الأراضي
تحذير
هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.
الفصل الرابع
الأراضي
ملكية بيت المال ﴿
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنْ لِلَّهِ
خُمْسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾
قبل البدء في موضوع هذا الفصل لابد من إجابة سؤال عن المنة: هل الإسلام كدين بحاجة إلى منة ممن يعتنقونه؟ إن نظرت إلى كتب الباحثين في الاقتصاد الإسلامي أو غيره ستلحظ أنها تدعو إلى أن يتحلى المسلمون بصفات سامية حتى يأتي التمكين وكأن الإسلام بحاجة لمنة من معتنقيه ، وهذا بالطبع غير صحيح. فهم يقولون إن الدين الإسلامي أتى لخير الإنسان وتحقيق مصالحه، وهذا لا يكون إلا بتظافر جهود المسلمين فرادى وجماعات، لذلك فإن عليهم واجبات كثيرة. فعلى الأفراد مثلاً أن يتحلوا بترشيد الإنفاق بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. وأن عليهم بالإضافة لدفع الزكاة التبرع بالصدقات. أما بالنسبة للجماعات فإن عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكْنُهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَن الْمُنكَر﴾ ، وأن يكون هناك تكافل اجتماعي بينهم وكأنهم أعضاء في جسد واحد وإلا لن يأتي التمكين. وبالنسبة للسلطان فإن عليه أن يقوم بأداء دوره على الوجه الأكمل بالعدل بين الناس في توزيع الثروات وفي الهمة والسعي لتحقيق مصالحهم، لذلك فقد أعطاه الشارع (كما يقول أحد الباحثين): «صلاحية الترجيح فيما اختلف فيه المسلمون من الأحكام في دائرة المشروعية ...». أي أن السلاطين هم الحراس الأمناء على الأمة، وأن عليهم واجبات يتطلبها التمكين. فيقول نفس الباحث مستنتجاً. «وبمقتضى ذلك فإن أولياء أمر المسلمين لهم إصدار الأوامر والقوانين التي بها تنظم الإجراءات الضرورية لبعض الأنظمة الحديثة أو لحماية مقاصد الشريعة فيما تدعو إليها الحاجات أو التحسينات وتسمى هذه الإجراءات أوامر أو قوانين أو فرمانات أو مرسوم أو قرار وزاري أو ظهير شريف إلخ. وهذه الأسماء التي . تختلف باختلاف الدول المسلمة. وهذه كلها مقبولة طالما لم تعارض نصاً شرعياً وطالما لم يوجد في المحل الذي وضعت فيه نصوص تنظمها من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس، ولهذا تضفي عليها صفة المشروعية طالما يتحقق العدل وتؤدي إلى تحقيق مقاصد الشرع».
دور
السلطان:
وهكذا، فهناك الكثير من الأبحاث التي تعلق تقدم الأمة وعزتها على تظافر الجهود بين الأفراد وعلى المهام التي يجب عليهم أن يتفانوا في القيام بها. أي وكأن الإسلام بحاجة لمساهمات وعطاءات معتنقيه للقيام بدورهم المطلوب حتى يأتي التمكين. أي أن الإسلام بحاجة لمنة أفراده. وإن لم يفعلوا فلا تمكين لهم. فهل هذا صحيح؟
٢٠٤ 🗏
ومن جهة أخرى، فإن من الملاحظ أن فقهاء السلاطين والمواكب عادة ما يلقون في مواعظهم لوم ذل الأمة
على فساد الناس وتقصيرهم. أي وكأن الإسلام بحاجة لصلاح هؤلاء الأفراد ومساهماتهم ليذهب الذل. أي بحاجة لمنتهم. فهل هذا أيضاً صحيح؟ أقول: معاذ الله أن يحتاج الإسلام لمنة فرد. فالمنة الله عز وجل ولرسوله. بل الأفراد بحاجة لمنة الإسلام. كيف؟ هل صلاح الأمة سيأتي بالتمكين؟ إن بعض الدول غير المسلمة برغم فساد أفرادها إلا أنها دول قوية ذات سطوة، فالولايات المتحدة الأمريكية دولة قوية برغم سوء أخلاق حكامها، فها هي ذي فضائح رؤسائهم الجنسية (كلنتون)؛ وهي دولة قوية برغم فساد عوائلها لدرجة انتشار زنى المحارم، وبرغم ارتشاء شركاتها التي لا تتورع عن فعل أي محظور لنيل المزيد من الربح، وبرغم إسراف أناسها الذين ينفقون البلايين في السنة على إطعام قططهم وكلابهم ، وبرغم كل هذا وغيره كثير، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على دول العالم الآن. فلماذا إذاً يتم تعليق ذل الأمة المسلمة على سوء سلوك الأفراد أو الحكام؟
إن من المعروف أن الشريعة أتت بما هو واجب على الفرد القيام به، وإن لم يفعله سيؤثم، مثل ترك الصلاة، كما أنها أتت بما هو مندوب فعله كالصدقات التطوعية ونحوها، وأتت بما هو محظور كأكل مال اليتيم، وأتت بما هو مكروه وما إلى ذلك. ولا حاجة هنا للدخول في هذا ولكن المهم هو أن هناك واجبات على الفرد القيام بها. وإن نظرت لهذه الواجبات لوجدتها قليلة، وأن هناك مجالاً كبيراً لزيادة الأجر لمن أراد الاستزادة كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾. والطرح الذي يقول به الكتاب هو أن الإسلام لا يحتاج لمنة أحد. فهل يُعقل أن تتوقف عزة أمة على سوء تصرف سلطان أخرق، أو شح تاجر بخيل، أو زنى شاب فاسق؟ وما ذنب الآخرين؟ إن من عدله سبحانه وتعالى أنه أنزل لنا مقصوصة من الحقوق إن نحن سرنا عليها فسيأتي التمكين رغماً عن كل الظروف وعن كل الانحرافات. فإن أمرنا الإسلام بعدم الإسراف ففي هذا زيادة خير لنا في آخرتنا؛ أما إن أسرف بعضنا، فهذا لن يؤدي لذل الأمة. وكذلك القيم الأخرى كالأخوّة والصدق والكرم، وكذلك العبادات كالصلاة والصيام ونحوهما؛ إلا الحقوق، فإن الخروج عنها سيؤدي لضياع مجموع الأمة، لأن في تغييرها ظلم. ولعلي أتمكن من توضيح هذه المسألة من خلال المثال الآتي: إن طلب من سلطان ما أن يضع القوانين لينتشل أمته من الذل ففي هذا ظلم لباقي الأمة لأن وراء كل قانون إما مستفيد أو خاسر، وهذا ظلم كما سترى بإذن الله، لأنه إن لم يفعل السلطان، فلن تفلح الأمة كما يظنون. فإن تخيلت أن الأنظمة والقوانين أنفاقاً أو طرقاً تؤدي للعزة، فأي الأنفاق سيختار هذا السلطان؟ هنا سيوضع السلطان في حيرة قد تؤدي لضياع الأمة. ومعاذ الله أن يضع الإسلام مصير أمة في يد فرد بهذه الصورة. ولكنك قد تقول: إن خروج السلطان على مقصوصة الحقوق ليست كخروج فرد لشدة الفرق بين تأثير قرار سلطان في عاصمة ما مقارنة بقرار فقير في قرية نائية فأجيب: نعم، في إطار تفكيرنا الحالي للدول القومية ذات النفوذ المطلق للسلطات، ولكنك ستستنتج بإذن الله في هذا الكتاب أن تركيبة الأمة إن طبقت الشريعة ستكون بطريقة تحد من صلاحيات السلطات مما يقلل من تأثير خطئهم لأن حقوق الآخرين ستسد على السلطات المنافذ لينتفي ضرر خطئهم. أي أن الطريق، أو بالأصح الصراط للعزة قد رسمه الإسلام لنا، وهو واضح ولا يحتاج منا إلا إلى التنفيذ، فإن سارت السلطات على الصراط فلابد وأن تنتهي الأمة للعزة. وهذا الصراط، وهو مقصوصة الحقوق، مرسوم وواضح ولا يحتاج لكثير عقل حتى تتمكن السلطات من اتباعه. وهذه البساطة والوضوح ميزة في الإسلام حتى تنتفي منة فرد على مجموع الأمة، والله أعلم. وإن لم تسر الحكومات على الصراط فهي آثمة، وإن فعلت فهو واجبها ، ولا منة لها على الإسلام وأهله وكذلك الفرد، إن منع زكاته فهو آثم، أما
٤
الأراضي
٢٠٥
إن لم يفعل هو والآخرون أيضاً فهذا لا يعني فقر الأمة. وإن اكتفى بالزكاة ولم يكثر من الصدقات على فقراء حيه، فسيأتي التمكين من دون الحاجة لمنة عطائه، وهكذا. وبهذا فإن من ميزات مقصوصة الحقوق أنها توصل
للعزة إن قام كل فرد بواجبه القليل دون التنسيق مع الآخرين أو الالتفات لما يقومون به كما سترى بإذن الله. إن هذا التمييز السابق مهم لأن الشريعة من خلال حقوق الآدميين، أي مقصوصة الحقوق، ترسم الطريق الذي يوصل للعزة بغض النظر عن فسق أو إهمال البعض. فالمنة لله ولرسوله. لذلك ستلحظ أن هذا الكتاب يتلافى الولوج في كل ما هو مندوب أو مستحب أو مكروه فعله (القيم)، بل يركز في الغالب على ما لا يحق للإنسان فعله (مقصوصة الحقوق الحركيات. أي أنه يحاول إظهار أقل القليل الموصل للعزة. كما أن هذا الذي لا يحق للفرد فعله الطريق لما يمكن للآخرين فعله. لنأخذ مثالاً: إن مبادئ إحياء المعادن ترسم . حداً للسلطات أحقيتها في
يرسم
بعدم
منع الناس من إحياء المعادن، وهذا سيؤدي لخروج المعادن من باطن الأرض لتقع في أيدي الناس، ما يؤدي لازدهار تصنيعها فتكثر المنتجات فتقوى الأمة اقتصادياً وهكذا أي أن العزة طريق حتمي رسمته الشريعة. ولعلي لم أنجح في إقناعك بهذا الطرح، ولكن بإذنه تعالى ستتضح لك المسألة أكثر من قراءة باقي الفصول. وما أثرت هذه المسألة الآن إلا لكي تلحظها وأنت تقرأ. وفي هذا الفصل مثال على ذلك. فالشريعة رسمت طريقاً للدولة ينتهي بعدم ملكيتها للأراضي. وهذا سيؤدي رغماً عن الجميع إلى استملاك الأفراد للأراضي، وإن ملكها الأفراد فسينهضون ويهتمون ليزداد العطاء ويكثر الإنتاج. فهذا طريق مرسوم معلوم النهاية، وهذه هي الحركيات. ولكن أرجو ألا تظن أنني أرمي إلى أن الأمة العزيزة هي التي تكثر من التصنيع وتتنعم بالمستهلكات. كلا، فكما سترى فإن تطبيق الشرع سيؤدي لمجتمع يستثمر في أولوياته بناءً على قيمه. ويسموا كلما سمت قيمه بعد تمكينه. وبهذا فهو سيرتقي لمجتمع . مكتف غير مسرف. وليس كمجتمعاتنا المتأثرة بالرأسمالية التي لا تستثمر في أولوياتها. فهل هناك منطق في الاستثمار مثلاً في شراء ثرية تزيد قيمتها عن إطعام آلاف الفقراء؟ بالطبع لا إن كان المجتمع ساميا في خلقه. وبالطبع نعم بالنسبة لمعظم أفراد المجتمع إن كانوا غارقين في شهواتهم. فهذا الذي يكد ويشقى لكسب المزيد من المال لا . یری بأساً من التمتع بما جناه، وهذا الذي يجلس في منصب رفيع في الدولة لا يرى بأساً من التمتع بمثل هذه الثريا في مكتبه، وإلا لماذا انتشرت محلات بيع الثريات الفارهة. وقس على ذلك. ولكنك قد تسأل: إن كان الوضع كما وصفت بأن ضعف الأمة لا يتأثر بفسق سلطان أو ببخل تاجر، فلماذا ضعفت الأمة؟ أجيب: لأنها خرجت عن مقصوصة الحقوق باستئثار الدولة للموارد، فكان الإنفاق بغير ما أنزل الله. كيف؟
الموارد
قلنا إن متطلبات التمكين هي الموارد والموافقات والمعرفة. وهذا الفصل أيضاً عن الموارد. إن معظم الأموال في أيامنا هذه في أيدي الدول، فالناس هم الأفقر مقارنة بالدول. ولم تكن الأمور كذلك في صدر الإسلام. فقد كانت الدولة هي الأكثر فقراً مقارنة بالناس كما سترى في هذه الفصول الثلاثة القادمة بإذن الله. أي أن الأمور انقلبت. ولهذا الانقلاب آثار سلبية لا حصر لها. ومن أهمها تكدس الثروات في بيت المال (والذي ابتدأ مع الحكم الأموي). فمع هذا التكدس للأموال في مركز واحد أتت شراهة حب الوصول للحكم. فكان الاقتتال عليه، لأن
٢٠٦ 🗏
من حكم ملك الكثير من المال. فبرغم أن الحاكم لا يملك المال شرعاً، بل عليه صرفه في مصالح المسلمين، إلا أن تجمع الأموال في بيت المال وسيطرة الحاكم على تصريفها، ومن كثرتها أصبحت سلطاناً ولذة وترفاً يتوق إليها كل محب للدنيا. لذلك ساد تاريخ الإسلام خط أسود في صفحة بيضاء، هو الاقتتال المستمر على السلطة بين الأسر وحتى بين الإخوة الأشقاء. ثم بالطبع انجذب المغرمون بالدنيا من الناس لهؤلاء السلاطين لحبهم لما بأيدي السلاطين من أموال. وابتعد الأتقياء والنزهاء عن السلاطين (إلا القليل من العلماء أثابهم الله الذين أخذوا على عاتقهم محاولة نصح الحكام). ولكن الذي ساد هو انجذاب المنافقين والوصوليين للسلاطين، فأصبحت الشرذمة المحيطة بالسلطان هي ا الأسوأ خلقاً في المجتمع، والأدهى في الوصول للمآرب، والأكسل في الأداء، والأقل في العطاء. وما حدث هذا إلا لأن الأمة خرجت عن مقصوصة الحقوق التي حولت الأموال نحو بيت المال. وهكذا بدأت الآفات تتجمع في مكان واحد عبر الأجيال، أي تتمركز في السلطات واحدة بعد الأخرى بتراكم آفات البطانة المحيطة بالسلطان في إدارة شؤون الناس والبلاد فظهرت الوسائل المختلفة في السيطرة على الشعوب كإصدار القوانين لزيادة دخل الدولة من الضرائب، وهكذا من ممارسات أدت لقفل أبواب الإنتاج على الناس فكان تثبيط الهمم لدى الأفراد ونقص الإنتاج العام، وتحول كثير من أفراد المجتمع الذين كان من الممكن أن يكونوا منتجين إلى موظفين وعمال لدى الدولة أو لدى شركات بإنتاج أقل، وانحسر التراكم المعرفي، وما إلى ذلك من مآس سأوضحها في الفصول القادمة بإذن الله. وحتى تدرك أخي أهمية هذا الفصل تصور مجتمعاً يحكمه أرذل الناس، فهذا أمر حتمي لا مفر منه لأن تجمع الأموال في مكان واحد وبغزارة كبيرة لهو نقطة جذب شديدة لضعاف النفوس الذين سيصلون للسلطة إن عاجلاً أو آجلاً. فإما سفاح أسرف في القتل ليصل إلى السلطة، ثم استباح دماء المسلمين ليثبت أركان حكمه، وإما وارث للحكم من أبيه لا خبرة له بواقع الناس ومعاشهم، فاقترب منه المنافقون والوصوليون وحكموا باسمه لغرقه في ملذاته. ومعاذ الله أن يرضى الإسلام بهذا. فكيف لأمة يحكمها أرذلها من أن تنهض؟ وكيف ستنهض وقد حكمت بأكثرهم حباً للمال والسلطان؟ ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال هناك سؤال آخر: كيف تجمعت الأموال بهذه الكثرة في أيدي السلطات؟
إن بيت مال المسلمين هو الجهة التي تختص بكل ما يستحقه المسلمون ولم يتعين مالكه. فهي ليست مكاناً إنما جهة أو مؤسسة يكون للإمام التصرف في موجوداتها بالإنفاق بشرط تحقيق المصلحة العامة." هذا في الإسلام، أما في أيامنا هذه، فهناك مؤسسات متخصصة كوزارات المالية التي تشرف على موارد الدولة. ومن البديهي أن نلحظ بأن أي جهة مالية إسلامية أو غير إسلامية تأتيها الأموال من طريقين أساسين هما: أولاً: أموال تأخذها الدولة مما في الأراضي التي تدعي ملكيتها وذلك ببيع المعادن بعد استخراجها أو بأخذ الرسوم ممن يعملون بها؛ وثانياً: أموال تؤخد من الناس مثل الضرائب والجمارك والرسوم والفيء والغنائم. وهناك طريق ثالث وبدأ بالتناقص مع العولمة في معظم الدول الرأسمالية وقد وجد في الدول الاشتراكية وهو أن الدولة تقوم بإنشاء مؤسسات استثمارية كالمصانع (مثل مصانع الحديد)، أو إنشاء مؤسسات خدماتية كمؤسسات النقل الجماعي. أي أن الدولة تتصرف كالشركات الخاصة ليذهب الدخل إلى ملكيتها. لذلك، وحتى نقف على مصادر بيت المال وجب علينا أن ندرس هذه الموارد الثلاثة وباختصار شديد. ومن ثم ندرس حقوق صرف هذه الأموال. وسنرى بإذن الله بأن طريقة ورود ومن ثم صرف الأموال في معظم دويلات الأسر في السابق كالأمويين والعباسيين وفي حكومات أيامنا القومية هذه ليست كما أراد الشرع. بل بطريقة شهوانية كما حدث في الماضي، أو بطريقة استحداثية رأسمالية أو اشتراكية أنتجت
٤
الأراضي
۲۰۷
منظومات معاصرة من الحقوق تختلف تماماً عن مقصوصة الحقوق في الإسلام. وهذا الانقلاب أدى إلى كوارث عديدة هي من الأسباب الرئيسة لتخلف المسلمين. وفي هذا الفصل سنركز على الأراضي. أما ما يؤخذ من الناس فهو موضوع الفصلين القادمين.
