تحذير
هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.
الفصل الثاني عشر
الفصل الوصل
نقاط عدل أم مستويات ظلم؟ خطط إنتاجية أمكتل اقتصادية؟ ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضٍ منكُم وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
كنت قد قرأت حديثاً أرعبني: جاء في كتاب «الترغيب والترهيب» عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: (اللهم هل بلغت؟)، ثلاث مرات. فقام عمر بن الخطاب، وكان أواها فقال: اللهم نعم وحرضت وجهدت ونصحت. فقال: ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتخاضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن، يتعلمونه ويقرؤونه ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن ذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله من أولئك؟ قال: (أولئك منكم وأولئك هم وقود النار». وفي لفظ آخر : (فهل في أولئك من ضر؟). ألا يصف هذا الحديث حالنا اليوم؟ فنحن نقرأ القرآن الكريم ونُقرئه لغيرنا ومع هذا نقع في الظلم الذي قد يؤدي للنار والعياذ بالله. لأضرب مثالين واضحين: الأول: عندما ضربت المجاعة الصومال بسبب الجفاف سنة ١٤٣٢هـ الموافق ٢٠١١م، وهو بلد سكانه مسلمون من أهل السنة والجماعة، ثابر العلماء واجتهدوا واستخدموا وسائل الإعلام وحثوا الناس على التصدق والتبرع لإخوانهم المنكوبين في الصومال كسباً للأجر. فقام الناس ملبين من شدة تأثرهم بما رأوه في وسائل الإعلام من صور مؤلمة للأطفال والنساء الجياع، وأرسلت إلى الصومال الأموال والمأكولات والأدوية والمستشفيات المتنقلة وكأن الصومال أصبح ميداناً للتنافس بين الدول ورؤسائها وملوكها والأثرياء والمؤسسات الإغاثية لإثبات مصداقية إيمان هؤلاء المعطين وكرمهم لهذا الشعب المعدم. إلا أن أحداً من العلماء لم يثر قضية جوهرية في الحقوق وهي: لماذا تذهب المساعدات لهؤلاء الصوماليين المنكوبين بدل أن يسمح لهم بالخروج من تلك الأرض والهجرة لمناطق أخرى ليعينوا أنفسهم بأنفسهم بعزة وكرامة بدل حبسهم في تلك الأرض التي ضربها الجفاف ليصطفوا في طابور لساعات كالمتسولين للحصول على طبق حساء؟ فأي إذلال هذا الذي يوضع فيه هؤلاء من أجل وجبة واحدة؟ أجل، لا أحد يثير مسألة فتح الحدود لهؤلاء الصوماليين ليهاجروا من ديارهم إلى دول مسلمة أخرى قبل أن يصيبهم الجفاف. فلا أحد يفكر هكذا، لأن النظام العالمي الحديث الذي حبس الصوماليين داخل حدود دولتهم تقبلناه وأصبح وكأنه جزء من شرعنا. أي أن الحل في أذهان من يقرؤون القرآن الكريم هو: «أنتم يا أهل الصومال إخوان
۱۳۸۱
۱۳۸۲ 🗏
الصخب
لنا، لذا تستحقون عطفنا، ونحن أهل الإحسان نبحث عن الأجر، لذا يجب علينا أن نعطف عليكم، لهذا ابقوا داخل قفص دولتكم ونحن سنهب ونأتي لكم بما تحتاجونه من أكل وشرب ودواء لسد رمقكم. فقط ابقوا داخل حدود دولتكم ولا تأتوا إلينا». وعندما تتحسن الأحوال بعض الشيء وتخف المعونات ويخفت وهيج الإعلامي ويتعود الناس على خبر مجاعة الصوماليين وتتبلد أحاسيسهم، يعود الجميع لأوطانهم تاركين الصوماليين داخل سجن الجهل والتخلف ليصبحوا وكأنهم صخرة في خرابة تخلف الأمة. وكأن الكرة الأرضية بخيراتها لم تخلق للصوماليين قط، بل لغيرهم ممن هم أكثر بشرية أليس هذا ظلم واضح فاجر وقع على شعب بأكمله؟ ألم يسلب هذا الشعب حقه في الهجرة التي حث عليها القرآن الكريم ؟ وكأن الدول الإسلامية المحيطة ستزداد فقراً إن هاجر إليها هؤلاء الصوماليين لأنهم هم أي حكام الدول الأخرى، الرازقون لشعوبهم (والعياذ بالله)، لهذا يخافون من هجرة الصوماليين حتى لا يشاركوا سكان دول الخليج النفطية مثلاً في موارد النفط.
كل هذا يقع أمام أنظار ومسامع وسكوت العلماء والمشايخ والمثقفين !!! فهل سمعت أو رأيت عالماً أو شيخاً أو داعية جاهر ونادى بأحقية الهجرة من الصومال للدول الإسلامية للعيش فيها رغم أنوف حكام وشعوب الدول الثرية. أي وكأن موارد الكرة الأرضية لن تكفي الناس. وفي هذا اتهام الله الحق جلت قدرته في تقديره للأرزاق. ألم يصدق الصادق الأمين صلوات ربي وسلامه عليه : أولئك هم وقود النار ؟ فأين هؤلاء الذين يقرؤون القرآن الكريم من قوله صلى الله عليه وسلم: البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم)؟ أليس الحديث مرعباً؟ هذه الصورة من الانحراف في الحقوق هي ما حاول فصل ابن السبيل» تبيانها. وكما مر بنا وسيأتي بإذن الله فإن سكان الأقاليم النفطية سيزدادون رغداً إن هاجر إليها مثل هؤلاء.
المثال الثاني: أثناء مراجعة هذا الفصل سنة ١٤٣٢هـ كان طاغية ليبيا معمر القذافي عليه من الله ما يستحق، يقتل الناس حتى لا يفقد الحكم. فعشرات الآلاف من الليبيين يذبحون لأنهم لم يكونوا من المسلحين، أما هو فقد استثمر أموال النفط لبناء جيش فقط للحفاظ على حكمه، فأصبحت أرض ليبيا السنية المسلمة وكأنها خراب تفتقر لأدنى مقومات الحضارة كالمستشفيات برغم كل هذه الأموال. ولعل الأسوأ هو طاغية سوريا بشار الأسد ووالده عليه أيضاً من الله ما يستحق والذي وظف أموال سوريا ووظف جل طائفة العلويين ووظف بعض أهل السنة من ضعاف النفوس في الوظائف العسكرية والاستخباراتية ليوجد ۱۷ جهازاً أمنياً وليحكم سوريا جبراً وقهراً وليحول بالتالي شعباً يتصف بالهمة والذكاء ويعيش على أرض كلها خيرات إلى شعب في دولة متخلفة. فهو بوضع الضرائب على الناس وباستخراج المعادن لتُصدّر لتغذية أجهزته الحربية والأمنية والاستخباراتية سحب الشام للتخلف التام إذ لا حرية إنتاجية ولا تراكم معرفي، بل تراجع إنتاجي نوعاً وكماً يوم بعد يوم ولأربعين سنة. وفي الوقت ذاته ومع كل هذا التخلف، فبشار الأسد وحزبه يعتقدون بأنهم على الحق ولا يريدون أن يروا التخلف الذي أحدثوه، لذا فلهم حق قتل واغتصاب وحرق كل الشعب لا لشيء إلا لأن الشعب لم يقف معهم في وجه الثوار. وبالطبع ما تمكن بشار وحزبه والقذافي وزبانيته من هذا الفتك إلا لأن المجتمعات المسلمة ظهر فيها تشريع اجتهادي يقول بأن أموال الفيء والغنائم تذهب لبيت المال ومن ثم للسلطان توزيعها بناء على قواعد أسس لها الفقهاء) ما أنزل الله بها من سلطان. هذا بالإضافة إلى أن العمل العسكري أصبح وظيفة وللحكومة أخذ الأموال لتوزيعها على الجند (كما اجتهد بعض الأوائل). وهذا انحراف عظيم عن نهج الشريعة كما حاول فصل «الديوان» أن يثبت. وكل هذا القتل
١٢ الفصل والوصل
۱۳۸۳
والاغتصاب يقع أمام أنظار المسلمين على التلفاز وفي جميع أرجاء الأرض. أي لا يوجد مسلم إلا وعلم بما حدث لأخواته المسلمات وهو لا يستطيع نجدتهن إلا بالدعاء لهن لأن الحدود الدولية تمنع تحرك المسلمين. هذه الصورة المؤلمة من الانحراف في الحقوق هي ما حاولت الفصول السابقة تبيانها. تصور الوضع: أهل الشام يقتلون والشاميات يغتصبن ونحن ندعو لهم في المساجد ودون حراك، بل مقيدون ننظر ونسمع ونبكي كالولايا. والدليل على العجز الذي نحن فيه هو صيغ الأدعية في الصلوات في المساجد إن تأملتها. فهذا شيخ يدعو بالقول: «اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الشام». فلم لا يكون الدعاء : اللهم انصرنا » أو «اللهم أعنا على نصر إخواننا» ما يعني أننا نريد المساهمة بالذهاب إلى الشام لنصرتهم. فإن كان في الأثر من دعاء السلف للمجاهدين بالنصر عن بعد مثل قولهم: «اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، فإن هذا الأثر ما كان إلا بعد الأخذ بالأسباب ولأن المسافات كانت بعيدة ولأن من يدعو كان بعيداً ولا حيلة له فالداعي بحاجة لشهر للوصول من اليمن إلى الشام. أما الآن، فإن أبعد رجل سيصل إن كان في المغرب في ثلاثة أو أربعة أيام بالعربة على الأكثر، وها هي الثورة
مشتعلة لأكثر من سنتين!
بجميع
ومن الأمثلة على الأدعية التي تشير إلى الروح الانهزامية بسبب الحكم بغير ما أنزل الله الدعاء: «اللهم إنهم [أي أهل الشام خائفون فأمنهم ، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فأكسهم ... اللهم خالف بين قلوبهم [أي بشار وزبانيته] وزلزل الأقدام من تحتهم». تلحظ من صيغة الدعاء أنه تواكلي على الله الناصر النصير المنتصر ودون أدنى مساهمة منا إلا بالدعاء لهم. وكذلك باقي الأدعية مثل: اللهم عليك بطاغية الشام بشار وأعوانه، اللهم أرنا فيه يوماً أسوداً كيوم عاد وثمود». فهل أراد لنا الإسلام انتظار عذاب يأتي من السماء لبشار وحزبه وأهل السنة في الشام يذبحون والحرائر يُغتصبن ونحن ننظر ونُوَلول؟ فهل الإسلام هكذا؟ معاذ الله. أم أن الإسلام واضح في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ؟ أي علينا الدعاء طلباً للعون للحركة للوصول إلى زبانية بشار أولاً ثم هناك عند اللقاء وبعد الأخذ الأسباب يكون الدعاء بطلب النصر لأننا أخذنا . بجميع الأسباب الدنيوية ولم نترك أي فرصة لأي صدفة قد تسحبنا للهزيمة. عندها بالطبع سيكون للدعاء وضع آخر لأن النصر من عند الله، فالاستجابة لمن أخذ بالأسباب آكد. ومن أهم الأسباب مقصوصة الحقوق. فهل سمعت أو رأيت عالماً أو شيخاً أو داعية جاهر ونادى بتطبيق أوامره صلى الله عليه وسلم والتي تجعل المهارات القتالية وحمل السلاح عبادة واجبة على كل مسلم أينما كان ( كما مر بنا في فصل «دولة الناس»؟ لا، بل قامت الدول بمحاربة العلماء الذين ينادون للجهاد وجرمت دول أخرى من يذهب الجهاد بسجنه. وأين نحن من الآيات القرآنية الكريمة وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تمنع ذهاب الأموال لبيت المال حتى لا تقع في أيدي الحكومات التي تمنع الناس من الترحال للشام فبدل ظهور عرف يمنع أصلاً وقوع الأموال في أيدي هؤلاء الحكام لكي لا يظهر تسلط كتسلط بشار القذر، تجمعت الأموال في بيت المال ليكون مادة للسلطات للفتك بالناس وحكمهم جبراً وقهراً. ألا تعتقد أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قد تحقق : أولئك هم وقود النار ؟ هذا من الانحرافات التي حاولت الفصول السابقة تبيانها، وهذا الفصل سيوضح بإذن الله انحرافاً آخر في الحقوق. انحراف أدى لظهور هيكل اقتصادي سياسي اجتماعي يضع الناس في مواضع تفتنهم في عقائدهم، فيبتعد الناس عن عبادة رب الناس إلى تأليه أصحاب السلطة والمال وعبادتهم. وهذه بلوى يندر أن ينجو منها أحد. ولكن قبل المضي في هذا الفصل لابد من
بعض التوضيحات.
١٣٨٤ 🗏
التوضيح الأول: هدف هذا الفصل
كما مر بنا في فصل الشركة فإن أي إنتاج بحاجة إلى التكاتف بين المنتجين وكل حكم في الشريعة يؤدي للوصل بين الناس متى تطلب الإنتاج ذلك، وكل حكم في الشريعة يؤدي للفصل بين الناس متى تطلب الإنتاج ذلك. فكما سترى في هذا الفصل والقادم بإذن الله، فإن حركيات الفصل والوصل بين الناس هي من الأفكار الجذرية لزيادة الإنتاجية. فبينما الشريعة تفصل بين الناس حتى ينطلق كل فرد أو جماعة في مجالهم ودون الإضرار بالآخرين ليكونوا أكثر إنتاجاً كحق ملكية المعادن لمن حازها، فإن الأنظمة الوضعية تشبك الناس ليقيدوا بعضهم البعض ليكونوا أقل إنتاجاً كما تفعل الأسواق المالية (والتي ظن معظم الناس أن فيها خير للمجتمعات لأنها تجمع أموال المستثمرين لتوظف مرة أخرى من خلال أسهم الشركات. فما تفعله هذه الأسواق هـو تـبـديـد أمـوال المستثمرين من خلال الإقراض كبيع السندات مثلاً)، فتقع الأموال التي كان يجب أن تستثمر) في أيدي من قد يبددونها كما سترى بإذن الله . ولا أدل على التشابك الممقوت بين المنتجين أكثر من انهيار أسواق المال العالمية بانهيار سوق واحد فقط أو بنك واحد فقط أو تأزم مالي في دولة ما. وفي الوقت ذاته، فإن الناس بحاجة للترابط حتى يتمكنوا من التعاون الذي يحتاجه الإنتاج، وهذا الترابط هو ما تحاول الشريعة إيجاده بوصل الناس كما في الشراكات مثلاً، وفي هذه النقاط التي تحتاج للوصل تأتي الأنظمة والقوانين لتقطع العلاقات بين الناس كمنع ظهور الحائط المشترك بين عقارات الجيران مثلاً (وسيأتي بإذن الله بيان أن لهذا الحائط المشترك فائدة في ربط الجيران لنشر المعرفة). أي أن نقاط الفصل والوصل بين الناس هي نقاط لن يتمكن البشر من معرفتها ناهيك عن استحداثها، وهذا ما أتقنت الشريعة إيجاده كما سترى في باقي الكتاب بإذن الله. فهذا الفصل يركز على الفصل والوصل في الأموال، والذي يليه يركز على الفصل والوصل في الحكم ثم الذي يليه على الموافقات أو التراخيص، ثم الذي يليه على الفصل والوصل في الأماكن. أي أن الأنظمة الوضعية والتي انبثقت من العقل القاصر وصلت الناس حيث يجب أن تفصل، وفصلت حيث يجب أن تصل في معظم الأحوال، وما حدث هذا الانحراف إلا بسبب ظهور الدولة كسلطة تدير شؤون الحياة. ولن تستطيع الدولة إدارة شؤون الحياة إلا بالأموال والسيطرة على الناس من خلال الأنظمة والقوانين ومتى ما اجتمعت الأموال والسلطات للدولة ظهر الظلم بالضرورة وهو موضوع التوضيح الثاني.
التوضيح الثاني: العدل
وجوده
لقد غرس الله الحق سبحانه وتعالى في البشر كره الظلم. فهذا من علمه وحكمته وكرمه ومنه وعدله الذي حرم الظلم على نفسه وحرمه بين خلقه جميعاً مسلمهم وكافرهم. فإن سمعت مثلاً عن قصة وقع فيها ظلم على أي فرد حتى وإن لم تعرفه وكان في حضارة أخرى غير مسلمة فإنك لا شعورياً تشمئز وتتضايق لدرجة أنك قد تتذكر حال المظلوم باستمرار. وبالعكس، فعندما تستمع لقصة انتهت بإحقاق الحق ستشعر بنوع من الراحة. ولكن الواقع هو أن ماهية ومعايير العدالة تاريخياً تتغير باستمرار بتغير الأحوال بناء على التركيب السياسي للمجتمع. فهناك حقيقة تاريخية لا مفر منها وهي أن العدالة في أي مجتمع في حقبة ما هي حكم القوي (وبالذات إن كان الحكم بغير ما أنزل الله كما سأحاول أن أثبت بإذن الله). فالقوي هو الذي يفرض واقعه ويوجه أحكامه
١٢ الفصل والوصل
١٣٨٥
وشروطه ويضع معاييره لينشر ما يعتقد أنه العدل برغم أنه ظلم أحياناً . لهذا قيل: إن درهم قوة خير من قنطار من الحقوق. ألم يكن المجتمع في بؤس شديد عندما كان القوي ظالماً لأن الحقوق لم يكن لها وزن كما كانت سوريا
هذا
أيام حكم حزب البعث مثلاً، أو كما المسلمون في فلسطين المحتلة حيث اليهود يوزعون الحقوق لصالح اليهودي ضد ذاك الفلسطيني دون منطق إلا القوة؟ لهذا بقي العدل محل نقاش مستمر عن ماهيته لأنه يستمد تعريفه من الحقوق التي تضعها الحكومات أو الرؤساء أو السلاطين فهي آلية الأقوى لبسط نفوذه. ولكن بغض النظر عن هذا الجدل بين الفلاسفة عن ماهية العدل، إلا أن المنتشر حالياً عن العدل من زاوية التمكين عند الناس أن الغرب مجتمع يحاول العدل بين أفراده، وقد ينجح وقد يفشل، إلا أنه يحاول بالرجوع للعقل. ولدحض هذه
هو
الفكرة أقول:
لنقل بأن هناك مجتمعاً أفراده من ذوي القيم النبيلة الذين لا يغدرون ويحترمون المواثيق وأن حاكمهم كان عادلاً، فهل ذاك المجتمع عادل حقاً؟ لنقل بأن هناك مجتمعاً اشتراكياً، وأتى حاكم عادل وطبق الاشتراكية بحذافيرها، فهل نقول بأن المجتمع عادل أم أن الإطار الأكبر للمجتمع ضال ؟ أو هل نقول إن الحاكم عادل في إطار ضال؟ وبالتالي قد نقول أيضاً أن الحاكم ظالم لأنه بحكمه العادل ساهم في تمكين إطار ضال من الاستمرار كما فعل ماوتسي تنج في الصين مثلاً؟ والشيء ذاته ينطبق على أفراد المجتمع، كما في الرأسمالية، فكثيرون هم من يؤمنون بالرأسمالية في الغرب ويطبقونها، فهل ذاك المجتمع عادل أم أنه ضال ؟ أي أن العدل صفة غالباً ما تعكس في مفهوم الناس تمسك الحاكم أو الأفراد بتطبيق أسس المجتمع العقدية في التعاملات دون ظلم. ولأنه لا ظلم، يقول الناس بأن هذا عدل وبغض النظر عن الإطار الأكبر للمجتمع. وخير دليل على ذلك وصف المجتمع الغربي بأنه مجتمع عادل في نظر الكثيرين. فالرئيس الأمريكي جون كيندي مثلاً كان رجلاً نزيهاً في عمله، فهو قد حكم بالعدل في نظر الكثيرين برغم أن الإطار الأكبر للمجتمع الأمريكي إطار ضال. لهذا فإن السؤال هو: هل إن كان المجتمع ضالاً سيظهر فيه العدل إن حكم بالعدل ؟ وبالطبع هنا ستثور إن كنت علمانياً وتصفني بأنني منحاز ولست عادلاً في وصف المجتمعات الديمقراطية المنتجة بأنها ضالة. لهذا وللتوضيح أقول:
هل يمكن القول بأن هناك عدل وعدل مطلق أو عدل أصغر وعدل أكبر ؟ لنضرب مثالاً: إن سرق عمرو مال بكر، فحكم القاضي لبكر برد المال برغم أن عمرو ابن شخص متنفذ وقام بالضغط على القاضي. هنا ستقول بأن القاضي رجل عادل لأنه لم يخف من والد السارق عمرو وحكم بالعدل وأعاد المال لبكر. لكن لاحظ أن المال المسروق قد لا يكون مالاً حصل عليه بكر باستحقاق، بل قد يكون مالاً ورثه بكر من أبيه الذي ملك منجماً بتصريح من الدولة أعطي له دون غيره من الناس دون وجه حق باستغلال النظام لصالحه والذي غالباً ما يحدث. أو قد يكون المال الذي ورثه بكر أتى من تراكم بيع وشراء أسهم في الأسواق المالية المبنية على المقامرة، وهو ظلم أكبر لأنه ينقل الأموال من مستحقيها لغيرهم كما سيأتي بيانه في هذا الفصل بإذن الله). أي أن مال بكر هو مال ورثه من أبيه الذي حصل عليه دون أدنى مجهود إنتاجي لأن النظام المجتمعي أتاح له فرصة الظلم في مستوى آخر. هنا لابد وأن يكون العدل مخدوشاً لأن القاضي لم يحكم ولن يستطيع أن يحكم بالعدل المطلق لأن دوره محدد داخل إطار الخلاف الذي أتاه من الطرفين. فالقاضي يتحرك داخل إطار قضائي داخل إطار المجتمع. أي أنه لا عدل أبداً في المجتمعات إلا إن كان الإطار الأكبر عادلاً. وبالطبع فإن لكل إطار إطاراً آخر أكبر منه أو إطار آخر مواز له.
١٣٨٦ 🗏
لنضرب بعض الأمثلة: عندما قرر الرئيس الأمريكي ريجان المبادرة بحرب النجوم فهو قد أخذ من أموال الناس من خلال الضرائب لينفقها على أبحاث حرب النجوم، وهذا مما لا فائدة منه مقارنة بالنفقات كما ثبت ذلك بعد تركه للحكم. وبالطبع، فدستورياً كان له ذلك الحق برغم الصراع مع مجلسي النواب والشيوخ والدستور إطار حقوقي أكبر من إطار حقوقي أدنى يبيح للمواطن الحق في رفض دفع الضريبة التي قد تذهب لأبحاث حرب النجوم. فهل للمواطن (ليكون المجتمع عادلاً) رفض دفع الضريبة بحجة أن الرئيس تصرف دون منطق؟ مثال آخر: عندما يحاول مالك لدار قديمة هدم مبناه القديم لإعادة بناء الأرض مرة أخرى كمكاتب ومن ثم بيعها، ثم يجتمع المجلس البلدي ويقرر منعه من الهدم لأن الأنظمة والقوانين المتعلقة بالمحافظة على التراث لتشجيع السياحة تعطي المجلس البلدي الحق في المنع، فإن المالك سيشعر بالظلم في هذه الحالة لأنه لم يستثمر عقاره كما أراد. هنا في هذه الحالة فإن ما رآه مسؤولوا المجلس البلدي حقا هو الذي طبق وقد مرت بي حالة مشابهة حققت فيها في بلدة أصيلة في المغرب عندما وصل محمد بن عيسى لرئاسة المجلس البلدي (سنة (۱۹۸۳م) ومنع السكان من استحداث أعمال استثمارية إلا إن كانت حرفية ثقافية كالطباعة والرسم على الحرير وما شابه من نشاطات لم تتصل بواقع السكان آنذاك. فالسكان قد منعوا مثلاً من استحداث معمل للجلود. فتضجر السكان بسبب تعثر انتشار الصناعات في البلدة وهجرها الشباب لمدن أخرى للبحث عن عمل ما أدى لارتفاع نسبة العنوسة بسبب زواج هؤلاء الشباب من المناطق التي يعملون فيها. فمع من الحق هنا؟
لهذا نجد أن مجتمعات الحداثة في الغرب في صراع دائم للبحث عن الحق هروباً من الظلم. كل طائفة تعتقد أن الحق معها. فظهرت النقابات للدفاع عن حقوق أعضائها. فبالإمكان القول بأن المجتمعات المعاصرة هي نتاج للصراع السرمدي بين الأفراد والجماعات في الحقوق، فهناك حقوق مكانية كحقوق العقارات والحقوق بين الجيران وحقوق المرافق وما شابه (وهو موضوع فصل «الأماكن »)، وهناك حقوق مالية كالحقوق بين التجار والشركات والبنوك وجزء منه سيناقش في هذا الفصل)، وهناك حقوق علمية كالملكية الفكرية (وسيأتي في فصل «المعرفة» بإذن الله)، وهناك حقوق أخرى (هي أيضاً ما أنزل الله بها من سلطان مثل حقوق المواطنة، وهكذا. وكل منظومة من الحقوق تقع تحت منظومة أخرى أو فوقها أو موازية لها بطريقة يصعب معها على أي إنسان مهما أوتي من علم وعمر أن يستوعب هذه الحقوق ليختار منها ما هو أصلح للناس لنصل إلى العدل المطلق أو العدل الأكبر (وهذا هو بيت القصيد). فقد يكون القاضي عادلاً في الفصل بين اثنين لأن القضية واضحة أي وكأن هذا عدل أصغر، أما العدل الذي يشمل المجتمع أو العدل الأكبر فهو مسألة أخرى. لهذا فإن جميع هذه المجتمعات التي لا تحكم بشرع الله مجتمعات ظالمة لقطاع من السكان أو لقطاع من الأعمال. ولعل أفضل مثال على هذا التخبط هو مثالية باريتو في علم الاقتصاد Pareto optimality. فكلمة عدالة لا تظهر بوضوح في هذه المثالية برغم أنها تحاول الوصول إليه. فمما ذهب إليه بعض المفكرين الاقتصاديين هو تبني هذه المثالية والتي تنص على أن أي تغيير في المجتمع أو أي تدخل للدولة في أي مشروع تنموي لابد وأن يجتاز مثالية باريتو والتي تنص على أن إفادة أي فرد في المجتمع على حساب وضع فرد آخر في وضع أتعس لهو أمر غير مقبول. ولأن هذا مستحيل على العقل البشري لأن المشروعات عادة ما تفید قطاعاً كبيراً مع تضرر قطاعات أقل، فإن ما تفعله هذه المثالية هي تثبيط التنمية في المجتمع إن تم الأخذ بها. فمثلاً إن كان القرار هو بناء سد مائي، وكان هذا البناء يتطلب تهجير بعض السكان من مواطنهم ومن ثم لم يقبل به هؤلاء السكان فأجبروا عليه، فهم (أي السكان المهجّرون في وضع أسوأ ما يؤدي بالضرورة إلى
۱۳۸۷
١٢ الفصل والوصل
إجهاض المشروع إن تم الأخذ بمثالية باريتو أي أن تفعيل العدالة في وجه التنمية مأزق اقتصادي لن يستطيع الفكر الغربي الخروج . منه قط بناء على مثالية باريتو. لهذا وصل الكثير من الاقتصاديين إلى قناعة أن لكل تنمية ضحايا ولابد من إرضائهم بالمال مثلاً (كتعويض هؤلاء المهجرين مالياً ونقلهم رغماً عنهم). وهناك الكثير من القصص عمن رفضوا هذه التعويضات مهما بلغت نظراً لكبر سنهم وتمسكهم بمساكنهم ورفضهم للنقل من مستوطنات ذكرياتهم. وفي تهجيرهم رغماً عنهم ظلم لهم كما حدث مع أهل النوبة في مصر والسودان الذين تظاهروا وقتل بعضهم في السودان مؤخراً عندما حاولوا مجابهة الدولة. أي أن المجتمع مبتور في عدله. فما الحل إذاً؟
هي .
إن الشائع عند معظم الباحثين والمفكرين هو أن العدل في المجتمع يتحقق على يد برلمان و (أو) حاكم عادل. لكنني سأجادل في هذا الفصل وأقول أن المسألة مسألة حقوق «ثابتة» وفوق مستوى البشر فكرياً ويجب ألا تتغير بتغير الزمان أو المكان. ولعلك تقول: ولكن الحقوق بيد السلطات تفصلها كيف تشاء لصالح الوضع المعاصر ! ألم تقل (يا جميل أكبر) أن درهم قوة خير من قنطار حقوق فأجيب: نعم ولكن هذا لن يقع مع تطبيق الشريعة، ذلك أن تطبيق مقصوصة الحقوق التي تمنع الأموال من الذهاب لبيت المال من جهة، وتعطي الناس الحق في التصرف دون إذن السلطات ولكن باتباع حركيات الشريعة) من جهة أخرى، ستوجد مع تقادم الزمن مجتمعاً عزيزاً متمكناً لن يجرؤ فيه أي حاكم أو مسؤول من زرع بذرة الاستبداد كما سترى في فصل «الحكم» بإذن الله. أي لن يظهر لا درهم ولا قنطار قوة. أي ما يحاول هذا الفصل تأكيده هو أنه لا وسيلة لنشر العدل المطلق أو العدل الأكبر «لأجيال متعاقبة» إلا بتطبيق مقصوصة الحقوق. فقد يأتي حاكم عادل مثل عمر بن عبد العزيز رضي الله . عنه وينشر العدل في المجتمع، إلا أنه لن يستطيع فعل ذلك للأجيال القادمة إذ أن العدل سيذبل بعد وفاته لأن منظومة الحقوق التي تجمع الأموال للسلطات (كما يفعل الديوان مثلاً) ستفتن المسؤولين فيضيع العدل. فالمال سلطان، والسلطان أهواء، والأهواء ظلم والظلم تخلف وفساد. وكذلك القوانين والأنظمة، فهي سلطان، والسلطان أهواء، والأهواء ظلم، والظلم تخلف وفساد وتثبيط للإنتاجية. وهذا ما حاولت الشريعة تلافيه، أي حاولت إيجاد مقصوصة من الحقوق لن تجمع الأموال للسلطات وقد كان هذا موضوع الفصول السابقة)، ولا تعطي السلطات الصلاحيات في إدارة الحياة (وهو موضوع هذا الفصل والفصلين القادمين بإذن الله). وبهذا لن يظهر حاكم أو مسؤول ظالم حتى وإن كانت طينته فاسدة. فالعدل سيعم المجتمع مهما كان معدن الحاكم أو المسؤول ورغماً عنه لأنه لا مال وبالتالي لا موظفين ومن ثم لا تسلط له على الناس. أي أن أهم مسؤولياته هي في اثنتين: ولابد من توضيحهما هنا وباختصار شديد لأن مسؤوليات الحاكم ستأتي في فصل الحكم (كتوضيح مسؤولياته الأخرى التي لن تؤثر في مقصوصة الحقوق وجودة العمران مثل الديات).
هامش
ء) لعلك تسأل: وكيف يعالج الإسلام هذه الإشكالية أي بناء ب هنا ملحوظة هامشية لموضوع هذا الفصل إلا أنها جوهرية السدود)؟ ستأتي الإجابة بإذن الله، ولكن تذكر أن الشريعة لا تجيز لموضوع الكتاب وكنت قد أثرتها سابقاً وهي أن هناك من العلماء من نزع الملكية أبداً دون رضى المالك مهما كانت المنفعة المتوقعة يذم معاوية بن أبي سفيان لأنه أول من ورث الحكم في الإسلام. للجماعة كما مر بنا في فصل «قصور العقل»، ذلك أن القناعة هي أن فأقول : إن لم يورّث معاوية الحكم لفعلها غيره من بعده. فالمسألة ظلم فرد واحد سيؤدي لظلم الجماعة، إلا أن الفرق بين الإسلام ليست في معادن الأفراد ولكن أيضاً في النظام الاقتصادي الذي مكن والنظم الوضعية هو أن الإسلام يحرم الظلم ويؤدي للتنمية، بينما هؤلاء الأفراد من تسخير الجند لهم من خلال استحداث الديوان الذي العقل القاصر يجهض التنمية إن أراد منع الظلم كما سترى بإذن الله وضع الأموال في أيدي السلطات أو السلطان. وهذا حدث قبل
معاوية.
۱۳۸۸ 🗏
المسؤولية الأولى: الفصل بين الناس بالقضاء إن هم أتوا إلى السلطان أو إلى الحكومات في حالة ظهور
خلاف بينهم. تدبر قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ . فلم يقل الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وأن احكمهم)، ولكن قال: ﴿وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، تلحظ أيضاً في هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وسنأتي في فصل الحكم بإذن الله على آيات أخرى وتفصيل أدق تؤكد أن السلطان لا يحكم الناس ولكن يحكم بينهم» إن هم أتوا إليه في حالات الخلاف وهذه الحالات الخلافية ستضمحل في عددها ونوعيتها مع مرور الزمن لسمو المجتمع إن طبقت مقصوصة الحقوق لأجيال لدرجة أنه يمكن القول أنه لا حاجة للقضاة إلا فيما ندر كما سترى بإذن الله وكما حدث في عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
هو
والمسؤولية الثانية للحاكم هي رفع راية الجهاد وبعد المشورة بتحريض المسلمين على القتال (كما مر بنا في فصل الديوان)، ثم ترتيب من وافق منهم وأتى طوعاً للجهاد برغم أن من لم يأت سيؤثم إن كان الجهاد لدفع اعتداء وقع على المسلمين أو رد غزو محتمل. فلا سلطان للسلطات إذاً في إدارة المجتمع أبداً إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن إدارة المجتمع ستكون مسؤولية ذاتية بين الناس لأن مقصوصة الحقوق ستؤدي لذلك، وبهذا فإن العدل سمة المجتمع المسلم على الدوام إن طبقت مقصوصة الحقوق كما سترى في هذا الفصل والفصلين القادمين بإذن الله، ذلك لأنه لا وجود لمسؤولين يستطيعون الظلم لأنه لا مال ولا سلطان لهم يمكنهم من ذلك. وإن لم يوجد الظلم انتشر العدل منطقياً وبادر الجميع للعمل والإبداع لتتراكم الكفاءة ويزداد الإنتاج. وحتى يعمل الناس وينتجوا عليهم أن ينطلقوا دون اصطدام فيما بينهم حتى لا يظهر الظلم. هذا هو موضوع هذا الفصل والذي يليه. أي ما سأحاول الوصول إليه هو أن اجتماع المال والسلطة للدولة سيؤدي بالضرورة للظلم والفساد لأن الحكم عادة ما يكون بالعقل الذي عادة ما ينقلب لأهواء. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَفَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . تدبر ترتيب الكلمات في الآية، أي ترتيب كل من: ﴿أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ و ﴿يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ و ﴿أَضَلُّ﴾ ثم أخيراً ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فالآية تبين أن من لم يتبع هدى الله الحق سبحانه وتعالى لابد وأن يتبع هواه، ومن ثم سيضل ومن ثم لابد وأن يظلم، بالطبع سينتشر الفساد. وكنت قد ركزت على الأموال في الإسلام في الفصول السابقة، إلا أنني لم أبين بعد دور العقل في استحداث الفساد من خلال الأنظمة. وقد بينت ضرورة قصور العقل في فصول سابقة، إلا أنني لم أبين بعد آلية ظهور الفساد بالحكم بالعقل من غير الشريعة، وهو موضوع هذا الفصل والقادم بإذن الله.
عندها
لعلك تضايقت أخي القارئ من التعابير : عدل أصغر وعدل أكبر وعدل مطلق. فالمفروض بالعدل أن يكون عدلاً في كل الظروف، وليس متصفاً بصفة تهمشه أو تضخمه. لهذا وأنا كذلك لم أحبذ استخدام هذه التعابير.
۱۳۸۹
١٢ الفصل والوصل
لكنني استخدمتها سابقاً للتوضيح بأن العدل في مستوى أدنى قد لا يكون في الحقيقة عدل إن وضع في إطار مستوى أعلى. وحتى يكون العدل في أي مستوى عدل حقاً يجب على العدل أن يعم جميع المستويات في المجتمع وإلا لما استحق ذلك المجتمع أن يوصف بالعادل. ولكن من يستطيع إيجاد العدل في جميع المستويات؟ إن عرف الناس الإجابة لما اختلفوا، ولما ظهر فكر اقتصادي اشتراكي ورأسمالي مثلاً، ولما ظهرت النظريات الاجتماعية المتعددة.
فهذه الفرق تختلف جميعها في وضع آليات أو حركيات تؤثر في تحديد العدل في كل المستويات. فما الحل إذاً؟
هنا يظهر سؤال مهم عن جوهر العدل هو: ما هو المنطلق الجذري للعدل ؟ وللإجابة أقول: إن العدل هو عكس الظلم كما هو معلوم. فلا عدل بالطبع إن ظهر الظلم. ولكن متى يظهر الظلم؟ والإجابة بالطبع هي إن قام فرد بسلب حق فرد آخر مثل قتل ابنه أو سلب ماله أو أخذ مكانه وما شابه ودون رد الحق لأهله ودون القصاص. وأحياناً قد لا يسلب الفرد الآخرين ولكنه قد يظلمهم بمنعهم من أخذ حقوقهم، كمنع الناس من أخذ الماء من بئر مشاع مثلاً. وبين هذين النقيضين، أي بين السلب والمنع أطياف مختلفة، كإقناع الشخص نفسه (برغم علمه بخطأ ما يفعله) بأنه إن دخل الجامعة ليأخذ مكان طالب آخر فإنه قد يكون أحق من ذلك الآخر لأنه لا مال له مثل ذلك الآخر الذي قد يدرس في جامعة خاصة، أو مثل اقتناع الفرد بأنه أحق من الآخرين في الحكم مثل الابن الذي يرث الحكم من أبيه، فهو يظلم شعباً بأكمله بقناعته التامة بكفاءته وبالتالي استحقاقه للحكم، وهكذا. فالظلم إذاً . الأخذ أو المنع دون استحقاق.
هو
إلى هنا بالطبع فإن الكل (المسلم وغيره) سيوافق على الوصف السابق لأنه لا إشكالية منطقية أو عقدية في المسألة، ولكن الاختلاف يأتي من الإجابة على السؤال الآتي: لكي يستحق الآخذ ما يأخذه والمانع ما يمنعه إن أردنا للعدل أن ينتشر، فلابد من ضوابط لهذا الأخذ أو المنع. ثم يأتي سؤال آخر: من يضع هذه الضوابط؟ هنا الفرق الجذري بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات (تذكر حديثنا عن مفترق الطريق بين المسلمين وغيرهم في فصل «القذف بالحق»)، ذلك أنه لأن الله الخالق الخلاق البديع خلق كل شيء، فليس لأي فرد الأخذ إلا بإذنه سبحانه وتعالى، وإذنه يتجلى في المبادئ التي أتت بها الشريعة والتي تتجلى في مقصوصة الحقوق والتي تساوي بين الجميع وإلا لن يظهر العدل مطلقاً. هذا لنا كمسلمين. أي حتى يكون هناك عدل يجب ألا يكون هناك ظلم، والظلم هو السلب و أو المنع، لهذا يجب ألا يسلب أو يمنع فرد أو جماعة الآخر أو الآخرين إلا فيما نصت عليه الشريعة، فهذا هو الأساس ولكن بالنسبة لغير المسلمين كيف نقنعهم؟
لأضع المسألة بطريقة ساطعة لكل علماني لتتضح الصورة: يمكننا القول لكل مسلم: أنت حر في أن تأخذ ما شئت مما أوجدته بجدارتك أو تمنعه عن الآخرين، فهذا حقك. ولكن هل خلقت شيئاً في هذا الكون ليكون لك هذا الخيار؟ فإن خلقت شيئاً فمن حقك أن تأخذ منه ما شئت وتمنعه عن غيرك لأنك أوجدته بجدارتك. أما إن لم تخلق شيئاً وأخذت من الطبيعة معادن أو من الناس الذين خلقهم الله) خدمات، فأنت أخذت ما لا تستحق لأنه ليس من إنتاجك إلا إن أذن لك من خلق كل هذه الخيرات أن تأخذ منها (أي الله الحق سبحانه وتعالى)، أو أذن لك من ملك بعض هذه الخيرات من البشر أن تأخذ منها . فإن أذن لك مالك الحديقة الأخذ من خضرواته مثلاً فلك ذلك. ولكن يجب ألا ننسى أن مالك الحديقة هذا وغيره من الملاك ما ملكوا إلا بإذن المالك السابق ومن قبله الأسبق وهكذا حتى نصل لأول مالك والذي لم يملك أو ما كان له حق التملك إلا باتباع ضوابط من الحق سبحانه وتعالى.
۱۳۹۰ 🗏
منهم
الخدمات
ولكن لنركز الآن على المواد الأولية للمنتجات المأخوذة من الطبيعة فقط لغرض إيصال الفكرة: فلأنه سبحانه وتعالى ودود لطيف بعباده رحمن رحيم، فقد وضع لهم مقصوصة حقوق تعدل بينهم في الأخذ وبطريقة تجعلهم يعيشون في سعادة على الدوام إن هم ساروا على ما وضعه لهم من ضوابط للأخذ. لهذا لا يحق لهم الأخذ إلا باتباع مقصوصة الحقوق وإلا لن يظهر العدل. فالطبيعة التي تأخذ منها الخيرات والناس الذين تأخذ من خلق الله الكريم الجواد. فلا يحق لمسؤول منح أو منع فرد أو جماعة من الأخذ من الخيرات إلا باتباع مقصوصة الحقوق، ولا يحق لابن حاكم مثلاً أن يحكم ويأخذ لنفسه ولأهله من الخيرات لأن هذا ليس من حقه. هنا نمر على مسألة برغم أنها هامشية لموضوعنا إلا أنها جذرية في تخلف ،الأمة، ألا وهي القناعات أو الاعتقادات الفاسدة: فهناك من الأسر الحاكمة مثلاً ممن يعتقد أبناؤها بأنهم لأن أبيهم أو جدهم قد وحد دولة ما أو أنه قد وصل للحكم بثورة ما، فإن ما في الدولة هو من حقهم وللناس ما فضل منهم. فيعيثون في البلاد ظلماً وفساداً بأخذ ما يشتهون واحتقار من لا يداهنهم وكأن البلاد بأكملها مزرعة لهم بدءاً من الأمويين وانتهاءً بالبعثيين كما في سوريا مثلاً. ولكن لنقل بأنك لست مسلماً وبالتالي لست مؤمناً بأن الله أوجد كل شيء وأن الطبيعة التي لا عقل لها هي التي أوجدت نفسها والعياذ بالله، عندها يكون السؤال لك: لماذا يحق لجورج من البشر أن يأخذ أكثر من ديانا؟ فلماذا يحق لك أن كنت ابن ثري أو مسؤول أن تأخذ أكثر من غيرك؟ أليس الجميع بشرا؟ هذا ما فشل فيه جميع الفلاسفة بدأ من أرسطو ومروراً بإيمانويل كانت وانتهاء برولز Rawls: ألا وهو العدل في توزيع الثروات، فكان الظلم. وما كان الظلم إلا لأنهم قيدوا هذا التوزيع بنظريات من وضع العقل البشري القاصر والذي انتهى بالحكم بالأهواء فظهر التفاضل في مستويات دون أخرى فكان الظلم كما هو ملموس وساطع في المجتمعات المعاصرة. ولعل من أقوى الأمثلة المؤدية للتفاضل: الأنظمة النقدية والبنوك والأسواق المالية كما سترى في هذا الفصل بإذن .. فهي منتهى الظلم وبطريقة غير مباشرة لم يلتفت لها عقل معظم المفكرين القاصر، بل ظنوا أن جمع أموال المدخرين في البنوك وإعادة استثمارها عن طريق المقترضين أمر لا مناص منه إن أريد للاقتصاد أن ينمو.
الله .
والسؤال الآن: إن كان العدل لا يظهر في المجتمع إلا إن طبق في جميع المستويات، فكيف نعرف المستويات وكيف نقوم العدل فيها؟ بالطبع كما هو معلوم للناس في المجتمعات غير المسلمة، يكون التطبيق من خلال الدساتير والأنظمة والقوانين. ولكن بأي مستوى نبدأ ذلك لأن كل مستوى سيؤثر على الآخر؟ فمثلاً، إن وجدت قناعة بأن موارد الدولة أقل مما يحتاجه الناس من معدن ما عندها سيضع المسؤولون قانوناً ينظم استخراج تلك المادة. وعند وضع القانون فإن من تمكن من الحصول على ترخيص لاستخراج تلك المادة فقد استحوذ على الخيرات أكثر من غيره وأخذ ما هو حق للآخرين لأنه سبقهم. وبهذا سيظهر الظلم في هذا المستوى وبعد جيل بالذات لأن الورثة يجنون حينئذ المال دونما عمل في معظم الأنظمة حتى وإن دفعوا الكثير من الضرائب كما هو مشاهد. وهذا سيغير صفة المجتمع حتى وإن عدل في قضائه بين الناس في مستويات أخرى (تذكر ما ذُكر في فصل «الخيرات» من أن المعدن لمن حازه باستخراجه وللآخرين الأخذ من نفس العرق أو الحوض ولكن من منفذ آخر). وهكذا إن تفكرت في جميع القوانين، وكما سترى بإذن الله، فإن الظلم سيتراكم في مستويات مختلفة من جراء تطبيق القوانين البشرية برغم ظهور المجتمع وكأنه عادل لأن القضاة أو الحكام عادلون.
لنأخذ مثالاً آخر: لقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الحاضر للباد بتلقي السلع من الركبان. وتلقي
١٢ الفصل والوصل
۱۳۹۱
الركبان هو خروج التجار لخارج المدينة لاستقبال من يأتي من أهل البادية بالسلع وشرائها منهم بسعر ثم إدخالها للمدينة وبيعها بسعر أعلى. ففي هذه الحالات لم تتم أي إضافة تحسينية للسلعة ولكن الربح أتى من وساطة تمت
من موقف استغلالي بتغيير المكان. وبرغم نهي الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن هذا منتشر في أيامنا هذه وهو يعرف بالوكالات الحصرية. فمعظم البضائع المصنوعة في مصانع خارج الدولة لا تأتي إلا عن طريق مورد حصري له نسبة ربحية محددة من كل قطعة تباع ودون مجهود كبير منه مثل الحليب المجفف والمشروبات الغازية والإلكترونيات وما شابه من سلع ولعل أنصع مثال هم وكلاء السيارات مثل الجفالي لسيارات مرسيديس الألمانية في السعودية وعبد اللطيف جميل لتويوتا. وكأن بيع تلك السلعة أصبح كنزاً أو بالأصح منجماً لهذا التاجر الذي لن يكد لا هو ولا ورثته للحصول على المال. فهو فقط لأنه سبق الآخرين وأصبح وكيلاً حصرياً فله التمتع بأرباح تلك السلعة والتي حتى يضمن استمراريتها فإن دوره في الحياة قد ينقلب من تاجر إلى سياسي بارع مداهن لمتخذي القرارات من المسؤولين ليستمر وكيلاً حصرياً لهذه السلعة، ولربما أضاف سلعاً أخرى بالتواطؤ كما المسؤولين مع هو حاصل في معظم الأحيان. فما من تاجر كبير إلا وهمه صلة المسؤولين وكأنهم ذوي رحمه، فتتراكم له وللمسؤولين من شركائه الأموال كما هو حادث في الجزائر مثلاً على أيدي الجنرالات (وقد وقع هذا في أوائل القرن الخامس عشر الهجري). وهذا ظلم لأن فيه منعاً للآخرين من الرزق ولأن فيه رفعاً للأسعار بسبب الاحتكار. هنا نرى في منع الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الحاضر للباد حركية تحرر الناس وترفع الظلم عنهم في مستوى معين من وضع الشريعة، وقد استبدلت بآلية أخرى استبدادية من وضع العقل البشري القاصر.
ولعلك تقول: ولكن في منع خروج التجار لتلقي الركبان تقييد لهم وكأنه قانون. فأقول: ستأتي الإجابة بإذن الله تحت عنوان: «خديعة الثقة» بعد عدة صفحات. تذكر أيضاً بأن هناك مستوى آخر من الظلم وهو الأعلى: ألا وهو وجود حدود للدول كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، ما يؤدي للمزيد من الإفقار. هنا في هذا المثال فإن لأي فرد إن طبقت الشريعة رفع شكوى ضد المورد والمستورد معاً. ولأنه لا دول قومية ولا حدود فاصلة، عندها فقط يحق للقاضي التدخل لإبطال الاتفاق بين المورد والمستورد.. بينما الفكر المعاصر يحترم الاتفاق بين الطرفين ما يؤدي للاحتكار ولمصلحة الطرفين أو أحدهما على حساب باقي أفراد المجتمع.
ولعلك تقول: ولكن هذه الحرية في الاتفاق بين الطرفين في مصلحتيهما، فلماذا يمنعان؟ فأجيب: بالطبع قد لا يكترث البائع أو المصنّع لأنه يكسب على الدوام، بل لعله سيكون أكثر اطمئناناً لأنه يتعامل مع مستورد واحد، بينما المستورد في ربح دائم بمجهود أقل. أما إن تم إبطال الاتفاق فإن الكل سيستفيد برغم أن هذا سيزعج المستورد بالتأكيد، وقد يزعج البائع أو المصنّع، إلا أن مقابل هذا الانزعاج فائدة قصوى للجميع بسبب العدل في الإطار الأكبر ما يؤدي لأفراد أكثر عدداً من المتمكنين فينحسر الفقر وبالتالي الجهل، وبهذا يسمو المجتمع بانتشار العدل، ومع سمو المجتمع فإن من كان مستورداً سيكون على الفوز أيضاً لأنه يعيش في مجتمع سعيد عزيز، حتى أنه مع تطبيق مقصوصة الحقوق لن يستشعر البائع الانزعاج لأنه لم يذق طعم التعامل مع مستورد واحد لأن العرف هو
هامش
جـ) لعلك تتعجب وتتساءل: كيف يقول هذا المؤلف أنه لا دول بحدود، وبالتالي يكون السؤال من يعيّن القاضي ومن يغطي نفقات معاشه ؟ ستأتي الإجابة بإذن الله في فصل الحكم.
۱۳۹۲ 🗏
منع بيع الحاضر للباد، بل على البائع التعامل مع أفراد أو مع عدة تجار، فتنتشر حركيات البيع لأفراد أو لتجار بدل البيع للوكيل الحصري فيظهر العدل بفتح المجال للجميع، أي أن المستورد الحصري لن يوجد أصلاً كما سيأتي بيانه بإذن الله في هذا الفصل.
أي ما أحاول إثباته في هذا الفصل والذي يليه بإذن الله هو أن انتشار العدل في المجتمع أمر مستحيل إن تجمعت للدولة بعض الأموال أو بعض قرارات إدارة الحياة. لأن الدولة باختصار هي أفراد. ومن هؤلاء الأفراد من فاسد أصلاً. هو
مع
حتى النزيه منهم قد يفسد بالمال والسلطة بمرور الزمن. وفساد فرد بين جماعة نزيهة سيفسد الزمن بعض من الباقين، وبالتدريج وبعد عدة أجيال سيفسد معظم المسؤولين. وهذا بالطبع ظلم. حتى وإن لم يفسد أحد من المسؤولين في المجتمع فلابد وأن يظهر الظلم بسبب تطبيق الأنظمة والقوانين. كيف؟
التوضيح الثالث: نقاط عدل أم مستويات ظلم؟
عندما تمتلك الدول الخيرات كالمعادن ثم تبيعها، وعندما تضع الضرائب لجمع المال، فلابد وأن تنفق هذه الأموال في الصالح العام، عندها لابد وأن يظهر الظلم في مستويات أو بعبارة أخرى: حتى لا يظهر الظلم في المجتمع يجب أن تبقى الأموال في أيدي الناس كيف؟ وما هي مستويات الظلم ؟ إن المجتمعات المعاصرة كما هو معلوم تدير حياتها من خلال الأنظمة والقوانين المنبثقة عن الدساتير. وهذه الدساتير هي من وضع العقل البشري القاصر. ولإثبات هذا فقط تذكر ما تمر به المجتمعات من صراع بين سكانها عن بنود ومحتويات الدستور. فآخرها ما مرت به أرض الكنانة مصر من صراع. ثم بعد الدساتير تأتي الأنظمة والقوانين. ولأن هذه الأنظمة تصدرها مؤسسات أو جماعات مختلفة متخصصة لما فيه الصالح العام، فهي تظهر في المجتمع على شكل حزم مختلفة من وضع العقل البشري (حتى وإن كان مبنياً على دراسات وأبحاث). فهناك حزمة للصحة وأخرى للتعليم وثالثة للعمران ورابعة للتجارة، وخامسة وسادسة، وهكذا من حزم تعكس المنظومات الحقوقية المنبثقة من الدساتير. وكل حزمة تنبثق منها منظومات أخرى فهناك أنظمة وقوانين استخراج المعادن، فهذا مستوى أول مثلاً، وهناك أنظمة وقوانين عن كيفية بيع هذه المعادن لتتشابك مع أنظمة وقوانين التعاملات في البنوك، وهذا مستوى ثان، وهناك أنظمة وقوانين التصنيع لهذه المعادن، وهذا مستوى ثالث، والتي قد تتشابك مع أنظمة وقوانين البناء، وهكذا من مئات الحزم الحقوقية في مستويات مختلفة. وهذه المستويات المؤدية للتشابك هي ما تؤدي للظلم كما سترى بإذن الله. وفي النقيض، و تطبيق الشريعة، فإن المقصود بنقاط العدل ، ومع التي يقع فيها خلاف بين طرفين والتي تُحل دون الرجوع للأنظمة والقوانين لأنه لا أنظمة ولا قوانين حاكمة، بل فقط مبادئ الشريعة الواضحة
هي
وكأنها السهل الممتنع كما سترى بإذن الله، فهذا هو لب موضوع هذا الكتاب.
