايات. فكما هو معلوم فإن سعر المعدن يزداد بندرته والندرة نوعان: ندرة طبيعية وندرة مفتعلة. فالذهب أغلى من الحديد بسبب ندرته الطبيعية، أما الندرة المفتعلة فهي بسبب الأنظمة والقوانين التي تضعها الدول على استخراج المعادن مما يعيق سرعة إنتاجها فيصبح المعدن نادراً. فبرغم أن سعر النفط يتأرجح أيام كتابة هذه الأسطر حول الثلاثين دولاراً كنفط خام، إلا أن ما يدفعه المستهلك في أوروبا يزيد عشرات المرات عما يكلف الحكومات المستوردة بسبب فرضها للضرائب. والأمر ينطبق أيضاً على الأنظمة، فإن وضع نظام يحد من استخراج الفوسفات في دولة ما حتى لا ينخفض سعره، فإن ندرته ستزداد ليرتفع سعره. فما تراه من أسعار لا يعكس الندرة الطبيعية للمعادن بقدر ما يعكس الضرائب والأنظمة والقوانين التي ستحد من إنتاجها. وأعتقد أنك لازلت تقول: إن الذهب أغلى من الحديد. فأقول: بالطبع لأن الذهب أكثر ندرة في الطبيعة من جهة، ولتدخلات الدول من جهة أخرى، فإن لم تتدخل الدول لكان الذهب أيضاً أغلى من الحديد ولكن بنسب أخرى تعكس حقيقة الندرة الطبيعية. وإن طبقت الشريعة ورفعت جميع القيود دون استثناء فإن زكاة طن من الذهب بسبب ندرته وبالتالي ارتفاع سعره لهو أكثر مالاً من زكاة طن من الحديد. وإن سألت أي اقتصادي لقال لك: سينجذب الناس لاستخراج المعادن التي تعود لهم بأكبر مردود اقتصادي، وهكذا من خلال العرض والطلب في السوق ستتوفر جميع المعادن بطريقة لا تعكس في أسعارها إلا ندرتها الطبيعية. وعندها فإن إخراج ربع العشر كزكاة سيكون عدلاً على الجميع. فمن اعتقد أن معدناً ما أكثر زكاة لأن تكلفة إنتاجه مرتفعة وسعر بيعه منخفض فسينتقل لمعدن آخر أقل تكلفة في الاستخراج ليزداد ربحه، وعندها سيزداد المعروض من معدنه الآخر في السوق وسرعان ما ينخفض سعره، وهكذا يكون ربع العشر نسبة تطبق على المعادن ودون التأثير على شفافية آليات السوق لتوفير المعادن التي تحتاجها الأمة للتصنيع كما ستقتنع بإذنه تعالى في فصلي «ابن
السبيل» و «الشركة».