لنبدأ بهذا السؤال: كيف ملكت الدول الأراضي؟ وهل لها ذلك شرعاً؟ كما رأينا في فصل «قصور العقل» فإن الحاجة والسيطرة كانتا قاعدتا الملك، ورأينا في فصل «الخيرات» كيف أن الأراضي كانت مواتاً وأنها ملك لكل من عمل فيها، ورأينا كيف أن الشريعة فتحت الأبواب لكل من هو أجدر للوصول للمعادن الظاهرة والباطنة. أي أن الأراضي غير المملوكة من الأفراد مثل الموات هي لكل من أراد العمل وليست ملكاً لبيت مال المسلمين. ليس هذا فحسب، ولكن حتى أملاك المسلمين العامة مثل الطرق والساحات فهي ليست ملكاً لبيت مال المسلمين. وهذا التمييز بين ملكية كل من بيت المال من جهة، والأراضي المباحة التي يحق لكل مسلم الأخذ منها كالموات، أو أراضي عامة المسلمين كالطرق من جهة أخرى مهمة جداً إذ أن الكثير من الناس الآن لا يدركون هذا التمييز. فهم يعتقدون أن الأراضي نوعان: إما ملكيات خاصة للأفراد والمؤسسات وإما ملكيات عامة وتملكها الدولة، وبهذا فهم يعتقدون أن الأراضي التي لا يملكها أحد من الناس أو الشركات كالموات والطرق فهي بالضرورة ملك للدولة. وهذا منظور غربي انتقل إلينا وأخذ به كثير من الباحثين المحدثين تحت مظلة المصلحة العامة (وسنوضحه في الحديث عن «الأماكن» بإذنه تعالى). وهذا بالطبع أثر على مقصوصة الحقوق. فاعتبار الطرق ملكاً للدولة يعطي الدولة الحق في فعل ما أرادت في الطريق. وهذا التمييز كان واضحاً للفقهاء الأوائل. وقد تحدثنا عنه سابقاً.
ستقتنع
وهنا يأتي استنتاج منطقي : إذا كان للناس الحق في أخذ أرض والعمل فيها في الزراعة أو الصناعة أو البحث عن المعادن، فلماذا يعملون لدى الدولة؟ وقد تكون الإجابة هي: قد يعملون لدى الدولة لأنها ستدفع لهم مرتبات مالية أكبر. وهنا أجيب هذا لن يحدث إن طبقت الشريعة لأنك إن أنهيت قراءة الفصول الثلاثة القادمة. بإذنه تعالى أن الدولة في الإسلام فقيرة مقارنة بالسكان، لذلك فلن تستطيع دفع المبالغ المغرية للموظفين. ومن جهة أخرى، فالمنطق هو أن يفضل الفرد العمل لنفسه ، ه، أي يعمل كمالك بدل أن يعمل لدى الآخرين كمأجور إلا إن لم يكن لديه رأس مال وكما وضحنا وسنفصل أكثر ، فإن رأس المال عقبة في مجتمع رأسمالي لأن الأبواب موصدة أمام كل من لم يملك قراراً سياسياً أو رأس مال. لذلك يضطر الناس للعمل لدى الدولة أو الشركات. أما في الإسلام، فلن يكون الوضع كذلك. لذلك لن تجد الدولة من يعمل لديها وبالتالي لن تتمكن من التصرف كمؤسسة أو كشركة تأخذ أرضاً كمنجم لبيع المعادن أو تزرع مزرعة كإحياء. وبهذا فمواردها من الأراضي لابد وأن تكون من الأراضي التي تملكها، وهذا استنتاج مهم. لذلك يكون السؤال: كيف دخلت الأموال، وفي مقدمتها الأراضي، لبيت المال؟ هناك ثلاثة طرق رئيسة امتلكت من خلالها الدولة الأراضي هي: الصوافي والأراضي المعطاة لبيت المال من الناس والغنائم. وقد تحدثنا في فصل «الخيرات» عن الصوافي والأراضي المعطاة لبيت المال من الناس، وقلنا إن هذين المصدرين نادران في أيامنا هذه. حتى في صدر الإسلام عندما كثرت الفتوحات، فإن نسبة ورود هذه الأراضي لبيت المال ضئيلة مقارنة بمجموع مساحة أراضي المسلمين الهائلة. كما أن نسبتها ستنعدم إن تمت قسمة الغنائم كما سيأتي
بإذن الله. أي أن المصدر الأهم لبيت مال المسلمين من الأراضي (وليس ما يؤخذ من أموال الناس) هو الغنائم.
۲۰۸ 🗏
الغنائم
V
ب
لقد كانت شعوب الأمم الأخرى تدعى إلى الإسلام سلماً. فإن هم استجابوا فإن الأراضي التي أسلموا عليها كانت تعتبر أراضي عُشر وتبقى ملكاً لأصحابها كما حدث في المدينة والطائف. فالمبدأ الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم»، وأنه من أسلم على شيء فهو له». وبالنسبة للأراضي فـ « ... أرضهم أرض عشر لا يخرجون عنها فيما بعد، ويتوارثونها ويتبايعونها ...». وفي هذه الحالة فالأراضي المشغولة بزراعة أو سكن وما شابه وليس ما ينسب للقبائل مثلاً تبقى لأهلها. ويستمتع أهلها بحقوق أملاكهم كالمسلمين. أما من لم يسلموا وأرادوا الصلح فإن أراضيهم بقيت ملكاً لهم كما حدث مع أهل نجران، وكان عليهم دفع الجزية والخراج وإيفاء ما كان قد صالحهم عليه المسلمون من شروط. فالمبدأ الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم لمن لم يدخل في الإسلام ولكن رضي بالعيش في كنف الدولة الإسلامية هو أن يقوم المسلمون لهم بكل ما صولحوا عليه من شروط على أن يدفعوا الجزية والخراج للمسلمين. فقد جاء في الأموال أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم لعلكم تقاتلون قوماً، فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم ويصالحونكم على صلح، فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل لكم). وهذا ما حدث مع أهل نجران وآيلة، ثم سار على ذلك الخلفاء الراشدون من بعده في مدن وقرى العراق والشام ومصر. ويقول الشافعي: «وهذه الأرض مملوكة لأهلها الذين صالحوا عليها على ما صالحوا على أن يؤدوا عنها شيئاً، فهي مملوكة لهم على ذلك؛ وإن هم صالحوه على أن للمسلمين من رقبة الأرض شيئاً، فإن المسلمين شركاؤهم في رقاب أرضهم بما صالحوهم عليه ...». وفي هذه الحالة أيضاً فإن الأراضي كانت ملكاً لأصحابها وتمتعوا بحقوقهم فيها، ولكن عليهم دفع ما صالحوا المسلمين عليه، إلا إن كان عقد الصلح ينص على أن تنقل ملكية الأرض للمسلمين على أن يبقى أهل الصلح فيها مقابل ما يُدفع للمسلمين من مبالغ تفرض على الأراضي. وفي هذه الحالة «تعتبر الأرض وقفاً للمسلمين ويكون المضروب عليها أجرة للأرض، لا تسقط عنهم بإسلامهم، ولا يجوز لهم التصرف في رقاب الأراضي ببيع أو غيره .. وهم أحق بهذه الأراضي ما أقاموا على صلحهم، ولا تنتزع من أيديهم سواء أظلوا مشركين أم أسلموا». وهذه الأراضي جد نادرة كما سترى بإذنه تعالى. أما إذا اختار غير المسلمين الحرب ولم يذعنوا إلا مكرهين، فهناك ثلاثة أوجه الوجه الأول هو ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، وهو تركه صلى الله عليه وسلم لأهل مكة أموالهم وبذلك صارت أرضوهم بعد إسلامهم عشرية، أي يدفعون عنها العشر ، وهي لهم ولا تذهب لبيت المال.'' والظاهر هو أن معظم الآراء ترى أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة من عدم تقسيمها إنما هو مختص بمكة ولا تقاس به المدن الأخرى، إذ أنه لا يحل بيع رباعها (أي العرصات التي تقوم عليها البيوت) ولا تأجير بيوتها في بعض الآراء. ففي الأموال لأبي عبيد عدة نصوص تدل على هذا، منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن مكة
*** هامش ***
۹
ج
ب) قال أبو يوسف وسألت يا أمير المؤمنين عن قوم من أهل أسلم عليها أهلها فهي لهم وما فيها» (ه). الحرب أسلموا على أنفسهم وأرضهم ما الحكم في ذلك ؟ فإن دماءهم (جـ) ويقول أبو يوسف: «وأيما قوم من أهل الشرك صالحهم الإمام حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم ، وكذلك أرضوهم لهم، وهي على أن ينزلوا على الحكم والقسم وأن يؤدوا الخراج، فهم أهل ذمة، أرض عشر بمنزلة المدينة، حيث أسلم أهلها مع رسول الله صلى الله وأرضهم أرض خراج، ويؤخذ منهم ما صولحوا عليه، ويوفى لهم ولا عليه وسلم، وكانت أرضهم أرض عشر، وكذلك الطائف والبحران يزاد عليهم». إما إذا كان شرط الصلح أن ينزلوا عن ملك أرضهم فهي وكذلك أهل البادية إذا أسلموا على مياههم ... وأرضهم أرض عشر لا تصبح وقفا للمسلمين (۸).
يخرجون عنها فيما بعد، ويتوارثونها ويتبايعونها، وكذلك كل بلاد
٤
الأراضي
حرام، حرمها الله لا يحل بيع رباعها، ولا أجور بيوتها. ومن مثل هذه الأحاديث يستنتج ا أبو عبيد «فإذا كانت مكة هذه سننها أنها مناخ لمن سبق إليها، وأنها لا تباع ،رباعها، ولا يطيب كراء بيوتها، وأنها مسجد لجماعة المسلمين. فكيف تكون هذه غنيمة، فتقسم بين قوم يجوزونها دون الناس، أو تكون فيئاً، فتصير أرض خراج ، وهي أرض من أرض العرب الأميين الذين كان الحكم عليهم الإسلام أو القتل. فإذا أسلموا كانت أرضهم أرض عشر ولا تكون خراجاً أبداً. ... فليست تشبه مكة شيئاً من البلاد، لما خصت به فلا حجة لمن زعم أن الحكم على غيرها كما حكم عليها، وليست تخلو بلاد العنوة - سوى مكة - من أن تكون غنيمة، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، أو تكون فيئاً، كما فعل عمر بالسواد وغيره من أرض الشام ومصر
۲۰۹
والوجه الثاني هو ما فعله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وهو تقسيم أربعة أخماس الغنائم بين الذين افتتحوها فكانت ملكاً للذين افتتحوها وليست ملكاً لبيت المال؛ وأما الخمس الأخير فقد بقيت أراضيه في أيدي أهل خيبر يعملون بها ولكنها ملكاً للمسلمين على أن يكون ثمرها بينهم وبين المسلمين. ثم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر العمال في أيدي المسلمين وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام. وفي هذه الحالات يكون الخمس لبيت المال وله مصرف محدد، كما سنوضح بإذنه تعالى.
سواد العراق
والوجه الثالث هو ما اختاره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سواد العراق حيث ذهبت فيها جميع الأراضي الزراعية إلى ملكية بيت المال. ونظراً لأهمية هذه الحالة سأسرد آراء الفقهاء المختلفة وتأثير ذلك على دخل بيت المال لأن أرض السواد أصبحت نموذجاً يحتذى به في العصور اللاحقة. ثم بعد ذلك، ونظراً لأهمية هذا الموضوع سأناقش بعض آراء الفقهاء. يقول أبو عبيد القاسم بن سلام (ت (٢٢٤ في الأرض التي أخذت عنوة كسواد العراق:
«فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم : سبيلها سبيل الغنيمة، فتخمّس وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططاً بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمّى الله تبارك وتعالى. وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام: إن رأى أن يجعلها غنيمة، فيخمسها ويقسمها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر : فذلك له، وإن رأى أن يجعلها فيئاً فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا، كما صنع عمر بالسواد».
*** هامش ***
د) هناك نصوص عدة في كتاب الأموال منها مثلاً: «... عن عائشة وأصحابه غلمان يقومون بها، وكانوا لا يفرغون للقيام عليها بأنفسهم، قالت: قلت يا رسول الله ألا تبني لك بيتاً، أو بناءً يظلك من الشمس ؟ فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على أن لهم الشطر من (تعني بمكة) فقال : لا ، إنما هي مناخ من سبق». رواه أبو داود كل زرع ونخل وشيء مابدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم» (۱۳). والترمذي وابن ماجة، وفي رواية بلفظ : منى مناخ من سبق) (۱۱). ز) يعرف ياقوت الحموي سواد العراق فيقول: «... يراد به رستاق هـ) هناك اختلاف في حكم كراء البيوت في مكة. ولا حاجة لنا هنا العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر بن الخطاب، في تفصيل ذلك. وقد ذكرنا العلاقة بين الحجيج والملاك في مكة (١٢). الله عنه، وسمي بـ بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار لأنه و) يقول البلاذري: «وقسم أموالهم (أي الرسول صلى الله عليه وسلم حيث تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا شجر ... وحد السواد للنكث الذي نكثوا فأراد أن يجليهم عنها، فقالوا دعنا نكن في هذه من حديثة الموصل طولاً إلى عبادان، ومن العُذيب بالقادسية إلى
رضي الل
الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلوان عرضاً، فيكون طوله مائة وستين فرسخاً ...» (١٤).
۲۱۰ 🗏
وقد كان فعل الخليفة عمر بعد استشارة الصحابة. فقد أشار عليه علي رضي الله عنه بقوله: «دعهم يكونون مادة للمسلمين». وكان ممن طالب بالقسمة بلال بن رباح وعبد الرحمن بن عوف، فكان رد عمر عندما طالبه الذين فتحوا السواد بالقسمة: «فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه». وبذلك أقر عمر رضي الله عنه أهل السواد على أرضيهم وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أرضيهم الخراج.
وهذه المبادرة لعمر رضي الله عنه أصبحت مثلاً يحتذى به من بعده في المناطق الأخرى التي فتحت عنوة. ففي الأموال لأبي عبيد أن الخليفة عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: «أما بعد، فقد بلغني كتابك أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم، وما أفاء الله عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر، من كراع أو مال [الغنائم المنقولة]: فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء»." والذي قصده عمر بهذا الاجتهاد هو أن تعم الاستفادة من دخل الخراج عموم المسلمين لفترة أطول، حيث إن الدولة الإسلامية كانت بحاجة إلى الأموال لتنظيم العسكر وبناء القناطر وما شابه كما يرى البعض. وقد قال عنها المودودي بأنها نظام جديد. ولقد لقي اجتهاد عمر رضي الله عنه ردود فعل مختلفة من الفقهاء لخصها الشوكاني بأن قال:
ط
«وقد اختلف في الأرض التي يفتتحها المسلمون عنوة. قال ابن المنذر: ذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض السواد، وأن الحكم في أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ... وقد اختلف في الأرض الذي [التي] أبقاهـا عـمـر بغير قسمة: فذهب الجمهور إلى أنه وقفها لنوائب المسلمين، وأجرى فيها الخراج ومنع بيعها، وقال بعض الكوفيين أبقاها ملكاً لمن كان بها من الكفرة وضرب عليهم الخراج ... وقد ذهب مالك إلى أن الأرض المغنومة لا تقسم، بل تكون وقفاً يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض، وحكى هذا القول ابن القيم عن جمهور الصحابة ورجحه فظاهر مذهب أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الأقسام الثلاثة».
۱۸
وفي الأموال لأبي عبيد: «وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر، ، ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آيةً من كتاب الله تبارك وتعالى فعمل بها [يقصد آية الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...﴾] ، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها [يقصد آية الفيء : ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى...﴾ ] ، ٢٠ وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئاً». ٢١ وهنا ملحوظة جد مهمة على ما قاله أبو عبيد وستكون محورية في طرح هذا الكتاب وهي أن أساس الخلاف هو الرجوع للآيات. فبأيتهما يؤخذ، آية
*** هامش ***
۲۱
ح) وأشار معاذ بن جبل على الخليفة عمر رضي الله عنه بأن قال: ط) يقول المودودي: فكانت النظرية الأساسية لهذا النظام الجديد «والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أن المسلمين هم المالكون الحقيقيون للأراضي، وليس لأصحابها أيدي القوم، ثم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم السابقين من منزلة فيها كمنزلة المزارعين، وإنما تعاملهم الحكومة يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً ، وهم لا يجدون شيئاً بالنيابة عن المسلمين» (۱۷). فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم» (١٥).
٤
الأراضي
۲۱۱
الغنيمة أم آية الفيء؟ وقبل توضيح هذا الاختلاف لابد من وصف سريع لحال تلك الأراضي لنتمكن من تقصي الصراط لما هو أرجح. ذلك لأن الأراضي التي لم تقسم ومن ثم ملكتها الدولة ممثلة لعموم المسلمين كانت محل دراسة مستفيضة من كثير من الباحثين لأنها كانت المصدر المالي الأهم للدولة الأموية، ومن ثم لباقي الدول لأنها النموذج. فوجب علينا الحرص في الوقوف على حالها قبل الدخول في الأقوال المختلفة لا سيما وأننا الآن نبعد عن وقت تقسيمها بحوالي ألف وأربع مئة سنة. وهذه فترة من التجربة لابد وأن تكون كافية للحكم.