النقاط
والآن بعد هذا التعريف للمستوى والنقطة، سأضع إطاراً نظرياً لهذا الفصل والفصلين القادمين للوصول للعدل المطلق كما تريدها الشريعة وبالتالي للكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع وللتنمية المستدامة ثم أحاول إثباته في باقي صفحات الكتاب فأقول وبالله التوفيق: كما حاولت أن أثبت وأثبت الآخرون، فإن موارد الكرة الأرضية أكثر من أن تنضب كما مر بنا في فصل «ابن السبيل». ولأن الناس مختلفون في مقدراتهم واهتماماتهم
١٢ الفصل والوصل
د
۱۳۹۳
وهواياتهم، ولأن الموارد كثيرة، فهي ستسع الجميع وبالتالي سيقع كل فرد من سكان الأرض سواء كان مسلماً أو لم يكن (بجود الله وكرمه) على ما يحب عمله كما مر بنا في فصلي ابن السبيل» و «الشركة». هذا بالطبع إن لم يوجد العقل القاصر الأنظمة والقوانين المقيدة والتي تمنع الناس من المبادرة، أي أن كل فرد يأخذ مما هو متوفر له من أرض أو معدن أو أي من الأصول المنتجة ويبادر ليُنتج فتكثر المنتجات وتظهر الخدمات وتتحول بالتدريج الكماليات إلى ضروريات، وبهذا يتقارب الناس في الدخل كما مر بنا. وحتى يأخذ الناس دون تقييد، وحتى يبادروا وينتجوا المستهلكات والخدمات دون تقييد، فلابد وألا توجد الأنظمة المقيدة، أي أنه لا ظلم. تذكر أخي القارئ دائماً أن الأنظمة والقوانين في الواقع العملي ما هي في الغالب إلا منافذ ليُستثنى ويمر منها البعض ولتسد في أوجه السواد الأعظم من الناس فيظهر الظلم. لهذا فعندما يتحرك الناس بحرية تامة للأخذ من الخيرات أو يتحركون بحرية تامة لإنتاج السلع والخدمات إن طبقت الشريعة فقد يصطدمون مع الآخرين لأن في حركاتهم هذه دون أنظمة أو قوانين ضرر على الآخرين أحياناً، عندها فإن المسألة يجب أن تحل فقط بالقضاء ودون الرجوع والقوانين. أي إن طبقت الشريعة ستظهر نقاط يتقابل فيها طرفان متنازعان أو أكثر فيذهبوا للقضاء للفصل بينهم. وهذه النقاط قد تكون في أي مستوى أو أي نقطة في المجتمع الاقتصادي أو العمراني. فقد يكون الخلاف بين رجلين أو أكثر على مقعد أو محل في السوق، أو قد يكون بين تاجرين أو أكثر على أرض في ضاحية المدينة، أو بين مستثمرين زراعيين على ترعة، أو بين مالكي مصنعين أو أكثر على سفح جبل يحوي معادن، أو بين قبيلتين أو أكثر على ملتقى نهرين أو بين شركتين على ابتكار ما . أو قد يكون الخلاف على حقوق الشراكة بين الشركاء داخل مصنع ما، أو بين السكان داخل عمارة ما، أو بين مورد ومستورد أو بين وكيل وموكله أو بين زوج وزوجته في وكالة أو حتى بين سلطان ومار في الطريق في شأن واجهة مسجد، وهكذا من أمثلة قد تقع تقع بين تقاطعات. النشاطات جميع الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية وفي جميع المستويات.
للأنظمة
الأنظمة
هنا في هذه النقاط، ولأنه لا أنظمة ولا قوانين، فعادة ما يصطلح المختلفون لأن حركيات الشريعة كما سيأتي بإذن الله تدفع للصلح قدر المستطاع إذ أن ﴿الصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ . لكن إن استمر الخلاف وطغى دون صلح بين الأطراف سيضطر الناس للذهاب للقضاء وسيظهر العدل أو الظلم بجلاء إن حكم القاضي، وبهذا ينتفي الظلم فيزداد الإنتاج. كيف؟ لأن المسألة الخلافية واضحة لأنها بين طرفين أو أكثر في نقطة محددة ودون الخضوع والتشابك مع والقوانين لأن الشريعة مطبقة»، فلن تكون الصورة ضبابية لأطراف النزاع وللقضاة، بل واضحة. ولأنها واضحة سيظهر الحكم سريعاً، وعندما يظهر سيعلم الجميع عن الحكم هل هو عادل أو ظالم. ولسرعة هذا الظهور أهمية قصوى لأن الظلم لن يستشري لأنه لا أقوياء أصلاً يساندون الظلم بسبب تقارب الناس في الدخل وبالتالي تقاربهم في القيم بسبب فتح أبواب التمكين)، ولأنه لا سلطات لديها صلاحيات فلا أهواء، فلا مكان إذاً للظلمة في الأمة، لهذا لن يرضى الناس بالظلم لسمو القيم ولن يجرؤ القاضي بالحكم ظلماً (تذكر غريزة كره الناس للظلم). سأعيد
هامش
د) وقد تتساءل: ولكن في بعض الدول كالدول الاسكندنافية مثلاً الشريعة فسيتلافى المجتمع هذه البيروقراطيات، ناهيك من أن في هذه فإن الأنظمة مطبقة بشفافية تامة تعدل بين الناس؟ فأجيب: هذا الأنظمة قصور عقلي برغم نزاهتها، فهي ليست الأمثل لأنها ستؤدي صحيح ولكن مع بيروقراطيات مكلفة للمجتمع. ومع تطبيق للتلوث كما أحاول أن أثبت في هذا الكتاب.
١٣٩٤ 🗏
السابق أخي القارئ بصياغة أخرى لأهميته: لأن العدل أو الظلم جلي ويراه الجميع، فلا مجال للحكم من الانفلات من الوضوح، عندها سيظهر الظلم إن لم يُحكم بالعدل. أي لأن هذه النقاط الخلافية غير مقيدة بالأنظمة والقوانين ولا تخضع لها، بل تُحل بتقبل جميع الظروف المحيطة بالنقطة الخلافية، فإن الظلم سيظهر بوضوح وجلياً إن مال القاضي في حكمه. وهذا لن يرضاه المجتمع لأن أفراده متقاربون في الدخل وبالتالي في القيم السامية من جهة، ولأنه لا قوى هناك تؤثر على قرار القاضي من جهة أخرى. أي أن مسيرة المجتمع الاقتصادية مربوطة فقط بالفصل بمبادئ الشريعة بين المختلفين في نقاط الخلاف». (أرجو قراءة الجملة السابقة مرة أخرى لأهميتها). لهذا، ولأنه لا لأنظمة ولا لقوانين، أي لا وجود للقيود، فإن الكل سيكون أكثر مبادرة وإبداعاً لاسيما أن الموارد أكثر من كافية. وهذا يعني الانطلاق للجميع لأن الفرد أو الشركاء أو الجماعة أو القبيلة المبادرة لا توقفها إلا الصدامات، أو بالأحرى الخلافات مع الآخرين إن وجدت أو ظهرت ،ولهذا فإن تم تلافي ،الصدام، أو بالأحرى الخلاف مع الآخرين فإن الانطلاق هو الطريق. لهذا سيحاول الجميع تلافي الصدام قدر المستطاع لكي لا يظهر الخلاف المثبط لأن في عدم ظهوره مصلحة للجميع، وبهذا يزداد الإنتاج جودة وكثرة لاسيما أن الكرة الأرضية متسعة لحراك الجميع
وجود
دون اصطدام
وفي النقيض، فإن المسيرة الاقتصادية في مجتمع ديمقراطي رأسمالي مربوطة بالأنظمة والقوانين في مستويات بعضها فوق بعض، وبعضها مواز لبعض فتظهر التقاطعات التي تنظمها قوانين أخرى، فتعج المجتمعات بالأنظمة والقوانين في مستويات مختلفة متشابكة والتي سيخضع لها حكم القضاء (أي أن القضاء يعمل تحت مظلة الأنظمة والقوانين والتي قد لا تكون عادلة في ذاتها). وهكذا من مئات الأنظمة والقوانين والتي لا يمكن للفرد معرفة أيها أعلى من الآخر أحياناً وأيها يقيد الآخر أحياناً أخرى. ولأن كل مستوى خاضع للعقل البشري القاصر الذي يدعي التحرر فإن فيه ظلم لمن أراد الحركة.
أن
أي باختصار فإن المجتمع الاقتصادي الاجتماعي المعاصر خاضع لمستويات من الظلم لأن القناعة هي موارد الأرض ستنضب إن لم تقنن استهلاكيتها، فلا حق للناس الأخذ مما هو متوافر من جهة، ولأن القناعة أن الناس سيتظالمون بسبب الانفلات، فلا حق لهم في التصرف إلا باتباع الأنظمة والقوانين من جهة أخرى. أي وكأن المجتمعات الديمقراطية الرأسمالية حواجز بعضها فوق بعض وبعضها خلف بعض وبعضها داخل بعض. فهناك مثلاً أكثر من ثمانية آلاف مادة لحماية البيئة في ألمانيا ما يتطلب أعباء بيروقراطية لا حد لها.
ولعلك تتساءل ناقداً: ما الفرق إذا بين الأنظمة والقوانين في الدول الديمقراطية والتي يخضع لها القضاء وبين
هذا
مبادئ الشريعة التي يخضع لها القضاء، ففي كلاهما يخضع الناس للحكم. فأجيب: ستأتي الإجابة في باقي الفصل والفصلين القادمين بإذن الله. ولكن لضرب مثال سريع أقول: لقد استنتج الدكتور صالح الهذلول أثابه الله من دراسته للمدينة الإسلامية بأن هناك نوعين من السلوك في التعامل مع العمران في كتب الفقه: السلوك الوضعي وهو الذي يوجه الناس لما «عليهم فعله » prescriptive هذا التمييز كان فردرك هايك قد أثاره أيضاً في دراسته للقانون كما سيأتي في هذا الفصل بإذن الله، والسلوك التي تؤدي إليه الشريعة وهو الذي يوجه الناس لما «لا يحق لهم فعله» proscriptive . ثم بعد دراستي للمدينة الإسلامية استفدت من استنتاجه هذا فلاحظت بأن هناك فرقاً شاسعاً بين الحقوق في الشريعة والحقوق في النظم الوضعية في السيطرة على العمران وتنظيمه (وهذا ينطبق على
۱۳۹۵
١٢ الفصل والوصل
الاقتصاد أيضاً كما سترى في هذا الفصل بإذن الله). ففي البيئة المعاصرة نلحظ أن التنظيم العمراني يأتي من خلال «القوانين الآمرة» التي تقول للناس «ما يفعلون». فهي تأمرهم بما يجب عليهم فعله. فقانون الارتدادات في البناء مثلاً يقول للناس أن عليهم أن يتركوا مسافة كذا وكذا عن الشارع، وقانون الارتفاعات يقول لهم بألا يعلو مبناهم عن دورين أو كذا متر. وهذا ينطبق على جميع القوانين الأخرى من مواصفات بشأن مواقع الآبار والمصانع ونحوهما. أما إن طبقت الشريعة فإن الوسيلة المتبعة هي القواعد أو المبادئ الناهية التي تقول للناس «ما لا يحق لهم فعله» مثل منع الإضرار بالآخرين. فللإنسان مطلق التصرف في ملكه طالما أنه لم يضر الآخرين. والفرق بين السلوكين شاسع. فالقوانين الآمرة تؤدي في النهاية إلى إضعاف مبادرات وإبداعات السكان لأنها تقول لهم ما يجب عليهم فعله. وبالعكس، فإن المبادئ الناهية التي تعني بأن كل شيء مباح إلا ما قد منع، ستزيد من مبادرات الناس وإبداعاتهم (وسيأتي إثباته في فصل «الموافقات» بإذن الله. فإن أراد فرد إنشاء مصنع في وضعنا المعاصر فعليه اتباع الكثير من الأنظمة والمواصفات للحصول على التراخيص التي يمكن اختراقها بالرشوة، أما بتطبيق الشريعة فله المبادرة وإنشاء المصنع ورغماً عن الجميع لأن المصنع لن يوقف إلا إن ثبت ضرره. لهذا نتوقع ممن أراد أن ينشئ المضي قدماً في مشروعه مع مراعاة تلافي الضرر حتى لا يصطدم مع الآخرين. وهذا المثال عن المصنع هو مثال عمراني، والشيء ذاته كما سترى بإذن الله في باقي الكتاب ينطبق على الحقوق وبالتالي على الاقتصاد وجميع النشاطات التنموية. لهذا فهناك فرق شاسع بين السلوكين: أحدهما يحاول تلافي الإضرار بالآخرين مع منحهم الحرية التامة للانطلاق، والآخر القاصر يقيد الناس ويدفعهم لاتجاه محدد ويشل مبادراتهم وابتكاراتهم. من التنويه الآتي والذي سيظهر بجلاء أكبر في فصلي «الموافقات» و «الأماكن» بإذن الله. والتنويه هو:
مصنعاً
عادلاً
صحیح،
لهذا فلابد
لأن الأنظمة والقوانين الوضعية تضع الناس جميعاً نظرياً في صف واحد ليظهر العدل (بينما هم عملياً متفاوتون)، يعتقد معظم الناس أن العدالة هي المساواة بين الناس في الحقوق تماماً، وبالتالي حتى يكون الإسلام في نظرهم يجب أن يساوي بين الناس فتظهر الأنظمة والقوانين لاستحداث التساوي. وهذا بالطبع غير فللعدالة في الإسلام مفهوم أعمق، فمقصوصة الحقوق تؤدي الحركيات تنتهي بحقوق متفاوتة بين الناس بناء على أقدميتهم في الحيازة أو الإحياء أو العمل وما شابه من مبادرات فقد تكون داران متقابلتان، وفي أحدهما دكان تقابل الدار الآخرى وليس للدار الأخرى الحق في فتح دكان مشابه. أي أن الحقوق ليست متساوية بين العقارين، ما عرف بحيازة الضرر لأن الأسبق في الإحياء سبق بفتح الدكان قبل أن تنشأ الدار الأخرى. ولكن هذا لا يعني أبداً أن الأسبق هو الذي سيحوز خيرات أكثر وأن في هذا ظلم للأجيال المتأخرة، لا، فالذي سيحدث (وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله هو أن هذه الحركيات (مثل حيازة الضرر) ستوجد أعرافاً يتبعها الجميع طوعاً، فيأتي العدل لجميع الأفراد برغم التفاوت البسيط بين فرد وآخر. فالأكبر سناً مثلاً وبسبب أقدميته في التجارة هو الأحظى إلا أن هذا لن يدوم لأن الأصغر سيكبر يوماً ما. وهكذا في العمران أيضاً (كما وضحت في كتاب «عمارة الأرض». أي أن هذا التفاوت البسيط الذي لن يدوم خير من التفاوت الكبير الثابت والذي هو ظلم.
هامش
وهو
هـ) كما حاولت في كتاب «عمارة الأرض» تبيانه فإن حيازة الضرر وقوانين الحكومات والأنظمة برغم أنها قد تكون منطقية إلا أنها حركية مهمة لجذ ظهور الأنظمة والقوانين، فالبيئة لن تستقر بين بأيدي أفراد، والأفراد أهواء، والأهواء ظلم. (أنظر الفصلين السادس السكان إلا بحيازة الضرر كحركية إن أردنا إنتاج عمران بدون أنظمة والسابع من كتاب «عمارة الأرض»).
١٣٩٦ 🗏
هي
أي أن من أهم مسببات الفساد والتي أدت للاستعباد (التسخير) بين الناس. الأنظمة والقوانين ولإثبات هذا لابد وأن تشتمل الدراسة على جانبين هما المال والسلطة، أي: أولاً : كيفية ظهور الظلم عن طريق التحكم في تحريك الأموال، وهو موضوع هذا الفصل. وثانياً: تحكم السلطات في الموارد والمبادرات من خلال الموافقات (التراخيص والتصاريح وهو موضوع الفصلين القادمين بإذن الله.
التوضيح الرابع : تحريك الأموال: ظلم أكبر
لاحظ أخي القارئ أن هناك فرق بين الحركة والتحريك : فالتحريك هو بفعل قوة خارجية عمن أو عما يتحرك. أما الحركة فهي في الغالب الحركة بإرادة المتحرك نفسه. فالإسلام كما ستلحظ يؤدي للحركة لكل من الناس والمنتجات كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، ويؤدي أيضاً لحركة الأموال كما سترى في هذا الفصل بإذن الله، وبهذا ستتحرك المعرفة كما سيأتي في فصل «المعرفة» بإذن الله. وفي كل هذا خير للبشر. أما النظم البشرية فهي تؤدي للتحريك، ولكن لتحريك رؤوس الأموال والمنتجات فقط، وفي حدود ضيقة مع الانفلات أحياناً فيما فيه ضرر على الأمة كما في صفقات التحوط أو ما يعرف بـ Hedg Funds مثلاً، وفي الوقت ذاته فإن النظم البشرية تحبس الناس والمعرفة قدر المستطاع من الحركة. وفي هذا ظلم وإهدار للطاقات وتخلف كما سترى بإذن الله. ومن الآن وصاعداً سأحاول الالتزام بهذين التعريفين للتمييز، أي: الحركة والتحريك.
سأضع الآن بتوفيق الله فكرة أساسية لمواصلة قراءة الكتاب ثم أثبتها في ثنايا هذا الفصل بإذن الله، والفكرة هي وصف لكيفية وقوع الظلم على معظم أفراد المجتمع دون علم منهم من خلال تحريك الأموال. أي أن الإطار الأكبر في المجتمع هو «إطار ظالم» بالضرورة والفكرة ببساطة هي كالآتي: إن تفكرنا في أسس الاقتصاد السائد قبل الإسلام ثم أتى الإسلام وتقبلها وأكمل عليها نجد أن البيع والشراء كما هو معلوم كان «بالتقايض» barter بالسلع والخدمات بين الناس حتى تظهر الحركة الاقتصادية التي توجد الثقة والتي تؤدي لعمل الناس لتحويل المواد الخام والقوى والإبداعات البشرية إلى سلع وخدمات ليرتاح البشر. ولأن التقايض أو التبادل بالمنتجات دون نقد كان صعباً (أي مبادلة ثلاث بيضات مقابل رغيفين مثلاً)، ولأن الناس أرادوا التحرر من التقايض مع أفراد محددين ما يقيد حرياتهم، ظهر النقد الذي كان معدناً نادراً كالذهب والفضة والذي حمل في طياته ثمناً يجسد المجهود البشري المستثمر في الإنتاج بالإضافة لهامش الربح الذي كان يقل مع زيادة العرض. فكما قلت مراراً بأن الناس أخذوا وبإمكانهم أن يأخذوا (إن طبقت الشريعة) الخيرات لما ينتجونه من الطبيعة مجاناً. أي وكأن المنتجات ذاتها لا
تعكس في قيمتها إلا المجهود البشري المستثمر في المنتج من استخراج للمواد الخام وتصنيع وإبداع وصقل بالإضافة لهامش الربح، ذلك أن مادة المنتج مجانية لأنها محازة من الطبيعة، فأتت النقود الذهبية أو الفضية وأحياناً الأحجار الكريمة لخزن ثم نقل هذا المجهود والإبداع من فرد لآخر ومن موضع لآخر عن طريق المقايضة (البيع والشراء). هكذا وثق الناس بأن المعادن التي لديهم وكأنها مستودع لمجهودهم الذي يستطيعون مقايضته مستقبلاً للحصول على منتجات هم بحاجة لها، وبهذا يبادر الناس للعمل فيزداد الإنتاج، فتزداد الحياة سهولة بتعدد المنتجات
المؤدية للراحة البشرية.
١٢ الفصل والوصل
۱۳۹۷
هو
السابق هو وصف بدهي ومعلوم للجميع، لكن لاحظ أن في هذا الوصف السابق ثلاثة مبادئ أساسية انقلبت رأساً على عقب مع تقادم الزمن ثم تأكدت مع الرأسمالية: المبدأ الأول هو أن المجهود المستثمر من البشر الذي حبس في المنتج والذي تحول إلى ثمن من خلال النقد الذي له قيمة لأنه معدن نفيس والذي ينتقل من يد لأخرى. أي أن الناقل للمجهود الذهب والفضة هو في حد ذاته له قيمة نظراً لندرته، وليس كالنقود الورقية الحالية التي لا قيمة لها في ذاتها بل فقط أوراق عليها وعد بالسداد فقط. ومن ملك هذه الأوراق كان الأقوى دونما إنتاج فعلي كما سترى بإذن الله.
المبدأ الثاني هو : إن ما هو متواجد من نقد وأعيان في أي أمة أو إقليم أو بلدة أو قرية يعكس مجموع أعمال أفراد تلك المنطقة، ذلك لأن المنتجات حبست مجهودات إنتاجها فيها أو في معادن ذات قيمة تمثلها. أي أن جميع مجهودات البشر الإنتاجية مجسدة ويمكن حصرها فيما نراه من منتجات سواء كانت عينية أو خدمية (تذكر ما قلناه في فصل «الشركة» عن العمل المودع والمستويات الخمسة المتدرجة في قربها من الأصول المنتجة). وهكذا منطقياً، كلما زاد إنتاج سلعة ما فإن سعرها سينخفض، والعكس أيضاً صحيح. أي أن السوق إن طبقت حركيات الشريعة سيعكس بشفافية تامة احتياجات الناس من خلال حركية الأثمان وحركيات أخرى مهمة سيأتي بيانها في هذا الفصل وفصل «البركة» بإذن الله. أي منطقياً فإن أثمان السلع هي في انخفاض في معظم الأحيان نظراً للتقدم التقني في الإنتاج وليس العكس كأيامنا هذه. فلا ارتفاع للأسعار إذاً إلا نادراً وفقط إن شحت الموارد المكونة للمنتج أو ظهر ابتكار جديد لمنتج جديد والذي سرعان ما يفقد ندرته لتوجه الناس لإنتاجه لأن المعرفة مشاعة. فقط تذكر دائماً أخي القارئ أن ما هو موجود من منتجات شاملاً الذهب والفضة، يشير إلى تراكم مجهودات البشر. فالمنتجات وكأنها مخزن لمجموع العمل البشري.
المبدأ الثالث هو
كيفية الحصول على النقد أو الثروة: فلأن هذا الإنتاج للسلع والخدمات يتناقله الناس عن طريق نقد له قيمة ويثق به الآخرون، ولأن الفرد لن يحصل على هذا النقد إلا إن بذل مجهوداً يتجسد في منتج أو خدمة ما، فإنه لا وسيلة لإيجاد الثروة، أي لا وسيلة للحصول على النقد إلا بالعمل والإنتاج. لكن لاحظ أيضاً أن هذه النقود التي لها قيمة ثمنية، حتى وإن فقدت قيمتها الثمنية (كأن يصدر السلطان أمراً بالغاء العمل بهذه النقود)، فإن مادتها المصنوعة منها من ذهب أو فضة لاتزال تحمل في طياتها قيمة تعكس لدرجة معينة المجهودات
البشرية.
ومن هذه المبادئ الثلاثة الأساسية وهناك مبادئ أخرى سنأتي عليها بإذن الله) نستنتج أنه كلما عمل الفرد أكثر كلما كان غنياً أكثر ، وليس كحالنا اليوم إذ أن الثراء ليس بالضرورة نتاج تراكم العمل المنتج لما هو مستهلك من أعيان أو خدمات، بل من خلال طرق كثيرة غير منتجة كالمضاربات على الأسهم والعقارات والتنفذ في المناصب وما شابه. أي أن فرص فقدان الفرد لمجهوداته لن تضمحل لأنها محبوسة أو مودعة داخل ما أنتجه أو باعه فحصل
هامش
و) لعلك تقول بأن المعرفة إن كانت مشاعة فلا حقوق فكرية لمن ز لعلك تقول: ولكن التعامل بالذهب والفضة مسألة مستحيلة اخترع وبهذا يذبل الحماس للابتكار !!! ستأتي الإجابة في فصل المعرفة الصغائر المنتجات، ناهيك عن أسواق المال التي تتم فيها التعاملات بإذن الله، ولكن لفكرة سريعة، فبإمكانك النظر في هذا الفصل بالحواسيب الآلية دون رؤية النقد أقول: ستأتي الإجابة في هذا لعنوان : «متعة الإنتاج: التحررات الخمسة». الفصل بإذن الله .
۱۳۹۸ 🗏
على النقد والذي له ثمن. وهذا ما سيحدث إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله. أي أن العمل يُزيل الفقر من جهة، وأن موجودات المجتمع من منتجات ستزداد بزيادة العمل من جهة أخرى. ولأن العلم والإبداع البشري في تقدم، ولأن التصنيع في تقدم، ولأن خيرات الأرض أكثر من كافية، ولأن الكل يعمل إذ لا أعمال بيروقراطية، بل كفاءة وعدالة كما مر بنا في الفصل السابق (وسيأتي في هذا الفصل بإذن الله، فإن المنتجات ستزداد نوعاً وكماً مقارنة بتعداد السكان. فالمنتجات إذا تسبق السكان في الزيادة مهما زاد تعداد سكان الأرض، وكلما زاد سكان الأرض كلما ازداد الرخاء. لهذا لن يظهر الفقر أبداً لأن الخيرات على الأرض أكثر مما يحتاجه البشر ولأنهم ينتجون هذه المنتجات بتقنيات عالية وبكميات كبيرة. هذه المعادلة السهلة التي تعكس الثراء من خلال بذل المجهود تغيرت وانقلبت فظهر الظلم ومن ثم الفقر بسبب العقل البشري القاصر الذي خرج عن شرع الله. كيف؟ الإجابة هي من خلال عدة انحرافات سبق تبيان بعضها سابقاً، ومن أهمها منع إحياء الخيرات: وهو باختصار أن المنتجات الآن لا تعكس فقط المجهود والإبداع المبذول في المادة المصنعة . مع هامش ربحها وندرتها كسلعة مستحدثة، بل تعكس أيضاً قيمة المادة الخام التي زادت لأن السلطات سيطرت على مصادر هذه المواد أو وضعت الضرائب عليها فارتفعت قيمتها (تذكر ما مر بنا عن الندرة النسبية. بالإضافة لهذا الانحراف فهناك انحرافان آخران مهمان. الثاني منهما هو الموافقات، وهو ندرة المنتجين والمصانع لأن تحكم السلطات في المبادرات أدى إلى التثبيط في التصنيع والإنتاج ما أثر في المعروض من المنتجات فزادت الندرة بقلة الإنتاج فارتفع السعر. وهذا هو موضوع فصل «الموافقات» بإذن الله. أما الانحراف الأول (وهو موضوع هذا الفصل) فهو التعاملات المالية المعاصرة والتي من خلالها ظهر نوعان من الهدر هما: الاستبداد المالي والتبديد المالي. فما الفرق بينهما؟
التوضيح الخامس الاستبداد والتبديد
هذه السندات
ط
لقد اعتدنا هذه الأيام عند سماع الأخبار الاقتصادية أن دولة كذا أصدرت سندات بمبلغ كذا بليون. هي . خير مثال على الاستبداد. كيف؟ لأن المال سلطان، فإن من ملك المال ازداد سلطانه، فعندما تقرر الدولة إنشاء مشروع ضخم مثل محطات سكك الحديد أو بناء مطار ضخم، وعندما يعيث المسؤولون فساداً بأموال الدولة في كل ما هو ترفي من مقار إقاماتهم ونفقات سفرياتهم واحتفالاتهم وتضخم مرتباتهم وما شابه، وعندما يقذف مسؤولوا الدولة بالغيب من مكان بعيد باتخاذ قرارات قد لا تكون صائبة في مردودها المالي مثل إنشاء الملاعب لدورة أولمبية كما حدث في اليونان ثم أفلست أو عندما يقرر سلطان عُمان إنشاء دار باذخة للأوبرا في مدينة مسقط بأموال الدولة، فإن نفقات الدولة ستزداد فيظهر العجز المالي في الموازنة العامة، وبهذا تحتاج الدولة للمزيد من المال، عندها قد تُصدر الدولة السندات المالية كما هي حال معظم دول العالم الغربي. وهذه السندات صكوك بالوعد بالسداد لكامل المبلغ في أجل لاحق مع دفع الفوائد المستحقة على هذه السندات عندما يحين موعد إطفائها (أي إتمام سدادها). وعندما تنزل هذه السندات لأسواق المال يتاجر بها الناس فيما بينهم. أي وكأن الدولة اقترضت من الناس. أي أن الدولة سحبت أموال الناس ولكن ليس مقابل أي مقايضة تجارية، بل فقط مقابل الوعد بالسداد. أي أن الدولة أخذت من الموجودات التي أنتجها الناس دون أن تعطيهم بديلاً إنتاجياً إلا الوعد
هي
١٢ الفصل والوصل
۱۳۹۹
هي
بالسداد. أي أن المقايضة ليست أجهزة مقابل قمصان أو أجهزة مقابل قطع ذهبية أو فضية، بل أوراق بها وعد بالسداد مستقبلاً مقابل سحب السيولة التي في أيدي الناس. لذا، فلهذه السندات آفتان: الأولى أن الدولة سحبت من المجتمع الاقتصادي البذرات التي كان من المفترض بها أن تؤدي من خلال الشراكات للمزيد من العمل والإنتاج لزيادة المستهلكات، وبهذا السحب انخفض الإنتاج واضمحل.
والآفة الثانية هي أن تسديد قيم وأرباح هذه السندات قد زادت الأموال في المجتمع الاقتصادي بعد إصدار هذه السندات دون مقابل إنتاجي إلا الاقتراض من الأجيال القادمة بطبع المزيد من السندات وبهذا تزداد السيولة في المجتمع دون مقابل إنتاجي. وهنا لابد لنا من التمييز بين معنى كلمتين سيتكرر استخدامهما في باقي الكتاب وهما: الإيجاد للثروة والاختلاق للثروة. كيف؟ كان بالإمكان القول خلق الثروة للتعبير عمن عمل وأوجد منتجاً يتقايض به الناس، ولكن لأن الخلق هو الإيجاد من العدم والذي لا يستطيع فعله إلا الله عز وجل، سأستخدم كلمة إيجاد أو أي كلمة أخرى للتعبير عن القيام بمجهود بدني أو فكري لاستحداث المنتجات أو الخدمات. أما إن اختلقت الثروة، أي أن من حصل عليها إنما حازها دونما إنتاج فعلي (كما تفعل الحكومات والبنوك)، فعندها فإن في كلمة «اختلاق» تعبير عن الإيجاد دونما مجهود وهذا يؤدي لسرقة مجهودات الناس. كيف؟
إن ما تفعله الدولة مع إصدار السندات هو سحب الأموال من الناس لتعيدها إليهم مرة أخرى بعد زمن مع الأرباح والتي عادة ما تقدر بنسبة مئوية ربوية. أي أن المال قد زاد مقابل السلع والخدمات. وهذه الزيادة هي ما سميتها بالاستبداد لأنها اختلاق للثروة، ذلك أن الدولة لديها ثقة الناس بالسداد لأن الطاغي في مفهوم الناس أنه لا حياة دون دولة ذات سيادة ومسؤوليات فلابد إذاً من الحياة مع الثقة في الدولة وبالذات في العالم الغربي)، ولأنه لا دولة تتنكر للسداد، ولأن أبواب العمل موصدة أمام الناس بسبب التصاريح التي لا تُعطى بسهولة (وبهذا تشح
هامش
ح) السندات هي أداة دين بالنسبة لمن أصدرها، وهي في الوقت ذاته ملكيته لها في مكان آمن. وأسهم الدخل وهي أسهم لشركات تميل إلى أداة استثمار الحاملها. وتختلف السندات من حيث عوائدها. فمنها ما دفع معظم أرباحها مثل شركات الخدمات. والأسهم الدورية ، وهي هو أكثر موثوقية مثل سندات الدول القوية، وهي عادة ما تكون أقل أسهم وكأنها مرآة تعكس الأداء الاقتصادي، إذ ترتفع أرباحها في حالة في عوائدها لأنها أقل مخاطرة. ومنها السندات التي تطرحها الشركات الازدهار وتنخفض في حالات الركود والسندات القابلة للتحويل وهي ذات عوائد أعلى لأن المخاطرة أكبر. وتختلف السندات أيضاً من وهي سندات دين تصدرها الشركات مع أحقية استبدالها بعدد من حيث أنواعها، فهناك السندات لحاملها، وهي السندات التي لا تحمل الأسهم العادية في نفس الشركة المصدرة بنسبة تبادل تحدد سلفاً. إسم حاملها، وهناك السندات الإسمية، وهي التي تحمل إسم صاحبها. والسند الأبدي هـ هو السند الذي يدر عائداً محدداً إلى الأبد وليس له وهناك السندات القصيرة الأجل والمتوسطة الأجل والطويلة الأجل. تاریخ استحقاق. وسندات قابلة للاستدعاء ذلك أنها تعطي الحق ومن السندات المشهورة أيضاً ما تصدره الحكومات أو الشركات لمصدر السند لاستدعاء جزء أو كل السندات المصدرة قبل تاريخ لإعادة هيكلة ديون مغطاة بأصول عينية منقولة أو عقارية من خلال الاستحقاق. التوريق لعملية شراء الديون. أي عملية تحويل الأصول غير السائلة المرابحة أو arbitrage هي ـ شراء ورقة مالية من سوق ما وبيعها في على المدى القصير أو تلك المدرة لدخل على المدى الطويل بحيث سوق آخر للاستفادة من فرق السعر بقصد الربح دون التعرض يمكن حسابها وتقديرها مستقبلاً وبالتالي تحويلها إلى مستندات أو للمخاطر، وعادة ما يتم إبرام هذه الصفقات بين سـوق العقـود صكوك. وبهذا تتمكن الجهة المصدرة من الحصول على السيولة التي المستقبلية والسوق الحاضرة. تمكنها من الاستمرار في الاستفادة من هذه الموجودات ليستمر ط) ولعلك هنا تقول بأن مثل هذه القرارات لمشاريع واعدة ستفيد الأمة! فأجيب: نعم هي تفيد الأمة ولكن بتكلفة عالية لا توازي
عطاؤها كما يزعمون. لقد تعددت الأسهم في أنواعها وقوانينها وأسواقها، فهناك السهم المنفعة. وكما سترى في الحديث عن الوفورات في الفصل بعد القادم الدفاعي defensive stock وهو السوق الذي لا يتوقع أن ينخفض بإذن الله فإن تطبيق الشريعة سيوجد هذه الخدمات بنوعية أعلى عائده في فترات الكساد، وهناك أسهم السند الحامله، وهي سهم لا وسعر أقل من خلال قيام الناس بذلك.
تحمل اسم مالكها، بل على المالك أن يحتفظ بالأوراق التي تثبت
١٤٠٠ 🗏
مجالات الاستثمار)، نجد أن الناس يتوجهون بفائض أموالهم لاستثمارها في مثل هذه السندات. ولكن السندات ليست كالنقدين الذهب والفضة والتي تحمل في طياتها المجهود المبذل لإنتاج السلع والخدمات، ولكنها تحمل فقط الوعد بالسداد للدين مستقبلاً، أي أن المعادلة واضحة وهي أن النقد المتداول بسبب إصدار هذه السندات انتقل من أيدي الناس إلى الدولة والتي ستعيدها مرة أخرى على شكل استثمارات في البنية التحتية أو الدفاع مثلاً، بالإضافة إلى أن المال زاد في المجتمع بقدر نسبة الأرباح دون زيادة موازية في الإنتاج، عندها لابد وأن يظهر «التضخم المالي» لأن المعروض من النقد أصبح أكثر من المعروض من السلع والخدمات بسبب اختلاق هذه الأرباح التي لم تغطها أي منتجات. وبالإضافة للأرباح، فهناك أصول هذه السندات فهي أموال اقترضتها الدولة من الأجيال القادمة (وسيأتي بيانه بإذن الله، لأنها دين على الدولة ودون مقابل إنتاجي. فهي أموال مختلقة ولابد وأن تؤدي للتضخم. ومن جهة أخرى، فإن البنوك أيضاً تختلق الثروة مع كل قرض مالي تقرضه للآخرين. وهذه طامة تؤدي للتضخم أيضاً (وسيأتي بيانه بإذن الله).
ولكن ماذا يعني التضخم المالي؟ يعني أن النقود لا تستطيع القيام بدورها الأهم ألا وهو العمل كوحدة حسابية للمستهلكات والخدمات بطريقة عادلة، ذلك أنها تعني ببساطة سرقة الدولة والبنوك لأموال الناس، وهذا ظلم لأن الإطار الاقتصادي إطار ظالم ، ذلك أن السلع قد ارتفع سعرها بزيادة النقد المتداول، فمن أراد شراء أثاث جديد أو سيارة فعليه دفع مال أكثر . أي أن العمل الذي كان يقوم به الفرد لمدة خمس سنوات والذي سيؤدي لشراء سيارة من خلال التوفير مثلاً، زاد فأصبح لزاماً على الفرد العمل لمدة أطول للحصول على نفس السيارة. وفي هذا ظلم عظيم للناس لأن فيه آفتين أيضاً: الأولى هي «النقل اليسير والمستمر» للمنتجات ممن يعملون وينتجون (كعمال المصانع والمزارعين مثلاً) لمن لا ينتجون كموظفي الدولة وملاك البنوك. أي أنه استنزاف يسير إلا أنه مستمر بسبب الاختلاق. أي أن النظام الرأسمالي أوجد إطاراً ظالماً يسرق الناس باستمرار.
والآفة الثانية
هي
ك
أن كل نقد سواء كان عينياً أو ورقياً ما هو إلا في الواقع سلطة متحركة. فالمال سلطان كما مر بنا. فكما هو معلوم، فإن المال الورقي الذي يثق به الناس يأتي للفرد بالسلع والخدمات. ومن كثر لديه المال ازداد قوة في المجتمع. وبهذا فإن موازين القوى في المجتمع في تغير باستمرار ليكون الأكثر مالاً هو الأكثر سلطاناً وجاهاً برغم عدم إنتاجه فعلياً، بل إدارياً فقط) مثل مسؤولي الدول والشركات وملاك البنوك الذين هم أثرى بالطبع حتى من الأطباء والمهندسين. ولأن من لا يعملون حصلوا على هذا الجاه والسلطان دون استثمار مجهود فعلي ولأن أبواب العمل موصدة أمام من أراد العمل، فلابد وأن يظهر الفقر لأن موجودات المجتمع من منتجات مقارنة بالنقد الورقي في تناقص وهذا هو الاستبداد أي سرقة الدولة والبنوك لأموال الناس وبالتالي الاستزادة في
منهم،
التسلط
بسبب هذا النقل المستمر المستنزف للمجهودات المودعة من الناس إلى الدولة.
هامش
ي) ولعلك تسأل : فما الفرق بين قطعة ذهبية وورقة مطبوعة، وكما سترى بإذن الله في فصل «الأماكن » فهناك وسائل أفضل تنتجها فكلاهما يحمل وعداً بالسداد ؟ فأجيب : الفارق كبير من حيث ازدياد مقصوصة الحقوق. السيولة المالية في المجتمع ما يؤدي للتضخم ناهيك عن تركز السلطة ولعلك تقول: ولكن الناس لا يعملون في الدول النفطية، بل كما سيأتي بإذن الله . يأخذون من الدولة بقليل من العمل فأجيب: إن موظفي الدولة ك) ولكنك قد تقول بأن الدولة تنفق هذه الأموال للصالح العام والمقربين من الحكام لا يعملون، أما الباقون فهم في عوز، ناهيك عن فأجيب: نعم مع بعض هذه الأموال. ولكن معظمها هو هدر في هدر. تبديد المسؤولين لأموال الدولة فها هي الدول النفطية في تخلف برغم
١٢ الفصل والوصل
١٤٠١
وبالطبع، فكما هو معلوم فهناك طريق آخر لاستبداد الدولة غير السندات وهو الأشد ظلماً: ألا وهو طبع الدولة أو البنك المركزي للمزيد من العملات الورقية دون غطاء مقابل، كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً والتي تسرق من جميع شعوب العالم التي تثق بالدولار. فعندما وقع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت سنة ١٩٣٣م القرار الذي يقضي بتحويل الدولار إلى نقود قانونية تَعِدُ بالسداد inconvertable fiat من الحكومة بدولار آخر وليس مقابل أي بضاعة كالذهب مثلاً، أصبحت الثقة في قوة الاقتصاد الأمريكي هي المرجعية للثقة في الدولار. فلا مجال للأمريكان إلا التعامل بعملة دولتهم في معاملاتهم اليومية رغماً عنهم. وهناك عبارة اقتصادية تقول : : «الدولار هو عملة التداول لأن الدولة تقول ذلك». والعجيب هو أن هناك عبارة في الدولار تقول بأن البنك المركزي الأمريكي Federal Reserve يتعهد بالدفع الحامل الدولار. وعندما يكون السؤال: ولكن دفع ماذا؟ تكون الإجابة: دولار آخر. وهذا الذي حدث أيضاً في جميع الدول والتي كان على شعوبها الثقة بعملة دولتهم أو الثقة بعملة دولة عظمى كما في الدولار أو بعملة مجموعة كبيرة كما في اليورو. وعندما يضطر الناس للثقة بجهة واحدة كما في دول العالم الإسلامي ويضطر كل شعب للتعامل بعملة الحكومة التي تحكمه، فإن المصير هو الاستبداد كما سترى بإذن الله، والذي هو ظلم لأنه استنزاف مستمر للناس، فكل عملة ورقية تطبعها الدولة أو البنك المركزي دون غطاء من الذهب هو سرقة لأموال الناس لأن النقد في زيادة دون مقابل إنتاجي فيزداد التضخم، أي أنه اختلاق للثروة. أي أن الاستبداد باختصار هو سرقة الدولة والبنوك المركزية والبنوك التجارية للناس ليظهر الفقر (لاحظ أن البنك المركزي قد لا يكون تابعاً للدولة كما في الولايات المتحدة الأمريكية). تصور أخي القارئ أنك تعمل ليل نهار ثم يأتي آخر ليشاركك ثمرات عملك دون عمل من جهته، عندها ستتعب وتمل ويضمحل إبداعك بسبب يأسك ولا تنتج إلا بالقدر الذي يبقيك حياً. كذلك هي الشعوب تعمل وتعمل ثم تأتي الدولة والبنوك وتشارك الناس في إنتاجهم من خلال اختلاق الثروة فيظهر فيهم اليأس القاتل للهمم، وهذا هو
الاستبداد.ل
وحتى تتضح لك الصورة تصور أن الاقتصاد وعاء ويصب فيه الناس ادخاراتهم كأنه ماء، وفي أسفل الوعاء مخرجان: أحدهما يعود للناس مرة أخرى ليستثمر الماء المجموع في إنتاج ما يحتاجه الناس، والمخرج الآخر يذهب لأناس لم يجمعوا الماء أصلاً ويسرفون في استخدامه. أي أن قسماً من الناس يعمل ويجد ويدخر وقسم آخر يبدد بإسراف. وفي هذا إنهاك لمن يعمل لحساب من يسرف ويستبد. وهكذا لن يمتلئ الوعاء أبداً. أي أن الفقر لن يزول
أبداً.
أما التبديد فهو حصول الشركات المساهمة على أموال الناس من خلال إصدار الأسهم والتي هي صكوك تعبر عن حقوق حاملي الأسهم في ملكية الشركة بطريقة مشاعة ولكن دون الحق في التصرف في الشركة. أي أن الأسهم حق تملك وليست ديناً على الدولة كالسندات. وبرغم هذا الاختلاف البين بين الأسهم والسندات إلا أنهما يجتمعان في أن حاملي السندات والأسهم ليس لهم الحق في التدخل في قرارات الدولة أو الشركات (إلا قلة من كبار
.
هامش
تزخرفها بكل أنواع العمائر المرتفعة والأسواق الفارهة. فهل إن الناس في استخراج النفط وماذا سيحدث عند انتهائه، أليست هي انتهى النفط ستستطيع هذه الدول العيش ؟ بالطبع لا لأن الموارد قد نفس العاقبة؟ ستأتي الإجابة بإذن الله. تبددت دون استحداث للبديل. ولعلك تسأل: ولكن كيف يتشارك
١٤٠٢ 🗏
ملاك أسهم الشركات إن كانوا أعضاء في مجلس الإدارة. أي أنهم ملاك لا يسيطرون في حالة الأسهم في معظم الأحوال، أما في السندات فهم دائنون فقط وبالتالي لا يسيطرون أبداً على المشروعات التي أصدرت من أجلها الصكوك. فالفكر الغربي مبني على أن إنشاء كل ما هو كبير ( كنقل النفط ) لابد وأن يكون على أيدي شركات كبرى، وهذه خارج إمكانية الأفراد كما يزعمون. لهذا، وحتى يتقدم المجتمع، فقد تبنوا فكرة استثمار أموالهم في شركات مساهمة. وهذه الشركات هي التي تبدد أموال الناس، ذلك أنها تأخذ الأموال استناداً لسمعتها أو سمعة موجديها عند إنشاء الشركة ببيع الأسهم للمكتتبين من المستثمرين ومن ثم تأخذ المزيد من المال عند توسعها بإصدار المزيد من الأسهم للمستثمرين. وعندما تُصدر هذه الشركات الأسهم فهي إنما تصدر أوراقاً (صكوكاً) تثبت من خلالها ملكية حامليها الجزء من الشركة أي أن أموال الناس النابعة من العمل والإنتاج ذهبت للشركات التي ستنتج مستقبلاً. أي أن النقد الذي ذهب لشراء الأسهم في تلك اللحظة قد تجمد دونما إنتاج فعلي يقابله إلا إنتاج مستقبلي. وهذا هو بيت القصيد: ألا وهو الأخذ من الموجود من الناس مع الوعد بالإنتاج مستقبلاً والذي سيتحقق في الغالب إن ربحت الشركة ولكن مصحوباً بالهـدر. أي أن المهم هـو أنه عند الاكتتاب أو وقت شراء الأسهم فإن بعض السيولة النقدية قد تجمد في المجتمع، فلا زيادة إنتاجية مقارنة بمجموع المنتجات السابقة. أي أن المنتجات ستحاول اللحاق بالسيولة في الوفرة، كما سترى بإذن الله، لأن التفكير مركزي في الإنتاج. تذكر هذه العبارة أخي القارئ لأهميتها: «المنتجات تحاول من خلال الأسهم اللحاق بالسيولة في الوفرة». وهنا تفصيلة مهمة وهي أن الأموال المجتمعة من الأسهم للشركات غالباً ما تنفق في كماليات يبعثرها الموظفون الذين يعلمون في الشركات، وبهذا يتعزز استهلاك كماليات البعض المرفه الذي لا ينتج على حساب ضروريات البعض الآخر من الناس الذين ينتجون فيزداد الفقر.
وماذا عن البنوك ؟ هي أيضاً تختلق الثروات كالشركات ولكن بطريقة شرهة، ذلك أنها من خلال الإقراض والاقتراض كما سيأتي في الحديث عن البنوك بإذن الله، تختلق الثروات بكميات هائلة دونما إنتاج فعلي مقابل. وهناك تبدید آخر من هذه الشركات والبنوك وهو الهدر كما مر بنا في فصل «القذف بالغيب»، ذلك أن المسؤولين والعاملين في الشركات أو البنوك، ولأن الأموال ليست لهم، فإن حرصهم في الغالب هو على نجاح مؤسساتهم بالقدر الذي يضمن استمراريتها حتى لا تُفلس مع التمتع بالمزايا الوظيفية بالمزيد من الإنفاق على أنفسهم. وهذا هدر واضح كما مر بنا، وكل هذا بالطبع إن كان هؤلاء المسؤولون في الشركات من الشرفاء الذي لا يسرقون ولا يُرتشون. ناهيك عن أولئك المسؤولين الذين لا يبالون حتى بخسارة الشركة أو البنك، وبل يخططون لذلك أحياناً لأن أرباحهم من بيع أسهمهم قبل انهيار الشركة يفوق بكثير ما قد يجنوه إن استمرت الشركة في نجاح لعشرات السنين. هذا بالإضافة لظهور شركات لتراقب وتحاسب هؤلاء العاملين. أي ظهور المزيد من الأعمال البيروقراطية غير المنتجة كما مر بنا. أي أن التبديد باختصار هو سرقة بعض الناس للبعض الآخر من المستضعفين من خلال اختلاق الثروات لأن الفكر الاقتصادي الرأسمالي مبني حصرياً على جمع المال من المودعين لدفعه للمقترضين من خلال البنوك التي تختلق الأموال وسيأتي بيانه بإذن الله، فظهر الإنتاج والتصنيع بطريقة مركزية يدير فيها غير الملاك الأموال التي هي ليست لهم ما تطلب ظهور وظائف إدارية وبيروقراطية غير منتجة، وليس كتطبيق الشريعة التي تؤدي لشراكات كثيرة كلها منتجة ودون بيروقراطيات تتصف بالهدر لأن العاملين فيها . هم من
في الغالب.
الملاك
١٢ الفصل والوصل
الكماشة
١٤٠٣
الذي سميته بالكماشة. فالكماشة .
الله،
هي
وبالطبع فإن الظلم الأسوأ هو الظلم الناتج من التكامل اللا إرادي بين الحكومات والبنوك والشركات، وهو الأداة التي تكمش الشيء وتخنقه وتقطعه لأن لها فكين. وكذلك الظلم الآتي من الحكومات من جهة، والبنوك والشركات من جهة أخرى فالدول تمنع الاستثمار إلا بتصريح كما سيأتي بإذن والتصريح صعب المنال إلا للمتنفذين كما في معظم دول العالم الثالث أو لكبار رجال الأعمال كما في الدول المتقدمة تقنياً. وهذا فك الكماشة الأول. لهذا يستثمر الناس مدخراتهم في سندات الحكومات وأسهم الشركات وصناديق البنوك لأنه الطريق الواعد المفتوح أمامهم، وهذا فك الكماشة الثاني. هكذا يتجمد، بل يتآكل رأس المال الذي كان من المفترض به أن يستحدث الشراكات الكثيرة التي تحدثنا عنها في الفصل السابق، وفي الوقت ذاته تختلق الأموال لمن لا يعملون. أي أن هذه الشراكات المحتملة الظهور والتي ستزيد الإنتاج ليأتي الرخاء لن تظهر لأن الحكومات والشركات قد خنقتها. فكُ الحكومات الذي يجهض الاستثمار، وفكُ الشركات الذي يسحب الأموال. فكيف يستطيع الناس إيجاد الشراكات ولا تصاريح (موافقات) ولا رأس مال لديهم للبدء بأي مشروع؟ يا له من
ظلم
لذا فإن السؤال الجوهري لنا كمسلمين هو: هل هناك حاجة للسندات والأسهم أو الادخار في البنوك؟ أي هل هناك حاجة لجمع المال من الناس لاستثمارها بهذه الطريقة من خلال الدول والشركات والبنوك؟ فإن كان، فلماذا لم يأت الإسلام بهذه المؤسسات؟ لأنه إن كانت لهم حاجة فلابد لنا من إيجاد البدائل المناسبة شرعاً (كما بدر وللأسف من بعض علماء الاقتصاد الإسلامي). إما إن لم يكن لهذه المؤسسات حاجة لنا كبشر، لأن فيها تعميق للظلم والفساد، فلابد من توضيح ذلك وتبيان البديل. وما سأحاول إثباته هو أنه لا حاجة لهذه المؤسسات تماماً لأنها أساس الظلم والتخلف الإنتاجي والتقني ، وأن الشريعة إن طبقت بإذن الله، فإن مقصوصة الحقوق ستلبي ما كان للسندات والأسهم القيام بهما من مشروعات كبرى كما سيأتي في فصلي «الأماكن» و «المعرفة» بإذن الله). أي هكذا ومن خلال الاستبداد والتبديد تقل منتجات البشر مقارنة بنمو تعدادهم فيظهر الفقر والذي هو تعبير عن الظلم في توزيع المنتجات برغم كثرة الموارد على الأرض. أي بدل أن يعمل الجميع، تعمل طائفة وتنتج بينما الأخرى تغتني وتستهلك وتدعي أنها تنظم دون أي إنتاج ليظهر الظلم والفقر بسبب اختلاقها للثروة. وهكذا تصبح الأمة لا تقدر على شيء لأنها مملوكة للمسؤولين كالعبد المملوك تماماً. قال الحق سبحانه وتعالى في سورة النحل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾». وهكذا الأمة، فبدل أن يصبح أفرادها أغنياء، ثم ما فاض من غناهم يذهب لإدارة شؤون حياتهم والذود عن أوطانهم، فهم في فقر وذل دائمين.
هامش
م) هناك مقولة خاطئة منتشرة بين الاقتصاديين. لنقرأ مثلاً ما قاله شراء هذه الأسهم حينما يرغبون في الاستثمار أو بيعها حينما يحتاجون شابرا: «إن شركات المساهمة للمؤسسات المالية تعد أنسب أشكال إلى السيولة» (۳).
الاستثمار المتاحة لجماهير المدخرين الذين ليست لهم مشروعات خاصة يستثمرون فيها مدخراتهم، ولا لديهم القدرة على تقويم (ن) لعلك تستنكر قائلاً: ولكن بسبب الأسهم والسندات تقدمت المشروعات القائمة ولا على أن يصبحوا شركاء موصين. فأسهم الدول الغربية إنتاجياً! فأجيب: تذكر ما مر بنا في الحديث عن الشركات أكثر جاذبية لهم نظراً للسهولة النسبية التي يمكنهم بها «العقل أم التمكين» في فصل «قصور العقل».
