الديوان
تحذير
هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.
الفصل السابع
الديوان
ضرورة أم سرقات ؟
قال صلى الله عليه وسلم: لا يَدْخُل الجَنَّة صَاحِبُ مُكْسِ)، يعنى العشار.
بإمكانك أخي وأختي القارئة قفز هذا الفصل بعد قراءة الصفحات العشرة الأولى إن اقتنعت أن الديوان ليس من الشريعة. فهذا فصل لن يضيف كثيراً للطرح الأساس للكتاب. ناهيك عن أنه فصل ممل لمن هم خارج تخصص الشريعة. فتفاصيله متشابهة وبحاجة للتركيز. أما إن لم يكن لديك اقتناع بما سبق، وأن الديوان في نظرك جائز شرعاً، فلابد لك من قراءة هذا الفصل للوقوف على الإثباتات التي ستحاول جذ الديوان من جذوره بإذن الله. وهنا أريدك أخي القارئ أن تتأكد من مسألة وهي أن نقد الآخرين لا يعني أبداً التفاضل بين الناس، فكلي ثقة أن من سأنقدهم أفضل مني إلا أنهم ( من وجهة نظري أخطؤا في بعض التفاصيل الفقهية. ومن هذا الذي لا يخطئ؟ بالطبع فهناك علاقة بين التقوى والخطأ، فأكثر الناس تقوى أقلهم خطأ والله أعلم، إلا أن أتقى الناس أيضاً سيخطؤون، ولأنهم من أتقى الناس وأخطؤا فإن خطأهم لن يُرصد، وقد يأخذ به اللاحقون، وهكذا يتراكم الخطأ فتتغير مقصوصة الحقوق. ولعل أسطع مثال على ذلك هو الإمام أبو حنيفة رحمه الله ، فقد خالفه الأئمة الثلاثة في الكثير من المسائل برغم أن سيرته في التقوى أنصع ما تكون، فهو من القلة الذين ختموا القرآن الكريم في ركعة واحدة في المسجد الحرام. ولو راجعت سيرته لاستصغرت نفسك أمام ورعه وتقواه. ولعل الأهم هو ذكاؤه الحاد وسرعة بديهته. ثم أقول: ولكن مذهبه مخالف لمالك والشافعي وأحمد في الكثير من مسائل التمكين، وبالتالي فلعل في شخص الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله عظة للأمة، وهي أنه برغم ذكائه الحاد وورعه وتقواه إلا أنه إن أخذ بالرأي قد يخطئ. فهو مثال صارخ للأمة للاتعاظ من خطورة استخدام العقل أمام النص. وأنا ألتزم بالنص كيفما كان. فقد أكون أصوب منه في حقوق الآدميين برغم هزلي أمام علمه وورعه وتقواه، والأهم هو أنني لم آت بجديد، بل التزمت بالنص الذي خرج عنه بعض الفقهاء، هكذا كنت أتذبذب بين الكتابة والتردد . حتى أنني بـ كل هذا المجهود خطر لي مراراً أن أتوقف تماماً وأنسى موضوع الكتاب وأعود لحياتي كباقي الناس أعبد ربي وآكل وأستهلك وأنام وأستمتع بحياتي مع أسرتي وبالذات بعد أن أسمع أقوالاً مثل قول الشيخ محمد المنجد إذ يقول موضحاً بعد الحديث عن زلات العلماء وتحذير المتفيقهين من الاجتهاد: «إذ قد يجتهد العالم فيخطئ فيثاب إذا كان من أهل الاجتهاد بأجر واحد .... ولا يجوز لمن علم خطأه أن يتبعه على ذلك. وإذا اجتهد من لم يكن من أهل الاجتهاد فإنه
بعد
٤٥٣
٤٥٤ 🗏
يؤثم سواء أصاب أم أخطأ». هكذا بمثل هذه الأقوال خوفاً من الإثم أتوقف عن الكتابة، ولكنني أقول: أنني لا أجتهد، بل أوضح للناس كيف يمكن أن تكون تركيبة مجتمعاتنا إن نحن طبقنا الشريعة.
أي أن أي نقد لأي عالم برغم شدته لا يعني قط التقليل من علمه ومساهماته وورعه وتقواه. فأرجوك أن تتذكر هذا أخي القارئ. فالعلماء كما هو معلوم أولياء الله على أرضه ولحومهم مسمومة. لذلك أرجوك أن تعذرني في شدة نقدي لأنك عندما تقرأ هذا الفصل ستكرهني في الغالب. ولكن ما عساي أن أفعل إن تقصيت الحق فوجدت أنه في هذا الاتجاه وليس ذاك؟ فهل أكتمه أم أعلنه؟ لذلك أرجو المعذرة، وأسألك أخي أن تدعو لي بالمغفرة. ولعلك تقول: ولكن لماذا لم يعرض جميل أكبر ما يطرحه من أفكار على شيوخ متمكنين في التخصص؟ فأجيب: لقد حاولت ورأيت أن المسافة بين من عرضت عليهم موضوع كتاب «قص الحق» وبين واقعهم وعلمهم جد شاسع بحيث أن استيعابهم للأمر سيكلفني الكثير من الشرح والتعليل والأدلة وكأنني أقرأ عليهم الكتاب بأكمله، فكان الحل الأنسب هو كتابة كامل الكتاب ثم عرضه عليهم.
كما ذكرت سابقاً، فإن كنت علمانياً أو غير مسلم، فبإمكانك قراءة أول عشر صفحات ثم قفز ما بقي من
سلسلة
هذا الفصل والتوجه مباشرة للفصل القادم، لأن ما بقي من هذا الفصل لن يؤثر على طرح الكتاب، بل هو من الانتقادات التي سنتمكن من خلالها بإذنه تعالى تحديد مواطن الخلل التي حدثت فأخرجت الأمة عن مقصوصة الحقوق، وهذا مهم لكل مسلم قلق على مصير أمته. كما أنني سأنقد الآخرين من خلال النصوص، وليس من خلال الحركيات، وهذا منهج غير مقنع لمن لا يؤمنون أن الخالق العظيم أمرنا بالتمسك بالإسلام، وما الإسلام الآن إلا نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة فلا نبي مرسل يعيش بيننا. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ . والآيات في هذا المجال كثيرة، وكذلك الآيات التي تأمر المسلمين باتباع السنة المطهرة كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِي الْأُمِّي الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. والتمسك بمثل هذه النصوص مسار فكري قد لا يؤمن به غير المؤمنين إن أرادوا الوقوف على ما تفعله مقصوصة الحقوق. لذلك، فلعله من الأسرع لهم قفز هذا الفصل للسبب الآتي: إن معلومات هذا الكتاب تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالحركيات أو الآليات وقسم آخر بالقيم. فالقيم هي ما على الناس فعله من أجل الآخرين، كالالتزام بالمواعيد واحترام ملكيات الآخرين واحترام نظافة الأماكن العامة وما إليها من أفعال تسمو بالفرد ما سيؤدي في النهاية لسمو المجتمع بسبب . ، تراكم هذه الأفعال الجيدة أو هي أفعال بسبب الإيمان بعقيدة ما، كالإيمان بالغيب في الإسلام وبالتالي اتباع النصوص. وهذه هي التي كنت قد وعدت القارئ بمحاولة تلافيها لأنها خلافية بين الحضارات وبين أفراد الحضارات أيضاً. فما يراه المسلم زنا مفضياً إلى العقوبة إن عشقت أخته رجلاً غربياً يراه
الديوان
٤٥٥
الغربي العلماني حقاً لها بالتمتع به في حياتها. وما يراه المسلم امتثالاً للشرع بالاغتسال تطهراً يراه غير المسلم مضيعة للوقت. وما يراه المسلم في شرب الماء جالساً كسباً للأجر يراه غير المسلم قلة عقل. أما القسم المتعلق بالحركيات فهي الأفعال التي يندفع الناس لفعلها لتلبية غرائزهم كمحرك لهم، وفي الوقت ذاته فإن تراكماتها في صالح المجتمع، مثل إحياء الأرض وإمكانية امتلاك المعادن متى ما تم الوصول إليها ومن ثم حيازتها، وهذه هي الحركيات التي يحاول هذا الكتاب التركيز عليها في معظم فصوله إن استثنينا فصل «البركة » وهذا الفصل الذي يركز على الإيمان بالنصوص. لهذا فإن قفز هذا الفصل قد يكون أفضل لكل من لا يؤمن بأن الإسلام دين يجب أن يتبع من
خلال نصوصه.
سأحاول في الصفحات الآتية وضع أسس هذا الفصل وهي أن كارثة الكوارث على الأمة هي الخروج عن النص (أي قال الله جل جلاله، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيضاً فعل الرسول صلى الله عليه وسلم)، وكان هذا الخروج تحت مسميات مختلفة مثل الديوان ووزارة الدفاع والبنوك وغيرها . وأن هذا الخروج أدى لتغير مقصوصة الحقوق وذلك من خلال التباسين وقع فيهما بعض الفقهاء في التعامل مع الفتوى. فلدي قناعة أن الأمة لن تحتاج للفتوى في كل ما هو حقوقي بين الأفراد من جهة، وبين الأفراد والدولة من جهة أخرى. إلا أن الدعوى بالحاجة للفتوى أدت للخروج على النص باستخدام العقل. ثم أبين أهمية الخضوع للنص من خلال المكوس وإهدار دم المكاس وكيف أنه كان مهنة معروفة قبل الإسلام ثم بالتدريج أصبح المكاس هو المعين للدولة لجمع الأموال ما مكن الدولة من التسلط على الأفراد ليتم تقييدهم فيخبو إنتاج المجتمع ويضمحل. ثم بعد ذلك أوضح أربع إيجابيات تميز بها فقهاء السلف، إلا أن هذه الإيجابيات انقلبت وأصبحت أدوات تعين على تخليد الوهن للأمة بسبب التقليد حتى وإن خالف التقليد النص وخالف منهج السلف. أي أننا سنبدأ بالنص وأهميته ونعود إليه. ثم بعد هذا التوضيح لهذه الأفكار الأساسية سننظر لعنصر واحد مهم كمثال توضيحي للخروج على النص. وهذا المثال هو الديوان وذلك بتقصي خلوص النية في العمل عموماً والجهاد خصوصاً، وكيفية تحول العمل الجهادي إلى وظيفة ثم ننتقل إلى ما حدث في الدولة الأموية والدولة العثمانية كمثالين توضيحيين.
الفتوى
قط
أولاً لابد من التوضيح الآتي المهم: إن النقد الآتي للعلماء المعاصرين يجب ألا يقلل من شأنهم. فكما أسلفت، فأنا أسوق الأمثلة من الفتاوى المعاصرة ناقداً إياها حتى تستوعب أخي القارئ ما يحدث، إلا أن هذا لا يعني الطعن في علمهم. فهذه زلات وقعوا فيها، هذا إن كنت أنا على الحق، وقد لا أكون على الحق فتكون أقوالهم هي الأحق. وكأي باحث يحاول توضيح موقفه تجدني أنقدهم بشدة لتتضح لك الفكرة، وأرجو أن تنتبه لهذه المسألة، فلا تغتر بقولي. فالعلماء بالطبع لهم زلات ويجب ألا يلاموا عليها. فقد جاء في الفتاوى الكبرى مثلاً: «إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل مأجور، لا يجوز أن يُتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين».. وكما قيل: فإن الكامل من عُد خطؤه، وقيل أيضاً: أن الفاضل من عدت سقطاته، لهذا وجب علينا التنبه برغم النقد الآتي الشديد.
🗏
محلاً ليعمل به.
متى نحتاج للاجتهاد أو الفتوى؟ لنستعرض عدة أمثلة : كما هو معلوم فإنه لا يحق لغير السعودي أن يفتح محلاً تجارياً أو أي نشاط استثماري مهما قل حجمه داخل الأراضي السعودية. لذلك فقد سأل رجل سعودي في برنامج «سؤال على الهاتف» في الإذاعة السعودية الشيخ صالح السدلان عن رجل غير سعودي طلب منه أن يفتح له أي أن المحل سيكون باسم السعودي في المعاملات الحكومية فأجاب الشيخ بأن «هذا تستر على أنظمة الدولة التي وضعها ولاة الأمر»، لذلك فهو عمل غير جائز. ألا تقف أخي القارئ حائراً أمام هذه الفتوى إن كانت لك ذرة من فقه. فهل إن سئل عنها الرسول صلى الله عليه وسلم لأجاب مثل ما أجاب هذا الشيخ، أم أن رد الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون بعدم شرعية مثل هذه الأنظمة التي تقيد بعض المسلمين وتطلق آخرين بناء على جنسياتهم؟" لنأخذ مثالاً آخر ظهر الشيخ عبد المحسن العبيكان في برنامج على التلفاز، فسأله المذيع عن الجهاد في العراق التي احتلها الأمريكان الذين يحاولون إيجاد دولة علمانية ديمقراطية بشتى الوسائل. فكانت إجابته بأن الجهاد في العراق ليس بواجب في مثل هذه الظروف لأنه لا راية إسلامية مرفوعة هنالك، ولا سلطان مسلم يوجه المسلمين في تلك الديار !! لقد فوجئت بإجابته هذه وسألت نفسي مباشرة: كيف يمكن لشيخ يظهر عليه العلم أن يقول بهذا؟ ألا يرى أن نجاح الأمريكان في إيجاد دولة ديمقراطية سيؤدي إلى انتشار هذه الآفة، أي انتشار آفة الديمقراطية كنظام حكم إلى الدول المجاورة وهكذا يضيع الحكم بما أنزل الله. فما من دولة دخلتها الديمقراطية واستقرت بها وتغلغلت قيمها في شعبها إلا انتهى الحكم فيها بأهواء البشر، أي إلى فساد المجتمع. استعرض جميع الدول أخي القارئ لتتأكد من ذلك، حتى إيران التي يعتقد الكثير أنها تحكم بالشرع بالرجوع للمذهب الشيعي وأنها نجحت في إيجاد ديمقراطية إسلامية، فهي كما ستستنتج أثناء قراءة هذا الكتاب بإذنه تعالى لا تحكم بما أنزل الله، بل نظامها تطويع للديمقراطية لتصبح مؤسلمة. أي وكأنك ألبست رجلاً كافراً زي الإحرام للعمرة، فكان مظهره كرجل يريد العمرة، أما جوهره فغير ذلك. ولعلك لا ترى الفساد الآن لأن التجربة الإيرانية لازالت في مهدها، فمع مرور الزمن وإن استقرت الديمقراطية كقيم في الشعب الإيراني سيظهر الفساد لا محالة. وإن قلت: «إن ذلك الوضع الديمقراطي المؤسلم أفضل مما نحن عليه الآن في معظم دول العالم الإسلامي، فبالانتخابات سيصل الإسلاميون للحكم!». أقول: إن عدو المسلمين في أمتنا الآن هي الحكومات ومن يعمل بها، وهو شر واضح إلا أن المسلمين لم يقدروا عليه الآن وسيسقط إن عاجلاً أو آجلاً بإذن الله، أما إن تأسلمت الديمقراطية فقد تستقر للأبد،
وهذا وبال أشد لأنها نظام اقتصادي اجتماعي قد يتقبله المجتمع وليست كنظام فرد أو أفراد سيسقط لا محالة. مثال ثالث: سأل أحد المستمعين لإذاعة القرآن الكريم في السعودية شيخاً جليلاً . يعد من كبار المفتين في السعودية عن إمكانية الهروب من دفع الرسوم الجمركية لأن السامع لا يعتقد أن الشرع أتى بها وأنها من الأنظمة الوضعية. فأجاب الشيخ بأن المجتمع يحتاج لأموال الجمارك لتغطية نفقات الدولة وعدم دفع الجمارك فرار من الواجب، لذلك لا يجوز له الفرار !!! وكما سترى في فصل «ابن السبيل» بإذن الله، فلن توجد الحدود بين جغرافيات العالم الإسلامي ولا رسوم جمركية هنالك إن طبقت الشريعة، فالجمارك هي مكوس مستحدثة ستثبط همم المسلمين
هامش
ب) وجاء في كتاب الموافقات أيضاً: « ... أن زلة العالم لا يصح ينسب صاحبها إلى التقصير ولا أن يـشنـع عليه بها ولا ينتقص من اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليداً له ، وذلك لأنها موضوعة على أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتا، فإن هذا كله خلاف المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل ما تقتضي رتبته في الدين ...» (٢).
لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها. كما أنه لا ينبغي أن
الديوان
٤٥٧
من الانتقال وبالتالي يضمحل الإنتاج. ولعلك لاحظت من الفصول السابقة أنه لا شيء على المسلم للدولة إن نقل بضاعته من موطن لآخر. فكيف أفتى هذا الشيخ الشهير (والذي أخجل حتى من ذكر اسمه في هذا الكتاب تقديراً لمكانته) بمثل هذه الفتوى. مثال رابع: أفتى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين في فتوى علقت في المساجد بأنه لا بأس من دفع الزكاة لمدارس تحفيظ القرآن الكريم لأنها في سبيل الله. وهنا أيضاً يظهر سؤال: لماذا هذه الفتوى؟ هل نسي الرسول صلى الله عليه وسلم تنبيه الناس إلى جواز إخراج الزكاة لتحفيظ القرآن الكريم؟ فهذا أمر كان بإمكانه صلوات ربي وسلامه عليه فعله لأن القرآن موجود، والراغبين في الحفظ كثر ممن هم حديثي عهد بالإسلام آنذاك، والزكاة قد فرضت، وما أحوج المسلمين لحفظ كتاب الله في الصدور وبالذات أنه لم تكن هناك مطابع وأشرطة سمعية وبصرية، فلماذا لم يقل بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أم أنه صلى الله عليه وسلم فعل ولم يصلنا فعله؟ أم هل هذا ظرف مستحدث يتطلب الفتوى؟ إن الكثير من الفقهاء المعاصرين يرون أن الظروف تغيرت مما يتطلب استصدار الفتاوى والسؤال هو: هل هذا صحيح؟ إن العالم في تغير مستمر كما هو معلوم، وهذا يتطلب تغير الأحكام كما يقول بعض الفقهاء. هنا الإشكالية التي تتجلى في السؤال الآتي: ما معنى تغير الأحكام ؟ إن المقولة بأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان مقولة لا نقاش فيها، إلا أنها إن وضعت» في إطار التغير الزماني والمكاني فهي تعني تغيير الأحكام بالضرورة، لأن الزمان والمكان قد تغيرا، كيف؟ لقد أتى الإسلام مكتملاً، ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ألم يقل أيضاً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ألم يقل أيضاً: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَنًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ ، وهناك آيات أخرى كثيرة. وكما ترى فإن هذه الآيات لا تدع لأي عالم مجالاً للإتيان بحكم جديد في الدين. ولكن في الوقت ذاته هناك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فكيف نجمع بين الاجتهاد وبين هذه الآيات؟ للإجابة لابد من التنبه للآتي: هناك التباسان وقع فيهما بعض الفقهاء الالتباس الأول هو عن ماهية المستجدات والالتباس الثاني هو عن ماهية مقصوصة الحقوق.
الالتباس الأول: المستجدات
تم
بالنسبة للالتباس الأول، فهناك حالتان مختلفتان تماماً الخلط بينهما عند بعض الفقهاء من حيث المستجدات كما في الأمثلة الأربعة السابقة، ويتبلور هذا الخلط في السؤال الآتي: ما هو الظرف المستحدث الذي يتطلب الفتوى؟ هذا السؤال لن نتمكن من الإجابة عليه إلا من خلال سؤال آخر عن المستجدات: هل كان هذا الظرف المستحدث متوفراً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أم لم يكن ؟ لنأخذ مثالاً واضحاً. لم توجد الطائرات في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، وبالطبع فإن ركوب الطائرة أمر لم يعترض عليه العلماء لأن الأصل في وسائل التنقل الإباحة، أما سفر المرأة من غير محرم بالطائرة فهو المستجد لأنها بدخولها في الطائرة وكأنها دخلت طريقاً غير نافذ به الكثير من الناس، إلا أن هذا الطريق يتحرك وليس بثابت، وهذا أمر مستجد قد تحتاج فيه المرأة للعون إن تعرض طفلها مثلاً للمرض وعندها قد تحتك برجل غريب، فكيف سيتعامل العلماء مع حديث الرسول صلى الله
٤٥٨ 🗏
عليه وسلم والذي ذكره البخاري: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم ؟ وبالذات إن اضطرت الطائرة للهبوط في مدينة أخرى؟ ولكن تذكر أنه سبحانه وتعالى يعلم أن الطائرات ستظهر. ألم يقل عالم الغيب والشاهدة :﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة واضحة إلى أنه سبحانه وتعالى يعلم بظهور وسائل نقل أخرى. فكما ترى فإن هذا وضع مستجد يتطلب الفتوى. هنا المسألة واضحة لأنها ظرف مستحدث، فإن ظهرت فتوى بإجازة السفر أو منعه دون محرم فلن تغير من ملامح الأمة المسلمة من حيث التمكين لأن الفتاوى من خلال أدوات الاجتهاد ستعطي أحكاماً تنسجم مع الشريعة ولا تغيرها كما هو معلوم، فإن سافرت إمرأة دون محرم بالطائرة فقد لا تتأثر الأمة في تركيبتها الاقتصادية السياسية الحقوقية كتأثرها بمنع الإحياء للأرض إلا بإذن الإمام مثلاً.
والآن لنأخذ مثالاً لظرف كان متوفراً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله كالمساند التي بدأت تظهر في المساجد. فقد ظهرت هذه المساند في الصفوف الأولى في بعض المساجد حتى يسند المصلي ظهره إليها أثناء انتظاره للصلاة. فهل وجدت هذه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فإن لم توجد، فهل كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم تثبيتها أم لا ؟ والإجابة هي: إن هذه المساند بالطبع لم توجد وكان بإمكانه صلوات ربي وسلامه عليه فعلها ولكن بطريقة أخرى مثل غرس قطعة خشبية رأسية كجذع شجرة وذلك بحفر حفرة ثم وضع الجذع فيها رأسياً ثم دفنه حتى يصبح وكأنه عمود قصير يقل في ارتفاعه عن رقبة الجالس، فتكون بذلك مسنداً (متكأ) لعابد واحد. فهل نقبل بهذه المساند في مساجدنا أم نقول عنها بأنها بدعة ونوقفها؟ لأننا إن لم نفعل فقد تُثبت بعض الكراسي مستقبلاً في أطراف المساجد لكبار السن للجلوس عليها، أو قد تزداد صفوف المساند (كما بدأ في الظهور)، وبهذا قد يتغير المسجد ليشبه الكنيسة بعد قرون. وبالطبع سترفض هذا الآن مباشرة لأن المسألة واضحة لك بأن نصب الكراسي في المساجد بدعة، ولكن مع مرور الوقت وانتشار المساند قد يفعلها أبناء الأجيال القادمة، كما حدث مع الأصنام التي بدأت بتعظيم الصالحين مثل وُد وسواع لتعبد من دون الله سبحانه وتعالى في الأجيال اللاحقة. وهناك وضع بين النقيضين من حيث المستجدات. فمثلاً، لا أثر من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن طفلاً رفع الأذان، فهل إن أتقن طفل الأذان سيؤذن له برفعه؟ ولأنه لم تكن هناك مكبرات صوتية آنذاك وكانت الحاجة لصوت جهوري، فلم يرفع أي من الأطفال الأذان. ولكن مع ظهور المكبرات الصوتية، فهل في رفع الأطفال للأذان إن وجد طفل تميز في أدائه للأذان جذب للأطفال للمساجد؟ وهل هذا وضع مستجد يتطلب الفتوى لاسيما أن أذان بعض الأطفال أجمل من بعض العجم المستأجرين لرفع الأذان في جزيرة العرب؟
إن راجعت الفتاوي الأربع السابقة للاحظت أنها ظهرت لأن الفقهاء رؤا أن الوضع قد تغير، أي أن تغير الزمان أدى لتغير الظروف فظهرت مستجدات تتطلب الفتوى، والأمر بالنسبة لي ليس كذلك، أي هنا وقع الخلط. لنعلق على الفتاوى أولاً من خلال مثالنا لمرض الإيدز الذي ذكرته مراراً: إن الشيخ الذي رفض التستر على الأنظمة، ما فعل هذا إلا لأنه تقبل الوضع الحالي من أن الدول القومية أمر لابد منه، وأن لكل دولة مواطنين وأنظمة، وأن هؤلاء المواطنين هم فقط الذين يحق لهم العمل دون غيرهم في إطار الأنظمة لأن هذا وضع مستجد. هنا أقول: إن هذا الوضع ما نتج إلا لأن المجتمعات المعاصرة خرجت عن الحكم بما أنزل الله فتمزقت إلى دول قومية ذات حدود، فكيف يفرض ذلك الشيخ على الشريعة وضعاً مرفوضاً ثم يستحدث حكماً جديداً بناءً عليه،
الديوان
٤٥٩
وهذا (أي فكرة تقبل الدول القومية أمر ما كان يجب أن يحدث. فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش معنا، فهل كان يقبل بهذا الحكم أم أنه سيقاوم الدول القومية ليوجد أمة مسلمة دون تمييز بين أفرادها من حيث القوميات، فالمغربي المسلم كالمصري كاليماني في كل جغرافيات العالم الإسلامي.
أما الشيخ الثاني الذي تقبل وجود قوات أمريكية كظرف مستحدث (وعلى افتراض أنه من خلال إيجاد الحكومة الأمريكية لحكومة عراقية ليستتب الوضع وعندها ستخرج القوات الأمريكية)، فهو أفتى لأنه اعتقد أن هذا وضع مستحدث لم يتعرض له المسلمون من قبل. فمن باب حقن دماء المسلمين أفتى بعدم وجوب الجهاد لأن الجهاد سيدخل العراقيين في دائرة عنف لا نهاية لها بين الإسلاميين والعلمانيين وبين السنة والشيعة، وبين العرب والأكراد، وهكذا قد تشتعل الفوضى بين السكان كما يعتقد الشيخ، لذلك ذهب لعدم وجوب الجهاد. وبالطبع فإن هذا وضع غير مستحدث، فقد كانت المجتمعات المسلمة خليطاً من جماعات مختلفة متناحرة قبل إسلامها، فالأوس والخزرج كانا في عداء مستمر حتى جمعهم الإسلام كما أن المهاجرين والأنصار كانوا بالآلاف، أما الجيوش التي فتحت الشام ومصر فهي في عشرات الآلاف فمن أين أتى هذا الفائض من الناس إلا إن كانوا من جنسيات مختلفة جمعهم الإسلام، فهذا طارق بن زياد من البربر مثلاً. وهذا أمر معروف ومسلم به فلماذا لم يبحث ويرجع الشيخ إلى وضع غزى فيه غير المسلمين ديار المسلمين الذين كانوا فيها من أعراق مختلفة وقال فيه العلماء بعدم وجوب الجهاد حتى يصح قياسه؟ بالطبع لن يجد مثل هذا الظرف، فلم يقل أحد من العلماء بذلك من قبل، أي أنه كالشيخ السابق افترض استحداث ظرف جديد فاعتقد أنه بحاجة للفتوى فاختلط عليه الأمر، والله أعلم.
وبالنسبة للشيخ الثالث الذي أفتى بعدم جواز التهرب من الرسوم الجمركية، فهو إنما أفتى بذلك لأنه لم يتمكن من تصور مجتمع مسلم دونما دولة ذات نفقات. لذلك فلابد من دفع الرسوم الجمركية لتتمكن الدولة من القيام بمسؤولياتها كإنشاء المصحات والمدارس وتعبيد الطرق ونحوها من نفقات. أي كالشيخين السابقين افترض ظرفاً جديداً (وهو ضرورة توفر المال للدولة في عصرنا الحاضر). وكما سترى بإذنه تعالى من باقي فصول هذا الكتاب فإن عدم وقوع الأموال في يد الدولة سينتج مجتمعاً أكثر أمناً وأسعد أفراداً وأكثر غزارة في مرافقه وخدماته. أي أنه مثل الشيخين السابقين اختلط عليه الأمر، والله أعلم.
هامش
جـ ) فالطائرة لا تطير لأن الإنسان رفعها في السماء ولكنها تطير في الحرم المكي أو المدني أو جوامع نجد أو شمال أفريقيا لحمل بفارق الضغط الجوي من تحت جناح الطائرة والذي هو من السقف. وفي كثرتها فائدة للمصلين بالاستناد عليها، إلا أن هذا ظرف النواميس التي خلقها الله سبحانه وتعالى. فالإنسان لم يبتكر الطيران يختلف عن وضع المساند عمداً للمصلين. ولكنه اكتشف واستغل ظاهرة كانت موجودة أصلاً كما سيأتي بيانها هـ) للتذكير : قلت سابقاً بأن مرض الإيدز هو بسبب الانحراف في فصل «قص المعرفة» بإذن الله . الجنسي، فإن حاولنا إيجاد علاج للمرض فعندها سينتشر الانحراف د) و إن نظرنا لمساجد العالم الإسلامي نلحظ حرص المسلمين على أكثر وأكثر بين الناس، ولكن الأولى استثمار المجهود بالتركيز على تلافي وضع مثل هذه المساند ، في ند، فالجامع الأموي بدمشق وهياصوفيا في جـذ أصل المرض، أي منع الانحراف الجنسي، وهكذا الحال مع إسطنبول والذين كانا كنيستين، ثم حورتا لتكونا مسجدين، وبرغم الاجتهاد، فإن محاولة إيجاد فتاوى لحل أوضاع ناتجة عن عدم تطبيق كبر مساحتيهما ودون أعمدة لم يضع فيها المسلمون المساند . وكذلك الشريعة (مثل القبول بفرض الجمارك) سيؤدي للمزيد من الانحراف مسجد السلطان حسن في القاهرة مثلاً، فرغم كبر مساحته لا يحوي عن الشرع، مما يتطلب المزيد من الفتاوى، وهكذا حتى يصبح مثل هذه المساند. فالناس عادة ما يبحثون عن حائط أو عن عمود الإسلام دين آخر غير الذي أنزل على سيد البشر محمد صلى الله عليه
ليسندوا ظهورهم إليه، وهذه الأعمدة قد تكثر في بعض المساجد كما وسلم.
٤٦٠ 🗏
مقارنة بعصر
وبالنسبة للفتوى الأخيرة عن جواز دفع أموال الزكاة لتحفيظ القرآن الكريم، لأنها وكأنها في سبيل الله (الصنف السابع من المستحقين للزكاة)، فلا أدري ما الذي دفع الشيخ لهذه الفتوى؟ هـل لأن الجهاد باب قد أغلقته الدول الآن فهو لا يريد لهذا المسار من المال أن يتوقف؟ أم أنه يرى أن في زيادة حفظة القرآن الكريم خير للمجتمع وذلك لكثرة المنحرفين الآن مقارنة بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فنظراً لانتشار الفسوق بين الناس السلف فهو قد رأى أن الإنفاق من أموال الزكاة على الحفظة سيعيد الأمة لقيمها المفقودة؟ هنا أيضاً تكون الإجابة بأن سبب الفسق بين الناس الآن هو عدم تطبيق الشريعة كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله، و في بذل مال الزكاة على مصارف أخرى غير مصارفها الثمانية تعميق أشد للضياع لأن فيه خروج أشد عن الشرع كما سترى بإذنه تعالى. صحيح أن زيادة الحفظة للقرآن الكريم خير كبير للأمة، وفي هذا عزة للمسلمين، إلا أن هناك طريق أقصر وأسرع للعزة إن نحن التزمنا بدفع الزكاة للأصناف الثمانية المنصوص عليها كما سترى بإذنه تعالى. إلا أنك قد تستنكر كل ما سبق لأن الفتاوى من علماء أجلاء. فأقول: إن استنكارك في محله إن لم أستطع أن أثبت لك أن تطبيق الشريعة بالالتزام بالنص هو الأفضل، لأنني إن أثبت لك أن تطبيق الشريعة دون أي تطويع (مثل دفع الزكاة لحفظة القرآن الكريم، أو القبول بالجمارك (مثلاً) سيؤدي لأمة أتقى وأعز وأقوى وأسعد عندها لا
مفر لك من موافقتي.
هذه الأمثلة السابقة هي لبعض العلماء المعاصرين ممن يتبعون السلف من أهل السنة والجماعة، فإن كان الوضع هكذا مع السلفيين الذين اضطر القلة منهم (والحمد لله أنهم قلة لتقبل الواقع المنحرف فوقع الخلط، فما بالك مما يصدر عن غيرهم من فتاوى، فأولئك وبرغم أنهم علماء أجلاء كما سترى في الفصل بعد القادم بإذن الله، أفتوا بعقولهم لتقبلهم الوضع المعاصر بطريقة تخرج الأمة عن الإسلام والعياذ بالله، وهذا هو محور موضوع الفصل بعد القادم. فمفتي مصر محمد سيد طنطاوي غفر الله له أفتى مثلاً بأنه لا حق للمسلمين في الاعتراض على فرنسا التي فرضت نزع الحجاب على المسلمات في فرنسا بحجة أن لكل دولة سيادتها على شؤونها، هذا ما سمعته منه بإذني في التلفاز. ولكن الحمد الله قام عليه كثير من العلماء واستنكروا عليه هذا التنازل. وهذا تنازل واضح باستطاعة أي مسلم التنبه له، لذلك فإن خطره أقل. ولكن هناك تنازلات جرت في الأمة مجرى الدم ولم يعارضها حتى العلماء، بل وقفوا في حيرة منها وهي الأخطر فهذا الشيخ الذائع الصيت القرضاوي غفر الله له لا يرى بأساً من فرض الضرائب على الناس في وقتنا المعاصر، بل واستحدث من الأدلة ما يدعم اقتراحه، وهذه هي المكوس بعينها التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها (كما سيأتي بإذنه تعالى في فصل «المكوس»).
ولعل من أقوى الشبهات التي استخدمها من يحاولون تغيير الأحكام لتلائم العصر هي المقولة بأن الفتوى تتغير بتغير الظرف والزمان والمكان وأن في هذا رحمة للأمة. ولهم في ذلك أدلة كثيرة وبالإمكان الرد عليها، منها مثلاً: ما جاء في مسند الإمام أحمد عن «عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: (لا)، فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: (نعم)، قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه». فمن يقولون بتغير الفتوى بتغير الظرف والزمان والمكان يستدلون من هذا الأثر أن الرسول صلى الله عليه وسلم غير الفتوى بتغير الحال والذي اعتقده والله أعلم هو أن هذا استنتاج عجيب. فلماذا يقال أن الفتوى
ح
ط
الديوان
٤٦١
ي
تغيرت؟ بل هما حكمان مختلفان لوضعين مختلفين تماماً. فحكم تقبيل الشاب لزوجته وهو صائم سيختلف في معظم الأحيان عن حكم تقبيل الشيخ لزوجته في كل الأزمان وفي كل الأماكن بناء على توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم. كما أن هذه الظروف المتباينة التي اعتد بها بعض الفقهاء هي ظروف اعتيادية، أي أن هذه الظروف التي يرى من خلالها الفقهاء إمكانية تغير الأحكام بتغير الظرف والزمان والمكان ليست ظروفاً اضطرارية تبيح التنازل عن اتباع حكم ما، كمن يباح له أكل الميتة إن خاف على نفسه الموت جوعاً. بل هي ظروف اعتيادية جداً.
۱۰
C
ومن أدلتهم أيضاً ما جاء في صحيح مسلم عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا). وهناك أكثر من شيخ يستدل بهذا الحديث بأن الأحكام تتغير إن كانت هناك حاجة نظراً لتغير الظروف لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غير الحكم من منع زيارة القبور مثلاً إلى الحث عليه. وهذا استنتاج عجيب أيضاً لأنه لا أحد مثل الرسول صلى الله عليه وسلم (أولاً)، لأننا إن فكرنا بهذه الطريقة (ثانياً) قد نحلل شرب الخمر لأنه كان مباحاً ثم حرم، وكذلك كل حلال وحرام وكل أمر ونهي، فالإسلام لم يأت دفعة واحدة، بل على مراحل. وعلى الأمة اتباع ما انتهى إليه الإسلام من أحكام عندما اكتمل. ولأنه لا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
هو
تغییر
ومن أدلتهم أيضاً أن الفقهاء ذوي الأفق الواسع الذين سافروا في الأقطار المختلفة (كما يقولون)، ونظراً لنضجهم بسبب ترحالهم مثل القرضاوي في العصر الحديث أو الشافعي سابقاً، هم الذين سيتمكنون من استنباط الأحكام التي تناسب تغير الزمان والمكان حتى لا يوضع المسلمون في حرج. ودليلهم على هذا عادة الشافعي لأقواله عندما وصل مصر عن تلك التي قالها في بغداد والسؤال هنا هو : هل قال الشافعي بأن للناس العمل بقوله القديم إن كانوا في بغداد والعمل بقوله الجديد إن كانوا في مصر نظراً لتغير المكان؟ أم أنه هو الذي أدرك أن قوله القديم في بغداد لم يكن بذات الصحة التي عدل عنها لقوله الجديد؟ ولنفترض أن الشافعي توفي رحمه الله قبل أن يصل إلى مصر، وأن له قولاً واحداً كما في القديم، فهل هذا يعني أن على الشافعية اتباع قوله القديم فقط. بالطبع كلا، ففي جميع الأحوال فإن على كل عالم محاولة تقصي الحق أين ما كان ولأن الحق واحد ولا يتغير في حقوق الآدميين كما ذكرنا في فصل «قصور العقل»، فلا مجال للاجتهاد لأن حدود الحقوق مرسومة بنصوص واضحة كما سترى بإذن الله جل جلاله لأضرب بعض الأمثلة من خارج موضوع الكتاب: لاحظ قوله تعالى:
هامش
و) وأنا سلفي مثلهم بإذن الله ، إن كانت السلفية تعني التمسك بما ط) هذا ما سمعته من الدكتور القرضاوي مثلاً مراراً وتكراراً في قناة قال الله جل جلاله، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل ولم يفعل الجزيرة الفضائية. وهذه الأخيرة هي الأهم لهذا الفصل كما سأوضح بإذن الله. ي) وقال الشيخ المنجد أثابه الله: «فإن قبل ولم يخرج منه شيء ز) تذکر مثال مرض الإيدز أخي القارئ، فإنه لا حاجة لهذه الفتوى فصيامه صحيح، فعلى الصائم أن يجتنب التقبيل وما شابه من مقدمات إن طبقت الشريعة لأن الإسلام يمنع المسلمين من العيش بين ظهراني الجماع إذا لم يأمن على نفسه الوقوع في ما يفسد صيامه مثل الإنزال غير المسلمين، وأن هذا الوضع الذي هاجر فيه الكثير هربا من والجماع . وقال بعض أهل العلم بالتفريق بين الشيخ والشاب ولكن ديارهم للعيش في دول الغرب هو وضع ناتج من عدم تطبيق هذا التفريق ليس بمطرد، فقد يوجد شاب يملك نفسه وكبير لا يملك
مقصوصة الحقوق. ولكن ما الحل؟ سيأتي بيانه بإذن الله . ح) «قال الهيثمي : فيه ابن لهيعة والكلام فيه معروف» (۸).
نفسه، وإن كان الغالب العكس» (۹).
٤٦٢ 🗏 ﴿
الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ ﴾ ، " لاحظ كيف أنه سبحانه وتعالى عظم حق المرأة حتى لا تظلم، فقد نُسب الحق الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ . مثال اخر في الحقوق: تأمل قوله تعالى: ﴿ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَ أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثَّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، لاحظ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ بعد ذكر الحقوق المالية للورثة. مثال ثالث: تأمل حق المرأة في المكوث في بيت زوجها في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، لَا تَدْري لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَالِكَ أَمْرًا﴾ ، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ،وقد امتدح سبحانه وتعالى الحافظين لحدود الله بقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، والملفت للنظر في الآيات السابقة استخدامه سبحانه وتعالى لعبارة: حُدُودُ الله حتى يرسم للبشر الحدود ليقفوا عندها، لا أن يتعدوها بالتأويل فكيف تحفظ الحقوق إن كانت متغيرة لكل ظرف أو زمان أو مكان؟ عندها لن يكون هناك إسلام واحد، بل إسلام لأهل الصين وآخر لأهل الهند وثالث لأهل الجزيرة العربية ورابع لأهل السودان، وهكذا حتى أن سكان كل قرية قد يكون لهم إسلامهم الخاص بهم الذي يختلف عن إسلام سكان القرى المجاورة لأن ظروف سكان كل مكان تختلف عن سكان المكان الذي يليه، ناهيك عن الزمن الذي هو في تغير مستمر. يا للعجب !!! إلا أن هذا لا يعني رفض الاختلافات في التفاصيل كما سيأتي بإذن الله.
١٤
۱۳
الإلتباس الثاني: مقصوصة الحقوق
وبالنسبة للالتباس الثاني، أي ماهية مقصوصة الحقوق، فكما أحاول توضيحه في هذا الكتاب، هو أن الإسلام أتى مكتملاً في مقصوصة الحقوق، ولا مجال للفتوى أبداً أبداً. فقد تكون الحاجة للفتوى مطلوبة في
عصر
العبادات، وهي علاقة بين الإنسان وربه (مثل حكم تحديد مسافة السفر لقصر الصلاة في السيارات)، أما الحقوق التي تربط الناس بعضهم ببعض وبالدولة بالذات، فقد أتت بها الشريعة مكتملة لا تحتمل الاجتهاد أبداً كما سيأتي بإذن الله. فمعظم الأدلة النصية التي استدل بها من يذهبون إلى إمكانية تغير الأحكام بتغير الزمان ليست أدلة متصلة بحقوق الآدميين، ولهذا وقع الخلط، فمسألة تقبيل الزوجة في الصوم ليست من الحقوق التي تخص الآدميين مثلاً، ولكنها مسألة تتصل بالعلاقة بين العبد وربه، أي أنها ليست علاقة حقوقية بين إنسان وآخر أو الإنسان والدولة. أي أنها ليست من مقصوصة الحقوق والله أعلم. أي أن هناك خلط في أذهان هؤلاء الفقهاء بين
الديوان
٤٦٣
مقصوصة الحقوق والمسائل التعبدية الأخرى، تماماً كالخلط الذي وقع في واقعة تأبير النخل، أي في سوء استخدام قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم كدليل لإصدار الأنظمة والقوانين كما ذكرت في مقدمة الكتاب، وتماماً كما حدث مع نهيه صلوات ربي وسلامه عليه من زيارة القبور ثم إجازته لها صلى الله عليه وسلم.
وهكذا معظم الأدلة.
أخي القارئ : قد يكون ما ذهب إليه المعاصرون من فتاواهم بحجة تغير الزمان صحيحاً في المسائل التي لا تمس الحقوق في كل ما هو تعبدي من علاقة بين العبد وربه وفي كل ما هو تقني. فبالنسبة للأمور التعبدية فللفقهاء مثلاً تمديد مدة إجازة الرجم في منى نظراً للازدحام. أما بالنسبة للأمور التقنية فلهم أن يفتوا في إباحة أو حرمة استزراع طفل في رحم أمه بعد تجميد الحيوانات المنوية للأب، أو في تحليل ذبح الدواجن بالتسمية عليها مجتمعة أو بوضع شريط تسجيلي وما إليها من مسائل لا تتعلق بحقوق الآدميين. أما في الحقوق، وكما أحاول أن أثبت في هذا الكتاب، فإنها مسألة منتهية بقوله تعالى: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ . ولكنك قد تقول: ولكن الفقهاء اختلفوا حتى فيما أتى به نص، فبالنسبة للطلاق مثلاً، فقد اختلفت الأفهام لقوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾، فهل التلفظ بعدة طلقات في مرة واحدة تعتبر أكثر من طلقة مثلاً؟ فأقول: حتى وإن اختلفت الأفهام وبالتالي الأحكام، فجميع هذه الأحكام لا تزال داخل حيز ضيق مقارنة بأنظمة المجتمعات الأخرى، فلن تطلق الزوجة نفسها مثلاً من دون قاض، ويجب أن يكون الطلاق في طهر، ثم إن وقع الطلاق فلن تجبر الزوجة من الخروج من بيتها قبل إكمال العدة، وهكذا من الكثير من الشروط التي تجعل من نظام الطلاق في الإسلام نظاماً يختلف جذرياً عن المجتمعات غير المسلمة برغم الاختلافات بين المذاهب (وسيأتي بيانه بإذنه تعالى). وهذا يقودنا للآتي:
وأخيراً الشبهة الآتية: من أدلتهم أيضاً لاستصدار الفتاوى الادعاء بأن في الأمر «سعة» بناء على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها). فهم يستنتجون من هذا الحديث بأن كل ما لم يأت فيه حكم فهو حيز واسع، وللفقهاء مجال الفتوى فيه وأن في هذا رحمة للأمة. فكر ملياً أخي القارئ: إن منعنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياء أن نبحث عنها رحمـة بنـا بنص قوله: وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها، فكيف نبحث عنها ونصدر فيها الفتاوى ونردد أن هذه «السعة» رحمة؟ ولكن أرجو ألا تسيء الفهم، فأنا لا أقول بمنع الفتوى، ومن أنا لأقول بذلك؟! ولكن ما لم يكن فيه حكم شرعي من الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يحق لنا بناء على هذا الحديث أن نضع له أحكاماً لأنه ترك للناس التخير بما يرونه ملائماً لهم العمل به، وهذا نص. ولنضرب مثالاً واحداً، إن لم يسأل الشاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن حكم القبلة في الصوم وكذلك الشيخ، فإن هذه المسألة من المفترض بها أن تترك لكل إنسان
هامش
ك) لاحظ أن هناك من الأقوال الفقهية ما يعتبر الحقوق الآدمية الله، لذلك فبإمكانك القول بأن العلاقة هنا ليست فقط بين العبد حقوقاً الله وذلك تعظيماً لشأنها مثل من أخذ شبراً من طريق المسلمين والعبد، بل وبين العبد وربه أيضاً. وبالطبع فأنت محق. ولكن فقط بتوسعة داره مثلاً فهو كأنما أخذ من جميع المسلمين لأن الطريق من لغرض سهولة التعبير لإيصال الفكرة أميز بين علاقة الإنسان بربه حق جميع المسلمين ، أي وكأنه أخذ من حق الله . وهم بالطبع محقون وعلاقته بالآخرين، فجميع العلاقات الحقوقية بين الناس هي في (وسيأتي بيانه بإذنه تعالى في «الأماكن». إلا أن التمييز الذي أقصده النهاية حدود من تعداها فقد تعدى حدود الله. هنا هو ليس هذا، فكل متعد على حقوق أي فرد هو تعد على حدود
٤٦٤ 🗏
أن يجتهد ليعمل ما يراه ملائماً له بناءً على ورعه وتقواه. ولأن هذه المسألة هي من العلاقة بين العبد وربه وليست من مقصوصة الحقوق، فإن قبل الرجل زوجته أو لم يقبل سواء كان شاباً أو كهلاً فلن يؤثر ذلك في المجتمع اقتصادياً أو سياسياً، أي أن الأمة لن تتأثر معزة أو ذلاً بقدر تأثرها بالفتوى بدفع الزكاة للدولة في أيامنا المعاصرة والتي إن تجمعت للدولة أسيء استخدامها لا محالة كما سيأتي بإذن الله. فشتان بين الحالين، ولكن لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أصدر الحكم في المسألة بمنع تقبيل الشاب لزوجته عند صومه، فعلينا الالتزام به وبكل نص أو فعل أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم لا كما ذهب بعض الفقهاء كالقرضاوي مثلاً بالقول بأن جملة ما أتى من الرسول صلى الله عليه وسلم هي أقوال وأفعال، وأن علينا الالتزام بالأقوال، أما الأفعال، ولأنها ليست أوامر منه صلى الله عليه وسلم، فإن لنا الخيار بعدم اتباعها إن احتجنا لذلك نظراً لتغير الزمان وظروفه بدليل عدم تقسيم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسواد العراق خلافاً لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. وبالطبع فإن هذا استشهاد ل ضعيف كما مر بنا في فصل «دولة الناس».
وكما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله، فإن هناك حكمة عميقة في الشريعة بترك بعض الأمور دون أحكام حتى ينطلق المجتمع بتراكم التجارب المختلفة، لا أن تترك هذه السعة للفقهاء ليأتوا فيسدوها بالإفتاء بعقولهم القاصرة فلا تتراكم المعرفة. ولكنك قد تسأل : وماذا عن الفتاوى التي أصدرها فقهاء السلف واختلفوا فيما بينهم فيها، فهل علينا تركها؟ فأجيب: كلا، فجميع ما جاء من علماء السلف وعلى رأسهم الشافعي وأحمد وابن قدامة وابن حجر وابن تيمية وغيرهم كثير، ليست فتاوى فيما سكت عنها الشرع، بل هي توضيحات تطبيقية لما أتى به الشرع. لنأخذ مثالاً على ذلك: فجميعهم يقولون بجواز الإحياء بغير إذن الإمام بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له، إلا أن اختلافاتهم في تفاصيل ماهية الإحياء من أفعال يمتلك المحيي الأرض. وجميعهم يقولون بأحقية المسلم للوصول للمعادن وامتلاكها إن هو حازها بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)، إلا أن اختلافاتهم في التفاصيل كالاختلاف في ملكية الأرض التي بها معادن باطنة، هل يملكها الذي عمل بها أم لا؟ أي أنهم متفقون على ملكية المعادن المحازة. أي أن الفقهاء مجمعون على الكثير من الدوائر الخارجية المحيطة ومختلفون في الدائرة الأصغر. كيف؟
حتى
تصور أخي القارئ أن مقصوصة الحقوق عبارة عن دوائر ،متعددة، وأن كل دائرة تحوي دوائر أصغر منها بعضها داخل بعض وبأقطار مختلفة. وأن كل مجموعة من الدوائر ذات المركز الواحد تحوم حول حق معين. فهناك دوائر ذات مـركـز واحد تخص الإحياء، ودوائر ذات مركز آخر تخص الارتفاق، ودوائر تخص الفيء وهكذا. ستلحظ في الشريعة أن الفقهاء غالباً ما يتفقون في الدوائر الأقرب للمركز وأن اختلافاتهم في أطراف الدوائر الخارجية، كما أن الدوائر ذات المراكز المختلفة تتقاطع فيما بينها وأن الفقهاء لا يختلفون في هذه التقاطعات الرئيسية، وهنا حدث الخلط والالتباس لدى بعض الفقهاء المعاصرين، فهم أفتوا في مسائل تمس مراكز الدوائر التي تغير مقصوصة الحقوق، بينما اتفق فقهاء السلف عليها . لتوضيح الفكرة سأضع بين يديك النازلة الآتية:
إذا قام شخص بتعلية بنيانه فهل يُلزَم بأن يستر سطحه ببناء سور حتى لا يشرف على منازل جيرانه عندما يصعد إلى السطح ؟ قال الماوردي من المذهب الشافعي: ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر سطحه وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره ...»؛ وفي المجموع: «إذا كان سطح داره أعلى من سطح دار جاره لم يجبر من علا سطحه على بناء
الديوان
٤٦٥
10
سترة». والآن تأمل مذهب الحنابلة، فهو العكس تماماً. ذهب الإمام أحمد إلى أنه: «يجبر من علا سطحه على بناء سترة، لأنه إذا صعد سطحه أشرف على دار جاره، والإنسان ممنوع من الانتفاع بملكه على وجه يستضر به غيره». ويقول أبو يعلى الحنبلي: «ويكره من علا بناؤه أن يستر سطحه. قال في رواية ابن منصور في الرجل يشرف على جاره «فالستر على الذي أشرف». ... فإن قيل : كان يجب أن يقال : يلزمه أن لا يشرف على غيره، ولا يلزمه أن يستر سطحه. قيل: لا يمكنه في العادة أن لا يشرف على غيره إلا ببناء سترة. لأنه قد يسهو أو يغفل عن ترك الإشراف
١٦
۱۷
منه
لظهوره عليه ...». هنا قد يأتي شخص أخرق ويقول: ما هذا الدين الذي يجتمع فيه قولان متضادان تماماً في نفس المسألة؟ فبأيهما نأخذ؟ فأجيب: برغم تضاد كلا الرأيين السابقين في الظاهر، إلا أنهما متفقان في جميع المراحل التي ستؤدي في النهاية في الأغلب إلى نتائج متشابه. فكلا المذهبين بالرجوع لمبادئ الإحياء لم يعطيا الدولة الحق في دفع الناس للبناء في مناطق محددة بناءً على تنظيم معين، بل كان قرار اختيار موقع السكنى بناءاً على ظروف وإمكانات كل ساكن. وهذه الدائرة الأولى التي اتفق على مركزها المذهبان الشافعي والحنبلي وكلا المذهبين بالرجوع لمبدأ الضرر تلافيا تدخل أي جهات خارجية كأجهزة السلطات مثل البلديات أو المحاكم في حل المشكلة ابتداء. فلم تكن هناك مثلاً قوانين موضوعة من جهة خارجية كأمانة المدينة لحل المسألة، وهذا مركز آخر لدائرة أخرى. كما أن كلا المذهبين لم يحبذا تدخل المحتسب لأنها مسألة تخص الجارين معاً، إلا إذا طلب أحدهما ذلك، وهذه دائرة ثانية عن دور المحتسب. فكلا المذهبين قالا: «فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار لأنه حق يخصه فيصح العفو عنه والمطالبة به». ولعل الأهم في هذه النازلة هو أن الجارين لن يختلفا لأنها يتبعان العرف المنتشر في بها عمرانياً، وهذه دائرة ثالثة بمركز مختلف. فإن جُلت بفكرك أخي القارئ في المدن الإسلامية ستلحظ أن لكل مدينة حلولها العمرانية المتشابهة فيما بينها، فجميع مباني مكة المكرمة التقليدية متشابهة وذات رواشين خشبية تغطي فتحات كبيرة في الواجهات وأسوار مخلخلة للتهوية على الأسطح، وجميع مباني نجد متشابه وذات حوائط خارجية مصمتة بفتحات صغيرة وأسوار عالية على الأسطح. أما أسوار أسطح مباني تونس العتيقة فهي في الغالب منخفضة الارتفاع إن وجدت، بينما أسطح مباني وادي ضرعة بالقرب من ورزازات جنوبي المغرب العربي بها أبواب بين أسوار الأسطح حتى يتمكن النساء من التنقل من سطح لآخر بحرية. وما ظهرت هذه الاختلافات بين المناطق إلا لأن الشريعة وضعت حركيات ستؤدي في النهاية إلى ظهور الأعراف البنائية الأكثر ملاءمة لظروف كل منطقة، فيصبح لكل منطقة عمرانها أو طابعها الملائم، أي عرفهم الخاص بهم. ن لذلك فإن الجيران لن يختلفوا لأنهم يتبعون عرفاً واحداً في البناء في منطقتهم، وهذه الدائرة الرابعة ذات المركز المختلف والتي ما نتجت إلا لأنها تضم العديد من الدوائر المتداخلة عن الحقوق التي مكنت الناس من اتخاذ القرارات التي تناسبهم كل في موقعه كما سيأتي في الحديث عن «الأماكن» بإذنه تعالى).
هامش
ل) هذا ما قاله الشيخ القرضاوي مراراً في برنامجه «الشريعة والحياة للنص. في قناة الجزيرة الفضائية والذي يبث كل يوم أحد في أوائل القرن م) وعادة ما يتندر الناس استهزاءً بالشرع بالقول فيما بينهم: «هناك الواحد والعشرين الميلادي. ولكن عدم تقسيم سواد العراق ليس قولان تعبيراً عن الضياع، غفر الله لهم. خلافاً لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، ولكنه عملاً (ن) للتفصيل حول هذا الموضوع انظر الفصل التاسع من كتاب بالآيات التي تلي آية الفيء وترك آية الغنائم كما وضحت في فصل «عمارة الأرض في الإسلام».
«دولة الناس»، فسواد العراق فتح عنوة وكان يجب أن يقسم اتباعا
🗏
مثل
أما إن اختلف الجاران، وهذا أمر نادر الحدوث، فإن هنك مراحل تحبذ تدخل الأفراد المحيطين ) ن بهم الجيران والأقارب لحل النزاع قبل وصوله إلى القاضي. وهذه المراحل ما هي إلا نتيجة حتمية لمبادئ الشريعة التي طورت إطاراً يؤدي إلى تدخل الجيران أو الأقارب في الوقت المناسب من خلال الكثير من الحركيات التي توصي بحقوق الجار مثلاً، وهذه دائرة خامسة ذات مركز مختلف وتقاطعت مع الدوائر الأربع السابقة. ثم إن فشلت محاولات الصلح هذه، وهذا نادر الحدوث أيضاً، سيأتي المحتسب ويحاول حل الإشكالية من خلال تعريف الجارين بما هو أمثل لهما وتوضيح حدود حقوق كل واحد منهما تجاه الآخر، وهذه دائرة سادسة. أما إن فشل المحتسب وأصر أحد الجارين أو كلاهما، فإن النازلة ستعرض حينئذ على القاضي. وأول ما يقوم به القاضي هو الإصلاح بين الطرفين، لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . وقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن»، وهذه دائرة سابعة. وإن لم يتمكن القاضي من فرض الصلح فسيفرض حينئذ أحد الحكمين السابقين بناءً على مذهبه واجتهاده. أي إما بإجبار المتعلي على بناء سور أو لا. وهذه هي الدائرة الثامنة، وهي التي ظهر فيها العمل بأحد القولين المختلفين للشافعي أو أحمد. ففي هذا المثال نرى أنه برغم أن الحكمين في المذهبين يبدوان مختلفين تماماً، بل ومتعاكسين أيضاً، إلا أن الاختلاف ظهر في أطراف الدائرة الأخيرة.
۱۸
۱۹
لأضرب المثال الآتي، والذي عادة ما أضربه للطلاب للتوضيح ولو أن به بعض المبالغة والسذاجة: إن نظرت إلى فتاتين جميلتين جداً جداً ومتشابهتين تماماً تماماً إلا أن معتوهاً قال لك إنهما مختلفتان تماماً بدليل أن طول الشعرة التي في حاجب إحداهن وهي بالتحديد الشعرة التاسعة من النصف الأعلى في الصف الثالث من الجهة اليمنى من العين اليسرى هي نصف طول ما لدى الفتاة الأخرى في نفس الموقع، وأن هذا اختلاف بين الفتاتين، وأن الشعرة التي بجانبها هي العكس تماماً بين الفتاتين!! فما عساك أن تقول له؟ وبدأ هذا الأخـرق يبحث لك عن مثل هذه الفروق حتى يميز إحداهما عن الأخرى. بالطبع لن تكترث لجنونه لأنك ترى بأم عينك أنهما فتاتان جميلتان ومتشابهتان برغم الاختلافات في التفاصيل الدقيقة، كذلك هي الأقوال المختلفة بين مذاهب أهل السنة والجماعة. فهناك العديد من مراكز الدوائر التي يتفق عليها الفقهاء، وهذه الدوائر المركزية هي التي ترسم المعالم الرئيسية للتركيبة الاقتصادية السياسية الاجتماعية للأمة المسلمة وهي كل ما يتعلق بمقصوصة الحقوق. وكأن هذه الدوائر المركزية قواعد لأعمدة تحمل مبنى هو الأمة. ومن هذه الدوائر : دوائر حق الفرد في الإحياء دون إذن الإمام، ودوائر حقه في تملك المعادن، ودوائر عدم أحقية الدولة في فرض الضرائب عليه، ودائرة حق الفقير في مال الغني من خلال الزكاة، ودوائر الحقوق المستنبطة من حديث الضرر، ودوائر حقوق الشفعة والميراث، وهكذا من دوائر تكوّن مقصوصة الحقوق من الله العليم الحكيم ( وهذه الحقوق هي لب موضوع هذا الكتاب). وهذه الدوائر المركزية التي اتفق عليها فقهاء السلف هي التي حدث فيها الخلط لدى بعض الفقهاء المعاصرين فأفتوا بفتاوى عجيبة، كما سيأتي بإذنه تعالى.
أما إن تركت بعض المعاملات المتعلقة بالحقوق الآدمية (مقوصصة (الحقوق) دون أن يأتي فيها نص شرعي، فهي ليست حيزاً للإفتاء، أي أنها ليست «سعة» كما ذهب بعض المعاصرين، بل يجب أن تترك دون إفتاء لأن
الديوان
٤٦٧
الفتوى ستكون في الغالب قيداً يعرقل نمو المعرفة كما ذكرت وسيأتي تفصيله في فصل «المعرفة» بإذنه تعالى. والنمو المعرفي يؤدي للأعراف، فالأعراف معرفة تنمو رويداً من خلال تراكم التجارب في كل منطقة. وهذه الأعراف أو العادات هي التي تعكس الاختلافات بين الأقاليم والأزمان وهي أحد مصادر التشريع عند الاختلاف بين الأطراف إن لم يوجد نص كما هو معلوم، كما أن الأخذ بالأعراف لا يعني قط استصدار أحكام جديدة لتغطي تلك السعة التي سكت الشرع عنها ومن ثم تؤثر أو قد تلغي أحكاماً سابقة مبنية على النص كما سترى بإذنه
تعالى.
ولعلك تسأل: وكيف يمكن لنا أن نرفض الواقع المفروض علينا !! فالعمائر السكنية مثلاً والمعدة للتأجير لم تكن موجودة في السابق، لذلك لم تفرض عليها الزكاة، وهذا أمر معاصر مستحدث. ولعلك تتعجب سائلاً: وهل يعقل أن تفرض الزكاة على مزارع يملك فداناً ولا تفرض على ثري يملك عشرات العمائر؟ ولعلك تجيب على السؤال: لذلك قال العلماء المعاصرون بزكاة المستغلات (وسيأتي نقده في الفصل القادم بإذنه تعالى)، أي أنه لا مفر من الاجتهاد والفتوى. فأجيب : هناك فرق بين حالتين : حالة الاستسلام للوضع المنحرف بإطلاق الاجتهادات بسطحية مفرطة ليزداد الانحراف والخروج عن الشرع، وبين حالة مجاهدة الواقع المفروض علينا من خلال محاولات لتصحيح الانحراف بالرجوع إلى النبع الأصفى لقال الله جل جلاله وقال وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. فبالرجوع للنبع الأصفى ستخرج الأمة من الوهن كما سترى بإذن الله. فهذه العمائر السكنية لم تظهر إلا لأن الشريعة لم تطبق، فتم حشر الناس في المدن الكبيرة التي بها المؤسسات الحكومية التي بها الأموال وفرص العمل في الغالب، ولم ينتشر الناس في الأرض حيث الخيرات كالمعادن المنتشرة (كما سيأتي بيانه في فصل «ابن السبيل» بإذنه تعالى)، فظهر خلل اقتصادي أدى لظهور طبقة مالكة للعمائر. فإن أوجدنا بالاجتهاد حكماً للخلل لاستمر الخلل (تذكر مثال مرض
الإيدز).
لذلك فإن أهم سؤالين لأي مجتهد في الشريعة هو الآتي (والله أعلم، الأول: هل ورد أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع الفتوى أم لم يرد؟ فإن لم يرد يكون السؤال: هل كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم فعله أو أنه لم يفعله. فإن لم يفعله لتغير ظروف الزمان عندها نقول أننا قد نحتاج للفتوى. أي أن هذا السؤال (مدى الحاجة للفتوى؟) هو السؤال المحوري والأهم الذي يجب على العلماء قضاء معظم الوقت في بحثه ومن ثم التردد ومن ثم الإفتاء إن كانت هناك حاجة ملحة للفتوى. إلا أن بعضهم يقفزون للفتوى مباشرة، وهم قلة والحمد لله . إلا أن الإعلام الموجه من العلمانيين يروج أفكار هؤلاء القلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المجتمع
والسؤال الثاني هو: هل موضوع الفتوى متصل بحقوق الآدميين، وبالذات الحقوق المتعلقة بين الفرد والدولة؟ وكما سترى من باقي فصول هذا الكتاب بإذنه تعالى: كلما طبقت الشريعة كما أنزلت، كلما زاد إنتاج وكلما قلت الحاجة للفتوى لدرجة أنني أكاد أجزم بأنها ستنعدم في مقصوصة الحقوق (كما سيأتي بإذنه تعالى في فصلي «المعرفة» و «البركة»). أي إن طبقت الشريعة كما هي فلن نحتاج للفتوى أبداً في حقوق الآدميين. فالنصوص التي بين أيدينا كافية لإيجاد أمة عزيزة قوية مؤمنة بفضل الله ومنه كما سأثبت لك بإذنه تعالى. كما أن في إيجاد الفتاوى في مقصوصة الحقوق خطر كبير على الأمة من الضياع كما حدث بسبب قصور العقل. ولذكر مثال واحد وستتأكد من صحته بإذن الله في الفصول القادمة: فإن ثلاث آيات فقط، وهي آيات الصدقات والفيء
٤٦٨ 🗏
والغنائم، أي ثلاثة نصوص
فقط
هي
كل ما يحتاجه المجتمع المسلم لإيجاد وترتيب العلاقات المالية بين أفراده وحكامه وبطريقة تؤدي لعزة المجتمع وبطريقة إعجازية كما سترى بإذن الله.
والسندات
وفي النقيض، كلما انحرف المجتمع، كلما زادت الحاجة للفتاوى لاختلال المجتمع، وكلما ظهرت الفتاوى لإصلاح الخلل وكلما زاد الوهن والضياع وظهر الفساد. ومن الأمثلة الواضحة لذلك انتشار الأسهم كاستثمارات. وهذه ظاهرة اقتصادية لم توجد سابقاً. فكيف يتم إخراج زكاتها؟ وكما سترى بإذن الله، فإن هذه الظاهرة ما هي إلا مؤشر قوي على الخروج عن الشرع ، لأن غلق أبواب التمكين على البعض وفتحها على البعض الآخر بسبب عدم تطبيق الشريعة أدى لظهور طبقات لديها المال على حساب فقر طبقات أخرى تم استغلالها بسبب الحكم بغير ما أنزل الله (كما سترى في فصل «الفصل والوصل» بإذنه تعالى). وهذه الطبقات المترفة لا تريد العمل إلا في الاستثمار ومنها الأسهم والسندات وبتراكم الخبرة أصبحت هذه الطبقة ماهرة في استثمار أموالها فيما هو غير منتج للمجتمع. فهؤلاء أفراد لا ينتجون أعياناً مثل صناعة جهاز أو زرع أرض أو شق طريق أو عمل مخطط لمبنى أو برنامجاً لحاسب آلي. ولتفاقم أموال هذه الطبقة ظهرت الحاجة للفتوى. وكما سترى بإذن الله فإن في عدم ظهور الأسهم والسندات كقنوات استثمارية خير كبير للأمة لأن الأموال عندها ستصب في مجالات أخرى أكثر
إنتاجاً.
ولكنك قد تقول بأن هناك من الصحابة من أفتى وهو بعيد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فأجيب: إن تقصيت هذه الفتاوى لوجدتها اجتهادات ليست في مقصوصات الحقوق (كالرجل المصاب في رأسه وقيل له بأن عليه الاغتسال ثم هلك). ولعل نظرة سريعة للفتاوى في كتاب اعلام الموقعين تريك بوضوح أنها ليست في مراكز الدوائر، أي ليست في مقوصوصة الحقوق. ولكن ماذا عن الفتاوي الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى لفقهائنا الأجلاء مثل الشافعي وأحمد وابن تيمية. فأقول: إن نظرت لفتاواهم أو مذاهبهم لوجدت أنها توضيح لقال الله العليم الحكيم وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. فهي إرجاع لقال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. فهم لم يستحدثوا ديناً جديداً كما فعل المعاصرون بفتاواهم. ففتاوی ابن تيمية مثلاً ليست فتاوى برغم تسميتها كذلك، فهي توضيح للأحكام من خلال النصوص. فهو أثابه الله يلزمك بالنص ويعيدك إليه. فأين الفتوى؟ فهي فتوى لمن حاد عن الشرع وأوجد أحكاماً بترك النص كما فعل أهل الرأي. أما الاختلاف الحاصل بين مذاهب الفقهاء الذين أخذوا بالنص فهو اختلاف بينهم لاختلافهم في الأخذ بالنص كما قلت وفي أطراف الدوائر، فمنهم من يضعف نصاً ولا يأخذ به، ومنهم من يحاول الجمع بين نصين، وهكذا. فإن اقتنعنا أن الحق واحد ولا يمكن أن يجتمع لمذهبين في مسائل الحقوق، فعندها تكون المهمة الأكبر هي تقصي صحة النص للعمل وبه، وهذا ما يقوم به أهل الحديث أثابهم الله من الجرح والتعديل وتقصى الطرق المختلفة للحديث كعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهما كثير، وليس استصدار الفتوى. وهذا ما يجب أن يكون كما سترى في الفصول القادمة بإذن الله لأنك ستستنتج أن من أخذ بالنص هو الأحق دائماً في حقوق الآدميين. وعليه فإن الأهم التأكد أن النص هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن تذكر أن الاختلافات هي فقط في أطراف الدوائر
هو
الخارجية.
الديوان
٤٦٩
المكوس: تسمية الأسماء
إن نظرنا للتاريخ الإسلامي وجمعنا الفترة التي تم فيها تحكيم شرع الله نجد أنها تقل في مجموعها عن قرن واحد. فقد تم الحكم بما أنزل الله خلال عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة من بعده، بالإضافة لفترة حكم عبد الله بن الزبير وحكم عمر بن عبد العزيز، هذا بالإضافة لعدة فترات متباعدة ومتناثرة في التاريخ الإسلامي اتسمت بعدل وقوة الحاكم مثل حكم نور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح." وبالكاد نجد أن مجموع هذه الفترات قد تصل لقرن واحد من أصل أربعة عشر قرناً. هنا يظهر سؤال محير: أين الخلل؟ هل الإسلام دين غير قابل للتطبيق؟ أم أننا أخطأنا في تطبيق الشريعة وأن هذا الخطأ لابد منه وبذلك فالإسلام دين غير قابل للتطبيق؟ إن ما أحاول طرحه في هذا الكتاب هو أن الخلل نتج من عدم تطبيق الشريعة منذ العصور الأولى، وأن من أهم سمات هذا الخلل المكوس ، وأنه كان بالإمكان تلافي الخلل ببساطة إلا أن هذا لم يحدث. فالفرصة لا تزال سانحة. كيف؟ إن امتلاك الدولة للأموال أصبح جزءاً من ثقافة المسلمين، وهذا خلل كبير لابد من تغييره، وإلا فلن يتغير الحال. لأضرب مثالاً على ذلك:
إن من ثقافة الشعب الأمريكي الآن هو أنه لا يحق لأي رئيس أمريكي أن يحكم لأكثر من ثمان سنوات مهما كان الأمر. فهذا جزء من ثقافتهم، فحتى الرئيس نفسه لن يجرؤ حتى على التفكير في شيء من هذا لأنه لن يجد من حوله من يعينه على ذلك إن حاول. لقد تغلغلت هذه القيمة في ثقافة الشعب الأمريكي فأصبحت عرفاً جيداً بالنسبة لهم. وفي النقيض، فقد تغلغلت في ثقافة المسلمين الآن قيمة هي أسوأ ما تكون عليهم وأصبحت عرفاً على نقيض ما تفعله الشريعة، ألا وهي أن للدولة الكثير من الحقوق المالية ولا يمكن لأي فرد التفكير بغير هذا حتى العلماء الذين يقرؤون كتب السلف نجدهم مكبلين بالواقع المعاصر الذي يفرض مفهوم الدولة المعاصرة کطريق أوحد لا ثاني له، وهذه كارثة فكرية اقتصادية تؤدي لكوارث سياسية واجتماعية لا نهاية لها. وكما رأينا في الفصول السابقة، فإن القليل جداً (مثل خمس الخمس) هو الذي يذهب للدولة ليغطي الضروري من مصاريف الدولة مثل نفقات القضاة وسيأتي بإذنه تعالى)، وما عدا ذلك من ثروات الأمة فهو في أيدي الناس. ولن تقوم للمسلمين قائمة إلا إن تغيرت هذه الثقافة التي تُسلم أموال الأمة للدولة، أي تغيرت وعادت لوضع الأموال في
هامش
س) «ولعل» هذه الفترات مثل حكم صلاح الدين الأيوبي أو ألب مثلها مثل أي دولة غير إسلامية قوية مع الفارق أن الدولة الإسلامية أرسلان تعتبر فترات حكم بما أنزل الله لأنها اتسمت بالعدل والقوة إلا تحكم بشرع الله في معظم الأحكام إلا الحقوق المالية والسياسية أنني لم أدرس تركيبتها الاقتصادية والتي قد تكون ذهبت ببعض أحياناً، أي أن هذا لا يعني أبداً أن الشريعة طبقت في مقصوصة الأموال لبيت المال، وبالطبع، فإن مثل هذه الدول أقرب للشرع من الحقوق في تلك الدول كما سترى في آخر هذا الفصل بإذن الله، وإن دولنا المعاصرة. ملحوظة أخرى: لقد سمعت باحثاً مرة يلوم الناس طبقت لكانت تلك الدول، أو بالأصح المسلمين أكثر قوة بشكل لا على تذمرهم من ضعف المسلمين الحالي ويقول بأن هذه مسألة عابرة يمكن لأي مجتمع غير مسلم أن يقف أمام المسلمين تقنياً واقتصادياً
في تاريخ الأمة. فهو يقول بأننا نحكم الآن على وهن المسلمين من وعسكرياً.
خلال ضعفنا الحالي، وأن الأمة ستكون بخير إن هي خرجت من ع لعلك لاحظت أخي القارئ أنني أركز في هذه الفصول على هزائمها الحالية بدليل وجود دول إسلامية قوية على مر التاريخ مثل الحقوق المالية، ولكن هذا لا يعني أنها هي كل شيء، فبالإضافة الدولة العثمانية والعباسية وبالذات في أجيالهما الأولى. أي أننا ننظر للحقوق المالية فهناك حقوق الأفراد في الانطلاق في كل شيء دون حالياً بالمنظار المعاصر القاتم للحكم على تاريخ زاهر، وهذا وضع تقييد، فبإمكان الفرد مثلاً إنشاء مصنع دون إذن من السلطات، مرفوض كما يقول. فأجيب: إن معظم تلك الدول لم تحكم بما أنزل وهكذا من حقوق انبثقت من حديث الضرر والضرار وسنأتي عليها الله في المسائل المالية كالخلافة العثمانية مثلاً إلا أنها كانت دولاً قوية بإذن الله.
٤٧٠ 🗏
أيدي الناس. فالشريعة تحاول دائماً الفصل بين السلطة والمال، على أن تفصل السلطة بالحكم بين الناس، ولكنها لا تحكم الناس (كما سترى في فصول «الفصل والوصل» و «الموافقات» و «الحكم» بإذنه تعالى)، كما أن السلطة لا يحق لها تنفيذ المشروعات كالمدارس والمستشفيات، وهذا لا يعني الخصخصة) ، لذلك فلا يحق للدولة أخذ الأموال كما تفعل دولنا المعاصرة التي تجمع بين السلطة والمال، هكذا تكون ثقافة المسلمين وأعرافهم إن هم ساروا على الشرع، إلا أنهم حادوا عن الشرع فظهرت ثقافة مختلفة وأصبحت من أعراف المسلمين بسبب تراكم الاجتهادات والفتاوى (أو بالأحرى التنازلات التي قدمها بعض الفقهاء. وما كان هذا إلا لأنهم تقبلوا فكرة تغير الزمان وأن الظروف الآن قد تغيرت فظهرت مستحدثات جديدة تتطلب الاجتهاد. حتى وإن كان هذا صحيحاً في كل المجالات، إلا أنه غير صحيح في حقوق الآدميين، أي في مقصوصة الحقوق كما سأثبت بإذنه تعالى. والآن لنوضح السابق من خلال المكوس
هناك عدة أنماط من العلاقات بين ملكيات الخيرات في الأرض وبالذات المعادن) والتركيبة الاجتماعية السياسية في المجتمع. والنمط المعروف والذي بدأ في الانتشار في معظم المجتمعات هو النمط الغربي الديمقراطي والذي يمتلك فيه بعض الأفراد من الناس العقارات والمناجم وما إليهما من ثروات المجتمع، وذلك إما على شكل أفراد أو جماعات كالشركات هذا بالإضافة للدولة التي تملك القليل من هذه الخيرات. وفي هذا النمط نجد أن الرئيس الأعلى للقوات المسلحة هو رئيس الجمهورية المنتخب ثم يليه نائبه ثم وزير الدفاع المعين من الرئيس. وفي هذا النمط لا نتوقع تسلط الجيش على الشعب لأن القيادة بيد ممثل الشعب، أي الرئيس. ولأن الشعب هو الذي يغذي ميزانية الدولة من الضرائب وهو الذي يقرر من هو الرئيس من خلال الانتخابات فإن الجيوش تخضع لرغبات إدارة الدولة التي تخضع لانتخابات الشعب.
مهم
وفي النمط الثاني والمنتشر في معظم الدول الاشتراكية والنامية ومنها الدول الإسلامية، فإن الخيرات أساساً وبالذات المعادن مثل النفط في يد الدولة التي تأخذ منها ما تشاء لما تعتقد أنه . للإنفاق، ومنها نفقات الجيش، ومن ثم تعطي الناس ما فاض على شكل خدمات مثل المدارس والمستشفيات، وفي هذا النمط يكون الحكام هم المسيطرون على طبقة الجند الذين قد يسخّرون لقهر الشعوب كما هو حاصل.
هناك نموذج ثالث وهو النموذج الإسلامي والذي تقع فيه الخيرات في أيدي الناس والذين يشكلون الجيش من أنفسهم كأفراد متطوعين للجهاد وينفقون عليه من الخيرات التي هي أصلاً بأيديهم وليست بأيدي الدولة حتى يتجهز الجيش بالأسلحة بدليل الكثير من الآيات التي تحض المؤمنين على الإنفاق على الجهاد كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فقد قدم الحق سبحانه وتعالى الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في هذه الآية حثاً على الإنفاق. وكقوله تعالى في سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ . ٢٠ وهذه الآيات وغيرها كثير كما سترى بإذنه تعالى، ما هي إلا دليل نصي قوي وصريح على أن الأموال في النموذج الإسلامي يجب أن تكون أصلاً في أيدي الناس الذي سينفقون على التجهيز الحربي، لأنه إن كانت الأموال في يد الدولة لما تم توجيه الخطاب القرآني للمؤمنين ولكن لأولي الأمر الذين بيدهم الأموال. وهناك آيات أخرى كثيرة تشير كلها بوضوح إلى أن الأصل في
الديوان
٤٧١
الأموال أنها بأيدي الناس حتى لا تظهر طبقة عسكرية تحكم الشعب. وحتى تتأكد أخي القارئ من عدم تراكم المال لدى الدولة، بل لدى الناس، تأمل الآتي:
لقد رأينا في الفصول السابقة كيف أن الشريعة توجه الأموال لتقع في أيدي الناس، وحتى تتأكد الشريعة من حدوث هذا فقد وضعت حركيات معاكسة أيضاً. أي حركيات تمنع الدول من أخذ الأموال. أي أن لدينا نوعين من الحركيات، حركيات توجه الخيرات للناس بفتح الأبواب لهم وحركيات تمنع الدول من أخذ الخيرات. ومن هذه الحركيات التي تمنع الدول من أخذ الخيرات هي منع المكوس. فما هي المكوس ؟ المكوس هي باختصار الضرائب والجمارك والرسوم وما إليها من أتاوات مالية يأخذها أي طرف كان (وفي الغالب الدولة) من السكان. قال صلوات ربي وسلامه عليه: (لا يدخل الجنة صاحب مكس)، وقد ذكر الحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة وسنن البيهقي الكبرى وسنن الدارمي، عن عقبة بن عامر مرفوعاً وصححه ابن خزيمة والحاكم.٢١ وقلنا في «دولة الناس» أن المكس هو «ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن وجمعه مكوس، والماكس والمكاس من يأخذ المكس ويقال له أيضاً صاحب المكس»." وبالطبع فهذا التعريف لا يشترط رضى دافع المال. فالمكس هو أخذ مال دون رضى المأخوذ منه، فالمأخوذ منه مضطر لذلك. فالمكس في البيع هو النقص والظلم. وهذا الاستنتاج يأتي من «ترتيب القاموس المحيط» إذ يقول: «(مكس) في البيع يمكس : إذا جبى مالاً والمكس النقص، والظلم ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة. وتماكسا في البيع: تشاحا. وماكسه: شاحه ...». وبالنسبة لمعنى الحديث، فقد جاء في «فيض القدير» مثلاً:
«لا يدخل الجنة صاحب مكس المراد به العشار وهو الذي يأخذ الضريبة من الناس، قال البيهقي: المكس النقصان فإذا انتقص العامل من حق أهل الزكاة فهو صاحب مكس. والمكس في الأصل الخيانة، والماكس العاشر، والمكس ما يأخذه. قال الطيبي: وفيه أن المكس من أعظم الموبقات، وعده الذهبي من الكبائر ثم قال : فيه شبهة من قاطع الطريق، وهو شر من اللص، فإن عسف الناس وجدد عليهم ضرائب فهو أظلم وأغشم ممن أنصف في مكسه ورفق بـرعيته. وجابي المكس وكاتبه وآخذه من جندي وشيخ وصاحب زاوية شركاء في الوزر، أكالون للسحت ...».
۲۳
ولكنك قد تقول: لماذا أوّلت المكوس لتشمل حتى الأموال التي تأخذها الدول المعاصرة من الناس؟ وقد تؤكد مقولتك هذه بأن المكوس هي فقط كما ظهرت في التعاريف السابقة، أي ما يأخذه المصدق زيادة على الصدقة، أو ما يأخذه قاطعوا الطرق أو أعوان الدولة من التجار؟! فأجيب: إن لب القضية هي في الحقوق. فالحقوق المالية الواجبة على الفرد للمجتمع هي ما فرضها الشرع كما بينت في الفصول السابقة. فإن طبقت الشريعة سيظهر مجتمع عزيز قوي سعيد آمن متمكن كما سأثبت بإذنه تعالى، وأي خلل في التطبيق للمذلة حب المجتمع والهوان والفساد والتعاسة كما سترى بإذن الله.
هامش
ف) وللتذكير فقط، فإن السبب من هاتين المجموعتين من الحركيات يتشابك الناس في المصالح كما قلنا، فيتولد نسق هرمي من الناس هو تلافي استعباد البشر بعضهم لبعض، لأن تجمع المال لدى الدولة بعضهم فوق بعض فيأتي الاستعباد الذي لا تعد آفاته ولا تحصى.
يتطلب إنفاقه، والإنفاق يكون من خلال المشروعات مثلاً، وبهذا
٤٧٢ 🗏
أي أن الطرح الذي سأحاول إثباته في الصفحات الآتية هو أن المكوس تعني أيضاً الأموال التي تأخذها الدولة. وخوفاً على الأمة من الضياع كان التحذير الشديد في الشريعة من المكوس لأنها ستغير مقصوصة الحقوق وبالتالي تذل الأمة. كيف؟ وهذا سؤال مهم أرجو التنبه له والإجابة في جملة واحدة مهمة هي: : «لقد تم تغيير مقصوصة الحقوق من خلال تغيير المسميات، فأصبحت المسميات أعرافاً ذات سلطة كالديوان مثلاً». مثال آخر: المكس كلمة لا نسمعها في أيامنا هذه، بل نسمع عن الجمارك مثلاً، وهي نوع من المكوس. وهذا مؤشر قوي على نجاح الفكر العلماني المشحون بالمكوس في التغلغل في مجتمعاتنا تحت مسميات مختلفة. وبالطبع، فإن لهذا النجاح جذور تاريخية تمتد حتى إلى الفقه. أخي القارئ أرجو قراءة هذه الفقرة بعناية فهي تلخص طرح الصفحات القادمة. ولنبدأ بتوضيح كلمة «السلطان» في القرآن الكريم:
قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ . والسؤال هو: هل تصبح الأسماء التي يسميها الناس سلطاناً؟ إن المفتاح للإجابة على السؤال قد يأتي من فهم المقصود من كلمة ﴿سُلْطَانٍ﴾ والتي وردت في آيات أخرى مثل قوله تعالى في سورة يوسف عندما وجه يوسف عليه السلام الخطاب لصاحبي السجن: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . وكذلك في قوله تعالى في سورة النجم بعد ذكر القسمة الجائرة، أي قوله تعالي: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ . أما في سورة الحج فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَنًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾. ٢٤ وإن راجعنا تفاسير سُلْطَانِ أو سُلْطَنَا نجد أنها تدور حول معنى الحجة والبرهان والعلم. فقد فسرها ابن كثير في آية سورة النجم على أنها الحجة بقوله: «﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم﴾، أي من تلقاء أنفسكم ﴿مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾، أي من حُجة». وفسرها القرطبي بقوله: «قوله تعالى: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾،أَي ما هي، يعني هذه الأوثان ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ، يعني نحتموها وسميتموها آلهة؛ ﴿أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم﴾، أي قلدتموهم في ذلك. ﴿ما أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾، أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان. ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، عاد من الخطاب إلى الخبر، أي ما يتبع هؤلاء إلا الظن، ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ ، أي تميل إليه».٦" وفي تفسير آية سورة يوسف يقول الطبرى: «﴿ما أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾ ، يقول سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دلالة ولا حجة، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء. وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميع خلقه إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصة دون كل ما سواه من الأشياء». أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد لخص «السلطان» بالآتي: «وكذلك السلطان في قوله: ﴿وَاجْعَل لي مِن لَّدُنكَ سُلْطَنًا نَصِيرًا﴾ ، فهذا النوع وهو الحجة والعلم كما في قوله:﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾. وقد فُسر السلطان بسلطان القدرة واليد، وفسر بالحجة والبيان. وقد وضح الرازي عدة توجهات لمعنى السلطان بقوله:
اولاد
الديوان
٤٧٣
. واختلفوا في أن الحجة لم سميت بالسلطان، فقال بعض المحققين لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان. وقال الزجاج: السلطان . هو الحجة، والسلطان سمي سلطاناً لأنه حجة الله في أرضه، واشتقاقه من السليط، والسليط ما يضاء به. ومن هذا قيل للزيت السليط، وفيه قول ثالث: وهو أن السلطان مشتق من التسليط، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية، والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل،
وسلطنة الملوك تقبلهما ، ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء، وسلطنة العلماء من جنس سلطنة
الأنبياء، ( ، وسلطنة الملوك من جنس سلطنة «الفراعنة. ۸
۲۸
إن القرآن الكريم هو الذي لا تنقضي عجائبه كما ورد في الأثر في مواضع عدة. فقد جاء في «تخريج الأحاديث والآثار»: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القرآن حبل الله المتين، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم)، . .... فإن كان القرآن لا تنقضي عجائبه، وإن كان معجزاً لكل جيل، وإن اعتصمنا به هدانا الله إلى الصراط المستقيم، فهل إن تأملنا الآيات السابقة نجد إجابة على السؤال الآتي: كيف تكون الحجة سلطاناً، أي كيف تسيطر على الناس؟ ومن جهة أخرى فإن الأصنام لا تتكلم، فمن أين لها السلطان؟ إن التأويل الآتي لا يناقض التأويلات السابقة، ولكنه قد يزيدها
إيضاحاً (والله أعلم): السلطان كما مر بنا سابقا يعني الحجة والدليل، كما أنه يعني القدرة واليد» كما قال ابن تيمية، أي التمكين. لنتأمل الآيات الآتية لنتأكد من هذين المعنيين: لقد ورد لفظ سُلْطَن في القرآن بمعنى الحجة والدليل في آيات كثيرة منها مثلاً قوله تعالى في سورة النمل: ﴿لَأَعَذْبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأاْذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مبينٍ﴾، فمن الواضح أن المقصود بالسلطان في الآية هو البرهان. وكذلك قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيْنِ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ إِلَّا أَن السلطان أتى أيضاً بمعان أخرى في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِئَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ، فتلحظ في الآية حرف واو العطف بين ﴿بِئَايَتِنَا﴾ و﴿وَسُلطان مبين﴾ . هنا لابد وأن يكون المقصود من قوله تعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِين﴾ شيء آخر غير الآيات، أي غير الحجة التي هي عصا موسى مثلاً. وقد أول قتادة ﴿وَسُلْطَنٍ مبينٍ﴾ على أنها عذر مبين». لكني أعتقد أن هناك تأويلاً آخر لقوله تعالى: ﴿وَسُلْطَنٍ مبينٍ﴾، وهو
۳۱
هامش
ص) وتكملة ما جاء في النص: «قلت: روي من حديث علي ومن لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع م منه العلماء ولا يخلق حديث ابن مسعود. فحديث علي رواه الترمذي في فضائل القرآن من عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن حين سمعته حديث الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في أن قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا له يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا﴾ بِـ نا به الأحاديث، فدخلت على علي فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعي إليه قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوقد فعلوها ؟ قلت: نعم. قال : أما إني هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور انتهى. ثم قال حديث سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا إنها ستكون فتنة، غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول وفي فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله، فيه نبأ ما الحارث مقال انتهى». لم أقف على صحة الحديث إلا أن عبارة «لا قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تنقضي عجائبه» ذكرت في عدة كتب وضعت بعضاً منها في الحاشية تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، هو الذي
وهو
.(۲۹)
٤٧٤ 🗏
المنهج المرسوم من الله سبحانه وتعالى ليسير عليه المؤمنون برسالة موسى عليه السلام. فقد أتى موسى بالآيات مثل العصا وغيرها، وفي هذا إثبات لصدق رسالته، وأتى أيضاً بالدين الذي على الناس التمسك به إن هم آمنوا والذي يشمل في ثناياه حقوق الآدميين، أي مقصوصة الحقوق، وهذا هو السلطان المبين. فما هو دليلي على هذا التأويل؟ لنحاول في الآيات الآتية تقصي معنى السلطان: قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَنِيَه﴾، وقد فسرت على أنها الحجة كما ذهب لذلك ابن عباس بقوله: «ضلت عني كل بينة فلم تغن عني شيئاً». وقال آخرون بأنها «حجتي»، إلا أن قتادة ذهب إلى أنها التسلط على الآخرين بقوله: «أما والله ما كل من دخل النار كان أمير قرية يجبيها، ولكن الله خلقهم وسلطهم على أقرانهم وأمرهم بطاعة الله ونهاهم عن معصية الله».٣٢ تستشف هنا أن المعنى يتجه إلى أن التسلط هو السبب في دخول النار لأنه لم يكن تسلطاً كما أمر الله، بل بمخالفة شرع الله باتباع هوى من صاح عندما دخل النار بالقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَنِيَه﴾ . فالسلطان هنا يعني التمكين أو المقدرة واليد على الآخرين والذي كان يتمتع به العاصي ثم فقده. ويتجلى معنى السلطان بالتمكين في قوله تعالى أيضاً في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ .٣٣ كما أن في الحوار بين الشيطان وأهل النار تأكيد لنفس المعنى من أن السلطان هو السيطرة على الآخرين وتسييرهم. قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ﴿وَوَعَدتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَأَسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ﴾، فلم يكن للشيطان على الناس ،سلطان، أي مقدرة وسيطرة، بل فقط دعاهم فاستجابوا له. وكذلك قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَان بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ﴾ ، وقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ، أي أن سلطان الشيطان أو سيطرته لا تكون إلا على المشركين الذين
يتولونه.
٣٤
وهنا ملحوظة مهمة ودقيقة: عندما يكون السلطان من عند غير الله لابد وأن يكون أوامر مضللة، أي سالباً كما دلت عليه الآيات السابقة. وإن كان من عند الله، أي بأمره، فلابد وأن يكون العكس، أي أنه في مصلحة البشر، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَنًا نَصِيرًا﴾، ٣٦ فكيف يكون السلطان نصيراً؟ قد تجيب بأن ذلك يكون بالآيات مثل المعجزات التي أرسل بها الرسل كعصا موسى عليه السلام. لكن هنالك معنى آخر لانتصار السلطان (ولو كان على ضلال). تأمل قوله تعالى في سورة الرحمن في الآية رقم ۳۳ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنَّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنٍ﴾ ، لقد اختلفت تأويلات المفسرين في معنى النفوذ من أقطار السموات والأرض. فقال بعض المفسرين كما جاء في تفسير الطبري: إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا ذلك، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم، قالوا: وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة ...». وقال آخرون: «بل معنى ذلك: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا». قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَن﴾»، «لا تخرجون إلا بسلطاني».
الديوان
٤٧٥
وقيل عن الأقطار أنها الأطراف. إلا أن التأويل الذي تفرضه الآية واضح وجلي بالنسبة لنا الآن لأننا نعيش في عصر الفضاء كما يقال، وهي أن الآية تخبرنا باحتمالية نفوذ البشر من أقطار الأرض. فالإخبار من خلال أداة الشرط إن في الآية واضح وهو : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم يأتي الجواب بإمكانية حدوث ذلك بقوله تعالى: ﴿فَانفُذوا﴾ . وهذا قد حدث فعلاً من خلال الرحلات الفضائية إلى خارج سماء الأرض. كما أن هناك اشتراط على إمكانية حدوث هذا الخروج بأنه لن يحدث إلا بسلطان في قوله تعالى: ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنٍ﴾. فما هو هذا السلطان الذي يمكن البشر من النفاذ؟ قال بعضهم مثل ابن عباس أنه البينة. ففي تفسير القرطبي: «وقال ابن عباس: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، أي ببينة من الله تعالى، وعنه أيضاً أنه معنى ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنٍ﴾، لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم». وقال آخرون أنه الحجة. وهناك أقوال على أنها الملك. فقد قال قتادة: «إلا بملك، وليس لكم ملك». ويلخص الطبري الأقوال بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: إلا بحجة وبينة، لأن ذلك هو معنى السلطان في كلام العرب، وقد يدخل الملك في ذلك، لأن الملك حجة». وبالطبع رجح الطبري أن السلطان هو الحجة لأنه لم يكن ليتصور إمكانية خروج البشر إلى الفضاء، غير أنه لم يوضح لنا كيف تكون الحجة أداة للنفاذ من أقطار الأرض. أما قتادة الذي أول السلطان على أنه الملك زاد بالقول: «وليس لكم ملك»، لأنه لم يتصور أيضاً إمكانية خروج البشر من سماء الأرض. والملك ما هو إلا نموذج لإدارة المجتمع والذي هو نظام حكم أو بالأحرى منظومة حقوق بين أفراد المجتمع. وكما هو معلوم فإن بعض الدول الغربية تمكنت من اختراق الغلاف الجوي من خلال العلم والتقدم التقني، وقد ازدهر العلم عندهم لأن مجتمعاتهم تتبنى منظومات من الحقوق تمكنهم من هذه الإنجازات التي تحول العلم إلى تقنية ومن ثم إلى واقع. فالسلطان هو إذاً ما يؤدي للعلم والتقنية اللذان لن يتجسدا إلى واقع إلا من خلال منظومة الحقوق التي تمكن المجتمع من الإنجازات. ولكن يجب ألا ننسى أن هذا السلطان سلطان ضلال لأنه من إنتاج البشر وليس من الله الحق سبحانه وتعالى. فبرغم التقدم التقني للغرب إلا أنه يلوث الأرض، وإن استمر فسيلوث الكون.
ق
۳۷
فقد
ولو كنت مكانك أخي القارئ لما اقتنعت بما سبق لأن اعتبار السلطان نظام حكم ومن ثم منظومة حقوق لهو أمر لم يقل به إلا بعض أهل العلم مثل قتادة الذي قال بأن السلطان هو الملك ولم يقل أنه منظومة حقوق. ولكن الذي يطمئن على هذا التوجه هو الآيات التي بدأت بها الموضوع: فبالنسبة لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبْ أَتُجَادِلُونَنِي فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ، نرى أن الخطاب موجه للكفرة الذين يجادلون نبي الله هود في الحق من خلال أسماء ،مبتكرة هم (أي الكفرة سموها. يقول الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ
هامش
ن،
ق) ويجب ألا ننسى أيضاً قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ الشمسية. وهذه قريبة جداً في عالم الفضاء والذي قطر السماء الأولى ، ففيه تأكيد على أن الإنس أو الجن على منه حوالي ٢٤ مليون سنة ضوئية، وهي ما أدركها الإنسان حتى هذه السواء إن تمكنوا من النفاذ من أقطار السموات والأرض فسيسحقون اللحظة بدليل قوله تعالى في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومَا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ بشواظ من نار ونحاس ليقهروا. أما هذا النفاذ الحادث الآن من . الهبوط على القمر إلى إرسال سفن فضائية غير مأهولة إلى كواكب فجميع ما يراه البشر الآن هو السماء الأولى، فما بالك بالسماء الثانية المجموعة الشمسية مثل المريخ فهو نفاذ لمـا في حدود مجموعتنا
سبع سموات.
٤٧٦ 🗏
۳۸
سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم﴾ : «فإنه يقول: أتخاصمونني في أسماء سميتموها أصناماً لا تضر ولا تنفع أنتم وآباؤكم ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾. أي أن الكفرة نحتوا أصناماً ووضعوا لها أسماء ثم استخدموا هذه الأسماء في جدالهم مع هود عليه السلام. كيف؟ إن الذي حدث، والله أعلم، عندما يأتي نبي مرسل هو أن هناك طائفة من القوم ممن يستفيدون من الوضع القائم لأن زمام الأمور بأيديهم، وهم عادة ما يشير إليهم القرآن بلفظ الْمَلَأُ كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ﴾، أو كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُا إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كريمٌ﴾، أو قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلتِنَا﴾ . وهؤلاء المستفيدون. أول من يحارب الأنبياء لخوفهم من تغير الوضع الذي يستفيدون منه، فهم إن انتشرت دعوة النبي سيفقدون المزايا التي كانوا يستمتعون بها. وهم في الغالب القائمون على عقائد الكفر، كالكهنة والسلاطين. ففرعون مثلاً حارب موسى خوفاً على ملكه، والملأ في قوم لوط لم يريدوا فقدان تلذذهم بالانحراف الجنسي، والكهنة المستفيدون مالياً من قرابين العامة من الناس لا يريدون انقطاع هذا المورد المالي،
وهكذا.
تعني
ر
هم
والسؤال هو: كيف وصل هؤلاء المستفيدون في المجتمع للاستمتاع بهذه المزايا المنحرفة أو العقائد الكافرة؟ والإجابة هي من خلال توظيف العقائد جيلاً بعد جيل لأهوائهم كما هو معلوم. فكل جيل يضيف على الذي قبله انحرافاً طفيفاً ليتراكم الضلال. وهذا ما تصفه الآية بوضوح وكأنها تصور لنا أو تضع لنا آلية تطور الأعراف المضللة، وهذا يتم بالتوارث جيلاً بعد جيل، ويظهر هذا جلياً في الآيات في قوله تعالى: ﴿أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم﴾ . فالآية لا تعني ﴿أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم﴾ فقط، ولكن أنتم وآباء آباء آبائكم، وهكذا. فكل جيل يعتقد أن فعل من سبقه هو الصحيح ويزيد عليه بما يلائم حاله، وهذا لا يتأتى إلا بالأسماء التي إن انتشرت أصبحت عرفاً. فإن أوجد جيل صنماً لرجل صالح بعد موته وأعطاه اسماً (مثل سواع) فإن هذا الاسم بعد مدة من الزمن يحل مكان اسم الرجل الصالح ليكون هو اسم الصنم، ولعله إن وجد صنم واحد واشتد الازدحام عليه أضافوا صنماً آخر باسم آخر، وإن أوجد كاهن طقساً معيناً للصنم وأعطاه اسماً لأخذ أموال الناس بالتقرب إلى الصنم بالقرابين أوجد كاهن آخر من جيل لاحق طقساً آخر باسم آخر للتمتع بالمزيد من المزايا، وهكذا، ولأن التراكم طفيف وليس ثورياً لا يلحظه عامة الناس فتصبح الأسماء عرفاً حاكماً للمجتمع. أي وكأنها سلطان يحكم المجتمع.
إن الآية أخي القارئ بالنسبة لي الآن والحمد لله جد واضحة. تأملها مرة أخرى لترى عمق ما تحاول إثباته من أن تراكمات الضلال جيلاً بعد جيل والتي هي من تسمية الناس أنفسهم، ستصبح وكأنها سلطان يحكمهم لأنها أسماء مقبولة لديهم. تأمل الآية: قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾. هكذا تتحول الأسماء، أي ابتكارات الناس أو أهواؤهم إلى سلاطين تحكمهم.
هامش
ر) أو في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ العلية من القوم الذين بيدهم زمام الأمور وليسوا بالضرورة دائماً على ، أو في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ضلالٍ كما في قوله تعالى في سورة النمل عندما خاطب سليمان عليه ، أو في قوله تعالى: ﴿فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ مِن السلام جنوده المسلمين، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ، فَالملا بذلك .
٤٧٧
الديوان
ولكن ما الضرر من تحول الضلال إلى مسميات تحكم الناس وكأنها سلطان؟ والإجابة هي في شقين، شق في التوحيد وهذا أتركه لمن هم أهل له من علماء العقيدة، وشق في الفقه وهو ما يهمنا ، أي التعاملات بين الناس، أي مقصوصة الحقوق. فإن من أشد وسائل انتشار الحكم بغير شرع الله تسمية الأسماء بغير مسمياتها أو استحداث أسماء جديدة لتصبح بعد زمن أعرافاً لا يناقشها أحد من الناس ويتقبلونها فتحكم المجتمع. وكما قلت في فصل «القذف بالحق»، فإن الحكم لله وحده لأنه يعلم الغيب ولأنه السميع البصير الحكيم العليم، أما كل حكم بغير أنزل الله فهو خروج عن الملة لأنه اتباع للأهواء، أي للطاغوت. هنا أيضاً تأكيد لذلك الاستنتاج، فقد تمكن شياطين الإنس من تغيير الحقائق من خلال تغيير المسميات. فظهرت مسميات أخرى للمكوس مثل الجمارك والرسوم والضرائب ونحو ذلك من أموال تأخذها الدولة. فكل مال تأخذه الدولة من الناس أو من غلات الأراضي (غير التي ذكرتها في الفصلين السابقين) يعتبر مكساً. إلا أن عموم الناس (حتى بعض العلماء) لا يرون أن الجمارك مكوساً لأن الاسم قد تغير، وبذلك لا يدركون أن ما يحدث هو حكم بغير ما أنزل الله تماماً كالفتوى التي ذكرتها في أول هذا الفصل التي تقبلت الجمارك. تأمل قوله تعالى في سورة يوسف الذي يصف حال من لا يحكمون بشرع الله بتغيير :المسميات: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ . وكما قلنا في فصل «القذف بالحق» فإن الحكم بالأهواء إشراك بالله، فترى هنا كيف أن الآية وكأنها تنطبق على العلمانيين الماديين الذين يعبدون غير خلال تغيير المسميات. فهم يعبدون المادة من خلال أسماء ( كالضرائب) سموها هم وآباؤهم (أي أجيالهم السابقة) مما لم ينزله الله. وما يؤكد هذا سياق الآية التي وكأنها تقول: أنتم يا من لا تحكمون بشرع الله وأوجدتم شرعاً من ابتداعاتكم وسميتموها أسماءً من ابتكاراتكم أنتم وآباؤكم (أجيالهم السابقة)، فأصبحت وكأنها أعرافاً لكم لأنها انتشرت بينكم لتوارثكم لها جيلاً بعد جيل فتقبلتموها فصارت وكأنها سلطان لكم يحكمكم من دون سلطان ما أنزله الله الذي يُفترض أن يكون له الحكم والذي أمركم ألا تعبدوا إلا إياه، أي إنكم لا تعلمون إنكم على دين غير قيم. ثم تأمل الآية الآتية واضعاً في ذهنك السابق:
الله
من
ألم يقل أيضاً سبحانه وتعالى الذي يقص الحق في سورة النجم: ﴿تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ . فهم الكفرة يتبعون ما تهوى أنفسهم من خلال قسمة ضيزى مثلاً من اختراعاتهم باتباع الظن. وهذه القسمة التي ليست مما أنزل الله ما هي إلا مثل واحد للانحراف الذي أصبح هو وغيره من خلال استحداث التسميات وكأنه سلطان وعليهم اتباعه وما هذه السلاطين إلا ظنون مما تهواه . أنفسهم. تلحظ في هذه الآية قوله تعالى: ﴿إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ ، وكأنها تأكيد على أن كل تراكم من تسميات البشر لابد وأن يكون إتباعاً للظن وما تهواه أنفس الواجدين للأسماء وبالتالي ليست حكماً بما أنزل الله، ويتضح هذا بجلاء من الآية السابقة في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه﴾. أي أن الحكم الذي من عند غير الله ليس حكماً بل ضلال. ويتأكد هذا المعنى أكثر من قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَنًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾. فالحكم بغير ما أنزل الله كما ذكرت في فصل «القذف بالحق» هو عبادة لغير الله. فتأمل الآية التي وكأنها تقول: إن هؤلاء الذين يعبدون غير الله من خلال ابتكاراتهم هم : م بتسميتها فأصبحت وكأنها سلطان يحكمهم من دون سلطان الله لهو سلطان ليس لهم به علم، فهو سلطان جهلة،
لأسماء قاموا
٤٧٨ 🗏
لذلك فهم ظالمون ولن يكون ذلك السلطان لهم نصيراً لأنه سيسحبهم للهلاك، سواء كان في الآخرة للنار أو في الدنيا للفساد. وكما هو واضح من الآية، فإن هناك ربط بين الظلم والسلطان الذي هو من عند غير الله، أي بين الظلم ومنظومة الحقوق لأنها ليست مقصوصة الحقوق التي هي من عند الله . وكأن الآية تقول: إن من لم يحكم بما أنزل الله لهو ظالم لنفسه ولغيره. أي أن هناك ربط واضح بين الظلم والحكم بغير ما أنزل الله بالضرورة. أي أن أي حكم بغير ما أنزل الله سيؤدي للظلم لا محالة.
۳۹
ويتجلى المعنى السابق من قوله تعالى في آيتي سورة الأنعام: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ﴾ ، ففي الآيتين دليل على أن الحكم بغير ما أنزل الله ظلم لأنه ليس بسلطان الله. فقد جاء في تفسير الطبري أن الآية الأولى هي جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه من آلهتهم أن تمسه بسوء لأنه كسرها، فقال لهم: «وكيف أخاف وأرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربكم فعبدتموه من دونه، وهو لا يضر ولا ينفع؛ ولو كانت تنفع أو تضر لدفعت عن أنفسها كسري إياها وضربي لها بالفأس وأنتم لا تخافون الله الذي خلقم ورزقكم، وهو القادر على نفعكم وضركم في إشراككم في عبادتكم إياه ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنًا﴾، يعني ما لم يعطكم على إشراككم إياه في عبادته حجة، ولم يضع لكم عليه بـرهـانـاً، ولم يجعل لكم به
عذراً، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بالأمنِ﴾ ، يقول : أنا أحق بالأمن من عاقبة عبادتي ربي مخلصاً له العبادة ...».
أما إن وضعنا أخي القارئ السلطان بمعنى الحكم بما أنزل الله كما استنتجنا، فإن المعنى عندها سيختلف ويتجلى من الآية التي تليها التي تؤكد أن الآمنين هم الذين ﴿لم يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلمٍ﴾. فقد اختلفت التأويلات في معنى الظلم في هذه الآية، فذهبت كثير من التأويلات على أنها الشرك. وقال آخرون: «بل معنى ذلك، ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك: فعل ما نهي الله عن فعله أو ترك ما أمر الله بفعله. وقالوا: الآية على العموم لأن الله لم يخص به معنى من معاني الظلم. . وبالطبع فإن في فعل ما نهى الله عنه وتـرك مـا أمــر به رفض لمقصوصة الحقوق وفي هذا ظلم للجميع. أي أن الربط هنا واضح في هاتين الآيتين بين الظلم والسلطان، وأن السلطان لابد وأن يشتمل على مقصوصة الحقوق.
.«...
كما أن في الآتي مؤشر آخر على أن السلطان يعني أيضاً مقصوصة الحقوق. ولقد اخترت لك فقط بعض الآيات من سورة واحدة نظراً لكثرتها، وهي سورة البقرة. فتأمل الآيات الآتية لترى حركة الحق في الوصول للبشر، ستجد أنها دائماً في نزول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَءَامِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، والآيات في هذا جد كثيرة. وبالتأكيد أخي فقد لاحظت أن الحق يتجه نزولاً في الحركة، وهذا مشابه أيضاً لحركة إنزال السلطان. فتلحظ في الآيات الآتية نفي نزول الأحكام إن كانت من عند غير الله لأنها ليست سلطاناً، وكأنها تأكيد على أن كل ما ينزل من الله هو السلطان. قال تعالى: ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾، أو ﴿ما أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾، أَو ﴿مَا لَمْ يُنَزِلْ
الديوان
٤٧٩
بهِ سُلْطَانًا﴾. فالآيات تُجمع على أن السلطان ينزل من الله نزولاً كالحق، أي أنه لا يمكن أن يستحدث من البشر،
فالبشر لا يستطيعون الإنزال.
وكما هو معلوم فإن البشر يستحدثون الماديات مثل الطعام واللباس، أما الأنظمة والقوانين، فهي ما يجب ألا يُستحدث لأن كل قانون ما هو إلا تجسيد للحقوق، وهذه الحقوق يجب ألا تأتي من البشر، بل تنزل من الله سبحانه وتعالى. أي أن السلطان هو الحق إن نزل من عند الله. فتأمل هذا التعبير الذي يصف الوضع بدقة متناهية لأن كل ما يعيشه البشر إما أن يكون عيناً مستهلكة تُرى وتلمس مثل الجدار والهواء، وهذه لا تنزل في العادة، ولكنها توجد من إنتاج أيدي الناس مثل الجدار، أو أنها موجودة سلفاً من خلق الله كالهواء، وإما ما ينظم حياة الناس من حقوق تتجسد في الأنظمة والقوانين فهي التي تنزل عليهم من ربهم لاتباعها. وهناك الكثير من الآيات التي تربط بوضوح بين الحق والإنزال. وكما استنتجنا في الفصول السابقة فإن الحق إن ذكر في القرآن الكريم قد يعني مقصوصة الحقوق أيضاً. فتأمل الربط بين الحقوق وحركة الإنزال في الآتي: قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، وقال في سورة الزمر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، وفي سورة سبأ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ، وفي سورة الرعد: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ﴾، وفي سورة الشورى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ
قَرِيبٌ﴾ .
وهناك آيات أخرى لا تذكر الإنزال للحق ولكن تقول عنه بأنه يجيء إشارة إلى أنه من عند غير البشر، أي من عند الله سبحانه وتعالى كقوله في سورة الزخرف: ﴿لَقَدْ جئنَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ﴾، وما يؤكد أن المقصود بالحق هو مقصوصة الحقوق أيضاً الآيات الآتية التي تأمر بالحكم بين الناس بما أنزل الله جلت قدرته. وهل يكون الحكم بين الناس إلا بمقصوصة الحقوق؟ قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وقال في سورة الأنعام: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصََّلًا﴾. وقال في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسطِ﴾». وأخيراً، آية سورة النساء التي مرت بنا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فتأمل.
هامش
ش) لقد شقت هذه الآية على المسلمين، فقالوا للرسول صلى الله عليه بهذا التمييز هو أن مقصوصة الحقوق تنزل من عند الله الحق سبحانه وسلم : ( م: «ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه؟» فقال رسول الله صلى الله وتعالى، وليس كالمنتجات البشرية. عليه وسلم: (ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه (ث لاحظ أنني قلت: «تجمعت لدى المسؤولين»، ولم أقل «ت «تجتمع ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤٠). لدى الحكومات» لأن الأسماء هنا أيضاً مضللة، فالمسؤولون عادة ما ت) قلت: «وهذه لا تنزل في العادة مجازاً لأن المواد الخام كانت يقولون أن المال للحكومة، وفي هذا تضليل للحقائق لأن الحكومة موجودة على الأرض قبل نزول الرسالات، فقد يقول قائل بأن جميع ما كاسم أصبحت سلطاناً يحترمه الجميع. فالحكومة كاسم لا يستطيع على الأرض هو أيضاً منزل لأن أصل الأرض كان دخاناً في السماء، أحد في أيامنا هذه إنكار استحقاقاته من الأموال لقيادة الشعب فهو محق فيما يقول، كما أن الكرة الأرضية تسقط عليها، أي تنزل والذود عنه كما يقول العلمانيون، بينما الحكومات في الواقع ما هي إلا عليها الكثير من النيازك والتي هي معادن من الفضاء، إلا أن المقصود أفراد، فما الذي نتوقعه منهم إن وقع المال في أيديهم؟
٤٨٠ 🗏
ملحوظة أخيرة تلحظ في قوله تعالى: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾ ، أو ﴿مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾، أو ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَنًا﴾ أنها تنفي بلاغياً ما يجب أن يكون موجوداً لأنه ليس الحق. فالحق الأولى بالاتباع هو ما ينزله الله العليم الحكيم، أي وكأن الآيات تحاول عكس ما هو على أرض الواقع، أي أنها تعني أن ما يُنزله الله هو السلطان الذي يجب أن يتبع، أي أنه عكس الواقع الموهوم بأنه صحيح.
لقد أطلت عليك أخي القارئ في هذه الجزئية لأوصلك لهذا الاستنتاج الواضح: إن ما تحاول أن تحذرنا منه الآيات هو أن الخطورة كل الخطورة من تسلل الأشياء أو الأفعال كأسماء للنظام المجتمعي فتصبح أعرافاً ذات تسميات يتقبلها الجميع ومن ثم يسير عليها النخبة أو الملأ (السلاطين) دون وعي من الناس من الضلال الذي هم فيه. فالتسميات بذلك تصبح سلطاناً يحكم الناس وهي ليست سلطاناً. والبلاء كل البلاء هو عندما تصبح التسميات سلطاناً لأنها برغم أنها على ضلال يتقبلها الجميع لا لشيء إلا لأنها أصبحت أسماء منتشرة مع اعتقاد الجميع أنها حق، فلا يتجرأ أحد على مناقشتها. وهذا ما حدث بالضبط في الفتاوى التي ذكرتها في أول الفصل. فالشيخ الأول تقبل «الجنسية» كاسم، فهو وافق ضمناً على ضرورة أن يكون لكل مواطن جنسية، فهو قد تقبل الجنسية كسلطان يحكم من يحق له العمل في هذا البلد، ومن لا يحق له العمل. وهكذا فعل الشيخ الآخر الذي تقبل الجمارك كاسم، فهو ضمناً على ضرورة أن يكون للدولة مال تنفق منه، فلم يصادم الجمارك كاسم، بل تقبل ضرورتها وأفتى بعدم جواز التهرب منها، وهكذا الفتاوى الأخرى كما سترى في باقي هذا الفصل بإذن الله.
وافق
وإليك بعض الأمثلة لأسماء لم ينزل بها الله من سلطان: فهناك أسماء تم تحويرها، مثل الخمرة التي سميت بالمشروبات الروحية والقمار والميسر الذين سميا باليانصيب الخيري والربا (الربوا) الذي سمي بالفوائد. وأسماء يحاول أعداء الملة والدين توجيهها ضد الإسلاميين مثل نعتهم بالمتزمتين أو المتشددين أو المتطرفين أو الإرهابيين، وأسماء لتنفر الناس مما شرع الله مثل تسمية الحجاب بالكفن وتسمية الرقص بالفن وتسمية خذلان الشريعة باعتزال الفتنة؛ ولكن الأهم لنا هي الأسماء التي تؤثر في مقصوصة الحقوق وما أكثرها مثل الحكومة والوطن والمواطن والمواطنة والديوان والأحكام المدنية والأحكام العرفية والأحكام العشائرية؛ ومن المستندات فهناك رخصة القيادة والاستمارة وجواز السفر والإقامة والهوية الوطنية والأسهم والسندات والصكوك والشهادات الدراسية «التي تصدرها الدول»؛ ومن المهن فهناك الضابط والجندي ورجل المرور وشرطي الأمن وشرطي الجوازات وعميل المخابرات؛ ومن المؤسسات فهناك المباحث والاستخبارات ودوائر البحث الجنائية وأجهزة أمن الدولة والبنوك والبلديات والوزارات بجميع أنواعها كوزارة الدفاع والخارجية والزراعة والتربية والتعليم وهكذا من أسماء أصبحت سلاطين مما ما لم ينزل به الله من سلطان. ولكن ما الضرر من هذا؟ لنعود للمكوس مرة أخرى.
لنأخذ الجمارك كمثال: بالطبع فإن في الجمارك تقييد لحريات الناس وهي عبء مالي عليهم يثبط من تمكنهم وعزائمهم. فمن أراد شراء سيارة حتى وإن كان مصدرها من دولة مسلمة فهو مضطر لدفع الرسوم الجمركية التي قد تصل إلى أضعاف سعر السيارة الأصلي في بعض الدول، ولا خيار للمسلم في ذلك ، ثم إن نظرت إلى تلك الأموال التي «تجمعت لدى المسؤولين لوجدت أن الكثير منها يهدر في ما لا فائدة فيه، هذا إن لم يسرق، فالجيش الذي تصرف عليه البلايين يتخاذل أمام العدو، والمسؤلون المفترض فيهم تطوير الزراعة يقتلونها بتسلطهم، والمهندسون المفترض فيهم إنعاش الصناعة بهذه الأموال يبددونها في أبحاثهم وترحالاتهم لمؤتمراتهم، وهكذا تبدد أموال عامة
الديوان
٤٨١
المسحوقين من الشعوب المسلمة. وقس على هذا كل شيء. فسكان حي ما يمنعون في أيامنا هذه من إنشاء شبكة كهرباء خاصة بهم، أو حفر بئر ماء لهم، فعليهم أخذ الكهرباء من شركات أو مؤسسات الكهرباء، وعليهم أخذ الماء من مصلحة المياه، وهكذا. وهذه المؤسسات هي من المسميات التي لم ينزل الله بها من سلطان، فالسكان مرغمون ومضطرون للتعامل مع هذه المؤسسات، والتي تكون في الغالب احتكارية، وعليهم دفع الرسوم التي تحددها تلك المؤسسات. وقد تقول: ستعم الفوضى إن تم السماح للناس بفعل ما يريدون. فأقول: انتظر، فسأثبت لك أن في تحرر الناس حل لكل مشاكل الخدمات وبأسعار أقل وكفاءة أعلى. ولعلك تقول: ولكن في الغرب تؤخذ المكوس تحت مسميات أخرى مثل الضرائب. فقد تمت إجازة المكوس من خلال القانون، وبهذا تتجمع الأموال للسلطات التي تقوم بواجبها خير قيام، فما الضرر من هذا لاسيما إن نحن حررنا الإعلام الذي سيفضح كل من حاول السرقة؟ كما أن الإعلام يرينا ما يستفيد منه المجتمع من أموال الضرائب، ولن يتضجر بذلك الناس من دفع المكوس كما في الغرب؟ فأقول: إن ما تقوله جد معقول، ولكن إن رسم لنا الإسلام طريقاً آخر أقصر وأكثر أمانا وأفضل للعزة والمجد دون الضرائب التي تتسبب في الكثير من الهدر كما سترى بإذن الله، فلماذا نلجأ لغير ما أتى به
الإسلام ؟
إن السابق (أي تحول الأسماء إلى سلاطين توضيح جد مهم يفسر لنا الكثير من الضياع الذي نحن فيه الآن. فكل اسم يمس الحقوق لم يأت به الشرع لهو ابتداع أضاع الأمة، حتى تلك الأسماء التي بدأت بصدق نية وحسن تنفيذ من واجديها أتى من بدلها بعد أجيال، فالديوان الذي وضعه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، تغير كما مر بنا في فصل «دولة الناس» في الأجيال اللاحقة ليصبح أداة في أيدي الحكام لأخذ المزيد من أموال الناس كما سيأتي بإذن الله . ومن هذه الأسماء أيضاً «السياسة الشرعية»، هذا العلم الذي بدأه شيخ الإسلام ابن تيمية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم تطور في العصور اللاحقة لدرجة أنه أصبح في عصرنا الحاضر يدرس في كليات الشريعة كأداة فقهية تفتح آفاق التسلط للحاكم بدعوى الاجتهاد كما سيأتي في الفصل القادم بإذنه تعالى. وما حدث هذا إلا لوقوع بعض العلماء وبالذات المعاصرين منهم في الالتباسين الذين تحدثت عنهما، أي ماهية المستجدات وماهية مقصوصة الحقوق.
إهدار دم العاشر
نعود لموضوع المكوس الذي نجح محاربوا الدين بالتدريج في كل العصور من تذويبه كاسم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر منه، فظهرت أسماء أخرى لتحل محله كما قلنا. وإليك الآن مزيداً من التحذيرات.
لقد أتى التحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم في صورتين. الأولى التحذير من المكوس، وهي عموماً آلية أخذ الأموال من الناس خارج ما أتت به الشريعة، وهذا ما تحدثنا عنه سابقاً. والصورة الثانية هي التحذير من العمل في المهنة التي تؤدي لجمع المال للسلاطين. فقد حارب الإسلام العمل لدى السلاطين كمكاسين بتخويف من يعملون بعذاب الآخرة. وقد أعطوا أسماء ليعرفهم الناس بها مباشرة. فهم المكاسون والعشارون. فقد جاء في «تاج العروس»: «والمُكُوسُ هي الضرائب التي كانت تأخذها العَشَّارُونَ». ومن الأحاديث التي تحذر من العمل
٤١
٤٨٢ 🗏
كمكاس ما جاء في الأموال عن رويفع بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن صاحب المكس في النار)، قال: يعنى العاشر». وجاء أيضاً عن طاوس أن عبد الله بن عمرو قال: «إن صاحب المكس لا يسأل عن شيء، يؤخذ كما هو فيرمى به في النار». وجاء أيضاً عن إبراهيم المعافري أن خالد بن ثابت أخبره «أن كعب الأحبار أوصاه أو تقدم إليه عند خروجه مع عمرو بن العاص إلى مصر أن لا يقرب المكس ونهاه عن ذلك».٤٢ ثم تأمل الآتي عن المكس لترى حال المكاس، فقد جاء في كتاب «الكبائر» عن المكس: «وهو داخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . والمكاس من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم، فإنه يأخذ ما لا يستحق ويعطيه لمن لا يستحق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المكاس لا يدخل الجنة). وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة صاحب مكس)، رواه أبو داود. وما ذاك إلا لأنه يتقلد مظالم العباد. ومن أين للمكاس يوم القيامة أن يؤدي للناس ما أخذ منهم؟ إنما يأخذون من حسناته إن كان له حسنات، وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: یا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وزكاة وصيام وحج ، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). وفي حديث المرأة التي طهرت نفسها بالرجم: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)، أو ( لقبلت منه ) . والمكاس من فيه شبه من قاطع الطريق، وهو من اللصوص. وجابي المكس وكاتبه وشاهده وآخذه من جندي وشيخ وصاحب رواية شركاء في الوزر، أكلون للسحت والحرام. وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت، النار أولى به). والسحت كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار، وذكره الواحدي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوى الْخَبيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ .
.....
ذ
وجاء في كتاب «تسلية أهل المصائب»: «قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح له: حدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الوزير الحراني أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كور الزجاج، والميت في وسطه. فجعلت أمسح عيني وأقول أنا نائم أم يقظان ؟ ثم التفت فإذا سور المدينة. قلت والله ما أنا نائم. ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل. ثم دخلت البلد فسألت عن صاحب ذلك القبر، فقالوا رجل مكاس توفي. فإذا به توفي ذلك اليوم». حتى وإن لم تصدق هذه القصة أيها القارئ إن كنت علمانياً، فالعبرة بكراهة الإسلام
٤٤
:
بن
للمكاسين أو العشارين، فلماذا فعل الإسلام هذا؟ لأن خطورتهم على المجتمع تتمثل في أنهم هم الذين يمكنون السلطان من التمادي بجمع المال له الذي يمكنه من الحكم بغير ما أنزل الله فتتغير مقصوصة الحقوق. لقد حذرنا منهم الإسلام لخطورتهم لدرجة إهدار دمائهم. فقد جاء في مسند مالك الإمام أحمد عن رجل من بني جذام عن عتاهية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا لقيتم عاشراً فاقتلوه . وقد تم تضعيف الحديث لأن فيه ابن لهيعة، إلا أن صاحب كتاب «ذيل القول المسدد» قال: «تعقبه الجلال في النكت بأنه أخرجه أحمد في
٤٥
مسنده والبخاري في تاريخه، والطبراني بسند رجاله معروفون. وفيه ابن لهيعة وهو من رجال مسلم في المتابعات وفيه كلام كثير . والصواب أنه حسن الحديث، انتهى».
ض
الديوان
٤٨٣
وجاء في الأموال أيضاً بلفظ مختلف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لقى صاحب عشور
ظ
فليضرب عنقه، وصاحب العشور هو صاحب المكس. وهنا قد يسأل سائل: ولكن لماذا تم إهدار دماء العشارين والمكاسين وهم مأمورون أو حتى مجبرين غصباً للعمل لدى سلطان ما؟ فما هو ذنبهم؟ والإجابة هي: إن كان الحديث صحيحاً، حتى يفر الجميع من هذا العمل قدر المستطاع فلا يجد السلطان من يعينه على ذلك لأنه صلوات ربي وسلامه عليه توقع حدوث مثل هذا، وهذا ما سأحاول إثباته في الآتي لأهميته:
إن مجرد إثبات أن العاشر كمهنة كان معروفاً قبل الإسلام لهو أمر محوري لأننا إن أثبتنا أن هناك عملاً قام به بعض الناس قبل الإسلام وسمي «العاشر» (وجمعه العشارون)، ثم أتى الإسلام ونهى عنه، فإن في هذا دليل قوي على منع الإسلام للمكوس قديمها وحديثها. لماذا؟ لأنه إن ثبت أن مهنة المكاس أو العاشر كانت موجودة قبل الإسلام فهذا يعني أنها كانت معروفة للرسول صلى الله عليه وسلم. ثم إن ثبت أنه منعها وحذر منها على الإطلاق، فهذا . يعني أنه قصد منعها تحديداً ودون استثناء حتى لا تتوفر الحجج لمن سيأتون من بعده من أجيال ويفرضون المكوس على الناس من خلال دراسات مثل علوم التنمية والاقتصاد والتخطيط من وضع عقل البشر القاصر.
هامش
خ) لاحظ أنني قلت في العبارة السابقة: «خارج ما أتت به المشركين. وأخرجه ابن منده من طريق مكي بن إبراهيم عن ابن الشريعة» ولم أقل: «بغير وجه حق». لأنني إن قلت: وهي عموماً لهيعة عن يزيد بن أبي . حبيب عن مخيس بن ظبيان عن عبد الرحمن بن آلية أخذ الأموال من الناس بغير وجه حق» لاعتقدت أن للدولة الحق حسان عن رجل من جذام عن مالك بن عتابة به فقدم مخيسا في السند في أخذ المال إن هي أثبتت أن لها الحق في ذلك كما هو الحال في أيامنا على عبد الرحمن، وكذا أورده ابن أبي حثمة عن محمد بن معاوية عن هذه. فقد تساهل بعض الفقهاء نتيجة للضغط الناتج من بعض ابن لهيعة، وأخرجه ابن شاهين من طريق ابن أبي حثمة ومن طريق المتخصصين ( كالمخططين والاقتصاديين وعلماء التنمية أو بالأحرى أخرى عن ابن لهيعة، كذلك وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من ضالي التنمية فتساهلوا في فرض الضرائب، فأصبحت حقوقاً طريق محمد بن ناصر أنبأنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده: مستحدثة. لذلك قلت : «خارج ما أتت به الشريعة». وهذا أمر مهم ثنا أبي أنبأنا عبد الله بن محمد بن الحارث المحاربي ثنا حمدان بن ذي لأن أخذ أي مال غير ما أتت به الشريعة في عهد الرسول صلى الله النون البلخي عن مالك بن عتاهية قال: قال رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم حتى تحت تغير ظروف عصرنا سيؤدي للضياع كما سترى وسلم : ( إن لقيتم عشارا فاقتلوه . قال إنه موضوع فيه مجاهيل. وقد بإذنه تعالى. رواه قتيبة عن ابن لهيعة فلم يذكر مخيساً ولا عبد الرحمن بن حسان. ذ) وتكملة ما جاء في النص: وعن جابر أن رجلاً قال: يا رسول الله وابن لهيعة ذاهب الحديث. قلت تعقبه الجلال في النكت بأنه أخرجه إن الخمر كانت تجارتي، وإني جمعت من بيعها مالاً، فهل ينفعني ذلك أحمد في مسنده والبخاري في تاريخه والطبراني بسند رجاله معروفون المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وفيه ابن لهيعة وهو من رجال مسلم في المتابعات وفيه كلام كثير. وسلم : إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح والصواب أنه حسن الحديث انتهى» (٤٦). بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب): فأنزل الله تعالى تصديقا لقول (ظ) وهناك طريق آخر للحديث: فعن عبد الرحمن بن حسان قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ أخبرني رجل من جذام قال: سمع فلان بن عتاهية يقول سمعت رسول . قال عطاء والحسن الحلال والحرام، فنسأل الله يقول: «إذا لقيتم عاشراً فاقتلوه)، قال يعنـي بـذلك الصـدقـة الله العفو والعافية». (٤٢). يأخذها على غير حقها» (٤٧). ض) وجاء في «ذيل القول المسدد» قال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن غـ الخطة الحيز الذي تسيطر على حدوده الخارجية مجموعة من داود: ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن حسان الناس وبداخلها أو بجوارها خطط أخرى تسيطر عليها مجموعات مخيس بن ظبيان عن رجل من جذام عن مالك بن عتاهية رضي الله عنه أخرى أقل عدداً من الناس وليس كوضعنا المعاصر كالدول القومية قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا لقيتم عاشراً التي بداخلها المحافظات التي يحكمها محافظ أو أمير والتي بداخلها فاقتلوه. وقال : حدثنا قتيبة بن سعيد بهذا الحديث، يعني عن ابن مدن أو قرى تحت تسلط الأمراء الأصغر أو البلديات أو الحاكم لهيعة، وقصر عن بعض الإسناد وقال: يعني بذلك الصدقة يأخذها العسكري، وهكذا، لذا نجد أن الأمكنة بداخلها سكان خاضعين على غير حقها انتهى. والمراد ببعض الإسناد أنه لم يذكر مخيسا ولا لهيمنة السلطات. بينما في الإسلام فهي خطط متجاورة تسيطر فيها عبد الرحمن بن حسان. وكذا رواه البغوي عن إبراهيم بن سعيد كل جماعة على خطتها كما سيأتي بيانه بإذن الله في الحديث عن الجوهري وغيره عن موسى بن داود وقال في آخره: يعني عشار «الأماكن».