إن الاختلاف السابق أدى إلى اختلاف آخر بين الفقهاء لاختلاف الروايات عن ملكية الأرض: هل أرض السواد ملكاً لعموم المسلمين وخراجها وقف على مصالحهم، أم أنها ملك لأصحابها على أن يدفعوا الخراج؟ ففي
المجموع:
واختلف أصحابنا فيما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتح من أرض السواد، فقال أبو العباس وأبو إسحاق: باعها من أهلها وما يؤخذ من الخراج ثمن، والدليل عليه أن من لدن عمر إلى يومنا هذا تباع وتبتاع من غير إنكار. وقال أبو سعيد الاصطخري وقفها عمر رضي الله عنه على المسلمين فلا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا هبتها ولا رهنها، وإنما تنقل من يد إلى يد، وما يؤخذ من الخراج فهو أجرة، وعليه نص في سير الواقدي، والدليل عليه ما روى بكير بن عامر عن عامر قال: اشترى عقبة بن فرقد أرضاً من أرض الخراج، فأتى عمر فأخبره، فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها. قال: فهؤلاء أهلها ي المسلمون، أبعتموه شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فاذهب فاطلب مالك ...» . ي
ك
ويقول أبو يوسف في هذا: «وإن لم ير [أي الإمام قسمتها ورأى الصلاح في إقرارها في أيدي أهلها كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السواد، فله ذلك أرض خراج وليس له أن يأخذها وهي ذلك بعد ، منهم، وهي ملك لهم يتوارثونها ويتبايعونها ويضع عليهم الخراج، ولا يكلفون من ذلك ما لا يطيقون». وفي جميع الأحوال، فقد كره المسلمون شراء أرض الخراج. ومن الآثار في ذلك ما ذكره أبو عبيد. فعن الحسن قال: قال عمر: «لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أرضيهم. قال: فقلت للحسن ولم ؟ قال : لأنهم فيء للمسلمين». ويلخص أبو عبيد ذلك بعد ذكر عدة آثار فيقول: «فقد تتابعت الآثار بالكراهة بشراء أرض الخراج، وإنما كرهها الكارهون من جهتين: إحداهما أنها فيء للمسلمين، والأخرى أن الخراج صغار، ..
.«<...
ل
والاختلاف السابق أدى إلى اختلاف آخر حول حقوق الأرض وساكنيها . فهل يضرب على الأرض الخراجية الخراج إذا عطلها ساكنها كأن قام بالبناء عليها، لأنها إن بنيت فلا غلة إذ لا زرع؟ قال البلاذري في فتوح البلدان: «إذا عطل رجل أرضه قيل له ازرعها وأد خراجها وإلا فادفعها إلى غيرك يزرعها ... وقال أبو حنيفة والثوري في
*** هامش ***
بن
ي) وتكملة ما جاء في المجموع: «... فإذا قلنا أنه وقف فهل تدخل ل) وبالنسبة للمساكن والدور فلم يكن هناك خلاف. فيقول أبو المنازل في الوقف؟ فيه وجهان (أحدهما) أن الجميع وقف (والثاني) أنه عبيد: «فأما المساكن والدور بأرض السواد، فما علمنا أحداً كره لا يدخل في الوقف غير المزارع، لأنـا لو قلنا إن المنازل دخلت في شراءها وحيازتها وسكناها. قد اقتسمت الكوفة خططاً في زمن عمر الوقف أدى إلى خرابها، وأما الثمار فهل يجوز لمن هي في يده الانتفاع ابن الخطاب. وهو إذن في ذلك من أكابر أصحاب رسول الله صلي الله بها؟ فيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجوز وعلى الإمام أن يأخذها ويبيعها عليه وسلم وعلى آله رجال منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله ويصرف ثمنها في مصالح المسلمين» (۲۲). مسعود، وعمار، وحذيفة، وسلمان، وخباب، وأبو مسعود وغيرهم. ثم ك) أما الأرض الخراجية والتي هي أرض صلح وليست عنوة، وعلى قدمها علي رضي الله عنه فيمن معه من أصحابه. فأقام بها خلافته قول الجمهور، فإنها ملك لأهلها فيجوز بيعها وهبتها وسائر التصرفات كلها، ثم كان التابعون بعد بها ...» (٢٤). فيها. ولكن هناك قولان في كراهية شرائها للمسلم (۲۳).
۲۱۲ 🗏
أرض الخراج، بنى مسلم أو ذمي فيها بناءً من حوانيت أو غيرها، أنه لا شيء عليه، فإن جعلها بستاناً ألزم الخراج، وقال مالك وابن أبي ذئب: نرى إلزامه الخراج لأن انتفاعه بالبناء كانتفاعه بالزرع ...».. وفي الخراج لأبي يوسف و إذا احتاج أهل السواد إلى كري أنهارهم العظام التي تأخذ من دجلة والفرات كريت لهم وكانت النفقة من بيت المال ومن أهل الخراج ولا يحمل ذلك كله على أهل الخراج وأما الأنهار التي يجرونها إلى أرضهم ومزارعهم وكرومهم ورطابهم وبساتينهم ومباقلهم وما أشبه ذلك فكريها عليهم خاصة ليس على بيت المال من ذلك شيء»." ومن دراسة هذه الحقوق يمكننا الاستنتاج أن ملكية الأراضي الخراجية عموماً أقرب لبيت مال المسلمين منها إلى ملكية من يعمل بها من أهل الخراج فأهل الخراج مقيدون من التصرف فيها ملكاً في أكثر الآراء، كمنعهم من وقفها لمصلحة جهة معينة، فهم ممنوعون من أوجه التصرف التام في الملك . فرأي جمهور الفقهاء أن الأرض الخراجية تبقى على حالها حتى إذا أسلم من كان يعمل بها أو انتقلت ملكيتها إلى أي مسلم فيذكر ابن عابدين مثلاً بأن الصحابة اشتروا أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها. "
أما الحقوق المتعلقة بالاستثمار في الأرض كالحق في اتخاذ قرار بحفر بئر إضافية أو بناء مخزن للحبوب مثلاً فقد كانت بأيدي المستخدمين الساكنين. وهذا واضح من النقص الشديد في الأيدي العاملة لدى المسلمين أيام عمر بن الخطاب وبعده مباشرة لانشغالهم بالجهاد ونشر تعاليم الإسلام في المناطق المفتوحة الشاسعة، فعدد المسلمين لم يكن كافياً في بادئ الأمر للعمل في هذه الأراضي التي بلغت مساحتها في السواد على حد قول إحدى الروايات اثنين وثلاثين ألف ألف (ومساحة الجريب الواحد ثلاثة آلاف وست مئة ذراعاً مربعاً). فإن نقصان عدد جريب المسلمين يعني غيابهم عن معظم تلك الأراضي، وهذا الغياب يؤدي لحرية أكبر لأهل الخراج في التصرف في الأرض،
أي حقوقاً أكثر. فماذا يعني هذا؟
بعد واهتمام المالك
إن الساكنين في أرض مثل سواد العراق والذين يعملون بها لابد وأن تكون لهم مصالحهم الخاصة بهم. فهم قد يضطرون لبناء غرفة مثلاً أو يحتاجون للتغيير من منتج زراعي لآخر لاختلاف متطلبات المجتمع أو ظهور بذور جديدة وهكذا. وعندها قد يمنعهم المالك للأرض، وهو في هذه الحالة عموم المسلمين متمثلاً في بيت المال الذي يتمثل في الموظف المسؤول. عندها قد يحدث نوع من التصادم لاختلاف المصالح فما يراه العاملون في الأرض مصلحة لهم قد يراه الموظف إنقاصاً للخراج. وعندها قد يفقدون الاهتمام بالأرض وبالتالي العمل بها لاضمحلال مصلحتهم منها. أي أن الاتفاقات أو التعارضات للمصالح ستؤثر في عطاء الأرض. وبالطبع، فإن ما يحاوله السكان هو في معظم الأحوال الاستفادة القصوى من الأرض مع دفع القليل للدولة. والدولة لا تريد نقصان الخراج. وهنا تظهر أهمية مقصوصة الحقوق فحقوق الساكنين في أرض مثل سواد العراق قد تكون أكبر من حقوق فرد عامل لدى رجل (ولنقل بكراً) يملك أرضاً ويعيش بالقرب منها. فالرجل (بكر) يخاف على ملكه ويراقب ما يجري في
*** هامش ***
م) وهناك رواية أخرى بأن مساحة السواد ستة وثلاثون ألف ألف قصبة في قصبة، والقصبة ستة أذرع، فيكون الجريب ثلاثة آلاف جريب. وفي الأحكام السلطانية للماوردي: «فأما الجريب فهو عشر وستمائة ذراع ...» (۲۸).
قصبات في عشر ،قصبات والقفيز عشر قصبات في قصبة، والعشير
۲۱۳
٤
الأراضي
أرضه ويقيد هذا الذي يعمل لديه من مطلق التصرف. ولأن بكراً قريب من أرضه فستكون الأرض في وضع إنتاجي أفضل من تركها للعامل يفعل بها ما قد يقلل الدخل لأن العامل يدرك أن زيادة عمله قد لا تعود له، بل تذهب للمالك. فبرغم تقييد بكر للعامل إلا أن الأرض ذات إنتاجية مرتفعة لأن بكراً قريب من أرضه ويتابع حالها أول بأول. لكن هذا لا يعني أخي القارئ أن تقييد ساكني الأراضي الخراجية سيزيد من دخل بيت المال، لأن المسؤول عن بيت المال بعيد عن الأرض ولن يكون اهتمامه بالأرض كبكر الذي يملك، لذلك فزيادة القيود قد تحدث تضجراً للسكان ما يقلل إنتاجهم. أي أن هناك علاقة شديدة بين إنتاج المزرعة أو المصنع أو المتجر (العقار) وبين حقوق من يعملون بهذه الأماكن من جهة، وبين قربهم أو بعدهم من العقار من جهة أخرى. فأي الأوضاع أكثر إنتاجاً وبالذات إن نحن أخذنا في الحسبان مسألة الأجيال المتعاقبة لمئات السنين؟
إن هناك علاقات هي الأفضل من غيرها في هذا المجال وقد وضحتها في الفصل الثامن من كتاب «عمارة الأرض». وقد أبدعت الشريعة في هذا من خلال الوراثة والشفعة والهبة ونحوها من حركيات انتقال الملكية. فلابد من الرجوع إليها. ولكن للاختصار أقول : قد تمتلك شركة أو مؤسسة كبيرة محلاً تجارياً صغيراً، أو العكس، قد يملك الرجل الواحد المزارع والمصانع والمساكن في بلاد شتى. ففي الحالة الأولى نلحظ أن المؤسسة الكبيرة قد تعتمد على أمانة من يعمل في المحل لجني الأرباح، فإن لم يكن العامل أميناً فقد تخسر المؤسسة الكثير. لذلك عادة ما تلجأ المؤسسات لإصدار القوانين ووضع الأنظمة والرقابة حتى تسيطر على عمالها، وتضع لهم في ذات الوقت المحفزات للمزيد من العطاء. وفي هذا نوع من الهدر على المؤسسة في الإجراءات التي تتابع وتلاحق فيها العامل، ولكن لابد من تلك المراقبة. والشيء ذاته يحدث في حالة الرجل الذي يملك المعامل والمزارع في مدن شتى. ونظراً لبعد المالك نجده إما أن يعتمد على أمانة من يعملون لديه أو يُضطر لوضع المحاسبين والمراجعين لقفل الثغرات التي قد يفلت منها من يعملون لديه بالأرباح. وفي هذا أيضاً هدر على مجموع الأمة لأن أولئك الذين يعملون لديه كمراقبين لا ينتجون إنتاجاً فعلياً لمصلحة الأمة، بل مراقبة أملاك هذا الرجل. وهكذا إن فكرت في معظم الأماكن كالمصانع والمزارع تجد أن هناك حجماً مناسباً من الملاك لكل مكان حتى يكون الإنتاج في أعلى عطاء ممكن بأقل عمل مطلوب. فالبقالة التي تقع في طريق ريفي قد تكون أفضل عطاء إن ملكها رجل واحد منها إن وضعت في سوق مزدحم، فهي في السوق قد تكون أكثر عطاء إن ملكها اثنان لأنهما سيعملان بها ليل نهار. والمزرعة إن ملكتها أسرة وتعمل بها ستكون أكثر عطاء مما إن ملكتها الدولة. ولهذا سقطت الاشتراكية التي حاولت امتلاك كل شيء، ففقدان المزارعين لهمة العطاء مثلاً أنقص دخل الدولة، وكذلك باقي القطاعات الإنتاجية.
كما قلنا، فإن الشريعة إعجاز في مقصوصة الحقوق، حتى وإن لم ندرك بعقولنا القاصرة الحكمة من وراء حكم من أحكام الشريعة. ولعل سواد العراق مثل جيد على هذا، كيف؟ إذا قسمت أراضي السواد بين الغانمين كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في خيبر، فإن ما قسم من أراض سيكون ملكاً للغانمين وورثتهم من بعدهم. وهذا معناه اهتمامهم بأملاكهم وحرصهم على إعمار أرضهم وزيادة دخلهم منها، وبالتالي زيادة زكاة الأرض واستمرارية هذه الزكاة إلى ما شاء الله. أي أن القليل المستمر (أي الزكاة) قد ينمو ويزيد على الكثير الذي قد ينقطع (الخراج). ولكن ما حدث في سواد العراق هو وضع الأراضي الزراعية في حوزة الدولة والحصول بذلك على الخراج الذي يفوق الزكاة دخلاً، مما زاد من دخل بيت مال المسلمين في السنين الأولى. أما على الأمد البعيد فقد حدث العكس. فهناك
٢١٤ 🗏
الله عنه،
و
الكثير من الروايات التي تشير إلى أن خراج السواد كان يعتمد على اهتمام أهل الخراج بالأرض، وهذا الاهتمام تأثر بمعاملة محصلي الخراج لأهل الخراج، وأن الخراج كان في تناقص مستمر وذلك لفقدان أهل الخراج الاهتمام بالأرض. فقد «روی» عباد بن كثير عن قحزم قال : جبى عمر العراق مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف، وجباها عمر بن عبد العزيز مائة ألف وأربعة وعشرون [عشرين] ألف ألف، وجباها الحجاج ثمانية عشر ألف ألف».٢٩ لاحظ الهبوط من ١٣٧ مليون إلى ١٨ مليون . ومن نصيحة لأبي يوسف موجهة للخليفة هارون الرشيد يرحمه الله، نلحظ أنه يشير إلى نقصان الخراج في أيامه عن أيام عمر رضي الله عنه فيقول: «هذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عدله كان يجبي السواد مع . في أهل الخراج وإنصافه لهم ورفعه الظلم عنهم مائة ألف ألف، والدرهم إذ ذاك وزنه وزن مثقال». وفي موضع آخر يذكر أبو يوسف بأن السبب في هذا النقصان هو أن العامر من الأرضين كان كثيراً، والعاطل منه كان يسيراً في أيام عمر رضي ، على نقيض أيامه ،هو ، أي أيام هارون الرشيد. فيقول: «نظرت في خراج السواد وفي الوجوه التي يُجبى عليها وجمعت في ذلك أهل العلم بالخراج وغيرهم وناظرتهم فيه، فكل قد قال فيه بما لا يحل العمل به، فناظرتهم فيما كان وظف عليهم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في خراج الأرض واحتمال أرضهم إذ ذاك لتلك الوظيفة، حتى قال عمر لحذيفة وعثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنهم : لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق، وكان عثمان عامله إذ ذاك على شط الفرات وحذيفة عامله على ما وراء دجلة من جُوخي وما سقت. فقال عثمان: حملت الأرض أمراً هي له مطيقة، ولو شئت لأضعفت. وقال حذيفة: وضعت عليها أمراً هي له محتملة وما فيها كثير فضل. وان أراضيهم كانت تحتمل ذلك الخراج الذي وظف عليها إذ كان صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرا بذلك، ولم يأتنا عن أحد من الناس فيه اختلاف. فذكروا أن العامر كان من الأرضين في ذلك الزمان كثيراً وأن المعطل منها كان يسيراً، ووصفوا كثرة العامر الذي لا يعمل وقلة العامر الذي يعمل وقالوا لو أخذنا بمثل ذلك الخراج الذي كان حتى يلزم للعامر المعطل مثل ما يلزم للعامر المعتمل ثم نقوم بعمارة ما هو الساعة غامر ولا نحرثه لضعفنا . عن أداء خراج ما لم نعمله وقلة ذات أيدينا، فأما ما تعطل منذ مائة سنة وأكثر وأقل فليس يمكن عمارته ولا استخراجه في ذلك حاجة إلى مؤنة ونفقة لا يمكنه، فهذا عذرنا في ترك عمارة ما قد تعطل
قريب ولمن يعمر
۳۱
.«...