٤٤٦ 🗏
وبالطبع، ستوجه لي هنا سؤالين، الأول: إن تدخلات الدول من خلال الأنظمة وفرض الضرائب لها أهدافها
النبيلة، فهي تحاول الحفاظ على البيئة مثلاً وتحاول حفظ موارد الأمة ،وهكذا ، وهذا في صالح مجموع الأمة، فلماذا أرفضه؟ والثاني: لماذا تقبلت فكرة الندرة الطبيعية ورفضت الندرة المفتعلة بالنسبة للأول فسنأتي على بيانه في فصلي «ابن السبيل» و «الأماكن، ولكن باختصار : إن الحفاظ على البيئة لن يتأتى بالأنظمة والقوانين كما سترى بإذن الله لأنها من وضع مسؤولي الدول ولأنها في أيديهم عند التطبيق، فقد توضع وتطبق بناء على أهوائهم وعندها سيظهر التلوث لا محالة كما هو حادث. أما بتطبيق الشريعة، وبناءً على حديث (لا ضرر ولا ضرار) فإن قرار منع التلوث سيقع في أيدي المتضررين ممن هم حول منبع الضرر إن كان مصنعاً أو منجماً كما سيأتي بإذن الله. وهؤلاء لن يتمكن أحد من رشوتهم لأن الضرر واقع عليهم ولأن وعيهم البيئي سيزداد بتطبيق الشريعة كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله، وعندها سينقطع الضرر. وهذه مسألة وضحتها في كتاب «عمارة الأرض» في المجال العمراني، وسأوضحها في مجال التلويث الصناعي في فصول قادمة بإذنه تعالى. فالشريعة تقص الحقوق بطريقة تؤدي لمنع التلوث من خلال جذ الضرر بوضع حق منعه في أيدي سكان المواقع التي يظهر فيها الضرر، وليس بـأيـدي
المسؤولين.
وبالنسبة للسؤال الثاني عن تقبل فكرة الندرة الطبيعية ورفض الندرة المفتعلة، فإن الإجابة تنقسم إلى شقين، الأول: إن كنت مؤمناً بأن الشريعة هي ما يجب أن يتبع أقول لك: إن الندرة الطبيعية هي لحكمة من وضع الحكيم الخالق الخلاق الكريم الرزاق. فالذهب ذو ندرة، والله أعلم لحكمة تخزين مجهودات الناس لتتداول كعملات مثلاً، وهكذا، فلوجـود كل معدن حكمة تنتهي بإيجاد حياة رغدة على الأرض من خلال تفاعلات الناس مع الخيرات. فلو لم يوجد الذهب لحار البشر في إيجاد معدن ذي ثمن يخزن مجهوداتهم بنفس كفاءة الذهب. فأنت عندما تصنع منتجا وتبيعه فإن المال الورقي هو مخزون لأتعابك التي تقايض بها الآخرين لاحتياجاتك الحياتية. وهكذا يتم تبادل السلع والخدمات بين الناس والمال الورقي ذو موثوقية لأنه معادل بالذهب في معظم الأحيان إلا إن كان هناك ظرف تاريخي مؤقت (مثل دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية التي رفضت مؤخراً تغطية دولارها ذهباً). وهذا وضع شاذ لن يستمر بإذن الله وسيأتي بيانه في فصل الفصل والوصل» بإذن الله). أما إن لم تكن مؤمناً بالإسلام كطريق أفضل للحياة (الشق الثاني) فأقول لك الآتي: لا مفر لنا كبشر من تقبل الندرة الطبيعية ومن ثم التكيف معها، وحتى يتم استغلال ما هو متوفر من معادن لأقصى مدى ممكن لابد من شفافية قصوى في آليات السوق، وهذه لا تكون بالأنظمة والقوانين التي تتصف بتقلباتها المستمرة كما سترى بإذن الله، ولكن من خلال مبادئ ثابتة مستمرة لا تتغير وهي ربع عشر المعدن المستخرج فقط.
وقبل الذهاب للمسألة الثانية: وهي تحديد المعادن التي يجب الإخراج عنها، فلابد من التوضيحات الآتية، والتي إن تأملتها لوجدت أن مذهب من أخذ بالنص يدفع الناس للمزيد من العمل. لقد اختلف الفقهاء أيضاً في مصرف الواجب إخراجه، هل هو كالزكاة للأصناف الثمانية أم أنه كالفيء؟ وكما رأينا في النصوص السابقة فقد ذهب الشافعي وأحمد إلى أن مصرفه مصرف الزكاة. وذهب أبو حنيفة إلى أن مصرفه كمصرف الفيء." وللمالكية قولان، فقد جاء في المدونة: «قلت : أرأيت زكاة المعدن أتفرق في الفقراء كما تفرق الزكاة أم تصير مثل الجزية؟ فقال: بل تفرق في الفقراء كما تفرق الزكاة. قلت: وهذا قول مالك ؟ قال : لما قال مالك فيما أخرج من المعادن