١٤٠٤ 🗏
تفكر أخي القارئ ولا تكن إمعة كيف تظهر شريحة من الإنجليز والفرنسيين والطليان والأمريكان المتعلمين والراغبين في العمل ممن لا يجدون ما يسد حاجاتهم إن كان المجتمع عادلاً والأرض تفيض بالخيرات؟ كل هذا بسبب الدساتير والأنظمة والقوانين من وضع العقل البشري القاصر الذي يدعي تحرير البشر. بل هو، أي العقل البشري، لابد وأن يقيد الناس بسبب مستويات الظلم. وبهذا فلا مجال للاستثمار إلا من خلال السندات والأسهم في الغالب والتي هي استبداد وتبديد . ولتفصيل وإثبات السابق لابد لنا من المرور سريعاً على «المفاهيم الأساسية» في عدة عناوين ولكن دون الدخول في التفاصيل مثل : الثقة والسندات والأسهم والتضخم والربوا والبنوك والعولمة والنقود والعملات وحركيات السوق.
خديعة الثقة
س
تحدثت عن الثقة في فصل «القذف بالغيب» في توضيح قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ، ومن بين ما ذكرته أن التقدم المعرفي الإنساني الذي أوجد سرعة الانتقال لرؤوس الأموال والمنتجات قد زعزع الثقة في الحكومات، فأصبحت الكرة الأرضية وكأنها غابة يهرب فيها أصحاب رؤوس الأموال إلى أحضان الدول التي تعفيهم من الضرائب وتيسر لهم المناخ الأمثل للاستثمار. وقلت بأن تزعزع الثقة يعني باختصار القلق المستمر للمستثمرين والذي يدفعهم للمزيد من الإنجاز ليطمئنوا على حالهم أنهم بخير خوفا من فقدان السوق للآخرين. وكل هذا سيؤدي لاستمرارية تخطيط كل فرد أو كل جماعة ضد الآخرين. فتصبح الحياة برغم إنتاجيتها الغزيرة ظاهرياً وكأنها صراع مؤلم مؤرق. أي أن الثقة مزعزعة. ولكن في النقيض، فإن هناك ثقة مفروضة على الناس لا مفر لهم منها: ألا وهي غصب الناس على الثقة بنقود الدول والتي ستؤدي لسيطرة الحكومات والبنوك على الاقتصاد ما يؤدي إلى الظلم والإفساد. كيف؟
كما ذكرت سابقاً، فقد كان التعامل قديماً مبنياً على المقايضة، وهي أن يمتلك زيد ما يحتاجه بكر، وفي
من
هذه الحالة تتم المقايضة. وفي المقايضة كما هو معلوم حد من إمكانية التبادل التجاري لأن قيم السلع. مختلفة جهة، ولأن السلع لا تتوافق بين المنتجين في عرضها وطلبها من جهة أخرى. أما في المجتمعات النقدية، ولأن الجميع يرغب في امتلاك النقد، فإن كل فرد أو جهة بإمكانها بيع ما تنتجه مباشرة، ومن ثم شراء ما هي بحاجة له مباشرة. أي أن النقد بالإضافة لكونه مستودعاً للقيمة يقوم بوظيفتين أخريتين: هما استحداث إمكانية التبادل بين الجميع أولاً، وتحديد أسعار السلع بإعطائها قيماً معيارية من خلال العرض والطلب ثانياً. هذه هي الوظائف الأساسية للنقد والتي تقبلها الإسلام عندما أتى إلا أن هذه الوظائف تغيرت بسبب تدخل واحتكار الدول. كيف؟
إن الهدف الأساس من النقود كما وضحت هو إيجاد الثقة بين الناس بأن ما عملوه من مجهود إنتاجي محبوس أو مختزن في النقد الذي لديهم. فبالإضافة للنقد فهناك الوثائق والسندات وما شابه مما يثبت الأحقية. فمنذ مطلع التاريخ ظهرت الثقة من خلال سلع كانت مستودعاً للقيمة كاستخدام القمح في مصر والتوابل في الهند والملح في
هامش
س) أو من خلال مشروعات لن تحدث إلا من بموافقات الدولة
(وسيأتي بيانه بإذن الله في الفصل القادم).
١٢ الفصل والوصل
١٤٠٥
الدولة الرومانية والتي كانت تدفعه للجند كمرتبات نظراً لندرته، وحتى الإبل إلى عهد قريب في بعض مناطق السودان، ثم المعادن النفيسة في كل أرجاء العالم، وأحياناً توثيق الديون من خلال وسائط يوثق بها كقطع طينية مطبوعة تربط الناس في التداين كما هو معلوم فهذه الوثائق سواء كانت طينية أو معدنية أو ورقية تثبت الحقوق بين الناس إن وجدت سلطة تستطيع ردع المتلاعبين. ومع ظهور النقود الورقية ومع الزمن تولدت عند الناس ثقة بأن الآخرين سيتقبلون هذه الورقة لإعطاء حاملها خدمة أو سلعة ما لأن خلف هذه النقود سلطة تدعمها. ناهيك عن أنها سهلة التداول. وقد تطورت الثقة لدرجة أن المال قد لا يُرى الآن مع أن الناس يتناقلونه عبر الشاشات. ففي كل يوم يتداول الناس عبر الشاشات ثلاثة ترليون دولار في التحويلات المالية من عملة لأخرى (وكان هذا سنة ٢٠٠٩م). وفي هذا تعبير عن الثقة. فعندما تبيع منتجك مقابل قصاصة ورقية مطبوعة، وكأنك أقرضت الآخر مجهوداً ستحصل عليه من شخص آخر مستقبلاً. وكأن هذه القطعة الورقية أو النقد هي مستودع لمجهودات مودعة تنتقل من يد لأخرى. ولأن الناس في كل مكان ولا يعرفون بعضهم البعض، فلابد لهذه الثقة من أن تصقل أو توثق في شيء ما. فكانت النقود هي الوسيلة . لحفظ هذه الثقة. هذه هي قصة الثقة في النقد باختصار، وهذا هو جوهر القضية. أي احتفاظ الناس لمجهوداتهم في هذه النقود لأنهم يثقون بها.
ولأنه لا حياة للناس في المفهوم الغربي دون دولة، ولأن الدولة تسيطر على النظام المالي، تولدت عند الناس الثقة بالدولة وبالتالي القبول بما تطبعه من نقود ورقية. أي أن هناك علاقة قوية في الفكر الغربي، وفكر من تبعهم من المسلمين، بأن الدولة هي التي تسك أو تسيطر على سك النقود حتى تستقيم الحياة لأنه إن لم تفعل، فلن تظهر الثقة بين الناس في التعاملات ولن يستمر الإنتاج وينمو. هنا يظهر سؤال محرج لكل مسلم: إن كان هذا صحيحاً، فلماذا إذا لم يسك الرسول صلى الله عليه وسلم النقود؟ وإن قيل بأن الأمة المسلمة آنذاك في نشأتها وأن الوقت لم يتسع للمسلمين لانشغالهم بنشر عقيدة التوحيد، يكون السؤال حينئذ: لماذا إذا لم يوص الرسول صلى الله عليه وسلم بسك النقود إن كان موضوعاً حيوياً ومفصلياً؟
إن عدم سك الرسول صلى الله عليه وسلم للنقود، وقبوله بما يتعامل به الناس آنذاك من دراهم فضية ودنانير ذهبية سكت من دول أخرى كالروم والفرس مؤشر واضح على أنه صلى الله عليه وسلم يهدف لشيء له أهمية قصوى، فما هو يا ترى؟ لننظر مرة أخرى للحديث الذي رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس إذ قال: (لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض). ففي قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض مؤشر على ضرورة ترك الناس في التعاملات دون تدخل خارجي بدليل منع بيع الحاضر للباد لأن في هذا نوع من احتكار بعض أهل الحضر لبعض السلع. فإن منع هذا التدخل والاحتكار، ألا يمنع تدخل واحتكار أكبر منه، ألا وهو تدخل الدولة؟ وهل هناك تدخل واحتكار أكبر من سك النقود إذ أنها ليست تدخل فقط، بل سيطرة تامة على الإطار الأكبر للأسواق من خلال النقد؟
لعلك هنا مسألة تثير
وهي: إن منع الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الحاضر للباد هو عين التدخل في شؤون الأسواق لأن فيه إملاء لبعض التصرفات دون بعض. فالأصل في حرية اتخاذ القرارات هو عدم التدخل بتاتاً وترك ذلك للناس، فمن أحب مثلاً من أهل البادية البيع لمن خرج إليه من المدينة فله ذلك، ومن لم يشأ فله ذلك. هنا لابد من التوضيح الآتي: لا تعتقد أخي القارئ أبداً بأن الشريعة تمنح الأفراد مطلق الحرية في التصرف لأن في هذا كما
١٤٠٦ 🗏
هو معلوم ابتلاع من الكبير للصغير إن كانت هناك سلطة تدير شؤون الحياة كما في الحكومات (سواء كانت ديمقراطية أو جبرية) لأن السلطة قد تميل مع الأقوياء والأثرياء. وفي الوقت ذاته لا سيطرة هنالك في الإسلام قد تؤدي للتثبيط وقتل المبادرات كما تفعل الاشتراكية. فما تفعله الشريعة هو توجيه يؤدي للمزيد من العدل. فهي نظام خاص بذاته يؤدي دائماً للمزيد من المبادرات مع توجيهها للمزيد من الكفاءة والعدالة كما مر بنا في فصل الشركة. وهنا في الأسواق ومن هذا الحديث مثال آخر فيه منع لخروج التجار لاستقبال من أتى من خارجها للبيع بإغرائهم لأن المنتجين (البائعين) يجهلون مستوى الأسعار في سوق المدينة، وهذا منتهى العدل لأنه يوجد للبائع (للمنتج) فرصة المقارنة بين سعر التاجر الذي كان من المحتمل أن يأتي إليه لخارج المدينة وبين سعر البيع في سوق المدينة. عندها إن أراد البائع (المنتج) الآتي من خارج المدينة البيع لهذا الذي كان من المفترض أن يأتي إليه فله ذلك لأن «المكان قد تغير». وفي تغير المكان عدل أوسع لأن البائع له خيار أكبر فتزداد المنافسة على حساب الاحتكار. تلحظ هنا أن هذه السيطرة بسيطة جداً كحركية، إلا أن فوائدها عظمى لأنها تؤدي للتحرر. فهي ظاهرياً مقيدة، إلا أنها ضمنياً محررة. وهكذا هي الشريعة، حركيات بسيطة وكأنها السهل الممتنع تؤدي إلى رفع الكفاءة والعدالة. وبعد هذا التوضيح العرضي نعود لموضوع الثقة مع إحساسي بأنك قد تقول مستنكراً ولكن الحديث السابق لا يعني منع الدولة من سك النقود! فأجيب: ستأتي الإجابة في هذا الفصل بإذن الله في الحديث عن «التحررات»، أهداف هذا الفصل. ولكن لتوضيح سريع، إن أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من تفصيلة اقتصادية ألا وهي منع بيع الحاضر للباد، فهل يعقل أن يكون ناسياً لمسألة سك الدولة للنقود أم أنها غير ملزمة؟
مطلقاً .
فهذا من
مصيبتان: الكساد والتضخم وآفتان: تركز القوة وتسليع المال
لقد كان السؤال: لماذا لم يسك الرسول صلى الله عليه وسلم النقود ؟ والإجابة باختصار هي لتلافي «تركز القوة» فيظهر الظلم بالضرورة. كيف؟ عندما تكون للدولة حدود خارجية وتسيطر بالتالي الحكومة على كل ما هو داخل هذه الحدود ومنها التعامل بالنقد، فإن ثقة الناس بالضرورة (إما قناعة أو ورغماً عنهم) لابد وأن تكون في الحكومة لأنه لا خيار آخر أمامهم. وعندما تصدر الحكومة النقود أو تشرف على ذلك وتمنع كل تعامل إلا به في دوائرها الحكومية وتعاملاتها المالية مع الشعب وتقوم هي بالإنفاق بهذا النقد على جميع الموظفين والمشروعات، عندها فإن نقودها الورقية ستصبح هي الوسيلة الوحيدة في التعامل بين معظم الناس كما هو معلوم وحاصل. وعندها فإن الحكومة ستصبح في موضع تسيطر فيه على كل الناس من خلال السيطرة التامة على الإطار العام الأكبر للحياة الاقتصادية لأنها تفرض الثقة على الناس. لهذا، فعادة ما تحاول الدول لزيادة الإنتاجية وللتوزيع الأمثل في نظرها السيطرة على التدفقات المالية بينها وبين شعوبها والدول الأخرى لضبط التنمية والتضخم والديون وما شابه في كل ما هو مفصلي في الحياة الاقتصادية. أي وكأن الدولة تدبر كل شيء ليظهر العدل ويزداد الإنتاج (بناء على عقيدتها). وهذه السيطرة التامة من الدولة على الناس هي منتهى الظلم.
كيف؟
حتى تتضح الصورة لك أكثر أخي القارئ تصور أن هناك فرقة موسيقية، وبالذات كتلك التي تعزف السمفونيات كسمفونية بيتهوفن أو موزارت مثلاً، وأن هذه الفرقة لها قائد وهو ما يُعرف بالمايسترو، ولكي تنجح
١٢ الفصل والوصل
.
١٤٠٧
هذه الفرقة فهي تعتمد أساساً على التنسيق بين تداخلات أصوات الآلات الموسيقية المختلفة. لهذا فلابد لكل عازف أن يذعن لأوامر هذا المايسترو وإلا فإن النتيجة مقطوعة جوفاء. وكذلك الحكومات، وكأن الإنتاج الإجمالي للمجتمع وبالتالي التوزيع لهذا الإنتاج هو المعزوفة الموسيقية والتي لن تنجح إلا إن قام كل قطاع منتج وكل إدارة تؤثر في الإنتاج بدورها بإتقان بالتنسيق مع القطاعات الأخرى بناء على تصورات المسؤولين في الدولة. ولكن الفرق الجذري بين المثالين، هو أن على العازفين جميعاً الانصياع لأوامر المايسترو ، فلن تنجح المعزوفة إلا بوجود عازفين مهرة جداً من جهة، ومن يتقنون متابعة وتنفيذ أوامر المايسترو في التدخل في الوقت المحدد من جهة أخرى. ولكن مع الحكومات، فإن العاملين في القطاع الإنتاجي ليسوا مجبرين على الانصياع لأوامر الحكومات في الأنظمة الديمقراطية (كما مع المايسترو). فمثلاً، لملاك الشركات الخيار بين الاقتراض للتوسع في أعمال الإنتاج أو الإحجام إن رفع البنك المركزي نسبة الفائدة. والأمثلة على هذا كثيرة جداً كما سترى بإذن الله، وهنا الإشكالية، لأن الذي تفعله الدول في العادة هو القذف بالغيب من مكان بعيد حتى تسيّر الاقتصاد، إلا أنها ستفشل لا محالة.
وهنا ملحوظة أرجو الانتباه لها وهي أن البنوك المركزية تختلف في علاقاتها مع الحكومة من دولة لأخرى. فقد تكون مستقلة عن الدولة تماماً وذات ملكية خاصة كما في البنك المركزي الأمريكي وسيأتي بيانه بإذن الله) أو قد تكون جهازاً مملوكاً للدولة وتحت سيطرتها تماماً كما في الدول العربية مثلاً. ولكن المهم في كلتا الحالتين هو أن النمو الاقتصادي لا ينبع من المنتجين الفعليين بقدر نموه بسيطرة خارجة عنهم.
تفكر أخي القارئ في مسألة جذرية تهدم علم الاقتصاد من جذوره فكما هو ثابت في معظم كتب الاقتصاد، فإن علم الاقتصاد علم قائم على مبدأ الندرة النسبية (كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»). والسؤال هو: ألم يتضاعف سكان الكرة الأرضية ثلاث مرات منذ عام ۱۹۲۹م حتى الآن (۲۰۱۲م) ؟ ففي عام ١٩٢٩م نزل بالناس الكساد الاقتصادي الكبير كما هو معلوم، وقد كان تعداد سكان الأرض حينها أقل من بليوني نسمة، فإن تضاعف التعداد السكاني لأكثر من ثلاث مرات ليصل إلى سبعة بلايين سنة ۲۰۱۲م من جهة، وإن كانت الموارد الآن أكثر من كافية لجميع السكان إن استخدمت بعدالة وكفاءة من جهة أخرى، فكيف إذا ظهر الكساد الكبير في أوائل القرن التاسع عشر وسكان الأرض حينها أقل من ثلث السكان الحاليين؟ أي أنه بالتأكيد لم تكن الموارد ذات ندرة نسبية سنة ١٩٢٩م، ومع هذا ظهر الكساد الكبير الذي وضع ثلث السكان آنذاك في بطالة. فقد ارتفعت البطالة في بعض المدن الأمريكية لتصل إلى ٣٣٪. أي أن ما قاله الاقتصاديون قبل ثمانين سنة بأن هناك ندرة نسبية هو زعم كاذب، أي أنه قول غير صحيح بالتأكيد في وقتهم، ومع هذا فقد ظهر لهم الكساد الكبير، لماذا؟ والإجابة هي أن هؤلاء الاقتصاديين دون وعي منهم تآزروا مع السلطات وكانوا يقذفون بالغيب من مكان بعيد بخنق الاقتصاد باستمرار وحتى الآن. كيف؟
لعل أهم قذف للغيب من مكان بعيد والذي سيخطئ لا محالة هو محاولة الدول تنشيط الحركة الاقتصادية ليزداد الإنتاج بزيادة العمل من الجميع ( حكومة وشعباً). لهذا كما هو معلوم تضع الحكومات السياسات العامة لما تريد إنجازه خلال السنة أو السنوات القادمة (بناء على الخطة التي تسير عليها الدولة هل . هي خطة خمسية مثلاً)، ثم تضع الدولة السياسات المالية للوصول لأهدافها، وبهذا، ولتحقيق الخطة، تحدد الدولة مصادر الإيرادات والفائض والنفقات والتي تظهر على شكل ميزانية عامة. أي أن من أهم أدوات التنمية في الدول عادة الميزانية العامة.
١٤٠٨ 🗏
وكما هو معلوم لجميع الاقتصاديين، فإن في أي ميزانية عامة تفاوتاً بين ما ستجنيه الدولة من أموال وما عليها
من نفقات. ولسد هذا التفاوت فهناك أداة مهمة تلجأ إليها الدول عادة وهي الإقراض والاقتراض. ولأن الإقراض والاقتراض فيه تحريك للأموال بكميات كبيرة، ولأن المقرض لن يفعل ذلك دون أن يستفيد، كانت الفوائد الربوية أداة مناسبة لا يمكن للنظام الرأسمالي أن يستغني عنها. ومن جهة أخرى، فهناك قناعة لدى المتبعين للنظام الرأسمالي بأنه من دون الاقتراض بين القطاعات الخاصة فلن يكون هناك تقدم اقتصادي، فلابد إذاً من استثمار المدخرات. ذلك أن من يدفعون عجلة الاقتصاد من المثابرين المبادرين والذين لديهم الأفكار الاستثمارية ليسوا دائماً من أصحاب رؤوس الأموال، لهذا فلابد من منحهم الفرص للانطلاق. وهذا مبدأ نوافقهم عليه كمسلمين، بل إن الشريعة تدفع إلى فتح الأبواب أكثر لهؤلاء كما مر بنا ، ولكن الفرق هو في الاقتراض، فهم يعتقدون بأنه من دون الاقتراض لن يتحقق النمو الاقتصادي، لهذا فللاقتراض أدواته ومفرداته في علم الاقتصاد الرأسمالي. ولأن المقرض لن يُقرض دون استفادة، أصبح المال عندهم سلعة كأي سلعة تباع وتشترى ولها نصيب من الربح عندما تنتقل من يد لأخرى. لهذا فإن الفائدة الربوية أداة لا يمكن للنظام الرأسمالي العمل من دونها للسببين السابقين: أي لحاجة الدول للأموال لسد النفقات ولحاجة المستثمرين للتنمية. ولأنه لا يعقل أن يأخذ طرف مال الآخر دون مقابل، كانت القروض الربوية عصب الاقتصاد. وهذا لا يمكن أن توافق عليه الشريعة أبداً، أي لا يمكن أن توافق الشريعة على إباحة الربوا.
إن كنت أخي القارئ من غير المهتمين بعلم الاقتصاد أو كنت من المتخصصين فيه، فبإمكانك قفز الفقرات السبع الآتية أو التعجيل في قراءتها إذ أنها قد تكون مملة لك. وإن قرأتها على عجل فقط ركز على كيفية تلاعب الدول بالاقتصاد من خلال سحب النقد أو نثره للتحكم في كل من الكساد أو التضخم. وفي هذا ظلم عظيم للناس لأنه يغير قيمة النقد الذي في حوزة الناس وقيمة منتجاتهم وخدماتهم صعوداً في النادر أو هبوطاً في الغالب، وهذا
ظلم. نعود للموضوع:
بالطبع، وفي هذا الإطار الربوي، وحتى تصل الدولة لأهدافها التنموية فلابد لها من أدوات، فمن هذه الأدوات مثلاً بيع الدولة للدين العام للجمهور حتى تغطي الدولة نفقاتها، ومنها إصدار تشريع كي تحتفظ البنوك بجزء من ودائعها لدى البنوك المركزية، ومنها إسناد مهمة ضبط النظام النقدي والائتماني للبنوك المركزية للوصول للاستقرار النقدي للإفادة من الموارد الإنتاجية في الدولة. هذه من أهم الأدوات التي تحاول من خلالها الدول إيجاد المعزوفات السمفونية المتقنة، ولكن هيهات، لماذا؟
إن سألت أي متخصص في علم الاقتصاد لقال لك بأن هناك شبه إجماع بأن عدم التوازن بين الادخار والاستثمار هو السبب المؤدي إما لمصيبة الكساد أو لمصيبة التضخم في الدول المعاصرة. وكل مصيبة هي أسوأ من أختها في وقتها. فالكساد حين يقع يظهر وكأنه أسوأ من التضخم، وعندما يستفحل التضخم يترحم الناس على الكساد. فما سبب هذا التذبذب بين الكساد والتضخم؟ الإجابة كما يقول المختصون في الاقتصاد. هو أن الدول عادة ما تعتمد على البنوك لتنفيذ السياسات الاقتصادية والتي تعتمد بدورها على سعر الفائدة كأداة. فالركود كما استنتج كينز هو الهبوط المفاجئ للفاعلية الحدية لرأس المال، ما يحدث نقصاً في الاستثمارات ومن ثم الإنتاج. وبهذا يظهر عدم التوازن بين الادخار والاستثمار. فبانخفاض الاستثمار تقل العمالة ويقل مستوى الدخل القومي.
هكذا
١٢ الفصل والوصل
١٤٠٩
يتجه الناس لكنز المال فتتراكم المنتجات في المخازن. أي أن على الحكومة محاولة ضبط الطلب الكلي ليتساوى مع العرض الكلي من السلع والخدمات إلا أن هذا استحالة إن أريد له الاستمرار لسنوات، ذلك لأن كل من الارتفاع في الأسعار أو الدخول النقدية أو تكاليف الإنتاج أو الإفراط في إيجاد الأرصدة النقدية، كل هذه قد لا تتحرك في اتجاه واحد وفي وقت واحد. فقد ترتفع تكاليف الإنتاج دون ارتفاع في الأرباح، أو قد ترتفع الأسعار للسلع والخدمات دون ارتفاع في الدخل، وهكذا يضيع الاقتصاديون ليضيع وراءهم أصحاب القرارات. ولا أدل على ذلك مما فعله ألن جرين سبان المسؤول عن البنك المركزي الأمريكي الذي كان يغير مستوى الفائدة كل بضعة أشهر ولعدة سنوات. إنهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد.
بالنسبة للمصيبة الأولى، أي الركود الاقتصادي، فهو يعني انخفاض الطلب الكلي ما يؤدي لتكدس السلع برغم انخفاض أسعارها، وبهذا يتباطأ النمو فتنتشر البطالة والبطالة فساد كما هو معلوم. فمع انخفاض مستوى الأسعار في حالة الركود ترتفع القيمة الحقيقية للنقود. ولتلافي الركود عادة ما تلجأ الدول إلى أحد أو جميع الآتي: زيادة الإنفاق الحكومي و أو تخفيض الضرائب وذلك لزيادة كمية النقود المتداولة عند الناس لتزداد السيولة ويقبل الناس على الشراء ليرتفع الطلب الكلي. وعادة ما تكون السياسات المالية الحكيمة كما يقول الاقتصاديون هي المزج بين السياسات بتنسيق وأسلوب منظم حتى لا يتحول الركود إلى تضخم أو العكس. أي محاولة ضبط إيقاع السمفونية، إلا أن هذا هو المحال.
ولكن ماذا عن المصيبة الثانية المستشرية، أي التضخم؟ عادة ما تلجأ الدول إلى عدة إستراتيجيات لمكافحة التضخم، منها مثلاً تخفيض الإنفاق الكلي بالتحكم مثلاً في تكلفة الائتمان وإتاحته. فيقوم البنك المركزي برفع تكلفة الاقتراض ما يؤدي إلى تخفيض مقدرة البنوك التجارية على إيجاد فرص الائتمان ما يؤدي لخفض الطلب على الاقتراض لأن تكلفته أكثر، عندها فإن البنوك ستكون أكثر حذراً في سياساتها الائتمانية، وبهذا ينخفض مقدار النقد الكلي. وهناك وسائل أخرى قد يقوم بها البنك المركزي مثل رفع نسبة الاحتياطي النقدي وذلك بفرض حد أدنى من النقد لتحتفظ به البنوك بالنسبة لودائعها مثلاً ( وسيأتي بيانه بإذن الله ، ومنها أيضاً فرض الدولة الضرائب على القطاع الخاص وسحب بعض السيولة أو رفع الضرائب على الناس فتقل مقدرتهم الشرائية ليزداد المعروض من السلع والخدمات فيضمحل التضخم. وقد تقوم الدولة بخفض الإنفاق بتحجيم المشروعات، أو حتى القيام برفع سعر صرف العملة المحلية تجاه العملات الأخرى الخارجية. ومن هذه السياسات أيضاً تخفيض نسبة الصادرات مقارنة بالواردات مع رفع نسبة الإنتاج المحلي ليكثر المعروض من المنتجات أو حتى التحكم في الأجور بإبقائها منخفضة حتى لا ترتفع أسعار المنتجات، وهكذا.
بالإضافة للسابق (أي بالإضافة لأدوات الدولة للسيطرة على الاقتصاد المستقبلي والذي سيفشل لا محالة) فإن تصرفات الناس الاقتصادية لا يمكن لأي فرد التنبؤ بها. فكما هو معلوم، فإن الناس لا يساوون بين نفقاتهم وما يحصلون عليه من مال. فهناك من الناس من يفضل الادخار وقت ارتفاع أسعار الفائدة فيقلل مستهلكاته وذلك للإعداد للدخول في مشروع مستقبلي. وبالعكس، فمنهم من يفضل زيادة الإنفاق الآني وبالتالي الاقتراض لتطوير استثماراته ليربح برغم ارتفاع أسعار الفائدة. أي أن المستثمر المقترض يؤمل أن مشروعه سيربح أكثر من أسعار الفائدة السائدة برغم أن هذا قد يخفض استهلاكه المستقبلي. لهذا فإن قرارات الناس بالذهاب للادخار أو للاقتراض
١٤١٠ 🗏
يستحيل التنبؤ بها لأنها تتحدد من خلال الكثير من العوامل والظروف كالدخل الحالي والدخل المتوقع مستقبلاً والعمر والذوق ومعدل الفائدة ودرجة التعليم وما شابه من مسائل واقعية ونفسية تحيط بالإنسان. فإن كان معدل الفائدة مثلاً ٦% ، فإن كل فرد لديه الخيار بين قوة شرائية حالية بمئة دينار أو مئة وستة بعد سنة. لهذا فإن الشركات تقوم بالاقتراض عند توقعها لأرباح تزيد عن معدل الفائدة. أي هكذا لا يمكن للدول المراهنة على ما يفعله الناس ولكن فقط على تصرفاتها هي كدولة.
ومما يزيد القذف بالغيب شططاً . هو الفوائد على الإيداعات قصيرة الأجل والتي عادة ما تكون أقل من الفوائد على الإيداعات طويلة الأجل. فعادة ما تزداد أسعار الفائدة عند ارتفاع الطلب على النقد. إلا أن هذه القاعدة قد تتغير عندما يتشجع المستثمرون لاستقرار الأوضاع فيبادرون إلى مخاطرات استثمارية فيقترضون فيزداد الطلب على النقد من البنوك على شكل قروض قصيرة الأجل ما يؤدي إلى زيادة أسعار الفائدة القصيرة الأجل بطريقة تفوق تلك التي وضعت للقروض طويلة الأجل.
أي أن محاولة إيجاد التوازن المستمر بين الادخار والاستثمار أمر محال مهما حاولوا القذف بالغيب باستخدام شتى أنواع السياسات. وهناك من الباحثين من يحملون الرأسمالية مسؤولية ظهور الأزمات الاقتصادية وذلك بسبب الفوضى في الإنتاج وعدم المساواة في توزيع الثروات في المجتمع. فقد ربط الكثير من الاقتصاديين الأزمات المالية بسوء استخدام الائتمان إما عن طريق التوسع فيه أو كبحه مثل الألماني جوهان فيليب بتمان في كتابه الشهير: «كارثة الفائدة». فإن تُوسع في الائتمان فإن أسعار الفائدة سترتفع بالضرورة، فيقل النقد المتداول وبهذا يعجز المنتجون عن تصريف السلع والخدمات لانخفاض البيع ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار ليزداد الطلب فتنتعش الأسعار نسبياً وهكذا حتى يزيد الإنتاج ليُقبل المستثمرون على الاقتراض لتبدأ دورة أخرى من سوء استخدام
الائتمان.
أخي القارئ إن استعصت عليك الفقرات السبع السابقة في الفهم لأنك لست متخصصاً، أو إن كانت سطحية بالنسبة لك إن كنت اقتصادياً، فلا عليك، فليس المهم السابق لأنه وصف سريع للتخبط الذي عادة ما يقع فيه الرأسماليون، ولكن المهم هو الآتي والذي يختلف جذرياً بين الإسلام والرأسمالية كنظام اقتصادي: لعلك لاحظت من السابق صفتين أو بالأصح : آفتين متلازمتين في النظام الرأسمالي: الآفة الأولى هي استغلال السلطات للثقة المفروضة على شعوبها لأن الشعوب لا يمكن لها أن ترى بديلاً اقتصادياً آخر لا يعتمد على الدولة. وأن هذه الثقة قد تركزت في السلطات بطريقة مكنت السلطات من توجيه الاقتصاد وكأنه معزوفة موسيقية فاشلة (ومؤملين في كل مرة أنها ستنجح في المرة القادمة، إذ أن الآليات الاقتصادية ومن يديرونها في السلطات لا يستطيعون إدراك وقت وحجم التدخل اللازم في الاقتصاد لإيجاد التوازن بين الادخار والاستثمار فما كان من هؤلاء المسؤولين إلا التحكم في المجتمع الاقتصادي لعدم قناعة السلطات بعدم مقدرة المسؤولين فكان التدخل ثم السيطرة، وفي هذا ظلم على الناس لأن موجوداتهم في تناقص في الغالب. أما الآفة الثانية فهي استحالة الحركة الاقتصادية دون فوائد. بالنسبة للآفة الأولى، فلعلك لاحظت حرص الشريعة على تلافي وضع أي مسؤوليات اقتصادية في يد الدولة وبالتالي انتفاء ظهور سؤال عن ثقة الناس في الدولة من عدمها وذلك بمنع ذهاب الأموال لبيت المال (كما مر بنا في
١٢ الفصل والوصل
فساد
فصول سابقة) من جهة، ومنع الدولة من سك النقود من جهة أخرى كما سيأتي بإذن الله). وهذا يعني ببساطة الفصل المطلق بين المجتمعين السياسي والاقتصادي، ذلك أن تركز الثقة في سلطة واحدة (كما هي . حال النظم الرأسمالية المعاصرة) يعني احتمال دمج الحياة السياسية في الاقتصادية. أي أن نفس الطبقة التي تقود المجتمع سياسياً هي التي تقوده اقتصادياً أو تتأثر بالطبقة الاقتصادية، وفي هذا التزاوج بين السلطة والمال كما هو معلوم عظيم حرصت الشريعة على تلافيه تماماً. والأمثلة على هذا الفساد كثيرة ومن أكثرها وضوحاً في عصرنا عهد الملوك والأمراء في دول الخليج العربي وعهد حسني مبارك في مصر وعهد زين العابدين في تونس وعائلة الأسد في سوريا والقذافي في ليبيا، حتى في الغرب كما حدث مع بلسكوني في إيطاليا مثلاً.
حتى وإن كان المجتمع واعياً وشفافاً ويستطيع محاسبة السياسيين كما هي حال الدول الإسكندنافية مثلاً، فإن مجرد فكرة دولة ذات مسؤوليات اقتصادية تعني الحاجة للإنفاق على هذه الدولة، وبهذا يقل الادخار فيقل الإنتاج لقلة الفائض الذي يمكن استثماره شراكة في زيادة الإنتاج. ولعلك تقول : ولكن هذه الدول الإسكندنافية تتمتع بثراء كبير! فأجيب: أجل ولكن مقابل عمل وعناء كبيرين نسبياً من السكان، ومع تطبيق مقصوصة الحقوق فسيكون الإنتاج أغزر مع متعة أعلى وعمل أقل. ولعل الأهم هو أن محاولة حكومة ما السيطرة على اقتصاد دولة بأكملها لهو أمر محفوف بالكثير من المخاطر، ذلك أن القرار الاقتصادي إن كان خاطئاً فإن تبعاته ستقع على مجتمع بأكمله لأنه قرار كبير (أي أنه قذف بالغيب من مكان أبعد)، أما إن كانت الثقة مفتتة بين أكبر عدد من المؤسسات أو الأفراد الذي يعملون لأنفسهم، كما سيحدث إن طبقت الشريعة، فإن القرارات الاقتصادية التي يتخذها هؤلاء حتى وإن أخطأت فإن نفوذ تأثيرها صغير ولن يؤثر على اقتصاد الأمة. هذا بالإضافة إلى أن هذه القرارات الصغيرة الخاطئة إن وقعت ستظهر بندرة هنا وهناك في رقع جغرافية مختلفة ومستويات اقتصادية مختلفة ما يجعلها وكأنها نمط نادر الحدوث ولا يؤثر في المجموع العام للاقتصاد بسبب صغره. ناهيك عن أن هذه القرارات ولأنها صغيرة فلن تخطئ غالباً لأن محدداتها أسهل للعقل البشري ليستوعبها.
أي باختصار، حتى ينتعش الاقتصاد على الدوام لابد من الفصل التام بين المجتمعين الاقتصادي والسياسي، وهذا ما تفعله الشريعة كما سترى بإذن الله. أي أن من يعمل في السياسة لا دخل له في الاقتصاد مطلقاً حتى لا يسيطر عليه. فسيطرة الدولة على الناس لابد وأن تقع إن وثق الناس بالحكومات التي تُصدر السندات وتطبع النقود فيضيع الاقتصاد بسبب اختلاق الثروة، لأن من يُصدر السندات ويطبع النقود سيتمادى متى احتاج للنقد إن وثق الناس به كالحكومات التي تسيطر على الاقتصاد سيطرة كبيرة كما في دول الغرب أو حتى سيطرة تامة أحياناً كما في الدول الدكتاتورية من خلال النقود، وهذا يؤدي للظلم.
بالنسبة للآفة الثانية، أي الفوائد الربوية، فإن سعر الفائدة كما هو معلوم يعني ارتفاع الأسعار دون ارتفاع في الإنتاج لأنه لا مجهود مبذول في العمل. فمن أودع مالاً في البنك وحصل على ربح دون أدنى عمل لم يضف أي إنتاج لاقتصاد المجتمع وحصل على الربح، فإن تكرر هذا المشهد مراراً ، فهذا يعني ارتفاع الأسعار لأن المنتجات أقل، بينما من أخذوا القروض للاستثمار إما خسروا بعض أو كل شيء أو ربحوا قليلاً (لأن جزءاً مما ربحوه يذهب للمقرضين). أي أن النمط هو زيادة في الديون دون زيادة مكافئة في العمل وبالتالي نقص في الإنتاج مقارنة بالمال، وبهذا قد لا تُسدد الفوائد ممن يعلنون إفلاسهم فتتراكم الديون يوماً بعد يوم حتى تُرحل للأجيال القادمة. وكما هو
١٤١٢ 🗏
معلوم فإن ربح البنك هو الفرق بين الفائدتين: التي يأخذها من المستثمرين والتي يعطيها للمودعين. وبهذا فإن المصدر الأساس للبنوك وللمودعين هو من أرباح المستثمرين المحددة سلفاً بغض النظر عن ربح أو خسارة المستثمر. فإن كانت الأرباح كبيرة فإن الأموال وكأنها يعاد توزيعها من المدخرين إلى المستثمرين لأن المستثمرين فازوا بالنصيب الأكبر بينما المودعين حصلوا على النصيب الأقل. وبالعكس، متى ما كان الربح صغيراً فإن إعادة التوزيع يتجه من المستثمرين إلى المودعين ذلك أن القليل من الربح هو حق للمودعين الذين ضمنوا أرباحهم. أما في حالة الخسارة فإن أرباح المودعين هي من أصول أموال المستثمرين الذين قد يعلنون إفلاسهم. وهنا أيضاً فإن إعادة التوزيع يتجه من المستثمرين إلى المودعين. أي في جميع الأحوال الثلاثة فإن الظلم قائم. وكل هذا بسبب فصل
المخاطرة عن التمويل وبسبب فصل الممولين عن المشاركة في مراقبة أو المشاركة في قرارات الشراكات المنتجة. كما أن مجرد التراجع البسيط في بيع السلع والخدمات وهبوط الأرباح سيجعل الجميع في قلق من المخاطرة مجدداً، وبهذا يخفت الإنتاج ولا تظهر شراكات جديدة فتلوح في الأفق بوادر الركود والكساد التي قد تستمر لفترة طويلة لتردد المستثمرين في المخاطرة، وبهذا لا ترتفع الطاقة الإنتاجية. أما مع تطبيق الشريعة، ولأن الشراكات بين الطرفين معاً دون وسيط فإن أصحاب رؤوس الأموال سينالهم نصيب من الخسران، وبهذا فإن الخسارة ما هي إلا إعادة لتوزيع الدخل لأن الجميع قد خسر ، إلا أن الأهم هو أن المستثمرين عادة هم من المخاطرين الذين يعملون بأموال الآخرين، وهؤلاء لا توقفهم الأحوال الاقتصادية السارية في المجتمع إن طبقت الشريعة، أي هل هو كساد أم انتعاش اقتصادي، فهم بحاجة للمال وعليهم العمل، لهذا سيخاطرون بعد إقناع أصحاب رؤوس الأموال ويعملون حتى وإن كان هناك ركود (لكن تذكر أنه لا ركود لأن الوضع الاقتصادي مستقر لأن الإنتاج منصب على الضروريات في الغالب والتي لن يتوقف إنتاجها، وهذا مهم ، وهكذا يمكن القول أنه لا ركود قط مع تطبيق الشريعة لأن المعظم ينتج ما هو ضروري أو حاجي. ولكل هذا، فلعل أفضل وصف للقذف بالغيب من مكان بعيد وأفضل وصف لمستويات الظلم الذي تحدثنا عنها) هو السياسات الاقتصادية للحكومات والتي ستفشل لا محالة كما هو ظاهر. لماذا؟ لننظر للسندات والأسهم أولاً.
السندات والأسهم
.
قلت سابقاً بأن السندات والأسهم ظلم لأن فيهما زيادة للسيولة النقدية في المجتمع دون زيادة مكافئة في الإنتاج تقابله، أي أنهما يختلقان الثروة. ولعلك هنا تسأل مستنكراً ولكن وضع العالم الغربي أفضل من أي مكان في العالم من حيث الخدمات والبنية التحتية مثلاً، هذا أولاً . ولعلك تضيف ثانياً: وماذا عن الشراكة في الإسلام، ففيها يأخذ الشريك مال الآخر ليعمل به دون أن يعطيه أعياناً مقابل أخذ المال، أي وكأن النقد زاد مقابل المنتجات، ألا يؤدي هذا أيضاً لاختلاق الثروة ثم للتضخم ؟ ثم لعلك تضيف ثالثاً: وهذا عكس ثانياً: فماذا أيضاً عن السندات والأسهم، ففي إصدار الأسهم في الشركات المساهمة في أيامنا هذه أخذ لأموال الناس دون زيادة للنقد في المجتمع، بل نقل للنقد من يد لأخرى، أي ليس كطبع الدولة للنقود أي أن إصدار الشركات للأسهم لا يؤدي للتضخم كما
تقول يا جميل
١٢ الفصل والوصل
١٤١٣
فأجيب: بالنسبة لأولاً: كما قلت مراراً بأننا إن قارنا وضع الأقاليم المسلمة اليوم بما في الغرب، فبالطبع فإن الاستنتاج سيكون مباشرة بأن حال الغرب أفضل وبالتالي فإن نظامهم الاقتصادي أفضل لأن البنى التحتية وكل مظاهر العمران أفضل. أي وكأن الدولة من خلال هذه السندات اقترضت من الناس لتستثمر المال في الخدمات وهذا سيدعم الحركة الاقتصادية وبالتالي فإن الجميع في وضع أفضل، حتى وإن كانت هذه السندات مبنية على الربوا بدليل حالهم الأفضل من حالنا اليوم. إن قلت هذا فبالطبع سيصعب التفاوض معك لأن الواقع يدعم قولك كما تظن، برغم أن هذه مسألة خلافية في الاقتصاد الغربي. فهناك من الاقتصاديين في الغرب من أبدع في نقد أخذ الدولة للأموال لتقديم الخدمات مثل ملتون فردمان ومن تبعه من مدرسة شيكاجو (وسيأتي بيانه في عدة مواضع بإذن الله). ولكن على العموم فما تراه من تقدم عندهم مقارنة بما عندنا هو لأن الشريعة لم تطبق، أما إن طبقت، فإن ما ستنتجه الشريعة من مجتمع سيكون أفضل اقتصادياً بكثير لأننا سنحصل على مرافق وخدمات أفضل وبتكلفة أقل ودون الإفساد المصاحب للنمو الاقتصادي الذي يفرزه الغرب. وهذا هو موضوع هذا الفصل والفصلين القادمين بإذن الله ، والذي هو امتداد للفصل السابق والذي يحاول التركيز دائماً على ظاهرة أن الأموال إن وضعت في أيدي غير ملاكها فإن مصيرها إلى الهدر في معظم الأحوال. والهدر فساد في الغالب كما هو حال الغرب الآن. فشتان بين سلوك فرد مالك وسلوك فرد غير مالك. لذا فإن المال العام ولأنه لا مالك مباشر له، فهو مدعاة للفساد بالضرورة. والسندات ما هي إلا تحويل للمال الذي كان بملكية أصحابه إلى ملكية الدولة لتصبح مادة للعبث والذي هو الفساد بعينه. فكل مشروع تقوم به الدولة «قد يكون وراءه مسؤول فاسد تمت رشوته. هذا إن كان المجتمع شفافاً. أما الغالب، فهو هدر في جميع المستويات كما مر بنا. لهذا نجد أن الشريعة لا تؤدي لهذا الوضع، بل لوضع يكون كل مال في حوزة مالكه مباشرة دون وصاية إلا فيما ندر كما في حال الأيتام القصر. حتى الخدمات العامة ستكون مملوكة للناس كما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله . فهل رأيت رجلاً يبدد ماله الخاص إلا إن كان سفيهاً (وهذا استثناء) ؟ أما المال العام، فهو في تبديد على الدوام لأن ملاكه نظرياً ع ا عموم أفراد المجتمع، أما عملياً فهو تحت طغيان المسؤولين. وهؤلاء أفراد بأهواء، والأهواء ظلم والظلم فساد. حتى وإن كان المسؤولون من النزهاء الشرفاء، ألا يكفي الهدر بسبب البيروقراطية المقيدة للمبادرات؟
وهنا لابد من التذكير ببحث قام به ملتون فردمان وزملاؤه في جامعة شيكاجو وتوصلوا فيه إلى أن غرائز النفس البشرية وطبائعها تحاول دائماً الإفادة القصوى لنفسها (إلا من رحم ربك). فقد قسموا الأموال من حيث الملكية والإنفاق إلى أربعة أقسام: مال نفسك تنفقه على نفسك، ومال نفسك تنفقه على غيرك، ومال غيرك تنفقه على نفسك، ومال غيرك تنفقه على غيرك فوجدوا أن الإنسان (۱) عندما ينفق ماله الخاص على نفسه كشراء معطف مثلاً، سيكون حريصاً جداً للحصول على أعلى جودة مع أفضل سعر. فهو يهتم بجودة ما يشتريه وبسعر مناسب. ٢) وعندما ينفق ماله على غيره، فسيكون حريصاً على السعر ولكن لن يكون بذات الحرص على الجودة لأن ما سیستهلك سيذهب لغيره. (٣) وعندما ينفق مال غيره على نفسه كأموال الدولة مثلاً إن أنفقها كالسفر لأداء عمل ما، فإنه سيكون حريصاً جداً على الحصول على أعلى جودة من الخدمات مثلاً ودون الاهتمام بالتكلفة. ٤) أما عندما ينفق مال غيره على غيره كالمسؤولين في الدولة، فإنه لن يكون بذات الحرص لا على الجودة ولا على التكلفة. أريدك أخي القارئ أن تتأمل هذه الحالات الأربع وتحاول ربطها بما مر بنا وبما سيأتي من حركيات. ستلحظ أن الشريعة تحاول جاهدة وضع المال في الحالة الأولى.
١٤١٤ 🗏
وبالنسبة لاستنكارك الثاني أجيب عندما يشترك اثنان أو أكثر باتباع الشريعة، ففي أسوأ الاحتمالات عند
حصول أحدهما على مال الآخر (كما في الشراكة مضاربة ليتاجر أحدهما بمال الآخر)، فإن المال انتقل من يد لأخرى، وفي هذه الحالة فإن مال الشراكة يذهب لشراء ما يُتجر به ناهيك عن أن الشريك المضارب لا يستطيع أن يبدد المال لأن الشريك الدافع للنقود يلحظه ويراقبه في تصرفاته، فهو قريب وليس بعيداً كمجموع الأمة في حالة المال العام أو كحال أعضاء مجلس الإدارة في الشركة. فالنفقات للشريك المضارب هي في ما يحتاجه لحياته فقط. أي أن الذي زاد هو عمل الشريك المضارب مقابل بعض النفقات، بينما مال الشراكة ذهب لشراء ما يتجر به دونما وعد بالسداد لأي من الأطراف. وإن تفكرنا في هذه الحركية على مستوى الأمة، فإن التراكم هو أن موجودات الأمة لم تبدد فيما هـو تـرفي، بل فقط فيما يُمكّن الشريك المضارب من الاستمرار في العمل بالإنفاق على الضروريات والحاجيات، بالإضافة لاستثمار المال في شراء البضائع والذي هو في الواقع مقايضة نقد له قيمة بمنتجات أو مقايضة منتجات بمنتجات. أي أن هذه الشراكة تنقل المنتجات من مكان لآخر. والأمر نفسه ينطبق على شركة الوجوه أيضاً، ذلك أن الشريك الخمل يعمل باسم الشريك الوجيه دون أن تُبدّد النقود، بل زيادة عمل. ولكن في جميع الأحوال، فإن الملاك دائماً بالقرب من أموالهم، فلا مجال للتبديد.
هو
ثم لعلك تضيف: ولكن ماذا عن الشراكات المنتجة للمصنوعات إن طبقت الشريعة كشركة الأبدان؟ فأجيب: حتى في الشراكات الإنتاجية للمصنوعات، أو الشراكات الإنتاجية الزراعية مثل المغارسة أو المزارعة أو ما شابه من صفقات إنتاجية، أو في شراكات الخدمات كأن يشارك الفرد الآخر بسيارة لتأجيرها، فإن المضاف دائماً عمل الشركاء بما هو متوافر من نقد والذي يُستخدم لشراء متطلبات الإنتاج مثل الأجهزة والمعدات والآلات التي تستخدم في الإنتاج أو في شراء المواد الأولية كالبذور أو الأنعام، أو أن المضاف هو عمل الشركاء بما تمت الشراكة عليه من معدات كالسيارات. وهكذا فالذي يحدث في جميع هذه النشاطات هو استثمار للعمل أو الفكر أو نقل للنقد مقابل أعيان تستخدم في الشراكة. أي أن التقايض دائماً هو نقد يحمل في طياته مجهوداً مقابل سلع، وفي للمجهودات، أو مقايضة عمل مقابل منتجات مستقبلية، وفي هذا استثمار إنتاجي مقابل عمل. أي أن
هذا
حبس
النقد لازال يحبس المجهودات للناس دونما تضخم إذ لا استبداد ولا تبديد.
وهنا نأتي لمسألة هامشية مهمة : ألا وهي أن الشركات المساهمة عادة لا تخاطر في التوسع وبالتالي لا تخاطر في المزيد من التوظيف خوفاً من الخسارة إن كانت أسعار الفائدة مرتفعة أو أن الربح للمنتج لم يكن مضموناً كما في شراكات الاغتنام (تذكر أن الشراكات كنا قد قسمناها إلى ثلاثة أنواع: شراكة اغتنام وشراكة همم وشراكة مقاولة). وفي هذا خنق لاحتمال التوسع الإنتاجي، أما مع تطبيق الشريعة، فإن العامل شراكة مع صاحب الأدوات كشبكة الصياد أو مع صاحب رأس المال فليس لديه ما يخسره إلا عمله أو كل شيء، لهذا سيختار احتمالية خسران العمل، فيبادر ويعمل وقد ينجح في الغالب ويصبح منتجاً لا عاطلاً. وكذلك صاحب رأس المال، فلا مجال له إلا المخاطرة لأنه لا أسهم للشراء ولا إيداعات ربوية أمامه. فإن كان جباناً ذهب لشراكات شبه مضمونة بمردود أقل مثل شراكات المقاولة أو الهمم، أما المخاطر فسيذهب لشراكات الاغتنام. وفي جميع هذه الشراكات مزيد من الإنتاج ليوازي الزيادة النقدية. وبالطبع، ففي جميع هذه الاحتمالات، فإن المال دائماً بحوزة مالكيه، وليس كالمال العام أو مال الشركات التي تتصف بغياب المساهمين الذي لا يعون ما يدور في الشركات ليظهر الهدر.