هي
٤٨٤ 🗏
ولإثبات أن العاشر أو صاحب المكس كمهنة كان موجوداً قبل الإسلام للنظر للقرآن الكريم أولاً: قال
تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد جاء في تنوير المقباس من تفسير ابن عباس» الآتي:
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ، قوم هود هوداً وجملة المرسلين الذين ذكرهم هود، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ ﴾ نبيهم
﴿هُودٌ أَلَا تَتَّقُون﴾ عبادة غير الله ، إني لكم رسول من الله، أمين على الرسالة، فاتقوا الله أطيعوا الله فيما أمركم من التوبة والإيمان، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أمرتكم ﴿مَا أَسْئَلَكُمْ عَلَيْهِ﴾ على التوحيد من أجر من جعل ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابى إلا على رب العالمين، ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً﴾ بكل طريق علامة ﴿تَعْبَثُونَ﴾تضربون وتأخذون ثياب من مر بكم من الغرباء وهم العـشــارون على الطرق، وله وجه آخر يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بكل سوق﴿ءَايَةً﴾ علامة ﴿تَعْبَثُونَ﴾، تسخرون بمن مربكم ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ ، المنازل والقصور والحياض، لَعَلَّكُمْ كأنكم تَخْلُدُونَ في الدنيا لا تخلدون، ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، وإذا أخذتم بالعقوبة أخذتم بعقوبة الجبارين تضربون وتقتلون على الغضب. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فاخشوا الله فيما أمركم من التوبة والايمان، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ اتبعوا أمري ﴿وَاتَّقُواْ الَّذِى﴾ اخشوا الذي ﴿أَمَدَّكُم﴾ أعطاكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم بين ما أعطاهم فقال: ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ، أعطاكم أنعاما وبنين ﴿وَجَنَّتٍ﴾ بساتين ﴿وعُيُونٍ﴾ ماء طاهر، ﴿إنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ ، أعلم أن يكون عليكم ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في النار إن لم تتوبوا من الكفر والشرك وعبادة الأوثان» . ٤٨
أي أن من مسببات غضب الله على قوم عاد هو أنهم كانوا ينصبون علامات أو نقاط يأخذ فيها عشاروهم الأموال من الناس. وهذه النقاط قد تكون في الأسواق أو في الطرق، وأنهم إن لم يقم أحد بدفع ما طلبوه منه (سواء كان فرداً أو جماعة) بطشوا به بطشاً جباراً. كما أنهم كانوا يستخدمون هذه الأموال في بناء المنازل وما إليها منشآت من لعلهم يخلدون. أو ليس هذا الذي يحدث الآن؟ فنقاط أخذ الأموال الآن هي في الحدود عند انتقال البضائع، وفي الأسواق عند الشراء على شكل ضرائب، وفي الدوائر الحكومية على شكل رسوم، أو باستحواذ الدولة على جميع الموارد من منابعها كالنفط مثلاً. إلا أنك قد تقول: بأن هذه الأموال التي تأخذها الدولة هي التي تعطينا الخدمات، وليس كقوم عاد الذين لا يعطون شيئاً مقابل الأخذ؟ فأجيب: إن قوم عاد كانوا يضمنون الأمان لمن دفع، وهذه خدمة، والمؤسسات الحكومية تعطينا أيضاً بعض الخدمات، إلا أن هذه الخدمات لا يمكن أن ترتقي لما تأخذه الدولة من أموال بسبب الهدر الكبير في نفقات الدولة الذي لابد منه كما سيأتي بيانه بإذن الله، برغم أنهما (قوم عاد والدولة المعاصرة) يشتركان في أنهما كليهما يسلبان الفرد الحق في الحصول على خدماته بنفسه. أي أن الآخذون هم الذين يقررون ما يجب أن يعطى من حقوق أو خدمات، إلا أن هناك فرقاً واضحاً بين ما كان قوم عاد يأخذونه وبين ما تأخذه دولنا المعاصرة يكمن في أن تركيبة المجتمع في السابق كانت عبارة عن قبائل أو جماعات، وكل قبيلة أو جماعة داخل خطتها. وتحاول كل جماعة فرض سيطرتها على الجماعات الأخرى المجاورة بالقوة ثم تفرض الإتاوات، أي أنها جماعات متجاورة في الغالب، أما مجتمعاتنا المعاصرة فإن الضرائب فيها تفرض من
غ
الديوان
٤٨٥
طبقة على طبقات أخرى داخل نفس الخطة، أي أن السيطرة لطبقة مثل الحزب الحاكم أو الأسرة المالكة) داخل جماعتها على باقي الأفراد، فالعلاقة رأسية بين أفراد الطبقات في نفس الجماعة، أما في السابق فإن العلاقة أفقية بين الجماعات المتجاورة المتناحرة. والإسلام كما سيأتي في الحدث عن «الخطط» بإذن الله يوجد جماعات متجاورة دون التناحر، وفي هذا إنتاجية قصوى بخدمات أرقى وبأمان مطمئن.
إن الاستنتاج الواضح من السابق هو أن مهنة العاشر أو المكاس كانت مهنة معروفة قبل الإسلام." لنأخذ الآن مثالاً آخر من القرآن الكريم لتأكيد هذا الاستنتاج، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيْنَةٌ مِن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. لنركز على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. والمشهور في تفسيرها هو أن قوم شعيب كانوا يقطعون الطرق على كل من يأتي لشعيب ليؤمن بالله ويتوعدونه متهمين شعيباً عليه السلام بالكذب. فقد جاء في تفسير البغوي: «﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾، أي على كل طريق ﴿تُوعِدُونَ﴾ تهددون، ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيل الله﴾ دين الله، ﴿مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ زيغاً، وقيل: تطلبون الاعوجاج في الدين والعدول عن القصد، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان لشعيب إن شعيب كذاب فلا يفتنك عن دينك ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم». وهناك تأويل آخر وهو أنهم كانوا عشارين يأخذون الأموال من كل مار بالطريق. فقد جاء في تفسير القرطبي الآتي:
في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان: قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة هذا نهي عن قطع الطريق وأخذ السلب وكان ذلك من فعلهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا : ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُون﴾ ، الآية. وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين والحمد لله. وقال السدي أيضاً كانوا عشارين متقبلين، ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون من الناس ما لا يلزمهم شرعاً من الوظائف المالية بالقهر والجبر، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد، وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها ، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء. فإنا لله وإنا إليه راجعون لم يبق من الإسلام إلا رسمه ولا من الدين إلا اسمه. يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس قوله تعالى: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِهِ﴾ ، الضمير في
به يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد، وأن يعود على السبيل عوجا . ...».
이
ΕΛΤ 🗏
وقد تأكد هذا المعنى في تفسير ابن كثير أيضاً إذ يقول:
ینها هم شعيب عليه السلام عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ ، أي تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. قال السدي وغيره: كانوا عشارين. وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾، أي تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه. والأول أظهر لأنه قال : ﴿بِكُل صِرَاطٍ﴾، وهو الطريق. وهذا الثاني هو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، أي: وتودون أن تكون سبيل الله عوجاً مائلة» ب٢
ولعل الذي يقوي احتمال هذا التأويل بأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُل صِرَاطِ﴾، قد يعني أيضاً أخذ المكوس من الناس في الطرق هو قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرِ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، جاء في تفسير أبو السعود ﴿
وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، فإن العثى يعم نقص الحقوق وغيره من أنواع الفساد، وقيل: البخس المكس كأخذ العشور في المعاملات. قال زهير بن أبي سلمى:
أفي كل أسواق العراق أتاوة وفي كل ما باع امرؤ مکس درهم
والعثى في الأرض السرقة وقطع الطريق والغارة وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام، وقيل معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين أمر ج ۲ آخرتكم ومصالح دينكم».
٢٠
هامش
) وهناك اسم آخر غير منتشر للعشارين وهو الأريسيين. فقد جاء الطرق من أموال الناس، فنهوا عن ذلك. والقول الأول أقربها إلى في عمدة القارئ مثلاً: «فإن عليك إثم الركوسيين وهم أهل دين الصواب مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال النصارى والصابية يقال لهم الركوسية، وقال الليث بن سعد عن يونس المذكورة ...» (٥٢).
فيما رواه الطبراني في الكبير من طريقه الأريسيون العشارون يعني (جـ٢) وجاء في كتاب فتح القدير: «﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، قد مر تفسير هذا في الأعراف وفيه النهي عن البخس على
أهل المكس» (٤٩).
»
ب٢) ومن كتب التفسير التي تذهب لنفس التأويل مثلاً تفسير العموم والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس بتطفيف الكيل الجلالين إذ يقول: « ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُون﴾، تخوفون والوزن، في هذا دخولا أوليا ، وقيل البخس المكس خاصة». وجاء في الناس بأخذ ثيابهم أو المكس منهم». وجاء في فتح القدير للشوكاني تفسير البيضاوي: « ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، فَإِن العثويعم ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُون﴾ ، الصراط الطريق، أي لا تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد، وقيل المراد بالبخس المكس تقعدوا بكل طريق توعدون الناس بالعذاب. قيل كانوا يقعدون في كأخذ العشور في المعاملات، والعثو السرعة وقطع الطريق والغارة الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويقولون وفائدة الحال إخراج ما يقصط به الاصلاح، كما فعله الخضر عليه إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الصلاة والسلام، قيل معناه ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فِي أَمر الله عليه وسلم. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وغيرهم. وقيل دينكم ومصالح آخر تكم». وجاء في تفسير النسفي: «﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها وليس المراد به ، العثى والعبث أشد الفساد نحو السرقة والغارة القعود على الطرق حقيقة، ويؤيده ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ َامَنَ بِهِ﴾ وقطع السبيل، ويجوز أن يجعل البخس والتطفيف عيثاً منهم في ء، وقيل : المراد بالآية النهي عن قطع الطريق وأخذ السلب، الأرض»، (٥٣). وكان ذلك في فعلهم. وقيل: إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في
الديوان
EAV
والآن (ثانياً) للنظر للسنة المطهرة لإثبات أن العاشر كمهنة كان موجوداً قبل الإسلام: هناك الكثير مما كتب عن العاشر في كتب الفقه. فقد جاء في «شرح معاني الآثار» مثلاً الآتي: عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: (لا تحشروا ولا تعشروا). فالرسول صلى الله عليه وسلم نهاهم عن فعل شيء كان يُفعل ذلك الوقت، فهو صلى الله عليه وسلم إذاً يعلم ما هو العاشر. وكذلك الآتي يؤدي لنفس الاستنتاج. فعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر العرب، احمدوا الله إذ رفع عنكم العشور)»، فهو صلوات ربي وسلامه عليه يذكرهم بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم الذي رفع عنهم ظلماً كان واقعاً عليهم، ألا وهو العشور. " والظاهر هو أن أخذ العشور من جميع الناس من قبل الملوك أو السلاطين أو أمراء القبائل أو كل من يبسط سلطانه على رقعة من الأرض كان عرفاً فأتى الإسلام وأبطله. لاحظ الآتي مما جاء في شرح معاني الآثار»:
صلى
الله
عليه
«عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة صاحب مكس)، يعني عاشراً، فهذا هو العشر المرفوع عن المسلمين، وأما الزكاة فلا، وقد بين ذلك أيضاً ما حدثنا سليمان بن شعيب قال: ... عن حرب بن عبيد الله عن رجل من أخواله أن رسول الله وسلم استعمله على الصدقة وعلمه الإسلام وأخبره بما يأخذ فقال يا رسول الله، كل الإسلام قد علمته إلا الصدقة، أفأعشر المسلمين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما يعشر اليهود والنصارى). ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على الصدقة وأمره أن لا يعشر المسلمين، وقال له إنما العشور على اليهود والنصارى، فدل ذلك أن العشور المرفوعة عن المسلمين هي
خلاف الزكاة».
00
أي أن العشر كان هو المفروض على الناس قبل الإسلام ثم أبطله الإسلام وفرض الزكاة على المسلمين كما هو واضح مما قاله أبو عبيد في الآتي. وأرجو أن تلحظ أيضاً في الاقتباس الآتي أن العمال على الزكاة كانوا يتخوفون من الوقوع في إثم العاشر، وأن هذا التخوف كان تكريماً للمزكين كما مر بنا في فصل «الأموال». تأمل النص:
«وجوه هذه الأحاديث التي ذكرنا فيها العاشر وكراهة المكس والتغليظ فيه أنه قد كان له أصل في الجاهلية يفعله ملوك العرب والعجم جميعا، فكانت سنتهم أن يأخذوا من التجار عشر أموالهم إذا مروا بها عليهم، يبين ذلك ما ذكرنا من كتب النبي لمن كتب من أهل الأمصار مثل ثقيف والبحرين ودومة الجندول وغيرهم ممن أسلم أنهم لا يحشرون ولا يعشرون، فعلمنا بهذا أنه قد كان من سنة الجاهلية مع أحاديث فيه كثيرة، فأبطل الله ذلك برسوله صلى الله عليه وسلم وبالإسلام، وجاءت فريضة الزكاة بربع العشر من كل مائتي درهم خمسة. فمن أخذها منهم على فرضها فليس بعاشر لأنه لم يأخذ العشر إنما أخذ ربعه . وهو مفسر في الحديث يحدثونه عن عطاء بن السائب عن حرب ابن عبيد الله الثقفي عن جده أبي أمه أن رسول الله قال: (ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى). وكذلك الحديث الذي ذكرناه مرفوعا حين ذكر العاشر فقال: هو الذي يأخذ الصدقة بغير حقها. قال أبو عبيد : فإذا زاد في الأخذ على أصل الزكاة فقد أخذها بغير حقها. وكذلك وجه حديث ابن عمر حين سئل : هل علمت عمر أخذ العشر من المسلمين؟ فقال: لا، لم أعلمه. قال أبو عبيد : إنما نراه أراد هذا ولم يرد الزكاة، وكيف ينكر ذلك وقد كان عمر وغيره من يأخذونها عند الأعطية، وكان رأي ابن عمر دفعها إليهم. وكذلك حديث زياد بن حدير حين قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً، إنما أراد أنا كنا نأخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف
الخلفاء
ΕΛΛ 🗏
العشر. فإذا كان العاشر يأخذ الزكاة من المسلمين إذا أتوه بها طائعين غير مكرهين فليس بداخل في هذه الأحاديث، فإن استكرهتم عليها آمن أن يكون داخلاً فيها، وإن لم يزد على ربع العشر لأن سنة الصامت خاصة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه من ذلك حديث مسروق الذي ذكرناه، قوله: «لا أدري ما هذا الحبل الذي لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر، وكان حبلاً يعترض به النهر يمنع السفن من المضي حتى تؤخذ منهم الصدقة فأنكر مسروق أن تؤخذ منهم على استكراه. وقد فسره حديث عمر بن عبد العزيز الذي ذكرناه قوله : «من جاءك بصدقة فاقبلها ومن لم يأتك بها فالله حسيبه». وكذلك حديث عثمان قوله: «ومن لم أخذنا منه لم نأخذ منه حتى يأتينا بها تطوعا». وإنما كانوا يسألون عن الزكاة عند الأعطية قبل أن تقبض، فإذا قبضت وحيزت فإنما هي أماناتهم، فهذه هي سنة زكاة العين والورق. وأما الصدقة التي يكره الناس عليها ويجاهدون على منعها فصدقة الماشية والحرث والنخل فإذا كان العاشر يعمل بهذا لم يلزمه شيء من
التغليظ ».
ه ۲
هذا
من الملاحظ على النص السابق أن ذم الرسول صلى الله عليه وسلم للعاشر جعل في نفوس من يعملون في الزكاة تحرجاً يتبلور في السؤال الآتي: هل هم من العشارين برغم أنهم يأخذون الزكاة فقط؟ لذلك نلحظ من
فإن
العبارات الآتية من النص السابق: «... حين ذكر العاشر هو الذي يأخذ الصدقة بغير حقها ...»، ومن: «... استكرهتم عليها آمن أن يكون داخلاً فيها، ...»، أنها عبارات تحاول طمأنة عمال الزكاة أنهم ليسوا من العشارين إن هم التزموا بأوامر الشرع. ولكن ما الذي سيطمئن العامل على الزكاة أنه لم يظلم مسلماً في الخرص أو في الأخذ من أوسط المال وما إليها من قرارات لابد لعامل الزكاة من أخذها ضد المزكي؟ لذلك فإن أحاديث التغليظ على العشارين جعلت الكثير يتحرجون من العمل كعمال زكاة خوفاً من الوقوع في صفة العاشر. فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن على بن زيد عن الحسن قال: «مر عثمان بن أبي العاص على كلاب بن أمية وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة فقال : ما يجلسك ههنا ؟ قال : استعملني هذا على هذا المكان. يعنى زياداً. فقال له عثمان: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. فقال عثمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كان لداود نبي الله عليه السلام من الليل ساعة يوقظ فيها أهله فيقول: يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه ساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار. فركب كلاب بن أمية سفينته فأتى زيادا فاستعفاه فأعفاه». تأمل أخي القارئ قوة السابق في التأثير على النفوس، فرغم أن كلاب لم يكن عاشراً، بل كان عامل زكاة إلا أنه خاف وترك المهنة. هكذا كانت الأحاديث تخوف البعض الذين عملوا في جباية الزكاة، ومنهم مسروق رضي الله عنه. اقرأ النص الآتي من الأموال لترى تحرجه وتخوفه من عمله الذي لابد وأنه أرغم عليه:
و ۲
«حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن مسروق أنه قال : والله ما علمت عملاً أخوف عندي أن يدخلني النار من عملكم هذا وما بي أن أكون ظلمت فيه مسلماً ولا معاهداً ديناراً ولا درهماً. ولكني لا أدري ما هذا الحبل الذي لم يسنه رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر. قالوا: فما حملك على أن دخلت فيه؟ قال: لم يدعني زياد ولا شريح ولا الشيطان حتى دخلت فيه. قال: حدثنا عباد بن عباد عن عاصم الأحول عن الشعبي قال: استعمل زياد مسروقاً على السلسلة فانطلق فمات بها، فقيل له: كيف خرج من عمله ؟ فقال : ألم تروا إلى الثوب يبعث به إلى القصار فيجيد غسله، فكذلك خرج من عمله. قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا وائل يقول: كنت مع مسروق بالسلسلة، فما رأيت أميراً قط كان أعف منه ما كان يصيب شيئا إلا ماء دجلة». ٥٨
۵۸
الديوان
٤٨٩
لقد كان لهذه الأحاديث التي تنفر الفرد من العمل كعاشر الأثر حتى في آراء الفقهاء في الزكاة بطريقة تكرم الملاك ضد السلاطين، وهذا ما تحدثنا عنه في فصل «الأموال». لنقرأ الآتي من كتاب «شرح معاني الآثار»:
عنه
...
. عن عمرو عن
«عن عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله عن جده أبى أمه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على أهل الذمة). قال أبو جعفر : فذهب قوم إلى أن الإمام ليس له أن يبعث على المسلمين من يتولى على أخذ صدقاتهم ولكن المسلمين بالخيار إن شاؤا أدوها الى الإمام فتولى وضعها في مواضعها التي أمره الله عز وجل بها، وإن شاؤا فرقوها في تلك المواضع. وليس للإمام أن يأخذها منهم بغير طيب أنفسهم. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله . مسلم بن يسار قال: قلت لابن عمر: أكان . يعشر المسلمين؟ قال: لا، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: للإمام أن يولى أصحاب الأموال صدقات أموالهم حتى يضعوها مواضعها، وللإمام أيضا أن يبعث عليها مصدقين حتى يعشروها ويأخذوا الزكاة منها، وكان من الحجة على أهل المقالة الأولى لهم أن العشر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه عن المسلمين هو العشر الذي كان يؤخذ في الجاهلية، وهو خلاف الزكاة، وكانوا يسمونه المكس، وهو الذي روى عقبة بن عامر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في الأحكام السلطانية للماوردي: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شر الناس العشارون الحشارون».
عمر
أما العشور المفروضة على اليهود والنصارى فهي على التجار الذين يأتون من خارج ديار المسلمين وليست على المعاهدين من أهل الذمة. ومن الآثار التي تدل على ذلك ما قاله أبو عبيد: «... عن عبد الرحمن بن معقل قال: سألت زیاد بن حدير : من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً. قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب، كما كانوا يعفروننا إذا أتيناهم». وكذلك ما جاء في مصنف عبد الرزاق عن عبد الله بن مغفل أن زياد بن حدير حدثه «أنه كان يعشر في إمارة عمر ولا يعشر مسلماً ولا معاهدا. قلت له فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار
هامش
د٢) وجاء في كتاب شرح معاني الآثار أيضاً: حدثنا أبو بكرة قال: و ۲ المقصود بالحبل أو السلسلة: هو حبل كان يتم مده على عرض ثنا أبو أحمد قال : ثنا إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن رجل حدثه النهر حتى لا تتمكن السفن من المرور إلا بعد أخذ الزكاة أو العشر عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى من أصحابها كما مر بنا سابقاً، والله أعلم. الله عليه وسلم يقول، فذكر مثله» (٥٤). (۲) الحديث الذي ذكر أنه في الأحكام السلطانية للماوردي لم أجده هـ٢) وتكملة ما جاء في النص: «وكيف يكون هذا مكروهاً وقد فعله في مراجع أخرى (٥٩). عمر بن الخطاب والأئمة بعده، ثم لا نعلم أحداً من علماء أهل الحجاز (۲) ومن الآثار في كتاب الأموال الآتي: «قال حدثنا عبد الرحمن عن والعراق والشام ولا غير ذلك كرهه ولا ترك الأخذ به. وكانوا يرون ما سفيان عن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت زياد بن حديـر يقول: أنا أخذه العاشر مجزياً من الزكاة، منهم أنس بن مالك والحسن وإبراهيم أول عاشر عشر في الإسلام. قلت من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا
وكان مذهب عمر فيما وضع من ذلك أنه كان يأخذ من المسلمين نعشر مسلماً ولا معاهداً، كنا نعشر نصاري بني تغلب» (٦١). الزكاة ومن أهل الحرب العشر تاماً لأنهم كانوا يأخذون من تجار (۲) وجاء في مصنف عبد الرزاق أيضاً: «أخبرنا عبد الرزاق قال: المسلمين مثله إذا قدموا بلادهم، فكان سبيله في هذين الصنفين بيناً أخبرنا بن جريج عن يحيى بن سعيد عن زريق صاحب مكوس مصر واضحاً. قال أبو عبيد : وكان الذي يشكل على وجهه أخذه من أهل أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه من مر بك من المسلمين ومعه مال الذمة، فجعلت أقول ليسوا بمسلمين فتؤخذ . منهم ! الصدقة، ولا من يتجر به فخذ منه صدقته من كل أربعين ديناراً ديناراً، فما نقص منه أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا، فلم أدر ما هو حتى إلى عشرين فبحساب ذلك إلى عشرة دنانير، فإن نقص ثلث دينار فلا تدبرت حديثا له فوجدته إنما صالحهم على ذلك صلحاً سوى جزية تأخذ منه شيئا، ومن مر بك من أهل الكتاب أو من أهل الذمة ممن الرؤس وخراج الأرضين» (٥٦). فخذ منه من كل عشرين ديناراً دينارا، فما نقص فبحساب ذلك
يتجر
.(٦٢) «...
٤٩٠ 🗏
أهل الحرب كما يعشرونا إذا أتيناهم. قال : وكان زياد عاملاً لعمر». وقد كانت هذه سنة الخلفاء من بعده صلوات
أنه
ربي وسلامه عليه. فقد جاء في كتاب الأموال: عن «مسلم بن شكرة قال: وقال غير حجاج مسلم بن المصبح سأل ابن عمر: أعلمت أن عمر أخذ من المسلمين العشر قال: لا لم أعلمه». وفي مصنف عبد الرزاق الآتي: «أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن إبراهيم بن المهاجر أنه سمع زياد بن حدير قال: إن أول عاشر عشر في الإسلام لأنا، وما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً، قال: قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال نصارى بني تغلب. قال إبراهيم: فحدثني إنسان عن زياد قال: فقلت له: وكم كنتم تعشرونهم ؟ قال نصف العشر».
۲
الفخ: عبد الرحمن بن عوف
إن أهم استنتاج نريد الخروج به من السابق هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان على بينة تامة لما قام به الحكام في وقته من أخذ المكوس، ومع ذلك لم يفعله، وهذا الاستنتاج توصل إليه آخرون أيضاً. فهذا الباحث منذر قحف أثابه الله يقول موضحاً سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم الاقتصادية بأنها كانت في
هو
حالنا
«عدم محاولة وضع نظام للإيرادات العامة، وبخاصة الضرائب، رغم أنها كانت معروفة في عصره – عليه الصلاة والسلام والمهاجرون - كجميع سكان مكة - أهل تجارة يعرفون ما يفرضه الملوك حولهم. والرسول صلى الله عليه وسلم ذم صاحب المكس في أكثر من حديث. ولا يمكن أن يكتفى بأن السبب في ذلك تاريخي محض، فقد نشأت حاجات عديدة كان يمكن أن تفرض من أجلها الضرائب أو تتخذ الوسائل لإيجاد إيرادات مالية للدولة، كأن تخصص بعض الأراضي العامة بالمدينة لزراعتها لصالح الدولة أو لبعض المزارعين ويؤخذ إيرادها للدولة».
٦٣
أي أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يفرض الضرائب كما رأينا في فصل «دولة الناس»، بل حذر صلى الله عليه وسلم كل التحذير من المكوس. والسؤال هو: لماذا هذا التحذير الشديد من المكاسين أو العشارين؟ قد تكون هناك إجابات منطقية بالطبع كالآتي: إن العالم الإسلامي إن تقطع إلى دول كثيرة كما حدث تاريخياً وكما اليوم، فإن التاجر إن سافر من أفغانستان إلى موريتانيا سيمر بتجارته على أكثر من عشرة مكاسين، فإن أخذ كل واحد منهم العشر، وهذا أمر أكيد لأن السلاطين في تلك الدويلات بحاجة للمال، فإن تجارة التاجر إن لم تنقرض فستتقلص بدرجة لن تحفز فرد من العمل في التجارة. وفي هذا ضرر كبير لاقتصاد الأمة المسلمة كما هو واضح. حتى وإن كان هناك مكاس واحد. فإن العشر كثير على المسلمين كما سترى في الحديث عن «ابن السبيل» بإذن الله، إذ أن الشريعة تفتح جميع السبل لانتقال الخيرات من موطن لآخر. ولكن بالنسبة لنا كمسلمين فإن الإجابة عن السؤال: لماذا التحذير الشديد من المكاسين هو باختصار: لأنه صلى الله عليه وسلم رسول مرسل. فالرسول صلى الله عليه وسلم غير مطالب بالتوضيح لنا لماذا تمنع الضرائب، ولكنه يوضح لنا الطريق الذي إن سرنا عليه سنصل لمجتمع عزيز سعيد متمكن، أي إلى حياة طيبة. ولكنك قد تقول: إن الزمان قد تغير، فلابد وأن تتغير الأحكام. فأقول: كلا، ولتوضيح كلا» هذه فإن الإجابة من شقين: الأول: سأثبت لك بإذنه تعالى أن في عدم أخذ الضرائب (المكوس) خير كبير للأمة، فأمة دون ضرائب ستكون أعز وأمكن وأسعد من أمة تعيش على نظام ضريبي، وهذا هو لب موضوع هذا الكتاب والشق الثاني هو لأنه صلى الله عليه وسلم رسول مرسل من عند عالم
الديوان
٤٩١
الغيب والشهادة الذي يعلم ما سيقع مستقبلاً، فقد أرسل صلوات ربي وسلامه عليه لينهي الناس عن المكوس لأن يعلم أن هذا سيحدث مستقبلاً.
الله
جداً ومع
٦٤
هنا نأتي لمسألة مهمة وهي أن الأحداث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت نموذجاً يغطي جميع الاحتمالات الممكنة ليُحتذى بها مستقبلاً. فهي ليست كما يعتقد البعض مجرد تراكمات لأحداث انتهت، وأنها بذلك مجرد كنز ماض علينا الاستفادة منه إن احتجنا لذلك، بل ما يحاول هذا الكتاب طرحه هو أن عهد الرسالة كان نموذجاً وضع بإرادة الله سبحانه وتعالى ليغطي من حيث مقصوصة الحقوق جميع الاحتمالات الممكنة للإجابة على جميع التساؤلات المستقبلية حتى لا نستحدث أمراً في الدين في مقصوصة الحقوق، وإلا كيف يكون هذا الدين هو الدين الخاتم ؟ ولعل من أسطع الأمثلة لهذا هو الصحابي عبد الرحمن بن عوف. فقد كان تاجراً ناجحاً وثرياً ذلك لم يطالبه أحد بدفع درهم واحد كضريبة. فقد جاء في كتاب «صفوة الصفوة» أنه عندما توفي رضي الله عنه «كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال، وترك أربع نسوة، فأخرجت امرأة من تمنها بثلاثين ألفاً». وجاء في مسند الإمام أحمد «عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتاً في المدينة فقالت ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء. قال: فكانت سبعمائة بعير، قال: فارتجت المدينة من الصوت، فقالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً. فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: إن استطعت لأدخلنها قائماً. فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله عز وجل». ولعل السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا هو : لماذا لم يطالب عبد الرحمن بن عوف بدفع أي شيء كدعم للأمة برغم كل هذا الثراء وبرغم حاجة المسلمين الماسة للدعم المالي إذ أن رقعة دولة الإسلام كانت في توسع مستمر وقت ثرائه؟ وفي الوقت ذاته يجب أن نطرح سؤالاً معاكساً: لماذا كان عبد الرحمن بن عوف ينفق طواعية لدعم الأمة وبسخاء؟ فكما هو معلوم فقد كان عبد الرحمن بن عوف كثير العطاء. فكما جاء في «صفوة الصفوة»: «عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف ثم تصدق بأربعين ألفاً، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله تعالى، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله تعالى، وكان عامة ماله من التجارة». فبرغم هذا الثراء في ي ٢ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يفرض صلى الله عليه وسلم عليه الضرائب. ولعلك تقول للإجابة على السؤالين السابقين كما يقول الكثير من الباحثين لأن عبد الرحمن بن عوف صحابي فهو ورع بدليل ما جاء في صحيح البخاري أن «عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتى بطعام وكان صائماً فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير
هامش
ي٢) حتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان ابن عوف كثير ك ٢) وعن نوفل بن إياس الهذلي قال : كان عبد الرحمن لنا جليساً العطاء، فعن «أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال : بـاع عبد وكان نعم الجليس، وإنه انقلب بنا يوماً . دخلنا حتى بيته ودخل الرحمن بن عوف أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك فاغتسل ثم خرج فجلس معنا وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف فقلنا له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ ذلك المال، فقالت عائشة : أما إني سمعت رسول الله صلي فقال: هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من الله عليه وسلم يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون ، سقى الله خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير لنا» (٦٧). ابن عوف من سلسبيل الجنة» (٦٦).
معي :
بمال من
٤٩٢ 🗏
مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا.
ك ٢
ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام». أي أنك من السابق، كالآخرين، قد تقول أن جيل الرسول صلى الله عليه وسلم لن يتكرر، فالناس برغم أنهم لم تفرض عليهم الضرائب برغم ثراء بعضهم الكبير مثل عبد الرحمن بن عوف، إلا أنهم مع ذلك ينفقون في سبيل الله طواعية، فإن قورن هذا الوضع بوضعنا الحالي فإن أي باحث سيقول لك (كما يذهب لذلك معظم (المعاصرين أن معدن الرجال في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لابد وأن يكون مختلفاً. فهم خير القرون كما ذكرنا سابقاً. فهل هذا صحيح؟
أخي القارئ، إن في طريقة التفكير هذه التي انتشرت بين الكثير من الباحثين «فخ» نُصب حتى يقتنع الناس بطريقة غير مباشرة أن الإسلام دين غير قابل للتطبيق في كل الأزمان كما هو ، بل يجب أن يتغير. كيف؟ لأننا إن سلمنا أن معدن الرجال في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مختلف عن باقي العصور، فهذا قد يعني للكثير ضمناً أن الأحكام التي كانت صالحة لهم قد لا تكون ملائمة لنا لأن النفوس قد تغيرت. وخير مثال على هذا ثراء عبد الرحمن بن عوف وشدة عطائه. فلأن أمثال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لا يوجدون الآن لذلك يجب أن تتغير الأحكام (كما يقولون)، أي يجب أن نأخذ من أموال الأثرياء الذين لا ينفقون طواعية نظراً لحاجة المجتمع، وكيف يتم ذلك إلا من خلال فرض الضرائب؟ وفي هذا فتح لباب الضرائب على الناس، وبهذا تتغير مقصوصة الحقوق. هل رأيت الفخ أخي القارئ ؟ وسترى الكثير من أمثال هذه الأفخاخ في فصل «المكوس» إذ أن بعض العلماء المعاصرين لم يروا بأساً في الضرائب مثل القرضاوي.
لماذا لم
أي أن ثراء عبد الرحمن بن عوف كان والله أعلم لهدف محدد، أي لحكمة مهمة أرادها الله سبحانه وتعالى وهي أن يخلد ثراؤه الكبير حتى تراه جميع الأجيال التالية ولتتأكد أنه وبرغم ثرائه لم يُطالب بدفع أية ضريبة. وهناك آخرون من مثله، فعندما توفي الزبير بن العوام ترك خمسون ألف ألف دينار. لذلك قلت في السابق أن عهد الرسالة هو نموذج لنا لنتمسك به في كل تفاصيله وليس ماض عريق نصفق له ونؤرخه دون التقيد به. تؤخذ الضرائب من عبد الرحمن بن عوف؟ هذا سؤال يجب أن يسأل عنه كل عالم معاصر لا يمانع فرض الضرائب على الناس مثل القرضاوي (كما سيأتي بإذن الله). هل لاحظت عمق الشريعة أخي القارئ؟ إن الموقف الذي يتبناه كتاب «قص الحق» هو التسليم بأفضلية الصحابة رضوان الله عليهم، فهذا أمر لا جدال فيه، ولكن هذا لا يعني تغيير الأحكام قط. وكما ذكرت سابقاً، فإن من عدله سبحانه وتعالى أن يعطى جميع الناس في جميع الأزمان الفرصة لبلوغ الدرجات العلا من الجنة. لذلك، فلعل الفرص المتاحة للصحابة متاحة أيضاً لمن جاء من بعدهم في التسابق لفعل الخيرات، والله أعلم. وهذه البيئة التي كان بها الصحابة التي مكنتهم من فعل الخيرات لن تتكرر إلا إن طبقنا مقصوصة الحقوق مرة أخرى. ومن شروط هذه البيئة خلوها من المكوس عندها تزداد الأموال في أيدي الناس ويزيد الإنتاج وتزداد الأمة انتعاشاً اقتصادياً كما سيأتي بإذن الله، عندها ستظهر المنافسة بين الأثرياء للتصدق إما لإظهار الذات والشهرة بين المنافقين منهم، أو تقرباً الله بين المتقين منهم. عندها سيظهر الكثير من أمثال عبد الرحمن بن عوف في سخائهم وإن لم يكونوا في مكانته كصحابي وبالذات إن فتحت أبواب التمكين للناس كما جاءت بها الشريعة. فأنت عندما ترى الأثرياء الآن يبخلون عن التبرع فإنما ذلك لأن معظمهم من الفاسدين أصلاً الذين تمكنوا من جمع المال من خلال استغلال أبواب التمكين التي فتحت لهم دون غيرهم كابن وزير أو قريب سفير أو
الديوان
٤٩٣
رجل يعرف كيف يرشي المسؤولين، أو رجل تمكن بطريقة أو بأخرى من الحصول على تصريح للتنقيب عن معدن في موقع ما دون غيره، أو رجل أقطع أرضاً دون غيره، أو رجل عمل فترة من حياته كرئيس لأعمال أمير أو وزير وهكذا معظم الأثرياء. ولكن مع تطبيق مقصوصة الحقوق وفتح جميع أبواب التمكين للجميع فإن المال سيقع أيضاً في أيدي الطيبيين من الناس.
أي باختصار يمكننا القول أن هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع هذه التحذيرات هو منع الناس من العمل لدى الحكام أو الحكومات كجباة للأموال سواء كانوا موظفي جمارك أو ما شابههم. فأي عمل فيه جمع للمال مهما كان فهو مكس، وفي هذا المنع خير كبير للأمة كما سترى بإذن الله. عندها ستقدر سبب إهدار دم المكاس أو العشار. ففي هذا الإهدار لدمائهم تخويف للناس من العمل لدى السلاطين في كل ما يؤدي لجمع المال للسلاطين مما لم يفرضه الشرع، وهذا الذي فرضه الشرع جد قليل كما مر بنا في الفصول السابقة. وبهذا يضمحل سلطان الحاكم لأنه لا مال لديه يمكنه من تسخير الآخرين للعمل لديه فلا تظهر الدولة بمفهومها الحديث. لأنها إن ظهرت فإن السلطان سيجعل من القانون أداة لحماية مصالحه ويجعل من الإدارة العامة سلماً للوصول لشهواته، ويجعل من القانون نفقاً للوصول لمطامعه ويجعل من القضاء وسيلة لتغطية سرقات أقاربه، هذا إن لم يكن السلطان طاغية يجتث كل من وقف له إما بالقتل أو بالتشريد له ولأهله، أما إن لم يكن السلطان طاغية، وفي أحسن الأحوال كما هو الحال أحياناً في العالم الغربي، فإن المكاسين أيضاً هم أصل كل بلاء لأنه إن تجمع المال للسلطة وجب عليها إنفاقه، وهنا يظهر التشابك الذي تحدثنا عنه والذي يضع الناس في مراتب يستعبد فيه بعضهم البعض الآخر، فتظهر الدوائر الحكومية، فيظهر علم الإدارة مثلاً عن كيفية الاستفادة القصوى من الموظفين، وتظهر نظريات التخطيط للاستفادة القصوى من استثمارات الدولة. وهكذا تظهر الطبقات الاجتماعية التي تستعبد بعضها بعضاً، وتظهر وزارة الدفاع بحجة الدفاع عن الوطن لتتم السيطرة على الشعوب، وتظهر الشرطة بحجة تتبيب الأمن لتكبت الحريات، وهكذا يستشري الفساد كما سأثبت بإذنه تعالى. فلا عجب إن أهدر صلوات ربي وسلامه عليه دم المكاس برغم أنه قد يكون رجلاً مرغماً على هذا العمل لحاجته القصوى للمال للإنفاق على أهله، فالمكاس هو أصل كل بلاء، ولعل في قتل رجل مثله (إن صح الحديث ردع للآخرين بالابتعاد عن مثل هذا العمل، ولأنه إن تمكن فرد واحد من العمل كمكاس فسيتبعه آخرون محتاجون للمال، وهكذا يتكون الهرم السلطوي الاستعبادي للدولة، عندها سيستشري الفساد فيقتل الكثير ويظلم الباقون، فكان الحل بجذ المسألة من جذورها في إهدار دماء المكاسين الذين إن قتل واحد منهم نفر الآخرون من مثل هذا العمل، وبهذا لن تقوم للدولة بمفهومها المعاصر أية قائمة لأنه لا مال للدولة. فأيهما مقدم في المصلحة اتباع نص حديث ضعف عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقتل فرد يدرك أنه إن عمل كمكاس فإن دمه سيهدر، أم قتل حتمي للأمة إن ملكت الدولة الأموال؟
ولكن ماذا عن بيت المال، فهو مؤسسة مثبتة في الدول الإسلامية ؟ وما علاقة ذلك بالديوان؟ للإجابة على هذا السؤال لابد لنا من المرور أولاً وسريعاً على التقليد المذهبي الذي ظهر بين بعض الفقهاء والذي كان الأساس الذي أدى لتقبل ظهور الدولة من خلال الديوان.
٤٩٤ 🗏
لإيجابيات الإشكالية
إن الآتي هو إطار فكري لباقي هذا الفصل. لقد كنت لفترة أفكر في سؤال لطالما حيرني كما ذكرت في مقدمة هذا الفصل : إن كان في كتاب «قص الحق» إضافة للمكتبة الإسلامية، حتى وإن كان ضئيلاً، فلماذا ظهر على يدي جميل أكبر الذي لم يتفقه على يد شيخ أو عالم شريعة؟ فقد أتت هذه الإضافة من إنسان بعيد عن دائرة علماء الشرع. إن التفكير في هذا السؤال جعلني دائم المقارنة بين إنتاجات الفقهاء من كتب وأشرطة دينية وما شابه. فاستشفيت من هذه المقارنة أن الإجابة على السؤال هي بسبب أربع إيجابيات انقلبت إلى إشكاليات كل واحدة منها تؤدي للأخرى بسبب التقليد المذهبي في غالب الأحيان (والمقصود بالتقليد المذهبي هو تعصب فقيه لرأي فقهاء مذهبه حتى وإن أثبت له الآخرون خطأ مذهبه من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وليس المقصود تقليد العامة لفقهاء مذهبهم، فهؤلاء (كما أفتى بعض الفقهاء) ليس لهم القفز والاختيار من بين المذاهب ما يوافق أهوائهم، بل الأخذ بمذهب ما برخصه وعزائمه).
فأكثرهم .
الإيجابية الأولى وهي الأعم: وهي أنه ليس بالضرورة أن كل من دخل علم الشرع ذو مقدرة على التحليل، حفظة، ولأنهم يجيدون الحفظ من نعومة أظفارهم فقد ترعرعوا على ذلك، مما أثر في نهجهم الفكري الذي اتسم بالنقل من بعضهم البعض، وهذا أمر محمود، بل هو ما يجب أن يكون في علوم الشريعة وبالذات في كل ما يتعلق بمقصوصة الحقوق لأنها منزلة من الله الحق سبحانه وتعالى لذلك يجب أن تحفظ. وأريدك هنا أخي القارئ أن تتذكر ما تحدثنا عنه في فصل «قصور العقل» وبالذات في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فقد قلنا أن الإسلام أراد لنا أن نكون أمة أفرادها ذوي عقلية مندفعة تجاه كل شيء تتحداه وتمحصه ما عدا الحق الذي أنزل من عند الله والذي يشمل مقصوصة الحقوق، ففيها يجب أن نقلد " ولكن الذي حدث، هو أن هذا النهج الفكري المحمود الذي اتسم بالنقل من فقيه لآخر، أي منهج التقليد، انسحب على كل شيء، فمعظم كتب الفقه متشابهه في نصوصها بسبب التقليد ولأن العلماء كثر، ولأن لكل عالم كتاب أو عدة كتب، فقد كثرت كتب الفقه وبتشابه كبير (مع تميز كل كتاب في بعض ما ركز الفقيه على التميز فيه). وهذا أيضاً أمر محمود، بل ومطلوب. ولأن الكتب المتشابهة كثيرة، وبتتالي الأجيال اعتقد من أتى من اللاحقين أن جميع ما انتشر في الكتب الكثيرة لمن سبق هو الأصح أو الحق، أي هو ما يجب أن يتبع. وهذا أمر محمود ، بل هو ما يجب أن يكون.
ل ۲
وكما قلت، وأكرر لأهميته، فإن هذا المنهج، أي منهج التقليد، هو النهج الصحيح، والله أعلم، وبالذات في مقصوصة الحقوق. ولكن ماذا إن حدث خروج ولو طفيف في مقصوصة الحقوق في العصور الأولى أو من الفقهاء الأوائل كما حدث في الديوان كأداة لتقسيم الأموال برغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستخدمه وكان معروفاً في زمانه لدى الفرس، عندها فإن هذا الخروج سيتكرر ويصبح أمراً مسلماً به لكثرة تكراره في الكتب الكثيرة فيظهر وكأنه الحق. أي أن الإيجابية الأولى في هذا الظرف بالذات أصبحت إشكالية، وهنا نأتي للإيجابية الثانية والتي أصبحت إشكالية أيضاً، وهي أن نصوص الفقهاء أضحت مصدراً مهماً من مصادر التشريع (وسيأتي بيانه بإذن الله). أي أن الإيجابية الثانية، وهي التمسك بنهج من سلف، أضحت أداة خطرة تتمثل في تقديس نصوص من سبق من الفقهاء (وليس قال الله جل جلاله، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل، وأفضل مثال على ذلك نصوص أهل الرأي). وما حدث هذا إلا لأن أكثر الفقهاء، والله أعلم، حفظة ويتناقلون نصوص الفقهاء بعضهم من
الديوان
٤٩٥
بعض دون عرض مآلات تلك النصوص البشرية على القرآن الكريم والسنة المطهرة أحياناً. ولعل ما حدث في علم السياسة الشرعية مثال ساطع على هذا كما سيأتي بيانه في فصل «المكوس» بإذن الله.
والإيجابية الثالثة. هي بسبب العامة، فالعامة من الناس ينبهرون بالفقهاء الذين إن تحدثوا أبدعوا في كل مجال وأجابوا على كل سؤال فقهي. فحتى يكون الفرد فقيهاً يجب أن يجيب السائل مثلاً عن حكم إمرأة هلكت وتركت مالاً وليس لها إلا أبناء عمومة وأخوات من الأم؛ ويجب أن يجيب الفقيه سائل آخر عن حكم الاغتسال بماء بركة حجمها كذا وقع فيها كلب ميت لخمسة أيام، وهكذا من أسئلة فقهية محددة ومتشعبة تتطلب من الفقيه أن يقضي عمره بين كتب الفقه ليحفظ كل أسباب نزول الآيات وأسانيد الأحاديث والجرح والتعديل وهكذا من تشعبات ستأكل عُمر الفقيه دون أن تدع له مجالاً للتعمق في مسألة دقيقة مقارنة بنظرائه في المجالات الأخرى التي تتطلب التخصص الدقيق في علوم الحياة كالكيمياء أو الطب مثلاً. فهذا الانتشار الأفقي في دراسة الشريعة أفقد الكثير من العلماء فرصة التمحيص بتأن لنصوص من سبق من الفقهاء. أي أن هذه الإيجابية التي تتطلب الشمولية في الفقه وكل ما اتصل به من علوم، (وهي ما يجب أن يكون حتى يتمكن الآلاف من العلماء من القيام بدورهم بتوجيه مئات الملايين من الناس للدين الصحيح، أصبحت هذه الإيجابية إشكالية لأنها استنفذت وقت الفقيه وبالتالي لم يتعمق في نصوص من سبق ولم يعرضه على القرآن الكريم والسنة المطهرة كما يجب. ولكن ماذا عن أبحاث الدكتوراه في کليات الشريعة، أو الكتب المتخصصة، مثل كتب الاقتصاد الإسلامي، وقام بها علماء متخصصون أو قام بها فرد نذر نفسه للبحث عن إشكالية فقهية محددة؟ بالطبع لن أتمكن من مراجعة معظم أبحاث الدكتوراه والكتب المتخصصة، ولكن فيما هو متعلق بمقصوصة الحقوق، فإن تقديس نص من سبق من الفقهاء، قد يقيد، بل وقد يوجه الكثير من الأبحاث لما يخالف نصوص الكتاب والسنة كما سيأتي بيانه في الفصل بعد القادم بإذن الله وبالذات في ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي مثلاً.
«
والإيجابية الرابعة هي أن بعض الفقهاء أبدعوا في التحضير لخطبة أو درس في مجال محدد دون ربطه بالمجالات الأخرى، وهذا أيضاً ما يجب أن يكون (وسأوضح السبب بإذنه تعالى). فإن سئل فقيه عن إلقاء محاضرة عن فضل العلم، لأبـدع؛ وإن سئل عن إلقاء محاضرة عن الاحتكار، لأبدع؛ وإن سئل عن إلقاء محاضرة عن فضل الزكاة، لأبدع؛ وإن سئل عن إلقاء محاضرة عن إحياء الأرض، لأبدع. ولكن ماذا عن علاقة العلم بالاحتكار بالزكاة وبإحياء الأرض، فما الذي سيحدث إن تم ربط هذه المجالات؟ " هذا السؤال الذي يربط المجالات المتعددة وأمثاله لم ير معظم فقهاء السلف، والحمد لله، التعامل معه. فهم، أي علماء السلف وأفراد المجتمع، لإيمانهم العميق بأن القرآن الكريم حق وأن السنة المطهرة حق لم يحتاجوا لمبررات تقنعهم أن الدين حق كما احتاج البعض لذلك اليوم. وهذه إيجابية لأن في محاولة ربط هذه المجالات تحريك للعقل الذي قد يؤدي بالفقيه إلى تحدي النص بإعمال العقل البشري. لأن في الربط محاولة لفهم المقاصد من النصوص، فلمعرفة حكم الزكاة الباطنة لابد من تشغيل العقل، وعندما يشتغل العقل فإنه قد ينفلت من حدوده ليتحدى النص كما حدث مع بعض المعاصرين. فبعد أن ظنوا أنهم أدركوا العلة وضعوا النص جانباً واستخدموا العلة المستنبطة في ظل الظروف المتجددة وأوجدوا أحكاماً جديدة. وبالطبع فإن هذه الظروف المستجدة لم تظهر إلا لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق. وهذا هو الذي حدث كما ذكرنا مثلاً في منع الضرر قبل وقوعه بحجة الحفاظ على الأنفس والأموال كمقصد شرعي فظهرت البلديات
٤٩٦ 🗏
التي أوجدت أنظمة تستعبد الناس بحجة التنظيم وأوجدت بيروقراطيات ما أنزل الله بها من سلطان. ولعل المثال الأسطع هو ما حدث في نزع الملكية كما مر بنا.
أي أن لدينا منهجين: الأول يعطي الأولوية في التركيز على النصوص، والثاني يريد معرفة مقاصد النصوص. ولأن العقل قاصر، فلابد وأن يحدث خلل في الثاني. لأضرب مثالين للمنهجين لعالمين جليلين معروفين: الأول هو ابن قيم الجوزية رحمه الله والثاني هو القرضاوي. ولعل في كتاب ابن قيم الجوزية اعلام الموقعين الكثير من الأمثلة التي تريك ضرورة تقديم النص على كل ما عداه سواء كان استحساناً أو قياساً وبغض النظر عن الزمان والمكان. فيقول ملخصاً مثلاً:
«وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها، وغلاتهم على أنها لم تف بعشر معشارها، فوسعوا طرق الرأي والقياس وقالوا بقياس الشبه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها، واستنبطوا عللاً لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها، ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا، فتارة يقدمون القياس وتارة يقدمون النص وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك أيضاً إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت على خلاف القياس، فكان خطؤهم من خمسة أوجه أحدها ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس الثالث اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس، والميزان هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. الرابع اعتبارهم عللاً وأوصافاً لم يعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم عللاً وأوصافا اعتبرها الشارع كما تقدم بيانه. الخامس تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضاً. ونحن نعقد ها هنا ثلاثة فصول: الفصل الأول في بيان شمول النصوص للأحكام والاكتفاء بها عن الرأي والقياس الفصل الثاني في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص. الفصل الثالث في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح وليس فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح. وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب. وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو عام الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحد عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له، ونحن نعلم أنا لا نو في هذه حقها ولا نقارب، وأنها أجل من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها وينهج طرقها والله المستعان وعليه التكلان».
ثم يفصل ابن قيم الجوزية السابق من خلال ثلاثة فصول زاخرة بالأمثلة لإثبات طرحه. لذلك لابد من الرجوع لها لكل من تشكك في أن النصوص ليست شاملة وبالذات في مقصوصة الحقوق. وبرغم جميع هذه الأدلة التي ذكرها إلا أن هناك من الفقهاء ما استدل عكس ذلك. فهذا القرضاوي مثلاً يقول في مقدمة «فقه الزكاة»:
«فلا بد إذن من اختيار أرجح الآراء، وفقاً لنصوص الشريعة ومقاصدها الكلية، وقواعدها العامة، مع مراعاة طبيعة عصرنا، وتطور أوضاع المجتمع الإسلامي فيه، فقد يصلح رأي لزمن ولا يصلح لغيره، ويصلح لبيئة ولا يصلح لأخرى، ويفتى به في حال ولا يفتى به في حال آخر. ولهذا قرر المحققون كابن القيم وغيره: أن الفتوى باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال والعوائد».
79
الديوان
٤٩٧
لعلك لاحظت إن قارنت النصين السابقين أن هناك منهجين مختلفين لابن قيم الجوزية وللقرضاوي، وأن الأول يركز على النصوص تركيزاً شديداً مؤمناً أن هذه النصوص إن درست متفرقة فإن تفاعلاتها على أرض الواقع في المجتمع ستؤدي لأفضل مجتمع ممكن، لذلك لا يرى ضرورة في محاولة تربيط هذه النصوص، بينما المنهج الآخر يركز أيضاً على مقاصد النصوص الكلية وقواعدها العامة. أي أنه يحاول تربيط النصوص. ولماذا يفعل ذلك؟ والإجابة هي كما ستستنتج من هذا الفصل والذي يليه بإذن الله هو أنه يحاول تربيط ما يمكن أن تقوم به النصوص
من تفاعلات فيما بينها على أرض الواقع لعله يقدم بعضها على بعض لتناسب تغير الزمان والظرف والمكان."
وإن نظرت لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة لوجدت أن كل نص يعالج قضية مختلفة، وأنه سيصعب على الفقهاء الإلمام بنقاط التحام هذه النصوص في مآلاتها كما بينا في القواعد المنبثقة من حديث الضرر والضرار (تذكر النقد الذي تقدم في فصل قصور العقل» على كتاب «نظرية التعسف في استخدام الحق»)، ولأن العقل قاصر، فلن يدرك العلماء مقاصد النصوص كما بين ابن قيم الجوزية خطأهم من خمسة أوجه وبالذات الوجه الرابع إذ يقول: «اعتبارهم عللاً وأوصافاً لم يُعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم عللاً وأوصافا اعتبرها الشارع ...».
میز
۷۰
أي أن هذه الإيجابية الرابعة قد تنقلب أيضاً لتصبح إشكالية إن تنازل الفقهاء. ولعلك تسأل محتاراً: وهل يعقل أن يرفض إنسان راشد معرفة المقاصد والعلل من الأحكام ليستنير قلبه ويطمئن أنه على الحق؟ فأجيب: إن مما الله سبحانه وتعالى به البشر على سائر الخلق هو عقولهم. وبالطبع، فإن في رفض إعمال العقل في النصوص تعدٍ على كرامة البشر وإهانة لهم كما يظن البعض. ولكن تذكر أنك عندما تعمل عقلك في النص الشرعي فأنت إنما تتعامل مع نص إما من عند الله العليم الحكيم عالم الغيب والشهادة، وأما من عند رسوله الكريم الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . بل على العكس، فيستحب لكل إنسان تحد أي نص كان إلا ما كان من عند الله جل جلاله ورسوله صلوات ربي وسلامه عليه. ولعلك تقول: وما الخطورة في فهم المقاصد واحترام النصوص دون محاولة التعدي عليها؟ فأجيب : هذا هو المطلوب كما بينت في فصل «قصور العقل»، فالمطلوب هو فهم هذه النصوص بعمق، ولكن من الذي سيضمن هذا؟ فمن ذا الذي سيضمن للأمة أن أحداً ما لن يقفز على احترام النصوص دون لي أعناقها بتأويلات عجيبة غريبة كما سترى في الفصل القادم بإذن الله مما قال به المعاصرون. فبالنسبة لي، المهم هو استخدام العقل وبقوة مع كل ما هو غير شرعي في شتى المجالات واستثمار الوقت باستخدام العقل في الابتكارات والاختراعات والاكتشافات المادية لتعتز الأمة بدل هدر الوقت في مخاطرة قد تؤدي إلى تدمير الأمة. ولعلي أتراجع عن هذا الموقف إن كان هناك ضمان أن مستخدمي العقول مع النصوص لن يتجرؤا على نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف. ولكن أين هذا الضمان؟ فقد أثبت لنا التاريخ عكس ذلك وبالذات إن قام سلطان وقرب إليه بعض الفقهاء. أي أننا كأمة بحاجة لنشر ثقافة تبجيل النص وعدم التعدي عليه، وهو يفعله علماء السلف أثابهم الله، وبالذات أهل الحديث.
هامش
ل٢) تذكر ما قلناه عن السبيل الثالث لطبيعة القرار في فصل قصور (۲) تذكر ما مر بنا عن حديث : ( في المال حق سوى الزكاة) في فصل «الأموال» والذي تم تأويله على أن للدولة الحق في الأموال،
العقل».
م ۲) جميع هذه حركيات تؤدي لظهور الأعراف التقنية الأنسب لكل وسنأتي على أمثلة كثيرة أخرى في الفصل القادم بإذنه تعالى. منطقة ولكل زمن كما سيأتي في فصل «المعرفة» بإذنه تعالى.
٤٩٨ 🗏
أمر آخر: إن من أولويات العقيدة في الإسلام الإيمان بالغيب. قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، أليس الإيمان بالغيب أشد على العقل المتحرر تقييداً من الإيمان بنصوص القرآن الكريم والسنة الواضحة الجلية؟ فإن آمنا بالله وملائكته ووجود الجنة والنار والجن دون أن نراهم، ألا نؤمن أن نصوص القرآن والسنة ستأخذ بأيدينا بأمان لنصبح أمة عزيزة آمنة قوية رغدة في العيش؟ لذلك إن كان لديك وقت فائض أخي القارئ تريد أن تستثمره في فهم مقاصد النصوص، فالأولى استثماره في ما هو أجدى مما ينفع المسلمين (مثل تحقيق النصوص) لعل في هذا مساهمة لإنقاذنا من الذل الذي نحن فيه. لأننا إن وصلنا للعزة، وهذا لا يكون إلا بالاتباع الحرفي للكتاب والسنة (وهو) لب موضوع هذا الكتاب)، عندها فلن نحتاج لاستثمار الوقت في إعمال العقل في النصوص، لأن الشريعة التي أوصلت الأمة للعزة في عهد السلف قبل ظهور هذه الكتب ليست بحاجة لمزيد من التوضيح الذي قد يُضل الآخرين المغترين بعقولهم. ففي الشريعة من النصوص التي يجب حفظها والتحقيق فيها والعمل بها ما يكفي أي إنسان لينشغل بها طيلة عمره. فإن زاد معه وقت فالأولى به أن يستثمر ذلك الوقت في مجالات عملية كالدعوة أو الجهاد أو أي عمل إنتاجي أو تصنيعي أو خيري آخر. فالإسلام دين قول وعمل. وكما سترى بإذنه تعالى، فإن سارت الأمة على هذا النهج بتطبيق مقصوصة الحقوق ستزدهر بطريقة لن تحتاج فيها للاجتهادات والفتاوى خارج ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه مسألة لا أستطيع إثباتها الآن ولكنها ستتضح لك من خلال باقي فصول الكتاب بإذنه تعالى.
جميع
أما إن كنت مصراً أن معرفة مقاصد الأحكام ضرورة لإنعاش الفكر وإقناع الناس لترتاح أنفسهم أن الدين حق، فلا أستطيع مجادلتك لأنك على الحق إن ضمنت للمجتمع أن في هذا الطريق أمان لنصوص القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من التعدي عليها من العقول. إلا أن هذا والله أعلم من المحال. وللتلخيص أقول: إن هذه الإيجابية الرابعة التي تمسك بها فقهاء السلف هجرها بعض المعاصرين، أما الإيجابيات الثلاث الأولى فهي إيجابيات إن لم يكن هناك خروج عن النص كما حدث في العصور الأولى، أما إن وقع خروج عن النص (كما في إحياء الأرض دون إذن الإمام الذي أصبح مقروناً بإذن الإمام في المذهب الحنفي، فإن هذا الخروج عن النص سیستمر ويطغى من خلال الإيجابيات الثلاث الأولى ليتغير الدين في مقصوصة الحقوق وبالذات من قبل المعاصرين الذين يقدسون بعض نصوص من سبق من الفقهاء حتى وإن خالف ما قال الله جل جلاله وما قال الرسول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل. وهذا التقديس، أو بالأصح هذا التقليد لمذهب من سبق أمر التفت إليه والحمد الله بعض الله واستنكروه وهو موضوعنا الآتي:
فقهاء السلف
رحمهم
اتباع السلف أم التقليد
لندعوا أخي القارئ للإمام ابن قيم الجوزية بالثواب الجزيل على تجرده، فهو قد وضع يده على جرح غائر في منهج . الأمة. فهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتعلم منه نبذ التقليد الأعمى للمذاهب. لقد لاحظ ابن قيم الجوزية رحمه الله أن بعض الفقهاء يبجلون نصوص شيوخ مذاهبهم حتى وإن عارضت نصوصاً صريحة من الكتاب والسنة. فقد نقدهم بشدة في تبيان الفرق بين الاستنان بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين تقليد فقهاء
الديوان
٤٩٩
المذهب في كتابه المشهور «اعلام الموقعين». فهو يمقت رحمه الله إجماع فقهاء مذهب ما على رأي ما دون عرضه على الكتاب والسنة ويتعجب من الاختلافات المتباينة بين المذاهب برغم أن النبي واحد، والقرآن واحد، والدين واحد، والرب واحد» كما يقول؛ وما هذا إلا بسبب الإيجابيات الأربع السابقة والله أعلم والتي انقلبت إلى إشكاليات إن كان هناك رأي مخالف للكتاب والسنة. والآتي هو جزء مقتطف من كتابه، يقول أثابه الله:
«الوجه الخامس والأربعون قولهم يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: أصحابي كالنجوم بأيهم
اقتديتم اهتديتم جوابه من وجوه أحدها: أن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي
عن
بن
سفيان عن جابر ومن حديث سعيد بن المسيب عن بن عمر ومن طريق حمزة الجزري عن نافع - بن عمر، ولا يثبت شيء منها. قال بن عبد البر : حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله . مفرح حدثهم : ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين : فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي يهتدي بها وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة؟ فكان تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثر عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحاً واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له
بوجه!!
الثالث: أن هذا . يوجب عليكم تقليد من ورث الجد مع الأخوة منهم ومن أسقط الإخوة به معاً، وتقليد من قال الحرام يمين ومن قال هو طلاق، وتقليد من حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين ومن أباحه، وتقليد من جوز للصائم أكل البرد ومن منع منه، وتقليد من قال تعتد المتوفي عنها بأقصى الأجلين، ومن قال بوضع الحمل، وتقليد من قال يحرم على المحرم استدامة الطيب وتقليد من أباحه، وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين وتقليد من حرمه، وتقليد من أوجب الغسل من الإكسال وتقليد من أسقطه، وتقليد من ورث ذوي الأرحام ومن أسقطهم وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير ومن لم يره، وتقليد من منع تيمم الجنب ومن أوجبه وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحداً ومن رآه ثلاثاً، وتقليد من أوجب فسخ الحج إلى العمرة ومن منع منه، وتقليد من أباح لحوم الحمر الأهلية ومن منع منها، وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ومن لم يره، وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها ومن لم يره، وتقليد من وقف المولى عند الأجل ومن لم يقفه. وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن سوغتم هذا فلا تحتجوا لقول على قول، ومذهب على مذهب، بل اجعلوا الرجل مخيراً في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذهبكم واتبع قول أحدهم و إن لم تسوّغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له وقائل بضد مقتضاه . وهذا مما لا انفكاك لكم مـ الرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة والقبول من كل من دعا إليهما . منهم . فإن الاقتداء : يحرم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل كما كان عليه القوم رضي الله . فالحديث من أقوى الحجج عليكم وبالله التوفيق.
منه.
عنهم،
بهم وحينئذ
الوجه السادس والأربعون قولكم قال عبد الله بن مسعود : من كان مستنا منكم فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ؛ فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه، فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء وأنتم تقلدون الأحياء والأموات. الثاني: أنه عين المستن بهم بأنهم خير الخلق وأبر الأمة وأعلمهم وهم الصحابة رضي الله عنهم وأنتم معاشر المقلدين لا ترون تقليدهم ولا الاستنان بهم وإنما ترون تقليد
O..
بهم هو
فلان وفلان ممن هو دونهم بكثير. الثالث: أن الاستنان الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به ويفعل كما فعلوا وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه. الرابع: أن بن مسعود قد صح . عنه النهي عن التقليد وأن يكون الرجل إمعة لا بصيرة له فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد.
الوجه السابع والأربعون قولكم قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وقال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فهذا من أكبر حججنا عليكم في بطلان ما أنتم عليه من التقليد، فإنه خلاف سنتهم ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائناً من كان، ولم يكن له معها قول البتة، وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك، يوضحه الوجه الثامن والأربعون أنه صلى الله عليه وسلم قرن سنتهم بسنته في وجوب الاتباع والأخذ بسنتهم ليس تقليداً لهم بل اتباع لرسول الله صلى الله وسلم، كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليداً لمن رآه في المنام، والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليداً لمعاذ بل اتباعاً لما أمرنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا ؟
عليه
بسنتهم
يوضحه الوجه التاسع والأربعون أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم لا ترون ا الأخذ ولا الاقتداء بهم واجباً، وليس قولهم عند كم حجة، وقد صرح بعض غلاتكم بأنه لا يجوز تقليدهم ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشد الناس خلافاً له وبالله التوفيق. يوضحه الوجه الخمسون : أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان الثاني: أنه حذر من محدثات الأمور، وأخبر أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ومن المعلوم بالاضطرار أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب الله وسنة رسوله، ويعرض القرآن والسنة عليه ويجعل معياراً عليهما من أعظم المحدثات والبدع التي برأ الله سبحانه القرون التي فضلها وخيرها على غيرها وبالجمله، فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها. فأين هذا من قول فرقة التقليد ليست سنتهم حجة ولا يجوز تقليدهم فيها؟
سواء
يوضحه الوجه الحادي والخمسون: أنه صلى الله عليه وسلم قال في نفس هذا الحديث: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)، وهذا ذم للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم. وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله، وهم الذين فرقوا الدين وصيروا أهله شيعاً، كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه وتذم من خالفها، ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم ويقولون : كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا، هذا والنبي واحد، والقرآن واحد، والدين واحد، والرب واحد. فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة بينهم كلهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول ولا يجعلوا معه من يكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف وإن لم يعدم من الأرض، ولهذا تجد أقل الناس اختلافاً أهل السنة والحديث، فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقا وأقل اختلافاً منهم لما بنوا على هذا الأصل. وكلما كانت الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر، فإن من رد الحق مرج عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب، فلم يدر أين يذهب كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيحٍ﴾. 🗏
الديوان
1.0
عمر
كتب إلى شريح أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في
السلف
الوجه الثاني والخمسون: قولكم إن كتاب الله فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن في سنة رسول الله فبما قضى به الصالحون. فهذا من أظهر الحجج عليكم على بطلان التقليد، فإنه أمره أن يقدم الحكم بالكتاب على كل ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة قضى بما قضى به الصحابة. ونحن نناشد الله فرقة التقليد هل هم كذلك أو قريبا من ذلك؟ وهل إذا نزلت بهم نازلة حدث أحد منهم نفسه أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفذه؟ فإن لم يجدها في كتاب الله أخذها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن لم يجدها في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة؟ والله يشهد عليهم وملائكته، وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلدوه وإن استبان لهم في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة خلاف ذلك لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه. فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرها لقولهم، وهذا كان سير المستقيم وهديهم القويم. فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير وقالوا: إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولاً هل فيها اختلاف أم لا، فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا في سنة، بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع. وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به وحكم به، وهذا خلاف ما دل عليه حديث معاذ وكتاب عمر وأقوال الصحابة. والذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدور مأمور، فإن علم المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة أسهل عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم، وهذا إن لم يكن متعذراً فهو أصعب شيء وأشقه إلا فيما هو من لوازم الإسلام، فكيف يحيلنا الله ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على كتابه وسنة رسوله [صلى الله عليه وسلم] اللذين هدانا بهما ويسرهما لنا وجعل لنا إلى معرفتهما طريقاً سهلة التناول من قرب؟ ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علماً بعدمه، فكيف يقدم عدم العلم علي أصل العلم كله؟ ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به؟ وغايته أن يكون موهوهاً وأحسن أحواله أن يكون مشكوكا فيه شكا متساوياً أو راجحا؟ ثم كيف يستقيم هذا على رأي من يقول انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع؟ فما لم ينقرض عصرهم، فلمن نشأ في زمنهم أن يخالفهم، فصاحب هذا السلوك لا يمكنه أن يحتج بالإجماع حتى يعلم أن العصر انقرض ولم ينشأ فيه مخالف لأهله ! وهل أحال الله الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله على ما لا سبيل لهم إليه ولا اطلاع لأفرادهم عليه، وترك إحالتهم على ما هو بين أظهرهم حجة عليهم باقية إلى آخر الدهر متمكنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه؟ وهذا من أمحل المحال ! وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتج عليه بالقرآن والسنة، قال هذا خلاف الإجماع، وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه وكذبوا من ادعاه، فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن بقول لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا. وقال في رواية المروزي : كيف يجوز للرجل أن يقول أجمعوا؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال إني لم أعلم مخالفا كان وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب ما علمه أن الناس مجمعون. ولكن يقال: ما أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله إجماع الناس».'
۷۱
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينقد كل من ترك «قال الله جل جلاله، وقال الرسول صلى وسلم» وتعصب لأقوال علماء المذهب مدافعاً . عن أئمة المذاهب. قال رحمه الله في فتاواه:
الله
عليه
٥٠٢ 🗏
وهؤلاء المشائخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم وأعلى منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد مع أنه لابد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل، وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة والفقه فيهما ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء وكثرة الآراء وتغلظ الاختلاف والافتراق وحصول العداوة والشقاق. فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ . فإذا منّ الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال وقد قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْر إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي خُسْر إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةَ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . وأنتم تعلمون أصلحكم الله أن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله في أمور الاعتقادات وأمور العبادات وسائر أمور الديانات. وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه في أقواله وأفعاله وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة مثل صحيحي البخاري ومسلم، وكتب السنن مثل سنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمثل مسند الإمام أحمد وغيره، ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب الحديث جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض ، وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله ؛ ...».
۷۲
وهذا الشيخ سليمان بن عبد الوهاب رحمه الله يلخص مواقف الأئمة مدافعاً عنهم وأنهم لم يدعوا أحداً قط لتقليدهم لما ذهبوا إليه إن وجد نص يعارضه، وأن بعض ما ينسب إليهم من أقوال هي ليست لهم بل قد تكون «تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم». حتى وإن قال أحد الأئمة قولاً يخالف الكتاب والسنة فلا يجوز اتباعه لأنه بشر سيخطئ لا محالة. تأمل ما قاله رحمه الله:
«... وقال أبو حنيفة إذا جاء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال. وفي روضة العلماء سئل أبو حنيفة : إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه؟ قال : اتركوا قولي لكتاب الله. قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال : اتركوا قولي لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة. فلم يقل هذا الإمام ما يدعيه جفاة المقلدين له أنه لا يقول قولاً يخالف كتاب الله حتى أنزلوه بمنزلة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وروى البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: إذا قلت قولاً وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فما يصحح من حدیث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أولى، فلا تقلدوني. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت وتواتر عنه أنه قال : إذا صح الحديث أي بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط. وقال مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلام الأئمة مثل هذا كثير. فخالف المقلدون ذلك وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية سواء كان صواباً أم خطأ. مع
٥٠٣
الديوان
أن كثيراً من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالاً لهم منصوصاً عليها ، وإنما . هي تفریعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم. ولسنا نقول إن الأئمة على خطأ بل هم إن شاء الله على هدى
من ربهم وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم ٣ - ٤) فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي لا ينطق عن الهوى. ...».
۷۳
إن العبارة الأخيرة من الاقتباس السابق تشير إلى سمة قد تظهر بين بعض الفقهاء لأنهم بشر، وهي أنهم سيخطئون وأنه لا عصمة إلا للرسول صلوات ربي وسلامه عليه. وأن الخطأ لن ينتقص من مقدار الإمام قط، فكل يؤخذ منه ويرد عليه. إلا أن المؤلم كما رأيت في الاقتباسات السابقة هي في تقليد الآخرين للخطأ واتباعه وترك اتباع نهج الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الصحابة. والأكثر إيلاماً هو توجه بعض الفقهاء المعاصرين الذين تظهرهم وسائل الإعلام والذين يأخذون من مذاهب الفقهاء ما يخالف نصوصاً قطعية ويفتون بفتاوى قد تخرج عن الملة. فنحن كأمة، كما أمرنا القرآن الكريم، مجبرون على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان معه من الصحابة بنص القرآن وترك قول كل ما خالف ذلك حتى وإن كان من كبار الأئمة وهذا أمر جد مهم : : ألا وهو أن المرجعية للأمة هو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته بنص القرآن الكريم. فإن تدبرنا القرآن نجد الكثير من الآيات الواضحة الدلالة على اتباع السلف وأن الدين قد اكتمل في وقتهم وأنه صالح لجميع الأزمنة دون زيادة أو نقصان. فما معنى قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . تأمل الآية، فهي واضحة وصريحة بأنه سبحانه وتعالى قد بين كل شيء لمن هداهم وأنه لن يضلهم بعد أن هداهم بإخفاء حكم هم بحاجة له ليكونوا على هداية، أي وكأن الآية تقول بطريقة استنكارية أن هذا ليس من صفاته سبحانه وتعالى، وكأنها بذلك تندد بمن يحاولون إضافة أي حكم في الدين. وكيف لا وهو ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؟ ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، فكيف يكون الإسلام مكتملاً وهناك من الفقهاء المعاصرين من يجتهد ويقول بأخذ زكاة المستغلات لأن الإسلام لم يأت به وسيأتي بيانه بإذن الله)؟ ثم تأمل قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. فكيف لم يفرط سبحانه وتعالى في الكتاب في شيء وهناك من الفقهاء من لم يعارض استصدار السندات المالية، بل وأفتى في طريقة إخراج زكاتها؟!"
هذا بالإضافة لآيات أخرى كثيرة تؤكد نفس المعنى، لا بل وتأمر المسلمين الآتين من بعده صلوات ربي وسلامه عليه باتباع سنته، فتأمل قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ففي الآية تذكير للأمة وامتنان لهم أنه سبحانه وتعالى هو الذي بعث في الأمة الأمية رسولاً منهم يعلمهم أمور دينهم إذ أنهم كانوا في ضلال بين، وأن هناك آخرون سيأتون من بعدهم ليلحقوا بهم، وقيل أن المقصود بالآخرين هم العجم، وقيل كل من دخل في الإسلام من جميع الأجناس وهو الأصوب والله أعلم إذ لا فرق
هامش
س٢) وبالطبع، فإن هذا الفائض المالي عند البعض لم يصبح ظاهرة المعدمين الذين منعوا من الإنطلاق فأصبحوا أجراء عند الأغنياء. تستمتع بها طبقة من الناس إلا لأن مفاتيح التمكين سلبت من أيدي
٥٠٤ 🗏
هو
VE
بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، ولكن المهم هنا معنى اللحاق في الآية. فما معنى ﴿يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؟ ففي تفسير الطبري أن المقصود هو الأمم اللاحقة بقوله: «لم يجيئوا بعد وسيجيئون». إلا أن النص واضح، فاللحاق بالشيء الجري وراء الشيء حتى يتم الإمساك به أو يكون معه بجانبه، أي وكأن الآية تمتدح كل من سيأتون من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ويجرون وراء سنته حتى يمسكوا بها وبغض النظر عن قومياتهم. ولتأكيد هذا المعنى تدبر قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ترى أن الآية تمتدح بوضوح الذين يتبعون بإحسان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم. وكيف يكون الاتباع إلا إن كان التابعون يسيرون على نهج الأولين خطوة بخطوة.
ولتأكيد هذا المعنى تأمل قوله تعالى في سورة الحشر في الآية العاشرة بعد آية الفيء (الآية السابعة): ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ، ستلحظ أن الآية تتحدث عن الأجيال المتعاقبة بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإِيمنِ﴾، فلكل جيل جيل يسبقه مباشرة، وهكذا يتصل جيلنا بجيل الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال الأجيال الماضية المتسلسلة جيلاً خلف جيل. هكذا وصلنا الإسلام من الجيل الذي قبلنا مباشرة، والذي استلمه من الجيل الذي قبله مباشرة، وهكذا حتى نصل إلى جيل الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن صفات هذه الأجيال اللاحقة، وحتى تكون على نهجه صلوات ربي وسلامه عليه الدعاء بالغفران لجميع الأجيال السابقة حتى تصل إلى جيل الرسول صلى الله عليه وسلم. وكيف تدعوا الأجيال بالغفران بعضها لبعض إن كان هناك اختلاف في المنهج؟ وهنا أريدك إن كنت ممن يُصلون في المسجد أن تلحظ مسألة أنك ستحب كل مصل في المسجد مهما كانت وهي
جنسيته، ولعلك تبعاً لقوة إيمانك، ستفضله على من هو قريب لك في الدم حتى وإن كنت عربياً من آل البيت وكان ذلك الشخص هندياً. فالاتحاد في المعتقدات يجمع الناس لأنه يحببهم فيما بينهم، وهذا ينطبق على الجميع، فكثيراً ما تسمع بعض المسلمين الذين يعيشون في الغرب في دفاع عن سياسة العالم الغربي في ديمقراطيته، وإن جلست معهم لأدركت أنهم منهم لاشتراكهم في نفس القناعات التي تولد الألفة والمودة. وهذا ما تصفه الآية بأن اللاحقين يدعون للسابقين بنزع الغل من قلوبهم تجاه من سبق، وهذا لا يكون إلا إن تطابقت القناعات التي تبناها أبناء الأجيال المستقبلية لتطابق تماماً قناعات أو بالأحرى سنن أبناء الأجيال السابقة جيلاً خلف جيل لتنتهي عند ذلك الجيل الذي امتدحه الله سبحانه وتعالى بقوله مثلاً في سورة التوبة: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فالنص واضح في الآية بقوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ﴾، فهو يمتدح جيل الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لهم الخيرات وأنهم هم المفلحون وما ذلك إلا لأنهم اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم تأمل الآيات الآتية من سورة البقرة: ﴿قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، فبعد سرد أسماء عدد من الأنبياء،
الديوان
٥٠٥
وبعد أمر المسلمين بالإيمان بما أنزل على هؤلاء الأنبياء دون تفريق بينهم، يأتي الشرط المهم لليهود والنصارى بأنهم إن آمنوا بمثل ما آمن به محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم شقاق، أي فراق. هكذا أتى تفسير الآية في تفسير الطبري ،مثلاً، إلا أن هذا لا يمنع التفسير الآتي الذي يظهر تعاقب الأجيال بذكرهم واحداً واحداً بالبدء بإبراهيم ثم اسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى وكأن الخطاب الموجه لليهود والنصارى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم موجه أيضاً لكل من خالف الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في الأجيال اللاحقة بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْل مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾، أي إن آمن أبناء الأجيال اللاحقة بما آمن به (ليس الرسول صلى الله عليه وسلم فقط ولكن حتى الأنبياء المذكورين في الآية من قبله أيضاً، عندها فقط سيكون هؤلاء المؤمنون ذوي صبغة هي أحسن ما تكون لأنها صبغة الله عز وجل. فتدبر الآية التي تحاول غرس فكرة جذرية في عقيدة هذه الأمة وهي ثبات العقيدة دون تغيير إلى يوم الدين وأنها هي صبغة الله. وهذه الصبغة (وقيل أنه الدين هي التي اتسم بها الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين. تدبر قوله تعالى في سورة الفتح التي تروي أخبار صلح الحديبية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقُّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. تلحظ أن في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ مؤشر واضح على أنها تعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَهَا. فقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى أنها تعني لا إله إلا الله والله أكبر، وقيل أنها تعني لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل أنها تعني الإخلا﴾ص، وقيل أنها تعني بسم ا الله الرحمن الرحيم، وقيل أنها تعني لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وبالطبع فإن جميع هذه العبارات تعني العقيدة وما تمليه من عبادات وحقوق وسلوكيات تمسك بها أهل هذا الدين الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية. أي أن الآيات السابقة ذات دلالة واضحة صريحة بأن المرجعية للأمة هو عصر السلف وليس أي فقيه في أي زمان إن خالف سنته صلوات ربي وسلامه عليه التزاماً بقوله تعالى في سورة الحشر وفي آية الفيء بالذات: ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. يجب علينا أن نأسر أنفسنا لقال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأن فيه تحرير لنا من كل أسر. يجب ألا نلتفت لأقوال الفقهاء إن خالفت نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف. وهذه مسألة بديهية لكل عالم في الشريعة، ومع هذا فقد كان للتقليد أثره في العلماء. لضرب مثال مؤلم : فهذا الإمام مالك رحمه الله قد
Vo
أفتى (كما ينسب إليه بملكية الدولة للمعادن كما رأينا في فصل «الخيرات»، وانساق وراءه كثير من فقهاء المذهب المالكي ومن ورائهم كثير من المعاصرين كما سيأتي بيانه بإذن الله. وإني لأشكك في أن الإمام مالك رضي الله عنه قد قال بذلك، بل هو أمر نسب إليه والله أعلم. فلا يعقل لإمام عصره (أي الإمام مالك) أن يأخذ بقول دون دليل نصي من القرآن أو السنة بينما هنالك نصوص تؤكد ملكية المعادن لمن حازها كما مر بنا في فصل «الخيرات». وإن عاش الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه ورأى ما نحن فيه من بلاء بسبب استملاك الدول للمعادن لحارب كل من قال بملكية المعادن للدول دون دليل نصي. مثال آخر: لقد لاحظت أن معظم مذاهب أهل الرأي تؤدي إلى إضعاف الأمة متى تعارضت مع أقوال مذهب الجمهور في مسائل التمكين. ولعل أقوى مثال مؤلم هو ما سيأتي بيانه في هذا الفصل من تحول العمل العسكري من عبادة إلى وظيفة بسبب تقبل الديوان كمؤسسة في كتب الفقه.
0.7 🗏
باستطاعتي الآن أن أجيب على السؤال: لماذا لم يظهر كتاب «قص الحق» على يد عالم متخصص في علم
ما
الشريعة وظهر على يد شخص من خارج التخصص؟ وأرجو الله ألا أكون مغروراً ومفتوناً بإذن الله. والإجابة باختصار : إن كتاب «قص الحق» بحاجة لرؤية، إن لم ترفض هذه الرؤية التقليد الذي استشرى في الشريعة، فعلى الأقل لن تكترث له (حتى وإن انتشر حكم ما في كتب الفقه المعتبرة) إن لم يكن ذلك الحكم مدعوماً بدليل نصي من القرآن الكريم أو السنة المطهرة كظهور الديوان مثلاً. وهذا أمر يستطيعه كثير من علماء الشريعة، إلا أن من هم خارج تخصص الشريعة سيكونون أكثر ملكة لمثل هذه الرؤى لأنهم لم يتشربوا قيم الخضوع لأقوال الفقهاء الكبار إلا إن كانت مدعومة بنص من القرآن الكريم والسنة المطهرة. والمفصل المهم في مسار الأمة الذي سحبها للذل هو ظهور الديوان الذي تغلغل عميقاً في كتب الفقه لدرجة يصعب على علماء الشريعة التشكيك في شرعيته. ولكن لماذا أتى كتاب «قص الحق» على يد شخص متخصص في العمارة والتخطيط؟ والإجابة: إن علماء الشريعة لأنهم ليسوا من المتخصصين في التخطيط أو الاقتصاد أو السياسة، ولأنهم محاطون بالمتخصصين الذين غسلت أدمغتهم بالفكر الغربي الذي لا يستطيع أن يرى أي مجتمع منتج إلا في ظل دولة ديمقراطية، كانوا يستجيبون لضغوط المتخصصين في شتى المجالات بحجة أن الزمان قد تغير فتغيرت معه ظروف الحياة التي تتطلب فتاوى تناسب العصر. أما المتخصص الذي يدرك خبايا مجالات العلوم العمرانية فلن يكترث لأقوال المتخصصين لأنه منهم وفيهم. ولعل السبب الأهم لظهور كتاب «قص الحق» على يد شخص متخصص في العلوم العمرانية هو سيأتي في الحديث عن «الخطط » بإذن الله . ففي ذلك الفصل ستلحظ أن الشريعة تحاول دائماً الفصل حقوقياً بين الناس في مساكنهم وفي مواقع أعمالهم بطريقة إعجازية تجنب الأمة الحاجة لجهاز رقابي تنفيذي كالبلديات حتى لا يظهر الاستعباد بين الناس وفي الوقت ذاته ستؤدي لظهور بيئة أكثر ملائمة من حيث جودتها وجمالها وتقنيتها ووظيفتها. بينما تقوم المجتمعات المعاصرة بفعل عكس ذلك تماماً، فهي تشبك الناس أكثر، وكلما زاد مال الدولة كلما زاد التشابك، وفي هذا هدر كبير لموارد الأمة كما سترى بإذن الله . وهذا الذي يحدث في العمران الإسلامي من فصل بين الناس في مواقعهم وبالتالي في علاقاتهم يحدث أيضاً في علاقاتهم الإنتاجية كالمعاملات المالية والسياسية إن طبقت مقصوصة الحقوق وبطريقة معجزة تؤدي للمزيد من الترابط بين أفراد المجتمع (دون التشابك) ودون خلافات أو نزاعات وبمزيد من الإنتاجية (كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى في فصلي «الفصل والوصل» و «الموافقات»). لعلك استشفيت أخي القارئ أن حركيات الفصل والوصل بين الناس هي من الأفكار المهمة في هذا الكتاب. فبينما الشريعة تفصل بين الناس حتى ينطلق كل في مجاله ودون الإضرار بالآخرين ليكون أكثر إنتاجاً، فإن الأنظمة الوضعية تشبك الناس ليقيدوا بعضهم البعض ليكونوا أقل إنتاجاً. وفي الوقت ذاته، فإن الناس بحاجة للترابط حتى يتمكنوا من التعاون الذي يحتاجه الإنتاج، وهذا الترابط هو ما تحاول الشريعة إيجاده بوصل الناس، وفي هذه النقاط التي تحتاج للوصل تأتي الأنظمة والقوانين الوضعية لتقطع العلاقات بين الناس، أي أن نقاط الفصل والوصل بين الناس هي نقاط لن يتمكن البشر من معرفتها ناهيك عن استحداثها، وهذا ما أتقنت الشريعة إيجاده كما سترى بإذنه تعالى في فصل الفصل والوصل» و «الموافقات». أما الأنظمة الوضعية والتي انبثقت من الدول فقد فعلت العكس، وصلت حيث يجب أن تفصل، وفصلت حيث يجب أن تصل، وما حدث هذا إلا بسبب التقليد كمنهج فكري والذي أدى لتقبل ظهور الدولة من خلال الديوان. هذا هو موضوعنا الآتي:
.
الديوان
0.V
تسمية الأسماء: الديوان
في الصفحات الآتية سأحاول إثبات الآتي : إن كثيراً من الكتابات الفقهية لا ترجع بالضرورة لنص من القرآن الكريم أو السنة المطهرة عند الحديث عن دور الحاكم مالياً أو تدخل الدولة في حياة الناس، ولكن مرجعيتها قد تكون الاقتداء بأقوال أو أفعال من سبق، أي التقليد فمن هذه الكتب مثلاً كتب الخراج والأحكام السلطانية، وغيرهما كثير وبالذات من كتب المعاصرين كما سيأتي بإذن الله . وأقوال أو أفعال من سبق أتت من الفتاوى بشأن إنفاق الأموال التي تجمعت في بيت المال. فقد بدأت المسألة بديوان الجند وتراكمت الدواوين فظهرت الحاجة للمال للدولة التي كانت تنفقه كما ترى أن فيه مصلحة، فكان لابد من تعريف المصالح والسعي لتحقيقها من خلال الدول، وبالذات المعاصرة، وهكذا تم تغيير مقصوصة الحقوق، فكان الحكم بغير ما أنزل الله، هكذا ظهر الضياع بسبب اسم تم استحداثه مما لم ينزل الله به من سلطان وهو «الديوان». هذا باختصار ما يحاول باقي هذا الفصل إثباته بإذن الله. وللتوضيح أقول:
أريد أولاً أن أذكرك أخي القارئ ببعض الاستنتاجات من فصل «دولة الناس». كما مر بنا فإن بيت المال كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم دائماً خاوياً أو مديوناً، وأنه لم يكن مؤسسة ذات موظفين بسجلات وتنظيم لضبط العطاءات للناس، بل كان صلوات ربي وسلامه عليه يقسم الأموال مباشرة وفي وقتها حتى لا تتجمع الأموال في بيت المال لثلاث حكم أساسية تحدثنا عنها. وأن المال بدأ في التجمع والبقاء في بيت المال بعد عهده صلوات ربي وسلامه عليه كما حدث مع الأمويين ومن بعدهم. فما أكثر الأدلة التي تثبت أن الحاكم بعد عهد الخلفاء كان يجد ما يحتاجه من مال في بيت المال متى تطلب ذلك لأن المال لم ينفق أولاً بأول وكان يجبى أولاً بأول، وليس كعهد الرسول صلى الله عليه وسلم . " كما أن الديوان كان أمراً تطلبه وقت الخليفة عمر رضي الله عنه لكثرة الفتوحات ولأن الغنائم لم تقسم. وقد مر بنا أيضاً نزاهة وورع الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه، وأن الديوان كان أداة لتوزيع ما أتى من مال وأنه ليس أداة لتسجيل من يستحقون المال مستقبلاً مقابل عمل يقومون به كالجهاد مثلاً كما حدث فيما بعد في عهد الأمويين ومن بعدهم.
ف ۲
ولعل الأهم هو أن الديوان لم يوجد في عهده صلوات ربي وسلامه عليه. وكما مر بنا، فإن إمامين مهمين، أي الشافعي وأحمد، كانا في حرج من مسألة عدم تقسيم سواد العراق والتي كثر مال الدولة بسبب عدم تقسيمها. فقد ذهب الشافعي إلى أن كل أرض فتحت عنوة كان يجب أن تقسم، إلا أن ما تم في سواد العراق هو أن الخليفة عمر رضي الله عنه كان قد «استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه، فتركوا حقوقهم، فجعله وقفاً للمسلمين». أما الإمام أحمد، فعندما ذكر له الحديث الذي أخرجه مسلم : أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله وللرسول ثم هي لكم، وسأله ابن مشيش عنه، وأنه خلاف ما حكم به عمر عنه قال (أي أحمد): «أي لعمري». وفي هذا تعبير عن الرضا برغم عدم القناعة.
رضي
الله
وماذا عن الأئمة الآخرين؟ منهم من تقبل الديوان كمؤسسة وبدأ التعامل معها فقهياً. أي بدأ يصدر من الفتاوى ما يؤسلمها (كما سيأتي بإذن الله ، ومنهم من تحرج منها. فممن تحرج منها مثلاً ابن حزم رحمه الله، فقد قال في المحلى معلقاً على الحديث السابق: «وهذا نص جلي لا محيص عنه». أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكما
0.1 🗏
تلحظ من الاقتباس الآتي، فإنه لم يصرح بعدم موافقته لظهور الديوان، ولكن ركز على أنه مستحدث من قوله: «فلما»، وفي قوله: «كما أمر الله به في كتابه»، فقد قال في فتاويه مقارناً فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل الخليفة عمر رضي الله عنه:
أنه
ولم يكن [أي صلى الله عليه وسلم] يأخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان يأمرهم أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كما أمر الله به في كتابه، ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوان جامع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم] وأبي بكر رضى الله عنه، بل كان يقسم المال شيئاً فشيئاً، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر المال واتسعت البلاد وكثر الناس، فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم، وديوان الجيش في هذا الزمان مشتمل على أكثره. وذلك الديوان هو أهم دواوين المسلمين، وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء وما يقبض من الأموال. وكان النبي وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات والفيء وغير ذلك، فصارت الأموال في هذا الزمان وما قبله ثلاثة أنواع : نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع كما ذكرناه. ونوع يحرم أخذه بالإجماع كالجبايات التي تؤخذ من أهل القرية لبيت المال لأجل قتيل قتل بينهم وإن كان له وارث، أو على حد ارتكبه وتسقط عنه العقوبة بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقا. ونوع فيه اجتهاد وتنازع، كمال من له ذو رحم وليس بذى فرض ولا عصبة ونحو ذلك. وكثيراً ما يقع الظلم من الولاة والرعية، هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب، كما قد يتظالم الجند والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله ما لا يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال، فإنه قد يترك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل، والأصل في ذلك أن كل من عليه مال يجب أداؤه .
VV
.«...
وإن تأملت الاقتباس السابق لابن تيمية رحمه الله تلحظ من مقارنة قوله في أول النص: «ولم يكن [أي صلى الله عليه وسلم] يأخذ من المسلمين إلا الصدقات»، مع قوله في منتصف النص: «فصارت الأموال في هذا الزمان وما قبله ثلاثة أنواع: نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع كما ذكرناه»، ثم مقارنة ذلك مع ما يليه من باقي النص، ستلحظ أن خللاً جذرياً قد حدث في الأمة من الناحية المالية. فهو يدرك رحمه الله تماماً أنه لا يحق للحاكم أن يأخذ من المسلمين شيئاً غير الزكاة والتي هي من حقوق الأصناف الثمانية.ص" ثم إن تأملت النص تجد يضع بين يديك فعلين مختلفين: أحدهما للرسول صلوات ربي وسلامه عليه وخليفته أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والآخر للخليفة عمر رضي الله عنه، وتستشف من النص حرج شيخ الإسلام من هذه المقارنة، فهو يقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر الناس بالجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس كما أمر الله به في كتابه؛ لاحظ عبارة: «كما أمر الله به في كتابه». فلما كان عهد الخليفة عمر رضي الله عنه تغير الحال جزئياً. لاحظ كلمة: «فلما» وما يأتي بعدها من إيجاد عذر لما ذهب إليه عمر بأن الأموال قد كثرت وكثر الناس واتسعت البلاد فكان لابد من الدواوين. ثم كأنه . يرمي باللوم على الدواوين لما حدث من تسيب وسوء استخدام لأموال بيت المال في زمنه، أي زمن شيخ الإسلام من خلال ديوان الجيش والذي هو أكثر وأهم دواوين المسلمين في زمن شيخ الإسلام. فيقول بأن عمر جعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم، وفي هذا إشارة، وبالذات من كلمة «العطاء» إلى أن هذا أمر مستحدث لأن جُل الجيش في زمانه (أي زمان شيخ الإسلام). هم ممن يأخذون هذه العطاءات. وهذا ليس كعهد الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم يستمر النص ليريك الظلم الذي يقع من الولاة على الناس. فتغيرت الأمور، فلم يقم الناس بالجهاد كما هو مطلوب منهم، بل أصبح أفراد الجيش ممن يأخذون العطاء من الديوان، ويتظالم الجند
الديوان
0.9
والفلاحون لأن الفلاحين، والله أعلم، ليست لديهم القناعة بأحقية الجند فيما يطلبونه من مال للحاكم لأنهم يرون تلك الأموال تكنز ومن ثم تبدد لملذات السلاطين، فيعزف الناس عن دفع ما يجب عليهم مما يضطر الجند إلى إنزال العقوبات على من يرفضون دفع الأموال. وكما سترى فإن هذه الخلافات وعدم القناعة من العامة بأحقية الحاكم للمال تؤدي إلى مشاحات وخلافات تنهك المجتمع. فينتشر الفقر جيلاً بعد جيل، وبانتشار الفقر تنتشر الرذيلة وتنحل الأخلاق. وهل يرجى من مجتمع كهذا أن ينتج أفراداً يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم؟ بل سيعزف الكثير من الناس عن معظم أعمال الخير لأن المجتمع تغير كما سأوضح بإذنه تعالى في فصل «البركة». أي أن الاقتباس السابق لابن تيمية يظهر أن هناك اختلافاً ما قد طرأ في العطاء بسبب الديوان، وهو موضوعنا الآتي:
العمل العسكري: عبادة أم وظيفة
هنا أريدك أخي القارئ أن تلحظ أمراً جد مهم لتقارن بين ما أراده الإسلام من رفض العطاء وبين ما حدث بعد الديوان من أخذ العطاء. ولكن لنعرّف العطاء أولاً : فقد جاء في معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء» الآتي: «العطاء في اللغة من العطو، وهو التناول، لكنه اختص بالصلة. أما في مصطلح الفقهاء «فهو ما يعطيه الإمام من بيت المال أهل الحقوق في وقت معلوم». وقد فرق بعض الفقهاء بينه وبين الرزق، فقالوا: الرزق ما يخرج من بيت المال للجندي كل شهر، والعطاء ما يخرج له في كل سنة مرة أو مرتين». وجاء في نفس الكتاب عن الرزق: «قال أبو هلال العسكري: الرّزق هو العطاء الجاري في الحكم على الإدرار. ولهذا يقال: أرزاق الجند. لأنها تجري على الإدرار. أما الرزق في الاصطلاح الفقهي فهو ما يُفرض في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية، مشاهـرة أو مياومة للمقاتلين ولغيرهم من القضاة والمفتين والأئمة والمؤذنين وكل من ترتبط به مصلحة عامة. هؤلاء بالمرتزقة. وقد ذكر بعضهم في الفرق بينه وبين العطاء: أن العطاء ما يُفرض في كل سنة لا بقدر الحاجة، بل بحسب صبر المعطى وغنائه في أمر الدين، أما الرزق فهو مقدر بالكفاية. وقيل: العطاء لكل سنة أو شهر، والرزق يعطى يوماً بيوم. وفي مختصر الكرخي العطاء ما يُفرض للمقاتلة، والرزق للفقراء. غير أن المستقرئ لكلام الفقهاء في الرزق والعطاء يلاحظ أنهم لا يفرقون بينهما في غالب استعمالاتهم».
هامش
عـ٢) ولضرب مثال واحد من الأموال لأبي عبيد، فعن «السري بن عندما أتى للرسول صلى الله عليه وسلم مال من أربع ركائب من عظيم يحيى عن قتادة قال : لما فتحت السوس وعليهم أبو موسى ا الأشعري، فدك، فقسمه بلال وبقي منه شيء، فلم يبت صلوات ربي وسلامه وجدوا دانيال في إيوان، وإذا إلى جنبه مال موضوع، وكتاب فيه من عليه تلك الليلة إلا في المسجد حتى قسمت جميع الأموال. شاء أني فاستقرض منه إلى أجل، فإن أنى به إلى ذلك الأجل وإلا ص۲) تذكر أنه حتى هذه، أي حق السلطان في أخذ الزكاة من برص. قال: فالتزمه أبو موسى وقبله ، وقال دانيال ورب الكعبة، ثم الناس، وليس رفض إخراجها، مسألة خلافية كما مر بنا. كتب في شأنه إلى عمر ، فكتب إليه عمر: أو كفه وحنطه وصل عليه ق٢) وجاء في كتاب تخريج الدلالات السمعية»: «المسألة الثالثة أدفنه كما دفنت الأنبياء صلوات الله عليهم، وانظر ماله فاجعله في العطاء: قال القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى في المنتقى: بيت مال المسلمين. قال فكفنه في قباطي بيض وصلى عليه ودفنه الأعطية في اللغة اسم لما يعطيه الإنسان غيره على أي وجه كان، إلا أنه وبمثل هذه الأموال من تركات وخراج وفيء كانت تتجمع في الشرع واقع على ما يعطيه الإمام الناس من بيت المال علي سبيل الأموال في بيت المال وتنفق مباشرة، ولكن في العصور اللاحقة الأرزاق. وفي المحكم العطاء والعطية، المعطي والجمع أعطية للخلفاء بدأ المال في التجمع (٧٦). وأعطيات جمع الجمع، وفي الصحاح أعطاه مالاً ، والاسم ا ف٢) تذكر أخي القارئ حديث بلال الذي مر بنا في الفصل السابق والعطية الشيء المعطى والجمع العطايا» (۷۸).
هكذا
العطاء
- 🗏
لقد احترت في أمر العطاء كثيراً. لماذا لم يقاوم الفقهاء العطاء بكل أنواعه؟ لنركز الآن على عطاء الجند. تدبر ما جاء في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾." وكما جاء في كتب التفاسير، فإن الله سبحانه وتعالى أرسل لبني إسرائيل طالوت ملكاً عليهم. ثم فصل، أي رحل طالوت بالجند من بيت المقدس وكانوا نحواً من ثمانين ألفاً، ولم يتخلف عن بني إسرائيل إلا ذو علة أو كبير لهرمه. ثم ابتلى سبحانه وتعالى الجيش بنهر وكانوا في حاجة للماء وهم عطشى وذلك ليختبرهم حتى يمحصهم، فأخبرهم طالوت أن من شرب من الماء فليس منه، فشربوا منه إلا قليلاً، ومنهم . من اغترف غرفة بيده. وقيل أن من استمر مع طالوت كانوا أربعة آلاف فقط، وعاد ستة وسبعون ألفاً. وذلك لأن كل إنسان شرب قدر الذي في قلبه من تقوى، فمن شرب وأكثر عصى ولم يرو لمعصيته، أي أن من شرب من النهر عطش، ومن اغترف غرفة روي. وكان من لم يشرب أقوى ممن شرب غرفة. ثم جاوزوا النهر، وقيل أن من جاوزوه كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، أي بعدد أهل بدر. وقيل بأن الأربعة آلاف جاوزا النهر ولكن لما رؤا جيوش جالوت وكثرتهم تخلف أكثرهم ولم يبق من الأربعة آلاف إلا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، أي بعدد أهل بدر، ثم انتصروا برغم قلتهم وأصبح داود ملكاً عليهم. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُردُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ .٨٠ تلحظ من السابق أن العبرة ليست في الكثرة، بل في نوعية جند الله، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يحث الناس على الخروج للجهاد، وهذا ما سيحدث بإذن الله تعالى إن كان الجهاد عبادة ولم يكن وظيفة يعيش منها الجندي من خلال أخذ العطاءات، كما حدث بعد ظهور الديوان. فكل محتاج للمال بعد ظهور الديوان قد يذهب للسلطان أو من يمثله ليوضع في قائمة الديوان إن لم يجد عملاً، أي أن القتال أصبح وظيفة وليس عبادة، وكأن الجيش بهذا سيصبح مرتعاً للعطلة، وهو كذلك. ولعل الألف من هؤلاء الموظفين العطلة لن يقوم مقام مجاهد مؤمن واحد مقدام راغب في الجنة. فالجندي الموظف لن يتمنى الموت لأنه وأهله يعيشون على العطاء وليس كالعابد الذي يبحث عن الشهادة.
۸۱
أي أن تمحيص النفوس أمر جد مهم لإيجاد جيش قوي. تأمل قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . فقد نزلت هذه الآية في المسلمين الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم للجهاد في غزوة تبوك، وكانت في فصل الصيف والمسلمون في عسرة في الزاد والنفقة والماء والظهر (أي لا يجدون ما يركبون)، لدرجة أن بعضهم كاد يميل قلبه عن الحق ويشك في دينه ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدة في سفره وغزوه»، فهذا تأويل قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُم﴾. ولكن الله الكريم سبحانه وتعالى «رزقهم جل ثناؤه الإنابة والرجوع إلى الثبات على دينه وإبصار الحق الذي كان قد كاد يلتبس عليهم» كما قال الطبري، لأنه سبحانه وتعالى رؤوف رحيم فلم ينزع منهم الإيمان «بعدما أبلوا في الله ما أبلوا مع رسوله وصبروا
الديوان
٥١١
عليه من البأساء والضراء». فهل يمكن أن يكون أفراد هذا الجيش المتطوع بماله ونفسه وفي عسرة شديدة كالجيش الذي ينجذب إليه العاطل ليأخذ العطاء؟ فالجهاد عبادة يجب ألا يأخذ عليها المجاهد أي مقابل إلا بعد النصر على شكل غنائم، هذه هي الشريعة، وهذه الحركية تجمع الأصدق نية والأكثر همة والأشد عزماً من الناس، وهؤلاء يأتون بالنصر بإذن الله، ولأنهم أتقياء فلن يرضوا إلا بنشر الحق، لذلك فإن تنفيذهم لأوامر الحاكم إن لم يحكم بما أنزل الله تكاد تكون من المحال. وهذا ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم . فهل الجيش الذي كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يقارن بهؤلاء الموظفين الذين ينتظرون العطاء آخر كل سنة أو آخر كل شهر من الديوان، فيصبحون بذلك أداة في يد الحاكم يسيرها كيف شاء وفي ضرب من شاء وبالذات إن كانوا من معارضيه حتى وإن كانوا من بني جلدته؟ أما إن كان الجيش ممن خرجوا بأنفسهم فهم الأتقى، وهؤلاء لا خطر منهم على المجتمع إن تعلموا أسس القتال وأتقنوه. فلن يكونوا كالموظفين الذين يأخذون العطاء فتسهل قيادتهم. فمن يأخذون العطاء لا ضمائر لأغلبهم ويتم استغلالهم في العادة لضرب أبناء نفس الدين. وهناك الكثير من الآثار التي تدور حول هذا المعنى، أي أن الجهاد عبادة وليس وظيفة، لأن هؤلاء الموظفين لن يزيدوا المجاهدين إن هم ذهبوا معهم للجهاد إلا
عبئاً وهماً وضعفاً برغم كثرة عددهم. تدبر قوله تعالى في هذا إذ يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة التوبة: ﴿
انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ له عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَذِبِينَ لَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أقْعُدُوا مَعَ الْقَعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوَضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمْعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالظالِمِينَ﴾ .
۸۲
لقد احترت في هذه الآيات كثيراً. فقد تم استخدام الديوان في جميع الدويلات ابتداءً من العهد الأموي كسجلات لدفع العطاء لمن يريد القتال، فكيف يمكن الجمع بين الديوان وبين هذه الآيات؟ وكما ذكرت في الفصل السابق لماذا لم يقم الفقهاء على الديوان ويعلنوا عدم شرعيته في ظل هذه الآيات؟ فالآيات نصوص واضحة وصريحة، فقوله تعالى ﴿انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نص واضح يقول للمسلمين أن يخرجوا للجهاد ثقالاً كانوا أو خفافاً، سواء كان الثقل والخفة يعنيان العمر (أي شاباً أو شيخاً) أو الثراء ( غنياً أو فقيراً) أو الوزن ( رفيعاً أو سميناً) أو الانشغال (من يملك مزرعة أو لا يملك مثلاً)، أو الصحة (نشطاً أو غير نشط). ولكنك قد تقول: بأن هذه الآية قد نسخت. فالجهاد ليس دائماً فرض عين، بل هو فرض كفاية إن لم تُغز ديار المسلمين فأجيب: لنتأمل النص الآتي من «المغني لابن قدامة والذي يلخص
المسألة:
«كتاب الجهاد: روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة) متفق عليه. ولمسلم:
۵۱۲ 🗏
...»
لا يسقط عن
عنه
(مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم). وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، رواه البخاري. مسألة: قال: والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين. معنى فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس. فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيان، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له، وفرض الأعيان أحد بفعل غيره. والجهاد من فروض الأعيان لقول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبيل الله﴾ ، التوبة ٤١؛ ثم قال: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، التوبة، وقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ ، البقرة ٢١٦، وروى أبو هريرة رضي الله . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات علي شعبة من النفاق. ولنا قول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ ، النساء ٩٥، وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلَّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا، التوبة ١٢٢، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه، فأما الآية التي احتجوا بها فقد قال ابن عباس نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾، التوبة ١٢٢، رواه الأثرم وأبو داود. ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم، ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا حتى إذا تاب الله عليهم بعد ذلك. وكذلك يجب على من استنفره الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استنفرتم فانفروا)، متفق عليه. ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم».
۸۳
تلحظ من النص السابق بوضوح أنه لا دليل نصي أو لا دليل من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أن العمل العسكري وظيفة، بل هو عبادة ولكنه إما فرض عين أو فرض كفاية. وهكذا جميع الأقوال للفقهاء الآخرين. لكن تلحظ من آخر النص، وكذلك من نصوص أخرى لفقهاء آخرين كما سيأتي بإذن الله، تسلل فكرة الديوان من قوله: ... ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ...». والسؤال هو: برغم وضوح الرؤية لابن قدامة أثابه الله ورحمه في أن الجهاد فرض عين أو كفاية، وأن هذين الفرضين عبادة من النصوص الواضحة لقال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أنه في آخر النص السابق يدرج الديوان دون إثبات نصي، فكيف حدث هذا؟ أي أن الديوان تسلل لعلم الفقه. لذلك لابد من التأني في توضيح أهمية
تسلل الديوان للفقه. ولكن قبل ذلك، لابد من التأكيد على أن العمل العسكري في الإسلام عبادة وليس وظيفة.
نعود لشرح الآيات: ثم يأتي بعد قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. يقول
الطبري" موضحاً:
الديوان
٥۱۳
«يقول جل ثناؤه للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه عَرَضًا قَرِيبًا، يقول غنيمة حاضرة، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدا﴾» يقول: وموضعاً قريباً سهلاً لاتبعوك ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد وكلفتهم سفراً شاقاً . لأنك عليهم . استنهضتهم في وقت الحر وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكن. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ ، يقول تعالى ذكره وسيحلف لك يا محمد هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك اعتذاراً منهم إليك بالباطل لتقبل منهم عذرهم وتأذن لهم في التخلف عنك بالله كاذبين لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ، يقول : لو أطقنا الخروج معكم بوجود السعة والمراكب والظهور وما لابد للمسـافـر والـغـازي منه وصحة البدن والقوى لخرجنا معكم إلى عدوكم. يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ، يقول: يوجبون لأنفسهم بحلفهم بالله كاذبين الهلاك والعطب لأنهم يورثونها سخط الله ويكسبونها أليم عقابه، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في حلفهم بالله ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ لأنهم كانوا للخروج مطيقين بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال مما يحتاج إليه من مما الغازي في غزوه والمسافر في سفره وصحة الأبدان وقوى الأجسام..........
ثم تأتي الآية التي تليها، أي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)، يقول الطبري في تفسيرها:
«وهذا إعلام من الله نبيه صلى الله عليه وسلم، سيما المنافقين أن من علاماتهم التي يعرفون بها تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروج معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد لا تأذنن في التخلف عنك إذا خرجت لغزو عدوك لمن استأذنك في التخلف من غير عذر، فإنه لا يستأذنك في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فأما الذي يصدق بالله ويقر بوحدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب فإنه لا يستأذنك في ترك الغزو وجهاد أعداء الله بماله ونفسه، ...».
ت ۲
ثم يأتي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ
يَتَرَدَّدُونَ﴾ . يقول الطبري:
هامش
(۲) ملحوظة: كما هو معلوم فإن تفسير الطبري يحوي بعض له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له منهم فيكون إذنك لمن أذنت له الإسرائيليات، ومع ذلك رجعت إليه في عدة مواضع من هذا الكتاب منهم على علم منك بعذره وتعلم من الكاذب منهم المتخلف نفاقا لأن تفسيره أحياناً هو الأكثر شمولاً من التفاسير الأخرى لهدف وشكا في دين الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ... ثم كتاب «قص الحق» كما في تفسير هذه الآيات، ولكنني عند الإقتباس أنزل الله التي في سورة النور فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال: أحاول تجنب الإسرائيليات بإذن الله. ﴿فَإِذَا اسْتَتَذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ ، فجعله الله ش٢) وتكملة ما جاء في النص: «وبنحو الذي قلنا ذلك قال أهل رخصة في ذلك من ذلك .... » . التأويل: ... حدثنا بن حميد قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق : ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾ (۲) وتكملة ما جاء في النص : « ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾، يقول: أي أنهم يستطيعون، وهذا عتاب من الله تعالى والله ذو علم بمن خافه فاتقـاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ذکره عاتب به نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن أذن له في التخلف والمسارعة إلى طاعته في غزو عدوه وجهادهم بماله ونفسه وغير ذلك عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. يقول جل ثناؤه: من أمره ونهيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ يا محمد ، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي قال ذلك حدثني المثنى قال : ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية عن علي استأذنوك في ترك الخروج معك و في التخلف عنك من قبل أن تعلم عن ابن عباس قوله: ﴿لَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ، فهذا تعيير صدقه من كذبه، ﴿لِمَ أذنتَ لَهُمْ﴾ ، لأي شيء أذنت لهم حتى يتبين للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد من غير عذر، وعذر الله لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، يقول ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم المؤمنين فقال لم يذهبوا حتى يستأذنوه». في ا التخلف عنك إذ قالوا لك لو استطعنا لخرجنا معك، حتى تعرف م
٥١٤ 🗏
«يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنما يستأذنك يا محمد في التخلف خلافك وترك الجهاد معك من غير عذر بين الذين لا يصدقون بالله ولا يقرون بتوحيده، ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾»، يقول: وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله وفي ثواب أهل طاعته وعقابه أهل معاصيه، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، يقول: في شكهم متحيرون وفي ظلمة الحيرة مترددون لا يعرفون حقاً من باطل فيعملون على بصيرة، وهذه صفة المنافقين. وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرت في سورة النور.
.....
ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ
الْقَاعِدِينَ﴾، يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد في ترك الخروج معك لجهاد عدوك الخروج معك، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، يقول: لأعدوا للخروج عدة ولتأهبوا للسفر والعدو أهبتهما؛ ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ ، يعني خروجهم لذلك ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ ، يقول : فثقل عليهم الخروج حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك واستثقلوا السفر والخروج معك فتركوا لذلك الخروج، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾، يعني اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون و ومع النساء والصبيان واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله. وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله وأنهم لو خرجوا معهم ضروهم ولم ينفعوا».
ث ۲
ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ﴾، يقول الطبري مفسراً:
«يقول تعالى ذكره: لو خرج أيها المؤمنون فيكم هؤلاء المنافقون ما زادوكم إلا خبالا، يقول: لم يزيدوكم بخروجهم فيكم إلا فساداً وضراً، ولذلك ثبطتهم عن الخروج معكم. وقد بينا معنى الخبال بشواهده فيما مضى قبل. ﴿ولأوضَعُوا خلالكم﴾ ، يقول ولأسرعوا بركائبهم السير بينكم، وأصله من إيضاع الخيل والركاب، وهو الإسراع بها في السير ، يقال للناقة إذا أسرعت السير وضعت الناقة، ، تضع وضعاً وموضوعاً وأوضعها صاحبها إذا جد بها ، وأسرع يوضعها إيضاعاً، ومنه قول الراجز: يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع. وأما أصل الخلال فهو من الخلل وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف، وغيرها ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (تراصوا في الصفوف، لا يتخللكم أولاد الحذف). وأما قوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ ، فإن معنى يبغونكم الفتنة يطلبون لكم ما تفتنون به عن مخرجكم في مغزاكم بتثبيطهم إياكم . عنه، يقال منه بغيته الشر وبغيته الخير، أبغيه بغاء إذا التمسته له، بمعنى بغيت له ، وكذلك عكمتك وحلبتك، بمعنى حلبت لك وعكمت لك، وإذا أرادوا أعنتك على التماسه وطلبه قالوا : أبغيتك كذا وأحلبتك وأعكمتك، أي أعنتك عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك : ... حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَلَأَوَضَعُواْ خِلَالَكُمْ﴾، يقول ولأوضعوا أسلحتهم خلالكم بالفتنة .... وأما قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : معنى ذلك، وفيكم سماعون لحديثكم لهم يؤدونه إليهم عيون لهم عليكم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن بن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَفِيكُمْ سَمْعُونَ لَهُمْ﴾ ، يحدثون بأحاديثكم عـيـون غير منافقين. ... حدثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد في قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾ ،
الديوان
010
يسمع
يسمعون ما يؤدونه لعدوكم. وقال آخرون بل معنى ذلك وفيكم من يسمع كلامهم ويطيع لهم. ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾ ، وفيكم من كلامهم. . حدثنا بن حميد قال : ثنا سلمة عن بن إسحاق قال : كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس، وكانوا أشرافاً في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم، فقال وفيكم سماعون لهم، فعلى هذا التأويل وفيكم أهل سمع وطاعة منكم لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتثبيطهم إياهم عن السير معكم . وأما على التأويل الأول فإن معناه، وفيكم منهم سماعون يسمعون حديثكم لهم فيبلغونهم ويؤدونه إليهم عيون لهم عليكم. قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندي في ذلك بالصواب تأويل من قال معناه : وفيكم سماعون لحديثكم لهم يبلغونه عنكم عيون لهم، لأن الأغلب من كلام العرب في قولهم سماع وصف من وصف به أنه سماع للكلام كما قال الله جل ثناؤه في غير موضع من كتابه: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾، واصفاً بذلك قوماً بسماع الكذب من الحديث. وأما إذا وصفوا الرجل بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه وانتهائه إليه فإنما تصفه بأنه له سامع ومطيع ولا تكاد تقول هو له سماع مطيع . .
Λε
......
وإن نظرنا لكتب التفاسير الأخرى نجد أنها تدور حول نفس المعاني السابقة: فهي تشير بوضوح إلى أن الإسلام وضع حركية سهلة جداً السهل الممتنع لتصفي أو لتغربل الناس ليخرج الأتقى منهم للجهاد. ومن هذا الذي يستطيع أن يصفي الناس ويختار من بينهم الأتقى والأشجع إلا الله سبحانه وتعالى لأنه يعلم ما في الصدور؟ لذلك، ولأن المؤمنين لا يعلمون ما في صدور الناس وضع سبحانه وتعالى حركية التطوع بالمال والنفس لتؤدي لتصفية الناس (والله أعلم). أي أن العمل العسكري عبادة وليس وظيفة، وهذا لا يمكن أن يتأتى إلا بالتطوع، وهناك ثلاث حكم أساسية واضحة لهذا، ومن خلالها سندرك أهمية ما طرحته الآيات السابقة (بالإضافة لمسائل أخرى تحدثنا عنها في فصل «دولة «الناس تحت عنوان: القوة الحقة):
الحكمة الأولى هي أن العمل العسكري بحاجة للمخلصين الشجعان، وهم الأتقى عادة من بين المسلمين، أو أولئك الذين يؤمنون بقضية مثل تحرير أرض مغتصبة من غير المسلمين، فالجهاد معناه الموت المحتمل للكل حتى
خ ۲
وإن لم يستشهد أي مجاهد في أرض المعركة. وغير التقي من الناس عادة ما يحب الحياة ويخشى الموت، لذلك فلن يحارب البعض من الناس إن لم يكن هناك عطاء من الديوان، وإن كان هناك عطاء فبرغم مشاركتهم فلن يكونوا استبساليين، ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ﴾. وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ . ٨٥
ولكنك قد تقول: بأن هناك من الشبان من يحب القتال بدليل أن بعضهم قد يخرج طمعاً . في الغنيمة، فما المانع من أخذ المال مقابل القتال وبالذات إن لم يكن لهذا الشاب مال؟ فأجيب بأنه سيقاتل ولكنه لن يندفع للقتال بإخلاص وشجاعة لأنه لازال يحب الحياة ويخشى الموت لعدم يقينه بالجنة لأنه لم يتبايع مع الله الكريم الجواد. تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم
🗏
بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . " ما أعظم هذه الآية التي تصر باختصار شديد على أن العمل العسكري في الإسلام عبادة، فهي مبايعة بين الله المعطي الواهب الوهاب وبين المؤمنين. أنها صفقة بيع كجميع الصفات: الجنة مقابل الجهاد بالمال والنفس. ثم تأمل الناتج من الصفقة ما أروعه: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وهناك آيات أخرى مثل قوله تعالى في سورة الصف: ﴿يَا َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ . إلا أن هذا لا يمنع أن يتبرع شخص مقتدر مالياً ولا يستطيع الخروج للجهاد من تجهيز من لا يملك المال من المستطيعين بدنياً (وسيأتي بيانه بإذن الله)، لأن هذا الذي لم يجهز نفسه لفقره خرج مجاهداً ببدنه لإتمام صفقة شراء الجنة، لذلك فهو سيختلف تماماً عن الموظف الجندي الذي أخذ العطاء والذي عليه القيام بالواجب مقابل ما أخذه سلفاً، وسيأخذه مستقبلاً إن لم يمت. وهذا أيضاً يختلف عمن خرج للجهاد دون عطاء طمعاً في الغنيمة لأنه حريص على النصر. أي أن الآفة كل الآفة هي في العطاءات المستمرة للجنود والتي دخلت الشريعة بسبب الديوان.
AV
كما أن وجود غير الأتقياء في الجيش سيزيد الجيش تفرقاً وضعفاً، فالعبرة ليست بالكثرة ولكن بالتقوى والأمثلة في التاريخ على هذا كثيرة. وهذا ما قالته لنا الآيات السابقة وبالذات قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالٍا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ﴾، وهذا ما قاله لنا الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة . فمجرد وجود الجند المأجورين والذين سيتصرفون بنوع من التكاسل والتباطؤ ومن ثم ينشرون هذه السمة بين المجاهدين، سيضعف الجيش. ولعل انهزام الجيش وفراره أمام الأعداء أحب إلى معظم العسكر المأجورين من الاستشهاد لأنهم لا زالوا أحياء وبرغم انتصار الأعداء. فحياة الجبان مقدمة على كل شيء، حتى وإن هزم الجندي الجبان ووقع هو وأهله في الأسر طالما أنه لم يمت.
Μ
ولكنك قد تقول: إن الجند المأجورين مدربون على القتال لأنها أصبحت مهنة لهم، فهم سيتحركون تحت الأوامر وبصفة منتظمة ستؤدي للنصر، وليس كالمجاهدين الذين يأتون فجأة من كل مكان دونما أي تنظيم ومهارة! فأجيب: انتظر أخي القارئ، فهذه مسألة سنفصلها في فصول قادمة لأهميتها، ولكن لا تنس كما تحدثنا في فصل «دولة الناس» تحت عنوان: القوة الحقة، أن المهارات القتالية ستصبح عرفـ عرفاً يجيده جميع أفراد المجتمع لأنه . لهوهم كما قال صلوات ربي وسلامه عليه كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة: انتضالك بقوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك، فإنها من الحق).
۸۹
هو
أما الحكمة الثانية في جعل العمل العسكري عبادة وليس وظيفة فهي كما قلت في عدم تمكين ضعاف النفوس من التمتع بالمهارات القتالية وذلك حتى لا يوظفهم السلطان في التحكم في مقدرات المجتمع تنفيذاً لأهوائهم. ولكنك قد تقول: بأن للسلطان على الناس السمع والطاعة، وهناك الكثير من الأدلة على ذلك! فأجيب: بالطبع على الناس السمع والطاعة ولكن ليس في معصية الخالق. فهناك الكثير الكثير من الأدلة التي تمنع الناس من التعدي على بعضهم البعض، فمن أهم خطب الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله في حجة الوداع. فقد قال صلوات
الديوان
۵۱۷
ربي وسلامه عليه في الحديث الذي أخرجه مسلم: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وجاء في المستدرك على الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: (أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: البلد الحرام. قال: (فأي شهر؟ قالوا شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، كحرمة
شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب. لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). وسنأتي على تفصيل هذه المسألة في فصل «الحكم» بإذن الله. ولكن ما أود الوصول إليه هنا هو أنه إن كانت المهارات القتالية بيد الأتقياء من الناس، والخوفهم من الله، فلن يطيعوا السلطان إن أمرهم بقتل المسلمين إن لم يكن هناك سبب مقنع وذلك لأن المسلم إن قتل آخراً فمصيره النار بنص قوله صلوات ربي وسلامه عليه في صحيح البخاري الذي رواه الأحنف بن قيس قال: «ذهبت لأنصر هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار). قلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه. " هكذا تخبوا الفتن لأن الحاكم لن يستطيع تسخير الأتقياء الذين خرجوا للجهاد والمهرة في القتال في تحقيق أهوائه. ولضرب مثال واحد فقط عن نوعية الجند الذين كانوا يجاهدون بأنفسهم وأموالهم تأمل الآتي: لقد تحدثنا عن الغلول سابقاً وعرفنا الغال بأنه الذي يأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم، وقد غل أحد المجاهدين في زمن معاوية ثم تندم أشد الندم إشارة إلى خيرية معدنه، فقد روى صفوان بن عمرو عن حوشب بن سيف قال: غزا الناس الروم وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فغل رجل مائة دينار؛ فلما قسمت الغنيمة وتفرق الناس ندم فأتى عبد الرحمن فقال: قد غللت مائة دينار، فاقبضها. قال: قد تفرق الناس، فلن أقبضها منك حتى توافي الله بها يوم القيامة. فأتى معاوية فذكر ذلك له، فقال له مثل ذلك. فخرج وهو يبكي. فمـر بعـبـد الله الشاعر السكسكي فقال: ما يبكيك؟ فأخبره. فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، أمطيعي أنت يا عبد الله؟ قال:
بن
قال:
۲
هامش
) وتكملة ما جاء في النص: (وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله أولى» (۹۳). صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن ض٢) جاء في الترغيب والترهيب : وعن أنس رضي الله عنه قال: قيس ومن كانا على مثل الذي كانا عليه كذلك حدثنا بن حميد قال غاب عمي ا أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: كان الذين استأذنوه فيما بلغني من أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس وكانوا أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر أشرافا في قومهم فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين ، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا سعد
جنده».
خـ٢) كما حدث في غزوة تبوك، فلم يدخل المسلمون في معركة ضد بن معاذ، الجنة ورب النضر ، إني أجد ريحها دون أحد. قال سعد: فما الروم، بل عاد الجيش مرة أخرى للمدينة. استطعت يا رسول الله أصنع ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً
ذ٢) وتكملة ما جاء في النص: «وعن ابن مسعود أنه رأى أن يتصدق وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم. ووجدناه قد قتل بالمال الذي لا يعرف صاحبه. وقال الشافعي لا أعرف للصدقة وجها. وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. فقال أنس: كنا وقد جاء في حديث الغال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا أقبله نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، الأحزاب ۲۳ منك . ، حتى تجيء به يوم القيامة. ولنا قول من ذكرنا من الصحابة ، إلى آخر الآية. ومن بعدهم ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فيكون إجماعاً، ولأن رواه البخاري واللفظ له ومسلم والنسائي، البضع بفتح الباء وكسرها تركه تضييع له وتعطيل لمنفعته التي خلق لهـا ولا يتخفف به شيء من أفصح وهو ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى أربعة إثم الغال، وفي الصدقة نفع لمن تصل إليه من ا المساكين وما يحصل من وقيل من أربعة إلى تسعة وقيل هو سبعة» (٩٤).
أجر الصدقة يصل إلى صاحبه فيذهب به الإثم عن الغال فيكون
518 🗏
فانطلق بها إلى معاوية فقل له: خذ خمسك، فأعطه . مني
ذ
عشرين ديناراً، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله تعالى يعلم أسماءهم ومكانهم، وإن الله يقبل التوبة عن عباده. فقال معاوية: أحسن والله، لأن أكون أنا أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شيء امتلكت. ...». المهم بالنسبة لموضوعنا من هذه الرواية هو إن كان هذا حال من غل لضعف في نفسه عندما رأي الغنائم، فإن كان هذا حاله من ندم وبكاء، فكيف بباقي أفراد الجيش الذين يأنف بعضهم عن أخذ شيء من الغنائم مثل أنس بن النضر رضي الله عنه والذي استشهد ووجد في بدنه أكثر من ثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم. " يا لها من عزيمة أخي القارئ أن يستمر الفرد مجاهداً بعد أول ضربه، فكيف استمر في الجهاد وهو ينزف من الجرح الأول، فما بالك بالضربة الثانية التي استمر بعدها، واستمر الألم وهو يجاهد لتأتي الطعنة الثالثة وهكذا حتى الثمانين، يا لها من عزيمة وشجاعة وإصرار. فلعل واحداً من هؤلاء يعادل ألفاً أو أكثر من النعاج. فهل يقارن هذا الجيش المكون من أفذاذ مثل أنس بن النضر بجيش اليوم الذي يأخذ أفراده المأجورين الأموال؟
ض ۲
والحكمة الثالثة هي غزارة المد الجهادي فالإسلام أراد أمة ذات غزارة في عتادها العسكري وفي عدد جنودها الأفذاذ، وهذا لن يتأتى من خلال الديوان وذلك لأن أموال الديوان محدودة فلن يستطيع الالتحاق بالجيش إلا عدد محدد من الناس. كما أن التجهيز الحربي سيكون قليلاً لأن استطاعة المجتمع محدودة لقلة الغزارة الإنتاجية في المجتمع زراعياً كان أو صناعياً. والسبب في هذه القلة أن هو الإنتاج الإجمالي للأمة منخفض لعدم تطبيق مقصوصة الحقوق. وأهم سبب لعدم تطبيق مقصوصة الحقوق هو ظهور الديوان الذي يجمع المال للسلطان لينفقه على الجند ومن ثم قد يسخر هؤلاء الجند المأجورين لتثبيت حكمه وقمع ناقديه وتجسيد أهوائه. أما إن لم يكن هناك ديوان فإن مقصوصة الحقوق ستطبق، ومع تطبيقها فإن الأموال ستقع في أيدي الناس الذين بالطبع سيكونون أكثر استثماراً لها من الدولة ( كما سيأتي بإذن الله فيكثر الإنتاج ويزداد عندها فإن القليل الذي يخرج من أموال الناس الكثيرة طوعاً سيكون أكثر من الكثير الذي تأخذه الدولة من القليل الذي عند الناس كرهاً لأن أفراد
المجتمع دون قيود فيكونوا شديدي الغزارة إنتاجياً إن طبقت مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله تعالى. هل رأيت هذه الحكم المهمة التي تؤدي لقوة المسلمين في الخارج والداخل، كيف جاء الديوان ليهدمها؟ فالحكمة الأولى تؤدي لقوة المسلمين ضد أعدائهم في الخارج، والحكمة الثانية تؤدي لتآزر المسلمين في الداخل (كما سيأتي بيانه بإذن الله ، فلا يتمكن سلطان لا يتبع شرع الله من قيادتهم. إلا أن الديوان أتى ليفعل عكس هذا تماماً. أتى لينجذب محبوا المال الذين لا عمل لهم في الغالب ليلتحقوا بالجيش الذي قد يهرب بعض أفراده فزعاً من الأعداء في الخارج، ويتسلط على المسلمين الذين لا سلاح لهم في الداخل. أما الحكمة الثالثة التي تؤدي لإزالة الطبقات في المجتمع فقد هدمت أيضاً من خلال الديوان وظهرت الطبقات، وذلك لأن العطاءات من الديوان ستكون طبقة عسكرية في المجتمع والتي تحمي الطبقة الحاكمة والتي تدور حولها الطبقة العاملة في الدولة والتي لها ديوانها الخاص بها، والتي تتكون من عدة طبقات أخرى، وهكذا يتكون الهرم الطبقي للدولة بما لم ينزل الله به من سلطان، والذي تهيمن فيه الطبقات بعضها على بعض في ذلك التركيب الهرمي دونما إنتاج فعلي. أما مع تطبيق الشريعة فلن تظهر الطبقات التي تهيمن فيه بعضها على بعض، بل جماعات متجاورة منتجة دونما أي هيمنة فيما بينها كما سيأتي بيانه بإذن الله.
الديوان
۵۱۹
المسلك الأول: الأحاديث
وكما ذكرت سابقاً: لقد احترت في هذا السؤال كثيراً: لماذا لم يقم الفقهاء على الديوان الذي أحال العمل العسكري من عبادة إلى وظيفة برغم وضوح الآيات وبرغم أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قد تكون لهم حجة لم أقف عليها، لكن لا تفسير لدي الآن إلا من مسلكين: المسلك الأول هو أربعة أحاديث احتج بها من قال بالديوان: الأول في صحيح البخاري، والثاني بلفظ مختلف في صحيح مسلم، والثالث في صحيح البخاري وهو مشابه لحديث رابع في صحيح مسلم والمسلك الثاني هو التقليد بين الفقهاء (تذكر الإيجابيات الإشكالية). وسأبدأ بتوضيح المسلك الأول ببعض التفصيل نظراً لأهميته:
لننظر للأحاديث أولاً : فقد جاء في صحيح البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس. فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فقلنا نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف. حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة. قال أبو معاوية ما بين ستمائة إلى سبعمائة». وهناك حديث مشابه بلفظ آخر في صحيح مسلم: فعن حذيفة قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (احصوا لي كم يلفظ الإسلام). قال: فقلنا: يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة ؟ قال: (إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا). قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سراً». والحديث الثالث في صحيح البخاري: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني كُتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة. قال: (ارجع فحُج مع امرأتك». وفي صحيح مسلم حديث مشابه أيضاً، فعن «أبي معبد قال: سمعت بن عباس يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم . فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وأني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك». والشاهد في الحديثين الأخيرين قول الصحابي أنه اكتتب في غزوة كذا وكذا، مما يُستدل به على الاكتتاب. وكما ترى فإن هذه الأحاديث تثبت أن هناك تدويناً ما قد حصل للمسلمين عموماً أو لمن هم في البعوث، ولكن لا تعني هذه الأحاديث بالضرورة أن من كتب في سجل ما فإن له عطاء يأخذه، بل هي سجلات قد تكون لحصر عدد المسلمين حتى تتم مراجعتهم بعد الغزوة لمعرفة المفقودين والمستشهدين والأسارى، لاسيما أن الجيش منهك مما تصعب معه معرفة مصير كل مجاهد إلا إن وجد سجل يحوي أسماء جميع المجاهدين. ونظراً لأهمية هذه الأحاديث فلابد من بعض التأني في فهم معانيها . فكما ترى فإن في الأحاديث معنى التأويل على أنه أصل للديوان. فقد وقعت على كتيب للدكتور عبد العزيز الخياط، وكان قد عمل عميداً لكلية الشريعة بالجامعة الأردنية ووزيراً للأوقاف يقول فيه أن الحديث الذي رواه البخاري هو أصل الديوان. يقول
الدكتور الخياط :
۹۵
«قال ابن هشام وما كان يجمع المسلمين في أول أمرهم كتاب حافظ، أي ديوان مكتوب، فكان بدء الديوان في عهده عليه السلام. وقد ورد في البخاري تأكيد هذا الأمر . فقد ورد في صحيحه بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: (اكتبوا من يلفظ بالإسلام من الناس. وأخرج أبو داود عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب الأهل حظين، وأعطى الأعزب حظاً. وروى أبو يوسف في كتاب الخراج أنه لم يكن في حياة الرسول صلى الله عليه
قد يحتمل
٥٢٠ 🗏
٩٦
وسلم مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألفون من جميع أفراد المسلمين، وإنما كانوا يأخذون مالهم في أربعة أخماس ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في يد أهلها كأرض خيبر ...».