٦ دولة الناس
٤٤٧
الزكاة، ومحمله كمحمل الزرع علمنا أنه في الفقراء وهو مثل الزكاة، محمله كمحمل الزكاة»." واختلفت المذاهب أيضاً في نصابه، فهل يشترط النصاب في المعادن أم لا يشترط ؟ فذهب المالكية والشافعية والحنابلة لاشتراط النصاب. وذهب الحنفية لعدم اشتراطه. وفي المغني تلخيص لآراء المذاهب وترجيح بأن ما يؤخذ من المعادن هو كسائر الزكوات، لذلك يعتبر له نصاب قال ابن قدامة رحمه الله:
«في نصاب المعدن، وهو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك في غيرهما. وهذا مذهب الشافعي، وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره، من غير اعتبار نصاب، بناءً على أنه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه، ولأنه لا يعتبر له حول، فلم يعتبر له نصاب كالركاز . ولنا عموم قوله عليه السلام: (ليس فما دون خمس أواق صدقة)، وقوله: (ليس في تسعين ومائة شيء). وقوله عليه السلام: (ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً). وقد بينا أن هذا ليس بركاز، وأنه مفارق للركاز من حيث أن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام فأشبه الغنيمة. وهذا وجب مواساة وشكراً لنعمة الغنى، فاعتبر له النصاب كسائر الزكاوات، وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة، فأشبه الزروع والثمار .
.....
۲۹۷
۲۹۹
أما بالنسبة لوقت الإخراج فقد ذهبوا أنه لا يشترط فيه الحول. بهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. فيقول ابن حجر: «واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال». ومن كل ما سبق لابد وأنك استنتجت أن ما يجب إخراجه في المعادن يشبه لدرجة كبيرة الزكاة، هذا إن لم يكن زكاة في أرجح الأقوال. لذلك فما قيل عن الزكاة في «الأموال» عن التحرر ينطبق على المعادن في تمكين الناس، فهو للأصناف الثمانية، وبإمكان الإنسان أن يخرج زكاة المعادن بنفسه، وأن يخرجها أعياناً، وهكذا مما شرحناه في فصل «الأموال» من حركيات التكريم والتمكين. فهل رأيت كيف أن الإسلام هو دولة الناس. ثم تأمل الآتي عن التمكين:
كما هو معلوم فإن العمل في البحر أكثر مشقة من البر، وكما هو معلوم أيضاً فإن ما يخرج من البحر من أسماك وغيره لهو مصدر اقتصادي مهم للأمة. فتأمل ما فعلته الشريعة في هذا الخصوص لتدفع الناس للمزيد من الإنتاج من هذا المصدر الذي لن ينضب بإذنه تعالى إن تم تطبيق مقصوصة الحقوق إن الشريعة لم تفرض الزكاة،

هامش

د٦) من الواضح في معظم كتب الفقه بالنسبة لربع العشر المستخرج الأول. قال أبو عبيد : فهذا رأي مالك وأهل المدينة». والمائتي درهم من المعدن أن مصرفها في مذهب الشافعي وأحمد هو مصرف الزكاة. كما قال محقق الأموال، هي نصاب الفضة كما هو معلوم (٢٩٦). فقد قال العبادي مثلاً: «رابعا: واختلفوا في مصرف ما يؤخذ من و ٦ هناك بعض الاستثناءات، فقد جاء في المحلى: «وقد قدمنا أنه لا المعادن، أ: فذهب الشافعي وأحمد .. إلى أن مصرفه مصرف الزكاة. زكاة في مال غير الزرع إلا بعد الحول والمعدن من جملة الذهب ب: وذهب أبو حنيفة ومالك والإمامية .. إلى أن مصرفه مصرف والفضة، فلا شيء فيها إلا بعد الحول. وهذا قول الليث بن سعد وأحد الفيء ...». غير أن الآتي ورد في فتح الباري: «واختلفوا في مصرفه، أقوال الشافعي وقول أبي سليمان»، وفي المغني: قال «إسحاق وابن فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور مصرفه مصرف خمس الفيء، وهو المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول، لقول رسول الله صلى اختيار المزني. وقال الشافعي في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة. الله عليه وسلم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)». ويقول وعن أحمد روايتان، وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي فعند الجمهور ابن قدامة موضحا مذهبه وما ذهب إليه الجمهور: «ولنا أنه مال يخرج منه الخمس وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء، ...» (٢٩٤). مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزروع والثمار هـ٦) وفي الأموال : « ... وقال مالك: وليس مما يخرج من المعدن شيء والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء، وهذا حتى يبلغ عشرين ديناراً، أو مائتي درهم، فإذا بلغ ذلك ففيه الزكاة، يتكامل نماؤه دفعة واحدة فلا يعتبر له حول كالزروع، والخبر وما زاد أخذ منه بحساب ما دام في المعدن نيل، فإذا انقطع عرقه ثم مخصوص بالزرع والثمر، فيخص محل النزاع بالقياس عليه، ...» جاء بعد ذلك نيل فهو مثل الأول ، يبتدأ فيه بالزكاة كما ابتدئ بها في (۲۹۸).