ربحي
١٢ الفصل والوصل
١٤١٥
وقبل الاستمرار في نقد السندات والأسهم لابد من المرور على بعض التوضيحات عن السندات لترى كيف أن السندات بأنواعها تؤدي جميعاً للسرقة والظلم. كما هو معلوم فإن وسائل المحاسبة كثيرة ومن أهمها في العالم الغربي النموذج الذي وضعه الكاهن الإيطالي لوجا باتشيولي Luca Pacioli في القرن الخامس عشر والذي يقضي بحساب الداخل والخارج من موجودات أي مؤسسة وهو ما يعرف في علم المحاسبة بنظام القيد أو التدوين المزدوج أو double-entry bookkeeping system. ذلك أن كل عملية مالية تتعرض لها أي مـؤسسـة لها وجهان. فالأصول أو ما يعرف بـ assets تمول إما بالنقص في أحد أصول المؤسسة أو بالزيادة في أحد بنود الالتزامات والتي تعرف بـ liabilities. أي أن المعادلة هي رأس مال أي مؤسسة هو الأصول مطروحاً منها الالتزامات أو الديون. أي assets - liabilities = equity. فمثلاً إن كان رصيد تاجر ما هو ألف جنيه ومودع في البنك أو الخزينة ولديه عدد محدد من البضائع في المخازن ثم قام بزيادة ما لديه من بضائع بالشراء بمئة جنيه، فلابد وأن ينقص نقده بنسبة مساوية لما زاد في المخازن. أي أن النقد قد نقص إلى . ۹۰۰ جنيها وزاد الموجود بمئة جنيه. أما إن قام بالاستدانة لتمويل شراء جهاز ما فإن أصوله بالطبع ستزيد، وفي الوقت ذاته ستزيد أيضاً ديونه بزيادة رصيد البنوك الدائنة. وبهذا فإن أي زيادة في الأصول سيقابلها إما نقص في أحد بنود الأصول أو زيادة في أحد بنود المطلوبات. أي لابد للأصول أن تكون كافية في أي وقت لسداد ما على هذا التاجر إن طالبه خصومه من دفع ما عليه من التزامات. وبهذا لن يُظلم أحد. هذه المعادلة المنطقية السهلة الواضحة تغيرت بفعل السندات والأسهم. فما تفعله الدول عادة هو الاقتراض من خلال السندات لسداد ديون سابقة أو المضي في مشروعات قادمة بحاجة للتمويل. وهذا الفعل سيؤدي للخلل لا محالة وبالذات على المدى الطويل. والفرق بين الحالين واضح، فعندما يشتري التاجر بضاعة ما سيظهر عليه استحقاق جديد وسيتمكن من سداده في الغالب وإلا لن يقرضه الناس أما عندما تقوم الحكومات أو الشركات بإصدار السندات فإن الاستحقاق هو لفقدانه لمصداقيته بينهم، السندات ولكن دون مقابل إنتاجي يمكنها من السداد مستقبلاً إلا ثقة الناس العمياء بالدولة، لأن الدولة تستطيع في أي وقت جمع المال من خلال فرض المزيد من الضرائب أو طباعة المزيد من النقود لتسديد التزاماتها وبهذا يثق الناس بالسندات. كيف؟
متداخلة
هذه
عادة ما تحاول الدول التغلب على العجز في موازنتها بعدة طرق منها مثلاً: الأخذ من الاحتياطي العام إن وجد، أو فرض الضرائب والرسوم، أو الاقتراض من البنك المركزي أو من القطاع المصرفي، أو إصدار السندات أو أذونات الحكومة. وعادة ما تحاول الدول الإنفاق على المشروعات العامة ما يؤدي نظرياً لإيجاد فرص عمل جديدة فتنحسر البطالة فتزداد القوة الشرائية ما يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات، هكذا ينتعش الاقتصاد كما يعتقدون. إلا أن الذي يحدث في الغالب هو زيادة التضخم ذلك أن الحكومات عادة ما تطلق المشروعات بطرق مع الاقتصاد وبطريقة يستحيل معها معرفة مدى نجاح مشروع بدقة إلا إن كان ناجحاً بوضوح (سيأتي بإذن الله توضيح أن النجاح لمشروعات الدولة عادة ما يعود لتمتع الدولة بحقوق يحرم منها الناس، مثل حصولها على الأرض مجاناً، مقابل منع الناس). فقد تنفق الدولة الكثير من الأموال لإنشاء سكة للحديد ولا يمكن بالتالي احتساب مدى نجاح المشروع اقتصادياً لتداخله مع ظروف وحيثيات أخرى مثل مرتبات موظفي الدولة المساهمين في المشروع ومثل وجود سد مائي بُني مؤخراً في طريق المشروع. وهكذا قد يكون المشروع خاسراً جزئياً دون إدراك المسؤولين. مثال آخر من المعلوم أن الأصول أو المشروعات طويلة الأجل تمول تمويلاً طويل الأجل،
1817 🗏
والمشروعات قصيرة الأجل تمول تمويلاً قصير الأجل، فإن تم تمويل مشروعات متوسطة الأجل بسندات متوسطة الأجل مثلاً وامتد المشروع في زمنه لظرف ما فإن هذا سيؤدي على المدى الطويل إلى عجز دائم لأن مستحقات السندات من فوائد لا توازيها الإيرادات من المشروعات. وهذا يحدث عادة لأن الدول لا تفصل أحياناً بين نفقاتها تماماً. فإن ظهر عجز مالي هنا تمت تغطيته بالموارد من هناك، وهكذا يتراكم العجز الذي يُرحل من سنة لأخرى. وما يؤدي للعجز أيضاً هو طبيعة عمل الديمقراطية: فلأن الديمقراطية مبنية على الانتخابات، ولأن المتسابق في الانتخابات بحاجة لأصوات الناخبين، لذا فعليه أن يطلق المزيد من الوعود للفوز. ولأن الإنفاق الحكومي مرتبط بمقدرة الحكومة على فرض الضرائب ومقدرتها على الاقتراض، ولأن التركيبة السياسية هي أن الفرد المنتخب لتمثيل الولاية في العاصمة أو المحلة في البلدية ( عليه أن يجلب لولايته أو مدينته أو محلته الأموال لإنفاقها على من يمثلهم في بناء المدارس أو الطرق أو المصحات، فإن ميزانية الحكومة في الغالب في تصاعد مستمر، ذلك أن تمكن ممثل المنطقة من جلب الأموال للوفاء بوعوده يعني أنه سيفقد في المرة القادمة مقعده الذي خاض الانتخابات من أجله، ذلك أن منافسه سيلقي المزيد من الوعود للناخبين بأنه سيأتي لهم بأموال أكثر لإنفاقها مستقبلاً. فالنظام الانتخابي مبني على الوعود. لهذا فإن الحكومة غالباً ما تقترض لسد نفقاتها التي يدعمها السياسيون المنتخبون الذين لن يبالوا إلا بفوزهم مستقبلاً دون الاكتراث للأجيال القادمة. وهكذا نجد أن المزيد والمزيد من النفقات تذهب لما لا فائدة جذرية منه إلا الوفاء بالوعود. فالمسألة مبنية على محاباة من يقفون عند صناديق الاقتراع لمن يعدهم للأخذ مما هو ليس حق لهم. أي أنه لا كفاءة في الأداء ولا عدالة في التوزيع، بل الحاجة للمزيد من السندات والتي تأخذ أنواعاً مختلفة. لأضرب بعض الأمثلة:
عدم
من أدوات جمع المال من الشعب في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً ما يعرف بأذونات الخزانة الأمريكية أو treasury bills وهي سندات قرض حكومية قصيرة الأجل. وعادة ما يفضل المستثمرون هذه السندات لأنها سهلة البيع لآخرين إن أرادوا الحصول على سيولة نقدية، ولأن أرباحها معلومة لقصر أمدها ودون مخاطر. وفي المقابل، فإن الحكومة تفضلها أيضاً لأنها أداة تستطيع بها الحصول على النقد بسهولة. وما تتميز به هو أنها سندات تباع بسعر أقل من قيمتها الإسمية face value فإن كانت قيمة السند الإسمية مثلاً ألف دولار، فقد تباع بتسع مائة وخمسون دولاراً ليقوم المستثمر بقبض ألف دولار عندما يحين وقت السداد (وقد جرت العادة بأن تقوم البنوك بالتغلب على احتياجاتها النقدية العاجلة من خلال مثل هذه السندات بتبادل السندات فيما بينها كأن تغطي الاحتياطي المطلوب منها مثلاً).
هذه السندات قصيرة الأجل برغم أنها هدر للمال العام لأن محصلتها مالٌ وُضع في أيدي من لا يملكونها وتحت سيطرة مسؤولين قد يخضعون للأهواء، إلا أنها ليست سرقة واضحة كأوراق النقد التي تصدرها الخزينة أو ما يعرف بـ treasury notes . فهذه سندات متوسطة المدى وتستحق السداد بعد مدة تتراوح من سنتين إلى عشرة سنوات. أما السندات الطويلة المدى، وهي السرقة الأكبر، فهي سندات الخزينة أو ما يعرف بـ treasury bonds، سندات حكومية طويلة الأجل قد تصل إلى ثلاثين سنة. فأي عقل بشري هذا الذي يستطيع وضع . اقتصادي يصل إلى ثلاثين سنة؟ أي أن الدولة تحصل على النقد الآن لخدمة هذا الجيل، ثم تفرض الضرائب على الأجيال القادمة لسداد أصحاب هذه السندات طويلة الأجل. هل رأيت السرقة ؟ ومن جهة أخرى غير السرقة، فإن
وهي
مخطط
١٢ الفصل والوصل
١٤١٧
أسعار الفائدة على هذه السندات تؤثر كثيراً في الاقتصاد لدرجة أنها تحدد مساره أحياناً من خلال نسبة فوائدها المئوية التي تؤثر في نسب الفائدة في الرهن العقاري مثلاً وسندات الشركات الكبرى، ذلك أن المدخر عندما يقرر الاستثمار في السندات يقارن بين فوائد السندات الحكومية وأسهم الشركات ما يؤدي إلى التأثير على نسب الفائدة في أسهم الشركات.
وبالإضافة لهذه السندات الحكومية، فهناك سندات تصدرها الولايات أو بلديات المدن لدعم نفقاتها أو لدعم جهات متخصصة لخدمة ما كتلك التي تدعم التعليم العالي أو الإسكان، إلا أن هذه السندات ولأنها ليست بذات الضمان كسندات الدولة (أي أنها أكثر مخاطرة بالنسبة للمستثمر)، فإن فوائدها عادة ما تكون أعلى. وبالطبع فهناك استثناءات كما في سندات البلديات في الولايات المتحدة الأمريكية ذات الأرباح الأقل لأن الفائدة أقل إلا أنها سندات معفاة من الضرائب، لذا يقبل عليها المستثمرون . وهذا بالطبع يفتح الطريق أمام مثل هذه الجهات کالبلديات أو حكومات الولايات لإصدار المزيد من السندات والتمادي في الإنفاق لدعم البنية التحتية، ما قد يؤدي للهدر لأن الاقتراض رخيص نسبياً ما سيؤدي لاستثمارات ليست بالضرورية والتي ستقع نفقاتها على عاتق الأجيال القادمة.
أما سندات المؤسسات غير الحكومية أو سندات الشركات ولأنه لا ضمان عليها كسندات الحكومات فهي سندات تدفع نسباً ربحية أعلى ذلك أن هذه الشركات لا تتمتع بالموثوقية التي تتمتع بها الحكومات التي تستطيع سداد ما عليها في معظم الأحوال بفرض الضرائب على الناس مستقبلاً. فالشركات لا شعب لها لتفرض عليهم الضرائب، لذا فإن الفوائد الربوية على سندات هذه المؤسسات عادة ما تكون أكبر. ولأن بعض الشركات تشتهر بمنتج معروف للناس فعادة ما تظهر الثقة بالشركة التي قد تصدر المزيد من السندات والأسهم كديون للمزيد من التوسع دون رقيب، فيكون الهدر الذي لا يراه الناس لنأخذ مثالاً متطرفاً جاء في تقرير للإيكونومست يفيد بأن شركة إيداي، وهي من كبريات شركات إنتاج صفائح الخشب في اليابان، ارتفعت ديونها إلى بليون دولار، بينما رأس مالها المدفوع لا يتجاوز ٣٢ مليون. وبرغم تطرف الحالة إلا أنها تظهر الصورة المؤلمة لحال الشركات التي تستمر في العمل والإنتاج برغم وضعها الاقتصادي المهترئ
ومما يزيد من الهدر في المجتمعات هو ظهور شركات لتقويم هذه السندات والجهات التي تصدرها بتفحص موجودات ومنتجات هذه الشركات ومن ثم وسمها بمعيار معين يعبر عن الثقة في السداد ليكون مؤشراً للمستثمرين للمضي في الاستثمار في شراء السندات أو العزوف عنها ما يؤثر في أسعار الفوائد على هذه السندات. إلا أن الانتكاسة الاقتصادية سنة ۲۰۰۸م أثارت الكثير من الأسئلة عن مصداقية هذه الشركات المقومة (أو المقيمة). لقد أصبحت الأموال في ذاتها مجالاً للمزيد من الهدر بدل أن تكون أداة إنتاج.
وإن اقتنعت بالسابق لابد وأن تسأل هل لهذه السندات حاجة للمجتمع لكي يعيش في رغد ؟ بالطبع كما يحاول هذا الكتاب إثباته هو أنه لا حاجة قط لهذه السندات، فهي عين السرقة. ولكنك قد تسأل: ولكن كيف لهذه المشروعات الضخمة أن توجد إن لم تجمع لها الأموال الطائلة؟ أقول: ستأتي الإجابة بإذن الله في فصل «الأماكن» في الحديث عن الوفورات وفي فصل المعرفة». ولكن فقط لوضع مثال سريع لعله يكون مقنعاً أقول:
١٤١٨ 🗏
الأنبوب
(ملحوظة: إن كنت مقتنعاً فلست بحاجة لقراءة هذا المثال، بل القفز مباشرة إلى عنوان: السوق المالي).
سؤال: هل يمنع الإسلام ظهور الشركات الكبرى؟ والإجابة بالطبع كما هو معلوم : لا . ولكن وجود الحركيات التي تطلق الناس ستؤدي لظهور شراكات بأحجام مناسبة للمنتج كما مر بنا في الفصل السابق. أي أن الشريعة لا تحارب ظهور الشركات العظمى كتلك التي تستخرج النفط وتشحنه، بل توجد البيئة التي تخفض من احتكارها لمثل هذه النشاطات ما قد يؤدي لزوالها إلا أن هذا لا يمنع أن يجتمع آلاف من الناس للعمل كشركاء من خلال نظام يجمعهم، إلا أنهم هم الملاك لما يعلمون فيه، وليسوا بأجراء في الغالب. وللمزيد من التوضيح أقول: هناك قناعة عند البعض بأن الشركات العابرة للقارات هي التي عادة ما تحل مشاكل العالم. ففي أمريكا الجنوبية مثلاً، وفي ظل النظم الرأسمالية سيستحيل على الفرد أو الجماعة الاستثمار في مد أنبوب يصل طوله إلى أربع آلاف ميل ليقطع أنواع مختلفة من الجغرافيات. فهذا في مفهوم الجميع مشروع لابد وأن تقوم به شركات كبرى. وهذا ما حاولت شركة إنرون الأمريكية فعله لنقل الغاز من بوليفيا إلى المحيط الأطلسي بالبرازيل في أطول أنبوب في العالم لنقل الغاز بتكلفة تصل إلى 1,5 بليون دولار، إلا أن المشروع فشل لأن الشركة أفلست. بدأت المسألة بالشركات المساهمة التي جمعت الأموال joint stock company لتمويل المشروع. وما ظهرت هذه الشركات بالطبع إلا لأن أسواق الأسهم stock market أوجدتها. فما يدفعه الناس من استثمارات لشراء أسهم الشركات هو في الواقع قناعات الناس بما ستحققه الشركات من أرباح مستقبلاً. فهم يقبلون على الشركات التي يعتقدون بأنها ستربح. ولكن كما تعلمنا من أسواق العقارات وسيأتي بيانه بإذن الله، فإن أسواق الأسهم قد تكون مليئة بالمفاجآت أيضاً، وهذا ما حدث مع شركة إنرون التي زعمت أنها ستوجد هذا الأنبوب الضخم وسحبت أموال الناس لتبددها كما مر بنا في فصل «القذف
بالغيب».
ولكن كيف يكون الحل مع تطبيق الشريعة؟ أقول: لأن الشركات التي تنقل الغاز الطبيعي أو النفط شركات كبرى في الفكر الرأسمالي، ولأن تفكيرها في حل الأمور تفكير مركزي ويحاول تلافي العقود الصغيرة الكثيرة، بل تفضيل عقد واحد كبير إن أمكن تبلور الحل لنقل الغاز الطبيعي أو النفط من خلال أنابيب قد تصل في قطرها لمتر واحد أحياناً أو تزيد. والآن أريدك أخي القارئ أن تتفكر في الإشكاليات الناتجة من النقل بأنبوب بهذا الحجم ومقارنته بأهداف النقل. بالنسبة للأهداف، فبالطبع فإن الهدف واحد وواضح ألا وهو نقل كمية معينة من الغاز أو النفط خلال هذا الأنبوب الضخم . أما الإشكاليات فلا حصر لها ومن أهمها: إن مجرد تصنيع أنبوب بهذا القطر بحاجة لسبائك خاصة من المعادن وتقنية خاصة، ناهيك عن صعوبة نقل مثل هذه الأنابيب التي تُصنع على شكل قطع قد يصل طول الواحدة منها إلى عشرين متراً وتزن عشرات الأطنان، فكيف تنقل هذه الأنابيب إلى أعالي الجبال وبطون الأودية التي تعبرها؟ ثم كيف تلحم هذه الأنابيب؟ إن إشكالية لحام مثل هذه الأنابيب الكبيرة هو أن اللحام من الأسفل للأعلى بالطرق التقليدية له مخاطره، وهذا بحاجة لتخصص دقيق وأجهزة ضخمة متخصصة ليست في متناول معظم الشركات، وهذا بالطبع لصعوبة تدوير هذه الأنابيب الضخمة. ثم بعد إتمام العملية والتأكد من ضبط جميع أجزاء اللحام بين جميع الأنابيب، يبدأ ضخ السائل أو الغاز وتبدأ بـعـدهـا عـملية الصيانة المستمرة لهذه الأنابيب ومراقبتها باستمرار لرصد أي تسرب وهكذا من مشكلات. فقط فكر في طريقة
١٢ الفصل والوصل
تثبيت هذه الأنابيب على القواعد التي تحملها باتزان والذي لابد وأن يكون متقناً، ذلك أن مجرد هبوط أنبوب بسبب ثقل السائل مقارنة بالأنبوب الذي بجانبه لأن الأرض اختلفت في صلابتها مثلاً أو لسوء التنفيذ، وهذا أمر جد وارد لاسيما في المسافات الطويلة) سيؤدي لشرخ في مواضع اللحام ما يؤدي لتسرب النفط أو الغاز.
والآن لنقل بأن الشريعة قد طبقت، وأن للناس نقل الغاز أو السائل الذي حازوه، فما الذي سيحدث؟ لنقل بأن قطر الأنبوب الذي تستخدمه الشركات الكبرى هو متر واحد، عندها ستكون مساحة قطاع الأنبوب ٧,٨٥٠ سنتيمتراً مربعاً. وإن حاولنا استبدال هذا الأنبوب بعدة أنابيب أخرى متوازية قطر كل منها عشر بوصات، أي مساحة كل منها ٥٠٦ سنتيمتراً مربعاً، فنحن بحاجة إلى ١٦ أنبوباً صغيراً تقريباً ليحل محل الأنبوب الواحد الكبير. أي بدل نقل النفط خلال أنبوب أو اثنين أو ثلاث بأقطار كبيرة لشركة واحدة سيظهر ١٦ أنبوباً مقابل كل أنبوب كبير كل منها قد يكون ملكاً لشراكة مختلفة ويسيرون إما بالتوازي أو في خطوط مختلفة في الغالب لأن كل شراكة ستجتهد في استحداث مسلك أيسر وقد تكتشف طريقاً أسهل. وهذه الأنابيب أو المواسير الأصغر عادة ما يكون طول الواحدة منها ستة أمتار (إن تقبلنا التقنية الحالية ويستطيع حملها رجلان بكل بساطة. كما أن تثبيتها ولحامها أو توصيل بعضها ببعض سهل وسريع وبتقنية في متناول الجميع، ناهيك عن أن مجموع تكلفتها أقل بكثير. وهكذا مهما تفكرت ستجد أنها أكثر ملاءمة من شتى الوجوه. لذا فإن أتيحت الفرصة للناس للقيام بذلك فسيهبون للنقل وتظهر الابتكارات السهلة الصغيرة من خلال الشراكات ذات الأحجام الأصغر كما مر بنا في فصل «الشركة» كشراكات اغتنام مثلاً، إلا أن هذا محال لأن الدول عادة ما تمنع الأفراد من مثل هذه النشاطات وبهذا لن تظهر الأعراف التقنية والعملية لتثبيت هذه الأنابيب الصغيرة ومن ثم نقل الغاز. كيف؟
لنقل مثلاً بأن هناك تسرب في الأنبوب الضخم في مكان ما، فقد لا يلحظه موظفوا الشركة، وهم بالطبع لن يكونوا بذات الحرص في كشف التسرب لأن الغاز أو النفط ليس لهم، أما إن كان النقل بأيدي الناس وكان موزعاً بين أكثر من عشر مواسير، فإن أي كمية سيلحظها صاحب الماسورة لأنها مقارنة بصغر حجم الماسورة كمية ملحوظة. ولكن الأهم هو أنه إن ظهر تسرب في مكان ما في الأنبوب الكبير فإن التسرب قد يكون كبيراً وقد يؤدي لتلويث عظيم وقد ينقطع تدفق الغاز أو النفط عن المستهلكين لحين إصلاح العطب. أما مع الأنابيب الأصغر الكثيرة، فإن ظهر عطب في مكان ما حتى وإن كان في كامل الأنبوب، فإن ذلك الأنبوب هو الذي سيغلق وبالتالي فإن التسرب أقل ونقل الغاز أو النفط لن يتوقف لاستمرار باقي الأنابيب في العمل.
ثم لعلك تثير مسألة تقنية مهمة ألا وهي أن تدفق النفط لينتقل بين الأقاليم المختلفة وبالذات صعود الجبال بحاجة لضغط قوي هائل لدفع النفط داخل الأنابيب لتنتقل من مستوى لآخر، وأن هذا أمر تقني عسير على الناس. فأجيب: بل العكس تماماً، فكلما كبرت الماسورة وزاد ارتفاع المناطق التي تمر بها كتلك التي تمر فوق الجبال، فإن الضغط المطلوب لتحريك النفط لابد وأن يكون هائلاً، وهذا بحاجة للكثير من الجهد المبذل من معدات أكبر، ناهيك عن أن شدة الضغط المطلوبة ستؤثر في نقاط اللحام والتي يجب أن تكون متقنة حتى يتحمل اللحام الضغط الهائل المطلوب لنقل السوائل لمستويات أعلى، وإلا فالتسرب حادث لا محالة، وإن تسرب النفط من نقطة ما، فلابد وأن يكون كبيراً لأن الضغط شديد. ثم إن قارنت هذا الوضع بما يمكن أن يحدث باستخدام
الأنابيب الأصغر ستستنتج مباشرة أن الوضع هو في صالح تلافي الأنابيب الكبيرة من جميع الجوانب التقنية.
١٤٢٠ 🗏
ومع تطبيق الشريعة التي تفتح أبواب التمكين، ولأن فرصة الربح من النقل متاحة للجميع، ولأنها ليست مكلفة وفي متناول الكثيرين، فإن من سيحاول نقل الغاز أو النفط كثير من الناس. ولأن تفكيرهم غير مركزي، فسيقومون بتثبيت هذه المواسير واحدة بجانب الآخرى بأنفسهم أو عن طريق مقاولين صغار. هكذا تتبلور الأعراف التقنية للحام هذه الأنابيب وبسرعة وإتقان. لاحظ أن التقنية حتى تتمكن من دفع الغاز في الأنابيب الضخمة بحاجة لتطوير. وهذا التطور المعرفي لن يكون ذا فائدة قصوى لأنه لن يخدم إلا المواسير الضخمة ) ة التي قلة. أما مع المواسير الأصغر ، فإن أي إضافة معرفية في تقنيات استخدامه ستكون واسعة الانتشار بفائدة أعم لأن عددها أكثر إن طبقت الشريعة. فهناك مواسير المياه والصرف الصحي، وشتان بين الحالين، هذا تقنياً، أما من حيث الملكيات، وهو الأهم، فإن الذي قد يحدث هو الآتي من احتمالات (سيناريوهات):
هي
ع
تذكر أخي القارئ دائماً ما مر بنا من أن الناس متقاربون في الدخل لأن الشريعة تفتح لهم أبواب التمكين، لذا فلن يستطيع الكثير من الناس تسخير الآخرين للعمل لديهم كأجراء إلا بسعر مرتفع منهك للمستأجر. وهكذا تتكون الشراكات لأن العمل الإنتاجي يتطلب التكاتف بين الناس. وهذا التكاتف قد يأخذ عدة احتمالات منها مثلاً: أن يتفق ويشترك جماعة من الناس في التكاتف لنقل كمية من النفط لكامل المسافة كأن تعمل جماعة على استخراجه، وأخرى على ضخه، ثم يسير النفط داخل المواسير التي قد يكون لكل شريك عدد من المواسير المتجاورة المسؤول عنها وبمضخة صغيرة تدفع النفط لمسافة مواسيره ثم شريك آخر وآخر حتى خط النهاية التي تعمل فيها جماعة لبيع النفط أو خزنه، وهكذا. هذه الجماعات كشراكات تتفاوض فيما بينها لتوزيع الأرباح والمسؤوليات. وإن اختلفوا أو قرر أحدهم أو جماعة منهم الانفصال، فقد يقومون بما كان الآخرون يقومون به مع أقربائهم أو شركاء آخرين. ومن الاحتمالات مثلاً أن تقوم جماعة باستخراج النفط ثم بيعه لأخرى والتي تتولى نقله لمسافة معينة، ثم تشتريه أخرى وتنقله أبعد، وهكذا حتى آخر ناقل. والاحتمال الثالث هو أن يأتي فرد أو جماعة ويستثمروا في أنبوب صغير فقط لكامل المسافة ويعملون فيه بأنفسهم أو باستئجار أفراد للعمل لهم في ذلك الأنبوب، ثم بعد مدة قد يأتي آخرون ويستثمرون في أنبوب ثان ثم ثالث وهكذا من احتمالات مختلفة تلائم ظروف المكان والمنتج والزمان.
ثم قد تتساءل: وكيف للناس استخراج النفط، فهذا بحاجة لشركات فأجيب كما أجبت سابقاً: أليس من : يعمل في الشركات أفراد؟ فلماذا لا يستطيعون إدارة أنفسهم والقيام بالعمل دون رقيب علوي عليهم؟ فإن ذهبت لأي جماعة تعمل في قسم ما في شركة نفط وسألتهم: هل تستطيعون القيام بهذا العمل الذي تؤدونه دون جهات عليا لتوجيهكم؟ لقالوا: «نعم وبطريقة أفضل لأن أولئك المسؤولين الذين هم من فوقنا لا يدركون تفاصيل العمل مثلنا، بل سنقوم بالعمل بكفاءة أعلى إن تمكنا من القرارات التوجيهية وتمكنا مالياً. فنحن نستطيع شراء مستلزماتنا من المعدات، ونستطيع التعاقد مع أفراد يقومون بتركيبها، ونستطيع التعاقد مع آخرين لصيانتها». وكل جماعة من هؤلاء الذين يبيعون المعدات أو الذين يثبتونها أو الذين يصونونها هم أيضاً كذلك شركاء في منتج أو خدمة محددة.
هامش
ع) تذكر بأنني ميزت في فصل «الشركة» بين التكاتف والتكامل. وأن التكاتف هو علاقة تذليل بين الشركاء، وأن التكامل هو علاقة تسخيرية بين من يملكون الأصول المنتجة وبين الأجراء.
١٢ الفصل والوصل
١٤٢١
وأخيراً لعلك تقول : إن هذا المثال عن الأنبوب ليس مقنعاً بما فيه الكفاية فأجيب: سيأتي مثال آخر في هذا
الفصل عن سكك الحديد ومثال ثالث عن إضاءة الطريق، وستأتي أمثلة أخرى في فصل «الأماكن» وفي إطار نظري أكثر إقناعاً بإذن الله. وما استخدمت هذا المثال إلا لأن المؤرخ الاقتصادي المعروف نيل فيرجسون (من جامعة هارفارد) ذكره كمثال على أهمية جمع المال المدخر لاستثماره في المشروعات التي لن يستطيع الأفراد القيام بها، أي وكأن هذه الأنابيب شاهد على النمو الاقتصادي الذي لن يقع إلا في إطار رأسمالي كما يعتقد، بينما هي عين الظلم من عدة جهات: منها منع الناس من الوصول للخيرات، ومنها منعهم من التمكن من العمل في نقل الخيرات، ومنها منعهم من إحياء الأرض لتُستخدم لوضع الأنابيب لنقل الخيرات. وكل هذا تراكم للظلم في مستويات متتالية. والآن لنعود لموضوعنا عن السندات والأسهم والظلم.
السوق المالي
وحتى يتمكن النظام الرأسمالي من خلال الأسهم من النجاح لابد لهذه الأسهم من أن تباع وتشترى بسهولة لجذب المستثمرين. وهذا بحاجة إلى سوق للأسهم أي أسواق للمال. إن فكرة حصول الناس على السيولة ببيع الأسهم متى أرادوا لن تتم إلا بإيجاد سوق مالي ،مركزي، وكما هي حال جميع الأسواق، فلابد وأن تظهر أسواق مالية ثانوية لهذه الأسهم والسندات كما هو حال الدول الرأسمالية الآن وما يجعل الظلم ظلمات هو تفاعل أسواق الأموال المركزية مع الثانوية. إلا أن الإشكالية هي أن مجرد وجود سوق لما يمكن تداوله دون استهلاكه، يعني المضاربة. فالأسواق العادية هي لشراء ما يستهلكه الناس، أما أسواق المال فهي لشراء ما يحتفظ به الناس ليظهر لاحقاً كاستثمار أي للمضاربة دونما أي إنتاج فعلي وفي مثل هذه الظروف ستظهر طبقات من الناس تستطيع التلاعب بهذه الأسهم بالبيع والشراء في فترات متباعدة أو متقاربة وبكميات كبيرة أحياناً للتلاعب بالأسعار وبالتالي بالاستفادة من فروق الأسعار. لهذا فإن تقلبات أسعار السندات والأسهم كان كبيراً في أسواق المال ويعتمد كثيراً على الشائعات وبالذات لمن يجهلون أسرار عمل هذه الأسواق وهم الأكثر من الناس. لقد كان هذا الوضع ولازال مستمراً لأكثر من مئة عام. إنها طبيعة الأسواق المالية. لهذا رأى سامولسون وكتب في الثمانينات من القرن الماضي أن الأوراق المالية كانت واقياً ضعيفاً من التضخم، وأن الشيء الوحيد المؤكد عن أسعار الأوراق المالية هو أنها تتذبذب». ولازال الأمر كذلك حتى كتابة هذه الصفحات، بل أشد تقلباً بفعل الأنواع الجديدة للصفقات الأكثر مخاطرة مثل صفقات التحوط. ولاحظ تشارلز غايست «أن الأسهم قد انحسرت شعبيتها لمدة طويلة بوصفها أداة من أدوات التمويل في الوقت الذي ازدادت فيه شعبية السندات سواء كانت في الشركات أو في الاستثمار».
٦
وإن نظرت لأي سوق للمستهلكات تجد أن الغالب هو أن المشتري والبائع على الربح على الدوام. كل منهما أصاب منفعة، أي كلاهما مبتهج. ففيها تبادل واضح للمنافع. أما أسواق المال فهي وكأنها ملعب قمار، بل هي القمار المنهي عنه شرعاً بالنسبة لي، ذلك أن مقابل كل كاسب لابد وأن يوجد خاسر ما، أي مقابل كل مبتهج شخص كئيب. وهذا ظلم واضح. فقد أوضحت الدراسات والإحصائيات أن المضاربين الصغار هم الخاسرون في الغالب لأنهم أقل خبرة ولا يملكون المقدرة على التنبؤ بالتقلبات لأسعار الأسهم والسندات. فقد بينت دراسة
١٤٢٢ 🗏
.
لروكيل في الولايات المتحدة الأمريكية أن كبار المضاربين يكسبون على الدوام، ويربحون على حساب صغار المضاربين». أما ما وصل إليه بلير فهو أن ٧٥% من عموم المضاربين خسروا أموالهم لمن هم أكثر خبرة، هكذا يزداد الفقر تخندقاً. فهل هذه الأسواق حلال يا ترى؟ أم أن نشاطاتها مقامرة واضحة المعالم ؟ بالطبع ستقول: ولكن من يا باع أسهمه فقد فرج همه لأنه بحاجة للسيولة. فهو أيضاً مبتهج فأجيب أحياناً نعم، ولكن في الغالب هو مكتئب إن باع بأقل مما اشترى أو كان الربح طفيفاً، ذلك أنه ما قد لا يتجدد من مدخرات كان قد جمعها بصعوبة، وهذا عكس الصانع الذي يبيع منتجاً أو المزارع الذي يبيع ثمرا، فمثل هؤلاء المنتجين يبيعون منتجات لا تنضب لأن نبعها متواجد على الدوام. فالصانع يصنع بيديه في كل يوم، لهذا فهو مع كل بيعة يفرح، والعامل في المنجم يأخذ من خيرات الأرض ويحوز ويبيع، فهو يفرح بالرزق من كد يده، وهكذا مع جميع الأعمال المنتجة. أما الأسهم والسندات فهي بيع مجموع ادخار سابق
يبيع .
ولأن البورصة (أو (المصفق) هو مكان بيع وشراء هذه الأسهم والسندات، ولأن هـم المستثمرين الأول هو الربح السريع، فإن معظم من يتعاملون معه من زبائن جهلة بطبيعة المؤسسات التي يشترون أسهمها. وكما هو معلوم، فإن معظم المضاربين الصغار هم عمود البورصة. فقد بلغ عددهم في فرنسا مثلاً ستة ملايين مضارب سنة ٢٠٠٩م، أي عُشر سكان فرنسا. ولأن هم هؤلاء المضاربين الصغار الربح السريع، فإن علاقتهم بأسهم وسندات البورصة وصكوكها علاقة تقف عند هي . الأرقام المتغيرة أمام ناظريهم على شاشات الحاسبات الآلية. فهم لا يعرفون شيئاً عن الشركات أو المؤسسات التي أصدرت الأسهم والسندات ولا عن دورها في التنمية أو دورها الاجتماعي ولا عن بيئتها العمالية ولا عن أسواقها المتوقعة مستقبلاً وبالتالي لا يعون إستراتيجياتها المستقبلية. فبكل بساطة يستطيع المستثمر بيع أسهمه، أما إن كان شريكاً إن طبقت الشريعة، فبرغم سهولة فض الشراكة إلا أن الشريك سيفكر ملياً قبل فضها لأنها هي حياته. فمع تطبيق الشريعة فإن الشراكة الفعلية الإنتاجية حياة وليست مركبة عابرة كشراء الأسهم التي ينتقل فيها الفرد من شركة لأخرى. فكما مر بنا في فصل «الشركة» فإن فسخ الشراكة أمر سهل في الشريعة، إلا أن هذا لا يعني أن يفسخ الشركاء الشراكة ببساطة ذلك أن هناك فرق جذري بين الوصول إلى قرار الفسخ وبين تنفيذ القرار. فمع تطبيق الشريعة، ولأن الفرد منغمس في الشراكة فعلياً، فإن قرار الفسخ قرار صعب الوصول إليه وبحاجة لدراسة وقناعة ثم بعد ذلك يأتي التنفيذ والذي هو سهل جداً (كما الحياة الزوجية مثلاً، فالطلاق سهل التنفيذ إلا أنه قرار صعب الاتخاذ). أما مع الشركات في النظم المعاصرة، فإن قرار التنفيذ للخروج من الشركة لمن يعمل فيها بحاجة للمحامين والمرافعات ( في معظم الأحيان) لأن المشاركات ليست شفهية ولأنها خاضعة لمستويات متعددة من القوانين، أي أنها ليست نقطة خلاف، بل تقع تحت مستويات متعددة من الظلم المصاغ في قوالب الأنظمة والقوانين، بينما الانتقال من شركة لأخرى كمالك الأسهم من خلال بيع الأسهم بيع و ع وشراء اء فقط وكأن الشراكة سلعة.
ويتم .
فهو
شفاهة
وهناك من الباحثين من يصر على أن الأسواق المالية الثانوية كفكرة هي أسواق لا أخلاقية ذلك أنها تعمق روح الكسب الفردي والسريع دون أدنى زيادة إنتاجية للمجتمع. فقد كانت هذه الأسواق من أهم أسباب تفاقم الأزمة المالية الأخيرة بسبب الرهن العقاري وسيأتي بيانه بإذن الله. فمن الطبعي فإن المستثمرين لن يُقبلوا على شراء الأسهم إن لم يتمكنوا من تسييلها وتحويلها إلى نقد متى أرادوا. وهذا لا يتم إلا في أسواق المال. وهنا
١٤٢٣
١٢ الفصل والوصل
هو
الإشكالية الجذرية: أي لا حافز للاستثمار إلا بالتسييل للسندات والأسهم في معظم الأحوال، ولا حيلة لبيعها إلا في الأسواق المالية في الغالب، أي لا مناص من تعميق روح الكسب الفردي السريع ودون أدنى زيادة إنتاجية. فإن كان عصب الاقتصاد الرأسمالي . تحويل المدخرات إلى استثمارات، وهذا لا يتم إلا بجذب المستثمرين، وهؤلاء بحاجة لضمان التسييل، فإن الخندق السرمدي هو ظهور شريحة من البشر لا تنتج فعلياً، بل تضارب باستمرار. أي أن هناك جزءاً من الربح لا يذهب لا للشركات المنتجة، ولا لأصحاب الأسهم، بل للمضاربين بينهما. وهذا الربح يزداد بزيادة إصدار الأسهم والسندات وبزيادة تحويل تسنيد أو تصكيك الديون. ثم عندما تنهار الشركات والبنوك، فإن هؤلاء الوسطاء يخرجون من الأزمة دون ضرر . فهم وكأنهم كائن طفيلي يستهلك دونما إنتاج. لا بل إن هذه الأسواق هي بؤر الفساد، فهي تتأثر بالشائعات وتؤثر بالتالي في أسعار الأسهم، وهي المقر الذي تُعرض فيه أسهم الشركات المفلسة بعد إعادة هيكلتها ومن ثم بيع أسهمها بأسعار مغرية. وما يزيد أسعار الأسهم سعيراً بين هبوط وارتفاع هو تفتيت شركة ما إلى شركات أصغر، أو ضم عدة شركات لشركة أضخم بدعوى رفع الكفاءة ومن ثم بيع أسهمها في أسواق المال دونما تغييرات جذرية تؤثر في النمو الاقتصادي للأمة. فقط التلاعب بالحيل لسحب أموال الناس وأكلها بالباطل من خلال استحداثات مالية مثل عقود المبادلة swap وعقود الخيار option والعقود المستقبلية future. وهناك شبه إجماع الآن بين الباحثين بأن مثل هذه العقود المبتكرة ما هي إلا خدعة كبرى gian fad أو مقامرات لصالح العاملين في شركات الاستثمار المصدرة لهذه الأوراق، كما سيأتي بإذن الله.
Λ
ولكن السؤال بعد كل هذا البلاء هو: هل على المجتمعات غلق هذه البورصات؟ بالطبع فإن هذا محال في نظام رأسمالي لأنه سيستحيل تحويل الادخارات إلى استثمارات. لهذا ظهر من يقول : لابد من إعادة البورصة لمهمتها الأساسية التي تؤدي لتحويل المدخرات إلى استثمارات فمن الباحثين من يظن أن البورصة أداة، مثل الفرن للخباز، فإن احترق الخبز فلا يعني هذا إلغاء الفرن، بل يعني تدريب الخباز . لهذا فقد قال الكثير من الباحثين بضرورة حقن هذه الأسواق بالقيم والأخلاق التي تمنع التلاعب وذلك بإصدار مجموعة من القوانين التي تحمل في طياتها البعد التنموي والمصلحة العامة من خلال الصدق في المعلومة ومنع التغرير والتجهيل وعدم بيع الديون وما شابه. وما يراهن عليه هذا الكتاب هو أن هذا محال، فطالما كانت هناك بورصات تبيع الغائب مثلاً، فإن الغرائز البشرية الشرهة ستحول البورصة إلى مصافق فقاعية لا إنتاجية، وستكثر الأنظمة والقوانين للحد من ذلك، وبهذا يزداد تجهيل الناس. فقد تفاعل القانون للحفاظ على حقوق الناس المالية مع متطلبات الشركات للمال وكيفية توزيع الأرباح إلى درجة أنها أفرزت مئات المصطلحات الحقوقية وآلاف القوانين بتعقيدات لا يفهمها إلا محام مخضرم. هكذا تم تجهيل العامة. ومتى ما وُجد وضع فيه طرفان أحدهما أجهل من الآخر، ظهر التحايل لأكل مال الجاهل بالأنظمة والقوانين. وهذا ظلم. ولا أدل على ذلك من المنازعات التي تقع بين الناس فهناك لجان للفصل في منازعات الأوراق المالية، وهناك آليات للتقديم لها ومتابعة قراراتها وأحقية استئناف القرارات الصادرة منها ومن يتولى النظر في الاستئناف، وهكذا من مراحل تجعل الخبير في الأسواق المالية مغفلاً إلا إن كان محامياً بارعاً ما يؤدي لتنهار الأسواق كما سيأتي بإذن الله . ولكن قبل ذلك لابد من استكمال معالم الظلم والتي من أهمها الظلم الأكبر،
أي التضخم.
للتلاعب
١٤٢٤ 🗏
التضخم ظلم
لنمر أولاً وسريعاً على بعض تعريفات ومظاهر التضخم والتي من خلالها ستستنتج أخي القارئ بأن هناك نقل مستمر للثروات ممن ينتجون فعلياً كالعمال والمزارعين والمهندسين لمن لا ينتجون، كأولئك الذين يملكون الأموال ويؤجرونها (أصحاب رؤوس الأموال وأولئك الذين يعتقدون أنهم ينظمون المجتمع من ذوي الوظائف الإدارية المتنفذين سواء في الدولة أو في المؤسسات دونما إنتاج فعلي. أي أن هناك هيكل نظامي واضح الملامح ؤسس لسرقة دائمة ممن ينتجون لمن لا ينتجون، وهذا هو عين السرقة وبالتالي الظلم.
يؤس
هناك معياران في الاقصاد الأمريكي مثلاً لتوقع التضخم هما: M1 و M2، ولنترجمهما إلى: (م) و (م) فالمعيار م' يشير إلى جميع الأموال في الحسابات الجارية والتي تشير إلى الأموال السائلة التي تتحرك في الاقتصاد سواء كانت عملات ورقية أو معدنية، بينما م " هي جميع الأموال في م بالإضافة إلى الأموال المودعة في حسابات الادخار وشهادات الاستثمار وما شابه من أموال مودعة للاستثمار. فإن زادت م' نسبياً فإن المتوقع هو ظهور التضخم. أما زيادة م فتعني ازدياد الأموال المدخرة مقارنة بالسيولة المتداولة ما يعني احتمالية ظهور الكساد. كما أن الزيادة في الطلب الفعلي للمنتجات والخدمات نتيجة زيادة النقود وانخفاض أسعار الفائدة عادة ما تأتي قبل الزيادة في الإنتاج بسبب الاستثمارات المستحدثة، وهذا هو سبب ظهور التضخم. أما العلاقة بين التضخم والبطالة كما وضحها كينز فهي علاقة عكسية، فإن ارتفع معدل التضخم انخفض معدل البطالة ذلك أن ارتفاع معدل التضخم يرتبط بزيادة الطلب الفعلي للمعروض من السلع والخدمات والعكس صحيح «بالنسبة له»، فكما هو معلوم فإن التشغيل الكامل في المجتمع يعني أن البطالة في أدنى مستوياتها. هذه العلاقة التي وضعها كينز أكدها فيليبس hillips . . . . والتي أثرت في سياسات الدول حتى السبعينات من القرن الماضي. فبعد دراسته للعلاقة بين التضخم في الأجور ونسبة البطالة في بريطانيا أكد فيليبس ما ذهب إليه كينز أن العلاقة عكسية، أي أن فترات الأجور توافقت مع انخفاض في البطالة. وبالعكس، ففي فترات انخفاض الأجور ازدادت البطالة. ثم قام
تضخم كل من بول ساميولسون Paul Samuelson وروبرت سولو Robert Solow بأبحاث وأكدا هذا الاستنتاج في الولايات المتحدة الأمريكة إلا أنهما ركزا على دراسة العلاقة بين البطالة وارتفاع الأسعار (وليس الأجور). وقد سميت هذه العلاقة بمنحنى فيليبس Phillips curve. وبهذا ترسخ في أذهان الكثير من الاقتصاديين ومتخذي القرارات بأن هناك علاقة عكسية منطقية بين التضخم والبطالة، لذا فإن ما أوصى به كينز من تدخل للدولة لزيادة الطلب الكلي سيؤدي في الغالب إلى تشغيل أكبر للأيدي العاملة برغم أنه سيؤدي لبعض التضخم. لذا فلا بأس من قبول بعض التضخم لمحاربة البطالة. إلا أن ما حدث في السبعينات بعد ارتفاع أسعار النفط زعزع مصداقية منحني فيليبس. فقد ظهر التضخم وارتفعت البطالة وفي نفس الوقت. أي أن البطالة والتضخم ليسا متعاكسين دائماً، فكل له طريقه غير المتوقع. لهذا انقض كل من فردمان Friedman وإدماند فيلبس Phelps على نظرية كينز ووضعا مكانها نظرية natural rate hypothesis والتي تنص على أن البطالة في المدى الطويل لا ترتبط بالتضخم. أي أن سياسات الدول بقبول أو إيجاد بعض التضخم قد لا يخفض البطالة كما ظن الباحثون.
وبالنسبة لمسببات التضخم فهي عادة ما تأخذ أحد شكلين، الأول: تضخم ناتج عن اشتداد الطلب أو ما يعرف بـ demand-pull inflation ، وهو ارتفاع في أسعار السلع والخدمات بسبب تجاوز الطلب الكلي عن
١٢ الفصل والوصل
١٤٢٥
العرض الكلي. فمع ارتفاع الطلب الكلي للمنتجات تزداد حاجة الشركات للعمل فترتفع أجور العمال وبالتالي ترتفع الأسعار. ومن الاقتصاديين من يُرجع التضخم إلى سفه السلطات في الإنفاق مع وضع ضرائب منخفضة ما يؤدي لكثرة السيولة عند الناس. ومنهم من يعزو ذلك إلى فشل البنك المركزي في التحكم في التدفقات المالية. إلا أن جميع الاقتصاديين يجمعون على أن طباعة الدولة للمزيد من النقود وتحويل ديون الدولة إلى نقود أو تسييل ديون الدولة، وهو ما يعرف بـ monetizing، سيؤدي بالتأكيد إلى تضخم مفرط قد يصل إلى مئة في المئة أحيانا، وهو ما يُعرف بـ hyperinflation. فعندما يقوم البنك المركزي بشراء ديون الحكومة بإصدار المزيد من النقود فإن الحكومة تستطيع الإنفاق دونما زيادة في الضرائب ودونما الاقتراض من القطاع الخاص، عندها تكثر السيولة فيتفاقم
التضخم.
والشكل الثاني هو التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج أو ما يعرف بـ cost-push inflation فعندما ترتفع أسعار المواد الخام أو الطاقة أو أجور العمال (نتيجة ضغطهم من خلال نقاباتهم على ملاك المصانع مثلاً) فإن تكاليف الإنتاج ستزداد، ذلك أن سعر الإنتاج لأي وحدة قد ازداد ما يتطلب المزيد من الاستثمار، ومع ارتفاع الأسعار يقل الاستهلاك فيقل الإنتاج فتظهر البطالة، وهذا بالتالي قد يؤدي لخفض الأسعار مرة أخرى. وعادة ما . المسؤولون لعلاج البطالة بالمزيد من الإنفاق الحكومي، وفي هذا خطر كبير على الاقتصاد ذلك أن التسرع في المزيد من الإنفاق الحكومي سيؤدي للمزيد من التضخم من خلال آلية ما يعرف بـ «دوامة» الأجور والأسعار أو wage-price spiral ، فطلبات العمال لرفع أجورهم يحفز الشركات لرفع أسعار المنتجات ما يؤدي لرفع المستوى العام للأسعار. أي في الوقت الذي ازدادت فيه تكلفة الإنتاج ازداد الطلب على المنتجات ما يؤدي التضخم. وهذا ما حدث في السبعينات في الولايات المتحدة الأمريكية، فمع قطع النفط العربي والذي كان بسعر منخفض، ارتفعت الأسعار، وعندها وبدل ترك المسألة دون تدخل ليأخذ الارتفاع في أسعار النفط مجراه، تدخلت الحكومة بالمزيد من الإنفاق، ما أدى لتفاقم التضخم. أي وكأنك تحاول إطفاء حريق زيت في قصعة بسكب الماء عليه فيزداد اشتعالاً كما يقول بعض الاقتصاديين.
لمضاعفة
متدفقاً
وللتضخم أنواع منها التضخم العادي أو الزاحف، وهو المنتشر عادة بسبب زيادة عدد السكان أو تخلف القطاع الإنتاجي عن مواكبة حاجات المجتمع، أو بسبب إصدار نقود دون غطاء. وهذا النوع من التضخم بطيء إلا أساساً مطاردة أموال كثيرة لسلع .أقل. ويتداخل هذا النوع من التضخم مع ما يعرف بتضخم
أنه مستمر. وهو التكاليف والذي عادة ما يظهر بسبب زيادة التكلفة. أما التضخم المكبوت فهو عادة ما يحدث بسبب سيطرة الدول على القطاع الاقتصادي إن كان النظام السياسي مستبداً كما في الدول الاشتراكية وذلك بمنع رفع الأسعار على الجهات المنتجة. وعندما تزداد السلعة ندرة بسبب زيادة الطلب أو بسبب تدني سعر النقد لأن الدول تصدره دون غطاء، ستكثر السيولة التي تطارد منتجات أقل. وحتى تحافظ الدولة على الأسعار تحت سيطرتها قد تلجأ إلى تحديد توزيع السلع من خلال تحصيص نصاب كل فرد. وهكذا يتراكم الفارق بين سعر الدولة وبين ما يمكن أن تصل إليه السلعة في السوق الحرة. وفجأة إن أطيح بالدولة أو قررت الدولة تغيير سياستها التحكمية، فإن الطلب الكبير على السلع سيرفع الأسعار فيظهر تضخم فجائي حاد. ومن أنواع التضخم التضخم الجامح ويحدث عادة عندما تفقد النقود قوتها كمخزن للقيمة والتي عادة ما تحدث بعد الحروب أو عند الانتقال من نظام مالي إلى آخر. وفي مثل هذه
١٤٢٦ 🗏
الحالات فإن الدولة تعتبر هي المسؤول الأول عن هذا التضخم لأنه وقع بسبب عدم تمكن الدولة من التعامل مع التضخم من خلال إصدارها نقوداً بلا غطاء.
ومن مظاهر الظلم في التضخم المعروفة خسارة الدائنين واستفادة المدينين على الدوام، ذلك أن الديون تسدد عن طريق نقدِ لأثمان السلع والخدمات التي ارتفعت أسعارها . فإن كان المدين عاملاً مثلاً فإن عليه العمل لمدة أقل لتسديد دينه بسبب ارتفاع الأسعار. لهذا فإن جميع المدينين يكسبون عند ارتفاع الأسعار.
يوم.
ومن سلبيات التضخم عدم وضوح التوقعات المستقبلية وللمشروعات الكبيرة بالذات وهذا سيؤثر سلباً في النمو الاقتصادي، ذلك أن التضخم ليس ارتفاع في أسعار المستهلكات فحسب، بل هو ارتفاع أسعار المساكن للأفراد وارتفاع تكلفة النقل وهكذا حتى تتبدل أخلاقيات الناس بسبب فقرهم النسبي وتسوء يوماً بعد ناهيك عن طرد الشركات لبعض الموظفين لتخفيف النفقات. كما أن التجار والمصنعين في تخبط على الدوام لأنهم لا يدركون حجم التضخم مستقبلاً فيتوقعون أسوأ الاحتمالات ما يؤثر في سلوكياتهم الاقتصادية وحذرهم الشديد. ومن مظاهر التضخم بالطبع انخفاض القوة الشرائية للوحدة النقدية، ما يؤدي عادة إلى انخفاض الاستهلاك لذوي الدخل المحدود. وهذا عادة يدفع العمال إلى الاحتجاجات من خلال النقابات أو التظاهرات لزيادة أجورهم، ومن ثم ترتفع تكاليف الإنتاج فترتفع أسعار المنتجات مرة أخرى وهكذا من دورات تؤدي للتسابق بين الأجور والأسعار ليبقى الأجراء المسخرون في ظلم على الدوام. لهذا فمن الآثار السلبية للتضخم محاولة الناس التخلص من النقد لأنه يفقد قوته الشرائية سريعاً.
ولأن المجتمع الاقتصادي الرأسمالي مقسم إلى ثلاث طبقات هم المنظمون والعمال والرأسماليون (كما قال كينز)، فإن ارتفعت الأسعار فإن من أوائل المتضررين العمال، ذلك أنهم سيشترون مستهلكات أقل لأن دخلهم ثابت. بينما الاستفادة تذهب لبعض الملاك وبعض المنظمين لأن التكاليف الإنتاجية ثابتة لأنها في الغالب مرتبطة بعقود طويلة الأجل، مثل عقود العمل وشراء المواد الأولية وإيجارات المحال والمباني ونحو ذلك. أليس في هذا ظلم واضح من طائفة على أخرى؟
ولعل من مفارقات التضخم هو أنها قد تبدأ من لا شيء اقتصادي إلا مخاوف وتوقعات الناس. فالخوف من التضخم أو توقع حدوثه قد يؤدي إليه، ذلك أن الخائفين من التضخم سينفقون أكثر مما يدخرون، فتقل الأموال القابلة للإقراض فترتفع أسعار الفائدة فترتفع تكلفة الإنتاج فترتفع أسعار السلع فيطالب العمال بزيادة في الأجور وهكذا يستمر التضخم. أي أن التضخم هو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج غير المبررة. لذا فإن متخذي القرارات دائمي التهدئة للجمهور حتى لا يظهر التضخم من غير داع. وقد يتدخل البنك المركزي أحياناً برفع نسبة الفائدة الربوية لتلافي التضخم. أريدك أخي القارئ أن تتفكر في وضع يكون فيه فرد واحد في وظيفة يؤثر من خلالها على اقتصاد قارة بأكملها (كما في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، وهو رئيس البنك المركزي). فإن نطق بكلمة ورفع الفائدة ربع في المئة، فإن الاقتصاد سيغير اتجاهه. فأي اقتصاد هذا الذي يعتمد على فرد واحد؟
سعر
وعلى النقيض من التضخم فهناك الانكماش deflation، عادة ما ينتج من تباطؤ مستمر للنشاط وهو الاقتصادي فينخفض الدخل القومي وتزداد البطالة فتنخفض إيجارات العمالة فتصبح النقود أكثر قوة. وقد يأتي هذا
١٢ الفصل والوصل
١٤٢٧
من زيادة معدلات الفائدة وقلة المعروض من النقود وتقييد الائتمان أو من خلال سياسات مالية تتسم بالمزيد من الضرائب. لهذا، فمع الانكماش، ولأن أسعار السلع والخدمات في تدني فإن المستهلكين عادة ما ينتظرون الأسعار لتتهاوى أكثر وأكثر ، فيقل الاستهلاك فتتراكم السلع في المخازن وتتعطل المصانع فتنتشر البطالة. ة. ومع انتشار البطالة يزداد الاقتصاد انكماشاً فيزداد خوف الناس فلا يقبلون إلا على شراء الضروريات. هنا تحتار البنوك المركزية التي لا مجال أمامها إلا تغيير النسب الربوية على القروض. فكما هو معلوم، فإن الدول تحاول السيطرة على التضخم برفع . سعر الفائدة، وهذه لا حدود لها، فهم يستطيعون الرفع عدة مرات، أما مع الانكماش، فقد تقوم البنوك المركزية بتخفيض الفائدة أكثر وأكثر ولكنها لا تستطع النزول عن الصفر، أي لا تستطيع النزول عن وضع لا فائدة ربوية فيه على القروض أبداً. لهذا ظهرت الكثير من الدراسات التي تحاول معرفة النسبة الربوية الأمثل ليسير الاقتصاد بتضخم مقبول ودون انكماش فكانت توصي بأن النسبة الأمثل للتضخم» هي ٢٪، أي أن الأسعار تتضاعف كل ٣٦ سنة، وهذه النسبة (۲) تعطي المسؤولين مساحة أكبر للتحكم في سير الاقتصاد (كما يزعمون) إن ظهر قرار اقتصادي خاطئ يجب تداركه قبل أن ينفلت الاقتصاد للمزيد من التضخم أو الانكماش.