لعل أهم نقد على السابق هي الربط بين التدوين والعطاء. فلأنه كان من يدون في الديوان يُعطى مالاً في العصور اللاحقة بدءاً من عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، كان الاستنتاج بأن كتابة الأسماء لابد وأن تعني دفع العطاء حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا بالطبع ليس بالضرورة صحيحاً، أي أن هذا استنتاج من غير دليل إلا من فعل مستقبلي، وهذا لا . لأنه إن دفع الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال للناس بناء على ديوان
يصح،
مكتوب لما خفي ذلك علينا الآن لأنه أمر مهم يستحيل أن يغفله الفقهاء، فمثل هذه المسائل الاقتصادية المفصلية للأمة لا تُستنبط ولكن لابد وأن تكون مدعومة بالنصوص. ولعلك لاحظت التناقض في الاقتباس السابق أخي القارئ: فهو يقول بأن هناك ديواناً، ثم يقفز مباشرة إلى القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يدع مالاً إلا قسمه في يومه وذلك بالاستشهاد بالحديث الذي رواه أبو داود. فالديوان يعني بالطبع وجود المال سلفاً في بيت المال حتى يقسم بين الناس، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كما يُثبت هو من حديث أبو داود وكما مر بنا في الفصل السابق لا يدع المال ليتراكم بل يقسمه في يومه، فكيف يمكن الجمع بين وضعين متناقضين إلا إن كان المسجلون في الديوان يأخذون العطاء بترتيب تنازلي كل حسب دوره بحسب ورود المال؟ أي أن كل يوم أو عدة أيام يأتي دور زيد ليأخذ عطاءه ثم دور عبيد بعد عدة أيام عند تجمع المال في بيت المال مرة أخرى، وهكذا. وهذا أمر محال لأنه لم يقل أحد بذلك أبداً. ثم يدحض الدكتور الخياط طرحه نفسه بالاستشهاد بقول أبي يوسف من أن المسلمين كانوا يأخذون الأموال من أربعة أخماس ما يغنمون. فكيف يمكن الاستنباط من هذه الآثار أن الديوان وجد في عهده صلى الله عليه وسلم؟ أي أنه لا دليل من نص أو فعل مباشر ، بل تركيبات قد تبدو وكأنها منطقية لأحداث متفرقة. وهذا هو حال جميع ما قرأته من كتابات المعاصرين في الاستدلال كما سيأتي نقدهم في أول الفصل القادم بإذن الله، فلا دليل مباشر لديهم، إلا أنهم اعتقدوا أن تولي الدولة للأموال سيؤدي لمجتمع أفضل. فكانوا يحاولون لي أعناق النصوص ولازالوا لإثبات اعتقاداتهم كما سترى في أول الفصل القادم بإذن الله.
وبالطبع، فإن من أهم الكتب أيضاً التي شرحت مسائل الإدارة في عهده صلوات ربي وسلامه عليه والتي استخدمت الأحاديث السابقة لإثبات الديوان كمصدر للعطاء كتاب التراتيب الإدارية» المعروف. لننظر للاقتباس الآتي في باب كتاب الجيش لنرى ما يقوله الكتاني:
في صحيح البخاري بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس)، فكتبت له ألفاً وخمسمائة رجل. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم . فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني كتبت في كذا وكذا؟ قال: (انطلق مع امرأتك)، وهو في الصحيح أيضاً بلفظ : إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة. قال الحافظ في الفتح على ترجمة باب كتابة الإمام الناس، أي من المقاتلة وغيرهم والمراد ما هو أعم من كتابته هو نفسه أو بأمره، ثم قال: وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش. وقال علي: قول الرجل إني كتبت في كذا مشعر بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي. قال التقي المقريزي في الخطط : أعلم أن كتابة الديوان على ثلاثة أقسام: كتابة الجيوش وكتابة الخراج وكتابة الإنشاء والمكاتبات، ولا بد لكل دولة من استعمال هذه الأقسام
الديوان
۰۲۱
الثلاثة. وقد أفرد العلماء في كتابة الخراج وكتابة الإنشاء عدة مصنفات. ولم أر أحداً جمع شيئا في كتابة الجيوش والعساكر، وكانت كتابة الديوان في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صحفاً مدرجة ... » . .
۹۷
تلحظ في الاقتباس السابق أن نفس المسلك الذي وقع فيه الدكتور الخياط قد وقع فيه الكتاني رحمه الله. فهو قد ربط بين التدوين ،والعطاء، أي أن من دون في سجل ما فلابد وأن يكون له عطاء ما، فـذكـر حـديث البخاري عن الكتابة الذي ذكرناه، ثم الحديث الذي جاء في صحيح مسلم عن الرجل الذي رافق امرأته للحج بعد أن دون اسمه في غزوة كذا وهاذان الأثران لا يعنيان بالضرورة دفع الأموال كأجر لمن كتبت أسماؤهم. وتلحظ أيضاً بأن الكتاني يدعم طرحه بما قاله المقريزي من أنه لابد لكل دولة من استعمال ثلاثة أقسام من الدواوين، ولا دليل على هذا من القرآن الكريم أو السنة المطهرة ، بل هو نقل من مؤرخ آخر. والمقريزي بالطبع متأثر بما تناقله الفقهاء من جواز الديوان. هذه هي مشكلة النقل أخي القارئ، وهي ظاهرة قد تفشت بين كتب التراث. فها هو الكتاني يحاول أن يثبت في النص السابق أن الديوان وجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكنك إن نظرت إلى كتاب الكتاني ذاته أي التراتيب الإدارية»، تجد في نفس الكتاب وبعد عدة صفحات أن الكتاني يقر أن الذي دون الدواوين لدفع العطاءات هو الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس الرسول صلى الله عليه وسلم. بل ويثبت ذلك من خلال عدة نصوص للفقهاء والمؤرخين. أي أن السجلات أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليست لها أية علاقة بدفع العطاءات. لاحظ ما يقوله الكتاني رحمه الله في الآتي:
الله
«فصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك : الديوان دفتر يكتب فيه أسماء أهل العطاء والعساكر على القبائل والبطون. وفي النهاية الديوان دفتر يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. ذكر أبو هلال العسكري في الأوائل والماوردي في الأحكام السلطانية أن أول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي عنه. وفي ترجمة عمر من تهذيب الأسماء للنووي وكان عمر هو أول من دون الديوان للمسلمين ورتب الناس على سابقتهم في العطاء وفي الأذن والإكرام، فكان أهل بدر أول الناس دخولاً عليه، وكان علي بن أبي طالب أولهم وأثبت أسماءهم في الديوان على قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ ببني هاشم وبني المطلب ثم الأقرب فالأقرب هـ. من صبح الأعشى أيضاً مانصه: هو، أي عمر، أول من رتب بيت المال فيما ذكره العسكري لاكنه [لكنه] ذكر في موضع آخر أن عمر كان على بيت المال من قبل أبي بكر، فيكون أبو بكر قد سبقه إلى ذلك هـ. وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي في فصل أولياته ومنها أنه أول من اتخذ بيت المال. أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح، ليس يحرسه أحد. فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل. فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ. فلما انتقل إلى المدينة حوله فجعله في داره، فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوي بين الناس في القسم. وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله، واشترى قطائف أوتي بها من المدائن ففرقها في أرامل المدينة، فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت أبي بكر، منهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا، لا ديناراً ولا درهما. قلت: وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل إن أول من اتخذ بيت المال عمر، وقد رددت عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر من كتابه فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر . قلت : ويمكن الجمع بأن أبا بكر أول من اتخذ بيت المال من غير إحصار ولا تدوين. وعمر أول من دون مثلاً. وفي تاريخ الكامل لابن الأثير وفي سنة ١٥ من الهجرة
۵۲۲
فرض عمر الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا. وفي الأحكام السلطانية للماوردي أقوال في السبب الذي حمل عمر على ذلك منها: أن أبا هريرة قدم إليه بمال من البحرين فقال عمر: ماذا جئت به؟ قال خمسمائة ألف . درهم. فاستكثره عمر وقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات. فصعد عمر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه لكم كيلاً، وإن شئتم عددناه لكم عداً. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدونون لهم ديواناً، فدون أنت ديواناً. فاستشار عمر رضي الله عنه الناس في تدوين الديوان، فقال عثمان: أرى مالاً كثيراً يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينشر الأمر. فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشام فرأيت ملوكاً لهم دواوين وجندوا أجناداً، فدون ديواناً وجند جنودا. فأخذ عمر بقوله ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من شبان قريش فقال : اكتبوا الناس على منازلهم. وفي وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني: وأول من وضع ديوان العساكر في الدولة الإسلامية عمر في محرم سنة عشرين، أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة وجبيراً من كتاب قريش فكتبوا ديوان الجيش بالابتداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعدها على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب هـ. وقد استظهر الخزاعي هنا وفصل أن كتابة الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينهم إنما كانت في أوقات مخصوصة، نحو كتبهم حين أمر حذيفة بإحصاء الناس، وكذلك العطاء في عصره صلى الله عليه وسلم لم يكن له وقت معين ولا مقدار معين، فلما كثر الناس في خلافة عمر وجبيت الأموال وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم وضع الديوان بعد مشاورة الصحابة على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب هـ. ولاكن ولكن] وجدت في كتاب بدائع الصنائع للإمام علاء الدين الكاساني الحنفي حين تكلم على ما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرؤساء قريش وصناديدهم مثل أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن محابس التميمي وأمثالهم، وذكر أن أبا بكر وعمر ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا، قال: فإنه روى أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا إلى أبي بكر واستبدلوا الخط منه لسهامهم، فبدل لهم الخط. ثم جاءوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من يدهم ومزقه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه. فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر وقالوا: أنت الخليفة أم هو ؟ فقال : إن شاء الله هو . فلم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ الصحابة فلم ينكروا هـ. وهذا يدل على أن الناس في زمنه صلى الله عليه وسلم كانوا يأخذون العطاء بالضبط والتقييد، فيدل ذلك على وقوع التدوين، وجعل قوائم للمعلون [للمعالون]، وهذا هو الديوان بعينه. فتأمل ذلك. وفي صبح الأعشى بعد أن نقل عن القضاعي أن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان له صلى الله عليه وسلم أموال الصدقات وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل ما نصه، فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه صلى الله عليه وسلم هـ. وانظر الفصل الأول من باب كتاب الجيش وما نقل فيه عن الحافظ في الفتح مما يولون جميعه بخلاف ما للمتأخرين في هذه الترجمة وفي الأحكام لابن العربي: وأما ولاية الديوان فهي الكتابة. وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب وللخلفاء بعده. وهي ضبط الجيوش لمعرفة أرزاقهم والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها هـ. وفي ترجمة عبد الرحمن بن عبد القاري من الإصابة أنه كان على بيت المال لعمر وأخرج البزار : قال السيوطي في الجمع وضعف عن عمر قال: كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعبد الله بن أرقم: أجب هؤلاء، فأخذه عبد الله بن أرقم فكتبه ثم جاء بالكتاب فعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت، فما زال ذلك في نفسي حتى وليت فجعلته في بيت المال. وأخرج البيهقي في السنن عن أبي وائل أن عمراً استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال. وذكر المناوي في شرح الشمائل في ترجمة أبي جحيفة وهب السواءي 🗏
الديوان
۵۲۳
عادتهم
الخطط
أن علياً كان يحبه ويسميه وهب الخير، وجعله على بيت المال هـ. و وفي ا للتقي المقريزي أن معاوية جعل كل قبيلة من قبائل العرب بمصر رجلاً يصبح كل يوم فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل ؟ فيقال : ولد لفلان غلام ولفلان جارية، فيكتب أسماءهم ويقلل نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله فيسميه وعياله، فإذا فرغ من القبيلة أتى إلى
الديوان ليثبت ذلك هـ».
۹۸
تلحظ في أول الاقتباس أن الكتاني يثبت لك من خلال عدة نصوص لفقهاء آخرين أن أول من وضع الدواوين هو الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فكيف يكون الديوان إذاً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إن كان سجلاً لا علاقة له بالعطاءات كما حاول الكتاني الإثبات في الاقتباس قبل السابق بالقول: «كان من كتابة من يتعين للخروج في المغازي» ؟ أو بالاستشهاد باستنباط ابن حجر (والذي سيأتي توضيحه بإذن الله) الذي قال فيه: « وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش» ؟ إلا إن قصد الكتاني أن الدواوين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت سجلات فقط لحصر الغزاة لمعرفة المستشهدين والمفقودين والأسارى وتوزيع الغنائم وما شابه بعد المعركة. فالسجلات هي . ، إذاً للحصر وليست لدفع العطاءات قبل المعركة. ولكن المهم في الاقتباس السابق هو ما ذكره الكتاني عن سياسة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وأسكنه فسيح جناته من أنه كان لا يدع مالاً إلا قسمه، فهو رضي الله عنه كان يقسم المال على الفقراء ويشتري الإبل والخيل والسلاح ليجعله في سبيل الله. فبعد وفاته لم يجدوا في بيت المال لا ديناراً ولا درهما. فهو إن أوجد بيت مال رضي الله عنه فهو أوجده من غير ولا تدوين تماماً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن عمر رضي الله . عنه هو أول من دون كما يقول الكتاني. فإن كان أبو بكر رضي الله عنه يتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان بيت المال خاوياً، فيجب أن يكون كذلك دائماً خاوياً ودون حصر أو تدوين، لأن في الحصر والتدوين زلة ستؤدي لجمع المال، وهذا له آفاته
حصر
الله
سابقاً
عليه
كما وضحت. ثم يوضح الاقتباس سبب تدوين الدواوين في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، ، وقد تحدثنا عنه . وكان نقدي هو أن أصل الديوان أتى إما من خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي رأى الدواوين في الشام وأن ملوكهم دونوا الدواوين وجندوا الجنود، أو أنه أتى من الهرمزان، وهو فارسي وسيأتي بيانه بإذن الله في اقتباس من كتاب تخريج الدلالات السمعية» أو أنه فكرة من صحابي، وهذه جميعها استحداثات على سنة الرسول صلى وسلم كما ستستنبط بإذن الله. ثم يذكر الكتاني تفصيل الخزاعي من أن تدوين الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان في أوقات مخصصة، وأن العطاء لم يكن له وقت أو مقدار معين، وأنه مع كثرة الناس وكثرة المال ظهرت أي أن ما استنبطه الخزاعي لا يدعم ما اعتقده ه الكتاني بالربط بين
الله عنه.
الحاجة للديوان في عهد عمر رضي العطاء والديوان أيام الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة مستمرة.
وهنا لابد من توضيح نقطة مهمة وقد تم الخلط فيها وهي أن هناك فرق شاسع بين أن يُدفع مال لشخص ما مقابل سند أو وصل ما وبين أن يوضع اسمه في ديوان ما ويأخذ الأموال بصفة دورية مستمرة كآخر كل شهر مقابل عمله العسكري. لاحظ الآتي: ثم يأتي الكتاني بعدة استشهادات لإثبات أن الديوان كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيذكر المؤلفة قلوبهم الذين كان لهم خط من الرسول صلى الله عليه وسلم وأن عمر رضي الله عنه مزقه، فيستدل من ذلك أن الناس كما يقول: «كانوا يأخذون العطاء بالضبط والتقييد». فهل في هذا دليل على أن العطاء كان يتدفق للمقاتلين؟ بالطبع لا، فهؤلاء الذين معهم الخط من المؤلفة قلوبهم ليسوا من المقاتلين. فالتدوين
٥٢٤ 🗏
عطاء
أمر وارد كما في الاقتراض (الدين) مثلاً بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ﴾. فمن حادثة المؤلفة قلوبهم يستنبط الكتاني: «فيدل ذلك على وقوع التدوين، وجعل قوائم للمعالون هذا هو الديوان بعينه». أرأيت كيف أتى التعميم من وقوع التدوين إلى جعل قوائم ؟ فهل إن كتب الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد من المؤلفة قلوبهم . ما سيعني هذا وجود قوائم لمن سيأخذون المال من الجند؟ بالطبع لا. ومما استشهد به الكتاني أيضاً أن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب خرص النخل، ثم يستنتج قائلاً: «فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه صلى الله عليه وسلم». ولعلك هنا تسأل: فما علاقة هذه الكتابات بوضع ديوان للعطاءات للجند؟ بالطبع لا علاقة. ثم لدعم استنتاجه يستشهد بما جاء في الفتح لابن حجر ويسرد آثاراً أخرى ليس لها جميعاً أدنى دليل على أنها تعني ديواناً للجند بعطاء مستمر. فعلى سبيل المثال يستشهد بقول لابن عربي من كتاب «أحكام القرآن» الذي قال ابن عربي فيه: «وأما ولاية الديوان فهي الكتابة. وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب، وللخلفاء بعده. وهي ضبط الجيوش لمعرفة أرزاقهم والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها». ولكنك إن رجعت إلى كتاب ابن عربي تجد أنه في موضع آخر من نفس الكتاب (أي «أحكام القرآن» يقول في تدوين من أسلم الآتي:
«المسألة الرابعة عشرة في صفة البيعة لمن أسلم من الكفار، وذلك لأنها كانت في صدر الإسلام منقولة وهي اليوم مكتوبة إذ كان في عصر النبي لا يكتب إلا القرآن، وقد اختلف في السنة على ما بيناه في أصول الفقه وغيرها، وكان النبي لا يكتب أصحابه ولا يجمعهم له ديوان حافظ، اللهم إلا أنه قال يوماً اكتبوا لي من يلفظ (بالإسلام لأمر عرض له، فأما اليوم فيكتب إسلام الكفرة كما يكتب سائر معالم الدين المهمة والتوابع منها لضرورة حفظها حين فسد الناس وخفت أمانتهم ومرج أمرهم. ونسخة ما يكتب : الله الرحمن الرحيم لله أسلم فلان ابن فلان من أهل أرض كذا وآمن به وبرسوله محمد [صلى الله عليه وسلم]، وشهد له بشهادة الصدق وأقرّ بدعوة الحق لا إله إلا الله محمد الله. والتزم الصلوات الخمس بأركانها وأوصافها وأدى الزكاة بشروطها وصوم رمضان والحج إلى البيت الحرام إذا استطاع إليه سبيلا، ويغتسل من الجنابة ويتوضأ من الحدث وخلع الأنداد من دون الله تحقق أن الله وحده لا شريك له» . *
رسول
بسم
۹۹
ترى في النص السابق لابن عربي أنه يرفض فكرة وجود ديوان بقوله : ولا يجمعهم له ديوان حافظ، اللهم إلا أنه قال يوماً [يعني الرسول صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لي من يلفظ (بالإسلام) لأمر عرض له، ...». ولكن الأقوى في الاقتباس السابق والذي قبله للكتاني هو استشهاده بما قاله الحافظ في الفتح: «وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش». ونظراً لمكانة ابن حجر العلمية وجب علي الرجوع لما قاله في الفتح: يقول ابن حجر عن
حديث البخاري:
قوله: (اكتبوا لي من تلفظ (بالإسلام، في رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم، (احصوا) بدل (اكتبوا)، وهي أعم من اكتبوا، وقد يفسر احصوا باكتبوا. قوله: فقلنا: نخاف، هو استفهام تعجب، وحذفت منه أداة الاستفهام وهي مقدرة. وزاد أبو معاوية في روايته فقال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا، وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه، ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها، ثم رأيت في شرح بن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق. وحكى الداودي: احتمال أن
الديوان
٥٢٥
ظ ۲
ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لأنه قد اختلف في عددهم هل كانوا ألفاً وخمسمائة أو ألفاً وأربعمائة أو غير ذلك مما سيأتي في مكانه. وأما قول حذيفة: فلقد رأيتنا ابتلينا الخ، فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سراً ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة، وقيل كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر وكان بعضهم يقصر سراً وحده خشية الإنكار عليه. ووهم من قال أن ذلك كان أيام قتل عثمان لأن حذيفة لم يحضر ذلك، وفي ذلك علم من أعلام النبوة من الأخبار بالشيء قبل وقوعه. وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره. قوله: حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة، يعني أن . ... وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح، وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ، الآية. وقال بن المنير موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة ،الإعجاب، ثم ذكر المصنف حديث بن عباس: قال رجل: يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وهو يرجح الرواية الأولى بلفظ : اكتبوا لأنها مشعرة بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي، وقد تقدم شرح الحديث في الحج مستوفى».
تلحظ من الاقتباس السابق أن ابن حجر لم يقصد قط بقوله: «وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش»، أن هناك دواوين ذات عطاءات مستمرة كما قد يُستدل على ذلك من قول الكتاني. بل قول ابن حجر واضح ولا يعني ذلك أبداً، فهو يقول: «وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتل بمن لا يصلح». فهو قد علل رحمه الله أن التدوين قد يتعين عند الحاجة إلى التمييز بين من يصلح وبين من لا يصلح للقتال. وهذا الذي لم يظهره الكتاني !!! ثم يوضح ابن حجر في آخر الاقتباس أن من عاداتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي، وحتى هنا فلا ذكر أيضاً للأعطيات أو الأرزاق في هذه العادة. بل كما وضحت هي الغنائم بعد النصر. ولتأكيد المسألة لننظر الآن لما قاله النووي في شرحه لصحيح مسلم للحديث، قال النووي رحمه الله:
هامش
ظ ۲) الجزء المقتطع من وسط النص هو الآتي: «... أبا حمزة خالف رجحان نظر البخاري على غيره. وسلك الداودي الشارح طريق الجمع الثوري عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند فقال : خمسمائة ولم فقال: لعلهم كتبوا مرات في مواطن، وجمع بعضهم بأن المراد بالألف يذكر الألف. قوله قال أبو معاوية : ما بين ستمائة إلى سبعمائة ، أي أن وخمسمائة جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبـد وصبي، وبما بين أبا معاوية خالف الثوري أيضاً عن الأعمش بهذا الإسناد في العدة، الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصة، وبالخمسمائة المقاتلة خاصة، وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجة وهو أحسن من الجمع الأول، وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري، فلذلك اعتمدها لكونه الأولى ألف وخمسمائة رجل لا مكان أن يكون الراوي أراد بقوله أحفظهم . مطلقاً، وزاد عليهم وزيادة الثقة الحافظ مقدمة وأبو رجل نفس، وجمع بعضهم بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل معاوية، وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه، ولذلك المدينة خاصة، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة هم ومن ليس بمقاتل، اقتصر مسلم على روايته لكنه لم يجزم بالعدد، فقدم البخاري رواية وبالألف وخمسمائة هم ومن حولهم من أهل القرى والبوادي. قلت الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين والجزمها بالنسبة لرواية أبي ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث ومداره معاوية، وأما ما ذكره الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد الأموي وأبا بكر على الأعمش بسنده واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور والله بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله خمسمائة فتتعارض الأكثرية أعلم....» (١٠٠). والأحفظية، فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة. وبهذا يظهر
٥٢٦ 🗏
«باب جواز الاستسرار بالإيمان للخائف: قال مسلم رحمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب واللفظ لأبى كريب قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أحصوا لي كم يلفظ الإسلام)، فقلنا: یا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: (إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا). قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلى إلا سراً. هذا الإسناد كله كوفيون، وأما متنه فقوله صلى الله عليه وسلم: (أحصوا)، معناه: عدوا. وقد جاء في رواية البخاري: (اكتبوا). وقوله صلى الله عليه وسلم: (كم يلفظ الإسلام)، هو بفتح الياء المثناة من تحت. والإسلام منصوب مفعول يلفظ بإسقاط حرف الجر، أي يلفظ بالإسلام، ومعناه كم. عدد من يتلفظ بكلمة الإسلام. وكم هنا استفهامية ومفسرها محذوف وتقديره كم شخصاً يلفظ بالإسلام. وفي بعض الأصول: تلفظ بتاء مثناة من فوق، وفتح اللام والفاء المشددة، وفي بعض الروايات للبخارى وغيره: (اكتبوا من يلفظ بالإسلام)، فكتبنا. وفي رواية النسائى وغيره: (أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام). وفي رواية أبي يعلى الموصلي: (أحصوا كل من تلفظ بالإسلام. وأما قوله ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة، فكذا وقع في مسلم وهو مشكل من جهة العربية، وله وجه وهو أن يكون مائة في الموضعين منصوباً على التمييز على قول بعض أهل العربية. وقيل أن مائة في الموضعين مجرورة على أن تكون الألف واللام زائدتين فلا اعتداد بدخولهما. ووقع في رواية غير مسلم ستمائة إلى سبعمائة. وهذا ظاهر لا إشكال فيه من جهة العربية. ووقع في رواية البخاري فكتبنا له ألفاً وخمسمائة فقلنا: تخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ وفي رواية للبخاري أيضا فوجدناهم خمسمائة. وقد يقال وجه الجمع بين هذه الألفاظ أن يكون قولهم : ألف وخمسمائة، المراد به النساء والصبيان والرجال. ويكون قولهم ستمائة إلى سبعمائة الرجال خاصة، ويكون خمسمائة المراد به المقاتلون ولكن هذا الجواب باطل برواية البخاري في أواخر كتاب السير في باب كتابة الإمام الناس، قال فيها: فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل. والجواب الصحيح إن شاء الله تعالى أن يقال : لعلهم أرادوا بقولهم ما بين الستمائة إلى السبعمائة رجال المدينة خاصة، وبقولهم: فكتبنا له ألفاً وخمسمائة هم مع المسلمين حولهم، وأما قوله: ابتلينا فجعل الرجل لا يصلي إلا سراً، فلعله كان في بعض الفتن التي جرت».
1-1
تلحظ في الاقتباس السابق أنه لا إشارة لا من قريب ولا من بعيد على أن الهدف من الإحصاء لمن تلفظ بالإسلام هو دفع العطاءات. فكيف أتى مثل هذا الاستنتاج المفصلي لاقتصاد الأمة؛ بل إن أردنا الجمع بين الروايتين للشيخين البخاري ومسلم نقول أن الكتابة كانت لغرض الإحصاء، أي أنه كانت بالفعل هناك كتابة كما روى البخاري ولكن لغرض الإحصاء كما نص عليه مسلم. وما يدعم أنه لم يكن هناك عطاء هو تعجب الصحابة من طلبه صلى الله عليه وسلم للكتابة بقولهم متسائلين للرسول صلى الله عليه وسلم عن سبب الكتابة: «نخاف ونحن وخمسائة؟» كما في رواية البخاري، أو قولههم متسائلين: «يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟» في رواية مسلم. فبرغم سؤال الصحابة إلا أنه لم تكن هناك إجابة من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن التدوين هو لدفع العطاء. وهذا ما وضحه ابن حجر من أن الإحصاء لن يرفع البركة عن الجيش بإذن الله إلا إن كان هناك إعجاب بالذات كما حدث يوم حنين. فمن كل هذا قد يستنتج الفرد أن التدوين إنما هو لغرض الحصر لمعرفة المشاركين في الغزوة حتى يُعلم بعد الغزوة المستشهدين من المأسورين أو المتولين لا سمح الله ليتسنى للقائد اتخاذ القرار بالعودة أو البقاء في أرض المعركة أو أي سبب آخر، والله أعلم.
ألف
والآن لننظر لاقتباس آخر من كتاب «تخريج الدلالات السمعية للخزاعي، وبإمكانك قفزه أخي القارئ
الديوان
۵۲۷
لأنه سلك نفس المسلك الذي سلكه كل من الخياط والكتاني بالاستنباط من نفس الآثار بطريقة تشعرك أنه إنما مسلك واحد سار فيه الباحثون، فهم ينقلون من بعضهم البعض ببعض التصرف والزيادات. ونظراً لطول النص فقد اقتطفت منه بعض الاقتباسات ذات الصلة بموضوع الديوان:
هو
«الباب العاشر: في كاتب الجيش، وفيه خمسة عشر فصلاً، الفصل الأول في أمر النبي - عليه السلام بكتب الناس وثبوت العمل بذلك في عصره صلى الله عليه وسلم. روى البخاري رحمه ا الله بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس. فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل. فقلنا : نخاف ونحن ألف وخمسمائة، فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف. وروى مسلم رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم . فقام رجل فقال : يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك ) . ورواه البخاري رحمه الله تعالى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة. قال: ارجع فحج مع امرأتك). وأنشد ابن إسحاق في السير في أشعار يوم حنين لضمضم بن الحارث السلمي من الكامل إذ لا أزال على رحالة نهدة جرداء تلحق بالنجاد إزاري يوما على أثر النهاب وتارة كتبت مجاهدة مع الأنصار. ... الفصل الثاني: في ثبوت العطاء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى أبو داود رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل حظين، وكان لي أهل، ثم دعا بعدي عمار بن ياسر فأعطاه حظاً واحداً. وروى مالك في الموطأ رحمه الله تعالى عن القاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان إذا أعطى الناس أعطياتهم يسأل الرجل هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة، فإن قال نعم من عطائه زكاة ذلك المال. وإن قال: لا، أسلم إليه عطاؤه ولم يأخذ منه شيئاً. فوائد لغوية في أربع مسائل: المسألة الأولى في الفيء لغة: في الصحاح فاء يفيء ء فيئاً، رجع وأفاءة غيره رجعه، وفلان سريع الفيء من غضبه، وفي المحكم : فاء إلى الأمر وفاءه فيئاً وفيوءا، رجع إليه. وأفاء واستفاء كفاء. وفاء من غضبه، رجع. وإنه السريع الفيء، أي الرجوع. والفيء ما كان شمساً فنسخه الظل. وفاء الفيء تحول. المسألة الثانية في الفيء في الشرع، قال ابن شأس في الجواهر: الفيء كل مـال فـاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العنوة وأهل الصلح وخراج أرضهم وما صولح عليه الحربيون من هدنة وما أخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة وخمس الركاز وخمس المعادن. وقال أبو عبيد في كتاب الأموال : هو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله . المسألة الرابعة الأطماع في الكتاب المظفري الطمع رزق الجند أمر بأطماعهم أي بأرزاقهم. وفي المحكم: وأطماع الجند أرزاقهم، وقيل أوقات قبضها، واحدها طمع.
أخذ
....
الفصل الرابع: في وضع عمر رضي الله تعالى عنه الديوان والسبب لذلك: من تاريخ ابن الأثير: وفي سنة خمس عشرة من الهجرة فرض عمر رضي الله تعالى عنه الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا. ومن الأحكام السلطانية للماوردي: اختلف الناس في السبب الذي حمل عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك، فقال قوم إنه بعث بعثاً وعنده الهرمزان، فقال لعمر : هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف منهم رجل أخل بمكانه من أين يعلم به، فأثبت لهم ديوناً. فسأله عمر عن الديوان حتى فسره له. وقال آخرون سببه أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قدم عليه بمال من البحرين فقال عمر : ماذا
۵۲۸ 🗏
جئت به؟ فقال خمسمائة ألف درهم. فاستكثره عمر وقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات. فصعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه لكم كيلاً، وإن شئتم عددناه لكم عداً. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديواناً لهم، فدون أنت ديواناً، فاستشار عمر رضي الله تعالى عنه المسلمين في تدوين الدواوين. فقال علي رضي الله تعالى عنه: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئا. وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: أرى مالاً كثيراً يسع الناس ، وإن لم يحصوا حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر. فقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه: قد كنت بالشام فرأيت ملوكاً دونوا دواوين وجندوا أجناداً ، فدون ديواناً وجند جنوداً، فأخذ بقوله ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من شباب قريش، فقال: اكتبوا الناس على منازلهم. في الصحاح : الفرض العطية المرسومة ، يقال : ما أصبت منه فرضاً ولا قرضاً، وأفرضته إذا أعطيته، وفرضت له في العطاء وفرضت له في الديوان.
.....
الفصل السادس: في بيان قولهم في عمر رضي الله تعالى عنه إنه أول من دون الدواوين وفرض الأعطيات: قلت: قد ثبت بما تقدم من صحيح الحديث في صدر الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الناس وأنهم كتبوا في عصره صلى الله عليه وسلم، وأنه كان صلى الله عليه وسلم يقسم الفيء، وأن أبا بكر كان يعطي الناس الأعطيات. ثم اتفق أهل الأثر وأصحاب الأخبار والسير على أن . عمر رضي الله تعالى عنه أول من وضع الديوان في الإسلام وفرض الأعطيات، وهذا غير مخالف لما تقدم، فإنهم يعنون أنه أول من دون الدواوين للعطاء ورتب الناس فيها وقدر الأعطيات، ولأن كتابة الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت في أوقات نحو كتبهم حين أمر حذيفة رضي الله تعالى عنه بإحصاء الناس، ونحو كتب من تعين منهم في بعث من البعوث كما في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكذلك العطاء في عصره صلى الله عليه وسلم لم يكن في وقت معين ولا مقداراً معيناً، فلما كانت خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكثر الناس وجبيت الأموال وفرضت الأعطيات وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم وضع الديوان بعد مشاورته للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا كما قالوا في عثمان رضي الله تعالى».۲
۱۰۲
لعلك لاحظت أن ما سلكه الخزاعي مشابه لما سلكه الخياط والكتاني. فقد بدأ كما بدءا بحديث صحيح البخاري ثم حديث من اكتتب في الغزوة ولحق بامرأته للحج. إلا أن الخزاعي أضاف قصيدة شعرية لضمضم تشير إلى حدوث الإكتتاب في الغزو. ثم انتقل بعدها إلى ثبوت العطاء من حديث أبي داود، تماماً كما فعل الخياط والكتاني، إلا أنه هنا أضاف أعطيات أبي بكر الصديق وكيف أنه كان يقتطع الزكاة من الأعطيات. وكما ترى فلا دليل هنا على أن هناك ديواناً للجند تصرف منه الأعطيات. ثم انتقل الخزاعي إلى تعريف الفيء ومن ثم تعريف الأطماع، ولا إشارة في كلا التعريفين على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع سجلات لدفع الأجور للمقاتلين. ولكن الملفت للنظر هو تركيزه على تعريف كلمة « الأطماع على أنها رزق الجند بالقول: «والطمع رزق الجند أمر بإطماعهم، أي بأرزاقهم وفي المحكم وأطماع الجند أرزاقهم، وقيل أوقات قبضها، واحدها طمع». وهنا لابد لنا من مع الكلمة لأهميتها، فهي وكأنها تعني (كما جاء في «لسان العرب» الرجاء في الحصول على شيء يتمناه
وقفة
الإنسان أو ينتظر المزيد منه دون حق. تأمل الآتي من لسان العرب وبالذات في حديثه عن المرأة المطماع:
«طَمِعَ فيه وطَماعةً وطَمَاعِيةً، مخفف، وطَمَاعِيَّةً، فهو طَمِعُ وطَمُع: حرص عليه ورجاه، وأنكر بعضهم التشديد. ورجل طامعُ وطَمِعُ وطَمُعُ من قوم طمعين . وطَمَاعَى وَأَطْمَاعِ وَطُمَعاءَ، وَأَطْمَعَه غيره.
الديوان
۵۲۹
والمَطْمَعُ : ما طمع فيه. والمَطْمَعَة ما طمع من أجله. وفي صفة النساء: ابنة عشر مطمعة للناظرين. وامرأة مطماع: تطمع ولا تمكن من نفسها. ويقال: إن قول الخاضعة من المرأة لمطْمَعةُ في الفساد، أي مما يطمع ذا الريبة فيها. وتطميع القطر : حين يبدأ فيجيء منه شيء قليل، سمي بذلك لأنه يطمع بما هو أكثر منه؛ وأنشد ابن الأعرابي: كأن حديثها تطميع قطر يجاد به لأصداء شحاحا، لأصداء ههنا: الأبدان، يقول: أصداؤنا شحاح على حديثها. والطَّمَعُ: رزق الجند، وأطماع الجند: أرزاقهم. يقال: أمر لهم الأمير بأطماعهم، أي بأرزاقهم، وقيل: أوقات قبضها، واحدها طمع. قال ابن بري : يقال : طَمَعُ وأطماع ومَطْمَعُ ومَطَامِعُ. ويقال: ما أطْمَعَ فلاناً، على التعجب من طمعه. ويقال في التعجب طمعَ الرجل فلان بضم الميم، أي صار كثير الطمع، كقولك إنه لحسن الرجل، وكذلك التعجب في كل شيء مضموم، كقولك: خرجت المرأة فلانة إذا كانت كثيرة الخروج، وقضو القاضي فلان، وكذلك التعجب في كل شيء إلا ما قالوا في نعم وبئس رواية تروى عنهم غير لازمة لقياس التعجب، جاءت الرواية فيهما بالكسر لأن صور التعجب ثلاث: ما أحسن زيدا، أسمع به، كبرت كلمة، وقد شذ عنها نعم وبئس».
.
۱۰۳
الطمع، أي رزق الجند، ما أعجبها من كلمة فهي تصف بالضبط حال الجندي إن كان في ديوان ما ويقاتل من أجل المال، وهذا كما سترى في الصفحات القادمة بإذن الله في الحديث عن النية مضاد تماماً لما تحاول الشريعة فعله لأن الجندي قد تتأثر نيته الجهادية ولا تكون خالصة لله إن هو أخذ المال، وهذا ما لا يمكن أن يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم كما ستستنتج بإذن الله. كما أن استخدام كلمة «الطمع» للتعبير عن أرزاق الجند تعبير جد موفق لأنه إن كان الرزق حق للجندي قد قصه الله جل جلاله له، فهو لن يطمع فيه لأنه هو والمجتمع يدركان جيداً أن هذا الحق مدفوع له إن عاجلاً أو آجلاً، فلا حاجة للطمع، ولكن لأنه حق غير مؤكد وغير مستحق وصف بأنه طمع لأنه أخذ المال غير مستحق والله أعلم، ولأنه قابل للزيادة بالمزيد من الخنوع والولاء للسلطان أو من يمثله. ثم ينتقل الخزاعي إلى. ، وضع عمر رضي عنه الديوان ليثبت أن الديوان فعل استحدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، تماماً كما سلك الكتاني. إلا أن الخزاعي هنا يورد لنا ثلاث روايات عن سبب الديوان في عهد عمر رضي الله عنه: الرواية الأولى أن من الآثار ما يشير إلى أن الهرمزان (وهو فارسي غير مسلم) قد أشار على الخليفة عمر بن الخطاب أن يجعل الديوان لأنه إن أعطي رجلٌ عطاءً وتخلف عن الغزو، فمن ذا الذي سيعلم ذلك إن لم يكن هنالك ديوان؟ لذلك فهناك حاجة للديوان كما اقترح الهرمزان، وهكذا كانت جيوش الفرس المهزومة تعمل مقابل المال في دواوين. وكما سترى فإن كان الجهاد خالصاً لله، فلا يحق لأحد كالحاكم أن يفرض الخروج على الناس. وفي هذا حكم كثيرة سيأتي بيانها بإذن الله.
سبب
الله
استحداث
والرواية الثانية التي أوردها الخزاعي عن سبب استحداث الديوان في عهد عمر رضي الله عنه هو إتيان المال الكثير والذي حدى بأحد الصحابة للاقتراح على الخليفة بأن يفعل كما فعل الأعاجم عـندمـا دونوا الدواوين. فكانت المشورة من الإمام علي كرم الله وجهه ثم من عثمان بن عفان رضي الله عنه أن تدون أسماء من أخذوا حتى يُعلم من أخذ ممن لم يأخذ. لاحظ هنا أن هذا لا يعني أن الصحابيين المبشرين بالجنة (علي وعثمان) رضي الله عنهما قالا بتدوين الجند وتجنيدهم مقابل المال، بل تكلما عن طريقة تقسيم المال الكثير على عموم الناس. لاحظ أيضاً أن هذا المال لم يكن ليكثر إن قسم على الغانمين، فهو في معظمه خراج الأراضي التي فتحت عنوة ولم تقسم كما رأينا في الفصل السابق. أما الرواية الثالثة عن سبب استحداث الديوان في عهد عمر رضي الله عنه، وهي المشورة الأهم،
٥٣٠ 🗏
فقد أتت من خالد بن الوليد رضي الله عنه والذي اقترح قائلاً: «فدون ديواناً وجند جنوداً». ثم يقول الخزاعي أن الخليفة عمر بن الخطاب أخذ بقول خالد بن الوليد. وفي المحصلة فكما ترى فإن الديوان كسجل للجند أتى إما من مجتمع فارسي (الهرمزان) أو مجتمع رومي (الشام)، أي أنه أتى من مجتمع غير مسلم، لذلك فقد يصطدم هذا المفهوم الغريب مع ما أنت به الشريعة، ولأن الإسلام في مسائل الحقوق أتى مكتملاً كما سترى بإذن الله، فقد ظهـر الاصطدام متمثلاً في ذل الأمة. فالديوان ليس مسألة تقنية، بل هو في صلب الحقوق.
وأخيراً، فإن الخزاعي يلتفت إلى أنه قد قدم فكرتين مختلفتين: الأولى هي أن الديوان كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والثانية هي أنه أمر استحدث في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. فيحاول في الفصل السادس الجمع بينهما بقوله: «قلت: قد ثبت بما تقدم من صحيح الحديث في صدر الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الناس، وأنهم كتبوا في عصره صلى الله عليه وسلم، وأنه كان صلى الله عليه وسلم يقسم الفيء، وأن أبا بكر كان يعطي الناس الأعطيات. ثم اتفق أهل الأثر وأصحاب الأخبار والسير على أن عمر رضي الله تعالى عنه أول من وضع الديوان في الإسلام وفرض الأعطيات، وهذا غير مخالف لما تقدم، ...». أي أن الثابت في كل هذا هو أن الديوان كسجلات للعطاء أو الأطماع للجند لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم. فلم تكن هناك طبقية متجذرة في المجتمع المسلم: هذه عسكرية وتلك لا عسكرية (أي فلاحية أو رعوية أو تجارية). إلا أن الديوان قسم المجتمع. لاحظ ما جاء في كتاب «الكامل في التاريخ» من خ» مثلا، ففيه مؤشر على كيفية الأخذ من الأمم الأخرى حتى وإن خالف الأخذ الشرع. ولاحظ كيفية تقبل التقسيم في آخر الاقتباس إذ يقول:
«ذكر ما فعله كسرى في أمر الخراج والجند: كان ملوك الفرس يأخذون من غلات كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها من بعضها الثلث ومن بعضها الربع وكذلك الخمس والسدس على قدر شربها وعمارتها ومن الجزية شيئا معلوما فأمر الملك قباذ بمسح الأرضين ليصح الخراج عليها فمات قبل الفراغ من ذلك فلما ملك أنوشروان أمر باستتمام ذلك ووضع الخراج على الحنطة والشعير والكرم والرطب والنخل والزيتون والأرز على كل نوع من هذه الأنواع شيئا معلوما ويؤخذ في السنة ثلاثة أنجم وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب. وكتب كسرى إلى القضاة في البلاد نسخة بالخراج ليمتنع العمال من الزيادة عليه وأمر أن يوضع عمن أصابت غلته جائحة بقدر جائحته وألزموا الناس الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات والجند والهرابذة والكتاب ومن في خدمة الملك كل إنسان على قدره اثني عشر درهما وثمانية دراهم وستة دراهم وأربعة دراهم وأسقطها . عمر عمن لم يبلغ عشرين سنة أو جاوز خمسين سنة. ثم إن كسرى ولى رجلا من الكتاب من الكفاة والنبلاء اسمه بابك عرض جيشه فطلب من كسرى التمكن من شغله إلى ذلك فتقدم ببناء مصطبة موضع عرض الجيش وفرشها ثم نادى أن يحضر الجند بسلاحهم وكراعهم للعرض فحضروا فحيث لم ير معهم كسرى أمرهم بالانصراف فعل ذلك يومين ثم أمر فنودي في اليوم الثالث أن لا يتخلف أحد ولا من أكرم بتاج فسمع كسرى فحضر وقد لبس التاج والسلاح ثم أتى بابك ليعرض عليه فرأى سلاحه تاما ما عدا وترين للقوس كان عادتهم أن يستظهروا بهما فلم يرهما بابك معه فلم يجز على اسمه وقال هلم كلما يلزمك فذكر كسرى الوترين فتعلقهما ثم نادى منادى بابك وقال للكمي السيد سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز على اسمه فلما قام عن مجلسه حضر عند كسرى يعتذر إليه من غلظته عليه وذكر له أن أمره لا يتم إلا بما فعل فقال كسرى ما غلظ علينا أمر نريد به إصلاح دولتنا ومن كلام كسرى الشكر والنعمة عدلان ككفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن
له
الديوان
ذلك
يزاد فيه حتى يعادل صاحبه فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمد فكثير النعم يحتاج إلى كثير من الشكر وكلما زيد في الشكر ازدادت النعم وجاوزته ونظرت في الشكر فوجدت بعضه بالقول وبعضه بالفعل ونظرت أحب الأعمال إلى الله فوجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض وأرسى به الجبال وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية وهو الحق والعدل فلزمته ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها قوام الحياة للناس والدواب والطير وجميع الحيوانات. ولما نظرت في وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة وأهل العمارة أجراء للمقاتلة فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم. ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤنتهم وعمارتهم ولم أجحف بواحدة من الجانبين ورأت المقاتلة وأهل الخراج كالعينين المبصرتين واليدين المتساعدتين والرجلين على أيهما دخل الضرر تعدى إلى الأخرى ونظرنا في سير آبائنا فلم نترك منها شيئا يقترن بالثواب من الله والذكر الجميل بين الناس والمصلحة الشاملة للجند والرعية إلا اعتمدناه ولا فسادا إلا أعرضنا عنه ولم يدعنا إلى حب ما لا خير فيه حب الآباء ونظرت في سير أهل الهند والروم وأخذنا محمودها ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل إليه أهواؤنا وكتبنا بذلك إلى جميع أصحابنا ونوابنا في سائر البلدان، فانظر إلى هذا الكلام الذي يدل على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على منع النفس ومن كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل إلى أن تقوم الساعة» . .
1-2
المسلك الثاني: التقليد
٥٣١
قلت أن هناك مسلكين حول السؤال: لماذا لم يقم الفقهاء على الديوان الذي أحال العمل العسكري إلى
بسبب
وظيفة؟ والأن سأوضح المسلك الثاني والذي هو أساساً التقليد بين الفقهاء (تذكر الإيجابيات الإشكالية . كثرة المال فجأة وعدم تقسيم الغنائم كما ذكرت في الفصل السابق، فلم تقسم المناطق المفتوحة بعد سواد العراق تقليداً لسواد العراق، وقبل الديوان كمؤسسة تتولى تقسيم الأموال، فدخلت الفتاوى كتب الفقهاء عن الديوان والتي نقلت من فقيه لآخر وانتشرت في كتب الفقه، فظن اللاحقون من الفقهاء أنها حق، وهي ليست كذلك لأنها تعارض آية الغنائم وتعارض فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والله أعلم. ولأضرب مثالاً واحداً: فقد جاء في «المدونة الكبرى» مثلاً: «قلت: أرأيت الديوان، ما قول مالك فيه؟ قال: أما مثل ديوان مصر والشام وأهل المدينة ومثل دواوين العرب فلم ير مالك به بأساً وهو الذي سألناه عنه». فكما ترى من هذا النص فهو غير مدعوم بقال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل، وسنأتي على نصوص أخرى للفقهاء بإذن الله لتأكيد المسألة. فيكون السؤال هو: لماذا قلد الفقهاء بعضهم بعضاً ولم يقفوا ضد الديوان؟ إن التفسير الواضح الذي وجدته يأتي من نص لابن تيمية يقول فيه: «اتفق العلماء» على ذلك. فلعل النص الآتي يوضح سبب ذهاب الفقهاء إلى دفع الأموال للمقاتلين المرتزقة. فمن النص الذي ذكرته في الفصل السابق لابن تيمية كان الآتي:
«ومن الفيء ما ضربه عمر رضى الله عنه على الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها كأرض مصر وأرض العراق إلا شيئاً يسيراً منها وبر الشام وغير ذلك، فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير الأئمة كأبي حنيفة ومالك وأحمد، وإنما يرى تخميسة الشافعي وبعض أصحاب أحمد. وذكر ذلك رواية عنه.
٥٣٢ 🗏
قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أن في الفيء خمساً كخمس الغنيمة. وهذا الفيء لم يكن ملكاً للنبى في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: كان ملكاً له. وأما مصرفه بعد موته فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار. فإن تقويتهم تذل الكفار ، فيؤخذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة على قولين للشافعي ، ووجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يختص به المقاتلة بل يصرف فى المصالح كلها. وعلى القولين يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء، فإن الشافعي قال : ينبغى للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة، وهو من بلغ ويحصى الذرية، وهي من دون ذلك والنساء إلى أن قال: ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم، ويعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم . قال : والعطاء من الفيء لا يكون إلا لبالغ يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه فى أنه ليس للمماليك فى العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال : فإن فضل من الفيء شيء وضعه الإمام في أهل الحصون والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما يقوى به المسلمون فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال. ...». تلحظ من النص السابق أخي القارئ من قول ابن تيمية رحمه الله: «وأما مصرفه بعد موته فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار. فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ الفيء»، وبالذات من عبارة: «فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين»، أن السبب في إنفاق الأموال على
ليؤخذ
منهم
الجند ليس سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو الاتفاق بين العلماء حتى يزداد المسلمون قوة فيتم إذلال الكفار منهم المزيد من الفيء. وكما سأثبت بإذن الله، فإن الذي حدث هو العكس، أي أن الإنفاق على الجند كما قلت مراراً سينهك الأمة للحكم الثلاث السابقة. والآن لننظر لاقتباس آخر مهم من كتاب الأم للشافعي رحمه الله. لاحظ قوله: «أن الديوان محدث» وعبارة: «لم يكن ديوان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم» في الآتي: «قال الشافعي رحمه الله : القول ما قال الأوزاعي. وقد زعم أبو يوسف أن السنة جرت على ما قال وعاب على الأوزاعي أن يقول قد جرت السنة بغير رواية ثابتة مفسرة ، ثم ادعاها بغير رواية ثابتة ولا خبر ثابت، ثم قال : الأمر كما جرى عليه الديوان منذ زمان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو لا يخالف في أن الديوان محدث في زمان عمر وأنه لم يكن ديوان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا صدر من خلافة عمر وأن عمر إنما دون الديوان حين كثر المال والسنة إنما تكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل بسهم فهذا الدليل على ما قال الأوزاعي لأنه لا . عنده ولا عنده إلا لمن حضر القتال فإذا لم يكن حاضر القتال فارساً فكيف يعطى بفرسه ما لا يعطى ببدنه ...». لاحظ أن التوزيع للفارس ثلاثة أسهم وللراجل
يسهم
160
سهم هو بعد المعركة وليس أجراً لعمل عسكري قادم».°.
ولكنك قد تقول : لقد اتفق الفقهاء وانتهى الأمر، وكذلك الصحابة في المدينة المنورة، ومن أنت يا جميل
غ ۲
حتى لا توافقهم؟ فماذا عن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة ؟ وماذا عن قول ابن مسعود:
ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن؟
فأجيب: حجتي الأولى هي أنه إن كان هناك إجماع على الدواوين فقد شملت في نفس الوقت دواوين الجند
ودواوين العطاء عندما قسم عمر بن
الخطاب رضي
الله
عنه الأموال بالمفاضلة من خلال الدواوين حتى أنه شمل
الديوان
٥٣٣
الأغنياء. وهذا ما لم يذهب إليه الإمام الشافعي وبعض أصحاب أحمد رحمهم الله كما مر بنا في الفصل السابق عندما لخص ابن تيمية مصارف الفيء وخمس الغنائم بالقول: «... لكن مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد أنه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر المال أعطا عامة المسلمين، فكان لجميع أصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب غنيهم وفقيرهم...... فإن كان هناك إجماع لما خالفه الشافعي وبعض أصحاب أحمد رحمهم الله.
منهم.
ومن جهة ثانية، فإن الصحابة في واقع الأمر لم يجمعوا على هذه المسألة لأنهم لم يجتمعوا أبداً في مكان واحد لمناقشة شرعية الدواوين فقد اتخذ القرار في المدينة المنورة كما تشير الآثار في وقت كان الصحابة فيه قد تفرقوا في الأمصار كالعراق والشام أي أنه لم يكن هنالك أي إجماع. وهنا أذكرك أخي القارئ بما مر بنا سابقاً من کتاب «اعلام الموقعين» من إنكار ابن القيم الجوزية على من أدعى الإجماع بأنه إنما يكذب عندما قال: «فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا. هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن بقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغنا . وقال في رواية المروزي كيف يجوز للرجل أن يقول أجمعوا؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال إني لم أعلم مخالفاً كان. وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب ما علمه أن الناس مجمعون ولكن يقال: ما أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله إجماع الناس». وأخيراً تذكر أن بعض الصحابة لم يرضوا بقسمة سواد العراق، بل احتجوا على عدم القسمة والتي منها أتت بعض هذه الأموال الكثيرة. ومن هؤلاء الصحابة الذين اعترضوا على عدم القمسة الزبير بن العوام وبلال بن رباح رضي الله عنهما كما ذكرت وأسوق هنا مثالاً واحداً إضافياً للكثير من الأمثلة التي ذكرتها سابقاً. فقد قال القرطبي في تفسيره:
هامش
غـ۲) جاء في مجمع الزوائد: «وعن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول بالقوي. وروي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم قال: سألت ربي عز وجل أربعاً فأعطاني وسلم: (لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة ابداً)، رواه الترمذي وقال ثلاثا ومنعني واحدة، سألت الله عز وجل أن لا تجتمع أمتي على غريب ممن هذا الوجه، قلت وفي إسناده سليمان بـن سـفـيـان وهـو ضلالة، فأعطانيها؛ وسألت الله عز وجل أن لا يهلكهم بالسنين كما ضعيف عند المحدثين». وجاء في التبصرة: «ويدل عليه من السنة ما أهلك الأمم قبلهم، فأعطانيها ؛ وسألت الله عز وجل أن لا يظهر عليهم روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا تجتمع أمتي على عدواً، فأعطانيها؛ وسألت الله عز وجل أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق ضلالة). وروى: لا تجتمع أمتي على الخطأ). وقال لم يكن الله بعضهم بأس بعض فمنعنيها ، رواه أحمد والطبراني وفيه را و لم ليجمع هذه الأمة على الخطأ» (١٠٦). يسم»، وقال النووي عن الحديث: «وأما حديث لا تجتمع أمتي على (۳) جاء في مسند الإمام أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو ضلالة فضعيف انتهى». وجاء في الإحكام لابن حزم: «قال أبو بكر ثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله محمد: وقد روي أنه عليه السلام قال: (لا تجتمع أمتي على ضلالة، نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب ( وهذا وإن لم يصح لفظه ولا سـنــده فـمـعـنـاه صحيح بالخبرين العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد المذكورين آنفا». وجاء في الإبهاج: «قال رسول الله صلى الله عليه قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه وسلم: (إن الله أجاركم من ثلاث: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على رأوا سيئا فهو عند الله سيئ»، وجاء في المعجم الأوسط بلفظ مختلف: ضلالة)، وسنده جيد. وروى معاذ بن رفاعة عن أبي خلف الأعمى ... عن شقيق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله عز وجل عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أمتي لا اطلع في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، ثم اطلع في تجتمع على ضلالة)، الحديث أخرجه ابن ماجه ومعاذ ضعفه ابن قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، معين وغيره، قال السعدي وأبو حاتم الرازي ليس بحجة، وقال ابن فاختارهم لدينه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند حبان: استحق الترك، وقال الأزدي: لا يحتج بحديثه ولا يكتب، وأما الله حسن ، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيء» (١٠٧). أبو خلف فكذبه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث ليس
٥٣٤ 🗏
وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة أن . أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من
عمر
الغنائم لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة والذراري، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك فقيل إنه استطاب أنفس أهل الجيش، فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة، ومن أبى أعطاه ثمن حظه، فمن قال إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قسم خيبر لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفس بمنزلة قسمها، وقيل إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش ...».
تقبلها
ولعل حجتي الثانية هي الأقوى هنا: إن القول بأن في القرآن الكريم آيات منسوخة مسألة يصعب ناهيك عن إثباتها. فهذا كلام الله عز وجل الذي يعلم الغيب. فلكل آية ظن أنها منسوخة قول ينقضه. ولكن إن قبلنا بالنسخ، فإن قسمة أموال الفيء بين من لم يذكروا في الآية تخالف آية الفيء كما بينت في الفصل السابق. وكما سيأتي بعد عدة صفحات بإذن الله فهناك اقتباس موفق لابن قدامة عن الناسخ والمنسوخ يوضح فيه أن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يجب ألا تترك إلا بنسخ، وأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وإنه إن كان هناك نسخ فلن يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يكون إلا بنص، ولا نص بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقراض زمن الوحي عن نسخ آية الفيء، ولأن القرآن الكريم لا ينسخ إلا بالقرآن، فإن آية الفيء إذاً غير
منسوخة أبداً.
حد ذاته سنة الثالثة فهي باختصار: إن عدم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لشيء ما لهو في - أما حجتي . يجب أن تتبع. كيف؟ تذكر ما قلناه في أول هذا الفصل من أن الأهم في الفتوى هو السؤال: هل نحن بحاجة للفتوى؟ فإن كانت هناك حاجة للفتوى يكون السؤال عندئذ : هل كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك الشيء؟ أي في حالتنا هذه: هل كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم دفع العطاءات للجند؟ فإن كان بإمكانه ولم يفعل، عندها يكون السؤال: لماذا لم يفعل؟ إن تمكنا من الإجابة على هذا السؤال، عندها ننظر: هل حاجتنا للفتوى لها مبرر يفوق عدم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وكما هو واضح في هذه الحالة فقد كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم دفع العطاءات للجند (فقد غنم الكثير بعد غزوة حنين مثلاً)، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل، وهذه . ه أي أن السنة هنا . الحرص على عدم دفع العطاءات للجند. هنا أقول: إنه عليه وسلم لم يفعل برغم أن الأمم الأخرى في عهده كالفرس والروم كانوا يعطون العطاءات للجند وهو
صلی
الله
هي
سنته.
هي
صلوات ربي وسلامه عليه يعلم ذلك دون شك. فهو لم يفعل ذلك لأنه رسول مأمور من ربه ورب الفرس ورب الروم الذي يعلم كل شيء جل جلاله، أي أنه ينفذ ما يأمره به ربه العليم الحكيم الخبير. فليس فمه فقط صلوات ربي وسلامه عليه الذي لا ينطق عن الهوى، بل جميع أفعاله أيضاً لا تنطلق من هوى. فما يراه المسلمون حسناً يجب أن يُتبع إن لم يخالف سنته صلى الله عليه وسلم، وقد كانت سنته في عدم العطاء للجند. ولن تجتمع أمة الرسول صلى الله عليه وسلم على ضلالة إن كان ذلك الاجتماع على أمر لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم: وفعله هو عدم توزيع العطاءات على الجند. وهذه سنة يجب أن تتبع.
وهنا أريد أن أثير مسألة جوهرية من السابق: إن السنة ليست فقط في التأسي بكل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أيضاً بتلافي كل ما لم يفعله في مقصوصة .الحقوق. ففي المسائل التعبدية التي تربط الإنسان
الديوان
٥٣٥
بالله عز وجل، فلا حق لي في التصدي للمسألة لأنها خارج دائرة الكتاب. أما مسألة حقوق الآدميين، أو مقصوصة الحقوق، وكما قلت سابقاً، فالحق واحد ولا يمكن أن يجتمع لاثنين. ذلك لأن إعطاء الحق لفرد أو جماعة دون اتباع السنة سيؤدي بالضرورة إلى هضم حقوق الآخرين مما يؤدي لاختلال الأمة حقوقياً وبالتالي ضعفها كما سأثبت بإذن الله. فإن أعطى العلماء الدولة حق الموافقة على إصدار تصاريح للبناء مثلاً، فإن الدولة لن تستطيع فعل ذلك إلا من خلال موظفين، وهكذا يصبح هؤلاء الموظفون في موقع قد يستبدون فيه بالآخرين بتأخير التصريح عمن أرادوا وتسريعه لمن أرادوا. وهكذا كل حق آخر، فكل حق يُعطى سيقابله حق مفقود. وفي حالتنا هذه، فإن مجرد إخراج العطاءات للجند سيجعلهم ذوي طبقة اجتماعية متميزة لها تمتعاتها واستهلاكاتها وسلبياتها المعروفة. كما أن المال الذي يأخذونه هو من الأموال التي كان المفترض بها أن تكون لأناس آخرين سينتجون، فمن أين تأتي الأموال إن لم تأت من إنتاج أيدي الناس ؟ " وستتأكد من هذه المسألة من خلال الفصول القادمة بإذن الله وستقتنع إن شاء الله أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحقوق ليست فقط في اتباع ما أمر به أو نهى عنه لفظاً، و ، بل حتى ما فعله وما لم يفعله. ومما فعله هو عدم إعطائه لأي إنسان أي دينار أو درهم كعطاء مقابل الجهاد لذلك، ولعلك لاحظت، كنت في السابق أقول بأن ما يجب أن يتبع هو قال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل. فقد كنت أركز على «فعل». وفعل هذه تشمل بالطبع ما لم يفعل.
۱۰۸
وإن علم الفقهاء أن اتفاقهم على صرف الأرزاق على الجند المقاتلين سيوجد في مستقبل الأيام جيوشاً تحارب الشعوب المسلمة لما ذهبوا لذلك، رضوان الله عليهم. لأوضح هذه المسألة ثم أعود للموضوع: ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد : كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله). وجاء في صحيح مسلم أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله ) .١٠٨ وهؤلاء هم جنود الشرطة الذي يحاربون المواطنين الذين يطالبون بحقوقهم. ألم يصل تعداد من يعملون لحفظ نظام حسني مبارك في مصر إلى مليوني فرد؟ وكان جهاز أمن الدولة من أشدهم بطشاً وإذلالاً للشعب المصري؟ ولكنك قد تقول: هذه هي الجيوش على حدود الدول في ديار المسلمين ولا تحارب شعوبها، بل تدافع عنهم . فهي تدافع عن الدول الإسلامية، كل دولة في حدودها. فأقول: لن يحتاج المسلمون للقوة العسكرية إلا في حدود العالم الإسلامي الخارجي، أي مع العالم غير المسلم. أما داخل العالم الإسلامي وبين القوميات المفتعلة فلا حاجة للجيوش. فهل تحتاج العراق لقوة عسكرية إلا إن أرادت ضرب الكويت؟ إن الجيش المصري على حدود السودان مجهز لضرب السودانيين، والعكس صحيح، والجيش المغربي على حدود الجزائر مجهز لضرب الجزائريين والعكس صحيح، وهكذا. فإن نظرت إلى خريطة العالم الإسلامي تجد أن الحدود البينية بين الدول الإسلامية حدوداً وضعية مفتعلة وطويلة جداً وبها قوات عسكرية على الجانبين لا للدفاع عن الإسلام ولكن للدفاع عن أنظمة السلاطين. فالبحريني لا إشكالية لديه مع القطري، والمصرية لا إشكالية لديها مع الليبية، والسوري لا إشكالية لديه مع الأردني، بل هم السلاطين الذين يتمشكلون فيما بينهم ثم يسخرون القوات العسكرية لتحقيق مصالحهم، وهذا أمر معلوم. وكما ستستنتج من فصول قادمة بإذن الله ، فإن الفروقات البينة بين القوميات الآن (كالسوري واللبناني ستزول مع تطبيق الشريعة، وليس كوضعنا المعاصر الذي تُكثف فيه الأنظمة الحاكمة الإحساس بالقوميات على حساب الإسلام. فالحدود
٥٣٦ 🗏
د
الفاصلة بين الدول والتي تحبس الناس والمنتجات والخبرات والعلوم والثقافات داخل حدودها تزيد الفروقات الثقافية والاقتصادية بين القوميات (علماً بأن القوميات تعبير دخيل على الإسلام، إذ من المفترض إن طبقت مقصوصة الحقوق ألا يكون لها أي تأثير على الصعيدين الاقتصادي والسياسي بين أبناء الأمة الواحدة). هكذا تتم زيادة التباين بين القوميات والتي تقنع المواطنين بأنهم مختلفون عمن يجاورونهم من الشعوب وأن للدولة الحق في الأموال لإيجاد جيش للدفاع عن قوميتهم تجاه الجيران . وهذا بالطبع منطق يرفضه الإسلام. ولعلك ترى هذا التباين بين القوميات يتجلى بوضوح في مباريات كرة القدم بين الفرق التي تمثل شعبين متجاورين مثل قطر والبحرين مثلاً. وكما ستستنتج بإذن الله، فإن الأمة المسلمة إن طبقت الشريعة ستصبح نسيجاً واحداً برغم التباينات المحلية في المأكل والملبس فهي أمة واحدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي وذات تجانس عجيب يكون الجميع فيه منتجين ومكتفين، وبالتالي مقتدرين على المبادرة في كل شيء فيستحيل معها قهرهم، إنما هم متحدون ضد عدوهم الذي حدده لهم ربهم، وهذا العدو بالطبع هو غير المسلمين، فلن تجد مؤمناً يوالي كافراً، فعقيدة الولاء والبراء هذه أشهر من أن توضع هنا. قال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ . وقال تعالى في سورة النساء: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. وفي نفس السورة أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنًا مُّبِينًا﴾. هكذا، وبهذه الموالاة بين المسلمين تذوب التباينات بين الشعوب في السلوكيات والأخلاقيات والتعاملات حتى وإن كانت هناك تباينات تفرضها جغرافيات المناطق المختلفة في الملبس والمأكل مثلاً. وبهذا تتحد الأمة فتصبح نسيجاً واحداً يصعب على الأمم الأخرى حتى المساس به (ولعلك تقول عن السابق بأنه حلم، وأن التاريخ أثبت لنا قبل الإسلام وبعده أن الحروب والنزاعات بين سكان المناطق المتجاورة كالقبائل والقوميات كانت أمراً شائعاً. أخي القارئ: إن الإجابة على هذا التساؤل تطول وستأتي في فصول قادمة بإذن الله، إلا أنني وضعت فكرة عن الإجابة في الهامش حتى لا نخرج عن الموضوع).
هامش
هـ ٣
جـ) ولعلك تتعجب قائلاً: ولكن الدولة تأخذ الأموال من المعادن للمعادن إن هم وغيرهم رحلوا لتلك المناطق كما سيأتي بيانه في فصل التي وهبها الله لها في أرضها وليس من الناس كما في دول الخليج الغنية «ابن السبيل» بإذن الله.
بالنفط مثلاً. فأجيب : إلا أن هذه الدول تمنع الناس من أخذ النفط، هـ) لقد كانت معظم الحروب بين القبائل قبل الإسلام على الموارد فإن وقع النفط في أيدي الناس كما أراد الإسلام كما وضحت في فصل أو أخذاً بالثأر . فقد كانوا يتنازعون على مراع لدوابهم أو على بئر لماء «الخيرات»، فإن الأمة ستزداد ثراء وقوة، كما سترى بإذن الله . أو واد به واحة أو قمة جبل لإستراتيجيته. وهذه لم تكن حقوقها قد د٣) فتجد المغربي على قناعة أن الجزائر أخذت جزءاً من الصحراء قصت قبل الإسلام، وكذلك مسائل الثأر. أما بالنسبة للحروب بعد الذي كان أصلاً للمغرب بسبب الإعلام الموجه من الدولة، وكذلك الإسلام بين القبائل فقد استمرت لأن المطامع بين القبائل تمكنت من الجزائري يظن العكس، ولعلهما يقتتلان مع بعضهما إن أصبحا تحريك هذه القبائل المسلمة التي لم تكن تحكم في هذه الحقوق بما جنديين ظانين أنهما سيستشهدان كما ستعلن ذلك قنوات الإعلام في شرع الله . والسبب في ذلك هو أن القرارات القتالية كانت في أيدي البلدين، علماً بأنهما المغربي والجزائري) كفردين لن يستفيدا من رؤساء القبائل الذين كانوا يحركون الناس، وليس اتباع الحق، بل اتباع الصحراء إلا إن طبقت الشريعة ، لأنهما ممنوعان من أخذ المعادن من ما يقوله رئيس القبيلة. وهذا السبب تعزز لأن مصادر التمكين مثل تلك الصحراء إلا بموافقة السلطات. ولكن مع تطبيق الشريعة، فلن الأموال أو السماح باستخدام مرعى ما كان في الغالب في يد رئيس يقتتلا، بل وسيستفيدان من الصحراء لأنهما سيتمكنان من الوصول القبيلة أو رئيس الدولة، فيخضع له الناس. وهذا وضع مشابه للديوان
الديوان
۵۳۷
ومن جهة أخرى، فقد ظهرت شتى أنواع المؤسسات الحكومية السرية كالمباحث والاستخبارات وما شابه من دوائر حكومية للتجسس ومن ثم للهيمنة على الشعوب داخل حدود الدول. فمن خلال الديوان بدعوى تجهيز الجيش للدفاع عن المسلمين ضد الكفار حصلت الحكومات على الحق في الحصول على الأموال لهذه النفقات (كما سيأتي بيانه بإذن الله)، فكانت بالإضافة للفيء تأخذ في العصور اللاحقة المكوس بجميع أنواعها ليزداد المال لديها ليغطي النفقات المتزايدة جيلاً بعد جيل حتى عصرنا الحاضر الذي ظهرت فيه وزارات الدفاع والداخلية بأجهزتها القمعية ورجالها الذين يحمون الدول التي تحكم بغير ما أنزل الله. فإن علم الفقهاء رضوان الله عليهم أن هذا سيحدث، لما اتفقوا على صرف العطاءات للجند، والله أعلم.
وكما رأيت في الفصلين السابقين، فإن طبقت الشريعة فإنه لا مال للدولة إلا القليل" لأن الأموال قد قسمتها آيات الصدقات والغنائم والفيء للمخصصين أو للمسمين في الآيات الثلاث كما مر بنا. وهذا القليل الذي كان يتجمع لبيت المال أو الذي كان للرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان ينفقه صلوات ربي وسلامه عليه على المحتاجين من الناس ولم يصرفه كعطاءات على الجند. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى قضاء الدين عمن توفى وهو مديون كما مر بنا ، وكان يعطي الفقير والبائس والمحتاج كما رأينا. فلم أجد أي نص أو أي رواية حتى وإن كانت ضعيفة تفيد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع مالاً لرجل قبل الغزوة لقاء عمله العسكري، بل تجد عبارة: «الكراع والسلاح» منتشرة في كتب الفقه عندما تتحدث عن إنفاق الرسول صلى لماله. فقد الله عليه وسلم كان صلوات ربي وسلامه عليه إن كان لديه فائض ينفقه في شراء الكراع والسلاح لتجهيز المجاهد الذي لا يجد ما يجهز به نفسه دون أن يعطيه مالاً كعطاء منتظم ليجنده للجهاد. وكذلك فعل الخلفاء من بعده في أمواله صلوات ربي وسلامه عليه. كما أن الرسول صلوات ربي وسلامه عليه حرص على تخليص الأسارى من أسرهم من أموال الفيء. فقد جاء في صحيح البخاري: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: « أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني)، قال: سفيان والعاني الأسير». ١١٠ ويقول ابن قدامة موضحاً:
هامش
ز
۱۱۰
الذي أعطى السلطان المال لتحريك الرجال في ما يهواه. لكن إن (و) والذي يمكن تحديده في السهمين من خمس الخمس من الغنائم أو طبقت الشريعة فإن للناس الحق في الوصول للموارد بأنفسهم دون خمس الفيء والذي كان من حق الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي إذن من رئيس القبيلة أو السلطان. وبهذا يضمحل سلطان الرئيس أو كان صلوات ربي وسلامه عليه ينفق منه على الكراع والسلاح وليس الحاكم، فلا يستطيع أن يوجه الناس لقتال بعضهم البعض. فالقتال إن على الأفراد كعطاءات مقابل الخدمة العسكرية. هذا بالإضافة إلى لم يكن جهاداً في سبيل الله ويؤدي للجنة فهو أكره ما يكون على اللقطات وتركات المسلمين التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يرد عليه النفس في العموم. وعندما ينطلق الناس وراء أرزاقهم ومصالحهم لأن كأحد الزوجين وديات القتلى الذين لا أولياء لهم، وهكذا من أموال
الموارد بأيديهم كما تحكم الشريعة، فعندها تتفتت الجماعات المبنية بسيطة تتجمع لبيت المال. على العرق المحض في العالم الإسلامي إلى وحدات تجمعها مصالح (۳) وقد مر بنا هذا الأمر في الفصل السابق: فقد جاء في «طلبـة الإنتاج بالإضافة للعرق، كالشركاء في صناعة ما، أو كالمشتركين في الطلبة» مثلاً: «واستشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه المسلمين في مزرعة ما كما سترى في فصل «الشركة » بإذن الله. وهذه التكتلات سهم ذوي القربي فرأوه أن يجعلوه في الكراع والسلاح، أي شاور التي تجمعها المصلحة والتي قد تكون عرقية كأبناء قبيلة ما أو حتى الصحابة وسألهم أن يشيروا عليه بالصواب في سهم ذوي القربى أين قد تكون لاعرقية أحياناً، ستتلافى القتال فيما بينها لأن المسبب يصرف السهم الذي كان لأهل قرابة النبي عليه السلام في خمس الرئيس للقتال (الموارد) قد انتفى. وهذا يحدث فقط عندما تسمو الغنيمة في حال حياته وسقط بإجماع الصحابة بمعرفتهم بزوال سببه الأمة بعد تطبيق مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله في فصل وهو النصرة، فرأوا أي استصوبوا أن يشتروا به الكراع أي الخيل «البركة». فلن يكون هناك قتالاً إلا مع الكفرة بإذن الله. وما ذلك على والسلاح أي أسلحة الغزاة ...». وجاء في فتح الباري: « : «... قال عمر بن شبة: سمعت أبا غسان هو محمد بن يحيى المدني يقول: إن الصدقة
الله الكريم الجواد بعزيز.
۵۳۸
«فصل: ويجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق. ويروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي: على من فكاك الأسير؟ قال: على الأرض التي يقاتل عليها. وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني). وروى سعيد بإسناده عن حبان بن جبلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم، ويؤدوا عن غارمهم . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفكوا عانيهم بالمعروف. وفادى النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل، وفادى بالمرأة التي استوهبها من
الأكوع رجلين».
۱۱۱
سلمة
بن 🗏
فتأمل هذا الحرص من الرسول صلى الله عليه وسلم والذي كان واضحاً في سيرته بتقديم الإنفاق على الأفراد «إلا» في دفع الأموال للأفراد للعمل العسكري، ليأتي الديوان فيفعل عكس ذلك. أما بخصوص ما ورد في آية الصدقات من أن جزءاً من أموال الزكاة تنفق في سبيل الله (أي أحد المصارف الثمانية)، فإن هذه أموال تخرج من الناس وإلى الناس كما مر بنا في فصل «الأموال» وليست أموالاً من الدولة للناس. حتى وإن فسرت على أنها أموال تؤخذ من الناس للدولة ثم تنفق على الجيش فهي ليست عطاءات للأفراد، بل نفقات للتجهيز الحربي للخروج لغزوة ما دونما سجلات تضع الجند في دواوين ذات عطاءات مستمرة كما سيأتي بيانه بإذن الله.
ح
كنت قد تحدثت عن ضرورة الالتزام بالنص وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل. وأريد هنا أن أضيف دليلاً نصياً آخر مهم. قال صلوات ربي وسلامه عليه: (إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة فقيل له: ما الواحدة؟ قال: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). وبرغم أن الترمذي قال عنه إنه: «حديث حسن صحيح»، وبرغم أن الحاكم قال عنه أنه صحيح على شرط مسلم، إلا أن بعض المعاصرين يحاولون إضعاف الحديث سنداً ومتنا، مدفوعين بذلك من غير المسلمين ومن العلمانيين الذين يريدون الجمع بين الأمم والملل والنحل المختلفة بغض النظر عن معتقداتهم في ظل العولمة حتى يظهر الإسلام وكأنه دين ملائم لكل عصر فيتم التنازل عن عقيدة الولاء والبراء، فيحب المسلمون من عادى الله ويفضلونهم على إخوانهم المسلمين كما تفعل الدول المعاصرة، فيضيع بذلك الحكم بما أنزل الله. ولن أخوض في سند الحديث مكتفياً بما قاله الترمذي والحاكم، فالمهم الآن هو معنى الحديث. إذ تكمن أهمية الحديث لموضوعنا في نص قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وبالذات من كلمة (اليوم)، فهي
هامش
المذكورة اليوم بيد الخليفة يكتب في عهده يولي عليها من قبله من عليه وسلم: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت يقبضها ويفرقها في أهل الحاجة من أهل المدينة. قلت: كان ذلك على النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين رأس المائتين، ثم تغيرت الأمور والله المستعان» (۱۰۹). فرقة انتهى. قال الترمذي حديث حسن صحيح. زاد أبو داود في حـ٣) وجاء في تخريج الأحاديث والآثار: «روي من حديث أبي رواية منها : اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة)، وزاد هريرة ومن حديث أنس ومن حديث سعد بن أبي وقاص ومن الترمذي : (كلهم في النار إلا ملة واحدة). قالوا: من هي يا رسول حديث معاوية ومن حديث عمرو بن عوف المزني ومن حديث الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي)، انتهى. ورواه ابن حبان في عوف بن مالك ومن حديث أبي أمامة ومن حديث جابر بن عبد الله صحيحه في النوع السادس من القسم الثالث، والحاكم في مستدركه في رضي الله . عنهم. أما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود في سننه ، في كتاب العلم، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال وقد كتاب السنة، والترمذي وابن ماجة في كتاب الزهد من حديث محمد احتج مسلم بمحمد بن عمرو واستدرك عليه الذهبي في مختصره فقال: بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله لم يحتج به منفرداً ولكن مقرونا بغيره انتهى» (۱۱۲).
الديوان
۵۳۹
تعني أيام الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد راجعت الحديث في أكثر من مصدر فوجدت نفس هذا النص، أي: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) ، وهناك نص آخر: (ما أنا عليه وأصحابي . فأهمية مثل هذه النصوص هو أنها تخصيص بأن الفرقة الناجية هي التي كانت على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حياته هو صلوات ربي وسلامه عليه، وهي ما يجب أن يتبع إن ظهر فعل خلاف فعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه «في حياته» (لاحظ تأكيدي على عبارة « في حياته فهي (الشاهد أي أن هذا الحديث يؤكد في معناه ما مر بنا من آيات تفيد ضرورة اتباع أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم. أما إن ظهر فعل من أي إنسان كان (حتى وإن كان صحابيا) خلاف ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم «في حياته»، فلا يعمل به، حتى وإن سكت عنه بعض الصحابة من بعده لأنه خلاف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. ولأضرب مثالاً واضحاً هنا: تأمل الآتي من قول ابن قدامة رحمه الله وبالذات في حديثه عن الناسخ والمنسوخ كيف يؤكد على أن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يجب ألا تترك إلا بنسخ ، وأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وإنه إن كان هناك نسخ لا يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يكون إلا بنص، ولا نص بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقراض زمن الوحي، وأن القرآن الكريم لا ينسخ إلا بالقرآن. تأمل الآتي من حكم صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم من قول ابن قدامة
وقارنه بما حدث في سواد العراق مما أدى لتجمع الأموال ثم ظهور الديوان. قال ابن قدامة رحمه الله: «مسألة: قال: ولا يعطى إلا الثمانية الأصناف التي سمى الله تعالى. يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السبيل﴾ ، وقد ذكرهم الخرقي في موضع آخر فنؤخر شرحهم إليه. وقد روى زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، قال : فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك)، رواه أبو داود. وأحكامهم كلهم باقية، وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي. وقال الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أعز الله تعالى الإسلام وأغناه عن ا أن يتألف عليه رجال، فلا يعطى مشرك تألفاً بحال . قالوا: وقد روي هذا عن عمر رضي الله عنه. ولنا كتاب الله وسنة رسوله، فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء)، وكان يعطي المؤلفة قلوبهم كثيراً، في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله ولا سنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النسخ إنما يكون بنص، ولا يكون النص بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقراض زمن الوحي. ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنة. فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم، أو بقول صحابي أو غيره ! على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك لها قياس، فكيف يتركون به القرآن والسنة؟ وقال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة، على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة، فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم، وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، جميع الأصناف إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة، فإذا وجد عاد حكمه كذا هنا».
فكذلك
۱۱۳
٥٤٠ 🗏
.
عمر
هو
وأرجو ألا تعتقد بأنني من هذا النقد للديوان أنقد الخليفة رضي الله عنه، كلا، فكل ما أحاول فعله أن أثبت أن فعله كان صالحاً لزمانه هو الذي اتسم بوجود الصحابة الذين تربوا على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس لكل الأزمان كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم كما نبه لذلك ابن قدامة في مسألة دفع الزكاة للمؤلفة قلوبهم، ومن أنا لأنقد خليفة رسول الله ؟ كيف وهو أحد المبشرين بالجنة وهو الذي أتت على يديه الكرامات؟"
هي
هو
جعلت الجهاد
أي أن الديوان، حتى وإن سكت عنه بعض الصحابة الذين عاصروا الحكم الأموي فهو مردود لأن الديوان كان موجوداً عند الفرس زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعله. وهذا استنتاج مهم لأن الديوان كما قلت . أساس كل بلوى. إنه السكين الذي ذبح الأمة، فقد امتد شره إلينا اليوم وستستمر الأمة ذليلة إن . وظيفة ولم تعده مرة أخرى لما كان عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون عبادة كما أمر الله في العديد من الآيات التي ذكرت سابقاً، وغيرها كثير. أدرك أخي القارئ أنك تسأل كيف يمكن للعمل العسكري أن يكون دون تنظيم من الدولة؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن توجد دون أموال للدولة؟ فمن سينفق على شتى أوجه الحياة في المجتمع مثل التعليم والصحة ورصف الطرق؟ فأجيب: أرجو الإمهال وستأتي الإجابة بإذن الله، ولكن قبل المضي في هذا الفصل لابد من تقصي مسألة تحول الجهاد من عبادة إلى وظيفة فقيهاً حتى تقتنع أخي القارئ وبالذات إن كنت من علماء الشريعة، فإن لم تكن منهم فبإمكانك قفز الصفحات الآتية إلى العنوان الآتي: «البيروقراطية».
تسليع العمل العسكري
إن مما خرج فيه المسلمون عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تحول العمل العسكري إلى سلعة. كيف؟ لأن الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، ولأن البعض لا يستطيعون الخروج للجهاد لسبب قاهر كالمرض مثلاً، قاموا بالإنفاق على آخرين ليقوموا مقامهم في الجهاد، وهذا الإنفاق على الآخرين والذي تحث عليه الشريعة أدى إلى تحول العمل العسكري إلى سلعة «بسبب عدم انتباه الفقهاء لهذا التحول»، والله أعلم، فخبت بالتالي مقاومة الفقهاء للديوان هذه العبارة هي ما سأحاول إثباتها في الصفحات الآتية:
لتوضيح هذه العبارة لابد من بعض التوضيحات التي وضعتها تحت العناوين الآتية: (النية: الإخلاص في العبادة؛ هل هناك تناقض؟ التحريض؛ مثال مؤلم ؛ النفل السلب؛ هل القسمة في الموقع؟؛ مكانة الغنائم؛ الإيجار والجعالة والغنيمة؛ التسليع : الماحوز والطوى؛ استحداثات فقهية)، ولكن قبل ذلك لابد من المرور أولاً على تعريفين لأهميتهما: جاء في لسان العرب في تعريف البعوث، وهي الجيوش:
هامش
ط ۳) لأذكر مثالين فقط : فقد روي أنه كان يوماً في خطبته يوم الأولياء»، فعن «خوات بن جبير قال: أصاب الناس قحط شديد على الجمعة «إذ قال : يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم الذئب من استرعاه عهد عمر، فخرج عمر بالناس فصلى بهم ركعتين وخالف بين طرفي الغنم. فأنكرها الناس. فقال علي رضي الله عنه: دعوه، فلما نزل سألوه ردائه، فجعل اليمين على اليسار واليسار على اليمين، ثم بسط يديه عما قال. فلم يعترف به، وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك. فما برح مکانه حتى مطروا. لغزوهم، فلما قدم ذلك الجيش أخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم جمعة، فبينما هم كذلك إذا أعراب قد قدموا فأتوا عمر فقالوا: يا أمير فظهر عليهم فسمعوا صوت عمر؛ فتحيزوا إلى الجبل فنجوا من المؤمنين، بينما نحن في بوادينا في يوم كذا وكذا إذ أظلنا غمام فسمعنا عدوهم، فانتصروا عليهم». وهناك قصة أخرى في كتاب كرامات فيها صوتا : أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص» (١١٤).
الديوان
٥٤١
«والبعث: بعث الجند إلى الغزو والبعث القوم المبعوثون المشخصون ويقال هم البعث بسكون العين. وفي النوادر يقال: ابتعثنا الشام عيرا، إذا أرسلوا إليها ركاباً للميرة. وفي حديث القيامة: يا آدم ابعث بعث النار، أي المبعوث إليها من أهلها، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر. وبعث الجند يبعثهم بعثاً، وجههم، وهو من ذلك. وهو البعث والبعيث. وجمع البعث بعوث. قال: ولكن البعوث جرت علينا، فصرنا بين تطويح وغرم. وجمع البعيث بعث، والبعث يكون بعثاً للقوم، يبعثون إلى وجهه من الوجوه مثل السفر والركب. وقولهم : كنت في بعث أي فلان، أي في جيشه الذي بعث معه. والبعوث الجيوش، وبعثه على الشيء حمله على فعله . وبعث عليهم البلاء أحله. وفي التنزيل العزيز: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾».
١١٥
وجاء في كتاب تخريج» الدلالات السمعية الآتي:
«الفصل العاشر: في عرض الناس في كل سنة : ذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب عند ذكر سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام. فمر به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده فرده. فقال سمرة: يا رسول الله، لقد أجزت غلاماً ورددتني، ولو صارعته لصرعته. قال: فصارع) ، فصارعته فصرعته، فأجازني في
البعث».
والرباط كما جاء في «المغني»:
«الإقامة بالثغر مقوياً للمسلمين على الكفار، والثغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم، وأصل الرباط من رباط الخيل، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه. فسمي المقام بالثغر رباطاً وإن لم يكن فيه خيل، وفضله عظيم وأجره كبير. قال أحمد: ليس يعدل الجهاد عندي والرباط شيء، والرباط دفع عن المسلمين وعن حريمهم، وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو. فالرباط أصل الجهاد وفرعه والجهاد أفضل منه للعناء والتعب والمشقة
النية: الإخلاص في العبادة
۱۱۷
الجهاد كما هو معلوم إما فرض عين أو فرض كفاية. وفي كلا الحالين فلا يحق للمجاهد أن يطالب الدولة بالمال نظير جهاده أو حتى لتجهيز نفسه، فهذا يأتي من الناس أنفسهم، كل يجهز نفسه، أو يجهزه غيره من الناس. وكنا قد رأينا أيضاً كيف أن الجهاد عبادة وليس وظيفة، ولكن ماذا إن دفعت الدولة المال للمجاهد فقبلها، فهل أجره كأجر من خرج للجهاد بماله وبدنه ؟ وماذا إن عرض فرد نفسه للناس ليخرج للجهاد نيابة عن أحدهم مقابل أجر يأخذه، فهل يؤجر على ذلك حتى وإن نوى الجهاد؟ وهناك الكثير من الأسئلة المماثلة التي تحوم حول إخلاص العبادة أو إخلاص النية وأخذ المال للخروج للجهاد. هذا بالإضافة لأسئلة أخرى تحوم حول صفاء نية المجاهد: هل هي . خالصة لإعلاء كلمة الله، أم تشوبها أهداف أخرى مثل . حب الشهرة بأن يُقال عن المجاهد بأنه شجاع، أو مثل الاندفاع للجهاد حمية للانتقام أو رغبة في كسب الغنائم وما إليها من أهداف تعكر صفاء النية؟ وماذا إن كانت نية المجاهد خالصة ثم نعته الناس بالشجاعة أثناء المعركة أو بعدها فتلذذ بهذا المديح، فهل في هذا تعكير لصفاء النية مما قد يؤدي للشرك؟ لقد كانت مثل هذه الأسئلة تؤرق كل من عمل لوجه الله تعالى كالعلماء وقراء القرآن الكريم
٥٤٢ 🗏
والمجاهدين والأغنياء الذين يتصدقون. لذلك فقد حظيت مثل هذه الأسئلة بعدة إجابات من الفقهاء وسترى من خلالها ضرورة إخلاص النية للجهاد ابتداء. وفي المحصلة، فإن هذا يدعم موقف الشريعة من رفض الديوان. وسأبدأ بالنظر في تأويل قوله تعالى في الآية الأخيرة من سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فهي آية محورها إخلاص العمل الله. قال الشيخ الشنقيطي في سبب نزول الآية يرحمه الله :
واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا﴾ ، فعن ابن عباس أنها نزلت في جندب بن زهير الأزدي الغامدي قال: يا رسول الله، إنني أعمل العمل الله تعالى وأريد وجه الله تعالى إلا أنه إذا اطلع عليه سرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه، فنزلت الآية. وذكره القرطبي في تفسيره، وذكر ابن حجر في الإصابة أنه من رواية ابن الكلبي في التفسير عن أبي صالح عن أبي هريرة، وضعف هذا السند مشهور. وعن طاوس أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى وأحب أن يرى مكاني، فنزلت هذه الآية. وعن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك، وأعجب به؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ، انتهى من تفسير القرطبي ومعلوم أن من قصد بعمله وجه الله، فعله الله ولو سره اطلاع الناس على ذلك ولاسيما إن كان سروره بذلك لأجل أن يقتدوا به فيه، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، والعلم عند الله تعالى. وقال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾ ، قال : نزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلها غيره وليست هذه في المؤمنين. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في الإخلاص وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله، إني أقف موقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى موطني؟ فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية : ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وأخرجه الحاكم وصححه والبيهقي موصولاً عن طاوس عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال كان من المسلمين من يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه، فأنزل الله: فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾ ، وأخرج ابن منده وأبو نعيم في الصحابة وابن عساكر من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس فلامه الله، فنزل في ذلك: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وأخرج هناد في الزهد عن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، أتصدق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله وأحب أن يقال لي خير، فنزلت : ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ، ا هـ، من الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والعلم . عند الله تعالى».
۱۱۸
ونظراً لأهمية مسألة الإخلاص في العبادة عموماً ومنها الجهاد، وأهمية هذا الأمر لهذا الكتاب عن التمكين،
أضع بين يديك النص الآتي من تفسير ابن كثير حيث جمع رحمه الله أهم ما ذكر في هذه المسألة في تفسير الآية. وأريدك أخي القارئ أن تركز على الشرك في العمل مهما قل. ولعلك سترتعد خوفاً إن أدركت عظم هذه المسألة في
الديوان
العقيدة. قال رحمه الله :
«الإخلاص في العبادة وقال الأعمش حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شرك فهو له كله، لا حاجة لي فيه. وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبيت عنده، تكون له الحاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا فكثر المحتسبون وأهل النوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما هذه النجوى؟ ألم أنهكم عن النجوى، قال: فقلنا تبنا إلى الله، أي نبي الله: إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه. فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟). قال: قلنا: بلى. قال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام قال: قال: شهر بن حوشب قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا، ونحن نتناجى والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحد كما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين، يعني من وسط قراء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزله عند منازله، لا يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار الميت . قال : فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس رضي الله عنه وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: من الشهوة الخفية والشرك) . فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرا، ألم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؟ أما الشهوات الخفية فقد عرفتموها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا يا شداد ؟ فقال شداد أرأيتكم لو رأيتم رجلاً يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له لقد أشرك. فقال شداد : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك . قال عوف بن مالك: فعند ذلك أفلا يعمد الله إلى ما أبتغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به ؟ فقال شداد: عند ذلك فإني سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول : ( إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني ، طريق أخرى لبعضه، قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي عن نـ شداد بن أوس رضي الله عنه أنه بـكـي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية)، قلت: يا رسول الله، أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤن بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه، ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي به وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا علي بن ثابت، حدثنا قيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله
٥٤٣
٥٤٤ 🗏
الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله يوم القيامة : أنا خير شريك، فمن أشرك بي أحداً فهو له كله). وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة: سمعت العلاء يحدث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن الله عز وجل أنه قال: (أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك)، تفرد به من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: (الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء. حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا عبد الحميد، يعني ابن جعفر، أخبرني أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله الله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث محمد، وهو البرساني به. حديث آخر : قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي، يعني عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله به، ومن راءى راءى الله به . وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية، حدثنا شيبان عن من سمع سمع فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به. حديث آخر : قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلاً في بيت أبي عبيدة أنه . سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من الناس بعمله . الله سمع به سامع . وصغره وحقره، فذرفت عينا عبد الله. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا وأقبلوا هذا ، فتقول الملائكة: يا رب، والله ما رأينا منه إلا خيراً، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي . ثم قال الحارث بن غسان: روى عنه جماعة وهو ثقة بصري ليس به بأس. وقال ابن وهب حدثني يزيد بن عياض عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله - حتى يجلس ) . وقال أبو يعلى، حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عوف بن مالك عن ابن مسعود رضي الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه عز
عمر
وجل».
۱۱۹
سمع
خلقه
لعلك لاحظت من الأحاديث السابقة منزلة إخلاص العمل الله في جميع العبادات، لدرجة أن الرواة كانوا يبكون خوفاً من الوقوع في الشرك الأصغر. فالإخلاص في العبادة هو كل شيء. وهذا من أهم مرتكزات العقيدة كما هو معلوم. هنا يظهر سؤال محوري لموضوعنا: إذا كان الإخلاص في العبادة هو الأساس، وإذا كان الإسلام دين ذروة سنامه الجهاد، فما هي أهمية الإخلاص في الجهاد وبالذات إن قامت الدولة بدفع الأموال من خلال الديوان لمن يجاهد في سبيل الله ؟ أي هل سيتمكن فرد ما من الجمع بين الجهاد في سبيل الله بنية خالصة وأخذ الأموال من الدولة في آن واحد؟ وإن تمكن في أول مرة من الجمع، ألا يتكون لديه من خلال أخذ المال بانتظام من خلال
الديوان
٥٤٥
الديوان انحراف عقدي لأن جهاده قد يكون للمال لأنه ينتظره آخر كل شهر؟ وإن تمكن جدلاً بعض الأفراد من الجمع بين الإخلاص وأخذ المال، فهل سيتمكن جيش بأسره من فعل ذلك؟ ألا يتعارض هذا مع ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاول فعله باستمرار وبإصرار بأن يوجد جيشاً أفراده مخلصون الله ويخرجون طواعية دون مقابل مالي؟ هذه مسألة مررنا بها سابقاً، ومسألة الإخلاص في العبادة بين الفقهاء أشهر من أن توضع هنا، ولكن كل ما أريده منك أن تتمعن وأنت تقرأ سورتي الأنفال والتوبة لترى كيف أن الهدف الأساس من الجهاد هو إيجاد جيش أفراده خرجوا من أنفسهم، أي بوازع ديني يدفعهم للخروج. تأمل فقط الآيات الآتية من سورة التوبة، قال تعالى: ﴿
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ له فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ الله فَإِن رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةِ مِنْهُمْ فَاسْتَتَذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَلِفِينَ وَلَا تُصَلَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُونَ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَجَهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَئْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ لا لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأَوْلَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بأن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
إن في هذه الآيات قرع شديد لضمير كل مسلم بأن يهب للجهاد من تلقاء نفسه وإلا أصبح من المتخلفين الذين سيصلون نار جهنم فسيبكي هذا الذي تخلف عن الجهاد كثيراً ندماً على تقاعسه عن الخروج. وتركز الآيات على أن مجرد التقاعس لمرة واحدة قد توصم الفرد بأنه من الخالفين، وما هذا والله أعلم إلا لكي لا يتجرأ أحد على حتى مجرد التفكير بعدم الخروج ولو لمرة واحدة ، وقصة الثلاثة الذين خلفوا وما مروا به من معاناة حتى تاب الله عليهم درس لكل من يفكر في التخلف. إن التنديد في الآيات جد شديد لدرجة أنها تنهى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى عن الصلاة على المتخلفين لأنهم ماتوا وهم فاسقون بسبب تأخرهم عن الجهاد، أي حتى هذه الجرعة الأخيرة من طلب المغفرة بصلاة الجنازة لم تتح لهم برغم أنهم قد ماتوا وانتهى كل شيء بالنسبة لهم، وذلك حتى يعتبر الأحياء. وتصف الآيات كيف أن أموالهم وأولادهم فتنة لهم حتى تزهق أنفسهم وهم كافرون، وهكذا تستمر هذه الآيات وآيات أخرى في القرآن الكريم في التهديد والتنديد بكل من تقاعس، وفي الوقت ذاته تمتدح كل من خرجوا للجهاد وأن لهم الخيرات وأنهم هم المفلحون، والاستثناء من الخروج هو فقط للمعذورين كالضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما يمكنهم من الخروج لأداء عبادة الجهاد. إن هذه العقيدة (وهي أن الجهاد عبادة يجب أن ينجذب إليها الأفراد بأنفسهم وليس بأمر من الحاكم أو قهراً منه) كانت واضحة للرسول صلى الله
٥٤٦ 🗏
عليه وسلم فكراً وتنفيذاً، فلا دليل من الأثر قط أنه أجبر فرداً على الخروج كما سيأتي بإذن الله، أو أنه دفع مالاً قبل المعركة كأجر حتى لفرد واحد خلال حياته للخروج.
لذلك، للإجابة على الأسئلة التي تربط النية بالجهاد التي أثرتها سابقاً أمعن النظر أخي القارئ في الاقتباسات الثلاثة الآتية من «نيل الأوطار» و «فتح الباري» و «جامع العلوم والحكم» لتقف بنفسك على ضرورة ابتداء صفاء النية للجهاد لأهمية هذه المسألة لطرح كتاب «قص الحق». فهذه الاقتباسات واضحة إن قرأتها على مهل ولا حاجة لي للتعليق عليها. فقط كل ما أريده منك أن تركز على أهمية إخلاص النية في الجهاد حتى يتقبله الله، لأنه إن لم يتقبله الله إن لم يكن خالصاً له، فما الداعي للعمل العسكري أصلاً؟ أي لماذا الجهاد إن لم يكن في سبيل الله؟ فإن كانت العبودية لله من أسس العقيدة الإسلامية وأننا ما خلقنا إلا لعبادته كما قال الحق جل جلاله في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وبالتالي فإن الجهاد عبادة، فلا حاجة للجهاد إذا أبداً إن لم يكن عبادة، وإن لم يكن خالصاً الله.
وأعتقد بأنك هنا ستثير سؤالاً قائلاً باستنكار ولكننا بحاجة للدفاع عن الأنفس والأعراض والأموال من شر الأعداء، فيجب علينا التجهيز والاستعداد بجيش مدرب، وهذا لا يكون إلا من خلال الأموال التي تدفع للجند شهرياً بغض النظر عن الإخلاص، فهذه مسألة بين العبد وربه. فأجيب: هذا الهدف (أي الحفاظ على الأوطان) أكيد المنال إن كان الجهاد خالصاً لله كما سترى بإذن الله، فهو تحصيل حاصل إن خلصت النيات. أما إن لم يكن الجهاد خالصاً الله فسيضيع كل شيء كما هو حالنا اليوم. ولكنك قد تكرر مصراً ما أثرته من قبل قائلاً: ولكن ما المانع من إيجاد جيش قوي كما تفعل الدول الآن من خلال تجنيد الشباب بدفع الأموال الشهرية لهم وبغض النظر عن صدق نوايا هؤلاء الجند لأن معرفة ما في الصدور أمر محال على البشر، ألم يقل سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، فلا أحد غيره يعلم ذلك، فكيف لنا أن نعلم ما في صدور الجند؟ فأجيب: كما سأثبت لك بإذن الله، فإن الوبال كل الوبال هو في تحول العمل العسكري من عبادة خالصة لوجه الله، إلى عمل عسكري مدعوم من الدولة. أي وكأن أي أمة لا تجاهد في سبيل الله، فإن عقابها هو ظهور جيش من نفس بني جلدة الأمة يقلب موازين كل شيء بوصول الأرذل للحكم، فيصبح العزيز ذليلاً، ويصبح الأحمق أميراً ووزيراً، ويصبح المدلل ابن السلطان
وقريبه مقرراً،
ويصبح
المنافق متسلطا .
، ويصبح
الأغبى معلماً، ويصبح الصانع المنتج بيده فقيراً، ويصبح المتسول مسؤولاً، ويصبح المتعلم بائساً، ويصبح المثقف حيراناً، وتصبح الممثلة والراقصة والمطرب واللاعب قدوة. كل هذا بسبب ترك الجهاد الخالص لوجه الله كما سأثبت لك بإذن الله، فلا تتعجل). وما تم ترك الجهاد الخالص لوجه الله إلا بسبب الديوان الذي خصص الأموال لمن خرج للعمل العسكري، وما استمر الديوان إلا لأن الفقهاء لم يلتفتوا لعظم خطره فلم يقاوموه بشدة، ولم يقاوموه بشدة إلا لأنهم تساهلوا في مسألة النية التي تتأثر بالعطاء المالي برغم تشديد الشريعة عليها كما رأيت وسترى بإذن الله. فبرغم أن صفاء النية في العبادات كان أمراً يُقلق العلماء رحمهم الله، إلا أنهم لم يرفعوا من شأنه لدرجة المقاومة المستمرة في المجتمع بمنع العمل العسكري مقابل المال. ويجب ألا نلوم العلماء، فمن أين لهم أن يدركوا أن مجرد التساهل في أمر حرص عليه الرسول صلوات ربي وسلامه عليه (أي في الله عليه وسلم في عدم دفع مال لمن أراد الجهاد كأجر سيؤدي بالأمة لهذا الهوان والذل والتخلف. أما نحن اليوم فنرى ذلك لأننا بعدهم زماناً.
إصراره صلى
الديوان
٥٤٧
ولكنك قد تقول: لكن قوات الدول الغربية قوية وهي تعمل بالمال !!! فلماذا لا نقلدهم؟ فأجيب: هم أقوياء لأنهم تفوقوا علينا بالتقنية المتقدمة بسبب التمكين الذي تحدثنا عنه سابقاً، ولكن مع تطبيق مقصوصة الحقوق فسنكون أقوى لأننا بالتمكين سنكون متقدمين تقيناً مثلهم إن لم نكن أكثر وسيأتي بيانه في «المعرفة» بإذن الله)، وسنحاول الجمع بين كل من الاشتياق للاستشهاد والبحث عن النصر، وهم فقط يبحثون عن النصر بتقنياتهم. كما أن في قهرهم خير للبشرية لأن في تفوقهم تفوق للحكم بغير ما أنزل الله ما سيؤدي لتلويث الأرض بالضرورة إن عاجلاً أو آجلاً بسبب الديمقراطية.
ولكنك قد تكرر أيضاً قائلاً: ومن هذا الذي يعلم ما في صدور الناس؟ فلا مفر إذاً من دفع الأموال للناس لحثهم للخروج للعمل العسكري لأهميته للذود عن الأوطان؟ فأكرر مجيباً: لقد وضعت الشريعة علاجاً لهذا، فهي قد وضعت حركية، سهلة وواضحة وأكيدة النتائج ألا وهي الخروج للجهاد قرار فردي كل يتخذه لنفسه طوعاً ولا يُجبر عليه، وهو قرار كبير ويصعب على النفس اتخاذه لأن فيه حياة أو موت، ولأنه قرار صعب فلن يقدم أحد على الخروج إلا إن أحب الله، ولن يحب الله إلا من عرفه، ولن يعرف الله إلا من أدرك وفهم أسماءه وصفاته جل وعلا، وإن فهم أسماءه وصفاته وأحبه أصبح عبداً متحرراً من عبودية جميع البشر وهانت عليه الدنيا فيكون همه جعل كلمة الله هي العليا، وهكذا يوجد الجيش الذي لا يهزم لأن معادن رجاله تختلف عمن يأخذون الأموال مقابل الجهاد. لذلك، فعلى هذا الذي يريد الجهاد أن يجهز نفسه أو أن يبحث بنفسه عمن يجهزه، وهكذا تتآزر المبادرات الفردية وتتلاحم كما سيأتي بيانه بإذن الله. إلا أن الديوان هدم كل هذا الأصل. ولا أدري كيف حدث هذا الخلل الجذري. فنصوص القرآن الكريم كثيرة جداً في هذا المجال، انظر مثلاً لقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ . يا لها من آية تحصر الصادقين الذين لم يرتابوا من المؤمنين بأنهم المجاهدين بأموالهم وأنفسهم. ولعلك تقول: إن ترك الأمر للناس فقد لا يخرج إلا القلة لخوفهم من الموت ولفقر الناس مقارنة بالدولة المقتدرة؟ فأجيب: كما وضحت سابقاً في قصة طالوت فإن العبرة ليست بالكثرة ولكن بالفئة المؤمنة وإن قلت. ومن جهة أخرى فإنك تفكر متأثراً بوضعنا الحالي الذي ذهبت فيه الأموال للدولة التي امتلكت جميع الخيرات (أي الأصول المنتجة) وابتدعت التصاريح التي تقيد الناس. فالناس فقراء مقارنة بالدولة. وهذا هو الوضع الشاذ. إما إن طبقت الشريعة
فسيكثر المجاهدون وستكثر الأموال التي تدعمهم وستكثر الصناعات الحربية كما سيأتي بيانه بإذن الله.
أي أن الخروج للجهاد طوعاً هو المؤشر الأقوى لصفاء النية، وصفاء نيات المجاهدين هي اللبنات التي تكون الجيش القوي الذي لا يهزم ولا يحاول قهر شعبه بعد النصر ولن يكون أداة في يد الحاكم إن حاول الخروج عن الشرع. تأمل ما جاء في كتاب «اعلام الموقعين» لترى معدن هؤلاء الذين خرجوا طوعاً للجهاد بأنهم قوم لا يستطيع أي سلطان تسييرهم إن أخطأ. وهذه نقطة مهمة: ألا وهي معدن رجال الجيش، هل هم ممن يمكن تسييرهم أم هم ممن ينكرون الباطل إن رأوه؟ فقد خطب عمر بن الخطاب يوماً وعليه ثوبان فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر : ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك ثوبان؟ فقال: لا تعجل. يا عبد الله، يا عبد الله. فلم يجبه أحد. فقال: يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: نعم، اللهم نعم. فقال سلمان: أما الآن فقل نسمع»." هل رأيت رفض
٥٤٨ 🗏
سلمان رضي الله عنه السمع لمجرد اعتقاده أن الخليفة أخذ ثوباً إضافياً، فماذا سيقول إن رأى حالنا اليوم؟ مثال آخر: جاء في كتاب «كشف الأسرار»: «أن أبا ذر قال لعمر رضي الله عنهما في خطبته: لا يقبل قولك لأنك خالفت النبي وأبا بكر، فإني مررت على بابك فرأيت قدرين يغليان ولم يكن للنبي ولا لأبي بكر إلا قدر واحـد؟ فاعتذر عمر وقال: إن في أحديهما دواء وفي الأخرى طعاماً». ۱۲۱ فهذا هو معدن الرجال الذين يخرجون للجهاد طوعاً، فلن يستطيع حاكم ما تسييرهم إلا بالحق لأنهم سيلفظون الباطل ولا يسكتون. اللهم ارض عنهم جميعاً.
أي أن صفاء نيات المجاهدين هي صمام الأمان لعزة الأمة. وهؤلاء المجاهدون الأصفياء في نياتهم لن يتجمعوا للجهاد إلا بقراراتهم الفردية التي يتخذونها هم بأنفسهم طوعاً ، ولا سبيل لذلك إلا من خلال الحث على الجهاد بالترغيب فيه وبالوعيد لمن تخلف عنه، وهذا ما يفعله القرآن الكريم، وهذا ما حرص الرسول صلى الله عليه وسلم بمنّ الله وتوفيقه على تنفيذه. تأمل قوله تعالى في الآية ٨٤ من سورة النساء: ﴿فَقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾، فهي آية تقول للرسول صلى الله عليه وسلم بأن عليه التحريض على القتال ولكن ليس له تكليف فرد إلا نفسه (وسيأتي تفسير الآية بإذن الله)، فلم يحاول الرسول صلى الله عليه وسلم قط دفع مال لفرد لحثه وسحبه للجهاد، فإخلاص الجهاد لله هو المفتاح الذي يحرك الناس للخروج، وهذا يدفع الناس للتفكر في الجهاد ثم التفكر في عواقب التخلف عنه، للتفكر في الدين وأسماء الله وصفاته وما إلى ذلك من مسائل العقيدة وبالتالي إما إلى قناعاتهم ثم حب الله والخروج مخلصين أو عدم القناعة والتخلف إن لم يكن هناك ديوان. إلا أن الديوان عطل هذه الحركية وهدم كل هذا، فخرج للقتال البر والفاجر. لقد أفلتت هذه المسألة من أيدي الفقهاء برغم قلقهم الدائم من إخلاص النية كما سأحاول إثباته، وسنبدأ بالنصوص الثلاثة الآتية: قال الشوكاني رحمه الله :
وهذا يدفعهم
الله الله صلى
هي
«باب ما جاء في إخلاص النية في الجهاد وأخذ الأجرة عليه والإعانة عن أبي موسى قال: سئل رسول عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله ، رواه الجماعة. وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الآخرة، ويبقى لهم الثلث. وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم). رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له. فأعادها ثلاث مرات؛ يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له)؛ ثم قال: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه) رواه أحمد والنسائي؛ حديث أبي أمامة
هامش
ي) الظاهر هو أن عمر بن الخطاب أخذ ثوب ابنه رضي الله عنهما الله. ثم نادى يا عبد الله ؛ فلم يحبه أحد؛ فقال: يا عبد الله بن عمر؛ لأنه كان طويلاً. وقد ورد هذا الأثر في الكثير من الكتب إشارة إلى فقال : لبيك يا أمير المؤمنين؛ فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أن معدن من يخرجون للجهاد طوعاً لن يكونوا مادة سهلة في يد أهو ثوبك ؟ قال : اللهم نعم. قال : سلمان: فقل الآن نسمع» (۱۲۰). السلطان، فقد ذكرت الرواية بلفظ مختلف في صفة الصفوة : فعن أبي ك٣) جاء في أحكام القرآن لابن عربي: «وقال رجل للنبي: الرجل حاتم عن العتبي قال: بعث إلي عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل يقاتل للمغنم ويقاتل ليرى مكانه من في سبيل الله؟ قال: (من قاتل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان، فقال أيها الناس ألا لتكون كلمة العليا فهو في سبيل الله). ويحق للرجل أن يقاتل تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع ؛ فقال عمر : لم يا أبا عبد الله ؟ قال : لتكون كلمة الله العليا وإن نوى في ذلك الغنيمة، وإنما المكروه إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة ؟ فقال : لا تعجل يا أبا عبد في الحديث أن يكون مقصده المغنم خاصة» (۱۲۲).
هي
هي
الديوان
جود الحافظ إسناده في فتح الباري. وقد أخرج أبو موسى المديني في الصحابة عن لاحق بن ضميرة الباهلي قال: وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر؟ فقال: (لا شيء له، وفي إسناده ضعف. وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من عرض الدنيا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أجر له، فأعاد ذلك مرة أخرى، ثم ثالثة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا أجر له. قوله: يقاتل شجاعة في رواية للبخاري في الجهاد والرجل يقاتل للذكر، أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة. قوله: ويقاتل رياء في رواية للبخاري، والرجل يقاتل ليرى مكانه، ومرجعه إلى الرياء والمراد بالمقاتلة لأجل الحمية أن يقاتل لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب ويحتمل أن تفسر الحمية بالقتال لدفع المضرة والقتال غضباً لجلب المنفعة. وفي رواية للبخاري والرجل يقاتل للمغنم. وفي أخرى له والرجل يقاتل غضباً، والحاصل من الروايات أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم ولهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي قوله: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، المراد بكلمة الله : دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد به أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخل به. وصرح الطبري بأنه لا يخل إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبه قال الجمهور كما حكاه صاحب الفتح، ولكنه يعكر على هذا ما في حديث أبي أمامة المذكور من أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، ويمكن أن يحمل على قصد الأمرين معاً على حد واحد، فلا يخالف ما قاله الجمهور. فالحاصل أنه إما أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما فقط، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمناً ، والمحذور أن يقصد غير الإعلاء، سواء حصل الإعلاء ضمناً أو لم يحصل؛ ودونه أن يقصدهما معاً، فإنه محذور على ما دل عليه حديث أبي أمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء فقط سواء حصل غير الإعلاء ضمناً أو لم يحصل. قال بن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما ينضاف إليه، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه. وأما حديث عبد الله بن عمرو المذكور فليس فيه ما يدل على جواز قصد غير الغزو في سبيل الله، لأن الغنيمة إنما حصلت بعد أن كان الغزو في سبيل الله ولم يكن مقصوده في الابتداء، ولهذا قال في أول الحديث: (ما من غازية تغزو في سبيل الله، إلخ. قال في الفتح: والحاصل مما ذكر أن القتال منشؤه القوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا الأول: وقال بن بطال : إنما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن لفظ جــواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان الله، فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد رفع الالتباس وزيادة الإفهام، وفيه بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين يختص بمن ذكر. وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكن قاتلت أن يقال جريء. فقد قيل؛ ثم أمر به فسحب على وجهه حتى يلقى في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال : كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ؛ قال : كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار ، رواه أحمد ومسلم........ قوله إن أول
٥٤٩
.00 🗏
الناس، إلخ، لفظ الترمذي: (أول ما يدعى به يوم القيامة رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال، فيقول الله تعالى للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول بلى يا رب؛ قال: فما عملت فيما علمت؟ فيقول : كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة : كذبت إنما أردت أن يقال فلان قارئ وقد قيل ذلك . وذكر نحو ذلك في الذي قتل في سبيل الله والذي له مال كثير . قوله: (نعمه ) بكسر النون وفتح العين المهملة، جمع نعمة بسكون العين، وهذا الحديث فيه دليل على أن فعل الطاعات العظيمة مع سوء النية من أعظم الوبال على فاعله، فإن الذي أوجب سحبه في النار على وجهه هو فعل تلك الطاعة المصحوبة بتلك النية الفاسدة، وكفى بهذا رادعاً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، اللهم إنا نسألك صلاح النية وخلوص الطوية. وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). وأخرج الترمذي عن كعب بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من طلب العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار). وأخرج الترمذي أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعوذوا بالله من جب الحزن)، قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: واد) في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة، قيل: يا رسول الله، ومن يدخله ؟ قال : القراء المراءون بأعمالهم). وأخرج الترمذي أيضاً عن أبي هريرة وبن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى : أبي تغترون أم علي تجترؤون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران. وأخرج الشيخان عن أبي وائل قال: سمعت أسامة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فتجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. وأخرج الحاكم من حديث معاذ يرفعه قال: (إن يسير الرياء شرك) . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يحفظ له علة. وأخرج بن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث عائشة مرفوعاً: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)، وفي الباب عن أبي سعيد رواه أحمد. وعن أبي موسى وأبي بكر وحذيفة ومعقل بن يسار رواها الهيثمي، وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: من سمع بعلمه سمع ، به سامع خلقه وصغره وحقره».
۱۲۳
الله
إن تأملت النص السابق أخي القارئ لامتلأت رعباً من أي عمل لوجه الله سواء كان جهاداً أو تعليماً أو إنفاقاً. كيف يتمكن الإنسان من الوثوق بأن عمله خالصاً لله ؟ سؤال لن تتمكن في الأغلب من الإجابة عليه إن كنت من هؤلاء؟ أي إن كنت عالماً تعلم الناس أو مجاهداً تجاهد في سبيل الله أو غنياً تنفق في سبيل الله. وهنا يظهر سؤال مهم: . لماذا التركيز على هؤلاء الثلاثة برغم أن الإخلاص مطلوب في جميع العبادات؟ والإجابة والله أعلم هي أن هؤلاء الثلاثة هم الذين ينتشلون المجتمعات من المهانة والفقر أو يسحقونها للفساد. فإن لم يكن تعليم العلم خالصاً لوجه الله لظهر علم يفسد الأرض كما هو حادث الآن، وإن لم يكن الإنفاق خالصاً لوجه الله لاستغل الأغنياء الإنفاق بريائهم للمزيد من الجاه والمزيد من التقرب من السلاطين ومن ثم المزيد من التسلط وبالتالي الثراء، ولازداد من ثم الفقر في مناطق أخرى لأن الثراء غالباً ما يأتي بسبب قفل أبواب التمكين أمام الآخرين) الجندي المنافق فهو الذي تتمكن السلطات من تسخيره للسيطرة على الشعوب. أي أن المعرفة والمال والسلطة هي
أما
الديوان
001
أهم العوامل التي ترفع المجتمعات وتخفضها كما سيأتي بيانه في فصلي «المعرفة» و «البركة» بإذن الله. ولكنك قد تسألني: لقد وعدت القراء يا جميل ألا تستخدم القيم في هذا الكتاب، بل التركيز على الحركيات فقط، فلا منة على الإسلام كما ذكرت ممن يقاتلون في سبيل الله مثلاً؟ ولعلك تستمر ناقداً ومكرراً وهل مسألة جهاد الجندي سواءً كان رياءً أو إخلاصاً الله أمر يستطيع أي فرد معرفته لأنه في صدر الجندي فقط ؟ فأجيب: بالطبع لا، فلا أحد يعلم ما في الصدور إلا العليم الخبير جل جلاله، إلا أن إيجاد الديوان سيشد كل من لم يجد عملاً منتجاً من الالتحاق بالجيش ويصبح الجيش مرتعاً لمن تسهل قيادتهم لضرب الشعوب المسلمة، ومن جهة أخرى فإن تم تطبيق مقصوصة الحقوق فحتى وإن لم يخلص هؤلاء الثلاثة وغيرهم وكانوا مرائين فإن المجتمع سينهض لأن نياتهم ستكون خالصة في الأغلب، وذلك لأن عدم تطبيق الشريعة سيوجد مجتمعات تضطر الناس للنفاق كمجتمعاتنا الحالية كما سيأتي بيانه في فصل «البركة» بإذن الله. أي أن تطبيق الشريعة سيوجد خلاطاً أو محركاً اقتصادياً اجتماعياً يصهر قلوب ويسحبهم للصفاء كما سيأتي بيانه بإذن الله . والآن للنظر إلى ما قاله الحافظ ابن حجر في «الفتح»، إذ أنه يحاول توضيح مسألة صفاء النية من خلال الربط بين الأحاديث المختلفة وبطريقة بديعة أثابه الله ما أروع علمه (لاحظ أن ابن حجر يرجع في نصه الآتي لأحاديث وردت في النص السابق للشوكاني):
الناس
«باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ... وروينا في فوائد أبي بكر بن أبي الحديد بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله كل بني سلمة يقاتل : فمنهم من يقاتل رياء، الحديث. فلو صح لاحتمل أن يكون معاذ أيضاً سأل عما سأل عنه الأعرابي لأن سؤال معاذ خاص وسؤال الأعرابي عام، ومعاذ أيضاً لا يقال له أعرابي، فيحمل على التعدد قوله الرجل يقاتل للمغنم. في رواية منصور عن أبي وائل الماضية في العلم فقال: ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل، قوله: والرجل يقاتل للذكر، أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة، وهي رواية الأعمش عن أبي وائل الآتية في التوحيد، حيث قال : ويقاتل شجاعة قوله : والرجل يقاتل ليرى مكانه في رواية الأعمش: ويقاتل رياء، فمرجع الذي قبله إلى السمعة ومرجع هذا إلى الرياء. وكلاهما مذموم. وزاد في رواية منصور والأعمش: ويقاتل حمية، أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب. وزاد في رواية منصور: ويقاتل غضباً، أي لأجل حظ نفسه. ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة، والقتال غضباً بجلب المنفعة. فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب؛ وكل منها يتناوله المدح والذم فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي. قوله : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، المراد بكلمة الله : دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان . سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط ، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبذلك صرح الطبري فقال : إذا كان أصل الباعث هو الأول، لا يضره ما عرض له بعد ذلك. وبذلك قال الجمهور. لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال : يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ قال: (لا شيء له). فأعادها ثلاثاً. كل ذلك يقول: (لا شيء له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه). ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معاً على حد واحد، فلا يخالف المرجح أو ح أولاً فتصير المراتب خمساً: أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما صرفاً، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ،ضمناً، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء. فقد يحصل الإعلاء ضمناً، وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي
٥٥٢ 🗏
موسى ودونه أن يقصدهما معاً، فهو محذور أيضاً على ما دل عليه حديث أبي أمامة. والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً. وقد يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضاً. قال بن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه اهـ. ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الاعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا ا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا. فقال : ( اللهم لا تكلهم إلي الحديث. وفي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لأنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله فهو راجعا إلى القتال الذي في ضمن قاتل، أي فقتاله قتال في سبيل الله، واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه، وكلها متلازمة. والحاصل مما ذكر أن القتال منشؤه القوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا الأول. وقال بن بطال: إنما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان الله، فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد دفع الإلباس وزيادة الإفهام. وفيه بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر ، وقد تقدم بعض مباحثه في أواخر كتاب العلم، وفيه جواز السؤال عن العلة وتقدم العلم على العمل، وفيه ذم الحرص على الدنيا وعلى القتال لحظ النفس في غير
الطاعة».
١٢٥
إن التزم الناس ولم يخرج للجهاد إلا من كانت نيته متجهة بإخلاص الجهاد لإعلاء كلمة الله، فإن الجيش المسلم سيكون عندها تقياً، ولن يهزم لأسباب كثيرة (وليس هذا موضع بيانها)، منها شجاعة جنده ومنها تفانيهم في الأداء ومنها تلاحم أفراد الجيش ومنها طاعتهم لقادتهم ومنها ومنها ... إلخ. ولكن الأهم هو أن هذا الجيش كما ذكرت لن يكون مادة في أيدي السلاطين إن لم يحكموا بما أنزل الله، لذلك حرصت الشريعة على مسألة إخلاص النية لله كأداة لتصفية الناس. فالشريعة باستطاعتها إيجاد جيش يأتي بالنصر للأمة حتى إن لم يكن الجيش تقياً في أفراده كما تفعل الدول المعاصرة بالإغداق على تسليح الجيش مثلاً، إلا أن العاقبة من مخاطر هذا الجيش المستقبلية بعد النصر على الأمة هو ما يحاول الشرع تلافيه ابتداءً كما ذكرت وأكرر وسأكرر لأهمية هذه المسألة، وذلك بجذ المسألة من جذورها بتهديد حتى الشجعان من الناس من الخروج إن لم يكن جهادهم خالصاً لله جل جلاله. تذكر أخي القارئ الرجل الذي استشهد، وبرغم شجاعته وقد قيل عنه أنه جريء، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى
هامش
ل) المقصود بالحديث هنا والله أعلم الحديث الآتي : جاء في المستدرك الناس فيستأثروا عليهم ، ثم قال : لتفتحن الشام وفارس (أو الروم على الصحيحين: «حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هارون وفارس) حتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا بن سليمان الأصبهاني ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح وكذا حتى يعطي أحدكم مائة دينار فيسخطها). ثم وضع يده على عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الأيادي حدثه قال: نزلت على عبد رأسي أو على هامتي فقال: يا ابن حوالة: إذا رأيت الخلافة قد نزلت الله بن حوالة الأزدي فقال لي، وإنه لنازل علي في بيتي: لا أم لك، أما الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام. الساعة يكفي ابن حوالة مائة يجري عليه في كل عام، ثم قال : بعثنا رسول الله يومئذ أقرب للناس من يدي هذه من رأسك. هذا حديث صحيح صلى الله عليه وسلم حول المدينة على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم الإسناد ولم يخرجاه، وعبد الرحمن بن زغب الأيادي معروف في تابعي وعرف الجهد في وجوهنا فقام فينا خطيباً فقال : ( اللهم لا تكلهم إلي أهل مصر»، وقد ذكر الحديث بلفظ مختلف في سنن أبي دواود وسنن فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها ، ولا تكلهم إلى البيهقي الكبرى» (١٢٤).
الديوان
٥٥٣
يلقى في النار. فبرغم أن هذا الشهيد كان شجاعاً، وبرغم أن الجيوش بحاجة للشجعان أمثاله، إلا أن الشريعة تحاول تثبيطه من الخروج لأنه كما قلت سيكون وبالاً على الأمة بعد المعركة لأنه قد يصل للسلطة أو قد يساند من في السلطة لأنه رجل لا يخاف الله. هذا بالاضافة إلى أنه أضحى بعد المعركة أكثر تمرساً في فنون القتال وبالتالي أكثر جبروتا. فالمهم ليس ،النصر، ولكن أيضاً معدن الجيش الذي يخاف الله بعد النصر. لذلك هددت الشريعة كل من خرج وكان مرائياً بأنه سيسحب على وجهه إلى النار لأنها لا تريده أن يخرج بنية فاسدة، فإما أن يُصلح نيته فيصلح حاله كمؤمن أو يبقى دون جهاد. تذكر أيضاً من النصين السابقين للشوكاني ولابن حجر حديث أبي أمامة، أي قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه)، وهو حديث جيد الإسناد
كما جاء في «الفتح».
ولكن ماذا إن لم يخلص المجاهد النية، أيقعد عن الجهاد أم يخرج؟ تلحظ من أقوال الفقهاء أنها لا تجيب على السؤال صراحة، ولكن هناك إشارات إلى أن عدم خروجه أفضل له لأنه سيسحب إلى نار جهنم على وجهه إن خرج وهو بنية غير خالصة الله لأن مثل هذا الخروج شرك بالله، فهو الشرك الخفي الذي حذرنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم يخرج فهذه كارثة أخرى تشير على الخوف بقدر أعلى من إشارتها على النفاق. وبالطبع فإن الفقهاء ليسوا بحاجة للإجابة على السؤال لأن موضع السؤال هو في حالة خروج المسلم بماله أو بمال إنسان آخر وليس بمال الدولة. وعندها إن طبقت الشريعة (إذ لا ديوان) فحتى وإن خرج بعض المرائين بأموالهم فإن عددهم لن يطغى كما هو حال الجيش المكون ممن يأخذون الأموال كوظيفة كما يفعل الديوان. ولكن لنقل أنه تم الاعتداء على الأمة، عندها، وإن لم يخرج مثل هؤلاء المراؤون، وحتى إن انهزم المسلمون واحتلت أراضيهم (وهذا أمر محال إن طبقت الشريعة كما سيأتي بيانه بإذن الله، فإن الأمة ستنهض بـ «المقاومة» لأن معدنها مكون من ذوي النوايا الصادقة، وهذا أفضل من الخذلان والتخدير الذي عليه العالم الإسلامي اليوم على أيدي أبناء الأمة المنافقين الذين يسيطرون على الجيوش ذات الأفراد ذوي الشهوات الدنيوية، وهذا الخذلان والتخدير عندها قد يستمر إلى مئات السنين كما هو حالنا اليوم، وبالذات إن أحاط الحكام أنفسهم بعلماء يفتون الناس بوجوب السمع والطاعة لكل من حكم. هل أدركت أخي القارئ الحكمة من أهمية النية بالنسبة لموضوعنا؟ فهي ليست مسألة تتعلق بالفرد فحسب بأنه إن لم يخلص الله سيسحب على وجهه إلى نار جهنم، ولكن استخدام عدم الإخلاص كمثبط للجهاد هو أداة لتخليص الأمة من بذرات فاسدة ستنمو مستقبلاً ضد مصلحة الأمة. والشريعة تريد إنقاذ الأمة من هؤلاء الفسدة لأنهم بعد جهادهم سيتمكنون ويمكنون غيرهم من الحكم الفاسد لأن نواياهم ليست صادقة مع الله، فهي بالتالي ستكذب مع الجميع تجول بفكرك أخي القارئ في تاريخ العالم الإسلامي تجد أن من حرصوا للوصول للحكم كانوا شجعاناً، وهؤلاء الشجعان (والذين لا يعلم إلا الله خلوص نياتهم) استعانوا بشجعان أو بطاشين آخرين من أمثالهم ووصلوا للحكم ومن ثم ورثوه لأبنائهم أو لشركائهم من أحزابهم ثم ذبحوا كل من عارضهم، فجمال عبد الناصر والقذافي وبشار وغيرهم كثير من الملوك والحكام العرب المعاصرين، وسفاح العباسيين وما قتله من الأمويين وبالذات في دمشق، والحجاج العامل الأموي وما قتله في مكة من مؤمنين مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه خير شاهد. ولعل من أكثر هذه المواقف إيلاماً استشهاد أحد سيدا شباب أهل الجنة، الحسين بن علي رحمه الله على أيدي من أخذوا المال من الديوان. والآن لننظر للنص الآتي من كتاب جامع العلوم والحكم» إذ أنه يحاول توضيح أحوال من يأخذون المال إن هم جاهدوا:
٥٥٤
«وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله الله فليطلب ثوابه من عند غير الله عز وجل، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). وخرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكه. يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم الله عز وجل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له، ولا تقولوا هذا الله والرحم، فإنها للرحم وليس الله منها شيء؛ ولا تقولوا هذا الله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس الله منها شيء). وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الاشيء له ، فأعادها عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له)؛ ثم قال: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه جهه). وخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله إنى أقف الموقف أريد به وجه الله وأريد أن يُرى موطني؟ فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ، الكهف. ومن يروي عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلاً طائفة من السلف منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم. وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبة من خردل من رياء. ولا نعرف عن السلف في هذا خلافاً، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، فإن خالط نيته الجهاد مثل نية غير الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا تم لهم أجرهم. وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضاً من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره. وقال أيضا فيمن يأخذ جعلاً ن على الجهاد : إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا أخذه، وكذا روي عن عبدالله بن عمرو قال: إذا جمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقاً فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم إن أعطي درهماً غزا وإن منع در هماً مكث فلا خير في ذلك. وكذا قال الأوزاعي إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسا. وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره. وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر : هو تام لا ينقص من أجورهم شيء. وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب، وأما إن كان أصل العمل الله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطراً ودفعة فلا يضره بغير خلاف. فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أح وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني أن رجلاً قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا ومنهم من يقاتل نجدة ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد ؟ قال : ( كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كملة الله هي العليا). وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه
أحمد 🗏
الديوان
000
ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أحدث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات ولا يرد على هذا الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج. فأما إذا عمل العمل الله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك، لم يضره ذلك. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل الله من الخير يحمده الناس عليه؟ فقال: (تلك عـاجل بشرى المؤمن)، خرجه مسلم وخرجه ابن ماجه، وعنده الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه، ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وابن جرير الطبري وغيرهم. وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يعمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه ؟ فقال له أجران أجر السر وأجر العلانية. ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية. وبالجملة، فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا ،الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر. وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوف به لك، وأستغفرك مما زعمت إني أردت به وجهك
فخالط
قلبي منه ما قد عملت .