٤٤٨ 🗏
أو أي نوع من الضرائب على ما يستخرج من البحر حتى وإن كان لؤلواً أو مرجاناً أو عنبراً. فهناك شبه إجماع بأن ما خرج من البحر لا زكاة عليه، فمن الذين قالوا بذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والشافعي وأبو حنيفة ومحمد وأبو ثور وأبو عبيد. والاستثناء من هذا هو قول لأحمد، إلا أن ابن قدامة من نفس المذهب يوافق الجمهور إذ يقول في اللؤلؤ والمرجان:
۳۰۰
«وعن أحمد رواية أخرى، أن فيه الزكاة، لأنه خارج من معدن، فأشبه الخارج من معدن البر. ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس وهو قول الحسن والزهري. وزاد الزهري في اللؤلؤ يخرج من البحر. ولنا أن ابن عباس قال: ليس في العنبر شيء إنما هو شيء ألقاه البحر. وعن جابر نحوه، رواهما أبو عبيد. ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، فلم يأت فيه سنة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح، ولأن الأصل عدم الوجوب فيه، ولا يصح قياسه على معدن البر، لأن العنبر إنما يلقيه البحر فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من البر من المن والزنجبيل وغيرهما ، ...» ..
۳۰۱
وحتى نتأكد من هذه المسألة المهمة أخي القارئ لتتيقن أن الشريعة تدفع الناس للعمل تأمل الآتي من المذهب الحنفي والذي عادة ما يميل إلى زيادة ما يجب إخراجه ومن ثم دفع تلك الأموال للسلاطين مقارنة بالمذاهب الأخرى مما يسبب التثبيط، إلا أنه في هذه المسألة له نظرة أخرى، فإن كان هذا حال المذهب الحنفي فما بالك بالمذاهب الأخرى، فقد جاء في المبسوط :
زا
احتج الله عنه يسأله
«وليس في السمك واللؤلؤ والعنبر يستخرج من البحر شيء في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبو يوسف في العنبر الخمس، وكذلك في اللؤلؤ عنده، ذكره في الجامع الصغير. أما السمك فهو من الصيود، وليس في صيد البر شيء على من أخذه، فكذلك في صيد البحر. وأما العنبر واللؤلؤ فقد أبو. يوسف رحمه الله تعالى بما روي أن يعلى بن أمية كتب إلى عمر بن ا الخطاب رضي ا عن عنبر وجد على الساحل ؟ فكتب إليه في جوابه أنه مال الله يؤتيه من يشاء وفيه الخمس، ولأن نفيس ما يوجد في البحر معتبر بنفيس ما يوجد في البر ، وهو الذهب والفضة، فيجب فيه الخمس. وأبو حنيفة ومحمد استدلا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في العنبر إنه شيء دسره البحر فلا شيء فيه. وحديث عمر محمول على الجيش دخلوا أرض الحرب فيصيبون العنبر في الساحل، وعندنا في هذا الخمس لأنه غنيمة، ثم وجوب الخمس فيما يوجد في الركاز لمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الموجود في البحر، وهو أنه كان في يد أهل الحرب ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، وما في البحر ليس في يد أحد قط ، لأن قهر الماء يمنع قهر غيره، ولهذا قال مشايخنا: لو وجد الذهب والفضة في قعر البحر لم يجب فيهما شيء. ثم الناس تكلموا في اللؤلؤ فقيل إن مطر الربيع يقع في الصدف فيصير لؤلؤاً، فعلى هذا أصله من الماء وليس في الماء شيء. وقيل إن الصدف حيوان تخلق فيه اللؤلؤ وليس في الحيوان شيء، وهو نظير ظبي المسك يوجد في البر، فإنه لا شيء فيه، وكذلك العنبر، فقيل إنه نبت ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر، وقيل إنه شجرة تتكسر فيصيبها الموج فيلقيها على الساحل وليس في الأشجار شيء، وقيل إنه خثى دابة في البحر وليس في أخثاء الدواب شيء. قال:

هامش

(٦) مذهب أهل الرأي يسبب التثبيط مقارنة بالمذاهب الأخرى، إلا مقارنة المذهب الحنفي بما ذهب إليه الفقهاء المعاصرون أو الأنظمة
أنه مقارنة بالأنظمة الوضعية فهو أفضل منها بكثير كما سترى في الوضعية المعاصرة.
فصول «الديوان» و «المكوس» و «الفساد» بإذنه تعالى؛ فلا يمكن


٦ دولة الناس
٤٤٩
وليس في الياقوت والزمرد والفيروزج يوجد في المعدن أو الجبل شيء لأنه جامد لا يذوب بالذوب ولا ينطبع بالطبع كالتراب، وليس في التراب شيء، فكذلك ما يكون في معناه لا يكون فيه شيء، ولأنه حجر وليس في الحجر صدقة، وإن كان بعض الحجر أضواً من بعض ...».
۳۰۲
أما بالنسبة للأسماك، فهناك أيضاً شبه إجماع بأنه لا زكاة عليها لأنها صيد، و ولأنه عفي عنها كما عفي عن صدقة الخيل والرقيق. فقد جاء في المغني: «وأما السمك فلا شيء فيه بحال، في قول أهل العلم كافة، إلا شيء روي عن عمر بن عبد العزيز، رواه أبو عبيد عنه . . وقال: ليس الناس على هذا، ولا نعلم أحداً يعمل به. وقد روي ذلك عن أحمد أيضاً. والصحيح أن هذا لا شيء فيه، لأنه صيد، فلم يجب فيه زكاة كصيد البر، ولأنه لا نص ولا إجماع على الوجوب فيه، ولا . يصح قياسه على ما فيه زكاة، فلا وجه لإيجابها فيه».٣٠٣ وقال أبو عبيد في رأي عمر بن عبد العزيز الذي استثناه ابن قدامة : يذهب عمر، فيما يرى، إلى أن ما أخرج البحر بمنزلة ما أخرج البر من المعادن، وكان رأيه في المعادن الزكاة. وقد ذكرنا ذلك عنه. فشبه به وليس الناس في السمك على هذا. ولا نعلم أحداً يعمل به. وإنما اختلف الناس في العنبر واللؤلؤ. فالأكثر من العلماء على أن لا شيء فيهما، كما يروى عن ابن عباس وجابر، وهو رأي سفيان ومالك جميعاً. ومع هذا إنه قد كان ما يخرج من البحر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تأتنا عنه فيه سنة علمناها، ولا عن أحد الخلفاء بعده من وجه يصح، فنراه مما عفا عنه، كما عفا عن صدقة الخيل والرقيق».٣٠٤ فتأمل هذا التيسير للناس ليهبوا للعمل. فما أحكمها من شريعة تفتح أبواب التمكين.