ف
وقد أطلق كينز على هذه الإشكالية لضبط الاقتصاد بين التضخم والانكماش بمصيدة السيولة أو فخ السيولة liquidity trap . فعندما تخفق النقود المعروضة للإقراض في تخفيض معدلات الفائدة، بل فقط تتراكم كأرصدة معطلة، فإن السيولة في فخ. وعندما يتردد المستثمرون والمستهلكون في الاقتراض حتى وإن كانت النسب الربوية صفراً، عندها لا خيار لأي كائن إلا التعجب مما يحدث لانعدام المبادرة تماماً. لذا فإن حل الإنكماش الاقتصادي هو إيجاد تضخم اقتصادي كما يقترحون لهذا اقترح ميلتون فردمان Milton Friedman أن تقوم الدولة بطبع المزيد من النقود للخروج من حالة الانكماش، أما في حالات الدول ذات البنك المركزي المستقل، فإن الحل هو تسليع الديون monetize . أي وكأن الدولة (كما يصفون) ترمي النقود من طائرة مروحية على الناس كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ۲۰۰۲م، فيأخذ جورج من الناس ويُحرم مايكل منها، هل رأيت الظلم؟ وعندما ترتفع الأسعار، أي في حالة التضخم، فإن الشركات عادة ما تحصد المزيد من الأرباح لأن عقودها مع الأجراء المسخرين واستيراد المواد الخام وما شابه من تكاليف ثابتة لأمد محدد، لذا سيظهر فارق في الربح بسبب ثبات التكاليف وارتفاع سعر البيع، ولذا تزيد الشركات من إنتاجها لاستغلال الفرصة ما يرفع من مستوى الناتج المحلي. وفي النقيض، إن انخفضت الأسعار، فإن الشركات تخفف الإنتاج تلافياً للخسائر. وهذه العلاقة هي ما تعرف بالعرض الكلي على المدى القصير، أو short-run aggregate supply. أما على المدى الطويل فإن التكلفة تتكيف مع أسعار البيع، لذا فإن الشركات لن تلحظ الفارق في ربحها بوضوح بسبب التضخم. أي أن الشركات المنتجة لن تزيد من الإنتاج لأن التكلفة على المدى الطويل توازي التضخم. وبهذا فإن مستوى الإنتاج المحلي لن يتأثر بالتضخم وهو ما يعرف بالعرض الكلي على المدى الطويل long-run aggreaget supply. أي أن الناتج المحلي يتأثر بمستوى الأسعار، فمع انخفاض تكلفة الوحدة الاستهلاكية يزداد مجموع الإنتاج المحلي، وعلى النقيض، فمع ارتفاع الأسعار للإنتاج فإن الناتج المحلي سينخفض.
هامش
ف) وهذا بالطبع في الدول ذات الاقتصاد الحر. أما الدول ذات الاقتصاد المسير كالدول الدكتاتورية فإن الاقتصاد في كبت.
١٤٢٨ 🗏
والآن إن وضعنا السابق في إطار الشريعة إن طبقت، فإن جميع هذه المسببات للتضخم لن تقع، ذلك أن التكلفة المرتفعة هي نتاج الندرة المزعومة ومن ثم احتكارها والتي لن تحدث، كما أن الندرة هي أيضاً نتاج الضرائب والجمارك والبيروقراطيات الهرمية للشركات والأنظمة والقوانين والتي لن تحدث أيضاً. ولأن العاملين من الأجراء في ظل الأنظمة الرأسمالية، ولأنهم يعانون من التضخم ويطالبون بالزيادات سواء ربح الملاك أو لم يربحوا لأن المصانع ليست لهم، بل همهم الأجور أولاً، ولأن البنوك قد ترفع أسعار الفائدة مستقبلاً، فإن تكلفة الإنتاج في ارتفاع باستمرار وهذا يؤدي لخفض الإنتاج المحلي. وهذا لن يقع إن طبقت الشريعة لأن مسببات التضخم غير موجودة، انظر لما لخصه الباحث ماير Mayer في الاقتصاد وببساطة:
«إن العرض الكلي على المدى الطويل متأثر مباشرة بتوفر عوامل الإنتاج. فإن توفرت الأرض والعمالة ورأس المال والمقدرة على التنظيم والإبداع entrepreneurship عندها فإن العرض الكلي على المدى الطويل سيزداد. أما النقصان في هذه العوامل الإنتاجية فسيُنقص من العرض الكلي على المدى الطويل. والزيادة في العرض الكلي على المدى الطويل يوصف على أنه نمو اقتصادي. أما النقصان في العرض الكلي على المدى الطويل فيوصف على أنه انحسار اقتصادي».
ولعل أفضل الأمثلة على ما قاله هو حال الدول الاشتراكية كسوريا الغنية بمواردها والفقيرة باقتصادها أيام حزب البعث. ولعلك هنا تسأل: ولكن كيف ينمو الاقتصاد وتزداد المنتجات دون تضخم، فهذا أمر محال؟ فأجيب باختصار: إن نمت المنتجات مع نمو النقد لأنه لا اختلاق للثروة فلا إشكالية، إما إن سبق أحدهما الآخر، فعندها ستظهر الإشكالية كتضخم أو كانكماش. فإن كان التضخم هو ارتفاع الأسعار بسبب الندرة في المنتجات والخدمات، فإن هذا لن يقع إن طبقت الشريعة لأن الموارد والموافقات والمعرفة متاحة للجميع، فالوفرة هي السمة لأن الموارد متاحة للجميع من مواد خام ولأنه لا عقبات تخنق الإنتاج مثل موافقات الدولة ( كما سيأتي في الفصل بعد القادم بإذن الله)، ولأن المعرفة مشاعة (كما سيأتي في فصل «المعرفة» بإذن الله، ولأن الشراكة هي عصب الإنتاج، ولأن الجميع ينتج إذ لا عمالة في بيروقراطيات حكومية أو شركات مساهمة، فإن الإنتاج في نمو باستمرار. فلا حاجة لكل من: م' أو م"، بل جميع الأموال مستثمرة في شراكات منتجة لأن الأموال المخزونة الراكدة لا وجود لها إلا ندرة لأن الزكاة ستأكلها رويداً رويداً إن لم تُستثمر، كما أن الأموال المستثمرة ليست في بنوك لتربح دونما مخاطرة. وبهذا فإن التوزيع لفائض المجتمع النقدي هو الأعدل لأنه من نصيب كل من جاهد وعمل. ولأن الكل يجاهد ويعمل إذ لا مجال للكسب إلا بالإنتاج (إذا لا موظفين متنفذون) فإن كل ربح يأخذه الناس يذهب مباشرة للاستثمار مرة أخرى فيدور المال باستمرار، أي لا تعطيل للثروات. أي أن الزيادة في الطلب الفعلي للمنتجات والخدمات تنمو مع نمو الإنتاج لأن النقود في زيادة مطردة وثابتة مع نمو الإنتاج لأنه لا فوائد ربوية تسحب الفائض ليُخزن ثم ليخرج للإقراض متى ارتفعت الفائدة. فالنقود متوافرة على الدوام لأنه لا مخازن لها أي لا بنوك لخزن الأموال لآماد مجهولة تعتمد على نسب الفوائد الربوية ولا بنوك تختلق الثروة (كما سيأتي بإذن الله ) ولا سلطات لطبع النقود.
والأمر ذاته ينطبق على العلاقة بين التضخم والبطالة : فلأن الكل يعمل لأن الأبواب مفتوحة للجميع، ولأن الاستثمارات ليست فقط بأيدي أصحاب رؤوس الأموال إذ لا وجود لهم (والذين عادة ما يستثمرون أكثر متى انخفضت نسبة الفائدة، فإنه لا بطالة. وبالنسبة للعلاقة بين البطالة ومستوى الأجور: فلأن أبواب التمكين مفتوحة، فإن الأجور أعلى ما تكون وباستمرار بسبب ندرة الأيدي العاملة، وبهذا لا بطالة قط في المجتمع المسلم
١٢ الفصل والوصل
١٤٢٩
إن طبقت الشريعة. ولأنه لا تدخل للدولة التي لا مال لها، ولأنها لا تستطيع التلاعب بالاقتصاد من خلال الاستثمارات مرة لتسريع الاقتصاد وحجبها مرة أخرى لكبحه كما يقول كينز، فإن الاقتصاد في استباب على الدوام، لذا فإن المستثمرين يقدمون على المزيد من الاستثمارات، بينما الأيدي العاملة الجديدة من كل جيل تدخل سوق العمل شراكة أو العمل كأجراء وبأجر مرتفع ثم بعد كسب الخبرة يبدءون شراكاتهم الجديدة فيزداد الإنتاج. وهكذا فإن مسببات التضخم لا وجود لها لأنه لا اشتداد مفاجئ على الطلب من جهة، ولا ارتفاع في تكاليف الإنتاج لأن الموارد متاحة للجميع من جهة أخرى. بينما الضرائب لا وجود لها أصلاً، بل زكاة معلومة واضحة ومستمرة ويستطيع الجميع التهيؤ لها. وبالطبع، فلا بنوك تتحكم في التدفقات، بل تناقل للأموال بين الناس، فالمبدأ هو إذاً: حركة للأموال وليس تحريك للأموال. ولأن الدولة لا تسيطر على الاقتصاد، فلا وجود بالتالي لتضخم زاحف أو تضخم مكبوت أو تضخم جامح أو أي نوع آخر من أنواع التضخمات.
مر
أما بالنسبة للانكماش، فهو لن يظهر أيضاً أبداً لأن معظم ما هو متاح من منتجات هو من الضروريات كما بنا في فصلي «القذف بالغيب» و «الشركة». فمع ظهور أي خلل اقتصادي فإن الناس عادة ما يتراجعون عن شراء الكماليات وحتى الحاجيات أحياناً. أما الضروريات فهي تستهلك على الدوام. فإن كانت معظم المنتجات من الضروريات لأن المجتمع في رقي، أي أن الطلب عليها مرتفع ومتزن، فإن إنتاجها لابد وأن يكون مرتفعاً ومتزناً دونما المرور بدورات تتأرجح بين النقص والزيادة كالإقبال على الكماليات التي تتأرجح باستمرار. ولكل هذا فلا مجال للعامة للتأثر بالشائعات التي تؤثر في الاقتصاد، لأنه لا أسواق للأسهم ولا للسندات، ولا خطط تلائم المدى القصير، بل الجميع يعمل بذهنية إنتاجية تتزايد على المدى الطويل.
ولتأكيد الاستنتاجات السابقة لأحصل على قناعتك، لابد لي من المزيد من التوضيح: لعلك لاحظت أن من أهم الإشكاليات التي وقع فيها النظام الرأسمالي هي القناعة باستحالة إيجاد نظام اقتصادي منتج دون الفوائد الربوية وبالتالي دون تضخم بسيط حتى لا يظهر الكساد لهذا لابد لنا قبل الاستمرار من وقفة مع الربوا.
الربوا
هل تذكر ما مر بنا في فصول سابقة من أن الخروج عن الشريعة يأتي بوضع غريب يتقبله بعض الفقهاء على أنه استحداث معاصر يتطلب الفتوى، كما حدث بعد سواد العراق وبالتالي الحيرة بين خراج المساحة وخراج المقاسمة؟ وكذلك الحيرة في الحكم على من نزحوا من أهل الخراج عن الأراضي الخراجية وهل يجبرون على العود كما مر بنا في فصل «الأراضي»؟ وكذلك الحيرة في اجتماع العشر والخراج على الأرض الخراجية كما مر بنا في فصل «دولة الناس»؟ هنا أيضاً، ظهرت حيرة في التعامل مع التضخم.
إن الإفتاء بجواز المبيت خارج منى بسبب الزحام في الحج، ومثل هذه المسائل المستحدثة، «قد» تعد تحدياً للمفتي، وإن أفتى وأخطأ فقد أخطأ في العلاقة بين العبد وربه، وهذا قد لا يكون له تأثير على التنمية في العالم الإسلامي بقدر تأثيره على مكة المكرمة. إلا أن التعامل مع التضخم (كأي حركية من حركيات قص الحق) كان
١٤٣٠ 🗏
القلة
منهم
ولازال من التحديات الكبرى للعلماء والتي لم يجدوا له مخرجاً، ذلك أن التضخم يؤدي لتآكل جزء من مال الفرد ليذهب لآخرين (وهذه علاقة بين العبد ،والعبد، أي علاقة في مقصوصة الحقوق)، فما عسى المسلم أن يفعل إن أراد وضع ماله في البنك ومنعته الشريعة من ذلك أو أراد إقراض ماله لآخرين دون المشاركة في العملية الإنتاجية خوفاً من الخسارة ومنعته الشريعة من اشتراط ربح ثابت حتى وإن خسر المقترض؟ فهو إن لم يفعل لا هذا ولا ذاك سيؤكل ماله وبالتدريج قد يختفي بسبب التضخم وبسبب تحريم الربوا يا له من تحد صارخ يحار فيه كل فقيه. وبالطبع لن يجد الناس مخرجاً لأن الشريعة أحكمت إغلاق مداخل التحايل على الربوا بطريقة متقنة. ولا أريدك هنا أن تعتقد أن الفقهاء حاولوا فتح باب الربوا بل معظمهم صابر وصمد ورفض القبول بالفوائد الربوية، إلا أن انزلقوا، ا، وقلة أخرى حاولوا إيجاد مخارج ملتوية وسيأتي بيانه في هذا الفصل بإذن الله)، أما معظمهم فإما متفرجون برغم رفضهم للربوا، وإما منادون بمشاركة الناس لبعضهم البعض لتشغيل الأموال حتى لا يأكلها التضخم، ولكن دون المثابرة لإعادة النظام الإسلامي الذي يجذ التضخم. لقد ضاع مال المسلم إن لم يحسن استثماره، فإما عليه التعامل بالربوا وإما عليه تحمل الخسارة، وحسن الاستثمار أمر صعب المنال لعموم الناس في ظروفنا الرأسمالية، بينما الناس في الغرب مؤتمنون على أموالهم عند خزنها في البنوك برغم قلة الربح. لهذا ظهرت حيرة لدى الفقهاء الذين يرأفون لحال الناس أي وكأن الإسلام في مفهوم البعض دين قاصر لأنه لم يأت بحل لإشكالية التضخم التي تعصف بجميع الحضارات والتي ظن الكثير أنها ضرورة لا مفر منها. أي أن الإسلام (والعياذ بالله) دين غير صالح لكل زمان ومكان. وهذا ما يحاول هذا الكتاب نقضه. وفي هذه الجزئية سنبدأ بأهم ملامح الربوا وتحريمه.
لقد عاب كثير من الاقتصاديين تغلغل الربوا في الاقتصاد عموماً. فمن بين من ذهبوا لذم الربوا في العالم الغربي الألماني جوهان بتمان والأمريكي هنري سيمينز والسير روي هارود والسير توماس كليبير. وقد ذكر كينز مراراً بأن الاقتصاد سيزدهر إن اقتربت قيمة الفائدة من الصفر قائلاً: «إننا لن نصل إلى التوظيف والاستثمار الأمثل حتى نجعل الفائدة الربوية تساوي صفراً». أما بالنسبة لنا كمسلمين، فإن لتحريم الربوا حكم كثيرة، ولعل أهمها هو أن تطبيق الربوا يعني نقصان نسبة عدد الملاك في المجتمع. فالآخذ للربوا سيزداد رأسماله دونما إنتاج فعلي منه. أما الدافع للربوا فهو قد يخسر وينكسر، أو قد يكسب إن نجح مشروعه الذي اقترض من أجله ويسدد ديونه أرباحها. وإن استمرت هذه العملية مراراً وتكراراً بين الخسران والربح للمقترض والربح الدائم للمقرض فإن هذا سيؤدي لافتين: الأولى كما ذكرت) هي نقصان نسبة الملاك وهي الأشر، والثانية (والمنبثقة عنها) هي الثراء الفاحش لهؤلاء القلة المرابين ما يؤدي للاستعباد (التسخير) بين الناس وانتشار الفساد بالضرورة وبإنتاج أقل. قال مدير بنك الرايخ الألماني الدكتور شاخت سنة ١٩٥٣م:
«إنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين، ذلك أن الدائن المرابي يربح دائماً في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهاية لابد بالحساب الرياضي أن يصير إلى الذي يربح دائما. وأن هذه النظرية في طريقها إلى التحقيق الكامل. فإن معظم مال الأرض الآن يملكه ملكاً حقيقياً بضعة ألوف، أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من المصارف والعمال وغيرهم فليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف».
مع
١٢ الفصل والوصل
١٤٣١
وكما سترى، فإن ما قاله شاخت سنة ١٩٥٣م ازداد سوءاً الآن، فكما هو معلوم فقد ازدادت نسبة الفقراء كما وضحت ذلك بالأرقام مراراً، وستأتي أرقام أخرى بإذن الله . ولضرب مثال سريع من العالم الإسلامي، ولإثبات ضرر الربوا حتى وإن كان قليلاً إلا أنه يتراكم، يقول عبد السميع المصري واصفاً أحوال الأراضي الزراعية في مصر:
قاعدة
سعر
... الواقع العملي الذي وصفته الآية القرآنية بالأضعاف المضاعفة لأنه واقع نظام الربا [الربوا] في أي عصر وفي أي مكان ومهما قل سعر الفائدة، لأن النظام الربوي معناه إقامة الاقتصاد كله على الفائدة، وهذا يعني أن العمليات الربوية لن تكون مفردة أو بسيطة، بل عمليات متكررة ومركبة. وأقرب الأمثلة على ذلك والحاضرة في أذهاننا جميعاً هي الديون العقارية في مصر التي جعلت تسعين بالمائة من أرض البلاد المزروعة مرهونة للمصارف في عام ١٩٣٠م. ولنسأل المصرف أو الفلاح كيف يتضاعف الدين مع مرور الزمن وإعسار الفلاح مرة، وتلف المحصول مرة أخرى، وتأخر السداد حتى لتزيد الفائدة المركبة في كثير من الأحيان - لا سيما في الديون العقارية – عن أصل الدين. نخلص من هذا إلى أن وصف الأضعاف المضاعفة ليس قاصراً عل ما كان قائماً في جزيرة العرب وقت نزول القرآن الكريم] إنما هو وصف يستتبع وجود نظام الفائدة في كل زمان ومكان.
11
.«...
لأن الربوا هو أساس التعامل في النظام الرأسمالي، فقد ظهرت طبقة تعمل في المال، ولأن المال سلطان، أصبحت هذه الطبقة هي أهم طبقة في المجتمعات حتى الديمقراطية منها. فكما مر بنا فإن أصحاب المال بدعمهم للمرشحين للانتخابات سيؤثرون في سير المجتمع وأنظمته من خلال السيطرة على هؤلاء السياسيين. وحتى تعمل هذه الطبقة في المال بكفاءة عالية، فلها أسواقها المالية المساندة. وهذه الأسواق ( كما مر بنا) هي التي تعطي المستثمرين الثقة بأن باستطاعتهم بيع أسهمهم وسنداتهم متى أرادوا الحصول على النقد. فبدون هذه الأسواق، لن تستطيع الطبقة العاملة في المال من تحريكه والتأقلم لمجابهة التقلبات المجتمعية. وبهذه المرونة في التقلب، تصبح هذه الطبقة دائمة السيطرة على سير المجتمع من خلال السيطرة على النقد وتدفقاته. وهذا يسحب المجتمعات للكساد، ذلك أن من آفات الربوا هو أن سعر الفائدة على القروض ما هو إلا تكلفة إضافية على الإنتاج، وهذا يرفع الأسعار، ما يؤدي لانخفاض الطلب نسبياً على السلع والخدمات فيتأثر الإنتاج. أما من له مال يسير سيقل إنفاقه لأنه قد يستثمر ماله في الادخار بسبب ارتفاع معدلات الفائدة. هكذا ينجذب الاستثمار لما فيه ربح يفوق نسبة الفوائد مع ترك مضامير إنتاجية أخرى مهمة للمجتمع قد لا تكون بذات الربحية. أي أن العرف المنتشر بسبب الربوا هو الخوف بين المستثمرين من الاقتراض للإنتاج إن وجدت الفوائد إلا في حدود إيجاد شركات التمويل الذاتي أو الشركات ذات الربح المضمون. كيف؟
إن تحريم الربوا سيدفع الناس إلى شتى أنواع الاستثمارات لأنه لا أمل لهم في الكسب إلا من الربح بتشغيل المال، لذلك فهم يدفعونه للمشروعات المغرية، حتى الكبيرة منها والتي لا تظهر أرباحها إلا بعد أمد بعيد. أما مع تطبيق الربوا فإن الحادث هو العكس، ذلك أن أصحاب رؤوس الأموال عادة ما يحاولون الحصول على ربح سريع إن أرادوا الاستثمار إذ أن أسعار الفائدة لآجال بعيدة غير مضمونة، فهم خوفاً من صعود الفوائد الربوية مستقبلاً (ما يزيد من مخاطر بناء المصانع مستقبلاً) يتجهون في استثماراتهم ( إن أرادوا التوسع مثلاً) نحو الاقتراض قصير الأجل، كما أن المثابرين من الصناع الذين لا مال لهم يخافون من الاقتراض طويل الأجل لأنه سيكون مرتفعاً
١٤٣٢ 🗏
بسبب الجهل بنسب الفوائد مستقبلاً. أي أن المسيطر على الجميع هو الخوف. وهذه وصفة مثلى للكساد. وبهذا تتشكل معظم المشروعات الصناعية بالنمط السريع، وهذا سيؤثر في نوعية المنتجات. حتى البنوك أيضاً تخاف من إقراض عموم الناس، لذا ولحماية نفسها فغالباً ما تقرض الشركات المعروفة والمتمكنة (أي المرتفعة في تصنيفها الائتماني) لضمان حصولها على قروضها إن أفلست الشركة المقترضة لأن ممتلكات الشركات المقترضة الكبيرة عادة ما تكون وافرة. وبهذا تزداد الرأسمالية تخندقاً لأن الأموال تذهب للمزيد من الاستثمار في أيدي من هم أثرى وأقوى وليس بالضرورة من هم أكثر همة وحرصاً وبالتالي أكثر إنتاجاً. وبهذا يزداد الاحتكار والتسييس للنظام وينحصر التصنيع في مشروعات مضمونة الربح ما يقلل من فرص فتح أو حتى طرق أبواب مستحدثة لأفكار جديدة والتي عادة ما تكون غير معروفة من حيث مخاطرها (أي شراكات الاغتنام أي بدل أن ينطلق البلايين من الناس في شتى المجالات ليزدهر الإنتاج ويتنوع، ينحصر (كما هو حاصل في آلاف الصناع، ناهيك عن إقدام معظم المستثمرين على مشروعات ذات ربح كبير ليتمكنوا من تسديد الفوائد ومن ثم الربح. وهكذا تتجه الصناعات لمضامير محددة كما هو حادث الآن. وبهذا التضييق تتكدس الأموال في البنوك وفي جيوب أصحابها أو استثمارها في الأراضي والسندات ونحوهما من استثمارات بليدة لا إنتاجية بقدر ماهي احتكارية، وهكذا يقل الإنتاج وتظهر البطالة واللاعدالة في التوزيع فينتشر الفقر، وهذا هو الظلم. وكالعادة لعلك تقول: ألا ترى تنوع المنتجات وبكميات كبيرة في العالم الغربي ؟ ألا ترى المصانع ذات الاستثمارات طويلة الأجل؟ فأجيب كالعادة: إن الإنتاج سيكون أكثر تنوعاً وكماً إن طبقت الشريعة بإذن الله ودون إفساد. وهذا هو المهم: أي دون إفساد. فأنت الآن قد تكون مبهوراً بالمنتجات التقنية الرأسمالية برغم تلويثها للأرض لأنك لم تر البديل الأرقى إن طبقت الشريعة.
ولكن ما هي حجج من ينادون بالعمل بالربوا؟ هم يقولون بأن الاقتصاد اللاربوي اقتصاد لا يستطيع تخصيص الموارد المالية لما هو أمثل لأن ثمن الفائدة غير جائز شرعاً. فهم يقولون أن الفائدة مثل كل الأثمان تؤدي لتحويل الأموال القابلة للإقراض بين عدد أكبر من المتطلعين لاستخدام هذه الأموال بطريقة أمثل على أساس القدرة لدفع الثمن، أي المراباة، أما منع الفائدة فسيؤدي لعدم استغلالها الاستغلال الأمثل. وقد أجاد محمد عمر شابرا أثابه الله الرد على هذه القضية بالقول:
«يعتمد هذا الاعتراض على افتراضين الافتراض الأول هو أنه في غياب الفائدة تصبح الأموال القابلة للإقراض متاحة مجاناً وبذلك يصير الطلب غير محدود، وليس هناك آلية لمعادلة الطلب مع العرض. وهذا يعني أن الفائدة هي المعيار الموضوعي الوحيد لتخصيص الموارد، وفي حال غيابها، تستخدم الموارد المالية استخداماً غير رشيد بحيث يلحق الضرر بالمجتمع. أما الافتراض الثاني فهو أن المعدل النقدي للفائدة . يعتبر آلية ناجحة لتخصيص الموارد بالطريقة المثلى وأن الربح لا تقوى كفاءته على
النهوض بهذه الوظيفة.
إن الافتراض الأول لا أساس له، لأن الأموال لن تتاح مجاناً في النظام الإسلامي، بل تتاح بكلفة، وهذه الكلفة هي الحصة في الربح. وبهذا يصبح معدل الربح هو معيار تخصيص الموارد، وهو آلية لمعادلة الطلب بالعرض. فكلما زاد معدل الربح المتوقع في عمل ما زاد عرض النقود لهذا العمل. فإذا انخفض الربح الفعلي (المتحقق) في بعض الأعمال انخفاضاً كبيراً عن الربح المتوقع، واجهت هذه الأعمال صعوبة في التمول مستقبلاً. ولهذا فإن الربح المتوقع له أهمية في الحال لتحديد تدفق الاستثمار. والأداء (الربح) الفعلي عامل حاسم في المال في تحديد مدى نجاح المشروع، وفي الحصول
١٤٣٣
١٢ الفصل والوصل
على المال. وهذا ما يدعو إلى مزيد من النظام في الاستثمار، من خلال عناية أكبر بتقويم المشروعات، بحيث تستبعد كل المشروعات غير الفاعلة، أو غير المنتجة. وليس الأمر كذلك في الاستثمارات الربوية، فالمقرض المتجه إلى الربا لا يسهم في مخاطر العمل الممول . بل ينقل مخاطرة العمل كلها إلى المنظم، ويؤمن لنفسه عائداً مسبقاً، بغض النظر عن النتيجة الفعلية النهائية الصافية لعمل المقترض. ولذلك لا يجب على هذا المقرض إجراء تقويم شامل، مثلما يجب على صاحب المال أن يفعل في اقتصاد لا ربوي، سواء كان ذلك بنفسه أو بمساعدة مصرف أو شركة استثمارية. فلما كان تقويم المشروعات تقويماً ثنائي الطرف وجب أن يكون معدل الربح في النظام الإسلامي آلية لتخصيص الموارد أكثر فاعلية من الفائدة في النظام الرأسمالي.
وكذلك الافتراض الثاني بأن المعدل النقدي للفائدة هو آلية فعالة لتخصيص الموارد ليس صحيحاً. فالدليل على الرأي القائل بأن تخصيص الموارد في الاقتصادات الرأسمالية الربوية تخصيص فعال إنما هو دليل ضعيف، بل هناك في الواقع دليل مضاد ومقنع. فقد تجمعت الأدلة لدى إنزلر كونراد وجونسون، لكي يتوصلا إلى أن رأس المال الحالي قد أسيء تخصيصه، وربما إلى حد خطير، بين قطاعات الاقتصاد وأنواع رأس المال. فأمثلية باريتو في تخصيص الموارد ليس لها وجود إلا في عالم الأحلام، عالم نماذج التوازن التنافسي الكامل، الذي تشكلت فيه نظرية اقتصاديات السوق. كذلك يلفت ما لنفود [كذا في الأصل] النظر إلى أنه إذا ما أخذنا في تخصيص الموارد بالعلاقة ما بين الأزمان، فلا يملك المرء إلا أن يقتنع بعدم كفاية هذه النماذج في وصف العمل الفعلي لاقتصاداتنا». ويؤكد رالف تيرفي أن معدل الفائدة لم يكن مناسباً لقرارات الاستثمار»، ويجب أن يحل محله ثمن التجهيزات الموجودة (أو أثمان الأسهم)...
إن معدل الفائدة ثمن مضلل لأنه تعبير عن المفاضلة في الأثمان لصالح الأغنياء. فكلما افترضت الجدارة الائتمانية (الملاءة) للمقترض أكبر كان معدل الفائدة الذي يدفعه أقل، والعكس بالعكس. والنتيجة أن المنشأة الكبيرة تكون قادرة على الحصول على أموال أكثر بسعر أقل، بسبب ارتفاع درجة تصنيفها الائتماني. وبناء على ذلك فإن هؤلاء الذين هم أقدر على تحمل العبء بسبب كبر حجم مشروعاتهم أو بسبب الارتفاع المزعوم في قدرتهم الإنتاجية إنما يتحملون عبئاً أقل. وعلى النقيض من ذلك، فإن المنشآت المتوسطة والصغيرة التي يمكن أن تكون أحياناً ذات إنتاجية أعظم بمقياس مساهمة كل وحدة تمويل في الناتج الوطني، وذات جدارة ائتمانية مساوية إذا ما قيست بمقياس الشرف والاستقامة تحصل على مبالغ أقل نسبياً بكثير، وبأسعار فائدة أعلى بكثير. وعلى هذا الأساس فإن العديد من الاستثمارات الأكثر إدراراً بالقوة أي من حيث العائد المتوقع) لا تتم بسبب عدم الوصول إلى الأموال التي تنساب، بدلاً من ذلك، إلى أياد أقل إنتاجية، ولكنها أكثر أماناً. ولذلك فإن معدل الفائدة ليس معياراً موضوعياً لإنتاجية المنشأة، بل هو معيار متحيز من معايير التصنيف الائتماني، وهذا في النظام الرأسمالي هو أحد الأسباب في تجاوز نمو المنشآت الكبيرة النقطة التي تمليها وفورات الحجم، مما أدى إلى تعزيز سلطتها الاحتكارية، بينما اختنقت المنشآت المتوسطة والصغيرة بحرمانها من الائتمان ويقع ذلك على وجه الخصوص حينما ترتفع معدلات الفائدة، وتحدث أزمة سيولة، نتيجة نقصان التدفقات النقدية الداخلية إن المنشآت الصغيرة قلما تجد استجابة من المصارف المقرضة. فالقروض المقدمة لهذه المنشآت سرعان ما تُلغى لأدنى إشارة إزعاج مما يتسبب في إفلاسات واسعة الانتشار. هذا في حين أن المنشآت الكبيرة إذا واجهتها مصاعب أعيدت جدولة قروضها وزيدت القروض الممنوحة لها. فهل يعني هذا تخصيصاً أمثل للموارد أو نظاماً مصرفياً
فعالاً؟».
۱۲
١٤٣٤ 🗏
وأنت أخي القارئ لست بحاجة لكل هذه الإثباتات، فكل ما عليك هو الذهاب لأقرب بنك وتقديم طلب لقرض كبير ستلحظ أن البنك لن يكترث لك إن لم يكن اسمك كبيراً في عالم المال والأعمال. فحتى تحصل على القرض لابد وأن ترسخ جدارتك الائتمانية بتاريخ طويل من الاقتراض والسداد وبغض النظر عن طبيعة مشروعك. فندرة وجدارة المشروع الذي تريد تمويله يأتي تالياً بعد تاريخ مقدرتك على السداد. وهذا وضع منطقي لأن البنوك تشعر في مأمن إن اقترض منها ثري لأن لديه ما يمكن الإمساك به لرهنه. وهذه الغريزة لدى البنوك تجعل القوى أقوى على الدوام، ما يؤدي للطبقية والتسخير.
۱۳
إن مما انتشر بين علماء الاقتصاد أن تطبيق الشريعة لأنه يمنع الربوا، فهو إنما يجفف السيولة التي يحتاجها كل من أراد البدء بمشروع إنتاجي، وبهذا لا تتحول المدخرات إلى استثمارات. هنا (وبالإضافة لما قاله شابرا أثابه الله) لابد من استذكار ما مر بنا في فصلي «القذف بالغيب» و «الشركة» عن الضروريات والحاجيات والكماليات، وكيف أن المجتمعات المعاصرة أقنعت الناس بما تبنته المجتمعات الصناعية من أن استهلاك السلع هو من أهم مصادر السعادة. وهذا بالطبع غير صحيح حتى أن بعض علماء الاقتصاد الغربيين لاحظوا أن هذا الاستهلاك ليس إلا سراباً للسعادة. لذا أطلقت عدة أسماء على هذه الظاهرة، أي ظاهرة استهلاك الكماليات التي لن تزيد الإنسان إلا سعادة زائفة مؤقتة تنتهي بمجرد شراء السلعة. فمن هذه الأسماء مثلاً تعبير تأثير عربة الموسيقى bandwagon effect أو تأثير . حب الظهور snob effect أو تأثير فبلن veblen. وجميع هذه الظواهر لن تظهر بإذن الله إن طبقت الشريعة لأن الإنتاج منصب على الضروريات أولاً لأنها هي التي تأتي بالربح لهذا، ولأن الناس متقاربون في الدخل، ولعدم وجود الكماليات إلا نادراً، فإن هناك فائضاً مالياً يسيراً لدى معظم الناس، وهو الذي يستثمر في الإنتاج. أي أن الفرق بين الحالتين: حالة الدول الرأسمالية وحالة الأمة الإسلامية إن طبقت الشريعة هو أن عدداً يسيراً جداً من الناس لدى كل منهم فائض مالي كبير يضعه في البنك أو يستثمره في مشروع كما في الدول الرأسمالية مقارنة بعدد كبير جداً من الناس في الأمة المسلمة لدى كل منهم فائض يسير ولا مجال لإسرافه في الكماليات الفارهة. وبهذا فإن مجموع القليل من المال لدى الكثير من الناس أكثر بكثير من كثير المال لدى القليل من الناس. وهذا فرق مهم. لهذا فإن الشراكات الصغيرة ستزداد وتزداد باستمرار لتتحول الكماليات الواعدة إلى حاجيات مفيدة ثم إلى ضروريات ويزداد رقي الأمة.
وهنا توضيح مهم ذكرته سابقاً عن الكماليات والضروريات ونسبتهما في المجتمع، ذلك أنني عندما أقول أن تطبيق الشريعة يؤدي إلى كثرة الضروريات على حساب الكماليات لا يعني أبداً أنه لا كماليات فارهة، بل ستظهر بعض الكماليات إن أراد الناس شراءها لأنه لا يحق لأي إنسان منع من أراد إيجاد منتج كمالي. فمن يقرر نسبة انتشارهما هي حركة العرض والطلب في السوق وليس الحكومة أو فقهاء الدين. ولكن لأن أبواب التمكين مفتوحة
فمن المنطقي أن تزداد نسبة الضروريات لأن معظم الكماليات الواعدة ستؤول إلى ضروريات كما ذكرت سابقاً. كما مر بنا (وسيأتي إثباته أيضاً بإذن الله) فإن للنقود في الشريعة وظيفة محددة تتجلى في أنها معيار للقيمة ومستودع للعمل وواسطة في التبادل. أي أنها ليست وسيلة للتربح دون إنتاج. فهي ليست سلعة أبداً. وهذه حركية مهمة تدفع للمزيد من الإنتاج الضروري المريح للبشرية، ذلك أن الأموال كما قال ابن القيم رحمه الله «رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها». إلا أن الخطورة هو أن النقود أصبحت سلعة تباع وتشترى بفوائد ربوية لأنها
ص
١٢ الفصل والوصل
١٤٣٥
أصبحت بالادخار عنصراً مكتنزاً كما هو معلوم، وهذا أدى إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب في السلع، فبعد أن كان الإنسان ينتج ما يحتاجه من سلع بالإضافة لما يحتاجه لمقايضة الآخرين ليحصل على احتياجاته، أصبح يسعى لإنتاج المزيد لاكتناز المزيد من المال وهكذا أبدع الإنسان الرأسمالي وأسرف في إنتاج الكماليات، وبهذا أصبح هناك عرض لا يقابله طلب، فكثر الإنتاج الذي أصبح بحاجة للتسويق، وأي إنتاج لا يقابله طلب يعني أن المنتج من الكماليات وبحاجة للتسويق، والتسويق بحاجة للدعاية والإعلان فيظهر الاستهلاك المفضي للسعادة الزائلة. أما العكس، أي عدم اعتبار المال سلعة فسيؤدي لاستثماره استثماراً طويل الأجل أحياناً وفي منتجات حتى وإن كانت كمالية فهي من الكماليات الواعدة وستصبح من الضروريات برقي المجتمع، وهذا بحاجة للمزيد من الابتكارات لأن على المستثمر التخطيط لمنتجات تخدم أكبر عدد من المستهلكين لأن ثراء الناس متقارب نسبياً بسبب فتح أبواب التمكين، أي لن يفكر فرد في مخاطرة الاستثمار في كماليات فارهة جداً لأنه لا وجود للأثرياء ذوي الثراء الفاحش الذين يسرفون في شراء ما لا يحتاجون، وهذا مرده إلى تحريم الربوا بالإضافة لفتح أبواب
التمكين.
إن مقدار الاستثمار في أي اقتصاد رأسمالي عادة ما يرتبط بمقدار الفوائد الربوية من جهة، وبتوقعات الناس المستقبلية للاستهلاك وبالتالي الإعداد له من جهة أخرى. فعندما يستقر الاقتصاد فإن بائع الأثاث مثلاً سيطلب من المصنعين مقداراً معيناً من الأثاث لبيعه مستقبلاً، ولأن الأسواق في استقرار فسيتمكن من التخطيط السليم لكمية البيع. وبالنسبة للفوائد، فكلما زادت النسب، كلما قلت فرص المكاسب ما يؤدي لتراجع المستثمرين. وهكذا يتذبذب الاقتصاد، أما إن لم تكن هناك فوائد ربوية، وكان الإنتاج موجهاً للضروريات، وكانت الكماليات تنقلب إلى ضروريات لتقارب الناس في الدخل، فإن توقعات المنتجين هي التي تقرر فقط ما سينتج مستقبلاً لأنه لا توجد فوائد ربوية، بل من يعملون ينتجون، وهكذا تستتب الأسواق. أي أن الذي يسود السوق الإنتاجي والاستهلاكي هو التخطيط المسبق من الجميع، أي من المنتتجين ومن الباعة لأن الجميع يتوقع ما سيستهلك ولأنه لا فوائد. وهذا من معايير التخطيط الذي يريده الإسلام المؤدي للمزيد من الإنتاجية.
ومن الاعتراضات أيضاً على الاقتصاد اللاربوي هو أن الدولة لن تستطيع تمويل نفقاتها بالاقتراض من الناس لأنه لا فوائد ربوية مقابل الاقتراض. فالعجز في الموازنة أمر لا مفر منه لمعظم الدول والذي عادة ما يغطى بالقروض من خلال إصدار السندات، لذا فلابد من التعاملات الربوية. وهنا فرية لابد لك من أن تنتبه لها أخي القارئ وهي أن الحجة لمن لا يمانعون الاقتراض هو أن الدولة بحاجة للنفقات لتنفيذ المشروعات التي ستستفيد منها الأجيال القادمة كبناء الطرق السدود مثلاً (وهو ما يعرف بالوفورات)، ولذا فإن في إصدار السندات الربوية فائدة مستقبلية أيضاً. وكما قلت مراراً: لا حاجة لدولة توفر الوفورات كما سيأتي بإذن الله في فصل «الأماكن».
وماذا عن طرق استثمار المال إن منع الربوا؟ فلا مؤشر للناس يوجههم للاستثمار الأمثل لأنه لا أسواق مال للأسهم كما يقول منتقدوا الشريعة؟ أجيب: (بالإضافة لما قاله شابرا) ستظهر أعراف لاستثمار المال. كيف؟ كما
هامش
ص) وفي هذا يقول الدكتور القري: «فالقيمة المضافة التي تتحقق في الإنسانية التي تمثل رأس المال البشري. ولذلك لا يجب أن تصبح النقود عمليات الاستثمار والخدمات ليس مصدرها رأس المال النقدي، بل بحد ذاتها وسيلة للاستيلاء على الفائض المتولد من الإنتاج المعتمد على التي تمثل رأس المال الحقيقي، أي العدد والآلات والمعدات والقدرات الجهد والعمل والضمان والمخاطرة» (١٤).
١٤٣٦ 🗏
قلت: كلما ارتفع معدل الفائدة كلما تحول الناس للإقراض تجنباً للمخاطرة في المجتمعات الرأسمالية، فتكثر الأموال المعروضة للإقراض. وبالعكس، كلما انخفض معدل الفائدة كلما حاول الناس الاقتراض للمضي قدماً في مشروعات تنموية أو الإنفاق لتغطية حاجياتهم الاستهلاكية، فماذا نتوقع إذا إن كان المعدل الربوي صفراً؟ بالطبع فإنه لا مجال لاستثمار الأموال حتى لا تأكلها الزكاة إلا البحث عن شركاء المشروعات جديدة أو الدخول مع شراكات قائمة تريد التوسع ولأن أرباح الشراكات متفاوتة، كأن تكون هذه مثلاً شراكة مضمونة الكسب ولكن بربح أقل، وتلك شراكة ستكسب في الغالب إلا أن ربحها مرتفع، سيظهر الجدل بين الناس، وهكذا من خلال البحث ستظهر وتتطور أعراف تمحيص الشركات والرجال الذين سيأخذون المال لاستثماره وستظهر بالطبع وتنتشر حركيات انتقائهم للدخول في شراكات. أي أن تحريم الربوا سيؤدي إلى ظهور أعراف» الشراكات الباحثة عن الربح الأفضل. فمن الناس من يريد ربحاً مضموناً حتى وإن قل، ومنهم من قد يذهب لشراكات الاغتنام بربح أعلى إلا أنه أكثر مخاطرة، حتى أن ذوي السيولة قد يبحثون عن شركاء لا مال ولا خبرة لهم، ولكن من لهم الهمة والحماس للحصول على ربح أكبر بالإشراف عليهم لأن هؤلاء عادة ما يقبلون بربح أقل لأنهم في أول الطريق الإنتاجي. ولأن الناس ذوي مهـن ومهارات مختلفة، فسيستثمرون معرفتهم في البحث عن الشراكات الأربح. فهذا مثلاً رجل يعمل في آلات حفر الآبار ويدرك الحاجة لها ويعلم كيفية تحديد مواضع المياه الجوفية، لذا قد يخاطر في شراكة للزرع في الصحراء. وإن لم تكن له الخبرة في تحديد مواضع المياه فسيستعين بمن لديه العلم والخبرة في ذلك بتأجيره أو إدخاله كشريك آخر، وذاك رجل يعمل في المحاليل المخبرية وقد يخاطر في شراكة إنتاج دواء يستخلص من زهور صحراوية، أو يستعين بمن لهم الخبرة بذلك، وهكذا. ومن مثل هذه الأوضاع وسيأتي بيانها في فصل «المعرفة» بإذن الله ستتبلور أعراف تمحيص الناس للشراكات وأعراف البحث عن مضامير استثمارية جديدة لأن الشريعة تحاول «مثلاً» فضح أو كشف الأسعار والأرباح ليراها الناس ويتجهوا إليها. فمن الأمثلة على ذلك الإشهاد في البيع لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ، وسيأتي بيانه بإذن الله. وهكذا مع انتشار أعراف البحث عن الشركاء وأعراف المضامير الجديدة للإنتاج تنتشر الضروريات أو حتى الكماليات أحياناً والتي ستصبح ضروريات لأنها بدأت ککمالیات مفيدة للناس وواعدة لأن الناس متقاربين في الثراء. وبهذا تزداد نسبة المنتجات الضرورية. وبكثرة اعتماد الناس على الضروريات الكثيرة ستصبح الحياة أكثر رغداً لأكبر عدد من الناس ما يعني أن التوزيع للثروات
أعدل.
ولكن ماذا إن أصبحت النقود سلعة «سراً» إن طبقت الشريعة، كأن يقوم زيد من الناس سراً بالاقتراض من عبيد مع الوعد بالسداد بأرباح ربوية لأن المقترض مضطر وفي وضع (كما تقول يا جميل) لا دولة فيه بصلاحيات معاصرة، وهكذا قد ينتشر الربوا لأنه لا دولة ذات سلطان لمنع الربوا؟ فأجيب: قد يقع الربوا هنا وهناك من بعض الانتهازيين الذين يستغلون المضطرين أو المسرفين، إلا أن هذا ليس نمطاً أو عرفاً دارجاً في المجتمع (أي ليس مستوى من الظلم)، بل حالات فردية حتى وإن ارتفعت لتصل إلى عُشر الأموال المتداولة (وهذا رقم مبالغ فيه)، إلا أنها ستضمحل مع الأيام لسمو المجتمع مع تطبيق الشريعة جيلاً بعد جيل وذلك لثراء معظم الناس من جهة، ولوجوب الزكاة للفقراء من جهة ثانية، ناهيك عن حث الشريعة للتصدق من جهة ثالثة، ولأنه لا مجال للإسراف لقلة الكماليات من جهة رابعة. فلطالما كان الربوا في عرف الناس جميعاً أمراً محرماً، فإن الاقتصاد سينهض رويداً
رويداً ليُمحى الفقر وينتفي الربوا تماماً. أي أن المهم هو منع آلية الربوا جهراً. أي إزالة مستوى ظلم من الأمة.
١٢ الفصل والوصل
١٤٣٧
كنت قد ذكرت مراراً بأن هذا الكتاب لا يعتمد في إثبات طرحه على القيم، بل على الحركيات. لهذا، وبعد
هذا العرض لعلك تقول بأن منع الربوا هو من القيم، ذلك أن بعض الناس قد يرابون خفية كما ذكرت. وللتأكيد أكثر أقول: إن نظرت إلى آيات الربوا تجد أنها تنهى الأفراد عن الربوا، فخطاب المنع موجه لهم كجماعة وكأفراد وليس للسلطات. وهذه ملحوظة دقيقة أرجو التنبه لها، ذلك أنه إن أعطت الشريعة للدولة حق منع الربوا لتطلب ذلك استحداث جهاز حكومي لمنع الربوا، وهذا مدخل لظهور التسلط والبيروقراطية لأن هذا الجهاز بحاجة لنفقات وهذا بحاجة لجمع المال من الناس. لهذا كان الوعيد الشديد والتوبيخ والزجر في الخطاب القرآني «للناس» لحثهم على ترك الربوا وليس للسلطات» لتطبيق منع الربوا. ولو أراد الحق سبحانه وتعالى منع الربوا عن طريق السلطات لما كان الخطاب موجهاً للناس فقط، بل للسلطان أو السلطات أيضاً لتطبيق المنع، ولقام بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بتقصي المرابين والقبض عليهم. لهذا، حتى وإن ترابى بعض الناس سراً، فإن الإطار الأكبر للمجتمع هو إطار يمنع ظهور الربوا للأسباب الأربعة المذكورة في الفقرة السابقة بالإضافة للشراكات المتوقعة بين الناس والتي وضعتها الشريعة بطريقة لا تؤدي للربوا من جهة خامسة.
١٥
ولعلك هنا تقفز للاستنتاج بالقول: ولكن السابق ضد طرحك يا جميل، فأنت تؤكد في هذه الجزئية المهمة أن الشريعة حاربت الربوا بالتوكل على القيم أكثر من الحركيات. ولعلك تضيف والأصح هو الاعتماد على الحركيات لمنع الربوا، وهو ما ذهب إليه بعض فقهاء السلف رحمهم الله، وهنا لعلك تستشهد ببعض أقوالهم التي تحث السلطان على جذ الربوا بالقبض على المرابين، مثل قول ابن عباس رضي الله عنهما: «من كان مقيماً على الربوا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه». ومثل قول ابن سيرين رحمه الله: «والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربوا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح». إن قلت هذا تكون إجابتي بسؤالك : كيف سيقوم السلطان بهذه المهمة وليس له رجال، وإن كان له رجال، فأين نفقتهم؛ ذلك أن مجرد القبول بفكرة رجال يعملون بأجر للسلطات سيؤدي مع الزمن لتزايد عدد هؤلاء العاملين لتظهر بذرة الدولة بأنماطها المعروفة. لذا، وكما سيأتي بإذن الله، فإن مثل هذه الأعمال (كمحاربة السلطات للربوا هي من المهمات التي يتقدم الناس للعمل بها طوعاً لكسب أجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالشريعة كما مر بنا في الفصول السابقة تحاول جاهدة منع تجمع المال للسلطات، لأنها متى اجتمعت فهي بذرة الفساد. ففساد ظهور جهاز حكومي لجذ الربوا أشد ضرراً من مراباة أفراد في المجتمع هنا وهناك، ذلك أن مثل هذه الأجهزة ستتحول بالتدريج إلى أجهزة قمع للناس. فمثل هذا الجهاز الإدراي سيوجد مستوى من الظلم، وليس نقطة خلاف تتطلب العدل في الحكم. وهذه حركية مهمة وغير مباشرة لمحاربة الربوا، ذلك أن هذه الحركية التي تحد من تدخل السلطات تفتح الأبواب للناس للمبادرة والإنتاج (كما ذكرت مراراً)، فيزدادون ثراء فينتشر العدل وتقل الحاجة للاقتراض فيضمحل الربوا. لذا، فإن ما ذهب إليه بعض فقهاء السلف والله أعلم هو من باب العمل تطوعاً مع السلطان وليس إلزاماً للسلطان بالتقصي والبحث في أموال الناس.
والآن أخي القارئ إن أدركت أن في نقصان نسبة الملاك في المجتمع تسخير طبقي وأن هذا إفساد عظيم وأن الفوائد الربوية تساهم بفاعلية في إنقاص نسبة الملاك، تستطيع أن تفهم لماذا غلظت الشريعة في منع الربوا. تدبر الآيات الآتية مرتبة ترتيباً زمنياً في التحريم: قال تعالى في سورة الروم: ﴿وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن رِبًا لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ
١٤٣٨ 🗏
17
فَلَا يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ . ثم في العهد المدني نزل التحريم بوضوح في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبوا أَضْعَافًا مُّضَعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ . ثم كان آخر ما تم به التشريع قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوْا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ." ومن الآيات المؤكدة على منع الربوا قوله تعالى في سورة النساء في ذم اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَطِل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله تعالى واصفاً حال آكل الربوا في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . فهل بعد هذه الآيات المشهورة يستطيع أي مسلم مجرد التفكير في استثمار ماله بالربوا؟ لقد أجاد الفقهاء أثابهم الله شرح هذه الآيات للناس مراراً وتكراراً لدرجة سيستحيل معها أن تجد مسلماً لا يدرك شدة حرمة الربوا في الإسلام.