استيفاء الخراج : العمالة والتضمين
أي أن مئة وسبعين سنة (وهي الفترة بين حكم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهارون الرشيد المتوفي سنة ١٩٣) كانت كافية لإنهاك سواد العراق، وبهذا قل مجموع إنتاج الأمة. وبالطبع لا يمكن حصر مسببات نقصان الخراج على سبب دون آخر، فهناك كما تشير الدكتورة غيداء كاتبي حركة الزنج واشتداد حركة الخوارج وتهديدهم لمنطقتي البصرة والكوفة وانتشار الأوبئة وغيرها من مسببات أدت لنقصان الأيدي العاملة.٣٢ غير أن الطرح الذي أعتقده هو أن السبب الأهم هو فقدان أهل الخراج الاهتمام بالأرض وبالتالي إهمالها أو حتى النزوح عنها؟ ولكن لماذا فعلوا ذلك؟ لأنهم لا يملكونها وبذلك لا يتمتعون بحقوق الملاك؛ بل هي ملك لغيرهم، وهذا وضع مشابه لما حدث في المجتمعات الاشتراكية. فكل مجهود يوضع في الأرض سيذهب لغيرهم. فلماذا الجد والمثابرة لزيادة الإنتاج ؟ ولهذا فقد يماطلون في دفع الخراج أو قد ينقصونه، وهذا قد يؤدي إلى سوء معاملة عمال الخراج
٢١٥
٤
الأراضي
لهم. فهناك طريقتان في استيفاء الخراج الأولى هي العمالة على الخراج والثانية هي التضمين. فبالنسبة للعمالة، هناك سببان أثرا على فقدان أهل الخراج الاهتمام بالأرض. السبب الأول هو أن هناك شروطاً كثيرة لتعيين عامل الخراج كأن يكون مسلماً وحراً وأميناً ومكتفياً ومن أهل العلم والفقه بأحكام الخراج؛ وهناك صفات أيضاً لابد وأن يتحلى بها عامل الخراج وهي العفة والعدل والإنصاف والرفق بأهل الخراج ومن المنطق أن هذه الصفات قد لا تتوافر في جميع الناس. فإن نحن تصورنا أن جميع أراضي أمة ما ملك للدولة كما في الاشتراكية المطلقة مثلاً، فتلك الأمة بحاجة لعدد كبير من عمال الخراج نظراً لكثرة الأراضي الزراعية، وهذا العدد من الأمناء أمر مستحيل. فقد يقوم عامل الخراج بالضغط على أهل الخراج ليأخذ جزءاً من الخراج لنفسه. وما هذا التشبيه إلا للتوضيح، فالوضع لم يكن بهذا السوء أيام هارون الرشيد. إلا أنه مقارنة بعهد الخليفة - عنه كان مؤشراً على الانحدار.
۳۳
عمر
رضي
الله
الله
عنه،
والسبب الثاني هو تقدير الخراج، فعند تقدير الخراج على الأرض روعيت معايير كثيرة: منها مقدار جودة الأرض، وطريقة الري هل هي بماء السماء أو بماء الآبار أو العيون ونوعية الثمار وقرب الأرض الخراجية من المدن وبعدها، وما يصيب أصحاب الأرض من نوائب وملمات. وجميع هذه المعايير مصدر للخلاف بين المحصل للخراج والمزارع لأنها غير محددة. وهذا قد يؤدي إلى نوع من المشادة في تفسير الحقوق ومن ثم التنافر بين المحصلين والمزارعين، مما يؤثر على عطاء الأراضي الزراعية برغم توصية الحكام، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي بأن لا يُحمّل العاملين في الأرض ما لا يطيقون ۳ فقد: «حكي أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يستأذنه في أخذ الفضل من أموال السواد فمنعه من ذلك وكتب إليه : لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك المتروك، وأبق لهم لحوماً يعقدون بها شحوما» . ٣٤ وهذا التنافر بين المزارع وعامل الخراج سيؤدي لتذبذب الحقوق، وهذا قد يؤدي إلى رفض أهل الخراج دفع ما هو مطلوب منهم ما يؤدي لسوء معاملة المزارعين. فقد كتب عدي بن أرطأة عامل الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إليه: «أما بعد فإن أناساً قبلنا لا يؤدون ما عليهم من الخراج حتى يمسهم شيء من العذاب». فكتب إليه عمر: «أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني جنة لك من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سخط الله. إذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك ما قبله عفواً وإلا فأحلفه، فَوَالله لأن يلقوا الله بجنياتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم. والسلام». ويشير أبو يوسف إلى هذه المعاملة لأهل الخراج في رسالته لهارون الرشيد فيقول: ولا يضربن رجل في دراهم ،خراج، ولا يقام على رجله فإنه بلغني أنهم يقيمون أهل الخراج في الشمس ويضربونهم الضرب الشديد ويعلقون عليهم الجرار ويقيدونهم بما يمنعهم من الصلاة، وهذا عظيم عند الله شنيع في الإسلام». ويوصي أبو يوسف الخليفة هارون الرشيد بمتابعة ما يقوم به عمال الخراج والتأكد من أمانتهم فيقول:
«وأنا أرى أن تبعث قوماً من أهل الصلاح والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته يسألون عن سيرة العمال وما عملوا به في البلاد، وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به وعلى ما وظف على أهل الخراج واستقر، فإذا ثبت ذلك عندك وصح أخذوا بما استفضلوا من ذلك أشد الأخذ حتى يؤدوه بعد العقوبة الموجعة والنكال، حتى لا يتعدوا ما أمروا به وما عهد إليهم فيه، فإن كل ما عمل به والي الخراج من الظلم والعسف فإنما يُحمل على أنه قد أمر به، وقد أمر بغيره، وإن أحللت بواحد منهم العقوبة الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف، وإن لم تفعل هذا بهم تعدوا على أهل الخراج واجتروا على ظلمهم وتعسفهم
وأخذهم بما لا يجب عليهم .
۳۵
٢١٦ 🗏
أجل، لا عجب من نقصان الخراج وما هذا إلا لأن الأرض لم تقسم بين الغانمين، فلا مالك هناك يهتم بها.
أما إن قسمت كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لما حدث كل هذا، ولملك الغانمون وورثتهم الأرض وزادت بذلك نسبة الملاك في المجتمع. وكل مالك بالطبع سيهتم بما لديه وسيزيد الإنتاج حتى وإن حاولت الدولة الاهتمام فهو لهدف استمرار الدخل أكثر من كونه لصالح العاملين فيها. فمن أكثر من اهتموا بعمارة سواد العراق الحجاج مثلاً والذي اشتهر بالإسراف في قتل أهل العراق، أليست هذه مفارقة ؟ فتصف الدكتورة غيداء ما فعله الحجاج:
بذل الحجاج جهوداً موفقة لتعمير السواد، وتنظيم الزراعة فيه. ويبدو أنه قدر مسبقاً المستلزمات الرئيسة لتنمية الزراعة وتطويرها، من حيث توفير الماء والمال والأيدي العاملة وغيرها. فأتم، أولاً،
حفر نهر كان دهاقين الأنبار قد سألوا سعد بن أبي وقاص أن يحفره لهم. كما حفر نهري النيل والزابي، وأحيا ما عليهما من أرضين» . .
٣٦
أما الطريقة الثانية في استيفاء الخراج فهي التضمين أو التقبيل ، وهو نظام بدأ في العصر الأموي وانتشر في العصر العباسي وأدى أيضاً إلى سوء معاملة أهل الخراج. ولم يرض كثير من العلماء عنه واعتبروه باطلاً لأن حكمه حكم الربا. والسبب في ذلك هو أن هذا النظام يقوم على مبدأ مجحف للمزارع، وهو أن يقوم شخص (المتقبل) بالتكفل بتحصيل الخراج وأخذه لنفسه مقابل قدر محدود يدفعه لبيت المال. وقد حذر أبو يوسف الخليفة هارون
الرشيد من تطبيق هذا النظام لأن المتقبل قد يعذب العمال في الأرض فيفقدوا الاهتمام بها، فتأمل ما قاله: ورأيت أن لا تُقبل شيئاً من السواد ولا غير السواد من البلاد، فإن المتقبل إذا كان في قبالته فضل عن الخراج عسف أهل الخراج وحمل عليهم ما لا يجب عليهم ، وظلمهم وأخذهم بما يجحف بهم ليسلم مما دخل فيه. وفي ذلك وأمثاله خراب البلاد وهلاك الرعية والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله أن يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيراً، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية وضرب لهم شديد وإقامته لهم في الشمس وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه إنما أكره القبالة لأن لا آمن أن يحمل هذا التقبل على أهل الخراج ما ليس يجب عليهم فيعاملهم بما وصفت لك، فيضر ذلك : فيخربوا ما عمروا بهم ويدعوه فينكسر الخراج وليس يبقى على الفساد شيء وأن يقل مع الصلاح شيء
.
۳۸
.«...
أخي القارئ : إن ما حدث هنا هو أن الأرض أصبحت كالبقرة الحلوب التي لا يأبه أحد بها إلا بالأخذ منها. فمن يعمل بها لن يستثمر فيها لأن زيادة الغلة ستذهب لغيره، أما عامل الخراج فسيجد لزيادة دخله حتى وإن عذب العاملين في الأرض، بينما الدولة، أو من يمثلها بعيدة عن الموقع ولا تدري ما الذي يحدث.
خراج المســاحــة وخراج المقـاســمـة
وهناك نوعان من الخراج خراج المساحة وخراج المقاسمة. ويسمى خراج المساحة بخراج المقاطعة أو خراج الوظيفة، وفيه يجب الخراج على من يعمل في الأرض حتى وإن لم يزرعها ، لأنه هو الذي قصّر في تحصيله، فعليه أن يتحمل نتيجة ذلك التقصير. أما في خراج المقاسمة، فلا يجب الخراج على أهل الخراج إذا عطلوا الأرض، وذلك لأن الخراج جزءاً شائعاً من الخارج من الأرض كالربع والخمس. وهذا متعلق بالتمكن من الأرض." وقد
۲۱۷
الأراضي
٤
كان الخراج في السواد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المساحة، ثم تغير إلى المقاسمة لسوء الأحوال من بعده. فيقول الماوردي واصفاً: ولم يزل السواد على المساحة والخراج إلى أن عدل المنصور رحمه الله في الدولة العباسية عن الخراج إلى المقاسمة، لأن السعر نقص فلم تف الغلات بخراجها، وخرب السواد فجعله
[أي المنصور] مقاسمة .....
٤٠
بهم
ولعل الذي أعان على خراب السواد هو تخوف الناس من استهلاك منتجاته. فهناك مسألة خلافية بين الفقهاء هي: هل لأهل الأرض الخراجية الحق في الانتفاع من الثمر أم لا؟ فقد كان الناس لا يشترون محصول الأرض الخراجية تخوفاً من أن لا يكون هذا المحصول من حق أهل الخراج فقد روى الساجي في كتابه عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: أدركت الناس بالبصرة ويحمل إليهم الثمر من الفرات فيؤتى به ويطرح على حافة الشط ويلقى عليه الحشيش، ولا يطير ولا يشتري منه ، الأعرابي أو من يشتريه فينبذه، وما كان الناس يقدمون على شرائه». وما كان هذا إلا لأن السواد لم يقسم. فإن قسم بين الغانمين لكان ملكاً لأهله ولاهتموا به ولازدهر ولأقبل الناس على التمتع بمنتجاته، والله أعلم.
٤٢
لقد أدت هذه التراكمات إلى نزوح بعض أهل الخراج عن الأراضي الخراجية مثيرة بذلك سؤالاً فقهياً: إذا رحل الفلاح عن الأرض، هل يجبر على العود؟ على الأصح .لا. انظر إلى ما قاله ابن عابدين كمثال: «قال الخير الرملي في حاشية البحر أقول: رأيت بعض أهل العلم أفتى بأنه إذا رحل الفلاح من قريته ولزم خراب القرية برحيله أنه يجبر على العود وربما اغتر به بعض الجهلة، وهو محمول على ما إذا رحل لا عن ظلم وجور ولا عن ضرورة بل تعنتاً، وأمر السلطان بإعادته للمصلحة، وهي صيانة القرية عن الخراب ولا ضرر عليه في العود، وأما ما يفعله الظلمة الآن من الإلزام بالرد إلى القرية مع التكاليف الشاقة والجور المفرط فلا يقول به مسلم . ...». وقد أصدر الحجاج أوامره بإعادة من أسلم من أهل الذمة إلى قراهم. فتذكر الروايات أن عمال الخراج كتبوا إلى الحجاج: «أن الخراج قد انكسر وأن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار فكتب إلى أهل البصرة وغيرها أن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها». وتشير الدكتورة غيداء لهذا قائلة: «ويظهر أن هذا الإجراء لم يكن جديداً، بل كان إجراء إدارياً مألوفاً، يلجأ الولاة إليه كلما دعت الحاجة إلى ذلك. إذ سبق لعبيد الله بن زياد أن دعا كتابه إلى الاستعجال في تخريج الأسماء، ربما لربط الناس بأصولهم، لتسهيل عملية الضبط والمراقبة بعد انتشار ظاهرة الهجرة». وفي مصر أيضاً حدث الشيء ذاته، إذ يتضح من أوراق البردي أن اثنان من ولاة مصر كانوا يمنعون الهجرة من الأرض. فمن رسائل قرة بن شريك والي مصر -٩-٩٦ هـ) زمن الوليد بن عبد الملك تظهر الأوامر لأصحاب الكور" بتطبيق إجراءات الدولة الخاصة بمقاومة الجلاء عن الأرض وعدم إيواء الفلاحين المهاجرين وإعادتهم إلى كورهم التي
جلوا عنها».
*** هامش ***
هي وثائق إدارية هامة معاصرة لفترتها (٤٣).
ن
أسمائهم، وتحديد أماكنهم الأصلية، والأماكن الأخرى التي هاجروا س) الكور جمع كورة، وهي المدينة أو الصقع، وهي مثل المحافظات إليها. ومن ناحية أخرى، فقد أصدر الوالي قرة بن شريك أمرين آخرين، أحدهما لردع المخالفين، والآخر لدعم الفلاحين الملتزمين
في أيامنا هذه (٤٣).
ع) وتستنتج د. غيداء قائلة: «الواقع أن تطبيق هذه السياسة لم يكن بالقرار، ويقضي الأمر الأول معاقبة المخالفين وتغريمهم مالياً. أما سهلاً لخروجها على المألوف من حرية الهجرة. فاضطر الوالي، إزاء الأمر الآخر فيتضمن حرص الدولة على حماية الفلاحين العائدين هذا الأمر، إلى إنشاء هيئة خاصة، بالتعاون مع أصحاب الكور، ومساندتهم عن طريق دفع مصروف شهر كامل تشجيعا لهم لإعادة تنحصر مهتها الرئسية بإعادة الفلاحين إلى قراهم عن طريق تسجيل بناء حياتهم من جديد» (٤٣).
۲۱۸ 🗏
٤٤
وما ساعد أيضاً على خراب السواد تردد المسلمين في شراء أراضيها، وبهذا فقدت قيمتها الشرائية، مما أفقد الناس الهمة للمحافظة عليها للأجيال القادمة. قال أحمد في رواية حنبل: لا تشتري الضياع بالسواد يؤدي الخراج هو من الصغار. وقال في رواية حرب في المسلم يشتري من أرض الخراج ويؤدي الخراج، قال: مكروه». ومن الأسباب كذلك لعزوف المسلمين عن شرائها اعتبارها ،وقفاً، فقد تردد الكثير من محاولة الكسب من أرضها؛ «قال أحمد في رواية طالب: لا يتمول الرجل من السواد، فإن عمر رضي الله عنه أوقفه على المسلمين. وإنما يجوز له قوته وقوت عياله». ٤٥
الحالة
.
ومما سبق نلحظ أن الذي حدث في سواد العراق نتج عن حتمية النفس البشرية التي تسعى لما ينفعها أولاً، وهذه غريزة عادة ما تقع في أي أرض تملكها الدولة. فعندما تملك الدولة الأرض يقل اهتمام العاملين بها ومع الزمن يقل إنتاجها، وما هذا إلا لأن مقصوصة الحقوق قد تغيرت. فلا يحق للفلاحين الكسب منها ولا يحق لهم بيعها، فهي ملك ناقص. فتصرف الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه كان اجتهاداً منه لجلب الخير لعموم المسلمين لا خروجاً على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالسنة المطهرة كما بينها الإمام الشافعي تنص على تقسيم أرض العنوة، وبذلك تؤول الأراضي للذين جاهدوا في سبيل الله وتصبح ملكاً تاماً لهم. وكل مجاهد في سبيل الله لابد وأن يكون فرداً متميزاً عن باقي الناس في ورعه وتقاه، لذلك نتوقع زيادة الزكاة والصدقة من جانبه لأنه أصبح مالكاً للأرض التي سيأكل منها في حياته والتي سيورثها لورثته من بعده، فبمثابرته وحرصه على زراعتها وزيادة غلتها سيزيد نصيبه من الزكاة والصدقة، وفي هذا زيادة للأمة. حتى وإن لم يكن المجاهد مؤمناً وكان ممن خرج للجهاد طمعاً في دنيا يصيبها، فإنه بغريزته المنفعية البشرية سيحافظ على أرضه لزيادة دخله ليستثمر ما فاض من غلتها في استثمارات أخرى. وبهذا يدور رأس المال ويزداد الإنتاج القومي لقرب الملاك من أراضيهم. حتى إن لم يستطع هؤلاء الملاك المجاهدون من زراعة ما غنموه، فهم سيستأجرون من يعمل لهم فيها بالمغارسة أو المخابرة أو المساقاة. وفي هذه سيصبح الفلاحون عمالاً لدى الغانمين لا لدى الدولة وشتان بين الحالين فملكية الأفراد للأرض الزراعية أكثر إنتاجاً من ملكية الدولة ودون هدر في الموارد وذلك لقرب واهتمام الملاك. وبعد هذا العرض أرجو أخي أن تكون قد اقتنعت أن تقسيم الأرض بين الغانمين هو الأجدر بالاتباع. ولكنك قد تسأل: ولكن من أين للدولة الأموال للقيام بمهامها إن تم غلق هذا المصدر المهم؟ فالدولة بحاجة للمال لدفع نفقات الجند والتعليم وتعبيد الطرق وما إليها من مرافق وخدمات؟ فأجيب كما سترى بإذن الله فإن الشريعة من خلال مقصوصة الحقوق ستؤدي لمجتمع ذاتي الإدارة والتعليم والصحة والأمن. أي أن المجتمع لن يعتمد على الدولة في مرافق حياته كقيام الدولة بتعبيد الطرق أو توصيل الكهرباء، ولن يعتمد عليها في خدماته العامة كالنقل الجماعي مثلاً. ولعلك ترفض هذا الطرح، ولا ألومك، فقد نشأنا في مجتمعات اتكالية في كل شيء. فقد تستثقل قيام الجماعات والأفراد باحتياجاتهم لأنك ستعتقد أن على الفرد أن يقوم هو وجيرانه بتعبيد طريقهم، وما إلى ذلك من أفكار. فأقول: لا، ولكن المجتمع سيكون مختلفاً في تركيبته السياسية الاقتصادية الاجتماعية كما سترى بإذن الله. فمقصوصة الحقوق ستوجد مجتمعاً سيصل للسعادة والرفاه والعزة دون الحاجة للدولة وتسلطات موظفيها ودون بيروقراطياتها الورقية غير المنتجة لذلك أطلب منك إعطائي الفرصة قبل التسرع في الحكم. ولكن علينا أن نعود مرة أخرى لموضوع سواد العراق لأهميته فلابد من النظر لأقوال الفقهاء لنرى الأرجح منها.