١٢٦
أظنك لاحظت من النص السابق أخي القارئ أن طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم كانوا يرون أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلاً وأن الخلاف حدث عند بعض المتأخرين وأن نية الجهاد إن خالطتها نية أخرى مثل التجارة فإن نية الجهاد لا تبطل بالكلية. ولعلك لاحظت أيضاً أنه إن كانت أصل نية المجاهد خالصة الله ثم طرأ عليها رياء فلا يضره إن كان خاطراً ودفعه، وأن الخلاف حدث في أنه إن استمر الرياء مع المجاهد فهل يحبط عمله أم يجازى على أصل نيته؟ وهنا أريدك أن تلحظ أن مثل هذه الاختلافات والآراء في النصوص الثلاثة السابقة تدور حول علاقة الإنسان بربه أو بالآخرين معنوياً وليست مادياً، فقد لخص الشوكاني رحمه الله دوافع القتال قائلاً: «والحاصل من الروايات أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم، ...». فإن استثنينا طلب المغنم، وهو كسب مادي، فإن الباقي هو مكاسب معنوية. ومن جهة أخرى، فقد لخص ابن حجر رحمه الله دوافع القتال أيضاً بالقول: «والحاصل مما ذكر أن القتال منشؤه القوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشهوانية ولا يكون في سبيل الله إلا الأول». فمن هذه الآراء يتضح لك أن جميع الحالات السابقة التي قد يقع فيها المجاهد «إن لم يخلص النية هي حالات لا يكون ولاء المجاهد فيها للسلطان، بل هي أحاسيس أو هواجس داخل الإنسان ذاته ولا تربطه بالآخرين من حوله إلا من خلال المشاعر معنوياً كالشعور بالسعادة بعد الغنيمة أو التفاخر بعد إظهار الشجاعة أو الراحة بعد الانتقام، أي أنها ليست مكاسب مادية. وهذه الحالات، وبرغم أنها قد تفقد المجاهد الأجر في الآخرة إلا أنها تختلف جذرياً عن أخذ المال ممن هم في الدولة لأن ولاء آخذ المال سيكون في الأغلب عندها لمعطي المال. فهناك فرق شديد بين الحالين، فأحدهما معنوي والآخر ،مادي والمادي لهو مردود سلوكي ذو ولاء للواهب للمال وبالذات إن كان تدفق المال مستمراً بانتظام كما يفعل الديوان. لذلك وجب علينا أن نتقصى دور المال لنعرف ولاء المقاتل. كما أن النصوص الثلاثة السابقة وكذلك النصوص الأخرى المشابهة) لم تحاول الربط بين
Loo 🗏
أخذ الأموال وتأثر النية بذلك، باستثناء مذهب قوي للإمام مالك رحمه الله، وتوضيح فطن لابن دقيق العيد أثابه الله كما سيأتي بإذن الله . " فهناك في النص الثالث مثلاً رواية عن عبد الله بن عمرو أنه إن عوض المجاهد رزقاً فلا بأس بذلك، أما إن أعطى درهماً غزا وإن منع مكث فالمسألة لا خير فيها كما قال. فهذا رأي لا يمانع أخذ المال للمجاهد ويرى أن هذا لا يحبط العمل إلا أنه لا يتطرق للولاء. فهل يقصد عبد الله بن عمرو أن يأتي المال من الدولة من خلال الديوان؟ أم يأتي المال من مسلم يريد الأجر فجهز غازياً ليكسب أجر الغازي؟ لذلك، لابد لنا من تقصي مسألة أخذ المال عموماً وتأثير ذلك في النية والولاء بتأن أكبر بتجميع معلوماتها من منابع أكثر.
.
هل هناك تناقض ؟
لأن احتمالية الاستفادة المادية للمقاتل من الجهاد أمر وارد ، ولأن هذه الاستفادات قد تكون بالحصول على المال قبل المعركة كعطاءات أو بعدها كغنائم، فقد تداخلت توضيحات أحكام هذه الاستفادات في نصوص الفقهاء. فمما قد يجنيه المجاهد مادياً الآتي: النفل إن قام بفعل مميز في المعركة؛ سهمه من الغنائم بعد النصر؛ الأجر إن كان ممن هم في سجلات الديوان؛ «و أو» مبلغ محدد للتجهيز للغزو من أحد المنفقين من الناس. بالإضافة لهذا التقسيم فهناك دوافع الخروج للجهاد مادياً، أي هل خرج المقاتل مجاهداً خالص النية الله؟ أم أنه خرج أيضاً طلباً للرزق أثناء المعركة كأن يتاجر بين المجاهدين أو أن يعمل كحداد أو كخياط يرقع لهم ثيابهم؟ وحتى نقف على الفروق بين ما يستفيده المجاهد وبين دوافعه في أقسامها المختلفة وتأثير ذلك على النية وولاء المقاتل لابد لنا من الرجوع للنصوص الفقهية التي توضح الأحاديث، ولأن النصوص متصلة وطويلة (كما لاحظت في الاقتباسات السابقة) وتعالج جميع أو بعض التقسيمات السابقة معاً لأن لكل فقيه تقسيمه الأهم له، وحتى تقف على الصورة بوضوح أفضل أخي القارئ، رأيت أن أضع النصوص لفقيه واحد دون تفتيت قدر الإمكان في مكان واحد برغم أنها تعالج قضايا مختلفة. ولأنني قررت تقسيم التقصي تحت عناوين ذات مفاهيم (هي: : التحريض، مثال مؤلم، النفل، السلب، هل القسمة في الموقع؟ مكانة الغنائم الإيجار والجعالة والغنيمة، التسليع: الماحوز والطوى، استحداثات فقهية، ظهرت لي إشكالية منهجية في محاولة التوفيق بين التقسيم للمواضيع للفهم وعدم تفتيت النصوص. لذلك أجدني مضطراً إلى وضع النصوص تحت العناوين ودراستها مع القفز بين المواضيع، وفي الوقت ذاته أجدني مضطراً للرجوع للنصوص فيما بينها هنا وهناك عند الحديث عن موضوع ما كما في الحديث عن النفل مثلاً. فلا مفر من هذا القفز حتى نتقصى الحق في هذه المسألة، والله أعلم وبالله التوفيق.
مختلفة
لعلك في حيرة من التناقض الظاهر إن قارنت ما في هذا الفصل بالذي سبق. ففي الفصل السابق كنت قد ذكرت أن الغنائم من حق المجاهدين وأن في هذا حض للفقراء منهم على الجهاد، وهذا كسب مادي، أي وكأنه
هامش
م ) المقصود هو قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ س٣) قد تكون هناك توضيحات لم أقع عليها، فالنصوص جد كثيرة، . ولكن المهم هو أن ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله والمالكية هو ن۳) المقصود بـ «جعلاً» هو المال الذي يؤخذ من بعض الناس مقابل المذهب الوحيد الذي قال بكراهة النفل لأنه قد يؤثر في إخلاص نية الجهاد عنهم، كما سيأتي بيانه بإذن الله .
المجاهد، وسيأتي بيانه بإذن الله.
الديوان
٥٥٧
تحريض على القتال من خلال المال مما يؤثر في خلوص النية. أما في هذا الفصل فقد كان التركيز على أن إخلاص العمل هو ما يجب أن يكون كدافع للجهاد، وكأن في هذا النهج توجيه للمجاهد بعدم التفكير في المال. فهل في هذا
تناقض؟
للإجابة أقول: سأذكر أولاً وباختصار ودون إثباتات بعض الأفكار الأساسية ومن ثم سأحاول إثباتها في الصفحات الآتية بإذن الله: كما هو معلوم فإن الغنائم لم تحل إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والسبب في هذا والله أعلم هو أن فيه تقوية للمجاهدين للمزيد من القتال إن كانت هناك غنائم أي ليس بالضرورة طمعاً في الدنيا ولكن تمكيناً للمجاهدين من تغطية احتياجاتهم الملحة وبالذات عندما يتعمقون داخل أراضي غير المسلمين، فهم بحاجة للغذاء والذخيرة التي يغنمونها ليتمكنوا من الاستمرار دون العودة لأرض الوطن للتزود. وهذا الأخذ للغنائم لن يقدح غالباً في إخلاص النية لأنه أخذ مشروط بالنصر ويأتي بعد النصر وليس وعداً بالأخذ المستمر قبل النصر وبعده كما يفعل الديوان بدفع العطاءات المالية. كما أن هذا الوعد بالغنائم هو وعد من الله الحق سبحانه وتعالى وقد قصه للمجاهدين وليس من الرسول صلوات ربي وسلامه عليه أو من يقوم مقامه من الحكام) بحيث أن للرسول صلى الله عليه وسلم (أو من يقوم مقامه) أن يزيد أو أن ينقص في إعطاء المال فيتقرب منه أحد المجاهدين طمعاً . في المال، فالرسول صلى الله عليه وسلم (أو من يقوم مقامه مأمور بتحريض المسلمين على الجهاد دون وعد مالي. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بوعد بعض المسلمين بالاستزادة من الغنائم دون غيرهم (أي الأنفال) إلا في وعود محددة ومعروفة سلفاً قبل المعركة، وقد قصها الله سبحانه وتعالى للكل ليتساووا فيها مثل حق المجاهدين في أربعة أخماس الغنائم، وحق القاتل في سلب المقتول، وتنفيل الربع والثلث لأفراد السرايا (وسيأتي بيانه بإذن الله). حتى وإن نفل فرد بعد انتهاء المعركة لأنه أبلى بلاءً حسناً فإن هذا من خمس أو خمس خمس الغنائم والتي هي من نصيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه نسبتها قليلة جداً مقارنة بالأربعة أخماس التي هي من حق عموم المجاهدين. هكذا قصت الشريعة حقوق الغانمين بطريقة واضحة تجعل الفرد على بينة من حقه قبل الخروج للجهاد. وبهذا الوضوح للحقوق في الغنائم ستضمحل فرص «ولاء» المجاهد لأي إنسان كان بعد المعركة وذلك لأن الفضل والمنة لله الحق سبحانه وتعالى، وهذا هو المهم.
ولكن لماذا هو مهم، أي لماذا لا يتبلور ولاء المجاهد للسلطان بعد المعركة ؟ قبل الإجابة لابد من توضيح الآتي: المقصود بالولاء هو العمل لدى السلطان بخضوع وخنوع لكل ما يأمر به الحاكم حتى وإن كان مخالفاً للشرع، وهذا يختلف عن الطاعة، فالطاعة للحاكم مطلوبة وبالذات في أرض المعركة، فحق الحاكم على الناس السمع والطاعة فيما أمر الله، أما فيما لم يأمر به الله فلا . سمع ولا طاعة، ولكن أيضاً لا خروج ولا ثورة على الحاكم حتى لا تفتن الأمة فتتمزق (وسيأتي بيانه بإذن الله في فصول قادمة، هكذا لن يجد الحاكم من يتقرب منه ويعمل له من المجاهدين الذين يملكون المهارات القتالية، فينفر هؤلاء الأتقياء من حوله إن لم يحكم بما شرع الله، فيضمحل بذلك نفوذ السلطان الجائر ويفقد السلطة (وما أكثر السلاطين الجائرين وما أطول فترات حكمهم خلال التاريخ، وما ذلك إلا لأن من حولهم من المنافقين يساندونهم بولاء تام فينفذون لهم كل ما يريدون).
أنه
نعود الآن للإجابة عن السؤال: لماذا لا يتبلور ولاء المجاهد للحاكم بعد القتال إن طبقت الشريعة مع أخذ الغنائم؟ الإجابة (والله أعلم): برغم أن نصيب الفرد من الغنائم ذو نسبة ثابتة ومعلومة قبل الخروج للجهاد، إلا
001 🗏
أنه في مجمله مجهول تماماً لأن النصر غير مضمون أولاً، ولأن ما عند العدو من غنائم مجهول ثانياً، أي أن الغنائم في مثل هذه الظروف سيكون لها أحد تأثيرين متناقضين ويقع جميع الناس بينهما : إما أنها لن تؤثر في قرار الخروج للمعركة إن قرر المجاهد الخروج لأنه إنسان يخاف الله، وفي هذه الحالة فهو ذو معدن لا يمكن شراء ولائه بالغنائم، وهذا ما تحاول الشريعة الحصول عليه، أي الحصول على أكبر عدد ممكن من هؤلاء المجاهدين الذين يخافون الله. أو أن التأثير هو النقيض، أي أن الغنائم ستؤثر في قرار الخارج للجهاد، فتشده للجهاد، ففي هذه الحالة فإن التأثير لن يكون جذاباً وذلك لجهالة الخارجين للجهاد بما قد يغنموه. ولكن الأهم هو أن الغنائم لن تسحب المنافقين للجهاد في الغالب، وذلك بسبب الخوف من الموت الذي يملأ قلوب هؤلاء الذين يحبون المال، فالغنائم مال. فكما هو معلوم، فإن الذي يحب الغنائم يحب المال، وهذا الذي يحب المال يحب الدنيا، والذي يحب الدنيا يخشى الموت، والذي يخشى الموت لن يخرج للجهاد. وهذا ما تذكره لنا الآيات ناقدة المنافقين كما سيأتي بإذن الله.
ومن جهة أخرى فإن القرار للخروج للجهاد هو قرار شخصي يتخذه الفرد بنفسه دون إجبار من الرسول صلى الله عليه وسلم أو ممن يقومون مقامه من السلاطين، وفي مثل هذه الأحوال فمهما كانت النية (أي إما خالصة تماماً قبل الخروج للمعركة، أو مرائية تماماً، أو حالة بينهما)، فهي علاقة بين العبد وربه ولن تؤثر في الولاء، وذلك لأنه بعد اتخاذ القرار والخروج ومن ثم بدء المعركة قد يظهر دور الغنائم كدافع للجهاد عند لقاء العدو لدى البعض وليس بالضرورة لدى الأتقياء، ثم تقسم الغنائم وينتهي كل شيء. لذلك، فإنه في جميع الأحوال، سواء كان المجاهد مخلصاً النية أو مرائياً أو أي حال بينهما، فإن ولاءه لن يرتبط بأي حاكم لأن توزيع الغنائم ينتهي بانتهاء المعركة وفي أرض المعركة. هكذا تنتهي العلاقة بين الحاكم والمجاهد فلا ولاء حينئذ أي باختصار، برغم أن الغنائم قد أحلت للمسلمين ومعلومة سلفاً، إلا أنها غير مضمونة، بل هي مجهولة، حتى وإن كانت معلومة فهي لن تؤثر في نيات من أرادوا الخروج للجهاد إن كانوا من المنافقين لأنهم يحبون الحياة، أما بعد الخروج وفي أرض المعركة فقد يظهر دور الغنائم كمحرض للقتال، ولعلك أخي القارئ ستزداد قناعة إن وضعت في اعتبارك أن قرار الخروج للجهاد هو قرار حياة أو . موت، فما قيمة الغنائم . عند اتخاذ القرار بعيداً عن أرض المعركة لمن أحب الدنيا. والصفحات الآتية هي محاولة لإثبات ما سبق من قص حقوق الغانمين. وللتفصيل أقول:
التحريض
ع
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». وفي حديث آخر في صحيح مسلم أيضاً عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها، ولما يبن؛ ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها؛ ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها. قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئاً، فحبست عليه حتى فتح الله عليه.
الديوان
٥٥٩
۱۲۸
قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، قال : فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا » . كما تلحظ، فإن في الحديث تركيز على أهمية كون المجاهد مقبلاً لله دون أي تعلق بالدنيا لدرجة أن الغنائم لم تحل لهم حتى ! بعد النصر، أي حتى بعد انتهاء كل شيء وما هذا إلا لكي يكون الجيش مقبلاً إذ أن أفراده ليس لهم أي تعلق بالدنيا. لننظر للآتي مما نقله ابن حجر في المسألة وبالذات ما قاله المهلب من ضرورة تفرغ البال لتزداد العزيمة قوة حتى لا تضعف الجوارح عن الأداء:
في رواية النسائي: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (أن الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمناها وتخفيفاً خففه عنا ) . قوله : رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا ) ، في رواية سعيد بن المسيب: لما رأى من ضعفنا وفيه إشعار بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل، وفيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة. وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا، فأحل الله لهم الغنيمة. قال المهلب في هذا الحديث: إن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء لأن من ملك بضع امرأة ولم يدخل بها أو دخل بها وكان على قرب من ذلك، فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها، ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما ـ عليه من الطاعة، هو وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا، وهو كما قال. لكن تقدم ما يعكر على إلحاقه بما بعد الدخول وأن لم يطل بما قبله، ويدل على التعميم في الأمور الدنيوية ما وقع في رواية سعيد بن المسيب من الزيادة أو له حاجة)، في الرجوع، وفيه أن الأمور المهمة لا ينبغي أن تفوض إلا لحازم فارغ البال لها، لأن من له تعلق ربما ضعفت عزيمته وقلت رغبته في الطاعة، والقلب إذا تفرق ضعف فعل الجوارح، وإذا اجتمع قوي، وفيه أن من مضى كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم، لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل، ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول. وقد من الله على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنيمة وستر عليهم الغلول، فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول. فلله الحمد على نعمه تترى. ودخل في عموم أكل النار الغنيمة والسبى وفيه بعد لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يستثنوا من ذلك، ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم، ويؤيده إنهم كانت لهم عبيد ،وإماء، فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم أرقاء . غير أن هذا الحكم تغير لأمة محمد وأبيحت لنا الغنائم. وقد وضح صلوات ربي وسلامه عليه السبب قائلاً: ... ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا . وهنا كما يظهر من الحديث، فإن تطييب الغنائم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم هو منة من الله الحنان المنان ولأن جميع أحكام الشريعة من لدن حكيم عليم . خبير، فلابد وأن تكون هناك حكمة من هذا، والحكمة والله أعلم هو أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تختلف عن باقي الأمم، فهي الأمة الخاتمة، لذلك فأحكامها مختلفة لأنها الأمة التي ستعاصر انتشار التقنية والمعرفة ومن ثم العولمة، أي أنها الأمة التي ستعاصر انتشار الفساد والرذيلة في أبشع صورها، فعليها أن تحمل الرسالة الخالدة للأمم الأخرى وتواجهها، لذلك أحلت لها الغنائم لما ستلاقيه من تكتل جميع الأمم الأخرى عليها فيظهر عجزها، فكان تحليل الغنائم لها لتتقوى بها، كيف؟
.«...
٥٦٠ 🗏
إن الأمم المعاصرة غير المسلمة هي الأقوى تقنياً وعسكرياً وبإمكانها ضرب عمق العالم الإسلامي بالطائرات. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكن فقط لمجرد حب المسلمين للاستشهاد وحب الكفار للحياة، ستنقلب جميع الموازين إن فتح الباب للجهاد، لأن المسلمين سيغزون كل من عاداهم ومن جميع الاتجاهات وفي جميع الحدود الفاصلة (وهي تعد بعشرات آلاف الكيلومترات وفي نفس الوقت، وقد يستشهد من المسلمين عشرات الآلاف في الأيام الأول، وهذا ما يتمناه الكثير من المؤمنين (ألا ترى ما يفعله الاستشهاديون في فلسطين وسوريا)، وبالذات مع استخدام وسائل الإعلام المعاصرة والشبكات الحاسوبية التي ستتيح للعلماء تحريض المسلمين على القتال فتلهب حماس المؤمنين، وهذا سينهك العدو الذي لن يصمد طويلاً أمام إصرار المجاهدين الذين يتمنون الشهادة جيلاً بعد جيل، وبالتدريج ومع مرور الوقت سيظهر إنهاك العدو وستبدأ القوات المسلمة بالتقدم داخل حدود الأعداء فيكون غذاء الجيش مما يغنمه وهكذا يتقدم الجيش المسلم حتى يصل إلى ذلك العمق الذي يضرب المسلمين جواً، هنا تظهر أهمية الغنائم، لأن المسلمين سيعيشون على ما لدى الأعداء من أعيان، فالمـدد سواء كان غذاء أو ذخيرة هو من أهم عوامل استمرار العمل العسكري كما هو معلوم، وهذا ما كان يفعله السلف رضوان عليهم. فكيف وصلوا إلى الأندلس إلا إن استخدموا ما غنموه من شمال أفريقيا مدينة بعد أخرى؟ فعندما يغنمون يستخدمون ما غنموه للتعمق في بلاد غير المسلمين أكثر وأكثر. فالغنائم إذاً لهدف الاستمرار الجهادي من موقع لآخر؛ فقد جاء في كتاب المغني مثلاً:
الله
«أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على أن للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من أعلافهم، منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والقاسم وسالم والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الزهري: لا يؤخذ إلا بإذن الإمام. وقال سليمان بن موسى: لا يترك إلا أن ينهى عنه الإمام فيتقي نهيه. ولنا ما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعاماً يوم خيبر ، فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف، رواه سعيد وأبو داود. وروي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر: إنا أصبنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف، وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه : دع الناس يعلفون ويأكلون، فمن باع منهم شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين، رواه سعيد. وقد روى عبد الله بن مغفل قال: دلي جراب من شحم يوم خيبر، فالتزمته وقلت: والله لا أعطي أحداً منه شيئا، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فاستحييت منه متفق عليه. ولأن الحاجة تدعو إلى هذا وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم، فإنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه، ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه، ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم، ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به ولا يدفع به حاجته، فأباح الله تعالى لهم ذلك، فمن أخذ من الطعام شيئا مما يقتات أو يصلح به القوت من الأدم وغيره أو العلف لدابته فهو أحق به، وسواء كان له ما يستغني به عنه أو لم يكن له، ويكون أحق بما يأخذه من غيره، فإن فضل منه ما لا حاجة به إليه رده على المسلمين لأنه
هامش
عـ٣) وهناك حديث آخر في صحيح مسلم أيضاً: ... عن جابر بن وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت صلى حيث كان؛ ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر؛ وأعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، الشفاعة» (۱۲۷).
وبعثت إلى كل أحمر وأسود؛ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي؛
الديوان
٥٦١
إنما أبيح له ما يحتاج إليه، وإن أعطاه أحد من أهل الجيش ما يحتاج إليه جاز له أخذه وصار أحق به من غيره، وإن باع شيئا من الطعام أو العلف رد ثمنه في الغنيمة لما ذكرنا من حديث عمر. وروي عن فضالة بن عبيد، وبه قال سليمان بن موسى والثوري والشافعي، وكره القاسم وسالم ومالك
مثله
بيعه ...».
۱۲۹
وهناك هدف ثان من الغنائم والله أعلم، ألا وهو إيقاع الأموال في أيدي المجاهدين وهم الأتقى في المجتمع فيصلح بذلك استثمارها لما فيه مصلحة الأمة. وأخيراً هدف ثالث بسبب أن الأمة المسلمة هي خاتم الأمم، وعليها نشر الإسلام، فإن أحرقت كل ما غنمته، فقد تحرق الكثير من خيرات الأرض لأنها أمة مكلفة بنشر الإسلام على كل الأرض. وفي الوقت ذاته لن تكون الغنائم . مطمعاً للمنافقين الذين لن يخرجوا للجهاد طمعاً في الغنائم. لماذا؟ تدبر الآتي ما أدقه (ولكن تذكر أنهم في جميع الأحوال لن يخرجوا سواء وجدت الغنائم أم لم توجد بسبب الخوف
من الموت):
لقد ذكر أمر تحريض الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين على القتال في القرآن الكريم في موضعين: في قوله تعالى في الآية ٦٥ من سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالَ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، وفي قوله تعالى في الآية ٨٤ من سورة النساء: ﴿فَقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾. إن نظرت إلى تأويل الآيتين ستظهر لك مسألتان: الأولى أن فيها تثبيط ضمني للمنافقين عن الجهاد لأن المسلمين سيكونون دائماً هم الأقل تعداداً وعتاداً في كل المعارك (وسيأتي توضيحه بإذن الله)، وهذا أمر مخيف لكل منافق، فلن يخرج للجهاد والثانية هي أنك لن تجد بين ما ذهب إليه المفسرون أن تأويل التحريض يعني أمراً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحرض الناس مادياً بالوعود بالكسب المالي لفرد ما بعينه إن فعل كذا أو كذا في الجهاد. ولأهمية هذا الموضوع فقد راجعت أكثر من عشرين كتاباً من كتب التفاسير، فلم أجد أي وعد مالي. أي أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يعد فلاناً بأن له كذا من المال أو الغنائم إن هو اقتحم حصناً أو قتل قائداً مثلاً. بل الوعود شاملة للجميع كأن يكون السلب للقاتل، أو أن السرية نفلت الربع أو الثلث من الغنائم، أو مكافأة من الغنائم بعد المعركة لمن أبلى بلاء حسناً (وسيأتي توضيحه في النفل بإذن الله)، ولكن في الوقت ذاته نجد في القرآن الكريم آيات وعد فيها الله الحق سبحانه وتعالى الواهب الوهاب المجاهدين بالغنائم الكثيرة كما في سورة الفتح مثلاً كقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، أَي أَن اللَّه سبحانه وتعالى، بالإضافة لحثه المؤمنين على القتال في القرآن الكريم وعدهم مغانم كثيرة، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم كان عليه التحريض على القتال فقط دون أي وعد مالي إلا ما يأتي من الغنائم في إطار وعد الله سبحانه وتعالى، وهذا ليس وعداً لأفراد بأعيانهم، بل هو وعد شامل مربوط بحسن الأداء. لتوضيح السابق أقول:
بالنسبة لقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾، ستلحظ من الآتي وهي . مقتطفات من بعض كتب التفاسير، أنه لا ذكر للمال كمحرض للقتال لأن الأمر بالتحريض موجه للرسول صلى الله عيه وسلم. جاء في تفسير الطبري
٥٦٢ 🗏
«يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، حث متبعيك ومصدقيك على ما جئتهم به من الحق على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين. إن يكن منكم عشرون رجلاً صابرون عند لقاء العدو يحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم يغلبوا مئتين من عدوهم ويقهروهم. وإن يكن منكم مئة عند ذلك يغلبوا منهم ألفاً بأنهم قوم لا يفقهون. يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب ولا لطلب أجر ولا احتساب لأنهم لم يفقهوا أن الله موجب لمن قاتل احتساباً وطلب موعود الله في المعاد ما وعد المجاهدين في سبيله فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم. ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين إذ علم ضعفهم فقال لهم: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، يعني أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفا، فإن يكن منكم مئة صابرة عند لقائهم للثبات لهم يغلبوا مئتين منهم، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله يعني بتخلية الله إياهم لغلبتهم ومعونته إياهم. والله مع الصابرين لعدوهم وعدو الله احتساباً في صبره وطلباً لجزيل الثواب من ربه بالعون منه له والنصر عليه. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل: .... عن ابن عباس قال: جعل على المسلمين على الرجل عشرة من الكفار فقال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ ، فخفف ذلك على الرجل رجلان. قال ابن عباس فما أحب أن يعلم الناس تخفيف ذلك . حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : ثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة فنسخها بالآية الأخري فقال : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾، قال: وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. حدثني المثنى قال : ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾، قال: كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي له أن يفر منهم، فكانوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين فنسخ الأمر الأول.........
ألفا، فخفف الله .
عنهم .
۱۳۰
عنهم.
عنهم
فجعل
كما هو واضح من التأويل السابق والذي تكرر في أكثر كتب التفاسير، أن الجهاد عبادة، وأن على المسلمين في هذه العبادة ألا يفروا إن كان العدو عشرة أضعافهم وإلا فإنهم من المتولين يوم الزحف، ثم خفف الله سبحانه وتعالى هذا الرقم على المسلمين وتغير إلى الضعف، أي إن كان عدد المسلمين نصف عدد العدو أو أكثر فلا يحق للمجاهد التولي. ويتكرر نفس هذا المعنى في التفسير الآتي من القرطبي مع التركيز على معنى التحريض، وهو حث الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته على الجهاد بطريقة مستمرة وبإصرار لدرجة الإنهاك الذي يقارب الهلاك. فما معنى «لدرجة الإنهاك»؟ يقول القرطبي موضحاً:
هامش
ف٣) وتكملة ما جاء في النص: «... وعشرون وثلاثون وأربعون كل ، فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله واحد منها اسم موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، ويجري هذا عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ﴾ الاسم مجرى فلسطين. فإن قال قائل لم كسر أول عشرين وفتح أول ، قرأ أبو توبة إلى قوله: ﴿مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْن﴾ ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلاستين، فالجواب عند سيبويه أن ، قال : فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما بقدر ما خفف عنهم. وقال ابن العربي قال قوم إن هذا كان يوم بدر كسر اثنان، والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون كما قيل ستة ونسخ، وهذا خطأ من قائله ولم ينقل قط أن المشركين صافوا وتسعة، وروى أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿إن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ﴾ المسلمين» (۱۳۱).
الديوان
٥٦٣
«قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ، أي حثهم وحضهم، يقال حارض على الأمر وواظب وواصب وأكب بمعنى واحد ، والحارض الذي قد قارب الهلاك، ومنه قوله عز وجل: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، يوسف، أي تذوب غما فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين. ﴿إن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن معناه إن يصبر منكم
عشرون صابرون يغلبوا مائتين، ... » .
وهنا أريدك أن تفكر في سؤال هو: لماذا فُرض القتال على المسلمين مع منعهم من الفرار إن لم يتجاوز عدد
الكفار ضعف عدد المسلمين ؟ قد تكون هناك أسباب كثيرة، ولكن في مجال موضوعنا، فإن السبب في هذا هو أن
لا
فيه مزيداً من التثبيط لكل من لم يوقن بأن النصر من عند الله الناصر النصير المنتصر، والله تعالى أعلم. فالذي لا يؤمن بالغيب إنسان مادي، ولذلك فسيحسب الأمور مادياً، وعندها فلن يخرج للجهاد أبداً لأن عدد الأعداء هو الضعف دائماً، وهذا ما تريده الشريعة كما ذكرت سابقاً. ولكن لماذا لا يخرج للجهاد أبداً؟ لأن معارك المسلمين في معظهما غير متكافئة، فهم دائماً الأقل عدداً وعدة من عدوهم كما هو واضح من تاريخ السلف رضوان الله عليهم. فهذه سنته صلوات ربي وسلامه عليه، فمتى ما شعر المسلمون أنهم يقتربون من نصف قوة عدوهم المتاخم لهم كان عليهم أن يهبوا للجهاد، تدبر قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وعندها سيتقاعس المنافق خوفاً من الموت بسبب قلة عدد المسلمين لأنه لا يؤمن بالغيب، بل هو مادي. وبالطبع فهذا لا يعني التواكل أبداً، بل على المسلمين الإعداد المتقن ثم التوكل على الله متى ما وصل عددهم إلى نصف عدد الأعداء الذين يلونهم.
كما أريدك أن تفكر في سؤال مهم آخر: لماذا التوجيه للرسول صلى الله عليه وسلم بالتحريض، أي حض المسلمين على القتال بشدة واستمرار لدرجة الاقتراب من الهلاك وفي هذا مبالغة بالطبع لتبيان مكانة الجهاد)؟ ألم يكن من الأسهل عليه صلوات ربي وسلامه عليه أن يأمر الصحابة للخروج للجهاد؟ فقط مجرد الأمر منه صلى الله عليه وسلم وعندها يكون وعلى الناس الامتثال للأمر إما طوعاً أو كرها، أي إما حباً أو نفاقاً. ألم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بترك الخمرة فامتثل الصحابة فأهريق الخمر في شوارع المدينة المنورة؟ فمسألة حب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم مسألة مفروغ منها. فلماذا التحريض وليس الأمر في الجهاد؟ والإجابة هي، والله أعلم: أن الأمر منه يعني أن قرار الخروج للجهاد لن يكون قراراً شخصياً لكل فرد ولكنه مفروض عليه. وبهذا لن يتخلف المنافق، وهذا ما لا تريده الشريعة. فالشريعة لا تريد المنافق أن يخرج للجهاد. أما التحريض، ففيه فرصة للفرد لاتخاذ القرار بنفسه لنفسه، لأنه حث وليس أمر. والآن اقرأ التفسير الآتي من روح المعاني» لتتأكد من معنى التحريض:
«وقال الزجاج: هو في اللغة أن يحث الإنسان على شيء حتى يعلم منه أنه حارض، أي مقارب للهلاك.
معه
وعلى هذا فهو للمبالغة في الحث. وزعم في الدر المصون أن ذلك مستبعد من الزجاج، والحق ويؤيده ما قاله الراغب من أن الحرض يقال : لما أشرف على الهلاك. والتحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه؛ كأنه في الأصل إزالة الحرض نحو قذيته، أزلت عنه القذى. ويقال أحرضته إذا أفسدته. نحو أقذيته إذا جعلت فيه القذى، فالمعنى هنا يا أيها النبي بالغ في حث المؤمنين على قتال الكفار وجوز أن يكون من تحريض الشخص وهو أن يسميه حرضا، ويقال له ما أراك إلا حرضاً في هذا الأمر ومحرضاً فيه، ونحوه، فسقته: أي سميته فاسقاً، فالمعنى: سمهم حرضاً، وهو من باب التهييج والإلهاب. والمعنى الأول هو الظاهر. وقرئ «حرص» بالصاد المهملة من
٥٦٤ 🗏
الحرص وهو واضح».
۱۳۲
لاحظ نفس الفكرة أيضاً من الآتي من تفسير أبي السعود:
﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ، أي بالغ في حثهم عليه وترغيبهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغبة التي أعظمها تذكير وعده تعالى بالنصر وحكمه بكفايته تعالى أو بكفايتهم. وأصل التحريض الحرض، وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت. وقال الراغب كأنه في الأصل إزالة الحرض، وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به. قلت: فالأوجه حينئذ أن يجعل الحرض عبارة عن ضعف القلب الذي هو من باب نهك المرض. وقيل معنى تحريضهم تسميتهم حرضا، بأن يقال إني أراك في هذا الأمر حرضاً، أي محرضاً فيه لتهيجه إلى الإقدام.
۱۳۳
.«<...
وكما هو واضح من السابق ومن تفاسير أخرى فإنه لا ذكر لأي وعد مالي كمحرض منه صلى الله عليه وسلم، هذا في كتب التفسير، أما في كتب الفقه فستجد أقوالاً للفقهاء تحاول الربط بين التحريض والمال، فقد أول السرخسي في «المبسوط» مثلاً التحريض بأنه وعد مالي من خلال النفل، وهي الزيادة المالية (وسيأتي تفصيلها بإذن
الله). قال السرخسي: «ويستحب للإمام أن ينفل قبل الإصابة بحسب ما يرى الصواب فيه للتحريض على القتال. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ، ولأن بالنفل يعينه على البر، وهو بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى، فكان ذلك مستحباً، ولكن قبل الإصابة، وأما بعد الإصابة لا يجوز النفل إلا على قول أهل الشام فإنهم يجوزون ذلك. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم نفل بعد الإصابة. وتأويل ذلك عندنا أنه نفل من الخمس أو من الصفي الذي كان له أو فعل ذلك يوم بدر لأن الأمر في الغنائم كان إليه كما روينا، وإليه أشار سعيد بن المسيب رضي الله عنه فقال : لا نفل بعد الإحراز إلا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المعنى فيه أن بعد الإصابة في التنفيل إبطال حق أرباب الخمس وإبطال حق بعض الغانمين عما ثبت حقهم فيه، وهو سبب لإيقاع الفتنة والعداوة بينهم، والتنفيل للتحريض على القتال وتسكين الفتنة، فإذا نفل بعد الإصابة عاد على موضوعه بالنقض والإبطال،
وذلك لا يجوز».
١٣٤
تلاحظ في القول السابق الربط بين الآية وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحرض المجاهدين مالياً من خلال الأنفال، وبأن هذا الفعل أمر مستحب برغم تقييد السرخسي لذلك قبل الإصابة، أي قبل نيل الغنائم بعد النصر، أما بعدها فإن فيه مدعاة للفتنة كما يقول لأن القتال قد انتهى ولأن الغانمين قد ثبت حقهم في الغنائم، فلا ينازعهم فيه أحد وسيأتي بيانه بإذن الله). والسؤال هو من أين أتى السرخسي بهذا التأويل؟ لا أدري.
وهناك أقوال أخرى أيضاً أولت النفل على أنه تحريض على القتال، فقد جاء في كتاب الأموال مثلاً: «قال حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: قد كان الإمام ينفل السرية الثلث أو الربع يضريهم أو قال يحرضهم بذلك على القتال»، ١٣٥ وهنا أيضاً لا دليل وإنما تعليل للتنفيل. وكما سيأتي بيانه بإذن الله، فإن معظم الأحاديث التي ذكرها أبو عبيد نفسه في كتابه «الأموال» لا تربط بين التحريض والمال. وبالطبع، فهناك نصوص أخرى لفقهاء آخرين بنفس الفكرة، وستلحظ عليها أنه لا دليل نصي لقائليها سواء كان ذلك من القرآن الكريم أو من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي اجتهادات توضيحية شخصية من الفقهاء، والله أعلم.
ص۳
الديوان
والآن للننظر للآية الأخرى، أي لتفاسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾. ستلحظ نفس الاستنتاج، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بإصدار الوعود المالية لمن يبلي بلاء حسناً في الجهاد، وتلحظ أيضاً، وهو المهم، أن التفاسير تشير إلى أن الجهاد برغم أنه فرض كفاية أو عين أحياناً إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بجبر الناس للخروج للجهاد في قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾»، بل هذا قرار يتخذه كل فرد بنفسه وحسابه عند ربه. فقد جاء في كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» عن تأويل الآية مثلاً: إلا نَفْسَكَ ، لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم: أي إن أفردوك فقاتل وحدك فإنما عليك ذلك، ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي ليس عليك في شأن المؤمنين إلا التحريض» . ١٣٧ ولأهمية هذه المسألة سأسرد لك عدة تفاسير لتتيقن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له إجبار الناس على الخروج للجهاد إلا من خلال التحريض بالوعود بالفوز بالجنة أو بالتعذيب في نار جهنم، انظر لما جاء في «التفسير الكبير» وبالذات في المسألتين الثانية والثالثة:
۱۳۷
اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد عاد في هذه الآية إلى الأمر بالجهاد فقال: ﴿فَقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى: الفاء في قوله: ﴿فَقَتِلْ﴾، فبماذا تتعلق؟ فيه وجوه الأول أنها جواب لقوله: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾، النساء ٧٤، من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني : أن يكون متصلاً بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النساء ٧٥، ﴿فَقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، النساء ٨٤، والثالث: أن يكون متصلاً بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم بل قاتل. المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت هذه الآية. فخرج وما معه إلا سبعون رجلاً ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده. المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال، لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات. ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله، سهل ذلك عليه. ثم قال تعالى: ﴿لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ ، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» قرىء: ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾ بالجزم على النهي و (لَا نُكَلِّفُ)، بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها. المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : انتصاب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ ، على مفعول ما لم يسم فاعله. المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة. والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك. فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك. واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فانه على ثقة من النصر والظفر
.
هامش
ص۳) مثال ثالث: جاء في «الاستذكار»: «وقال النخعي: كان الإمام شرطه عمر الجويبر بن عبد الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ينفل السرية الثلث والربع يضريهم ويحرضهم على القتال». مثال قتل قتيلا فله سلبه، ولأن فيه مصلحة وتحريضاً على القتال، ...» رابع : جاء في المغني مثلاً: «ولنا ما تقدم من حديث حبيب وعبادة وما (١٣٦).
٥٦٦
بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، المائدة ٦٧، وبدليل قوله ههنا : ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، و عَسَى من الله جزم، فلزمه الجهاد وإن كان وحده. ثم قال تعالى: ﴿وَحَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، والمعنى: ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد
وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً للجهاد شيء».
۱۳۸ 🗏
تلحظ من النص السابق أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه تمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. كما تلحظ أيضاً نفس المسألتين التي أحاول إبرازهما وهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالجهاد بنفسه فقط دون إجبار الآخرين وأن عليه التحريض دون أي وعد مالي. انظر إلى ما جاء في تفسير النسفي لتصل لنفس
الاستنتاج:
ق
«لما ذكر في الآية قبلها " تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال: ﴿فَقَتِلْ فِي سبيل الله﴾، إن أفردوك وتركوك وحدك، ﴿لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود. وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت؛ فخرج وما معه إلا سبعون، ولو لم يتبعه أحد الخرج وحده. ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب، لا التعنيف .بهم عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أَي بطشهم وشدتهم، وهم قريش، وقد كف بأسهم بالرعب، فلم يخرجوا. وعسى كلمة مطمعة، غير أن إطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم».
وجاء في تفسير السعدي رحمه الله:
۱۳۹
... هذه الحالة أفضل أحوال العبد أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله من الجهاد وغيره، ويحرض غيره عليه، وقد يعدم في العبد الأمران أو أحدهما ، فلهذا قال لرسوله: ﴿فَقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ ، أي ليس لك قدرة على غير نفسك، فلن تكلف بفعل غيرك، ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم من تقويتهم والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما أعد للمقاتلين من الثواب وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال. ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي بقتالكم في سبيل الله وتحريض بعضكم بعضا » ..
١٤٠
أدرك أنني أطلت عليك أخي القارئ في هذه الجزئية، ولكنني أفعل ذلك لأقنعك بأهمية التحريض. وأن التحريض هو وعود غيبية كالفوز بالجنة، وذلك حتى لا يخرج للجهاد إلا المتقين وأنه ليس للرسول صلى الله عليه وسلم إلا التحريض دون الأمر. ولعلك تذكر من الفصل السابق المحاور الثمانية التي تحرض على الجهاد، ولعلك تذكر أيضاً كيف أن سبعة منها كانت وعود بالفوز بالجنة والمغفرة وما إلى ذلك من محفزات غير مادية، أما المحور الثامن فقط فهو الذي كان عن الغنائم. وإن رجعت وقرأتها أخي القارئ لن تجد بينها أي تحريض بوعد مالي يدفع للمجاهد قبل المعركة كما يفعل الديوان الذي هدم هذا الأصل المهم، وما حدث هذا إلا لأن البشر استخدموا عقولهم القاصرة مقابل النص. وللمزيد من التأكيد لننظر للمزيد من تأويل التحريض في القرآن الكريم. لاحظ في تفسير ابن كثير رحمه الله بأنه فسر التحريض على القتال من خلال الوعد بالجنة:
الديوان
«وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه كما قال لهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري ۲۷۹۰ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها). قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة). وروى من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء نحو ذلك. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا سعيد، من رضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً وجبت له الجنة؛ قال: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله؛ ففعل؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ؛ قال : وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، رواه مسلم ١٨٨٤؛ وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، أَي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله ومقاومتهم ومصابرتهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكيلًا﴾، أي هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ ،
الآية ».
١٤١
٥٦٧
هل رأيت التحريض أخي القارئ، إنه بالوعد بالجنة وليس بالعطاء في الدنيا، وكذلك جاء في «الدر المنثور»: وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سنان في قوله ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، قال : عظهم. وأخرج ابن المنذر عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: (ألا هل مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور تلألأ وريحانه تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد وفاكهة كثيرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبدا، في خير ونضرة ونعمة في دار عالية سليمة بهية، قالوا: يا رسول الله نحن المشمرون لها؛ قال: (قولوا إن شاء الله)، ثم ذكر الجهاد وحض عليه».
هامش
ق) الآية التي قبلها هي: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولَ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ تنكيلاً، من النكال؛ والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان. قال: وأرم على أقفائهم بمنكل. الثالثة: إن قال قائل: نحن نرى الكفار في بأس يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ وشدة، وقلتم إن عسى بمعنى اليقين، فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا. هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام، فمتى وجد (۳) وجاء في تفسير القرطبي يرحمه الله: «فيه ثلاث مسائل: الأولى ولو لحظة مثلاً فقد صدق الوعد، فكف الله بـأس المشركين ببـدر قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ ، أي حضهم على الجهاد والقتال الصغرى وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال، وكفى الله يقال حرضت فلاناً على كذا إذا أمرته به وحارض فلان على الأمر المؤمنين القتال، وبالحديبية أيضاً عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، وأكب وواظب بمعنى واحد. الثانية قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَن ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء ، اطماع، والإطماع من الله عزوجل يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفََّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ واجب، على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب، ومنه ، على ما يأتي، وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقال الرعب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ابن مقبل : ظني بهم كعسى وهم بتنوفة يتنازعون جوائز الأمثال. قوله ، وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدَّ بَأسًا﴾، أي صولة وأعظم سلطاناً وأقدر باساً على المؤمنين لهم، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين مع أنه قد دخل ما يريده. ﴿وَأَشَدُّ تَنكيلًا﴾ ، أي عقوبة عن الحسن وغيره. قال ابن من اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين درید: رمــاه الله بنكلة، أي رماه بما ينكله. قال: ونكلت بالرجل وتركوا المحاربة داخرين، فكف الله بأسهم عن المؤمنين» (١٤٢).
٥٦٨ 🗏
أما بالنسبة لخوف المنافقين من الخروج للجهاد حباً في الدنيا وكراهة في الموت فلا أدل على ذلك من آيات القرآن الكريم التي تشير بوضوح إلى هذه الظاهرة. والآيات في هذا كثيرة وسأسرد لك بعضها دون محاولة تفسيرها، فهي ذاتية الجلاء إن تدبرتها. تأمل قوله تعالى مثلاً في سورة آل عمران: ﴿يَنَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًَّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . وقوله تعالى في سورة آل عمران أيضاً: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْتَنكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَأَدْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ . وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ . وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. وقوله تعالى في سورة محمد : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾». وقوله تعالى في سورة
الفتح:﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا له بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. ولعل من الآيات الواضحة الفاضحة للمنافقين ما جاء في سورة التوبة، قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ . وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَجَهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَئْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّولِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَعِدِينَ ﴾ . وأخيراً تأمل الآيات الست الآتية من سورة التوبة أيضاً والتي تروي لنا حال الخائفين من الجهاد وسلوكياتهم قبل خروج المؤمنين وبعد عودتهم مقارنة بالمؤمنين الذين لا يجدون ما ينفقونه على أنفسهم ليتجهزوا للخروج للجهاد. قال تعالى:﴿
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلُّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجدُوا مَا يُنفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَلِمٍ
الديوان
٥٦٩
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرَضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
ولكنك قد تسأل: وماذا إن كان المجاهد فقيراً، فإن للغنائم في هذه الحالة وزن في نفسه، وقد يكون في هذا دافعاً له للجهاد برغم أن الغنائم مجهولة وغير أكيدة، وهكذا تتأثر النية؟ الإجابة من ثلاثة أوجه الأول: هذا وضع نادر الحدوث أو حتى أنه افتراضي لأن الشريعة لم تطبق، لأنها إن طبقت لعشرات السنين فلن يبقى فقير واحد إلا قد تمكن أو لحقته الزكاة، ولكنك قد تسأل: وماذا عن الفقراء أيام الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فأجيب: بالطبع، لقد كان هناك فقراء لأن الدعوة كانت في أولها ( كفقراء المهاجرين)، لكن إن عاش صلوات ربي وسلامه عليه لعشرات السنوات الأخرى لانقرض الفقر تماماً. أي إن طبقت مقصوصة الحقوق لعدة أجيال لانتهى الفقر تماماً لأن الشريعة تضع مفاتيح التمكين بيد الجميع دون تفاضل وهذا هو لب موضوع هذا الكتاب)، وعندها ستكون نيات المجاهدين إن كانت متفاوتة في الإخلاص، نيات قائمة على قاعدة تمكينية مالية واحدة لجميع المجاهدين لأن وزن المال قد اضمحل في نفوسهم لغناهم جميعاً لاسيما إن علمنا أن مقتنيات المجتمع من أعيان ستكون متقاربة نوعياً بسبب التصنيع الذي يخضع لقيم المجمتع المسلم ذي الأفراد المتقاربين دخلاً ولن يكون للمال الفائض حينئذ كبير فائدة في مثل تلك الظروف (كما سيأتي بيانه بإذن الله ) ، " وهذا بالطبع سيخفف من التفاوت في النيات وبالذات في مجتمع غير مسيطر عليه سياسياً لانطلاق العلماء في توعية المجتمع بأهمية خلوص النيات في الجهاد.
هي
ش۳
الوجه الثاني: قلنا أن الغنائم لن تشد المنافق للجهاد، أما المسلم التقي الفقير الذي يسعى لتكون كلمة الله العليا، فإن شدته الغنائم للجهاد فلا مضرة من ذلك لأنه ذو معدن يصعب شراء ولائه. أما الوجه الثالث وهو الأهم (وقد ذكرته سابقاً): سواء كانت نية المجاهد خالصة لله عز وجل أو أنه كان مرائياً، فإن هذا لن يؤثر في تركيبة المجتمع السياسية بعد المعركة لأن المجاهد لن يرتبط في ولائه بأي حاكم لأن حقوقه من الغنائم مقصوصة له سلفاً، ولأن الحاكم لا مال له كما وضحت في الفصلين السابقين. فإخلاص النية هي علاقة بين العبد وربه في مثل هذه الظروف دون تأثير سياسي على المجتمع. أما إن لم تطبق الشريعة، وكان للسلطان التلاعب بالغنائم كيفما أراد وبالذات إن أخذ الفيء ليقسمه كيفما شاء من خلال دواوين الجند ودواوين العطاءات، عندها تظهر خطورة إخلاص النية، لأن المرائين أو الطامعين، وبالذات الشجعان منهم، سيحاولون التقرب من السلطان للحصول على المزيد من المال من خلال المزيد من المكوس، وعندها قد يقربهم السلطان ليستخدمهم لتثبيت أهوائه، وهكذا تتبلور الطبقات السياسية التي تحكم المجتمع ويتم عندها التخلي عن شرع الله إلى الحكم بالأهواء كما سترى بإذن
الله تعالى.
هامش
ش٣) المقصود هو: لأن الناس سيكونون متقاربين في الدخل مادياً إن المجتمع ذو إنتاجية هزيلة بأعيان ذات نوعيات متدنية، بل على طبقت الشريعة (وسيأتي إثبات هذا بإذن الله) فإن إنفاقهم سيكون العكس، فهذا يعني جودة عالية في كل شيء ولكن بتقارب أكبر بين بالتالي متقارباً. وفي مثل هذه الظروف في مجتمع مفتوح اقتصايا سيلبي جودة المنتجات هكذا يفقد المال الزائد قوته الشرائية إلا التصنيع رغبات المنفقين بإنتاج أعيان متقاربة في أنواعها وأشكالها للضروريات، وبتقدم المجتمع معرفياً وإنتاجياً تزداد الأمة استهلاكاً فلن يوجد مثلاً ه مصنع لإنتاج ساعات فارهة تباع بعشرات الآلاف لأنه لأعيان أكثر جودة فيرتقي التصنيع وهكذا، تصبح الكماليات لا جدوى اقتصادية من تصنيع تلك الساعات إذ لا أثرياء بعدد كاف ضروريات بنوعيات أجود كما سيأتي بيانه بإذن الله. لتغطية النفقات ناهيك عن الربح. إلا أن هذا لا يعني مطلقاً أن يكون
۵۷۰ 🗏
مثال مؤلم
!
أريدك أن تقرأ النص الآتي من كتاب تاريخ بغداد» ثم تقارنه بالنص الذي يليه من كتاب «البداية والنهاية». إن تأملت النصين وقارنتهما لعلك تتألم ، إن لم تبكِ لحال المسلمين، وما هذا إلا بسبب الخروج عن شرع الله الذي وضع أموال الغنائم والفيء والصدقات في أيدي السلاطين. ستلحظ بجلاء من النص الأول مدى الترف غير المعقول الذي كان فيه الخليفة العباسي المقتدر بالله ومن معه سنة خمس وثلاثمائة، فكل شيء مطرز أو مطلي بالذهب، حتى الأشجار والوسائد والمقاعد. ولعلك ستحتار وتسأل لماذا يجلس الناس على الذهب؟ حتى تقل راحتهم ! ولماذا ترصع الأشجار بالذهب؟ حتى تفقد جمالها الطبيعي إن قرأت النص الآتي بتأمل كل جملة محاولاً تخيل المكان بما فيه من إسراف وتبذير وبعدد الخدم والغلمان والحجاب الذين يقدرون بعشرات الآلاف في كل ناحية وما هم فيه من ترف، لأدركت أنها بيئة خصبة للمجون واللهو. وهكذا من جيل ماجن لآخر حتى تأتي للنص الثاني الذي يريك ما حدث لسكان بغداد بسبب خليفة كان لا يعرف من فن الحكم (هو ومن معه) إلا التلذذ بالحياة، لدرجة أن الخليفة كان بحضرة جارية ترقص أمامه والعدو يحاصره. لاحظ أيضاً في النص الأول أن عدد الجنود في مدينة بغداد نفسها كانوا قد بلغوا المائة والستين ألفاً وأنهم قد اصطفوا فقط لإظهار العظمة حتى ينبهر رسولاً كان قد قدم موفداً من الروم، ناهيك عن عدد الوزراء والحجاب وأعوانهم وخدمهم. فبدل صف هؤلاء الجند على الحدود لحماية الأمة ونشر الرسالة الخالدة، تجدهم بجانب السلطان لتوطيد حكمه. لاحظ أيضاً عدد العتاد كالدروع وما شابه وهي داخل القصر وليست مع الجنود في الحدود لتستخدم لنشر الإسلام. بل لعلها، والله أعلم، خزنت لتستخدم لقمع الثورات أو تحسباً لغزو من الأعداء في الشرق أو الغرب، وبالطبع، فإن الأعداء سيغزون المسلمين إن لم يبادرهم المسلمون بالجهاد. ألا تذكرك هذه المخازن بمخازن اليوم للأسلحة؟ ألا يذكرك الترف الذي كانوا فيه بما عليه أبناء وبنات الحكام اليوم وبالذات من هم في دول النفط ؟ فبرغم تغير الزمان إلا أن النمط نفسه. تأمل النص الذي يأخذك في رحلة تصف ما شاهده الوفد الرومي. قال الخطيب البغدادي رحمه الله:
هو
«حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال : حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم قال: حدثني أبي قال قال أبو القاسم علي بن محمد الحواري في بعض أيام المقتدر بالله، وقد جرى حديثه وعظم أمره وكثرة الخدم في داره قد اشتملت الجريدة في هذا الوقت على أحد عشر ألف خادم خصي، وكذا من صقلبى ورومى وأسود. وقال هذا جنس واحد ممن تضمه الدار، فدع الآن الغلمان الحجرية وهم ألوف كثيرة والحواشي من الفحول. وقال أيضاً: حدثني أبو الفتح عن أبيه وعمه عن أبيهما أبي القاسم علي بن يحيى أنه كانت عدة كل نوبة من نوب الفراشين في دار المتوكل على الله أربعة آلاف فراش قالا : فذهب علينا أن نسأله كم نوبة كانوا. حدثني هلال بن المحسن قال: حدثني أبو نصر خواشاذة خازن عضد الدولة قال: طفت دار الخلافة عامرها وخرابها وحريمها وما يجاورها ويتاخمها فكان ذلك مثل مدينة شيراز. قال هلال: وسمعت هذا القول من جماعة آخرين عارفين خبيرين. ولقد ورد رسول لصاحب الروم في أيام المقتدر بالله ففرشت الدار بالفروش الجميلة وزينت بالآلات الجليلة ورتب الحجاب وخلفاؤهم والحواشي على طبقاتهم على أبوابها ودهاليزها وممراتها ومخترقاتها وصحونها ومجالسها ووقف الجند صفين بالثياب الحسنة وتحتهم الدواب بمراكب الذهب والفضة، وبين أيديهم الجنائب على مثل هذه الصورة. وقد أظهروا العدد المكسية والأسلحة المختلفة فكانوا من أعلى باب الشماسية وإلى قريب من دار الخلافة، وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم الخواص الدارية والبرانية إلى حضرة الخليفة بالبزة الرائعة والسيوف والمناطق المحلاة وأسواق
OVI
الديوان
الجانب الشرقي وشوارعه وسطوحه ومسالكه مملوءة بالعامة النظارة، وقد اكترى كل دكان وغرفة مشرفة بدراهم كثيرة، وفي دجلة الشذآت والطيارات والزبازب والدلالات والسميريات بأفضل زينة وأحسن ترتيب وتعبية. وسار الرسول ومن معه من المواكب إلى أن وصلوا إلى الدار ودخل الرسول، فمر به علی دار نصر القشوري الحاجب، ورأى ضففاً كثيراً ومنظراً عظيماً فظن أنه الخليفة، وتداخلته له هيبة وروعة حتى قيل له إنه الحاجب وحمل من بعد ذلك إلى الدار التي كانت برسم الوزير وفيها مجلس أبي الحسن علي بن محمد الفرات يومئذ فرأى أكثر مما رآه لنصر الحاجب ولم يشك في أنه الخليفة حتى قيل له هذا الوزير. وأجلس بين دجلة والبساتين في مجلس قد علقت ستوره واختيرت فروشه ونصبت فيه الدسوت وأحاط به الخدم بالأعمدة والسيوف، ثم استدعى بعد أن طيف به في الدار إلى حضرة المقتدر بالله وقد جلس وأولاده من جانبيه، فشاهد من الأمر ما هاله ثم انصرف إلى دار قد أعدت له حدثني الوزير أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن المسلمة قال: حدثني أمير المؤمنين القائم بأمر الله قال : حدثني أمير المؤمنين القادر بالله قال: حدثتني جدتي أم أبي إسحاق بن المقتدر بالله أن رسول ملك الروم لما وصل إلى تكريت أمر أمير المؤمنين المقتدر بالله باحتباسه هناك شهرين، ولما وصل إلى بغداد أنزل دار صاعد ومكث شهرين لا يؤذن له في الوصول حتى فرغ المقتدر بالله من تزيين قصره وترتيب آلته فيه ثم صف العسكر من دار صاعد إلى دار الخلافة، وكان عدد الجيش مائة وستين ألف فارس وراجل، فسار الرسول بينهم إلى أن بلغ الدار ثم أدخل في أزج تحت الأرض، فسار فيه حتى مثل بين يدي المقتدر بالله وأدى رسالة صاحبه ثم رسم أن يطاف به في الدار وليس فيها من العسكر أحد البتة، وإنما فيها الخدم والحجاب والغلمان السودان. وكان عدد : الخدم إذ ذاك سبعة آلاف خادم، منهم أربعة آلاف بيض وثلاثة آلاف سود وعدد الحجاب سبعمائة حاجب وعدد الغلمان السودان غير الخدم أربعة آلاف غلام قد جعلوا على سطوح الدار والعلالي وفتحت الخزائن والآلات فيها مرتبة كما يفعل لخزائن العرائس، وقد علقت الستور ونظم جوهر الخلافة في قلايات على درج غشيت بالديباج الأسود، ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها؛ وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم، عليها أطيار مصوغة من الفضة تصفر بحركات، قد جعلت لها، فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه من جميع ما شاهده. قال لي هلال بن المحسن: ووجدت من شرح ذلك ما ذكر كاتبه أنه نقله من خط القاضي أبي الحسين بن أم شيبان الهاشمي، وذكر أبو الحسين أنه نقله من خط الأمير، وأحسبه الأمير أبا محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قال : كان عدد ما علق في قصور أمير المؤمنين المقتدر بالله من الستور الديباج المذهبة بالطرز المذهبة الجليلة المصورة بالجامات والفيلة والخيل والجمال والسباع والطرد والستور الكبار البضغائية والأرمنية والواسطية والبهنسية السواذج والمنقوشة والديبقية المطرزة ثمانية وثلاثين ألف ستر، منها الستور الديباج المذهبة المقدم وصفها اثنا عشر ألفا وخمسمائة ستر، وعدد البسط والنخاخ الجهرمية والدار ابجردية والدورقية في الممرات والصحون التي وطىء عليها القواد ورسل صاحب الروم من حد باب العامة الجديد إلى حضرة المقتدر بالله سوى ما في المقاصير والمجالس من الأنماط الطبري والديبقي التي لحقها للنظر دون الدوس اثنان وعشرون ألف قطعة. وأدخل رسل صاحب الروم من دهليز باب العامة الأعظم إلى الدار المعروفة بخان الخيل وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب الأيمن خمسمائة فرس عليها خمسمائة مركب ذهباً وفضة بغير أغشية ومن الجانب الأيسر، خمسمائة فرس عليها الجلال الديباج بالبراقع الطوال، وكل فرس في يدي شاكري بالبزة الجميلة. ثم أدخلوا من هذه الدار إلى الممرات والدهاليز المتصلة . بحير الوحش. وكان في هذه الدار من أصناف الوحش التي أخرجت إليها من الحير قطعان تقرب من الناس وتتشممهم وتأكل من أيديهم، ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزينة بالديباج والوشي على كل فيل ثمانية نفر
۵۷۲
من
مثل ذلك.
السند والزراقين بالنار، فهال الرسل أمرها، ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع، خمسون يمنة وخمسون يسرة، كل سبع منها في يد سباع، وفي رؤوسها وأعناقها السلاسل والحديد، ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث وهي دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ثلاثون ذراعاً في عشرين ذراعاً فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة مزينة بالديبقي المطرز ، وأغشيتها ديبقي مذهب، وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيه نخل، وأن عدده أربعمائة نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، قد لبس جميعها ساجاً منقوشاً من أصلها إلى حد الجمارة بحلق من شبه مذهبة، وجميع النخل حامل بغرائب البسر الذي أكثره خلال لم يتطير، وفي جوانب البستان أترج حامل ودستلنبوا ومقفع وغير ذلك؛ ثم أخرجوا من هذه الدار إلى دار الشجرة، وفيها شجرة في وسط بركة كبيرة مدورة ، فيها ماء صاف وللشجرة ثمانية عشر غصناً لكل غصن منها شاخات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة؛ وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها مذهب، وهي تتمايل في أوقات ولها ورق مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق الشجر، وكل من هذه الطيور يصفر ويهدر. وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارساً على خمسة عشر فرساً قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد في الناورد خبباً وتقريباً، فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد، وفي الجانب الأيسر . ثم أدخلوا إلى القصر المعروف بالفردوس، فكان فيه من الفرش والآلات ما لا يحصى ولا يحصر كثرة وفي دهاليز الفردوس عشرة آلاف جوشن مذهبة معلقة. ثم أخرجوا منه إلى ممر طوله ثلاثمائة ذراع قد علق من جانبية نحو من عشرة آلاف درقة وخوذة وبيضة ودرع وزردية وجعبة محلاة وقسي. وقد أقيم نحو ألفي خادم بيضاً وسوداً صفين يمنة ويسره، ثم أخرجوا بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصراً إلى الصحن التسعيني، وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل والبزة الحسنة والهيئة الرائعة، وفي أيديهم الشروخ والطبرزينات والأعمدة، ثم مروا بمصاف من علية السواد من خلفاء الحجاب الجند والرجالة وأصاغر القواد ودخلوا دار السلام، وكانت عدة كثير من الخدم والصقالبة في سائر القصور يسقون الناس الماء المبرد بالثلج والأشربة والفقاع. ومنهم من كان يطوف مع الرسل، فلطول المشي بهم جلسوا واستراحوا في سبعة مواضع، واستسقـوا الماء فسقوا. وكان أبو عمر عدي بن أحمد بن عبد الباقي الطرسوسي صاحب السلطان ورئيس الثغور الشامية معهم في كل ذلك، وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة. ووصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في التاج مما يلي دجلة بعد أن لبس بالثياب الديبقية المطرزة بالذهب على سرير أبنوس قد فرش بالديبقي المطرز بالذهب وعلى رأسه الطويلة، ومن يمنة السرير تسعة عقود مثل السبح معلقة، ومن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر وأعظمها قيمة غالبة الضوء على ضوء النهار، وبين يديه خمسة من ولده، ثلاثة يمنة واثنان ميسرة، ومثل الرسول وترجمانه بين يدي المقتدر بالله، فكفر له، وقال الرسول لمؤنس الخادم ونصر القشوري وكانا يترجمان عن المقتدر : لولا أني لا آمن أن يطالب صاحبكم بتقبيل البساط لقبلته، ولكنني فعلت ما لا يطالب رسولكم بمثله لأن التكفير من رسم شريعتنا. ووقفا ساعة وكانا شابا وشيخا؛ فالشاب الرسول المتقدم، والشيخ الترجمان. وقد كان ملك الروم عقد الأمر في الرسالة للشيخ متى حدث بالشاب حدث الموت، وناوله المقتدر بالله من يده جواب، وكان ضخما كبيرا فتناوله وقبله إعظاما له. وأخرجا من باب الخاصة إلى دجلة وأقعدا وسائر أصحابهما في شذا من الشذوات الخاصة، وصاعدا إلى حيث أنزلا فيه من الدار المعروفة بصاعد، وحمل إليهما خمسون بدرة
ورقا في كل بدرة خمسة آلاف درهم، وخلع على أبي عمر عدي الخلع السلطانية، وحمل على فرس وركب على الظهر، وكان ذلك في سنة خمس وثلاثمائة».
١٤٣ 🗏
الديوان
۵۷۳
رحم
هل رأيت البذخ ! فبدل أن تقع الأموال بأيدي المستحقين من الناس ليستثمروها ويزداد الإنتاج في الأمة، كانت الأموال تحبس على شكل مذهبات ومجوهرات وأمتعة منقصة بذلك من رأس مال الأمة جيلاً بعد جيل، هذا بالإضافة للخدم الذين يحبسون لخدمة بعضهم البعض دونما إنتاجية ملموسة للأمة، ناهيك عن أن هؤلاء الخدم والحجاب والوزراء ومن حولهم هم معابر سهلة لقرار السلطان ليمنع زيد من فعل ما قد يفيد الأمة، ويمنح عبيد ما قد يضر بتقدم الأمة (وسيأتي بيانه بإذن الله). إنها بيئة خصبة للمحسوبيات والرشاوي ليكون القرار من السلطان في الأغلب قراراً مزاجياً. وبالطبع فلا يحق لنا أن نلوم هؤلاء الأفراد، فإن كنا مكانهم والله أعلم لفعلنا مثلهم إلا من الله، فالإشكالية ليست في الأفراد، ولكن في منظومة الحقوق التي أوجدت بيئة خصبة للفساد. هكذا تراكم الترف جيلاً بعد جيل، ثم بعد عدة أجيال وفي سنة ست وخمسين وستمائة، وفي نفس المدينة (بغداد) عاصمة الخلافة العباسية، وصل التتار فلم يجدوا أي مقاومة تذكر ، لماذا؟ لأن الديوان كان قد أوجد جيشاً لا يقاتل في سبيل الله، ولكن يقاتل في سبيل المال، فقام الوزير ابن العلقمي (وكان حاقداً على أهل السنة والجماعة) وأقنع الخليفة بتخفيض النفقات الحربية، فتم إسقاط أسهم الجند من الديوان، فكان عدد الجند في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف، ثم نزل إلى عشرة آلاف جندي هزيل عندما وصل التتار، وأما هؤلاء الذين تم تسريحهم من الجيش فقد أصبحوا يشحذون الناس لقمة العيش لأنهم لا مهنة لهم يجيدونها غير العسكرية، بينما الجند العشرة آلاف المسجلين في الديوان (ولأن : بينهم المنافقين وضعاف النفوس، هذا إن لم يكونوا من المنافقين في الأغلب، ولأنهم انضموا للجيش لا العليا، بل لأخذ الأموال الشهرية من السلطان من خلال الديوان)، لم يكن لهم أي دور في
لتكون كلمة الله
هي
الذود عن أعراضهم وأوطانهم، فلم يستبسلوا في القتال، فهم كغثاء السيل. ولعلك تسأل: لماذا لم يقاتل أولئك الذين تم تسريحهم من الجيش، أي الذين كانوا من بين المائة ألف، فأجيب: إنهم لم ينخرطوا في الجيش أصلاً لتكون كلمة العليا، بل لأخذ الأموال، ولأن السلطان أوقف عنهم المال فلا مصلحة لهم في فقدان حياتهم ليستمر السلطان
هي
في حكمه، فلم يفعلوا شيئاً لخوفهم على حياتهم، لذلك سقطت بغداد دون مقاومة تذكر. ولعل المؤلم هو مصير العامة من الناس الذين لا يجيدون حمل السلاح، فهم قد خالفوا أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم الذي أمرهم بالتدرب على القتال (تذكر ما قلناه أخي القارئ في الفصل السابق عند الحديث عن القوة الحقة وأن الأمة المسلمة يجب أن تكون أمة تركيبتها السياسية الاجتماعية أمة يجيد جميع أفرادها القتال ومهاراته). هكذا أصبح الناس كالنعاج الذين جاء التتار وذبحوهم وهم يفرون منهم إلى كل مكان قد لا يصل إليهم التتار كالآبار والمزابل وما إليها من أماكن مظلمة موحشة، وبقوا فيها أياماً، والبعض الآخر تترس داخل الخانات التي قام التتار بكسر أبوابها أو حرقها، ففر الناس للأسطح فقتلوهم هنالك لدرجة أن الدماء كانت تسيل من ميازيب الأسطح إلى الأزقة. وهتك التتار الأعراض وسبوا النساء والأطفال، وهدمت المكتبات وألقيت كتبها في الأنهار وأحرقت. ولم ينج من سكان بغداد إلا اليهود والنصارى وأتباع ابن العلقمي وبعض التجار الذي ابتاعوا أرواحهم بأموالهم. لقد كان يوم دخول التتار إلى بغداد يوماً يجب أن يلقن كدرس لكل مسلم بأن هذا هو مصير كل من خرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فبدل أن يكون الجميع مقاتلاً ليذود عن نفسه، أصبحوا عالة على جيش هو في حد ذاته عالة على المجتمع. أي أن المجتمع مكون من طبقات كلها عالة على الكل. فالذي حدث من خلال الديوان بسبب تجمع الأموال لدى السلطان هو إيجاد شعب مكون من ثلاث طبقات طبقة حاكمة تعيش في ترف، وطبقة عاملة تؤخذ منها المكوس وهي كالنعاج لا تعرف الدفاع عن نفسها، وطبقة الجيش المنافق الذي لا يقاتل إلا لأجل المال، وعلى
٥٧٤ 🗏
رأس هذا المجتمع سلاطين تربوا على التلذذ بالشهوات والبذخ جيلاً بعد جيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. هكذا بمرور الزمن تكونت طبقة حاكمة لا همّ لها إلا المجون. لقد وصل التتار إلى خارج بغداد والخليفة قد أغلق جميع نوافذ قصره حتى لا تصل إليه السهام فتقطع عليه لهوه. ولعل المؤلم هو أنه بينما هو يلهوا والجارية ترقص أمامه، إذ بالجارية تُصاب فتقتل بسهم الأعداء، فلم يهب السلطان لفعل شيء برغم هلعه، بل أمر بالمزيد من التحصين لنوافذ قصره. وبالطبع فلن يهب لفعل شيء لأنه لن يستطيع فعل أي شيء، فهو ثمرة ترعرع أجيال من تراكم الترف الذي كان بسبب تجمع أموال الفيء وسواد العراق وما شابه من الأراضي التي لم تقسم. فهذه الأموال التي جمعت للسلطان هي التي مكنت السلطان من توظيف المنافقين الذين بدؤا بفرض المزيد من المكوس على الناس للمزيد من الإنفاق المترف. وهكذا للمزيد من المال والمزيد من الترف والمزيد من الحاجة للمال لتغطية نفقات المزيد من الموظفين للمزيد من الترف وللمزيد من حب الدنيا وللمزيد من الحاجة للمنافقين الذين سيجمعون المزيد من المكوس، وهكذا من المزيد من الدورات التي لن تنتهي إلا بالمزيد من النقصان في إنتاجية الأمة (وسيأتي بيانه بإذن الله، حتى جاء اليوم الذي كان يجب أن تستفيق فيه الأمة على هذا الانحراف عن شرع الله والذي لم تلتزم فيه الأمة بتقسيم الغنائم والفيء كما أمر الله . ولكن هل استفاقت الأمة؟ كلا، فلم يلتفت الفقهاء بعد الخطر الديوان، ولازال الديوان مستمراً إلى يومنا هذا، وها هي ذي بغداد تُحتل مرة أخرى بجيش أمريكي أفراده من حثالى البشر. لماذا حثالى البشر؟ لقد رأيت مرة مقابلة مع جندي أمريكي، قيل له: ما الذي تفتقده من بلدك؟ قال: عشيقتي. قيل له: وكيف هي ؟ فضحك وأخرج صورة لامرأة شبه عارية، وقال: إنها لعشيقتي وهي تعمل في ملهى ليلي. فسأله الصحفي ولكنها قد تكون في أحضان رجل آخر الآن، ألا يزعجك هذا البعد عنها؟ قال: لا، إنها تؤدي عملها. فتعجبت من سفالة هذا الديوث وكيف أنه يأمر وينهى المسلمين في بغداد. حتى السلاطين المسلمين كذلك، فهم يطيعون الرئيس الأمريكي ومنهم بيل كلينتون مثلاً الذي اعترف علناً بفعل جنسي مقزز مع فتاة. وهل رأيت أخي القارئ ما فعله الأمريكان في سجن أبو غريب ببغداد، لا أقصد هنا التعذيب، ولكن طريقة التعذيب من خلال تسخير الجنس بالأوضاع الشاذة القذرة المقززة، أليسوا حثالة البشر؟ هؤلاء الحثالى حكموا العراق ثم سلموه للرافضة. وما حدث هذا لأن الأمريكان هم الأقوياء، بل لأن المسلمين حكموا بعقولهم ولم يلتزموا بالنص فأوجدوا الديوان أو وزارات الدفاع حالياً، فأصبح الجهاد وظيفة وليس عبادة. وما حدث هذا إلا لأننا قدمنا العقل على النص، فظهر الديوان، ومن خلال التقليد في الفقه أصبح وكأنه شرعياً، فهو اسم ما أنزل الله به من سلطان. إن الإقتباس القادم مما كتبه ابن كثير جد مؤلم إن استوعبت ما سبق أخي القارئ، قال رحمه الله
واصفاً:
هم .
ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة وانقضت دولة بـ ـة بني العباس، منها استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار هولاكوخان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى. وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه وتعالى شيئا كما ورد في الاثر : لن يغني حذر عن قدر. وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخِّرُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا
الديوان
أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالِ﴾، وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم. فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هلاكوخان بجنوده كلها، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الأمر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه ، وهو أن هلاكو لما كان أول بروزه من همدان متوجها إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير ايبك وغيره وقالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الاموال، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئاً من الهدايا، فاحتقرها هولاكوخان وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دویداره المذکور وسلیمان شاه، فلم يبعثهما إليه ولا بالا به حتى أزف قدومه ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة لا يبلغون عشرة آلاف فارس وهم وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي ، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة، حتى نهبت دور قرابات الوزير، فاشتد حنقه . فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منا منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكوخان لعنه الله ، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوخان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين وأنزل الباقون عن مراكبهم، ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجة نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيراً من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة. وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك. وحسنوا له قتل الخليفة. فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله. ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي والمولى نصير الدين الطوسي. وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيراً لشمس الشموس، ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير. فلما قدم هولاكو وتهيب من قتل الخليفة، هون عليه الوزير ذلك، فقتلوه رفساً وهو في جوالق لئلا يقع على الارض شيء من دمه، خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم. وقيل: بل خنق ويقال: بل أغرق
Ovo
٥٧٦
فالله اعلم فباءوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده. وستأتي ترجمة الخليفة في الوفيات. ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون. وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط . ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم . وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال وكشف لهم ضعف الرجال. وذلك كله طمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضة وأن يقيم خليفة من الفاطميين وأن يبيد العلماء والمفتيين والله غالب على أمره. وقد رد كيده في نحره وأذله بعد العزة القعساء، وجعله حوشكاشاً للتتار بعد ما كان وزيرا للخلفاء، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال. فالحكم العلي الكبير رب الأرض والسماء» . . .
الله
١٤٤
النفل
🗏
النفل هو زيادة يزادها المجاهد على نصيبه من الغنائم. وحتى يأخذ الموضوع حقه من البحث لابد لنا من تقصي النفل لأنه قد يقول قائل : إن النفل بيد الحاكم يعطيه من يشاء وبقدر ما يشاء، وهذا قد يؤثر في نية المجاهد مما قد يؤثر أيضاً في ولاء ضعاف النفوس طمعاً في المال فيتقربوا من الحاكم الذي قد يسيرهم لتحقيق أهدافه، وبهذا قد يضيع التمكين من الناس فتذل الأمة. فإطاعة الحاكم في غير ما أمر الله به إنما هو استعباد من السلطان لمن أطاعوه. وسترى بإذن الله في الصفحات الآتية كيف أن الشريعة تقص الحقوق بطريقة تتلافى فيها حتى في أدق
التفاصيل مثل هذا الاستعباد الذي أدى لمذلة الأمة. لإثبات هذا لابد لنا من تقصي العلاقة بين النفل والتمكين.
قلنا إن إيجاد أمة عزيزة لن يتأتى إلا بالتمكين على الأرض، والتمكين لن يكون إلا بأمة غزيرة الإنتاج، وغزارة الإنتاج لا تأتي إلا بمشاركة أكثر عدد ممكن من أفراد المجتمع في العملية الإنتاجية وبطريقة إبداعية، وكلما زادت سطوة الدولة كلما نقصت مشاركة الناس في الإنتاج وأضمحل إبداعهم كما سيأتي بيانه بإذن الله. وتزداد سطوة الدولة إن تمكن الحاكم من تسخير بعض الناس للعمل له دون تردد حتى وإن حكم بغير ما أنزل الله، أي أنه استعبدهم، وهؤلاء الذين يعملون للسلطان بطاعة عمياء (أي (المستعبدون هم في الغالب من المنافقين. والخطر كل الخطر على الأمة إن تمكن هؤلاء المنافقون من الاستحواذ على المهارات القتالية لأنهم سيكونون مادة سهلة في يد السلطان للسيطرة على شعبه هنا تأتي أهمية النفل. كيف؟
الديوان
OVV
باختصار، لقد قصت الشريعة الحقوق بين الغانمين بطريقة تحفز بعض المقاتلين ولكن في الوقت ذاته دون أن يكون لهذه الزيادة (النفل) تأثير على ولاء المجاهد فلا يُستعبد، أي لن تكون نية المجاهد إعلاء كلمة السلطان، بل إعلاء كلمة الله. تأمل المثال الآتي: جاء في المستدرك على الصحيحين وفي السنن الكبرى:
«عن شداد بن الهادي أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك. فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم فقسم وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم. فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذه فجاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك). قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ههنا، وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة. قال: (إن تصدق الله يصدقك). فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهو هو ؟). فقالوا: نعم. قال: (صدق الله فصدقه). ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته عليه: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، أنا شهيد عليه . ت٣
۳
يعني
هذا
وبالطبع قد تقول: إن المثال السابق حالة استثنائية، فلن يرفض معظم المجاهدين الغنائم. فأجيب: قد يكون، ولكن بنسب متفاوتة، لذلك لنستمر من خلال هذا التوضيح التفصيلي المهم: قد تؤثر الغنائم في بعض الفقراء أو ضعاف النفوس فينجذبوا للجهاد لإعلاء كلمة الله وللكسب المادي أيضاً إن حصل، ولكن لا يـ الخنوع للسلطان. وللتوضيح أقول: إن النفل من المسائل الفقهية التي اختلفت فيها الأقوال بين الفقهاء. ولقد كانت الخلافات في مفاصل محددة يجب علينا أن نتقصاها لنقف على العلاقة بين النفل والنية والولاء. فمن هذه الخلافات الآتي: المسألة الخلافية الأولى هي : متى فرض الخمس ؟ أهو في غزوة بدر أو بعدها في غزوة بني قريظة أو في غزوة حنين؟ المسألة الخلافية الثانية : ألا يؤثر النفل في خلوص النية، فيكون القتال عندها لأجل الدنيا؟ مسألة خلافية ثالثة: هناك من الأفراد من هو ماهر وشجاع في القتال، فهل يكرم (يُنفل) مقابل هذا البلاء الحسن؟ ومن أين يؤخذ النفل؟ مسألة خلافية رابعة (لاحظ أن المسائل الخلافية متداخلة): هناك من الأقوال ما يذهب إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كره التنفيل وذلك لأن الأقوياء عادة هم من يتمكنون من المزيد من الغنائم مقارنة بالضعفاء في الجيش، لذلك فهو صلى الله عليه وسلم لم يكثر من النفل في غزواته، أي أن القائد للجيش غير ملزم بالتنفيل بالربع أو الثلث، أم أنه ملزم؟ ولماذا الربع أو الثلث؟ هنا نأتي للمسألة الخلافية الخامسة والأهم وهي تنفيل السرايا: هل للإمام أن يُنفل السرايا؟ وإن كان له ذلك، فمن أين يكون التنفيل؟ من الأربعة أخماس أم من الخمس؟ أم من خمس الخمس الذي هو للرسول صلى الله عليه وسلم؟ بالنسبة لهذه المسألة، فلعله من المفيد أولاً توضيح الآتي: إن الجيش الخارج للجهاد عادة ما يكون كبيراً في عدده، بالآلاف أو عشرات الآلاف في الغالب، أو مئات الآلاف في النادر. لذلك فإن حركته ستكون بطيئة. وفي الوقت ذاته، فقد كانت تنبثق من هذا الجيش مجموعات صغيرة من الجنود، وتسمى السرايا، وهم عادة من الأشجع والأمهر قتالاً، فتنطلق متقدمة الجيش لتغزو بعض القرى أو المواضع التي
هامش
ت٣) وتكملة ما جاء في النص: «... قال أبو عبد الرحمن: ما نعلم الهادي وابن المبارك أحد الأئمة، ولعل الخطأ من غيره والله أعلم» أحداً تابع ابن المبارك على هذا، والصواب بن أبي عمار عن بن شداد بن (١٤٥).
OVA 🗏
هي إما أمام أو عن يمين أو عن شمال الجيش لأهداف عسكرية أو تموينية بأخذ الغنائم التي تمكن الجيش من المسير. وهذه السرايا أثناء الذهاب لأرض المعركة، أي في «البدأة»، أو أثناء العودة لمقر الإقامة، أي في «الرجعة» كما يقول الفقهاء، كانت تحقق بعض الغنائم التي كان القائد العام للجيش يقسم جزءاً منها لمن هم في السرايا تقديراً لما أنجزوه، وقد كانت بنسبة الربع في البدأة والثلث في الرجعة أي أن ربع الغنائم تقسم بين أفراد السرايا إن تحققت الغنائم في الذهاب وثلثها في العودة، والباقي يقسم بين جميع الجيش بالأسهم. وسبب هذا التفاضل في النسبة بين الذهاب للمعركة والعودة منها هو أن الخروج في السرايا أثناء العودة أثقل على النفس لأن المعركة قد انتهت والجميع يتطلع للعودة بعد المشقة. والخلاف الذي وقع بين الفقهاء في هذه المسألة هو: هل يقسم الربع أو الثلث بين أفراد السرايا بعد عزل الخمس من الغنائم أم قبلها؟ مسألة خلافية سادسة: هل للقائد أن يزيد أو أن ينقص عن النسبة (أي الربع والثلث)، أم أن عليه الالتزام بها؟ مسألة خلافية سابعة: هل يجوز الوعد بالتنفيل قبل المعركة أو لا يجوز؟ مسألة خلافية ثامنة: لقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أن سلب المقتول للقاتل. والنقطة الخلافية هي: هل هذه قاعدة في جميع المعارك بحيث أن سلب المقتول حق للقاتل على الإطلاق؟ أم أنها حق إن رأى القائد ذلك أعلنه في معركة ما دون أخرى؟ مسألة خلافية تاسعة متى تقسم الغنائم في أرض المعركة إن حيزت أم بعد العودة لأرض المسلمين؟ مسألة خلافية عاشرة : كما هو معلوم فإن الغنائم جميعها، باستثناء الخمس، للمجاهدين. فماذا عن الأربعة أخماس كيف تقسم، فهناك مجاهد لديه فرس، وآخر راجلاً، فكيف تكون المفاضلة بينهما؟
هذه
بالنسبة للمسألة الخلافية الأولى، أي وقت فرض الخمس، فهي مسألة قد لا تهمنا الآن، لذلك فقد وضعت في الحاشية اقتباس جيد لابن حجر يوضح فيه الأقوال المختلفة. ١٤٦ بالطبع، إن محاولة معرفة الحق في المسائل الخلافية السابقة في حد ذاته بحاجة لتفرغ حتى يتمكن الباحث من الوصول لحقيقة قد تكون قطعية من خلال تمحيص الأحاديث، وهذا ما لا أستطيعه لأنني لست متخصصاً في علم الحديث، ولكن لأهمية علاقة هذه المسائل بالولاء سأسرد أهم النصوص التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله وأعلق على بعضها ثم أعلق عليها مجتمعة. ولكن تذكر أخي القارئ أن الفقهاء برغم اختلافهم إلا أنهم مجمعون على الدوائر الأقرب للمركز واختلافاتهم في الدوائر الأبعد عن المركز كما سبق وأن وضحت لنبدأ أولاً بالتوضيح الآتي للسرايا مما قاله أبو عبيد رحمه الله في كتاب «الأموال»:
«قال أبو عبيد : وتأويل نفل السرايا أن يدخل الجيش أرض العدو فيوجه الإمام منها سراياه في بدأته فيضرب يميناً وشمالاً ويمضي هو في بقية عسكره أمامه، وقد واعد أمراء السرايا أن يوافوه في منزل قد سماه لهم يكون به مقامه إلى أن يأتوه، ووقت لهم في ذلك أجلاً معلوماً. فإذا وافته السرايا هناك بالغنائم بدأ فعزل الخمس من جملتها ثم جعل لهم الربع مما بقي نفلاً خاصاً لهم، ثم يصير ما فضل بعد الربع لسائر الجيش. وتكون السرايا شركاءهم في الباقي أيضاً بالسوية، ثم يفعل بهم بعد القفول مثل ذلك إلا أنه يزيدهم في الانصراف فيعطيهم الثلث بعد الخمس، وإنما جاءت الزيادة في المنصرف لأنهم يبدءون إذا غزوا نشاطاً متسرعين إلى العدو، ويقفلون كلالاً بطاء قد ملوا السفر وأحبوا الإياب. وأما اشتراك أهل العسكر مع السرايا في غنائمهم بعد النفل فإنما يشركونهم لأن هذا العسكر ردء للسرايا، وإن كان أولئك حووا الغنيمة، وهؤلاء غيب عنها وهو تأويل قول النبي الذي ذكرناه: ويرد أقصاهم إلى أدناهم ومشدهم على مضعفهم ومتسريهم على قاعـدهـم). فهذا ما جاء في نفل السرايا إلا أن أهل الشام يرون أن السرية الأولى لا نفل .لها. يقولون هم وسائر الجيش في الغنيمة الأولى بمنزلة واحدة، وكذلك يروى عن سليمان بن موسى
ث ۳
الديوان
۵۷۹
والآن لنقرأ الاقتباس الآتي لابن قدامة (فهو من المذهب الحنبلي
توضح أقسام النفل مع ملخص جيد لأقوال الفقهاء، يقول رحمه الله:
على سهم
رحمه الله)، فهو من أفضل النصوص التي
«النفل زيادة تزاد على سهم الغازي ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض وقول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًَََََ﴾، الأنبياء ۷۲، والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها هذا الذي ذكره الخرقي وهو أن الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازياً بعث بين يديه سرية تغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي، وذلك خمس آخر ، ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه. فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية أخرج خمسه ثم أعطى السرية ثلث ما بقي ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه، وبهذا قال حبيب بن مسلمة والحسن والأوزاعي وجماعة. ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولعله يحتج بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُل الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، الأنفال ١، فخصه بها، وكان سعيد بن المسيب ومالك يقولان: لا نفل إلا من الخمس. وقال الشافعي يخرج من خمس الخمس لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهما نهم اثني عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً بعيراً، متفق عليه. ولو أعطاهم من أربعة الأخماس التي هي لهم لم يكن نفلاً وكان من سهامهم. ولنا ما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البداءة والثلث في الرجعة وفي لفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل، رواهما أبو داود. وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع وفي القفول الثلث، رواه الترمذي وقال: هذا حدیث حسن غريب. وفي لفظ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث، رواه الخلال بإسناده. وروى الأثرم بإسناده عن جرير بن عبد
الله
البجلي أنه لما قدم على عمر في قومه قال له عمر : هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من
...:.
هامش
ث) وجاء في كتاب مرقاة المفاتيح . والتنفيل إعطاء شيء زائد النفل، وكان رسول الله ينفل الربع أي في البدأة كما صرح به في الغنيمة في البدأة بفتح فسكون أي ابتداء سفر الغزو الحديث الآخر، وهي ابتداء سفر الغز. وكان إذا نهضت سرية من والثلث، بضم اللام ويسكن أي ونفل الثلث في الرجعة، بفتح أوله جملة العسكر وابتدروا إلى العدوّ وأوقعوا بطائفة منهم فما غنموا كان أي في الرجوع عن الغزو وهم في السفر. قال ابن الملك: أي إذا نهضت يعطيهم منها الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، وكان طائفة من العسكر فوقعت بطائفة من العدو قبل وصول الجيش كان ينفل الثلث في الرجعة وهي قفـول الجيش من الغزو، فإذا قفلوا لهم الربع مما غنموا ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، وإن ورجعت طائفة منهم فأوقعوا بالعدوّ مرة ثانية كان يعطيهم مما غنموا رجعوا من الغزو ثم وقع طائفة من العسكر بالعدو كان لهم الثلث مما الثلث لأن نهوضهم بعد القفل أشق والخطر فيه أعظم، وحكي عن غنموا لزيادة مشقتهم وخطرهم، ويشركهم سائرهم في الثلين لأن مالك أنه كان يكره التنفيل. وقوله بعد الخمس يدل على أنه يعطي من وجهة السرية والجيش البدأة واحدة، فيصل مددهم إليهم بخلاف الأخماس الأربعة التي هي للغانمين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق. الرجعة، رواه أبو داود. وعنه، أي عن حبيب رضي الله عنه أن رسول وقال سعيد بن المسيب والشافعي وأبو عبيدة: إنما يعطي النفل من الله [صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع أي في البدأة، بعد الخمس خمس الخمس سهم النبي. وقالوا: كان النبي يعطيهم من ذلك، وعلى أي بعد أن يخرج الخمس والثلث أي وينفل الثلث بعد الخمس إذا هذا فقوله بعد الخمس وهم من الراوي أو زيادة من بعض الرواة، قفل، قيد للمعطوف، أي إذا رجع من الغزو. قال ابن الملك: هذا ويؤيد ذلك عدمها في حديثه الآخر المساوي له في المعنى. قلت: فتح الحديث كالذي قبله غير أنه لم يبين في الذي قبله إن إعطاء ذلك كان هذا الباب بسد استنباط الحكم من المبني وعدمها في حديث كيف قبل إخراج الخمس أو بعده، وبين ههنا أنه كان يخرج أولاً الخمس من يدل على وهم وجودها في آخر مع أن الإثبات مقدم على النفي، والقيد المغنم ويصرفه إلى أهله ثم يعطي ربع أو ثلث ما بقي لأهل البدأة والتبيين حكم على الإطلاق والإجمال بالاتفاق، وقال أبو ثور يعطى والرجعة . قال القاضي النفل اسم لزيادة يخص بها الإمام بعض الجيش النفل من أصل الغنيمة كالسلب، رواه أبو داود» (١٤٧). على ما يعاينه من المشقة لمزيد سعي واقتحام خطر، والتنفيل إعطاء
- كل أرض وشيء، وذكره ابن المنذر أيضاً عن عمر . وقال إبراهيم النخعي: ينفل السرية الثلث والربع يضربهم بذلك. فأما قول عمرو بن شعيب فإن مكحولاً قال له حين قال: لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر له حديث حبيب بن مسلمة : شغلك أكل الزبيب بالطائف، وما ثبت للنبي عليه وسلم ثبت للأئمة بعده ما لم يقم على تخصيصه به دليل، فأما حديث ابن عمر فهو حجة عليهم، فإن بعيراً على اثنى عشر يكون جزءاً من ثلاثة عشر، وخمس الخمس جزء من . وعشرين، وجزء من ثلاثة عشر أكثر ، فلا يتصور أخذ الشيء من أقل منه يحققه أن الاثني عشر إذا
صلی
الله
خمسة
كانت أربعة أخماس والبعير منها ثلث الخمس، فكيف يتصور أخذ ثلث الخمس من خمس الخمس؟ فهذا محال، فتعين أن يكون ذلك من غيره أو أن النفل كان للسرية دون سائر الجيش على أن ما رويناه صريح في الحكم، فلا يعارض بشيء مستنبط يحتمل غير ما حمله عليه من استنبطه. إذا ثبت هذا فظاهر كلام أحمد أنهم إنما يستحقون هذا النفل بالشرط السابق، فإن لم يكن شرطه لهم فلا، فإنه قيل له: أليس قد نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداءة الربع وفي الرجوع الثلث؟ قال نعم، ذاك إذا نفل وتقدم القول فيه، فعلى هذا إن رأى الإمام أن لا ينفلهم شيئا فله ذلك. وإن رأى أن ينفلهم دون الثلث والربع فله ذلك، لأنه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئاً جاز أن يجعل لهم شيئاً يسيراً، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث، نص عليه أحمد ، وهو قول مكحول والأوزاعي والجمهور من العلماء. وقال الشافعي: لا حد للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل مرة الثلث وأخرى الربع، وفي حديث ابن عمر نفل نصف السدس، فهذا يدل على أنه ليس للنفل حـد لا يتجاوزه الإمام، فينبغي أن يكون موكولاً إلى اجتهاده. ولنا إن نفل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الثلث فينبغي أن لا يتجاوزه. وما ذكره الشافعي يدل على أنه ليس لأقل النفل حد، وأنه يجوز أن ينفل أقل من الثلث والربع، ونحن نقول به على أن هذا القول مع قوله إن النفل من خمس الخمس تناقض، فإن شرط لهم الإمام زيادة على الثلث ردوا إليه. وقال الأوزاعي: لا ينبغي أن يشرط النصف، فإن زادهم على ذلك فليف لهم به ويجعل ذلك من الخمس، وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها، فإن الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها والعدو خائف، وربما كان غاراً وفي الرجعة لا ردء للسرية لأن الجيش منصرف عنهم والعدو مستيقظ كلب قال أحمد في البداءة: إذا كان ذاهباً الربع، وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث لأنهم يشتاقون إلى أهليهم فهذا أكبر.
القسم الثاني أن ينفل الإمام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش. قال أحمد في الرجل يأمره الأمير يكون طليعة أو عنده يدفع إليه رأساً من السبي أو دابة قال: إذا كان رجل له غناء ويقاتل في سبيل الله فلا بأس بذلك، ذلك أنفع لهم يحرض هو وغيره يقاتلون ويغنمون. وقال: إذا نفذ الإمام صبيحة المغار الخيل فيصيب بعضهم وبعضهم لا يأتي بشيء فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاؤوا بشيء دون هؤلاء، وظاهر هذا أن له إعطاء من هذه حاله من غير شرط. وحجة هذا حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعتهم، فذكر الحديث، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل، رواه مسلم وأبو داود. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر قال: فبيتنا عدونا فقتلت ليلتئذ تسعة أهل أبيات وأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر، فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبتها له، رواه مسلم بمعناه.
القسم الثالث أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري. قال أحمد: إذا قال من جاء بعشر دواب أو بقر أو غنم فله واحد، فمن جاء بخمسة أعطاه نصف ما قال لهم؛ 🗏
الديوان
۵۸۱
ومن جاء بشيء أعطاه بقدره، قيل له : إذا قال: من جاء بعلج فله كذا وكذا؟ فجاء بعلج يطيب له ما يعطى؟ قال نعم . وكره مالك هذا القسم ولم يره، وقال: قتالهم على هذا الوجه إنما هو للدنيا. وقال هو وأصحابه: لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة . قال مالك : ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلاً فله سلبه إلا بعد أن برد القتال. ولنا ما تقدم من حديث حبيب وعبادة وما شرطه عمر لجويبر بن عبد الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، ولأن فيه مصلحة وتحريضاً على القتال، فجاز كاستحقاق الغنيمة وزيادة السهم الفارس واستحقاق السلب، وما ذكروه يبطل بهذه المسائل. وقوله إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل بعد أن برد القتال، قلنا: قوله ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات بعد قوله، فهو بالنسبة إليها كالمشروط في أول الغزاة. قال القاضي: ولا يجوز هذا إلا إذا كان فيه مصلحة المسلمين، وإن لم يكن فيه فائدة لم يجز لأنه إنما يخرج على وجه المصلحة فاعتبرت الحاجة فيه كأجرة الحمال والحافظ. إذا ثبت هذا فإن النفل لا يختص بنوع من المال. وذكر الخلال أنه لا نفل في الدراهم والدنانير، وهو قول الأوزاعي لأن القاتل لا يستحق شيئا منها، فكذلك غيره ولنا حديث حبيب بن مسلمة وعبادة وجرير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لهم الثلث والربع، وهو عام في كل ما غنموه ، ولأنه نوع مال فجاز النفل فيه كسائر الأموال، وأما القاتل فإنما نفل السلب وليست الدراهم والدنانير من السلب، فلم يستحق غير
ما جعل له».
١٤٨
ما سأبرزه بإذن الله من خلال الاقتباس السابق واقتباسات أخرى لفقهاء آخرين هو الجمع بين ما ذهبوا إليه بالتمسك بنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة فهم قد اختلفوا برغم إمكانية الجمع بين أقوالهم وإخضاعها للكتاب والسنة. فمما جمعه ابن قدامة من أقوال الفقهاء، قول يرى أن للإمام ألا ينفل، وقول يرى أن له أن ينفل دون الثلث والربع، وذلك لأنه إذا جاز أن لا يجعل لهم شيئاً جاز أن يجعل لهم شيئاً يسيراً، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث». ومن الأقوال أيضاً أنه لا حد للنفل، بل هو موكول لاجتهاد الإمام لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفل مرة الربع ومرة الثلث. والسؤال هو: إن كان للرسول صلى الله عليه وسلم فعل واضح أثبتته الكثير من الأحاديث، فلماذا لا نتمسك بما فعل. فقد ثبت وكما سترى في الاقتباسات القادمة من المذاهب الأخرى أنه كان ينفل الربع في الذهاب والثلث في العودة بعد الخمس. ولم ينكر أحد من الفقهاء ذلك. فلماذا لا يكون النفل هو الربع في الذهاب دون زيادة أو نقصان بعد الخمس والثلث في العودة دون زيادة أو نقصان بعد الخمس ؟ فبعض الفقهاء يقولون أن الرسول فعل هذا ثم يفتون بشيء آخر. وهذه هي المسألة الخلافية السادسة. أي ليس للقائد أن يزيد أو أن ينقص عن الربع والثلث. وأريدك أن تلحظ الاقتباسات الآتية لترى أن معظم الفقهاء لا يرفضون هذا المذهب. لذلك فلا حاجة للأخذ بقول آخر.
هي
وبالنسبة للقسم الثاني مما ذكره ابن قدامة وهي أن ينفل الإمام بعض الجيش لحسن أدائه أو لتحمله مكروه دون سائر الجيش، فالسؤال هو: من أين سيأتي النفل (وهذه المسألة الخلافية الثالثة فهناك اختلاف بين الفقهاء كما سترى في الاقتباسات القادمة، ولكن إن تمسكنا بما في القرآن الكريم نجد أن الأربعة أخماس من الغنائم هي حق للغانمين كما مر بنا في الفصلين السابقين بنص قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنْ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وبنص نفس الآية نجد أن الخمس مقسوم بين خمسة أصناف، فهي
۵۸۲ 🗏
من حقوقهم، لذلك فإن كان النفل لمن أبلى بلاء حسناً من خمس الخمس، والذي هو سهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فسيجد أي فقيه صعوبة في رفض هذا القول، لأنك ستلحظ أن الكثير من الآثار تؤكده كما سيأتي بإذن الله. وهذا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله، وهذا شرع واضح.
أما بالنسبة للمسألة الخلافية السابعة، وهي هل يجوز للإمام الوعد بالتنفيل قبل المعركة؟ تلحظ من الاقتباس السابق بأنه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلن أن من قتل قتيلاً فله سلبه فقد ذهب بعض الفقهاء بجواز الوعد بالتنفيل، بينما اعترض آخرون وبالذات الإمام مالك رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. والسؤال هو: لماذا لا نتمسك فقط بما أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الوعد الوحيد هو أن للقاتل سلب قتيله فقط دون إضافة وعد آخر مستحدث لأن من الفقهاء من رفضه كالإمام مالك رحمه الله . فالوعد منه صلى الله عليه وسلم ليس وعداً، قاعدة في جميع المعارك لاسيما أنها تكررت في الغزوات كما ستلحظ من الاقتباسات القادمة. فلا يحق عندها للإمام أن يعد المجاهدين حتى لا تتأثر نياتهم في الإخلاص. وهنا نأتي لأبرز ما في الاقتباس السابق لابن قدامة، وهو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله بكراهة النفـل. فبالنسبة للمسألة الخلافية الثانية، وهي تأثير النفل في خلوص النية، فكما ستلحظ من معظم الاقتباسات القادمة فإن المشهور عن الإمام مالك رحمه الله الكراهة للنفل لأنه يرى أن قتال المجاهدين على هذا الوجه إنما هو للدنيا. فقد جاء التلخيص الآتي لمذهب المالكية في كتاب «الكافي» لابن عبد البر:
بل هو
«باب النفل: لا نفل إلا من الخمس، وجائز النفل في أول مفتح وآخره على الاجتهاد، والنفل العطية يعطيها الإمام من رآه بغناء يرجوه فيه، ولا نفل عند مالك إلا السلب للقاتل وما جرى مجراه، ومحمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده من قتل قتيلاً فله سلبه على أنه كان ذلك القول منه بعد أن برد القتال، وليس عنده للقاتل سلب قتيله إلا أن ينادي بذلك الإمام، وليس ذلك على الإمام بواجب، وإنما ذلك منه على وجه الاجتهاد إن رأى لذلك وجهاً، هذا كله قول مالك وأصحابه. قال مالك: ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل قتيلاً فله سلبه) إلا يوم حنين. قال: ولا بلغني ذلك عن الخليفتين بعده. وقال: ولو كان النفل قبل القتال لكان قتالاً على الدنيا. قال: ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل قتيلاً فله سلبه) إلا بعد أن بـرد القتال، ومن أهل المدينة وغيرها من الحجازيين من يرى النفل جائزاً بعد الغنيمة وقبلها في البدءة والرجعة على وجه الاجتهاد، والنفل عند هؤلاء على وجهين: أحدهما السلب للقاتل، وجائز عندهم أن ينادي بذلك الإمام قبل القتال لما فيه من التحريض، وكذلك ما يعطيه الإمام من غير السلب نفلاً عـنـد الحرب لمن يرى منه بلاء حسناً، ونحو ذلك؛ والثاني ما ينادي به الإمام في بداية: من فعل كذا وكذا فله ربع ما يحصل عنده أو ثلثه بعد الخمس تحريضا على القتال، وهذا عند مالك باطل لأنه لا نفل عنده إلا من الخمس، وقد أوضحنا هذا الباب في كتاب التمهيد».
١٤٩
وجاء في «أحكام القرآن لابن عربي: «قال علماؤنا : النفل على قسمين: جائز ومكروه. فالجائز بعد القتال
كما قال النبي يوم حنين: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه، والمكروه أن يقال قبل القتل: من فعل كذا وكذا
فله كذا، وإنما كره هذا لأنه يكون القتال فيه للغنيمة».
خ
وقد أثار بعض الفقهاء أيضاً هذا الربط بين خلوص النية وأخذ الغنائم (وهي المسألة الخلافية الثانية). فهذا
ابن دقيق العيد مثلاً يقول، كما ذكره ابن حجر وسيأتي في نص طويل لابن حجر بإذن الله) بأن للنفل «تعلق
الديوان
۵۸۳
بمسائل الإخلاص في الأعمال وهو موضع دقيق المأخذ، ووجه تعلقه به أن التنفيل يقع للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة في الجهاد، ولكن لم يضرهم ذلك قطعاً لكونه صدر لهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فيدل على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص، لكن ضبط قانونها وتمييزها مما تضر مداخلته مشكل جداً». وقد ورى أحمد وابن ماجة والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: (ليرد قوي
101
المؤمنين على ضعيفهم». وأريدك أخي القارئ أن تلتفت لهذا الحديث في الاقتباسات الآتية، أي قوله صلى الله عليه وسلم: (ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم، لأنك ستلحظ بإذن الله تعالى أنها لابد وأن تؤدي إلى تقريب التوزيع بالتساوي بين المجاهدين بغض النظر عن مستوى قوتهم. وهذا يعني تقليل المال الذي قد يذهب للسلطان للتنفيل بناءً على القوة أو المهارة الحربية للمجاهد بالطبع، فإن بعض المجاهدين أمهر أو أقوى أو أشجع من بعض، وإن كان الحاكم ربانياً، فسيعدل في التقسيم وينفل الأحق، إلا أن الأمور قد لا تكون كذلك، وحتى تتلافى الشريعة هذا الاحتمال والله أعلم أي حتى لا تخضع أحقية التوزيع للنفل لأهواء الحاكم، فقد تم التخفيف من حدة هذه الصلاحية للسلطان بتقليل مال النفل كما ستلحظ من آثار أخرى كذلك. والآن للنظر للنص الآتي من كتاب «بداية المجتهد» والتي يلخص فيها ابن رشد القرطبي أثابه الله أهم أسباب الاختلافات بين الفقهاء عموماً:
«الفصل الثالث في حكم الأنفال: وأما تنفيل الإمام من الغنيمة لمن شاء، أعني أن يزيده على نصيبه، فإن العلماء اتفقوا على جواز ذلك واختلفوا من أي شيء يكون النفل، وفي مقداره، وهل يجوز الوعد به قبل الحرب، وهل يجب السلب للقاتل أم ليس يجب إلا أن ينفله له الإمام. فهذه أربع مسائل هي قواعد هذا الفصل. أما المسألة الأولى فإن قوماً قالوا: النفل يكون من الخمس الواجب لبيت مال المسلمين، وبه قال مالك. وقال قوم: بل النفل إنما يكون من خمس الخمس، وهو حظ الإمام فقط، وهو الذي اختاره الشافعي وقال قوم بل النفل من جملة الغنيمة، وبه قال أحمد وأبو عبيدة. ومن هؤلاء من أجاز تنفيل جميع الغنيمة، والسبب في اختلافهم هو هل بين الآيتين الواردتين في المغانم تعارض أم هما على التخيير ؟ أعني قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ﴾ ، الآية. فمن رأى أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ، ناسخاً لقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ ، قال : لا نفل إلا من الخمس أو من خمس الخمس. ومن رأى أن الآيتين لا معارضة بينهما وأنها على التخيير أعني أن للإمام أن ينفل من رأس الغنيمة من شاء، وله ألا ينفل بأن يعطي جميع أرباع الغنيمة للغانمين، قال بجواز النفل من رأس الغنيمة. ولاختلافهم أيضاً سبب آخر وهو اختلاف الآثار في هذا الباب، وفي ذلك أثران أحدهما ما مالك ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً بعيراً، وهذا يدل على أن النفل كان القسمة ، من الخمس، والثاني حديث حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة، وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة، يعني في بداءة غزوه
هامش
خ) وجاء في موطأ الإمام مالك أيضاً الآتي: «حدثني يحيى عن مالك من الإمام، وليس عندنا في ذلك أمر معروف موقوف إلا اجتهاد عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب أنه قال : كان الناس يعطون النفل السلطان، ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في مغازيه من الخمس. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت إلي في ذلك. وسئل كلها، وقد بلغني أنه نفل في بعضها يوم حنين، وإنما ذلك على وجه مالك عن النفل: هل يكون في أول مغنم ؟ قال : ذلك على وجه الاجتهاد الاجتهاد من الأمام في أول مغنم وفيما بعده» (١٥٠).
ΟΛΕ 🗏
عليه الصلاة والسلام وفي انصرافه. وأما المسألة الثانية : وهي ما مقدار ما للإمام أن ينفل من ذلك عند الذين أجازوا النفل من رأس الغنيمة، فإن قوماً قالوا لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث أو الربع على حديث حبيب بن مسلمة. وقال قوم: إن نفل الإمام السرية جميع ما غنمت جاز مصيراً إلى أن آية الأنفال غير منسوخة، بل محكمة وأنها على عمومها غير مخصصة . ومن رأى أنها مخصصة بهذا الأثر قال لا يجوز أن ينفل أكثر من الربع أو الثلث. وأما المسألة الثالثة: وهي هل يجوز الوعد بالتنفيل قبل الحرب أم ليس يجوز ذلك؟ فإنهم اختلفوا فيه، فكره ذلك مالك وأجازه جماعة. وسبب اختلافهم معارضة مفهوم مقصد الغزو لظاهر الأثر، وذلك أن الغزو إنما يقصد به وجه ا الله العظيم، ولتكون كلمة الله هي العليا، فإذا وعد الإمام بالنفل قبل الحرب خيف أن يسفك دماءهم الغزاة في حق غير الله. وأما الأثر الذي يقتضي ظاهره جواز الوعد بالنفل فهو حديث حبيب بن مسلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينفل في الغزو السرايا الخارجة من العسكر الربع وفي القفول الثلث، ومعلوم أن المقصود من هذا إنما هو التنشيط على الحرب».
١٥٢
تلحظ أن ابن رشد أثابه الله يركز في الاقتباس السابق على الآيتين: أي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم من شَيْءٍ ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَال﴾، وأن الخلاف نشأ بسبب الاختلاف الآتي: هل نسخت الآية الأولى الثانية أم لا؟ وكنت قد تحدثت عن هذه المسألة في الفصل السابق. ولعلك لاحظت حينها أنه لم يقل فقيه قط بأن قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَال﴾ قد نسخت قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم من شَيْءٍ ﴾، ولكن في الوقت ذاته، فإن هناك من الفقهاء من قال إن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم من شَيْءٍ ﴾ قد نسخ قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَال﴾وبهذا، فإن نحن أخضعنا قسمة الغنائم لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم من شَيْءٍ ﴾ فإننا أقرب للصواب دون أي اعتراض محتمل. ولأن الخمس قسم أيضاً لخمسة أقسام، أربعة منها هي حقوق ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهؤلاء منصوص عليهم في الآية، فإن الخمس الباقي هو سهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي تخرج منه الأنفال، وهذا الذي اختاره الشافعي رحمه الله والذي يستطيع الفقهاء الذهاب لغيره ولكنهم لا يستطيعون رفضه (إلا) من أثر ، وهو حديث عبد الله بن عمر، وسيأتي بيانه بإذن الله)، لذلك فهو
الأقرب للصواب. تلحظ أيضاً في الاقتباس السابق في المسألة الثانية أن من قال بأن للإمام أن ينفل السرية جميع ما غنمت فهو إنما يعتمد على أن الآية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَال﴾لم تنسخ بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾، لذلك ذهب هذا الفريق إلى أن للإمام أن ينفل ما شاء، إلا أن هذا الفريق الأول لا يستطيع أن يرفض قول الفريق الثاني، أي قول من ذهب إلى أن على السلطان أن ينفل الربع والثلث بعد الخمس كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث حبيب بن مسلمة. فأيهما أقرب لليقين في هذه الحالة؟ فالمسألة واضحة، فالفريق الثاني، أي من قال بأنه ليس للإمام أن ينفل أكثر من الربع أو الثلث أقرب للصحة لأن قوله مشمول في قول الفريق الأول، والعكس غير وأما بالنسبة للمسألة الثالثة من كلام ابن رشد (وهي المسألة الخلافية السابعة) وهي هل يجوز الوعد بالتنفيل، فإن من ذهبوا بجواز الوعد استندوا إلى حديث حبيب بن مسلمة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع والثلث بعد الخمس . فهم استنتجوا من هذا التنفيل أن هناك وعداً. قد يكون هذا الاستنتاج صحيحاً، إلا أننا سنكون في وضع أقرب للصحة منه إن نحن التزمنا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، أي بتنفيل الربع والثلث بعد الخمس فقط ولكن دون إضافة وعود أخرى لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه مسألة .
صحيح.
جد مهمة،
الديوان
٥٨٥
وهي أنه لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وعد فرداً بغنيمة ما إن هو فعل كذا أو كذا كما ستلحظ في الاقتباسات القادمة أيضاً. فلماذا الزيادة على فعل لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم؟
أي أن ما أحاول أن أستنتجه هو الآتي: كلما كثرت كمية الأموال التي يمكن للسلطان تنفيلها كلما تمكنت الأهواء من التدخل في التوزيع، وكلما تقرب المنافقون للسلطان، وكلما تمكن السلطان من استخدامهم لأهوائه، ولأن المنافقين من المجاهدين يتمتعون بمهارات قتالية، فقد يخرج السلطان عن شرع الله إن سخرهم لخدمته كما ذكرت مراراً. والعكس أيضاً . صحیح، كلما نقصت كمية الأموال التي للسلطان التنفيل منها كلما قل حوله المنافقون. ولعلك لاحظت أخي القارئ أنني لا أستخدم عبارة «حق السلطان» لأننا لا ندري أين الحق، بل نحاول تقصيه، لذلك تجدني أستخدم عبارات مثل: نصيب السلطان. ومن جهة أخرى، فإن الوعود التي للسلطان الحق في إطلاقها جد محددة كما جاءت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي حق القاتل في سلب قتيله فقط، وفي هذا أيضاً تحجيم لدور السلطان في التوزيع ولننظر الآن للنص الآتي من كتاب «الاستذكار لابن عبد البر (وهو من المذهب
المالكي
شاء
«قال أبو عمر : النفل يكون على ثلاثة أوجه أحدها أن يريد الإمام تفضيل بعض الجيش بشيء يراه من غنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش، فينفله من الخمس لا من رأس الغنيمة، بل من خمس الخمس من سهام النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعل له سلب قتيله، وسيأتي القول في سلب القتيل في موضعه من هذا الكتاب والوجه الآخر أن الإمام إذا دفع سرية من العسكر فأراد أن ينفلها مما غنمت دون أهل العسكر، فحقه أن يخمس ما غنمت ثم يعطي السرية مما بقي بعد الخمس ما شاء ربعاً أو ثلثاً ولا يزيد على الثلث لأنه أقصى ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله. ويقسم الباقي بين جميع أهل العسكر والسرية على السواء للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. والوجه الثالث أن يحرض الإمام أو أمير الجيش أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو، وينفل من منهم او جميعهم ما عسى أن يصير بأيديهم ويفتحه الله عليهم الربع أو الثلث قبل القسم تحريضاً منه على القتال. وهذا الوجه كان مالك يكرهه ولا يراه وكان يقول قتالهم على هذا الوجه إنما يكون للدنيا؛ وكان يكره ذلك ولا يجيزه، وأجازه جماعة من أهل العلم غيره. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: (لعلي أن أبعثك في جيش فيسلمك الله ويغنمك ويرغب إليك من المال رغبة صالحة). وذهب قوم إلى أن الإمام لو نفل السرية كل ما غنمت جاز. وأكثر الفقهاء على خلاف ذلك. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي عن عمران القطان عن علي بن ثابت قال: سألت مكحولاً وعطاء عن الإمام ينفل قوماً ما أصابوا؟ قال: ذلك لهم. قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور قال: سألت إبراهيم عن الإمام يبعث السرية فتغنم؟ قال إن شاء نفلهم إياه كله وإن شاء خمسه. قال أبو عمر : من ذهب إلى هذا تأول قول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، ( الأنفال (۱) أن ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء ولم ير هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، (الأنفال ٤١). وأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب فإن جملة قول مالك وأصحابه أن لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة، ولا نفل إلا من الخمس والنفل عندهم أن يقول الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه. قال مالك: ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن برد القتال. وكره مالك أن يقاتل أحد على أن له كذا، واحتج له بعض أصحابه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد قوي المسلمين على ضعيفهم. وإنما جعل مالك النفل من الخمس لا من
٥٨٦
عمر
رأس الغنيمة لأن الخمس مردود قسمته إلى اجتهاد الإمام، وأهله غير معنيين، ولم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم المخوفون وهم الموجفون. وقال الشافعي: جائز للإمام أن ينفل قبل إحرازه الغنيمة أو بعدها على وجه الاجتهاد. قال الشافعي وليس في النفل حد. وقد روى بعض الشاميين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في البداءة والرجعة. قال أبو عمر: الحديث بهذا مشهور عن الشاميين. ومن أحسن طرقه ما رواه علي بن المديني وأبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن رجاء بن أبي سلمة قال: سمعت سليمان بن موسى :يقول سمعت مكحولاً يقول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في البداءة الربع وحين قفل الثلث. قال أبو بكر: وحدثنا حفص بن غياث عن أبي عميش عن القاسم بن عبد الرحمن قال القاسم: النفل ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقى الزحفان فإنما هي الغنيمة قال الشافعي: وفي رواية ابن عمر ما يدل على أنه نفل نصف السدس . قال : فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام. قال: وأكثر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فيها أنفال . قال : وحديث بن عمر يدل على أنهم أعطوا في سهمانهم ما يجب لهم مما أصابوا ثم نفلوا بعيراً بعيراً، والنفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم. وقول سعيد بن المسيب: كان الناس يعطون النفل من الخمس كما قال: والذي أراه أن يكون من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر : كان أعدل الأقاويل عندي والله أعلم في هذا الباب أن يكون النفل من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن في حديث ابن هذا ما يدل على أنه لا يكون ذلك من خمس الخمس، وذلك أن تنزل تلك السرية على أنهم كانوا عشرة مثالا. ومعلوم أنه إذا عرفت ما للعشرة علمت ما للمائة وللألف، فمثال ذلك أن تكون السرية عشرة أصابوا في غنيمتهم . مائة وخمسين بعيراً ، خرج منها خمسها بثلاثين وصار لهم مائة وعشرين قسمت على عشرة، وجب لكل واحد اثنا عشر بعيراً ثم أعطي القوم من الخمس بعيراً بعيراً. فهذا صحيح على من جعل النفل من جملة الخمس لا من خمس الخمس لأن خمسة ثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة. وقد يحتج أن يكون محتمل أن يكون من خمس الخمس بأن يكون هناك ثياب وخرثي متاع غير الإبل فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من غير ذلك من العروض. وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يقول في حديث بن عمر هذا: النفل الذي ذكره بعد الإسهام ليس له وجه إلا أن يكون من الخمس. وقال غيره : النفل الذي في خبر ابن عمر إنما هو نفل السرايا. كان النبي عليه السلام ينفل في البداءة الثلث وفي الرجعة الربع. وقال أبو ثور وذكر نفل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة والرجوع، وذكر حديث بن اعمر هذا ثم قال: وهذا يدل على أن النفل قبل الخمس. وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل: جائز للإمام أن ينفل في البداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس، وهو قول الحسن البصري وجماعة. وقال النخعي: كان الإمام ينفل السرية الثلث والربع يضريهم ويحرضهم على القتال. وقال مكحول والأوزاعي: لا نفل بأكثر من الثلث، وهو قول جمهور العلماء، وقال الأوزاعي في أمير أغار فقال: من أخذ شيئا فهو له، كما قال : ولا بأس أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا يحرضهم. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن الله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشام: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض أو شيء. ولما أتي عمر بن الخطاب بسيف النعمان بن المنذر أعطاه جبير بن مطعم. وقال جماعة فقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك وسليمان بن موسى والأوزاعي وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز: الخمس من جملة القيمة، والنفل من بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر بعد ذلك، إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأبي عبيد . قال أبو عبيد : قال والناس اليوم على أن لا نفل من . الغنيمة حتى يخمس . وكان سعيد بن المسيب يقول : لا تكون الأنفال إلا في الخمس قال أبو . عمر من
عبد
وهو قول
جملة 🗏
الديوان
۵۸۷
هي
حدثنا .
الله
حجة الشاميين ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم قال: حدثنا مطلب بن شعيب قال: عبد بن صالح قال: حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في البداءة، ونفل الثلث بعد الخمس في الرجعة». "
١٥٣
لعلك لاحظت أخي القارئ أن ما حاولت فعله من قراءة الاقتباسات السابقة هو الحصول على القاسم المشترك الأعظم (كما يقال في علم الرياضيات)، أو القول الذي لن يستطيع فقيه رفضه برغم عدم الذهاب إليه. وهذا ما سأحاوله مع الاقتباس السابق لابن عبد البر : تلحظ أنه في أول الاقتباس، أي في الوجه الأول، يصرح أن النفل من خمس الخمس وليس من رأس الغنيمة (وهذه هي المسألة الخلافية الثالثة). وقد وضحت سابقاً أنه إن ذهب فقيه لهذا القول فلن يستطيع فقيه آخر محاجته لأن القول بأن النفل من خمس الخمس هو قول مشمول في جميع الأقوال الأخرى. وفي هذا تحجيم لنصيب السلطان في التنفيل لأن خمس الخمس قليل مقارنة بالأربعة أخماس والتي ثبت فيها حق الغانمين. ثم في الوجه الآخر يقول بأن للإمام أن ينفل السرية الثلث بحد أقصى بعد الخمس (وهذه المسألة الخلافية السادسة). إلا أن هذا القول سيزيد قليلاً من نصيب الإمام في التقسيم لأنه قول لم يشترط أن يكون الثلث في الرجعة فقط، بل حتى في البدأة. لكن إن ذهب فقيه آخر إلى اشتراط الربع في البدأة والثلث في الرجعة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فلن يستطيع ابن عبد البر رفض قوله برغم أنه أجاز غيره. فالأحوط إذا هو إعطاء الإمام الحق في تنفيل الربع بعد الخمس في البدأة والثلث بعد الخمس في الرجعة فقط كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تحجيم لدور السلطان أو السلطة. أما بالنسبة للوجه الثالث، وهو تحريض الإمام أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو بالوعد بالتنفيل (وهي المسألة الخلافية السابعة فابن عبد البر يعلن كراهة مالك لهذا الوعد. وفي هذا بالطبع تحجيم لما يستطيع الإمام فعله، وهو المذهب الأصوب والله أعلم، لأن الوعود من الإمام قد تؤثر في خلوص نوايا بعض الجند فلا يكون القتال خالصاً لله كما قال الإمام مالك رحمه الله. ثم يشير كما في الاقتباس الأسبق لابن رشد إلى أن سبب الخلاف هو الناسخ والمنسوخ بين الآيتين: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُل الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، و ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. وقد تحدثنا عن العلاقة بين الآيتين وقلنا أن من أخذ بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أقرب للصحة. ثم ينتقل للسلب، وسيأتي توضيحه بإذن الله. ثم يدافع ابن عبد البر عن مذهب مالك في كراهة النفل بالتعليل بأن النفل كان خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم فقط مستشهداً بقول عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يـرد قـوي المسلمين [المؤمنين] على ضعيفهم وهذه هي المسألة الخلافية الرابعة). وفي هذا الإستشهاد مزيداً من التضييق لما للسلطان من مال في التنفيل لأنه لا يحق له التنفيل من رأس الغنيمة التي هي من حق أهلها المعينين، وهم المخوفون الموجفون كما قال.
ثم يمر ابن عبد البر سريعاً على سرد قول من ذهب لجواز تنفيل الربع بعد الخمس في البدأة، والثلث بعد الخمس في الرجعة، بطريقة تشعرك أن هذا الرأي برغم أنه مأخوذ به إلا أنه مناف لما ذهب إليه مالك ويحاول الحد من هذا الرأي بإدراج قول ابن عبد الرحمن القاسم في الاقتباس: «النفل ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقى الزحفان الغنيمة». أي أن نصيب السلطان من المال القابل للتنفيل يسقط بمجرد بدء المعركة لأن الغنائم أصبحت من حق الموجفين. ويحاول تأكيد هذه الفكرة بقوله أن «أكثر مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن فيها
فإنما
هي
۵۸۸ 🗏
يستنتج
أنفال». هكذا تجد أن ابن عبد البر رحمه الله يحاول إثبات حق الغانمين من خلال تحجيم ما للسلطان تنفيله بأن من الأقوال ما يذهب إلى أن الأنفال من خمس الخمس كما قال سعيد بن المسيب: «كان الناس يعطون النفل من الخمس كما قال: والذي أراه أن يكون من خمس الخمس»، أي من سهم الرسول صلى الله عليه وسلم. إلا أن ابن عبد البر يلتفت إلى أن حديث عبد الله بن عمر «ثم نفلوا بعيراً بعيراً» يعكر هذا المذهب لأن الحديث يشير (وسيأتي بيانه بإذن الله) إلى أن النفل لابد وأن يكون من الخمس وليس من خمس الخمس. وبرغم هذا التعكير إلا أنه قائلاً: «كان أعدل الأقاويل عندي والله أعلم في هذا الباب أن يكون النفل من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن في حديث ابن عمر هذا ما يدل على أنه لا يكون ذلك من خمس الخمس». ثم برغم أن الحسابات من حديث ابن عمر تشير (وسيأتي بيانها في الاقتباس من ابن حجر بإذن الله إلى أن النفل كان من الخمس وليس من خمس الخمس إلا أن ابن عبد البر ينتصر لما ذهب إليه بأنه قد تكون هناك ثياب وخرثى متاع غير الإبل، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من غير ذلك من العروض». ويعطي ابن عبد البر أيضاً إشارات أخرى على أن ما ذهب إليه هو الأصح والله أعلم بالقول بأن النفل الذي في خبر ابن عمر إنما هو نفل السرايا. ثم بعد سرد الأقوال في الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس في البدأة والرجعة (وقد تحدثنا عنهما) يقول بأن الأوزاعي قال بأنه «لا بأس أن يقول الإمام من جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا يحرضهم»، وفي هذا توسعة للسلطان في الأنفال، إلا أنه لا دليل على هذا المذهب من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو رأي للأوزاعي، لذلك قد لا يُلتفت إليه والله أعلم. وأخيراً، فبالنسبة لما ذكره من رأي جماعة من فقهاء الشام، وهو قول إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأبو عبيد بأن «الخمس من جملة القيمة، والنفل بعد الخمس، ثم الغنيمة بين أهل العسكر بعد ذلك»، فإن العبارة لا تحدد بالضبط من أين تؤخذ الأنفال، إلا أن قول سعيد بن المسيب: «لا تكون الأنفال إلا في الخمس»، قد تشير إلى أن مذهب الجماعة من أهل الشام هو أن الأنفال من الخمس بالاستناد إلى حديث حبيب بن مسلمة. فكما ترى أخي القارئ من الاقتباس السابق فإن النصيب الذي للسلطان التنفيل منه جد ضيق، وهو خمس الخمس، أي سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في بعض الأقوال خمس الغنائم وأنه لاحق للسلطان في الوعود. ولعلك هنا تقول بأنني أحاول الانتصار لطرح كتاب «قص الحق» من خلال الاستشهاد بالمذهب المالكي والذي يكره التنفيل. فماذا عن المذاهب الأخرى. لقد مررنا على المذهب الحنبلي من نص ابن قدامة ثم المالكي، والآن لننظر للمذهب الحنفي. فقد جاء في كتاب شرح معاني الآثار للطحاوي الآتي:
«باب النفل بعد الفراغ من قتال العدو وإحراز الغنيمة: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث. قال أبو جعفر : فذهب قوم إلى أن الإمام له أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها كما كان له قبل ذلك، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا ليس للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، فأما من غير الخمس فلا، لأن ذلك قد ملكته المقاتلة فلا سبيل للإمام عليه، وقالوا: قد يحتمل أن يكون ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفله في الرجعة هو ثلث الخمس بعد الربع الذي نفله كان في البدأة، فلا يخرج مما قلنا، فقال لهم الآخرون: إن الحديث إنما جاء أن رسول عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث، وكما كان الربع الذي كان ينفله في البدأة هو الربع قبل الخمس، فكذلك الثلث الذي ينفله في الرجعة هو الثلث أيضا قبل الخمس، وإلا لم يكن
الله
صلى
الله
الديوان
بن
لذكر الثلث معنى قيل لهم بل له معنى صحيح، وذلك أن المذكور من نفله في البدأة هو الربع مما يجوز له النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة هو الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس. وقال أهل المقالة الأولى: فقد روى حديث حبيب هذا بلفظ يدل على ما قلنا فذكروا ما حدثنا أبو أمية قال: ثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. حدثنا بن مرزوق قال : ثنا أبو عاصم عن سفيان عن يزيد بن جابر عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الثلث بعد الخمس حدثنا فهد وعلي بن عبد الرحمن قالا: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في الغزو الربع بعد الخمس، وينفل إذا قفل الثلث بعد الخمس، قالوا: فدل ما ذكرنا أن ذلك الثلث الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل في الرجعة هو الثلث بعد الخمس. قيل لهم قد يحتمل هذا أيضا ما ذكرنا. واحتجوا في ذلك أيضاً بما حدثنا بن أبي داود قال : ثنا بن أبي مريم قال: أخبرنا بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث. قيل لهم : وهذا الحديث أيضاً قد يحتمل ما احتمله حديث حبيب بن مسلمة الذي أرسله أكثر الناس عن مكحول أنه كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث، وقد يجوز أيضاً أن يكون عبادة عني بقوله : وينفلهم إذا قفلوا الثلث فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال، فإن كان ذلك كذلك وكان الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس، فذلك جائز عندنا أيضاً، لأنه يرجى بذلك صلاح القوم وتحريضهم على قتال عدوهم في م، فأما إذا كان القتال قد ارتفع فلا يجوز النفل لأنه لا منفعة للمسلمين في ذلك، واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضاً بما حدثنا بن مرزوق قال: ثنا بشر بن عمر وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قالا: ثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: لما قربنا من المشركين أمرنا أبو بكر فشننا الغارة عليهم فنفلني أبو بكر امرأة من فزارة أتيت بها من الغارة فقدمت بها المدينة فاستوهبها مني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبتها له ففـادى بها أناساً من المسلمين، فكان من الحجة في ذلك للآخرين عليهم أنه لم يذكر في ذلك الحديث أن أبا بكر كان نفل سلمة قبل انقطاع الحرب أو بعد انقطاعها، فلا حجة في ذلك. واحتجوا لقولهم أيضاً بما حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا بن المبارك عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها ابن عمر ، فغنموا غنائم كثيرة، فكانت غنائمهم لكل إنسان اثني عشر بعيراً، ونفل كل إنسان منهم بعيراً بعيراً سوى ذلك. قالوا: فهذا ابن عمر رضي الله عنهما يخبر أنهم قد نفلوا بعد سهامهم بعيراً بعيراً، فلم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قيل لهم: ما لكم في هذا الحديث من حجة، ولهو إلى الحجة عليكم أقرب منه إلى الحجة لكم لأنه فيه: فبلغت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً، ففي ذلك دليل أن ما نفلوا من ذلك كان من غير ما كانت فيه سهمانهم وهو الخمس، فلا حجة لكم بهذا الحديث في النفل من غير الخمس، فلما لم يكن في شيء مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم من الآثار ما يجب به ما قالوا أردنا أن ننظر فيما احتج به أهل المقالة الأخرى لقولهم من الآثار أيضاً، فنظرنا في ذلك فإذا ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا ابن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم حنين وبرة من جنب بعير ثم قال: (يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم، فأدوا الخيط والمخيط). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الأنفال، وقال:
۵۸۹
۵۹۰
عبید
ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم، أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، فدل ذلك أن ما سوى الخمس من الغنائم للمقاتلة، لا حكم للإمام في ذلك، ثم كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفال وقال: ليرد قوي المسلمين [المؤمنين] على ضعيفهم)، أي لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه، ویستوون في ذلك، واستحال أيضاً أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل من الأنفال ما كان يكره، فكان النفل الذي ليس بمكروه هو النفل في الخمس، فثبت بذلك أن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله مما رواه عبادة عنه في هذا الحديث هو من الخمس. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً ما يدل على صحة هذا المذهب. حدثنا بن أبي داود قال: ثنا سهل بن بكار قال: ثنا أبو عوانة عن عاصم بن كليب عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا) نفل إلا بعد الخمس)، ومعنى قوله : (إلا بعد الخمس) عندنا والله أعلم، أي حتى يقسم الخمس، وإذا قسم الخمس انفرد حق المقاتلة، وهو أربعة أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإمام من بعد أن آثر به أن يفعل ذلك من الخمس لا من الأربعة الأخماس التي هي حق المقاتلة، وقد دل على ذلك أيضاً ما قد حدثنا محمد بن خزيمة قال : ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا بن المبارك عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة غزاها فأصابوا سبيا، فأراد عبيد الله أن يعطى أنساً من السبي قبل أن يقسم، فقال أنس: لا ولكن اقسم ثم أعطني من الخمس، قال: فقال عبيد الله : لا إلا من جميع الغنائم، فأبى أنس أن يقبل منه، وأبى الله أن يعطيه من الخمس شيئاً. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم عن كهمس بن الحسن عن محمد بن سيرين عن أنس ،نحوه، فهذا أنس رضي الله عنه لم يقبل النفل إلا من الخمس، وقد روى مثل ذلك أيضاً عن جبلة بن عمرو، حدثنا محمد بن خزيمة قال : ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا بن المبارك عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار أنهم كانوا مع معاوية بن خديج في غزوة المغرب، فنفل الناس ومعنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يردوا ذلك غير جبلة بن عمرو. حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا يوسف قال: ثنا بن المبارك عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران قال: سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو فقال: لم أر أحداً صنعه غير ابن خديج، نفلنا بأفريقية النصف بعد الخمس، ومعنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين أناس كثير، فأبى جبلة بن عمرو أن يأخذ منها شيئا. فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى جبلة بن عمرو قد قبلوا؟ قيل له: قد صدقت ونحن، فلم ننكر أن الناس قد اختلفوا في ذلك، فمنهم من أجاز للإمام النفل قبل الخمس ومنهم من لم يجزه، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانوا في ذلك مختلفين، وإنما أردنا بما روينا عن أنس وجبلة أنهما يخيران قولنا هذا مع من قد ذكرنا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل: فقد روي أيضاً عن سعد بن أبي وقاص في هذا، فذكر ما حدثنا يونس قال: أخبرنا سفيان عن الأسود بن قيس عن رجل من قومه يقال له بشر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادسية فقتلته فبلغ سلبه اثني عشر ألفا، فنفلنيه سعد بن أبي وقاص. قيل له: قد يجوز أن يكون سعد نفله ذلك والقتال لم يرتفع، فإن كان ذلك كذلك، فهذا قولنا أيضاً، وإن كان إنما نفله بعد ارتفاع القتال، فقد يحتمل أن يكون جعل ذلك من الخمس، فإن كان جعله من غير الخمس فهذا فيه الذي ذكرنا من الاختلاف، فلم يكن في ذلك الحديث لأحد الفريقين حجة إذ كان قد يحتمل ما قد صرفه إليه مخالفه، ووجب بعد ذلك أن يكشف وجه هذا الباب لنعلم كيف حكمه من طريق النظر، فكان الأصل في ذلك أن الإمام إذا قال في حال القتال من قتل قتيلاً فله سلبه أن ذلك جائز ، ولو قال: من قتل قتيلاً فله كذا وكذا درهما، كان ذلك جائزاً أيضًا، ولو قال من قتل قتيلاً فله عشر ما أصبنا، لم يجز ذلك لأن هذا لو 🗏
الديوان
۰۹۱
هو
جاز جاز أن تكون الغنيمة كلها للمقاتلين، فيبطل حق الله تعالى فيها من الخمس، فكان النفل لا يكون قبل القتال إلا فيما أصابه النفل [المنفل] بسيفه، ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون فيما حكمه حكم الإجارة، فيجوز ذلك كما تجوز الإجارة، كقوله من قتل قتيلا فله عشرة دراهم، فذلك جائز. فلما كان ما ذكرنا كذلك ولم يجز النفل إلا فيما أصابه المنفل بسيفه أو فيما جعل له لعمله ولم يجز أن ينفل مما أصابه غيره، كان النظر على ذلك أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره، ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو، فكان ذلك قبل أن ينفله الإمام إياه قد وجب حق الله تعالى في خمسه وحق المقاتلة في أربعة أخماسه، فلو أجزنا النفل إذاً لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه ، وإنما يجوز النفل فيما يدخل في ملك المنفل من ملك العدو، وأما ما قد زال عن ملك العدو قبل ذلك وصار في ملك المسلمين فلا نفل في ذلك لأنه من مال المسلمين، فثبت بذلك أن لا ينفل [نفل] بعد إحراز الغنيمة على ما قد فصلنا في هذا الباب وبينا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين».