فساد
ينتهي
صناعة
وبالنسبة للسنة المطهرة، فقد كنت أتعجب من الأحاديث التي تنص أن درهم ربوا أشد خطيئة من إتيان المرابي أمه وأشد خطيئة من أكثر من ثلاثين زنية. كنت أتعجب كثيراً لهذه الأحاديث ولا أستطيع التفاعل معها، ولكن بعد كتابة فصول هذا الكتاب تأكدت أن زنى شخص بأمه وهذا من المحال، أو زنى الفرد بالعشرات، لهو في مكانه غالباً، فهو برغم بشاعته إلا أنه علاقة فاسدة بين اثنين، أو حتى بين العشرات، أي أن هذا الفساد وكأنه نقطة في بحر إن قيس على مجموع الأمة مهما زاد عدد الزناة لأن من رضين بالزني طواعية (لا إرغاماً) ندرة من النساء، أما أكل درهم ربوا، ولأن معظم الناس يحبون المال، فسيؤدي لأكل درهـم آخر وآخر وهكذا يتكون الهيكل الاقتصادي الربوي والذي سيوجد الطبقية الممقوتة والتي ستؤدي لتسخير الناس بعضهم لبعض بسبب فقرهم كما هي حال مجتمعاتنا المعاصرة، عندها فإن الزنى سينتشر بين الناس بمئات الملايين ويصبح له تجاره كما في الأفلام والمجلات الإباحية والعقاقير المثيرة ومضاجعة الأطفال كما هو حادث. وهذا ظلم واضح لأنه يندر أن تدخل امرأة أو طفلة في تجارة بيع جسدها إلا إن أكرهت عليه بسبب عوزها الناتج من الطبقية. فإن تمكن رجال الأعمال في الدعارة من شراء جسد المرأة لحاجتها، فقد فتحت شتى أبواب الفساد الجنسي بسبب شره بعض الذكور، ناهيك عن شتى أنواع الظلم الأخرى بسبب الفقر كاضطرار بيع الناس لأعضائهم (كالكلي) لعوزهم، وكانتشار المخدرات لأن هناك فقراء اضطروا للعمل في ترويجها للعيش من تجارتها، وعندما تروج المخدرات قد تؤدي حتى إلى بيع الرجل لشرف ابنته للحصول على المال لتأمين المخدرات إن كان مدمنا. هكذا بسبب الطبقية الآتية من الربوا
ينتشر
الفساد
ولي هنا وجهة نظر قد لا توافقني عليها وتربط بين الربوا وإشاعة الفاحشة، ولكن حتى وإن لم توافقني أخي القارئ فلن يؤثر هذا على طرح الكتاب. فلدي قناعة بأن الفاحشة تأتي أساساً من الذكور وليس من الإناث كما قد يذهب البعض، ذلك أن الذكور بطبيعة تركيبتهم أكثر جرأة وإقداماً وتنفذاً، لذا نجدهم في المجتمعات
١٤٣٩
١٢ الفصل والوصل
قاطبة هم الأكثر مالاً. فإن نظرت لأي مجتمع لوجدت أن مجموع المناصب المؤثرة والأموال لدى الذكور يفوق ما لدى الإناث. حتى في المجتمعات التي تدعي أنها ساوت بين الجنسين لعدة أجيال كما في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، فإن الذكور هم الأثرى وهم من يتقلدون المناصب القيادية في الدول والشركات. بالطبع ستجد إناثاً في مناصب قيادية هنا وهناك، وبالطبع فهناك نساء يمتلكن الكثير من المال، إلا أن نسبتهن أقل من الرجال. إن اقتنعت بهذه الفكرة أريد أن اقنعك بفكرة أخرى ألا وهي أن الذكور عموماً بعد جمع المال سيبحثون عن الملذات للتمتع بالمال الفائض لديهم. وهل هناك لذة للرجل أكثر من التمتع بالنساء؟ فقد ينفق الرجل على أبنائه ومسكنه ومأكله الكثير، وفي هذا سعادة له، إلا أن التاريخ يثبت لنا بأن لذته تشتمل أيضاً على تزوج أو عشق أو اقتناء النساء. وهذا يزداد سعيراً جيلاً بعد جيل بسبب الصور والأفلام الإباحية إعلامياً وتقبله اجتماعياً. فهل رأيت في العالم الغربي الذي يدعي الحضارة من اكتفى بزوجته، أم أنهم يتنقلون بين النساء وتحت شتى المسميات كالعشيقات والصديقات ؟ فرجال الأعمال مثلاً كما هو ثابت يقتنين السكرتيرات الجميلات ودور الدعارة المقننة يرتادها كل من أراد قضاء شهوته، بينما الداعرات في أركان الطرقات ليلاً لاصطياد الزبائن وبالترخيص من السلطات غالباً. وكل هذا لخدمة الرجل لسحب ماله من خلال إخضاعه لشهوته. فالمرأة لا تشتهي الدعارة، بل هي مجبرة عليها. فالمرأة كما خلقها الله شريفة كريمة طاهرة خلقت لتحب من هم حولها. فهي أكثر وفاء في العطاء والحب، فهي مثلاً أكثر حباً لوالديها من الرجل، وهي التي لا تأكل حتى يأكل أبناؤها، ولا تلبس حتى يلبسوا، وهي التي لا تنام إن مرضوا. إنها تضحي بكل شيء من أجل أبنائها وبناتها فهي إن لم تخلق هكذا لما استمرت الأجيال. بينما الرجل يجري وراء شهواته أولاً ثم يلتفت للآخرين من حوله إلا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. وأرجو ألا تسيء الفهم أخي القارئ، فالرجال ليسوا بأشرار، ولكن الصبغة الأعم هي أن الرجل يأتي بعد المرأة في عاطفتها تجاه أبنائها كما هو ثابت هذا الاهتمام من المرأة بغيرها من أبنائها أو والديها أو اخوانها، أي أن هذه التضحية تجعلها تتخلف عن الرجل في شتى مضامير الحياة، ومنها جمع المال. ولكن ما علاقة هذا بالفساد والربوا؟
لأن الربوا يؤدي للطبقية وبالتالي للفقر ، ولأن الرجال عادة هم الأثرى في المجتمعات، لذا فإن المتوقع أن تكون نسبة الفقراء أكثر في الإناث. ولأن الرجل الأكثر تفوقاً في جمع المال يبحث عن اللذة في المرأة، ظهر تجار من الرجال ممن يحاولون جمع المال من أولئك الأثرياء بجلب النساء الفقيرات إليهم. أي أن الربوا الذي أوجد الفقر أدى لبيئة خصبة لظهور الفساد. أي أن المرأة لابد وأن تكون ضحية في مجتمع ربوي فهي مادة الفساد رغماً عنها وليست المسببة له. فهي سيقت إليه ولم تذهب إليه طواعية كالرجل. وبفساد المرأة تفسد الأجيال. هكذا يزداد الفساد بعد جيل. لهذا فلا غرابة إن كان درهم ربوا أشد من ثلاثين زنية. أليست الشريعة معجزة في تحريم الربوا؟
حيلاً.
لأضرب لك بعض الأمثلة عن الظلم والفساد في العالم الغربي: لأن العالم الغربي المعاصر يعيش على الاقتراض في كل شؤون الحياة، فإن الإفلاس لمن لا يستطيعون سداد ديونهم أصبح عرفاً له قوانينه كقوانين إشهار الإفلاس. هكذا ظهرت طبقة في المجتمع لا تنتج إلا بيروقراطيات التعامل مع المفلسين بسبب الربوا. ففي مدينة ممفس بولاية تنسي بالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، هناك نسبة مرتفعة من المفلسين، لهذا تكثر محلات عندهم . التحايل على الضرائب ومحلات للإقراض لمدة أسبوع ومحلات لإرشاد الناس إلى كيفية إشهار الإفلاس ومحلات ممتلكات الفرد في حال إفلاسه، أي أن هناك صناعة كاملة تعيش على حياة المفلسين، حتى أن هناك محالاً
لتقويم
١٤٤٠ 🗏
لشراء الدم من المفلسين لتمكينهم من سداد ديونهم، وهناك أناس متخصصون في سحب أملاك المفلسين كأولئك المتخصصين في سحب السيارات وتسعيرها ومن ثم بيعها في المزاد العلني. ففي كل أسبوع مثلاً (سنة ٢٠١٠م) تُباع ٥٠٠ سيارة مسحوبة من المفلسين في مدينة ممفس لإعادة بيعها مرة أخرى لمن يرغب من مفلسين آخرين وبسعر مناسب لأولئك الذين حصلوا على قرض أيضاً لأن وضعهم المالي أقل ومن ثم قد يفقدون ما اشتروه مرة أخرى ببيعه أقل، وهكذا يتدنى الفرد في مقدرته المالية ما يضطره للانتقال من سيارة سيئة لأسوأ منها. بسعر
وبين عامي ١٩٩٦ و ٢٠٠٦م أعلنت ما يقرب من مليوني جهة إفلاسها في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا رقم مرتفع جداً، ناهيك عمن عمدوا إلى إعادة جدولة ديونهم، فهذه جهات قررت إعلان إفلاسها بدل الإيفاء بالتزاماتها. والسبب في تقبل المجتمع لإعلان الإفلاس على أنه خطيئة مقبولة أو بالأصح حق من حقوق المفلس الاقتصادية، وليست عاراً كما في المجتمعات الأخرى)، هو القناعة بأن بعض هؤلاء المفلسين قد تعلموا الدرس وأنهم سيبدأون من جديد مرة أخرى ويقفون على أرجلهم مرة أخرى، ولعل منهم من سيصبح تاجراً أو منتجاً مرموقاً فيدعم الاقتصاد الوطني، لذا فلابد من إعطائهم الفرصة بدل سجنهم. ولعل من أشهر هؤلاء هنري فورد الذي أوجد شركة من أكبر شركات صناعة السيارات بعد إفلاسه. ولكن هل هذا تفكير منطقي؟ فمقابل احتمال عودة فرد للإنتاج بقوة، ظهرت أنظمة هيئة لينة مع المفلسين حتى يستمر النظام الربوي، وهذا سيؤدي لفقدان المجتمع للكثير من الأفراد المنتجين. فكل مفلس بسبب الربوا هو فرد كئيب وعالة على المجتمع ناهيك عن أنه قد ينحرف ما يكلف المجتمع كثيراً. لهذا كان التغليظ في التحريم للربوا في الشريعة والله أعلم.
۱۷
والآن لننظر سريعاً لبعض أحاديث منع الربوا: جاء في كتاب الترغيب والترهيب: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الربوا نيف وسبعون باباً، أهونهن باباً من الربا مثل من أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من خمس وثلاثين زنية .... وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه عن رسول الله الله عليه وسلم قال: (الدرهم يصيبه الرجل من الربوا أعظم من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام. قال عبد الله: «الربوا اثنان وسبعون حوبا أصغرها حوباً كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربوا أشد من بضع وثلاثين زنية». وفي مسند أحمد: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن النبي
هامش
صلى
الله
ا
الإمام
عند
الله
ق) لقد غلظ جعفر الصادق عقوبة المرابي ورأى قتله إذ يقول: «آكل أعمالكم فقد رضي به فاحذروه أيها الناس على دينكم، وإن النسيء الربا يعزر بعد البينة، فإن عاد أدب وإن عاد قتل» (۱۸). قال رسول زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا إلى قوله ما حرم الله. وإن صلى الله عليه وسلم : (أيها الناس، اسمعوا قولي: فإني لا أدري الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، وإن عدة لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف. أيها الناس: إن دماءكم الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات وأموالكم حرام إلى يوم تلقون ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.) وذكر سائر الحديث (٢٠). هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وجاء أيضاً في الترغيب والترهيب: ٢٨٥٢ وروي عن ابن عباس رضي وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ، وإن الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعان ظالماً كل ربا موضوع، ولكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون باطل ليدحض به حقاً فقد برىء من ذمة الله وذمة رسوله، ومن أكل قضى الله أن لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن درهماً من ربا فهو مثل ثلاثة وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت كل دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن فالنار أولى به. رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبيهقي لم يذكر الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو من أعان ظالما، وقال: إن الربا نيف وسبعون بابا، أهونهن باباً مثل أول ما أبدأ به من د ، دماء الجاهلية. أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد من أتى أمه في الإسلام، ودرهم من ربا أشد من خمس وثلاثين زنية). يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك مما تحقرون من
١٢ الفصل والوصل
۱۹
١٤٤١
صلى الله عليه وسلّم قال : ( لعن الله آكل الربوا وموكله وشاهديه وكاتبه. قال: وقال: (ما ظهر في قوم الربوا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل . ١٩ وكما هو معلوم فإن الربوا يعد من الموبقات السبع كما ذكره البخاري في صحيحه . ليس هذا فحسب، بل حتى أن الشريعة أقفلت أي باب قد يؤدي للربوا كأن يشترط المقرض منفعة كأن يؤاجره داره أو يأخذ منه هدية كما هو معلوم.
وبالطبع، كما هو معلوم أيضاً، فإن باب الربوا في الشريعة من أوسع الأبواب التي تناقش فيها الفقهاء وبالذات المعاصرون منهم عن ماهية الربوا في الدين والبيع سواء كان الربوا فضل أو نسيئة. لكن عموماً، فقد قسم الفقهاء الربوا إلى قسمين: ربوا النسيئة وربوا الفضل. «وربوا النسيئة هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، وهذا النوع محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة». أما ربوا الفضل، فهو «بيع النقود بالنقود أو الطعام بالطعام مع الزيادة، وهو محرم بالسنة والإجماع لأنه ذريعة إلى ربوا النسيئة، وأطلق عليه اسم الربوا تجوزاً كما يطلق اسم المسبب على السبب». وفي جميع السابق كان التركيز على ربوا النسيئة، أي الفوائد الربوية. أما ربوا الفضل فسيأتي المزيد عنه في هذا الفصل، ذلك أن في منع ربوا الفضل حركية تجذ الحاجة إلى العملات التي تصدرها وتسيطر عليها الحكومات. وهذا إعجاز تشريعي كما سترى بإذن الله.
۲۱
وباختصار، فإن من أسوأ ما يفعله ربوا النسيئة هو تقليل نسبة الملاك ما يؤدي إلى التسخير، أي الاستعباد ومن ثم إلى سوء العدالة في التوزيع بالإضافة إلى زيادة أسعار المنتجات وبالطبع فهذا كله يؤثر في التطور المعرفي سلباً كما سيأتي بإذن الله. ومن مساوئ الربوا أيضاً عزل الملاك عن المنتجين ما يؤدي للهدر وتدني الكفاءة، ناهيك عن تحريك الأثرياء للمال دونما أي إنتاج، وبهذا فإن الربوا هو آلية تسحق العدل في التوزيع وتدمر الكفاءة في الإنتاج. والآن لننظر للمعقل الأهم للربوا أي لبؤرة الفساد، وهو وجه الشيطان، أي البنك.
وجه الشيطان: البنك : اختلاق الثروة
لاحظ أنني استخدم كلمة «بنك» حتى يظهر من اسمه أنه جسم غريب على الأمة، فهو ليس مصرفاً أبداً، فالمصرف لإعانة التجار في تسيير أعمالهم، وليس السيطرة على المجتمع كما يفعل البنك، فالمصرف خادم، أما البنك فهو مخدوم كما سترى بإذن الله.
قال إبليس المطرود من رحمة الله في سورة الإسراء: ﴿قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وفي التفاسير في تأويل ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ في الطبري بأن معناها: «لأستولين عليهم، ولأستأصلنهم، ولأستميلنهم». وقيل معناها كما جاء في تفسير القرطبي: «لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت. من قولهم: حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكاً إذا جعلت في فيه الرّسن».٢٢ والرسن هو الحبل. فتصور هذا المنظر أخي القارئ بأن الإنسان وكأنه دابة يحتنكها الشيطان، أي يشدها بحبل من حنكها. وفي هذا تشبيه لمنتهى الإذلال للبشر الذين يقودهم الشيطان حيث أراد بمنتهى التسلط بطريقة وكأن البشر لا حول لهم ولا قوة ولا عقل. فكيف يحدث هذا؟ والإجابة والله أعلم هي أن الشيطان لعنه الله يهدف إلى إدخال البشر معه في النار لأنه يوقن أنه داخل فيها. وكيف يدخلهم النار إلا إن كفروا بالله وكيف يكفرون إلا إن حكموا بغير ما أنزل الله
١٤٤٢ 🗏
وبطريقة تؤدي إلى فساد
عظيم.
هذه هي
المعادلة:
سحب البشر وكأنهم بهائم ليحكموا بغير ما أنزل الله ليظهر الفساد. وهذا ما تفعله البنوك الربوية. فهي تقسم الناس إلى قسمين: دائن ومدين أو قارض ومستقرض أو مودع ومستثمر. أي هكذا دفع الشيطان الناس من خلال الرأسمالية إلى ادخار الأموال في البنوك ومن ثم استثمارها حتى في الكماليات الفارهة بسبب إنفاق أصحاب رؤوس الأموال المرابين بإسراف وهكذا بالمنافسة زادت الإنتاجية الفاسدة. أي أن الشيطان والعياذ بالله منه سحب المجتمعات لمزيد من الإنتاجية بالقهر للفقراء وفيما لا ضرورة له، أي في الكماليات بتنميقها ليتنافس الناس عليها وليسعوا للمزيد من الكسب لاقتنائها ليستمر التسخير وتستمر الطبقية باختلاق الأموال لتذهب لمن لا ينتجون فعلياً. وحتى تقتنع أخي القارئ بأن البنوك تختلق الأموال بطريقة تؤدي إلى إفساد الأرض، لابد من إعطائك بعض التوضيحات عن طريقة عملها.
لنبدأ بتوضيح سريع عن كيفية احتساب الفوائد الربوية الربوا كما يقول الاقتصاديون ما هو إلا الدفعات أو الإيجارات لاستخدام المال، لذا فهو يُحسب من وضع عدة استحقاقات (أو بالأحرى ظلمات) لاستخدام المال، منها مثلاً (وهو الاستحقاق الأهم) ضياع فرصة استثمار المال، فالمالك عندما يعطي ماله لآخر، فهو إنما تنازل عن فرصة الاستثمار، وهذه لها ثمن ولنقل مثلاً ۲٪. ثم يضاف لهذا توقعات التضخم، فإن كان من المتوقع أن يكون التضخم لحين سداد القرض مثلاً ٣٪، فإن هذا يضاف إلى الـ ٢٪، وبهذا يكون المجموع 5%، ثم يضاف لهذا الرقم خطورة احتمالية ألا يقوم المقترض بدفع المبلغ الذي عليه وهو ما يعرف بـ default risk premium وهـذه لها ثمن ولنقل ٣%، علماً بأن هذا الرقم يرتفع كلما ارتفعت خطورة النكول وعدم السداد كأن يكون المقترض غير معروف أو مؤسسة في أول الطريق، ثم يضاف هذا الرقم المجموع السابق ليكون المجموع الجديد ٨٪، هذه هي أهم الظروف التي تؤدي لتحديد سعر الفائدة بالإضافة للسابق، فهناك مخاطرة تنتج من احتمالية ألا يتمكن المقرض من بيع القرض لجهة أخرى، فإن كان المقترض أخذ المال لشراء سيارة على أن يكون السداد على مدى ثماني سنوات مثلاً، عندها سيصعب على المقرض تحويل الدين لجهة أخرى لأن تلك الجهة ستتردد في شراء القرض لأن السيارة ستهرى بالتأكيد مع الزمن ما يجعل فرص التعامل مع المقترض صعبة جداً إن رفض السداد وليس كما إن كان القرض لبناء فندق مثلاً، وهذه الفائدة الربوية تسمى بـ liquidity premium. وأخيراً، فهناك احتمالية ارتفاع أسعار الفائدة مستقبلاً وهو ما يعرف بـ maturity risk، فقد يرتفع سعر الفائدة السائد بعد عدة سنوات ليصبح مثلاً ٣٪ بدل ۲٪ وقت الحصول على القرض، وهنا فمن المنطق في اعتقادهم أن تضاف هذه الخسارة المتوقعة مستقبلاً إلى مجموع السابق. هكذا تحديد سعر الفائدة. لذا فإن سمعت أن الفائدة من البنك المركزي هي ٢٪، وهذا رقم صغير، فإن الفائدة الربوية التي تقع على رأس المقترض أعلى من ذلك بكثير ما يؤثر في اقتصاد المجتمع برمته. ولتكتمل الصورة لابد لنا من النظر في آليات عمل وجه الشيطان: إن لأي بنك كما هو معلوم دفاتر توضح ما للبنك من حقوق وما عليه من التزامات. فالمعادلة المشهوره هي أن ثروات البنك assets . هي حصيلة التزاماته وقيمة أسهم المستثمرين stockholder's equity هذا بالإضافة لكل من موجودات البنك من منشآت واحتياط نقدي وما شابه من موجودات. لهذا فإن أودع شخص ما مبلغ مئة ألف دولار، فإن احتياطي البنك سيزيد بنفس المبلغ. وإن سحب شخص آخر من البنك خمسين ألف دولار فإن رصيد البنك سينقص بنفس المبلغ. هذا ما يعتقده الناس، إلا أن الواقع غير ذلك تماماً. إنه واقع يؤدي إلى اختلاق الثروة. كيف؟
يتم.
١٢ الفصل والوصل
١٤٤٣
إن احتياطيات البنك reserves هو المال المخصص عادة إما لإقراض المستثمرين أو للوفاء بسحوبات المودعين. فالاحتياطي المخصص للإقراض يسمى عادة بالاحتياطي الزائد excess reserves، أي الاحتياطي الذي يمكن الأخذ منه لإقراض المستثمرين. بينما الاحتياطي المخصص للسحب بشيكات المودعين (من الحسابات الجارية checkable deposits) يسمى بالاحتياطي المطلوب required reserves لأنه مبلغ يجب أن يكون متوافراً على الدوام إن أراد أحد المودعين سحب ماله وبالطبع، ليس المودعين في حسابات التوفير). والاحتياطي المطلوب هو المال الذي عادة ما يُحفظ نقداً في البنك ذاته أو في محفظة البنك المركزي. وكما هي القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، فإن نسبة الاحتياطي المطلوب required reserve ratio للبنوك الكبيرة هي ١٠٪، وهذه نسبة المال المخصص لسحوبات المودعين والتي يُمنع البنك من إقراضها أي أن نسبة الاحتياطي المطلوب هي الجزء من الودائع التي يجب على البنك أن يحتفظ بها لدى البنك المركزي. لنضرب مثالاً توضيحياً: إن أودع فرد مبلغ مئة ألف دولار في حساب جارٍ فإن الاحتياطي المطلوب في البنك يزيد بمقدار عشرة آلاف دولار، بينما الاحتياطي الزائد يزيد بمقدار تسعين ألف دولار. وفي حالة الانتعاش الاقتصادي فإن البنوك عادة ما تتجرأ وتقرض الاحتياطي الزائد بأكمله أحياناً، ذلك لأن البنوك عادة ما تربح من جني الفوائد الربوية على القروض. والسؤال الآن: كيف تختلق البنوك الثروة الزائفة في الاقتصاد بالإضافة لأرباحها؟
النسبة
هي
والإجابة هي: عندما تقبل البنوك الإيداعات ومن ثم تُقرضها فإن الثروة الزائفة تختلق. فعلى سبيل المثال: كما هو معلوم فإن لكل بنك رأس مال مدفوع مصرح به. بالإضافة لرأس المال فإن أودع فرد مبلغ مئة ألف دولار فإن الاحتياطي الزائد للبنك سيزيد مبلغ تسعين ألف دولار لأن عشرة آلاف دولار يحتفظ بها البنك في الاحتياطي المطلوب. ثم إن أقرض البنك هذه التسعين ألف دولار لشخص آخر والذي قد يشتري بالمبلغ سيارة مثلاً، فإن بائع السيارة قد يودع المبلغ مرة أخرى في البنك أو في بنك آخر يقوم بالشيء ذاته. فما الذي حصل الآن للرصيد المخصص للإقراض ؟ لقد زاد من مئة ألف إلى مئة وتسعين ألف دولار. أي أن وجه الشيطان اختلق تسعين ألف دولار. هكذا اختلق النقد دونما أدنى إنتاج. والمسألة لا تقف هنا، فالبنك لديه الآن تسعين ألف دولار كإيداع جديد، وهنا بالطبع فإن البنك يحتفظ بـ ١٠٪ من هذا المبلغ كاحتياطي مطلوب ومن ثم يُقرض الباقي، أي يحتفظ بتسعة آلاف دولارات ويقرض إحدى وثمانين ألف دولاراً لعميل آخر كعملية مستحدثة، والذي قد يشتري سلعة ما ثم يأتي بائع السلعة بالمال ليودعه في البنك مرة ثالثة، وهكذا تستمر هذه الآلية حتى إقراض كل الاحتياطي الزائد. وبهذا يتم اختلاق المال والذي يتضاعف عشر مرات كحد أقصى إن كانت نسبة الاحتياطي المطلوب ١٠٪. فإن نقصت النسبة المئوية فإن التضاعف بالطبع سيزداد، وإن زادت النسبة فإن التضاعف سيقل. والمعادلة في العادة هي كالآتي: إن أودع شخص مبلغ ٣٠ ألف دولار فإن النقود المعروضة للإقراض تتضاعف لتصل إلى ٢٧٠ ألف دولار. وهذا ما يُعرف بمضاعف النقود mony multiplier. أي عملية اختلاق أموال لإقراضها من إيداعات العملاء. والمعادلة هي ببساطة كالآتي: [(۳۰,۰۰۰ - ۳,۰۰۰) × ۱۰ - ۲۷۰,۰۰۰] . هذا بالإضافة للأرباح من الفوائد الربوية. ونفس هذه الفكرة تنطبق أيضاً على الاقتراض بين البنوك . فعندما يقترض بنك ما من بنك آخر مالاً لتغطية متطلبات مودعيه، فإن البنك المقرض قد اختلق ثروة هي دين في ذمة البنك المقترض.
١٤٤٤ 🗏
اقتراض ثم استهلاك ثم إنتاج
ولكن ما المعنى الدقيق للاختلاق في حالة البنوك (وليس الدولة)؟ الاختلاق يعني استحداث البنك ديناً في ذمم الآخرين دون أي إضافة آنية للإنتاج. فالبنك يأخذ القليل من الإيداعات ليوجد في ذمم الآخرين الكثير من الديون، وهكذا تتراكم الديون في ذمم الناس والمؤسسات الذين عليهم العمل لسداد الدين فتنتشر ظاهرة الاستدانة كعرف إنتاجي وتشغيلي. ومن جهة أخرى فإن كل عملية اقتراض تعني أن العميل المقترض قد زاد نسبة النقد المتداول بمجرد توقيعه على أوراق الاقتراض بمقدار القرض الذي أصبح ملكاً للبنك والذي على المقترض سداده. أي أن المصدر الأهم لاستحداث السيولة النقدية هو الاقتراض وليس الإنتاج. وهذه آفة كما سترى بإذن الله. ولأن البنك يتعامل مع كثير من العملاء، فإنه يدمج إيداعاتهم ليكون وعاءً يحوي احتياطاً زائداً كبيراً يتعاظم مع كل إيداع، وبهذا تتعاظم مقدرة البنك على الإقراض. ولأن النظام الرأسمالي يعتمد على البنوك في كل التعاملات إذ يندر أن تجد من يحمل نقداً للصفقات، فإن سيولة المجتمع وكأنها بكاملها في حوزة البنوك كإيداعات. هل رأيت السيطرة
التامة على النقد؟
ولتوضيح السابق بمثال سهل أرجو التمهل في قراءة الآتي للمقارنة بين المصرف والبنك: لنقل بأن رجلاً ذهب لمصرف (وليس بنكاً) واقترض درهماً واشترى رغيفاً واحداً، ثم أودع الفران قيمة الرغيف في المصرف، ثم أتى رجل آخر واقترض من المصرف درهماً، فقام المصرف بإقراضه ذات الدرهم الذي أودعه الفران، فذهب هذا الآخر واشترى رغيفاً آخر بالدرهم، فذهب الفران مرة ثانية وأودع نفس الدرهم، ثم أتى رجل ثالث واقترض من المصرف نفس الدرهم الذي أودعه الفران في المرة الثانية واشترى رغيفاً ثالثاً، وهكذا. تلحظ في هذا المثال البسيط بأن المنتج ثلاثة أرغفة وبنفس الدرهم الذي يدور بين المصرف والفران. أي بسبب هذه الآلية، فإن ثلاثة أفراد أكلوا وأصبحوا مديونين بينما الإنتاج هو ثلاثة أرغفة مقابل الدرهم الواحد. أي أنهم أكلوا دون أي إنتاج، أي أن الناس قد يستهلكون ومن ثم يُطالبون بالعمل لسداد قيمة ما استهلكوه وبالطبع فإن في هذا المسلك للمجتمع (أي أن أفراداً يقترضون ثم يستهلكون ثم يعملون لسداد ديونهم إرهاق نفسي للأفراد.
هو
وهناك مسلك آخر تدفع إليه الشريعة ألا وهو العمل ثم امتلاك المال ثم شراء الحاجيات. وبالطبع فلن نجد مجتمعاً يسلك أفراده أحد المسلكين فقط ، بل خليط منهما. إلا أن الغالب في النظم الرأسمالية هو «الاقتراض ثم الاستهلاك ثم الإنتاج»، بينما الشريعة من خلال حركيات قص الحقوق تؤدي للعكس، أي تؤدي للإنتاج ثم الاستهلاك دون الاقتراض. فالشريعة تحث الناس على تلافي الاقتراض قدر المستطاع وتحض الموسرين في الوقت ذاته على إقراض الآخرين دون فائدة ربوية قدر المستطاع حتى يبدؤا الإنتاج دون دين (وسيأتي بيانه بإذن الله). ومن الحركيات أيضاً تسهيل الشريعة وحضها الناس على الشراكات والتي تعني الإنتاج دون الاقتراض كما مر بنا (وهناك حركيات أخرى سنأتي عليها بإذن الله.
لاحظ أن الذي حدث في المثال السابق هو تراكم للدين ولكن دون اختلاق الثروة. أي أن هناك دين يجب أن يقضى من المقترضين للمصرف والذي عليه إعادة المال للمودعين مرة أخرى. فلن يستطيع المصرف الإقراض إلا إن حاز المال من الإيداعات. فذات الدرهم يذهب ويعود هذا الوضع هو ما يدعو إليه (مع الأسف) كثير من
١٢ الفصل والوصل
١٤٤٥
الباحثين المسلمين مثل شابرا أي الدعوة لإيجاد مصارف إسلامية لا ترابي بل تأخذ أموال الناس لدفعها لآخرين لتمكينهم من استثمارها. هنا نلحظ أن الوضع مشابه للرأسمالية ولكن من دون ربوا. أي أن الناس يستدينون ثم ينتجون. أي أن نفس الدرهم قد يدور ويستحدث ديناً في ذمة أكثر من فرد كما في المثال السابق. أما إن طبقت الشريعة وكانت المصارف نادرة لأن القرض إن وجد فهو من فرد لآخر، عندها نتوقع مجتمعاً تندر فيه القروض، ما يعني أن معظم الأفراد ينتجون ومن ثم يستهلكون دونما اقتراض.
هذا
وبالنسبة للبنوك، فحتى وإن أعاد البنك أموال المودعين فإن هناك اختلاق للثروة التي أصبحت ملكاً للبنك ذلك أن البنك برغم أنه أقرض أكثر من الدرهم الواحد، أي أقرض تسعة أعشار الدرهم الأول ثم أقل وأقل حتى أصبح المجموع تسعة دراهم من ذات الدرهم الواحد، أي ۱ - ۱ × ۱۰ - ۹] ، إلا أنه ربح الفوائد والتي قد ترتفع إلى ٧% أحياناً في كل عملية إقراض حتى وإن دفع للمودعين أرباحاً لأن الفارق بين الفائدتين مبلغ كبير حصل عليه البنك دونما أي إنتاج فعلي). وعادة ما تتراكم الفوائد الربوية لتصل إلى أرقام خيالية. فقط تدبر الرقم: لقد كان مجموع الإنتاج القومي في الولايات المتحدة الأمريكية ,15,386,000 دولاراً، أي أكثر من ١٥ ترليون دولار في شهر سبتمبر ٢٠١٢م، بينما كان مجموع الفوائد الـربـويـة في ذات الوقت ٤,٦٠٠,٠ دولاراً، أي حوالي ثلث الإنتاج القومي. أي أن للبنوك آفتين: الأولى هي زيادة نسبة المديونين في المجتمع من خلال آلية الاحتياطي الزائد، والثانية هي اختلاق الفوائد التي ترهق الاقتصاد. ولضرب مثال واحد، فقد أعلن بنك HSBC سنة ٢٠١٣م أن صافي أرباحه بلغت ١٤ مليار دولار في سنة واحدة.
وبالطبع ستقول: ولكن ليس جميع المقترضين في المجتمعات الرأسمالية لا ينتجون، فالناس يعملون وينتجون! فأجيب: نعم، ولكن إن لم يوفق جزء يسير من المقترضين في استثماراتهم بالأموال التي اقترضوها، فإن الديون المتراكمة مع فوائدها ستزيد عما كان يمكن أن ينتجه المجتمع من أعيان وخدمات فيظهر التضخم. وفي المقابل، فإن طبق الإسلام، فلا مجال للفرد إلا الاقتراض من أفراد مقربين أو من مصرف ما، وهذا المقرض سيفقد ماله المخصص للإقراض ولا يستطيع الإقراض مرة أخرى إلا إن اقترض من شخص آخر يعرفه. لذا فإن الحركية الإقراضية لن تستمر لتتضاعف عشرة مرات كما في البنوك. عندها فإنه لا مجال لهذا الذي يريد أن يأكل خبزاً إلا العمل لينتج ما يقايض به الفران لأخذ الرغيف ليأكل. وفي هذه الحالة، سينتج كل واحد من الثلاثة (في مثالنا السابق) سلعة ما ليأكل الخبز. وبهذا تزداد السلع مقابل الخبز، أي تزداد السلع لتوازي النقد فلا يظهر التضخم.
وكما هو معلوم، فكلما كان الاقتراض سهلاً وكان المجتمع متساهلاً في التعامل مع المقترضين إن نكلوا أو لم يسددوا كما هو الحال في الدول الرأسمالية، وكلما زاد بريق الحياة بالمنتجات التي تسيل لعاب الناس بشتى أنواع المغريات والدعايات، كلما انقاد الناس للاقتراض للتمتع بالمستهلكات وهذا ما تسهله البنوك لهم من خلال البطاقات الائتمانية مثلاً. وهذا يعني أن الناس ينقادون لشهواتهم بسهولة ويشترون بالاستدانة ثم عليهم العمل لسداد الدين. أي أن المجتمع سار وراء شهواته الآنية ليحمل هم سداد دين مستقبلي متراكم لأن المال سهل المنال.
هامش
كما مر بنا، وأن هناك صدقات وقرض حسن وما شابه من حركيات
ر) هذا إن كانت نسبة الاحتياطي المطلوب ١٠٪. ش) وقد تسأل : ولكن من أين للفقير أن يبدأ دون قرض ؟ فأجيب ستأتي بإذن الله . تذكر دائماً أن أبواب التمكين (أي الموارد) مفتوحة للجميع باستمرار
١٤٤٦ 🗏
وما يدعو إليه بعض الاقتصاديين الإسلاميين من إنشاء للمصارف الإسلامية لهو مشابه لما تقوم به البنوك. فالمصارف تعمل بذات التأثير ولكن بتخفيف شر الفوائد الربوية. فالمصارف تحث الناس على الاقتراض للبدء بمشروع ما ودون تحمل الخسارة مالياً إلا مع أصحاب رؤوس الأموال. كما أن الناس يستطيعون الاقتراض لشراء عربة أو مسكن فاره مثلاً لسداد القيمة على سنوات عديدة قادمة. ومهما كانت المصارف حذرة في الإقراض فإن الوضع لن يقارن بما كان يمكن أن يقع إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله.
وهنا ملحوظتان: الأولى في حال ظهور مثل هذه المصارف التي تقول بأنها إسلامية (والتي وافق على نشاطاتها كثير من الفقهاء مع الأسف، وكما في الرأسمالية تماماً، نجد أن المستثمرين لا يعملون في أموالهم، بل في أموال اقترضوها، وهذه ليست كالشراكات التي تؤدي إليها الشريعة التي تسحب المالك للمال ليكون بالقرب من الشركة قدر المستطاع، فتقل فرص الخسارة. والملحوظة الثانية والأكثر صلة بموضوعنا الحالي هي ظهور عدد من الناس الذي يقترضون ثم يسددون. وقد ينسحب بعض هؤلاء وراء الشهوات ويقترضون ما لا يطيقون سداده مستقبلاً كما حدث مع قروض الإسكان وسيأتي بيانها بإذن الله). أما إن طبقت الشريعة، وكانت العلاقة بين الدائن والمستدين مباشرة دون واسطة مصرفية أو بنكية، فلن يظهر هؤلاء المقترضون إلا فيما ندر. فقد يتشارك اثنان أو أكثر، وهنا نجد أن الشريك قريب من ماله، بينما الشريك المضارب يعمل ليربح، أي أنه لا يعمل لسداد دين. وشتان بين الحالين نفسياً. ومن جهة أخرى، فلا اقتراض للإسراف، لأن المقترض سيذهب بنفسه للاقتراض من الموسرين الذين يخافون على أموالهم فلا يقرضون إلا ذوي الحاجات الماسة والذين يثقون بمقدرتهم على السداد. وبالطبع سيتردد الفرد في الاقتراض للإسراف لخجله من قريبه أو ليقينه بأن المال ليس سهل المنال كالتعامل البنك أو المصرف الذي يكتفي ببعض الأوراق المختومة دون التمحيص الجاد للمقترض. فشتان بين الحالين: حال الاقتراض من البنك أو المصرف الذي لا يعرفك، وحال الاقتراض من قريب أو صديق يعرفك. هنا نتوقع إن طبقت الشريعة أن يعمل الناس أولاً ويدخرون ثم يستهلكون. عندها، ولأنهم تعبوا وكدوا في جمع المال، فهم أقرب لإنفاقها في شراء الضروريات أولاً . أما الكماليات والتي تتطلب استنزاف المال المجموع من عمل سابق (والذي قد يكون مجهداً) فقد ينتظر. لذا نتوقع ألا يجهد الناس أنفسهم لأن هذه الحركية، أي العمل ثم الشراء، أوجدت أفراداً أكثر وعياً لشراء ما يحتاجون. ولكن لا تعتقد أخي القارئ بأن المنتجات ستقل بسبب تراخي الناس في الاستهلاك ومن ثم تراجع الإنتاج، لا بل ستزداد ولكن في الضروريات على حساب الكماليات والحاجيات كما مر بنا وسترى بإذن الله . وهذه الضروريات تزداد نوعاً وكماً بتقادم الزمن ليسمو المجتمع.
مع
ولأهمية هذه المسألة لابد من المزيد من التوضيح: إن تدبرت السابق لعلك وصلت لاستنتاج بأن الرأسمالية أوجدت إشكالية كبرى وهي أن الاقتصاد قد ينهار إن لم يستطع الناس سداد ما عليهم. كيف؟ لأن كل قرض مصحوب بفائدة، فإن مجموع ما على المقترضين سداده هو القروض بالإضافة للفوائد، وهذا يزيد بالطبع عن مجموع الإنتاج، فمن أين تسدد الفوائد إن لم يقابلها إنتاج؟ لذا وحتى لا يتوقف الاقتصاد، ولأن المال الذي كان من المفترض به أن يُسَدِّد الفوائد لم يوجد بعد، فلابد من حث المزيد من الناس للاقتراض فتزداد السيولة في المجتمع لسداد القروض السابقة مع الفوائد. ولأن المال يُختلق كلما اقترض فرد من البنك، فإن البنوك تسعى للمزيد من عمليات الإقراض حتى يزداد النقد المختلق لسداد الفوائد أي أن مجموع الأموال المختلقة ليس لها إلا حد واحد،
١٢ الفصل والوصل
١٤٤٧
ألا وهو مجموع مستوى الإقراض. فمع كل إقراض يزيد المال المختلق. وأقول مختلق لأنه لا منتج يقابله أو يغطيه، بل ديون في ذمم الأفراد. هنا لعلك استنتجت بأن هناك منطقاً اقتصادياً من أنه إن سدد الناس ديونهم فإن الرخاء هذا المنطق صحيح على مستوى الأفراد، أما على مستوى الدولة في النظام الرأسمالي، فإن المال سينضب سيعم . لماذا؟ ويتوقف الاقتصاد إن سدد الناس ديونهم.
كما هو معلوم فإن المال المختلق عادة أقل من المال المطلوب سداده من الناس لأن المطلوب سداده هو مجموع الديون بالإضافة للفوائد الربوية، لذا يكون السؤال: من أين للمجتمع أن يأتي بالأموال المفروضة على الديون كفوائد ربوية؟ والجواب: لأن مصادر الإنتاج محددة في المجتمع الرأسمالي مثل استحداث المناجم والمزارع والمصانع، ويتزاحم عليها الناس للربح بالإضافة لأعباء الفوائد، فسيظهر من المستثمرين من لن يستطيع السداد بسبب سوء التدبير الذي يزداد مع زيادة التنافس على الموارد. ولأن الديون متراكمة وكثيرة فإن الفوائد بالتالي كثيرة جداً، أي أن ما يجب أن يُسدد من قروض وفوائد كبير جداً، لهذا يجب أن تتوافر السيولة المالية بين الناس ليتمكنوا من السداد، لذا يجب أن تختلق الأموال بكثرة وتنتشر السيولة النقدية حتى لا تتعثر بعض البنوك التي لم يتمكن زبائنها من سداد ما عليهم، وبهذا لن ينهار النظام المالي. أي حتى يستطيع النظام المالي من الاستمرار لابد من المزيد من الاختلاق للثروة لسداد الديون مع فوائدها مع القبول بإفلاس البعض من الأفراد والشركات هنا وهناك. لهذا يحرص النظام الرأسمالي على زيادة الأموال المختلقة لتكون القروض والفوائد الربوية في متناول أكبر عدد من المديونين. أي لابد من إيجاد المزيد من الديون على الناس حتى يستمر الاقتصاد. وبهذا تصبح العلاقة بين الأموال المتداولة فعلياً بين الناس من جهة، والديون وفوائدها كأرقام على الصكوك والمستندات والشاشات من جهة مقابلة، وكأنها علاقة مُطاردة متعاظمة، تطارد فيها الديون الأكثر الأموال المتداولة الأقل. لذا فكلما كبرت الديون كان على الأموال المختلقة أن تزداد. سأعيد صياغة هذه العبارة الأخيرة بطريقة أخرى لأهميتها لأن معظم أفراد المجتمع مدينون، ولأن عليهم سداد ديونهم مع الفوائد، ولأن هذا المبلغ أكبر من مجموع الديون، وحتى لا يتوقف الإنتاج بسبب عدم البعض عن السداد فتنهار بعض البنوك، فلابد من اختلاق المزيد من الثروات وهذا لن يتم بالطبع إلا بترحيل الأزمة لتاريخ قادم حتى لا يتوقف الاقتصاد. وكأن المجتمع رجل يقترض المزيد من المال لسداد ديونه المتراكمة. فهو يقترض اليوم من عمرو لسداد دينه مع الفوائد لبكر. ثم يقترض غداً من زيد مبلغاً أكبر لسداد دينه لعمرو مع الفوائد، ثم يقترض بعد غد من عبيد مبلغاً أكبر وأكبر لسداد دينه لزيد مع الفوائد، وهكذا يهرب من الواقع لترحل الديون للأجيال القادمة. لهذا تحاول البنوك دائماً ابتكار الوسائل المختلفة لإقراض الناس حتى تزداد الأموال المتداولة يوماً بعد يوم التي تحاول سداد الديون بفوائدها، وبهذا يُجبر المقترضون على الاستمرار في العمل وتحت أي ظرف. أي حتى يستمر الاقتصاد الرأسمالي المعاصر لابد وأن تقترض طائفة كبيرة من الناس ومن ثم تضطر للعمل، أي لابد من تراكم الديون لأنه إن تمكن الناس من سداد ديونهم فإن الاقتصاد سيتوقف لأن البنوك لن تستطيع الإقراض، وإن لم تتمكن البنوك من الإقراض فإنه لا رأسمال للاستثمار فينخفض الإنتاج. فقط تدبر الأرقام الآتية: لقد بلغ الدين الأمريكي العام سنة ٢٠١٢ ,1,100 دولار، أي ١٦ تريليون، وبهذا يكون متوسط الدين العام على الفرد الأمريكي حتى وإن كان رضيعاً أو معاقاً ٥١,١٠٠ دولار بينما بلغ متوسط ما يدفعه الفرد
۲۰۱۲م
استطاعة
١٤٤٨ 🗏
الأمريكي من فوائد ١٢,٣٦٦ دولاراً. حتى وإن وجد فائض مالي في ميزانية الدولة بسبب أموال الضرائب التي قد تفوق النفقات، فإن المعادلة لاتزال قائمة وهي أن البنوك هي سيدة المجتمع التي يركع لها المقترضون من الناس، كل الناس في مجتمع رأسمالي.
وهم
عليهم.
أي أن النظام الرأسمالي يدفع المجتمع للمزيد من العمل وفي ظروف قاسية حتى يتمكن الناس من سداد ما فالكل يحمل هم سداد دينه فيجبر على العمل. وهذا المزيد من العمل سعياً للربح الأكيد يعني توجه بعض المستثمرين لإنتاج مستهلكات تُشبع رغبات الأثرياء بسبب الطبقية. أي يعني إنتاج الكماليات الفارهة. وكثرة الكماليات تعني المزيد من الاستنهاك لموارد الأرض لإنتاج ما لا حاجة له، وهذا يعني المزيد من القمامة باستهلاك الموارد الطبيعية فيما ليس بضروري. إن استوعبت ما سبق أخي القارئ ستصل لقناعة بأن الربوا لابد وأن يؤدي للتلوث البيئي بسبب زيادة الإنتاج اللا مبرر لأن الأفراد مرغمون على المزيد من العمل لسداد ما عليهم من قروض بفوائدها من جهة، وأنه يؤدي إلى الانحلال الخلقي من جهة أخرى لأن هناك من لا يستطيعون سداد ديونهم، وهناك من لا يستطيعون الاقتراض وفي النقيض، فهناك من يربحون الفوائد الكثيرة دونما إنتاج فتظهر الطبقية في المجتمع. وما الفساد إلا اجتماع الطبقية المؤدية للتسخير (أي (للاستعباد مع التلوث البيئي. هل رأيت إعجاز
الشريعة في تحريم الربوا؟
وبالطبع فإن هذا التفاقم الكبير للإيداعات في البنوك لتتضاعف عشر مرات تقريباً وتتحول إلى أموال قابلة للإقراض لا يحدث في العادة إلا إن تمت آليتان الأولى هي أن البنك سيقرض كل ما لديه من أموال في الاحتياطي الزائد. والآلية الثانية هي أن هذه الأموال ستعود مرة أخرى للبنك من خلال إيداعات المستفيدين منها. لكن إن اختلت إحدى هاتين الآليتين وهذا أمر وارد برغم ندرته)، فإن المبلغ المضاعف» بالطبع سينخفض ما يؤثر في الحركة الاقتصادية. لهذا فإن الاقتصاد لديهم هش. فكما أن المال يتضاعف بسهولة، فهو يتقلص أيضاً بسهولة، فإن أمسك الناس أموالهم ولم يودعوها في البنوك وسحب الآخرون إيداعاتهم، فإن الاقتصاد سينهار لأنه لا مال تحت تصرف البنوك للإقراض إذ أن المعروض من الاحتياطي الزائد في تناقص قلت: «سينهار» لأنه لا وسيلة للإنتاج في النظام الرأسمالي إلا من خلال البنوك، وفي هذا وصل لمعظم المنتجين من غير داع ما يؤخر الإنتاجية. تفكر في السؤال الآتي: لماذا علي أن أقلق بما يجري في الأسواق المالية إن كنت منتجاً؟ إنه العقل البشري القاصر. وهذا بالطبع ليس كما تفعل الشريعة من دفع للإنتاج بالفصل بين الناس (كما سترى بإذن الله) ودون الحاجة لوصل الناس من خلال البنوك كما رأينا في الفصول السابقة.
انهيار البنوك
كيف
سينمو الاقتصاد وهو يتعثر كل عدة سنوات؟ إن تأملت أي اقتصاد ستلحظ أن نموه يتأثر باستقراره
كما هو معلوم. وعدم الاستقرار هذا من آفات النظام الرأسمالي والتي تتجلى بوضوح في انهيار البنوك. لذا فلابد من توضيح مبدأ مهم عن سبب انهيار البنوك أو ما يعرف بذعر البنوك bank runs أو تهاوي البنوك واحداً تلو الآخر والذي عادة ما يقع إما بسبب هبوط أسعار الأسهم لارتفاعها غير المبرر ( وسيأتي بيانه بإذن الله)، وإما بسبب
١٢ الفصل والوصل
١٤٤٩
تزعزع ثقة الناس بالبنوك وذلك كالآتي: إن ارتفعت نسبة المودعين الراغبين في سحب أموالهم وبالتالي زاد على البنك ما يجب عليه سداده عن الاحتياطي المطلوب، عندها فلا سيولة كافية لدى البنك ما يهدد البنك بالإفلاس لأن موعد سداد المقترضين لم يحن بعد. لذا كان على البنوك أن تعمل سوية بنوع من التنسيق فيما بينها لتلافي الإفلاس. فإن جفت سيولة بنك ما بسبب قيام عميل أو عملاء بسحوبات كبيرة، وهذا ظرف طارئ)، فهناك في المقابل بنوك أخرى في أقاليم أخرى لديها سيولة كبيرة لأن المقترضين قلة في ذلك الإقليم. أي أن البنوك في الأقاليم المختلفة يتعرضون لظروف اقتصادية مختلفة يجعلهم في مواقف نقدية مختلفة. فمنهم كثير السيولة اليوم وقليل السيولة غداً، ومنهم دائم السيولة. وللتغلب على هذه الإشكالية ظهرت التبادلات النقدية بين البنوك ليلياً وذلك استعداداً ليوم العمل التالي. فمن احتاج لسيولة اقترض ممن لديه سيولة نقدية لآجال قصيرة وبفوائد ربوية لدرجة أن هذه العمليات تتم ليلياً. أي أن وجوه الشياطين فيما بينها وكأنها شبكة أو نظام بنكي أساسه التعاون للتغلب على اختلافات الظروف. ولكن إن حدث وأن سحب معظم العملاء إيداعاتهم، فإن البنك عندها في إشكالية لأن مجرد ظهور إشاعة بأن البنك لم أو لن يتمكن من سداد حقوق المودعين، سيجمع المودعين لسحب أموالهم فجأة واحدة. عندها تتآزر البنوك لإغاثة هذا البنك. ولكن إن حدث وأن انتشر هذا الذعر عند مودعي البنوك الأخرى بسبب الشائعات والتي قد لا تكون صحيحة أو مبالغ فيها، أو لم تتمكن بعض البنوك من التآزر لأنها في نفس الأزمة، عندها فإن البنوك قد لا تتعاون فيما بينها، فكل بنك سيحاول الخلاص من محنته بالاعتماد على احتياطياته والاستدانة من بنوك أخرى، عندها قد يضمحل التعاون بين بعض البنوك، فتتهاوى بعض البنوك فيظهر الذعر ثم تليها البنوك الأخرى واحداً تلو الآخر لأن الاقتصاد مبني على مبدأ الإقراض الذي حتى وإن لم يزد عن الاحتياطي (وهذا نادر الحدوث)، فإن مجرد فشل بعض المقترضين من سداد ما عليهم سيشل حركة البنك إن قام المودعون بسحب ودائعهم. وحتى لا يقع مثل هذا الذعر، فقد أخذت الدول احتياطاتها، لذا لنأخذ الولايات المتحدة الأمريكية كمثال لتوضيح أهم المحطات التي أدت لظهور البنك المركزي الذي يحاول الحفاظ على البنوك من الانهيار وبالتالي السيطرة على الاقتصاد ما أدى للسرقة الكبرى بظهور مستوى عال من الظلم بسحب أموال الناس أولاً، وبشبك المؤسسات الاقتصادية ووصل بعضها ببعض ثانياً. كيف؟
قبل الحرب الأهلية، كان الاقتصاد في الولايات المتحدة الأمريكية مبنياً على البنوك التي نشأت بناء على مراسيم الولايات، لذا فقد كانت البنوك مستقلة ولا تخضع لأنظمة أو قوانين الحكومة المركزية لدرجة أن كل بنك كان يصدر عملته الخاصة به فحتى إن انهار بنك ما وتزعزت الثقة في عملته، فإن الإشكالية محلية ولن تؤثر في باقي الأقاليم. ثم لدعم الحرب الأهلية ولحاجة الدولة للنفقات أصدرت الحكومة الأمريكية سنة ١٨٦٣م مرسوماً بإصدار عملة موحدة وسندات حكومية. ولضمان السيولة في البنوك الصغيرة وتلافياً لانهيارها، فقد وافقت البنوك الكبيرة على قبول إيداعات البنوك الصغيرة لدعمها في الشدائد لمنع الانهيار. هكذا اطمأن الجميع بأن هذه البنوك لن تنهار لأنها مدعومة باحتياطيات بنوك أكبر وفي جميع الولايات. إلا أن هذا التنسيق لم ينتبه إلى خطر انتقال عدوى الذعر بين الناس لتضرب حتى البنوك الكبيرة كما حدث سنة ١٩١٣م. لهذا ظهرت الحاجة لبنك مركزي للسيطرة على الاقتصاد من الانهيار، وقد كان وسيأتي بيانه بإذن الله. إلا أن هذا البنك المركزي لم يتمكن من إيقاف الكساد الاقتصادي الكبير سنة ۱۹۲۹م لأنه لم يضخ الأموال اللازمة لإيقاف الانهيار فكان الكساد. فكان الإجماع من معظم الباحثين بأن سبب الكساد الكبير هو أن البنك المركزي خفض تدفقات الائتمان بدل أن يفعل العكس
١٤٥٠ 🗏
:
(وهناك نظرية مختلفة لفردمان وسيأتي بيانها بإذن الله. لهذا اجتمع المشرعون ووضعوا سنة ١٩٣٣م نظاماً تم بموجبه إيجاد المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع (FDIC) بالإضافة لعدة قوانين تحد من توغل البنوك في استثمارات غير آمنة. ومع هذا فقد وقعت في الثمانينات من القرن الماضي كما هو معلوم انهيارات بنكية بسبب الادخارات والقروض الخاطئة ما دفع الحكومة لتعويض المتضررين ببلايين الدولارات والتي كانت على حساب دافعي الضرائب. وهذا ظلم. أي أن المحصلة هي سرقة أموال عموم الناس للتغطية على أخطاء النظام البنكي الذي يقذف بالغيب من مكان بعيد. ثم ظهر انهيار أخير بسبب الإسكان وسيأتي بيانه ببعض التفصيل بإذن الله). ووقع ذلك بعد قدوم الرئيس الأمريكي ريجان الذي غير الأنظمة لتنفلت البنوك ولتدخل في استثمارات مستقبلية لتنافس فيها المؤسسات الاستثمارية غير البنكية، فكان الانهيار.