تحديد المعادن: المسألة الثانية

المعادن،
بالنسبة للمسألة الثانية المهمة، وهي تحديد الخيرات التي يجب الإخراج عنها، فكما رأيت فإن مذهب الشافعية والظاهرية هما الأكثر تيسيراً على المستخرجين للمعادن إذ أنهما أوجبا إخراج ربع العشر من الذهب والفضة فقط. وكذلك المالكية في الأرجح. أما الحنابلة فقد ذهبوا لوجوب إخراج ربع العشر من جميع وبالنسبة لأهل الرأي فقد قالوا بإخراج الخمس مما ينطبع من المعادن. وحتى في هذه الحالة الأخيرة لأهل الرأي، أي حتى في أسوأ الاحتمالات، أي حتى إن تم إصرار الدول على أخذ الخمس مما يحوزه الناس من جميع ما ينطبع من معادن، فإن ما يؤخذ جد قليل مقارنة بمجموع ثروات الأمة ومقارنة بما على الناس إخراجه في أيامنا هذه (هذا إن كان لهم إخراج المعادن). فما بالك بأقوال المذاهب الأخرى التي توجب إخراج ربع العشر؛ وما بالك إن أضفت لهذا أن جمهور الفقهاء يذهبون إلى أن مصرف هذه المبالغ هي إما الزكاة أو الفيء وكما وضحنا فإن الأموال في كلتا الحالتين ستذهب للناس سواء كانت زكاة أم فيئاً. أي أنه لا مال للدولة من المصادر الثلاثة (أي من الصدقة والغنائم والفيء) إلا الخمس الذي خصص للرسول صلى الله عليه وسلم من الفيء وخمس أو خمسي الغنيمة.
ولعل الإستنتاج الذي ستتبلور أهميته في الفصول القادمة هو أن إعفاء استخراج المعادن من أي رسوم وضرائب أو قوانين وأنظمة وما إليها من قيود مثبطة، سيدفع الناس للضرب في الأرض للبحث عن المعادن باستخراجها، وسيظهر آخرون ممن يقومون بتصنيعها، وغيرهم بنقل ما صنع منها والإتجار بها، وبهذا تكثر الخيرات ليزداد وعاء الزكاة الذي يذهب للناس ومن ثم للمزيد من التمكين. أي أن الشريعة لا تضع العراقيل أمام الناس


٤٥٠ 🗏
للبدء كما تفعل الدول المعاصرة التي تضع الضرائب الفاحشة على المعادن عند استخراجها كما في دول الغرب أو حتى تمنع الناس من الوصول للمعادن كما تفعل الدول الإسلامية الآن. بل إن الشريعة تطلق الناس لإخراج خيرات الأرض، ثم بعد التصنيع المعد للبيع تؤخذ الزكاة، وهكذا من دورات تمكينية إنتاجية تدفع الأمة للمزيد من العزة كما سيأتي بإذن الله. أي أنني أحاول أن أقنعك بأنه كلما قل عدد أصناف المعادن التي تؤخذ منها الزكاة، كما ذهب الشافعي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، كلما كثرت المعادن المستخرجة وكلما اندفع المجتمع للتصنيع وكلما زادت المنتجات وكلما ارتقت نوعياتها وقل ثمنها كما سترى بإذن الله . ومن جهة أخرى، كلما التزم المجتمع بعدم زيادة ما يؤخذ من المستخرج من المعادن عن ربع العشر حتى وإن فرض على جميع المعادن كما ذهب الحنابلة، فإن في هذا، بالإضافة لتوفر المعادن القابلة للتصنيع فرصة لتمكين من لا مال لهم للضرب في الأرض والعمل. وفي أسوأ الاحتمالات، أي عندما يفرض الخمس، فإن في هذا أيضاً تمكين مقارنة بأيامنا الحالية التي لا يسمح فيها للناس بامتلاك المعادن ليقع الناس تحت مطرقة الحكومات التي تمنح مفاتيح التمكين لمن أرادت من الناس.
ولعلك تسأل هنا: إن هذا الباحث لم يرجح بين المذاهب، بل يظهر ميزات أكثرها؟ فأجيب: نعم، فالإسلام إن طبقنا أي مذهب منه فسنكون بحال أحسن من وضعنا المعاصر. وهذا هو المهم، فالمذاهب برغم اختلافاتها تدور داخل دائرة واحدة مقارنة بالأنظمة الوضعية. إلا أننا بحاجة للمزيد من الأبحاث المتعمقة في النصوص للوصول للقول الأرجح بين المذاهب. فبرغم قناعتي بأن ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة هما الأكثر سداداً في المعادن إلا أنني في حيرة بينهما. فالشافعية الذين لا يرون إلا إخراج ربع العشر من الذهب والفضة هم أكثر تمكيناً لمن يستخرجون المعادن لانجذاب الناس لمهنة استخراج المعادن ليزداد عددهم، أما الحنابلة الذين يذهبون لإيجاب ربع العشر في جميع المعادن، فبالإضافة لوضع عبء مالي صغير (۲٥) على المنتجين (مما فيه تثبيط بمقدار يكاد أن يهمل)، إلا أنه بزيادة الزكاة التي ستدفع للفقراء والغارمين وابن السبيل فإنه سيزيد من عدد المتمكنين الذين سيعملون ليزداد الإنتاج. فأي المذهبين هو الأرجح؟ فكما ترى سيستحيل علينا معرفة الأرجح من خلال أبحاث اقتصادية ميدانية لأننا سنستخدم عقولنا حينئذ في منهج البحث وفي الحكم على نتائجه. لذلك، وللخروج من مثل هذه المآزق لابد لنا من التعمق أكثر في هذه المسائل فقهياً بدراسة أشمل وأعمق للنصوص، أي لقال الله عز وجل
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا هو أساس البحث العلمي كما سيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله.
وأخيراً، فهناك مصادر مالية قليلة لبيت المال لم نتطرق إليها، والتي لا تقارن بالزكاة أو الفيء أو الغنيمة. ومن هذه المصادر مثلاً اللقطات وتركات المسلمين التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يرد عليه كأحد الزوجين، وديات القتلى الذين لا أولياء لهم، وهكذا من أموال تتجمع لبيت المال. وحتى هذه أيضاً كانت تذهب للناس لقضاء ديونهم أو نحوها من حاجات. ففي الحديث المتفق عليه في صحيح البخاري مثلاً : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه فضلاً؟)، فإن حدث أنه ترك لدينه وفاءً صلى، وإلا قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم . فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته».٣٠٥ وقال الحافظ ابن حجر في شرح قوله: (فعلي قضاؤه) نقلاً عن ابن بطال : أي مما يفيء الله عليه من الغنائم والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين، فإن لم يفعل فالإثم عليه إن كان حق الميت في بيت المال