١٥٤
المسألة
لقد بدأ الطحاوي الاقتباس السابق بالسؤال: هل للإمام أن ينفل ما أحب أم ليس له ذلك (وهي الخلافية السادسة)؟ تجد من سياق الاقتباس أنه ينتصر للقول بأن السلطان مقيد وأنه ليس له النفل كما أحب، وهذا موقف نادر يحسب للأحناف. فكما لاحظت وسترى فإن مذهبهم لأنه يأخذ بالرأي فهو المذهب الذي يعطي السلطان المزيد من السلطة مقارنة بالمذاهب الأخرى، وهذه الزيادة في السلطة كما يحاول كتاب «قص الحق» إثباته تؤدي للحكم بالأهواء، إلا أن الطحاوي هنا انتصر لما ذهبت إليه المذاهب الأخرى والحمد لله. فنجد أن الطحاوي يدحض قول من ذهبوا إلى أن للإمام التنفيل الربع قبل الخمس والثلث قبل الخمس بقولهم: «وإلا لم يكن لذكر الثلث معنى». وفي هذا القول توسعة لما للسلطان التصرف في تنفيله. وقد وفق في دحضه أثابه الله بالرد قائلاً: «بل له معنى صحيح وذلك أن المذكور من نفله في البدأة هو الربع مما يجوز له النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس». ولإثبات ذلك يذكر الطحاوي أثابه الله ثلاث طرق مختلفة لنفس الحديث، أي حديث حبيب بن مسلمة من أن النفل بعد الخمس وليس قبله أولها عن طريق ثوبان عن أبيه عن مكحول، وثانيها عن طريق يزيد بن جابر عن مكحول، وثالثها عن طريق العلاء بن الحارث عن مكحول. ثم قائلاً: يستنتج «فدل ما ذكرنا أن ذلك الثلث الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل في الرجعة هو الثلث بعد الخمس». إلا أن الطحاوي لا يرى بأساً من تنفيل الثلث قبل الخمس من حديث عبادة بن الصامت إن كان القفول من قتال إلى قتال، أي أن المجاهدين في رجوعهم دخلوا في قتال بعد خروجهم من قتال (وهذه من الخلافية السادسة). والظاهر هو أنه أجاز هذا لأن في هذا القتال بعد القتال مشقة زائدة، ففي ذلك التنفيل تحفيز للمجاهدين للمصابرة على القتال إلا أن هذا اجتهاد منه أثابه الله، ولا إثبات لديه على هذا القول من فعل الرسول صلی الله عليه وسلم. ولأن في هذا توسعة للسلطان بمزيد من التصرف في الغنائم التي هي من حق المجاهدين ومن حق الأصناف الخمسة في الخمس، فلعل من الأحوط التمسك بآية الغنائم التي تخرج الخمس من كل ما تمت غنيمته، وفي هذا تقليل لحجم المال الذي قد يكون للسلطان الحق التصرف فيه للتنفيل.
المسألة
ثم بعد نقد من استدل من تنفيل أبي بكر امرأة لسلمة بأنه دليل لا حجة فيه لأنه لا إشارة في الأثر هل كان التنفيل قبل انقطاع الحرب أو بعدها، يستفيض الطحاوي في شرح حديث عبد الله بن عمر والذين نفلوا فيه بعيراً بعيراً فيستنتج قائلاً: «قيل لهم: ما لكم في هذا الحديث من حجة، ولهو إلى الحجة عليكم أقرب منه إلى الحجة لكم
۵۹۲ 🗏
الله
صلى
الأنفال
لأنه فيه: فبلغت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً ، ففي ذلك دليل أن ما نفلوا من ذلك كان من غير ما كانت فيه سهمانهم وهو الخمس، فلا حجة لكم بهذا الحديث في النفل من غير الخمس، ...». ثم يركز الطحاوي على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم، فأدوا الخيط والمخيط، مذكراً إيانا رحمه الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكره الأنفال بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم، فيستنتج الطحاوي قائلا: «فدل ذلك أن ما سوى الخمس من الغنائم للمقاتلة لا حكم للإمام في ذلك». ثم يقول: «كره رسول الله عليه وسلم وقال: (ليرد قوي المسلمين [المؤمنين] على ضعيفهم ، أي لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه، ويستوون في ذلك». ويستمر الطحاوي مؤكداً : « واستحال أيضاً أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل من الأنفال ما كان يكره، فكان النفل الذي ليس بمكروه هو النفل في الخمس، فثبت بذلك أن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله مما رواه عبادة عنه في هذا الحديث هو من الخمس» المسألة (وهذه هي الخلافية الرابعة). ثم يضيف الطحاوي حديثاً آخر مؤكداً: «وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً ما يدل على صحة هذا المذهب. حدثنا بن أبي داود قال: . عن معن بن يزيد السلمي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نفل إلا بعد الخمس، ومعنى قوله إلا بعد الخمس عندنا الله أعلم، أي حتى يقسم الخمس، وإذا قسم الخمس انفرد حق المقاتلة، وهو أربعة أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإمام من بعد أن آثر به أن يفعل ذلك من الخمس لا من الأربعة الأخماس التي هي حق المقاتلة». هكذا يستمر الطحاوي في التأكيدات تلو التأكيدات ليذكر لنا أثراً مهما سيأتي ذكره أيضاً في نص لأبي عبيد، وهو رفض أنس رضي الله عنه أخذ السبي إلا إن كان من الخمس. ثم يذكر أثراً آخر مشابه عن رفض جبلة بن عمرو. ثم يثير جدلاً فقهياً افتراضياً على أنه إن حاول أحد رد مثل هذه الأدلة بالاستدلال بحادثة تنفيل سعد بن أبي وقاص لبشر بن علقمة القادسية فإن هذا الأثر يحتمل أن يكون التنفيل فيه قبل أن يرتفع القتال أو أنه من الخمس، وإن لم يثبت هذا فإن المسألة لا تزال خلافية، وكأنه يشير إلى أن الخلاف هو في صالح من يرون أن النفل من الخمس لأن مذهبهم يشمل الآخرين،
والعكس غير صحيح.
يوم
إلا أن ما يؤخذ على الاقتباس السابق هو أن الطحاوي يجيز بعض الوعود (وهذه هي المسألة الخلافية السابعة)، فيقول مستنبطاً من وعد الرسول صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلاً فله سلبه) بأنه إن قال الإمام: «من قتل قتيلاً فله كذا وكذا درهما، كان ذلك جائز أيضاً»، إلا أنه لا يجيز الوعود بإطلاق بالقول: «من قتل قتيلاً فله عشر ما أصبنا» وذلك حتى لا تؤول جميع الغنيمة للمقاتلين فيبطل حق الله تعالى في الخمس. أي أنه إن كان للإمام أن ينفل مبلغاً محدداً لكل قتيل، فإن تراكم المال بسبب كثرة قتلى الأعداء قد يأكل الغنائم كلها فيضيع حق المسمين في آية الغنائم، عندها فإن الوعد غير جائز عنده، أما سوى ذلك فإن الوعد جائز. ولتوضيح جواز هذا الحكم يستدل بالإجارة بقوله: «ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون فيما حكمه حكم الإجارة، فيجوز ذلك كما تجوز الإجارة، كقوله من قتل قتيلاً فله عشرة دراهم، فذلك جائز». هنا يقف كل باحث يتمسك بقال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حيرة ويسأل: هل قال الرسول صلى الله عليه وسلم بوعـد مثل هذا؟ ولماذا الإضافة في الدين؛ لنفترض أن في الجيش كما هي العادة جنود أقوياء وآخرين ضعفاء، فأطلق الإمام وعوداً أكلت جميع الغنائم إلا الخمس أي أن الأقوياء أخذوا جميع الغنائم كل بقدر قوته، فهذا اقتحم الحصن، وتلك جماعة
الديوان
۵۹۳
اعتلت الجبل، وهكذا، فلن يبقى للضعفاء شيء، وهذا مناف لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم لأننا سنضع الأقوياء في موضع عليهم فيه التفضل والتمنن على الضعفاء، وهذا ما لا تريده الشريعة، أي تحاول الشريعة تحجيم المنّة بين الخلق لأن ذلك سيؤدي لتقليل الإنتاجية كما سترى بإذن الله، فالله هو الحنان المنان. ولعل المهم هو أن إطلاق مثل هذه الوعود تضع مزيداً من السلطة في يد القائد الذي قد يزيد أو ينقص من مقدار الوعد بمقارنته بما عنده من جند. فإن كان الجند الأتقياء هم الأقوياء فلن يعد أحداً بشيء، وإن كان العكس، أي أن الجند الأتقى هم من الضفعاء فإنه قد يطلق وعوداً تذهب بالغنائم للأقوى، أي لمن هم أقل تقى حتى يلتفوا حول هذا القائد الذي قد يسخرهم لطاعته فيما يهوى فيما بعد. فقد يكون المؤمن التقي هزيلاً في بدنه كأن يكون ضعيف النظر أو ضعيف البنية، وقد يكون الأقل منه تقوى قوياً في عوده صلباً في بنيته، وهكذا. إلا أن الأهم في المسألة . هو المزج فقهياً بين الإجارة والجهاد، فالقول بجواز الوعد بأن من فعل كذا فله كذا قياساً بالإجارة لهو قول مستحدث لم يقل به أهل الحديث، فكيف يكون الجهاد كالإجارة، إن هذه زلة، والله أعلم، قد يدخل منها أي فقيه فيُجيز الديوان لأن الديوان ما هو إلا إجارة على الجهاد الذي حرصت الشريعة كما رأيت أخي القارئ أن تجعله خالصاً الله دونما أي أجر مالي. وسيأتي بيان هذا في الحديث عن الإجارة والجعالة والماحوز بإذن الله.
ثم يضيف الطحاوي أثابه الله مسألة مهمة قال بها كثير من الفقهاء إلا أنه يوضحها بطريقة استنتاجية سهلة ومباشرة ومنطقية وذكية في آخر الاقتباس، وهو أن النفل لا يجوز بعد إحراز الغنيمة أبداً لأن الحقوق قد ثبتت وتثبتت لأصحابها. وفي هذا تحجيم لدور الحاكم لأنه لا سلطان له على الغنائم فهي حق للغانمين. فإن راجعت الاقتباس تجد أنه أثابه الله وأسكنه فسيح جناته يقول:
«فلما كان ما ذكرنا كذلك ولم يجز النفل إلا فيما أصابه المنفل بسيفه أو فيما جعل له لعمله ولم يجز أن ينفل مما أصابه غيره، كان النظر على ذلك أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره، ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو، فكان ذلك قبل أن ينفله الإمام إياه قد وجب حق الله تعالى في خمسه وحق المقاتلة في أربعة أخماسه، فلو أجزنا النفل إذاً لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه، وإنما يجوز النفل فيما يدخل في ملك المنفل من ملك العدو، وأما ما قد زال عن ملك العدو قبل ذلك وصار في ملك المسلمين فلا نفل في ذلك لأنه من مال المسلمين، فثبت بذلك أن لا ينفل [نفل] بعد إحراز الغنيمة على ما قد فصلنا في هذا الباب وبينا،
.«...
وهكذا تجد من هذا الاقتباس أن المجاهدين سيدخلون المعركة وهم على إدراك ويقين من حقوقهم المالية التي لن يتمكن السلطان من التعرض لها، وبهذا فلن يستطيع السلطان استمالة ضعاف النفوس منهم من خلال التنفيل. ولتأكيد هذا الاستنتاج لننتقل الآن لنص آخر، وهو من أهم الاقتباسات لأنه لأبي عبيد صاحب كتاب «الأموال»، فهو قد خصص جزءاً من حياته رحمه الله لتقصي الأموال. لذلك فقد يكون والله أعلم أقرب للصحة من غيره. يقول أثابه الله وأسكنه فسيح جناته:
«باب النفل والربع بعد الخمس قال حدثنا عفان عن أبي عوانة عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد أنه سمع رسول الله يقول: لا نفل إلا من بعد الخمس). قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن كلاهما أو أحدهما عن سفيان عن يزيد بن جابر عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب
مهدي
٥٩٤ 🗏
الله
الثلث.
بن مسلمة قال: شهدت رسول الله نفل الثلث بعد الخمس. قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبيد بن عبيد الكلاعي عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة قال: نفل رسول الله ... قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: «لا نفل حتى يقسم أول مغنم». قال أبو عبيد : وبعضهم يسنده إلى عمر وبه كان يفتي الأوزاعي ولست أدري ما وجه هذا، وقد سألتهم . عنه هناك أو من سألت منهم فلم أجد عندهم فيه أكثر من اتباع أشياخهم. وأما أنا فأحسبهم ذهبوا إلى أنهم لا يدرون لعلهم لا يغنمون بعد الغنيمة الأولى شيئا، فأحبوا الأسوة بينهم لكيلا يرجع أهل العسكر مخفقين. وأما الآثار التي ذكرناها عن النبي وأصحابه فليس فيها شيء مخصوص وكذلك يروى عن التابعين بعدهم مجملاً أيضاً. قال: حدثنا حفص بن غياث عن أشعث قال: سمعت الحسن يقول: لا تسرى سرية إلا بإذن أميرها، ولهم ما نفلهم الثلث بعد الخمس والربع بعد الخمس. قال: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: قد كان الإمام ينفل السرية الثلث أو الربع يضريهم أو قال: يحرضهم بذلك على القتال. قال: وحدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن الحسن في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾، قال: ذلك إلى الإمام...
١٥٥
.«...
لعلك لاحظت أن أبا عبيد قد ابتدأ النص بقوله صلى الله عليه وسلم : (لا) نفل إلا بعد الخمس)، وفي هذا إشارة إلى أن حق المسمين في آية الغنائم لابد وأن تخرج، فإن خرجت وكانت سيوف المجاهدين تقطر دماً بعد النصر فهل يستطيع القائد أن يوقف توزيع الأربعة أخماس من الغنائم لمن جاهد ؟ إن هذا لأمر صعب وسأوضحه في الحديث عن مكان القسمة. فقسمة الغنائم في أرض المعركة دوماً (كما سيأتي بإذن الله، وهذه هي المسألة الخلافية التاسعة) وبهذا تضمحل سلطة القائد في التفكر في إيجاد وسيلة لتقسيم الغنائم لمن أحب، بل كل يأخذ حقه حالاً. ومما يؤيد هذا الاستنتاج ما قاله سليمان بن موسى: لا نفل حتى يقسم أول مغنم والذي أسنده بعضهم إلى عمر والذي استنتج منه أبو عبيد أن المجاهدين حبوا الأسوة بينهم وخوفاً من أن لا يغنموا شيئاً فيعود بعضهم مخفقين فقرروا قسمة الغنائم في الحال. هذا إضافة إلى أن أبا عبيد قد أضاف في الاقتباس السابق طريقاً آخر لحديث حبيب بن مسلمة غير الذين ذكروا في اقتباس الطحاوي، وهو عن طريق عبيد الله بن عبيد الكلاعي عن مكحول تأكيداً لاشتهار الأثر بين الصحابة من أن للسرية الربع بعد الخمس في البدأة والثلث بعد الخمس في الرجعة، أي وكأن هاتين النسبتين بعد أخذ الخمس أصبحت عرفاً في جميع الغزوات ومما يؤكد هذا الاستنتاج ما أورده أبو عبيد رحمه الله تعالى من قول الحسن: «لا تسري سرية إلا بإذن أميرها، ولهم ما نفلهم الثلث بعد الخمس والربع بعد الخمس»، وما أورده أيضاً من قول إبراهيم: «قد كان الإمام ينفل السرية الثلث أو الربع . ...». وهكذا فإن هذه الآثار تقوي بعضها بعضاً بحيث أن الربع والثلث بعد الخمس أصبحا عرفاً لن يتمكن الإمام من الفرار منه، بل هو حق معلوم لمن هم في السرايا. وبهذا تضمحل فرص السلطان في التلاعب بالغنائم بإغداقها على من أحب ومنعها عمن أحب، فلا يستطيع تسخير المجاهدين لأهوائه بتقريب من أحب منهم من خلال الغنائم. فالحمد لله على هذا القص للحق. ثم يقول أبو عبيد أثابه الله :
«باب النفل من الخمس خاصة بعد ما يصير إلى الإمام قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن صالح بن محمد بن زائدة عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] نفل يوم حنين من الخمس حدثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: ما كانوا ينفلون إلا من الخمس. قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عمرو بن شعیب قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما رجع من حنين رفع وبرة من الأرض فقال: (مالي مما أفاء الله عليكم ولا
الديوان
٥٩٥
ابن عمر
إلا من سبي
مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود فيكم . قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن قال: بعثنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم في سرية نحو نجد فأصبنا اثنا عشر بعيراً، ونفلنا بعيراً بعيراً، أو قال : ونفلتا شك أبو عبيد . قال : وحدثنا أزهر ومعاذ كلاهما عن ابن عون عن يحيى بن يحيى الغساني أن عبد الرحمن بن أبى بكر كان عشق جارية في الجاهلية يقال لها ليلى، وكان يشبب بها. فقدم على يعلى بن أمية اليمن فرآها في السبي فقال : أعطنيها . فقال : ما أنا بمعطيكها واكتب فيها إلى أبي بكر، فكتب إليه أن أعطها إياه. وزاد معاذ في حديثه قال : قال ابن عون: فأراه أعطاها إياه من الخمس. قال أبو عبيد : فحدثت بهذا الحديث أبا مسهر الغساني بدمشق، فعرف الحديث وقال: تلك ليلى بنت الجودى امرأة من غسان من قومه فعرف الحديث وقال : إنما نفلها عمر إياه بالشام. قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن كهمس بن الحسن قال : حدثنا محمد بن سيرين أن أنس بن مالك غزا مع ابن زیاد، فأعطاه ثلاثين رأساً من سبي العامة، فقال أنس: أعطنيهم من الخمس، فأبى ابن زياد أن يعطيه العامة، وأبى أنس أن يأخذ إلا من الخمس قال : وحدثنا الأنصاري عن ابن عون عن ابن سيرين أن أميراً من الأمراء أعطى أنس بن مالك شيئاً أو قال سبياً من الفيء، فقال أنس: أخمس؟ قال: لا. قال: فلم يقبله أنس. قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن راشد عن مكحول قال: الخمس بمنزلة الفيء ينفل منه الإمام الغني والفقير . قال : وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن راشد عن ليث بن أبى رقية عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن سبيل الخمس سبيل الفيء. قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن سعيد ومالك بن أنس أن رأيهما كان أن النفل إنما هو من الخمس. قال أبو عبيد : وأما الأوزاعي فإن المعروف من رأيه أنه كان لا يرى النفل من الخمس، ويقول إنما الخمس للأصناف الذين . الله تبارك وتعالى في كتابه قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم باللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، قال أبو عبيد: ومما يقوي قول الأوزاعي حديث عمر الذي ذكرناه في أول كتاب الفيء حين ذكر أصناف الأموال، فقرأ آية الخمس فقال هذه لهؤلاء. وإنما خاطب بهذا الكلام المقاتلة مقفلة من حنين. وكذلك حدثنا عفان عن عبد الواحد بن زياد عن حجاج عن أبي الزبير عن جابر أنه سئل ما كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يفعل بالخمس؟ فقال: كان يحل منه الرجل ثم الرجل ثم الرجل. قال أبو عبيد : وكذلك حديث معن بن يزيد الذي ذكرناه أنه . سمع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: لا نفل إلا بعد الخمس). ومنه حديث ابن عمر قوله: بعثنا النبي في سرية فأصابنا إثنا عشر بعيراً، ونفلنا بعيراً بعيراً. فهذا النفل الذي ذكره بعد السهام ليس له وجه إلا أن يكون من الخمس. ثم جاء مفسراً مبيناً في حديث مكحول الذي ذكرناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] نفل يوم خيبر من الخمس. وكذلك قول سعيد بن المسيب ما كانوا ينفلون إلا من الخمس وعلى هذا يوجه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر حين نفل الجارية أنها من الخمس. وكذلك حديث أنس أنه أبى أن يأخذ النفل إلا من الخمس. وقول عمر بن عبد العزيز ومكحول: أن سبيل الخمس سبيل الفيء. ورأى سفيان ومالك مع هذا هذا كله كان بعضهم يرى أن للإمام أن ينفل الخمس كله إن شاء. فعند ذلك تكون الرخصة في النفل من الخمس، ويكون حكمه إلى الإمام لأنه الناظر في مصلحتهم والقائم بأمرهم،
حتى
سمى
فأما على محاباة أو ميل إلى هوى فلا».
:
١٥٦
لقد فصل أبو عبيد مسألة النفل، فوضح في الاقتباسين السابق والآتي الفرق في التنفيل بعد أن يصير للإمام الخمس (في الاقتباس السابق) وقبل أن تخمس الغنائم (في الاقتباس الآتي). فقد جمع رحمه الله في الاقتباس السابق مجموعة من الأدلة التي لا تدع مجالاً للشك بأن النفل إنما يكون من الخمس فقط وليس من الأربعة أخماس التي هي
٥٩٦ 🗏
حق للمجاهدين. فقد بدأ نصه عن تنفيل الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حنين من الخمس، وهذا فعل منه صلوات ربي وسلامه عليه. ثم ليؤكد ما ذهب إليه يستشهد بما قاله سعيد بن المسيب رحمه الله بأنهم ما كانوا ينفلون إلا من الخمس، وكأن مسألة التنفيل من الخمس وليس من رأس الغنيمة عرفُ مفروغ منه لا يحتمل التأويل والتغيير. وهكذا يسوق الآثار واحدة تلو الأخرى ليؤكد مذهبه الذي يحصر النفل في الخمس فقط. وبالطبع فإن في هذا تحجيم لما للسلطان التصرف فيه من الأموال لأن الأربعة أخماس هي حق للغانمين الموجفين. كما أن أبا عبيد يشير إلى اختلاف الأوزاعي الذي كان يرى أن الخمس هو من حق الأصناف التي سمتهم آية الغنائم. ثم ينتصر لمذهبه وهو أن التنفيل من الخمس وذلك من خلال العديد من الآثار مثل تنفيل الرسول صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، ومثل تنفيل الجارية لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، ومثل رفض أنس رضي الله عنه قبول النفل إلا إن كان من الخمس ليستنتج أخيراً قائلاً: فعند ذلك تكون الرخصة في النفل من الخمس». وأخيراً نأتي لمسألة واضحة وهي: إن ما ذهب إليه الأوزاعي يستند على فعل الخليفة عمر كدليل عندما قال رضي الله. عنه: «هذه لهؤلاء»، وقد تقدم نقد هذا في الفصل السابق. وبهذا يمكن القول كما ذكرت سابقاً أنه إن كان النفل من خمس الخمس، فإن معظم الآراء لن تستطيع الاعتراض على أن التنفيل من خمس الخمس، أما العكس فغير صحيح. ثم ينتقل أبو عبيد بعد ذلك (في الاقتباس الآتي) عن الحديث عن النفل من جميع الغنيمة، أي قبل أن تخمس ليوضح لنا ما الذي يجوز إخراجه لغير مستحقيه، أي لغير المجاهدين الموجفين، يقول رحمه الله :
يب
.
«باب النفل من جميع الغنيمة قبل أن تخمس: قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: لا يهب أمير من المغانم شيئاً إلا بإذن أصحابه إلا لدليل أو راع أو يكون سلب أو نفل، ولا نفل حتى يقسم أول مغنم. قال أبو عبيد وبعضهم يحدث بهذا الحديث عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر . وأما حجاج فلم يسنده. والناس اليوم في المغنم على هذا، أنه لا نفل من جملة الغنيمة حتى تخمس . وإنما جاز أن يعطى الأدلاء والرعاء من صلب الغنيمة قبل الخمس لحاجة أهل العسكر إلى هذين الصنفين، فصار نفلهما علماً عليهم لأنه لا غناء بهم عنهما، فهو من
جميع
المال، ... » .
ذ
تلحظ أخي القارئ أن أبا عبيد يبدأ النص بعدم جواز إخراج شيء من الغنائم إلا بإذن أصحابه في قوله: «لا أمير من المغانم شيئاً إلا بإذن أصاحبه ...»، وفي هذا تعبير قوي عن حقوق الغانمين وذلك بنسبة الغنائم لأصحابها المجاهدين لدرجة أن السلطان لا يحق له التصرف في أي جزء من الغنائم إلا إن أذن له أصحابها الموجفون. ثم يستثني من هذا بعض الناس الذين لابد من إعطائهم للانتصار في المعركة، مثل رجل يرشدهم أو يدلهم (دليل) الطرق وما شابه مما تتطبله ظروف المنطقة من معرفة قد لا تتوافر لدى أفراد الجيش. فلهؤلاء يجوز إخراج شيء من الغنائم دون إذن أصحابه. ثم يضيف لهؤلاء مجموعتين من الناس وهم من لهم سلب ما قتلوا والنفل من الخمس. فعبارته واضحة، قال رحمه الله: «لا يهب أمير من المغانم شيئاً إلا بإذن أصحابه إلا لدليل أو راع أو يكون سلب أو نفل». ثم يضيف: «ولا نفل حتى يقسم أول مغنم». وهنا نأتي لمسألة مهمة ودقيقة. هي: : لماذا لا تنفيل حتى تقسم الغنائم؟ لعلك لاحظت في الاقتباسات السابقة هذا الاشتراط. فما هي الحكمة؟ إن الحكمة والله أعلم
هامش
ذ٣) هناك استثناء في تكملة النص وسيأتي بيانه في الحديث عن سهم الراجل والفارس (١٥٧).
الديوان
۵۹۷
هي أنه إن جاز للسلطان التنفيل قبل القسمة فقد يأخذ من الغنائم ما يروق له ليعطيه لمن شاء، وفي هذا زيادة في حقوقه على حساب حقوق الغانمين فتزداد سلطته باقتراب المنافقين منه للحصول على مغانم أفضل، كالحصول على فرس أسرع أو جوهرة أثمن فطبيعة الغنائم بعد المعركة أنها أعيان قد تكون مترامية هنا وهناك وبأحجام وأثمان مختلفة، فيسهل على السلطان إن أراد التلاعب بها بإخفاء الأثمن منها، أما إن كان التنفيل بعد القسمة، أي بعد إخراج الخمس، فإن عملية التقسيم هذه لحساب الخمس تتطلب تثمين كل شيء لإخراج الخمس، وهذا بالطبع لن يكون إلا تحت أعين الغانمين في موقع الحدث، فتتكشف أثمان كل الأعيان والأموال من خلال التثمين والحسابات، فلا يستطيع السلطان أو من يعمل لديه من إخفاء عين ما غنيمة ما أو تثمينها بطريقة مجحفة لأن بعض الغانمين من المجاهدين الذين قد يتمكنون من أخذ حقهم بقوة السلاح إن شعروا بالظلم)، يراقبون عملية التقسيم حتى تضيع حقوقهم، ولأن الروح القتالية لاتزال فيهم والسلاح لازال معهم، وهم في أرض في المعركة، فلن يتجرأ سلطان من التعدي على حقوقهم. فتأمل الحكمة من هذا الإصرار على القسمة قبل إخراج النفل من الخمس (وحتى لا تقع الفتنة). ولتأكيد هذه الحكمة لدرجة أنها أصبحت عرفاً ترى أبو عبيد يكرر قائلاً: «والناس اليوم في المغنم على هذا، أنه لا نفل من جملة الغنيمة حتى تخمس، إنما جاز أن يعطي الأدلاء والرعاء من صلب الغنيمة قبل الخمس لحاجة أهل العسكر إلى هذين الصنفين، فصار نفلهما علماً عليهم لأنه لا غناء : بهم عنهما، فهو من جميع المال ...». وأخيراً، بقي لنا أن ننظر للمذهب الشافعي، وفي الاقتباس الآتي من كتاب «فتح الباري» للحافظ ابن حجر
لا
أنك
أثابه الله ملخص لما ذهب إليه الشافعية والأقوال الأخرى المهمة ذات الصلة. وأهمية هذا الاقتباس هو لاحظت أخي القارئ أن الذي يعكر على أن نجزم أن النفل كان من خمس الخمس هو حديث عبد الله بن عمر والذي نصه في صحيح البخاري كالآتي: «عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد، فكنت فيها فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرا ونفلنا بعيراً بعيراً فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا»، ففي الاقتباس الآتي توضيح للحديث مع ترجيحات، يقول ابن حجر رحمه الله:
عند
«قوله: بعث سرية، ذكرها المصنف في المغازي بعد غزوة الطائف، وسيأتي بيان ذلك في مكانه. قوله: قبل نجد، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهتها قوله فغنموا إبلاً كثيرة، في رواية . مسلم: فأصبنا إبلاً وغنما قوله فكانت سهمانهم، أي أنصباؤهم. والمراد أنه بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر. وتوهم بعضهم أن ذلك جميع الأنصباء. قال النووي: وهو غلط قوله: اثنى عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً بعيراً، هكذا رواه مالك بالشك والاختصار وإبهام الذي نفلهم. وقد وقع بيان ذلك في رواية بن إسحاق عن نافع عند أبي داود ولفظه فخرجت فيها فأصبنا نعماً كثيراً وأعطانا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيراً بعد الخمس وأخرجه أبو داود أيضاً من طريق شعيب بن أبي حمزة عن نافع، ولفظه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد، واتبعت سرية من الجيش وكان سهمان الجيش اثني عشر بعيراً اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيراً ثلاثة عشر بعيراً. وأخرجه ابن عبد البر من هذا الوجه وقال في روايته أن ذلك الجيش كان أربعة آلاف. قال ابن عبد البر : اتفق جماعة رواة الموطأ على روايته بالشك إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن شعيب ومالك جميعاً فلم يشك، وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب. قلت: وكذا أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك والليث بغير شك، فكأنه أيضاً حمل رواية مالك على رواية الليث. قال ابن عبد البر: وقال سائر أصحاب نافع اثني عشر بعيراً بغير شك، لم يقع الشك فيه إلا من
١٥٨
۵۹۸
عند
مالك. قوله: ونفلوا بعيراً بعيراً، بلفظ الفعل الماضي من غير مسمى، والنفل زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصلاة وهو ما عدا الفرض واختلف الرواة في القسم والتنفيل: هل كانا جميعاً من أمير ذلك الجيش أو من النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو أحدهما من أحدهما؟ فرواية ابن إسحاق صريحة أن التنفيل كان من الأمير والقسم من النبي صلى الله عليه وسلم. وظاهر رواية الليث عن نافع . مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقرراً لذلك ومجيزاً له لأنه قال فيه ولم يغيره النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عبد الله بن عمر عنده أيضاً: ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً بعيراً، وهذا يمكن أن يحمل على التقرير فتجتمع الروايتان. قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، فجازت نسبته لكل منهما. وفي الحديث أن الجيش إذا انفرد منه قطعة فغنموا شيئا كانت الغنيمة للجميع. قال ابن عبد البر : لا يختلف الفقهاء في ذلك، أي إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة، انتهى. وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام، فإنه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو، بل قال ابن دقيق العيد أن الحديث يستدل به على أن المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الإمام ينفرد بما يغنمه. قال: وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريباً منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا، انتهى. وهذا القيد في مذهب مالك. وقال إبراهيم النخعي: للإمام أن ينفل السرية جميع ما غنمته دون بقية الجيش مطلقا. وقيل أنه انفرد بذلك ، وفيه مشروعية التنفيل، ومعناه تخصيص من له أثر في الحرب بشيء من المال لكنه خصه عمرو بن شعيب بالنبي صلى الله عليه وسلم دون من بعده. نعم وكره مالك أن يكون بشرط من أمير الجيش كأن يحرض على القتال ويعد بأن ينفل الربع إلى الثلث قبل القسم، واعتل بأن القتال حينئذ يكون للدنيا. قال : فلا يجوز مثل هذا انتهى. وفي هذا رد على من حكى الإجماع على مشروعيته، وقد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس على أقوال والثلاثة [ثلاثة الأول مذهب الشافعي والأصح عندهم أنها من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن م شاذ مالك وهو عندهم. قال ابن بطال: وحديث الباب يرد على هذا لأنهم نفلوا نصف السدس وهو أكثر من خمس الخمس، وهذا واضح. وقد زاده ابن المنير إيضاحاً فقال: لو فرضنا أنهم كانوا مائة، لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير، ويكون الخمس من الأصل ثلاثمائة بعير، وخمسها ستون. وقد نطق الحديث بأنهم نفلوا بعيراً بعيراً، فتكون جملة ما نفلوا مائة بعير، وإذا كان خمس الخمس ستين لم يف كله ببعير بعير لكل من المائة، وهكذا كيفما فرضت العدد. قال: وقد ألجأ هذا الإلزام بعضهم فادعى أن جميع ما حصل للغانمين كان اثني عشر بعيراً، فقيل له: فيكون خمسها ثلاثة أبعرة ! فيلزم أن تكون السرية كلها ثلاثة رجال. كذا قيل. قال ابن المنير: وهو سهو على التفريع المذكور، بل يلزم أن يكون أقل من رجل بناء على أن النفل من خمس الخمس. وقال ابن التين: قد انفصل من قال من الشافعية بأن النفل من خمس الخمس بأوجه منها: أن الغنيمة لم تكن كلها أبعرة، بل كان فيها أصناف أخرى، فيكون التنفيل وقع من بعض الأصناف دون بعض. ثانيها: أن يكون نفلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها فضم هذا إلى هذا، فلذلك زادت العدة. ثالثها: أن يكون نفل بعض الجيش دون بعض . قال : وظاهر السياق يرد هذه الاحتمالات. قال: وقد جاء أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيراً، فخرج منها الخمس وهو ثلاثون، وقسم عليهم البقية فحصل لكل واحد اثنا عشر بعيرا ، ثم نفلوا بعيراً بعيراً ، فعلى هذا فقد نفلوا ثلث الخمس. قلت: أن ثبت هذا لم يكن فيه رد للاحتمال الأخير لأنه يحتمل أن يكون الذين نفلوا ستة من العشرة والله أعلم. قال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم النفل من أصل الغنيمة. وقال مالك, وطائفة : لا نفل إلا من الخمس. وقال الخطابي : أكثر ما روى من الأخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة. والذي يقرب من حديث الباب أنه كان من الخمس لأنه أضاف الاثني عشر إلى سهمانهم، فكأنه أشار إلى أن 🗏
۵۹۹
الديوان
ذلك قد تقرر لهم استحقاقه من الأخماس الأربعة الموزعة عليهم، فيبقى للنفل من الخمس. ويؤيده ما رواه مسلم في حديث الباب من طريق الزهري قال: بلغني عن ابن عمر قال: نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بعثها قبل نجد من إبل جاؤوا بها نفلاً سوى نصيبهم من المغنم، لم يسق مسلم لفظه وساقه الطحاوي، ويؤيده أيضاً ما رواه مالك عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم). وصله النسائي من وجه آخر حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أيضا بإسناد حسن من حديث عبادة بن الصامت، فإنه يدل على أن ما سوى الخمس للمقاتلة. وروى مالك أيضاً عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس. قلت: وظاهره اتفاق الصحابة على ذلك. وقال ابن عبد البر : إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث انتهى. وهذا الشرط قال به الجمهور. وقال الشافعي: لا يتحدد، بل هو راجع إلى ما يراه الإمام من المصلحة، ويدل له قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، ففوض إليه أمرها والله أعلم. وقال الأوزاعي لا ينفل من أول الغنيمة، ولا ينفل ذهبا ولا فضة. وخالفه الجمهور. وحديث الباب من رواية ابن إسحاق يدل لما قالوا واستدل به على تعين قسمة أعيان الغنيمة لا أثمانها، وفيه نظر لاحتمال أن يكون وقع ذلك اتفاقاً أو بياناً للجواز. وعند المالكية فيه أقوال ثالثها التخيير ، وفيه أن أمير الجيش إذا فعل مصلحة لم ينقضها الإمام. الرابع: حديثه كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، وأخرجه مسلم وزاد في آخره: والخمس واجب في ذلك كله، وليس فيه حجة لأن النفل من الخمس لا من غيره، بل هو محتمل لكل من الأقوال. نعم فيه دليل على أنه يجوز تخصيص بعض السرية بالتنفيل دون بعض. قال ابن دقيق العيد: للحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال وهو موضع دقيق المأخذ، ووجه تعلقه به أن التنفيل يقع للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة في الجهاد، ولكن لم يضرهم ذلك قطعاً لكونه صدر لهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فيدل على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص، لكن ضبط قانونها وتمييزها مما تضر مداخلته مشكل جداً. الخامس: حديث أبي موسى في مجيئهم من الحبشة، وفي آخره وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم. وسيأتي شرحه مستوفى في غزوة خيبر من كتاب المغازي، والغرض منه هذا الكلام الأخير . قال ابن المنير : أحاديث الباب مطابقة لما تر هذا ترجم به إلا ها الأخير فإن ظاهره أنه عليه الصلاة والسلام قسم لهم من أصل الغنيمة لا من الخمس، إذ لو كان من الخمس لم يكن لهم بذلك خصوصية، والحديث ناطق بها. قال: لكن وجه المطابقة أنه إذا جاز للإمام أن يجتهد وينفذ اجتهاده في الأخماس الأربعة المختصة بالغانمين فيقسم منها لمن لم يشهد الوقعة، فلأن ينفذ اجتهاده في الخمس الذي لا يستحقه معين وإن استحقه صنف مخصوص أولى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أعطاهم برضا بقية الجيش انتهى. وهذا جزم به موسى بن عقبة في مغازيه، ويحتمل أن يكون إنما أعطاهم من الخمس، وبهذا جزم أبو عبيد في كتاب الأموال، وهو الموافق لترجمة البخاري. وأما قول ابن المنير: لو كان من الخمس لم يكن هناك تخصيص، فظاهر، لكن يحتمل أن يكون من الخمس وخصهم بذلك دون غيرهم ممن كان من شأنه أن يعطي من الخمس، ويحتمل أن يكون أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل قسمة الغنيمة وبعد حوزها، وهو أحد القولين للشافعي، وهذا الاحتمال يترجح بقوله أسهم لهم لأن الذي يعطي من الخمس لا يقال في حقه أسهم له إلا تجوزا، ولأن سياق الكلام يقتضي الافتخار ويستدعي الاختصاص بما لم يقع لغيرهم
والله أعلم. السادس: حديث جابر ...».
١٥٩
.
كما
تقدم،
7.. 🗏
إن الاقتباس السابق واضح ومقنع في أفضل الأحوال بأن الأنفال من خمس الخمس، أما في أسوأ الأحوال فهو يضع القارئ في شكك بين: هل الأنفال من الخمس أم خمس الخمس؟ وفي هذا الشكك أيضاً خير كثير لأن في الشكك تأكيد على أن الأنفال لم تكن قط من رأس الغنيمة قبل أن تقسم أو من الأربعة أخماس التي هي من حق الموجفين. وفي هذا خير للأمة لأنه إن كانت الأنفال من رأس الغنيمة فإن في هذا مفسدة إذ أن السلطان قد يأخذ ما أراد من الغنائم لتنفيله لمن شاء لتحقيق أهوائه، فأتت الشريعة فجذت هذه المسألة بآية الغنائم. أما من ذهب من الفقهاء على أن الأنفال مما شاء السلطان فهم والحمد الله قلة وقولهم بالطبع هو زلة من علماء أفاضل ويؤجرون على اجتهادهم بإذن الله. ولعل الاستثناء من أن النفل من الخمس أو من خمس الخمس هو الأسارى والذي كان خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل قوله تعالى في سورة الأنفال وبعد أن استشار الصحابة: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. والآن لنمر سريعاً على المسائل الخلافية العشر التي ذكرتها في مقدمة الحديث عن النفل للمزيد من التوضيح وهي كالآتي:
بالنسبة للمسألة الخلافية الأولى، أي وقت فرض الخمس ، فلم أتطرق لها ووضعتها في الحاشية إذ أنها ليست ذات تأثير لموضوع التمكين، والله أعلم. وبالنسبة للمسألة الخلافية الثانية عن تأثير النفل في خلوص النية فقد مر عليها معظم الفقهاء سريعاً لأنها مسألة نوقشت باستفاضة في الحديث عن التعبد عموماً كما مر بنا في الحديث عن خلوص النية. إلا أن هناك نص جيد لابن حجر رحمه الله وقد تكون هناك نصوص أخرى مماثلة) يربط فيه العلاقة بين الغنائم إن حصلت ومدى نقصان الأجر إن أخذها المجاهد تتجلى في السؤال الآتي: لنقل بأنه لم يخرج للجهاد إلا من كانت بغيتهم أن تكون كلمة الله العليا، فهل في أخذهم للغنائم إنقاص لهم من أجر الآخرة؟ أرجو منك أخي القارئ التأني في قراءة الآتي برغم طوله، فما أروع ما يقوله رحمه الله وأسكنه فسيح جناته:
هي
هو
علي
... عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه قال: أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة). الحديث رجاله ثقات، وأخرجه الترمذي من حديث عبادة بلفظ : يقول الله عز وجل: (المجاهد في سبيلي ضامن إن رجعته رجعته : نعته بأجر أو غنيمة الحديث. وصححه الترمذي. وقوله: تضمن الله وتكفل الله وانتدب الله بمعنى واحد ، ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى. وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم. وقوله: (لا يخرجه إلا الجهاد) نص على اشتراط خلوص النية في الجهاد، وسيأتي بسط القول فيه بعد أحد عشر بابا . وقوله : ( فهو علي ضامن)، أي مضمون، أو معناه أنه ذو ضمان قوله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة ، أي بأن يدخله الجنة إن توفاه. في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان: إن توفاه بالشرطية والفعل الماضي، أخرجه الطبراني وهو أوضح. قوله: (أن يدخله الجنة، أي بغير حساب ولا عذاب أو المراد أن يدخله الجنة ساعة موته، كما ورد أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة. وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالماً لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنة، ومحصل الجواب أن المراد بدخول الجنة دخول خاص. قوله: (أو يرجعه)، بفتح أوله وهو منصوب بالعطف على يتوفاه. قوله: (مع أجر أو غنيمة)، أي مع أجر خالص إن لم يغنم شيئاً، أو مع غنيمة خالصة معها أجر، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن
الديوان
ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مرادا، بل المراد أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يغنم، لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجراً عند وجودها. فالحديث صريح في نفي الحرمان وليس صريحاً في نفي الجمع. وقال الكرماني: معنى الحديث أن المجاهد إما يستشهد أو لا، والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما، فهي قضية مانعة الخلو لا الجمع. وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال إن «أو» بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحها التوربشتي، والتقدير بأجر وغنيمة، وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة رواه، كذلك عن يحيى بن يحيى عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد، وقد رواه جعفر الفريابي وجماعة عن يحيى بن يحيى فقالوا : أجر أو غنيمة بصيغة «أو»، وقد رواه مالك في الموطأ بلفظ « أو غنيمة»، ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بكير عنه، ، فوقع فيه بلفظ «وغنيمة» ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال، ووقع . عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بالواو أيضاً، وكذا من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ بما نال من أجر وغنيمة»، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأن «أو» في هذا الحديث بمعنى الواو كما هو مذهب نحاة الكوفيين. لكن فيه لأنه إشكال صعب ) يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع، وقد لا يتفق ذلك، فإن كثيراً من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فر منه الذي ادعى أن أو بمعنى الواو وقع في نظيره لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كل غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معاً. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ) ، وهذا يؤيد التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر لكنه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا وتمتعه بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقة، كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خباب في الحديث الصحيح الآتي: (فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا الحديث. واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لما يدل عليه أكثر الأحاديث وقد اشتهر تمدح النبي صلى الله عليه وسلم بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضاً فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً، مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق. وسبق إلى هذا الإشكال ابن عبد البر وحكاه عياض وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعف حديث عبد بن عمرو، و، لأنه من رواية حميد بن هانئ وليس بمشهور، وهذا مردود لأنه ثقة يحتج به عند مسلم، وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما، ولا يعرف فيه تجريح لأحد . ومنهم من حمل نقص الأجر على غنيمة أخذت على غير وجهها وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في رده، إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر ولا أقل منه . .. ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً، وفيه نظر لأن صدر الحديث مصرح بأن المقسم راجع إلى من أخلص لقوله في أوله: (لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي). وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما . ولم يجب عن الإشكال المتعلق بأهل بدر. وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جار على القياس لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقه دخول في الأجر، وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم، يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها، فيمكن أن يجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض لأن أخذ الغنائم
الله
7.1
٦٠٢ 🗏
بدر
مثلاً عند
عدم
صحة
أول ما شرع كان عوناً على الدين وقوة لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو . وأما الجواب عمن استشكل ذلك بحال أهل بدر، في ، فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم. فغايته أن حال أهل الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نص أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفوراً لهم وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى. وأما الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غاز ، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب، ومع ذلك فمع ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة وصحة التمدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كل غاز يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئاً البتة. قلت: والذي مثل بأهل بدر أراد التهويل وإلا فالأمر على ما تقرر آخراً بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد أحداً لكونهم لم يغنموا شيئاً، بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فرض أن أجر البدري بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأحدى مثلاً بغير غنيمة مائة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو، كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان، وهي ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجراً من الأحدى، وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعاً، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل والله أعلم. واختار ابن عبد البر أن المراد بنقص أجر من غنم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بماله، فكان الأجر لما نقص عن ا المضاعفة. بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم ذكره. وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بـ بن عمرو حكمة لطيفة بالغة: وذلك أن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات: دنیويتان وأخروية؛ فالدنيويتان السلامة والغنيمة، والأخروية دخول الجنة . فإذا ) سالماً غانماً ذلك فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له، وبقي له عند الله الثلث. وإن رجع بغير غنيمة عوضه ) عن ثواباً في مقابلة ما فاته. وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثواباً، وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً. قال: وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجراً بطريق المجاز والله أعلم. وفي الحديث أن الفضائل لاتدرك دائما بالقياس، بل هي بفضل الله. وفيه استعمال التمثيل في الأحكام وأن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها، وإنما تحصل بالنية الخالصة إجمالاً وتفصيلاً، والله أعلم ..
17.
.«...
رجع
الله
وكما ترى فإن الاقتباس السابق يضع المجاهد المؤمن في وضع لا يأسى فيه على الغنائم إن فاتته، ولا يفرح بها كثيراً إن أنته، فهو من هذه الأقوال للفقهاء في حيرة تجعله إن كان مؤمناً يزداد تعلقاً بالله رجاء احتساب جهاده بأجر أعظم حتى وإن لم يغنم. وهذه العلاقة بين العبد وربه التي قد تتعكر بالغنائم التي يطمع بها الإنسان لحاجته لها يجب أن تبقى هكذا دون تقنين فلا وجود لميزان يحكم هذه العلاقة الجهادية. فما أروع ما قاله ابن دقيق العيد، في الاقتباس قبل السابق، وبالذات قوله: «ولكن لم يضرهم ذلك قطعاً لكونه صدر لهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فيدل على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص، لكن ضبط قانونها وتمييزها مما تضر مداخلته مشكل جداً». فهو يشير إلى صعوبة وضع معادلة للنفس البشرية تمكن المجتمع من توجيه نوايا
الديوان
٦٠٣
المتعبدين للإخلاص في العمل وفي الوقت ذاته تحتهم لعطاء أعلى من خلال التحفيز المادي بالوعود. وكأنه يقول بأن أي وعد أو أخذ مالي قد يكون له تأثير على النية بنسب متفاوتة بين الأفراد، غير أن هذا التأثير إن كان بسبب عطاء الرسول صلى الله عليه وسلم أو وعده (مثل سلب المقتول للقاتل فإنه لن يضر المجاهد حتى وإن أثر في خلوص النيات بعض الشيء طالما أن نية المجاهد كانت أصلاً وقت خروجه للجهاد خالصة لله كما استنتجنا من أقوال الفقهاء عند الحديث عن النية في العمل. ولكن المهم بالنسبة لنا كما قلت سابقاً ليست العلاقة بين العبد وربه من حيث خلوص ،النية، فهذه يستحيل الإطلاع عليها، ولكن إمكانية سحب ولاء المجاهد للسلطان من خلال النفل. وكما رأيت، فإن هذا محال لأن الحقوق مقصوصة بطريقة لن تمكن الإمام من التلاعب بها، فلا يتمكن من توظيفها
في تسخير الناس لأهوائه. وهذا هو المهم والذي سيتضح من خلال الإجابة على المسائل الفقهية الثمان الباقية. بالنسبة للمسألة الخلافية الثالثة، وهي التنفيل لمن تفانى في القتال، فكما رأينا فإن أصح الأقوال على أنه إن كان هناك نفل فهو من خمس الخمس الذي هو سهم الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الأربعة أخماس للمجاهدين الموجفين والخمس الخامس يُخمس أيضاً بين مستحقيه الذين سمتهم آية الغنائم. وخمس الخمس ضئيل جداً مقارنة بالكل بحيث أنه لن يشكل مصدراً يمكن السلطان من التلاعب فيه لسبب مهم هو أن أفراد الجيش جلهم من الأتقياء كما أكدت سابقاً فالشريعة تثبط المنافقين من الخروج، وهؤلاء الأتقياء لأنهم مدربون على القتال وهم الأشجع فلن يحاول أي حاكم أن يظهر أمامهم إلا بمظهر التقي الذي يعدل في القسمة، هذا إن كان منافقاً خوفاً على منصبه، أما إن كان تقياً فسيعدل بالتأكيد في قسمة خمس الخمس بين من هم أهله.
وهم
القسمة
وبالنسبة للمسألة الخلافية الرابعة، وهي كراهة الرسول صلى الله عليه وسلم للنفل، فإن الآثار التي مرت بنا الاقتباسات السابقة تؤكد كراهته صلوات ربي وسلامه عليه للنفل، وفي هذه الكراهة سنة لمن بعده من السلاطين ليكرهوا النفل، وفي هذا دفع للأمة بأن تقسم الغنائم بالتمسك بآية الغنائم، وهذا سيحدد الأنفال لتخرج من سهم السلطان، أي من خمس الخمس والذي للسلطان أيضاً أن يدفعه لمن تفانى في القتال، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (... والخمس مردود فيكم، وهؤلاء الذين تفانوا في القتال معروفون بين أفراد الجيش من خلال مثابرتهم في الجهاد. وهذا الدفع للأموال بالطبع لابد وأن يكون دون وعد مسبق من السلطان لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعد أحداً بكذا وكذا إن هو فعل كذا، وعدم الوعد هذا سيضعف سلطة الحاكم في الأخذ بالأهواء في فلا ينجذب إليه المنافقون. ولكن لنقل أن أحداً من الفقهاء أنكر كراهة الرسول صلى الله عليه وسلم للنفل، وأنه ذهب إلى أن النفل هو من الخمس وليس من خمس الخمس لأنه لا يريد الالتزام بآية الغنائم ولأنه يريد زيادة نصيب الإمام في التنفيل، عندها نذكره أن أكثر الأقوال لم تر ( في المسألة الخلافية السابعة) أن يطلق الإمام الوعود قبل المعركة، فسنته صلوات ربي وسلامه عليه في الوعد هي فقط في سلب المقتول والذي أصبح قاعدة في الغزوات اللاحقة. ولأنه لا وعد من الإمام، ولأن الغنائم يجب أن تخمس قبل النفل، فستتكشف أعيان الغنائم وأثمانها، فإن مجال الإمام في التوزيع بأهوائه سيضمحل خوفاً على الجيش من الفرقة بسبب تفضيله فرد على الآخرين من خلال النفل وذلك لأن أفراد الجيش الذين سيشعرون بالظلم مسلحون ومتمكنون وقد يتنازعون، فلن يجرأ سلطان ما على الإجحاف في القسمة إلا إن كان أحمقاً، لذلك فسيكون السلاطين أكثر حذراً. أما الحمقى من السلاطين إن لم يعدلوا فسيسقطون مباشرة لأن المؤمنين من المجاهدين، وهم الأكثر، لن ينصاعوا لأوامره، ولأنه لا مال لديه من
٦٠٤ 🗏
الفيء أو الصدقات كما مر بنا في الفصول السابقة، فلن يعمل له المنافقون، فيكون وحيداً حتى يسقط كما سيأتي بيانه بإذن الله. ولكنك بالطبع تسأل متعجباً ولكن الحمقى من السلاطين كثر ولم يسقطوا؟ فأجيب: إنهم لم يسقطوا لأن المنافقين يعملون لهم، أي لأن السلاطين ملكوا الأموال بسبب تغير مقصوصة الحقوق.
وبالنسبة للمسألة الخلافية الخامسة، وهي تنفيل السرايا، فكما هو ثابت من خلال العديد من الآثار أن التنفيل كان بالربع بعد الخمس في البدأة والثلث بعد الخمس في الرجعة وهاتان النسبتان أصبحتا وكأنهما عرفاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلهما. أي أن على الأئمة فعلهما ، وفي هذا القص للحق والذي قد يؤثر في خلوص نيات البعض، توضيح للحقوق بطريقة شفافة واضحة لا تجذب الولاء للسلطان لأجل المال برغم أنها قد تفقد المجاهد بعض الأجر إن تغيرت نيته والله أعلم. وهذا هو المهم بالنسبة لموضوعنا، أي فقدان السلطان المقدرة على استخدام الربع أو الثلث كأداة لتسخير الآخرين لأهوائه. ولكن لنقل بأن الإمام مخير بين التنفيل وعدمه للسرايا كما ذهب لذلك القلة من الفقهاء. فقد يقرر السلطان تنفيل السرية التي بها عمرو ولا ينفل السرية التي بها بكر، فعندها فإن المال في جميع الأحوال لن يكون للسلطان، بل هي لعموم المجاهدين الموجفين إن لم تذهب لبكر، وبرغم تأثر بكر إلا أن هذا وضع أفضل من إطلاق يدي السلطان في التنفيل كيفما شاء ولمن شاء، فهو برغم أنه حجب النفل عن بكر إلا أن الأموال قسمت بالتساوي بين الأتقياء الذين هم باقي أفراد الجيش ولم تذهب لمنافق آخر.
أما بالنسبة للمسألة الخلافية السادسة، أي هل للسلطان أن يزيد أو أن ينقص عن الربع بعد الخمس في البدأة والثلث بعد الخمس في الرجعة، فقد لاحظنا أن الفقهاء أثابهم الله قد تمسكوا بهاتين النسبتين باستثناء القلة الذين أتاحوا للسلطان إن رأى المصلحة ألا يلتزم بهما ولكن دون دليل. وهنا أيضاً فإن الالتزام بسنته صلوات ربي وسلامه عليه هو الأولى بالاتباع لأن المهم ليس النسبة بقدر تثبيتها، لأنها إن كانت ثابتة ومعروفة قبل بدء المعركة فإن حقوق الغانمين مقصوصة ولا يستطيع السلطان التلاعب بها بتفضيل بعض الجند على البعض الآخر. أما الحكمة من فرض الربع في البدأة والثلث في الرجعة فلابد وأن تكون عميقة وستأتي الأبحاث مستقبلاً للكشف عنها بإذن الله. ولكن الظاهر لي هو أن الربع نسبة معقولة لجعل الجيش مترابطاً دون تحويل النية. لأنه إن كانت أكثر من الربع فإن البعض قد يتمنى أن يكون في السرية لأجل المال مما قد يؤثر في خلوص النية. وفي حالات قصوى قد يتجمع البعض وينفلتوا لتكوين سرايا لأخذ الغنائم إن كانت الأنفال أكثر من الربع كالنصف أو ثلاث أرباعها. وهذا قد يحدث لأن الجيش بطيء في تقدمه، ولأن سمعته تخيف من في طريقه، فستسهل الغنائم للسرايا التي هي من الجيش الأم وتحصد الغنائم من القرى الفار عنها أهلها أو هم مستسلمون، وبهذا الانفلات للسرايا بإقناع السلطان أو رغماً عنه أحياناً قد يتمزق الجيش بسبب أطماع البعض قبل أن يصل الجيش لموقع المعركة. فكانت النسبة هي الربع وكأنها فرض تعبدي يحترمه الجميع لأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا يتعداها أحد فتكون النسبة بالربع لثباتها دعماً للحاكم ليطاع أمره. أما إن نقصت عن الربع في البدأة فقد يكون فيها إجحاف في حق من بادر وخاطر والتحق بالسرية قبل الوصول لأرض المعركة. وبالنسبة للثلث في الرجعة فهي بعد المعركة والكل منهك وقد ثبت الأجر بخلوص النية بإذن الله وجوده وكرمه ،ومنه ، فلا خوف من المزيد من الغنائم على من ضاعف الجهد لأن في خروج هذه السرايا في الرجعة إظهار للقوة التي ترهب العدو. وبهذا بقيت لنا المسائل الخلافية الثامنة والتاسعة والعاشرة. وسنبدأ في الآتي بالمسألة الخلافية الثامنة، وهي سلب المقتول.
أخف حركة
الديوان
٦٠٥
السلب
السلب كما قال ابن حجر هو: «ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد لا تدخل الدابة، وعن الشافعي يختص بأداة الحرب». ولكن قبل الحديث عن السلب لابد من التوضيح الآتي عن البيروقراطية. كان من أهم ما حاولت إيضاحه في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام هو أن الشريعة تحاول جاهدة إيجاد مجتمع نظيف من الأعمال البيروقراطية التي لن تجدي المجتمع، بل فقط تزرع أفراداً يتسلطون وينتفعون دونما إنتاج فعلي مما يؤدي إلى المزيد من التخلف والمقصود بالبيروقراطية كما هو معلوم الأعمال الإدارية والورقية لإنجاز عمل ما، كأن يحصل المستثمر على تصريح من الدولة لإنشاء مصنع ما. فعلى هذا المستثمر المرور على عشرات الموظفين للحصول على موافقاتهم من خلال أخذ تواقيعهم مما يضع هؤلاء الموظفين في موضع أعلى قد يُستغل في فتح أبواب الرشاوى كما هو معلوم وظاهر ومتفشي في مجتمعاتنا التي تعفنت بالبيروقراطيات النتنة التي لا تجلب سوى الهم دونما إنتاج فعلي. وكما ذكرنا سابقاً في الحديث عن التشابك وقلنا أن التشابك الذي لا تستطيع المجتمعات المعاصرة العيش من دونه لن يقع إن طبقت الشريعة. وكمثال مما سبق في الحديث عن الزكاة قلنا أن الشريعة لم تفرض الزكاة على الخضروات لأن مسألة مراقبة إخراجها أكثر ضرراً على المجتمع من جني بعض المال بسبب ما يتطلبه الجمع للزكاة من مؤسسة بيروقراطية والشريعة كما ستلحظ في باقي هذا الكتاب تتلافي بحكمة بالغة الإتقان إيجاد مجتمع بيروقراطي، وهذا يتطلب إعجاز تشريعي بحيث ينطلق الجميع للعطاء دونما تقييد أو تصادم مع الآخرين. ولقد وضحت في كتاب عمارة «الأرض» أن المذهب الحنفي هو المذهب الذي أخذ بالرأي وبالاستحسان على حساب القياس أحياناً والذي أعطى ولي الأمر صلاحيات أكثر، فهو المذهب الذي لم يمانع تدخل السلاطين في أمور العمران مثل منع الإحياء إلا بإذن السلطان ومثل التدخل في توزيع مقاعد الأسواق، وكل هذا سيؤدي لاستحداث المزيد من البيروقراطيات. وهذا الشيء نفسه أيضاً حدث في السلب. ولكن قبل الذهاب للسلب لأضرب مثالاً توضيحياً واحداً من العمران. فقد جاء مثلاً في معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء» الآتي:
«الطَّعْمُ في اللغة: الطعام. و«الطعام والطَّعم» هو الذي يشبع منه الإنسان. والطعمة هي المأكلة. أو ما يُطعم. وتطلق مجازاً على الرزق. فيقال : جعل السلطان هذه الضيعة طعمة لفلان. أي رزقاً. وعن معاوية: أنه أطعم عمراً خراج مصر. أي أعطاه طُعمة. والجمع طُعم. والطَّعمة، بالكسر، هي الجهة التي يُرتَزقُ منها، بوزن الحِرْفَة. أما في الاصطلاح، فقال الخوارزمي: هي أن تُدفع الضيعة إلى رجل ليعمرها ويؤدي عُشرها، وتكون له مدة حياته، فإذا مات ارتجعت عن ورثته. بخلاف القطيعة فإنها تكون لعقبه من بعده. وعن أبي حنيفة : أن الإطعام مختص بإعارة الأرض للزراعة».
171
الشاهد هنا هو الطعمة، أو الضيعة كما قال الخوارزمي والتي تسترجع من الرجل بعد وفاته ولا تذهب لورثته. والسؤال هو: هل يمكن أن يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً كهذا؟ أي هل يمكن أن يعطي إنسان ما أرضاً ما ليعمل بها ويشقى ويزرع ثم يأخذها من ورثته ؟ أعتقد أنك ستجيب مباشرة بـ: لا. لماذا؟ والإجابة من عدة وجوه، ولا نريد الخوض فيها، ولكن المهم هنا أن . هو من هذه الوجوه هو أن مجرد إعطاء الأراضي التي ملكتها الدولة بطريقة أو بأخرى إلى أفراد ثم أخذها منهم بعد وفاتهم يتطلب إجراءات بيروقراطية، فلابد من استحداث ديوان أو سجل لحصر حدود هذه الأراضي وما بها من ممتلكات، ثم وضع أسماء من يعملون فيها، وهكذا من أعمال بيروقرطية ستنتهي بمنح هذه الأراضي للمقربين من السلطان أو من يعملون لديهم والذين سيضعون عمالاً في الأرض
٦٠٦ 🗏
هم .
بالفعل
لتصبح كالإقطاعات، كما أن لهؤلاء الموظفين في الأرض نفقات ناهيك عن أن هؤلاء الموظفين في الديوان . عاطلون برغم عملهم، فهم لا ينتجون أعياناً تستفيد منها الأمة. ومن جهة أخرى، فإن إنتاج الأرض لن يكون في مستوى إنتاج أرض يملكها صاحبها الذي يهتم بها لأنه يملكها ويستفيد من كل إنتاجاتها لأنه يعلم أن كل مجهود يوضع في الأرض له ولورثته. هذا بالإضافة لأسباب أخرى وليس هذا مقام شرحها) تقف ضد مبدأ استرجاع الأرض، فالإسلام كما ستستنتج من هذا الكتاب بإذن الله سيؤدي إلى وضع تؤول فيه الأرض لمن ينتج منها ولا دخل للدولة في المسألة من قريب أو بعيد. فما بالك بأرض يعمل بها فرد طيلة عمره ثم تؤخذ منه، ففي هـذا فتح باب واسع للبيروقراطية المقيتة الذي يصعب قفله دونما إنتاج فعلي. وإن قلت بأن الدولة لابد وأن تمتلك بعض الأراضي التي لابد وأن يعمل بها الآخرون لتأخذ الدولة الأرباح لتنفقها على نفسها، أقول: هذا منطق فاسد لأن الدولة لا يحق لها امتلاك الأراضي كما رأينا سابقاً، حتى الأراضي التي آلت لبيت المال (مثل الصوافي أو أرض رجل متوف ولا وارث له) فإنها إن طبقت الشريعة لابد وأن تباع لتغطية ديون المديونين أو إطعام المساكين وما شابه من ضروريات حرص عليها الرسول صلى الله عليه وسلم كما مر بنا ليتحول هؤلاء المحتاجون إلى أفراد منتجين. أي باختصار: الشريعة تحاول جاهدة أن تتلافى البيروقراطية قدر المستطاع لأن البيروقراطية تزرع الموظفين في مواقع يستطيعون
من خلالها استغلال الآخرين دونما إنتاج فعلي. فما علاقة هذا بالسلب؟ لنقرأ الآتي من «بداية المجتهد»: «وأما المسألة الرابعة وهي هل يجب سلب المقتول للقاتل أو ليس يجب إلا إن نفله له الإمام؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك: لا يستحق القاتل سلب المقتول إلا أن ينفله له الإمام على جهة الاجتهاد، وذلك بعد الحرب، وبه قال أبو حنيفة والثوري. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وجماعة من السلف: واجب للقاتل، قال ذلك الإمام أو لم يقله. ومن هؤلاء من جعل السلب له على كل حال ولم يشترط في ذلك شرطاً. ومنهم من قال : لا يكون له السلب إلا إذا قتله مقبلاً غير مدبر، وبه قال الشافعي. ومنهم من قال : إنما يكون السلب للقاتل إذا كان القتل قبل معمعة الحرب أو بعدها، وبه قال الأوزاعي. وأما إن قتله في حين المعمعة فليس له سلب، وبه قال الأوزاعي. وقال قوم إن استكثر الإمام السلب جاز أن يخمسه . وسبب اختلافهم هو احتمال قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين بعد ما برد القتال: (من قتل قتيلاً فله سلبه أن يكون ذلك منه عليه الصلاة والسلام على جهة النفل أو على جهة الاستحقاق للقاتل، ومالك رحمه الله قوي عنده أنه على جهة النفل من قبل أنه لم يثبت عنده أنه قال ذلك عليه الصلاة والسلام، ولا قضى به إلا أيام حنين، ولمعارضة آية الغنيمة له إن حمل ذلك على الاستحقاق. أعني قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾، الآية. فإنه لما نص في الآية على أن الخمس الله علم أن أربعة الأخماس واجبة للغانمين كما أنه لما نص على الثلث للأم في المواريث علم أن الثلثين للأب. قال أبو عمر : وهذا القول محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم في حنين وفي بدر. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل، وخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك حمل على مرزبان يوم الدارة فطعنه طعنة على قربوس سرجه فقتله، فبلغ سلبه ثلاثين ألفاً ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالاً كثيرا ولا أراني إلا خمسته. قال: قال ابن سیرین: فحدثني أنس بن مالك أنه أول سلب خمس في الإسلام، وبهذا تمسك من فرق بين السلب القليل والكثير. واختلفوا في السلب الواجب ما هو ؟ فقال قوم: له جميع ما وجد على المقتول. واستثنى قوم من ذلك الذهب والفضة ... » . .
١٦٢
.
الديوان
٦٠٧
تلحظ في النص السابق أن الاختلاف الأول في الأقوال هو بين جماعتين: جماعة ذهبت على أن السلب ليس من حق القاتل إلا إن نفله الإمام على وجه الاجتهاد، وبه قال أبو حنيفة ومالك. وجماعة، ومنهم الشافعي وأحمد، ذهبت إلى أن السلب واجب للقاتل، سواء قال ذلك الإمام أم لم يقله، فهو من حقه. فأي المذهبين يعطي السلطان سلطات أوسع يمكنه من تسخيرها لما يلائم المصلحة؟ بالطبع ستقول بأنه المذهب الأول. ولكن لنقل بأن السلطان لم يكن نزيها، وهذا أمر جد وارد فعندها قد يستخدم السلطان هذه الصلاحية لما يحقق أهواءه. ففي مثل هذه الحالات فإن المذهب الثاني هو الأحوط. فالمذهب الثاني هو الذي يتبع خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هناك قناعة أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمثل في جميع الأحوال لذلك وجب أن يتبع. فقد نفل الرسول صلى الله عليه وسلم السلب للقاتل في أكثر من غزوة وهو المشهور عنه وبالذات في غزوة بدر، وقد أعلنه للجميع بقوله: (من قتل قتيلاً فله سلبه). فلماذا نترك هذا القول إذاً إن كانت المسألة بهذا الوضوح لاسيما إن أدركنا أن في عدم قدرة السلطان تنفيل السلب متى شاء قص للحق سيؤدي إلى وضع لا ينجذب فيه الأضعف نفوساً من المقاتلين للسلطان لأن نفوذه أقل، وفي مثل هذه الظروف فإنه لا مجال للسلطان للاستمرار في الحكم إلا بإظهاره المستمر أنه على الطريق المستقيم، أي أنه يحكم بما شرع الله، لأنه إن لم يفعل فلن يطاع، أما إن فعل سيطيعه المجاهدون الأتقياء وعندها فسيستمر الحكم بما أنزل الله كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصل «الحكم». ولكنك قد تقول بأن في هذا تخل عن آية الغنائم، أي عن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ...﴾ ، لأن ما تركه القتلى من غنائم هو من حق من خصتهم آية الغنائم. فأجيب: ولكن هذا المنطق ينطبق حتى على ما ذهبت إليه الجماعة الأولى التي لم تر السلب إلا إن أعلنه الإمام. فاستوى المذهبان في مخالفة الآية. ولكن الأصح والله أعلم أنه إن ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى حق السلب للقاتل وهو بالطبع يعلم الآية لأنها أنزلت عليه، فهو قد خصص ما عممته آية الغنائم أي أن هذه هي السنة التي يجب أن تتبع.
هنا
ثم تلحظ في النص أن هناك اختلافات أخرى تفصيلية لا نريد الخوض فيها إلا أن أهم ما في السلب لموضوع التمكين هو الاختلاف بين الفقهاء في تخميس السلب. فقد ذهبت جماعة على أن السلب يخمس وبالذات إن كان كبيراً بدليل فعل الخليفة عمر رضي الله عنه وأرضاه وأسكنه فسيح جناته مع ما حصل عليه البراء بن مالك من سلب المرزبان والذي بلغ ثلاثين ألفاً. وترى في الاقتباس السابق أن هذا كان أول سلب خمس في الإسلام. والسؤال هو : إن أعطيت السلطة حق تخميس كل سلب، فمن سيقوم بحسابات كل خمس لكل مقتول وهم بالمئات أو حتى بالآلاف؟ لابد وأن نحتاج لجهاز إداري للقيام بذلك، هنا تظهر البيروقراطية لأن كل جيش سيكون بحاجة لجيش من الموظفين لحساب الخمس من كل مقتول، ناهيك عن المشاحة التي قد تظهر بين المجاهدين ومن يقومون بالحسابات لأن الغنائم في الغالب أعيان يجب أن تثمن ثم تجمع الأثمان المقدرة ثم يقسم الجمع ليتم إخراج الخمس والذي لن يكون مالاً بل أعياناً قد لا تقبل التخميس، كأن يكون الخمس نصف سرج أو ثلث بندقية أو ربع فرس. ولكنك قد تقول: إن كان السلب كثيراً جداً فلابد وأن يخمس فأجيب: إن الشريعة كما ستلحظ بها ميزة وهي قفل كل باب قد يؤدي لمفسدة، كتحريم شرب القليل من المسكر إن ثبت أن كثيره سيسكر. وكذلك في السلب، فأين سنرسم الحد الفاصل بين ما يجب أن يخمس وبين ما لا يجب؟ هل هو في المئات أو الآلاف أو عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الدراهم؟ فإن وضعنا رقماً ما فنحن قد أتينا بشرع جديد. فالسنة واضحة وستؤدي إلى عدم إيجاد جهاز حسابي رقابي لإخراج الخمس لأن نفقات هذا الجهاز قد تفوق الخمس مقابل بعض المال للسلطان والذي
٦٠٨ 🗏
إن ترك للمجاهدين الموجفين سيستثمر في الأمة المسلمة لتزداد بالتأكيد إنتاجاً، لا أن تقع في يد السلطان الذي «قد» يحسن استخدامه في بعض الأحوال وسيسيء استخدامه في أكثر الأحوال. والآن لننظر للاقتباس الآتي من كتاب فتح الباري لابن حجر رحمه الله:
قوله باب من لم يخمس الاسلاب السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة، هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد لا تدخل الدابة، وعن الشافعي يختص بأداة الحرب. قوله: ومن قتل قتيلاً فله سلبه من غير أن يخمس وحكم الإمام فيه. أما قوله: (ومن قتل قتيلا فله سلبه)، فهو قطعة من حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب، وقد أخرجه المصنف بهذا القدر حسب من حديث أنس. وأما قوله من غير أن يخمس، فهو من تفقهه وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف في المسألة، وهو شهير وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور، وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أو لم يقل ذلك. وهو ظاهر حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب. وقال إنه فتوى من النبي صلى الله عليه وسلم وإخبار عن الحكم الشرعي. وعن المالكية والحنفية لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك. وعن مالك يخير الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه واختاره إسماعيل القاضي. وعن إسحاق إذا كثرت الأسلاب خمست، ومكحول والثوري يخمس مطلقاً، وقد حكى عن الشافعي أيضاً وتمسكوا بعموم قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ، ولم يستثن شيئاً، و ا واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً فله سلبه، فإنه خصص ذلك العموم، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين . قال مالك: لم يبلغني ذلك في غير حنين، وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن منها يوم بدر كما في أول حديثي الباب، ومنها حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلاً يوم أحد فسلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه، أخرجه البيهقي. ومنها حديث جابر أن عقيل بن أبي طالب قتل يوم مؤتة رجلاً فنفله النبي صلى الله عليه وسلم درعه ثم كان ذلك مقرراً عند الصحابة كما روى مسلم من حديث عوف بن مالك في قصته مع خالد بن الوليد وإنكاره عليه أخذه السلب من القاتل، الحديث بطوله وكما روى الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: تعال بنا ندعو. فدعا سعد فقال: اللهم ارزقني رجلاً شديداً بأسه فأقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه، الحديث. وكما روى أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق فذكر الحديث في قصة قتلها اليهودي وقولها لحسان: انزل فاسلبه، فقال : مالي بسلبه حاجة. وكما روى ابن إسحاق في المغازي في قصة قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود يوما الخندق أيضاً، فقال له عمر هلا استلبت درعه فإنه ليس للعرب خير منها. فقال: إنه اتقاني بسوأته. وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك يوم حنين بعد أن فرغ القتال كما هو صريح في ثاني حديثي الباب حتى قال مالك: يكره للإمام أن يقول من قتل قتيلاً فله سلبه لئلا تضعف نيات المجاهدين، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بعد انقضاء الحرب. وعن الحنفية لا كراهة في ذلك وإذا ناله قبل الحرب أو في أثنائها استحق القاتل. ثم أخرج المصنف فيه حديثين أحدهما حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل والغرض منه هنا قوله في آخره: كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، فقد احتج به من قال إن إعطاء القاتل السلب مفوض إلى رأي الإمام وقرره الطحاوي وغيره بأنه لو كان يجب للقاتل لكان السلب مستحقاً بالقتل ولكان جعله بينهما لاشتراكهما في قتله فلما خص به أحدهما دل على أنه لا يستحق بالقتل وإنما يستحق بتعيين الإمام. وأجاب الجمهور بأن في السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه
الديوان
7.9
غيره في الضرب أو الطعن. قال المهلب: نظره صلى الله عليه وسلم في السيفين واستلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولاً هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك. وإنما قال كلاكما قتله وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر. وقال الإسماعيلي أقول: ان الأنصاريين ضرباه فأثخناه وبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ، وقد دل قوله: كلاكما قتله، على أن كلاً منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني، فاشتركا في القتل إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع، والآخر قتله وهو مثبت، فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه وسيأتي تتمة شرحه في غزوة بدر ...».
١٦٣
إن في الاقتباس السابق الكثير من الآثار التي تثبت أن السلب للقاتل، وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله. ومن الآثار الدالة على أن السلب للقاتل: الجاسوس أو العين إن دخل ديار المسلمين. فلعظم شره على المسلمين فقد ذهب الفقهاء بأن سلبه لقاتله اتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في مسند الإمام أحمد وفي السنن الكبرى عن أبي . عميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: «جاء عين من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل، فلما طعم ،انسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجل: (اقتلوه)، فابتدره قال: وكان أبي ليسبق الفرس شداً، فسبقهم إليه فأخذه بخطام راحلته فقتله، فنفله رسول الله صلى الله عليه
القوم.
١٦٤
١٦٥
وسلم سلبه». وهناك نص طويل وضعته في الحاشية لابن حجر في هذه المسألة تلحظ منه توجه الفقهاء على أن سلب الجاسوس بالتأكيد لقاتله بالكامل وذلك نظراً لعظيم خطره ولما فيه مصلحة للمسلمين بقتله. ففي مثل هذه المسائل، تلحظ أن الفقهاء لا يناقشون مسألة النية أو تخميس السلب وذلك لتحفيز الناس لقتل الجاسوس. كما أن نص ابن حجر الذي وضع في الحاشية يحوي لفتة ناقدة لمذهب الإمام مالك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: من قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم حنين، إذ يقول ابن حجر موضحاً: «وأما قول مالك: لم يبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا يوم حنين، فإن أراد أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود، لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكاً إنما نفى البلاغ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل، وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق». والملفت للنظر أيضاً في النص السابق لابن حجر رحمه الله هو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله وأثابه على اجتهاده بأن قال: «يكره للإمام أن يقول: من قتل قتيلاً فله سلبه لئلا تضعف نيات المجاهدين، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بعد انقضاء الحرب». هنا يظهر سؤال: لنفترض جدلاً أن قول الإمام مالك رحمه الله صحيح، ألا يعلم المقاتلون أن حق السلب للقاتل هو حق لا يتحقق إلا بإعلان الحاكم بعد المعركة ؟ فقد يعلن الإمام ذلك وقد لا يعلنه، ألا تكون نفوسهم في هذه الحالة أكثر تعلقاً بالغنائم وبما قد يعلنه الحاكم؟ فكما هو معلوم، فإن أي إنسان إن اشتهى شيئاً فإنه سيتعلق به لأنه لا يملكه، أما إن ملكه فإن تعلقه بالشيء سيقل كثيراً، فإن وافقتني أخي على هذه الظاهرة، فإن تعلق المجاهدين في الغنائم سيكون أكثر إن هم علموا أن الإمام قد يعلن أن السلب لهم، وسيكون أقل إن هم تيقنوا أن السلب لهم لا محالة برغم أنف السلطان. فهو حق قد قصته لهم الشريعة بدليل نص الحديث وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. فلماذا حاول الرسول صلى الله عليه وسلم التحقق ممن قتل أبي جهل يـوم بـدر مـن بين الأنصاريين؟ ثم بعد النظر في السيفين قرر أنه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. فقد كان بإمكانه بكل بساطة يوم بدر
- 🗏
وهو في أشد الانشغال بأمور أخرى مثل دفن الشهداء وتضميد الجرحى وتجميع الجيش وما شابه من أعمال ذات أهمية كبرى أن يقول للأنصاريين بأن السلب لهما شراكة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم حاول تحديد القاتل حتى يحق الحق الذي سيكون سنة للأمة من بعده. ألم تر كيف أن ابن حجر في الاقتباس السابق حلل حادثة قتل أبي جهل ونقل أقوال فقهاء آخرين حتى نعلم لمن هو السلب؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم يتوقع أن الفقهاء سينقلون أفعاله، ألم يقل: (بلغوا عني ولو آية؟ لذلك حرص صلى الله عليه وسلم في تحديد القاتل ليأخذ السلب برغم أنهما صغيران. ففي هذا تأكيد على ضرورة تحديد القاتل ليأخذ حقه.
ومن جهة أخرى فإن في ترك المسألة للسلطان بإعلان السلب للقاتل أم لا في كل معركة بناء على ما تقتضيه المصلحة لهو باب لاستحداث فتنة بين السلطان والمجاهدين. فإن كانت الغنائم كثيرة فقد لا يعلن السلطان تنفيل السلب للقاتل، وإن كانت قليلة فقد يعلن ذلك، وفي هذا فتح لباب التساؤل بين الجند: لماذا قال الحاكم بالسلب للقاتل في هذه المعركة ولم يقله في تلك المعركة؟ ومثل هذه التساؤلات ستسبب التشاحن بين القائد وجنده. ه. أما إن كانت القاعدة مستتبة ومستمرة على الدوام سواء بالتنفيل أو عدمه ففيها إخماد لكل قيل وقال وتطييب للنفوس. فإن قبلت هذا المنطق فإننا إن أردنا أن نوجد قاعدة ما، وبالذات بالتمسك بفعل الرسول صلى الله لأنه ثبت أنه نفل السلب للقاتل، فإن القاعدة هي تنفيل السلب دائماً وليس العكس، لأننا إن منعنا السلب دائماً فقد خالفنا
سنته، والعكس غير صحيح.
عليه
وسلم،
ولعل المهم في كل موضوع السلب هو الآتي: كما هو معلوم فإن الغنائم في الغالب تحمل ليعود بها الجيش، فإن لم يكن السلب من حق القاتل، فإن حجم الغنائم سيزداد، وفي حملها جميعاً لنقلها مشقة على الجيش لأن الكل سيشارك في حمل جميع الغنائم، أي أن كل فرد يحمل ما لا يملكه، فيظهر الحمل وكأنه عبء لأن كل مجاهد سيشارك في الحمل بشيء ما من الغنائم. أما إن أخذ كل قاتل سلبه فإن الحمل سيخف على الجيش لأن حمل المجاهد لما غنمه قد تكون متعة لأنه يحمل ما قد فاز به ويعلم أنه ملك له، وفوق هذا سيحافظ على ما غنمه لأنه يملكه. فكما هو معلوم فإن الناس يهتمون بما يملكون أكثر مما لا يملكون إلا من رحم ربك ممن هم شديدي الخوف من الله (وهذا من أهم محاور كتاب «عمارة الأرض». وكما سترى فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد التفت لهذه المسألة، فهناك من الغنائم الخمس من رأس الغنيمة والذي هو حق للمسمين في آية الغنائم كاليتامى وهذه يجب أن تحمل ويجب أن تصل سالمة لديار المسلمين، لذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من سوء استهلاكها بقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده)، وسيأتي بيانه بإذن الله.
مسألة أخرى في السلب: لقد احتج بعض الفقهاء مثل الطحاوي رحمه الله من حديث سلب أبي جهل أن توجيه السلب مفوض إلى رأي الإمام. إلا أن مذهب الجمهور كما قال ابن حجر: «بأن في السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن». ثم يسرد ابن حجر رحمه الله من أقوال الفقهاء ما يرجح مذهبهم هنا أيضاً نأتي لمسألة هي من حق المجاهدين وهي: إن إعطاء السلطان الحق في تقرير من سيأخذ السلب سيضع السلطان في موقع قد يسيء استخدام هذه السلطة بدفع سلب عمرو لبكر، ودفع سلب زيد لعبيد، وهكذا. أما إن حصر السلب للقاتل فإن تدخل السلطان لا يكون إلا في حالة النزاع إن اختلف اثنان أو
الديوان
٦١١
أكثر، أي في فض النزاع فقط لتحديد القاتل والذي سيأخذ السلب. وفي هذا جذ لفرصة ظهور جهاز بيروقراطي لتوجيه السلب لزيد بدل عبيد، ولكن يجب ألا ننسى أن الجيش في جله مكون ممن يخافون الله وخرجوا طلباً للأجر، فلا يعقل أن يتنازعوا على السلب إلا فيما ندر، أي أن السلطان لن يكون بحاجة لفض النزاعات إلا فيما ندر. وبالطبع ستسأل: وماذا عن الأنصاريين، لماذا اختلفا؟ فأجيب: إن الذي حدث بين الأنصاريين هو لأنهما صغار
أنه
في السن ولا يجب أن يظن أنهما طمعا في السلب ولكن لأن كل منهما أراد أن يثبت للرسول صلى الله عليه وسلم القاتل لعدو الله (أبي جهل) فيظفر بالأجر والفضل ويزداد تقرباً من أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم. وما كان
هو
الله
صلى
هذا بالطبع إلا من شدة حبهما للرسول صلى الله عليه وسلم كما تدل على ذلك الروايات، فقد جاء في صحيح مسلم: ... عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي ؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت: ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: (أيكما قتله؟). فقال كل واحد منهما : أنا قتلت. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟). قالا: لا. فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله. وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء».
177
أخي القارئ، إن في السابق تأكيد على أن الأنصاريين لم يختلفا طمعاً في السلب، ولكن للحصول على شرف قتل عدو الله وعدو رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم نأتي الآن للمسألة الخلافية التاسعة، وهي أيضاً ذات صلة
بالبيروقراطية، وهي مكان توزيع الغنائم
هل القسمة في الموقع ؟
لقد اختلفت اقوال الفقهاء أيضاً بالنسبة لمكان تقسيم الغنائم، هل تقسم بعد انتهاء المعركة في أرض المعركة أم : بعد العودة لموطن المجاهدين؟ تأمل أخي القارئ ماذا يحدث إن استخدم الإنسان عقله . مع قول أو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد ذهب أهل الرأي إلى أن القسمة تكون بعد حمل الغنائم والعودة بها إلى ديار المسلمين، أما الجمهور فقد ذهبوا إلى أنها تقسم بعد المعركة في أرض المعركة إن رأى الإمام ذلك. ض" لنأخذ نصاً توضيحاً لذلك من
المدونة الكبرى مثلاً:
في قسم الغنائم قلت: أرأيت إذا غنم المسلمون غنيمة هل يكره مالك لهم أن يقسموا ذلك في بلاد الحرب؟ قال: الشأن عند مالك أن يقسم في بلاد الحرب ويباع ثم قال: وكان يحتج فيه مالك يقول هم
هامش
ض) جاء في فتح الباري: قوله باب من قسم الغنيمة في غزوه نظر الإمام واجتهاده وتمام الاستيلاء يحصل بإحرازهـا بـأيـدي وسفره : أشار بذلك إلى الرد على قول الكوفيين أن الغنائم لا تقسم في المسلمين، ويدل على ذلك أن الكفار لو أعتقوا حينئذ رقيقاً لم ينفذ دار الحرب، واعتلوا بأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء، ولا يتم عتقهم، ولو أسلم عبد الحربي ولحق بالمسلمين صار حراً ...» (١٦٧). الاستيلاء إلا باحرازها في دار الإسلام. وقال الجمهور هو راجع إلى
٦١٢ 🗏
أولى برخصته. قال: وقال مالك: تقسم الغنائم وتباع في دار الحرب. وقال مالك: هو الشأن. قال سحنون: ألا ترى أن الطوائف والجيوش ليس سيرتهم سيرة السرايا . إنما سيرتهم على الإظهار وعلى غير الاختفاء وأنهم في اجتماعهم وكثرتهم إذا نزلوا بموضع فكأنهم غلبوا عليه وظهروا عليه. وهم الذين يبعثون السرايا وإليهم ترجع فليس يخاف عليهم أمر ولا يتعقب فيهم خوف، وهم أمراء يقيمون الحدود ويقسمون الفيء. وذكر ابن وهب عن مسلمة عن الأوزاعي أنه قال في قسم الغنيمة في أرض الحرب قبل خروجهم منها . قال : لم يقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة أصاب فيها مغنماً إلا خمسه وقسمه قبل أن يقفل . قال : ومن ذلك غزوة بني المصطلق وخيبر وحنين. ثم لم يزل المسلمون على ذلك بعده ووغلت جيوشهم في أرض الشرك في خلافة عمر بن الخطاب إلى خلافة عمر بن عبد العزيز في البر والبحر. ثم هلم جراً في أرض الشرك حتى هاجت الفتنة. (ذكر) ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس قد سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم. جاءك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك في العسكر من كراع أو مال. فاقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار بعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين. فإنك لو قسمتها بين
من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء».
١٦٨
. فإذا
إن نظرنا إلى الأدلة نجد أنها تقف مع من قال أن القسمة تكون بعد المعركة مباشرة كما في النص السابق من مذهب الإمام مالك رحمه الله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، كل يأخذ نصيبه ويحمله معه ويعود به أو يبيعه، وبهذا يكون كل فرد مسؤول عن غنائمه، وهكذا تنعدم الحاجة للبيروقراطية التي عليها أن تنظم الأمور كما إن لم تقسم الغنائم وحملت جميعها، ثم قسمت بعد العودة، فعندها سيحتاج السلطان لتعيين أفراد لتوزيع مهمة الحمل على أفراد الجيش، ويجب عليهم مراقبة سلامة الغنائم حتى لا تستهلك أو لا تتلف أو حتى لا تسرق. وفي هذا باب واسع لزيادة سلطات الحاكم لأنه قد يجادل بأن هؤلاء الذين يقومون بهذا التنسيق البيروقراطي بحاجة لنفقات مالية، وهذا باب لسحب أموال المجاهدين لموظفي الدولة المستحدثين والذين كما سترى حرصت الشريعة على جذهم من جذورهم بتقسيم الغنائم في أرض المعركة فتنتفي الحاجة لهؤلاء البيروقراطيين. ومن جهة أخرى فإن تأخير القسمة لحين العودة إلى ديار المسلمين سيعطي السلطان فسحة من الوقت لاختيار بعض الغنائم وتخصيصها لبعض المقاتلين دون بعض وفي هذا فتنة لبعض المجاهدين من ضعاف النفوس الذين قد يحاولون التقرب من السلطان لعلهم يحظون بغنائم أفضل والعجيب هو أن أهل الرأي يحاولون إيجاد مخارج غريبة ما أنزل الله بها من سلطان لتبرير ما ذهبوا إليه من أن الغنائم لا تقسم في أرض المعركة بل في ديار المسلمين بعد حملها. أريدك أخي القارئ أن تتأمل الاقتباس الآتي من كتاب «بدائع الصنائع» من المذهب الحنفي لأنني سأحاول نقده بعد ذلك. قال الكاساني رحمه الله :
«وأما بيان قسمة الغنائم فنقول وبالله التوفيق: القسمة نوعان: قسمة حمل ونقل وقسمة ملك. أما قسمة الحمل فهي إن عزت الدواب ولم يجد الإمام حمولة يفرق الغنائم على الغزاة، فيحمل كل رجل على قدر نصيبه إلى دار الإسلام، ثم يستردها منهم فيقسمها قسمة ملك، وهذه القسمة جائزة بلا خلاف. ولا تكون قسمة ملك كالمودعين يقتسمان الوديعة، ليحفظ كل واحد منهما بعضها جاز ذلك، وتكون قسمة ملك فكذا هذا. وأما قسمة الملك فلا تجوز في دار الحرب عند أصحابنا، وعند الشافعي رحمه الله تجوز. وهذا الاختلاف مبني على أصل وهو أن الملك هل يثبت في الغنائم في دار
الديوان
الملك
الحرب للغزاة؟ فعندنا لا يثبت الملك أصلاً فيها لا من كل وجه ولا من وجه، ولكن ينعقد سبب ا فيها على أن تصير علة عند الإحراز بدار الإسلام، وهو تفسير حق الملك أو حق التملك عندنا. وعنده يثبت الملك قبل الإحراز بدار الإسلام بعد الفراغ من القتال قولاً واحداً، وله في حال فور الهزيمة قولان. ويبنى على هذا الأصل مسائل منها أنه إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا، وعنده يورث. الله تعالى أعلم. ومنها أن المدد إذا لحق الجيش فأحرزوا الغنائم جملة إلى دار الإسلام يشاركونهم فيها عندنا، وعنده لا يشاركونهم. ومنها أنه إذا أتلف واحد من الغانمين شيئاً من الغنيمة لا يضمن عندنا، وعنده يضمن ومنها أن الإمام إذا باع شيئاً من الغنائم لا لحاجة الغزاة لا يجوز عندنا، وعنده يجوز . ومنها أن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب مُجازِفًا غير مجتهد ولا معتقد جواز القسمة لا تجوز عندنا، وعنده تجوز. فأما إذا رأى الإمام القسمة فقسمها نفذت
قسمته بالإجماع. وكذلك لو رأى البيع فباعها لأنه حكم أمضاه في محل الاجتهاد بالاجتهاد فينفذ.
وجه قول الشافعي رحمه الله ما روي أن رسول الله قسم غنائم خيبر بخيبر، وقسم غنائم أوطاس بأوطاس، وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم، وقسم غنائم بدر بالجعرانة، وهي واد من أودية بدر. وأدنى ما يحمل عليه فعل النبي عليه الصلاة والسلام هو الجواز والإباحة، ولأنه وجد الاستيلاء على مال مباح فيفيد الملك استدلالاً بالاستيلاء على الحطب والحشيش، ولا شك أن المستولى عليه مال مباح لأنه مال الكافر وإنه مباح. والدليل على تحقق الاستيلاء أن الاستيلاء عبارة عن إثبات اليد على المحل، وقد وجد ذلك حقيقة وإنكار الحقائق مكابرة، ورجعة الكفار بعد انهزامهم واستردادهم أمر موهوم لا دليل عليه فلا يعتبر . ولنا أن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك، ولم يوجد ههنا، لأن ملك الكفرة قائم، لأن ملك الكفرة كان ثابتاً لهم، والملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته أو يخرج المحل من أن يكون منتفعاً به حقيقة بالهلاك أو بعجز ا المالك عن الانتفاع به دفعاً للتناقض فيما شرع الملك له، ولم يوجد شيء من ذلك. أما الإزالة وهلاك المحل فظاهر العدم، وأما قدرة الكفرة على الانتفاع بأموالهم فلأن الغزاة ما داموا في دار الحرب فالاسترداد ليس بنادر بل هو ظاهر أو محتمل احتمالاً على السواء. والملك كان ثابتاً لهم فلا يزول مع الاحتمال، وأما الأحاديث: غنائم خيبر وأوطاس والمصطلق فإنما قسمها رسول الله في تلك الديار لأنه افتتحها فصارت ديار الإسلام، وأما غنائم بدر فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قسمها بالمدينة فلا يصح الاحتجاج».
فأما
١٦٩
٦١٣
لقد بدأ الكاساني نصه بالتوضيح بأن القسمة نوعان: قسمة حمل ونقل، وقسمة ملك. هنا يظهر سؤال: من
أين أتى هذا التقسيم؟ هل هو في الشرع؟ أم أنه مستحدث؟ وهل نحن بحاجة له؟ فقسمة الملك معروفة، وهي أن يملك كل فرد ما قسم له. أما قسمة الحمل والنقل فهي أن يقسم الحاكم الغنائم بين المجاهدين، فيحمل كل فرد قدر نصيبه وينقله إلى ديار الإسلام. ثم بعد الوصول إلى ديار الإسلام يسترد الحاكم الغنائم من المجاهدين ثم يقسمها بينهم قسمة ملك. أي أن المهمة أصبحت مهمتين. أليس هذا شيء عجيب؟ ولماذا هو عجيب؟ لأن كل مجاهد سيحمل من الغنائم ما لن يؤول إليه بعد الوصول، فبكر قد يحمل غنائم ،زيد وزيد قد يحمل غنائم عبيد، وعبيد قد يحمل غنائم عمرو، وهكذا قد تتلف الغنائم بقلة الاهتمام بها لأن كلاً يحمل ما لا يملكه، إلا إن كان الجيش تقياً كأتقى رجل واحد عندها سنضمن أن الغنائم لن تتأثر وبالتالي لن تفقد قيمتها لأن الحاملين لها حريصون عليها وكأنها ملك لهم. وهنا قد تقول: ولكن لأن الجيش في معظم أفراده أتقياء، فلابد وأن يهتموا بما لا يملكون أكثر مما يملكون لخوفهم من الوقوع في إثم الإهمال. فأجيب هذا صحيح. ولكن لماذا نضع الناس في فتنة حمل ونقل ومن ثم
المحافظة على الغنائم ؟ أليس في هذا تحميل للمجاهدين لما قد لا يطيقون من هم وبالذات بعد معركة منهكة ؟
٦١٤ 🗏
ثم يوضح الكاساني العلة في هذا التقسيم بالقول بأن قسمة الملك لا تجوز في دار الحرب في مذهبهم، أي في المذهب الحنفي، ويقرر بأنها تجوز عند الشافعي. ولتبرير هذا الاختلاف المتضاد بين المذهبين يحاول إيجاد أصل عجيب بالسؤال: «هل يثبت الملك في الغنائم في دار الحرب للغزاة؟». ثم يجيب مباشرة على السؤال بأن الغنائم لم تحرز بعد، لذلك فهي لم تملك، وإن لم تملك فكيف يجوز قسمتها؟ وبناءً عليه يجب أن تحمل الغنائم إلى مكان تملك فيه لتقسم. إلا أن الجميع يعلم أن الغنائم قد حرزت بوقوعها في أيدي المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فيكون السؤال: لماذا يقول الكاساني أنها لم تحرز بعد؟ والإجابة هي أن الكاساني ذهب إلى أن السبب في أن الملكية لا تقع إلا في ديار المسلمين هو أصل آخر في المذهب الحنفي عن حق التملك، والذي يوضحه في آخر النص بأن الاستيلاء يؤدي للملك إن كان الاستيلاء على مال مباح غير مملوك كالحطب والحشيش مثلاً، وهذا منعدم في حالة الغنائم لأنها ليست مالاً مباحاً، بل هي لاتزال للكفرة. فالملك كان ثابتاً لهم. ولكن لأن الملك بالطبع خرج من أيدي الكفرة تجده يقول العبارة الآتية: «لأن ملك الكفرة قائم، لأن ملك الكفرة كان ثابتاً لهم». تلحظ أن العبارة تدلك على أن الكاساني نفسه والله أعلم قد لا يكون مقتنعاً بما يقول، فعبارته ليست قطعية في معناها، فهي تعزو ملك الغنائم للكفرة لأنهم كانوا سابقاً يملكونها برغم عدم حيازتهم لها بعد انهزامهم. ولتوضيح هذه التفصيلة يقول: والملك «متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته أو يخرج المحل من أن يكون منتفعاً به حقيقة بالهلاك أو بعجز المالك عن الانتفاع به دفعاً للتناقض فيما شرع الملك له». أي أنك تلحظ أنه في الجملة السابقة لا يعتبر الاستيلاء في الحرب سبباً لإثبات الملك، لذلك فلابد من نقل الغنائم لتملك، أليس هذا عجيباً؟
هو
:
هل رأيت كيف حاول الاقتباس السابق إيجاد مخارج بتأصيل المسألة وذلك لتبرير حكم عجيب. ولعل السؤال الأهم هنا هو هل أتى بدليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم ثم حمل ثم نقل ثم جمع ثم قسم الغنائم؟ والإجابة بالطبع أنه لا دليل لديه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم مباشرة. ولكن العجيب أيضاً أن الاقتباس السابق يورد قول الشافعي بقوة ثم يحاول دحضه بطريقة ركيكة. فهو يوضح بأن الشافعي رحمه الله ذهب لقسمة الغنائم في الموقع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك: فهو قد قسم غنائم خيبر بخيبر، وغنائم أوطاس بأوطاس، وغنائم بني المصطلق في ديارهم، وغنائم بدر بالجعرانة وهي واد من أودية بدر. ويوضح الكاساني أيضاً مذهب الشافعي بأن المستولى عليه هو مال مباح لأنه مال الكافر في الحرب، فهو مباح كالحطب والحشيش، لذلك فقد ثبت ملكه للمسلمين. ثم يؤكد الكاساني مذهب الشافعي بأن الدليل على تحقق الاستيلاء هو أن الاستيلاء إثبات اليد على المحل، وقد حدث هذا بعد المعركة، فلماذا المكابرة على ما ذهب إليه الشافعي، يقول الكاساني، لأن إنكار الحقائق مكابرة؟ فعودة الكفرة ( كما يقول الكاساني موضحاً مذهب الشافعي) بعد انهزامهم أمر موهوم ولا دليل عليه لذلك لا يعتبر ناقضاً للملك، فثبت بذلك ملك المسلمين على الغنائم. إن هذا لأمر محير: فالكاساني يفقه عمق قول الشافعي ويظهره بقوة ثم يرفضه وذلك بالآتي: يقول بأن الاستيلاء لم يحصل في الغنائم على مال مباح غير مملوك، فالغنائم كانت مملوكة، لذلك فهي لا تعد ملكاً للمسلمين إلا بعد أن تنقل، وللتوضيح أقول:
كما
إن الاقتباس السابق من أعجب الأقوال التي مررت بها وذلك لأنه يحاول إثبات مذهب ضعيف يناقض فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك باستخدام العقل بفلسفة الأمور من خلال تأصيلات فقهية تضع كل فقيه في تردد
الديوان
710
هنا
صلی
هو:
من مجابهة فقيه راسخ في العلم مثل الكاساني رحمه الله. فكيف فلسف الأمور ؟ كما ذكرت سابقاً: يقول بأن ملك الكفرة كان ثابتاً لهم، وأن الملك متى ما ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته أو يخرج المحل من أن يكون منتفعاً به حقيقة بالهلاك أو بعجز المالك عن الانتفاع به». هنا من هذه العبارة تلحظ أنه استخدم أو حتى أسقط قاعدة تُستخدم عادة في السلم في ديار المسلمين على غير المسلمين في بلد الحرب ! ولعل السؤال الذي لا تستطيع الفرار منه فلماذا هذا الاستخدام، أو بالأحرى لماذا هذا الإسقاط ؟ هنا يثير مسألة أخرى بأنه ما فعل هذا إلا «دفعاً للتناقض فيما شرع الملك له». ولعله يقصد بأنه حتى لا تظهر أصول الشريعة متناقضة، والله أعلم، فهو لجأ لهذا الإسقاط . ثم يستنتج مباشرة بأن الغنائم لا تنطبق عليها هذه الحالة، فلا يزول ملك الكفرة بالاحتمال لأن احتمال عودة الكفرة والهجوم على المسلمين لازال أمراً وارداً لأنهم لازالوا في ديار الكفر. لذلك فالغنائم لم تدخل في ملك المسلمين بعد، فيجب ألا تقسم حتى تحمل وتصل إلى ديار المسلمين عندها يتحقق الملك. ولكن أين سيذهب من الأحاديث التي تثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم في مواقع المعارك ؟ إن الإجابة لديه سهلة: فهو قد قال بأن خيبر وأوطاس والمصطلق هي ديار أصبحت مع افتتاحها ديار إسلام، أما غنائم بدر فقد روي أن الرسول الله عليه وسلم قسمها في المدينة المنورة لذلك فلا يصح الاحتجاج بها. هنا أعتقد أخي القارئ أنك لا تستطيع مقاومة سؤال ملح: لماذا اعتبر المناطق التي انتصر فيها المسلمون مثل خيبر ديار إسلام ولم يعتبر أي منطقة أخرى غزاها المسلمون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ديار إسلام ؟ فخيبر مثلاً بقي فيها اليهود حتى تم إجلاؤهم منها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك قسمت فيها الغنائم. فجميع المناطق الإسلامية باستثناء المدينة المنورة كانت ديار كفر ثم أصبحت ديار إسلام. هكذا انتشر الإسلام فلماذا لا يرى هذه الحقيقة الواضحة؟ والإجابة هي والله أعلم أن بعض الفقهاء كما ذكرت لم يكن همهم تقصي الحق فقط، ولكن أيضاً الانتصار للمذهب لأنهم اعتقدوا أنه هو الأحق. ولعلك تلحظ هذا بوضوح من خلال استخدام عبارات مثل: «عندنا» و «عنده» قاصداً الشافعي رحمه الله وذلك كما في قوله مثلاً: «وينبني على هذا الأصل مسائل منها أنه إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا، وعنده يورث». وهنا أيضاً أخي القارئ لعلك تتعجب وتسأل: كيف يمنع ورثة من قاتل وانتصر ثم مات من أخذ الغنائم، وهل هذا جزاء عادل؟ أما ما ذهب إليه الشافعي فهو غير ذلك. ولا أريد الخوض في الخلافات الأخرى التي ذكرها الكاساني توفيراً للوقت، فالحق فيها ظاهر، ولكن أذكرك بمسألة مهمة وهي أن الغنائم عندما تحمل في العودة، فهي ليست كثيرة إن قسمت في أرض المعركة وحمل كل فرد ما غنم، فلن يبقى للجيش من حمل مشترك للعودة به إلا حق المسمين في آية الغنائم، أي أربعة أخماس الخمس، وبالذات إن نفل الإمام خمس الخمس لمن أبلوا بلاء حسناً. حتى أربعة أخماس الخمس قد تقل لأن من المجاهدين من هم فقراء ويستحقون من الغنائم. والآن لننظر للنص الآتي فهو أثر من بين الكثير من الآثار التي تثبت أن الغنائم كانت تقسم في أرض المعركة، جاء في سنن البيهقي الكبرى مثلاً: عن
«أنس رضي الله عنه قال: صارت صفية لدحية في مقسمه وجعلوا يمدحونها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون ما رأينا في السبي مثلها . قال : فبعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي فقال: (أصلحيها ) . قال : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر حتى جعلها في ظهره، نزل ثم ضرب عليها القبة، فلما أصبح قال : (من كان عنده فضل زاد فليأتنا به). قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل السويق وفضل السمن حتى جعلوا من ذلك سواداً حيساً فجعلوا يأكلون من
٦١٦ 🗏
ذلك الحيس ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء. قال: فقال أنس: وكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها . قال : فانطلقنا حتى إذا رأينا جـدر المدينة مشينا إليها فرفعنا مطيتنا ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيته . قال : وصفية خلفه قد أردفها، فعثرت مطية رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرع وصرعت. قال: فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترها. قال : فأتيناه فقال: لم نضر ). قال: فدخلنا المدينة فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها . لفظ حديث بهز بن أسد رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن هاشم، وفي هذا دلالة على وقوع قسمة غنيمة خيبر بخيبر. قال أبو يوسف: إنها حين افتتحها صارت دار إسلام وعاملهم على النخل. قال الشافعي: أما خيبر فما علمته كان فيها مسلم واحد ما صالح إلا اليهود وهم على دينهم وما حول خيبر كله دار حرب».
۱۷۰
حتى المذهب الحنفي الذي لا يذهب للقسمة إلا بعد العودة لديار المسلمين فهو يقر ضمنياً أن القسمة كانت تقع قبل العودة لديار المسلمين، فهذا ما ستلحظه من الاقتباس الآتي من السرخسي الذي يشير فيه إلى احتمالات أن الغنيمة قد قسمت كقوله: «وإن كانت الغنائم قد قسمت فذلك بمزلة اللقطة في يده»؛ وقوله: «وإن كانت قد قسمت صنع ما يصنع باللقطة»، فتأمل الاقتباس:
اللقطة
«وإذا أخذ الرجل علفاً من الغنيمة ففضل منه فضلة بعد ما خرج إلى دار الإسلام أعادها في الغنيمة إن كانت لم تقسم، لأن اختصاصه بذلك كان للحاجة، وقد زال بالخروج إلى دار الإسلام، وكان ذلك لعدم تأكد الحق في الغنيمة لهم، وقد زال ذلك بالإحراز وإن كانت الغنائم قد قسمت فذلك بمنزلة في يده. فإن كان فقيراً فلا بأس بأن يأكله، وإن كان غنياً باعه وتصدق بثمنه كما يفعل باللقطة، وكذلك لا ينبغي له أن يبيع شيئا من الطعام والعلف لأنه أبيح له التناول للحاجة، والمباح له التناول لا يملك التصرف فيه بالبيع، وإن فعل ذلك أعاد الثمن في الغنيمة إن لم تقسم، وإن كانت قد قسمت صنع ما يصنع باللقطة كما بينا، وإن أقرضه رجلاً في دار الحرب من الجند لم يسع له أن يأخذ منه شيئا لأن المقرض والمستقرض في حق إباحة تناوله سواء إلا أن الآخذ كان أحق به لأنه في يده، فإذا زال ما بيده إلى الآخر سقط حقه، فلهذا لا يأخذ منه شيئا. وإذا أعتق رجل من الجند جارية من الغنيمة نفذ عتقه في القياس لأن حقهم تأكد بالإحراز، .
۱۷۱
.«...
ومن الآثار الدالة أيضاً أن الغنائم كانت تقسم في أرض المعركة مسألة وطء السبايا. فكما هو معلوم فإن أفراد الجيش عادة ما يخرجون من دون نسائهم خوفاً عليهن من الوقوع في السبي في حالة انهزام المسلمين لا سمح
فإن
الله. وهذا الفراق عن الزوجات لفترات طويلة يجعل بعض المجاهدين في وضع هم فيه بحاجة لقضاء شهواتهم. حصل المسلمون بعد النصر على الغنائم وكان هناك سبي، فهل من المعقول أن ينتظر المسلمون بهذا السبي حتى يعودوا وهؤلاء الرجال ينظرون إليهن وينتظرون لعل في هذا فتنة كبرى لبعضهم . فبعد كل غزوة ونصر قد يتعمق المسلمون في ديار غير المسلمين أكثر وأكثر كما حدث عندما توغل الجيش المسلم من العراق إلى الصين، فعندها لابد من القسمة حتى يتسنى للجيش المضي دون الرجعة للقسمة سواء كان المقسوم سبياً أو أعياناً. أما إن قسمت الغنائم ومنها السبي وأخذ كل رجل نصيبه، فإن بعض المجاهدين قد لا يحصلون على سبي لأن عدد السبايا من النساء في الغالب أقل من عدد الجند. عندها تتم بعض المبايعات فيشتري من لا يستطيع أن يقاوم شهوته امرأة من رجل آخر وقع في نصيبه سبي. وهذا الذي باع فإنه قد يصبر حتى يحصل أو يشتري واحدة أخرى في موقع آخر أكثر عمقاً في بلاد غير المسلمين، وهكذا ظهرت أسئلة فقيهة حول جواز بيع السبي وجواز وطء السبي قبل العودة
الديوان
٦١٧
لديار المسلمين. لننظر للاقتباس الآتي من كتاب «الأم» للشافعي ) رحمه الله، لتتأكد أن الغنائم كانت تقسم في أرض المعركة فتضمحل سلطة السلطان ولا تظهر أيضاً طبقة بيروقراطية في الدولة. وللتذكير فقط: فإن التقسيم في أرض المعركة مباشرة فيه تعجيل لحقوق الغانمين. وبهذا التعجيل في القسمة تضمحل فرص السلطان في التخير من الغنائم لقسمتها بأهوائه، وهكذا لن ينجذب إليه المنافقون فلا تستحدث العلاقة بين السلطان والمنافق. قال الشافعي رحمه
الله :
:
«وطء السبايا بالملك: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا كان الإمام قد قال: من أصاب شيئا فهو له؛ فأصاب رجل جارية لا يطؤها ما كان في دار الحرب. وقال الأوزاعي له أن يطأها، وهذا حلال من الله عز وجل بأن المسلمين وطئوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابوا من السبايا في غزاة بني المصطلق قبل أن يقفلوا. ولا يصلح للامام أن ينفل سرية ما أصابت ولا ينفل سوى ذلك إلا بعـد الخمس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث. قال أبو يوسف: ما أعظم قول الأوزاعي في قوله: هذا حلال من الله. أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيناً بلا تفسير. حدثنا ابن السائب عن ربيع بن خيثم وكان من أفضل التابعين أنه قال: إياكم أن يقول الرجل إن الله أحل هذا أو رضيه فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه ويقول: إن الله حرم هذا. فيقول الله: كذبت، لم أحرم هذا ولم أنه عنه. وحدثنا بعض أصحابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا: هذا مكروه وهذا لا بأس به. فأما نقول: هذا حلال وهذا حرام، فما أعظم هذا قال أبو يوسف وأما ما ذكر الأوزاعي من الوطء فهو مكروه بغير خصلة يكره أن يطأ في دار الحرب، ويكره أن يطأ من السبي شيئا قبل أن يخرجوه إلى دار الإسلام. أخبرنا بعض أشياخنا عن مكحول عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه نهى أن يوطأ السبي من الفيء في دار الحرب ...».
۱۷۲
صلی
تلحظ في النص السابق أن أبا يوسف نقد قول الأوزاعي الذي أجاز وطء السبايا بالقول (أي قول الأوزاعي): «وهذا حلال من الله عز وجل بأن المسلمين وطئوا مع رسول الله الله عليه وسلم ما أصابوا من السبايا في غزاة بين المصطلق قبل أن يقفلوا». وتلحظ أيضاً أن النقد لم يكن بتفنيد حجة الأوزاعي ولكن بنقده في منهجيته لأنه قال: «هذا حلال من الله». فنقد أبو يوسف هو : لماذا قال الأوزاعي: «حلال»، ولم يقل هذا مكروه مثلاً؟ أي أن أبا يوسف لم يدحض الحكم الذي ذهب إليه الأوزاعي بل نقد منهجه. ثم يقول أبو يوسف مؤيداً قول أبي حنيفة: «فأما ما ذكر الأوزاعي من الوطء فهو مكروه بغير خصلة يكره أن يطأ في دار الحرب، ويكره أن يطأ من السبي شيئاً قبل أن يخرجوه إلى دار الإسلام . ثم تلحظ أنه لا دليل لديه على هذه الكراهية لا من آية قرآنية ولا من قول أو فعل للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن استدل على النهي من نهي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. إلا أن هذا المذهب قد نقده الإمام الشافعي رحمه الله بطريقة واضحة قائلاً:
.«<...
«قال الشافعي: وإذا قسم الإمام الفيء في دار الحرب ودفع إلى رجل في سهمه جارية فاستبرأها فلا بأس أن يطأها. وبلاد الحرب لا تحرم الحلال من الفروج المنكوحة والمملوكة. وقد غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة المريسيع بامرأة أو امرأتين من نسائه، والغزو بالنساء أولاً لو كان فيه مکروه بأن يخاف على المسلمات أن يؤتى بهن بلاد الحرب فيُسْبَين أولى أن يمنع من رجل أصار جارية في ملكة في بلاد الحرب يغلبون عليها فيسترق ولد إن كان في بطنها. وليس هذا كما قال أبو يوسف،
٦١٨ 🗏
وهو كما قال الأوزاعي قد أصاب المسلمون نساءهم المسلمات ومن كان من سبائهم، وما نساؤهم إلا كَهُمْ، فإذا غزوا أهل قوة بجيش فلا بأس أن يغزوا بالنساء، وإن كانت الغارة التي إنما يغير فيها القليل على الكثير فيغنمون من بلادهم إنما ينالون غرة وينجون [وينحبون] ركضا كرهت الغزو بالنساء في هذا الحال . وأما ما ذكر أبو يوسف من النفل فإن الخمس في كل ما أوجف عليه المسلمون من صغيره وكبيره بحكم الله إلا السلب للقاتل في الإقبال الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قتل. وأما ما ذكر من أمر بدر فإنما كانت الأنفال لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَن الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ثم نزل عليه منصرفه من بدر: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فجعل الله له ولمن سمى معه الخمس، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أوجف الأربعة الأخماس بالحضور للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم».
۱۷۳
عز
هل رأيت كيف فند الشافعي ما ذهب إليه أبو يوسف بالقول بأن «بلاد الحرب لا تحرم الحلال من الفروج المنكوحة والمملوكة». ولكن المهم لنا في المسألة هو أن فكرة مناقشة وطء السبي قبل العودة لموطن المجاهدين وبغض النظر عن جواز ذلك من عدمه) أن هو الغنائم كانت تقسم قبل العودة. وهذا المنطق ينطبق أيضاً على بيع السبي. اقرأ الآتي من كتاب «الأم» أيضاً عن بيع السبي، يقول الشافعي رحمه الله :
«بيع السبي في دار الحرب قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى أكره أن يبيعها حتى يخرجها إلى دار الإسلام. قال الأوزاعي: لم يزل المسلمون يتبايعون السبايا في أرض الحرب ولم يختلف في ذلك اثنان حتى قتل الوليد. قال أبو يوسف: ليس يؤخذ في الحكم في الحلال والحرام بمثل هذا، أن يقول لم يزل الناس على هذا. فأكثر ما لم يزل الناس عليه مما لا يحل ولا ينبغي مما لو فسرته لك لعرفته وأبصرته عليه العامة مما قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يؤخذ في هذا بالسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف من أصحابه ومن قوم فقهاء. وإذا كان وطؤها مكروهاً فكذلك بيعها لأنه لم يحرزها بعد. قال الشافعي: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال خيبر بخيبر وجميع مالها دار شرك وهم غطفان ودفعها إلى يهود وهم له صلح معاملة بالنصف لأنهم يمنعونها بعده صلى الله عليه وسلم وأنفسهم به، وقسم سبي بني المصطلق وما حوله دار كفر ووطئ المسلمون. ولسنا نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل من غزاة حتى يقسم السبي، فإذا قسم السبي فلا بأس بابتياعه وإصابته، والابتياع أخف من القسم ولا يحرم في بلاد الحرب بيع رقيق ولا طعام ولا شيء
غيره».
١٧٤
تلحظ من النص السابق أخي القارئ أن أبا يوسف عندما نقد الأوزاعي في مذهبه لم يأت بدليل، بل نقده في منهجية الاستدلال بالقول: «ليس يؤخذ في الحكم في الحلال والحرام بمثل هذا، أن يقول لم يزل الناس على هذا»، فكما يقول أبو يوسف فإن كثيراً من الناس على الباطل. ولعله محقاً في نقد منهجية الأوزاعي إن لم يأت الأوزاعي بدليل، ولكن ليس فيما ذهب إليه الأوزاعي. فكما ترى فإن الشافعي رحمه الله والذي يرجح مذهب الأوزاعي يضع الدليل تلو الدليل من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ليستنبط الحكم، وهو جواز بيع السبي وجواز وطء السبي حتى في ديار غير المسلمين ليقول مستنتجاً: «ولسنا نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل من غزاة حتى قسم السبي، فإذا قسم السبي فلا بأس بابتياعه وإصابته، والابتياع أخف من القسم ولا يحرم في بلاد الحرب بيع رقيق ولا طعام ولا شيء غيره». فعبارة: «ولسنا نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل من غزاة حتى قسم السبي» عبارة
الديوان
٦١٩
قوية إن خرجت من فقيه كالإمام الشافعي
رحمه الله ويصعب إثبات عكسها إلا بحادثة لم يقسم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم السبي قبل الرجوع أي أن السنة هي القسمة قبل الرجوع، وفي هذا تحجيم لأهواء السلطان فلا ينجذب إليه المنافقون برغم أن الغنائم أحلت للمجاهدين.
مكانة الغنائم
إن دراسة الغنائم في الشريعة مؤشر جيد على قوة المسلمين وضعفهم. فهم في السابق كانوا يغنمون لأنهم كانوا أقوياء، فكانت مسائل الغنائم تشغل فكر الفقهاء، لهذا أخذ فقه الغنائم حيزاً من كتابات الفقهاء. أما الآن، ولأن الأمة هزيلة ولا تغنم شيئاً، بل تُغنم، فلم تظهر مستجدات فقهية في تقسيم الغنائم لتواكب التغير في التقنية الحربية. ولعل أفضل مثال على هذا هو كيفية قسمة الغنائم بين الراجل والفارس في فقه السلف، أي من يذهب للغزو على رجليه دون فرس، ومن يذهب ومعه فرس أو أكثر، فهل يتساويان أو يتساوون في المغنم؟ وبالطبع لا، فالفارس سيكون أكثر تأثيراً في تحقيق النصر وبعدد خيوله، لذلك فلابد وأن يكون نصيبه أكبر، فظهرت الخلافات، هل للفارس ضعف أو ثلاث أضعاف ما للراجل ؟ وبالرغم من أن أدوات الحروب قد تغيرت من الخيول والمنجنيقات إلى المدافع والدبابات والطائرات، إلا أن الفقه في هذه المسألة لم يتغير، فلا تجد اجتهادات (من الفقهاء المعاصرين ولا من هم قبلهم كؤلائك الذين عاصروا العباسيين والعثمانيين مثلاً عن كيفية قسمة الغنائم بين المجاهدين باستخدام الأسلحة الحديثة، وذلك لسببين: الأول هو أن العمل العسكري لم يعد عبادة، بل وظيفة مقابل أجر يأخذه المقاتل، لذلك فلن يأخذ أحد من الغنائم شيئاً، فلا حاجة إذاً لفقه عن طريقة التوزيع بين المقاتلين كما يعتقد البعض والثاني مترتب على الأول، وهو أن من يشارك في المعركة الآن يأخذ معدات القتال من الدولة. فلماذا يغنم؟ لكن في السابق كان على المجاهد أن يجهز نفسه، فإن استمر الحكم بما أنزل الله، فقد يجهز خمسة إخوة أنفسهم مثلاً بدبابة يحاربون بها لأنهم اشتروها بأموال جمعوها ممن هم في قريتهم. وكان شراء الدبابة من مصنع تبرع بإنشائه بعض الميسورين ويقوم عليه بعض المتطوعين المحبين لصناعة الدبابات (وما أكثرهم بين الشباب). وهكذا مع جميع المعدات الحربية. ولعلك تسأل: إن هذا لأمر محال في أيامنا هذه. فمن أين للناس الأموال لصناعة الدبابات وشرائها؟ فأجيب كالعادة: أنت تفكر في وضع تملك فيه الدول كل الموارد ولا يملك الأفراد إلا القليل من المال (وسيأتي بيانه بطريقة أفضل في الحديث عن الأمن بإذن الله. بالإضافة لهذا، اسأل نفسك: من يقوم بصناعة هذه الدبابات الحديثة المتفوقة، هل هي الدول أم هي الشركات المملوكة للأفراد ثم تقوم الدول بالشراء منها. أي أننا بأمس الحاجة للاجتهاد في طريقة تقسيم الغنائم احتساباً لعزة ستأتي للأمة بإذن الله . فكيف تقسم الغنائم بين ثلاثة شاركوا في المعركة بدبابة، وجماعة ساهمت بضرب العدو جواً، ومجموعة قامت بجمع التبرعات من الناس واشترت عدداً من المدافع الثقيلة بعيدة المدى واستخدمتها بدقة أصابت من العدو مقتلاً أتى بالنصر بعون الله، وطائفة كان بإمكانهم الدخول على العدو من البحر غوصاً إلا أن القائد العام استوقفهم لأسباب حربية تكتيكية، فكيف تقسم الغنائم بين هؤلاء؟ أين الاجتهاد من كل هذا؟ بالطبع لا اجتهاد لأن الأمة أصبحت تُغنم، بل الاجتهادات هي مؤشر على الوهن بسبب الحكم بغير ما أنزل الله كالاجتهاد في زكاة المستغلات مثلاً ( وسيأتي بيانه بإذن الله). وكل اجتهاد في مثل هذه المسائل (كزكاة المستغلات) هو مؤشر على تقهقر الأمة.
٦٢٠ 🗏
أي أن الغنيمة احتلت مكانة معتبرة في فقه السلف لحاجة الناس لفقه تقسيم الغنائم. والآن سأضرب مثالين لتأكيد أهمية هذه المكانة للغنائم ماضياً ومستقبلاً. المثال الأول هو الاختلافات بين الفقهاء في الفرق بين نصيب الراجل والفارس من الغنائم . فقد كان هذا الموضوع من المسائل التي شغلت الفقهاء والتي تؤثر على موضوع التمكين من جهتين: الأولى هي: هل قرار كيفية القسمة بيد السلطان أم هو نتيجة لاجتهاد الفقهاء وعلى السلطان التنفيذ؟ ستلحظ من الاقتباس الآتي من كتاب «الأموال» أن اتخاذ قرار تحديد نصيب الراجل والفارس لم يترك للسلطان ليحددها في كل معركة كيفما شاء، بل هي للفقهاء ليتبعها السلاطين (وفي الاقتباس الآتي أيضاً إثبات لبعض ما استنتجناه سابقا)، قال أبو عبيد رحمه الله :
لأنه لا غناء .
سهم
رس والراجل
... والناس اليوم في المغنم على هذا، أنه لا نفل من جملة الغنيمة حتى تخمس. وإنما جاز أن يعطى الأدلاء والرعاء من صلب الغنيمة قبل الخمس لحاجة أهل العسكر إلى هذين الصنفين، فصار نفلهما علماً عليهم ا بهم عنهما، فهو من جميع المال، وأما ما سوى ذلك فما نعلم أحداً نفل من نفس الغنيمة قبل الخمس إلا ما خص الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ] ، فإنه قد روى عنه في ذلك شيء لا يجوز لأحد بعده. قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] أعطاه . الفارس و وهو على رجليه، وكان استنقذ لقاج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وقال خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة. قال عبد الرحمن: فحدثت به سفیان فقال : هذا خاص لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]. قال أبو عبيد : يذهب سفيان إلى أن التفضيل في السهام وإلى أن النفل من الغنيمة ليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم]، وكان رأيه أن النفل إنما يكون من الخمس نفسه بعد أن يعزل. يقول فكان ما آثر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ] سلمة خاصاً له لا يكون لأحد بعده. قال أبو عبيد: وقد روي عن سعيد بن سعيد المسيب شيء يرجع معناه إلى مذهب سفيان. قال: حدثني يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو قال كنا عند : ـد أبي سلمة بن عبد الرحمن فأرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن النفل، فلم يرد عليه شيئا، قال: ثم أرسل غلاماً له، أو قال: مولى له يقال له برد، فقال: إنه يقول: لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم]. قال أبو عبيد : فأراد سعيد هذا المعنى أيضاً أن التفضيل في السهام والنفل من الغنيمة كلها ليس لأحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم]، وعلى هذا يوجه ما فضل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ] الأقرع بن حابس وعيينة يوم حنين. قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس بن مالك: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم] غنائم حنين فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، فبلغ ذلك الأنصار، فذكر عنهم في ذلك كلاماً بحديث فيه طول. قال أبو عبيد: ولهذا الحديث عندي وجهان أحدهما أن يكون فعله ذلك من جميع الغنيمة، فيكون خاصاً له كما قال سعيد بن المسيب وسفيان. والوجه الآخر أن تكون تلك العطية كانت من الخمس كالأحاديث التي ذكرناها فيما جعل للإمام أن ينفل به الناس من الخمس، وهذا أولى الأمرين به عندي وأشبه أن يكون وجه هذا الحديث لأنه يدلنا على ذلك أن أنس بن مالك . هو المحدث بهذا الفعل عن النبي، ثم قد أبى أن يأخذ من الأمير الذي كان أعطاه ثلاثين رأساً من ، العامة، فأبى أنس أن يأخذ ذلك إلا من الخمس. قال أبو عبيد : وقد ذكرنا حديثه
من سبي
في الباب الذي قبل هذا، فكأنه إنما اتبع الحديث الذي رواه وهو كان أعلم بتأويل ما روى. وقد تأول بعض الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ] إنما أعطى هؤلاء من سهمه الذي كان له خاصاً من الغنيمة وهو الخمس، ولو كان من ذلك لما تكلمت فيه الأنصار ولا جهلته لأنه ملك يمينه يصنع به ما يشاء، ولا كان حينئذ نفلاً، إنما هو هبة أو عطية أو نحل أو حباء وما أشبه ذلك من يسمى
٦٢١
الديوان
الكلام».
۱۷۵
أما الجهة الثانية التي يؤثر فيها التفاضل في تقسيم الغنائم بين المجاهدين فهو تطوير تقنية القتال: فلعلك لاحظت أخي القارئ أن كل ما حاولت قوله من خلال الصفحات السابقة هو أن هناك اتزاناً توجده الشريعة يدفع الناس للمزيد من الجهاد من خلال الغنائم دون أن يؤثر ذلك في نيات المجاهدين كي لا تخرج نياتهم عن خلوص العمل الله جل جلاله. وبالطبع لن أتمكن من استحداث صيغة أو معادلة يتمكن من خلالها المجتمع من إيجاد ميزان يوضح هذا الاتزان، ولا أعتقد أن أحداً سيستطيع ذلك لأن مثل هذا الميزان سيؤدي لاستخدام العقل مع النص، لذلك وجب علينا فقط الإلتزام بالنصوص السابقة لأنها هي التي ستؤدي لاستحداث هذا الاتزان، فلا اجتهاد إذاً، إلا أن باب الاجتهاد يجب أن يفتح قدر المستطاع في حيز توزيع الغنائم بين الغانمين من حيث إمكانياتهم القتالية بما يقاتلون به. فكما ذكرت في الأمثلة السابقة متسائلاً عن كيفيه قسمة الغنائم بين من فتحوا مدينة على الساحل مثلاً، فبالتأكيد ستكون هناك جماعات قتالية مختلفة في ظل التقنية القتالية الحديثة: فهؤلاء مثلاً فتية معهم سفينة ترصد غواصات الأعداء أينما كانت، وأولئك من قبيلة واحدة ومعهم غواصة لا يمكن رصدها لأنها ذات مقدرة تمويهية فائقة، وتلكم جماعة من العلماء المتخصصين في التقنية والذين استحدثوا مدافع شديدة الدقة لضرب الأهداف الحيوية من العدو (كمراكز الاتصالات) وذلك باستخدام صور جوية تم الحصول عليها من شباب نذروا أنفسهم لتطوير تقنيات تحليل الصور الجوية التي حصلوا عليها ممن أنشؤا طائرات غير مأهولة تصور بدقة متناهية مواقع العدو. فكيف سيتشارك في الغنيمة جميع هؤلاء الذين أتوا بالنصر؟ لعلك تقول: بأن كل من ساهم في المعركة بطريقة غير مباشرة مثل من طوروا وسائل التصوير فهم ليسوا من الجند، فالغنائم فقط لمن شارك ببدنه. فأجيب: قد تكون محقاً لأن من طوروا تقنيات الحروب سيؤجرون بإذن الله على نياتهم، ولكن كيف ستقسم الغنائم بين من ركبوا الطائرات وضربوا الأعداء، وبين من كانوا يبعدون من مواقع العدو عشرات الكيلومترات وضربوهم بالمدافع، فللعدو أيضاً مدافع تضربهم وقد تقتلهم. وهكذا من جدل لن ينتهي. فكل ما أريد توضيحه أخي القارئ هو أن فقه الغنائم قد يكون أقوى مؤشر على قوة الأمة. فكلما تطورت تقنيات القتال كلما احتاج المجتمع إلى المزيد من الاجتهادات لتواكبها ليأخذ من كان أكثر تأثيراً في الإتيان بالنصر الغنائم الأكثر. والآن ألق نظرة سريعة على الاقتباس الآتي لابن حجر كمثال لطريقة تقسيم الغنائم بالتفاضل بين أنواع الخيول لترى تعامل فقهاء السلف مع النصوص للاستنباط :
«قوله: باب سهام الفرس، أي ما يستحقه الفارس من الغنيمة بسبب فرسه. قوله: وقال مالك: يسهم للخيل والبراذين جمع برذون، بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة. والمراد الجفاة الخلقة من الخيل. وأكثر ما تجلب من بلاد الروم، ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية. قوله: لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ ، قال بن ابطال: وجه الاحتجاج بالآية أن الله تعالى أمتن بركوب الخيل وقد أسهم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. واسم الخيل يقع على البرذون والهجين بخلاف البغال والحمير وكأن الآية استوعبت ما يركب من هذا الجنس لما يقتضيه الامتنان، فلما لم ينص على البرذون والهجين فيها دل على دخولها في الخيل. قلت: وإنما ذكر الهجين لأن مالكاً ذكر هذا الكلام في الموطأ، وفيه والهجين، والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربياً والآخر غير عربي. وقيل الهجين الذي أبوه فقط عربي. وأما الذي أمه فقط عربية فيسمى المقرف. وعن أحمد: الهجين البرذون ، ويحتمل أن يكون أراد في الحكم، وقد وقع لسعيد بن منصور
الفرس.
وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يــوم خيبر وعـرب العراب، فجعل للعربي سهمين وللهجين سهما، وهذا منقطع ويؤيده ما روى الشافعي في الأم وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر قال : أغارت الخيل فأدركت العراب وتأخرت البراذن، فقام بن المنذر الوادعي فقال: لا أجعل ما أدرك كمن لم يدرك، فبلغ ذلك عمر فقال: هبلت الوادعي أمه، لقد أذكرت به، أمضوها على ما قال فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب. وفي ذلك يقول شاعرهم: ومنا الذي قد سن في الخيل سنة، وكانت سواء قبل ذاك سهامها. وهذا منقطع أيضاً، وقد أخذ أحمد بمقتضى حديث مكحول في المشهور عنه كالجماعة، وعنه إن بلغت البراذين مبالغ العربية سوى بينهما وإلا فضلت العربية، واختارها الجوزجاني وغيره. وعن الليث: يسهم للبرذون والهجين دون سهم الفرس. قوله : ولا يسهم لأكثر من فرس، هو بقية كلام مالك، وهو قول الجمهور. وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين لا لأكثر . وفي ذلك حديث أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف عن أبي عمرة قال: أسهم لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم، ولي سهماً، فأخذت خمسة أسهم. قال القرطبي: ولم يقل أحد أنه . يسهم لأكثر من فرسين إلا ما روى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لكل فرس سهمان، بالغاً ما بلغت، ولصاحبه سهماً، أي غير سهمي قوله: عن عبيد الله، هو ابن عمر العمري قوله : جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً، أي غير سهمي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم. وسيأتي في غزوة خيبر أن نافعاً فسره كذلك، ولفظه: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن معه فرس فله سهم ، ولأبي داود عن أحمد عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر بلفظ: أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه، وبهذا التفسير يتبين أن لا وهم فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير، كلاهما عن عبيد الله بن عمر فيما أخرجه الدارقطني بلفظ : أسهم للفارس سهمين. قال الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري: وهم فيه الرمادي وشيخه، قلت: لا لأن المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الإسناد فقال: للفرس، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن ابن أبي شيبة، وكأن الرمادي رواه بالمعنى، وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معاً بلفظ : أسهم للفرس: وعلى هذا التأويل أيضاً يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي، أخرجه الدارقطني، وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق وهو أثبت من نعيم عن ابن المبارك بلفظ : أسهم للفرس. وتمسك بظاهر هذه الرواية بعض من احتج لأبي حنيفة في قوله أن للفرس سهماً واحداً ولراكبه سهم آخر، فيكون للفارس سهمان فقط، ولا حجة فيه لما ذكرنا. واحتج له أيضاً بما أخرجه أبو داود من حديث مجمع بن جارية بالجيم والتحتانية في حديث طويل في قصة خيبر قال : فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما، وفي إسناده ضعف. ولو ثبت يحمل على ما تقدم لأنه يحتمل الأمرين والجمع بين الروايتين أولى، ولا سيما والأسانيد الأولة أثبت، ومع رواتها زيادة علم، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين، ولكل إنسان سهماً، فكان للفارس ثلاثة أسهم. وللنسائي من حديث الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له أربعة أسهم، سهمين لفرسه وسهماً له، وسهماً لقرابته. قال محمد بن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار ونقل عنه أنه قال : أكره أن أفضل بهيمة على مسلم وهي شبهة ضعيفة لأن السهام في الحقيقة كلها للرجل. قلت: لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية لأن المراد المفاضلة بين الراجل والفارس، فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل فمن جعل للفارس سهمين فقد سوى بين الفرس وبين الرجل، وقد تعقب هذا أيضاً لأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا عن الأصل بالمساواة فلتكن المفاضلة كذلك. وقد فضل الحنفية الدابة على الإنسان في بعض الأحكام 🗏
٦٢٢
الديوان
٦٢٣
فقالوا: لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبداً مسلماً لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم. والحق أن الاعتماد في ذلك على الخبر، ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال، فقد جاء عن عمر وعلي وأبي موسى، لكن الثابت عن عمر وعلي كالجمهور، واستدل للجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها، وبأنه يحصل بها من الغنى في الحرب ما لا يخفى، واستدل به على أن المشرك إذا حضر الوقعة وقاتل مع المسلمين له، وبه قال بعض التابعين كالشعبي، ولا حجة فيه إذ لم يرد هنا صيغة عموم، واستدل للجمهور بحديث لم تحل الغنائم لأحد قبلنا، وسيأتي في مكانه، وفي الحديث حض على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو لما فيها من البركة وإعلاء الكلمة وإعظام الشوكة، كما قال تعالى: ﴿وَمِن رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
يسهم
١٧٦
.«...
لعل الاقتباس السابق كان مملاً لك لأنك كنت تسأل : في عصر الطائرات والصواريخ كيف يضع مؤلف هذا الكتاب نصاً عن أنواع الخيول وكيفية قسمة الغنائم ؟ أين يعيش هذا الكاتب يا ترى؟ فأجيب: ما عساي أن أفعل إن كانت كتب الفقه لا تحوي سوى هذه النصوص عن قسمة الغنائم . أليس هذا مؤشر على تخلفنا؟ ولكنك إن تمعنت في براعة ابن حجر في التنقل بين الأحاديث وأسانيدها لتمحيص قسمة الغنائم ستدرك بأننا بحاجة لمثله من الفقهاء لتبيان كيفية القسمة في عصر الطائرات والدبابات. حاول أن تتخيل أخي القارئ ظهور فقيه آخر وفي عمق ابن حجر رحمه الله وأنه قام بتفصيص مسألة الغنائم في ظل الأسلحة الحديثة من خلال النصوص كما فعل ابن حجر، فما الذي كان سيقوله ؟ هنا نحن بحاجة للاجتهاد كما ذكرت في أول هذا الفصل لأن الأسلحة الحديثة وتأثيرها في جلب النصر تختلف من سلاح لآخر. فكيف ستقسم الغنائم بين المجاهدين بالأسلحة المختلفة؟ بالطبع، سيجتهد الفقهاء وستظهر الفتاوى مع كل جيل من الأسلحة. أي وكأن الشريعة تتابع التقنية لتلبي اجتهادياً تغيراتها فتفاضل بين المجاهدين كالمفاضلة بين قائد الطائرة وراكب الدبابة، وبهذا تزداد الأمة عزة بالمزيد من النصر الذي تسببت فيه التقنيات المبتكرة للمزيد من الغنائم أي وكأن هناك دائرة حلزونية لا نهاية لها من الاجتهادات التي يجب أن تصدر على مر التاريخ دون توقف إلا إن توقفت تقنيات القتال، وهذا أمر مستبعد. وهنا تفصيلة دقيقة أود الإشارة لها وهي أن قرارات طريقة التقسيم مفاضلة بين المجاهدين كل حسب مساهمته إن كانت بيد السلطان فإن الأهواء قد تتدخل لأنه سيحكم بالتفاضل في أرض المعركة إذا لا وقت لديه للتمحيص في الاستحقاق بالتفاضل، أم ، أما إن كان القرار بيد الفقهاء من خلال الفتاوى التي ستنشر للكل وعلى السلطان تنفيذ التقسيم في أرض المعركة، عندها فلابد وأن تكون اجتهادات الفقهاء هي الوسيلة لتوضيح طريقة التقسيم بناءً على دراسات ممحصة وذلك باستقراء الغزوات السابقة لتحديد الآلة الأكثر جلباً للنصر ثم التي تليها والتي تليها، والمهارة الأجدر بالتقدير ثم التي تليها والتي تليها، وهكذا. وهذا يتطلب تبلور معرفة تقنية حربية ذات شفافية عالية للعامة وكأنها عرف يدركه الجميع فيسعون للمزيد من التطوير لما هو أكثر فاعلية للإتيان بالنصر أو حتى ابتكار ما هو جديد من الآلات والأسلحة الأكثر جلباً للنصر، وهكذا تزداد الأمة قوة من خلال المعرفة الحربية بالانتقال من جيل من الأسلحة لجيل آخر أكثر تطوراً بسبب بحث الفقهاء عن الأسلحة الأكثر جلباً للنصر حتى تتم قسمة الغنائم بطريقة عادلة. ولكن كما ذكرت، فلا اجتهادات في الفقه المعاصر في قسمة الغنائم بين المجاهدين لأن العمل العسكري أصبح وظيفة ولأن الأمة أصبحت مستضعفة، فهي لازالت تفاضل بين الراجل والفارس في كتب الفقه. أي أن فقه قسمة الغنائم هو خير مؤشر على عزة الأمة أو ضعفها. أي أنه خير مؤشر على التمكين إلا إن أسلم كل من على الأرض من بشر فلا جهاد ضد غير المسلمين حينئذ.
٦٢٤ 🗏
والمثال الثاني على مكانة الغنائم هو حق المسمين في آية الغنائم فكما قرر الفقهاء فإن آية الغنائم تنص على
أن تقسيم الغنائم خسمة أقسام، أربعة منها للمقاتلين، والخمس يقسم أيضاً خمسة أقسام، خمس الله والرسول وهو الذي قد تخرج منه الأنفال كما مر بنا، وخمس لذوي قربي الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم لا يأخذون من الصدقات، وثلاثة أخماس لكل من اليتامى والمساكين وابن السبيل، وهؤلاء يؤدون إلى المزيد من التمكين في الأمة إن هم أخذوا نصيبهم وسيأتي بيانه بإذن الله). وحتى يأخذوا نصيبهم كاملاً فقد حرصت الشريعة على أن يصل هذا النصيب من أرض المعركة إلى ديار المسلمين بطريقة سليمة قدر المستطاع حتى لا تفقد الغنيمة قيمتها. لذلك فقد كانت للغنائم مكانة وكأنها تقترب من التقديس. فتأمل الآتي مما قاله ابن قدامة:
فقد
«فصل: ولا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من المغنم لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه، رواه سعيد. فصل: ولا يجوز الانتفاع بجلودهم واتخاذ النعل والجرب منها ولا الخيوط والحبال، وبهذا قال ابن محيريز ويحيى بن أبي كثير وإسماعيل بن عياش والشافعي، ورخص في اتخاذ الجرب من جلود الغنم سليمان بن موسى، ورخص مالك في الإبرة والحبل يتخذ من الشعر والنعل والخف يتخذ من جلود البقر . ولنا ما روى قيس بن أبي حازم أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبة من شعر من المغنم فقال: يا رسول الله، إنا لنعمل الشعر فهبها لي. قال: (نصيبي منها لك)، رواه سعيد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أدوا الخيط والمخيط، فإن الغلول نار وشنار يوم القيامة)، ولأن ذلك من الغنيمة لا تدعو إلى أخذه حاجـة عامـة، فلم يجز كالثياب فصل: في : فأما كتبهم فإن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة، وإن كانت مما لا ينتفع به ككتاب التوراة والإنجيل فأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة وإلا فلا يجوز بيعها».
۱۷۷
والآن للنظر للآتي مما جاء في المعجم الكبير: فعن
أخذه
«حنش الصنعاني قال: غزونا المغرب وعلينا رويفع بن ثابت الأنصاري، فافتتحنا قرية يقال لها جربة، فقام فينا رويفع خطيباً فقال: إني لا أقوم فيكم إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم] قام فينا يوم حنين حين افتتحناها فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأت ثيباً من السبي حتى يستبرئها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا : مغنماً يبيعن حتى يقسم، ومن كان يؤمن . بالله واليوم الآخر فلا يركبن دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه» . .
۱۷۸
وهناك نصوص أخرى وضعتها في الحاشية تؤدي لنفس الاستنتاج . ۱۷۹ ولأن الغنيمة هي مال ذو مكانة رفيعة حرص الفقهاء على طريقة تقسيمها . فظهرت عدة أسئلة فقهية عن حقوق عدة أطياف من الناس ممن شاركوا بطريقة أو بأخرى في المعركة كالأجير والطبيب والتاجر، هل يغنمون أم لا؟ وهو موضوعنا الآتي والأهم والذي قد يوضح علة عدم معارضة الفقهاء للديوان، والله أعلم.
الديوان
٦٢٥
الإيجار والجعالة
لعلك تسأل متحيراً حتى الآن لم نجب على السؤال: كيف تسلل ديوان الجنــد إلى الفقه ولم يعارضه الفقهاء؟ فالسابق عن النفل والسلب لم يجب على السؤال! فأجيب، إن الهدف من السابق هو توضيح أن الجهاد قد يؤدي لأخذ المال دون التأثير في خلوص ،النية، وقد بينت أن هذه العلاقة المالية لا تمت بصلة بأي وجه من الوجوه للسلطان، فهو ينفذ ما قصته الشريعة من حقوق له ولغيره. وما فعلت هذا إلا لأقفل جميع الأبواب التي تربط بين الجهاد والمال لترى الانفصام بين الدولة والعطاء للمجاهدين، فلا إشارة في الأنفال على أن العطاء كان قبل المعركة كأجر. وهذا استنتاج مهم جداً لابد من التأكيد عليه. وبقي باب مالي واحد وهو العلاقة بين أخذ الأجرة على الجهاد واستحقاق الغنيمة. أي إن أخذ رجل أجرة على اشتراكه في القتال، فهل له نصيب في الغنائم؟ فهو من المداخل التي إن درسناها سنتمكن بإذن الله من الإجابة على السؤال. وسأسرد لك ما استنبطته أولاً ثم أقوم بإثباته. ولكن قبل ذلك لابد من توضيح معنى كل من الجعالة والبعوث، فأرجو التأني في قراءة التعريف الآتي للجعالة: قال ابن
منظور
وتَجَاعلوا الشيء : جَعلوه بينهم. و جَعَل له كذا : شارطه به عليه، وكذلك جَعَل للعامل كذا. والجُعل و الجعال و الجَعِيلة و الجُعَالة و الجعالة و الجعالة؛ الكسر والضم عن اللحياني، كل ذلك: ما جعله له على عمله. والجعالة، بالفتح: الرَّشْوة؛ عن اللحياني أيضاً، وخَصَّ مرة بالجعالة ما يُجْعَل للغازي وذلك إذا وجب على الإنسان غزو فجعل مكانه رجلاً آخر بجعل يشترطه؛ وبيت الأسدي : فأعطيت الجعالة مُسْتَمِيتاً خفيف الحاذ من فتيان جَرْمِيروى، بكسر الجيم وضمها، ورواه ابن بري : سيكفيك الجعالة مُسْتَمِيتُ شاهداً على الجعالة بالكسر. وأَجْعَله جُعْلاً وأَجْعَله له: أعطاه إياه. والجعالة، بالفتح، من الشيء تجعله للإنسان. والجعالة والجعلات: ما يَتَجَاعلونه عند البعوث أو الأمر يحزبُهم من السلطان. وفي حديث ابن سيرين: أن ابن عمر ذكروا عنده الجعائل فقال لا أغزو على أجر ولا أبيع أجري من الجهاد؛ قال ابن الأثير هو جمع. جَعِيلة أو جَعَالة، بالفتح. والجُعل الاسم بالضم والمصدر بالفتح. يقال: جَعَل لك جَعْلاً وجُعْلاً، وهو الأجر على الشيء فعلاً أو قولاً . قال : والمراد في الحديث أن يكتب الغزو على الرجل فيعطي رجلاً آخر شيئاً ليخرج مكانه؛ أو يدفع المقيم إلى الغازي شيئاً فيقيم الغازي ويخرج هو، وقيل: الجُعل والجعالة أَن يُكتب البعث على الغُزاة فيخرج من الأربعة والخمسة رجل واحد ويجعل له جُعل . وقال ابن عباس: إن جَعَلَه عبداً أو أمة فهو غير طائل، وإن جَعَله في كُراع أو سلاح فلا بأس، أي أن الجعل الذي يعطيه للخارج إن كان عبداً أو أمة يختص به، فلا عبرة به، وإن كان يعينه».
هامش
ظ۳) وجاء في معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء يعطاه المجاهد ليستعين به على جهاده. وقد . بذلك في سمي : «الجعالة بكسر الجيم، وقيل بالتثليث، تطلق في اللغة على الجغل: وهو لأنه شيء يُجعل . ويطلق الفقهاء «الجعل من باب الخلع على ما جُعِل ما يُجْعَلُ للإنسان على عمله. أعم من الأجر والثواب. أما في الاصطلاح بدلاً فيه. قال النسفي : وجُعل الآبق وجُعل الأجير في ذلك» (۱۸۰). الفقهي فهي: التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم أو مجهول غ) وفي فصل «البركة» سأوضح بإذن الله أن النفوس لن تتغير بتغير يعسر ضبطه. وصورتها أن يجعل الرجل للرجل أجراً معلوماً ولا ينقده الزمن، ولكن لأن الشريعة لم تطبق فقد تغيرت نفوس الناس، وفي إياه على أن يعمل له في زمن معلوم أو مجهول، مما فيه منفعة للجاعل دفع الدولة للأموال للناس للجهاد مزيداً من الانحراف الذي سيؤدي على أنه إن أكمل العمل كان له الجعل المقرر، وإن لم يتمه فلا شيء للمزيد من النفور عن الجهاد وبالتالي للمزيد من التخلف والمزيد من له، إذ لا منفعة فيه للجاعل إلا بعد تمامه. الجعل في اللغة هو الأجر تغير نفوس الناس. الذي يأخذه الإنسان عوضاً عن عمل يقوم به. ويطلق أيضاً على ما
🗏
وبالطبع، فإن التعريف السابق ليس تعريفاً يعتد به للفقهاء لأنه من كتاب لغوي وليس من كتب الشريعة،
هي
ولكنني وضعته هنا لأنه قد يكون تعريفاً مناسباً كتقديم للجعالة، ففي الصفحات الآتية مما سأقتبسه من كتب الفقهاء ستلحظ أن تعريف ابن منظور كان موفقاً كمقدمة للموضوع، فالجعالة تعني باختصار المال المدفوع ممن لا يريد الخروج للجهاد لرجل آخر يقوم له بذلك. (أو العكس في النادر أي ممن يريد الخروج للجهاد ولا مكان له في البعوث لأنه ليس في الديوان فيأخذ مكان رجل آخر ممن له مكان في البعث وسيأتي بيانه بإذن الله). ولكن السؤال هو : لماذا يقوم فرد بدفع المال، هل لأنه يريد كسب الثواب أم أنه قد فرض عليه القتال ولا يستطيع أو لا يود القيام بذلك، بل يريد أن يقوم له شخص آخر بالجهاد؟ والإجابة كما سترى بإذن الله . كلتا الحالتين، فقد يقوم شخص بدفع المال لآخر كسباً للأجر امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا)، أو قد يكون الجهاد قد فرض على زيد من الناس ولا يريد الخروج للجهاد أو لا يستطيع، فيستأجر شخصاً آخر ليقوم مقامه. وهنا لابد من وقفة مهمة. فكما وضحت سابقاً، فإن الجهاد عمل تطوعي ولم يفرضه الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد، بل حرض عليه. حتى وإن كان الجهاد فرض عين كجهاد الدفع أي أن ديار المسلمين تم غزوها وأصبح الجهاد فرض عين) فإن الشريعة كما رأينا لا تغصب الناس على الخروج ولكنها تُؤثم تاركها أيما تأثيم إن لم يقم به (ولعلك تتعجب متسائلاً: إن لم يخرج إلا القلة فإن المسلمين سيستضعفون، لذلك فلابد من إجبار الناس على الخروج. فأجيب: كما سترى في فصل «البركة» فإن هذا افتراض لن يحدث أبداً إن تم الحكم بما أنزل الله). نعود للموضوع: فكيف تم إذا فرض الجهاد على الناس ليتهربوا منه بدفع الجعل؟ فكما تلحظ من تعريف ابن منظور السابق من قوله: «... ما يُجعل للغازي وذلك إذا وجب على الإنسان غزو فجعل مكانه رجلاً آخر بجعل يشترطه ...»، فمن استخدام ابن منظور للعبارة: «إذا وجب على الإنسان غزو»، إشارة إلى أن الغزو كان يُفرض على الناس أحياناً. وفي قوله: «... ما يتجاعلونه عند البعوث أو الأمر يحزبهم من السلطان ... ترى أن ابن منظور أبرز دور السلطان في المسألة. وفي قوله: «... والمراد في الحديث أن يُكتب الغزو على الرجل فيعطي رجلاً آخر شيئاً ليخرج مكانه؛ ...»، تلحظ من عبارة: «أن يُكتب الغزو على الرجل»، أن الغزو كُتب، أي فُرض على بعض الناس، وهم قد لا يريدون الخروج. وتلحظ الاستنتاج نفسه من قول ابن منظور: وقيل الجعل والجعالة أن يُكتب البعث على الغزاة فيخرج من الأربعة والخمسة رجل واحد ويجعل له جعل ...».
ولتوضيح الصورة أكثر، لنراجع تعريفاً آخر مهما كنت قد ذكرته سابقاً وهو البعوث. فقد وضحت أن البعوث هي الجيوش. فالظاهر هو أن مجموعة من الأفراد، كأهل قرية أو قبيلة أو حتى فرد ما قد يُفرض عليه أو عليهم أو على عدد محدد منهم الخروج للجهاد، ثم يجعل أو يجعلوا جعلاً لفرد من قرية أو قبيلة أو جماعة أخرى ليخرج أو يخرجوا مكانه أو مكانهم. والآتي توضيح إضافي من كتاب «طلبة الطلبة»:
ب ع ث : فضرب عليهم البعث، أي جعل عليهم أن يبعثوا في الجهاد، فجعل وقعد، أي أعطى جعلاً يغزو به غيره، وقعد هو فلم يخرج مع الغزاة، وقول النبي عليه السلام للجاعل أجر الغازي هو
هذا».
۱۸۱
وهذه المسألة (أي فرض العمل العسكري على الناس لم أجد في كتب الفقه من درسها بتمعن للوقوف على
شرعيتها، هل هي من حق السلطان أم لا؟ هل تجوز أو لا تجوز؟ وهل هي مستحبة أم مكروهة؟ فما كتب في الفقه
الديوان
٦٢٧
كما مر بنا هو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من التحريض دون الفرض، أما ما فعله السلاطين مع بدء الحكم الأموي من فرض العمل العسكري وحتى وضعنا المعاصر فلم يناقشه الفقهاء كما لاحظت من قراءاتي. وقد يكون السبب في ذلك هو أنه مع تغير الزمن وتغير النفوس تخاذل الناس عن الجهاد، فلم ير بعض الفقهاء منع السلاطين من فرض الجهاد على الناس وهنا أريدك أن تلحظ في الاقتباسات الآتية عند الحديث عن البعوث أن النص يشير
غ
بطريقة أو بأخرى على فرض الخروج للجهاد على الناس أحياناً. أي لدينا موقفان متناقضان لم يناقش الفقهاء تضادهما، وهما ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من التحريض دون الفرض، وفي النقيض ما فعله الحكام من الفرض والذي قد يكون مقابل دفع المال كما في الديوان. وهذا ما سأحاول إثباته في الصفحات الآتية بالإضافة
للاستنباط الآتي:
أفراد هـ
لقد حاولت في الحديث عن النفل أن أثبت أن الشريعة أحلت الغنائم للمقاتلين، ولكن في الوقت ذاته قصت الحقوق بطريقة تُنقذ المجاهدين من أن يتمكن السلطان من شراء ولائهم ومن أن تتغير نياتهم فلا يكون الجهاد إلا خالصاً الله جل جلاله. ولكن ماذا عن غير المجاهدين؟ فكما هو معلوم فإن ليس كل من في الجيش من هم من المقاتلين في أرض المعركة : فهناك الفني الذي يقوم بصيانة المعدات القتالية مثلاً، وهناك الناقلون للذخيرة والمواد الغذائية، وهناك من يعملون في التطبيب والتمريض وما شابه من طيف كبير من الأفراد الذين يمكنون الجنود من خوض المعركة. وفي أيامنا هذه، فإن هؤلاء هم من المأجورين الذين تدفع لهم الدولة مكافآت شهرية. أما في عهد السلف، ولأن كل فرد عليه أن يجهز نفسه، فإن جميع هذه الأعمال كانت إما تطوعية يقوم بها البعض رغبة لثواب الآخرة أو أنها كانت أعمال يتقاضون عليها الأجر من المجاهدين. فالحداد مثلاً قد يخرج للجهاد ليعين المجاهدين على سن سيوفهم دون أن يشارك في المعركة وذلك إما احتساباً للأجر في الآخرة أو بأخذ عوض مالي من المجاهدين الذين سن لهم سيوفهم. وكذلك التاجر الذي قد يأخذ فائضاً من المواد الغذائية ليبيعه في دار الحرب على المجاهدين، فهو قد يكون ممن خرجوا للكسب المالي، وهكذا. وقد يشارك الحداد في القتال وكذلك التاجر. لذلك فقد ظهرت عدة أطياف من الناس ممن تواجدوا في أرض المعركة وليسوا ممن خرجوا للقتال أصلاً ولم يشاركوا في المعركة إلا أن بعضهم قد شارك لأن الحمية قد أخذته أو لأي سبب آخر. هذا بالإضافة لمن حضر المعركة وهو مستأجر، أي من أخذ الجعل. ومن المستأجرين أيضاً من هم من غير المسلمين، فقد يقوم القائد العام باستئجار بعض الأفراد والذين قد يكونون من غير المسلمين لإرشادهم على الطرق مثلاً (دليل أو مرشد) على أن يعطون من الغنائم في حالة النصر، لذلك فقد ظهرت عدة أسئلة فقهية حول استحقاق هؤلاء الذين تواجدوا في أرض المعركة مقابل عوض مالي، هل يُسهم لهم بعد النصر أو لا يسهم؟
والذي حدث والله أعلم هو أن الحوار الفقهي حول استحقاق هؤلاء للغنائم جعل الفقهاء يفصلون بين النية التي لا يمكن الإطلاع عليها وبين الأحقية في الحصول على الغنائم. وهذا وضع محتوم لأنه لا خيار لأي فقيه في هذه المسألة، فمن ذا الذي يستطيع أن يعرف نية المجاهد إن كان حداداً وساعد المجاهدين في سن سيوفهم وفي الوقت ذاته قاتل معهم، فهل خرج أصلاً للكسب المالي أم للجهاد؟ فهل يغنم أو لا يغنم ؟ وكذلك إن قام مسلم غير قادر على الجهاد بتجهيز مسلم آخر لا يرغب في الجهاد ودفع له مالاً نظير ذهابه للجهاد، فهل يغنم هذا المجعول له أو لا يغنم؟ وهل يغنم الجاعل أو لا يغنم؟ هنا، ومن مثل هذه الأبواب التي صعب على الفقهاء التدخل في معرفة نيات
٦٢٨ 🗏
أصحابها، تسلل ديوان الجند للشريعة، والله أعلم، ولم يعارضه الفقهاء. كيف (وأرجو التأني في قراءة الفقرة الآتية)؟ إن عدم اعتراض الفقهاء على دفع الأجر لمن أعان المسلمين في قتالهم وهو غير مسلم، (وفي هذا ضرورة، كأجر المرشد النصراني مثلاً)، ولأن المسلم أولى من الكافر، فإن هذا الوضع أوجد، والله أعلم، بيئة فقهية لم يمانع فيها الفقهاء قيام مسلم باستئجار مسلم آخر للجهاد كما في الجعالة برغم كراهة بعض الفقهاء لوضع هذا الآخذ للجعل؛ وفي الوقت ذاته فقد حض الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على تجهيز الآخرين في قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا). لكن حض الرسول صلى الله عليه وسلم هو لمن أراد الغزو ولا يملك ما يحقق له ذلك، أما الجعالة فقد تكون دفع مال لمن سيخرج للجهاد بالإضافة لتجهيزه. أي أن هناك من الأفراد الميسورين من يودون تجهيز واستئجار المجاهدين لكسب الثواب، أو أنهم أفراد فرض عليهم القتال ولا يريدون الخروج، ويقابلهم من هم بحاجة للمال ولكنهم ليسوا من الراغبين في الجهاد ولم يفرض عليهم الجهاد، ولا يعلم أحد ما بنياتهم بالطبع، فتقابل الطرفان (أي الجاعل والمجعول له، فتم دفع الجعل للمقاتل والذي بالطبع لم يعارضه الفقهاء لأنهم معذورون هذا التجهيز للمقاتل، وكذلك دفع مال لحضه على الخروج والذي لم يعارضه الفقهاء، أوجد بيئة فقهية لا ترفض العمل العسكري مقابل أخذ المال، لاسيما أن الدولة كانت تدفع المال لغير المسلم إن أعانهم، ولأن المسلم أولى من الكافر ظهرت الإشكالية، فقد انسحب هذا القبول من الفقهاء للجعل وقيس على قبول دفع الدولة للمال مقابل الجهاد. أي لأن الشريعة أباحت الجعل للأفراد لم يعترض عليه الفقهاء مع الدولة قياساً، والله أعلم. أي وكأن الدولة فرد يحق لها دفع الجعل للناس قياساً بالأفراد الذين يحق لهم ذلك. ولكن لماذا هي إشكالية؟ لأن ما يدفعه الفرد لتجهيز المجاهد هو مال مقطوع من فرد لآخر ولن يجذب ولاء المجاهد لمن دفع المال بعد المعركة. حتى وإن حدث، فإن ولاء المجاهد ذهب لفرد عادي؛ أما مع الدولة فإن المسألة جد مختلفة بالذات إن علمنا أن الديوان يدفع الأموال بتدفق مستمر قبل المعركة وبعدها، فيصبح ولاء الجند للسلطان فتظهر الحاجة لتنظيم دفع هذه الأموال فتظهر البيروقراطية المتمثلة في الديوان فتتشكل التركيبة الاقتصادية السياسية الاجتماعية الهرمية، أو ما يعرف بالدولة في مفهومها القديم أو المعاصر، وهذا وضع غير إسلامي شرعاً. والصفحات الآتية هي محاولات لإثبات الاستنباطات السابقة. لنبدأ بقراءة الاقتباس الآتي لابن قدامة رحمه الله كمدخل للموضوع، فهو نص جيد يلخص العلاقة بين الإيجار والغنائم عموماً.
«مسألة: قال: وإذا استأجر الأمير قوماً يغزون مع المسلمين لمنافعهم لم يسهم لهم وأعطوا ما استؤجروا به. نص أحمد على هذا في رواية جماعة، فقال في رواية عبد الله وحنبل في الإمام يستأجر قوما يدخل بهم بلاد العدو: لا يسهم لهم ويوفي لهم بما استؤجروا عليه. وقال القاضي: هذا محمول على استئجار من لا يجب عليه الجهاد كالعبيد والكفار. أما الرجال والمسلمون الأحرار فلا يصح استئجارهم على الجهاد لأن الغزو يتعين بحضوره على من كان من أهله، فإذا تعين عليه الفرض لم يجز أن يفعله عن غيره كمن عليه حجة الإسلام، لا يجوز أن يحج عن غيره وهذا مذهب الشافعي. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد والخرقي على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو لمن لم يتعين عليه لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (للغازي أجره وللجاعل أجره ) . وروى سعيد بن منصور عن جبير بن نفير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون به على عدوهم. مثل أم . ترضع ولدها وتأخذ أجرها). ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فصح الاستئجار عليه كبناء
موسى
الديوان
٦٢٩
المساجد أو لم يتعين عليه الجهاد، فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد، ويفارق الحج حيث إنه ليس بفرض عين، وأن الحاجة داعية إليه، وفي المنع من أخذ الجعل عليه تعطيل له ومنع له مما فيه للمسلمين نفع وبهم إليه حاجة، فينبغي أن يجوز بخلاف الحج. إذا ثبت هذا فإن قلنا بالأول فالإجارة فاسدة وعليه الأجرة بردها، وله سهمه لأن غزوة بغير أجرة، وإن قلنا بصحته فظاهر كلام أحمد والخرقي رحمهما الله أنه لا ، سهم له لأن غزوة بعوض، فكأنه واقع من غيره فلا يستحق شيئاً. وقد روى أبو داود بإسناده عن يعلى بن منبه قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالـغـزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمست أجيراً يكفيني وأجري له سهمه ، فوجدت رجلاً، فلما دنا الرحيل قال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ ،سهمي، فسم لي شيئا كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير. فلما حضرت غنيمة أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أمره. فقال: (ما أجد له في غزوته في هذه الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمي. ويحتمل أن . يسهم له وهو اختيار الخلال، قال: روى جماعة عن أحمد أن للأجير السهم إذا قاتل. وروى عنه جماعة أن كل من شهد القتال فله السهم . قال : وهذا الذي اعتمد عليه من قول أبي عبد الله. ووجه ، ذلك ما تقدم من حديث عبد الله . بن عمر وحديث جبير بن نفير وقول عمر : الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأنه حاضر للوقعة من أهل القتال فيسهم له كغير الأجير، فأما الذين يعطون من حقهم من الفيء فلهم سهامهم لأن ذلك حق جعله الله لهم ليغزو، لا أنه عوض عن جهاده، بل نفع جهاده له لا لغيره، وكذلك من يعطون من الصدقات وهم الذين إذا نشطوا للغزو أعطوا، فإنهم يعطون معونة لهم لا عوضاً، ولذلك إذا دفع إلى الغزاة يتقوون به ويستعينون به كان له فيه الثواب ولم يكن عوضاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيا كان له مثل أجره).
فصل: فأما الأجير للخدمة في الغزو أو الذي يكري دابة له ويخرج معها ويشهد الوقعة فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما لا سهم له، وهو قول الأوزاعي وإسحاق قالا: المستأجر على خدمة القوم لا سهم له، ووجهه حديث يعلى بن منبه. والثانية يسهم . لهما إذا شهدا القتال الناس، وهو قول مالك مع وابن المنذر، وبه قال الليث : إذا قاتل وإن اشتغل بالخدمة فلا سهم له. واحتج ابن المنذر بحديث سلمة بن الأكوع أنه كان أجيراً لطلحة حين أدرك عبد الرحمن بن عيينة حين أغار على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل. وقال القاضي: يسهم له إذا كان مع المجاهدين وصحبه الجهاد، فأما لغير ذلك فلا. وقال الثوري: يسهم له إذا قاتل ويرفع استأجره نفقة ما اشتغل عنه. فصل: فأما التاجر والصانع كالخياط والخباز والبيطار والحداد والإسكاف، فقال أحمد: يسهم لهم إذا حضروا. قال أصحابنا: قاتلوا أو لم يقاتلوا وبه قال في التاجر الحسن وابن سيرين والثوري والأوزاعي والشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا. وعن الشافعي كقولنا، وعنه لا يسهم له بحال . قال القاضي في التاجر والأجير: إذا كانا مع المجاهدين وقصدهما الجهاد وإنما مه المتاع إن طلب منه باعه، والأجير قصده الجهاد أيضاً، فهذان يسهم لهما لأنهما غازيان، والصناع بمنزلة التجار متى كانوا مستعدين للقتال ومعهم السلاح، فمتى عرض اشتغلوا به، أسهم لهم لأنهم في الجهاد بمنزلة غيرهم، وإنما يشتغلون بغيره عند فراغهم منه » . "
عمن
معه
۱۸۲
لعل أول ملحوظة على النص السابق هي ذهاب الإمام أحمد رحمه الله إلى جواز استئجار الأمير لقوم يغزون مع المسلمين، وأن هؤلاء لا يسهم لهم أي لا يعطون من الغنائم، ولكن يعطون ما استؤجروا عليه. تلحظ في الاقتباس السابق أن قوله: «قوماً يغزون مع المسلمين» أنه قد يقصد بالقوم أناس من غير المسلمين. وفي هذا الرأي
٦٣٠ 🗏
مدخل لتثبيت الديوان في الشريعة كما سترى بإذن الله لأنه رأي يجيز للسلطان دفع الأموال لغير المسلمين مقابل العمل العسكري، ولأن المسلمين أولى فلماذا لا يكون ذلك للمسلمين أيضاً؟ إلا أن هناك قول آخر وتوضيحي وذو ثقل في نفس المذهب وهو للقاضي أبو يعلى بن الفرا الحنبلي (والذي انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي)،١٨٣ وهو أن استئجار المسلمين الأحرار للجهاد يصح لأن الغزو متعين على كل من هو أهل له كحجة الإسلام، وهذا مذهب الشافعي أيضاً رحمه الله. أما ما ذهب إليه ابن قدامة (تفسيراً لكلام الإمام أحمد رحمه الله، وهو أن صحة الاستئجار على الغزو قد تكون لمن لم يتعين عليه الغزو حتى وإن كان مسلماً)، تُظهر أن هناك رأيين واضحين مختلفين لابد من التمعن فيهما: أحدهما يجيز الإجارة مقابل العمل العسكري والآخر لا يجيزه. لاحظ أن ابن قدامة يورد الحديث، أي قوله صلى الله عليه وسلم: (للغازي أجره وللجاعل أجره وكأنه يستشهد به على صحة استئجار من لم يتعين عليه الغزو (وهذا حديث ضعيف كما سيأتي بيانه بإذن الله). ثم يأتي بدليل آخر، أي قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها. وحتى يثبت ابن قدامة تأويله لكلام الإمام أحمد يقارن وضع هذا الرجل الذي يأخذ الجعل بمن استؤجر لبناء مسجد ما لأن البناء يفارق الحج، فالبناء ليس فرض عين، وقد تكون الحاجة داعية إليه، فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد أي أن ابن قدامة لم يذهب لعدم جواز استئجار من لم يتعين عليه الجهاد كما ذهب لذلك الشافعي والقاضي رحمهما الله. والعلة في ذلك كما يرى ابن قدامة هو أن في الذهاب لعدم صحة الجعل تعطيل للجهاد ومنع لما فيه نفع للمسلمين. لذلك كما يقول: «فينبغي أن يجوز بخلاف الحج».
بع
ثم يفصل ابن قدامة الموقفين: الأول وهو عدم صحة الإجارة، وعندها فإن عقد الإجارة فاسد ويحق لمن جاهد أن يأخذ من الغنائم لأنه قاتل بغير أجر. والموقف الثاني وهو صحة عقد الإجارة، وعندها فلا حق للغازي في الغنائم. ثم يورد ابن قدامة حديث يعلى بن منبه الذي استأجر وهو شيخ كبير رجلاً للجهاد عنه، وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر ذلك إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يجز للغازي أن يأخذ من الغنائم شيئاً إلا الدنانير الثلاثة التي استؤجر عليها. وهنا فإن القضية واضحة وهي أن نية الغازي لم تكن للجهاد ولكن للمال في الظاهر لأنه اشترط أخذ المال قبل الخروج. أما إن كانت نية الغازي الجهاد وأخذ المال عوناً، فإنك تجد في الاقتباسات الآتية أن من الفقهاء من ذهب إلى أن للخارج للجهاد بأجر، الحق في أن يُسهم له من الغنائم لأن لكل من شهد القتال استناداً لقول عمر رضي الله عنه أن الغنيمة لمن شهد الوقعة. لاحظ أخي القارئ أن استخدام ابن قدامة لحادثة يعلى بن منبه لجواز دفع السلطان المال للمسلمين كإيجار للغزو مسألة يجب أن نعيد النظر فيها لأن الرسول صلى الله عليه أقر دفع المال من فرد لآخر وليس من سلطان الجماعة من الغزاة كما يفعل الديوان. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يدفع المال كإيجار لطائفة من الناس قط كما حاولت إثبات ذلك سابقاً. وشتان بين الحالين من حيث جذب الولاء كما ذكرت. ويتقوى هذا المنطق إن نحن أخذنا في الحسبان أن الدولة لا تملك المال كما وضحت في الفصلين السابقين. لذلك فمن أين لها المال لكي تستأجر الناس على الغزو؟
هامش
ب٤) لقد وجدت الحديث في بعض الكتب مثل مصنف ابن شيبة جـ٤) جاء في الموطأ: «قال مالك في الأجير في الغزو أنه إن كان شهد وفيض القدير وتهذيب الكمال، وجاء في فيض القدير : «قال الحافظ القتال وكان مع الناس عند القتال وكان حُراً فله سهمه، وإن لم يفعل العراقي: ورواه ابن عربي من حديث معاذ وقال: مستقيم الإسناد ذلك فلا سهم له، وأرى أن لا يقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار»
منكر المتن» (١٨٤).
.(140)
الديوان
٦٣١
ثم يربط ابن قدامة مقارناً بين هذا الذي أخذ الأجر، وهو مال، وبين آخذي المال من الفيء أو من الصدقات، فهؤلاء يعطون تلك الأموال معونة وليس عوضاً، فهم يتقوون به على الجهاد، وكذلك من أخذ الجعل (لاحظ أن من أخذ الجعل أخذه عوضاً وليس معونة، وهذا تمييز (مهم). هنا كما ترى فإن من المقارنة بين من يأخذون المال من الجعل أو الفيء أو الصدقات أتى الاستنتاج بأنه يُسهم لهم من الغنائم. وهذا وضع لا يربط ولاء المجاهد للسلطان لأن المال المأخوذ في الجعل هو من رجل من عامة المسلمين، والمال المأخوذ من الفيء والصدقات هو حق قد قصه سبحانه وتعالى للمسمين في آيتي الفيء والغنائم. أي أن ما أحاول توضيحه هو أن ما ذهب إليه الشافعي وما أيده القاضي أن استئجار المسلمين الأحرار للجهاد لا يصح هو المذهب الأسلم للأمة وذلك لأن مهارات القتال لن تقع في أيدي أفراد يمكن استئجارهم فيسهل تسخيرهم من قبل السلاطين في أهوائهم لاسيما إن علمنا أن الحديث: للغازي أجره وللجاعل أجره حديث ضعيف كما سيأتي بإذن الله. حتى وإن صح الحديث فهو لا يعني إقرار دفع المال من السلطان كإيجار لجماعة من الناس، ولكن يعني إقرار دفع المال من فرد لآخر لأن الذي قال الحديث هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقم صلى الله عليه وسلم بدفع المال كحاكم للمقاتلين، ولكنه أقر دفع المال من فرد لآخر لحاجة المسلمين لذلك كما سيأتي بيانه بإذن الله. كما أن مقارنة ابن قدامة لآخذي المال من الفيء والصدقات بآخذي الجعل مقارنة يجب مراجعتها لأن آخذي المال من الفيء والصدقات يأخذونها معونة وليس عوضاً كآخذي الجعل وشتان بين الحالين، علماً أن هناك من الأقوال ما تذهب إلى أن أخذ
،
الأجر مانع للاشتراك في الغنيمة، أي مانع من السهمان كما ستلحظ ذلك في الفقرتين الأخيرتين بإذن الله.
يسهم .
ثم في الفقرتين الأخيرتين يوضح ابن قدامة وضع طائفتين ممن حضروا المعركة، وهما (الطائفة الأولى) الأجير للخدمة أو الذي يكري دابته ويشهد الوقعة، والطائفة الثانية) التجار والصناع الذين شهدوا الوقعة كذلك. وقد اختلفت مذاهب الفقهاء في حقهم في الغنيمة، فمنهم من قال يُسهم لهم ومنهم من لم يذهب لذلك، ولكن على العموم فإن الأشهر بينهم هو أنهم إن شاركوا في القتال فإن لهم الحق في الغنيمة كما فصله القاضي بالقول في التاجر والأجير: «... فهذان لهما لأنهما غازيان والصناع بمنزلة التجار متى كانوا مستعدين للقتال ، ومعهم السلاح، فمتى عرض اشتغلوا به أسهم لهم لأنهم في الجهاد بمنزلة غيرهم، وإنما يشتغلون بغيره عند فراغهم منه». ولعل الملفت للنظر في النص هو ما ذهب إليه الثوري من أن الجاعل يسترد ما أنفقه ويُسهم للغازي بقوله: «يُسهم له إذا قاتل ويُرفع عمن استأجره نفقة ما اشتغل عنه». . ففي هذا إشارة إلى كراهة بعض الفقهاء للجعل كما سيأتي بيانه بإذن الله. ولكن أرجو ملاحظة ما ذهب إليه بعض الفقهاء من عدم الجمع بين أخذ الغنائم والأجر كما ستلحظ في الاقتباسات القادمة بإذن الله.
لعلك لاحظت من الأقوال السابقة بشأن أحقية الأجير في الغنائم أنها (أي الأقوال المختلفة) قد أوجدت بيئة فقهية بدأت تتقبل فكرة أخذ المال مقابل العمل العسكري كما فعل ابن قدامة. والآن لننظر لنص آخر من كتاب «الاستذكار» لتأكيد هذا الاستنتاج. يقول ابن عبد البر:
«مسألة: قال مالك في الأجير في الغزو إنه إن كان شهد القتال وكان مع الناس عند القتال وكان حراً
فله
سهم
سهمه، وإن لم يفعل ذلك فلا له، وأرى أن لا يقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار. قال أبو عمر: اختلف العلماء في الأجير والتاجر، فقول مالك في الأجير ما ذكره في موطئه وذكر في غير
٦٣٢ 🗏
يسهم
الموطأ: لا يسهم للتاجر ولا للأجير إلا أن يقاتلوا. وقال الحسن بن حي يسهم للأجير. وقال الليث بن سعد: من أسلم فخرج إلى العسكر فإن قاتل فله سهمه وإن لم يقاتل فلا سهم له. قال: والأجير إذا اشتغل بالخدمة عن حضور القتال فلا شيء له. وقال أبو حنيفة وأصحابه في التاجر والأجير: إن قاتلوا استحقوا، وإن لم يقاتلوا فلا شيء لهم، وهذا كقول مالك سواء. وروى الثوري عن أشعث عن الحسن قالا: وابن سيرين يسهم للأجير. قال الثوري : إذا قاتل الأجير أسهم له ورفع عن من استأجره بقدر ما شغل عنه. وقال الأوزاعي وإسحاق : لا . للعبد ولا الأجير المستأجر على خدمة القوم. ذكر المزني عن الشافعي قال : ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد معه فقد قيل يسهم له، وقد قيل لا يسهم له إلا أن يكون قتال، فيقاتل، كذلك التجار إن قاتلوا قيل لا يسهم لهم، وقيل يسهم لهم. قال المزني: قد قال في كتاب الأسارى : يسهم للتاجر إذا قاتل وهو أولى بأصله. قال أبو عمر: جمهور العلماء يرون أن يُسهم للتاجر إذا حضر القتال. وقال الأوزاعي: لا يسهم للبيطار ولا للشعاب والحداد ونحوهم. وقال مالك: . لكل من قاتل إذا كان حراً، وبه قال أحمد بن حنبل. قال أبو عمر : من جعل الأجير كالعبد لم يسهم له حضر القتال أم لم يحضر ، وجعل ما أخذه من الأجرة مانعاً له من السهمان. ومن حجته ما رواه عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : أخبرني أبو سلمة الحمصي أن عبد الرحمن بن عوف قال لرجل من فقراء المهاجرين أتخرج معي : يا فلان إلى الغزو؟ قال: نعم. فوعده فلما حضره الخروج دعاه فأبى أن يخرج معه. فقال عبد الرحمن: أليس قد وعدتني؟ أتخلفني؟ قال: ما أستطيع أن أخرج. قال : وما الذي يمنعك؟ قال: عيالي وأهلي. قال: فما الذي يرضيك حتى تخرج معي؟ قال: ثلاثة دنانير. فدفع إليه عبد الرحمن ثلاثة دنانير قبل أن يخرج م وأصابوا المغنم قال لعبد الرحمن: أعطني نصيبي من المغنم. فقال عبد الرحمن: سأذكر أمرك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه الثلاثة الدنانير ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته)». ج
حظه
يسهم
معه، فلما هزموا العدو
تلحظ في النص السابق تدرج الأقوال المختلفة في حق الأجير في الغنائم والتي انتهت بحديث استئجار عبد الرحمن بن عوف لرجل من فقراء المهاجرين ليغزو مقابل ثلاثة دنانير. هذا التدرج أدى رويداً رويداً إلى قبول مناقشة فكرة دفع المال للمسلم مقابل العمل العسكري والذي انتهى بعدم معارضة دفع الدولة للمال للمسلمين ليعملوا كغزاة، وهذا الذي حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم فعله. كيف؟
رضي
لقد حاولت مراراً في السابق أن أثبت لك أن الدولة لم تدفع المال للمجاهدين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خليفته أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن ذلك حدث في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الله عنه. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاول أن يجهز بعض المجاهدين بما قد يحتاجونه من ركوب ونحوه إن توفر لديه، ولكن دون دفع المال كأجر مقابل الجهاد كعمل، وكذلك فعل خليفته أبو بكر رضي الله عنه، فعن «میمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا أراد أن يبعث بعثاً يدر الناس، فإذا كمل له من العدة ما يريد جهزهم بما كان عنده، ولم تكن الأعطية فرضت على عهد أبي بكر».١٨٦ وفي الوقت ذاته، فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم الناس لتجهيز بعضهم البعض في الجهاد، والآتي بعض الأمثلة. فقد حدث «عثمان بن عبد سراقة عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة، ومن جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع، ومن بنى مسجداً يذكر فيه اسم بنى الله له بيتاً في الجنة ). ١٨٧ وفي حديث آخر عن سهل «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعان مجاهداً في
۱۸۷
الله بن
الله
الديوان
٦٣٣
۱۸۸
سبيل الله أو غازياً في عسرته أو مكاتباً في رقبته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله) .١٨٨ وفي حديث ثالث عن «زيد بن
۱۸۹
خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فطر صائماً أو جهز غازياً أو حاجاً أو خلفه في أهله كان له مثل أجورهم من غير أن ينتقص من أجورهم شيئا .١٨٩ ولعل الحديث الأشهر هو قوله صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث المتفق عليه : من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقـد غزا). ١٩٠ وفي «نيل الأوطار» توضيح لهذه الأحاديث. يقول الشوكاني رحمه الله :
۱۹۰
«قوله: (من جهز غازياً، أي هيأ له أسباب سفره وما يحتاج إليه مما لا بد منه، قوله: (فقد غزا)، قال ابن حبان : معناه أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة. ثم أخرج الحديث من وجه آخر بلفظ : كتب له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجره شيء). وأخرج ابن ماجة وابن حبان أيضاً من حديث ابن عمر بلفظ: (من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع). وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً وقال: ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما )، وفي رواية له ثم قال: للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج)، ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهز نفسه وقام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرتين. وقال القرطبي: لفظة: (نصف ) يحتمل أن تكون مقحمة من بعض الرواة، وقد احتج بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الأجر له بغير تضعيف، وأن التضعيف يختص بمن باشر العمل. قال : ولا حجة له في هذا الحديث لوجهين: أحدهما أنه لا يتناول محل النزاع لأن المطلوب إنما هو أن الدال على الخير مثلاً هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف أو بغير تضعيف، والحديث المذكور إنما يقتضي المشاركة والمشاطرة فافترقا. ثانيهما ما تقدم من احتمال كون لفظة نصف زائدة. قال الحافظ : لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر. فلا تعارض بين الحديثين. وأما من وعد بمثل ثواب العمل وإن لم يعمله إذا كان له فيه دلالة أو مشاركة أو نية صالحة فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكل أحد، وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند، وكأن مستند القائل أن العامل يباشر المشقة بنفسه بخلاف الدال ونحوه، لكن من يجهز الغازي بماله مثلاً وكذا من يخلفه فيمن ترك بعده يباشر شيئا من المشقة أيضاً، فإن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي ذلك العمل، فصار كأنه يباشر معه الغزو بخلاف من اقتصر على النية مثلاً، انتهى. قوله: (ومن خلفه في أهله بخير)، بفتح الخاء المعجمة واللام الخفيفة: أي قام بحال من يتركه».
۱۹۱
إن من الواضح من السابق للشوكاني عن أحاديث تجهيز الغازي أنها تدور حول ثواب الآخرة. وأن التجهيز
لا يعني دفع أجر مقابل إخراج فرد للعمل العسكري. بل هو تجهيز بالسلاح والنفقات التي ستستهلك في الذهاب للمعركة حتى العودة، وتعني أيضاً تحمل نفقات أهل الغازي في غيابه، وهكذا من نفقات ضرورية لمن أراد الخروج. ومن الواضح أيضاً أن الثواب في الآخرة لكلا الطرفين، الخارج للجهاد ومن جهزه وخلفه في أهله وبغض النظر عن اختلافات الفقهاء في كمية هذا الثواب. فقد تعاون المسلمون في مسألة التجهيز الحربي. فقد جاء في مصنف ابن عن ابن عون قال: «سألت ابن سيرين قلت: الرجل يريد الغزو فيعان؟ قال: ما زال المسلمون يمتع بعضهم بعضاً».١٩٢ أي أن جميع هذه الأحاديث تؤدي إلى أن يتكاتف المسلمون ويكملون بعضهم بعضاً لاستحداث
شيبة مثلاً.
جيش قوي. وهذا مقصد مهم بالطبع ولا يعني قط قيام الدولة بدفع الأموال للمسلمين أو لغيرهم للغزو.
٦٣٤ 🗏
ولكن ماذا عن الحديث الآتي: ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن أبي أيوب أنه سمع النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: (ستفتح عليكم الأمصار وستكونون جنوداً مجندة، يقطع عليكم بعوث، فيكره الرجل منكم البعث فيها فيتخلص من قومه ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم، يقول: من أكفيه بعث كذا، من أكفيه بعث كذا، ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه. والسؤال هو: هل في هذا الحديث إشارة إلى جواز الجعل برغم كراهة الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك ؟ أم أن في الحديث تحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم من عدم الوقوع في ذلك؟ يقول الشوكاني مضعفاً الحديث: حديث أبي أيوب سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده أبو سورة بن
۱۹۳
أخي أبي أيوب وفيه ضعف». إن المتدبر للحديث سيحتار لأنه قد يستنبط منه مفهومين: أحدهما ما وضحه الشوكاني أثابه الله إذ يقول: «وفيه دليل على أنه يحرم على الرجل أن يمتنع من الخروج إلى الغزو مع قومه ثم يذهب يعرض نفسه على غير قومه ممن طلبوا إلى الغزو ليكون عوضاً عن أحدهم بالأجرة، فإن من فعل ذلك كان خروجه للدنيا لا للدين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (فهو الأجير إلى آخر قطرة من دمه، أي لا يكون في سبيل الله من ه شيء، بل في سبيل ما أخذه من الأجرة». ١٩٤ والمفهوم الثاني والأضعف هو الآتي: عندما يفرض على الرجل الخروج للجهاد وهو يكره ذلك، فعندها قد يخرج باحثاً عن رجل آخر فرض عليه الجهاد فيخرج مكانه وعن نفسه أيضاً، فيأخذ المال مقابل خروجه عن الآخر لأن الخروج قد فرض عليهما معاً. وهذا المفهوم ينبثق عن إشكالية في فهم الحديث وهو كيف يخرج الذي فرض عليه القتال ليعرض نفسه على القبائل ليقاتل عن أحدهم مقابل المال؟ فهو إنما يثبت نفسه في القتال أكثر ! وجاء في كتاب «شرح مشكل الآثار» عن الحديث الآتي:
دمه
الله
صلی
«باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتقول في الغزو مما نعلم يقيناً أنه أراد إذا كان مجتعلاً في غزوة أنه الأجير إلى أقصى قطرة من دمه. حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي قال: حدثنا دحيم بن اليتيم قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني محمد بن حرب عن أبي سلمة سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر عن ابن أخي أبي أيوب قال: كتب إلي أبو أيوب إني سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: (ستفتح عليكم الأمصار ويضرب عليكم بعوث يكرهها الرجل منكم، فيريد أن يتخلص منها، فيأتي القبائل يعرض نفسه عليهم ويقول: من أكفيه بعث كذا وكذا، ألا فذلكم الأجير إلى أقصى قطرة من دمه. وحدثنا محمد بن سنان الشيزري قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا محمد بن حرب عن أبي سلمة سليمان بن سليم الكناني، كنانة كلب عن يحيى بن جابر الطائي عن ابن أخي أبي أيوب الأنصاري قال: كتب إلي أبو أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر مثله. فتأملنا هذا الحديث فعقلنا أنه یراد به الاجتعال على الخروج في الغزو عن الجاعلين. وفي ذلك ما يوجب أن يكون الثواب في ذلك الغزو للجاعل . وقد ذكرنا في هذا الباب فيما تقدم منا في كتابنا هذا في حديث شفي الأصبحي أن للجاعل أجر الجاعل وأجر الغازي. وكان في ذلك ما قد نفى أن يكون للغازي على ذلك أجراً إذ كان إنما غزا بما أخذه عوضاً على غزوه من الجعل الذي أخذه عليه، فإذا قتل في ذلك فقد قتل أجيراً فيما لا ثواب له فيه من ربه عز وجل، إذ كان ثوابه فيه ما قد أخذ من الجعل ممن أخذه ليكون غزوه بما يأخذه من ذلك الجعل لمن أخذه منه، والله عز وجل نسأله التوفيق».
يعني
۱۹۵
إن السابق لا يجيب عن الحيرة لمفهوم الحديث ولا يجيب أيضاً على السؤال مباشرة: هل في أخذ الجعل جواز أم كراهه؟ ولكن في جميع الأحوال فإن تأملت النص السابق وبالذات قوله: «فإذا قتل في ذلك فقد قتل أجيراً فيما لا ثواب له فيه من ربه عز وجل»، سيثور في ذهنك سؤال عن كيفية الجمع بين الحديث وبين السحب على الوجه إلى
الديوان
٦٣٥
النار لمن لم يكن عمله خالصاً الله . وقد قلنا سابقاً أن العمل إن لم يكن خالصاً الله جل جلاله فهو غير مقبول. فهل يعقل إذا أن يحث الرسول صلى الله عليه وسلم الناس على فعل مرفوض؟ وبهذا يكون الاستنتاج أن في الحديث إخبار تعجبي منه صلى الله عليه وسلم أن أناساً سيأتون وسيأخذون الأموال مقابل العمل العسكرى لأن المسلمين سيكونون جنوداً مجندة، وكأنه يشير صلى الله عليه وسلم إلى ظهور الديوان الذي يجند الجنود، ثم تفرض على الناس البعوث فيتهرب البعض منها من خلال الجعل. وقد حدث هذا كما سترى بإذن الله . إن نظرنا لهذا الحديث من هذا المنظور الإخباري التحذيري الاستنكاري فإن الحديث لا يعني قط إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم بجواز أخذ المال مقابل الجهاد «كعمل»، بل يعني التحذير من وقوع هذا الفعل. لاحظ أنني قلت: كعمل، لأنه قد يأخذ المجاهد المال ليتقوى به على الجهاد ، وهذا أمر مقصود يوضحه الآتي:
ولكن ماذا أيضاً عن الحديث الأهم الذي مر بنا، أي قوله صلى الله عليه وسلم: اللغازي أجره وللجاعل أجره ) ؟ ألا يعني جواز الجعل ؟ وهناك لفظ آخر للحديث: فعن عبد الله بن . عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي. يقول الشوكاني رحمه الله في الحديث بأنه ضعيف. فقد سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات. ١٩٦ وللإجابة على السؤال حول جواز الجعل لنطرح سؤالاً آخر: هل لمن خرج أجيراً للغزو أي للمجتعل له أجر في الآخرة؟ لأنه إن كان له أجر في الآخرة فإن الجعل مسألة لا غبار عليها . أما إن لم يكن له أجر فإن الجعل قد لا يكون عملاً تحبذه الشريعة لاسيما (كما مر بنا) أن الجهاد من أهم الأعمال التي لن تُقبل إلا إن كانت خالصة لوجه الله جل جلاله وإلا سحب المقاتل على وجهه إلى النار. وهل تريد الشريعة سحب الناس على وجوههم إلى النار؟
إن الحديث يعني بوضوح أنه يجوز للفرد أن يأخذ المال كأجر مقابل الخروج للغزو كما مر بنا في الاقتباس السابق من ابن قدامة رحمه الله، وفي الاقتباس الآخر من ابن عبد البر رحمه الله في حديث عبد الرحمن بن عوف والذي استأجر فيه عبد الرحمن رضي الله عنه رجلاً بثلاثة دنانير. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنع الجعل. هذا إن صح الحديثان الضعيفان، وقد يصحا حتى وإن ضعفا. وللوقوف على معنى الحديث لأهميته لننظر أولاً إلى ما جاء في كتاب «عون المعبود» عن الحديث:
«عن الليث حجاج بن محمد وابن وهب كلاهما يرويان عن الليث بن سعد، عن ابن شفي، بالفاء مصغراً، للغازي أجره ، أي الذي جعله الله له على غزوه، وللجاعل)، قال المناوي: أي المجهز الغازي تطوعاً لا استئجاراً لعدم جوازه، (أجره)، أي ثواب ما بذل من المال، (وأجر الغازي)، أي مثل أجرة لإعانته على القتال. كذا في السراج المنير. وقال ابن الملك: الجاعل من يدفع جعلاً، أي أجره إلى غاز ليغزو، وهذا عندنا . صحيح ، و فيكون للغازي أجر سعيه وللجاعل أجران: أجر إعطاء المال في سبيل الله وأجر كونه سبباً لغزو ذلك الغازي. ومنعه الشافعي وأوجب رده إن أخذه. ذكره القارىء. والحديث سكت عنه المنذري ..
۱۹۷
هو
لاحظ في النص السابق أنه يوضح أن الجعل ليس أجراً بل مال للتجهيز بقول المناوي: «أي المجهز الغازي تطوعاً لا استئجاراً لعدم جوازه». وهذا توضيح مهم من المناوي. لاحظ أيضاً أن توضيح قوله صلى الله عليه وسلم: (للغازي أجره أتى بمعنى: «الذي جعله الله له على غزوه»، أي أن الغازي الذي أخذ الجعل سيؤجر على نيته. وهناك لفظ آخر للحديث سيأتي بإذن الله : للغازي أجر ما احتسب. فإن أخذ الغازي المال ليتقوى به على
٦٣٦ 🗏
الجهاد وكانت نيته خالصة لله فسيثاب بإذن الله ولن يضره ما أخذه لأنه جاهد قدر وسعه، وإن أخذه طمعاً في کسب دنيوي فإنه قد يسحب على وجهه إلى النار. والآن لننظر إلى قول الشوكاني رحمه الله موضحاً لحديث الجعل:
قوله: ( وللجاعل أجره وأجر الغازي)، فيه دليل على أنه لا يستحق أجر الغزو من خرج بالأجرة، بل يكون أجره للمستأجر ، وهو الذي أعطاه الجعالة، أي ما جعله له من الأجرة، ويكون ذلك، أي أجر المجعول له منضماً إلى أجر الجاعل إذا كان غازياً، وإن لم يكن غازياً فله أجر الذي دفعه من الأجرة وأجر المجعول له».
۱۹۸
وجاء في «فيض القدير» عن الحديث الآتي:
للغازي أجره الذي جعله الله على غزوه، وللجاعل، أي المجهز للغازي تطوعاً استئجاراً لعدم جوازه أجره، أي ثواب ما بذل من المال وأجر الغازي لتحريضه على القتال حتى شارك الغزاة في مغزاهم. قال الفاسي: يريد بالجاعل من شرط للغازي جعلاً فله أجر بذل المال الذي جعله وأجر غزو المجعول له، فإنه حصل بسببه. وفيه ترغيب للجاعل ورخصة للمجعول له وللعلماء في حل أخذ الجعل على الجهاد خلاف، فرخص فيه مالك وأصحاب الرأي ومنعه الشافعي استدلالاً بأحاديث في الجهاد عن ابن عمرو بن العاص .
۱۹۹
دع
تلحظ من الاقتباس السابق أنه لا يوضح معنى الجعل بدقة، هل هو المال المدفوع للتجهيز فقط أم هو المال المدفوع للتجهيز بالإضافة لمبلغ يستفيد منه المقاتل كأجر ، أو أنه أجر فقط لمن لديه العدة ولديه ما يعينه على الخروج؟ وهكذا معظم النصوص. لأنه إن كان المال للتجهيز فقط، كأن يكون الجعل مالاً كافياً لتجهيز جيد فإنه لا فائض مالي للمقاتل ليكون أجراً مالياً، وهنا نستطيع القول بأن الحديث يعني حض الناس للخروج للجهاد بتكميل المسلمين بعضهم البعض من خلال هذا التجهيز وهذا مقصد شرعي مهم، وقد يمتد التجهيز أيضاً إلى دفع المال لأهل المجاهد كنفقات لحين عودة المجاهد. أما إن كان الجعل كبيراً بحيث أنه يزيد عن جميع نفقات المجاهد، فإن احتمال تغير نية الغازي لأجل المال أمر جد وارد لأنه إن ظهر ثري يجعل الجعائل فقد ينجذب إليه الغزاة لأخذ المال. وأما إن كان الجعل مفصصاً كأن يكون مبلغ كذا كاف للتجهيز بالإضافة لمبلغ كذا كأجر، فإن الجعل في هذا الحالة أداة لسحب المقاتل إلى العمل العسكري مقابل المال وهذا بالطبع وضع لا تدفع إليه الشريعة لأنها تريد العمل أن يكون خالصاً الله جل جلاله. فلا يعقل أن تناقض الشريعة نفسها لأنه إن لم يكن الجهاد خالصاً لله لسحب الناس على وجوههم إلى النار ولوقعت مهارات القتال في أيدي أناس يمكن تسخيرهم للحكم بغير ما أنزل
الله كما وضحت.
وهنا لابد من توضيح قد لا يكون مقنعاً لك أخي القارئ في هذه المرحلة من الكتاب: وهي أنه كما سترى في الفصول القادمة بإذن الله فإنه إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن زيادة نسبة الملاك في المجتمع أمر محتوم، وهذا يعني تقارب الناس في الدخل فيما بينهم، وبهذا يندر أن تجد رجلاً يملك أضعاف أضعاف الآخرين ليبقى هو في
هامش
د٤) قلت: مقصد شرعي مهم ولكن فقط في حالة انتشار ظاهرة نفسه. فحديث الجعل إذاً وكأنه علاج مؤقت إن ظهر الفقراء حتى وجود أفراد لا يملكون المال ولهم رغبة في الجهاد. أما إن طبقت تتمكن الأمة من الاستمرار في الجهاد. الشريعة لعقود فإن نسبة هؤلاء ستضمحل وبالتالي يجهز كل إنسان
الديوان
٦٣٧
موطنه ويدفع الأموال كجعل للآخرين ليجاهدوا بأنفسهم ويجمع هو الثواب في مكانه. فهذا أمر نادر الحدوث، وليس كعصرنا الذي كثر فيه المعدمون (كما سيأتي بإذن الله)، أو حتى ليس كالعصور الأولى بعد الخلفاء عندما لم تطبق مقصوصة الحقوق فظهر الأثرياء المقربين من الحاكم الذين تمكنوا من الإنفاق على الغزاة لعلهم يحصدون الثواب دونما أدنى مشقة. أي أن الجعل قد يكون آفة على المجتمع إن لم تطبق الشريعة لأن المال سيكون بأيدي الأثرياء ومنسوبي الدولة الذين يجعلون الجعائل دون أن يخرجوا هم بأنفسهم. لذلك فلا غرابة إن أحدث حديث الجعل إشكالية فقهية لأن الثري قد يشتري الفقراء بالجعل ليجاهدوا هم، ظانا بنفسه أنه سيحصد ثواباً مثل ثوابهم. وبالطبع فإن هذا الوضع لن يحدث إلا إن لم تطبق الشريعة لأجيال. فقد وجد مثلاً الكثير من الفقراء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الشريعة لم تأخذ حقها من الوقت في التطبيق، فأولئك الفقراء كانوا من المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم، ولكن إن طبقت الشريعة لأجيال عندها ينعدم الفقر تماماً كما سترى بإذن الله. أي إن لم تطبق الشريعة فإن الجهاد سيتحول من عبادة إلى عمل مأجور لظهور الفارق بين الفقراء والأغنياء. وقد كره السلف رضوان الله عليهم الجعل إن أنفق في غير التقوّي للجهاد. فقد جاء في «طلبة الطلبة» مثلاً:
«وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: في جعل القاعد للشاخص، إن جعله في الكراع والسلاح فلا
.
بأس به، وإن جعله في متاع البيت فلا خير فيه، أي من أعطى شاخصاً، أي ذاهباً إلى الغزو من حد مالاً ليغزو به فاشتری به فرساً أو سلاحاً فقد جعله فيما أعطاه لأجله، أما إذا اشترى به متاع
صنع البيت فقد خالف».
۲۰۰
ومن الإشكاليات عند مراجعة مسألة الجعل هو أن الآثار في الغالب لا توضح مصدر الجعل: هل مال الجعل من الدولة أو من الناس؟ لذلك فقد كره بعض السلف أخذه إن كان من الدولة. فهذا ما تستشفه من أقوالهم. لننظر لبعض الآثار من أقوال السلف تجاه الجعل فقد جاء في مصنف ابن شيبة الآتي:
«حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن بشر أن الربيع كان يأخذ الجعالة فيجعلها في المساكين. ... حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر عن عكرمة والأسود ومسروق أنهم كرهوا الجعائل وذلك في البعث. ... حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن عامر عن مسروق أنه كره الجعائل ... حدثنا عبيد الله عن موسى بن عبيدة قال: كان النعمان بن أبي عياش وابن قسيط وعمر بن علقمة يأخذون الجعائل ويخرجون.... حدثنا وكيع عن شريك عن منصور عن إبراهيم قال: كان عبد الرحمن بن يزيد يؤالف الرجل ثم يغزو عنه.... حدثنا عيسى بن يونس عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول أنه كان لا يرى بالجعل في القبيلة بأساً».٢٠١ ... «حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الرحمن بن يزيد اغزو بنا حتى نجتعل. قال: فغدوت إليه فقال لي: إني قرأت البارحة سورة براءة
في
فوجدتها تحث على الجهاد. قال فخرج .... حدثنا ابن عليه عن ابن سيرين قال: كتب إلى عمر الجعالة : لا أبيع نصيبي من الجهاد ولا أغزو على آخرنا.... حدثنا وكيع عن سفيان عن الزبير بن عدي عن الشقيق بن العيزار قال: سألت ابن الزبير عن الجعائل؟ قال: إن أخذتها فانفقها في سبيل الله وتركها أفضل. وسألت ابن عمر فقال: لم أكن لأرتشي إلا ما رشاني الله . ... حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن عبيد بن الأعجم قال: سألت ابن عباس عن الجعائل قال: إن جعلتها في سلاح أو كراع في سبيل الله فلا بأس. قال: وإن جعلتها في عبد أو أمة فهو غير طائل. ... حدثنا ابن نمير، نا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: سئل الأسود عن الرجل يجعل له، ويجعل هو أقل مما جعل له ويستفضل؟ قال لا بأس. وسئل شريح عن ذلك فقال دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . ".
۲۰۲
٦٣٨ 🗏
إن الأقوال السابقة تشير إلى أن أموال الجعل كانت إشكالية فقهية؟ فمن السلف من أنفقها على المساكين، ولعله فعل ذلك لأنها كانت من الدولة. ومنهم من كرهها لأنها كانت في البعوث، أي مصدرها الدولة. ومنهم من أخذها وأنفقها في الجهاد ليتقوى بها. ولعل إجابة ابن عمر عندما سئل عن الجعل وقال: «لم أكن لأرتشي إلا ما رشاني الله» إجابة تشير إلى رفض الجعل إن كان الرجل متمكناً وملك ما يعينه على الجهاد. ولكن السؤال هو: لماذا كان الجعل إشكالية فقهية ؟ تلحظ من الأقوال السابقة أنه إن كان من الناس للناس فلا خلاف فيه، أما إن كان من الدولة فعندها تظهر التساؤلات. ففي آخر الاقتباس السابق عندما سئل الأسود «عن الرجل يُجعل له، ويجعل هو أقل مما يُجعل له ويستفضل؟» تحتار في السؤال: كيف يُجعل لرجل ما مالاً ثم لا يخرج ويدفع بعض المال لآخر ليخرج ويستفضل الفرق لنفسه؟ لذلك لابد من المزيد من التأني في عرض المسألة.
من كل ما سبق يمكننا الاستنباط أن الجعل ما هو إلا وسيلة تمكين لمن هم بحاجة للدعم للخروج للجهاد وأن هذا أمر أقره صلى الله عليه وسلم. أي أن مجال عمل قوله صلى الله عليه وسلم: (للغازي أجره وللجاعل أجره)، أو قوله صلى الله عليه وسلم للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي، هو بين الناس حتى يمكن بعضهم بعضاً. أما التأويل على أن الحديث يعني تدخل الدولة بدفع الجعل للناس فهذه مسألة لم تثبت. فكيف إذا دخلت الدولة في الصورة؟ لنتأمل الآتي من كتاب شرح مشكل الاثار» توضيحاً للحديث، يقول الطحاوي رحمه الله.
«باب بیان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي. حدثنا . عبد الملك بن مروان الرقي قال : ثنا حجاج بن محمد عن الليث بن سعد قال: حدثني حيوة بن شريح عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي. هكذا حدثناه عبد الملك فلم يدخل بين حيوة وبين شفي فيه أحداً. وقد حدثناه إسماعيل بن إسحاق الكوفي قال : ثنا محمد بن رمح قال: ثنا الليث بن سعد عن حيوة بن شريح عن ابن شفي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وقد اختلف أهل العلم في الجعائل في الغزو. فأعلى ما وجدنا فيه منها مما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عثمان بن كثير بن دينار قال: ثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا المسعودي قال: حدثني أبو بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن جرير بن عبد الله البجلي عن أبيه أن معاوية كتب إلى جرير في بعث ضربه: أما بعد، فقد رفعنا عنك وعن ولدك الجعل. فكتب إليه جرير: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فاشترط علي والنصح لكل مسلم، فإن أنشط في هذا البعث نخرج فيه، وإن لا أعطينا من أموالنا ما ينطلق المنطلق. قال المسعودي: هذا أحسن ما سمعنا في الجعائل. وقد روى حديث حيوة الذي ذكرناه في هذا الباب عبد الله بن لهيعة عن حيوة بخلاف ما رواه عنه الليث في إسناده وفي مـ متنه . كما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن حيوة بن شريح عن حسين بن شفي الأصبحي عن الصحابة أنهم قالوا: يا رسول الله، أفتنا عن الجاعل والمجتعل في سبيل الله عز وجل؟ قال: للغازي أجر ما احتسب، وللجاعل أجر الجاعل والمجتعل). ولم يذكر بين حسين بن شفي وبين الصحابة أحداً. قال أبو جعفر : وأما ما قاله من تأخر من أهل العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن تابعيهم في هذا الباب كما قد حدثنا أحمد بن أبي عمران قال أنا محمد بن سماعة قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: أنا يعقوب عن أبي حنيفة رحمه الله قال: أكره الجعائل إذا كان للمسلمين فيء، فإن لم يكن لهم فيء فلا بأس أن يقوي بعضهم بعضاً. ولم يحك محمد في ذلك خلافاً بين أبي يوسف وبين أبي حنيفة.
الديوان
٦٣٩
قال أبو جعفر: وتأملنا ما ذكرناه في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمن ذكرناه من أصحابه ثم ما ذكرناه عمن ذكرناه بعدهم من أهل العلم، فكان ما ذكرناه فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ظاهره إباحة الجعائل قد يكون عند الحاجة إلى ذلك إذا لم يكن للمسلمين يومئذ فيء يغني عنه، وكان ما ذكرناه فيه عن جرير مما لم ينكره معاوية عليه، وقد يحتمل أيضاً أن يكون ذلك كان حين لا فيء للمسلمين يغنيهم في ذلك، وكان مما ذكرناه فيه عن أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه، كان مذهبهم فيه عندنا والله أعلم على أن ما يؤخذ في الجعائل فإنما يؤخذ للحاجة إلى ذلك التي يسع معها قبول الصدقة، وكان المسلمون إذا كان لهم فيء كان الأولى بهم التنزه عن الصدقة وعما حكمه حكمها إذ كانت غسالة ذنوب الناس والاستغناء عن ذلك بالفيء الذي هو بخلاف ذلك، والذي هو ليس من غسالة ذنوب الناس، فإذا لم يكن ذلك أباحت الحاجة قبول ذلك للضرورة إليه. وقد ذكرنا في هذا الباب وفي الباب الذي قبله شفي الأصبحي بالضم وهو كذلك، ولأصحابنا المصريين الهيثم بن شفي بالفتح، فأردنا ذكره هاهنا ليعلم شأنهما وأن كل واحد منهما خلاف صاحبه. والهيثم بن شفي هو من حمير وهو أبو الحصين وشفي فمن ذي الأصبح وهو رهط من حمير، ولهم أيضا ثمامة بن شفي بالفتح ، وهو أبو علي الهمداني....
۲۰۳
.«...
إن أول ما يلفت النظر في الاقتباس السابق هو الاستدلال بحادثة معاوية مع جرير، فهي أعلى ما وجد من الآثار كما قال. فقد جاء في الاقتباس قول معاوية لجرير: «أما بعد، فقد رفعنا عنك وعن ولدك الجعل». فماذا يعني هذا النص ؟ جاء في مصنف ابن شيبة عن هذا الأثر الآتي:
«حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن زكريا عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة قال: خرج على الناس بعث في زمن معاوية فكتب معاوية إلى جرير بن عبد الله : إنا قد وضعنا عنك البعث وعن ولدك. فكتب إليه جرير: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح والطاعة والنصح للمسلمين، فإن
بسط فيه وإلا قومنا من يخرج».
٢٠٤
الله
عنه
تلحظ في النص السابق من القول: خرج على الناس بعث في زمن معاوية»، أن معاوية رضي کحاكم للمسلمين فرض على الناس البعث، أي أن عليهم أن يجاهدوا، وأنه تكريماً لجرير وابنه وضع ذلك عنهما، أي ليس عليهما الجهاد ولا أن يدفعا مالاً لآخرين يقومان مقامهما في الجهاد كما هو واضح من النص الذي يقول: «فقد رفعنا عنك وعن ولدك الجعل». ثم كان رد جرير بالرفض لأنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح والطاعة، فإن تمكن جرير من الخروج للجهاد فعل، وإلا قوّم من يخرج عنه بدفع الجعل اغتناماً للأجر. لتأكيد هذا الاستنباط لننظر إلى ما جاء في كتاب «طلبة الطلبة»:
«وعن معاوية رضي الله عنه أنه بعث على أهل الكوفة بعثاً فرفع عن جرير بن عبد الله وولده فقال جرير: لا نقبل ولكن نجعل من أموالنا الغازي. يعني رفع هذه المؤنة عن جرير وولده احتراماً لهما وهما تحملا ذلك باختيارهما اغتناماً». ٢٠٥
ولكن ما علاقة السابق بالدولة والجعل؟ لنتأنى في قراءة الآتي: ثم ثاني ما يلفت النظر في نص الطحاوي (وهو أهم ما في الجعل هو نقله لأقوال «المتأخرين» من أهل العلم ومن أهمهم الإمام أبو حنيفة. وكأنه يشير بقوله: «المتأخرين» إلى أن هناك اختلافاً بين ما كان من علم فقهي عن الجعل بين الصحابة والتابعين وبين المتأخرين بالنسبة لعصره، ومن هؤلاء المتأخيرن الإمام أبو حنيفة الذي قال: «أكره الجعائل إذا كان للمسلمين فيء. فإن لم
٦٤٠ 🗏
يكن لهم فيء فلا بأس أن يقوي بعضهم بعضاً». هنا لابد من وقفة متأنية. لماذا كره الإمام أبو حنيفة الجعل إن كان للمسلمين فيء؟ تأتي الإجابة من الطحاوي نفسه الذي استخدم حادثة جرير مع معاوية كدليل. لنتأمل الاقتباس مرة أخرى:
.... قال أبو جعفر وتأملنا ما ذكرناه في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمن ذكرناه من أصحابه ثم ما ذكرناه عمن ذكرناه بعدهم من أهل العلم، فكان ما ذكرناه فيه عن رسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره إباحة الجعائل قد يكون عند الحاجة إلى ذلك إذا لم يكن للمسلمين يومئذ فيء يغني عنه، وكان ما ذكرناه فيه عن جرير مما لم ينكره معاوية عليه، وقد يحتمل أيضاً أن يكون ذلك كان حين لا فيء للمسلمين يغنيهم في ذلك، ...».
الله
إن النص السابق يقول بوضوح أن «إباحة الجعائل قد يكون عند الحاجة إلى ذلك إذا لم يكن للمسلمين يومئذ فيء يغني عنه». أي أن الوضع الطبيعي بالنسبة للطحاوي هو أن الدولة تملك أموال الفيء لتنفقها كجعائل. أما إن لم يكن هناك فيء فإن الجعل عندها فقط لن يكون مكروهاً لأبي حنيفة. أي أن الوضع انقلب رأساً على عقب. فأين الدليل على هذا القلب؟ فكما حاولت أن أثبت لك مراراً وتكراراً فإن الوضع الطبيعي هو أن يجهز كل إنسان نفسه وهذا أمر جد ممكن لأن فتح الشريعة لأبواب التمكين للناس ستجعل معظم أفراد المجتمع مقتدرين
هـ
بحيث يستطيع كل إنسان تجهيز نفسه. وفي بعض الحالات يقوم البعض الذين لا يستطيعون الخروج بسبب مرض أو غيره، أو الذين يريدون المزيد من الثواب بإعانة الآخرين الذين لا يستطيعون الخروج لضعفهم المالي من خلال الجعل، ففي مثل هذه الظروف يكون العمل العسكري عبادة وليس وظيفة. هذا هو الوضع الذي أرادته الشريعة، إلا أنك تلحظ في النص السابق أنه انقلب. كيف؟ لقد كره الإمام أبو حنيفة الجعل إن كان للمسلمين فيء، وهذه الكراهة تعني أن أبا حنيفة كان يرى أن تأتي الأموال التي تعين المجاهدين على القتال من الفيء والذي أصبح مالاً بيد الدولة كما رأينا في الفصل السابق. وهذا الاستنتاج للطحاوي هو من حادثة معاوية مع جرير، لأن معاوية رفع الجعل عن جرير. أي أن هناك آخرين قد فُرض عليهم البعث، وأن هناك استثناء أو استثناءات، ومنهم جرير وولده إذ أنه لا فيء كاف حينئذ لدى الدولة لتقوم هي بدفع جميع الجعائل للمقاتلين. وهنا فرضية قد لا أستطيع إثباتها، وهي أنه لأن أموال الفيء كانت تقسم بين جميع المسلمين وليس فقط بين المسمين في آيتي الغنائم والفيء كما بينت في الفصل السابق (وهذا ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم كما وضحت)، كان السلطان يرى أن من حقه فرض الجهاد على المسلمين من خلال البعوث فإن لم يخرجوا فإن عليهم تجهيز من يقوم مقامهم من خلال الجعل لأنهم كانوا يأخذون من الفيء، لذلك تكريماً لجرير وابنه فقد رفع معاوية عنهما الجعل. وفي المقابل، كان الفقهاء يرون شيئاً آخر، وهو الآتي: لأن الدولة تملك الأموال فإنه من واجبها تجهيز الجيـوش بـدفـع الجـعـائـل للغـازين
وتجهيزهم.
هامش
هـ) وفي النقيض، فإن أبواب التمكين ستقفل أمام الناس إن كان و٤) ولعلك تسأل: إن كان من أهم مسؤوليات السلطان الدفاع عن ، السلطان لينفقه على الجعل لأنه إن تجمع له المال استخدمه في الأمة فكيف يتمكن من ذلك إن لم يكن له جيش ومال؟ فأجيب: إن تحريك اقتصاد المجتمع فيقرر منع وصول الناس للموارد المعدنية مثلاً للسلطان رفع راية الجهاد على أن يجهز الناس أنفسهم أو بعضهم بعضاً، إلا بإذنه. ومتى ما تدخل السلطان في الاقتصاد فإن الاقتصاد سيتعثر كما سيأتي توضيحه في فصل قادم بإذن الله . كما سترى بإذن الله.
الديوان
٦٤١
نعود لما ذهب إليه الأحناف، إن نص الطحاوي يدل على أن انتشار الجعائل بين الناس ليس وضعاً طبيعياً بالنسبة للطحاوي وأبي حنيفة. فالوضع الطبيعي بالنسبة لأبي حنيفة شرعاً هو أن تأتي أموال الجعل من الفيء، ولكن تذكر أخي القارئ أن هذا الإتيان للأموال من الجعل هو الذي لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم. أي أن ما ذهب إليه أبو حنيفة من كراهة الجعل إن كان هناك فيء هو الوضع غير الطبعي، أي أن مذهب أبي حنيفة قد قلب الأمور رأساً على عقب. ولكن لماذا ذهب أبو حنيفة لهذا المذهب؟ لعل السبب والله أعلم هو بسبب تراكم الأموال لدى بيت المال. فكما مر بنا في الفصلين السابقين فإن الدولة كان المفترض بها ألا تملك الأموال إن طبقت الشريعة، ولكنها ملكته من خلال عدم تقسيم المناطق المفتوحة عنوة كسواد العراق ومن خلال أخذ الزكاة من الناس وفرض المكوس وما شابه، وهكذا تجمعت لدى الدولة الأموال التي رأى أبو حنيفة أنها يجب أن تنفق لما فيه صالح المسلمين ومنها الجعائل للمقاتلين. فيجب أن نحاول إذاً إيجاد عذر للإمام أبي حنيفة لما ذهب إليه لأن ما كان يراه من مال كثير متراكم في بيت المال كان يجب أن ينفق. فكيف ينفق إن لم تكن أحد أهم روافد الإنفاق دفع مصاريف المقاتلين، أي الجعائل؟ ولكن الوضع الذي رآه أبو حنيفة هو وضع بسبب الخروج على الشرع، فكيف يبنى حكم شرعي على وضع هو في الأصل غير شرعي؟ ولكننا الآن في عصرنا نرى بوضوح تاريخياً ما حدث لأموال بيت المال من تلاعب. فإن تمسكنا بسنته صلوات ربي وسلامه عليه فإن بيت المال سيكون دائماً خاوياً كما استنتجنا في الفصل السابق، وعندها سيكون الجعل من الناس إن كانت هناك حاجة، وليس من الحاكم الذي قد يستخدم هذه الأموال لشراء ولاء الناس. وهذا الأخير هو الوضع الذي لا تدفع إليه الشريعة حتى لا تكون الأموال دولة بين
الأغنياء.
وهناك سبب آخر لذهاب أبي حنيفة لكراهة الجعل إن كان للمسلمين فيء وهو مقارنته الجعل بما يؤخذ من
الزكاة والتي هي غسالة ذنوب الناس. قال الطحاوي في الاقتباس السابق:
«وكان مما ذكرناه فيه عن أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه، كان مذهبهم فيه عندنا والله أعلم على أن ما يؤخذ في الجعائل فإنما يؤخذ للحاجة إلى ذلك التي يسع معها قبول الصدقة، وكان المسلمون إذا كان لهم فيء كان الأولى بهم التنزه عن الصدقة وعما حكمه حكمها إذ كانت غسالة ذنوب الناس عن ذلك بالفيء الذي هو بخلاف ذلك والذي هو ليس من غسالة ذنوب الناس، فإذا لم یکن ذلك أباحت الحاجة قبول ذلك للضرورة إليه ...
والاستغناء
.«...
إن العبارة السابقة توضح أن فقهاء المذهب الحنفي ذهبوا إلى أن أخذ الجعل إنما هو في حالة الحاجة لذلك. فالمتصدق، أي دافع الزكاة، باستطاعته أن يُخرج زكاته للمجاهد في سبيل الله، فهذه أحد الأصناف الثمانية، ثم قياساً على هذه الحاجة لآخذ الصدقة ولأنه من الأولى التنزه عن الصدقة لأنها غسالة ذنوب الناس)، أتى الإستدلال من خلال الربط قياساً على أنه من الأولى التنزه عن الجعل إن كان هناك فيء للمسلمين. ترى هذا الربط بوضوح من قوله: «وعما حكمه حكمها». لذلك فإن الأحناف يذهبون إلى أنه فقط إن لم يكن هناك فيء للمسلمين فإن الحاجة تبيح قبول أخذ الجعل حينئذ للضرورة إليه. أي أن الأصل في العمل الجهادي بالنسبة للأحناف هو أن يتم تجهيز الجيش من أموال الفيء. وهذا بالطبع يعني ضرورة جمع الفيء وباستمرار حتى يستمر العمل الجهادي باستمرار. وبمثل هذا التراكم من الآراء استحوذ السلطان على المزيد من الصلاحيات من خلال جمع المال كفيء الذي كان من المفترض فيه أي يبقى ليتداول بين الناس. هكذا يعمل العقل البشري ليظهر الرأي ودون دليل نصي فيتراكم
٦٤٢ 🗏
الانزلاق لتخرج الأمة عن شرع الله . هذا مثال واحد وواضح من المذهب الحنفي، ولم أحاول تقصي أقوال الفقهاء الآخرين الذين ذهبوا إلى أن العمل العسكري هو من مال الفيء. إذ لا فائدة من ذلك. ولكن على العموم، فلابد لنا من أن نعذرهم لأن ما وقعوا فيه أمر شبه محتوم، فحتى نحن المعاصرون سنقع فيه إن كنا مكانهم. فقد رؤوا الأموال الكثيرة التي تجمعت في بيت المال، فقد تجمعت الأموال كما رأينا في الفصلين السابقين وبطريقة غير شرعية في حين ظن معظم الفقهاء أنها شرعية لأن الغنائم لم تقسم ولأن الخمس الذي أخذ من الركاز لم يكن مصرفه مصرف الزكاة ولأن الزكاة كانت تُدفع للسلطان حتى وإن لم يكن نزيهاً، وهكذا من الكثير من الآراء التي تحدثنا عنها في الفصول السابقة والتي أدت إلى تراكم الأموال في بيت المال بدل أن تتناقل بين أيدي الناس لتؤدي للمزيد من الإنتاج كما سيأتي بيانه بإذن الله. والآن لننظر إلى نص آخر من كتاب الاستذكار لابن عبد البر والذي جمع فيه أقوال أهم الفقهاء في هذه المسألة:
«قال أبو عمر : : مسألة الأجير تشبه مسألة الجعائل، ولا ذكر لها في الموطأ فنذكرها ها هنا. قال مالك: لا بأس بالجعائل ولم يزل الناس يجاعلون بالمدينة عندنا، وذلك لأهل العطاء ومن له ديوان. وكره مالك أن يؤاجر وابنه أو قومه في سبيل الله ، وكره أن يعطيه الوالي الجعل على أن يتقدم إلى الحصن فيقاتل. قال : ولا نكره لأهل العطاء الجعائل لأن العطاء نفسه مأخوذ على هذا الوجه. وقال الشافعي: لا يجوز أن يغزو فيأخذ الجعل من رجل يجعله له وإن غزا به فعليه أن يرده، ولا بأس بأن يأخذ الجعل من السلطان دون غيره لأنه يغزو بشيء من حقه. وقال أبو حنيفة تكره الجعائل ما كان بالمسلمين قوة أو كان بيت المال يفي بذلك. فأما إذا لم تكن فيهم قوة ولا مال فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضاً ويجعل القاعد للناهض. وكره الليث والثوري الجعل. وقال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا بأس أن يعان. وقال الكوفيون: لا بأس لمن أحس من نفسه حيناً أن يجهز الغازي ويجعل له جعلاً لغزوه في سبيل الله. قال أبو عمر : لما كان الغازي يتخذ سهماً من الغنيمة من أهل حضور القتال استحال أن يجعل له جعلاً فيما فعله لنفسه وأدائه ما عليه من فرض الجهاد وسنته».
٢٠٦
قبل مناقشة النص السابق أود توضيح نقطة مهمة وهي أنني خلال هذا الكتاب وحتى الآن لم أخرج عن
الله
اختلفا
دائرة أي من المذاهب، ففي جميع السابق كنت أرجح قول أحد الفقهاء على الآخرين، فتمسكهم بالنص أثابهم جعلهم دائماً على الحق. فأقوال الشافعي وأحمد رحمها الله إن اتفقا كانت هي الأولى بالاتباع دائماً، وإن اختلفا فقد يوافق الإمام مالك مذهب أحدهما في الغالب، وعندها فمذهب من وافقه الإمام مالك هو الأولى بالاتباع إن (أي الشافعي وأحمد)، هذا ما لاحظته. إلا في هذه المسألة، أي في مسألة جواز أن يكون العمل العسكري من أموال الفيء لأن هذا الجواز سيكون ذريعة للسلطان لزيادة أموال بيت المال من الفيء والذي يأتي من الناس، وبهذا يضمحل طموح الناس ويزداد نفوذ من بيدهم السلطة فيخرجوا عن الحكم بما أنزل الله فتذل الأمة. لقد ترددت كثيراً في هذا الذي قلته لعدة أشهر. فقد أخذ موضوع العمل العسكري مني الكثير من التأمل والتردد. فبرغم وضوح الصورة لي (فلله الحمد والمنة، إلا أنني ترددت في هذا الطرح لأمور من أهمها ضعف تمكني العلمي مقارنة بعلماء الشريعة، ثم السؤال: هل المسلمين بحاجة لقول جديد يزيد من تمزقهم؟ هكذا كنت أتردد في الكتابة يوماً بعد يوم لتمر الأسابيع والأشهر وأنا في حيرة. وهل إن التزمت الصمت فأنا كاتم للعلم؟ وهل سيصدقني أحد إن أفصحت عما وجدته؟ وفوق كل هذا، من أين لي أن أدرك أنني على الحق؟ هكذا تمر الأيام لأقيس نفسي بهؤلاء الأئمة فازداد تحجيماً لنفسي ومن ثم يقيناً بأنني لابد وأن أكون مخطئاً، فأتوقف عن الكتابة. ثم بعد أشهر من المزيد
الديوان
٦٤٣
من
من البحث أجد نفسي أعود للكتابة فأحاول تلافي الاصطدام مع فكرة تقصي العمل العسكري، فأستنتج أنه لا مفر هذا الاصدام لأنه هو أساس تقصي الحق وسبب هذا التخلف الذي نحن فيه. فما العمل إذاً؟ هكذا أتراجع عن المضي في كتاب «قص الحق». ولكن أعود إليه لأن ما أراه من ذل وتخلف هو بسبب الخروج عن الشرع وبالذات في هذه المسألة. فأعود وأقول: ولكنني أحاول أن أثبت أننا إن سرنا على نهجه صلوات ربي وسلامه عليه فسنصل للعزة، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدفع مال قط كأجر لمن جاهد، فلماذا لا نتمسك بهذه السنة؟ ثم أعود وأقول: ولكن الفقهاء الأربعة لم يعارضوا قط دفع الأجور من الفيء، فلماذا أعارضه أنا؟ وهل أنا أعلم منهم؛ لذلك أرجو أختي القارئة وأخي القارئ أن تعذر نقدي لما ذهب إليه الأئمة الأربعة في هذه المسألة، فهي المسألة الوحيدة التي لم ألتزم بها بما ذهبوا أو ذهب أحدهم إليه. ولعلك لاحظت أنني لم أخرج قط عما ذهبوا أو ذهب أحدهم إليه إلا في هذه المسألة، فاستغفر لي الله إن كنت مخطئاً. نعود للموضوع.
كما تلحظ من الاقتباس السابق لابن عبد البر فإن الإمام مالك رحمه الله برغم كراهته لمؤاجرة الإنسان لنفسه أو ابنه في سبيل الله، أي أنه كره أخذ المال مقابل العمل العسكري، إلا أنه لم يكرهه إن كان المال من الديوان بقوله: «ولا نكره لأهل العطاء الجعائل لأن العطاء نفسه مأخوذ على هذا الوجه»، وأهل العطاء هم من أهل الديوان. وكذلك الإمام الشافعي رحمه الله الذي لم يجوز أخذ الجعل من رجل وأجازه إن كان من الديوان بقوله: «لا يجوز أن يغزو فيأخذ الجعل من رجل يجعله له وإن غزا به فعليه أن يرده، ولا بأس بأن يأخذ الجعل من السلطان دون غيره لأنه يغزو بشيء من حقه». وكذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله والذي ذكرت مذهبه، والذي قال: «تكره الجعائل ما كان بالمسلمين قوة أو كان بيت المال يفي بذلك. فأما إذا لم تكن فيهم قوة ولا مال فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضاً ويجعل القاعد للناهض». أما الإمام أحمد رحمه الله فكما مر بنا في الاقتباس السابق لابن قدامة فقد أباح استئجار قوم للغزو وأنه لا يُسهم لهم ولكن يعطون ما استؤجروا عليه. أي باختصار، لم يعارض أي من الأئمة الأربعة أن يكون الجعل من السلطان. وإن عاشوا ورؤوا حالنا اليوم لعارضوا ولأشهروا بطلان مثل هذا الجعل من السلطان والله أعلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله. ولعل هذا هو أهم سبب لتخلف المسلمين. وذلك لأن المعارضة هذا . من الأئمة الأربعة تحول على مستوى الأمة بين الفقهاء عبر الأجيال إلى شيوع قبول أخذ الجعل من السلطان، فأصبح وكأنه أمر مباح شرعاً. ثم تحول هذا القبول لأداة في يد السلطان لينفق المال على الجيش. وكيف ينفق السلطان إن لم يكن له مال؟ علماً أن الدفاع عن الأمة من أهم مسؤوليات الحاكم، لذلك عليه جمع للعمل العسكري كما سيظن البعض. وهكذا بدأ جمع المال للعمل العسكري. وعندما تجمع الأموال للسلطان يزداد سلطانه لتمكنه من تسخير من يحبون المال للعمل لديه، فهو إذاً رجل مطاع حتى وإن لم يحكم بما أمر الله. وهكذا بدأ استخدام المال فيما يعتقد السلاطين أنه هو الصواب بتسخير الآخرين للعمل لديهم بالمال، فكانوا يأمرون وينهون في كل ما أرادوا حتى العقيدة لم تنج من بطشهم كما حدث في محنة خلق القرآن الكريم. هكذا بدأ السلطان يطبق على أرض الواقع كل ما يراه حقاً، وهو باطل، أي تماماً كما فعل فرعون الذي قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢٠٧ ألم يقوموا بإسراف أموال المسلمين في الكثير مما اعتقدوا أنه الحق مثل بناء بغداد المدورة وسامراء بأموال المسلمين وسيأتي بيانه بإذن الله؟ فكان مما يراه السلطان أنه حق مكتسب هو توريث الحكم للإبن أو للأخ، فظهرت الدول واحدة تلو الأخرى من أموية وعباسية وفاطمية وما شابه.
عدم
المال
٦٤٤ 🗏
مراتب التجهيز الحربي
أي باختصار، فإن لدينا أربع مراتب من التجهيز العسكري المرتبة الأولى وهي ما تريده الشريعة، وهي ما يتحقق إن طبقت مقصوصة الحقوق لعدة عقود فيتقارب الناس في دخلهم وينعدم الفقراء وعندها فإن كل مجاهد سيتمكن من تجهيز نفسه بنفسه، وسيتمكن من مشاركة الآخرين في تجهيز متطلبات القتال المشتركة كالأجهزة والناقلات والمعدات. فستظهر شركات لصناعة الدبابات مثلاً. وهذه الشركات قد تصنع الدبابات ثم تبيعها لجماعة تعتني بها وتطورها لتستخدمها في جهادي الدفع والطلب أو تتبرع بها لمن يقاتلون عليها كتجهيز لهم. أليست الدبابات الأمريكية من صناعة الشركات المختلفة المتنافسة بغياً للربح؟ فلماذا لا . يصنع المسلمون دباباتهم ثم تباع هذه الدبابات لجماعات من المسلمين مساهمة بينهم كل يُخرج من ماله قدر استطاعته كسباً لأجر الآخرة وعز الدينا؟ (لا تنسى أن الناس يستطيعون المشاركة المالية لثرائهم وقد يأتي فرد بعقلية تحب الابتكارات والتصنيع ويصنع دبابة بدائية أو شبه بدائية بدعم بعض الزملاء أو الأقارب. إلا أن هذا الفرد أثبت للناس مقدرته الإبداعية، لهذا فسيدعمونه مالياً مشاركة منهم. فهو سيبدع لا محالة لأنه صنع ما يهواه ويعشق هذا العمل من طفولته. يا الله، كم سيبدع مثل هذا الفرد لأنه عشق ما ينتج وترعرع في بيئة عزيزة تحته على الإبداع لأن فيه كسب للأجر. فإن وثق الناس بمنتجه فقد يشاركونه. إلا أن عليه أن يتنافس مع المنتجين الآخرين من أمثاله، إذ لا شيء ممنوع على الناس في الإنتاج. وقد تظهر المجلات المتخصصة للحكم على هذه الدبابات لإرشاد الناس لدعم الشركات الأنجح. وسيقوم أصحاب المحطات الإعلامية الخاصة بتغطية أخبار هذه الدبابات والطائرات والبوارج والغواصات والمقارنة فيما بينها. وبهذا ينغرس في المجتمع حب الابتكار والتجهيز الحربي لتصبح هي اللهو وهي العرف الذي تحدثنا عنه في «القوة الحقة». أي أن لهو الناس ليس محصوراً في كرة القدم فقط أو في المسلسلات التلفازية الخيالية أو العاطفية، بل في مهارة استخدام وقوة وإبداع وإتقان هذه المعدات عندها فالويل لكل من يفكر بالتحرش بحدود المسلمين. وبالطبع عندها لا ولاء للحاكم إلا إن حكم بما أنزل الله، ولأنه لا مال لدى الحاكم لأن الشريعة قد طبقت فلن يتمكن من تسخير الناس لتحقيق أهوائه، فينتشر الحكم عندها بما أنزل الله رغماً عن الجميع.
والمرتبة الثانية هي الجعائل بين الناس، وهي أن يقوم المقتدرين من الناس بتجهيز من يرغبون الجهاد من الذين لا يملكون ما يجهزون به أنفسهم، وهذا حدث في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، إذ وقتها لم يكن الإسلام قد طبق لعدة عقود، فلازال هناك بعض الفقراء الذين هم بحاجة للجعل، ولذلك والله أعلم أقره الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا الإقرار يكثر المجاهدون فينتصر الإسلام ولكن دون أن يتمكن الحاكم من تسخير هؤلاء الفقراء لأهوائه لأن ولاءهم ليس له، فإن كان لهؤلاء ولاء فهو لمن جهزهم من الناس. ولأن الحاكم لا يملك الكثير من المال لتسخير هؤلاء الأتقياء فلابد له وأن يحكم بما أنزل الله وإلا فقد سلطانه، كما سيأتي بيانه بإذن الله. وإن حكم بما أنزل الله فعندها . وبسبب تطبيق مقصوصة الحقوق فإن الفقراء سينقرضون ولن يحتاجوا للجعل حينئذ، فتعود الأمة للمرتبة الأولى من العمل العسكري، أي الجهاد دون جعل إلا فيما ندر أي وكأن كثرة الجعل وقلته بين الناس مؤشر قياسي لمدى التزام الأمة بالشريعة، فكلما زاد الجعل بين الناس كلما دل ذلك على ازدياد نسبة الفقراء.
هامش
ز ٤) الذؤابة هي جديلة الشعر (۲۰۸).
الديوان
٦٤٥
أما المرتبة الثالثة فهي انتشار النمطين من الجعل، أي الجعل بين الناس والجعل من بيت المال، وهذا النمط هو الذي انتشر في الدول الأولى مثل الأمويين والعباسيين، تأمل القصة الآتية التي تلخص الوضع: جاء في «صفوة الصفوة» في «ذكر المصطفيات من عابدات الرقة»: عن عبيد الله بن عبد الخالق قال:
«سبی
الروم نساء مسلمات فبلغ الخبر الرقة وبها هارون الرشيد أمير المؤمنين. فقيل لمنصور بن عمار لو اتخذت مجلساً بالقرب من أمير المؤمنين فحرضت الناس على الغزو. ففعل فبينا هو يذكرهم ويحرض إذا نحن بخرقة مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور، وإذا كتاب مضموم إلى الصرة. ففك الكتاب فقرأه فإذا فيه : إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتاي، فقطعتهما وصررتهما في هذه الخرقة المختومة. وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فـرس غاز في سبيل الله، فلعل الله العظيم أن ينظر إلي على تلك الحال نظرة فيرحمني بها. قال: فبكى وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادى بالنفير فغزا بنفسه فأنكى فيهم وفتح الله عليهم. قلت هذه إمرأة حين قصدها وغلطت في فعلها لأنها جهلت أن ما فعلت منهي عنه فلينظر إلى قصدها» .
زع
إن القصة السابقة تشير إلى أن العمل العسكري كان مزيجاً بين ما يجهزه الحاكم وبين ما يحرض فيه الفقهاء والدعاة الناس على الخروج للجهاد بتجهيز بعضهم البعض. وهنا قد تقول: لكن أتى النصر لهارون الرشيد، فلماذا لا يكون هذا النمط هو السائد الذي يجمع بين الحسنين. فأجيب: لقد انتهكت محارم المسلمين ثم تحرك ولي الأمر، أما إن كان التجهيز العسكري في المرتبة الأولى أو الثانية فإن هذا الإنتهاك لمحارم المسلمين لن يحدث أبداً لأن المسلمين في عزة على الدوام كما سيأتي بيانه بإذن الله، كما أن الخطورة هي في المال الذي إن تجمع لدى الحاكم سيخرج عن شرع الله في الغالب. فهارون الرشيد رحمه الله وأثابه كما هو معلوم كان يحج سنة ويغزو سنة، أما بالتجهيز
العسكري بالمرتبتين الأولى أو الثانية، فلا تعطيل للجهاد لسنة حتى يقرر الحاكم الجهاد في السنة التي تليها.
حالنا
أما الطامة الكبرى فهي عندما يكون الجعل من الحاكم فقط، وهذه هي المرتبة الرابعة والتي هي . اليوم، فكل عمل عسكري لابد وأن يكون تحت إشراف وإنفاق الدولة حتى لا تتزعزع أركان حكمها ولتحكم بما أرادت، وبالطبع فإنها لن تحكم بما أنزل الله لأن ذلك سيخالف أهواء من هم في الحكم، والأمثلة على هذا كثيرة من بشار الأسد القذر إلى معمر القذافي الأخرق، وفيما بين هاذين المعتوهين أطياف عجيبة من الحكام المسلمين من زين العابدين بن علي الذي حارب حجاب المرأة في تونس، إلى سلطان بروناي الذي لا يعلم ما يفعل بأموال النفط التي هي أصلاً شرعاً لمن حازها من المسلمين والتي استولى عليها هذا السلطان بمنع المسلمين من احتيازها من خلال حدود دولية من صنع غير المسلمين وسيأتي نقد هذا الوضع في فصل ابن السبيل» بإذن الله). قاتلهم الله، فكيف استمروا في الحكم إلا لأن العمل العسكري أصبح وظيفة ولأنهم هم الذين يوظفون الناس فيختارون من يطيعهم. إن هذا القبول للعمل العسكري مقابل أخذ المال من السلطان أصبح عرفاً فقهياً منتشراً حتى في العصور الأولى، وبهذا أصبح العمل العسكري سلعة، وهو ما سيأتي بيانه بإذن الله، ولكن قبل ذلك لابد من التنويه على أن ما حاولت إثباته من أن العمل العسكري في الإسلام عبادة لا يعني قط منع السلطان من استئجار من يحتاجونهم المسلمين في غزوهم (من غير المقاتلين مثل مرشدي الطرق أو العيون الذين يأتون بالأخبار وما شابه، فهؤلاء يصح بإجماع أهل العلم الاستعانة . فقد قال ابن قدامة موضحاً أثابه الله:
بهم
«فصل: ويجوز للإمام ونائبه أن يبذلا جعلاً لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين مثل طريق سهل أو ماء في مفازة أو قلعة يفتحها أو مال يأخذه أو عدو يغير عليه أو ثغرة يدخل منها. لا نعلم في هذا خلافاً لأنه جعل في مصلحة فجاز كأجرة الدليل. وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الهجرة من دلهم على الطريق. ويستحق الجعل بفعل ما جعل له الجعل فيه، سواء كان مسلماً أو كافراً من الجيش أو من غيره. فإن جعل له الجعل مما في يده وجب أن يكون معلوماً لأنها جعالة بعوض من مال معلوم، فوجب أن يكون معلوماً كالجهالة في رد الآبق.
.....
حا
التسليع : الماحوز والطوى
🗏
قبل البدء في توضيح التسليع لابد من عدة توضيحات: الأول هو أن الجعل لا يعني فقط دفع رجل المال لآخر ليخرج المدفوع له المال للغزو، بل قد يعني أيضاً العكس. أي أن الجعل قد يعني أيضاً دفع المال ممن يود الخروج للغزو ولا يجد له مكاناً في الديوان، فيدفع مالاً لمن هو في الديوان ليخرج للغزو مكانه. وهذا الوضع المعكوس نادر الحدوث، وهذا ما تستنبطه من تعريف ابن منظور السابق من قوله: «أو يدفع المقيم إلى الغازي شيئاً فيقيم الغازي ويخرج هو» ، وكذلك من قول ابن عمر رضي الله عنهما : « ولا أبيع أجري من الجهاد»، وذلك من حديث ابن سيرين الذي مر بنا: «أن ابن عمر ذكروا عنده الجعائل فقال: لا أغزوا على أجر ولا أبيع أجري من
الجهاد».
والتوضيح الثاني هو بيان المقصود بكل من التعبيرين: الماحوز والطوى والطوى تأتي بالياء المقصورة وبالمد، أي طوى، وطوا). كما ذكرت سابقاً فقد ظهر ديوان الجند كسجل توضع فيه أسماء المقاتلين ومقدار ما يأخذوه من عطاءات أو أرزاق إما شهرية أو نصف سنوية أو سنوية أو ما شابه. وبهذا فإن هذه السجلات هي وسيلة إدارية للتحكم في دفع الأموال للمقاتلين. ولأن العالم الإسلامي كان متسعاً، فقد كان لكل منطقة سجلها أو ديوانها الخاص بها، مثل ديوان خاص بمصر وآخر للشام وهكذا. ولعل هذه الدواوين تتفرع أيضاً لدواوين أخرى لمناطق أكثر تحديداً. وهذه المناطق الأكثر تحديداً عرفت بالماحوز، ولأن المقاتلين يرغبون في التنقل من مكان لآخر لأسباب كثيرة منها أنهم يريدون الهجرة من مصر إلى الشام أو العكس لأسباب أسرية، أو لعدم قناعتهم بالقائد الذين يجاهدون معه، أو لأن هناك موقعاً أكثر إثارة في القتال أو ما شابه من أسباب، فقد ظهرت فكرة الطوى، وهي المبادلة بين من هم في الدواوين، فيحاول مقاتل ما أن ينتقل من الديوان أو الماحوز الذي هو فيه إلى مكان مقاتل آخر في ماحوز أو ديوان آخر مقابل بعض المال أحياناً. وللتوضيح لننظر أولاً لبعض النصوص التي توضح التعبيرين: جاء في «لسان العرب»:
هامش
حـ٤) وتكملة ما جاء في النص: «وإن كان الجعل من مال الكفار جاز حتى يفتح القلعة، لأن جعالة شيء منه اقتضت اشتراط فتحها، فإذا أن يكون مجهولاً جهالة لا تمنع التسليم ولا تفضي إلى التنازع ، لأن النبي فتحت القلعة عنوة سلمت إليه إلا أن تكون قد أسلمت قبل الفتح، صلى الله عليه وسلم جعل للسرية الثلث والربع مما غنموه، وهو فإنها عصمت نفسها بإسلامها، فتعذر دفعها إليه، فتدفع إليه قيمتها، مجهول لأن الغنيمة كلها مجهولة، ولأنه مما تدعو الحاجة إليه. والجعالة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن إنما تجوز بحسب الحاجة. فإن جعل له جارية معينة إن دله على قلعة من جاء مسلما رده إليهم، فجاء نساء مسلمات منعه الله من ردهن. يفتحها مثل أن جعل له بنت رجل عينه من أهل القلعة لم يستحق شيئا ...». لقد وضعت تكملة النص في الحاشية (٢٠٩).
الديوان
٦٤٧
«في الحديث: فلم نَزَل مفطرين حتى بلغنا ماحوزَنا؛ قيل: هو موضعهم الذي أرادوه، وأهل الشام يسمون المكان الذي بينهم وبين العدو وفيه أساميهم ومكاتبهم : ماحوزاً. وقيل: هو من حُزْتُ الشيء، أحرزته، وتكون الميم زائدة».
وجاء في «مواهب الجليل»:
۲۱۰
«والمواحيز: بالحاء المهملة النواحي جمع ماحوز . قال في المدونة في كتاب الجهاد: ولا بأس بالطوى من ماحوز إلى ماحوز أن يقول لصاحبه: خذ بعثي وآخذ بعثك. قال أبو الحسن: قوله: ماحوز إلى ماحوز، أي من ناحية إلى ناحية قال عبد الحق والطوى المبادلة، انتهى»
وجاء في «الذخيرة»:
۲۱۱
«وفي التنبيهات الطوا بفتح الطاء والواو مقصور والماحوز بالحاء المهملة والراء المعجمة، وفي النكت الماحوز الموضع الذي يرابط فيه نحو الإسكندرية والمنستير. والطوا المبادلة، فإذا كتب الإمام بعضهم للخروج إلى جهة وبعضهم إلى جهة أخبر [أخرى] فيجوز أن يخرج هذا لثغر هذا وهذا لثغر هذا. وفي الكتاب يجوز جعل القاعد للخارج من أهل ديوانه لأن عليهم سد الثغور».
وجاء في «الشرح الكبير»:
۲۱۲
عطاء
وجاز، جعل، بضم الجيم، من قاعد يدفعه لمن يخرج عنه للجهاد، وسواءً كان الجعل هو . الجاعل من الديوان أو قدراً معيناً من عنده إن كانا أي الجاعل والخارج عنه، بديوان واحد، أي بأن كانا من أهل عطاء واحد، كديوان مصر فإنه واحد وإن اختلفت أنواعهم كمتفرقة وجراكسة وجاويشية. وأهل الشام أهل ديوان واحد، وأهل الروم أهل ديوان، فلا يخرج شامي عن مصري، ويشترط أيضاً أن تكون الخرجة واحدة ولم يعين الإمام شخص الخارج، وأن يكون الجعل عند حضور الخرجة، أي صرفها لأهل الديوان والسهم للقاعد لا للخارج، واستظهر ابن عرفة أنه لهما کمال تنازعه اثنان، فتأمل». ۲۱۳
لعلك لاحظت من أول النص الأخير أنه يجيز أن يدفع إنسان ما أخذه من جعل من الديوان لرجل آخر ليخرج مكانه بنفس الجعل، ولكن في الوقت ذاته فإن النص لا يجيز خروج فرد مكان فرد آخر في ديوان آخر، وهكذا من شروط لا تدري من أين أتت مثل قوله: ويشترط أيضاً أن تكون الخرجة واحدة ولم يعين الإمام شخص الخارج ...»؟ فهذه الشروط لا دليل عليها من القرآن الكريم أو السنة المطهرة، وهذا أمر متوقع لأن الديوان في ذاته مؤسسة مستحدثة على الأمة. أي ولأن الديوان مستحدث، فلابد من استحداث أحكام لتسيير خطوات عمل الديوان كمؤسسة. وكأي مؤسسة تضع لنفسها الأنظمة التي تريد أن تسير عليها فإن من المفترض بالجنود وذويهم أن يتبعوا هذه الأنظمة، ولكن كأي أنظمة أخرى تتم مخالفتها تجد أن الجنود سيحاولون تخطي هذه الأنظمة. فكما سترى مثلاً من الاقتباسات الآتية بإذن الله فإن الانتقال من ديوان لآخر كان أمراً منتشراً بين الجند مقابل تنازلات مالية لبعضهم البعض. أي وكأن موقع المقاتل في الديوان أصبح حقاً مكتسباً له، وله الحق إذا أن يتنازل عنه لآخر مقابل مبلغ مالي تحدده آلية العرض والطلب بين الجنود الكثر. أي أن المواقع في الديوان أصبحت سلعة، لهذا ظهرت أسئلة فقهية عن مدى جواز ذلك. وسأركز الآن على المذهب المالكي لأن الإمام مالك رحمه هو الذي كره النفل، وهو الذي كره أن يؤاجر الرجل نفسه أو ابنه في سبيل الله، وهو الذي كره أن يعطي الوالي الجعل على أن يتقدم إلى
الله
٦٤٨ 🗏
الحصن فيقاتل. والحكمة من التركيز على المذهب المالكي هو أنه لابد وأن يكون فقهاء المذهب المالكي أكثر تقييداً لأنظمة الديوان لكراهتهم لأخذ المال عموماً والذي قد يؤثر في النية، إلا أنهم مع ذلك أجازوا الجعل إن كان من السلطان. تأمل الاقتباس ،الآتي، فقد جاء في الكافي لابن عبدالبر:
«باب الجعالة على الغزو : وقال مالك في الجعائل في البعوث وهو أن يجعل القاعد للخارج: مضى الناس على ذلك ولا بأس به إذا كانوا من أهل ديوان واحد لأن عليهم سد الثغور، وكرهه إذا لم يكونوا من ديوان واحد. ومعنى قول مالك هذا أن يقول الرجل لصاحبه من ديوانه خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا وكذا ونحو هذا. وكره مالك أن يؤجر الرجل نفسه أو فرسه في سبيل الله. وكره أن يعطيه الوالي الجعالة على أن يتقدم إلى الحصن فيقاتل. ولا يكره لأهل العطايا نفسه ما أخذ على هذا الوجه. وكرهت طائفة من أهل المدينة وغيرهم الجعائل، فلا يجوز عندهم أن يغزو واحد بجعل يأخذه من قاعد متخلف لأن الغازي مستحق سهما من الغنيمة دون الذي أعطاه، فكيف يجب له جعل فيما يفعله بنفسه ودينه ودنياه والجهاد فرض ومن فعله فإنما أدى فرضه، وإذا جاءت الضرورة جازت المعاونة لا على وجه الاستئجار ولا على أخذ بدل من الغزو، فمن أخذ جعلاً رده وأسهم له. ويجوز أخذ الجعل من السلطان لأنه شئ من حق الغازي يأخذه ولا بأس أن يستأجر الغازي يغزو معه ولا حرج على من آجر نفسه منه» . .
٢١٤
الله عليه
إن أول ملحوظة على الاقتباس السابق هو أنه يستخدم عبارة : مضى الناس على ذلك». وكما هو معلوم فإن «عمل أهل المدينة» يعتبر مصدراً من مصادر استنباط الأحكام عند الإمام مالك. وهنا نرى أن الإمام مالك يستند إليه لأن أخذ الجعل أصبح مألوفاً في المدينة المنورة، ولأن الإمام مالك كان قريباً لعصر الرسالة، فلابد وأن يكون لعمل أهل المدينة التي عاش بها الإمام مالك رحمه الله وزناً معتبراً في استنباط الأحكام. هذا قول سديد في معظم الأحكام إلا في الديوان، لأن عمل أهل المدينة في هذه المسألة كان يتبع سنة أتت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم (كما وضحت مراراً لأهميته)، فبرغم أن أخذ الجعل من السلطان لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه أصبح عملاً مألوفاً لأهل المدينة بعد سواد العراق وكما مر بنا في بيان الجعل فإن الجعل عمل أقره الرسول صلى وسلم إن كان بين الناس وليس إن كان مالاً يؤخذ من السلطان. ولكنك هنا ترى أن جواز الجعل انسحب على ما يدفعه السلطان أيضاً بقول ابن عبد البر موضحاً: ومعنى قول مالك هذا أن يقول الرجل لصاحبه من ديوانه خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا وكذا ونحو هذا». هل رأيت كيف تحول العمل العسكري إلى سلعة؟ والمحير في الاقتباس السابق هو أن ابن عبد البر يدرك تماماً فرضية الجهاد وأنه عبادة من قوله: «فكيف يجب له جعل فيما يفعله بنفسه ودينه ودنياه؟ والجهاد فرض ومن فعله فإنما أدى فرضه». ويدرك أيضاً كراهة مالك لأخذ المال مقابل العمل العسكري، ومع ذلك يجيز أخذ الجعل إن كان من السلطان لأنه حق للغازي بقوله: «ويجوز أخذ الجعل من السلطان ...». ثم لنقرأ الاقتباس الآتي من «الذخيرة»، يقول القرافي رحمه الله:
«البحث الخامس في الدواوين وما يتعلق بها يروى أن من أول من دون الدواوين في الإسلام عمر رضي الله عنه، وفي الكتاب لا بأس بكتابة الرجل اسمه في ديوان مصر أو الشام أو غيرهما، فإن تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء فأعطى أحدهما الآخر مالاً ليترك له ذلك الاسم قال ابن القاسم: لا يجوز لقول مالك : لا يجوز بيع الزيادة في العطاء بعرض، ولأن المعطي إن كان صاحب الاسم فقد أخذ الآخر حراماً، وإن كان غيره فقد باع ما لم يعلم. قال ابن يونس: إذا لم يعلم ذلك تحالفا واقتسماه إن
الديوان
٦٤٩
رآه الإمام، ولو كان المتنازع فيه الخروج وليس عطاءً ثابتاً أخرج الإمام أيهما شاء وأعطاه ذلك، ومراده في الكتاب الأعطية الثانية، وفي الكتاب : وقد وقف عمر رضي ا الله عنه والصحابة بعده الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين وفرضوا منه للمقاتلة والعيال والذراري، فهو سنة لمن بعدهم، فمن افترض فيه ونيته الجهاد جاز. قال ابن جرير أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يرعون. وقال مکحول: روعات البعوث تنفي رواعات يوم القيامة. قال اللخمي المستحب أن لا يأخذ أجراً ويغزو لله تعالى خالصاً، فإن أخذ من الديوان جاز إذا كانت جهة تجوز ، وإذا أراد رجلان أن يتطاويا وهما من ماحوزين فيرجع كل واحد منهما إلى ماحوز صاحبه جاز إذا أراد ذلك عرفاؤهم».
:
٢١٥
تلحظ في أول النص أنه لا يجيز تنازل فرد لآخر مقابل مال مدفوع إن تنازعا في «اسم مكتوب في العطاء». ولكن لأن رغبات الجند ملحة، ولأن من يوضع اسمه في ديوان ما فإنه سيستمر لفترة طويلة في ذلك الديوان، فمن المجدي حينئذ أن يحاول جندي ما الانتقال إلى ديوان أو ماحوز آخر. فإن استثمر زيد بدفع مال ليأخذ مكان عبيد في ديوان آخر لسبب من الأسباب (كأن يكون القائد في ذلك الماحوز أفضل خلقاً أو لأن موقع الماحوز أكثر ملائمة له كأن يكون في مناطق باردة وما شابه من تفضيلات شخصية)، فإن هذا يعد استثماراً جيداً لزيد مقابل مبلغ مقطوع يدفعه لعبيد ليتنازل له عن موقعه هذه الرغبات التي تدفع المقاتلين للحصول على أفضل موقع يلائمهم أحدث سوقاً بين المقاتلين للتنقل من ديوان أو ماحوز لآخر. وهذا أمر منطقي لأنه متى ما وجدت أعيان أو مواقع أو ما شابه مما تحاز، فإن التنازل عنها لآخرين سيكون إما مقابل أجر أخروي أو مال دنيوي. وكلما ازدادت حركة التنازلات مالياً بين الجند كلما دل ذلك على أن الآخذين للمال مقابل التنازل هم أقل تقى. أي أن انتشار انتقال الجند من ماحوز لآخر مقابل المال لهو دليل على أن أفراد الجيش ليسوا من الأتقياء الذين سيأتي النصر على أيديهم لأن بعضهم تنازل عن موقعه في الديوان مقابل المال، وهكذا تتغير النيات في الإخلاص. أي أنهم في الغالب ليسوا ممن قال الله تعالى فيهم : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفُ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ ٢١٦ وهذا ما حاولت إثباته فيما سبق من هذا الفصل، لذلك ترى أن النص السابق يحاول تحجيم الطوى بين الجنود مقابل تنازل مالي. إلا أن الفقهاء لن يتمكنوا من ذلك لأن الجند سيفعلون ذلك لحاجة بعضهم للطوى، كحاجة المقاتل أن يكون بالقرب من أهله، لذلك سيستثمر في دفع مال لجندي آخر ليأخذ مكانه ودون إشعار السلطات أنه فعل ذلك مقابل المال أحياناً، بل وكأنه إنما فعل ذلك تطوعاً، وبهذا قد تتغير النيات في الإخلاص. لذلك ظهرت الأسئلة الفقهية حول جواز الأخذ في الطوى من عدمه.
لعلك لاحظت أن معظم النصوص التي تحدثت عن الديوان تؤكد على أن الديوان مستحدث كما هو واضح من قوله: «فهو سنة لمن بعدهم من النص السابق الذي يقول: «وقد وقف عمر رضي الله عنه والصحابة بعده الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين وفرضوا منه للمقاتلة والعيال والذراري، فهو سنة لمن بعدهم، ...»، ولكن في الوقت ذاته وبرغم أن الديوان مستحدث فقد تغلغل في الفقه الإسلامي لدرجة أن جريراً قال: بأن «أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة». وجاء في مصنف عبد الرزاق عن الثوري عن جابر قال: «سألت الشعبي عن الغزو وعن أصحاب الديوان أفضل أو المتطوع؟ قال : بل أصحاب الديوان المتطوع متى شاء رجع» . ۲۱۷ وفي مثل هذه الأقوال مؤشر قوي
٦٥٠ 🗏
على مدى تغلغل الديوان كمؤسسة في الإسلام. فكيف يمكن أن يكون الجندي الذي يأخذ العطاء من السلطان أفضل ممن تطوع وخرج بنفسه وماله؟ هذه معادلة لم أتمكن من فهمها قط. فماذا عن الحديث المشهور والذي رواه ابن عباس في مسند الإمام أحمد من أن أجر الذي خرج بنفسه وماله هو الأكثر. فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب الى الله عز وجل من هذه الأيام، يعني أيام العشر. قال: قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء). ٢١٨ أي لقد تغلغل الديوان عميقاً في الشريعة برغم أنه مستحدث لدرجة أن الجميع قبله دون رفض. وهذا ما أحاول دحضه بإذن الله من كل هذا التقصي للحق:
۲۱۸
ولأن الفقهاء لم يعارضوا أخذ الجعل من الحاكم فقد كان عليهم أن يجيبوا على الكثير من الأسئلة التي تظهر کنوازل جراء قيام الجند بأفعال ما أنزل الله بها من سلطان. مثال ذلك الاقتباس الآتي والذي ترى فيه بوضوح الأسئلة التي يحاول الفقيه الإجابة عليها. فماذا يحدث إن حاول شخص الانتقال من ماحوز إلى آخر ثم آخر ثم آخر لیکسب بعض المال من كل انتقال؟ جاء في «الذخيرة»:
«قال يحيى بن سعيد: لا بأس في الطوا أن يقول لصاحبه وآخذ بعثي وخذ بعثك وأزيدك وكذا وكذا، وكراهة شريح قبل الكتبة أما بعدها فهو جائز إلا لمن انتصب ينتقل من ماحوز إلى ماحوز، يريد الزيادة في الجعل. قال ابن يونس : أما إذا لم يتقدم كتبه قلم يجد عليهما خروج فلا فائدة في الإعطاء. قال التونسي: إذا سمى الإمام رجلاً فلا يجعل لغيره الخروج عنه إلا بإذن الإمام. وإذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة وأعطى بعضهم لبعض جاز. ولو قال: يخرج جملة بعث الصيف، فجعل بعضهم لمن بعثه في الربيع لم يجز إلا بإذن الإمام لأنه قد عين، وهذا جائز إلا لمن أوقف نفسه يلتمس الربح متى وجده خرج فمكروه. وأما إذا قال: خذ بعثي وآخذ بعثك، قبل وقت الخروج، فهو الدين بالدين. قال ابن عمر رضي الله عنهما : من أجمع على الغزو فلا بأس بأخذه ما يعطى. وقال مالك: لا بأس بالكراء في الغزو إلى القفول من بلد العدو وتوسعة على الناس لأن غزوهم معروف».
.
۲۱۹
تلحظ في الاقتباس السابق أن يحيى بن سعيد ذهب إلى أنه لا بأس في الطوا. وهذا القول نقيض ما ذهب إليه ابن القاسم أخذاً بقول الإمام مالك كما رأينا في النص الأسبق ولكن دون أي دليل. كما تلحظ أيضاً أن الاقتباس يرجع لأقوال مثل قول لابن عمر رضي الله عنهما، وهنا سيتردد معظم الدارسين من نقد ما ورد في النص لأنه يستشهد بقول لعبد الله بن عمر. لكن إن تمعنت في ما قاله ابن عمر تجد أنه لا ينطبق على الاستنباط، فقول ابن عمر لا يعني بالضرورة جواز الأخذ مقابل الطوى. ولعل الملحوظة الأهم هي أن النص السابق يعج بالعبارات مثل: لا بأس، وكرهه ومكروه، وجاز ، ولم يجز، وجائز، ولكن لا دليل على هذه الأقوال، لماذا؟ لأن الديوان مؤسسة مستحدثة، فلا دليل من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأحكام، بل هي اجتهادات. وكما أكرر دائماً، يجب ألا نلوم الفقهاء، فهم قد ورثوا هذه المؤسسة التي ظنوا أنها شرعية وعليهم أن يجدوا ويجتهدوا لإيجاد الحلول الشرعية لما تفرزه من نوازل اقرأ النص الآتي من المدونة الكبرى» لترى نفس الملحوظات على النص السابق:
«في الديوان قلت أرأيت الديوان، ما قول مالك فيه؟ قال: أما مثل دواوين أهل مصر وأهل الشام وأهل المدينة، مثل دواوين العرب فلم ير مالك به بأساً وهو الذي سألناه عنه . . . قلت: أرأيت الرجلين يتنازعان في اسم في العطاء مكتوب، فأعطى أحدهما صاحبه مالاً على أن يبرأ من الاسم إلى صاحبه،
الديوان
أيجوز ذلك؟ قال : قال مالك في رجل زيد في عطائه فأراد أن يبيع تلك الزيادة بعرض أنه لا يجوز ذلك، فكذلك ما أصطلحا عليه أنه غير جائز لأنه إن كان الذي أعطاه الدراهم أخذ غير اسمه فلا يجوز شراؤه، وإن كان الذي يعطي الدراهم هو صاحب الاسم فقد باع أحدهما الآخر بما لا يحل له، فإن كان الآخر هو صاحب الاسم فلا يجوز له لأنه لا يدري ما باع أقليلاً بكثير أم كثيراً بقليل، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه، فهذا الغرر لا يجوز. قال سحنون قال لي الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو الأوزاعي يقول : أوقف عمر بن الخطاب وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الفيء وخراج الأرض للمجاهدين، ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية، فصار ذلك سنة لمن بعده، فمن افترض فيه ونيته الجهاد فلا بأس بذلك. قال سحنون قال الوليد وحدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر عن القاسم بن عبد الرحمن عن رجل قال: عرضت علي الفريضة فقلت: لا أفترض حتى ألقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيت أبا ذر فسألته فقال لي: افترض فإنه اليوم معونة وقوة، فإذا كان ثمناً. عن دين أحدكم فاتركوه. قال سحنون: قال الوليد بن مسلم: وحدثني خليد عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن أبي ذر مثله. قال سحنون قال الوليد بن مسلم الدمشقي وأخبرني بن لهيعة عن بكر بن عمرو المعافري عن عبد الله بن محيريز أن أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال سحنون قال الوليد وأخبرني يحيى بن مسيك أنه سمع مكحولا يقول: روعات البعوث تنفي روعات القيامة. قال سحنون: قال الوليد بن مسلم وأخبرني مسلمة بن علي عن خالد بن حميد
مثله».