كما هو معلوم فإن من أكثر ما يخيف السياسيين هو الشلل الاقتصادي. لهذا فلن يتردد متخذوا القرارات من نقل أموال ضرائب الناس لسداد ديون المؤسسات المالية الكبرى كي لا يتوقف الاقتصاد. وهذا ظلم. لهذا هبت الدول الغربية أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين لإنقاذ البنوك الكبرى حتى لا تنهار الأسواق. فها هي الحكومات المتتالية على فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية تستخدم الأرصدة بمئات المليارات لإنقاذ البنوك المتعثرة، بل حتى إنقاذ الحكومات المتعثرة كما حدث في محاولة إنقاذ اليونان مؤخراً بعشرات المليارات، وكل هذا في وقت تقدر فيه منظمة الزراعة العالمية أن خمسة مليارات من الدولارات كافية لإطعام عشرين مليون فقير مهددين بالموت جوعاً. فبدل دعم الفقراء للعلاج أو التعليم، تذهب الأموال لإنقاذ مؤسسات أفلست سوء الإدارة. ومع هذا فإن الجزاء هو الإنقاذ. أما من ملك داراً بتحمله دينا فوق طاقته، فإن مصيره إلى الشارع بعد إخلاء منزله ليعرض للبيع. وحتى ترى قصور العقل البشري سأسرد لك باختصار قصة الانهيار العقاري لأن فيها دليل قوي على الوصل التام بين المؤسسات المالية ما يؤدي لهشاشتها. كيف؟
مثال للانهيار: الرهن العقاري
بسبب
كما هو معلوم فإن العلاقة بين المقرضين والمقترضين عادة ما تكون مبنية على رهن المقترضين لبعض أملاكهم لدى البنوك كما في الرهن العقاري، ولكن السؤال هو : لماذا ظهرت الفوضى العارمة التي أطاحت بالبنوك إن كانت هذه العلاقة منطقية اقتصادياً؟ لفهم هذه القضية، أي لماذا الديون الرديئة، يجب أن نفهم كيفية تحطم العلاقة بين البنوك والمقترضين من خلال بيع هذه الديون لمستثمرين آخرين لم يكونوا على دراية بما سيحل باستثماراتهم. وهذا يأتي بنا لمحور هذه الفوضى، أي لسوق العقارات. كيف؟
إن القناعة لدى البنوك هي أن الإقراض لشراء عقار ما هو مخاطرة مأمونة جداً لأن المقترض إن لم يتمكن من دفع ما عليه، فإن البنك سيحوز العقار ويبيعه بسعر أعلى في الغالب. حتى وإن هرب المقترض، فإن العقار في مكانه لا يستطيع الهروب. لهذا، فإن سوق العقار أصبح وكأنه فصلاً جديداً من أعمال البنوك. وللتوضيح لنبدأ بفكرة سريعة عن تاريخ الرهن العقاري لترى سوء المنقلب. فهذا من الأمثلة البديعة على قصور العقل. ذلك أن الجميع قد تيقن أن الاستثمار في العقار استثمار آمن.
١٢ الفصل والوصل
١٤٥١
مع
لقد كانت أقل من خمسي المنازل في الولايات المتحدة الأمريكية مملوكة لسكانها قبل الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. لكن بعد النكسة الاقتصادية سنة ١٩٢٩م ، لم يتمكن معظم الملاك من دفع ديونهم لعقاراتهم المرهونة، حتى أن بعض المستأجرين منهم لم يتمكنوا من دفع إيجاراتهم لأنه لا عمل. ولعل من أكثر المدن تضرراً مدينة ديترويت بولاية ميتشجان المشهورة بصناعة السيارات ما أدى لتظاهر العمال الذين شعروا بالظلم لأنهم يعملون في مصانع ليست ملكاً لهم، فكانوا أول المتضررين بإقالتهم بسبب ضعف القوة الشرائية للسيارات، ما أثار أسئلة جوهرية في المجتمع الأمريكي عن جدوى الرأسمالية مقارنة بالشيوعية، فكانت الثورات العمالية. فما كان من حكومة الرئيس روزفلت إلا أن استحدثت نظاماً لامتلاك المنازل. وكأن هذه وصفة محكمة لتقف ضد المد هكذا الشيوعي. وبالتدريج ظهرت مؤسسة حكومية لدعم القروض المالية طويلة الأجل وبفائدة مخفضة للإسكان. فكانت كلمة mortgage أو الرهن العقاري، وتعني أن للفرد امتلاك منزل إن قام بتقسيم سعر المنزل الفوائد لسنوات قد تصل إلى ثلاثين سنة بأقساط تقل أو تزيد قليلاً عما يدفعه كإيجار، على أن يمتلك العقار عند إتمام دفع الأقساط. إلا أن ما يؤخذ على هذا النظام في الأربعينات هو أن هذا الدعم لم يكن للجميع، بل فقط للجنس الأبيض من الأمريكان لأن السود وكأنهم لا يوثق بهم لسداد القروض. أي أن التمييز العنصري ليس صدفة أو عقيدة، بل هو نتاج تصرف الدولة في التمييز في الحقوق كما يقول فرجسون. وهكذا كما هو معلوم الرفض من السود لهذا الظلم فظهرت المظاهرات المطالبة بالمساواة في الستينات لهذا تغير التمييز العنصري بالتدريج، لدرجة أن الرئيس الأمريكي جورج بش طالب المجتمع بعد ستين سنة، أي عام ٢٠٠٢م ببناء ٥٥ مليون وحدة سكنية للأفراد من الأقليات. وبهذا فإن على المؤسسات التي تقرض الأموال للبناء عدم التشدد في الشروط لصرف القروض لدرجة أن بعض المقترضين برغم أنهم في وضع مالي غير مأمون، حصلوا على قروض هم ليسوا أهلاً لسدادها، حتى أن بعضهم تمادى وذهب للاقتراض لشراء منزل أكبر من قدرته المالية على السداد. هل رأيت القذف بالغيب من مكان بعيد؟ فهذا تراكم زاد عن مئة سنة ليصل إلى رئيس أمريكي يطلب من المجتمع توفير المساكن بأعداد هائلة. أي تحميل الاقتصاد عبئاً كبيراً بتوجيهه في اتجاه معين بتخفيض قيود الحصول على القروض لامتلاك المنازل في نظام رأسمالي يقفل أبواب التمكين. فهل هذا استثمار مناسب للمجتمع وذلك بدفع الأموال نحو بناء المساكن وليس صناعة الحواسب الآلية مثلاً أو استصلاح الأراضي وبالتالي فالمحصلة . هي انتشار العقارات كدين
على الناس؟
اشتد
ولكن لماذا لم تتردد البنوك في إقراض هؤلاء الضعفاء مالياً، وبالذات إن كانت نسب الفائدة مرتفعة ما سيضع الكثير من المقترضين في مأزق ما يؤدي إلى تباطئهم في سداد ما عليهم من ديون؟ والإجابات كثيرة إلا أن من أهمها التسنيد أو التوريق أو securitization، أي تحويل القروض المصرفية إلى أوراق مالية قابلة للتداول، أي التضمين أو التأمين على القروض وذلك ببيعها لآخرين. أي أن البنك المقرض لن يتحمل تبعات تخاذل المقترض عن السداد لأنه أحال الدين بيعاً لجهة أخرى. وهنا ملحوظة، وهي أن مثل هذه الكلمات: أي «التوريق» مثلاً لم توجد في النظام الاقتصادي الذي أتت به الشريعة، وهذا خير كثير لأن في تعميم معناها واستخدامها بلوى كما سترى بإذن الله (تذكر تسمية الأسماء من فصل «الديوان»). فبدل وضع البنوك لأموالها في المخاطرة، قامت ببيع الديون لجهات استثمارية أخرى. ففي العادة وقبل ظهور عملية التسنيد securitization هذه، كانت البنوك عندما تعطي القروض تمحص المتقدم للطلب للقرض وتتأكد من مقدرته على السداد. ولكن مع تمكن البنوك من بيع هذه الديون
١٤٥٢ 🗏
كانت
هي
لجهات أخرى (وهذا أمر لا تجيزه الشريعة كما سترى بإذن الله أصبحت البنوك جهات تنظم الإقراض بعد أن الجهة المقرضة. فقد بدأت البنوك بالإقراض ثم بيع هذه القروض لمؤسسات استثمارية أخرى مثل صناديق التحوط وشركات التأمين والبنوك في الدول الأخرى، فهذه البنوك الأخرى مثلاً كانت تأخذ أموال المستثمرين وتضعها في صناديق استثمارية ثم تتاجر بأموال الناس من خلال بيع هذه الديون. أي أن القروض تباع لآخرين مقابل ربح صغير (وهذه تختلف عن الإحالة في الشريعة كما سنرى بإذن الله). وقد سميت هذه القروض المباعة بـ collateralized debt obligation أي التزامات الديون المضمونة وما أعان على هذا الانتشار للديون بين البنوك العالمية لشراء العقارات هو ما قاما به كل من تاتشر وريجان من القذف بالغيب وذلك برفع القيود عن البنوك قدر المستطاع. فظهرت الابتكارات لبيع هذه القروض. وهكذا كانت هناك قناعة (والتي اتضح فيما بعد بأنها فاسدة) بأن الديون التي يصعب الحصول عليها هي ديون قليلة في مقدارها مقارنة بالقروض الكثيرة المضمونة، وبهذا انتشرت عمليات التسنيد هذه. ولأن البنوك تقوم بالإقراض ثم بيع هذه الديون لآخرين، فلم تكن بالحرص الكافي للتأكد . من مقدرة المقترض على سداد دينه. وهذه نقطة مهمة أخي القارئ ركز عليها: ذلك أن المتضرر في النهاية ليست الجهة الأولى المقرضة، بل جهات أخرى تستثمر في الدين. وبالطبع سيظهر الإهمال والتسيب في مثل هذه الحالات. وفي الوقت ذاته، ولأن الناس والشركات والبنوك كانت تثق بمقدرة البنوك الأمريكية في التمحيص للمقترض، فقد انتشرت عمليات شراء وبيع هذه الديون بين المتاجرين بها من بنوك وشركات داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا بدأت البنوك المقرضة (سعياً للمزيد من (الربح في تخفيف القيود على كل من أراد الاقتراض، وبدأت البنوك في التنافس في جذب المقترضين .
وما ساعد على بيع هذه الديون هو وجود المؤسسات أو الشركات المتخصصة في تمحيص جدارة المستدين على دفع ديونه كما مر بنا. فهذه الشركات المتخصصة تضع مستويات للمخاطرة والموثوقية، فالجهات أو المعاملات التي تحصل على تقدير عال مثل AAA هي جهات لا خطورة في شراء ديونها لأنها جهات ذات موثوقية عالية في مقدرتها على السداد. ولكن الذي حدث هو تقطيع الديون لأجزاء وضمها مع أجزاء أخرى، وعرض الجزء المضمون على هذه الشركات المقيمة والتي لم تتردد في وضع أعلى التقديرات لأنها هي أيضاً المستفيدة مالياً من تقويم هذه الأوراق المالية للقروض. ولأن الجميع يتاجر في مال الغير ويكسب، سواء كانت البنوك المقرضة أو المؤسسات المقيمة أو الوسيطة في البيع، فقد كان من مصلحة الجميع زيادة الربح بالمتاجرة في أموال الآخرين وذلك بزيادة
أعداد صفقات الاقتراض.
ولعل سر نجاح هذا النقل للقروض من أماكنها لآخرين في دول أخرى كما يقول نيل فيرجسون هو أن من اشترى هذه القروض كان يسكن في أماكن بعيدة، كالمستثمر النرويجي الذي اشترى القرض الذي كان على الأمريكي سداده في ديترويت مثلاً، أي أن المستثمر الذي اشترى الدين جهل حقيقة هذا المقترض. لهذا، فما كان
هامش
ت) مسألة أخرى، إن رى، إن تقديم منح التمويل عادة مسألة من اختصاص الولايات المتحدة الأمريكية في الاستثمار في قطاع واحد (ألا وهو البنوك ومؤسسات التمويل والذي عادة ما يتم داخل البنوك نفسها، أما العقار) وبمبالغ ضخمة وصلت إلى ما يعادل ضعف الناتج المحلي ترتيب الاستثمار فهو من اختصاص بنوك أخرى أو شركات الاستثمار الإجمالي الأمريكي، أي ٢٤ تريليون دولار وبالتركيز على شركتين والذي عادة ما يتم في أسواق الأوراق المالية. وهذا تفريق مهم لأن ماليتين هما: فاني ماي وفريدي ماك) إذ وصل مجموع الائتمان بهما إلى
التوسع في التمويل العقاري أدخل جزءاً كبيراً من القطاع المالي في %٤٥% من مجموع الدين العقاري. ومع انهيارهما بدأ انهار السوق.
١٢ الفصل والوصل
١٤٥٣
من البنوك إلا البحث عن والذهاب إلى من يملكون فائضاً بسيطاً من المال حول العالم ويودون استثماره لآجال بعيدة أو قريبة ودون الولوج في أعمال أو شراكات إنتاجية ذات مخاطر. وهذه المعادلة بالطبع صحيحة وبالتالي لن يخسر أحد بشرطين: الأول هو بقاء معدلات الفائدة منخفضة، والثاني هو عدم فقدان المقترضين لأعمالهم. هكذا كانت البيئة ملائمة لهذه الاستثمارات التي لم يكن ليخطر على بال أحد من الناس أن السوق سينهار. ولكن الذي حدث هو العكس، فلم يتمكن البعض من سداد قروضهم، فسحبت منهم منازلهم وأعيدت للبنك الذي عرضها للبيع مرة أخرى. هكذا رويداً رويداً كثرت المساكن المعروضة للبيع، فزاد العرض عن الطلب، فانخفضت أسعار المساكن. ففي مدينة ديترويت لوحدها مثلاً، وفي سنة ٢٠٠٦م ضخت المؤسسات المقرضة بليون دولار لإنقاذ مساكن الأحياء التي كانت تنخفض أسعارها بسبب زيادة المعروض من المنازل، وبزيادة المعروض تهاوت الأسعار، بينما البطالة وأسعار الفائدة في ارتفاع. وهكذا تبعتها المدن الأخرى. وما هذا إلا لأن القناعة كانت بأن العقار سيظل في ارتفاع باستمرار فكانت المؤسسات تلبي طلب كل مقترض لشراء منزل دون تمحيص تاريخه المالي ومقدراته المالية. ففي ممفس بولاية تنسي، كما في معظم المدن الأمريكية، بدأت المؤسسات المقرضة بسحب المنازل من هؤلاء الذين لم يتمكنوا من السداد ووضعتها في المزاد العلني. فقد وضع منزل من كل أربعة منازل بين عامي ٢٠٠٩م في المزاد العلني. هكذا بدأت الفوضى في أوائل سنة ۲۰۰٧م وخسر الكثير من المستثمرين الكثير من المال كما هو معلوم للجميع. فعلى سبيل المثال: فقدت أربع بلديات لضواح نرويجية (كانت قد استثمرت معاشات تقاعد سكانها في هذه القروض ما مقداره ۸٥٪ من أموالها المستثمرة. هكذا تعلم العالم بأن العقارات ليست دائماً في صعود. ففي اليابان مثلاً بين عامي ١٩٨٥ و ١٩٩٠م تضاعفت أسعار العقارات ثلاث مرات، فهرعت البنوك لركوب هذه الموجة، إلا أن هذا الارتفاع لم يكن لموجة يستطيع ركوبها الجميع، بل كان فقاعة، فقد هبطت الأسعار في طوكيو بنسبة %٧٥ عام ۱۹۹۰م. أي أن تمليك الناس للعقارات كنظرية اجتماعية قد فشلت تماماً كما
۰۹ - ۲۰۰۱
يقول فرجسون.
وهنا للتذكير ، لابد من المقارنة بالشريعة : فإن طبقت مقصوصة الحقوق فلن توجد قط فكرة الرهن العقاري، ذلك أن نظام الإحياء (كما مر بنا) بحركياته المختلفة التي تحث الناس على الامتلاك ستوجد مجتمعاً يكثر فيه ملاك المساكن دونما اقتراض. فلا وجود لإشكالية الإسكان أصلاً لتصبح ملكيات المساكن أوراقاً تتداول في أسواق المال لتنهار الأسواق. فلن يظهر اسم الرهن العقاري» بأنظمته كمستوى من الظلم يؤدي لشبك المستثمرين في كافة أنحاء العالم. لقد سأل فرجسون سؤالاً محورياً كالآتي: ما الذي سيحدث للمؤسسات المالية، وفي مقدمتها البنوك التي وضعت العقارات الهشة وكأنها استثمارات مضمونة في قمة هرمها الائتماني المقلوب؟ فعندما ينهار سوق العقار، سينهار الهرم المقلوب لأن الرأس الأكبر في قاعدته قد انهار. لهذا تنهار الأسواق المالية لأن البنوك في انهيار لأن القروض الإسكانية في انهيار. فعندما يبيع المستثمرون، أو بالأحرى يتخلص المستثمرون من أسهم المؤسسات المتورطة في هذه الاستثمارات، ينهار السوق. هل رأيت هذا التشابك المقيت للمؤسسات المالية؟ إنه مستوى واضح من الظلم. ولكن أين البنوك المركزية أو المصارف المركزية أو وزارات المالية من كل هذا؟ ألا تتدخل لإنقاذ
الوضع؟
١٤٥٤
البنك المركزي
🗏
لقد جرت العادة في الدول الرأسمالية أن يقوم البنك المركزي بالسيطرة على السيولة النقدية، وهذا يوثر في
ث
معدلات الفائدة. فإن أراد البنك المركزي زيادة الاستثمار والاستهلاك فسيزيد السيولة النقدية فيكثر المعروض من المال فتنخفض معدلات الفائدة. وبالعكس، إن أراد البنك المركزي تلافي التضخم بالحد من معدلات الاستثمار فسيحد من مقدار السيولة النقدية فترتفع أسعار الفائدة. أما إن ثبت البنك المركزي (وهذا نادر الحدوث) السيولة النقدية فإن الطلب المتزايد على النقد سيؤدي لرفع نسبة الفائدة، والعكس صحيح فانخفاض الطلب على النقد وبالتالي القروض سيؤدي إلى خفض نسبة الفائدة.
يعد البنك المركزي في الولايات المتحدة الأمريكية من أفضل الأمثلة لدراسة تأثير البنوك المركزية على عجلة الاقتصاد. فالبنك المركزي الأمريكي أو ما يعرف بـ الفذ Fed، هو جهة ليست حكومية بالكامل وليست خاصة أيضاً، فبدل إقامة بنك مركزي واحد، فقد قررت الحكومة الأمريكية إيجاد جهاز لا مركزي يحتفظ بالنقد الحكومي والنقد التجاري كاحتياطي للبنوك التجارية لإيجاد الثقة في السيولة بين الناس والدولة. فالأموال التي تحصل عليها الحكومة من الضرائب ومن بيع السندات تودع جميعها في البنك المركزي في حساب تابع للخزانة الأمريكية، والخزانة الأمريكية هي بمثابة وزارة المالية في الدول الأخرى.
خ
يهدف البنك المركزي لاستحداث نمو اقتصادي مع المحافظة على مستوى الأسعار مع أقل بطالة ممكنة (تذكر ما مر بنا عن الظلم بسبب محاولة الدول السيطرة على الاقتصاد عند التشبيه بالمعزوفة الموسيقية). وللوصول لهذا الهدف (وبالإضافة للـ «استبداد» الذي مر بنا سابقاً) فإن للبنك المركزي وسيلتين: إحداهما انكماشي في أهدافه لإيقاف ارتفاع الأسعار، والآخر توسعي لخفض معدلات البطالة وزيادة النمو الاقتصادي. فأعلى ما يستطيعه البنك المركزي هو السيطرة على السيولة المالية وذلك من خلال خفض أو رفع الاحتياطي المخصص للإقراض في البنوك، أي خفض أو رفع الاحتياطي الزائد excess reserves، وهذا بالطبع سيؤثر في الأموال المخصصة للإقراض، فتتأثر نسب الفوائد الربوية وهذا يؤثر في الطلب الكلي من خلال تغير مستويات الاستهلاك والاستثمار والتصدير. وبتغير مستويات الطلب الكلي يتغير كل من الإنتاج المحلي والتضخم والبطالة.
وللتوضيح بمثال مشهور عند الاقتصاديين تخيل أن الاقتصاد عربة يقودها شاب لا يجيد القيادة لأنه في طور التدريب بالإضافة إلى تهوره. فإن دعس الشاب على دواسة البنزين فإن الاقتصاد سينمو، وإن دعس أكثر وللأخير فإن التضخم سيظهر. وإن رفض الشاب الدعس على دواسة البنزين فإن الاقتصاد سينكمش. ولنقل بأن رجلاً مسناً وكأنه البنك المركزي وضعيف البصر ويجلس بجانب هذا الشاب إلا أنه ذو خبرة عالية في القيادة، وهذا هو حال البنك المركزي، فهو لا يستطيع أن يرى مجمل النشاطات الاقتصادية إلا من خلال مؤشرات برغم خبرته الكبيرة، أي أنه ضعيف البصر. ولنقل بأن هذا الرجل يحاول تعليم هذا الشاب القيادة، وكذا يفعل البنك المركزي مع الاقتصاد بمحاولة توجيهه كما هي حال سيارات التعليم للقيادة، فهي مزودة بكابح للمدرس الذي يجلس بجانب الشاب. والآن السؤال هو: كيف يستطيع المدرس التأثير في الشاب؟ بالطبع ستكون الإجابة فقط عن طريق النصح إليه لتحسين أدائه وعن طريق الدعس على المكابح لتلافي وقوع الحوادث إن أخطأ الشاب التصرف. وهكذا
١٢ الفصل والوصل
١٤٥٥
عموم
الناس،
البنك المركزي، فهو يؤثر في الاقتصاد بالضغط على نسب الفائدة برفعها أو خفضها وبالتحدث إلى فعند ظهور نمو اقتصادي فإن البنك يرفع نسبة الفائدة تدريجياً ويحذر الناس من التضخم. أما إن ظهر التضخم فإن البنك قد يدعس على المكابح كما يفعل مدرب السيارة لتلافي الخطر ، أي يرفع نسبة الفائدة فتُسحب الأموال فتقل السيولة وتتم السيطرة على الاقتصاد مرة أخرى بهذا الدعس. أما في حالات الكساد الاقتصادي فإن أفضل ما يستطيع البنك المركزي عمله هو رفع رجله عن المكابح، أي خفض نسب الفائدة وحث الشاب على الدعس على دواسة البنزين، أي حث الناس على الاستثمار . أي أن ما باستطاعة البنك المركزي فعله هو كبح التضخم أو حث الناس على الاستثمار. وكما مر بنا فإن كبح التضخم يكون برفع نسبة الاحتياطي المطلوب في البنوك، أي رفع نسبة الأموال التي لا تستطيع البنوك إقراضها. إلا أن الإشكالية في السيطرة على الاحتياطي المطلوب هي أنها رقم يسهل تخفيضه ويصعب رفعه. فإن تم تخفيضه فإن البنوك ستهرول لإقراض الفائض بعد التخفيض، أما إن تم رفعه في
.
فترات التضخم فإن البنوك قد تقع في إشكالية لعدم توفر السيولة لأن الأموال المودعة قد أقرضت في معظمها. لهذا ستجد البنوك نفسها في إشكالية للاستجابة لمتطلبات البنك المركزي، فتسعى جميع البنوك لحبس سيولتها فتشح السيولة في الاقتصاد. لهذا فمن المنطق إن أراد البنك المركزي زيادة هذه النسبة أن يقوم بذلك في فترات الكساد، ذلك أن البنوك تتمتع بسيولة أعلى، إلا أن هذا الرفع قد يؤدي للمزيد من الكساد. هل رأيت المأزق الذي أوجده ذ العقل القاصر ؟
إن عبارة discount rate تعني في قواميس البنوك معدل الفائدة الذي يتقاضاه البنك المركزي على قرض يمنحه لبنك تجاري في الليلة الواحدة. وبالطبع، فإن رفع هذه النسبة سيؤدي إلى إحجام البنوك عن الاقتراض، وفي النقيض، فإن في تخفيضها حث للبنوك للاقتراض لإقراضها للمستثمرين. لهذا فإن أراد البنك المركزي خفض التضخم فإن سلاحه يكمن في رفع الفائدة عندها ستحجم البنوك عن الاقتراض وعندها ستتمسك البنوك بالاحتياطي الزائد excess reserves لديها وتتردد في إقراضه، فتشح السيولة فترتفع أسعار فائدة الإقراض للمستثمرين فينخفض الاستهلاك المحلي وبالتالي ينخفض التصدير أيضاً، وهكذا حتى ينخفض الطلب الكلي وترتفع البطالة مع توقف أو
انخفاض التضخم.
هامش
ث) يقول فرجسون في وصف ظهور الاقتصاد الحديث: إن تأسيس له ويتأكد من تطبيقها للأنظمة والقوانين. ويسيطر على سياسة البنك البنوك القومية (أو المركزية بالتعبير المعاصر) ، هي الأساس العقلاني فريق مقره العاصمة واشنطن. وهذا الفريق مشكل من القطاعين للتغيير الجذري في الاقتصاد، ذلك أن هذه البنوك جمعت الأموال العام والخاص.
الصغيرة من الكثير من الناس لتستثمر بطريقة كبيرة كإنشاء (ذ يقول شابرا في استحالة السيطرة على الاقتصاد في كتابه: نحو نظام الأساطيل التجارية التي تعبر أعالي البحار للقارات الأخرى، وهكذا نقدي عادل (صـ ١٦٥) : « كذلك فإن معدل الفائدة يفسد عمل حتى قويت شوكة الدول وأوجدت الجيوش والأساطيل لتستعمر السياسة النقدية. فالمصرف المركزي يمكنه إما أن يراقب معدلات الأقاليم الأخرى. ولعل شركة الهند الشرقية الهولندية التي أنشئت الفائدة أو رصيد النقود ( الكتلة النقدية). فإذا حاول تثبيت معدلات سنة ١٦٠٢م مثال على هذا فهي أول شركة أوجدت لنفسها المرافئ الفائدة فقد السيطرة على عرض النقود. وإذا ما حاول تحقيق نمو والقلاع في معظم أرجاء المعمورة. وبالطبع كما سترى بإذن الله فإن معين في عرض النقود صارت معدلات الفائدة، وخاصة المعدلات القصيرة الأجل، متقلبة جداً. وقد أوضحت التجربة أنه من المستحيل
هذا الوضع ليس بصحيح.
خ) والبنك المركزي له اثنا عشر مركزاً، كل مركز يقع في إقليم مختلف تنظيم هذين العنصرين بطريقة متوازنة يمكن معها السيطرة على ويتمتع بنفس صلاحيات بنوك الأقاليم الأخرى ويعمل وكأنه بنك التضخم، دون أن يضر ذلك بالاستثمار». للبنوك التجارية في نفس الإقليم ويسيطر على أداء هذه البنوك التابعة
١٤٥٦ 🗏
. هكذا وبمرور
إن من أهم الاشكاليات التي يواجهها البنك المركزي والحكومة باستمرار هو محاولة الإجابة على السؤال: ما العمل تجاه ما يحدث من تغير في الاقتصاد؟ وكما مر بنا فإن هناك مدرستين مختلفتين هما المدرسة التقليدية التي ترفض تدخل الدولة والتي تجددت على يد فردمان، وفي المقابل المدرسة الكينزية التي تنادي بتدخل الدولة. وبالطبع فإن المدرسة الكينزية هي التي تروق لمتخذي القرار. فعندما ترتفع البطالة تتدخل الدولة بالمزيد من الإنفاق، وعندما يصبح التضخم إشكالية فإن على الدولة رفع سعر الفائدة. ولكن كما مر بنا، فإن الإنفاق لخفض البطالة سيزيد التضخم. فما العمل إذاً؟ الإجابة هي أن ما تدعو إليه المدرسة التقليدية التي أوجدها آدم سميث، هو التوقف عن فعل أي شيء، وترك الأمور لقوى السوق. وهذا موقف لا يرضاه المسؤولون لأنه يقول لهم فقط راقبوا ما يحدث. لا تفعلوا شيئاً لأن كل الأمور ستحل كما حلت من قبل. وهذا موقف يصعب تقبله أيضاً من عموم الناس الذين يعانون من البطالة أو التضخم. فهم يريدون حراكاً يشعرهم بأن هناك بصيص أمل. لهذا فإن المدرسة الكينزية كانت بلسماً للسياسيين للتدخل في الاقتصاد. فقد أعطتهم الذريعة للتدخل لإنقاذ الوضع. الزمن تدخلت الدول أكثر فأكثر. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً ازداد تدخل الحكومة من الثلاثينات من القرن الماضي ليبلغ مداه في السبعينات. فقد كان التدخل من خلال المزيد من الأنظمة والقوانين والسيطرة على الأسعار والدعم لبعض القطاعات. هكذا ابتعدت المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية عن واقع التطبيق تماماً، لهذا ولكي تعود هذه المدرسة للحياة الاقتصادية لابد من إعادة إحيائها في ثوب آخر، إذ أنه لا يعقل أن يتقبل عموم الناس ولا حتى السياسيون وجهة النظر التي تقول : لا تفعل شيء، فقط انتظر قوى السوق لحل الإشكاليات الاقتصادية. وقد جاء التجديد من فردمان والذي جدد المدرسة التقليدية بالتركيز على سياسات جانب العرض الكلي والتي تتلخص في أن الاقتصاد سيكون أحسن حالاً بتخفيف الحواجز لإنتاج السلع والخدمات مثل تخفيض الضرائب وتحرير الأسواق وتعويم الأسعار وتخفيض الدعم الحكومي وتخفيف أو إلغاء القوانين كقوانين حماية البيئة. وبهذا يزداد الإنتاج فتنخفض الأسعار. أي أن السياسيين الآن لديهم آلة للتدخل برفض التدخل الذي قام به السابقون. فجاء الرئيس الأمريكي ريجان وطبق هذه الأفكار. وبهذا فقدت اتحادات العمال الكثير من قوتها. فلا زلت أذكر جيداً الجدل الكبير الذي حدث أثناء دراستي عندما اتحد مراقبو الطائرات air traffic controllers وقاموا
بإضراب لرفع أجورهم سنة ۱۹۸۱م ، فأنذرهم الرئيس ريجان للعودة للعمل وإلا الفصل. فرفض حوالي أحد عشر ألف موظف العودة إلا بأجور أعلى، فما كان من الرئيس إلا أن فصلهم جميعاً. وهذه كانت رسالة واضحة لجميع الاتحادات العمالية بأن زمن التكتل وفرض السيطرة بالتهديد بالإضراب قد ولى لغير رجعة، وبالذات مع بدء انتشار أفكار العولمة التي أتاحت لرؤوس الأموال التنقل بين الدول بحرية أكبر. فلا مجال للعمال بالتهديد بإيقاف العمل لأن أصحاب المصانع قد ينقلون مصانعهم لدول أخرى بعمالة أقل سعراً. وبهذا ترنحت الصناعات الأمريكية التي كانت تعتمد على الدولة وأنظمتها لحمايتها كصناعة السيارات التي كان عليها أن تنافس السيارات اليابانية والأوروبية المستوردة.
وكان مما نادى به الرئيس الأمريكي ريجان أو ريجين متأثراً بأفكار ،فردمان، أن تخفيض الضرائب سيؤدي للمزيد من النمو الاقتصادي ذلك أن الناس عندما يزدادون مالاً فسيزدادون استهلاكاً وادخاراً ما يؤدي للمزيد من الاستثمار وللمزيد من العمالة وبالتالي للمزيد من الإنتاج الكلي فتنخفض الأسعار بكثرة الإنتاج. هذا المبدأ الذي ينص على أن خفض الضرائب سيؤدي لرفع الطلب الكلى كان معلوماً للمدرسة الكينزية، إلا أن الجديد هو التركيز
١٤٥٧
١٢ الفصل والوصل
على فكرة أن زيادة العرض الكلي ستؤدي للمزيد من الإنتاج ما يزيد الإنتاج القومي. لذا فإن الرئيس ريجان الأخرق اقترح خفض الضرائب ولكن في الوقت ذاته، وحتى تبقى الولايات المتحدة الأمريكية دولة قوية، اقترح زيادة الإنفاق العسكري. فحار الناس بالسؤال: من أين يأتي المال للإنفاق العسكري بينما الضرائب في تنازل؟ وكانت إجابته دائماً . هي أن خفض الضرائب سيزيد الإنتاج القومي ما يؤدي لجمع الكثير من الضرائب لأن الإنتاج سيكثر برغم خفض الضرائب. أي أن القاعدة الاقتصادية ستتسع فيزداد دخل الدولة من الضرائب برغم انخفاض نسبته. إلا أن هذا لم يحدث، فدخلت الولايات المتحدة الأمريكية نفق الاستدانة لأن نفقات الدولة زادت عما تجنيه من ضرائب. ولكن لماذا لم يحدث ما توقعه ريجان؟
ض
هي
لقد كانت الفكرة المسيطرة في الثمانينات من القرن المنصرم تدور حول ما يُعرف اقتصادياً بمنحنى لافر Laffer curve. أو بالأصح منحنى لافر خلدون كما يقر بذلك بعض الغربيين " ومنطق فكرة المنحنى يتضح من التضاد الآتي: إن فرضت الدولة الضرائب بنسبة مئة في المئة، أي أنها تأخذ كل ما ينتجه الفرد كضرائب، فإن هذا الفرد لن يعمل أبداً لأنه لا حافز لديه لينتج، وبهذا يتوقف الاقتصاد تماماً وسيكون محصول الضرائب صفراً. وفي النقيض: إن كانت الضرائب صفراً، فإن الشركة أو الفرد سيجتهد وينتج لأقصى مدى ممكن وبهذا يزداد مجموع الإنتاج الكلي لأقصى مدى إلا أن محصول الدولة من الضرائب سيكون صفراً. لذا فلابد وأن تكون هناك نقطة بين الحالتين يكون فيها محصول الضرائب أعلى ما يكون، فما هي هذه النقطة ؟ هذه العلاقة التي كان الاقتصادي لافر Laffer قد أثارها في السبعينات، فأصبحت محوراً للقرارات الاقتصادية في عهد الرئيس ريجان. أي أن هناك نسبة مئوية للضرائب وبعدها سيقل نصيب الدولة من الضرائب بسبب نقصان الإنتاج الكلي بسبب إعراض الناس عن المثابرة في الإنتاج. لذا كان النقاش منصباً حول السؤال: ما هو أقصى ما يمكن أن تأخذه الدولة من الشرائح المختلفة من الناس كضرائب دون أن يفقدوا الهمة الدافعة للعمل والإنتاج فيؤثر هذا في مجموع محصول الضرائب؟ لقد فشل هذا المنحنى أيما فشل في عهد الرئيس ريجان الذي أخذ به وطبقه، ذلك أن الضرائب كانت قد خُفضت في وقت رفعت فيه الحكومة نفقاتها توقعاً لإنتاج كلي أعلى، وهكذا تراكم الدين على الحكومة دون أن يرتفع الإنتاج الكلي. فهل يعقل إذا أن يكون منطق منحنى لافر خاطئاً؟
أي أن السؤال هو: لماذا لم يزدد الإنتاج القومي كما كان متوقعاً للرئيس الأمريكي ريجان ومستشاريه برغم تخفيض الضرائب؟ تأتي الإجابة من اقتصاديي العالم الغربي، فهم قد عللوا عدم زيادة الإنتاج بأن للمنحنى طرفين، الأيمن وهو عندما تكون الضرائب المفروضة أعلى ما يكون (أي ۱۰۰٪) واليسرى عندما تكون صفراً. فإن تصورت المنحنى وكأنه سنام جمل، فإن على متخذي القرارات تحديد موقع المجتمع الاقتصادي في المنحنى أولاً ثم التطبيق، وليس التطبيق مباشرة دون تحديد الموقع. وقد كان موقع الولايات المتحدة الأمريكية في الجزء الأيمن من
هامش
ض) إن أول من وضع منطق هذا المنحنى هو عالم الاجتماع المسلم المنحنى هو أنه منحنى عكسي على شكل متقعر يمثل الإيرادات من ابن خلدون ولكن دون رسم المنحنى، إلا أن لافر Laffer هو الذي الضرائب كدالة لمعدل الضريبة. ركز عليه في عمله. وقد كان لافر هذا يعمل مستشاراً اقتصادياً مع (ظ) ولكن هنالك من يعارض فكرة أن الإنتاج القومي لم يزدد. فهذا الرئيس ريجان. وكما مر بنا في فصول سابقة فإن منطق المنحنى يظهر ملتون فردمان مثلاً يعزو سبب النمو الاقتصادي في عهد الرئيس من خطاب الخليفة علي كرم الله وجهه بوضوح من توصية الخليفة إلى الأمريكي كلنتون إلى تخفيض الضرائب أيام الرئيس الأمريكي عامله الأشتر كما جاء في نهج البلاغة واقتصاديا، فإن تعريف ريجان.
١٤٥٨ 🗏
ظ
المنحى (أو الجزء الأيمن من سنام الجمل). أما النمو الاقتصادي اليسير الذي وقع في الثمانينات فهو ليس بسبب السياسات التي استهدفت زيادة العرض الكلي، بل بسبب تمكن رئيس البنك المركزي آنذاك من تخفيض التضخم. ولكن السؤال لازال: لماذا لم يستثمر الناس برغم خفض الضرائب؟ والإجابة هي: يستحيل أن تنقل مجتمعاً فجأة من سلوك مبني على توقع متذبذب لمستوى الضرائب إلى سلوك يثق بأن الضرائب لن تزداد مستقبلاً. فقد يذهب الرئيس ريجان ويأتي آخر بسياسات أخرى، أو حتى أن ريجان قد يغير سياسته. أي أن الناس لا يضمنون ما قد يقع على رؤوسهم من ضرائب مستقبلاً، لهذا فهم سيترددون في استثمار ما لم تأخذه الدولة كضرائب. فهي فرصة لهم لادخاره تحسباً للمستقبل الذي قد يتغير، وكذلك المستثمرون، فلن يخاطروا باحتمالية أن الضرائب لن ترتفع، بل سينتظرون. وهذا بالطبع لن يقع إن طبقت مقصوصة الحقوق، لأنه لا يحق لكائن من كان استحداث أي ضرائب إلا الزكاة كما مر بنا في الفصول السابقة، فيثق الناس بالنظام الاقتصادي الثابت فينمو الاقتصاد ليبقى منتعشاً على الدوام. هذه نقطة تفصيلية مهمة أرجو أن تلتفت إليها أخي القارئ.
منهم
ولعل من الأسباب التي أدت لفشل توقعات الاقتصاديين أيام ريجان بالاعتماد على المنحنى هـو أن المنحنى يربط منطقياً فقط بين نسبة الضرائب وبين ما يدفع الأفراد للاستثمار من إجمالي العرض. وبالطبع فإن المسألة ليست بهذه البساطة كما يقول الاقتصاديون. فالمالية العامة أو دراسة قرارات الحكومة بفرض الضرائب والإنفاق مسألة أعقد، ذلك أنها تتفاعل مع ظروف ومعطيات متداخلة يصعب فهم تعقيداتها. ولا أدل على ذلك من نتائج الأبحاث المتضاربة. فبعد دراسة تمت سنة ١٩٩٥م توقع بول بيكورينو Paul Pecorino أن يكون الحد الأعلى للضرائب ٦٥% ، وإن زادت فإن الضرائب ستكون سالبة على الاقتصاد لعزوف المستثمرين عن العمل ما يقلل الوعاء الضريبي. ثم في عام ۱۹۹٦م وبعد مقارنة الضرائب مع الإنتاج القومي الكلي في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي ١٩٥٩ و ١٩٩١م توصل هسنج Y. Hsing إلى أن مستوى الضرائب الأمثل هو ما بين ٣٢,٦٧٪ و ٣٥,٢١٪. ثم في عام ١٩٨١م ظهر بحث يفيد أن الحد الأقصى للضرائب دون الإضرار بالاقتصاد في السويد كان في حدود ٧٠٪. وفي عام ٢٠٠٧م ظهر بحث يفيد أن الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى دون التأثير في الاقتصاد هي ٢٦٪ في أوائل القرن الحالي بعد أن كانت ٣٤٪ في الثمانينات من القرن الماضي. أخي، إن تأملت الأرقام لاستنتجت أنهم يحاولون بغباء فهم ما يجري داخل اقتصادهم. فهم يحللون ما سبق من أرقام عن الضرائب للوصول للنتائج، فهل في هذه الأرقام المتفاوتة التي وصلوا إليها والتي تقفز من ٢٦ إلى ٧٠ أي مؤشر يعين المسؤولين على اتخاذ القرارات؟ إنهم يقذفون بالغيب ولكن ليس من مكان بعيد، بل من مكان قريب أو حتى من زمن ماض، ومع ذلك يخطئون، فما بالك بالقذف بالغيب من مكان بعيد ؟ إنه قصور العقل الذي سحب وسيسحب البشر إلى فساد لا محالة . لقد انتبه العلماء المسلمون لأهمية هذه العلاقة بين تعظيم دخل الدولة وبين عزوف الناس عن العمل، فمن ذلك ما قاله مثلاً العز بن عبد السلام في فرض الجباية على التجار من بلاد غير المسلمين: قال رحمه الله: «فإن قيل: لم منعتم الزيادة على العشر في أموال الكفار، وقلتم : لا تؤخذ في السنة إلا مرة واحدة؟ قلنا: لأنا لو خالفنا ذلك لزهدوا في التجارة إلى بلادنا وانقطع ارتفاع [أي انتفاع المسلمين بالعشور، وبما يجلبونه مما يحتاج إليه من أموال التجارة والأقوات وغير ذلك». وقال ابن خلدون: «إذا قلت الوزائع والوظائف [أي التكاليف المالية] على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه، فيكثر الاعتمار». ويقول في موضع آخر من مقدمته ناقداً سياسة زيادة الضرائب:
۲۳
١٢ الفصل والوصل
١٤٥٩
وربما يزيدون [أي الدولة] في مقدار الوظائف [أي الضرائب ] إذا رأوا ذلك النقص في الجباية، ويحسبونه جبراً لما نقص، فلا تزال الجملة [أي الحصيلة للضرائب في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه من جبر الجملة بها، إلى أن ينتقص العمران بذهاب الآمال من الاعتمار ويعود وبال ذلك على الدولة».٢٤
انهيار الأسواق
لعلك تقول: لماذا كل هذا الوصف؟ فأجيب: أريدك أخي أن تتذوق بهذا الوصف التشابك المالي الذي يشل الاقتصاد كل فترة وأخرى بانهيار الأسواق من جهة، ويهدر أموال الناس بالسندات والأسهم والضرائب من جهة أخرى مؤدياً بذلك لإيجاد مستويات من الظلم كعراقيل في وجه كل مبادر للإنتاج. فالسندات والأسهم هي من الأمثلة القوية على وصل الناس بعضهم ببعض فيما ليس له داع ما يؤدي لتقييد الناس وللهدر دونما إنتاج فعلي. ولا أدل على ذلك من انهيار الأسواق لأنها متصلة فيما بينها بطريقة سلبية متماسكة. وكل سوق يؤثر ويتأثر بالأسواق الأخرى لأن البنوك هي وحداتها الأساسية. وكأن الاقتصاد جدار وحدات تكوينها البنوك والشركات المتماسكة بطريقة لا يستطيع أحد المرور من خلالها من عالم الفقر إلى عالم التمكين إلا إن كان من أصحاب رؤوس الأموال أو كان من المتنفذين. وهذا الجدار مستوى عال من الظلم. فالبنوك بعد الإقراض للشركات مثلاً تؤدي للوصل بين الشركات المربوطة بشركات أخرى وكأن العملية الإنتاجية برغم أنها من صنع الشركات التي تمولها البنوك، إلا وكأنها جدار قائم في وجه الأفراد للانطلاق، وبهذا يتم قفل الأبواب أمام الأفراد للمشاركة في العملية الإنتاجية فتضمحل المبادرات فتصغر القاعدة الإنتاجية الكبيرة من الابتكارات بينما الشركات محبوسة داخل ما تنتجه أو تبتكره، وبهذا يقل الإنتاج لأن القاعدة الإنتاجية أصغر مقارنة بما كان يمكن أن يحدث إن طبقت الشريعة. أي أن النظم الرأسمالية التي تقسم المجتمع الإنتاجي إلى طبقات طبقة عاملة وأخرى مستثمرة وثالثة باحثة ورابعة مبتكرة وهكذا قد قزمت المبادرات والابتكارات والإبداع من جميع العاملين إلى فئات من الناس، وفي هذا ظلم واضح على الناس وتقليص للإنتاج نوعاً وكما.
ومن جهة ثانية، فإن في غرس ثقة اتخاذ القرارات في سلطة الدولة مخاطرتين : إحداهما احتمال ظهور الخطأ الذي إن وقع فإن تأثيره فادح لأنه سيقع على جميع المجتمع، والأخرى هي احتمال سوء استخدام هذه الثقة لأن فيها مزج بين السلطة والمال ما يؤدي لانهيار الأسواق. كيف؟
عندما تصعد أو تهبط أسعار الأسهم، فهي وكأنها تشير إلى هلع الناس الذين يتصرفون كالقطيع. لقد كانت شركة إنرون مثلاً التي تحدثنا عنها في فصل «القذف بالغيب » أكبر فقاعة معاصرة سرقت أموال الناس في مشروعها المزعوم بنقل الغاز. فقد أقبل الناس على شراء أسهمها لأن الشركة وضعت خططاً مستقبلية باهرة سحبت أموال الناس. فكيف حدث هذا؟ لننظر للتاريخ أولاً:
إن العجيب هو أن الناس لا يتعلمون من التاريخ المالي للأسواق فهم سريعو النسيان، وهذه حقيقة تخدم الرأسمالية مع الأسف. ففي فينيسيا بإيطاليا قصة جون لو (المتوفي سنة ۱۷۲۹م). فهو أول من أوجد الفقاعة المالية في الأسواق. فهو رجل إسكتلندي اتهم بالقتل من أجل امرأة في إدنبرة، وهو رجل مقامر من الدرجة الأولى، ومع
١٤٦٠ 🗏
هذا أصبح امبراطور الأسواق المالية للحكومة الفرنسية. فهو من أثار الثورة الفرنسية كما يقول البعض. لقد ملك جون لو ما يقارب حالياً ربع الولايات المتحدة الأمريكية. لقد كانت خطة جون لو هي إعادة هيكلة الاقتصاد الفرنسي من خلال بيع الأسهم لشركة أسسها هو ألا وهي شركة المسيسبي. إلا أن المساهمين سرعان ما أدركوا أن نشاطات الشركة لا تغطي صيتها الذائع فانهارت الأسهم. ومع هذا فإن هذا الانهيار برغم شهرته لأنه الأول في التاريخ لا يقارن بالانهيار الذي بدأ يوم الخميس ٢٤ أكتوبر من عام ۱۹۲۹م. لقد خسرت الأسواق الأمريكية آنذاك وخلال ثلاث سنوات ما يقدر بـ ٨٦% من قيمتها. وقد تزامن هذا مع الكساد الاقتصادي الذي ضرب الغرب. لقد هبط الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك بمقدار الثلث، أما البطالة فقد طالت ربع الأيدي العاملة. فلماذا وقع هذا الانهيار للأسواق المالية؟
إن هذا السؤال هو الذي طالما بحثه الاقتصاديون (حتى لا يقعوا في مثله مستقبلاً) ولكن دون جدوى لاختلاف آرائهم، أو بالأصح : لقصور عقولهم . فهناك نظرية سيكولوجية القطيع، أو سلوكيات القطيع. وقد لخصها ألن جرين سبان بالقول بأنها «الحماسة exuberance اللامعقولة». فعندما يحول القطيع اتجاهه لا لسبب جوهري، بل لأي . سبب مثل تغير اتجاه الرياح، فإن مزاجه سيتغير ويهوج . فقد يصيب أحد الثيران الذعر، فينتقل الذعر للآخر وللآخر، وهكذا يهوج القطيع دون مسبب للذعر. فالذعر يفوق كل تفكير عقلي. هكذا المستثمرون أحياناً، يهوجون فيبدأون في بيع الأسهم والسندات لتتجمع الأموال عند أصحابها دونما استثمار، فتبقى الأيدي العاملة بلا عمل، وتبقى الخيرات في الأرض دون استغلال، فيظهر الفقر. وبالطبع ما حدث هذا إلا لأن المجتمع الاقتصادي مقسوم إلى عامل ومستثمر. وهذا لن يقع إن طبقت الشريعة لأن المجتمع غير مقسوم.
لقد وقعت سبعة انهيارات مالية في القرن الماضي للأسواق المالية في السنوات: ۱۹۱۷، ۱۹۲۰، ۱۹۲۹، ۱۹۳۱، 1933، 1937، 1974، ۱۹87 ، ومن الأسباب المهمة لهذه الانهيارات هو أن بعض الشركات تخفي وتدلس حساباتها برغم خسارتها. فقد كانت شركة المسيسبي التي أنشأها جون لو تخفي الخسائر وتظهرها على أنها مكاسب، وكان هذا قبل انهيار شركة إنرون للطاقة ٢٨٠ سنة. ب ة. ومع تطور علم المحاسبة كان على شركة إنرون اختراع الكثير من الحيل لإخفاء ديونها لتظهر وكأنها شركة رابحة، فتطلب هذا المزيد من الأموال من المستثمرين بإصدار الأسهم، وهكذا كانت الأموال تنفق لمن يديرون الشركة من كبار الموظفين، حتى تعلن الشركة إفلاسها. هكذا بلغت ديون شركة إنرون ٣٨ بليون دولار، ولكن المثير هو (كما يقول (المحللون أن الحيل التي أوجدتها شركة إنرون كانت قد تفشت بين الكثير من الشركات والبنوك تذكر أخي القارئ دائماً أن الشركات ذات المسؤولية المحدودة هي مؤسسات عجيبة التركيب. فهي تدفع للمزيد من الإنتاج إلا أنها إن أفلست قد تؤدي لانهيار الأسواق لتشابكها مع المؤسسات الاقتصادية الأخرى. أي أن ظهور بعض الشركات المحتالة على مر التاريخ من جهة، والأسواق اللاعقلانية من جهة أخرى، أوجدا معاً مناخاً يسحب الناس كما القطعان إلى اليقين من مقدرة الشركة ومن ثم شراء أسهمها ما يرفع من مكانتها السوقية برغم أنها مفلسة، أي أنها فقاعة. وبتراكم مثل هذه الفقاعات تنهار الأسواق. ولكن ماذا عن السندات المدعومة من الدول؟ إن السلطة الفعلية كما يقول فرجسون ليست بأيدي الحكام أو السياسيين في النظام الرأسمالي، ولكنها بأيدي الذين يسيطرون على أسواق السندات (من وجهة نظره). فهم الأقوى في عالم رأسمالي كما يقول إن السندات المالية هي الوصلة العجيبة بين عالم القوة السياسية وعالم القوة
١٤٦١
١٢ الفصل والوصل
المالية. فبعد ظهور البنوك، فإن ظهور أسواق السندات هي الثورة الفكرية الأهم في عالم المال كما يقول فيرجسون. فقد أوجدت طريقاً جديداً للدول للاستدانة. فقد دعمت السندات قبل ٦٠٠ سنة في إيطاليا الحرب في شمالها، وأعانت على هزيمة الجنوب الأمريكي في الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في عالمنا المعاصر، فقد أركعت السندات الأرجنتين بعد ثرائها. هكذا تستطيع الشركات والدول الاقتراض من الناس بأرقام كبيرة. ويقال بأن السندات وصلت في مستحقاتها سنة ٢٠٠٩م إلى ٨٥ ترليون دولار. أليس هذا مبلغاً يسحب البعض للتجارة فيها؟ بالطبع نعم. وهؤلاء الذين يتاجرون بها ويربحون دونما إنتاج فإنما هم يستهلكون الكماليات أيضاً، فيتجه السوق لإشباع رغباتهم، وبهذا التوجيه للاستثمار غير الأمثل يقترب الاقتصاد من الانهيار. لقد أصبح بيل Bill Gross والذي كان مقامراً ماهراً في عاصمة القمار (لاس فيجاس بولاية نيفادا)، رئيساً لأكبر شركة تتعامل بالسندات. أي أن المقامرة بالأسهم والسندات شأن لا يتقنه إلا المقامرون بالدرجة الأولى. ولكن ما علاقة هذا بجميع الناس؟
جروس
إن أقبل الناس على السندات فقد ذهب ذلك المال المستثمر إلى دين مستقبلي على مصدري السندات، ما يعني أن تلك الجهة (كالدول مثلاً) قد تستثمر ذلك المال (وهذا ما يقع دائماً) فيما لا فائدة آنية فيه للمجتمع. فتقل المنتجات مقابل النقد فيأتي الانهيار بسقوط أسعار السندات. وإن هوت أسعار السندات، فإن الجهات المستثمرة فيه، مثل مصلحة معاشات التقاعد مثلاً ستؤثر في الجميع. فقد فر الناس بعد تهاوي أسواق الأسهم إلى شراء سندات الخزانة الأمريكية مثلاً، ولكن عندما قامت الحكومة الأمريكية بإنقاذ البنوك من الإفلاس قامت بإصدار السندات للاستدانة من المستقبل البعيد لإنقاذ البنوك. لهذا، إن فقد الناس الثقة بالسندات وتهاوت أسعارها، فإن النظام المالي سينهار. وبهذا يكون السؤال: ما الذي يستطيع الناس فعله لإنقاذ أنفسهم من هذه التقلبات؟ أين هو السوق الآمن الذي يستطيع الناس استثمار أموالهم فيه ؟ تذكر أخي بأن أبواب التمكين مغلقة، وأن مجال الاستثمار الأمثل لهم هو إيداع المال وانتظاره لينمو دون عمل. فإن كان هناك شيء واحد تتقنه الرأسمالية فهو استحداث المزيد من الألاعيب واحدة تلو الأخرى لسحب أموال الناس ومن ثم للمزيد من التشابك والطبقية ما يؤدي للانهيار. فبعد ابتكار السندات أوجد النظام الرأسمالي صناديق أو صفقات التحوط أو Hedg Funds . فما هي هذه الصفقات؟
بسعر
محدد
هو
إن بداية صناديق التحوط أو صفقات التحوط بدأت مع الزراعة فعندما يحتاج المزارع للطمأنة على استثماراته الزراعية، فقد يقوم ببيع الثمار قبل بدو صلاحها، عندها سيلجأ إلى صفقة سلفاً. فعند ظهور الثمر، فإن السعر قد يكون أعلى أو أقل من سعر السوق. ولكن هذا ليس المهم كما يقول فيرجسون، بل المهم أن المزارع حصل على أرضية سعرية لا تقل عن سعر السوق، وحصل التاجر على سقف سعري لا يزيد عن سعر السوق. وهكذا احتاط كل من المزارع والتاجر للسعر المتفق عليه. هكذا أصبح بيع المنتجات تحوطاً (أو بالأصح مقامرة) عرفاً مالياً في الأسواق، وبهذا أصبح السوق الرأسمالي جاهزاً لتقبل قفزة إبداعية جديدة في عالم المال والمخاطرة: ألا وهو البيع بالخيار أو the option ، وهو تخيير المشتري فيما اشتراه مستقبلاً بين المضي في البيع أو التخلي عنه وخسارة العربون وهذا بالطبع يختلف جذرياً عن الخيار في البيع في الشريعة). فمثلاً إن كان سعر برميل الزيت اليوم بمئة دولار وقرر زيد من الناس شراء كمية بمئة وعشرين دولاراً للبرميل بعد سنة . بائعاً. ثم بعد سنة ارتفع السعر إلى مئة وخمسين، فقد كسب زيد ٣٠ دولاراً للبرميل إن أمضى البيعة، وهو بالطبع سيمضيها
ووجد
١٤٦٢ 🗏
في هذه الحالة لأن البائع لا خيار أما إن لم يرتفع سعر البيع لما راهن عليه، فلزيد فسخ الشراء، بينما البائع كسب العربون. وما يجعل هذه الصفقات مثيرة وأكثر مقامرة هو أن باستطاعة زيد أثناء مدة الخيار بيع الزيت بما له من حق الخيار إلى مستمثر آخر بعربون أكبر ، ثم هذا الثاني له نفس حق بيع الخيار لثالث بعربون أكبر وأكبر، وهكذا يجري تداول بيع حق الخيار بين مجموعة من المستثمرين. ولعل هذه اللعبة المقامراتية أكثر إثارة متى دخلت الأسواق المالية في الأسهم. بمثل هذه الصفقات أصبح كين جريفين Ken Griffin بليونيراً. فهو يرى أن العالم سيكون أكثر أمناً لأن المزارع والمستثمر مثلاً كلاهما في وضع أفضل، ولأنهما في وضع أفضل، فإن الاقتصاد بالتالي في وضع أفضل لأن هذه الصفقات ستؤدي لإيجاد رؤوس الأموال أولاً، وتؤدي إلى الاستثمار وإلى تفرغ الناس للأعمال الإنتاجية ثانياً. هكذا مع تنظيم مثل هذه الصفقات ووضع الأنظمة لها، ظهرت الأسواق المستقبلية، أي بيع منتجات المستقبل بسعر يُتفق عليه في الحاضر، وبالطبع فقد سرى هذا على الأسهم وأصبح هو الأشهر. وقد كان أول هذه الأسواق بمدينة شيكاجو الأمريكية. وبالطبع فإن لكل سوق أبطاله، فممن ذاع صيت ثرائهم من مثل هذه الصفقات كين جريفين والذي اشترى تمثالاً واحداً بثمانين مليون دولار من أرباحه التي بلغت في سنة واحدة بليون دولار لأنه استطاع إدارة صناديق التحوط دون أن يضيف أي منتج ملموس للمجتمع. وكما هو معلوم، فإن إدارة المخاطر هي من أهم العوامل للثراء في مجتمع رأسمالي، وهؤلاء الذين يستطيعون إدارة المخاطر، ويسارعون في أخذها متى ما رأو فرصة سانحة هم من يستطيعون تسلق سلم الثراء بسرعة عجيبة لأن لديهم حاسة تؤهلهم لرؤية الفرصة السانحة كما يقول كين جريفين. أليست هذه الوصفة أخي القارئ هي وصفة المقامرة؟ لاحظ بأن هذه الصفقات ليست كبيع العربون في الشريعة، وقد أنكرها كثير من الفقهاء، وسيأتي توضيحها لاحقاً في هذا الفصل بإذن الله.