٦ دولة الناس
٤٥١
يفي بقدر ما عليه من الدين، وإلا فبقسطه». فتصور أن الإثم على ولي أمر المسلمين إن لم يقض الدين عن الميت إن وجد مال في بيت المال. وقد ورد الحديث بلفظ آخر في جامع الأحاديث: من ترك مالاً فلورثته ومن ترك ديناً فعلي وعلى الولاة من بعدي من بيت مال المسلمين ) . ٣٠٧ أي أن قضاء الدين لم يكن مقصوراً على الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي مسؤولية على كل وال من بعده. وقد ذكر البخاري الحديث أيضاً في كتاب النفقات، وفي شرحها يقول ابن حجر موضحاً: وأراد المصنف بإدخاله في أبواب النفقات الإشارة إلى أن من مات وله أولاد ولم يترك لهم شيئاً فإن نفقتهم تجب في بيت مال المسلمين والله أعلم .٣٠٨ ألم يقل سبحانه تعالى المعطي الولي المتولي: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ .٣٠٩ فتأمل الإسلام أخي القارئ وقارنه بالأنظمة الوضعية المعاصرة، والتي تأخذ فيه بعض الدول نصيباً من الإرث. فهل سمعت أن الإسلام فرض أخذ شيء من أموال المتوفي مهما عظم مقداره؟ بالطبع لا. فهذه فكرة غربية. ففي الإسلام أتت الفرائض في سورة النساء وقفلت هذا الباب بدفع الأموال للأقارب. وهل سمعت بأن الدولة تأخذ نصيباً من مال إنسان إن هو وهبه لآخر مهما كان مقداره؟ بالطبع لا، فالمال الموهوب لا خمس عليه بإجماع أهل العلم. فلم تتدخل الشريعة قط في انتقال الأموال بين الناس بأخذ شيء منها. فقد تتدخل الشريعة في عدم ظلم الورثة بتحايل المالك بتحويل نصيب من المال لإبن دون آخر ونحو ذلك من حقوق الناس إلا أنها في جميع الأحوال لن تدفع المال لبيت المال إلا إن انعدم المستحقون. فالإسلام دولة الناس وليس دولة السلاطين أو من يمثلهم من نواب كما تفعل الديمقراطية. وبالطبع ستجد أخطاء في هذا الفصل إما في التحليل أو النقل لأن الذي كتبه فرد بعقل قاصر، وبالذات في إنفاق سهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وسهم ذي قرباه، فقد تعددت الأقوال فيها، إلا أن هذا ليس هو المهم، بل المهم هو الآتي:
۳۱۰
مهما قرأت أخي القارئ في كتب السلف (إن استثنينا أقوال أهل الرأي فلن تجد لأموال الأمة المسلمة طريقاً في النفقة إلا على الناس، فلم تكن الأموال تذهب لبيت المال في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذهبت من بعده لبيت المال إلا أنها كانت تصرف على الناس فقط سواءً كان مصدر المال زكاة أو فيئاً أو غنيمة، وهي المصادر الأساسية الأهم. وبالإمكان تلخيص هذا الفصل والذي قبله في ثلاثة آيات سهلة واضحة لا تتطلب الكثير من الخوض كما فعلت (إلا أنني اضطررت لذلك). فالمال في الإسلام ثلاث أقسام كما قال الفقهاء: صدقة ومغنم وفيء، وقد جاء توضيح مصرفها في الآيات الآتية: قال الحق سبحانه وتعالى الرازق الرزاق العليم الحكيم في الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ؛ وقال سبحانه وتعالى الناصر المنتصر القوي القهار في الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ وقال سبحانه وتعالى المعطي الواهب الوهاب في الفيء : ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا

هامش

حـ٦) وقال أبو عبيد موضحاً الحديث: «أفلا تراه صلى الله عليه وسلم ناسخ، فإذا رأى لهم حقاً بعد الموت فهو في الحياة أحرى أن يرى» كان حكمه الأول في الديون قبل الفتوح غير حكمه بعدها : أنه ألزم (٣٠٦).
نفسه قضاءها عن المؤمنين عامة . وإنما يؤخذ بالآخر من فعله، لأنه


٤٥٢ 🗏
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . فهذه الآيات الثلاث تعني بوضوح أن جميع الأموال في الأمة الإسلامية كانت تستثمر في الناس وليست في المنشآت والمؤسسات ورجالات الدول. هذا هو الصراط المستقيم والله أعلم. ولعل أعظم حكمة من هذا هو أن مجرد وجود مال في بيت المال قد يؤدي لظهور دولة بالمفهوم الحديث، وهذا سيؤدي لتشابك الناس في معظم إن لم يكن في جميع أمورهم كما وضحنا في الحديث عن «التشابك». والإسلام أتى للفصل بين الناس. فالعلاقة بين الناس والدولة والناس بعضهم ببعض تنتهي بمجرد دفع المال لمستحقيه مباشرة، لأن تربيط الناس بعضهم ببعض دون ضرورة سيؤدي للكثير من المعاناة النفسية والهدر الإنتاجي. ولعل الأسوأ هو كما سترى بإذن الله جل جلاله هو أن التشابك سيؤدي إلى استعباد الناس بعضهم لبعض، فتختفي الحرية التي تحرر الناس للمزيد من الإنتاج ليحل محلها التسلط الذي يسحب من خلال الترف والإسراف المجتمعات للفساد. وسنوضح هذه النقاط في فصول «القذف بالغيب» و «الفصل والوصل» و «الموافقات» بإذنه تعالى.
وقد تسأل أخي القارئ كيف ستقوم الدولة بأعبائها إن لم يكن لها مال ؟ فأقول: إن تركيب الأمة السياسي والاقتصادي والإجتماعي سيكون مختلفاً عما نعرفه الآن وتعودنا عليه، فهذا هو موضوع سبعة فصول قادمة بإذنه تعالى. وكل ما أريد تأكيده هنا هو أن الشريعة أحكمت إغلاق الأبواب التي تأتي بالمال للدولة». قلت: «تأتي بالمال للدولة»، لأنني إن قلت: «تأتي بأموال الناس»، لتولد عندك اعتقاد بأن الأموال نوعان: مال عام للدولة، ومال خاص للناس، وهذا مفهوم خاطئ، فجميع الأموال هي أموال الناس شرعاً، ولا مال للدولة كما ستتأكد بإذن الله. فلا دولة في الإسلام بمفهومها المعاصر، ولكن أمة ولها إمام. فالدولة مفهوم غربي دخل علينا، وهو ما يجب توضيحه تالياً في فصلي «الديوان» و «المكوس» قبل الاستمرار في إنشاء هيكل الأمة المسلمة في الفصول التسعة التي
تليهما.