۲۲۰
تلحظ في النص السابق أيضاً في الثلث الأول منه أن الأحكام التي أطلقت بالقول يجوز أو لا يجوز هي إبداع اجتهادي موفق إن كانت مؤسسة الديوان مؤسسة شرعية. ولكن الديوان كما حاولت الإثبات ليس كذلك، فهو مؤسسة مبتدعة، لذلك فإن الأحكام التي ستحتاج إليها هذه المؤسسة لما ستفرزه من نوازل لابد وأن تكون متضاربة. لضرب مثال واحد: تذكر ما مر بنا في فصل «دولة الناس» أخي القارئ: فقد ظهر خلاف فقهي عجيب عن الأرض الخراجية ما الذي سيحدث إن أسلم صاحب الأرض الخراجية، أو اشتراها مسلم، هل عليه دفع العشر والخراج معاً أم يسقط عنه الخراج؟ وقد بينت أن هذا الوضع العجيب نتج بسبب عدم تطبيق مقصوصة الحقوق، ذلك لأن الأرض المغنومة لم تقسم واعتبرت ملكاً لعموم المسلمين. وهكذا بالمثل، فقد ظهرت أسئلة فقهية عجيبة وجب الرد عليها لأن الديوان أصبح مؤسسة مؤسلمة. لتتأكد من هذا الاستنباط أريدك أن تركز في قراءة النص الآتي من «المدونة الكبرى»، فهو أشمل من السابق وقد نجح فيه سحنون رحمه الله وأثابه في إحراج ابن القاسم من خلال الأسئلة المتتالية لأنه شعر بوجود تناقض ما والله أعلم. لنقرأ النص أولاً ثم نعلق عليه. سأل سحنون:
«قلت: أرأيت الجعائل في البعوث أيجوز هذا أم لا في قول مالك؟ قال: سألنا مالكاً عن هذا فقال لا بأس به. لم يزل الناس يتجاعلون بالمدينة عندنا، يجعل القاعد للخارج. قال: فقلنا لمالك: ويخرج لهم العطاء؟ قال مالك: ربما خرج لهم وربما لم يخرج لهم. قلت: فهذا الذي ذكر مالك أنه لا بأس به، فالجعائل بينهم لأهل الديوان منهم؟ قال: نعم. قلت : فلو جعل رجل من أهل الديوان لرجل من غير أهل الديوان شيئاً على أن يغزو عنه؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئاً ولا يعجبني. قال: ولقد سألنا مالكاً عن الرجل يأتي عسقلان وما أشبهها غازياً ولا فرس معه. فيستأجر من رجل من أهلها فرساً يغير عليه أو يرابط عليه ؟ فكره ذلك ولم يعجبه أن يعمد رجل في سبيل الله معه فرس فيؤاجره. قيل : فالقوم يغزون فيقال لهم: من يتقدم إلى الحصن وما أشبهه من الأمور التي يتعب فيها نفسه وله كذا وكذا. فأعظم ذلك وابتدأنا فيه بالكراهية من أن يقاتل أحد على مثل ذلك هذا أو يسفك فيه دمه.
لمالك:
٦٥٢ 🗏
قلت: أرأيت الذي قلت لي إن مالكاً كره للرجل يكون بعسقلان فيؤاجر فرسه ممن يحرس عليه، لا يشبه الذي جعل لغيره على الغزو؟ فقال: هذا أيسر عندي في الفرس منه في الرجل، ألا ترى أن مالكاً قال: يكره للرجل أن يؤاجر فرسه في سبيل الله، فهو إذا آجر نفسه هو أشد كراهية. ألا ترى أن مالكاً قد كره للذي يعطيه الوالي على أن يُقَدَّمَ للحصن فيعاض فكره له على هذا الجعل فهذا يدلك. قلت : فلم جوز مالك لأهل العطاء يتجاعلون بينهم ؟ قال : ذلك وخدماتهم لأنها مباعث مختلفة، وإنما أعطوا أعطياتهم على هذا وما أشبهه، فأهل الديوان عندي مخالفون لمن سواهم. قال: والذي يؤاجر نفسه في الغزو إن ذلك لا يجوز في قول مالك وهو رأيي أنه لا يجوز. وأما أهل الديوان فيما بينهم فليس تلك إجارة، إنما تلك جعائل لأن . سد الثغور عليهم، وبهذا مضى أمر الناس. ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن عمرو المعافري عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: لا بأس بالطوى من ماحوز إلى ماحوز إذا ضمنه الإنسان ابن وهب عن ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد قال في الطوى: لو أن رجلاً قال الرجل: خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك ديناراً أو بعيراً أو شاة فلا بأس به، وقال الليث مثله. ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح :قال يكره من الطوى أن يعقد الرجلان الطوى قبل أن يكتتبا في البعثين اللذين يتطاويان فيهما ، وذلك أن يقول الرجل للرجل قبل الطوى: اكتتب في بعث كذا وكذا وأنا أكتتب في بعث كذا وكذا، ثم يتعاقدان على ذلك . وأما الطوى بعد الكتابة فلم أسمع أحداً ينكر ذلك إلا الرجل الذي يقف نفسه ينتقل من ماحوز إلى ماحوز التماس الزيادة في الجعل. ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عكرمة أنه كان يقول: لا نرى بأساً بالطوى من ماحوز إلى ماحوز سحنون، قال الوليد : وحدثني أبو عمرو الأوزاعي وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز التنوخي عن مكحول أنه كان لا يرى بالجعل في القبيلة بأساً. قال ابن جابر: سمعت مكحولاً وهو يقول: إذا هويت المغزى فاكتتبت فيه، ففرض لك فيه جعل فخذه، وإن كنت لا تغزو إلا على جعل مسمى فهو مكروه. قال ابن جابر : فكان مكحول إذا خرجت البعوث أوقع اسمه في المغزى بهواه، فإن كان له فيه جعل لم يأخذه، وإن كان عليه أداه. قال الوليد: وحدثني ابن لهيعة عن ابن ميسرة عن علي بن أبي طالب أنه قال في جعيلة الغازي: إذا جعل رجل على نفسه غزواً فجعل له فيه جعل فلا بأس به، وإن كان إنما يغزو من أجل الجعل فليس له أجر . ابن وهب عن ابن لهيعة عن حيوة بن شريح عن حصين بن علي الأصبحي عن الصحابة أنهم قالوا يا رسول الله، أفتنا عن الجاعل والمجتعل في سبيل الله ؟ فقال : اللجاعل أجر ما احتسب وللمجتعل أجر الجاعل والمجتعل). ابن وهب عن الليث بن سعد أن قيس بن خالد المدلجي يحدث عن عبد الرحمن بن وعلة الشيباني أنه قال: قلت لعبد الله بن عمر: إنا نتجاعل في الغزو فكيف ترى؟ قال عبد الله بن عمر: ر: أما أحدكم إذا أجمع على الغزو فعرضه الله رزقاً فلا بأس بذلك. وأما أحدكم إن أعطي درهماً غزا و إن منع درهماً مكث فلا خير في ذلك. حيوة بن شريح عن زرعة بن معشر عن تبيع أن الأمداد قالوا له: ألا تسمع ما يقول لنا الربطاء؟ يقولون: ليس لكم أجر لأخذكم الجعائل. فقال: كذبوا والذي نفسي بيده، إني لأجدكم في كتاب الله كمثل أم موسى أخذت أجرها وآتاها الله ابنها ابن وهب عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجيلي وعمرو بن بكر عن تبيع مثله سحنون عن الوليد قال: أخبرني أبو بكر عن عبد الله بن أبي مريم عن عطية بن قيس الكلابي قال: خرج على الناس بعث في زمن عمر بن الخطاب غرم فيه القاعد مائة دينار».
۲۲۱
حتى تتمكن أخي القارئ من متابعة التوضيح الآتي للإقتباس السابق أقترح عليك إعادة قراءة الاقتباس السابق أولاً بأول وأنت تقرأ الآتي: لقد بدأ النص بتوضيح جواز الجعل في البعوث. فهل يعني هذا أن يأخذ الخارجون للجهاد الأموال من السلطان أم من أناس آخرين مقتدرين؟ إنها تعني الاثنين: فالبعوث هي الجماعات من الأفراد
الديوان
٦٥٣
الذين فرض عليهم القتال. وقد تكون هذه الجماعات مدعومة مالياً من السلطان من خلال العطاءات (أو الرزق، وهي ما يدفع شهرياً للمقاتلين)، وعندها كما مر بنا فإن بعض من يأخذون العطاءات قد يجعلون لبعض القاعدين جعلاً ليخرجوا عنهم. وقد تكون البعوث أيضاً من غير عطاءات أو أرزاق، كيف؟ لأن معظم من في المجتمع كانوا يأخذون من أموال الفيء لأنهم كانوا في ديوان العطاء باستثناء العبيد أحياناً : فقد قسمت أموال الفيء بين الناس إما بالتساوي كما فعل الخليفة الصديق رضي الله عنه، أو بالتفاضل كما فعل الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه كما مر بنا، لذلك، ولأن الناس كانوا يأخذون من أموال الفيء، كان عليهم الخروج للجهاد إن وضعوا في البعوث. فإن لم يخرج أحدهم لعذر ما فعليه أن يجعل جعلاً لقاعد ما ليُخرجه، لدرجة أنه بلغ ما غرم من أراد التخلف في أيام عـ في أحد البعوث مائة دينار كما هو موضح في آخر الاقتباس، وفي هذا إشارة إلى ندرة من يقبلون أخذ الجعل في زمن الصحابة لأن الكل كان يحاول ألا يتخلف. ولكن مع مرور الزمن، والله أعلم، ازداد المتخلفون الذين يمكن استئجارهم للعمل العسكري حتى عصر الإمام مالك الذي وصف الظاهرة قائلاً: «لم يزل الناس يتجاعلون بالمدينة عندنا يجعل القاعد للخارج». والسبب في قولي أن الجعل قد يكون إما من السلطان أو من الناس هو إجابة مالك على سؤال ابن القاسم: ويخرج لهم العطاء؟»، بالقول: «ربما خرج لهم وربما لم يخرج لهم».
عمر
يظهر أن سحنون كان متحيراً في الجعل إن كان من رجل في الديوان لرجل آخر من غير الديوان. فكيف يكون رجل في الديوان ويأخذ العطاءات ثم لا يخرج للقتال ويدفع جعلاً لرجل آخر يخرج مكانه؟ لذلك تجده يسأل ابن القاسم سؤالين بطريقة ذكية ليصل إلى الجواب السؤال الأول هو : فهذا الذي ذكر مالك أنه لا بأس به، فالجعائل بينهم لأهل الديوان منهم؟». ؟». فكانت الإجابة بنعم. ثم سأل مرة أخرى لما يحيره: «فلو جعل رجل من أهل الديوان لرجل من غير أهل الديوان شيئاً على أن يغزو عنه؟». فكانت الإجابة أن ابن القاسم لم يسمع الإجابة من مالك وأن هذا وضع لا يعجبه لأنه سأل مالكاً عن الرجل يأتي عسقلان وما أشبهها غازياً فيستأجر فرساً مثلاً، فكرهه مالك. تلحظ أخي القارئ من السؤال والإجابة عليه بالكراهة بأن الجعل من رجل في الديوان لآخر من غير الديوان، أن هذا الفعل كان أمراً واقعاً ومنتشراً بين الناس وليس وضعاً مفترضاً سأل . عنه سحنون بدليل أنه لم يعجب ابن القاسم. أي أن الجهاد أصبح سلعة.
ونظراً لكراهة مالك رحمه الله للعمل العسكري مقابل المال فقد كان فقهاء المالكية أثابهم الله على حذر دائم من كل عمل عسكري مقابل المال. لذلك عندما سئل مالك عمن يتقدم إلى الحصن وما أشبهه من الأمور التي يُتعب فيها المقاتل نفسه ووعده السلطان بجعل ما كانت إجابة مالك بالكراهية من أن يسفك مجاهد فيه دمه. هنا وكأن سحنون والله أعلم احتار فسأل ابن القاسم عن تناقض بعد إجابتين لسؤالين: الإجابة الأولى هي أن تأجير النفس أشد كراهة لأن مالكاً كره أن يؤاجر الرجل فرسه ممن يحرس عليه، فما بالك بتأجير نفسه. والإجابة الثانية هي أن الجعل مكروه لمن يعطيه الوالي على أن يُقَدَّمَ للحصن. هاتان الإجابتان جعلتا سحنون يسأل وكأنه متعجب بقوله: «فَلِمَ جوز مالك لأهل العطاء يتجاعلون بينهم؟». لقد أبدع سحنون بهذا السؤال الذكي، لأنه إن كره مالك الأعمال العسكرية مقابل المال، فلِمَ جوز الجعل بين أهل العطاء؟ فكانت إجابة ابن القاسم: «ذلك وخدماتهم لأنها مباعث مختلفة، وإنما أعطوا أعطياتهم على هذا وما أشبهه، فأهل الديوان عندي مخالفون لمن سواهم». هنا تلحظ في الإجابة أنها لا تعتمد على آية أو حديث، بل هو رأي بالجواز بالتعليل أن أهل الديوان يختلفون عمن
جميع
٦٥٤ 🗏
سواهم. ولكن لماذا
هم
مختلفون؟ ثم يستمر ابن القاسم في الإجابة لتعليل الاختلاف بالقول: «والذي يؤاجر نفسه في الغزو إن ذلك لا يجوز في قول مالك وهو رأيي أنه لا يجوز. وأما أهل الديوان فيما بينهم فليس تلك إجارة، إنما تلك جعائل لأن سد الثغور عليهم، وبهذا مضى أمر الناس». تلحظ التناقض بوضوح في التعليل وهو أن ابن القاسم يؤكد على عدم جواز تأجير الفرد لنفسه إلا أن التأجير لأهل الديوان لا يعتبر إجارة بل هو جعائل لأن سد الثغور على أهل الديوان. ولكن ما العلة في هذا التفريق، فكلاهما عمل مقابل المال؟ إن الإجابة تأتي من قول ابن القاسم: «وبهذا مضى أمر الناس». أي فقط لأن الناس تعارفوا على هذا الشيء فهو جائز. فكر أخي القارئ، فهل الإسلام هكذا أم أنه دليل من قال الله جل جلاله وقال أو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لقد نجح سحنون أثابه الله في استدراج ابن القاسم للحصول على إجابة لا تنتهي بدليل، بل بمضي أمر الناس. أي أن الدليل الوحيد هو تقليد الناس بعضهم لبعض، وهذه إحدى الإيجابيات الإشكالية التي تحدثت عنها في أول هذا الفصل.
ولإثبات التقليد يمر سحنون سريعاً على العديد من آثار السلف رضوان الله عليهم والتي تثبت جواز الجعل بين أهل العطاء. فيحدث مثلاً بأن ابن عباس كان يقول : لا بأس بالطوى من مأحوز إلى مأحوز إذا ضمنه الإنسان». ويخبرنا أن يحيى بن سعيد قال في الطوى: «لو أن رجلاً قال الرجل: خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك ديناراً أو بعيراً أو شاة فلا بأس به». وأن عكرمة كان يقول: «لا نرى بأساً بالطوى من مأحوز إلى مأحوز». وأن ابن جابر سمع مكحولاً يقول: «إذا هويت المغزى فاكتتبت فيه، ففرض لك فيه جعل فخذه، وإن كنت لا تغزو إلا على جعل مسمى فهو مكروه». ثم يوضح سحنون قول ابن جابر في فعل مكحول قائلاً: «فكان مكحول إذا خرجت البعوث أوقع اسمه في المغزى بهواه، فإن كان له فيه جعل لم يأخذه، وإن كان عليه أداه». وإن رجعت بذاكرتك أخي القارئ ستلحظ أن في معظم ما اقتبسته سابقاً، ما يعكس ورع السلف رضوان الله عليهم، فهم كانوا يفعلون كما فعل مكحول، أي إن أعطوا جعلاً تركوه أو أخذوه ليتقووا به لأن نياتهم كانت خالصة لله جل جلاله وليس للمتاجرة بما أخذوه لدفعه لغيرهم، وإن كان عليهم بعث دون جعل أدوه من خالص أموالهم. والسبب في ذلك هو محاولة إخلاص النية كما يظهر ذلك واضحاً فيما أورده سحنون من قول علي بن أبي طالب كرم وجهه في جعيلة الغازي إذا قال: «إذا جعل رجل على نفسه غزواً فجعل له فيه جعل فلا بأس به، وإن كان إنما يغزو من أجل الجعل فليس له أجر». وكذلك مما أورده سحنون من سؤال عبد الرحمن بن وعلة الشيباني لعبد الله بن عمر قائلاً: «إنا نتجاعل في الغزو فكيف ترى؟»، فكانت إجابة عبد الله بن عمر : «أما أحدكم إذا أجمع على الغزو فعرضه الله رزقاً فلا بأس بذلك. وأما أحدكم إن أعطي درهماً غزا وإن منع درهماً مكث فلا خير في ذلك». وبالطبع فليس كل الناس في مستوى تقى وورع الصحابة والتابعين لا سيما أن بعضهم كانوا في ديوان العطاء مما يجعلهم يشعرون بالمزيد من المسؤولية لقاء المال الذي كانوا يأخذونه.
هامش
ط٤) يقول حسن صادق حسن: «ويقصد بديوان الأزمة أو الزمام أن الغفلة فيها. قال : وقيل للزمام ديوان لأنه جعل كالكتاب الذي تدون الدواوين تجمع لرجل يضبطها بزمام يكون له على كل ديوان، ويولي فيه المعاني والعلوم وتبين لتعلم ولتحفظ في كل وقت، فهو مدون على كل منها رجلاً». وجاء في كتاب تخريج الدلالات السمعية: «وأما لتقييد الأشياء والمعاني التي يخشى علها النسيان. قال ابن القوطية في
الزمام فقال علي بن خيرة الميورقي في كتابه ترتيب الأعمال: إنما قيل أفعاله: زم البعير أوثقة بالزمام والشيء شده» (۲۲۲). له زمام لأنه مشتق من زمام الناقة الذي هو مانعها من إرادة هواها ي٤) جاء في «البداية والنهاية» عن الوزير ابن هبيرة: «يحيى بن محمد وقاصرها على المكان الذي عقلت فيه. قال : وكذلك الزمام سمي زماماً بن هبيرة أبو المظفر الوزير للخلافة، عون الدين مصنف كتاب لحصر الأمور فيه وزمها وعقلها عن التلف، وخشية النسيان لها واتقاء الإفصاح وقد قرأ القرآن وسمع الحديث وكانت له معرفة جيدة
الديوان
700
•
طع
هكذا أخي القارئ من خلال هذه الآثار وهذا التقليد كانت البيئة الفقهية مهيأة لتقبل العمل العسكري كوظيفة، فأصبح الديوان مؤسسة مقبولة في الشريعة. وما جعلها تتغلغل أكثر وأكثر في عمق الشرع هو عدم اعتراض الأئمة الأربعة عليها . لأضرب مثالين على هذا التغلغل لقد كان عون بن يحيى بن هبيرة، والمشهور بالوزير ابن هبيرة، فقيراً في صغره فعمل كاتباً في الإدارة العباسية وتدرج حتى أصبح وزيراً للخليفة المقتفي ومن بعده وزيراً لابنه الخليفة المستنجد بالله . وكان قد تولى كتابة ديوان الزمام سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة. ولعل أهم ما يميز الوزير ابن هبيرة تقواه وورعه وعلمه، فهو يعتبر من كبار فقهاء الحنابلة، فكتب كتابه «الإفصاح» في عدة مجلدات، وكان على مذهب السلف في الاعتقاد، وقد كان الخليفة المستنجد بالله معجباً به لدرجة أنه أنشد في الوزير قصيدة. وكان إعجابه به شديداً حتى أنه عندما تولى الخلافة وعـده ده بأنه سيستمر في منصبه حتى الممات. أما المستنجد فقد كان خليفة صالحاً، وكان في الخامسة والأربعين من العمر عندما تولى الخلافة، وقد فرح سكان بغداد كثيراً عند توليه الحكم ي؛ أي أن الوضع كان مهيئاً تماماً لأن يحاول الوزير إعادة العمل العسكري من وظيفة إلى عبادة. فقد وصل للوزارة أخيراً رجل ذاق الفقر وشق طريقه بجهد جهيد محاولاً الجمع بين العلم والعمل حتى أصبح وزيراً وعالماً من علماء الحنابلة. ولكن برغم كل هذه الظروف الملائمة إلا أن الوزير لم يحاول إعادة العمل العسكري ليكون عبادة مرة أخرى، بل استمر العمل العسكري كوظيفة من خلال الأرزاق. فعلى سبيل المثال، فقد تم إنفاق نحو ثلاثمائة ألف دينار على ستة آلاف مقاتل سوى الإقامة التي زادت عن ألف كرّ في حصار تكريت. والكر وحدة لقياس الأطعمة، وألف كر طعام كثير جداً، فقد قيل أن الكر يشبع خمسة آلاف إنسان، أي أن ما مقداره إشباع خمسة ملايين إنسان كان قد أنفق في الحصار، وقد يرتفع سعر الكر إلى أزيد من ثلاث مائة ل ٤ دينار عند انتشار القلاقل. أي أن ما أنفق كان كثيراً جداً إشارة إلى ثراء بيت المال (وبالطبع فإن هذا الثراء على حساب فقر الناس فتخلفت الأمة كما سأثبت لك بإذن الله). وعندما كان ابن هبيرة وزيراً كان الملك نور الدين
ك
هامش
بالنحو واللغة والعروض، وتفقه على مذهب الإمام أحمد وصنف كتباً ذكر اسمه يوم الجمعة في الخطبة نثرت الدراهم والدنانير على الناس جيدة مفيدة من ذلك «الإفصاح» في مجلدات شرح فيه الحديث وتكلم وفرح المسلمون به بعد أبيه. وأقر الوزير ابن هبيرة على منصبه على مذاهب العلماء، وكان على مذهب السلف في الاعتقاد، وقد كان ووعده بذلك إلى الممات» (۲۲۳).
فقيراً لا مال له ثم تعرض للخدمة الى أن وزر للمقتفي ثم لابنه (ك ٤ وجاء في تاريخ الإسلام: حصار تكريت: فيها نفذ الخليفة المستنجد . وكان من خيار الوزراء وأحسنهم سيرة وأبعدهم عن الظلم عسكراً فما أخذوا تكريت بعد حصار ومجانيق وتعب وقتل من وكان لا يلبس الحرير ، وكان المقتفي يقول : ما وزر لبني العباس مثله، الفريقين عدة ثم رأى الخليفة أن أخذها يطول فرجع بعد أن نازلها وكذلك ابنه المستنجد. وكان المستنجد معجباً به . قال مرجان الخادم مدة أيام ثم بعد شهر عرض جيشه فكانوا ستة آلاف فجهزهم سمعت أمير المؤمنين المستنجد ينشد لابن هبيرة وهو بين يديه من الحصارها مع الوزير ابن هبيرة وأنفق في الجيش نحو ثلاثمائة ألف دينار سوى الإقامة فإنها كانت تزيد على ألف كرّ فوصل الخبر بأن
شعره: صفت نعمتان خصتاك وعمتا فذكرهما حتى القيامة يذكر مسعود بلال جاء في عسكر عظيم إلى شهرابان ونهبوا الناس وطلب وجودك والدنيا إليك فقيرة وجودك والمعروف في الناس ينكر ابن هبيرة للخروج إليهم ...» (٢٢٤). فلوا رام يا يحيى مكانك جعفر ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ل والظاهر هو أن الكر مقياس للأطعمة كاللوز والدقيق. فقد ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا المظفر إلا كنت أنت المظفر قيل أن الكر «سبعة عشر قنطاراً بالدمشقي لأن الكر أربعة وثلاثون وقد كان يبالغ في إقامة الدولة العباسية وحسم مادة الملوك السلجوقية كارة، والكارة خمسون رطلاً». وقد استخدمه المؤرخون للتعبير عن عنهم بكل ممكن». وجاء في تولية المستنجد للخلافة بعد أبيه: «لما مستوى الرخاء بقولهم أن الكر بلغ في الرخاء سبعة دنانير وذلك سنة توفي أبوه كما ذكرنا بويع بالخلافة في صبيحة يوم الأحد ثاني ربيع ٤٤١ بعد أن تم الصلح بين السنة والشيعة، وفي فترات القلاقل قد الأول من هذه السنة. بايعه أشراف بني العباس ثم الوزير والقضاة يرتفع الكر إلى مائة وسبعين ديناراً، وفي زمن آخر ارتفع إلى مائتين والعلماء والأمراء وعمره يومئذ خمس وأربعون سنة. وكان رجلاً دينار حتى أنه وصل إلى ثلاث مائة دينار، وقد يرتفع سعر كر الدقيق صالحاً، وكان ولي عهد أبيه من مدة متطاولة ثم عمل عزاء أبيه، ولما إلى عشرين ألف درهم (٢٢٥).
🗏
زنكي يحارب الصليبيين بالسواحل، أي في هذه الظروف التي كان ابن هبيرة فيها وزيراً كان المسلمون بأمس الحاجة للجهاد، ومع ذلك لم يحاول الوزير إعادة العمل العسكري ليكون عبادة من خلال إزالة الديوان برغم علمه وورعه. وهذا ليس نقداً له، معاذ الله، فهناك من الآثار ما يدل على أن الوزير حاول دعم الجهاد بشتى الطرق أثابه الله، فهو قد كتب إلى نور الدين زنكي يحثه على إخراج العبيديين من مصر، وقد فعل. فنوايا الوزير صادقة بإذن الله ومخلصة وهو شخصية فذة، وله الكثير من التأملات القرآنية البديعة التي تدل على عمق تدبره للقرآن الكريم لذلك لا يحق لنا لومه على عدم محاولة إعادته العمل العسكري ليكون عبادة محضة، بل فقط ذكرته هنا كمثال لتوضيح مدى تغلغل وتمكن الديوان (سواء كان ديوان الجند أو العطاء من الانغراس في الشريعة لدرجة أن رجلاً ارتقى في علمه وورعه كثيراً إلا أنه لم يحاول تغيير الحال برغم تمكنه من ذلك من خلال منصبه وقربه من السلطان، إلا أنه لم يفعل لأنه لم يعتقد (والله أعلم) أن في العمل بالديوان كمؤسسة لتجنيد الجند خروجاً عن الشرع في هذه المسألة الحيوية. أي أن مبدأ العمل العسكري كوظيفة كان قد تغلغل عميقاً في الشريعة.
۲۲۷
وبالطبع إن كنت مكانك أخي القارئ سأرفض ما يحاول جميل أكبر تقديمه هنا مقارنة بما ذهب إليه الفقهاء الأربعة ومعظم العلماء. ولعلك ستزداد نفوراً مما سأطرحه بعد المثال الآتي: إن الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شخصية فذة بالتأكيد، وكما سترى بإذن الله عند الحديث عن الأمويين فقد قام بالكثير من أعادت الأمة إلى جادة الصواب بعدما انحرفت. إلا أنه لم يُعد العمل العسكري ليكون جله
الإصلاحات التي جهاداً بأموال الناس وبأنفسهم، بل استمر الديوان في عهده والله أعلم، وفي هذا مؤشر على عمق تغلغل الديوان كمؤسسة في الشريعة. فلم أجد من الآثار ما يدل على أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله قام بإلغاء ديوان الجند كما فعل مع الكثير من الإصلاحات أثابه الله . وهنا بالطبع إن كنت مكانت لقلت: وهل نأخذ بقول جميل أكبر مقابل فعل عمر بن عبد العزيز؟ فمن أنت يا جميل في ميزان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه؟ وبالطبع فعلي أن أجيب: إنني لا شيء في ميزان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. فهذا أمر مفروغ منه رضيت أم أبيت. ولكن السؤال ليس: من هو الأصح، جميل أم عمر بن عبد العزيز وبالتالي . عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟ ولكن السؤال هو: فعل من أحق بالاتباع ؟ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أم فعل العمرين رضي الله عنهما؟ هنا ستظهر لك إشكالية منطقية: إما أن تثبت لي أن فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه من الحكام ومنهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله من جهة، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، أنهما فعل واحد وأنه لا اختلاف بينهما، أو أنك ترضى بما وضحته في هذا الكتاب وما قال به جميع الفقهاء دون استثناء بأنهما فعلين مختلفين. فإن كانا فعلين مختلفين فإما أن يكون كلاهما حق، أو أن أحدهما أحق من الآخر. فإن كان كلاهما حق فالأصح إذا أن نتبع ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم. أما إن كان أحدهما أحق من الآخر فمن الواضح شرعاً أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأحق وبالتالي هو الأولى بالاتباع. أما إن كنت مصراً على أن الفعلين لا يختلفان لأنهما من نبع واحد ولا تريد إثبات ذلك، بل تفرضه فرضاً لعظم مكانة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله
هامش
م٤) وجاء في البداية والنهاية في أحداث سنة ثنتين وأربعين بالسواحل. وفيها خطب للمستنجد بالله بولاية العهد من بعد أبيه وخمسمائة: «فيها ملكت الفرنج عدة حصون من جزيرة الأندلس، المقتفي. وفيها تولى عون بن يحيى بن هبيرة كتابة ديوان الزمام وولي وفيها ملك نور الدين بن محمود زنكي عدة حصون من يد الفرنج زعيم الدين يحيى بن جعفر صدرية المخزن المعمورة. ...» (٢٢٦).
الديوان
٦٥٧
عنه، هنا أجيب ببساطة: إذاً علينا أيضاً أن نتبع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا ما لاحظته خلال نقاش مع زميل، فهو لا يريد أن يقر أن ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مختلف عن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت ذاته يريدنا أن نتبع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكيف يمكن الجمع بين فعلين مختلفين علماً بأن جميع الفقهاء أثبتوا أنهما فعلين مختلفين؟ فإن اقتنعت أن الفعلين مختلفين فلابد وأن تلحظ خطورة قبول الديوان كمؤسسة في مسألة اقتصادية مفصلية للأمة؛ أي وكأنك تقول أن ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم كان معاذ الله ناقصاً، وأنه تم إتمامه باستحداث الديوان، وفي هذا نقد لقوله تعالى: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، ولقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وبالطبع، ففي جميع الأحوال أعتقد أخي القارئ بأنك ستكون بالطبع متشككاً في استنتاجاتي هذه ولو كنت مكانك فلعلي تبنيت الموقف ذاته، لكن أرجو أخي أن تعطيني الفرصة، لأنني إن أثبت لك في باقي هذا الكتاب أن الأصلح للأمة هو أن تكون الأمة دون ديوان، فعندها فإنني قد جمعت بين حجتين، اتباع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، والثانية هي ما سأثبته لك بإذن الله أن هذا للأمة. الأصلح هو عندها فلا مفر لك من موافقتي أو بالأصح موافقة الشرع، فأدعُ الله العليم الحكيم أن أوفق لهذه المهمة إن كان هدفك مصلحة الأمة. وهذا هو الأهم، أي تقصي الحق أينما كان.
الأولى
هي
استحداثات فقهية
كما ذكرت في الفصل السابق، فإن عدم تقسيم السواد في العراق كان نموذجاً يحتذى به في معظم إن لم تكن جميع المناطق المفتوحة لاحقاً. وبهذا بدأت الأموال تتجمع للدولة. لاحظ الاقتباس الآتي من كتاب «شرح معاني الآثار» والذي أورده هنا من باب التذكير لما بينته في الفصول السابقة والذي يوضح أن الذي حدث في سواد العراق قد حدث في مصر أيضاً التي فتحت عنوة ولم تقسم، وأن هذا مخالف لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. أي
أن لدينا فعلين مختلفين:
حدثنا
عبد
الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم قال: ثنا نعيم بن حماد قال: ثنا محمد بن حميد عن عمرو بن قيس السكوني عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما فتح عمرو بن العاص أرض مصر جمع من كان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم في قسمة أرضها بين من شهدها كما قسم بينهم غنائمهم وكما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بين من شهدها، أو يوقفها حتى راجع في ذلك رأي أمير المؤمنين. فقال نفر منهم فيهم الزبير بن العوام: والله ما ذاك إليك ولا إلى عمر ، إنما هي أرض فتح الله علينا وأوجفنا عليها خيلنا ورجالنا وحوينا ما فيها. فما قسمتها بأحق من قسمة أموالها. وقال نفر منهم . لا نقسمها حتى نراجع رأي أمير المؤمنين فيها. فاتفق رأيهم على أن يكتبوا إلى عمر في ذلك ويخبروه في كتابهم إليه بمقالتهم. فكتب إليهم عمر : بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد وصل إلي ما كان من إجماعكم على أن تغتصبوا عطايا المسلمين ومؤن من يغزو أهل العدو وأهل الكفر وإني إن قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم من المسلمين مادة يقوون به على عدوكم، ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله وأدفع عن المسلمين من مؤنهم وأجري على ضعفائهم وأهل الديوان منهم لقسمتها بينكم. فأوقفوها فيئا على من بقي من المسلمين حتى ينقرض
٦٥٨ 🗏
الأرضين
آخر عصابة تغزو من المؤمنين والسلام عليكم. قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ما قد دل في حكم المفتتحة على ما ذكرنا وأن حكمهما خلاف حكم ما سواها من سائر الأموال المغنومة من العدو. فإن قال قائل: ففي هذا الحديث ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان قسم خيبر بين من كان شهدها، فذلك ينفي أن يكون فيما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر حجة لمن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان ومن تابعهما في إيقاف الأرضين المفتتحة لنوائب المسلمين ؟ قيل له : هذا حديث لم يفسر لنا فيه كل الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وقد جاء غيره فبين لنا ما كان من رسول الله صلى الله عليه
حتى
وسلم فيها».
۲۲۸
تقف أخي القارئ على الاختلاف بين الاقتباس السابق وما أحاول طرحه في هذا الكتاب لابد من تذكر ما تم شرحه في الفصول السابقة وبالذات في فصلي «الأراضي» و «دولة الناس». فقد حدث خلاف بين الصحابة في قسمة الأراضي التي فتحت عنوة في مصر تماماً كما حدث في العراق. فعندما كتبوا للخليفة عمر بن عنه رد عليهم كما ورد في الاقتباس السابق. وإذا أعدت قراءة الرد ستلحظ بوضوح أن رأي أن مثل هذه الأراضي لا تقسم ولكن تكون فيئاً للمسلمين حتى ينقرض جميع من يغزون من المسلمين، أي حتى ينتهي الكفر من الكرة الأرضية. وكما ذكرت فإن هذا الرأي صالح لزمانه رضي الله
الله . الخطاب رضي
الخليفة عمر
رضي
الله
عنه هو
الله
عنه الذي اتسم بوجود صحابة يخافون الله جل جلاله، فلن يكون ولاء الصحابة للسلطان إن خرج عن شرع كما وضحت، فإن علم رضي الله عنه أن أموال الفيء سيساء استخدامها لما ذهب لما قاله كما ذكرت سابقاً، وإن علم أن السلاطين من بعد الخلفاء الراشدين سيثقلون على أهل الأرض الخراجية لدرجة أن الأراضي (كما ذكرت) سيضمحل عطاؤها لما رضي إلا بقسمة تلك الأراضي للغانمين رضي الله عنه، فهو كما جاء في صحيح البخاري كان قلقاً من الإثقال على من يعملون في الأرض حتى آخر لحظة من حياته. فعن
«عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال كيف فعلتما ؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق ؟ قالا حملناها أمراً له مطيقة، ما فيها كبير فضل. قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. قال: قالا: لا. فقال عمر : لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً. قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب ......
هي
۲۲۹
ثم استشهد الفاروق الخليفة . رضي الله عنه. فإن علم أن في قسمة الأراضي المفتوحة عنوة بين الفاتحين
عمر
مزيداً من القوة للمسلمين وذلك من خلال المزيد من الزكاة التي سيدفعها هؤلاء الذين ملكوها لما ذهب لما قاله، بل بالتأكيد لأصر على قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. ولعلك هنا تقول مكرراً: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك بعض الأراضي لأهل خيبر للعمل فيها على أن يكون الخراج للمسلمين. فأقول نعم، ولكن تلك الأراضي هي التي فتحت صلحاً. فكما هو معلوم فإن جميع خيبر لم تفتح عنوة، فمنها ما فتح عنوة في أول الأمر ثم استسلم اليهود الذين كانوا في الحصون الأخرى بعدما رؤا انهزام الحصون الأولى كما ذكرت. كما أن هذه الأموال التي هي فيء هي أموال ذهبت لأصحابها المستحقين المسمين في آية الفيء كما ذكرنا ولم تذهب للمقاتلين كعطاءات أبداً. حتى الخمس والذي هو الله ولرسوله من الفيء أو خمس الخمس من الغنائم والتي آلت نفقتها لما يراه الحاكم لينفقها حيث يرى المصلحة، فلم ينفقها الرسول صلى الله عليه وسلم على الغزاة، بل للتجهيز الحربي ولليتامى
الديوان
٦٥٩
والمساكين وابن السبيل. أي أنها لم تكن عطاءات أو أرزاق للجند أبداً. وبعد هذا التذكير نعود للموضوع: وكما حدث مع الماء الطاهر الذي تحدثنا عنه في الفصل السابق وقلنا أنه إضافة مستحدثة في الفقه كما قال ابن تيمية رحمه الله أدت إلى استحداث أسئلة فقهية يصعب الإجابة عليها لأن الماء إما نجس أو طهور، وأن أحكام الشريعة تعمل بسلاسة في ظل هذين الصنفين، وأنه إن أضيف الصنف الثالث المستحدث فإن أسئلة عجيبة ستظهر قد تؤدي لاضطراب فقهي، فإن نفس الشيء قد حدث مع الديوان. فلأن الديوان مؤسسة مستحدثة ظهرت أسئلة عجيبة تتطلب الإجابة. فمثلاً: هل يعطى الغازي المدون في الديوان من الزكاة؟ بالطبع إن كان الجهاد عبادة ولم يكن وظيفة فلن يوجد ديوان للعطاء للجند ولن يظهر هذا السؤال المحير. ولأن الجهاد أصبح وظيفة ظهرت أسئلة لم يأت عنها خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكما ستلحظ من النص القادم فلا دليل من القرآن الكريم أو السنة المطهرة على الأحكام، بل فقط اجتهادات. فقد جاء في المجموع مثلاً:
ومذهبنا أن سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة يصرف إلى الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان بل يغزون متطوعين وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى .... وأما الغزاة المرتبون في ديوان السلطان ولهم فيه حق فلا يعطون من الزكاة بسبب الغزو بلا خلاف ، وإن كان فيهم وصف آخر يستحقون به أعطوا به، بأن يكون غارماً أو ابن سبيل قال أصحابنا : فإن أراد رجل من المرتزقة المرتبين في الديوان أن يصير من أهل الزكوات المتطوعين بالغزو ويترك سهمه من الديوان جعل من أهل الصدقات، وكذا لو أراد واحد من أهل الصدقات أن يصير من المرتزقة جعل منهم فيعطى من الفيء ولا يعطى من الصدقات. قال أصحابنا : ولا حق لأهل الصدقات في الفيء، ولا أهل الفيء في الصدقات، فإن احتاج المسلمون إلى من يكفيهم شر الكفار، ولا مال في بيت المال، فهل يجوز إعطاء المرتزقة من الزكاة من سهم سبيل الله تعالى؟ فيه قولان مشهوران في طريقة خراسان: أصحهما لا يعطون، كما لا يصرف الفيء إلى أهل الصدقات. والثاني يعطون لأنهم غزاة».
۲۳۰
ولعلك لاحظت في الاقتباس السابق ظهور كلمة «المرتزقة» لتعني الجنود المجندين والمسجلين في الديوان. وكما سألت في الفصل السابق وهذا الفصل مراراً لمن سيكون ولاء هؤلاء الجند المرتزقة»؟ ياله من وصف دقيق يعبر عن الولاء لمن يدفع الأموال، أي للسلطان ولكن كم سيُدفع لهؤلاء المرتزقة؟ ومن يحدد ذلك؟ بالطبع فلأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فلا دليل على ذلك من الكتاب أو السنة، بل هو الاجتهاد المحض والذي ينتهي بإعطاء الحق للسلطان لتحديد ذلك. ومن أكثر ما يلفت النظر في الاقتباس السابق هو القبول بالجهاد ليكون سلعة ضمناً. فتلحظ في النص قوله: «كذا لو أراد واحد من أهل الصدقات أن يصير من المرتزقة جعل منهم فيعطى من الفيء ولا يعطى من الصدقات». ففي هذه العبارة إشارة إلى إمكانية تحول المساكين من موقع مالي لآخر للحصول على المال مقابل الغزو. ولعل أكثر ما يثير الانتباه في الاقتباس السابق قوله: «فإن احتاج المسلمون إلى من يكفيهم شر الكفار، ولا مال في بيت المال، فهل يجوز إعطاء المرتزقة من الزكاة من سهم سبيل الله تعالى؟». إن في العبارة السابقة افتراض سيفتح الباب للسلاطين على مصراعيه ليفرضوا المكوس. كيف؟ إن الافتراض السابق مناف أساساً لما يجب أن يكون عليه حال بيت مال المسلمين. فكما ذكرت في الفصل السابق فإن بيت المال كان خاوياً دائماً. أي لا مال فيه، وهذا هو الوضع الطبعي. ولكن العبارة السابقة تفترض أن بيت المال يجب أن يكون عامراً وأن الخواء هو الوضع الشاذ بقوله: «ولا مال في بيت المال». وكأن العبارة تقول أن بيت المال يجب أن يكون به مال
٦٦٠ 🗏
لينفق على المرتزقة. ثم تثير العبارة سؤالاً بعد الافتراض كالآتي: «فهل يجوز إعطاء المرتزقة من الزكاة من سهم سبيل الله تعالى؟». فتأتي الإجابة: «فيه قولان مشهوران في طريقة خراسان أصحهما لا يعطون، كما لا يصرف الفيء إلى أهل الصدقات. والثاني يعطون لأنهم غزاة». والسؤال هو: ألا يحاول السلطان أخي القارئ الادعاء بأنه لا مال كاف في بيت المال ثم يحاول الأخذ من أموال الزكاة ليدفعها إلى المرتزقة فيذهب إلى القول الثاني لأنهم غزاة؟ بالطبع فإنه قد يفعل ذلك، بل وقد يحافظ على أخذ الزكاة من الناس خوفاً من نضوب المال في بيت المال وحتى لا يبقى الجند من غير أرزاق فيهتز عرشه. هكذا تظهر المكوس وتتجمع الأموال في بيت المال لينفقها السلطان فيما يرى أنها الحق من منظوره، وهكذا يتم الحكم بغير ما أنزل الله.
ولعلك أدركت من المقارنة بين ما في الفصل السابق وهذا الفصل أن حبس الأموال في بيت المال لم يكن قط من نهجه صلوات ربي وسلامه عليه. أما مع الحاجة للأموال في بيت المال لتنفق على المرتزقة من خلال الديوان فإن الأموال يجب أن تحبس في بيت المال بحجة أن بيت المال يجب أن يكون عامراً بالأموال تحسباً لما قد يتعرض له المسلمون من شدائد لاحظ في الاقتباس الآتي من «الكافي» لابن عبد البر أنه لا يمانع حبس الأموال تحسباً لنوازل تنزل بالمسلمين، أي عكس ما تم استنباطه في فصل «دولة الناس»:
«باب الفيء وقسمته وقسمة الخمس: الفيء كل ما أخذ من كافر على الوجوه كلها بغير إيجاف خيل ولا ركاب ولا قتال، ومنه جزية الجماجم وخراج الأرضين كلها ما كان منها صلحاً أو عنوة وما أخذ على المهادنة وما طرحته الريح من مراكب العدو، وكل ما حصل بأيدي المسلمين من أموال الكفار بغير قتال من تجار أهل الذمة وغيرهم، والعمل في قسمة الفيء وقسمة خمس الغنيمة سواء. والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما أو أحدها قسمه كله بين الناس ويساوي فيه بين عربيهم ومولاهم، ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا ويعطى ذوو القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء مسهمهم على ما يراه الإمام، وليس لهم جزء معلوم. واختلف العلماء في إعطاء الفيء من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأكثر الناس على إعطائه لأنه حق لهم. وقال مالك: لا يعطى منه غير فقرائهم لأنه جعل لهم عوضاً من الصدقة. وذوو القربى بنو هاشم آل العباس وآل علي وآل عقيل وسائر بني هاشم لا يشركهم غيرهم فيه. ويقسم كل مال في البلد الذي جبى فيه ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبى فيه حتى يفنوا ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبى فيه خرجت هي فيه فاقة شديدة فينقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرماد. وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقد قيل عامان وقيل عام فيه اشتد الطاعون مع الجوع. وإذا لم يكن ما وصفنا ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين ويعطي منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير. والفيء حلال للأغنياء ويساوي بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة والتفضيل فيه. إنما يكون على قدر الحاجة ويعطي منه أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر اجتهاد الإمام. .
۲۳۱
.«...
إن الاقتباس السابق يبدأ بتوضيح مصادر الفيء ثم لا يمانع حبس الأموال في بيت المال بقوله: «فإن رأى الإمام حبسها لنوازل تنزل بالمسلمين فعل، ...». ألا يخالف هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ألا يسيل لعاب كل من هو حول السلطان إن حبس المال طمعاً فيه؟ ثم تلحظ أيضاً في النص السابق بأنه يجيز الأخذ للأغنياء برغم أنه يفضل العطاء للفقراء. فهل أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم الأغنياء إلا إن كانوا من المؤلفة قلوبهم؟ ألا يفتح
الديوان
٦٦١
هذا الباب للأقوياء والمقربين من السلاطين لأخذ الأموال ثم ليصبح المال دولة بين الأغنياء منهم؟ هكذا كان الوضع مهيئاً لظهور فقه جديد يعتمد على غير ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم لنتأمل الاقتباس الآتي من «المغني» والذي يوضح كيفية القسمة بين أهل العطاء:
فالمال هو
«فصل: قال القاضي: ويعرف قدر حاجتهم ، يعني أهل العطاء وكفايتهم، ويزداد ذو الولد من أجل ولده وذو الفرس من أجل فرسه، وإن كان له عبيد لمصالح الحرب حسب مؤونتهم في كفايته، وإن كانوا لزينة أو تجارة لم يدخلوا في مؤونته، وينظر في أسعارهم في بلدانهم لأن أسعار البلدان تختلف، والغرض الكفاية ولهذا تعتبر الذرية والولد، فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك. وإن كانوا سواء في الكفاية لا يفضل بعضهم على بعض، وإنما تتفاضل كفايتهم ويعطون قدر كفايتهم في كل عام مرة، وهذا والله أعلم على قول من رأى التسوية، فأما من يرى التفضيل فإنه يفضل أهل السوابق والغنى في الإسلام على غيرهم بحسب ما يراه، كما أن عمر فضل أهل السوابق فقسم لقوم خمسة آلاف ولآخرين أربعة آلاف ولآخرين ثلاثة آلاف ولآخرين ألفين ألفين ولم يقدر ذلك بالكفاية». ۲
۲۳۲
الله
عنه،
وبالطبع فإن الاقتباس السابق سيثير سؤالاً ملحاً: من الذي سيحدد قدر حاجة المقاتل أو من في ديوان العطاء ليعطيه من المال ؟ والإجابة هي بالطبع إنه السلطان أو من ينوب عنه، وهل يستطيع هذا الذي ينوب عنه تقدير العطاء للآلاف ممن هم في ديوان العطاء أو ممن هم من المقاتلين أم أنه سيستعمل آخرين للقيام بذلك؟ وهكذا تظهر نواة جهاز إداري بيروقراطي. ثم يظهر سؤال آخر: ألا يؤدي هذا إلى تفضيل البعض على الآخرين؟ وقد تجيب: هذا قد يحدث ولكنه أمر نادر لأن المفترض بالسلطان أن يكون نزيهاً. فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزيهاً. فأجيب كما أثبت لنا التاريخ فإن الذي يحدث هو العكس، فليت الحكام مثل عمر رضي الأداة الأقوى التي بيد السلطان لتحقيق ما يعتقد أنه الحق. وهذا لن يحدث إلا بتفضيل البعض على الآخرين في العطاء، فمن هو أكثر ولاءً سيكون أكثر أخذاً. هكذا سيستخدم السلطان ومن يعملون معه المال لتحقيق الحق من وجهة نظرهم .هم. وهنا الكارثة لأنه كما أثبت لنا التاريخ: إن لم يتطابق ما يرى السلطان أنه الحق مع ما أتت به الشريعة فقد خرج عن شرع الله . ولكنك قد تجيب: ولكن على السلطان أن يتبع شرع الله. فأجيب: إن كل سلطان على قناعة أنه يتبع الشرع. حسب فهمه وفهم من يقربهم من العلماء، فالإشكالية ليست في الشرع ولكن في فهم السلطان القاصر لأنه في الغالب ليس من العلماء، بل ورث الحكم أو اغتصبه ثم قرب إليه من يسايره من العلماء. والشريعة لم تنزل للبشر حتى ينتظروا من سيأتي كل عدة قرون ليطبق الشرع، بل أتت ليكون الحاكم دائماً متبعاً لشرع الله رغماً عنه، وهذا لن يكون إلا بتجريده من أية قوة مالية قد يسخر من خلالها الناس لطاعته إن هو حكم بغير ما أنزل الله جل جلاله.
إن الأمثلة على انتشار فقه الديوان لا تنتهي في كتب الفقه وفي جميع المذاهب دليلاً على تغلغل الديوان في الشريعة، ولعل هذا هو أهم سبب لتخلف المسلمين كما سترى بإذن الله لأنه هو بذرة الدولة بمفهومها السلطوي الإداري الحديث، وحتى أقنعك فقد جمعت عدداً من النصوص من كتب متفرقة من عدة مذاهب لتحكم بنفسك. أخي القارئ: أرجو أن تدرك أنني أتألم من نقدي لهذه الاقتباسات فهي لعلماء أجلاء ولن أرتقي لعلمهم، ولكن فقط لأنني، والله أعلم، بمن الله وتوفيقه كنت أركز على قضية متخصصة لعدة سنوات تمكنت بفضل الله عز وجل من الوقوف على أمر لم يكن ذا أهمية في عصورهم. فإن عانوا ما نعانيه اليوم وعاشوه لالتفتوا، والله أعلم، لما أحاول
٦٦٢ 🗏
لفت النظر إليه ولحاربوا الديوان بكل ما أوتوا من قوة. والآن لنمر سريعاً على بعض الاقتباسات: ففي «الأشباه والنظائر» مثلاً تلحظ أن المؤلف يستخدم التعبيرين: جاز ولا يجوز، عند الحديث عن إسقاط الجنود المثبتين في الديوان: يقول السيوطي رحمه الله :
«وفي الروضة قبيل الغنيمة عن الماوردي وأقره أنه إذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الأجناد المثبتين في
الديوان بسبب جاز، أو بغير سبب فلا يجوز . قال المتأخرون فيقيد بهذا ما أطلقناه في الوقف من جواز عزل الناظر والمدرس فلا يجوز إلا بسبب "
۲۳۳
هل رأيت كيف تغلغل الديوان لدرجة أنه بدأ يأخذ حكماً شرعياً كجائز وغير جائز ! فإن كان الجهاد عبادة فلن يظهر مثل هذا السؤال هل من حق السلطان إسقاط الأجناد من الديوان بسبب أو دون سبب. ولكن لأن الجهاد أصبح وظيفة ظهر السؤال، والذي يمكن دفعه أكثر : وما هي حدود الأسباب التي تعطي السلطان الحق في إسقاط جندي من الديوان؟ بالطبع فإن كانت هناك إجابة فإنها لن تعتمد على قول أو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي اجتهاد محض. ثم تأمل الاقتباس الآتي من كتاب روضة الطالبين» للنووي رحمه الله: «قلت: قال الماوردي إذا تأخر العطاء عن المثبتين في الديوان عند استحقاقهم وكان المال حاصلاً فلهم المطالبة كالديون. وإن أعوز بيت المال كانت أرزاقهم ديناً على بيت المال وليس لهم مطالبة ولي الأمر به. قال: وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعضهم لسبب جاز وبغير سبب لا يجوز. وإذا أراد بعضهم إخراج نفسه من الديوان جاز إن استغنى عنه ولا يجوز مع الحاجة إلا أن يكون معذوراً. قال: وإذا جرد الجيش للقتال فامتنعوا وهم أكفاء من حاربهم سقطت أرزاقهم، وإن ضعفوا عنه لم تسقط. وإذا جرد أحدهم لسفر أعطي نفقة سفره إن لم يدخل في تقدير عطائه ولم يعط إن دخل فيه. وإذا تلف سلاحه في الحرب أعطي عوضه إن لم يدخل في تقدير عطائه إلا فلا. والله أعلم».
٢٣٤
تلحظ أن الاقتباس السابق يعطي الجنود الحق في المال لدرجة أنه إن تأخر العطاء عليهم فإن العطاء أو الرزق يعتبر ديناً مستحقاً لهم على بيت المال. فإن وجد مال في بيت المال فلهم الحق بالمطالبة به، وإن لم يوجد فعليهم الانتظار. وهذا يعني ضمناً أنه عندما يأتي مال لبيت المال فلهم الحق بالمطالبة بحقوقهم. وأن ما سيأتي من مال سيذهب إليهم مباشرة لأنها حقوق لهم، فلا مال عند السلطان إذاً للاحتياجات الأخرى، وهذا يضع السلطان في حرج دائم حتى لا يكون بيت المال خاوياً، لذلك . سیسعی لإيجاد البدائل التي تجمع المال في بيت المال مما قد يضطره لأخذ أموال الزكاة أو لوضع المكوس وما شابه من وسائل لجمع المال. هل رأيت كيف أصبح الجهاد سلعة؟ وكيف أن هذا سيكون ذريعة لجمع المال بحجة الدفاع عن الوطن؟ وما يعزز هذا الاستنتاج بأن العمل العسكري أصبح سلعة هو أنه إن امتنع فرد عن القتال وهو كفؤ سيسقط عطاؤه أو رزقه، أما إن ضعف فلن يسقط رزقه وذلك بقوله: «وإذا جرد الجيش للقتال فامتنعوا وهم أكفاء من حاربهم سقطت أرزاقهم، وإن ضعفوا عنه لم تسقط». وهنا يكون السؤال: ولكن ما هي حدود الضعف؟ ومن يحدد ما إذا ضعف الفرد أم أنه امتنع عن القتال؟ وهل يستطيع السلطان متابعة آلاف الجند لتحديد ذلك؟ بالطبع، لابد وأن يوكل هذه المهمة لآخرين يقومون له بذلك، وهكذا ستظهر الحاجة للموظفين الذين سيرأسون موظفين آخرين ليرأسوا آخرين وهكذا حتى يظهر الهيكل الهرمي السلطوي للدولة. ثم لنقرأ الاقتباس الآتي والذي يحاول الرد على السؤال: ماذا إن أراد ابن من في الديوان أن يوضع اسمه مثل أبيه في الديوان ليأخذ العطاء؟ جاء في كتاب «روضة الطالبين»:
الديوان
٦٦٣
«الثالثة: ولد المرتزقة إذا ادعى البلوغ بالاحتلام وطلب إثبات اسمه في الديوان، فوجهان: أحدهما يصدقه بلا يمين لأنه إن كان كاذباً فكيف نحلفه وهو صبي، وإن كان صادقاً وجب تصديقه. وأصحهما يحلف عند التهمة. فإن نكل لم يثبت اسمه إلى أن يظهر بلوغه، ويقرب منه أن من شهد الوقعة من المراهقين إذا ادعى الاحتلام وطلب سهم المقاتلة أعطي إن حلف، وإلا فوجهان: أحدهما يُعطى. ثم قيل هو إعطاء لأن احتلامه لا يعرف إلا منه، فصدق فيه كما تصدق المرأة في الحيض، ويقع الطلاق المعلق عليه. وقيل لأن شهود الوقعة تقتضي استحقاقهم السهم وأصحهما لا يعطى. قال ابن القاص: وهـو قضاء بالنكول. وقال غيره: إنما لم يعط لأن حجته في الإعطاء اليمين ولم
توجد».
۲۳۵
إن أول ملحوظة هي: لماذا ولد المرتزقة بالذات؟ فإن افترضنا أن ولد المرتزقة أخذ الأفضلية في العطاء وهذا أعطى أيضاً لولده الأفضلية في العطاء فستظهر طبقة من الناس تعمل لدى السلطان جيلاً بعد جيل، وهؤلاء تسهل قيادتهم لأنهم ترعرعوا جيلاً بعد جيل في طاعة السلطان. أي أن هناك طبقة تمتلك المهارات الحربية وتتوارث العمل لدى السلطان جيلاً بعد جيل، تماماً كما حدث مع الأتراك الذين استخدهم العباسيون أو المماليك في مصر والشام. أخي القارئ: إن قرأ أي طالب علم الاقتباس السابق سيظن أنه قطعة من نصوص الفقه التي توضح حكماً شرعياً لأنه من خلال القياس (بالحيض للمرأة مثلاً في هذه الحالة تم الوصول للحكم كما في الاقتباس السابق). ولكن لأن الأصل (وهو الديوان) أمر مستحدث، فمناقشة الفروع عندها إذاً لابد وأن يكون أمراً مستحدثاً. فالأحقية في الأخذ من العطاء أتت بالوراثة فهل في هذا استحداث لحق لم يقصه الله سبحانه وتعالى؟ ألا يحاول الفتية الحصول على العطاء من خلال ادعائهم الاحتلام؟ وهل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أمراً كهذا؟ للإجابة تذكر قوله تعالى الذي شرحناه سابقاً: ﴿ليسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾. أليس في الآيتين دليل على أن العمل العسكري يجب أن يبقى تطوعياً دون عطاء؟ فإذا رد الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الراغبين بشدة في الجهاد لأنه لم يجد لهم ما يحملهم عليه، ومع ذلك لم يفرض أي مكوس على الناس ليحمل هؤلاء الراغبين في الجهاد، ناهيك عن دفع العطاءات لهم كأرزاق، فهذا أمر ليس فقط مرفوضاً له صلى الله عليه وسلم، بل، والله أعلم، لعله عمل كان سيذمه الرسول صلى الله عليه وسلم إن رآه . هكذا من خلال وضع مثل هذه الاستحداثات في إطار لغوي فقهي بدأت الشريعة في التغير بتغير مقصوصة الحقوق. تأمل الاقتباس الآتي من كتاب «الاستخراج لأحكام الخراج». يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله :
«والحالة الثالثة : أن يكون من أهل فرض الديوان وهم الجيش فهم أخص الناس بجواز الإقطاع لأن لهم أرزاقاً مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق لأنها أعواض عما أصدروا نفوسهم له من حماية البيضة والذب عن الحريم، وإذا صح أن يكونوا من أهل الإقطاع روعي حينئذ حال الخراج. فان له حالين: حال تكون جزية وحال تكون أجرة. فأما ما كانن [كان] جزية فهو غير مستقر على التأبيد لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر وزائل مع حدوث الإسلام، فلا يجوز إقطاعه أكثر من سنة لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها، فان أقطعه سنة بعد حلوله واستحقاقه صح. وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه لم يجز لأنه مضروب للوجوب».
٢٣٦
٦٦٤ 🗏
فهم !
هنا تلحظ أن الفقيه ربط بين الإقطاع وبين من هم في الديوان، فأعطى الجند الأفضلية في الإقطاع بقوله: أخص الناس بجواز الإقطاع لأن لهم أرزاقاً مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق ...». فهل ربط الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أقطع أحداً بين إقطاعه صلى الله عليه وسلم وبين كون المقطع له مقاتلاً؟ فإن لم يفعل صلوات ربي وسلامه عليه، فإن لدينا قص جديد للحقوق. ناهيك عن أن الإقطاع هو من غلة أرض قد لا يملكها بيت المال، لأن من يعلم بها من أهل الذمة مثلاً، وأنه قد لا يجوز إقطاعها أكثر من سنة. ألا يتطلب هذا القول جيشاً من الموظفين لتحديد الأراضي التي غلتها جزية ولتحديد الأراضي المؤجرة؟ وبالتالي أي أرض ستقطع؟ ولمن أقل من سنة، ولمن أكثر من سنة ؟ لأن هناك فرق بين أرض الأجرة وأرض الجزية، فهذه الأخيرة ليست ثابتة لأن من يعمل فيها قد يسلم. ألا يتطلب هذا جهازاً إدارياً منظماً ودقيقاً حتى لا يتلاعب أحد من الموظفين بإقطاع هذا المقاتل أكثر من ذاك مقابل رشوة ما. حتى وإن تم استحداث هذا الجهاز الإداري فما الذي سينتجه للأمة سوى الأوراق، أي سوى الهم البيروقراطي؟ وإن قلت أين السلطان عن كل هذا؟ أجبت: وأي سلطان هذا الذي سيستطيع السيطرة على الكم الهائل من الأراضي المنتشرة في كل مكان، فلابد وأن يوكل هذه المهام لآخرين والذين سيوكلونها لآخرين وآخرين وهكذا حتى يظهر الهيكل الهرمي السلطوي لننتهي بدولة لا تحكم بشرع الله كما حدث في الدولة العثمانية وسيأتي بيانه بإذن الله. وهذه الاقتباسات السابقة هي بعض قليل من كثير، أي هي فقط للاستحداثات الفقهية. انظر مثلاً إلى كتابي الأحكام السلطانية، وسنأتي على غيرهما في الفصل القادم بإذن وبالذات في الحديث عن المصالح المرسلة في السياسة الشرعية والتي ساعدت على ظهور الدولة بتركيبتها الهرمية السلطوية المعاصرة. فكما ستتأكد بإذن الله فإن الشريعة توجد مجتمعاً ذا تركيبة اقتصادية سياسية فذة دون الحاجة لهذه الأهرام السلطوية. وهنا نأتي للبيروقراطية التي استحدثت من خلال مثل هذه الأقوال للفقهاء والتي ما ظهرت إلا لأن الديوان أصبح مؤسسة مؤسلمة.
البيروقراطية
أمثلة
الله،
لقد تحدثت عن البيروقراطية في فصول سابقة في مواضع متفرقة لتوضيح أن الشريعة تقص الحقوق بطريقة لا تؤدي إلى بيروقراطيات في التعاملات بين الأفراد وسنأتي على المزيد من التفصيل عن البيروقراطيات في فصول قادمة بإذن الله). وما أردت توضيحه هنا من خلال أمثلة سريعة هو إيضاح النقيض لما تحاول الشريعة فعله، أي إظهار مدى تغلغل الديوان في الأمة لدرجة أنها أدت إلى استحداث مؤسسات متداخلة في الدولة مؤدية إلى بيروقراطيات لتفتح المزيد من أبواب الحاجة للأموال والمزيد من البيروقراطيات الأخرى وتحت مسميات جديدة ما أنزل الله بها من سلطان، وبتقادم الزمن ستتمكن الدولة من المزيد من السطوة على المجتمع من خلال هذه المسميات البيروقراطية ليضمحل الإنتاج بسبب تقييد أيدي الأفراد وسيأتي بيانه بإذن الله). وبالطبع فإن بيت المال هو المؤسسة الأهم للديوان، فهي المكان الذي تجمع فيه الأموال لتنفق على من هم مسجلون في الديوان. وهذا تطلب بيروقراطية للسيطرة على الداخل والخارج من أموال على بيت المال. فحتى المفكرون من المسلمين لم يروا في البيروقراطية ضرراً بل ضرورة. فهذا ابن خلدون مثلاً تقلد مناصب مختلفة لدى السلاطين مما جعله ملماً بما يدور داخل إداراتهم لشؤون البلاد. تأمل الاقتباس الآتي. يقول ابن خلدون في مقدمته:
الديوان
٦٦٥
«ديوان الأعمال والجبايات : اعلم أن هذه الوظيفة من الوظائف الضرورية للملك، وهي القيام على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العساكر بأسمائهم وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إباناتها والرجوع في ذلك إلى القوانين التي يرتبها قومة تلك الأعمال وقهارمة الدولة. وهي كلها مسطورة في كتاب شهد بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج مبني على جزء كبير من الحساب، لا يقوم به إلا المهرة من أهل تلك الأعمال ويسمى ذلك الكتاب بالديوان. وكذلك مكان جلوس العمال المباشرين لها. ويقال إن أصل هذه التسمية أن كسرى نـظر يوماً إلى كتاب ديوانه وهم يحسبون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال: ديوانه أي مجانين بلغة الفرس. فسمي موضعهم بذلك، وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفاً فقيل: ديوان. ثم نقل هذا الاسم إلى كتاب هذه الأعمال المتضمن للقوانين والحسبانات. وقيل إنه اسم للشياطين بالفارسية، سمي الكتاب بذلك لسرعة نفوذهم في فهم الأمور ووقوفهم على الجلي منها والخفي، وجمعهم لما شذ وتفرق، ثم نقل إلى مكان جلوسهم لتلك الأعمال. وعلى هذا فيتناول اسم الديوان كتاب الرسائل ومكان جلوسه بباب السلطان على ما يأتي بعد. وقد تفرد هذه الوظيفة بناظر واحد ينظر في سائر هذه الأعمال، وقد يفرد كل صنف منها بناظر كما يفرد في بعض الدول النظر في العساكر وإقطاعاتهم وحسبان أعطياتهم أو غير ذلك على حسب مصطلح الدولة وما قرره أولوها. واعلم أن هذه الوظيفة إنما تحدث في الدول عند تمكن الغلب والاستيلاء والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد. وأول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية عمر رضي ا الله عنه، يقال لسبب مال أتى به أبو هريرة رضي الله عنه من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمه، فسموا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء والحقوق، فأشار خالد بن الوليد بالديوان وقال: رأيت ملوك الشام يدونون، فقبل منه عمر. وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان، فقيل له: ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم، فإن من تخلف أخل بمكانه، وإنما يضبط ذلك الكتاب، فأثبت لهم ديواناً . وسأل . عن اسم الديوان، فعبر له، ولما اجتمع ذلك أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب مبتدأ من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعدها الأقرب فالأقرب، هكذا كان ابتداء ديوان الجيش. وروى الزهري بن سعيد بن المسيب أن ذلك كان في المحرم ستة عشرين. وأما ديوان الخراج والجبايات فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل ديوان العراق بالفارسية، وديوان الشام بالرومية، وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين. ولما جاء عبد الملك بن مروان واستحال الأمر ملكاً وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة، ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة، وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحسبان، فأمر عبد الملك سليمان بن سعد والي الأردن لعهده أن ينقل ديوان الشام إلى العربية، فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، ووقف عليه سرحون كاتب عبد الملك فقال لكتاب الروم: اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة، فقد قطعها الله عنكم . وأما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن وكان يكتب بالعربية والفارسية، ولقن ذلك عن زادان فروخ كاتب الحجاج قبله، ولما قتل زادان في حرب عبد الرحمن بن الأشعث استخلفت الحجاج صالحاً هذا مكانه وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية، ففعل ورعم لذلك كتاب الفرس. وكان عبد الحميد بن يحيى يقول: الله در ما أعظم منته على الكتاب. ثم جعلت هذه الوظيفة في دولة بني العباس مضافة إلى من كان له النظر فيه كما كان شأن بني برمك وبني سهل بن نوبخت وغيرهم من وزراء الدولة. وأما ما يتعلق بهذه الوظيفة من الأحكام الشرعية مما يختص بالجيش أو بيت المال في الدخل والخرج وتمييز النواحي بالصلح والعنوة وفي تقليد هذه الوظيفة لمن يكون، وشروط الناظر فيها والكاتب وقوانين الحسبانات، فأمر راجع إلى كتب الأحكام السلطانية وهي مسطورة هنالك، وليست من غرض كتابنا، وإنما نتكلم فيها من حيث
عمر
ר 🗏
طبيعة الملك الذي نحن بصدد الكلام فيه. وهذه الوظيفة جزء عظيم من الملك، بل هي ثالثة أركانه لأن الملك لا بد له من الجند والمال والمخاطبة لمن غاب عنه، فاحتاج صاحب الملك إلى الأعوان في أمر السيف وأمر القلم وأمر المال، فينفرد صاحبها لذلك بجزء من رئاسة الملك، وكذلك كان الأمر في دولة بني أمية بالأندلس والطوائف بعدهم. وأما في دولة الموحدين فكان صاحبها إنما يكون من الموحدين يستقل بالنظر في استخراج الأموال وجمعها وضبطها وتعقب نظر الولاة والعمال فيها ثم تنفيذها على قدرها وفي مواقيتها. وكان يعرف بصاحب الأشغال، وكان ربما يليها في الجهات غير الموحدين ممن يحسنها. ولما استبد بنوا أبي حفص بأفريقية وكان شان الجالية من الأندلس فقدم عليهم أهل البيوتات وفيهم من كان يستعمل ذلك في الأندلس مثل بني سعيد أصحاب القلعة جوار غرناطة المعروفين ببني أبي الحسن فاستكفوا بهم في ذلك وجعلوا لهم النظر في الأشغال كما كان لهم بالأندلس ودا لو فيها بينهم وبين الموحدين. ثم استقل بها أهل الحسبان والكتاب وخرجت عن الموحدين، ثم لما استغلظ أمر الحاجب ونفذ أمره في كل شأن من شؤون الدولة تعطل هذا الرسم وصار صاحبه مرؤوساً للحاجب وأصبح من جملة الجباة، وذهبت تلك الرئاسة التي كانت له في الدولة. وأما دولة بني مرين لهذا العهد فحسبان العطاء والخراج مجموع ،لواحد، وصاحب هذه الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها ويرجع إلى ديوانه ونظره معقب بنظر السلطان أو الوزير، وخطه معتبر في صحة الحسبان في الخارج والعطاء. هذه أصول الرتب والخطط السلطانية، وهي الرتب العالية التي هي . النظر ومباشرة للسلطان. وأما هذه الرتبة في دولة الترك فمتنوعة، وصاحب ديوان العطاء يعرف بناظر الجيش، وصاحب المال مخصوص باسم الوزير، وهو الناظر في ديوان الجباية العامة للدولة، وهو أعلى رتب الناظرين في الأموال، لأن النظر في الأموال عندهم يتنوع إلى رتب كثيرة، لانفساح دولتهم وعظمة سلطانهم واتساع الأموال والجبايات عن أن يستقل بضبطها الواحد من الرجال، ولو بلغ في الكفاية مبالغه فتعين للنظر العام، منها هذا المخصوص باسم الوزير وهو مع ذلك رديف لمولى من موالي السلطان وأهل عصبيته وأرباب السيوف في الدولة، يرجع نظر الوزير إلى نظره ويجتهد جهده في متابعته ويسمى عندهم أستاذ الدولة، وهو أحد الأمراء الأكابر في الدولة من الجند وأرباب السيوف، ويتبع هذه الخطة خطط عندهم أخرى كلها راجعة إلى الأموال والحسبان مقصورة النظر إلى أمور خاصة مثل ناظر الخاص، وهو المباشر لأموال السلطان الخاصة به من إقطاعاته أو سهمانه من أموال الخراج وبلاد الجباية مما ليس من أموال المسلمين العامة، وهو تحت يـد الأمير أستاذ الدار، وإن كان الوزير من الجند فلا يكون لأستاذ الدار نظر عليه، ونظر الخاص تحت يد الخازن لأموال السلطان من مماليكه المسمى خازن الدار لاختصاص وظيفتها بمال السلطان الخاص. هذا بيان هذه الخطة بدولة الترك بالمشرق بعد ما قدمناه من أمرها بالمغرب، والله مصرف الأمور لا رب غيره . .
عامة
۲۳۷
لعل محاولة نقد السابق أمر بحاجة لصفحات، وما الفائدة من ذلك؟ فكما ترى فإن النص يعج بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، مثل الخازن وخازن الدار وأستاذ الدار وأستاذ الدولة وصاحب الأشغال والحاجب. وجميع هذه الأسماء هي لمناصب رفيعة تندرج تحتها مناصب أخرى، وهكذا من تسلسل هرمي. ولعل أول ما يلفت النظر في النص هو قول ابن خلدون بأن ديوان الأعمال والجبايات هو من الوظائف الضرورية للملك لأنها تحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العساكر وتقدير أرزاقهم وصرف الأعطيات. فكما تلحظ فإن من يقومون بهذه الأعمال لابد وأن يكونوا أفراداً متخصصين ومتفرغين لهذه الأعمال. وهؤلاء عادة ما يطالبون بأفراد آخرين ليعينوهم، وهؤلاء بحاجة لآخرين لمعاونتهم، وهكذا يتكون الجهاز الإداري للدولة والذي له نفقاته المبررة. ولأن هؤلاء الأفراد لهم أهواء ومصالح ، فبالتالي سيقربون من يحققون لهم ،مصالحهم، وهكذا يتكون الهرم الإداري
الديوان
דר
الفاسد. فهل فرّغ الرسول صلى الله عليه وسلم فرداً لشغل منصب ما مقابل عطاء «دوري»؟ بالطبع لا. ولكنك قد تقول متعجباً: إن الوضع قد تغير وتعقدت الأمور؟ فأجيب: إن أثبت لك (وسأفعل بإذن الله في هذا الكتاب) بأن
بالإمكان إيجاد مجتمع قوي وعزيز ومنتج باتباع سنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، فعليك أن توافقني.
نعود للموضوع: لقد اعتبر ابن خلدون هذا الهرم الإداري ضرورة من ضرورات الملك. فهو يقرر بأن ديوان الخراج والجبايات بقي بعد الإسلام على ما كان عليه قبل الإسلام بالفارسية في العراق وبالرومية في الشام، وحتى أن كتاب كل ديوان في الإسلام كانوا من نفس الجنس قبل الإسلام. أي أن قيم هذه الدواوين ومن يعملون فيها قبل الإسلام نقلت كما هي للإسلام ثم بعد ذلك بعدة سنوات ترجمت للغة العربية. فحتى وإن تمت أسلمة قيم هذه الدواوين بطريقة أو بأخرى فإن الفكرة الأساسية فيها لاتزال باقية، وهي أن جماعة من الأفراد تفرغوا لشغل هذه المناصب والأعمال وكانوا يقررون ما ينفق على الآخرين، وفي هذا مدخل كبير للأهواء للتحكم في مصير أموال الأمة. وهذا الديوان بكل مفاسده يعتبره ابن خلدون من ضروريات الملك، فهو يقول في صاحب الديوان: «وهذه الوظيفة جزء عظيم من الملك، بل هي ثالثة أركانه لأن الملك لابد له من الجند والمال والمخاطبة ...». يا له من
ضياع
ولكن لنقل بأن هناك حاكماً يخاف الله، وأنه كان عادلاً في الإنفاق، فهل في الدواوين وفي جمع الأموال في بيت المال خير للمسلمين؟ أجيب بأن الإجابة تأتي من نص لابن خلدون. تدبر الاقتباس الآتي، فهو نص مهم:
«الفصل الثاني والأربعون في أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية، والسبب في ذلك أن الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران، فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم تصرفها في مصارفها، قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية وانقطع أيضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم، وقلت نفقات جملة، نفقاتهم وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق ممن سواهم، فيقع الكساد حينئذ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك، لأن الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات ونفاق الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج فإن الدولة كما قلناه هي السوق الأعظم، أم الأسواق كلها وأصلها ومادتها في الدخل والخرج، فإن كسدت وقلت مصارفها فأجدر بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه، وأيضاً فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان منهم
إليه ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية سنة الله في عباده» .
۲۳۸
إن النص السابق يصف حركات انتعاش وانتكاس الاقتصاد في الدول الإسلامية. لاحظ أخي القارئ أن ابن خلدون يبتدأ نصه بربط شديد بين الجباية والعطاء. فهو يؤكد على أن النقص في الجباية هو بسبب النقص في العطاء، وفي هذا انتكاس للاقتصاد والعطاء بالطبع من السلطان. أي أن هناك دورة اقتصادية محورها السلطان وأعطياته، فإن أمسك السلطان المال تأخر النشاط الاقتصادي، وهذا ما يؤكده نصه بالقول: «ذلك أن الدولة السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران». ثم يعلل سبب كون الدولة والسلطان السوق الأعظم ومنه انتعاش العمران بالقول: «فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم تصرفها في مصارفها، قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية وانقطع أيضاً ما كان يصل منهم الحاشيتهم وذويهم، وقلت نفقاتهم جملة». تأمل هذا القول ما أشده، فهو يدل على أن الاقتصاد في معظم دول العالم الإسلامي كان يعتمد على ما ينفقه السلطان على
والسلطان
هي
هي
٦٦٨ 🗏
عصر
من حوله وهؤلاء ينفقون على آخرين فيقومون بالشراء الذي يحرك الاقتصاد. أي أن حركة الاقتصاد وكأنها حكر على سخاء السلطان. أما إن احتجن السلطان الأموال، أي احتبسها ولم ينفقها فإن الخراب آت لا محالة. فعلى ماذا يدل هذا أخي القارئ؟ يدل على أن معظم الأموال في المجتمع كانت تنتهي بيد السلطان من خلال الجبايات والمكوس ثم إن حبست خُنق الاقتصاد، وإن أنفقت تحرك الاقتصاد. وهنا أريدك أن تلحظ أن الإنفاق إن استثنينا الخلفاء الراشدين وبعض الحكام مثل عمر بن عبد العزيز فإنه في الغالب على الجند ومن يعملون لدى السلطان، وهؤلاء في الواقع عاطلون، فلا إنتاج لهم إلا خدمة النظام بحمايته أو ترفيهه، أي أنهم بالنسبة للإنتاجية الاقتصادية عاطلون، فهم لا ينتجون أعياناً مستهلكة كالملابس والمأكولات والأجهزة، بل هم مستهلكون فقط إلا أنهم بيروقراطيون (أي بطاله مقنعة، ، وسيأتي بيان ذلك في الحديث عن العلاقة بين الإنتاجية والبيروقراطية بإذن الله). ولكن لماذا يحدث هذا الكساد أو الانتعاش بسبب مستوى إنفاق السلطان؟ والإجابة تأتي من النص أيضاً، فهو يقول بأن الأقوى مالياً في المجتمع هم من حول السلطان. أنظر لقوله واصفاً من يعملون أو هم . حول السلطان، يقول ابن خلدون: «وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق ممن سواهم. والعبارة السابقة تدلك على أن القوة الشرائية لمن هم حول السلطان هي الأقوى. فماذا يحدث إن لم ينفق هؤلاء الأموال؟ تأتي الإجابة أيضاً من النص فيصف قائلاً: «فيقع الكساد حينئذ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك». ولكن لماذا سيؤدي إلى قلة الخراج؟ تأتي الإجابة أيضاً من النص بالقول: «لأن الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات ونفاق الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح، ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج». هكذا يستمر النص الذي إن قرأته مرة أخرى ستقتنع بأن الاقتصاد كان في دول العالم الإسلامي اقتصاداً مربوطاً بالدولة بالدرجة الأولى، وهذا ما يؤكده ابن خلدون بقوله: «فإن الدولة كما قلناه هي السوق الأعظم أم الأسواق كلها وأصلها ومادتها في الدخل والخرج، فإن كسدت وقلت مصارفها فأجدر بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه، وأيضاً فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان: منهم إليه ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية، سنة الله في عباده». والمثير في السابق هو العبارة الأخيرة، أي قول ابن خلدون: «سنة الله في عباده»، وفيها إشارة إلى تقبل ابن خلدون للنظام الاقتصادي المربوط بالسلطان، لدرجة أنه وصفه بأنه «سنة الله». ولكن تذكر بأنه ما تم ربط الاقتصاد بالسلطان إلا من خلال الديوان بالدرجة الأولى. فتأمل كيف تغلغل الديوان كمؤسسة وكأنها ضرورية للمجتمع المسلم، فلم يناقشه الفقهاء وتقبله أبرز عالم اجتماع على أنه سنة الله . وهنا أقول: معاذ الله أن تكون هذه سنته جل جلاله. فهو العدل الحكم الحكيم اللطيف العليم الخبير الذي هدى الأمة لسنة لا تربط الناس بالسلطان اقتصادياً، فما ذنب الناس إن طغى السلطان؟ بالطبع، إن هم اتبعوا نظاماً يضع الأموال في يد السلطان وسكتوا عليه فإن مصيرهم مرتبط بأهواء السلطان. أما إن حكم المجتمع بما أنزل الله، فإن الحاكم سينقاد لما أنزل الله رغماً عنه كما سيأتي توضيحه بإذن الله. يالها من كارثة اقتصادية أخي القارئ إن قارنت ما في النص السابق بما حاولت إثباته في الفصل السابق من ضعف الدولة مالياً. فالاقتصاد في عهده صلوات ربي وسلامه عليه لم يكن مربوطاً بالدولة أبداً، بل هو حر يتحرك بين الناس بناءً على مقدراتهم وعزائمهم، ولأن الناس ليسوا مقيدين بالدولة فإنهم في انطلاق مستمر وبالتالي في عطاء دائم. وسيأتي بيان الفرق بين الحالين بإذن الله. ولكن المهم لنا الآن هو أن الديوان كمؤسسة وكأنها شرعية أصبحت أداة لأخذ المكوس (وسيأتي إثبات هذا بإذن الله)، فتجمعت الأموال لدى السلطان الذي حتى وإن كان عادلاً في إنفاقها فإنه سيوجد اقتصاداً يعتمد
الديوان
٦٦٩
على من يعملون لدى الدولة في الإنفاق، وهؤلاء أفراد بيروقراطيون لا ينتجون أعياناً مستهلكة كالتجار والصناع، أناس مستهلكون، وهذا ما يُضعف الأمة جيلاً بعد جيل. أي حتى وإن كان الحاكم الأمة عادلاً فإن مصير
بل هم
إلى الضياع بسبب الديوان.
والآن لنأخذ نصاً آخر من كتاب الخراج وصناعة الكتابة» لترى كيفية تغلغل البيروقراطية عميقاً في مؤسسة الديوان، وبالتالي في تركيب ما يسمى بالدولة الإسلامية. وبإمكانك أخي القارئ قفز قراءة الآتي أو قراءة بعض أسطره فقط، فهو اقتباس ممل وما أردجته هنا إلا لتتذوق الإجراءات البيروقراطية في الدواوين المختلفة. فقد بدأت الدواوين في التعدد والتخصص:
«في ذكر ديوان الجيش قال قدامة: أول ما ينبغي أن نبتدئ به من أمر هذا الديوان في ذكر مجالسه وتبين أسمائها ومعانيها ثم تتلو ذلك بالأعمال التي يدعو فيه عليها فنقول: أن قسمة هذا الديوان يكون على مجالس منها الديوانان اللذان ذكرناهما فيها. ومنها ما يختص باسم بها دونهما، فأما ما يشارك فيه ما تقدم من المجالس والإنشاء والتحرير والاسكدار، وقد شرحنا من أحوال هذه المجالس بديوان الخراج ما فيه كفاية. وأما ما يختص به مما لا يشاكل شيئاً مما تقدم ذكره إلا بالمقاربة لما وصفناه من حال بعض أعمال الجيش في ديوان الخراج فهما مجلسان: يسمى أحدهما : ا مجلس التقرير، والآخر مجلس المقابلة. والذي يجري في أمر التقرير فهو أمر استحقاقات الرجال والاستقبالات وأوقات أعطياتهم وسياقة أيامهم وشهورهم على رسومها، وعمل التقدير لما يحتاج إلى إطلاقه لهم من الأرزاق في وقت وجوبها وتجريد النفقات التي تنفد لوجوهها والنظر في موافقات المنفقين وإخراج جراياتهم وما شاكل هذه الأشياء وجانسها. ومجلس التقرير بديوان الجيش يكون عليه الرجوع في أكثر أعماله ومجراه في ديوان الجيش مجلس الحساب من ديوان الخراج. وقد ذكرنا مجلس الجيش بديوان الخراج من رسوم الرجال في الأطماع والشهور ما فيه كفاية يغني عن مثله في هذا الوضع إذ كنا إنما جعلنا هذا الكتاب منازل تكون كل منزلة منها كالمقدمة للتي بعدها، فأما ما يجري في مجلس المقابلة فهو النظر في الجرائد وتصفح الأسماء ومنازل الأرزاق والأطماع والخراج بالخلائق فيما يرد من دفوع المنفقين ويصدر ويرد من الكتب، ومنهم من يجري هذا المجلس في ديوان الجيش مجرى التفصيل من ديوان الخراج الذي ذكرنا أحوال ما يجري فيه من الأعمال. وينقسم كل مجلس منها من مجالس ديوان الجيش إلى العساكر ، مثل العسكر المنسوب إلى الخاصة والعسكر المنسوب إلى الخدمة وما في النواحي من البعوث ومن كان حافظاً لما ذكرناه في مجلس الجيش بديوان الخراج أطرد له العمل في الجيش على تلك السياقة، فقد رسمنا هناك ما إذا جرى الأمر بحسبه كان فيه بلاغ وكفاية، بل يبقى مما لم نذكر في ذلك الموضع لعملنا على ذكره في موضعه من ديوان الجيش حلى الرجال وشيات الخيل والبغال، فيمكن الآن حيث نأخذ في تعريف ما يستعمله الكتاب من وصف الحلى وشيات الدواب على ما جرت ...
۲۳۹
.«...
في ذكر ديوان النفقات قال قدامة هذا الديوان تقسم مجالسه على حسب ما يجري فيه من الأعمال، فمن ذلك الجاري وله مجلس مفرد يسمى مجلس الجاري، ويفرد العمل مما يعمل في ديوان الجيش. ومجلسه في ديوان الخراج إذ كان الذي يحتاج إليه من ذلك إنما هو الجرائد تصنف من المرتزقة وسياقة وقت الاستحقاقات وما جرى هذا المجرى، إلا أن شهور الإعطاء ليست تجري على الرسوم التي يجري أمر الجيش عليها، بل يكون في الأكثر على الشهر المنسوب إلى الحشم الذي أيامه خمسة وأربعون يوماً، وربما كانت خمسين يوماً، وربما كانت ثلاثين يوماً، إلا أن المعمول من الجاري في
٦٧٠ 🗏
فكذلك
ديوان النفقات أكثر من ذلك، إنما هو خمسة وأربعون يوماً، ومن الإنزال، ولها مجلس ينسب إليها فيقال مجلس الإنزال، والذي يجري فيه هو كلما يقام من الإنزال وفي هذا المجلس يحاسب التجار الذين يقيمون الوظائف من الخبز واللحم والحيوان والحلوى والثلج والفاكهة والحطب والزيت وغير ذلك من سائر صنوف الإقامات. ولا تزال تسميته بمبالغها يجري على رسوم قديمة لا يستغني الكاتب ن ٤ عن عملها، وهي ما ينسب من الخبز إلى الوظيفة ...».
ألم أقل لك أخي القارئ بأن الاقتباس السابق نص ممل وكان عليك أن تقفزه؟ وإن قرأته ومللت منه، جميع الأعمال البيروقراطية المعاصرة، فهي كئيبة ومملة. ولكنك قد تقول: ولكن هذا شر لابد منه، فكيف ستسير المجتمعات دون هذه البيروقراطيات التي تنظم لنا شؤون حياتنا ؟ للإجابة أريدك أخي القارئ أن تتذكر منحلاً وكيف أن كل نحلة فيه تعمل في صمت وتؤدي واجباتها دون مستندات ورقية إرشادية، أي دون أية بيروقراطية تذكر، ذلك ، ومع تنتج عسلاً وبأقصى طاقة ممكنة. بالطبع ستضحك من هذا المثال وتقول: ولكن النحل كائن مبرمج ومسخر لعمل محدد، وليس كالإنسان الذي له أهواء ومطامع، وبهذا سيتصارع الناس، فإن ترك الأمر هكذا دون سيطرة من السلطان ستعم الفوضى، والسلطان لا يستطيع أن يسيطر إلا بالأعوان (الموظفين) ومنهم الجنود، وهذا يتطلب الديوان أو ما شابه من الدوائر الحكومية، فإن ترك الأمر من دون كل هؤلاء الأعوان فإننا لن نحصل على خلية نحل، بل سنحصل على حلبة مصارعة، أي بيئة تعمها الفوضى والفساد في كل أركانها. هنا أجيب راجياً منك التأني قبل الحكم، فهذا هو لب كتاب «قص الحق»: فكما تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم من نشر الإسلام دون ديوان وبالتالي دون بيروقراطية، بل بالقليل من الموارد التي لدى الأفراد من حوله، وهذه مهمة شاقة جداً لأنه تمكن أيضاً من تغيير «عقيدة» الناس في الجزيرة العربية، كذلك سيتمكن المسلمون من الذود عن أوطانهم وتسيير جميع شؤون حياتهم من دون البيروقراطية التي تفرضها تركيبات الدول المعاصرة وذلك لأن مقصوصة الحقوق توجه الناس في مسارات إنتاجية متعددة دون التصادم المتوقع فيما بينهم. ولأنه لا بيروقراطية، بل انطلاق وعطاء للجميع، فإن الإنتاجية ستزداد كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله . والآن لننظر لنص آخر من كتاب «الذخيرة» لترى كيف أن الديوان تطور واحتاج للأموال التي جمعت في بيت المال لدرجة أن بيت المال أصبح جهة تقوم بالبيع والشراء للأملاك (وهذا شيء لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم قط)، فالآتي هو نموذج للإجراءات التي يجب أن تتبع عند بيع أو شراء عقار من أو إلى بيت المال، وهنا أيضاً يمكنك قفز الاقتباس الآتي أخي القارئ، فهو نص ممل مغم جداً:
مستقلة
«فصل: وان كان المشتري سلطاناً أو عظيماً ذكرت من النعوت ما جرت به العادة لمثل ذلك العظيم. وإن اشترى وكيله له بدأت بذكر العظيم فقلت: هذا ما اشترى فلان الفلاني إلى آخر نعوته وكيله وعدى نعمته والمعترف بخدمته فلان بن فلان المبارك النامي وأمره العالي وتوكيله إياه في ابتياع ما يذكر فيه بالثمن الذي تعين فيه، وفي التسليم والتسلم الذي يشرح فيه : شهد عليه بذلك أدام الله أيامه من يتعين فيه برسم شهادته آخره من فلان ابن فلان الفلاني جميع الدار الفلانية، وتكمل المبايعة. وإن كان البائع وكيل السلطان لبيت المال كتبت مشروحاً على بعض المهندسين بـشـاهـديـن مثاله مشروح رقمه كل واحد من فلان وفلان على العقار بالبلد الفلاني بقبضه حال الدار الكاملة الجارية في ديوان المواريث الحشوية، فتوصف وتحدد وتذكر حقوقها أنهما شاهدا الدار المذكورة على الصفة المشروحة أعلاه، وأحاطوا بها علماً وخبرة، وكتب هذا المشروح ليبقى علمه في الديوان المعمور،
الديوان
وتؤرخ ثم تكتب مسطور المهندسين. وشهد في آخره شهود القيمة والمهندسين مثاله يقول كل واحد من فلان وفلان وفلان المهندسين عن العقار بالبلد الفلاني أنهم صاروا صحبة القاضي فلان وكيل بيت المال المعمور إلى جنب الدار التي ذكرها ووصفها وحددها فيه الجارية في ديوان المواريث الحشرية، وهي بالبلد الفلاني وتوصف وتحدد وشاهدوها بالنظر، وأحاطوا بها علما وخبرة وقوموها بما مبلغه كذا وكذا، وقالوا أن ذلك قيمة المثل يومئذ لا حيف فيه ولا شطط ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ والمصلحة في البيع بذلك. وتؤرخ ثم تكتب مسطوراً على سماسرة العقار على ظهر الحجة مثاله، يقول كل واحد من فلان وفلان المناديين على العقار بالبلد الفلاني أنهم أشهروا ما ذكر باطنه في مظان الرغبات ومواطن الطلبات في صقعها وغيره من الأصقاع، دفعات متفرقة وأوقات متعددة، فلم يسمعوا ولا حضر إليهم زائد على ما قوم باطنه، وتؤرخ وشهد عليهم، ثم تكتب قضية يوقع المقام السلطاني ويكتب عليها صاحب الديوان، ويخرج على ظهرها الحال، ثم يوقع صاحب الديوان، ثم يجاوب وكيل بيت المال، ثم يوكل صاحب الديوان ويلصق الحجة على القصة، فإذا كمل ذلك كتبت مبايعة من وكيل بيت المال المعمور القائم في بيع ما يذكر فيه بحكم الوكالة التي بيده المفوضة إليه من المقام السلطاني. وتذكر النعوت المدعا التي جعل له فيه بيع ما هو جار في أملاك بيت المال المعمور، وغير ذلك مما نص وشرح فيها الثابت في مجلس الحكم العزيز بالبلد الفلاني الثبوت الصحيح الشرعي المتوجه بأمثالها، كذا أنثى منه محضه ذلك جميع الدار الفلانية الجارية في رباع المواريث الحسرية المقبوضة عن فلان المتوفى أو الذي أظهرها الكشف وتوصف وتحدد شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه كذا حالة، وذلك محمول إلى بيت المال المعمور على ما يشهد به وصول بيت المال المعمور المشروح آخره، وتسلم المشتري المذكور ما ابتاعة بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية والتفرق بالأبدان عن تراض وانقضى أمد الخيار الشرعي الذي اشترطه البائع على المشتري المذكور، وهو كذا س ٤ وأقر المشتري المذكور أن ذلك جار في أملاك بيت المال المعمور، ... » .
٦٧١
هامش
ن٤) وجاء أيضاً: «في ديوان بيت المال: قال أبو الفرج: هذا الديوان س٤) وتكملة ما جاء في النص: «والسبب في هذه المبايعة أن المشتري ينبغي أن يعرف غرضه، فإن علم ذلك دليل على الحال فيه، والغرض المذكور رفع قصة مترجمة باسمة إذ هي فيها بعد البسملة والدعاء، منه إنما هو محاسبة صاحب بيت المال على ما يرد عليه من الأموال وتنقل جميع ما في القصة فوقع على ظهرها من جهة متولي الديوان ويخرج من ذلك في وجوه النفقات والإطلاقات إذا كان ما يرفع من مثاله امتثل المرسوم، وتنقل أولها إلى عقد الصفة فتكتب، وقد ذكر الختمات مشتملاً على ما يرفع إلى دواوين الخراج والضياع من الحمول فيه من الصفات والحدود ما وفق أعلاه، وتكتب تاريخه ثم تلاه توقيع وسائر الورود، وما يرفع إلى ديوان النفقات مما يطلق في وجوه كريم مثاله ليقف المجلس، وتنقل جميع ما فيه ثم تلاه جواب متولي النفقات، وكان المتولى لها جامعاً للنظر في المرين ومحاسباً على الأصول الوكالة الشريفة بما مثاله امتثل المملوك فلان، وتنقل جميع ما فيه والنفقات، فإذا أخرج صاحب دواوين الأصول وأصحاب دواوين فنحى هذا المشتري وصولاً من بيت الملك المعمور في هذا شهد له النفقات ما يخرجونه في ختمات بيت المال المرفوعة إلى دواوينهم من بحمل الثمن المذكور، ونسخته بعد البسملة، وتنقل جميع ما فيه ثم الخلاف سبيل الوزير أن يخرج ذلك إلى صاحب هذا الديوان ليصفحه تلاه توقيع كريم مثاله إذا كان وتنقل جميع ما فيه وذلك إن أخذت ويخرج ما عنده فيه . ومما يحتاج إلى تقوية هذا الديوان به ليصح الحجة الملصقة بأعلا التوقيع الديواني المتضمنة الإشهاد على كل واحد أعماله وينتظم أحواله ويستقيم ما يخرج منه أن يخرج كتب الحمول من فلان وفلان المهندسين على العقار والبلد الفلاني أن القيمة المعينة من جميع النواحي قبل إخراجها إلى دواوينها إليه ليثبت فيه ، وكذلك فيها وهي من الدراهم كذا. سائر الكتب النافذة إلى صاحب بيت المال من جميع الدواوين بما شطط ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ والمصلحة في البيع بذلك، وهي يؤمر بالمطالبة به من الأموال. ويكون لصاحب هذا الديوان علامة مؤرخة بكذا وبآخرها رسم شهادة فلان وفلان شهدا بأن القيمة على الكتب والصكاك والإطلاقات يتفقدها الوزير وخلفاؤه المذكورة قيمة المثل وهذا لا حيف فيها ولا شطط، وعلى ظهر هذا ويراعونها ويطالبون بها إذا لم يجدوها لئلا يتخطى أصحابها الإشهاد على فلان وفلان المناديين على العقار بالبلد الفلاني بأنهما والمدبرون هذا الديوان، فيختل أمره ولا يتكامل العمل فيه، فإن هذا أشهرا ذلك في مظان الرغبات بصقعه وغيره فلم يحضر من بذل زائداً الديوان إذا استوفيت أعماله كان مال الاستخراج بالحضرة والحمول على ما قوم، فلما تكامل ذلك كله ووقع الإشهاد على القاضي فلان من النواحي مضبوطا به ...» (٢٤٠). البائع والمشتري بما نسب إلى كل منهما بتاريخ كذا ...» (٢٤١).
هي
قيمة المثل يومئذ لا حيف فيها ولا
٦٧٢ 🗏
ما
ولعلك تسأل: إن كان النص مملاً، فلماذا وضعته؟ والإجابة هي: يجب علي ذلك لأنه دليل على البيروقراطية القاتلة. فلأن بيع أو شراء عقار ما لبيت المال يتطلب أمانة قصوى، وخوفاً من أن يتلاعب المسؤول عن بيت المال ببيع عقار تابع لبيت المال بسعر زهيد لقريب ما أو مقابل رشوة ما، أو خوفاً من أن يستثمر بيت المال في شراء عقار بسعر مرتفع مقابل رشوة ما، وحفظاً لأموال الدولة، فقد وضعت مثل هذه التسلسلات من الإجراءات الروتينة لا مفر منها ضماناً للحد . التلاعب في الأملاك العامة كما هو . من الأنظمة حال جميع المعاصرة. وبالطبع فلعلك تتساءل هنا ولكن لا مفر من هذه الأنظمة للحد من تلاعب الناس بأملاك الدولة، وأملاك الدولة، أو الملكيات العامة في الدول المعاصرة، أمر ضروري لاستقرار واستمرار الحياة فأجيب أرجو الانتظار أيضاً، فنحن لسنا بحاجة لأملاك عامة للدولة حتى يكون المجتمع المسلم عزيزاً وسعيداً ومنتجاً، كما سترى بإذن الله.
التي
الاشتراكية
كما يقال، فإن هناك فرق بين النظرية والتطبيق، فبإمكان باحث ما التنظير بكل حرص باستخدام جميع أنواع الأبحاث، إلا أن هذه النظريات إن نزلت إلى أرض الواقع فإن التطبيق سيأتي بنتائج قد تكون ضد التوقعات التي اعتقدها المنظر. هذه هي كارثة العقل البشري كما ذكرنا في أول الكتاب. فالعقل قاصر لا محالة. وهذا الذي أحدثته التنظيرات الفقهية التي اعتمدت على الرأي. لنأخذ مثالاً، فكما مر بنا فإن المذهب الحنفي هو المذهب الذي يأخذ بالرأي مقارنة بالمذاهب الأخرى، فبرغم كل الحرص الذي أظهره فقهاء المذهب الحنفي في تبيان نفقات أموال بيت المال حتى لا يتلاعب بها الحكام إلا أن المحذور قد وقع. كيف؟
لقد
قسم علماء الحنفية مصارف بيت مال المسلمين إلى أربعة أنواع، ولكل نوع مصارفه، وهي:١) زكاة الأموال الظاهرة والعشر وتصرف فيما ذكره سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (۲) خمس الغنائم والمعادن والركاز ومصرفها ما بينه سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَاعْلَمُوْا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمْسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيل إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (۳) اللقطات وتركات المسلمين التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يرد عليه كأحد الزوجين وديات القتلى الذين لا أولياء لهم ومصرفه في اللقيط الفقير والفقراء الذين لا أولياء لهم. (٤) الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة وتركاتهم التي لا وارث لها وخراج الأراضي والهدية التي تصل إلى الإمام من أهل الحرب وما يؤخذ منهم من المال على ترك كالقتال قبل نزول العسكر بساحتهم وما يأخذ العاشر من أهل الذمة والحربين إذا مروا عليه. وكما قال العبادي فإن مصرف ذلك المصالح العامة، كسد الثغور وبناء القناطر وحفر الجسور، وكفاية القضاة والعلماء وذراريهم والعمال والمقاتلة وذراريهم وآلات القتال، وحفر الأنهار العامة، وبناء المساجد، والصرف على طلبة العلم ما دواموا في طلبه، لأنهم وإن كانوا قبل أن يتأهلوا عاملين لأنفسهم، لكن ليعملوا بعده للمسلمين». ويقول العبادي أيضاً: «وقد أكد الأحناف على أن على الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع الأربعة بيتاً يخصه، ولا يخلط بعضه ببعض، لأن لكل نوع حكماً يختص به ...».
٢٤٢
٦٧٣
الديوان
لعلك لاحظت أخي القارئ من السابق أن مذهب الأحناف في مصارف بيت المال يذهب بالأموال للناس في معظم الأحوال كما تأمر الشريعة، ولكن لا يرى بأساً من استحداثين أتيا من الرأي (أي أن لدينا تنظيراً جديداً): الأول هو جواز إنفاق أموال بيت المال على بناء القناطر وحفر الجسور وما شابه من مرافق أو أملاك عامة، وهذا أمر لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل أفضل مثال على هذا هو حفر الخندق في غزوة الخندق. لقد حاصر المشركون المسلمين في المدينة المنورة وتحزبوا ضدهم من كل جانب مما دفع المسلمين كما هو معلوم لحفر خندق لمنع المشركين من الوصول للمسلمين. فهل هناك وضع حرج في تاريخ المسلمين إلى قيام الساعة كان فيه المسلمون بحاجة للمصلحة العامة أكثر من حفر ذلك الخندق؟ أي أيهما أكثر مصلحة للمسلمين، تعبيد طريق يربط بين مدينتين حيويتين أم حفر الخندق يومئذ ؟ وأيهما أكثر ضرورة للأمة المسلمة، بناء جسر أو مدرسة أو مستشفى ما أم حفر الخندق يوم تحزب الكفار على المسلمين؟ بالطبع ستقول: إن في عدم حفر الخندق وضع قد يؤدي للقضاء على الإسلام حينئذ . ولعلك تضيف: إن حفر الخندق ضرورة قصوى ما بعدها ضرورة ومصلحة واضحة يجب أن تتحقق. كل هذا يكون السؤال: هل حاول الرسول صلى الله عليه وسلم حفر الخندق بأموال الفيء أو الزكاة؟ لقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم إن لم يكن لديه فيء أن يقترض من المسلمين ثم يسدهم، أو من يهودي ما ويسده لاحقاً. وهناك ألف طريقة وطريقة للحصول على المال لينفقه على حفر الخندق كأن يعد من يعمل في الحفر من الصحابة بأجر مالي مستقبلي، إلا أنه لم يفعل ذلك أبداً لأنه إن فعل لكان فعله ذريعة لكل من أتى من بعده من الحكام لإنفاق المال على مثل هذه الأعيان كالطرق والجسور والمدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والصرف الصحي وما شابه من مرافق لا يمكن أن ترتقي في أهميتها لحفر الخندق. فتأمل هذه الحكمة العميقة من هذه السنة. بل قام الصحابة كل قدر استطاعته بالعمل يداً بيد لحفر الخندق الذي بلغ طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه عشرة أذرع وعمق يوقف الأعداء من النزول فيه في أرض صخرية، وكل هذا كان في شتاء بارد وتم خلال أسبوع. أي أنه صلى الله عليه وسلم لم يستثمر أموال بيت المال في الأملاك العامة قط، بل فقط في بعض الناس كما مر بنا (تذكر بئر رومة). وبالطبع كما بينت عند الحديث عن التشابك فإن في الإنفاق على المرافق استحداث للتشابك بين أفراد المجتمع، ولهذا التشابك سلبياته كما سيأتي بإذن الله.
ومع
جسر
ع٤
ولعلك الآن ستثير السؤال الآتي: كيف يمكن لنا أن نتصور أمة لا تقوم فيها الدولة بتوفير الأعيان الأساسية التي يحتاجها الناس مثل الطرق والجسور والخدمات الأساسية الضرورية للناس مثل التعليم والصحة؟ وماذا سيحدث إن رفض الناس المشاركة في حفر خندق أو ترميم حصن أو بناء . ما؟ ولعلك هنا بهذا السؤال تبرر للدولة أخذ المال لتنفق على هذه الضروريات وبهذا تجتمع الأموال تحت تصرف السلطات لتنفقها في المصلحة العامة. فأجيب: سأثبت لك بإذن الله أن الأمة ستكون في وضع أفضل إن تم توفير هذه الأعيان والخدمات بطريق آخر دون تدخل الدولة، فهذه الضروريات المشاعة كل حسب ظرفه ووضعه سيتم تقديمها للناس بتكلفة أقل وجودة أفضل وكفاءة أعلى فستنتشر المستشفيات الخاصة التي توفر العلاج، وستفتح المدارس المتميزة التي تقدم
هامش
عـ٤) وهنا أذكرك أخي القارئ بالفخ الذي تحدثنا عنه في ثراء عبد النفقات للناس للقيام بمثل هذه الأعمال العامة. وبالطبع فإن إجابتي الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقد يقول قائل أن الصحابة رضوان هي نفسها، وهي أن معدن الناس لن يكون كحالنا اليوم إن طبقت الله عليهم قد حفروا الخندق طوعاً لأنهم ذو معدن مختلف، وأن هذا مقصوصة الحقوق.
لن يحدث الآن لاختلاف الناس. لذلك لابد من الأموال للدولة لدفع
٦٧٤ 🗏
العلم، وستعبد الطرق بأرقى المواصفات لتصل إلى كل مكان، وكل هذا وما شابه من ضروريات سيتم تقديمها من خلال الناس أنفسهم وبأموالهم إن طبقت الشريعة، تماماً كما حفر الصحابة الخندق. فقط لنترك هذا السؤال جانباً الآن فسيأتي بيانه وبتفصيل بإذن الله في الحديث عن «الأماكن». وسترى بإذن الله بأن الناس سيتسابقون لتغطية هذه الخدمات إما تطوعاً أو مقابل الربح.
الاستحداث الثاني هو أن المذهب الحنفي لا يرى بأساً من مرور الأموال في بيت المال أولاً لدرجة استحداث أربعة أماكن منفصلة، كل منها بيت مال يختص بنوعه. وعندما تجتمع الأموال في مكان محدد وللمسؤول عن هذا المكان، أي السلطان، الحق في التصرف فيه ظاناً بنفسه أنه يعمل للمصلحة العامة، فماذا نتوقع من السلطان إن لم يكن ربانياً. أي إن تجمعت الأموال والسلطة في يد شخص واحد أو جهة واحدة فماذا نتوقع؟ إنه الفساد المطلق إلا إن كان الحاكم ربانياً. وهذا أمر نادر. وهل تخاطر الشريعة بمستقبل الأمة المسلمة بوضع المال والسلطان في يد جهة واحدة، أم أنها تحاول تلافي ذلك ابتداءً ؟ أي رغم هذا الحرص من فقهاء المذهب الحنفي أثابهم الله، إلا أن هذان الاستحداثان أديا إلى فتح أبواب الإنفاق ليس بالضرورة للأفراد مباشرة، ولكن لمشروعات قد يساء استخدامها تحت ذريعة أنها نفقات للمصلحة العامة. ولكن ماذا عن الفقهاء الآخرين وعن المذاهب الأخرى؟ هي أيضاً كما مر بنا في الفصل السابق (ولكن ببعض التقييد) لا ترى بأساً من إنفاق الأموال على المصالح العامة وليس بالضرورة على المخصصين أو المسمين في الآيات الثلاث فقط (أي آيات الصدقات والغنائم والفيء). لنأخذ بعض الأمثلة: فقد جاء في كتاب الأموال مثلاً: «عن أنس بن مالك والحسن قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية. قال اسماعيل: يعني أنها تجزي من الزكاة». وكما تنص آية الصدقات فإن مصارف الزكاة هي لثمانية جهات من الأفراد فقط وليست لأعيان كالجسور والطرق أبداً. وهناك نص آخر لابن تيمية يتحدث فيه عن مصارف أموال بيت المال عموماً في كتابه السياسة الشرعية يقول فيه: «وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه من سداد الثغور بالكراع والسلاح وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس كالجسور والقناطر وطرقات المياه كالأنهار». ٢٤٣ وكما ترى فإن النص يجيز صرف الأموال على الأعيان العامة كالطرق والقناطر. وهناك نص آخر ومهم لابن تيمية قد مر بنا
في الفصل السابق، ولكن نظراً لأهميته سأكرره هنا، فهو يلخص مصارف الفيء في مذاهب الأئمة قائلاً:
«وهذا الفيء لم يكن ملكاً للنبي في حياته عند أكثر العلماء. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد كان ملكاً له. وأما مصرفه بعد موته فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين الذين يقاتلون الكفار فإن تقويتهم تذل الكفار ، فيؤخذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين أم تختص به المقاتلة على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لكن المشهور في مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها. وعلى القولين يعطى من فيه منفعة عامة لأهل الفيء، فإن الشافعي قال: ينبغى للإمام أن يخص من في البلدان من المقاتلة، وهو من بلغ ويحصى الذرية، وهي من دون ذلك والنساء، إلى أن قال: ثم يعطى المقاتلة في كل عام عطاءهم، ويعطى الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم. قال: والعطاء من الفيء لا يكون إلا لبالغ يطيق القتال. قال: ولم يختلف أحد ممن لقيه في أنه ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإن فضل من الفيء شيء وضعه الإمام في أهل الحصون والازدياد في الكراع والسلاح وكل ما يقوى به المسلمون، فإن استغنوا عنه وحصلت كل مصلحة لهم فرق ما يبقى عنهم بينهم على قدر ما يستحقون من ذلك المال . قال : ويعطى من الفيء رزق العمال
الديوان
٦٧٥
والولاة وكل من قام بأمر الفيء من وال وحاكم وكاتب وجندى ممن لا غنى لأهل الفيء ء عنه. وهذا مشكل مع قوله أنه لا يعطى من الفيء صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة ولا ضعيف لا يقدر على القتال لأنه للمجاهدين، وهذا إذا كان للمصالح، فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة كالمجاهدين وكولاة أمورهم من ولاة الحرب وولاة الديوان وولاة الحكم ومن يقرئهم القرآن ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم ويؤذن لهم، ويصرف منه في سداد ثغورهم وعمارة طرقاتهم وحصونهم ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضاً، ويبدأ فيه بالأهم فالأهم، فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا منفعة فيهم . هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. قال أصحاب أبي حنيفة: يصرف في المصالح ما يسد به الثغور من القناطر والجسور، ويعطي قضاة المسلمين ما يكفيهم، ويدفع منه أرزاق المقاتلة، وذوو الحاجات يعطون من الزكوات ونحوها، وما فضل عن منافع المسلمين قسم بينهم . لكن مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد أنه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر المال أعطى منهم . عامة المسلمين، فكان لجميع أصناف المسلمين فرض في ديوان عمر بن الخطاب غنيهم وفقيرهم. لكن كان أهل الديوان :نوعين مقاتلة وهم البالغون وذرية وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال .. هذا فالواجب تقديم الفقراء على الأغنياء الذين لا منفعة فيهم، فلا يعطى غنى شيئاً حتى يفضل عن الفقراء. هذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه، ومذهب الشافعي كما تقدم تخصيص الفقراء بالفاضل، ... » .
٢٤٤
ومع
وهنا أريدك أخي القارئ أن تلحظ أنه إن لم تقسم الغنائم فإن الأراضي المفتوحة عنوة تصبح وقفاً للمسلمين فيذهب خراجها لبيت المال فيصير فيئاً. أي أن الغنائم تنقلب إلى فيء إن لم تقسم الغنائم. وهذا ما حدث كما وضحت في الفصل السابق. ومن ثم فإن هذه الأموال بهذه الكميات الكبيرة بسبب التنظير بالرأي أصبحت سلاحاً في أيدي السلطات لتسخرها كيف شاءت لأن الحق لها (كما يُعتقد) شرعاً أن تنفقها في ما ترى فيه المصلحة. وكما ترى من الاقتباس السابق لابن تيمية فإن الفقهاء وضعوا قائمة من النفقات المهمة التي ظنوا أنها تجلب الخير للمسلمين سواء كان الإنفاق على الأفراد من غير المخصصين في الآيات الثلاث مثل المؤذنين وطلاب العلم، أو الإنفاق على المشروعات مثل الجسور والقناطر. والسؤال هو: هل مثل هذه القوائم تجلب الخير للمسلمين أم أن هناك طریق آخر أسلم وآمن واكد من النفقات لجلب الخير؟ والإجابة هي أننا إن طبقنا الشرع كما أنزل دون تنظير أو اجتهاد فإنه لا مال في بيت المال وبالتالي سيزدهر المجتمع من خلال انطلاق الأفراد وثرائهم وينتشر الخير في كل مكان كما سترى بإذن الله. أما إن تجمع المال في بيت المال فإن السلطان أو السلطات هي المسيطرة لا محالة ولهذا عواقب وخيمة. لأضرب مثلاً واحداً، فقد جاء في الأثر الآتي عن الحسن البصري:
«لما ولي عمر بن هبيرة الفزارى العراق وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي سنة ثلاث ومائة فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أمره أعرف في تنفيذه الهلكة، فأخاف إن أطعته غضب الله، وإن عصيته لم آمن سطوته فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية. وكان ابن هبيرة لا يستشفي دون أن يسمع قول الحسن، فقال: قل ما عندك يا أبا سعيد؟ فقال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله ، وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك ويخرجك من
٦٧٦ 🗏
فخوفه من
سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا بن هبيرة، إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله ،وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . فبكي عمر بن هبيرة بكاء شديداً ثم أجازهم وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي فع لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا
الله
...
تلحظ في النص السابق خوف ابن هبيرة بوضوح لأنه كان يؤمر بأوامر يدرك أنها لن تتفق مع شرع الله، عز وجل جعله يستشير الحسن البصري للخروج من حيرته. وهنا بالطبع فإن عامل الخليفة، أي ابن هبيرة، كان رجلاً ورعاً يخاف الله ويحاول الخروج من مأزقه، ولكن ليس كل من يعمل لدى السلطان كابن هبيرة، ففي النقيض المقابل لابن هبيرة الحجاج عليه من الله ما يستحق. فكيف تمكن الحجاج من قتل من قتل إلا إن كان له أعوان يطيعونه وينفذون له أوامره حتى وإن كان قتلاً للأفراد مقابل المال ؟ فإن علم من لم يعارضوا عدم تقسيم الغنائم وجواز حبس المال في بيت المال بأن الحجاج سيتمكن مستقبلاً من أفعاله هذه لأن له أعواناً من الناس الذي يعملون أي شيء حتى القتل مقابل المال الذي في بيت المال، لما أقدموا على استخدام العقل، بل لتتبعوا أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قسم الغنائم والذي لم يحبس أي مال في بيت المال. لذلك فهناك فرق بين التنظير والواقع العملي. فرغم كل الحرص الذي أظهره الفقهاء، إلا أن مثل هذه الفجوات التنظيرية أدت إلى عواقب لم تكن لتخطر على عقل أي فقهيه منهم، أي أن من صفات الله عز وجل أنه علام الغيوب والذي هو فقط يستطيع أن يقص الحقوق. وقد قصها سبحانه وتعالى بطريقة تجذ أي فرصة لظهور مال في بيت المال حتى لا تستبد بها الحكومات، حتى وإن ظهر المال فإن له مستحقيه المخصصين والمسمين من الله الحق جل جلاله، وليس المصلحة العامة التي قررها بعض الفقهاء. والله العليم الحكيم الخبير عالم الغيب والشهادة يعلم أن هذا سيحدث، لذلك قص الحقوق بطريقة تجنب الأمة الإسلامية من الوقوع في شرك (بفتح الشين والراء) قد يشبه شرك الاشتراكية. كيف؟
لعلك استنبطت أخي القارئ من الاقتباس السابق لابن تيمية رحمه الله بأنه قد ظهر استحداثان أساسيان في الإنفاق: الأول وهو ما وضحته سابقاً من أن بعض الفقهاء لم يروا بأساً من إنفاق أموال الفيء لما فيه المصلحة العامة كالجسور والتعليم وما شابه. وهذه النفقات بالطبع بيد السلطان. أي أن الفقهاء قد فتحوا له باباً واسعاً لإمكانية التلاعب بالأموال والاستحداث الثاني هو الإنفاق على أناس ليسوا من المسمين في الآيات الثلاث (أي آية الصدقات وآية الغنائم وآية الفيء) كما مر بنا في الفصل السابق عند المقارنة بين فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وخليفتيه أبي بكر رضي الله عنه الذي ساوى في القسمة، وعمر رضي الله عنه الذي فاضل. وكنا قد استنتجنا أنه إن قسمت الغنائم
هامش
ف٤) وفي رواية أخرى قال: «أقول : والله إنه يوشك أن ينزل بك ملك ص٤) ولعلك تقول ناقداً ولكنك أنت يا جميل الذي تُنظر ! فأجيب: من ملائكة الله فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة إنني أحاول التمسك بآيات القرآن الكريم وسنة رسوله المصطفى صلى قصرك إلى ضيق قبرك، فلا يغني عنك ابن عبد الملك شيئا ، وإني لأرجو الله عليه وسلم دون أي إضافة أو تأويل. وفي هذه الحالة فإنني أتمسك أن الله عز وجل سيعصمك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله، فاتق بصرف الأموال فقط للمسمين في آيات الفيء والغنائم والصدقات. الله أيها الأمير، فإنك لا تأمن أن ينظر الله إليك وأنت على أقبح ما وهنا قد تقول: إن هذا نوع من التنظير ! فأجيب: نعم ولكنه اتباع تكون عليه من طاعة يزيد نظرة يمقتك بها فيغلق عنك باب الرحمة لأوامر الخالق العليم الحكيم الخبير، فإن سميت هذا تنظيراً فلا واعلم أني أخوفك ما خوفك الله سبحانه حين يقول: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أستطيع مناقشتك، لكن إن أثبت لك في هذا الكتاب أن هذا الاتباع . وإذا كنت مع الله عز وجل في طاعته يؤدي لمجتمع أقوى وأعز وأسعد وأنظف، عنـدهـا فلابد لك من كفاك بوائق يزيد، وإن كنت مع يزيد على معصية الله وكلك الله إلى موافقتي كما ذكرت مراراً. يزيد حين لا يغني عنك شيئا» (٢٤٥).
الديوان
٦٧٧
لما تجمعت الأموال بكثرة في بيت المال، ولأنها اجتمعت فقد قسمت بناءً على الديوان في عهد عمر رضي الله عنه لمعظم المسلمين كما مر بنا في فصل «دولة الناس». وهنا لابد من التنويه أن عمر رضي الله عنه كان ورعاً وتقياً وعادلاً، ولكن ليس جميع الحكام من بعده كذلك. فالقسمة بين الناس قد يدخلها بعض الظلم في تفضيل بعض المقربين من السلطان كما حدث مع الأمويين وجميع من أتى من بعدهم من السلاطين باستثناء عدد محدد من الحكام مثل عمر بن عبد العزيز رحمه الله. ولكن لنقل جدلاً بأن الحاكم اجتهد وعدل في القسمة، فإن التركيبة المجتمعية اقتصادياً حينئذ هي تركيبة تقسم الأموال بين الناس بطريقة وكأنها اشتراكية ولا تتبع الآيات الثلاث التي أتت بها الشريعة بدليل وجود دواوين العطاء. أما إن طبقت الشريعة بالالتزام بالآيات الثلاث، فالمستحقون هنالك محدّدون، كالفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم ومن يرغبون في إعتاق أنفسهم والغارمين وابن السبيل وتجهيز المجاهد في سبيل الله (قبل المعركة بالعتاد). وكما سترى فإن الإنفاق على هؤلاء دون غيرهم سيسحب المجتمع للعزة، فهؤلاء هم من يجب أن ينفق عليهم كما سيأتي بيانه بإذن الله . حتى وإن اغتنى جميع أفراد المجتمع، فإن الفقر مسألة نسبية كما قلت، فلابد وأن يكون قلة من الناس أقل مالاً ولو بشيء قليل من العامة، وهؤلاء هم الذين لهم حظ في الفيء دون غيرهم من عموم الناس، وحتى إن انتهى هؤلاء لانعدام الفقر نسبيا فإن مصرف ابن السبيل لن ينقطع أبداً كما سيأتي بيانه في فصل «ابن السبيل»، أي أن أموال بيت المال بنص القرآن الكريم هي لجماعة محددة، وفي صرف الأموال في هؤلاء عزة للأمة كما سترى بإذن الله.
رضي
وهنا تنبيه مهم : إن ما حدث في عهد الفاروق الخليفة عمر عنه الله ، برغم أنه وضع قد يشبه الاشتراكية كما يُعتقد، إلا أنه أفضل بكثير مما حدث في الدول اللاحقة أو من وضعنا المعاصر لأن الأموال الفائضة هي التي كانت تنفق على الناس فقط، أما في الدول اللاحقة فإن الأموال كانت تجمع من خلال المكوس لتغـذي بيت المال حتى يتمكن بيت المال من دفع الأرزاق لمن هم في الديوان أو للموظفين كما في وضعنا المعاصر. وشتان بين الحالين، هذا بالإضافة إلى أن الأموال لم تنفق في عهد الخلفاء على المشروعات والمنشآت العينية التي تسبب التشابك الممقوت. ولكن في العصور اللاحقة بدءاً بالعصر الأموي بدأت الدول الإسلامية تقترب من النظام الاشتراكي بسبب الديوان. كيف؟
إن ما حدث في السواد استمر في مصر ثم في مناطق أخرى وأصبح هو سمة الدولة الأموية، ثم أصبح هو النموذج المتبع لاحقاً، فتراكم المال في بيت المال دون أن يقسم على المستحقين من الغانمين. فإن وضعنا في اعتبارنا التقسيم لأموال الفيء كما حدث في الواقع وأنه كان يُصرف أيضاً لغير المخصصين أو المسمين في آية الفيء من الأفراد، فإن هذا نظام شبه اشتراكي لأن هناك جماعة كبيرة من الناس مدونة في الدواوين المختلفة تأخذ المال دون عمل مقابل. ولا تنسى أن الدواوين أنواع : فهناك ديوان المقاتلة وديوان الذرية وديوان العلماء وما شابه. وكأن دولة الإسلام أصبحت دولة ضمان اجتماعي، أو ما يسمى حالياً بـ welfare state وهو نظام قريب من الاشتراكية. والاشتراكية (وهذا أمر معروف وسيأتي بيانه في الفصل القادم بإذن الله مرض ينخر في إنتاجية الأمة جيلاً بعد جيل للأسوأ. ولعلك الآن ستثير ثلاثة أسئلة : الأول هو كيف يمكن لنا أن نتصور أمة لا تقوم فيها الدولة بتوفير الأعيان الأساسية التي يحتاجها الناس مثل الطرق والجسور والخدمات الأساسية الضرورية للناس مثل التعليم والصحة؟ ولقد وعدتك أخي القارئ قبل عدة صفحات أن الإجابة على هذا السؤال ستأتي في فصول قادمة بإذن الله.
TVA 🗏
والسؤال الثاني الذي قد تثيره منتقداً . هو
:
لقد كان المسلمون أعزة لعدة قرون والدول الاشتراكية لم تستمر
:
ولا حتى لقرن واحد فكيف تصح المقارنة ؟ فأجيب. إن النظام المتبع في تقسيم الأموال لدى المسلمين في القرون الأولى لم يُظهر فشلاً مباشراً لأنه كان نظاماً مقروناً بوجود صحابة أجلاء من تربية الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تبعهم تابعون من تربية الصحابة، ثم تبعهم تابع التابعين الذين تربوا على أيدي التابعين وهكذا، وهؤلاء جميعاً أعزاء وذوو قيم سامية لم يؤثر فيهم النمط شبه الاشتراكي، فهم يجدون في العمل طلباً لرضا الله جل جلاله، فلم يظهر فشل النظام الاقتصادي مباشرة، ولكن مع انقراض جيل الصحابة ومن بعدهم التابعون ومن بعدهم تابعو التابعين بدأ الوهن رويداً رويداً ينخر في إنتاجية الأمة لأن النظام طغى ولا رجال أفذاذ. وهكذا ضعفت الأمة جيلاً بعد جيل. لأوضح مثالاً وقد يبدو سطحياً وتافها إلا أنه قد يصف الحال تذكر الصاروخ الذي يطلق في الفضاء، فهو أشد ما يكون في قوة انطلاقه في الأمتار الأولى برغم انخفاض السرعة، ثم حتى وإن توقف النفاث عن العمل بعد بضعة مئات من الأمتار، فإن الصاروخ سيستمر في الانطلاق بعيداً في الفضاء لعدة كيلومترات ثم يتباطأ حتى يسقط. وكذلك الأمة المسلمة، فهي كانت تتقدم خلال عدة قرون بفعل الانطلاقة الشديدة التي حدثت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، وبالذات الخليفة الورع الفاروق عمر بن الخطاب رضي حيث انتشرت الفضائل مع اتساع رقعة دولة الإسلام. ثم رويداً رويداً بوفاة الصحابة وتابعيهم تغيرت القيم لتصبح مادية. ولأن المال قد تجمع في بيت المال أصبح المال هو السلطان. هكذا تمكن السلطان من السيطرة على كل شيء، فاستثمر المال في طبقات دون أخرى مثل الجند وبعض العلماء والشعراء وما شابه ممن سكتوا على أفعال السلطان التي اتبعت أهواءه. فإن لم تجمع الأموال في بيت المال لما تمكن السلاطين من قهر الشعوب وتكميم أفواه معارضيهم على طغيانهم كما هو مشاهد.
الله عنه
ولعل السؤال الثالث الذي ستثيره هو: إن دولة الإسلام دولة ضمان اجتماعي، بدليل مصارف الزكاة والفيء للفقراء والمساكين، فما الضرر من دفع المال للناس عموماً كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ فأجيب: هنالك فرق شاسع بين دفع المال القليل باتباع الشرع (لأن الغنائم قد قسمت، فلا فيء كثير) لأناس محددين هم بحاجة له لينطلقوا في المجتمع بعد دفع المال لهم حتى يتمكنوا كالغارمين والفقراء والمساكين والساعين في إعتاق أنفسهم من الرق، وبين دفع المال الكثير لأن الغنائم لم تقسم وتراكم المال كفيء) لآخرين هم ليسوا بحاجة له من ذوي الأحساب والأنساب كما هي حال دواوين العطاء. لأنه إن تم دفع المال لمن هم ليسوا في حاجته لجذبهم هذا إلى التكاسل وانتظار العطاء من السلطات كما حدث في العصور اللاحقة بدءاً من الأمويين، فيضمحل الإنتاج في الأمة. وهنا أذكرك أخي القارئ بما نقله ابن تيمية رحمه الله من مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد رحمهم الله في الاقتباس السابق إذ قال: «لكن مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد أنه ليس للأغنياء الذين لا منفعة للمسلمين بهم فيه حق إذا فضل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر المال أعطى منهم عامة المسلمين». وكما ذكرت أخي القارئ مراراً فإن السلاطين ليسوا كعمر بن الخطاب رضي الله ـه في الأغلب، وكذلك الناس ليسوا كالصحابة رضوان الله عليهم، لذلك فإن الأسوأ هو أن هؤلاء الذين يأخذون العطاء الكثير وهم ليسوا أهلاً له (أي ليسوا من الأصناف التي ذكرتها آيات الصدقات والغنائم والفيء) ستتولد ثقافة التقرب من السلاطين لأخذ الأموال دون عمل، وهؤلاء هم البذرة الفاسدة التي ستعين السلاطين على الأموال للسلطان باختراعات ضرائبية عجيبة، كما سترى بإذن الله ، ومن ثم إنفاقها في الأهواء. أما إن
عنه
لديهم .
الطغيان بجمع
الديوان
۶۷۹
دفع المال القليل (لأن الغنائم قد قسمت وقل الفيء) للمستحقين، فإن الجميع سيدرك أنه لا مجال للحصول على مال أكثر إلا بالمزيد من العمل، فتنتشر في المجتمع ثقافة الجد والمثابرة كطريق أوحد للثراء. ومع كثرة الجادين في العطاء تزداد الصدقات، وهكذا جيلاً بعد جيل بكثرة الصدقات يضمحل الفقر حتى ينقرض. أي أن الشريعة من خلال مقصوصة الحقوق ستؤدي لمجتمع ينعدم فيه الفقر كما سترى بإذن الله، ولكن ليس عن طريق السلطات، بل عن طريق كثرة الصدقات التي تأتي من الفائض الكثير من الناس الجادين العاملين الكثر.
قع
الأهل
ولعلك أيضاً تثير تساؤلاً متعجباً يتعلق بسؤالك السابق قائلاً: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقسم الأموال لمن هم من غير المسمين في الآيات الثلاث بدليل حديث أبي دواد أنه صلى الله عليه وسلم كان يعطي حظين ويعطي الأعزب حظاً واحداً؟ فأجيب بالفعل، لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ولكن من الفائض بعد أن يخرج للفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وآل البيت ... حقوقهم، أي بعد أن يستنفذ حقوق المسمين في الآيات الثلاث، كل يأخذ حقه من مصدره، فآل البيت مثلاً ليس لهم حق في الصدقات. فإن زاد شيء من الفيء، وليس الصدقات والغنائم قسمه بسر رعة حتى لا يبات صلى الله عليه وسلم وبيت المال فيه شيء من أموال الفيء كما رأينا في الفصل السابق. أي أن هناك أولويات فالأولى أولاً إخراج حق المسمين في الآيات الثلاث، ثم ثانياً إبقاء بيت المال خاوياً بإنفاق الفائض على الأكثر حاجة حتى وإن لم يكونوا من المسمين في الآيات الثلاث، وكل هذا حتى لا يكون المال مخروناً في بيت المال فيكون مطمعاً في مستقبل الأيام، وهذا يتطلب الإنفاق المباشر للفائض من المال كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأهل والأعزب ولكن في الوقت ذاته لا تنسى مسألتين مهمتين: الأولى هي أن الفيء لم يكن كثيراً لأن الغنائم كانت تقسم. والثانية هي أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يندد بكل من طلب منه مالاً وهو غير مستحق، فهو كان يربي أصحابه على التعفف، وهذا أمر معروف جداً. فقد جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ) . ٢٤٦ وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه سعد أنه أعطى رسول الله رهطاً وأنا جالس فيهم. قال: فترك رسول الله رجلاً لم يعطه وهو أعجبهم إلي. فقمت إلى رسول الله فساررته فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان ؟ والله إني لأراه مؤمناً. قال: أو مسلماً؟ فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم . منه فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال: أو مسلماً؟ فسكت قليلا. ثم غلبني ما أعلم منه فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال: أو مسلماً؟ قال: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه).٢٤٧ وفي صحيح البخاري أيضاً: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو أحسبه قال: (إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس». ٢٤٨ والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً رع وهي تحث المسلمين على العمل والإنتاج وكسب المال ورفض الأخذ، وليس انتظار العطاء كما يفعل الديوان بالناس ليتربوا على الكسل والذل . هل رأيت التضاد بين ما يؤدي إليه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الديوان؟
هامش
ق٤) لأن الغنائم كانت ستقسم في الموقع إلا الخمس، وكذلك المغيرة بن شعبة قال : كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي التي كانت تقسم في موقعها، إلا إن فاض فإنه سيذهب بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكتب إليه: سمعت النبي للمناطق الأقرب، كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصل «ابن السبيل». صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله كــره لكم ثلاثاً: قيل وقــال ر٤) فمثلاً جاء في صحيح البخاري أيضاً عن «الشعبي: حدثني كاتب وإضاعة المال وكثرة السؤال)» (٢٤٩).
٦٨٠ 🗏
ولعلك هنا إن كنت من علماء الشريعة ستستنكر السابق قائلاً: إن مما أثبتته لنا الآثار أن هناك علماء أجلاء
ما تمكنوا من الاستمرار في طلب العلم والتعليم إلا لأنهم كانوا في الديوان. ولعلك ستضرب لي مثالاً بالفقيه التابعي الزهري، وهو من أهم التابعين فلم يكن الإمام الزهري في الديوان ثم ضم إليه. فقد جاء في «سير أعلام النبلاء» عن عبد الرحمن بن عبد العزيز قال: سمعت الزهري يقول: نشأت وأنا غلام لا مال لي، ولا أنا في ديوان، وكنت أتعلم نسب قومي من عبد الله بن ثعلبة بن صعير .....٢٥٠ وجاء في كتاب «تاريخ مدينة دمشق» وصفاً عن كيفية انضمام الإمام الزهري في الديوان فعن الصدفي أن الزهري قال:
أتيت عبد الملك بن مروان فاستأذنت عليه فلم يؤذن لي، فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، إن بالباب رجلاً شاباً أحمر زعم أنه من قريش. قال: صفه. فوصفه له. قال: لا أعرفه إلا أن يكون من ولد مسلم بن شهاب، فدخل عليه فقال: هو من بني مسلم فدخلت عليه فقال: من أنت؟ فانتسبت له وقلت: إن أبي هلك وترك عيالاً صبية وكان رجلاً مئناثاً لم يترك مالاً.ش؛ فقال لي عبد الملك: أقرأت القرآن؟ قلت: نعم. قال: بإعرابه وما ينبغي فيه من وجوهه وعلله؟ قلت: د نعم. قال: إنما فوق ذلك فضل، إنما يعايا ويلغز .به قلت نعم قال : أفعلمت الفرائض؟ قلت: نعم. قال: الصلب والجد واختلافهما؟ قلت: أرجو أن أكون قد فعلت. قال: وكم دين أبيك؟ قال؟ كذا وكذا. قال: قد قضى دين أبيك، وأمر لي بجائزة ورزق يجري وشراء دار قطيعة بالمدينة، وقال: اذهب فاطلب العلم ولا تشاغل عنه بشيء فإني أرى لك عيناً حافظةً وقلباً ذكياً وائت الأنصار في منازلهم. قال الزهري:
الله
وأخذت العلم عنهم بالمدينة».