٤٦
۲۱۹
الأراضي
الوقف أم القسمة؟
٤٧
الله
إن أهم دليل لمن قال بعدم القسمة هو فعل الخليفة عمر رضي عنه. وفعله رضي الله عنه لابد وأن يكون ملائماً لوقته الذي كانت فيه نفوس الصحابة تختلف عن نفوس من في العصور الأخرى من بعده. فمن أين له أن يعلم رضي الله عنه أن الأراضي المفتوحة عنوة سيسيء السلاطين من بعده استخدام أموالها، وأن خراجها سيقل سنة بعد أخرى؟ ولا حاجة لي هنا للتذكير بمناقبه رضي الله عنه، فتقواه وزهده وورعه وشدة حرصه على الإسلام أكبر من أن تحصر هنا. وكيف لا وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به)». إلا أننا نقارن هنا فعله رضي الله عنه بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من تقسيم. وهنا لابد من التمعن لعلنا نتمكن من استنتاج الأولى بالاتباع ذلك لأن ما يجب أن يُتبع في الحقوق يختلف عن غيرها من أحكام. فإن اختلف الفقهاء مثلاً في ضرورة عقد النية لمن أراد الصوم في رمضان (هل ينويها المسلم عن كل يوم أم أن عقد النية في أول الشهر يجزئ عن باقي الشهر؟). فإن هذا الاختلاف قد لا يؤثر على إنتاجية الأمة بقدر الاختلاف في حقوق الآدميين. فبالنسبة لحقوق الآدميين، فلعل مذهباً هو الأفضل من الآخر لإنتاجية الأمة. ولكن أرجو ملاحظة الآتي: فبرغم أننا نتفق على أن ما أتى به الإسلام من حقوق أفضل من غيره من الأنظمة (كالرأسمالية أو الاشتراكية)، إلا أن أحد المذاهب الإسلامية قد يكون أكثر ملاءمة للأمة إنتاجياً من المذاهب الأخرى أحياناً (وليس دائماً). لكن المسألة تختلف في تقسيم سواد العراق، فقد نقص دخل الأمة كما رأينا، ونحن الآن في موقع
ف
أفضل للحكم من خلال تجارب مئات السنين. لذلك لابد من التأني لعلنا نصل للمذهب الأرجح بتوفيقه تعالى.
أخي القارئ: إن كنت قد اقتنعت بأن الأراضي التي فتحت عنوة يجب أن تقسم بين الغانمين فبإمكانك القفز للفصل القادم. وإن لم تقتنع فرجائي إتمام القراءة بتمعن شديد لأن عدم القسمة حوّل المجتمع المسلم إلى دولة وكأنها اشتراكية فكان التخلف كما سترى بإذن الله . فهذ مسألة مفصلية في تاريخ الأمة. فالأمر جد خطير.
يقول ابن رجب الحنبلي موضحاً مسببات الاختلاف في الأرض التي فتحت عنوة: «واعلم أن مـأخـذ الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ينبني على تحرير الكلام في ثلاثة أصول : أحدها أن الأرض المأخوذة عنوة هل هي داخلة في آية الغنيمة أو في آية الفيء؟ الثاني حكم خيبر وهل قسمها النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يقسمها؟ الثالث ما فعله عمر رضي الله عنه بأرض السواد وغيره من أرض العنوة ...». وهناك اختلاف آخر بين من قالوا الأرض وقفاً بمجرد حصول المسلمين عليها أم هي من الفيء أم للحاكم الخيار؟
*** هامش ***
ص
بعدم الـ القسمة: هل ستصبح
٤٩
ف) فمن الاختلافات المشهورة مثلاً بناء سور سطح الدار: فإن بني وذلك من خلال الأعراف المبنية على حيازة الضرر. فاختلاف رجل درجا في داره ليصعد لسطحه، فهل يجبر على بناء سور حتى لا المذاهب لا يؤثر على إنتاجية الأمة في مثل هذه الحالات (٤٨). يشرف على غيره ويكشف حرمة دار جاره، أم أنه يمنع من الإشراف ؟ ص ففي الاستخراج لأحكام الخراج: «وقد ذكر أبو بكر في كتاب فمن الأقوال من ذهب إلى إجبار باني الدرج لبناء ساتر في السطح، زاد المسافر أن أحمد قال : هي وقف وأن عمر رضي الله عنه وقفها على ومنها من ذهب للمنع من الإشراف. وإن تأملت هذه الأقوال وأدلة المسلمين؛ في رواية جماعة من أصحابه منهم الميموني وحنبل وغيرهما، كل مذهب لوجدتها تؤدي لنفس النتيجة برغم التضاد الظاهر بين ولكن أكثر كلام أحمد إنما فيه أنها فيء وأنها مشتركة بين المسلمين، أقوال الفقهاء. وذلك لأن التركيبة الاجتماعية التي تؤدي إليها فمن الأصحاب من قال إن عمر ر رضي الله عنه وقفها وقفا خاصا على مقصوصة الحقوق ستوصل لنفس التركيبة العمرانية برغم اختلاف المسلمين بلفظه وادعوا أن الأرض لا تصير وقفاً بدون لفظ من الإمام. الاجتهادات. فقد أوجدت الشريعة من الحركيات ما يضع ا اتخاذ منهم القاضي وغيره إذا قلنا إن الإمام مخير فيها بين القسمة والوقف، القرارات العمرانية في أيدي السكان ومن ثم ظهور الاتفاقات بينهم بخلاف ما إذا قلنا يصير وقفاً بمجرد الاستيلاء كما هو مذهب مالك بطريقة تستبعد تدخل السلطات للاضطرار لفرض مذهب على آخر، فإنها تصير وقفاً بغير لفظ » (٥٠).
٤
۲۲۰ 🗏
لقد لخص الدكتور العبادي جزاه الله خيراً هذه المسألة بأن ما ذهب إليه الفقهاء كان على أربعة أقوال. فذهب الشافعية والظاهرية ورواية عند الحنابلة، وهو قول لأبي ثور، وقول عند المالكية إلى أنه يجب على الإمام قسمة الأرض كما تقسم الغنائم المنقولة . ولا خلاف هنالك بين الفقهاء على قسمة الغنائم المنقولة. أما إن طابت أنفس الغانمين فللإمام عندئذ وقفها على المسلمين. وذهب المالكية في المشهور، ورواية عند الحنابلة وهي اختيار عبد العزيز من أصحاب أحمد وعزاه الماوردي في الحاوي للأوزاعي، إلى أنها تصير وقفاً بنفس الظهور والفتح، من غير حاجة إلى صيغة الوقف. وقد ذهب الإمامية إلى هذا القول أيضاً. وذهب الحنابلة في أظهر الروايات والثوري وأبو عبيد، وهو قول عند المالكية، إلى أن الإمام يختار ما فيه المصلحة من قسمتها أو وقفها على المسلمين. وذهب الحنفية والزيدية إلى أن الإمام يختار ما فيه المصلحة من قسمتها كما تقسم الغنيمة أو إقرار أهلها عليها بالجزية على رؤوسهم وبالخراج على أراضيهم وتكون ملكاً لهم، أو يصرفهم عنها ويأتي بقوم آخرين ويضرب عليهم الخراج والجزية إن كانوا كفاراً، والعشر لا غير إن كانوا مسلمين؛ والأول أولى عند حاجة الغانمين، وليس للإمام أن يقفها على المسلمين أجمعين، ولا على غانميها. والمهم لنا الآن هو تقصي الآتي: هل تقسم الأرض المفتوحة عنوة بين الغانمين أم للحاكم الخيار؟ لأننا إن استنتجنا أن الأرض «يجب أن تقسم، فلا معنى للخوض في الخلافات الأخرى.
۵۱
إن معظم أدلة من ذهبوا إلى عدم القسمة هو الأخذ بفعل الخليفة عمر في سواد العراق. فمنهم من اعتبره إجماعاً لأن السواد لم يقسم، برغم اعتراض بلال والزبير بن العوام رضي الله عنهما وصحبهما على عدم القسمة. ومنهم من جمع الآثار المختلفة التي حدثت حول المناطق المفتوحة زمن الخليفة عمر رضي الله عنه واستنتج عدم القسمة ثم نظر للنصوص وأولها كما سأوضح بإذن الله. وهكذا ستلحظ أن جميع وجوب الأدلة التي تذهب لعدم القسمة تنبثق من سواد العراق وتعود إليه. فمن هذه الأدلة مثلاً ما رواه يزيد بن حبيب «أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك ، تذكر فيه أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم، وما أفاء الله عليهم. فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك به إلى العسكر من كراع ومال، فاقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار لعمالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء. وقد كنت أمرتك أن تدعو من لقيت إلى الإسلام قبل القتال، فمن أجاب إلى ذلك قبل القتال فهو رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم وله سهم في الإسلام، ومن أجاب بعد القتال وبعد الهزيمة، فهو رجل من المسلمين وماله لأهل الإسلام، لأنهم أحرزوه قبل إسلامه، فهذا أمري وعهدي إليك». ومن هذه الأدلة ما رواه حبيب بن أبي ثابت أنه قال: «إن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وجماعة من المسلمين أرادوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسم الشام كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وإنه كان أشد الناس عليه في ذلك الزبير بن العوام وبلال بن رباح. فقال عمر رضي الله . عنه: إذن أترك من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم. ثم قال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه قال فرأى المسلمون أن الطاعون الذي أصابهم بعمواس كان من الله عنه ذمة يؤدون الخراج للمسلمين». وكما ترى، فإن هذه الأدلة وغيرها
دعوة عمر. قال: وتركهم
ق
عمر
رضي
عمر
رضي
كثير هي من عهد الخليفة عمر وتنتهي جميعها باجتهاده. فلم أجد مخالفاً بين الفقهاء على أن فعل الخليفة . الله عنه لم يكن إلا اجتهاداً منه توخياً للمصلحة. فيستنتج د. أبو يحيى مثلاً ليرجح المذهب القائل بالتخيير للإمام للمصلحة العامة: «وأن ما فعله عمر بن الخطاب في سواد العراق ليس دليلاً قاطعاً على أن أرض العنوة يجب أن توقف في جميع الأزمنة والأمكنة، بل إن ما فعله عمر قد جاء بناءً على اجتهاد منه، قوامه المصلحة».٥٣
۲۲۱
٤
الأراضي
ولكن السؤال المحير هو: إن كان تقسيم السواد هو اجتهاد من الخليفة عمر رضي الله عنه، وهو موضع الخلاف، فكيف يؤخذ به كمرجع للوصول للحكم؟ فمعظم الفقهاء يقولون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عمل بآية الأنفال، وأن الخليفة عمر قد عمل بآيات الفيء في سورة الحشر. وقد اشتهرت مقولة أبي عبيد (والتي ذكرتها سابقاً) لدرجة أنك تجدها في معظم الكتب ، إذ يقول: «وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آيةً من كتاب الله تبارك وتعالى فعمل بها [يقصد آية الغنيمة في سورة الأنفال]، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها [يقصد آية الفيء في سورة الحشر وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئاً». لذلك، لابد من النظر إلى آيات سورتي الأنفال والحشر.
عمر ر
إن أهم دليل لمن قال بعدم القسمة هو الرجوع لآيات الفيء في سورة الحشر لأنها هي ما اجتهد به الخليفة رضي الله عنه بعد أن استشار المهاجرين الأولين الذين اختلفوا فمن بين من أشار عليه بالقسمة عبد الرحمن بن عوف، ومن بين من أشار عليه بعدم القسمة عثمان وعلي وطلحة رضي الله عنهم. ثم استشار الخليفة عمر رضي الله عنه عشرة من الأنصار، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، ووضح لهم حاجة المسلمين للفيء بأن قال:
قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلماً، لئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم، وأعطيته غيرهم، لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم، وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية، يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين، المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم. أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها ، أرأيتم هذه المدن العظام، كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر، لابد لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم. فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج ؟ فقالوا جميعاً: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتُجرى عليهم ما يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم ...
.«..
أي أن أهم سبب لعدم قسمة السواد هو توفير ما يلزم من مال لحماية الثغور والمدن حتى ينتشر الإسلام ولا يفقد المسلمون ما افتتحوه من مدن. وقد أخرج أبو يوسف ما رواه الزهري أن عمر قال بعد أن استشار الصحابة:
«إني وجدت حجة، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، ... الآية، حتى فرغ من شأن بني النضير، فهذه عامة في القرى كلها. ثم قال : ﴿ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
*** هامش ***
ق) ومن هذه الأدلة مثلاً نهي الخليفة عمر رضـ رضي الله عنه شراء أرض وقالوا: اقسم الأرضين بين الذين افتتحوها كما تقسم غنيمة العسكر. العنوة. فعن عتبة بن فرقد قال: «اشتريت عشرة أجربة من أرض ذلك فأبي عمر عليهم، وتلا عليهم هذه الآيات [أي آيات الفيء في السواد على شاطئ الفرات لصيب أداوي، فذكرت ذلك لعمر، فقال: سورة الحشر] وقال: قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا اشتريتها من أصحابها؟ قلت: نعم. قال : رح إلي فرحت إليه ، فقال : يا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعد كم شيء. ولئن بقيت ليبلغن الراعي هؤلاء ! أبعتموه شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ابتغ مالك حيث وضعته». ومن بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه». وكمثال على الأدلة التي الأدلة أيضاً ما رواه أبو يوسف قال: «وقد سأل بلال وأصحابه عمر بن تنتهي باجتهاد عمر انظر مثلاً للاقتباس الطويل من كتاب «شرح الخطاب رضي الله عنه قسمة ما أفاء الله عليهم من العراق والشام معاني الآثار». ونظراً لطوله فقد وضعته في الحاشية (٥٢).
۲۲۲ 🗏
الْعِقَابِ﴾، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ . ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، فهذا فيما بلغنا – والله أعلم - للأنصار خاصة. ثم لم يرض حتى . خلط بهم غيرهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ، فكانت هذه عامة لمن جاء من بعدهم، فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعاً، فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم؟! فأجمع على تركه، وجمع خراجه» . *
٥٤
وألفت نظرك أخي القارئ لما ذكره أبو يوسف وأبو عبيد من النص السابق من أن الخليفة عمر رضي الله
عنه قال: «إني وجدت حجة»، وهذا مؤشر على أنه رضي الله عنه قد اجتهد، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر أثابه الله. وقد يكون مصيباً في اجتهاده لرجال وقته وظروفهم. إلا أن النفوس قد تغيرت من بعده. ولتوضيح ذلك لننظر لتفسير الآيات: لقد بين كل من الطبري والقرطبي وغيرهما أن الآية السادسة من سورة الحشر: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلَا رِكَاب .....﴾ نزلت في أموال بني النضير. والإيجاف هو الإيضاع في السير، وهو الإسراع. يقال: «وجف الفرس إذا أسرع». والركاب الإبل. فمعنى الآية كما لخصها العبادي من أقوال المفسرين «أن ما خول الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تُحصلوه بالقتال والغلبة، فلم تقطعوا إليه شقة، ولا لقيتم في سبيله حرباً ولا مشقة، ولكن سلطكم الله عليهم وعلى ما في أيديهم، كما كان يسلط رسله على أعدائهم، لذلك لا تجب قسمته قسمة الغنائم التي يقاتل عليها وتؤخذ عنوة وقهراً. فتمام الكلام وما أفاء الله على رسوله منهم لا حق لكم فيه، ولا حجة لكم عليه. وقد حذف اختصاراً لدلالة السياق عليه. ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد فتح أرض بني النضير صلحاً، وأجلاهم وأخذ أموالهم، فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم لهم هذه الأموال، فنزلت
هذه الآية».
٥٥
ثم بعد أن قررت الآية الكريمة هذا المعنى، جاء قوله تعالى في الآية السابعة: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ...﴾ ، ليقرر أن الفيء الله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل من المهاجرين والأنصار الحاضرين والذين يجيئون من بعدهم. وبالطبع فإن هذا التأويل يتعارض مع آية الأنفال، أي مع قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُول ...)، علماً أن آية الأنفال ليست منسوخة، فكيف المخرج لمن قال بعدم القسمة ؟ والإجابة هي: حتى لا تتعارض الآيتان ذهب الفقهاء الذين قالوا بعدم القسمة إلى فصل الآية السادسة ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ عن الآيات التي تليها في الأحكام. أي أن الآية السابعة وما بعدها ليست تفصيلية للآية السادسة، بل تضع حكماً مختلفاً. أي أن من ذهبوا إلى عدم قسمة الأراضي المفتوحة عنوة قالوا بأن حكم الآية السابعة مختلف عن حكم الآية السادسة. ولهذا يحتج بالآية السابعة فقالوا بالاستنتاج الآتي: «وهذا الحكم مخالف لحكم الآية الأولى [أي الآية لسادسة، واختلاف الحكم يقتضي أن الفيء الذي تحدثت عنه الآية الأولى يغاير الفيء الذي تحدثت
۲۲۳
٤
الأراضي
عنه
٥٦
نه الآيات التالية. ولما كانت الآية الأولى قد بينت أن الفيء هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، يكون الفيء في الآيات التالية هو ما أوجف عليه بخيل وركاب، وهو الغنيمة. فالآيات الكريمة هنا تقرر أن حكم الغنيمة وجود انتفاع المهاجرين والأنصار ومن يأتي بعدهم بها ، ولا يكون هذا الانتفاع إلا بوقفها على جماعة المسلمين، وفرض الخراج الدائم عليها، ذلك أنه به يكون الانتفاع الدائم». وهذا الاستنتاج مهم القسمة. لمن قال بعدم ة. فهو أهم دليل نصي لديهم (سواءً كان من القرآن الكريم أو السنة على عدم القسمة وهذا الدليل كما ترى أخي القارئ ليس نصاً مباشراً، بل تأويل استنتاجي . أي أنه ناتج من العقل الذي سيكون بالضرورة قاصراً إن جابه النص. ونظراً لأن هذا الاستنتاج السابق يتعارض، كما ذكرت مع ما قررته آية الغنيمة في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنْ لِلَّهِ خُمْسَهُ وَلِلرَّسُول ....﴾ والتي توجب قسمة الغنائم، كان لابد من الجمع بينهما، وكان ذلك بأن خصص من ذهب لعدم وجوب القسمة إلى تخصيص آيات الحشر بالأرض، وآيات الأنفال بالمنقولات. إلا أن هذا التخصيص يمكن الرد عليه كما ذكر العبادي «بأنه قائم على أن المراد بالفيء الغنيمة، وهو مخالف للمشهور من أن الفيء غير الغنيمة. فالفيء ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فهو ما يؤخذ من أهل الحرب بغير قتال، والغنيمة ما أوجف عليه بخيل وركاب، فهي ما أخذ من أهل الحرب بقتال». ولكن تأمل أخي القارئ: إن تمعنت فيما قاله من ذهب لعدم القسمة من فصل الآيتين في الأحكام لا تجد مرجعاً لذلك إلا الترجيح لفعل الخليفة عمر رضي الله عنه. هنا تأتي أهمية مقولة عمر رضي الله . عنه التي ذكرها أبو يوسف: «إني وجدت حجة». أي لا دليل هنالك لمن قال بعدم القسمة لهذا الفصل بين الآيتين إلا الاستناد على اجتهاد الخليفة. رضي الله عنه. أي أننا عدنا مرة أخرى لفعل الخليفة عمر رضي الله عنه كدليل.
OV
عمر
ثم إن هذا التأويل الذي فصل الآيتين سحب الفقهاء لخلاف آخر، لعدم اتفاقهم على فصل الآيتين في الأحكام. وما حدث هذا إلا لأن الآية السابعة ﴿ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى ...﴾ لم توضح هل الفيء أتى بقتال أو بغير قتال؟ فكان الخلاف بين الفقهاء كما وضحها الطبري وابن العربي: فذهبت طائفة، ومنهم قتادة، إلى أنها ملحقة بآية الأنفال (أي آية الغنيمة، وأن آية الأنفال قد نسختها. ويعتبرون أن قوله تعالى: ﴿ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ....﴾ هو كلام مبتدأ يتحدث عما أفاء الله على رسوله من أهل القرى بقتال، بينما الآية التي قبلها تتحدث عما أفاء الله على رسوله من أهل القرى بغير قتال. وقد رد ابن جرير هذا القول في تفسيره وعقب ابن كثير على قول قتادة بقوله: «وهذا الذي قاله بعيد، لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب». وذهبت طائفة ثانية إلى أن الآية السابعة ملحقة بآية الأنفال، إلا أنها محكمة وليست منسوخة، بل هي مخصصة لآية الأنفال ومفسرة لها ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من المنقولات، وبالتالي فالاستنتاج هو أن الأراضي لا تقسم. وذهبت طائفة ثالثة، وهي الأرجح كما سترى، والله أعلم، إلى أنها ملحقة بالآية الأولى (أي السادسة ولذلك فهي مال الفيء والصلح ، وبالتالي لا يقصد بها الغنائم.
بني
فقد
*** هامش ***
ر) يقول ابن العربي: «بيد أن الآية الأولى والثانية اشتركتا في أن كل ونحوه. ومن طائفة قالت: هي ملحقة بالثانية؛ وهي آية الأنفال. واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية والذين قالوا: إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا : هل هي منسوخة كما الأولى أنه حاصل بغير قتال واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال، تقدم أو محكمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالأولى أولى؛ لأن فيه تجديد وعريت الآية الثالثة وهي قوله: ﴿ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْل القُرى ...﴾ فائدة ومعنى. ومعلوم أن حمل الحرف على فائدة مجددة أولى من حمله عن ذكر حصوله لقتال أو غير قتال، فنشأ الخلاف منها على فائدة معادة. وهذا القول ينظم لك شتات الرأي ويحكم المعنى من هنا. فمن طائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله كل وجه ...»
(vo)
٢٢٤ 🗏
الله
صلی
۵۹
قال الزمخشري: «لم يدخل ناطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها، بأن بين لرسول الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم، مقسوماً على الأقسام الخمسة». وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «وينبغي أن تعلم أن من قال: إن آية الفيء وآية الغنيمة محمولان على الخيار، وأن آية الفيء ناسخة لآية الغنيمة أو مخصصة لها .. أنه قول ضعيف جداً، إلا أن يكون اسم الفيء والغنيمة يدلان على معنى واحد، فإن كان ذلك فالآيتان متعارضتان، لأن آية الأنفال توجب التخميس، وآية الحشر توجب القسمة دون التخميس، فوجب أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى، أو يكون الإمام مخيراً بين التخميس وترك التخميس، وذلك في جميع الأموال المغنومة. وذكر بعض أهل العلم أنه مذهب بعض الناس وأظنه
حكاه على المذهب».."
وإن تأملت ما سبق فستلحظ مدى الاختلافات التي أدى إليها فصل الآيتين السادسة والسابعة في الأحكام عن بعضهما. وهذا لا يعقل وبالذات في مسألة اقتصادية كبرى كهذه، فالقرآن الكريم دقيق في معانيه. وبالطبع لا يمكن لنا أن نلوم من سبق من الفقهاء لأنهم اعتقدوا أن وقوع الأراضي المفتوحة عنوة في أيدي الغانمين ضرر على مجموع الأمة لأنها ستؤدي الحرمان من لم يغنم فهم لم يعيشوا ليروا ما نراه الآن من أن التقسيم سيضع لكل أرض مالكاً يهتم بها وبهذا سيزداد العطاء لمجموع الأمة. وقد ترددت كثيراً في طرح الآتي لأنني لست فقيهاً. إلا أن ما ذهب إليه الفقهاء، مثل الشافعي وغيره هو الذي طمأنني لشرح الآتي. وأرجو أن تسأل الله لي المغفرة إن أخطأت. فالمسألة ليست سهلة، بل هي تغيير مفصلي سيؤثر في تركيبة الأمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إن عُمل به.
إن هناك عبارتين مهمتين في آيتي الأنفال والحشر قد تعينان على توضيح المسألة. ففي آية الأنفال ذكرت عبارة ﴿من شَيْء﴾ في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ ...﴾؛ وفي المقابل، في الآية السابعة من سورة الحشر ذكرت عبارة مِنْ أَهْل الْقُرَى في قوله تعالى:﴿ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْل القُرَى ....﴾ وعبارة ﴿من شَيْء﴾، كما انتبه إليها من قال بوجوب القسمة، تعني كل شيء بما فيها الأراضي، وسيأتي بيانها بإذنه. أما عبارة ﴿مِنْ أَهْل الْقُرَى﴾ والتي لم يلتفت إليها الفقهاء (وقد تكون مذكورة ولكنني لم أقف على تفسيرها)، فهي مفتاح لفهم الآية السابعة من سورة الحشر. فالآية توضيح لوجوه صرف أموال الفيء، وهي مصارف خمس الغنائم نفسها (أي الله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، لذلك وقع الخلط، والله أعلم. ثم الآيات التي تليها تشمل مصارف جميع الأطياف من المسلمين، فهي للفقراء المهاجرين والأنصار ولمن جاء من بعدهم. فكيف يقسم الفيء على هذه الأصناف كالأنصار مثلاً وهم في المدينة المنورة إلا إن تركت الأموال وبالذات غير المنقولة في أيدي أصحابها الذين كانوا فيها. وهذا لا يتم إلا بأخذ الفيء ممن يعملون في القرى. أي من إنتاج من يعمل في الأرض وباستمرار، أي ﴿مِنْ أَهْل الْقُرَى﴾ ، لكن هذا ليس دليلاً على عدم التقسيم كما ذهب بعض الفقهاء، ولكنه أقرب لأن يكون دليلاً على أن الآية السابعة لابد وأنها أتت لبيان تقسيم الفيء، والفيء يختلف عن الغنيمة بالإجماع ودون استثناء. فالفيء معلوم بأنه المال المتدفق باستمرار لبيت المال كما سنوضح في الفصل بعد القادم بإذنه. أما الغنيمة فتنتهي في ملكيتها لتقع في أيدي الغانمين فالآية السابعة بهذا هي آية مخصصة للفيء ولا علاقة لها بالغنائم. وبذلك فهي ملحقة بالآية السادسة كما قال من ذهب لوجوب التقسيم. وعندها يستقيم المعنى ولا تظهر الاختلافات بين الأقوال. ومما يؤكد هذا الاستنتاج هو وجود عبارة ﴿من شَيْء﴾ في آية الأنفال والتي تعني
٤
الأراضي
٢٢٥
كل شيء منقول وغير منقول كالأراضي (كما سيأتي بإذن الله). وإني أتعجب من بعض الأقوال التي ذهبت في التأويل إلى أن آية الأنفال إما منسوخة ولم يثبت ذلك أو أنها لا تشمل الأراضي برغم وجود عبارة ﴿من شَيْء﴾. فأين نذهب من قوله تعالى ﴿من شَيْء﴾؟ فهذا نص جلي. ومما يؤكد هذا المعنى هو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا﴾. فتأمل قوة التعبير والتوجيه بربط المفاهيم بوضوح شديد في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾. فهي عبارة موجهة وآمرة ومحددة ولا تحتمل أي تأويل آخر. فعند الربط بين ﴿وَاعْلَمُوا﴾ و ﴿من شَيْء﴾ يتضح التضاد في المعنى مقارنة بما يقابله من قوله تعالى: ﴿ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى﴾، فتدبر الآيتين.
ومن جهة ثانية، فإن وجود ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ....﴾ مؤشر على أن المقصود بالآية الفيء وليست الغنيمة التي أخذت بالقوة. يقول الطبرى مفسراً: «يقول جل ثناؤه: وجعلنا ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى لهذه الأصناف، كيلا يكون ذلك الفيء دولة يتداوله الأغنياء منكم بينهم، يصرفه هذا مرة في حاجات
.
...
نفسه، وهذا مرة في أبواب البر وسبل الخير، فيجعلون ذلك حيث شاؤوا، ولكننا سننا فيه سنة لا تغير ولا تبدل». ٦١ وقد ذهب اعتقاد البعض أن هذا يعني حفظ الأموال في بيت المال حتى تصرف لليتامى والمساكين وابن السبيل لأنها إن قسمت بين الغانمين فستصبح دولة بين الأقوياء في الجهاد فيصبحوا الأغنياء في المجتمع. وهنا لابد من توضيح مهم، فالمسألة هي العكس تماماً. فقد رأينا في تاريخ الدول الإسلامية المتعاقبة أن حفظ أموال الفيء في بيت المال أصبح دولة بين الأغنياء. فقد استبد بها السلاطين ومن حولهم. أما إن قسمت الأموال مباشرة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأصناف التي ذكرتها الآية دون حفظها في بيت المال (كما سنوضح في فصل «دولة الناس» بإذن الله فلن تكون الأموال دولة بين الأغنياء. وفي هذا تأكيد على أن الآية السابعة إنما تقصد الفيء وليس الغنائم التي تقسم. ومما يؤكد هذا هو الربط بآية الأنفال التي تدعو لقسمة أربعة أخماس الغنائم بين الغانمين والخمس بين مستحقيها وذلك لأن التقسيم يمنع تمركز الأموال في جهة واحدة كبيت المال ليستبد بها الحكام. فوقوع الأموال في أيدي المجاهدين سينقسم بين أبنائهم وأبناء أبنائهم بالوراثة عبر الزمن، وهكذا تتوزع الثروة أكثر وأكثر. وبهذا تزداد نسبة الملاك في المجتمع. وقد تسأل: وماذا عمن لم يغنموا، فقد حرموا؟ فأقول: إن باب الجهاد لا زال مفتوحاً، والثغور كثيرة، وبلاد الكفر لا تزال تنتظر المجاهدين. فالقول بأن السواد غنيمة كبرى لابد لها من أن تسع المسلمين أدى لتثبيط الجهاد لأن أهم دافع للجهاد بعد تمني الاستشهاد، ألا وهو كسب الغنائم، قد توقف بعد عهد الخليفة عمر، فقد كان رضي يقسم المنقولات من الغنائم، وكذلك سار على نهجه خليفتاه من بعده عثمان وعلي رضي الله عنهما، ثم أتى من بعدهم الحكام الذين أوصدوا هذا الباب شيئاً فشيئاً حتى أمسى الجهاد من خلال جيش نظامي كما هو حالنا اليوم فانعدم الدافع للجهاد. لذلك لم ينجذب للقتال إلا القلة المؤمنة، أو الكثرة التي استأجرتها الدول للقتال من خلال الأعطيات الدورية. وشتان بين من يندفع للقتال وبين من يُدفع إليه. وبهذا أصبحت ثغور المسلمين عرضة للاختراق. أي أن عدم تقسيم السواد أدى لنتيجة عكسية، فبدل الاستفادة من الأموال لحماية الثغور ، أصبحت الثغور سهلة الاختراق. وهذه مسألة مهمة سنوضحها لاحقاً بإذنه تعالى.
الله
عنه
ولتوضيح الاستنتاج السابق بأن الآية السابعة من سورة الحشر لا تتعلق بالغنائم أقول: إن آيات سورة الحشر تبين أن جميع البلدان التي تفتح دون إيجاف خيل ولا ركاب تكون مصارفها ما تم ذكره في الآيات، فهي توضيح لوجوه صرف أموال الفيء (وسنوضحها بإذن الله). ويأتي هذا الاستنتاج من الآتي: لقد كانت مسألة أحقية الغانمين
٢٢٦ 🗏
عز
وجل نبيه
كعرف واضحة لدرجة أن المسلمين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم تقسيم أموال بني النضير لمجرد قتال بسيط كان بين المسلمين واليهود، فنزلت الآية: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رَكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ ....﴾ فيقول القرطبي مفسراً: وقيل: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم؛ فبين الله تعالى أنها فيء وكان قد جرى ثُم بعض القتال، لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا، ثم صولحوا على الجلاء. ولم يكن قتال على التحقيق، بل جرى مبادئ القتال وجرى الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم . وقال مجاهد : أعلمهم الله تعالى وذكرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كراع ولا عدة». وقال الطبري واصفاً: «أمر الله . بالسير إلى قريظة والنضير وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب ... فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسمها، فأنزل الله عز وجل عذره، فقال: ﴿مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى ...﴾». وقد كانت ديار بني النضير تبعد عن المدينة ميلين، فمشى المسلمون إليها مشياً ولم يركبوا خيلاً ولا إبلاً. فتأمل هذا الوضع الذي نزلت فيه آية تذكر المسلمين بعدم المطالبة بالغنائم لأنها فتحت دون قتال كما هو معروف في معظم كتب السلف. لذلك توضح الآية أنها فيء للمسلمين. أي أن المفهوم الذي كان سائداً هو القسمة وكأنها عرف مسلم به بين المسلمين. فأتت الآية لتبين أن هذا المفهوم يكون سائداً فقط إن كان الفتح بالقتال. أما إن لم يكن بقتال فهو فيء. وفي هذا تأكيد على استمرارية حكم آية الأنفال (الغنائم) التي تقتضي القسمة بعد القتال لكل شيء مغنوم
.
٦٢
بما فيها الأراضي. ومما يؤكد السابق هو ذهاب بعض العلماء (كما وضح العبادي إلى أن آيات سورة الحشر لا علاقة لها بالأراضي المفتوحة عنوة، ذلك لأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالأراضي كاف في إثبات حكم قسمة الأرض المفتوحة عنوة فهو يستنتج الآتي: وعليه فمجموع الآيات الكريمة جاء لبيان أن أموال الفيء حكمها الله ولرسوله، ومصارفها ما بينته من وجوه، وهو غير ما بينته آية الأنفال، فآيات الحشر مختلفة في الموضوع عن آية الأنفال، وبذلك يظهر أن آيات الحشر ليست مخصصة لآية الأنفال كما قال الآخرون». لذلك فقد ناقش من قال بوجوب فعل الخليفة عمر رضي الله عنه وقالوا بأنه ما فعل ذلك إلا بعد أن استطاب أنفس الفاتحين. وهناك شواهد على أن الله عنه كان قد استطاب أنفس الغانمين. فرغم ما ذكر من أن بلال بن رباح كان أكثر الصحابة تمسكاً رضي بحقه في القسمة، وورد أنه هو ومن شاركه الرأي قالوا للخليفة عمر: «أتقف ما أفاء الله بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولأبناء القوم ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا ؟» إلا أنه من الصعب التصديق بأن بلالاً وأصحابه لم يرضوا طمعاً في مال، بل إن موقفهم لم يكن إلا لإظهار الحق. فاقتتال الصحابة مثلاً فيما
عمر
رضي
الله
عنه
٦٣
القسمة
بحكم الخليفة عمر بينهم في الفتنة الكبرى بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه لم يكن طمعاً في حكم أو مال. فمنهم مثلاً الزبير بن العوام وعمار بن ياسر وغيرهم كثير من أكابر الصحابة كما هو معلوم. بل إصرارهم لطلب الحق أدى لاختلافهم عنهم. وكذلك هنا.