٢٥١
وبعد النص السابق لعلك تقول بأن في حكاية الزهري مع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نقدين ضد ما أطرحه الأول هو أن السلطان في هذه الحالة كان فقيهاً، لدرجة أنه كان (كما جاء في آثار أخرى يحاول الوقوف على فقه الإمام الزهري، لذلك فإن وقوع أموال بيت المال في يد سلطان كهذا خير للأمة، فالإشكالية كما ستستنبط ليست في مقصوصة الحقوق إذاً ولكنها في السلاطين الذين لم يتوفق المسلمون فيهم ! والنقد الثاني هو أنه إن لم يضم عبد الملك بن مروان أثابه الله الزهري في الديوان لما تمكن الزهري من التفرغ للعلم ولما وصلتنا الكثير من الآثار التي لا تقدر بثمن من خلال تلاميذه مثل مالك والليث بن سعد والأوزاعي وسفيان بن عيينة وربيعة الرأي، فما أعظم هؤلاء، فما بالك بشيخهم الزهري ؟ هنا أجيب بالنسبة للنقد الأول، كما ترى فإن الحكام الفقهاء العدول كعمر بن عبد العزيز قلة كما أثبت لنا التاريخ، وليس من عدله سبحانه وتعالى أن يضع الأمة في موقف تنتظر فيه حاكماً عادلاً كل مئات السنين، بل سبحانه وتعالى سخر لنا مقصوصة من الحقوق تنتج لنا حكاماً عدولاً على الدوام رغماً عنهم وإلا فقدوا الحكم دون قتال وفتن كما سترى بإذن الله، لأنه لا مال وبالتالي لا رجال لدى السلاطين ليعينوهم على التمادي في الضلال
وبالنسبة لنقدك الثاني، وهو الأقوى، فإن ردي هو الآتي: لاحظ أن الزهري قد تمكن من الوصول للحاكم أولاً لأنه ذو نسب عريق، فهو قرشي ويلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في نسبه، ثم اقتنع الحاكم بلقائه ثم بقدراته ومن ثم وضع في الديوان فإن لم يتمكن الزهري من الوصول للحاكم وإن لم يقتنع الحاكم بشخصية الزهري لما حصل الزهري على المال ولما تفرغ للعلم، بل لعله مات شخصاً عادياً كالكثيرين الذين لا نعرف عنهم
هامش
ش٤) متناثاً: أي ترك إناثاً.
الديوان
٦٨١
شيئاً. ولعل هناك الكثير من الغلمان مثل الزهري والذين إن أتيحت لهم الفرصة لأصبحوا مثل الزهري أو أكثر، إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول للسلطان، فالخالق الخلاق البديع البارئ المصور الذي خلق الزهري خلق غيره من الغلمان، إلا أنهم لأنهم لم يتمكنوا من الوصول للسلطان ومن ثم من الوضع في الديوان، وهكذا فقدت الأمة الكثير الكثير من العلماء الواعدين لأنهم اضطروا للعمل مع آبائهم في الصناعة أو التجارة لفقرهم أو حتى أنهم أصبحوا أيتاماً من المساكين الذين يتسولون في الطرقات. وفي المقابل، إن لم يتجمع المال في بيت المال لكان في أيدي الناس وهؤلاء الناس سيدعمون المدارس والعلماء طلباً للأجر لأنهم لا منفذ لديهم لإنفاق الفائض من أموالهم في الكماليات، فلا كماليات إن طبقت مقصوصة الحقوق وهذه نقطة مهمة سيأتي شرحها في الفصل القادم بإذن الله). أي أن قرار دفع الأموال للعلماء هو قرار ليس بيد السلطان الذي قد يسيء استخدامه كما فعل المأمون حين عذب العلماء ليتبنوا الاعتقاد بخلق القرآن الكريم، بل هو قرار في أيدي الناس الذين سيتأثرون بالمواعظ من العلماء كخطب الجمعة وما شابه فيدفعون أموالهم للعلماء أو من يرشحهم العلماء من طلاب العلم (وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله)، فالعلماء عندها أحرار لا تقيدهم إلا مخافة الله، وليس كالعلماء الذين تغدق عليهم الدولة وتفرض بالتالي عليهم الطلبات. فعلى سبيل المثال، فقد كان الزهري رحمه الله يرفض أن يُكتب حديثه في مجلسه لأنه يريد من الطلاب أن يكونوا أكثر إنصاتاً وانتباهاً ليتعودوا على الحفظ. ثم أمره هشام بن عبد الملك بأمر الخليفة أن يكتب لأبناء الخليفة شيئاً من الحديث، ففعل ومن ثم فتح الباب لطلابه حتى يكتبوا. فقد جاء في مصنف عبد الرزاق أن الزهري قال: «كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألا نمنعه أحداً من المسلمين». ٣٥٢ بالطبع، فإن الزهري رحمه الله إن لم يكن في الديوان لكان في موقف أعز ولرفض طلب الخليفة والله أعلم. بل وإن لم يوجد ديوان لما تجرأ الخليفة أصلاً في إصدار طلب يخص العالم وبالذات في مسألة تعليمية محضة تخص العالم ولا إدراك للسلطان فيها، وذلك لأن هناك عرفاً بأن العالم هو الأقوى كلمة في المجتمع إن كان على الحق لعدم وجود الديوان. فالذي يحكم في مثل هذه المسائل هو الحق وليس ما يأمر به السلطان. وما هذا إلا مثال بسيط على التسلط. وبالطبع فإن الزهري رحمه الله عالم ورع لا يمكن للسلطان أن يفرض عليه ما هو مضر بالأمة، ولكن هنالك آخرين إن لم يعارضوا السلطان فقد سكتوا على أفعاله لأنه يدعمهم مالياً، وإلا لما استمر التاريخ الإسلامي ملطخاً بأفعال هؤلاء السلاطين. ولأضرب مثالاً معاصراً:
سمعت شريطاً تسجيلياً لمحاضرة يمتدح فيها المحاضر مفتي الديار السعودية السابق العلامة المعروف الشيخ ابن باز. ومما قاله المحاضر أن الشيخ لم يخرج زكاة قط لأنه لا مال لديه يحول عليه الحول برغم أن نفقاته في وجوه الخير كانت تصل إلى ستين مليون ريال سنوياً. ومعلوم أن الشيخ لم يكن رجل أعمال أبداً، بل هو طالب علم ثم أصبح عالماً ثم أشهر عالم في عصره تأتيه الوفود من كل مكان طلباً للفتوى في مستجدات العصر. هذا بالإضافة إلى ورعه وتقواه الذي اشتهر بهما رحمه الله. فمن أين أتى بكل هذا المال سنوياً والذي يعادل ما قد يحصل عليه ألف خريج من معهد علمي سنوياً إن افترضنا أن ما يأخذ الخريج خمسة آلاف ريال شهرياً؟ وهذا مبلغ مبالغ فيه لطلاب العلم آنذاك. لقد أتت من مخصصات الدولة النفطية الثرية التي تريد استثمار علمه وشعبيته. وهذا ليس هجوماً على هذا الشيخ الورع، فهو خوفاً على الأمة من الفتنة كان دائم النصح للولاة، إلا أنه بالطبع في موقف يريد التحريض أبداً على ولاة الأمر بعد كل ما فعلوه ولأنه في ديوان نفقات الدولة، وشتان بين عالمين، أحدهما يأخذ عطاءً وآخر لا يأخذه، ولا أعتقد أخي القارئ بأنك ستجادل في هذه المسألة. فقط للتذكير
صعب
لأنه لا.
٦٨٢ 🗏
احتلال
بمأساة الأمة، فقد ازداد الفساد في فترة تولي هذا الشيخ للفتوى لدرجة أن البنوك الربوية أصبحت عرفاً في كل مكان، فقد كانت تزداد يوماً بعد يوم. حتى أن الكثير من فتواه كانت تنتهي بترك الأمر لولاة الأمر لما يروا فيه المصلحة سواء في قضايا العمران أو الاقتصاد أو السياسة فعندما طلب منه ولاة الأمر استصدار فتوى بجواز الاستعانة بالأمريكان الكفار لقتال المسلمين في العراق حقق لهم ذلك. فكانت النتيجة بعد سنوات هي العراق ومن ثم تسليمها للشيعة. حتى أنني سمعت شريطاً تسجيلياً يحاوره فيه تلاميذه بالتراجع عما قاله بجواز الصلح مع إسرائيل في تلك الأيام لأن السلطان رأى المصلحة في ذلك. وقد أبدع طلابه معه أثابهم الله وأسكنهم فسيح جناته وتمكنوا من إقناعه ليرجع عن قوله، ومع ذلك فهو شيخ تقي وورع وله باع طولى في خدمة الإسلام والمسلمين فالاشكالية ليست في تقوى الشيخ أو ورعه ولكن في فهمه للشريعة في مجال قص الحق. فهو إن أيقن أن أموال النفط ليست للدولة ولكن للناس لما قبل بأخذ المال من الدولة رحمه الله.
أما في النقيض، فإن كان الدعم المالي للعلم بأيدي الناس لأنه لا ديوان، فإن القرارات التي تؤثر في التقدم المعرفي ستكون بأيدي الأثرياء من الناس، وهؤلاء الأثرياء كُثر لأن المال ليس بيد الدولة، بل بأيدي الكثير من الناس (إن لم يكن في أيدي جميع الناس لتقارب دخلهم المادي كما سترى بإذن الله جل جلاله إن طبقت مقصوصة الحقوق لعدة عقود). أي أن الدعم للعلماء سيكون من أفراد أكثر، ولأنهم أكثر عدداً سيظهر عدد أكبر من العلماء الذين سيتسابقون في طلب العلم، فتزداد المنافسة ويظهر الفقيه الأكثر مقدرة ليحصل على دعم أكبر من الناس، وهكذا سينتشر العلم الأصح لأن الناس سيحكمون من خلال علماء آخرين على الأصح علماً من الفقهاء فيدعمونه مالياً ومعنوياً أو يوقفون عنه الدعم، وهذا الذي دعم من الناس لا حكومات أو سلطان هنالك يوجهه لأنه لا يأخذ مالاً من أي سلطان، بل يأخذه من أناس يتوقعون من العلماء كل علم خال من الضغوط السياسية، فتعتز الأمة. أدرك أخي القارئ بأنك لم تقتنع لأنك على قناعة أن الناس لن يدعموا العلماء مالياً كما يفعل السلاطين، فالناس بخلاء في العموم. ولكن حكمك هذا نابع من قناعة مبنية على واقع ملوث، فمعظم الأثرياء الآن من طبقة لم تصل للثراء إلا باستغلال مفاتيح التمكين التي هي بيد الدولة، أي أنها طبقة نتنة في معدنها في الغالب إلا من رحم ربك من القلة العصاميين برغم ظهورها وكأنها طبقة نزيهة نظيفة براقة، أما مع تحكيم الشريعة وفتح أبواب التمكين للجميع فإن الثراء سينتشر بين الجميع، ثم يأتي العطاء من الخيرين من الناس لدعم العلماء، وما أكثر هؤلاء الخيرين إلا أنهم فقراء الآن. وسيأتي بيان هذه الحركية في فصل «المعرفة» بطريقة مقنعة بإذن الله، فأرجو منك الإمهال.
الأمويون
والآن سأسرد لك بعض الأمثلة من الآثار التى تريك كيف أن السلاطين كانوا دائمى الحرص على أن يبقى بيت المال عامراً لأن في عمارته دوامهم، وفي خرابه زوالهم، ناهيك عن غريزة حب المال والسلطة والجاه. ولم أحاول في الآتي تقصي المسألة بدقة بطريقة علمية تصف ما حدث في الدول اختصاراً للوقت، فهناك الكثير من الدراسات التي تثبت هذا، ٢٥٣ ولكن سأسرد لك سريعاً بعض ما وجدته من آثار، إذ أن حب السلاطين للأموال وبالتالي التمادي في الحكم بغير ما أنزل الله مسألة معروفة للكثير ولا تحتاج لإثبات. ولنبدأ بمقتطفات عن الزكاة.
الديوان
٦٨٣
وبالنسبة
لقد كانت زكاة الأموال الباطنة كما مر بنا في فصل «الأموال» بأيدي الناس يخرجونها بمعرفتهم وبـ للأموال الظاهرة فقد كانت الزكاة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه تخرج من الأغنياء للفقراء في نفس المنطقة، فإن زادت نقلت لفقراء أقرب منطقة، وسيأتي بيانه في فصل «ابن السبيل» بإذن الله). وهنا سأسرد لك بعض الآثار من عهد السلف ثم من العصر الأموي حتى تقارن بين الحالين، ولنبدأ بالمصدقين في عهد السلف رضوان الله عليهم (أي من يأخذون الصدقات)، فعن سعيد بن المسيب:
«أن عمر بعث معاذاً ساعياً على بني كلاب، أو على بني سعد بن ذيبان. فقسم فيهم حتى لم يدع شيئاً، حتى جاء مجلسه الذي خرج به على رقبته، فقالت امرأته أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهليهم؟ فقال: كان معي ضاغط . فقالت : قد كنت أميناً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند أبي بكر. أفبعث عمر معك ضاغطاً؟ فقامت بذلك في نسائها واشتكت عمر. فبلغ ذلك عمر، فدعا معاذاً فقال : أنا بعثت معك طاغطاً؟ فقال : لم أجد شيئاً أعتذر به إليها إلا ذلك. قال: فضحك عمر، وأعطاه شيئاً وقال : أرضها به » .
ت ٤
۲۵۵
رجع
وكما ترى هنا فإن الخليفة عمر رضي الله عنه لم يتوقع أن يأخذ من معاذ رضي الله عنه مالاً من الصدقات، حتى أن معاذ لم يأخذ لأهله مما له الحق فيه لأنه من العاملين على الصدقات. أي أن بيت المال لم يأته مال من الصدقات لأن الشريعة طبقت. ثم قارن هذا بما حدث في العصر الأموي، فقد جاء في سنن أبي داود عن «إبراهيم بن عطاء مولی عمران بن حصين عن أبيه أن زياداً أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». هنا في هذا الأثر ترى بوضوح مطالبة السلطان للمصدق بالمال الذي هو حق للمسمين في آية الصدقات أثر آخر عن النعمان بن الزبير قال: «استعمل محمد بن يوسف طاووساً عن مخلاف فكان يأخذ الصدقة من الأغنياء فيضعها في الفقراء. فلما فرغ قال له: ارفع حسابك. فقال: مالي حساب، كنت آخذ من الغني فأعطيه المسكين». ولكن مع مرور الزمن تغير الحال لدرجة أن زياداً كان يستعمل الكفار لجمع الزكاة. فقد جاء في الأموال لأبي عبيد عن «معاذ عن ابن عون عن أنس بن سيرين قال: كنت عند ابن عمر فقال رجل: ندفع صدقات أموالنا إلى عمالنا؟ فقال: نعم. فقال: إن عمالنا كفار ! قال: وكان زياد يستعمل الكفار . فقال : لا تدفعوا صدقاتكم إلى الكفار». ولقد كان بعض السلاطين يأخذون الأموال من الناس قصراً من خلال العاشر والناس على قناعة أن العاشر ومن ولاه لا يستحق الزكاة، لدرجة أنه ظهرت فتاوى تفتي الناس بأن لهم الحق في اقتطاع ما يأخذه العاشرون من زكاة أموالهم. ففي كتاب الأموال أيضاً الكثير من الآثار التي تدل على ذلك. تأمل الآتي لتري ما آل إليه حال المسلمين في العصور الأولى بعد الخلافة، فما بالك بالعصور اللاحقة
هامش
ت٤) يقول محمد خليل هراس موضحاً: «العراضة: هدية القادم من ث٤) قال في القاموس : « والمخلاف هو الرجل الكثير الإخلاف سفره. ضاغط أي حافظ أمين، يعني الله المطلع على سائر العباد، والكورة، ومنه مخاليف اليمن» (٢٥٦). أوهم امرأته أنه كان معه من يحفظه ويضيق عليه ويمنعه من الأخذ خـ٤) المقصود بزياد هنا زياد بن أبيه (٢٥٧).
ليرضيها بذلك. وقد كان بإمكان معاذ أن يرجع بشيء لأهله من أجر ذا القربوس: السرج (٢٥٨).
عمالته يطيب بها خاطرهم» (٢٥٤).
٦٨٤ 🗏:
عن مغيرة عن إبراهيم قال : احتسب في زكاة مالك بما أخذ منك العشارون. حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي هاشم الحسن وإبراهيم قالا احتسب بما يأخذ منك العاشر. ... حدثنا محمد بن ربيعة عن إسماعيل بن سلمان الأزرق عن الشعبي قال : ما يأخذ منك العاشر فاحتسب به من زكاتك. ... حدثنا محمد بن ربيعة عن حبيب بن جرى قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن ذلك فقال: احتسب به زكاتك. ... حدثنا معاذ عن ابن عون قال: سألت الحسن عن ذلك: أأحتسب به؟ فقال نعم. قال أبو عبيد : وهذا عندنا هو المأخوذ به وإن كان بعضهم قد قال سوى ذلك. ... حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال كان ميمون بن مهران يقول في ذلك: يخرج زكاة ماله ولا يعتد بما حدثنا علي بن هاشم عن محمد علي السلمي قال: رأيت ربعي بن خراش مر على العاشر فأخذ كيساً كان مع غلامه فوضعه بينه وبين القربوس، حتى جاز به العاشر».
أخذ منه . ....
ذع
وكما هو معلوم، فإن الدولة الأموية بدأت بمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. فقد جاء في «سير أعلام
«قال الزبير بن بكار كان معاوية أول من اتخذ الديوان للختم وأمر بالنيروز والمهرجان واتخذ المقاصير في الجامع. وأول من قتل مسلماً صبراً، وأول من قام على رأسه حرس، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وكان يقول أنا أول الملوك. قلت : نعم، فقد روى سفينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً. فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عاما» .۹
٢٥٩
فكما ترى في السابق فإن معاوية رضي الله عنه لم يقم بظلم الناس، ولكن فقط ابتدع بعض الأمور الشكلية التي لم يقم بها الخلفاء الراشدون من قبله، هذا إن صحت الروايات عن معاوية. فكما هو معلوم، فقد تحامل عليه الكثير من المؤرخين نظراً لموقفه مع الخليفة الرابع كرم الله وجهه. فجميع هذه الشكليات مثل رفع درجات المنبر ووضع حارس وما شابه لن تؤثر جذراً في اقتصاد الأمة برغم أن الظلم قد يقع على بعض الأفراد الذين قد تسلب أموالهم هنا وهناك، فهذه اختراقات ليست ذات تأثير جذري لأنها ليست استحداثات في الحقوق المالية على مستوى الأمة كما تحدثه المكوس. إلا أن حتى هذه الاختراقات الفردية قد تنتشر بين اللاحقين من السلاطين وبالتدريج ينتشر الفساد كما حدث فقد جاء في كتاب «فتوح مصر وأخبارها » :
...»
. واشترى معاوية أيضاً دار عقبة بن عامر وخط له في الفضاء قبالة الطريق إلى دار محفوظ بن سليمان، وكانت من الخط الأعظم إلى البحر، ويقال بل مسلمة بن مخلد أقطعها عقبة فحبسها عقبة على ابنته أم كلثوم ابنة عقبة، وقد يجوز أن يكون مسلمة إنما أقطعها لعقبة بأمر معاوية عوضاً من الذي أخذ منه من داره، وكانت دار أبي رافع قد صارت إلى مولاه السائب مولى أبي رافع، فاشتراها منه معاوية وأقطع السائب في الفضاء عند حيز الوز، ويقال بل اختط المقداد بن الأسود داراً كانت إلى جنب دار الرمل، وكانت إلى جنبها دار لعقبة بن عامر هي خطته، فابتاع عقبة دار المقداد بن الأسود فهدمها وهدم داره فبناهما جميعاً داراً لرملة ابنة معاوية. فكتب إليه معاوية: لا حاجة لنا بها فاجعلها للمسلمين. وبرملة سميت دار الرمل لأنهم كانوا يقولون دار رملة فحرفت العامة ذلك وقالوا دار الرمل. ويقال إنما سميت دار الرمل لما ينقل إليها من الرمل لدار الضرب . ... » . . .
٢٦٠
تلحظ من النص السابق، والله أعلم أن السلطان اشترى دار عقبة وخط له، ثم اشترى من السائب وأقطع
له. وهكذا تداخلت الحقوق. فحق الاختطاط والإقطاع تأثر بأفعال السلطان، وليس كما كان في عهد الخلفاء إذ أن
الديوان
٦٨٥
الإقطاع كان نادراً جداً، فمعظم، إن لم تكن جميع المنشآت العمرانية كانت تبتدئ بالإحياء الذي هو حق خارج دائرة السلطان وسيأتي بيانه في «الأماكن» بإذن الله). أما في العصر الأموي فقد ازدادت أموال السلطان من خلال هذا النفوذ. فكما يقول منذر قحف مستنتجاً: «فقد زادت صوافي معاوية بن أبي سفيان في الحجاز والشام والعراق وفلسطين، وخصوصاً بعد أن قام باستصلاح مساحات شاسعة من أرض بطائح العراق، وهي أرض واطئة مغمورة بالماء بين البصرة والكوفة، حتى أن غلته منها وحدها بلغت خمسة ملايين درهم». ٦١" فإن كانت هذه حال معاوية الله عنه، فما بالنا بمن أتى من بعده من السلاطين الذين كانوا يزيدون وينقصون في العطاء. فبالنسبة للدواوين. مثلاً، فقد تعود من كانوا في ديوان العطاء على الأخذ المستمر للأموال لدرجة أن يزيداً لقبه الناس بالناقص لأنه أنقص عنهم العطاء. فقد جاء في «الكامل في التاريخ»:
رضي
«ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص في هذه السنة بويع يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص، وإنما سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الناس، وهي عشرة عشرة. ورد العطاء إلى ما كان أيام هشام. وقيل أول من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد. ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمه وذكر إلحاده وأنه قتله لفعله الخبيث. وقال: أيها الناس ...»..
٢٦٢
وهنا يأتي سؤال: من أين تأتي الأموال التي كانت تنفق على الناس في ديوان العطاء أو ديوان الجند أو غيره من الدواوين؟ بالطبع ما هي إلا من المكوس. لاحظ الآتي: جاء في تاريخ الطبري ذكر الخطبة التي خطبها يزيد عندما تولى الخلافة، يقول الطبري
من
بلدة
«ثم خطب يزيد بن الوليد بعد قتل الوليد فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، إني والله ما خرجت أشراً ولا بطراً في الملك وما بي أطراء ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة نفسي إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضباً الله ورسوله ودينه داعياً إلى الله وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يصدق بالكتاب ولا يؤمن بيوم الحساب وإنه لابن عمي في الحسب وكفيي في النسب. فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته ألا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقته لا بحولي وقوتي. أيها الناس، إن لكم علي ألا أضع حجراً على حجر ولا لبنة على لبنة ولا أكري نهراً ولا أكثر مالاً ولا أعطيه زوجة ولا ولداً ولا أنقل مالاً . إلى بلدة حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يعنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم، وإن لكم أعطياتكم عندي في كل سنة وأرزاقكم في كل شهر حتى تستدر المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم. فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة. وإن أنا لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني فإن تبت قبلتم مني. فإن علمتم أحداً ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد إنما الطاعة طاعة الله، فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا . الله ودعا إلى المعصية فهو أهل أن يعصى ويقتل أقول قولي هذا وأستغفر الله لي
ولكم».
٢٦٣
عصى
٦٨٦ 🗏
العطاءات
وهنا أود أخي القارئ أن أراجع معك بعض نقاط الخطبة لترى الخروج عن مقصوصة الحقوق. تلحظ أن
يزيد يعد الناس أنه لن ينقل مالاً من بلد إلى آخر حتى يسد متطلبات ذلك البلد وخصاصة أهله». ثم إن فضل مال نقله. أي أن الأمراء من قبله كانوا ينقلون الأموال بعد أخذها من الناس بحجة أن هناك مناطق أخرى أكثر حاجة، بينما الأموال والله أعلم تذهب لبيت المال لتنفق في ما يرى السلطان أنها الحق. وكان هذا الفعل يزعج الناس، لذلك وعد يزيد بأن هذا لن يحدث. كما أن الوليد وعد الناس أنه لن يحمل على أهل جزية منطقتهم حتى لا يجلوا عنها أهل الذمة، أي حتى لا يهاجروا من تلك المنطقة. وفي هذا مؤشر على أن أهل الجزية كانوا يُحمّلون فوق ما يطيقون من مكوس، لذلك كانوا يتركون أماكن أعمالهم كالمزارع هرباً من المكوس ويهاجرون لمناطق أخرى وبهذا يخرب العامر (كما مر بنا في الفصل السابق). وفوق كل هذا تجد أن يزيد يعد الناس بأنه لن يقطع عنهم التي كانت تنفق في كل سنة والأرزاق التي كانت تنفق في كل شهر. وإن تأملت الخطبة تجد أنها تشبه تماماً خطبة لسلطان معاصر. فهو يحاول تخفيف الضرائب وفي الوقت ذاته يعد الناس بعدم إنقاص الخدمات العامة. وهذا يتطلب نوعاً من فرض الضرائب الجديدة مع التخفيف عمن كانوا يدفعون الضرائب سابقاً. وهكذا يتأرجحون عاماً بعد عام في طريقة فرض المكوس. أي أن المكوس بدأت تتغلغل في المجتمع وأصبحت جزءاً من نظامه المالي حتى يتمكن بيت المال من تغطية التزاماته في الدواوين المختلفة. ولإثبات هذا وحتى نختصر الطريق لتوضيح ما آل إليه حال الأمويين، فإن ركزنا على بعض الإصلاحات التي قام بها الخليفة السادس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فإننا سنستنتج من خلال هذه الإصلاحات الخلل الذي وقع في عهد الأمراء الأمويين من قبله. أي أننا من أفعال عمر بن عبد العزيز نفهم العكس، وهو استغلال من قبله للحكم.
عمر بن عبد العزيز
عندما تولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة أدرك مباشرة عظم المسؤولية لأن الانحراف عن شرع الله كان كبيراً. فكان مما قاله: «ألا وإني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فنى عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره. لله دره ما أجمل كلماته التي تلخص وضع الأمة في عهده من تراكم للخلل في الحقوق جيلاً بعد جيل لدرجة أن الخلل أصبح وكأنه عرف مقبول من الجميع. لقد تمكن السلاطين في العهود المختلفة بدءاً من العصر الأموي من امتلاك الأراضي الزراعية لأنفسهم ولبيت المال بشتى الطرق ومن أهمها الإقطاع وذلك حتى يحصدوا غلات تلك الأراضي لأنفسهم أو لبيت المال، وهذا واضح من قيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله برد الأملاك لأصحابها بعد انتزاعها من الأمويين. فعلى سبيل المثال «حكي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله خرج ذات يوم إلى الصلاة فصادفه رجل ورد من اليمن متظلماً فقال في تَدْعُون حيران مظلوما ببابكم فقد أتاك بعيد الدار مظلوم
البسيط :
فقال ما ظلامتك؟ فقال: غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي فقال : يا مراجم ائتني بدفتر الصوافي، فوجد فيه: أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان فقال : أخرجها من الدفتر وليكتب برد ضيعته إليه ويطلق له ويقول ابن رجب الحنبلي في استيلاء الأمراء على سواد العراق واستقطاعهم واستصفائهم للأراضي
ضعف نفقته » .
٢٦٤
الديوان
٦٨٧
٢٦٥
لأنفهسم وأعوانهم: «ولهذا كان أهل الورع الدقيق من العلماء كابن سيرين والثوري وأحمد يتشددون في قطائع الأمراء وصوافهم لأنفسهم وأعوانهم، ولا يرون السكنى فيها ولا الأكل من زرعها لأنها في أيديهم كالغصب، لأنها من مال الفيء، وهم مستولون عليها بغير حق ولا يعطون المسلمين بخراج ولا غيره . " وبالطبع فإن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بدأ بإعادة الأرض من من أسرته ثم من عموم الأمويون ومن المقربين منهم إلى بيت المال أو لأصحابها، وهذا وضع لم يعجب الأمويين لدرجة أنهم هددوه. تأمل الاقتباس الآتي من «الكامل في التاريخ»:
ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وكانت أول خطبة خطبها ثم قال: أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن أحداً، ولا يعترض فيما لا يعنيه. فانقشع الشعراء والخطباء وثبت عنده الفقهاء والزهاد وقالوا: ما يسعنا نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله. قال: فلما ولي الخلافة أحضر قريشاً ووجوه الناس فقال لهم: إن فدك كانت بيد رسول الله فكان يضعها حيث أراه الله ثم وليها أبو بكر كذلك، وعمر كذلك، ثم أقطعها مروان ثم إنها صارت إلي ولم تكن من مالي، أعود منها علي، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم]. قال: فانقطعت ظهور الناس ويئسوا من الظلم. قال: وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم : إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه، ولا لهم أن يعطونيه، وإني قد هممت برده على أربابه. قال: فكيف تصنع بولدك ؟ فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله. قال: وجد لولده ما يجد الناس فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال له: إن أمير المؤمنين قد عزم على كذا وكذا، وهذا أمر يضركم، وقد نهيته عنه فقال عبد الملك: بئس وزير الخليفة أنت. ثم قام فدخل على أبيه وقال له: إن مزاحماً أخبرني بكذا وكذا، فما رأيك؟ قال: إني أريد أن أقوم به العشية. قال : عجله، فما يؤمنك أن يحدث لك حدث أو يحدث بقلبك حدث. فرفع عمر يديه وقال: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على ديني. ثم قام به من ساعته في الناس وردها. قال ولما ولي عمر الخلافة أخذ من أهله مـا بأيديهم وسمى ذلك مظالم . ففزع بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان، فأتته فقالت له: تكلم أنت يا أمير المؤمنين. فقال: إن الله بعث محمداً رحمة ولم يبعثه عذاباً إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده وترك للناس نهراً شربهم سواء. ثم ولي أبو بكر فترك النهر على حاله ثم ولي عمر فعمل عملهما ثم لم يزل النهر يستقي منه يزيد ومروان وعبد الملك ابنه والوليد وسليمان ابنا عبد الملك حتى أفضى الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم فلم يرو أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه. فقالت حسبك قد أردت كلامك، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئا أبدا. فرجعت إليهم فأخبرتهم كلامه وقد قيل إنها قالت له: إن بني أمية يقولون كذا وكذا. فلما قال لها هذا الكلام قالت له : إنهم يحذرونك يوماً من أيامهم. فغضب وقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة، فلا آمن شره. فرجعت إليهم فأخبرتهم وقالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب، فجاء يشبه جده . فسكتوا».
٢٦٦
عمر
بالإضافة لاغتصاب الأراضي التي كانت مصدر مورد مالي للأمراء والمقربين منهم، فقد كان بيت المال بحاجة دائمة للأموال لتغطية العطايا والأرزاق لمن هم في الديوان. فمن أين تأتي هذه الأموال إلا من المكوس على الناس؟ فبالإضافة إلى الزكاة فقد فرض الأمراء المزيد من الضرائب على الناس تحت مسميات مختلفة، ثم أتى بن عبد العزيز رحمه الله فألغاها . فقد جاء في الأموال مثلاً: «عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن ضع عن الناس الفدية، وضع عن الناس المائدة، وضع عن الناس
٦٨٨ 🗏
٢٦٨
المكس، وليس بالمكس ولكنه البخس الذي قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، فمن جاءك بصدقة فاقبلها منه ومن لم يأتك بها فالله حسيبه».٢٦٧ أي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله طبق الشريعة بترك الخيار للناس في دفع الزكاة للحاكم إن أرادوا ذلك. وجاء أيضاً: عن «كربز بن سليمان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف القاري: أن اركب إلى البيت الذي برفح الذي يقال له بيت المكس فأهدمه، ثم احمله إلى البور فانسفه فيه نسفاً. قال أبو عبيد: ونرى أن رفح بين مصر وا والرملة». وجاء في «فتوح البلدان» عن مسلمة بن محارب قال: «لما ولي محمد بن يوسف أخو الحجاج بن يوسف اليمن أساء السيرة وظلم الرعية وأخذ أراضي الناس بغير حقها، فكان مما اغتصبه الحرجة . قال : وضرب على أهل اليمن خراجاً جعله وظيفة عليهم. فلما ولى عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بإلغاء تلك الوظيفة والاقتصار على العشر، وقال: والله لأن لا تأتيني من اليمن حفنة كتم أحب إلى من إقرار هذه الوظيفة. فما ولي يزيد بن عبد الملك أمر بردها».٢٦٩ هل رأيت كيف أن السلاطين فرضوا خراجاً على الأرض فوق الزكاة ثم ألغاها عمر بن عبد العزيز رحمه الله عندما تولى الخلافة ثم أعادها من بعده مرة أخرى يزيد بن عبد الملك. ولكن البلوى في الآتي:
لقد تضاءلت الجزية بسبب دخول الكثير من الكفار في الإسلام مما أنقص الموارد في بيت المال، فما كان من السلاطين الأمويين إلا أنهم رفضوا رفع الجزية عمن أسلم. ولعل هذا من أسوأ ما قام به الأمراء الأمويون. فيقول أبو عبيد أن بعض العاملين في عهد الأمويين كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا، يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد، يقولون: فلا يُسقط إسلام العبد عنه ضريبته». ويعلق قائلاً: «ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم. وقد روي عن يزيد بن أبي - حبيب ما يثبت ما كان أخذهم إياها». ولهذا كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عماله يأمرهم بإلغاء الجزية عمن أسلم قائلاً عبارته المشهورة: «إن الله قد بعث محمداً صلى ض الله عليه وسلم داعياً ولم يبعثه جابيا». وقد قال يزيد بن أبي حبيب: : «أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ثلاثة خصال: قتلهم عثمان، وإحراقهم الكعبة، وأخذهم الجزية من المسلمين». وجاء في «أحكام القرآن» وصف مختصر لوضع الجزية أيام الأمويين تلحظ فيه أن الجزية التي ألغاها عمر بن عبد العزيز رحمه الله أعادها مرة أخرى هشام بن عبد الملك. يقول الجصاص أثابه الله:
۲۷۱
«وروی حماد بن سلمة . عن حميد قال: كتب عمر بن عبدالعزيز من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه الجزية. فلم يفرق هؤلاء السلف بين الجزية الواجبة قبل الإسلام وبين حاله بعد الإسلام في نفيها عن كل مسلم. وقد كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة ويذهبون إلى أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد ، فلا يسقط إسلام العبد ضريبته. وهذا خلل في جنب ما ارتكبوه من المسلمين ونقض الإسلام عروة عروة، إلى أن ولي عمر بن عبدالعزيز فكتب إلى عامله بالعراق عبد الحميد بن عبدالرحمن: أما بعد فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً ولم يبعثه جابياً، فإذا أتاك كتابي هذا فارفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة. فلما ولي هشام بن عبدالملك أعادها على المسلمين وكان أحد الأسباب التي لها استجاز القراء والفقهاء قتال عبدالملك بن مروان والحجاج لعنهما الله أخذهم الجزية من المسلمين. ثم صار ذلك أيضاً أحد أسباب زوال دولتهم وسلب نعمتهم. وروى عبد الله بن صالح قال: حدثنا حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب قال: أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث خصال: قتلهم عثمان وإحراقهم الكعبة وأخذهم الجزية من المسلمين. وأما قولهم أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد فليس ببدع هذا من جهلهم إذ قد جهلوا من
الديوان
أمور الإسلام ما هو أعظم. منه، وذلك لأن أهل الذمة ليسوا عبيداً ، ولو كانوا عبيدا لما زال عنهم الرق بإسلامهم لأن إسلام العبد لا يزيل رقه، وإنما الجزية عقوبة عوقبوا بها لإقامتهم على الكفر، فمتى أسلموا لم يجز أن يعاقبوا بأخذها منهم ألا ترى أن العبد النصراني لا تؤخذ منه الجزية، فلو كان أهل الذمة عبيداً لما أخذ منهم الجزية».
۲۷۲
وبالطبع، فإن جشع السلاطين لن ينتهي لأنه كلما زادت سطوة من في الحكم ومن حولهم بوفرة المال كلما ازدادوا ترفاً، وكلما ازدادوا ترفاً ازدادت نفقاتهم، لذلك فهم بحاجة للمزيد من المال، فلا مفر إذاً من استحداث مصادر جديدة للمكوس. يقول منذر قحف مستنتجاً: لقد ظهرت أنواع من الضرائب الجديدة لم تكن معروفة، يبدو أن الخلفاء الأمويين فرضوها لدعم الإيرادات العامة بسبب التضخم الكبير الذي طرأ على الإنفاق العام. وقد اتخذ بعض هذه الضرائب أشكالاً قديمة كانت موجودة قبل الإسلام مثل هدايا النيروز وهدايا المهرجان، وكانت تجبيها ملوك الفرس في هذين الموسمين اللذين يوافقان أول ومنتصف السنة الفارسية. ومثل ذلك المكوس التي كانت تجبيها ملوك العرب والعجم قبل الإسلام». ۲۷۳ يقول منذر قحف أيضاً في الضرائب الجديدة في العهد الأموي: «كما أن بعضها قد اخترعت له أسماء جديدة مثل ضرائب الفدية أو (النوبة) وأجور الضرابين وثمن المصحف وأجور القبوج (الكروان) وأجور البيوت ودراهم النكاح. وقد تكون بعض هذه أسماء لرسوم تدفع لقاء خدمات معينة تقدمها الدولة، أو أثمان لهذه الخدمات وليست ضرائب مفروضة بالمعنى المعروف الآن. ولكنه أياً كان واقعها فيبدو أن عمر بن عبد العزيز كان يرى أنها من الظلم الذي قهر الناس عليه ولا يجوز للدولة الإسلامية فرضه». ٧٤ وهناك رسالة من عمر بن عبد العزيز رحمه الله لعامله في الكوفة يأمره فيها بإلغاء هذه المكوس المستحدثة، وهذه الرسالة قد ذكرت في مصادر كثيرة إشارة إلى شهرتها. فيقول أبو عبيد مثلاً:
ظ ع
حدثنا عن عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان الجعفي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن سلام عليك. أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام، وسنن خبيثة سنتها عليهم عمال السوء. وإن أقوم الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك أن توطنها لطاعة الله. فإنه لا قليل من الإثم. وأمرتك أن تطرز عليهم أرضهم، وأن لا تحمل خراباً على عامر، ولا عامراً على خراب، ولا تأخذ من الخراب إلا ما يطيق، ولا من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. وأمرتك أن لا تأخذ في الخراج إلا وزن سبعة، ليس لها آس ولا أجور الضرابين ولا إذابة الفضة، ولا هدية النيروز والمهرجان ولا ثمن المصحف ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح - قال عبد الرحمن أو قال: النكاح - ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض. فاتبع في ذلك أمري، فقد وليتك من ذلك ما ولاني الله: ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من الذرية الحج فعجل له مائة يتجهز بها. والسلام عليك. قال عبد الرحمن: قوله: دراهم النكاح، أو النكاح: يعني بها بغايا، كان يؤخذ منهن الخراج. قال : وقوله الذرية، يعني من كان ليس من أهل الديوان».
هامش
غ
به
۲۷۸
ض4) وفي حاشية كتاب الأموال تعليق لمحمد خليل هراس كالآتي: وينسق حدودها ويعبد طريقها» (٢٧٥). «وكان بعضهم يرى أن الناس إنما يسلمون فراراً من الجزية فلم غـ٤) جاء في الهامش التوضيح الآتي: «يقال أساه يأسوه إذا عزاه على يرفعها عنهم، وقد كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى بعض مصيبة ويقال أسا الجرح داواه والشيء أصلحه والآسي الطبيب» عماله يأمره أن يضع الجزية عمن أسلم، وقال له إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً ولم يبعثه جابيا» (۲۷۰). ظ ٤) جاء في الهامش التوضيح الآتي: «لعل المراد أن يعلمها لهم الذهب والفضة» (۲۷۷).
.(٢٧٦)
به) جاء في الهامش التوضيح الآتي: «يعني الذين يصكون النقود من
- 🗏
هل رأيت أخي القارئ في النص السابق كيف كانت المكوس تبتكر ؟ حتى البغايا، فبدل أن تكافحهم الفساد، تأخذ الدولة لمنع منهم الضرائب إشارة إلى أن المهم هو ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جني الأموال. وأخيراً، حتى الغنائم المنقولة لم تسلم من تدخلهم، فالغنائم غير المنقولة، أي الأراضي المفتوحة عنوة فهي ملك لبيت المال اتباعاً لما حدث في سواد العراق، أما الغنائم غير المنقولة فإن الفرسان لم يكن يسهم لهم إلا سهم واحد كالراجل عند فتح الحصون حتى أتى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فأعاد العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ابن قدامة في المغنى واصفاً:
«مسألة : قال : ويعطى الراجل سهماً، لا خلاف في أن للراجل سهماً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الراجل سهماً فيما تقدم من الأخبار ، ولأن الراجل يحتاج إلى أقل مما يحتاج إليه الفارس، وغناؤه دون غنائه، فاقتضى ذلك أن يكون سهمه دون سهمه فصل: وسواء كانت الغنيمة من فتح حصن أو من مدينة أو من جيش وبهذا قال الشافعي، وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عن إسهام الخيل من غنائم الحصون؟ فقال: كانت الولاة من قبل عمر بن عبد العزيز الوليد وسليمان لا يسهمون الخيل من الحصون ويجعلون الناس كلهم رجالة، حتى ولي عمر بن عبد العزيز فأنكر ذلك، وأمر بإسهامها من فتح الحصون والمدائن، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم وهي حصون ولأن الخيل ربما احتيج إليها بأن ينزل أهل الحصن فيقاتلوا خارجاً منه، ويلزم صاحبه مؤنة له فيقسم له كما لو كان في غير حصن».
۲۷۹
أخي القارئ، إن حاولت تقصي خطوات تطور الموارد لبيت المال وتلاعب السلاطين وبطانتهم في إنفاقها فقد تحتاج إلى وقت يوازي التاريخ السابق، أي إلى ألف وأربع مائة سنة، لأنك ستجد في كل يوم استحداثاً جديداً للمكوس وهدر لأموال بيت المال وبطرق مبتكرة بحاجة للبحث. فخُبث ومكر معظم المسؤولين عن المكوس لتحصيلها لن تنتهي أبداً ظانين أنهم على الحق لأنهم يعتقدون أنه لا قيام للمجتمعات دون دولة، وأنه لا دولة دون رجال، وأنه لا رجال دون أموال، وبالطبع فلا مال إلا بالمكوس. أي أنهم رغم ضلالهم يعتقدون أنهم على الحق، فقد غُسلت أدمغتهم، لذلك يتفانون في فرض المكوس. أي أننا لن ننتهي من تقصي ألاعيبهم في جني الأموال وبالذات إن علمنا أنه في كل مدينة في العالم الإسلامي من الشارقة للمغرب بيت مال وموظفين. وفي النهاية، فما الفائدة من بحث كهذا. لذلك فلن نستمر في وصف خطوات أو أشكال فرض المكوس لكثرتها ولكثرة السلاطين الذين حكموا العالم الإسلامي. بل نكتفي بهذا القدر مع ذكر مثال واحد من الأندلس ثم مثال آخر من الدولة العباسية ثم فتوى للشيخ ابن تيمية ثم وصف سريع لتركيب الدولة العثمانية الاقتصادي، أما الوضع المعاصر فسيأتي نقده في الفصلين القادمين بإذن الله. بالنسبة للمثال من الأندلس فقد جاء في «الكامل في التاريخ» مثلاً الآتي:
«ثم دخلت سنة إحدى ومائتين ذكر ولاية منصور بن المهدي ببغداد .... ذكر ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية: وفي هذه السنة سادس ذي الحجة توفي أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية وكانت إمارته خمس سنين ونحو شهرين، وكان سبب موته أنه حدد على كل فدان في عمله ثمانية عشر ديناراً كل سنة، فضاق الناس لذلك وشكا بعضهم إلى بعض، فتقدم إليه رجل من الصالحين اسمه حفص بن عمر الجزري مع رجال من الصالحين فنهوه عن ذلك ووعظوه وخوفوه العذاب في الآخرة وسوء الذكر في الدنيا وزوال النعمة، فإن الله تعالى اسمه وجل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيُّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن
الديوان
٦٩١
دُونِهِ مِن وَالٍ﴾. فلم يجبهم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية المذكور إلى ما طلبوا. فخرجوا من عنده إلى القيروان. فقال لهم حفص: لو أننا نتوضأ للصلاة ونصلي ونسأل الله تعالى أن يخفف عن الناس. ففعلوا ذلك فما لبث إلا خمسة إلى حتى خرجت قرحة تحت أذنه فلم ينشب أن مات منها. وكان من أجمل أهل زمانه» . .
أحمد بن حنبل
۲۸۰
وبالنسبة للمثال من الدولة العباسية فسأمر سريعاً على وضع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كمثال للعلماء الذين كان شغلهم الشاغل هو نقاء مال بيت المال. فقد استضاف الخليفة المتوكل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قسراً في مدينة سر من رأى بعد انجلاء محنة خلق القرآن، إلا أن الإمام أحمد طيلة فترة إقامته لم يأكل شيئاً إلا بعد ثمانية أيام اضطر عندها لشرب القليل من السويق لدرجة أن الخليفة أرسل له طبيباً خوفاً عليه من ضعفه. إن تأملت القصة الآتية عن هذه الزيارة المفروضة على الإمام أحمد لعلك ستسأل : ما الذي كان يدور في ذهن الإمام أحمد في تلك الفترة يا ترى؟ لعله صراع قوي فهو لا يأكل قط، فلعله كان يفكر دائماً في السؤال الآتي والله أعلم: هل في هذا التجويع للذات قتل للنفس ؟ وهو بالطبع فقيه ويعلم جرم مثل هذا الرفض للأكل الذي قد يؤدي لقتل النفس. فإن أحلت الميتة للمضطر ، وهذا الإمام أحمد توضع أمامه جميع أنواع المأكولات ويرفضها لأنها من أموال السلطان أو بيت المال. وكان رفضه لدرجة اقترابه من الهلاك جوعاً، أليس في هذا وضع حرج له يجعله دائم التفكير في حاله: هل يأكل القليل أو لا يأكل تماماً؟ ولكن لماذا يرفض الأكل لدرجة الاقتراب من الموت جوعاً؟ هنا لعلك ستدرك من الاقتباس الآتي أنه يفعل ذلك لأنه كان متأكداً أن أموال هؤلاء السلاطين ليست بحلال، والدليل على هو رده على أهله عندما قبلوا عطاء السلطان وعندما احتجو عليه بقبول ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما جوائز السلطان، فكان رد الإمام أحمد: «ما هذا وذاك سواء. ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال». اقرأ الآتي من «البداية والنهاية».
ذلك
«فلما مات إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق، كتب المتوكل إليه أن يحمل إليه الإمام أحمد فقال لأحمد في ذلك. فقال: إني شيخ كبير وضعيف، فرد الجواب على الخليفة بذلك. فأرسل يعزم عليه لتأتيني، وكتب إلى أحمد إني أحب أن أنس بقربك وبالنظر إليك ويحصل لى بركة دعائك. فسار إليه الإمام أحمد وهو عليل في بنيه وبعض أهله. فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام وقال له وصيف: قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي داؤد [دؤاد]. فلم يرد عليه جـوابـاً، وجعل ابنه الله للخليفة ولوصيف. فلما وصلوا إلى العسكر بسر من رأى أنزل أحمد في دار إيتاخ، فلما علم بذلك ارتحل منها وأمر أن يستكرى له دار غيرها، وكان رؤوس الأمراء في كل يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعون ما عليهم من الزينة والسلاح. وبعث إليه الخليفة بالمفارش الوطيئة وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك ليحدث الناس عوضاً عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة. فاعتذر إليه عليل وأسنانه تتحرك وهو ضعيف. كان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج مما يقاوم مائة وعشرين درهماً في كل يوم والخليفة يحسب أنه يأكل من ذلك، ولم
يدعو
٦٩٢ 🗏
ومع
يكن أحمد يأكل شيئاً من ذلك بالكلية، بل كان صائماً يطوى. فمكث ثمانية أيام لم يستطعم بطعام ذلك هو مريض، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلاً من السويق بعد ثمانية أيام. وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له فامتنع من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل. فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله وقال إنه لا يمكن ردها على الخليفة. وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله [أي الإمام أحمد] الخليفة فقال الخليفة: لا بد من ذلك وما هذا إلا لولدك. فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته ثم أخذ يلوم أهله وعمه وقال لهم: إنما بقي لنا أيام قلائل وكأننا قد نزل بنا الموت، فإما إلى جنة وإما إلى نار فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء في كلام طويل يعظهم به فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه . وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان. فقال: وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال. ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه ما سويه المتطبب لينظر في مرضه، فرجع إليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن أحمد ليس به علة في بدنه وإنما علته . قلة من الطعام وكثرة الصيام والعبادة. فسكت المتوكل. ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد. فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه المعتز ويدعو له، وليكن في حجرة فتمنع من ذلك، ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله ببغداد، وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور. فجيء ببغل لبعض التجار فركبه، وجاء إلى مجلس المعتز وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك المجلس من وراء ستر رقيق، فلما جاء أحمد قال: سلام عليكم، وجلس ولم يسلم عليه بالامرة. فقالت أم الخليفة: الله الله يا بنى في هذا الرجل، ترده إلى أهله، فإن هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه. وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه: يا أمه قد تأنست الدار. وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب وقلنسوة وطيلسان فألبسها أحمد بيده وأحمد لا يتحرك بالكلية. قال الإمام أحمد: ولما جلست إلى المعتز قال مؤدبه: أصلح الله الأمير، هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك. فقال: إن علمني شيئا تعلمته. قال أحمد: فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيراً جداً. فخرج أحمد عنهم وهـو يستغفر الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه. ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حزاقة، فلم يقبل أن ينحدر فيها بل ركب في زورق فدخل بغداد مختفياً، وأمر أن تباع تلك الخلعة وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين. وجعل أياماً يتألم من اجتماعه بهم ويقول : سلمت منهم طول عمري ثم ابتليت بهم في آخره، وكان قد جاع عندهم جوعاً عظيماً كثيراً حتى كاد أن يقتله الجوع. وقد قال بعض الأمراء للمتوكل : إن أحمد لا يأكل لك طعاماً ولا يشرب لك شراباً ولا يجلس على فرشك ويحرم ما تشربه. فقال: والله لو نشر المعتصم وكلمنى في أحمد ما قبلت منه. وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في جه كل يوم تستعلم أخباره» . ج
والآن للنظر للفتوى الآتية لابن تيمية، فرغم قفز الزمن بين الإمامين أحمد بن حنبل وابن تيمية رحمهما الله
لما يقارب لأكثر من أربع مائة سنة إلا أن الوضع لم يتغير إلا للأسوأ. فأموال بيت المال تشوبها الشبهات. لاحظ الفتوى الآتية: فقد سئل ابن تيمية رحمه الله :
ده
«وسئل رحمه الله عن رجل أعطاه ولي الأمر إقطاعاً وفيه شيء من المكوس، فهل يجوز له الأكل منها أو يقطعها لأجناده أو يصرفها في علف خيوله وجامكية " الغلمان؟ فأجاب: الحمد لله، أما المال المأخوذ من الجهات فلا يخلو عن شبهة وليس كله حراماً محضاً، بل فيه ما هو حرام وفيه ما يؤخذ بحق، وبعضه أخف من بعض. فما على الساحل وإقطاعه أخف مما على بيع العقار ونحو ذلك من
الديوان
٦٩٣
السلع ومما على سوق الغزل ونحوه، فإن هذا لا شبهة فيه، فإنه ظلم بين. وكذلك ضمان الإفراج فإنه قد يؤخذ إما من الفواحش المحرمة وإما من المناكح المباحة، فهذا ظلم. وذلك إعانة على الفواحش التي تسمى مغاني العرب ونحو ذلك، فإن هذا فيه ضمان الحانة في بعض الوجوه، فهذا أقبح ما يكون بخلاف ساحل القبلة فإنه قد يظلم فيه كثير من الناس. لكن أهل الإقطاعات الكثيرة الذين أقطعوا أكثر مما يستحقونه إذا أمر السلطان أن يؤخذ منها بعض الزيادة لم يكن هذا ظلماً وإقطاعه أصلها زكاة لكن زيد فيها ظلم. وإذا كان كذلك فمن كان في إقطاعه شيء من ذلك فليجعل الحلال الطيب لأكله وشربه ثم الذي للناس ثم الذي يليه يجعل لعلف الجمال، ويكون علف الخيل أطيب منها فإنها أشرف، ويعطي الذي يليه للدبادب والبوقات والبازيات ونحوهم فإن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فعلى كل إنسان أن يتقي الله ما استطاع، وما لم يمكن إزالته من الشر يخفف :
الإمكان، فإن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها».
۲۸۳
هنا لعلك تقول : لقد اخترت مثالين من نفس المذهب، أي الحنبلي، فماذا عن المذاهب الأخرى، فأجيب: إنهم . جميعاً سواء، فجميع الفقهاء من جميع المذاهب كانوا مستائين مما يحدث في بيت المال. وهذه مسألة أشهر من الحاجة لإثباتها لدرجة أن الوضع كان يزداد سوءاً حتى وصل ذروته في آخر الدولة العثمانية. وهي موضوعنا الآتي:
العثمانيون
بقدر ما كان الوضع سيئاً في الدول التي تظهر وكأنها إسلامية لأنها لا تطبق الشرع في مسائل الاقتصاد كالأمويين والعباسيين، إلا أنه لم يكن بذات السوء كما حدث في آخر الدولة العثمانية. والسبب في ذلك والله أعلم أن هناك وسيلتين للسيطرة على الناس عموماً : الأولى من خلال الاقتصاد بفرض المكوس وما شابه كما رأينا، وقد أشرت إليها في فصل «الخيرات» بـ «الموارد»، والثانية من خلال سن الأنظمة والقوانين مثل منع الناس من
هو
.(۲۸۱)
هامش
ج5) قد تكون هناك بعض المبالغات في وصف رفض الإمام أحمد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (خذ العطاء ما كان عطاء، فاذا فهناك نص لابن تيمية يوضح فيه أن بعض الأحاديث عن الإمام أحمد كان عوضاً عن دين أحدكم فلا يأخذه). ولو ألقى في دجلة الدم مبالغ فيها إلا أن رفض الإمام أحمد الأكل في ضيافة المتوكل قصة لم والميتة ولحم الخنزير وكل حرام في الوجود لم يحرم صيدها ولم تحرم» يردها ابن تيمية. يقول ابن تيمية رحمه الله: «وهؤلاء يحكون في الورع الفاسد حكايات بعضها كذب ممن نقل عنه وبعضها غلط، كما ده) يقول نزيه حماد موضحاً : الجامكية كلمة تركية معناها ما يرتب يحكون عن الإمام أحمد أن ابنه صالحاً لما تولى القضاء لم يكن يخبز في الأصحاب الوظائف في الأوقاف. وهي كالعطاء إلا أن العطاء سنوي داره، وأن أهله خبزوا في تنوره فلم يأكل الخبز فألقوه في دجلة فلم والجامكية شهرية. قال ابن نجيم: «الجامكية في الأوقاف لها شبه يكن يأكل من صيد دجلة، وهذا من أعظم الكذب والفرية على مثل الأجرة وشبه الصلة وشبه الصدقة، فيعطى كل شبه ما يناسبه». فقد هذا الإمام. ولا يفعل مثل هذا إلا من هو من أجهل الناس أو أعظمهم اعتبر لها شبه الأجرة، أي من حيث حل تناولها للأغنياء، إذا لو كانت مكراً بالناس واحتيالاً على أموالهم. وقد نزهه الله عن هذا، وهذا وكل صدقة محضة لم تحل لمن كان غنياً. وشبه الصلة، فلو مات الموظف أو عالم يعلم أن ابنه لم يتول القضاء في حياته وإنما تولاه بعد موته. عزل في أثناء السنة، وكان قد قبض جامكية السنة بتمامها قبل ذلك لا ولكن كان الخليفة المتوكل قد أجاز أولاده وأهل بيته جوائز من بيت تسترد منه ما بقي. واعتبر لها أيضاً شبه الصدقة لتصحيح أصل المال فأمرهم أبو عبد الله أن لا يقبلوا جوائز السلطان، فاعتذروا إليه الوقف، فإنه لا يصح على الأغنياء ابتداء، لأنه لابد أن يكون صدقة بالحاجة فقبلها من قبلها منهم فترك الأكل من أموالهم والانتفاع من ابتدائه، لأن قوله موقوفة أبداً ونحوه شرط لصحته. وهذا اللفظ بنيرانهم في خبز أو ماء لكونهم قبلوا جوائز السلطان وسألوه عن هذا المصطلحات الفقهية التي درج على استعمالهـا متـأخـروا فقهاء المال : أحرام هو ؟ فقال : لا . فقالوا : أنحج منه ؟ فقال: نعم. وبين لهم الحنفية والشافعية دون غيرهم» (۲۸۲). منه لئلا أنه إنما امتنع م يصير ذلك سبباً إلى أن يداخل الخليفة فيما يريد
من
٦٩٤ 🗏
التنقيب عن المعادن أو منع من أراد بناء فندق إلا بإذن من السلطات. وكنت قد أشرت إليها سابقاً بالـ «الموافقات». ففي الدول الأموية والعباسية والمملوكية ونحوهم كان للناس إحياء الأرض دون إذن الإمام في الكثير من المناطق، وكان للناس أخذ المعادن الظاهرة حتى دون علم السلطات لسعة العالم الإسلامي مقارنة بمقدرة الدولة على السيطرة على هذه المساحة، وكان للناس حفر المناجم دون إذن السلطات، وكان للناس القيام بشتى أنواع الاستثمارات مثل بناء سوق أو معمل دون إذن السلطات، أي أن بعض الموافقات كانت في أيدي الناس، ومن ثم قد تفرض السلطات عليهم المكوس إن هي علمت أو طمعت فيما قاموا به. أما مع الدولة العثمانية، وبالذات في الفترة الأخيرة، فبظهور الأنظمة بحسن نية ممن هم في العاصمة، وبلكن بسوء استخدامها ممن هم في الموقع من موظفين، فإن البلوى قد بدأت تعم بتقييد أيدي الناس، فتم تثبيط سرعة التنمية، فقلت موارد الأمة، فانهارت الدولة العثمانية.
هو
ما
أي أن الدولة العثمانية في فتراتها الأخيرة استخدمت كلتا الوسيلتين للسيطرة على معظم أوجه النشاط الإنمائي. لقد كان الحال قبل الدولة العثمانية سجال بين الناس والسلاطين، أخذ بالعنف أو المسايسة أو التحايل ولكن ليس بطريقة نظامية كما نعرفها اليوم من خلال قانون عام كمنع إنشاء منجم إلا بإذن الدولة. فلم تكن هناك تدخلات صناعية أو عمرانية أو زراعية من السلاطين ومن يعملون معهم وذات تأثير كبير على التنمية والبيئة ككل، كما حدث في آخر العهد العثماني. بل كانت التدخلات تقتصر على أماكن متفرقة هنا وهناك وفي أزمان متفاوتة كإقطاع الحكام للأراضي المنتجة للمقربين منهم، وترتيب التجار في الأسواق وبنائها. وكان بعض السلاطين يشرفون على بناء القصور وتوسيع بعض الطرق الرئيسية في المدن الكبرى مثل دمشق والقاهرة. أي أن التدخلات تركز على مواقع وأفراد تصل إليهم يد الدولة وليست قانوناً تصدره السلطات ليطبق على جميع الأمة كما حدث في آخر الخلافة العثمانية أو كأيامنا هذه. فمن الأمثلة التي قد تأخذ طابعاً شخصياً قبل الخلافة العثمانية مثلاً أمر به الوليد بن عبد الملك (ت (٩٦) بهدم بيت فاطمة رضي الله عنها عندما انكشف البيت وحسن بن حسن يسرح لحيته بينما الوليد يخطب ٢٨٤ وهذا بالطبع هضم الحقوق فرد أو أسرة. ومن الأمثلة أيضاً ما قام به الوزير البازوري في عهد المستنصر (٤٢٧) إلى (٤٨٧) ببناء حائط حتى يستر منطقة خربة عن نظر السلطان مثلاً، هنا نجد أن حقوق سكان تلك المنطقة فقط قد تأثرت ٢٨٥ وعندما بنى المنصور مدينة السلام (بغداد) سنة ١٤٥ بطريقة تبذيرية فهو قد استثمر الكثير من أموال بيت المال في موضع قد لا يحق له أن يصرفه فيه." وعندما نقل المعتصم (۲۱۸-۲۲۷) العاصمة إلى سر من رأى فهو قد أنهك بيت المال. وبالطبع فهناك الكثير من المدن التي أنشئت بأموال الدولة والتي كان من المفترض أن تصرف أموالها في استثمارات أخرى، ناهيك عن أحقية بيت المال لهذه الأموال! ولكن كل هذا فإن هذا الوضع لم يكن سيئاً كما حدث في آخر الدولة العثمانية لأنها كانت تصرفات رعناء من الحكام هنا وهناك ولكن دون أن تكون نظاماً أو قانوناً يمسك بزمام المجتمع بأسره.
هامش
مع
٢٨٦
هـ5) إن الأمثلة على هذا كثيرة. فيقول البلاذري مثلاً: «ثم استخلف الناس فيه وتركوا المسجد الأول، ثم أنه أحدث مدينة سماها المتوكلية أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، رحمه الله، في ذي الحجة سنة اثنين وعمرها وأقام بها وأقطع الناس القطائع» (۲۸۷). وثلاثين ومائتين، فأقام بالهاروني وبنى بناءً كثيرا وأقطع الناس في ظهر (وه وهنا أود التنويه على أن أهمية دراسة الوضع في الدولة العثمانية سر من رأى بالحائر الذي كان المعتصم بالله احتجره بها قطائع هو للاعتبار مما حدث للعثمانيين، بالإضافة إلى لفت النظر لما حدث فاتسعوا بها وبنى مسجداً جامعاً كبيراً وأعظم النفقة عليه وأمر برفع لمعظم الدول العربية التي ورثت أنظمة الدولة العثمانية (۲۸۸). منارته لتعلو أصوات المؤذنين فيها حتى نظر إليها من فراسخ، فجمع
الديوان
٦٩٥
ومع طول يد الدولة جيلاً بعد جيل في الدولة العثمانية وامتلاكها لأموال وأراض أكثر فأكثر تغيرت مقصوصة الحقوق الإسلامية لمنظومة تثبط همم الناس. وهكذا بدأ سلطان الدولة يزداد. وللتوضيح سأبدأ أولاً بضرب مثال واحد عن الوسيلة الثانية ثم نعود للوسيلة الأولى (وسنأتي على توضيح الوسيلة الثانية في فصول أخرى کـ «القذف بالغيب» بإذن الله. وه
وہ
لقد كانت الدولة العثمانية في الآونة الأخيرة تعتقد بأنها تطبق الشريعة الإسلامية في إدارتها للأمة، وبالذات تطبيق المذهب الحنفي. ففي عام ١٨٦٩م قام نخبة من العلماء بتحرير المذهب الحنفي في مدونة، ثم نشرته الإمبراطورية العثمانية تحت عنوان «المجلة»، أو «مجلة الأحكام العدلية». ۲۸۹ وكانت المجلة بعد تحريرها من أهم المراجع الذي تعتمد عليه الدولة العثمانية. وكما وضحت في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام» فإن المذهب الحنفي كان يميل إلى تدخل السلطة أكثر من غيره من المذاهب فهو المذهب الذي اشترط إذن الإمام في الإحياء، وهو المذهب الذي عرّف الموات بأنها الأرض البعيدة عن العامر، وهو المذهب الذي دعا إلى تدخل الحاكم في إقطاع مقاعد الأسواق وتنظيم التجار بها ولا تنسى أنه هو المذهب الذي كان يأخذ بالرأي). فكان متوقعاً أن تدعم المجلة تدخل السلطة، أي تؤدي إلى تغيير مقصوصة الحقوق ۲۹۰ فالمادة ۱۲۷۰ تنص على أن: «الأراضي الموات هي الأراضي التي ليست ملكا لأحد ولا هي مرعى ولا محتطبا لقصبة أو قرية، وهي بعيدة عن أقصى العمران. يعني أن جهير الصوت لو صاح من أقصى الدور التي في طرف تلك القصبة أو القرية لا يسمع منها صوته»، وبالطبع فإن في هذا التعريف تقييد للناس من الانطلاق. فكما وضحت في كتاب «عمارة الأرض» بحمد الله، فإن المذاهب الأخرى لا تقول بهذا كما مر بنا في فصل «الخيرات»، فأي أرض ليس لها مالك ويمكن استصلاحها فهي موات، أي وكأنها تدعو الناس للتسابق لاستغلالها حتى وإن كانت بالقرب من العامر، وبهذا يزداد الإنتاج. وجاء في مادة أخرى الآتي: «مادة ۱۲۷۲: إذا أحيا شخص أرضاً من الأراضي الموات بالاذن السلطاني صار مالكاً لها. وإذا أذن السلطان أو وكيله لشخص بإحياء أرض على أن لا يكون متملكاً، بل لمجرد الانتفاع فذلك الشخص يتصرف بتلك الأرض كما أذن له لكن لا يكون مالكاً لتلك الأرض». تأمل هذه المادة التي تقتل الهمم، فإن لم يأذن السلطان فإن المحيي لن يكون مالكاً للأرض، بل سيكون أجيراً في أرض هو أحياها، وللسلطان أن يفرض عليه ما يرى من المكوس لأنه لا زكاة تدفع، بل خراج (وسيأتي بيانه بإذن الله). حتى أن شجرة واحدة لا يمكن إحياؤها إلا بإذن السلطان. فالمادة ۱۲۸۹ تقول مثلاً: «حريم الشجرة المغروسة بالإذن السلطاني في أراضي الموات من كل جهة خمسة أذرع، لا يجوز لغيره [أي لغير المحيي] غرس شجرة في هذه المسافة». فهذه المادة اشترطت إذن السلطان لغرس شجرة واحدة في أرض موات!! كما أنها اشترطت الخمسة أذرع كحريم بينما هذه تركت في الشريعة لتتحدد من خلال مبادئ تؤدي للحوار بين الناس المبادرين ليتم عن طريقها تحديد حريم لكل شجرة بناء على أرضها لتصبح عرفاً فيما بعد، فهل النخلة كشجرة التين؟ وهل الشجرة المغروسة في أرض خصبة طينية كتلك التي تغرس في أرض رملية فقيرة؟ فحل مثل هذه الاختلافات بين الناس ستؤدي للحوار المؤدي لظهور الأعراف. أي أن هذه الحوارت بين الناس ستؤدي لانتشار «المعرفة الحقة». فهناك معرفة حقة ومعرفة باطلة أو فاسدة كما في أيامنا هذه، كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصل «المعرفة». أي أن المجلة، بتبويب موادها زادت من حقوق الدولة على حساب الأفراد.٢٩١ أي أن المجلة جسدت بطريقة شمولية نظرياً ما كانت تقوم به الدولة العثمانية في عقودها الأخيرة. أي أن الناس أحيانا قد يفقدون حقهم في الغرس والإحياء إن طبقت المجلة، فإن ربطت مثل هذه الأنشطة الإنمائية
797 🗏
بإذن السلطان الذي بالطبع سيترك هذه الصلاحية لموظفين آخرين في العاصمة إسطنبول أو بالأصح إسلام بول، وهؤلاء سيتركونها لموظفين أقل مرتبة في المدن الرئيسة كدمشق وبغداد، وهؤلاء لمدراء في المناطق كحمص وحماة، وهؤلاء لموظفين أقل وأقل في القرى، عندها ستصبح نسبة جيدة من سكان الدولة العثمانية من الأفراد الذين يهيمنون على النشاطات الإنمائية. فإن لم يوافق موظف الدولة في القرية على الإحياء مثلاً فلن يتم ذلك إلا برشوته أو إرضائه بدعوته لوليمة ما أو حتى على الأقل بتبجيله بكلمات معسولة تجعل بعض عزيزي الأنفس يتراجعون عن الإحياء، هذا إن لم يطلب الموظف مبلغاً من المال كرشوة والذي لا يستطيع الكثير من الناس دفعه مما يجعلهم في عطالة مستمرة. وبالطبع، فإن في هذا تثبيط للهمم وقتل لانطلاق الأفراد. فلا الأرض أحييت، ولا الناس عملوا، ولا الإنتاج زاد، أي أن الوضع هو : أرض ميتة مع بطالة مع فقر في الإنتاج، يا لها من وصفة للتخلف. ولا تعتقد بأن التخلف زراعي فحسب، بل استخدمت الزراعة كمثال لأنها كانت عصب الحياة، أي أن التسلط بدء يدب في شتى المجالات، وكل هذا بحسن نية ولكن سوء تنفيذ بالضرورة. وسترى في الفصول القادمة بإذنه تعالى الفرق بين
مقصوصة الحقوق وما وضعته الدولة عموماً وبالذات الدول العربية من عراقيل أمام التنمية بحجة التنظيم.
هو
والآن نعود لموضوع هذا الفصل أي المكوس (أي الوسيلة الأولى): لقد كان المجتمع في العصر العثماني مقسوماً إلى طبقتين رئيستين: هما طبقة العساكر وطبقة الرعية. وقد تكون الطبقتان قد تساوتا في معظم الحقوق غير التمكينية، والله أعلم، أما في الحقوق المالية والوصول للخيرات، أي حقوق التمكين، فقد كان هناك تفاوتاً بيناً. فبالنسبة لطبقة العساكر، كان هناك نوعان من الجند : الأول هم الجند الدائمون (وهم المعروفون بالإنكشاريين والذين يتمتعون بمهارات قتالية عالية وبالذات في استخدام المدافع). وهؤلاء يصرف عليهم السلطان من دخل الدولة ولا عمل لهم إلا التفرغ للقتال، وهذا خلاف ما تدعو إليه الشريعة كما رأينا في فصل «دولة الناس» وفي أول هذا الفصل، أي أن العمل العسكري عبادة شرعا وليس وظيفة كما حدث مع الأمويين والعثمانيين وغيرهم. والنوع الثاني هو الجيش الذي يعتمد في دخله على ضرائب الأراضي الزراعية عن طريق نظام الإقطاع، وأفراده هم الأكثر عدداً، وهم الفرسان، وهؤلاء لا يأخذون من السلطان مالاً بل يعيشون على الإقطاع والإقطاع أعطية من السلطان للفارس من الأراضي الزراعية مقابل خدماته العسكرية. فمتى كانت هناك حرب بالقرب من منطقة الفارس مثلاً أو أنه نودي للمشاركة في المعركة كان عليه أن يلبي ويشارك في المعركة هو ومن مثله ممن يتمتعون بالإقطاع. وإن لم يُستدع للمعركة فإن الفارس يقوم بمراقبة الأراضي الزراعية المقطعة له. والإقطاعات للفرسان كانت على ثلاثة أنواع أساسية بناء على غلاتها : فالنوع الأول وهو الذي سمي بـ «التمار»، وهو إقطاع صغير لا تزيد غلته عن ثلاثة آلاف أقجة والأقجة هي عملة عثمانية فضية. وعلى الفارس المتمتع بهذا الإقطاع أن يقدم للدولة فارسين إلى أربعة فرسان مجهزين للمشاركة في المعركة، وهذا النوع هو الأشهر وهو الذي يذكر كثيراً في كتب التاريخ. والنوع الثاني اسمه إقطاع زعامت» (بتسكين التاء المفتوحة) وهو إقطاع للفارس المتميز بالشجاعة والقوة، وصاحبه يسمى بالزعيم، وقد تصل غلة الأرض المقطعة له إلى مائة ألف أقجة، وعلى الزعيم أن يقدم فارساً عن كل خمسة آلاف أقجة، أي أن على المتمتع بغلة تصل إلى مائة ألف أقجة أن يقدم عشرين فارساً ويقودهم في المعركة. وهذان النوعان يخضعان للتفتيش من قبل موظف مختص اسمه «الدفتردار»، وهو موظف يتابع مدى اهتمام صاحب الإقطاع بالخيول بالذات وذلك لأن الجيش كان يعتمد على الخيول كثيراً. فإن لاحظ الدفتردار
الديوان
٦٩٧
أن هناك إخلالاً فإنه يرفع تقريراً عن ذلك للمسؤولين وعندها فقد يتم سحب الإقطاع من الفارس ليعطى لغيره. والنوع الثالث من الإقطاعات يُسمى بالـ «خص»، وهو إقطاع كبير في مساحته ولا يخضع للتفتيش من الدفتردار، وإنما هو إقطاع للولاة العثمانيين أثناء قيامهم بعملهم ، والمقطع له لا يتمتع بهذا الإقطاع إن فصل من الخدمة. كما أن هذه الإقطاعات الثلاثة لا تورث، بل تعود للسلطان بعد وفاة المقطع له أحياناً، كما أنها أيضاً لا تمنح إلا لمن هم من أصول عثمانية من الفرسان . وهناك نوع رابع من الإقطاعات واسمه «الخواص هامايون»، والهامايون يعني السلطان، أي أنه الإقطاع الخاص بالسلطان، وهذا يمتاز بأنه إقطاع كبير جداً في مساحته وخصب في أرضه. وهكذا كما ترى فإن الحاجة للفرسان كانت العصب الرئيس في التركيبة الاقتصادية المجتمعية للدولة العثمانية. حتى أنه بالإمكان تجهيز جيش قوامه حوالي مئتي ألف فارس من هذه التركيبة . ۲)
۲۹۳
۲۹۲
تصور هذا الوضع أخي القارئ فارس يمتلك المهارات الحربية ويعمل له أناس لا يمتلكون هذه المهارات، فهل تعتقد أن هذه معادلة عادلة؟ وهذا الفارس ومن سيقدمهم للمعركة يقتسم أو يقتسمون الغلة مع من يعملون في الأرض، أليست هذه وصفة إقطاعية محضة؟ وكيف تمت للإسلام بصلة؟ وما حدث هذا إلا لأن الجهاد أصبح وظيفة وليس عبادة، فالقتال وظيفة مقابل المال الذي يجنى من ظهور وعرق الناس. لقد كان هذا النظام هو العمود الفقري الإداري الاجتماعي للدولة العثمانية. واعتمد نظام التمار أو الإقطاع على وحدة اقتصادية وجغرافية اسمها «سنجك» . ٩٣" والسنجك هو منطقة أو إقليم إداري مكون من عدة مدن وقرى (وهو ما يقابل قاعدة ونيابة وجملة وحاضرة وولاية في عصر المماليك، أو إمارة في السعودية، أو محافظة في مصر، أو عمالة في المغرب). ٢٩٤ فكان الفرسان الذين يعيشون مما أقطع لهم يسكنون في القرى أو المدن التابعة للسنجك. أي أن الأراضي التي عمل بها الفلاحون كانت تحت إشراف هؤلاء الفرسان الذين بدورهم يخضعون لـ «سنجك بك»، وهو الشخص الإداري المسؤول عن السنجك وقائدها العسكري. وباستطاعة هذا السنجك بك تغيير الأنظمة المعمول بها في السنجك. وهكذا قد تتغير الحقوق من موقع لآخر. وكانت الـ «بجلر بجلك» وحدة أكبر من السنجك، وتتكون من سناجك كثيرة يشرف عليها قائد يحمل لقب «بجلربك» أو الوالي. فمنطقة الأناضول مثلاً كانت تعتبر بجلر بجلك واحدة. وقد تم تعيين أول بجلربك في عهد السلطان مراد الأول (٧٦١-١٣٦٠) . وفي عام ٧٩٦-١٣٩٣ تكونت البجلربجلك الثانية، وبحلول عام ١٠١٨-١٦٠٩ كانت الدولة العثمانية تتكون من إثنين وثلاثين بجلر بجلك. وكانت بجلر بجلك الأناضول تتكون من عشرين سنجكاً في عام ٩٢٦-٢٩٥١٥٢٠ أي أن الفرسان الذين يعيشون من الإقطاعات يخضعون للسنجك بك وقراراته، ومجموعة من هؤلاء السنجك بك يخضعون للبجلربك ولآرائه والذي بدوره يخضع للصدر الذي يلي السلطان في المنصب. أي أن التنظيم العسكري والإداري كانا مرتبطين بنظام الإقطاع، وبهذا حلت الدولة العثمانية مشكلة دفع المصاريف الهائلة لهؤلاء الجند، بالإضافة الى قيام الجند بالمهام الإدارية على المستوى المحلي. أما السكان المحليون فهم كالنعاج لا يجيدون المهارات الحربية ويتلقون الأوامر وكأنهم عبيد يعملون لتغذية الدولة العسكرية.٢٩٦ فأين الإسلام من كل هذا؟ إن هذا لنظام يحكم بغير ما أنزل الله في الاقتصاد. أي أن
مقصوصة الحقوق قد تغيرت وغيرت كل شيء لأن العمل العسكري أصبح وظيفة بعد أن كان عبادة وجهاداً.
لقد كانت العلاقة بين السلطان والفرسان مبنية على ما يسمى بـ «التحرير». وهو عبارة عن مسح للأملاك في السنجك قرية قرية بحيث يشمل هذا المسح أنواع الثمار التي تنتجها الأراضي، ويشمل ريع.
شامل
هذه
٦٩٨ 🗏
الأراضي من كل ثمر، وعدد الأفراد الساكنين بها، وعدد العمال العاملين بها، وهكذا من سجلات بيروقراطية تفتح مجالاً للتلاعب في كل سطر منها، بل وبكل كلمة فيها. وكل هذا حتى يتسنى للدولة تحديد الضرائب الواجب تحصيلها من هذه الإقطاعات فلم تكن هناك زكاة تخرج كما أرادت الشريعة، ولكن ضريبة تُفرض وعلى الفارس أن يدفعها، وبالطبع فإنه سيدفعها من الغلة التي سيغطي منها نفقاته ومدخراته أيضاً، ليقع الظلم على الفلاح الذي لا يأخذ إلا القليل، وهذا الفلاح لا حول له ولا قوة إلا إطاعة الفارس، والفارس يطأطئ رأسه للسنجك بك، والسنجك بك يطأطئ رأسه للبجلر بك. وهكذا فُقدت العزة وأصبحت التركيبة المجتمعية تركيبة إدارية هرمية منفعية إذلالية تنتهي بسلب حقوق العامة. وبهذا، فمن هذه الدواوين أو ما يسمى بـ «التحرير»، تتحدد مسؤوليات كل فارس ودخله من التمار وما يجب عليه أن يدفعه للدولة عن طريق السنجك بك.
أي أن السلطان أو الدولة هي الجهة التي تملك الأرض. وسميت هذه الأراضي بالأراضي الأميرية، وللعاملين في الأرض، وهم الفلاحون، حق التصرف. وبين السلطان والعامل في الأرض عدة طبقات من الأفراد، وهم الفارس المتمتع بالتمار، والسنجك بك والذي يعمل تحته الكثير من الموظفين، ثم الوالي أو البجلربك والذي يعمل له الكثير من الموظفين البيروقراطيين، وهكذا. أي أن حقوق الفرد المنتج ضاعت بين هؤلاء. ولهذا فمن الطبعي أن يقل دخل الدولة وأن تتخلف الدولة برغم قوتها العسكرية التي بدأت تتلاشى. فهي بدأت في الانهيار اقتصادياً لأن الدولة
ملكت معظم الأراضي في نمط شبه اشتراكي من حيث الحقوق برغم مظهرها الإسلامي زياً وصلاة وصياماً.
إلا أن هذا الوضع ازداد سوءاً. فبنقصان الدخل وحاجة الدولة العثمانية للمزيد من المال قررت الدولة إعادة النظر في نظام الإقطاع وأحلّت مكانه في بعض المناطق نظام «التلزيم». والتلزيم ببساطة هو نهب الملتزمين لأملاك الدولة (أو بالأصح أملاك الناس). فالالتزام هو الحق لشخص ما في جباية قرية أو منطقة معينة. فالملتزم هو شخص ذو نفوذ ويدفع مالاً للدولة بصفة مقدمة على أن يأخذ الغلة بعدها، ثم بالطبع سيمارس الكثير من الظلم حتى يعيد ما أعطاه للدولة أضعاف مضاعفة كما يقول البعض. وصفة التلزيم كالآتي: يتقدم بعض الأفراد الذين يسمون بالملتزمين، ويلتزمون باستيفاء حصة الحكومة من إنتاج المزارعين من قرية ما أو منطقة ما أو مجموعة قرى أو محلات. فإذا كانت حصة الحكومة في قرية ما تقدر بمليون أقجة مثلاً، ويقترح ملتزم ما استيفاء مليون وعشرين ألف أقجة، ويزيد ملتزم آخر المبلغ إلى مليون وخمسين ألف أقجة، وهكذا، فإن الحكومة توكل الأمر لأعلى ملتزم وتمنحه حق الوكالة في جمع المكوس. وفي هذا بالطبع انحراف أكبر عن مقصوصة الحقوق إلى منظومة اضطهادية للفرد الذي أصبح مجرد آلة في أرضه بإرهاقه بالضرائب. فكان الملتزمون ينهكون العاملين في الأرض. فإذا رفض المزارع الدفع كان الملتزمون يطلبون من الحكومة تعيين خبراء لتقدير الغلة، بدعوى أن المزارع قد أخفى إنتاجه ببيع جزء منه خلسة. فيأتي هؤلاء الخبراء بتقدير مرتفع جداً لأنهم كانوا قد اتفقوا مع الملتزمين على
هامش
زه) يقول المستشرق نورمان إتزكووتز مستنتجاً: «باستثناء الأوقاف عندما كنت أدرس في الغرب كان هو أول كتاب قرأته عن الموضوع، الدينية والقليل من الأملاك التي سُمح لها بأن تكون ذات ملكية ثم بعد أن عدت للعالم الإسلامي وجدت الكثير من الأبحاث خاصة، يمكن القول أن جميع الأراضي نظرياً تعتبر ملكاً للسلطان المنشورة حول الموضوع مثل كتاب خطط الشام للبلاطنسي أثابه الله، فهو (أي السلطان) الذي سمح للآخرين بالتمتع بحقوق معينة في والذي يعج بمثل هذه الأدلة. لهذا لم أرد تغيير هذا الاقتباس حتى الأرض؛ الحاصلين مثلاً على التمار تمتعوا بنصيب من دخل الأرض يرى القارئ جميع المصادر التي أثرت في المؤلف ليتسنى له النقد مقابل خدماتهم». ملحوظة : لقد استشهدت بهذا المستشرق لأنني (۲۹۷).
الديوان
٦٩٩
شيء مسبقاً. وبهذا يكون على المزارع بيع بعض أو كل ما لديه لتغطية الضريبة، وقد يلجأ إلى بيع أرضه للنفقة على أهله، هذا إذا لم يسجن. وحتى لا يقع المزارع في هذا المأزق يقبل بما يفرضه عليه الملتزم من ضرائب. أي أن جزءاً من دخل الدولة قد أخذه الملتزمون وهم طبقة غير منتجة فعلياً. وبهذا قد يفقد بعض المزارعين الاهتمام بالأرض حتى أنهم قد يتركوها. وهكذا بمرور الزمن يقل الإنتاج في مجموع الأمة. بهذا نقص دخل الدولة أكثر وأكثر.٢٩٨ يا له من عقاب وضياع بسبب الخروج عن الشرع.
أي أن الضرائب مع ما يصاحبها من رشاوي أنهكت الفلاح الذي بدأ يهمل في زراعة الأرض. وكما هو معلوم فإن طبيعة الحياة الفلاحية هي الاعتماد على النفس في أكثر مقومات الحياة. فإذا حصل الفلاح على ما يكفيه وأسرته، وعلم أن الفائض من إنتاجه سيذهب لغيره كضرائب، فلماذا يعمل باجتهاد؟ يقول أكرم العلبي مقارناً حال الفلاح في عصر المماليك بحاله في الدولة العثمانية:
ومما سبق نستطيع أن نقدر أن الفلاح كان يدفع ما بين ٢٠ إلى ٦٠٪ من محصوله كضريبة للدولة، وهذه النسبة - على ارتفاعها - كانت أرحم بالفلاح من نظام الالتزام الذي طبق في العصر العثماني، لأنها كانت تمكن الفلاح من تقدير ما سيبقى له مسبقاً، وتعطيه الفرصة لزيادة ربحه إذا زاد إنتاجه، ... إن النظام المملوكي في جباية الضرائب من الفلاح كان يتطلب مقدرة إدارية عالية وخبرة، بعكس نظام الالتزام الذي لم يختلف عن عمليات النهب والسلب التي يقوم بها الحكام والوسطاء المحاسيب، والتي أدت إلى تدهور الزراعة في العصر العثماني، وتقلص نسبة الأراضي المزروعة ...».
تأمل هذه الأرقام التي كانت تدفع كمكوس والتي قد تصل إلى ٦٠٪ من المحصول والتي زادت في العهد العثماني وقارنه بالزكاة وكيف أن الشريعة تكرم الفرد وتأخذ بقوله ولا تخونه. ويقول حامد مصطفى منتقداً و
الأتراك في العراق مع الاعتذار عن التشنيع، فالأتراك ليسوا أهل بداوة، كما أنهم ألفوا فلاحة الأرض):
ولما حكم الأتراك - وهم أهل حرب وبداوة لم يألفوا فلاحة الأرض، ولم يتعلموا الانتفاع بالمياه، زاد الطين بلة بما كانوا يسألون الناس الغذاء للجنود والعلف للدواب، والمال لإنفاقه في حاجة الدولة وجرايات الموظفين والجنود. وطال عهد الأتراك أربعة قرون كانت كافية لتحويل جنة عدن إلى خراب ومصدر شر وبلاء. وحين أدركوا الجناية التي ارتكبوها وأيقنوا أن لا حياة لدولتهم في العراق إلا بإعماره واستغلاله بالزراعة، وبذل الجهود في استصلاح الأرض والسيطرة على المياه، كان الوقت قد فات، فداهمتهم الحرب العالمية الأولى عندما كانوا قد بدأوا ينشئون أول سد على الفرات، ويشرعون القانون الذي يجرون على قواعده للسيطرة على الأرض
.«...
وضع
ولعل من المفيد هنا أن أذكر قصة تشير إلى الوضع: لقد قيل أن هناك شجرة بالطريق بجانب أرض زراعية في اليمن، فأتى جابي الدولة وطالب المزارع بخراج الشجرة. فقال له المزارع أنها شجرة في الطريق وأنه لم يأخذ غلتها. فلم يقتنع الجابي وأصر وحصل على ما أراد فما كان من المزارع إلا أن قطع الشجرة بعد ذهاب الجابي خوفاً
من أن يدفع ضريبتها السنة القادمة. هكذا فقدت الأمة الثمر، وهذا ينطبق على باقي الأعيان وبطرق مختلفة .
۲۹۹
لقد خرجت الدولة العثمانية عن مقصوصة الحقوق فكان العقاب بتدني الدخل. وبدل العودة لمقصوصة الحقوق الإسلامية أعادت الدولة العثمانية التفكير في سياستها باستخدام العقل، فرأت أن أفضل وسيلة لمكافحة الرشوة لزيادة دخلها هي تقليل عدد الوسطاء بين الفلاح والسلطان، دون تخلي الدولة عن ملكية الأرض، فقررت أن
V.. 🗏
رسوم .
مقدماً
تأخذ الضرائب مباشرة من الفلاحين. لذلك أصدرت عدة قوانين متتالية ٣٠٠ أهمها قانون الأراضي العثماني الصادر عام ١٢٧٤-١٨٥٨ والذي اشتمل على مواد تهدف إلى تقوية العلاقة بين الفلاح والدولة ٣٠١ وهذه التقوية اعتمدت على إلغاء نظام التمار، وإلغاء دور كل من المحصل والملتزم (أسماء) محصلي الضرائب). لذلك كان على العامل في الأرض الأميرية أن يسجل أرضه ويحصل على وثيقة رسمية من الدولة اسمها طابو (وهي بمثابة صك) مقابل دفع لإثبات حقه في التصرف في الأرض على أن تؤخذ الضريبة بنسبة معينة من قيمة الأرض المقدرة كأن تكون ٤ في الألف أو ١٠ في الألف. إلا أن هذه الخطوة لم تنجح لأن الفلاحين ظنوا أن تسجيل الأرض يهدف إلى تجنيدهم أو زيادة الضرائب عليهم مستقبلاً. وبالتالي قام بعض الفلاحين بتسجيل تلك الأراضي تحت أسماء أفراد آخرين كرؤساء القبائل أو قريب غير مؤهل للخدمة العسكرية . ٣٠٢ وحتى عام ١٩١٨م، وبرغم أن نظام الطابو كان تحت التنفيذ لأكثر من نصف قرن، إلا أن غالبية الأراضي الأميرية لم تكن قد سجلت بعد.٣٠٣ أي أن النظام التقليدي في تحصيل الضرائب قد استبدل بنظام حكومي. أي أن الدولة العثمانية بدأت عهداً جديداً من البيروقراطية الورقية.
لقد كان باستطاعة الأفراد حتى تاريخ صدور قانون الأراضي العثماني (١٨٥٨م) تحويل الأراضي الموات أو الأراضي غير المملوكة إلى أملاك خاصة بهم وذلك عن طريق الإحياء. وكانت الدولة تأخذ ملكية بعض هذه الأراضي بعد إحيائها بدعوى أنها إحياء لأملاك الدولة وكانت تعتبرها أراض أميرية (أي ملكاً للدولة) إذ أن ضرائب الملكيات الخاصة (العشرية) تقل بكثير عن ضرائب الأراضي الأميرية (الخراجية)، والتي اعتبرتها الدولة أراض مؤجرة للفلاحين بقدر الخراج. وحتى يضمن هؤلاء الأفراد منافع الأرض لأنفسهم ولورثتهم، وخوفاً من استيلاء الدولة عليها لجؤا إلى وقفها. فكان أحد الأهداف الرئيسة لقانون الأراضي العثماني هو الحد من هذه الظاهرة؛ أي الحد من تحويل الأرض الموات إلى أرض ذات ملكية خاصة. ٣٠٤ هل رأيت أخي القارئ كيف ضاعت حقوق الناس وانتفخت حقوق السلطات وكانت النتيجة هي تغير المقصوصة الحقوق وتخلف المجتمع لقلة إنتاجه وبالتالي لفقره. فتغيير مقصوصة الحقوق أدى للفقر الذي زرع التخلف.
أخي القارئ، هذا ملخص سريع ولعله ليس دقيقاً لأن المعلومات المتوفرة عن الدولة العثمانية نظراً لكبر مساحتها وامتداد تاريخها تتغير من مؤرخ لآخر، كل حسب تركيزه جغرافياً وتاريخاً، ولكن برغم هذه التغيرات في القراءة للتاريخ العثماني إلا أنك ستستنتج مباشرة أن العمل العسكري لم يكن عبادة قط، بل هو وظيفة بالتأكيد. وإن حاولت تقصي الوضع الإداري الاقتصادي الاجتماعي في الدولة العثمانية بالتفصيل وبدقة فستحتاج لعشرات المجلدات من الوصف المؤلم لترى الضياع الذي انتهى بسقوط الدولة العثمانية التي كانت حامية المسلمين في قرونها الأولى ضد الغرب. فلوى الله ثم الدولة العثمانية فلعل أجزاء من الشرق الأوسط لم تكن مسلمة الآن. حتى العالم الإسلامي المحكوم بالدولة العثمانية انجرف معها في ضياع لسكوته على خروج العثمانيين عن الشرع. فكثير هم العلماء، غفر الله لهم، الذين يبجلون الدولة العثمانية دون إدراك منهم أنها كانت دولة برغم أنها تحافظ على شعائر الإسلام مثل تحريم الربا والزنى، إلا أنها دولة لم تحكم بشرع الله في أهم علاقة بين السلطان وأفراد المجتمع، أي في فرض المكوس لهدف أساسي سكت عنه معظم الناس ألا وهو أن العمل العسكري وظيفة وليس عبادة. وبالطبع، فإن الدولة العثمانية قامت على أيدي رجال ربانيين مثل محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية هو وجيشه
الديوان
۷۰۱
وهم صوّام قوام. إلا أنه بتقادم الزمن تغير الحال. فلم تعمل الدولة العثمانية بالزكاة ومقدارها في الأراضي الزراعية في عصورها المتأخرة كوسيلة للإنفاق على المسمين في آية الصدقات مثلاً، بل وضعت الزكاة جانباً واستبدلته بنظام مكوسي تقرر هي فيه مقدار ما يجب أن يدفعه المزارع كما رأينا. إلا أن هذه المكوس كانت تعتبر حلالاً في نظر الدولة العثمانية لأنها كانت تعتبر معظم الأراضي ملكاً لها لأنه لا يحق لفرد الإحياء دون إذن الإمام كما يذهب لذلك المذهب الحنفي الذي يأخذ بالرأي، وبالتالي فإن للسلطان منع الإحياء، فتكون الأرض المحياة حينئذ ملكاً للدولة لأنها أحييت بغير إذن السلطان وللمالك، أي للدولة، أن تضع الأجر الذي تراه على المستأجر (المحيي للأرض) أو تُقطع الأرض للفارس ليأخذ غلتها. وهذا مثال واحد مهم من المكوس التي لا تعد ولا تحصى. وما فعل العثمانيون هذا إلا لأنهم اعتقدوا أنهم بحاجة للمال لإيجاد جيش قوي يذود عن الأمة في وجه الأعداء من غير المسلمين من كل جانب الأوربيون في الغرب بروتستنت وكاثوليك، والصفويون في الشرق). وبالطبع، فإن أي سياسي على قناعة أنه كلما زاد المال كلما زاد الجيش قوة لأنه أكثر تدريباً وعدة، وتحت هذه القناعة ازدادت المكوس، وبزيادة المكوس فقد الناس الانطلاق في الحياة للإنتاج فقل الإنتاج وانهار المجتمع تنموياً وتخلف المسلمون عن العالم الذي كان ينمو يوماً بعد يوم في شتى مجالات الحياة، أما العالم الإسلامي فهو في تخلف : ولأن الدولة العثمانية كانت تقاتل غير المسلمين ذوداً عن الإسلام لأن جميع الحروب كانت في أصلها بسبب
.
يومي.
الاختلاف العقدي بين المسلمين والمسيحين في الغرب، وأهل السنة والصفويين في الشرق، ولأنه لا جيش دون إنفاق حكومي في نظر الجميع، فقد سكت معظم العلماء والله أعلم عما حدث في الدولة العثمانية وبالذات أن معظم الكبار منهم (علماء المواكب كانوا يأخذون العطايا باستمرار، وحتى الآن لا يريد بعضهم أن يُظهروا الدولة العثمانية على أنها دولة حكمت بغير ما أنزل الله في عقودها الأخيرة لأن العثمانيين دافعوا ببسالة عن ديار المسلمين. بالطبع فإن قيم من هم في الدولة العثمانية من سلاطين مقارنة بمن يحكمون العالم الإسلامي اليوم قيم إسلامية أسمى كما هو معلوم، إلا أن الخلل ليس هنا، بل في الوسيلتين اللتين شرحتهما فإن أي تغيير في مقصوصة الحقوق سيؤدي لتخلف المجتمع إنتاجياً ثم الفقر، وبالتالي سينتشر الفساد، أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق فستنتشر الفضيلة حتى إن لم تحرص الدولة على ذلك كما سترى بإذن الله ، لأن المجتمع المسلم مع تطبيق مقصوصة الحقوق سيكون مجتمعاً منفتحاً دون قيود وعندها تنتشر الفضيلة على أيدي العلماء الذين لا تقيدهم الدولة، وهذه سنة سأوضحها في فصل «البركة» بإذن الله، وهي سمو القيم جيلاً بعد جيل إن تحرر الأفراد من سلطان الدولة لأنهم سيخضعون لسلطان الله وذلك بفضل الله سبحانه وتعالى أولاً ثم بفضل انطلاق العلماء في نشر أحكام الشريعة ثانياً.
ولكن المهم هو الآتي: أعتقد أخي القارئ بأنك ستقول: ولكن ماذا عن إنجازات العثمانيين، فقد حموا العالم الإسلامي من مخاطر الصليبيين في الغرب، وحموا أهل السنة والجماعة ضد المبتدعة الصفويين وأشباههم في الشرق. فقد احتلت جيوش العثمانيين تبريز في إيران عاصمة الصفويين، وتوغلت في الغرب حتى حاصرت فينا في قلب أوروبا، واحتلت بودابست، وتم نشر الإسلام في جنوب أوروبا وتم سحق الصرب. فالسلطان سليمان القانوني مثلاً طهر البحر الأحمر من البرتغاليين في القرن العاشر الهجري بعد أن عاثوا فيه فساداً. أي أن الدولة العثمانية كانت دولة عسكرية من الدرجة الأولى لا تهدأ من المعارك بين الشرق والغرب. فلماذا لا نثمن جميع هذه الإنجازات؟ فأجيب: إنك إن كنت على قناعة أن العثمانيين هم أفضل ما يمكن أن نحصل عليه في تلك الحقبة من التاريخ، فإنك
۷۰۲ 🗏
مقتنع إذاً أن التركيبة الإدارية العثمانية للمجتمع هي التركيبة التي تعطيك مجتمعاً قوياً. وهنا الخطأ، لأننا إن طبقنا الشريعة سنحصل على أمة مسلمة أقوى بكثير. كيف؟
لقد اضطرت الدولة العثمانية أن تكون دولة دموية من عدة وجوه، وما هذا إلا ردة فعل على النظام الاقتصادي الاستبدادي. كيف؟ لقد كانت الدولة العثمانية دولة وصلت مساحتها في أوج قوتها إلى عشرين مليوناً من الكيلومترات المربعة، فتصور هذه المساحة وما بها من خيرات وكم سيستخرج منها من مكوس. فإن تجمعت هذه الأموال لسلطان واحد لينفقه كما يعتقد أنه الحق فماذا سيحدث؟ للإجابة فكل ما عليك فعله . هو زيارة قصر دولماباتشا في إسلام بول (وهو مقر آخر السلاطين) لترى البذخ الذي كان فيه السلطان. فها هي ذي المجوهرات النادرة التي لا تقدر بثمن توضع في التيجان لتزداد ثقلاً ليضعها السلطان فوق رأسه لساعات وهو يستقبل الوفود ! وها هي الأواني الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة صيغت ليؤكل بها حتى وإن تكاثرت البكتيريا بين أحجارها الكريمة! ولأن السلطان يتمتع بمثل هذا الترف والجاه والمال والقوة، فإن هذا المنصب كان مطمعاً للكثير للحصول على منصب رفيع بالتقرب من السلطان أو الحصول على إقطاع لأرض ما . لذلك كانت تحاك حول السلاطين الكثير من الدسائس والوشايات والمؤامرات التي لن يستطيع أي فرد مهما أوتي من حكمة من التخلص منها. ولعلها وصلت ذروتها عندما أهديت فتاة يهودية رائعة الجمال من تتار القرم إلى السلطان سليمان القانوني واسمها روكسلانا (أو روكسلان لتصبح أم السلطان سليم الثاني وذلك بعد الكثير من المؤامرات والدسائس التي حاكتها والتي انتهت بقتل الابن الأكبر الأمير مصطفى سنة ٩٦٠ هـ ومن ثم الابن الآخر بايزيد حتى الطفل الرضيع للأمير مصطفى لم ينج من القتل. هكذا كان تاريخ بعض السلاطين العثمانيين وليس كلهم تاريخاً ملطخاً بالدماء من جراء هذه المكائد. فهذا السلطان مراد الثالث بعد توليه للحكم يقتل خمسة من إخوته خوفاً على نفسه وعلى سلالته من ثوراتهم. ولكن الجزاء من جنس العمل، ثم يأتي من بعد ذلك ابنه محمد الثالث فيأخذ الحكم بعد وفاة أبيه السلطان مراد الثالث سنة ١٠٠٣ هـ فيقتل مباشرة إخوته التسعة عشر ويدفنهم مع أبيه في نفس الوقت في عشرين قبراً خوفاً على نفسه من قيام إخوته عليه حتى أنها أصبحت وكأنها عرف أن يقتل السلطان إخوته فور وصوله للحكم.
ومن جهة أخرى، فهناك حمام آخر من الدماء، وهي ثورات الرعايا فإن راجعت التاريخ فإنك ستلحظ أنه يندر أن تجد سلطاناً إلا وواجته الكثير من الثورات. فهذا السلطان أحمد الأول الذي تولى بعد أبيه السلطان محمد الثالث قامت عليه ثورة بقيادة جان بولاد وهو رجل كردي ثم أخمدت وقامت عليه ثورة فخر الدين المعني وهو رجل درزي في جبال لبنان ثم أخمدت، وقامت عليه ثورة أحمد بك في قونيا في الأناضول وأخمدت، وقامت عليه ثورة بالقرب من مدينة وان شرقي تركيا وقام بها يوسف باشا الذي تمكن من الإستقلال ببعض الأقاليم ثم بعد ذلك أخمدت. أي أن الثروات لم تهدأ أبداً، ثورات إما من حكام الأقاليم، أو ثورة من أحد قادة السلطان أو وزرائه، أو ثورة من الفرسان كل يحاول الوصول للسلطة إما للتخلص من التسلط العثماني أو للتخلص من المكوس أو لأن الكثير من المال وبالتالي الجاه تمركز في يد السلطان، وهذا ما تحاول الشريعة تلافيه ابتداءً . إذ لا مال في بيت المال، بل بأيدي الناس، ولا سلطان لدى الحاكم كما سترى في الفصول القادمة بإذن الله لأن الشريعة قصت الحقوق بطريقة تجعل الحاكم فرداً لن يلجأ إليه الناس إلا فيما ندر، كالفصل بينهم في حالات الخلاف فقط. عندها سينطلق الجميع إنتاجياً دون الاكتراث والطمع لمنصب السلطان لأن ثقافة المجتمع هي أنه لا مال إلا بالعمل الجاد .
٣٠٥
الديوان
۷۰۳
أي أن تركز المال والسلطان لدى الحاكم العثماني أو الأموي أو العباسي جعل الدولة الإسلامية في وضع غير آمن تماماً وباستمرار من ثلاث جبهات الجبهة الأولى هي الجبهة الخارجية مع الأعداء من كل جانب وبالذات مع الصليبيين في الغرب وأهل البدعة في الشرق. فإن قرأت التاريخ العثماني مثلاً ستنبهر من الآتي: لقد كان العثمانيون يضربون الصليبيين بجيشهم في الغرب ليفتح الصفويون عليهم جبهات في الشرق ويتمكنوا من الاستيلاء على بعض المدن والمناطق، فيضطر السلطان العثماني لسحب قواته من أمام الصليبيين للعودة للشرق لضرب الصفويين واسترداد ما تم احتلاله ليفتح الصليبيون جبهات أخرى في الغرب لأنه لا قوات كافية هنالك ويستولون على بعض المناطق ليعود إليهم الجيش العثماني مرة أخرى فيترك الشرق دون قوات كافية. أي أن تاريخ العثمانيين هو سلسلة من الحروب يتنقل فيها الجيش العثماني الجرار بين الشرق والغرب. نعم لقد أبلى العثمانيون بلاء حسنا، لكن كان بالامكان أن يكون أفضل إن طبقت مقصوصة الحقوق.
أما الجبهة الثانية فهي الجبهة الداخلية فما من سلطان عثماني كما ذكرت إلا وتعرض لثورات وقلاقل، فمرة يثور الأكراد ومرة أهل الشام ومرة أهل اليمن ومرة عامله أو واليه ومرة وزيره، فتجد السلطان يرسل الجيوش ليخمد هذه الفتن. وهكذا من قلاقل مستمرة لأن هؤلاء الثوار إما هم ثائرون لأنهم يشعرون أن الوالي ليس منهم كما ثار البعض ضد البحار الفذ خير الدين بربروس الذي أهان الأوربيين في البحار، وإما لأن قائدهم يطمع في الرئاسة، وإما لأنهم يريدون التمتع بمقدراتهم المالية التي يأخذها السلاطين. وهكذا تجد أن معظم الأسباب تجتمع تحت مظلة رفض الثوار للتركيبة الإدارية والتي لن تقع مع مقصوصة الحقوق.
والجبهة الثالثة هي الجبهة الأسرية: فما من سلطان إلا وله أعداء حتى من إخوته كما ذكرت. فالتاريخ العثماني في هذه الجبهة تاريخ مؤلم ، هذا يقتل ذاك، وذاك كان قد قتل زيداً من أعوان السلطان لأن عبيداً كان يطمع في الوصول للحكم، وعبيد فار بين الجبال يجمع الحشود ليثور على السلطان مرة أخرى، وهكذا. أي أن هذه الجبهات الثلاث جعلت الدولة العثمانية في قلاقل مستمرة استنزفت معظم مواردها. فلم يتمكن العثمانيون من التفرغ التام لإصلاح الأمة. فقط هم منشغلون بهذه الجبهات الثلاث وبالطبع فإن أي أمة في تمزق كهذا ووضع .. أمني غير مستقر لابد لها وأن تتخلف. فلا عجب إن تخلف المسلمون في هذه الحقبة التي كان فيها الغرب يتقدم. وما حدث هذا التخلف إلا لأن الجهاد أصبح وظيفة، وهذا تطلب وجود ديوان للجند مما أوجد الذرائع لفرض المكوس، فكان استنزاف التنمية من جهة، وركزت الثروة في يد السلطان من جهة أخرى. فكانت القلاقل مع
الفقر وتقييد الأيدي فكان التخلف وبالطبع، ومن باب الإنصاف، فإن هذا وقع في العصور المتأخرة للعثمانيين. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيُّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. وكما سترى بإذن الله، فإنه إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن الأمة المسلمة ستكون أمة آمن ما تكون وأقوى ما تكون، فالكل سيهابها. فالجيش العثماني بلغ أقصاه إلى ثلاث مائة ألف مقاتل لأن بعض المال كان يذهب هباءً في ترف البيروقراطيين حول السلطان. فهل إن رفعت راية الجهاد وكان العمل العسكري عبادة فسيجتمع من العالم الإسلامي فقط ثلاث مائة ألف مقاتل أم أكثر؟ بالطبع سيجتمع أكثر بكثير كما سأوضح لاحقاً ودون أي هدر مالي. تأمل الآتي لترى ضعف الأمة حتى في عهد أقوى سلطان فذ تهابه كل أوروبا، سلطان تجمع له ملوك أوروبا وانهزموا أمامه، وهو السلطان سليمان القانوني أو المشرع كما يسمونه (عاشر السلاطين العثمانيين):
٧٠٤ 🗏
صلی
الله
تصور أن البرتغاليين من خلال أسطول بحري تمكنوا سنة ٩١٣ هـ من الاستيلاء على بعض المدن في عُمان
مثل مسقط وصور وصحار ، ونهبوا وأفسدوا حتى أنهم قطعوا آذان الناس وفي سنة ٩٢٢ هـ تمكنوا من احتلال البحرين. وبعد أن هزموا أسطول المماليك المصري سيطروا على البحر الأحمر سيطرة تامة ثم عاثوا فساداً في المدن الساحلية فحاولوا الاستيلاء على ميناء جدة سنة ٩٢٣هـ ولم يتمكنوا بفضل الله ثم حاولوا ذلك بعد ثلاث سنوات إلا أنهم فشلوا أيضاً بفضل الله ومنه. ثم بعد كل هذه الاحتلالات وبعد كل هذه السنين تحرك السلطان سليمان القانوني وأصدر أوامره لوالي مصر سليمان باشا فخرجت حملة من ميناء السويس وسيطرت على ميناء عدن ومسقط، ثم بعد ذلك أصبح البحر الأحمر بحراً محرراً. فكل هذه الاحتلالات وانتهاك الأعراض والسلب والنهب والسكان كالنعاج لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ضد سفن تأتي من جهة البحر . فكيف لهذه السفن التي تأتي من البحر ولا إمدادات لديها إلا القليل لأنهم بعيدون عن موطنهم، وهم أي (البرتغاليون في البحر والمسلمون في البر، فكيف لهم أن ينتصروا إلا لأن السكان المسلمين كانوا كالنعاج ؟ لماذا لا يدافع المسلمون عن أنفسهم؟ بالطبع لن يفعلوا ذلك لأنهم لا يجيدون فن القتال الذي أمرهم رسولهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بالتمرس فيه، فهم خالفوه عليه وسلم لأنهم بعد دفعهم للمكوس ينتظرون السلطان أن يتحرك لينقذهم. فبعد أن عاث البرتغاليون في البحر الأحمر والخليج العربي فساداً لأكثر من عشرة سنوات بضرب أي مدينة ساحلية أرادوا أرسل السلطان سليمان القانوني والذي يعتبر من أقوى السلاطين أسطولا بحريا لتخليص المسلمين من شرهم. فهل يريد الإسلام لنا أن نكون أمة تنتظر السلطان في الجزء الآخر من الكرة الأرضية حتى يتحرك بعد عشرة سنوات؟ بالطبع لا كما سترى . وما ذنب السلطان سليمان القانوني البعيد لنرمي اللوم عليه ؟ فإن علم البرتغاليون وغيرهم بأن كل مسلم لابد وأن يكون مقاتلاً ماهراً، وأن أي هجوم على أي موقع حتى وإن انتهى بالنصر فإنه سيكون على حساب خسائر كثيرة وأن المسلمين الآخرين في الجوار لن يدعوهم ليستمتعوا بالنصر، بل سيأتي المجاهدون الباحثون عن الشهادة من كل مكان في غضون أيام فلن يقتربوا قط من أي موقع فيه مسلم. أي أن هذه الجبهة الأولى هي جبهة آمنة تماماً فلا حاجة لجيش كالعثماني ليتنقل بين الشرق والغرب ذهاباً وإياباً. ليس هذا فقط، ولكن الأمة كما ذكرت سابقاً (إن كان العمل العسكري فيها عبادة ستكون أمة تجاهد أعداءها من جميع الجبهات وفي نفس الوقت لأن الكل يجيد المهارات الحربية. فجميع الأمم التي تحيط بالعالم الإسلامي ليس لها هم إلا إتقاء الهجمات الإسلامية من خلال هدنات أو دفع جزية أو ما شابه، وإلا فلن يهدأ لها بال، لا أن ننتظرهم فيهجمون علينا. بل سنستنزفهم بالجهاد ليل نهار الذي هو فرض كفاية والذي يحركه العلماء لأن أفواههم ليست مكمومة كأيامنا هذه. فالأمة من هذه الجبهة الخارجية آمنة تماماً.
و
بإذن الله . و
أما في الجبهة الثانية، فإنه لا قلاقل داخلية من ثورات على الحاكم لأنه حاكم غير مطمـوع فيه، بل كل مدينة أو محلة أو مدينة تحتفظ بخيراتها لنفسها لتنفقها على مصالحها كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصلي «ابن السبيل» «الخطط». وبالنسبة للجبهة الثالثة، أي الثورات بين أفراد نفس الأسرة أو الطبقة الحاكمة فإن هذا سيضمحل كثيراً أيضاً لأنه لا مال إلا القليل لدى الخليفة، بل أن الأمراء في المناطق والمدن وحتى القرى قد يكونوا في مستواه من حيث الصلاحيات كما سترى في فصل «الحكم» بإذن الله ، إلا في مسائل محددة قليلة مثل الحق في رفع راية الجهاد. فلن يصبح منصب السلطان مركز يُطمع فيه إذ لا طائل فيه. حتى وإن طمع أحدهم في منصب السلطان وتمكن من الوصول للحكم بطريقة أو بأخرى فلن يؤثر ذلك في تنمية الأمة لأنه لا مال لدى السلطان ليسخر
الديوان
V.O
الرجال لحملهم على فعل مناف للشرع كما سترى بإذن الله ، وهذا لأن ثقافة الأمة كلها ثقافة مختلفة تؤدي للتنمية والعزة من خلال مقصوصة الحقوق وليس من خلال السلطان. وحينئذ كيف يكون للسلطان سلطة إن لم يكن له مال؟ فبالمال يعمل الناس للسلطان فتظهر الدولة. أما إن لم يكن للسلطان مال فإن أعمال الدولة ستنجز في الغالب على أيدي المتطوعين كما سيأتي بيانه بإذن الله، وهؤلاء يخافون الله عادة، لذلك فلن يطيعوا السلطان إن لم يحكم بما أمر الله. بل هو لن يحكم بغير ما أمر الله لأنه يدرك أنه لن يُعان. هكذا ينتشر الحق، أما إن وضع المال في يد السلطان فسينجذب إليه من يعملون لأجل المال، وهؤلاء سماعون للسلطان حتى وإن كان أكالاً للسحت. وأسرع طريقة لجذب المال للسلطان كانت بفعل الديوان الذي جند الجنود فظهرت الحاجة للمكوس فظهرت الدولة. وبالطبع، فإن هذا النقد للدولة العثمانية ما هو إلا مثال للدول الأخرى كالأمويين والعباسيين ولكن بدرجات متفاوتة. ولعلك تقول : إن ما أقوله ضرب من الأحلام. فأجيب كما أجبت سابقاً: كل ما أريده منك . هو الإمهال.
وأخيراً
.
أعتقد أخي القارئ أنك الآن تقول: إن هذا المؤلف ينقد حكاماً من الماضي خرجوا عن الشرع، ويريد إصلاح الوضع الحالي من خلال أحلام وآمال على ألا يحدث مثل هذا الخروج عن الشرع. وهنا ستسأل: وهل هذا في أيدي الناس إن وصل للحكم رجل لا يحكم بشرع الله ؟ أي وكأنك تقول: إن الذل والضياع في التاريخ الإسلامي أمر لا مفر منه لأن من يصلون للحكم قد يكونون من الأشرار أو الضالين أو المهملين لأمور الحكم أو المتلذذين بالمناصب، وهذا يحدث رغماً عن الشعوب. فلماذا كل هذا النقد لما سبق من السلاطين، فهذا لن يغير شيئاً من واقعنا ؟ فأجيب: إن ما أحاول إثباته من خلال نقد هؤلاء السلاطين أن الإشكالية ليست في السلاطين، فما يقومون به أمر متوقع لأنهم بشر ولهم غرائز وأهواء، ولكن الإشكالية هي في النظام الاقتصادي الذي يسمح لهؤلاء الأفراد للحكم بغير ما أنزل الله بعد الوصول للحكم. وبالطبع هنا ستقول مستنكراً: وهل بيد الناس ما حدث منع وسيحدث، فجميع الناس ضد ما حدث وما يحدث، فإن سألت أي مواطن مسلم عربي تجده غير راض عن الوضع الحالي؟ فأجيب: إن ما حدث ويحدث هو بسبب الهرم السياسي الاقتصادي المسيطر على الشعوب، وفي رأس كل سلطان. وهذا الهرم لم تضعه الشريعة، ولكنه نبت وكبر . ولإزالة هذا الهرم لابد من جذه ولكن دون الفتن وسفك الدماء، وهذا هو موضوع فصل «الحكم»، ولكن لغرض الاستمرار في هذا الفصل أقول: إن الذي يغذي هذا الهرم هو السلطة، والسلطة لا تستطيع التمكن من الناس على أرض الواقع إلا بالرجال، والرجال لن يعملوا إن لم يحصلوا على منفعة ما من الهرم التسلطي مثل المال أو التصريح ببناء مصنع ما أو حصولهم على إقطاع لأرض بها معدن ما ، أو ما شابه. وهذه كلها مسائل في صلب موضوع قص الحقوق. ولعلك هنا ستقول: مهما كانت مقصوصة الحقوق بديعة فإن هذا كلام نظري، فالذي حدث في التاريخ ويحدث هو أن السلطان بعد الوصول للحكم سيأمر وسينهى، ومن خلال هذه الأوامر سيسخر الخيرات لنفسه ليتسلط ، وهكذا يظهر الهرم، فما الفائدة من مقصوصة الحقوق إذاً لأنها كلام نظري؟ هنا أجيب إن الإشكالية هي كالآتي: إن لكل هرم تسلطي بداية، أو «بذرة»، وهذه البذرة تنمو. كيف؟ إن جشع الحكام لن ينتهي لأنه كلما زادت سطوة من في الحكم ومن حولهم بوفرة المال كلما ازدادوا ترفا، وكلما ازدادوا ترفاً ازدادت نفقاتهم، لذلك فهم بحاجة للمزيد من المال، فلا مفر من فرض المكوس.
هرم .
٧٠٦ 🗏
هكذا يكرههم الناس فيزداد السلاطين خوفاً على أنفسهم من الرعية، فيحتاجون للمزيد من الجند والحرس وبالتالي من المزيد من المال لهؤلاء الذين سيزدادون ترفاً فتزداد الضرائب وتزداد كراهة الشعب للسلاطين، وهكذا تدور الدائرة مرات ومرات لتزداد الحاجة للمال في كل دورة أكثر وأكثر. فلا مفر إذاً من استحداث مصادر جديدة للمكوس، فتوضع المكوس. أي أن لدينا إشكالتين: الأولى هي البذرة، والثانية هي تغذية هذه البذرة لتنمو.
لعلك لاحظت أخي القارئ أنني في الفصل السابق كنت أركز على البذرة، فكنت أكرر مستنبطاً . بعد كل تقصي بأن بيت المال لا مال له، وأنه يجب أن يكون خاوياً. فلا مال لدى السلطان أبداً إلا خمس الفيء أو خمس خمس الغنائم والتي هي من حق آل البيت والتي كانت تنفق على الكراع والسلاح أما جميع ما يأتي فإن مصارفه معروفة وتنفق في مواقعها وعلناً لأن مصارفها مقصوصة كما مر بنا في الفصل السابق. وهنا قد تسأل: ولكن كيف سيؤدي السلطان دوره؟ فعليه التزامات واتفاقات ومعاهدات واستقبالات واجتماعات وما شابه. فأجيب: هذا يحدث في ظل دولة معاصرة تتقبل النظام الدولي المفروض على البشر، وهو نظام سيؤدي للفساد على الأرض بالضرورة كما سيأتي بإذن الله، أما إن طبقت مقصوصة الحقوق في الأمة المسلمة فلن يبقى للحاكم دور إلا الفصل بين المتخاصمين إن أتوا إليه، وإرسال المصدقين لتوزيع الزكاة، ورفع راية الجهاد بعد مراسلة غير المسلمين كما سيأتي بإذن الله. أي أن الشريعة اقتلعت البذرة من جذورها حتى لا توجد. ولكن حتى إن وجدت ولو بالقليل من المال، فالشريعة تحاربها حتى لا تنمو من خلال التهديد بإهدار دم العاشر وقفل كل الطرق التي تأتي بالمال من الناس أو من الأرض للدولة، وهذا كان موضوع هذا الفصل وفصول قادمة بإذن الله. وبالطبع ستقول: ولكن هذا كلام نظري سيفلت منه الحكام. فأجيب: كلا، فكما سترى بإذن الله في فصل «البركة»، فإن هناك منحدر للقيم إما بالسمو أو بالانحطاط وذا اتجاه واحد في الغالب. فإن تغلبت حركيات الحكم بما أنزل الله فإنها تشد بعضها بعضاً وعندها فإن المجتمع سيستمر سامياً يوماً بعد يوم حتى يضمحل الشر في جميع أوجه الحياة وينحسر تماماً. وفي النقيض، إن تغلبت آليات الحكم بالعقل فإنها تجر بعضها بعضاً ليستمر المجتمع في الانحطاط يوماً بعد يوم حتى يعم الفساد. أي أن المجتمعات في الغالب في حركة مستمرة إما صعوداً أو هبوطاً، وهذا هو موضوع كتاب «قص الحق».
فأرجو الإمهال.
إن من أكره ما أكرهه أخي القارئ تجريح الآخرين. ومن النقد ما يجرح حتى وإن كان هادفاً. فقد كتبت كتاب «عمارة الأرض في الإسلام بحمد الله ومنه وجوده وتوفيقه بتلافي نقد الأفراد بأسمائهم قدر المستطاع. إلا أنني لم أستطع فعل هذا في هذا الكتاب وبالذات في هذا الفصل والفصل بعد الآتي لسبب مهم، وهو أن مسائل الحقوق في الأمة كالاقتصاد هي من المسائل المفصلية التي أدت إلى تخلف الأمة، وكل ما يفضي لعزة الأمة وذلتها فوق كل اعتبار. فالفقهاء الكبار لا شك أنهم أفضل منا علماً وورعاً وتقى، فهم بالنسبة لنا كالثريات للثرى، إلا أن مكانتهم مهما عظمت يجب أن تهون أمام مكانة الأمة وعزتها. والسؤال هو: هل كان بإمكاني الوصول لمقصوصة الحقوق دون النقد بذكر الأسماء؟ بالطبع نعم. ولكنني أدرك أنه سيأتي من بعدي ممن هم من علماء السلاطين ويحاولون قلب ما شرحته من مقصوصة الحقوق بالاستشهاد بأقوال الفقهاء الأجلاء الذين هم أتقى مني وأعلم مني في شتى أبواب الفقه، عندها فتضيع . مقصوصة الحقوق بالمقارنة بيننا، وقد تستمر الأمة بالتالي في الضياع، لذلك كان لابد من نقد بعض النصوص الهامة لكبار الفقهاء بذكر الأسماء لهدفين: الأول هو بناء مقصوصة الحقوق من خلال
الديوان
۷۰۷
هدم ما تم بناؤه من تراكم الزلات البسيطة هنا وهناك حتى لا تستخدم نصوص هؤلاء العلماء الأجلاء مرة أخرى لإيجاد منظومات حقوق بأيدي السلاطين. والثاني هو أن نتعلم من خلال هذا النقد كيف ننقد النصوص الأخرى والتي لم ننقدها هنا تلافياً للإطالة، فالنصوص كثيرة جداً لا تنتهي، وكذلك نقد النصوص المستحدثة منها مستقبلاً معاذ الله. فبهذا التقصي للحق الناقد نرسم الخطوط الأساسية لمقصوصة الحقوق حتى يظهر الحق جلياً بحيث يصعب معه التلاعب بالشريعة. وهنا يظهر سؤال لطالما حيرني وجعلني أتوقف عن الكتابة مراراً: وقد ذكرته سابقاً: هل يمكن أن يكون جميل أكبر محقاً بينما فقيه من علماء السلف الأجلاء كابن تيمية مخطئاً؟ تأمل الآتي من قول ابن تيمية، فقد جاء في «السياسة الشرعية»:
«وجوه صرف الأموال وأما المصارف فالواجب أن يبتدئ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة، فمنهم المقاتلة الذين هم أهل النصرة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء فإنه لا يحصل إلا بهم حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء هل هو مختص بهم أو
مشترك في جميع المصالح.
٣٠٦
.«...
إن قرأت هذا الفصل أخي القارئ واستوعبت ما فيه ستدرك أن ما ورد في الاقتباس السابق من قسمة الفيء لا يتبع آية الفيء. بالطبع فإن ابن تيمية يندر أن يخطئ، فهو إمام جليل ومجاهد كبير، ولكن في هذه الجزئية، فهو إنما يقتدي بمن سبقه من الفقهاء. فالشريعة بحر زاخر يشهد بصدق نوايا العلماء (الفقهاء) وتفانيهم في البحث عن الحقيقة أثابهم الله، ومع ذلك فقد تكون لهم زلات. وما حاول هذا الفصل فعله هو توضيح زلة صغيرة ولكنها لأنها تكررت مع معظم الفقهاء أصبحت وكأنها حقيقة فقهية: ألا وهي استحداث الديوان والذي كان صالحاً لزمن محدد ولكن ليس لكل الأزمان والزلة هي الاعتقاد بأن الديوان صالح لكل الأزمان.
حه
ولكن تذكر دائماً أن الشريعة نص وحمل على نص. إن الشريعة هي قال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم. حتى الإئمة متفقون على هذا كما ذكرت في الحديث عن التقليد. ومن باب التذكير أسرد لك الآتي لعلك تجد لي عذراً فتستغفر الله لي إن أخطأت، ومن ذا الذي لا يخطئ؟
هامش
ح) ولعلك تقول : ولكن من هو جميل أكبر ليقول هذا؟ تأمل القصة لازم أستاذه أربعين سنة حتى يتمكن من علم النحو. وهنا لعلك تقول الآتية التي جعلتني أفكر كثيراً. جاء في «الوافي بالوفيات» في عثمان ما قلته لنفسي : زيبت يا جميل قبل أن تحصرم؟ وبالطبع لن أستطيع أن بن جني المعروف بأبو الفتح وهو نحوي معروف توفي سنة ٣٩٢ هـ: ألومك لأنك ترى في هذا الفصل نقدي للكثير من الفقهاء الأجلاء. «اجتاز أبو علي الفارسي بالموصل فمر بالجامع وأبو الفتح يقرئ النحو وإن سألتني عن مسألة فقهية عن رجل مثلاً عليه صيام شهرين وهو شاب، فسأله أبو علي مسألة في التصريف فقصر فيها أبو الفتح. متتابعين فسافر فأفطر، فهل عليه إعادة الصوم من أوله؟ فلن أتمكن فقال له: زببت قبل أن تحصرم. فلزمه من يومئذ مدة أربعين سنة من الإجابة. وإن سألتني عن العقيقة مستحبة أو واجبة أو هل طلاق واعتنى بالتصريف. ولما مات أبو علي تصدر ابن جني مكانه ببغداد السكران يقع أم لا، فلن أستطيع الإجابة على مثل هذه الأسئلة. وهذا وأخذ عنه الثمانيني وعبد السلام البصري وأبو الحسن السمسمي ...». ما حاولت في أول هذا الفصل إيضاحه من أنني لست أهلاً لنقد هؤلاء الشاهد في القصة السابقة هو عبارة: «زيبت قبل أن تحصرم». وزببت العلماء الأجلاء. ولكن ما الذي بوسعي أن أفعله عندما أرى إشكالية أي أصبحت زبيباً، والحِصْرِمُ هو أول العنب. فقد استنكر أبو علي محورية في سير الأمة غير أن أكتب ما وجدته. لأنني كما قلت سابقاً الفارسي على أبو الفتح أن ينصب نفسه مدرساً وهو شاب لم ينضج حاولت عدة مرات نقاش بعض العلماء فما كان منهم إلا الرد علي بألا بعد، أي لم يحصرم بعد، فكيف به ليصبح زبيباً؟ لأنه عندما سأله عن أتدخل في تخصص لم أنشأ عليه (٣٠٧). مسألة نحوية لم يستطع أن يجيب عليها. فما كان من أبو الفتح إلا أن
V.A 🗏
عنه وصح
أنه
قال الشافعي في الرسالة: «وإذا ثبت عن رسول الله الشيء فهو لازم لجميع من عرفه لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه ولم يجعل لأحد معه أمراً يخالف أمره».٣٠٨ وبالطبع فإن الشافعي هو كما لاحظت من أكثر الأئمة الذين أصابوا الحق في مقصوصة الحقوق. لذلك لنركز على أقواله في رد كل ما يناقض دليلاً من القرآن الكريم أو السنة المطهرة حتى إن كان من مذهبه. جاء في إعلام الموقعين: «وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. وتواتر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. قال: إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب. وصح . عنه أنه قال: لا قول لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وجاء في «قواعد التحديث»: «... قال أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة فيها صح الخبر عن رسول الله عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. وقال حرملة بن يحي قال الشافعي ما قلت وكان النبي قد قال بخلاف قولي فما صح من حديث النبي أولى، ولا تقلدوني. وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي كذا وكذا. فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله ؟ فقال الشافعي: أرأيت في وسطي زناراً، أتراني خرجت من الكنيسة أقول: قال النبي وتقول لي أتقول بهذا، أروي عن النبي ولا أقول به؟».
فقد
:
حتى الأحناف وهم أهل الرأي فقد نهجوا هذا المنهج : فقد جاء في حاشية ابن عابدين في رسالة رسم المفتي وفي إيقاظ الهمم: «ونقل ابن عابدين عن شرح الهداية لابن الشحنة الكبير شيخ ابن الهمام ما نصه: إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به. صح عن أبي حنيفة أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة وأما الإمام مالك رحمه الله فقال: إنما أنا بشر أخطىء وأصيب . فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقد اشتهر عند المتأخرين قول الإمام مالك: بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صحح
ليس أحد .
هذا». ۳۰۹
ولتلخيص بعض أهم محطات هذا الفصل لربطه بالفصل القادم أقول: لقد بدأ هذا الفصل بنقـد الفقهاء في عدم معارضتهم للديوان وذلك من خلال عرض إيجابيات أربع تحولت إلى إشكاليات بسبب التقليد. وأن القبول بالديوان إنما هو إعلان بعدم اكتمال الشريعة في موضوع اقتصادي مفصلي. وهذا يعارض قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . وهذا القبول للديوان والذي أصبح من خلال تسمية الأسماء وكأنه فعل شرعي برغم تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا من خلال مثلاً إهدار دم العاشر ونبذ المكاسين أدى إلى تحول العمل العسكري من عبادة إلى وظيفة. وبهذا لم الالتفات شرعاً لأهمية خلوص النية برغم أن الديوان من خلال الأعطيات سيؤثر في النيات هكذا أصبح جل الجيش مرتع لضعاف النفوس الذين تسهل قيادتهم من السلاطين إن هم حكموا بغير ما أنزل الله. أي أن الحركية التي تصفي الناس ليخرج للجهاد الأتقى من الناس، وهي الخروج للجهاد طواعية ببذل المال والنفس تغيرت، فأصبح الهدف من العمل العسكري هو جمع المال حتى أضحت المشاركة في البعوث وكأنها سلعة من خلال الجعالة من الدولة والماحوز
يتم
الديوان
۷۰۹
والطوى. وبهذا ظهرت الأسئلة الفقهية المستحدثة حول هذا الوضع الجديد الذي تبنى العمل العسكري شرعاً كوظيفة، فتصدى العلماء لهذه الأسئلة وأفتوا مما عمق مكانة القبول للديوان، فظهر فقه ما أنزل الله به من سلطان أدى لبيروقراطيات منهكة لثروات الأمة وأوقاتها، وبالتدريج حتى خرجت الأمة عن مقصوصة الحقوق فأخذت الأموال كمكوس من الناس لتذهب لغير مستحقيها المذكورين في آيات الصدقات والغنائم والفيء، بل تذهب لنفقات الدولة، وبهذا لم تختلف الدولة المسلمة في جوهرها عن غيرها من الدول الأخرى لدرجة أنه قد تشبه الدول الاشتراكية، فبدل أن يظل بيت المال خاوياً دائماً كما أراد له الرسول صلى الله عليه وسلم لتقع الأموال في أيدي الناس لتستثمر ، أصبح بيت المال عامراً بالمال دائماً بفرض المكوس لتغطية نفقات الجند وما شابه من نفقات مستحدثة، وكل هذا بالطبع على حساب تمكين الناس. أي أن الوضع الاقتصادي انقلب. أما في العهد العثماني فقد تحولت الأمة وكأنها دولة إقطاعيين لأن الحكم لم يكن بما أنزل الله قط في شؤون الاقتصاد، فكان التخلف. والآن لنذهب للفصل الآتي، فبرغم أن الوضع قد ساء في الدولة العثمانية إلا أنه في الوضع المعاصر ازداد سوءاً لدرجة أنك لن ترى ولا حتى آثاراً لمقصوصة الحقوق، بل أنظمة من وضع العقل البشري القاصر، فكان الضياع التام الذي سيؤدي للفساد لجميع الأرض ومن عليها إن لم ننتبه كبشر، وهذه هي رسالة الأمة المحمدية، أي إنقاذ البشر من الفساد القادم لا محالة بسبب الديمقراطية، أي بسبب الحكم بغير ما أنزل الله جل جلاله. أي بسبب الحكم بالعقل
البشري القاصر.
🗏
VI.