رضي
عبد
الله
الله
ودليل من قال أن عمر رضي الله عنه استطاب أنفس الغانمين هو ما ذكره الشافعي بسنده عن جرير بن قال: «كانت بجيلة ربع الناس ، فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين .. أنا شككت فلانة ابنة فلان، إمرأة منهم لا يحضرني ذكر اسمها، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
البجلي
ثم قدمت على عمر، ومعي
٤
الأراضي
۲۲۷
لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس». قال الشافعي: «وكان حديثه: وعاضني من حقي نيفاً وثمانين ديناراً، وكان في حديثه: فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلمه حتى تعطيني كذا أو تعطيني كذا، فأعطاها إياه ...». . ثم استمر في قائلاً: «وفي هذا الحديث دلالة، إذا أعطى جريراً البجلي عوضاً من سهمه، ء، والمرأة عوضاً عن سهم أبيها؛ أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه، فتركوا حقوقهم، فجعله وقفاً للمسلمين .. وهذا حلال للإمام لو افتتح اليوم أرض عنوة فأحصى من افتتحها وطابوا نفساً عن حقوقهم منها؛ أن يجعلها الإمام وقفاً وحقوقهم منها ... ويوفي أهل الخمس حقوقهم، إلا أن يدع البالغون منهم حقوقهم
عنه
٦٤
غير أن من ذهبوا لعدم وجوب القسمة ردوا ما استدل به الشافعي من أن عمراً استطاب أنفس الغانمين، وقالوا أن ما قاله الشافعي مبني على أن عمر قد قسم السواد بين الغانمين، فكان لقوم بجيلة ربع السواد. وأن الأمر ليس كذلك. إنما جعل عمر لهم ربع السواد نفلاً قبل القتال، ولما رأى بعد القتال كثرة ما ناله قوم بجيلة أراد أن يستنزلهم . ، برضاهم. ويأتي هذا الاستنتاج من كتاب أبو عبيد الذي قال: «فاحتج قوم بفعل عمر هذا .. قالوا : ألا تراه قد أرضى جريراً والبجلية وعوضهما. وإنما وجه هذا عندي أن عمر كان نفل جريراً وقومه ذلك نفلاً قبل القتال، وقبل خروجه إلى العراق، فأمضى له نفله، وكذلك يحدثه عنه الشعبي ..» ولكن لاحظ أن الشافعي قد توفي سنة ٢٠٤ هـ، أما أبو عبيد فقد توفي سنة ٢٢٤ هـ. . أي أن الشافعي هو الأقرب زماناً لما حدث في السواد. ومن جهة أخرى، كيف يعقل أن ينفل الخليفة عمر بن الخطاب، وهو الشديد في الحق، قوماً (أي بجيلة) شيئاً من الغنيمة قبل القتال. لهذا «فلعل » ما قاله الشافعي من أن الخليفة عمر الله. رضي عنه قد استطاب أنفس الغانمين هو الأرجح.
ومن هذا الذي سبق تستنتج أن المسألة سجال في الإتيان بالأدلة بين من قالوا بالقسمة ومن خالفوهم. فتأمل الخلاف حول اتفاق الصحابة واختلافهم كمثال أخير: كانت الإجابة على من رأى القسمة أن حكم الأراضي غير مأخوذ من آية الأنفال، وإلا فكيف يخالف عمر بن الخطاب ومن تبعه من الصحابة نص القرآن إلا لأنهم رأوا أنه الأصلح للمسلمين. وقد وضح ابن رجب قائلاً: «وأما ما روي عن الزبير رضي الله عنه من طلب قسمة أراضي مصر، عنه من طلب قسمة أراضي الشام، فذاك إنما يدل على جواز قسمته لا على أنه لا يجوز غير ذلك القسمة لم ينكروا عليه، ولا قال أحد منهم إنما ذلك غير جائز، أو أنه
وعن بلال رضي
الله
.. ولهذا لما أبى عمر رضي الله عنه عليهم
مخالف لكتاب الله عز وجل». وفي الوقت ذاته ناقش من قال بقسمة سواد العراق الاستدلال بفعل عمر
عنه
الله
رضي بأن عدداً . من الصحابة قد خالفوه، وقالوا بأن ليس بعض الصحابة أولى من بعض في الاتباع. لذلك فإن اختلفوا في أمر فإنه يرد إلى الله ورسوله بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ
*** هامش ***
ش) وقد بين ابن رجب إمكانية الإجابة عن حديث جرير بجواب القسمة لا تجوز كمالك ومن وافقه، ثم أن قصة جرير مع عمر رضي آخر غير الذي ذكره أبو عبيد بقوله: «إنا نسلم أن جريراً وقومه من الله عنه تدل على أن القسمة غير واجبة، لأن عمر رضي الله عنه لم بجيلة قسم لهم عمر رضي الله عنه ربع السواد، لكونهم ربع المقاتلة، يقسم بقية السواد بين الغانمين، ولم يستطب نفوس بقية الغانمين ممن فإن الإمام يجوز له أن يقسم الأرض بين الغانمين، وأن لا يقسم، كما يقسم لهم، فلو كانت الأرض حقاً ثابتاً للغانمين جميعهم، لاحتاج سبق تقریره، فلما قسم لهم عمر رضي الله عنه ذلك ملكوه بالقسمة عمر رضي الله عنه إلى استطابة نفوس الغانمين جميعهم، من قسم لهم ... ثم رأي . عمر رضي الله عنه أن ترك السواد كله فيئاً أصلح ومن لم يقسم، فلما استطاب نفوس من قسم لهم خاصة دل على أن من للمسلمين، فاحتاج إلى استرضائهم وتعويض من لم يرض بترك حقه لم يقسم له لا حق له ثابت حتى يحتاج إلى استطابة نفسه. وأن مما ملكه بغير عوض، وهذا واضح لا إشكال فيه على قول من يرى المقسوم له كان له حق، وقد ملكه بالقسمة ..» (٦٥).
الإمام مخير بين القسمة وتركها ... وإنما يشكل على قول من يرى أن
۲۲۸ 🗏
٦٦
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، وأن نص القرآن في هذا الصدد هو : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُمْسَهُ ﴾." غير أن الشواهد التاريخية كما رأينا من نقصان خراج السواد وأدلة من ذهبوا لوجوب القسمة (إن لم يرض الغانمون) هي الأقوى إن لم نُدخل في المعادلة أقوال الفقهاء المتأخرين. فلأن الوضع المعاصر المبني على ضرورة وجود دولة تتطلب أموالاً طائلة للقيام بمهامها، هو ما فرض نفسه علينا، فقد اجتهد الفقهاء المتأخرون وذهبوا إلى دفع الأموال للدولة، ومن بينها اجتهادهم بإبقاء الأراضي المفتوحة عنوة في يد الدولة حتى تكون غلتها مادة تعين الحكومات على مسؤولياتها كالصحة والتعليم ونحوهما. وهذا توجه ذهب إليه معظم المعاصرين سواء كانوا من السنة أم الشيعة. فمحمد باقر الصدر مثلاً ذهب في كتابه «اقتصادنا» إلى تمليك الدولة للأراضي التي فتحت عنوة. وهو في كتابه يحمل السلطان الكثير من المسؤوليات والمهام لاعتقاده أن فيه المصلحة. وكذلك فعل معظم فقهاء السنة المعاصرين الذين رجحوا تخيير الإمام بين قسمة الأرض أو عدمها أو تأجيرها أو نحوها من قرارات تعكس المصلحة العامة. ولكن يبقى السؤال: هل يعلم الإمام أو أحد غيره من البشر المصلحة العامة؟ هنا نعود لما قلناه في فصل «قصور العقل» إلى استحالة ذلك في القضايا الاقتصادية والعمرانية. وكما سترى فإن ما يناط بالدولة من مهام في عصرنا الحالي سيتمكن المجتمع من القيام بها دون السلطات في ظل مجتمع ذو تركيبة اقتصادية سياسية مختلفة عن دولنا المعاصرة. لذلك وجب اتباع السنة والتي قسمت الأراضي المفتوحة عنوة. وهناك أربعة أدلة قوية لمن قالوا بوجوب القسمة. وسأذكرها الآن مع ردود من ذهبوا لعدم القسمة حتى يتسنى لك الحكم أخي القارئ.
إن الدليل الأول لمن قال بوجوب القسمة إن لم يرض الغانمون هو عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقالوا بأن الآية الكريمة أضافت الغنيمة للمقاتلين وعممتها بقوله سبحانه وتعالى: مَن شَيْءٍ. وهذا حكم شامل لكل شيء سواء كانت الغنائم أرضاً أم من المنقولات. وما يؤكد هذا هو أن شَيْءٍ كما يقول ابن رجب: « نكرة في سياق النفي فيعم كل ما يسمى شيئا». وقد بينت الآية مصرف الخمس وسكتت عن الباقي مما يعني أنها للغانمين وإلا لم يصح السكوت في مقام الحاجة إلى البيان. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ، حيث أضافت الآية الكريمة
الميراث للأبوين ثم بينت أن الثلث للأم وسكتت عن الباقي، مما يدل على أنه للأب، وإلا لما صح السكوت." وقد ناقش الفقهاء الذين لم يقولوا بوجوب القسمة هذا الدليل وردوا بأن الأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها، بل هي فقط الأنعام وغيرها من المنقولات خاصة بدليل أن الله تعالى لم يحل الغنائم لأمة غير هذه الأمة. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه: (أعطيت خمساً ... وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي .... وقد كانت إجابة من قال بالقسمة «بأن الأرض داخلة في مسمى الغنيمة، ذلك أنها مال قد أوجف عليه بالخيل والركاب، ولكنها لم تكن داخلة في الحديث، لأن هناك قرينة أخرجتها من معنى الحديث، وهي ما قررته الآيات من أنها أحلت للأمم السابقة. أما في آية الأنفال فهي داخلة في مسمى الغنيمة، لعدم وجود قرينة تمنع من ذلك. ومما يؤكد هذا أن الأسارى يسمون غنائم رغم أنهم لم يدخلوا في الحديث السابق لأن الأمم السابقة كانت تغتنم الأسارى وتسترقهم أو تقتلهم
۷۰
٤
الأراضي
۲۲۹
إلا أن من ذهب لعدم القسمة رد الحجة السابقة بالآتي: لقد اتفق عموم الفقهاء على خروج السلب والأسارى من حكم آية الأنفال، فالسلب لقاتله كما هو معلوم، سواءً كان ذلك برأي الإمام، كما قال بعض الفقهاء، أم بإثبات الشارع كما قال البعض الآخر. أما الأسارى فقد خير الإمام فيهم بين المن أو القتل أو الاسترقاق. هذا يستدل من ذهب لعدم القسمة بأن آية الأنفال لا تعم كل شيء، وأن الأرض لها حكم خاص، كما أن للسلب والأسارى أحكاماً خاصة.
ومن
وبالطبع، فبالإمكان الرد على هذا بالقول الآتي: إن السلب غنم مباشرة عند القتل وليس غنيمة بعد انتهاء المعركة، فهو يخرج من الغنيمة. ومن جهة أخرى، فإن الخطاب بقول الحق جل وعلا: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ موجه للجماعة، والسلب غنيمة للفرد القاتل، وشتان بين الخطابين وبالتالي المعنيين. أما الأسارى فهم خارجون من الآية بنص الآية لأنهم ليسوا شيئاً كالمنقولات والأراضي. فلا أرى وجهاً هنا لما قالوه، والله أعلم.
أما الدليل الثاني لمن قال بالقسمة فهو قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْل الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا الله وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. وكما هو واضح، فقد سوت هاتان الآيتان الكريمتان بين الأرض وغيرها من الأموال. وقد جاء في المحلى التوضيح الآتي: «فعلى ذلك فلا يجوز أن نفرق في الحكم بين ما صار إلينا من أهل الحرب من مال وبين ما صار إلينا من أرض " وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. «يقتضي إيجاب ملكها للفاتحين، فلا يجوز للإمام أن يخرجها من أيديهم .. إلا باستطابة أنفسهم». وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَمئُوهَا﴾ هي «وعد للغانمين بأنهم سيرثون أرضاً لم تطأها أقدامهم، وهي أرض فارس والروم، فلا يجوز أن يمنعوا مما جعله الله لهم، ووعدهم إياه. إلا إذا رضوا بذلك وطابت نفوسهم».
وقد رد هذا الدليل من قال بعدم القسمة بالقول بأن التقسيم قد حدث مع بني قريظة، وحصول التقسيم في حالة معينة لا يعني ضرورة حصوله مع غيرها. وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾، فهذا يعني أن المسلمين سيورثون أرضاً لم تطؤها أقدامهم، «والوراثة لا تقتضي إيجاب الملك، بل قد تعني الظهور والغلبة، وإن كانت تقتضي الملك فقد حصل في بعض الأراضي، وهذا يكفي. لأن الآية تذكر أرضاً واحدة لا جميع الأراضي».۷۲ وبالإمكان الرد هنا بأن القول أن التقسيم في حالة معينة لا يعني ضرورة حصوله مع غيرها) ليس حجة مقنعة، لأننا نتعامل مع أناس يقاتلون، وفي كل معركة أو فتح يتغير المسلمون المشتركون في المعركة، فلماذا يختلف الحكم فيما بينهم. فيعطى لطائفة و ويمنع أخرى!! والله أعلم. ونفس هذا المنطق ينطبق على قولهم أن الوراثة لا تقتضي الملك، وإن كانت فقد حصلت في بعض الأراضي، وأن هذا يكفي!! فهذا أيضـاً قـول عجيب. فكيف يكفي والمجاهدون يختلفون من موقعة لأخرى؟ فهل في هذا عدل؟ فإن كان نفس المجاهدين في نفس المنطقة ونفس الزمان فإن الكفاية تكون معقولة؛ أما أن يعمم الحكم على كل الأزمان فهذا أمر لابد وأن يرده علماء الشريعة لأن
*** هامش ***
ت) ويقول العبادي أنه من المعلوم أنه سبحانه وتعالى قد أحل ديار الكفار وأرضهم للرسل وأتباعهم في الماضي. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُلُوكًا وَءَاتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ . وقال سبحانه وتعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾. ومن هذا يستنتج من قال بعدم القسمة أن له الأرض ليست من جملة الغنائم فلا يشملها حكم آية الأنفال إذاً (٦٩).
۲۳۰ 🗏
الهدف هو الحث على الجهاد، فإما الشهادة أو النصر والغنيمة. وفي قولهم هذا إيقاف للغنيمة لأن التقسيم يكون مرة ولا يكون في مرات أخرى!! أي أن بعض المجاهدين لن يأخذوا حقهم. فأين الكفاية في قولهم «وهذا يكفي» وبالذات للمجاهدين من أجيال قادمة؟ والله أعلم.
۷۳
والدليل الثالث هو ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه إذ قال: «افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط » وفي هذا دلالة على أن الحوائط تعتبر داخلة في الغنيمة، وهي الضياع والبساتين، وهي مخمسة بنص القرآن الكريم، والمخمس مقسوم بلا خلاف. وقد كان رد من ذهبوا لعدم القسمة على هذا الحديث أنه لا يدل على أكثر من أنواع الغنيمة التي غنمت في خيبر، أما ما فعل بهذه الغنائم
VE
.. إنما
فيستفاد من نصوص أخرى. وهذا أيضاً رد ضعيف. فما ورد في صحيح البخاري من قول أبي هريرة: «... غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، واضح ولا يحتمل التأويل. فأبو هريرة رجل حديث ولابد وأنه كان حريصاً فيما يقول، وإلا لوضّح وفَصَلَ الحوائط إن لم تكن داخلة في القسمة. وبالإمكان إضافة دليل آخر عن خيبر من القرآن الكريم حول ما أخرجه البخاري وهو قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَف أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. فقد ذهب معظم المفسرين بأن المقصود بالغنائم في الغالب ما أخذ من خيبر. فيستنتج الطبري مثلاً بعد سرد الأقوال: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد: وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر». يقول الطبري في تأويل الآية:
«يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ﴾، أيها القوم ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ . اختلف أهل التأويل في هذه المغانم التي ذكر الله أنه وعدها هؤلاء القوم، أي المغانم هي؟ فقال بعضهم: هي كل مغنم غنمها الله المؤمنين به من أموال أهل الشرك من لدن أنزل هذه الآية على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا ... ، عن مجاهد، قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ قال : المغانم الكثيرة التي وعدوا: ما يأخذونها إلى اليوم. وعلى هذا التأويل يحتمل الكلام أن يكون مرادا بالمغانم الثانية المغانم الأولى، ويكون معناه عند ذلك، ﴿فأثابهم فتحاً قريباً﴾، ومغانم كثيرة يأخذونها، وعدكم الله أيها القوم هذه المغانم التي تأخذونها، وأنتم إليها واصلون عدة، فجعل لكم الفتح القريب من فتح خيبر. ويحتمل أن تكون الثانية غير الأولى، وتكون الأولى من غنائم خيبر، والغنائم الثانية التي وعدهموها من غنائم سائر أهل الشرك سواهم. وقال آخرون : هذه المغانم التي وعد الله هؤلاء القوم هي مغانم خيبر . ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، قال : يوم خيبر ، قال : كان أبي يقول ذلك. وقوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، اختلف أهل التأويل في التي عجلت لهم، فقال جماعة : غنائم خيبر والمؤخرة سائر فتوح المسلمين بعد ذلك الوقت إلى قيام الساعة. ذكر من قال ذلك : ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ، قال : عجل لكم خيبر. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَعَجَلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ، وهي خيبر. وقال آخرون : بل عنى بذلك الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبين قريش. ذكر من قال ذلك : عن ابن عباس ﴿فَعَجَلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ، قال : الصلح . وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد: وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة
...
6...
۲۳۱
٤
الأراضي
من مغانم خيبر، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة، ولم يفتحوا فتحا أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها. وأما قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾، فهي سائر المغانم التي غنمهموها الله بعد خيبر كغنائم هوازن، وغطفان، وفارس، والروم. وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر، لأن الله أخبر أنه عجّل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى مكة، ولما علم من صحة نيتهم في قتال أهلها، إذ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفروا عنه، ولا شك أن التي عجلت لهم غير التي لم تُعجل لهم .
Vo
أليس في قوله تعالى: ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ إشارة واضحة على أن الأراضي داخلة في قسم الغنائم. فكيف تكون المغانم كثيرة إن كانت من المنقولات فقط دون الأراضي ؟ إن الذي قال ﴿كَثِيرَةً﴾ هو الكريم المعطي الواهب الوهاب. ثم إن وضعتها في سورة الفتح لأيقنت أن الأراضي داخلة في القسمة. وقال ابن كثير في تأويل الآيتين: «قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، هي جميع المغانم إلى اليوم ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ، يعني فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ، يعني صلح الحديبية ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾، أي لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم. ﴿وَلتَكُونَ ءَايَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي يعتبرون بذلك، فإن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، و إن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال عز وجل: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾» ، أي : بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله صلى الله عليه وسلّم. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ، أي وغنيمة أخرى وفتحاً آخر معيناً لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسره رها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي خيبر، وهذا على قوله عز وجل: ﴿فَعَجَلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ، إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال قتادة : هي مكة واختاره ابن جرير، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري : هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك الحنفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ ، قال : هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم».
٧٦
والدليل الرابع لمن قال بالقسمة هو الحديث الذي أخرجه كل من الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي
VV
هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها الله وللرسول ثم هي لكم. وقال ابن رجب: «قال ابن مشيش: سألت أحمد عن هذا الحديث ما معناه، قال: أيما قرية كانوا فيها ففتحوها فسهمكم فيها . قلت : فهذا خلاف ما حكم عمر رضي الله عنه، قال: أي لعمري». وفي هذا الحديث كما يقول من ذهب للقسمة: «التصريح بأن الأرض المغنومة تكون للغانمين، حكمها حكم سائر الأموال التي تغنم؛ ... » .. وقال ابن حزم رحمه الله في المحلى معلقاً: «وهذا نص جلي
۷۸
۷۹
لا محيص عنه». وقد رد من قال بعدم القسمة على الحديث أن الإقامة قد تعني إحياء الموات ! فهل هذا رد منطقي؟ ٨٠
۲۳۲ 🗏
والظاهر هو أن معنى الحديث السابق كان مشهوراً، فقد ذكر في معظم كتب الحديث والتفسير وبألفاظ
مختلفة. فقد جاء في تفسير الطبري عن قتادة قوله في تفسير : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ...﴾ الآية، يقول: ما قطعتم إليها وادياً ولا سرتم إليها سيراً، وإنما كان حوائط لبني النضير طعمة أطعمها الله رسوله ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أيما قرية أعطت الله ورسوله فهي
۸۲
۸۱
لله ولرسوله، وأيما قرية فتحها المسلمون عنوة فإن الله خمسه ولرسوله وما بقي غنيمة لمن قاتل عليها». كما أن البيهقي أخرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما قرية افتتحها الله ورسوله فهي الله ولرسوله، وأيما قرية افتتحها المسلمون عنوة فخمسها الله ولرسوله، وبقيتها لمن قاتل عليها). «والقرية [كما يقول العبادي أثابه الله] أرض ودور، وإن كان يتبعها المتاع والمنقول». وقد كان رد من رأى عدم القسمة أنه على الرغم من أن هذا نصاً إلا أنه معارض لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم بخيبر ومكة، فلابد من الجمع بين القول والفعل. غير أن من ذهب للقسمة قال بأن هذا الحديث عام وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوص بجواز تـرك قسمة الأراضي دون سائر الأئمة من بعده، فيجب على الحكام التقسيم أخذاً بهذا الدليل وغيره. ورد على هذا من قال بعدم القسمة بأنه لا دليل على تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فخصوصيته عليه السلام بأمر من الأمور لابد لها من دليل. وهنا لابد لي من التوضيح الآتي:
فقد
۸۳
بعدم
لأن مكة المكرمة لم تقسم وبقيت في أيدي أهلها، فقد استدل من قال القسمة بأنها فتحت عنوة ولم تقسم. وبهذا فهي دليل من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم القسمة وهو مخالف للحديث السابق، فلابد من الجمع بين القول والفعل كما يقولون. ومن المعروف فإن هناك خلاف بين الفقهاء على فتح مكة، هل فتحت عنوة أم لا؟ فمن قال أنها لم تفتح عنوة، قال بخصوصيته صلى الله عليه وسلم في عدم القسمة. لكن المشهور هو أن مكة فتحت عنوة لأنها أحلت للرسول صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار. وبغض النظر عن هذه الخلافات فثمة عمق واتفاق لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال. فهو عندما لم يقسم مكة، سواءً كانت غنيمة أم لم تكن (أي فتحت صلحاً أو عنوة)، لم يضع العقارات في يد الدولة، بل في أيدي أصحابها، وكذلك في الفيء، قسم صلوات ربي وسلامه عليه أموال بني النضير على المهاجرين ولم يدفعها لبيت المال. ففي تفسير الطبري أن الزهري قال: «فكانت بنو النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة لم يفتحوها عنوة، بل على صلح، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين لم يعط الأنصار منها شيئاً، إلا رجلين كان بهما حاجة». وكذلك خيبر فقد قسمت كما تشير أكثر الروايات. ولعل أهم دليل على هذا . هي مقولة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال كما جاء في صحيح البخاري: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر». كما روى أحمد أن الخليفة عمر رضي الله عنه قال: «لأن عشت إلى هذا العام المقبل، لا تفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفي هذين القولين دليل قوي على أن خيبر قد قسمت، وذلك لأن الخطاب صادر من الخليفة عمر نفسه الذي لم يقسم السواد. لأنها إن لم تقسم خيبر ليتأسى بها، وما ظهر الخلاف، فهذا دليل على أنه اجتهد رضي الله عنه.
*** هامش ***
لكانت مثلاً له رضي
٨٦
الله
عنه
ث
ث) برغم الاختلافات حول تقسيم خيبر، إلا أن المشهور هو أنها
قسمت، وقد نقلت ما قاله ابن رجب عنها في الحاشية (٨٥).
AV
Λε
۲۳۳
٤
الأراضي
أي أن العامل المشترك في جميع تصرفاته صلوات ربي وسلامه عليه هو دفع الأموال للأفراد حتى يزداد العطاء للأمة لقرب الأفراد من عقاراتهم مقارنة بالدولة (تذكر ما قلناه عن بعد وقرب المالك من العقار وتأثير ذلك في اهتمامه وبالتالي زيادة الإنتاج. وهنا ملحوظة على من قالوا بعدم القسمة من أن مكة المكرمة لم تقسم برغم افتتاحها عنوة في أكثر الأقوال: إن فكرت ملياً أخي القارئ وبحثت عن مكان واحد في العالم الإسلامي من المستحسن أن تبقى جميع عقاراته في يد الدولة حتى تعم الاستفادة جميع المسلمين، فأين سيكون ذلك المكان؟ بالطبع ستقول: إنها مكة المكرمة. فهي أفضل موقع لأن تكون كامل منطقة المسجد الحرام وقفاً للمسلمين حتى يتعاظم نفع الحجيج والمعتمرين فمكة دار نسك ومُتعبّد الخلق. ومع ذلك فقد أبقاها صلوات ربي وسلامه عليه في أيدي سكانها ولم يدفعها للدولة، لأنه إن تركها للدولة لساء حالها لسوء استغلال مسؤولي الدولة لها وسوء استخدام الحجيج والمعتمرين لها، لأنها ستصبح عقارات لا يوجد مالك قريب منها يهمه أمرها كما حدث مع مباني الدول الاشتراكية، فهو صلوات ربي وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى، وكذلك أفعاله. فتأمل هذا العمق في التصرف الذي حرص فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم دفع الأراضي للدولة. وهذا هو العامل المشترك في جميع تصرفاته صلى الله عليه وسلم، سواءً كانت الأراضي فيئا أم غنيمة، وهو تلافي وقوع الأموال والأراضي في يد الدولة، وستتأكد من هذا أكثر في الفصلين القادمين بإذنه تعالى. أليس في هذا إعجاز لرسالته صلى الله عليه وسلم وهو النبي الأمي. ولا تعتقدن أنه فعل ذلك في مكة شفقة على أهلها لأنه قرشي. ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم يوم فتح مكة وما وقع على سكانها – دليل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يتقصى الحق أينما كان، فهو يقص الحق كما أمره به ربه سبحانه وتعالى.
خ
الله عنه
أي أن سنن الخلفاء الراشدين مسألة يجب الالتزام بها واتباعها إن لم تكن هناك سنة لرسوله الكريم. أما إن كانت هناك سنة فهي الأولى بالاتباع، وذلك لأن ما كان صالحاً لزمن الخليفة عمر رضي قد لا يكون صالحاً لكل زمان من بعده لتغير الناس. فما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه كان في زمن اتقى الناس فيه ربهم. فلم تكن أفعال الناس مدفوعة بغرائزهم البشرية التي لا تبحث إلا عن المصلحة لنفسها أولاً، بل تسعى لطلب أجر الآخرة. أما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الأصلح لكل الأزمان، لذلك فهو الذي يجب أن يتبع. ولا خلاف في هذا بين المسلمين. إنما الخلاف بين الفقهاء هو في حجية قول الصحابي أو اجتهاده. فمن الفقهاء من ذهب على أنه حجة ومنهم من ذهب إلى أنه غير حجة، ومنهم من فصل بأنه حجة إن خالف القياس وليس حجة إن وافقه، وهكذا من مذاهب برغم اختلافاتها إلا أنها لا تذهب إلى ترجيح فعل صحابي على فعله صلوات ربي وسلامه عليه. فرغم كثرة الأثر من أن آراء عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت سديدة ويؤخذ بها إلا أنها مسألة أخرى إن كانت خلاف ما قال به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. لنضرب مثالاً واحداً: فعندما توفى صلوات ربي وسلامه عليه لم يكن الجيش الموجه لفلسطين بقيادة أسامة بن زيد قد خرج من المدينة بعد. وهنا أشار
عمر
على
*** هامش ***
خ) جاء في وصف لفتح مكة أن الرسول صلى الله عليه وسلم نادى أبا بالصفا). قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما هريرة فأجاب: «لبيك يا رسول الله ! قال: اهتف لي بالأنصار ، ولا شاء إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً. فجاء أبو سفيان، فقال: يا يأتيني إلا أنصاري)، فهتف بهم، فجاؤوا، فطافوا برسول الله صلى الله رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال رسول عليه وسلم، فقال: (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال الله صلى الله عليه وسلم : من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي بيديه إحداهما على الأخرى: (احصدوهم حصداً، حتى توافوني سفيان فهو آمن)، فأغلق الناس أبوابهم ...» (۸۸).
٢٣٤ 🗏
الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، نزولاً عند طلب أسامة بن زيد والأنصار رضوان الله عليهم أن يبقى الجيش في المدينة للدفاع عنها. إلا أن الخليفة الصديق رضي الله عنه رفض بشدة وذلك تنفيذاً لأمر كان قد عقده الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان لهذا آثار إيجابية كبيرة إذ عادت بعض قبائل العرب عن الردة لأنهم اعتقدوا بأن المسلمين لابد وأن يكونوا أشد قوة بدليل إرسالهم لجيش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال الروم. وهذا الأثر الإيجابي لم يكن بوزن لدرجة قد تغير قناعة من حاول منع الجيش من الذهاب لقتال الروم.
۸۹
وهكذا يمكننا الاستنتاج باطمئنان أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في تقسيم الأرض بين الغانمين حثاً لهم على الجهاد من جهة، ودفعاً للأراضي والأعيان الأخرى لمن سيمتلكها ويهتم بها مستقبلاً من جهة أخرى. وهذا بالطبع سيقلل من دخل الدولة مقارنة بدخل الناس في السنين الأولى. وفي هذا فوائد عظيمة كما سنرى بإذن الله. ومما يطمئنني على هذا الاستنتاج نبوءته صلوات ربي وسلامه عليه وإخباره بما سيحدث. ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: «كيف أنتم إذا لم تجتبوا ديناراً ولا درهماً؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائناً يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده، عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عم ذاك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيشد الله عز وجل قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم». وفي شرح الحديث يقول ابن حجر بأن معنى «إذا لم تجتبوا» أي لم تأخذوا من الجزية والخراج شيئاً. وقد روى مسلم وأحمد وأبو داود معنى الحديث من وجه آخر: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنَعَتِ العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مذيها [صاع أهل العراق ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم ، قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه». * وقد سيق الحديث بفعل الماضي والمراد به ما يستقبل مبالغة في الإشارة إلى تحقق وقوعه». وذكر ابن حزم أن بعض المالكية احتج بقوله في الحديث على أن الأرض المغنومة لا تقسم ولا تباع وأن المراد بالمنع منع الخراج، ورده بأن الحديث ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر، وكذلك وقع». وقال الطحاوي: «منعت، بمعنى ستمنع؛ فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم وفي هذا تحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن اضمحلالاً مالياً سيأتي على المسلمين لأن ما غنموه لن يقسم بينهم، أي لن يُقص عليهم كحق لهم، فالأرض تم سلبها للدولة. وكأنه صلوات ربي وسلامه عليه يحذرنا مما سيكون عليه حالنا إن لم نقسم الأرض وذلك حتى نعود لما قال به ولما فعله من تقسيم لتقترب العقارات من الناس في ملكيتها ليزداد اهتمامهم بها ليزداد العطاء. وأخيراً تأمل قول الشافعي في هذه المسألة.
۹۰
۹۲
.«<...
وكل ما وصفت أنه يجب قسمه، فإن تركه الإمام ولم يقسمه فوقفه المسلمون أو تركه لأهله، ردّ حكم الإمام فيه لأنه مخالف للكتاب ثم السنة معا، فإن قيل: فأين ذكر ذلك في الكتاب؟ قيل: قال الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...﴾ فإن ظهر الإمام على بلاد عنوة فخمسها، ثم سأل أهل الأربعة الأخماس ترك حقوقهم منها فأعطوه ذلك طيبة به أنفسهم، فله قبوله إن أعطوه إياه يضعه حيث يرى، فإن تركوه كالوقف على المسلمين فلا بأس أن يقبله من أهله وغير أهله بما يجوز للرجل أن يقبل به أرضه، وأحسب عمر بن الخطاب إن كان صنع هذا في شيء من بلاد العنوة، إنما استطاب أنفس أهلها عنها فصنع ما وصفت فيها».
وفي موضع آخر بعد سرد الأدلة يقول الشافعي رحمه الله: «فكل بلد فتحت عنوة فأرضها ودارها كدنانيرها
٤
الأراضي
۲۳۵
ودراهمها، وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر وبني قريظة، فلمن أوجف عليها أربعة أخماس». ۹۳ إلا الرجال البالغين فإن الإمام مخير في أن يمن أو يقتل أو يسبي. أي أن السنة النبوية هي التي يجب أن تتبع، فإن قسمت أو قصت الأراضي التي فتحت عنوة بين الغانمين، فإن هذا يعني انعدام هذا المصدر من الأراضي لبيت مال المسلمين. وهو أهم وأكبر مصدر من الأراضي لبيت المال. فالدولة إذاً من هذا الجانب فقيرة. فإن تم تطبيق هذه السنة في الدول الإسلامية المتتابعة لكانت الدول أفقر من الناس مالاً وأرضاً. وستتأكد أكثر من هذا الاستنتاج في فصلي «دولة الناس» و «الديوان» بإذن الله لأننا سنعود للحديث عن الغنائم لأهمية هذه المسألة للأمة. كما أن الدولة لن تمتلك الأراضي التي تتمكن أو لا تتمكن من استثمارها في الزراعة أو غيره كاستخراج المعادن كما رأينا في إحياء المعادن، ولهذا آثار إيجابية كبيرة سأشرحها بإذن الله. ولكن الذي حدث، هو سلب الدول للأراضي المفتوحة عنوة لنفسها ابتداءً من العهدين الأموي والعباسي ومن ثم باقي العصور إلى يومنا هذا. وهذا السلب باعد بين المسلمين والأرض، فتناقص الإنتاج لقلة الاهتمام. ناهيك عن أن ما خرج ويخرج من هذه الأراضي من أموال برغم قلته أصبح مادة في أيدي الحكام والحكومات لتسخير البعض للعمل لهم، فتسلطوا واستكبروا ما أدى للتخلف كما
سترى بإذن الله.
وبالإضافة لما فتح عنوة وأصبح ملكاً لبيت المال، فهناك طريق آخر سلبت فيها الدول الحديثة الأراضي لنفسها فامتلكتها، وهو الحمى، وقد تحدثنا عنه. ولم أشرحه هنا لأن فقهاء السلف لم يعتبروه ملكاً لبيت المال، ثم اعتبرت كذلك في فترات لاحقة. ولكنك قد تسأل: ولكن ماذا عن أمواله صلى الله عليه وسلم، أليست ملكاً لبيت المال باعتباره حاكماً وأن هذا ينطبق على الحكام من بعده؟ وماذا عن الزكاة والعشر والخمس والجزية، أليست أموالاً تؤخذ من الناس لتدخل بيت مال المسلمين؟ هذا هو موضوع الفصلين القادمين بإذنه تعالى، أي فصلي: «الأموال» و «دولة الناس».
🗏
٢٣٦