٥٩٦,
لقد انتشرت هذه الطريقة في البيع لدرجة أنها بلغت آخر سنة ٢٠٠٧م حوالي دولار. أي حوالي ٦٠٠ تريليون دولار، وهذا هو أضعاف الاقتصاد الأمريكي بثلاث وأربعين مرة في تلك الفترة. ومن هذه المبالغ ما مجموعة ۲۰ بليون دولار تحت تصرف ألف مستثمر ، وهذا وضع لم يقع قط في التاريخ البشري. قال وارن بوفت، وهو أحد المستثمرين، بأن هذه الصفقات هي السلاح الاقتصادي للدمار الشامل، فهي تسلب المال من الفقير ومن الذي يعمل لتضعه في يد من يقامر. لنأخذ مثلاً جورج سوروس George Soros، أو البطل الأكبر لصناديق التحوط. فهو قد تخصص في شراء العملات والأسهم بالتوقع على أن قيمة السهم أو العملة ستنخفض، وليس العكس. أي أنه يبحث عن الخاسرين في الأسواق ويراهن عليهم. ولعل أكبر صفقة في حياته وفي التاريخ كانت توقعه لتهاوي الجنيه الإسترليني سنة ۱۹۹۲م. فعندما كان الجنيه الإسترليني مربوطاً بالمارك الألماني وكان في وضع صعب، راهن جورج سوروس في البنك الإنجليزي Bank of England أن الجنيه سينخفض. ذلك أن حوالي تريليون جنيه كان تحت التعامل يومياً مقابل القليل في الخزانة البريطانية. ولأن نسبة الفائدة كانت مرتفعة في ألمانيا بسبب توحيد الألمانيتين الذي كلف ألمانيا الكثير، ما رفع الجنيه الإسترليني المربوط بالمارك الألماني والذي أضر بالاقتصاد الإنجليزي، كان على الجنيه أن يُعوم مقابل العملات، هكذا اضطر وزير الخزانة البريطانية لفعل ذلك. لقد كان سوروس متأكداً أن الجنيه الإسترليني سينخفض فقامر بعشرة بلايين دولار. أي أكثر مما يملك، فحصد بليون دولار في يوم واحد. وهذا الرقم هو فقط ٤٠% من أرباحه السنوية والتي تساوي واحد وأربعين ألف ضعف متوسط دخل العائلة الأمريكية. أي أن سوروس يعتمد على توقعاته وخبراته في السوق مقامرة دون أي
١٤٦٣
١٢ الفصل والوصل
إنتاج فعلي. فماذا يفعل سوروس بهذه الأموال الطائلة ؟ إنه ينفقها بإسراف على نفسه وعلى الكثر من الذين يعملون له والذين يسرفون أيضاً في استهلاك الكماليات دونما إنتاج فعلي. هكذا يتجه المجتمع لإنتاج الكماليات على حساب الضروريات، فيقترب من الانهيار أكثر وأكثر.
هي
التي
محدد
إليك أخي القارئ مزيداً مما تتقنه الرأسمالية من ابتكار العقل القاصر : هناك أكاديميان تميزا بذكاء فذ في الرياضيات وهما مايرون شولز من جامعة ستانفورد وزميله روبرت مورتن من جامعة هارفارد. لقد زعما سنة ١٩٩٣م أنهما أوجدا معادلة اقتصادية يستطيعان بها توقع مستقبل الأسواق المالية لدرجة أنهما حصلا على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة ١٩٩٧م . وكانت فكرتهما تنبثق من أن معظم التصرفات البشرية المتجهة للربح يمكن توقعها مستقبلاً وأن مجموعها إن درس على المدى الطويل في معادلات رياضية فإن الربح أكيد مع احتمال ظهور استثناءات قد تخل بالتوقعات إلا أنها نادرة. فكانت الفكرة هي البحث عن العديد من الأسهم والمنتجات التي قد يرتفع سعرها. وهكذا من خلال البيع بالخيار دخلا في العديد من الصفقات. أي أنهما إن نجحا فقد كسبا، أما إن لم يرتفع السعر لما توقعاه فقد خسرا قيمة صفقة الخيار فقط. فكان السؤال الأهم في هذه الحالة هو: ما هو إذا ذلك السعر؟ وللوصول لذلك السعر فقد أوجدا معادلة معقدة لدرجة أن البعض وصفها بالصندوق الأسود هذه المعادلة . جلبت لهما جائزة نوبل. أي أن التحدي هو كيفية إيجاد قيمة البيع بالخيار لسهم محدد لشرائه في تاريخ مستقبلاً مع الأخذ في الاعتبار تذبذب سعر ذلك السهم في تلك الفترة. فإن تمكن المستثمر من معرفة ذلك السعر، فهو من خلال الحسابات إذاً (وليس من خلال الحدس والتخمين سيكسب الربح على الدوام. ولأن السوق مليء بالمستثمرين الذين لا يدركون كيفية الوصول لتسعير البيع بالخيار فإن من يدرس الوضع مثلهما لهو في وضع أفضل ليربح. ولأنهما كانا متأكدين من نجاحهما كما كانت تشير النتائج الأولية، فقد استقرضا الكثير من الأموال وتمادا في البيع بالخيار لدرجة أن رأس مال شركتهما كان ما دون سبعة بليون دولار سنة ١٩٩٧م، بينما الصفقات التي أبرماها من خلال الاستدانة بلغت ١٢٦ بليون دولار. أي أن الاقتصاديين تأكدا أن الحسابات المتقنة غلبت التوقعات البشرية، لهذا قلدهم الآخرون من المستثمرين. ولكن في صيف ۱۹۹۸م حدث ما لم يتوقعه الأكاديميان. أي أن التوقعات المبنية على حسابات العقل القاصر بدأت تتهاوى. لقد بدأ الاقتصاد الروسي الذي تبنى الرأسمالية حديثاً بالانهيار، وهكذا بسبب التشابك بسبب قصور العقل البشري ظهر انهيار آخر. ولن أقوم بشرحه أخي القارئ حتى لا أخرج عن موضوع الكتاب، ذلك أنني لن أنتهي من الشرح لتشابك الأسواق وكثرة الانهيارات والتقلبات في
الأسواق يوماً بعد يوم.
فردرك هايك
ولعلك تقول: لم كل هذه التفاصيل ؟ فأجيب لأن علماء الاقتصاد عادة ما يصفون ما يحدث في الأسواق بطريقة يصعب على الكثير من الناس فهمها. فيظهر علم الاقتصاد وكأنه علم أرقام ومعادلات وبالتالي علم مدجج بالحقائق التي لن تخطئ، وهكذا يصعب رؤية خلل النظام الرأسمالي فتتقبله المجتمعات. وما أحاول فعله العكس، أي تبسيط التعقيد لدرجة مفهومة وننزل للجذور حتى نرى الخلل بوضوح ثم مع المقارنة بالشريعة تتضح الصورة
١٤٦٤ 🗏
لننجو من الفساد بتطبيق الشريعة بإذن الله . ولعلك إن كنت عالم اقتصاد تقول : أنت يا جميل ترفض تدخل الدولة في الاقتصاد وتريد تحرير الأسواق، فما الفرق إذاً بين ما قاله فردرك هايك Friedrich Hayek وما قاله ملتون فردمان Milton Friedman من جهة، وما تقوله أنت من جهة أخرى، فهما قالا بعدم تدخل الدولة وبطريقة علمية مفصلة بمعادلات رياضية، وكذلك أنت وكأنك تحذو حذوهم ولكن دون معادلات رياضية. فأجيب: حتى نرى الفرق لابد لنا من المرور أولاً على ما يرمي إليه كل من هايك وفردمان مقارنة مع كينز.
لنمر أولاً على أهم أفكار هايك: يرى هايك الحاصل على جائزة نوبل سنة ١٩٧٤م بأن النمو الاقتصادي سيكون في أفضل أحواله وباستدامة إن كانت الأسواق حرة تماماً ودون تدخل الدولة، وأن أي تدخل للدولة في الاقتصاد حتى وإن كان في وقت الازدهار إنما هو بذور الخلل المؤدي للكساد مستقبلاً. فقد توقع مثلاً ظهور الكساد الكبير سنة ١٩٢٩م في الولايات المتحدة الأمريكية. فهو قد رأى أن توافر النقد من خلال السندات وطبع النقود مع تخفيض الفوائد الربوية دفع بعض المستثمرين للاقتراض للاستثمار في الأسهم. وبهذا تصاعدت أسعار الأسهم يوماً بعد يوم حتى كان الانهيار. فقد ظن الجميع أن الأسعار المتدنية للاقتراض تشير إلى توافر السيولة النقدية، إلا أن هذا لم يكن صحيحاً، فانهار السوق المالي. أي أن هايك قال أن الركود ما كان إلا بسبب الاستثمار الخاطئ وقت النمو لأن أسعار الفائدة منخفضة وأن الإنفاق الحكومي ليس استثماراً ملائماً كما يقول الكينزيون. أما أنصار كينز فيقولون العكس، أي أن إنفاق الدولة يؤدي لتشغيل القطاع الخاص من خلال رفع الطلب على المنتجات مثل إقرار مشروع بناء جسور الطرق السريعة ما يؤدي لتشغيل مصانع الخرسانة مثلاً، بينما يرى هايك أن في هذا توجيه خاطئ لطبقة من العمال في صناعة الخرسانة ما يؤدي لتشغيل الأيدي العاملة على المدى القريب، أما على المدى البعيد فقد وضعت الدولة بذور الكساد للمستقبل، وهذا خطأ لأن الأجدى بعمال الخرسانة في هذه الحالة العمل فيما فيه منفعة مستمرة. فهم بعد الانتهاء من تشييد الجسور قد ينضمون إلى صفوف العاطلين. لهذا تظهر دورات النمو والركود. لذا فإن هايك يرى بأن الإنفاق الحكومي للخروج من الركود يؤدي للتوظيف غير الفاعل ما يؤدي لخفض البطالة على المدى القريب، أما على المدى البعيد فسيؤدي للعكس، أي يؤدي للمزيد من البطالة لأن هذه العمالة لم توظف فيما هو مطلوب، ناهيك عن ظهور التضخم. وهذه إضافة منطقية لهايك يصعب على الكينزيين دحضها.
أي أن الأسعار للمنتجات في سوق حرة دون تدخل الدولة (بالنسبة لهايك) تعتبر مؤشراً موجهاً للمنتجين والمستهلكين على السواء لاتخاذ قرارات البيع والشراء من خلال العرض والطلب. فالأسعار وكأنها محملة بالمعرفة، لذا فإن تدخل الدولة سيلغي هذه المعرفة الضرورية لصحة السوق. أي أن أي تدخل من الحكومة سيضلل هذه الشفافية، لذا سيستحيل على حكومة اشتراكية مثلاً وضع خطط إنتاجية بكفاءة. فما تفعله الاشتراكية من تحديد للأسعار سيؤدي بالضرورة إلى أسعار لا تعكس التكلفة والربح المرضي للصانع والذي سيلغي ظهور الأسعار الفعلية کمؤشرات للسوق. أي أن السوق سيفقد المؤشرات السعرية الصحيحة التي تشد المنتجين للمزيد من الإنتاج. وهذا سيقلل كفاءة الإنتاج لأن القرار الخاطئ هو الذي اتخذ لهذا سيستحيل تنسيق النشاطات التجارية. لذا، كما يقول هايك، سيستحيل تنظيم المجتمع دون هذه المؤشرات التي تحمل المعرفة معها، وهذا ما حاول توضيحه في كتابه Spontaneous Order . أي أن الاشتراكية بمفهومها المثالي لا يمكن أن تتحقق لأن العدل والكفاءة مفقودان.
١٢ الفصل والوصل
1870
وبهذا فإن هايك نقل السؤال عن إمكانية تطبيق الاشتراكية من سؤال عائم في القيم والمثل إلى سؤال تطبيقي عملي يمكن قياسه. فإن لم توجد السوق الحرة فلن توجد الإشارات الصحية التي تمكن الاشتراكيين من اتخاذ القرارات الاقتصادية عن ماهية السلع والكميات المطلوبة، ومتى يجب أن تُنتج وتخزن فالدولة لن تستطيع القيام بمهمة جمع بلايين المعلومات التي تتغير كل يوم عما يجب أن يُنتج ومقداره. أي أن تبني السوق الحر هو أهم ما يميز نظرة
هايك.
والآن لننظر لأهم الأفكار في أهم كتب هايك: لأن هايك رفض تدخل الدولة في السوق، ظهر سؤال بالطبع هو: ما هو دور الدولة إذاً؟ يقول هايك في كتاب The Constitution of Librety الذي طبع سنة ١٩٦٠م بأن دور الدولة هو الحفاظ على حريات الناس والتقدم الإنساني عن طريق القانون. لهذا فهو يجتهد في تعريف القانون. فالقانون يجب ألا يوضع بناء على قناعات وعقائد الحكام كما يقول، ولكن القانون الأصلح يُكتشف ليخدم هدف الدولة. وهذا الاكتشاف يأتي بالمحاولة والخطأ من التراكم عبر الأجيال. فالقوانين التي تحكم المجتمعات هي العادات والتقاليد. فاللغة ظهرت بالتراكم عبر الأجيال فاللغة تلقائية spontaneous ، فلم يضع أحد القوانين التي تسيرها، بل تراكمت كعرف، وكذلك يجب أن يكون القانون. وقال أيضاً في نفس الكتاب بأن القوانين يجب ألا تأمر الناس، بل عليها توضيح الحدود التي يحق لهم التصرف خلالها. فمثل هذه القوانين هي التي تحمي المجتمع من الدولة وسيطرتها كما يقول غـ
ويقول في كتابه المعنون Law Legislation and Liberty بأن القانون يجب أن يوجد الحريات باستحداث الإطار العقلاني الذي يسمح للأفراد بالحركة. فالمفترض بالقانون أن يحدد للناس ما الذي لا يجب عليهم فعله. أي أن نفس فكرة عدم التدخل في الأسواق أسقطت على القانون فالدولة لها أن تتدخل وتتحكم ولكن في أضيق الحدود، مثل التدخل في السياسات المتعلقة بالصحة العامة والإنقاذ من المخاطر وما شابه، وحتى مثل هذه الخدمات فمن الأفضل تركها للقطاع الخاص الأكثر كفاءة لأن هذا في مصلحة الاقتصاد.
ولكن بالطبع، فهناك من الباحثين من يرفضون أفكار هايك بإثارة عدة أسئلة مثل: ماذا عن العدل بين الناس إن كانت السوق حرة تماماً، فقد يأكل الكبير الصغير ؟ وهذا ظلم. وفي المقابل: ماذا عن ظهور المجتمعات التي تبنت قيماً اشتراكية في إطار رأسمالي، فهي مجتمعات يتمتع معظم أفرادها بالرخاء كالدول الإسكندنافية! لم يمتلك هايك إجابات عملية مقنعة. بل وضع أفكاراً نظرية لمثل هذه المسائل. فمما ذهب إليه هايك مثلاً في مفهوم العدل الاجتماعي social justice هو رفضه لعبارة «العدل الاجتماعي» لأنها عبارة ليس لها معنى محدد بالنسبة له، بل هي مطاطة وقابلة للاستخدام ضد الآخرين ظلما . فمن وجهة نظر الاقتصاد، فإن العدل الاجتماعي قد يؤدي إلى زي تفصله الدولة كيف تشاء، أي أنها تُفضّل توزيع الثروات، لذا فإن عبارة العدل الاجتماعي في أفضل الأحوال عبارة لا فائدة منها، وفي أشر الأحوال وكأن العدل الاجتماعي أداة تُوظف لتحقيق مصالح متخذي القرارات ومن عز عليهم. فهي إذاً عبارة ضارة. وقال هايك في مقابلة تلفازية: بأن «أي محاولة لتصحيح التوزيع [للثروات] باتباع
هامش
غـ) وهذا مشابه لما يؤدي إليه حديث: (لا ضرر ولا ضرار) كما سترى بإذن الله، إلا أن ما تؤدي إليه الشريعة هو الانطلاق دون الإفساد.
١٤٦٦ 🗏
أي مبدأ للعدل الاجتماعي لابد وأن يصطدم مع فكرة المجتمع الحر». لذا فقد اقتنع هايك بوجود ما سماه العدل الحقيقي، أو true justice والذي يعني التساوي بين الناس تحت مظلة القانون ولكن لا توجد لديه أي مؤشرات أو مبادئ لكيفية الوصول لهذا العدل المطلق. فهو يؤكده كعبارة ولكن لا أدوات أو آليات أو إستراتيجيات لديه للوصول إلى العدل المطلق. أي أن نظريته مبتورة.
ولإثبات ما ذهب إليه عن ضرورة السوق الحرة لاقتصاد مستصح يوضح هايك في كتابه عن الرأسمالية والمؤرخين Capitalism and the Historians أن الثورة الصناعية ما ظهرت إلا بفعل تراكم قرارات المنتجين المتعددين الباحثين عن مصالحهم في كل مكان وفي كل مجال وهؤلاء كُثر، وليس بتوجيه أو بتخطيط الدولة. فالثورة الصناعية هي خير مثال لكفاءة السوق الحرة. فالثورة الصناعية ما ظهرت إلا بتراكم قرارات الأفراد المستقلين في المجالات المختلفة ودون أي تنسيق بينهم، كل يأخذ قراره الذي هو في صالحه اقتصادياً والمناسب له، وهذا ما لا يمكن أن تقوم به الدولة لهذا ظهرت الثورة الصناعية.
الاقتصاد
ولعلك لاحظت بأن أفكار هايك تصطدم مباشرة مع ما قاله كينز والذي ينادي بتدخل الدولة لإحياء الاقتصاد وقت الركود. لذا فقد كان القرن الماضي في الفكر الاقتصادي هو قرن الصراع بين نظريات هايك وأفكار كينز والذي لازال مستمراً إلى يومنا هذا بين تلاميذيهما. فقد تناظر الاثنان سنة ١٩٣١م في لندن ولازال الجدل من وقتها مستمراً وبحدة بين أتباعهما حول السؤال: هل على الدولة التدخل لإصلاح الخلل في السوق إن وقع أم أن عليها أخذ الحياد التام؟ فأتباع هايك يقولون: لا يحق للدولة التدخل، بينما أتباع كينز يقولون: لابد من التدخل. فأيهما نصدق؛ فبالنسبة لكينز ، فالمهم هو رجوع الناس لأعمالهم لتخفيض البطالة والخروج من الكساد، وكأن جسم ميت ولابد له من صدمة كهربائية لإحيائه، وهذا لا يتأتى إلا بتدخل الدولة بالإنفاق لتبدأ عجلة الاقتصاد بالدوران. وبالنسبة لهايك، فإن أي تدخل قد يأتي بما هو أسوأ مستقبلاً. ولكن الأحداث في القرن الماضي تشير إلى أن كينز هو الذي انتصر، فمع انهيار الأسواق غرست في أذهان الناس قناعة بأن الرأسمالية نظام متسم بدورات قد تؤدي إلى الكساد أحيانا، وحتى لا يقع هذا فإن الاقتصاد بحاجة لضابط، وهذا لا يكون إلا من خلال الدولة. هكذا انفلتت الدول وازداد نفوذها كما في الغرب بعد الكساد الكبير وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. هكذا تبنى معظم السياسيين ما وضعه كينز. لقد ظهرت نظرية كينز وكأنها تتيح لمسؤولي الحكومات فعل ما يشتهون. فهم يحبون الإنفاق ولكن هذا سيغضب دافعي الضرائب. فها هي ذي نظرية علمية اقتصادية تتيح لهم ذلك بالاقتراض من المستقبل، وليس من الناس، وبطريقة لا يشعر بها دافعو الضرائب لأنها لا تؤخذ منهم مباشرة، بل من خلال التضخم بسبب طبع النقود وبيع الحكومات للسندات لهذا بدأت المشروعات التي تقوم بها الدول في الازدهار، وهذا عكس ما رآه ،هايك، فهو رأى أن فترات الكساد هي فترات تصحيح للسوق حتى تخرج منها الاستثمارات الخاطئة، وحتى تغلق المصانع الخاسرة، وهكذا. فالاقتصاد بحاجة لهذه الفترات التصحيحية. ولعل كتاب هايك عن الطريق للعبودية the Road to Serfdom والذي ترجم لأكثر من خمسة عشر لغة والذي ينقد فيه بشدة تدخل الدولة في الإنتاج ما قد يؤدي لحكومات اشتراكية)، هو الكتاب الأشهر الذي استخدمه الجمهوريون في الولايات المتحدة الأمريكية لتخويف الناس من تدخلات الدولة التي عادة ما يذهب إليها
الديمقراطيون.
١٢ الفصل والوصل
١٤٦٧
إن للكينزيين الذين يريدون تدخل الدولة سهم قاتل فهم يقارنون حال عموم الناس الآن بحال الناس في بريطانيا الفكتورية في السبعينات من القرن التاسع عشر حيث كان الاقتصاد حراً، بينما متوسطو الدخل لا يجدون من المال ما يغطي حاجاتهم، أما الفقراء فيتضورون جوعاً بسبب الطبقية. فهل أولئك في ظل السوق الحرة كانوا أفضل حالاً وأكثر حرية وكرامة ممن يعيشون في نظام حكومة تقدم التكافل الاجتماعي كما في الدول الإسكندنافية حالياً؟ هذا سؤال مفحم لأتباع هايك.
هكذا كان الكينزيون في انتصار على الدوام، لدرجة أن هايك كاد أن يصاب باكتئاب وانعزل عن الناس، إلا أن الكينزيين لم يتمتعوا بنظرياتهم كثيراً، فبعد حصول هايك على جائزة نوبل، تأثرت به رئيسة وزراء إنجلترا (تاتشر) من حزب المحافظين الذين وصلوا للسلطة سنة ،۱۹۷۹م، وبهذا دخلت أفكار هايك حيز التنفيذ. هكذا بدأت الخصخصة في الازدهار مع تخفيض الضرائب ومع صراع الحكومة ضد النقابات العمالية. إلا أن الخلاف بين ما قامت به تاتشر وما نادی به هايك هو أن هايك أراد دولة بصلاحيات أقل وسوق حرة تماماً، بينما تاتشر اعتقدت بإمكانية إيجاد دولة ذات سلطة قوية وبأسواق أكثر حرية. لهذا فإن تاتشر بالتوافق مع الرئيس الأمريكي ريجان أوجدا مناخاً انفلاتياً للمؤسسات المالية كالبنوك التي توسعت في أعمالها لتخرج من دائرة جمع أموال المودعين وإعادة إقراضها إلى صفقات التحوط والبيع بالخيار ما أدى لانهيار الأسواق الذي تحدثنا عنه . سابقاً. لهذا، وللدفاع عن أفكار هايك التي لم تُفلح مع تحرير الأسواق، علل مؤيدو هايك أن نظام تاتشر كان يعطي للأسواق الحرية في وقت كانت فيه البنوك على قناعة بأن الدول ستهب لإنقاذها إن هي خسرت. لهذا كان مسؤولو البنوك يقامرون بأموال المودعين والمستثمرين مطمئنين بأن بنوكهم تعتبر من المؤسسات الكبرى التي لن تتخلى عنها الدولة حتى لا ينهار الاقتصاد. وليس هذا ما يدعو إليه هايك، فهو أكد أن حرية السوق دون تدخل الدولة لابد وأن تعني خروج البنوك الفاشلة من السوق. فمصير البنك الخاسر هو الزوال مع تحمله لمضاعفات خسارته.. لهذا فإن هايك يقول بأن الطفرة الاقتصادية ما هي إلا سراب وأن الركود slump هو الوضع الحقيقي. بينما يصر كينز على عدم مقدرة المجتمع على قطع استمرار الركود إلا بالخروج منه بالتدخل الحكومي بالإنفاق، وهذا تضاد فكري يؤشر على قصور
العقل.
ومن الخلافات المهمة بين كينز وهايك هو أن كينز ركز في دراساته على العموميات كدراسة الإنتاج القومي ومجموع البطالة وما إلى ذلك من مؤشرات جامعة، وفي النقيض، فإن هايك ركز على الصفقات الفردية بين الأفراد والشركات لأنها في نظره هي الوحدات التي توضح الصورة الأكبر ، لهذا فهو ينقد كينز بأن التركيز على العموميات سيخفي في ثناياه الكثير من المعلومات وبالتالي الاستنتاجات المهمة.
وإن تدبرت السابق لاستنتجت بأن كينز وكأنه يقول بأن الناس لا يجيدون التصرف أحياناً لأنهم وكأنهم قطيع يقلد بعضهم بعضاً ما قد يؤدي للركود. وكمخرج اقتصادي فإن على الدولة أن تستثمر لهم في المرافق وبالتالي على الناس السداد مستقبلاً بينما هايك يؤكد بأن تدخل الدولة يعيد توجيه الثروات من مكان لآخر، لذا قد
هامش
ب٢) لاحظ أنه مع تطبيق الشريعة فإن الخسارة تطال حتى أموال الملاك خارج المؤسسة الخاسرة ما يجعل الملاك أكثر حذرا.
١٤٦٨ 🗏
تُستثمر الأموال في الأماكن الأقل فاعلية. أي أن رفض هايك للتخطيط للاقتصاد وضعه في موضع سحبه من علم الاقتصاد إلى رفض التخطيط، ذلك أن أي تدخل في الاقتصاد. هو تخطيط مستقبلي، لذا لذا رفض التخطيط تماماً. فيقول مثلاً بأن أقل تخطيط بحاجة لتنفيذ، وفي حال فشل التنفيذ فسيظهر تخطيط آخر ،وآخر، وهكذا حتى يظهر جهاز تخطيط مركزي ليضع المجتمع في طريق الخضوع لتخطيط الدولة، أي للعبودية، وعندها فإن على الناس التأقلم لتخطيط البيروقراطيين، وليس العكس. إلا أن وجهة نظره هذه التي طرحها في كتابه «الطريق للعبودية» رفضها معظم الغربيين لأنها تناقض الديمقراطية، فها هي الدول الغربية المنتخبة ديمقراطياً تخطط للمجتمع ويزداد الإنتاج ولكن دون الوصول للعبودية. لقد أخطأ في هذه هايك كما يقولون. وها هي الحربان العالميتان الأولى والثانية قد نجح فيهما التخطيط الاقتصادي في جمع الموارد وتسخيرها لخدمة النصر عسكرياً، فلابد إذاً وأن ينجح التخطيط لخدمة المجتمع في السلم كما يقول منتقدو هايك. إلا أن فردمان (وهو من أهم متبني أفكار هايك) رفض هذه المقارنة بالقول بأن الحكومات قد تفلح في توحيد مقدرات الشعوب وتوجيهها للوصول للنصر العسكري، ولكنها لن تنجح في إدارة الاقتصاد لأن التنمية كهدف ليست هدفاً واحداً كما في الحرب، بل الهدف في السلم هو محاربة الجهل والمرض والفساد والتخلف والبطالة وما شابه من تعقيدات. فالهدف ليس واحداً. ولأن فردمان من أهم مفكري القرن الحالي والماضي ويدعو لتحرير الأسواق من القيود مثل هايك، لابد من النظر لأهم أفكاره قبل تبيان الفرق بين ما ينادي به هو وهايك وبين ما ستؤدي إليه الشريعة.
ملتون فردمان
ملحوظة: لا يعني نقد هايك وفردمان التقليل من شأنهما، بل على العكس، فهما، خلافاً لكينز، من أفضل الاقتصاديين تفهما لآليات الإنتاج، وأكثرهم حساسة وإنسانية لأوضاع البشر. وكلي قناعة بأنهما إن درسا الإسلام وفهماه، لتبنيا مقصوصة الحقوق. تدور نظریات ملتون فردمان Milton Friedman حول محورين: الأول هو ما أسسه آدم سميث وسار عليه هايك عن اليد الخفية وآليات السوق، والتي ترفض أي تدخل خارجي في شأن السوق. والثاني هو ما ركز عليه توماس جفرسون وغيره كثير عن ضرورة تشتيت السلطة وتلافي تركزها في جهة واحدة كالحكومات. وهاتان مشابهتان لما قال به هايك، هذا عموماً. أما في التفاصيل، فهناك بعض الاختلافات. فالاقتصادي ملتون فردمان مثلاً بعد دراسته للكساد الكبير رأى بأن المسبب للكساد مختلف عما قال به هايك، فهو يقول بأن «الاحتياطي «الاتحادي في الولايات المتحدة الأمريكية والمعروف بالفد FED لم يضخ ما يكفي من الأموال، ما أدى للانهيار. ويعلل فردمان بأن السبب في انهيار البنوك في الكساد الكبير في القرن العشرين بدأ من بنك اسمه : بنك الولايات المتحدة الأمريكية The Bank of the United States، وهذا بنك تجاري مثله مثل أي بنك آخر إلا أن اسمه غرر بالناس فالمهاجرون الجدد ظنوا أنه بنك حكومي من اسمه، بينما هو بنك ملاكه من اليهود، ومعظم مودعيه من اليهود، فكان بنكاً كبيراً. وعندما عجز عن سداد بعض التزاماته لم تقم البنوك الأخرى بدعمه كما يجب، بل بشروط غير مقبولة للبنك ظناً من الساسة والتجار بأن إفلاسه لن يؤثر في الاقتصاد، إلا أنه أشعل نار الذعر الذي سرى في المجتمع الاقتصادي عندما أقفل البنك أبوابه ولم يتمكن الناس من سحب إيداعاتهم. لهذا فإن دعمت البنوك الأخرى آنذاك هذا البنك لما ظهر الكساد أي أن الاقتصاد كان بامكانه الاستمرار دون
١٢ الفصل والوصل
١٤٦٩
ظهور كساد إن استمر الاحتياطي الاتحادي بضخ الأموال مع ظهور بعض التضخم. فمن منهما نصدق، هايك أم
فردمان؟ وبالطبع فإن لهذا الاختلاف مغزى مفاده أن هايك أشد رفضاً من فردمان لتدخل الدولة في السوق. اختلاف آخر: إن الاقتصاد عادة ما يتعرض لدورات اقتصادية كما هو معلوم. وعادة كما يقول الاقتصاديون، فإن هناك أربع مراحل للدورة: وهي التوسع والذروة والتراجع والقاع. وعادة ما تقاس هذه المراحل بالناتج القومي ومعدلات البطالة ومعدلات التضخم. وهناك عدة تفسيرات لأسباب هذه الدورات في النظام الرأسمالي: منها ما قاله كينز وهو أن الدورة بسبب ما يسميه بالروح الحيوانية أو animal spirits عادة ما والتي · تنتج من تصرفات المؤسسات الإنتاجية ذات الطابع المتأرجح بين قطبين: الأول هو العاطفة التي تغطي المنطق في اتخاذ القرارات والتي تدفع الشركات المنتجة للمزيد من الاستثمار لرفع الإنتاج متى ما اطمأنوا للأوضاع الاقتصادية، والثاني هو الإحساس بخطر الخسارة ما يؤدي لخفض الإنتاج. أما ملتون فردمان وتابعوه (خلافاً لما قال به هايك) فهم يعزون الدورات الاقتصادية لضعف إدارة التدفقات المالية. فبزيادة السيولة وانقباضها ينتعش الاقتصاد ويخبو. والكثير من النظريات الأخرى تعزو الدورات إلى التغيرات في الإنفاق الاستهلاكي
وكما رأى هايك فإن فردمان ركز مراراً على أن السوق الحرة تؤدي إلى استمرار الاستثمارات الناجحة وتقتل
فهي
تلك الفاشلة. فعندما تتدخل الدولة بحماية منتج ما كحماية الولايات المتحدة الأمريكية لصناعة الحديد مثلاً، إنما تساعد على استمرار تلك الصناعة برغم عدم كفاءتها. فيستمر الإنتاج ثم بالتدريج يصبح عبئاً على الدولة ويزداد سوءاً كتلك المصانع في الدول الاشتراكية، ما يؤدي لتخلف المجتمع صناعياً ويضمحل تصدير المنتج رويداً رويدا لتدني مستوى جودته. لهذا فإن أي دولة تحاول الظهور وكأنها دولة متقدمة باتخاذ قرارات تخطيطية، فهي في الواقع دولة متخلفة، ذلك «إما» أنها تحمي منتجات بلدها أو أنها تشجع منتجاً آخر، وهذا يؤدي لعدم الكفاءة لأنها
قطعت عامل التنافس، وإما أن تضع خططاً مستقبلية للإنتاج، وبهذا فهي إنما تفرض نفسها على السوق الحرة.
للاستدلال لنظريته التي ترفض تدخل الدولة في آليات السوق، يستخدم فردمان المقارنة بين الهند واليابان. فالهند بها كل الخيرات التي تؤهلها لتكون دولة يعيش سكانها برفاهية، إلا أن التخطيط المركزي للدولة والذي قام بحماية صناعة النسيج المحلي مثلاً من المنافسة الخارجية أدى إلى اتكالية المنتجين إذ لا منافسة، فتوقف الابتكار والتطوير في صناعة النسيج. هذا الفكر التدخلي للدولة المؤدي لتدني الجودة انسحب على المجالات الأخرى فتدنت الكفاءة، فنقص الدخل القومي فكان الفقر. وفي النقيض، فإن حرية السوق التي اتبعتها اليابان التي أوجدت التنافس بين المنتجين مع أقرانهم حتى خارج اليابان حرر المنتجين حتى من طرقهم التقليدية في الإنتاج والتي عادة ما تكون مفخرة للتراث. فكل مصنّع يفكر في الربح ويقلل التكاليف ويرفع الجودة ويأتي بالابتكارات ويأخذ بها أينما وجدت حتى وإن كانت على حساب ما هو تراثي. كل هذا أدى لتحسن الجودة في الإنتاج وبالتالي لارتفاع التصدير وبالتالي لزيادة الدخل القومي وبالتالي الرفاهية لليابانيين كما هو معلوم. فالإشكالية إذا ليست في الناس وطبائعهم سواء كانوا هنوداً أو يابانيين، بل في نظام السوق الذي يحكمهم. ولكن لماذا لا تتعلم الحكومات من مثل هذه التجارب؟ والإجابة بالنسبة له بأن هذا شبه مستحيل لأن الناس هم الذين يتعلمون وليس الدول، وذلك لأن من يديرون الدول يتغيرون جيلاً بعد جيل ولا تحفظ الدروس كما هي حال الشركات، لذا تُنسى الدروس وتبقى الدول
في جهل.
١٤٧٠ 🗏
لماذا نرفضهم ؟
بالطبع فإن نظريات كينز مرفوضة لنا لأسباب كثيرة منها أنها ستؤدي لقفل أبواب التمكين وللهدر بسبب تدخل الدولة. أما نظريات هايك وفردمان والتي تدعو للسوق الحرة وبالتالي لكفاءة إنتاجية أعلى، فهي التي سنركز عليها وبالذات نظريات فردمان التي أدت لظهور «العولمة». وهي نظريات كما سأحاول أن أثبت مبتورة. لماذا؟ إن ما دعيا إليه من أفكار لتحرير الأسواق لا تفتح أبواب التمكين للناس بالعدل (هذا أولاً)، ولا تفصل بين الناس حتى لا يصطدموا فيما بينهم إن انطلقوا (وهذا ثانيا). ولتصوير الوضع بمثال : تصور أن الحياة سباق من نقطة الفقر إلى نقطة الغني. فحتى تكون المنافسة عادلة وبالتالي يجري الجميع باجتهاد، لابد لنا من إعطاء المتنافسين نفس الإمكانات. أما أن نعصب عين الأول ونقيد قدم الثاني ثم نعطي الثالث فرساً والرابع عربة ليتسابقوا، فهذا ظلم أكيد، وهذا ما تفعله الرأسمالية، وهذا هو الذي يقبل به فردمان ولن يستطيع أن يرى طريقاً آخر للسعادة سواه بسبب قبوله للرأسمالية. فالحدود التي تفصل بين الدول تقيد قدم العامل البنجالي حتى من الذهاب للهند بينما تستقبل المستثمر الأمريكي من الطائرة ليفرض على حكومة بنجلادش شروطه لتسخير ذاك البنجالي. فإن تصورت الدول وكأنها أفراد أو شركات، وأن الدول تتبادل السلع فيما بينها بحرية كما يفعل الأفراد في السوق الواحدة (وهو ما تحاول منظمة التجارة العالمية فعله فإن الظلم واضح في هذه الحالة لأن الدول ليست كالأفراد أو الشركات، فالدول لها حدود وبداخلها أفراد، وهذا يؤدي لتحريك الأموال بين الدول بحرية أو ببعض القيود ولكن دون حركة الأفراد والمعرفة إلا باستثناءات. فتبقى الدول ذات الموارد الأقل دولاً فقيرة لأن حركة الناس لخارجها ممنوعة بينما هم يتكاثرون كما في اليمن مثلاً، وفي هذا ظلم واضح لبعض البشر (تذكر ما مر بنا عن الفرق بين الحركة والتحريك). وهذا هو موضوع هذا الكتاب، أي إعجاز الشريعة في الموارد والموافقات والمعرفة. ومن جهة أخرى، فإن الأفراد داخل الدولة الواحدة متفاوتون في الحصول على الفرص لأنهم لا يحكمون بالشريعة، فلا عدل كما ذكرت مراراً. وبهذا تشكلت ثقافة بينهم المجتمع الرأسمالي المبنية على الطبقية: طبقة تبادر وتفكر لاستثمار أموالها، وطبقة يبحث أفرادها عن العمل كأجراء، لذا فلا مبادرة ابتكارية لدى الأجراء إلا نادراً لأنهم تعودوا على الانقياد وتنفيذ الأوامر والاستعباد كموظفي الدول والشركات وهم السواد الأعظم). لهذا، فإن كانت مصادر الأرض نادرة، فقد يكون لنظريات فردمان وجهة نظر، أما كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، ولأن المصادر أكثر من كافية، فإن نظريات فردمان مبتورة لأنها تقبل بوجود مأجورين لا يملكون، فتبلورت ثقافة هؤلاء على القليل من المبادرة والإبداع. وفي هذا هدر لمقدرات البشر، فيظهر التسخير والفقر وبالتالي الفساد. وبالنسبة لثانياً، أي أن النظم البشرية لا تستطيع الفصل بين الناس متى ما انطلقوا للإنتاج، ولتوضيح الصورة في المثال السابق: تصور أن هؤلاء الذين يتسابقون على أقدامهم وكأنهم في مسار واحد ويتناحرون فيما بينهم لضيق المسار عليهم، وأولئك الذين يركبون العربات في مسار آخر ويتناحرون فيما بينهم لضيق المكان عليهم. هكذا تفعل الرأسمالية، فبعد قفل أبواب التمكين وظهور الطبقات، فإن مكونات كل طبقة تتناحر فيما بينها. فالعمال الكثر يتنافسون على الوظائف المحدودة والشركات المنتجة للمعادن تتنافس على الحصول على امتيازات أو حقوق
استخراج معدن ما في منطقة ما، وهكذا جميع قطاعات الإنتاج وأفرادها.
١٢ الفصل والوصل
١٤٧١
ولإثبات أن نظريات ملتون فردمان مبتورة لنمر سريعاً على بعض مواقفه. الموقف الأول، الضمان
الاجتماعي: لقد نقـد فـردمان نظام الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية لأنه نظام جهاز حكومي يأخذ أموال الضرائب لينفقها على المحتاجين ولكن دون الوصول للهدف المنشود، ألا وهو القضاء على الفقر. فالإدارة المعروفة باسم Department of Health, Education and Welfare بدل إعانة الناس على الخروج من الفقر تؤدي لبقائهم فيه، كما يقول، ذلك أن معظمهم تعودوا على المال المتدفق إليهم شهرياً واتكالهم عليه حتى وإن كان قليلاً، فهذا بالنسبة لهم أفضل من مخاطرة الحصول على عمل لأنهم إن عملوا سيفقدون مال الضمان الاجتماعي. وفي الوقت ذاته، يصعب على الدولة توظيف هؤلاء العاطلين، وإن أرغموا على العمل فقد يتكاسلون ما يؤدي لفصلهم وعودتهم مرة أخرى لقائمة الضمان الاجتماعي. وبهذا فإن هذا الدعم المالي غرس في نفوس المستفيدين التكاسل والتخاذل والاتكالية كما يقول. فبدل أن يهبوا للبحث عن عمل، فهم مطمئنون بأن هذا المال القليل لن ينقطع، ما جعلهم وأبناءهم من التنابلة وكل هذا بسبب التفكير المركزي في حل إشكالية الفقر والبطالة. ناهيك عن نفقات هذا الجهاز الحكومي البيروقراطي غير المبرر. بالطبع لقد أصاب فردمان في نقده هذا.
لكن لاحظ بأن هذا يختلف جذرياً عما تؤدي إليه الشريعة من دفع الزكاة مباشرة من المزكي للفقير كما مر بنا، إذ أن المزكي له دفع الزكاة لمن هو أحق كأن يكون الآخذ أفقر أو أقرب، ولأن القرار بيد المزكي فإن له نظر في إيقاف الزكاة لمن ظن أنه يستطيع العمل، لاسيما أن العمل متاح في بيئة اقتصادية تفتح أبواب التمكين. وبهذا لن تستمر اتكالية الناس على الزكاة كاتكالهم على أموال الضمان الاجتماعي في مجتمع رأسمالي طبقي فشتان
بين الحالين.
ولكنك قد تقول: ولكن لماذا لا نتوقع أن يقوم الأغنياء في النظام الرأسمالي بدفع الأموال للفقراء مباشرة كما سيفعل المسلمون إن طبقت الشريعة؟ فأجيب لأن الضرائب على الأغنياء مرتفعة، فإن مقدرتهم على العطاء أقل، ولأن أبواب التمكين مغلقة، فإن الفقر .دائم. أي أن الأغنياء مسلوبون والفقراء في ازدياد. وهذا عكس ما تفعله الشريعة (وهذا مما لم يـره فـردمان). ولأنه لا وجود لآليات في النظام الرأسمالي للفصل بين الناس إلا القانون والمؤسسات التي وضعها العقل القاصر والتي تصل الناس كما تفعل البنوك، فإن الهدر هو سمة الإنتاج، أي كلما زاد الهدر ازداد عدد الفقراء في المجتمع وسيأتي بيانه في هذا الفصل بإذن الله)، وكل هذا يؤدي لاضمحلال الكفاءة في الإنتاج وانعدام العدالة في التوزيع بين الناس (وهي الصفة الأعلى للرأسمالية). هل رأيت البتر فيما يدعو إليه
فردمان؟
الموقف الثاني، خصخصة التعليم: إن رفض فردمان لتدخلات السلطات أدى به إلى نقد النظام الحالي للتعليم في الولايات المتحدة الأمريكية والمبني على سيطرة الحكومات على المناهج وعلى إدارة المدارس. وهذه السيطرة كما يقول، تضعف مشاركة أولياء الأمور ما يؤثر في التعليم سلباً، وهذا النقد بالطبع مشابه لما ذهب إليه من نقد تدخل الدولة في السوق. فهو يريد للتعليم أن يكون حراً وبهذا يصبح سلعة تباع وتشترى، وبهذا يتجه الناس للبحث عن المدارس الأفضل ويشترون التعليم الأفضل لأبنائهم. لهذا نقده الكثير من المفكرين بأن اعتبار التعليم سلعة أمر مجحف للفقراء لأن ابن الفقير لن يستطيع تحمل نفقات المدارس المتميزة، ما يحرم المجتمع من كفاءات واعدة. هنا تبنى فردمان نظرية الكوبونات: ألا وهي صرف الحكومات لأولياء الأمور كوبونات عن كل طالب. كوبونات لها
١٤٧٢ 🗏
قيمة مالية تأخذها المدارس من أولياء الأمور، وبهذا تتنافس المدارس فيما بينها لجذب الطلاب للحصول على هذه الكوبونات والتي تمثل نقداً تحصل بموجبه على المال من الحكومة. وبالطبع فلن يرسل أولياء الأمور أبناءهم إلا إلى المدارس الأفضل. هكذا تتلافي الدولة المصروفات الإدارية البيروقراطية للتعليم كما يقول، ويكون الحال أكثر عدلاً لأن من يدرسون أبناءهم في مدارس خاصة في النظام الحالي إنما يتحملون نفقات التعليم مرتين: مرة بدفع الضرائب للتعليم، ومرة أخرى بدفع رسوم المدارس الخاصة. هذا بالإضافة إلى أن الفقراء سيحصلون على فرصة اختيار المدرسة التي يريدون، ذلك أن هذه الكوبونات ستعطيهم الحق في الاختيار، أما في الوضع الحالي فلا حق لهم في التعليم الخاص لأنه لا مال لهم، فهم مضطرون لوضع أبنائهم في المدارس الحكومية، وبهذا فإن نظام الكوبونات هذا في مصلحة الجميع باستثناء مسؤولي الدولة الذين سيستغنى عنهم في حال خصخصة التعليم، وباستثناء مسؤولي المدارس الذين سيوضعون في قفص الخصخصة.
ولكن ماذا عن الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، كأولئك الأقل ذكاءً أو المعاقين؟ فبعض هؤلاء لن تقبلهم المدارس الخاصة إن تغير النظام وألغيت المدارس الحكومية. والسبب في عدم قبولهم هو حرص المدارس الخاصة على مستواها التعليمي، ذلك أن قبول بعض هؤلاء المعاقين قد يؤدي إلى تدني المستوى التعليمي، ما يفقد المدرسة سمعتها في سوق التعليم وبالتالي تأثرها مالياً. في مثل هذه الحالات التي تتطلب أموالاً لخدمة الصالح العام فإن فـردمان يرد بالقول أن السوق الحرة ستزيد من ثروات الناس الذين سيسارعون للإنفاق على الأعمال الخيرية. ودليله على ذلك ما وقع في القرن التاسع عشر الذي شهد التبرعات السخية من الأثرياء فظهرت أكبر المؤسسات غير الربحية التي تخدم المجتمع، فانتشرت مثلاً الجامعات والمنظمات الإنسانية مثل الصليب الأحمر والكشافة، وهذا بالطبع كما يقول فردمان بسبب حرية التجارة آنذاك ما أدى للازدهار الاقتصادي هكذا يمكن للمجتمع التغلب على الكثير من المتطلبات العامة والخدمات (الوفورات) كما يقول. لعلك الآن تسأل: أليس هذا ما تحاول الدعوة إليه يا مؤلف كتاب «قص الحق»؟ أي ترحيل الخدمات العامة من مسؤولية الدولة إلى الناس؟ فأجيب: لقد قبل فردمان فكرة الكوبونات في التعليم لنقل سيطرة التعليم إلى أولياء أمور الطلاب لترتفع الجودة وتقل النفقات. ولكن السؤال هو: من أين تأتي الدولة بالأموال لسداد قيمة هذه الكوبونات؟ أليس من الضرائب؟ هذه هي النقطة المحورية: ألا وهي تقبل فردمان لوجود دولة تفرض الضرائب على الناس. فلم أر أو أقرأ أو أسمع ما يدل على رفضه للضرائب برغم شدة نقده للسلطات وما تقوم به. وهذا فرق مهم. أما بيان كيفية سير التعليم إن طبقت الشريعة فسيأتي بيانه بإذن الله في فصول «الأماكن » و «المعرفة» و «المدينة».
الموقف الثالث، القبول بالضرر : إن كانت السوق حرة تماماً إذ لا أنظمة ولا قوانين لحماية العمال، فإن أماكن العمل ستكون بائسة لأن أرباب العمل سعياً للمزيد من الربح سيبخلون على العمال في تجهيز أماكن العمل. وفي هذا ضرر على العمال. لقد قبل فردمان بهذا الضرر واعتبره ضرراً مؤقتاً إن كانت السوق حرة تماماً. يقول فردمان في فلم وثائقي عن هونج كونج بأن حرية السوق وانعدام الأنظمة والقوانين لحماية العمال في هونج كونج أديا لقفزة اقتصادية وبالتالي تحسن الحال للجميع بمن فيهم العمال. فالعمال برغم أنهم يعملون في بيئات غير ملائمة كأن يكون مكان الإنتاج ضيقاً أو حاراً أو يفتقد لأدنى عوامل السلامة، إلا أنهم راضون لأن أجورهم أعلى عما إن كان عملهم في مكان ذي بيئة أصح وبأجر أقل. ذلك أن تحسين حال مكان العمل بتكييفه ووضع رشاشات الماء
١٢ الفصل والوصل
١٤٧٣
لإطفاء الحريق مثلاً سيكون على حساب زيادة تكلفة الإنتاج ما يقلل أجور العمال. وهذا وضع لا بأس به بالنسبة لفردمان لأنه في صالح العامل والمالك معاً. وهذا بالطبع وضع رفضته المنظمات العمالية ونقده الكثير من الناس. أي أن القبول بالضرر على العاملين لهو مبدأ يقتلع نظرية فردمان لهذا فهو يردد مراراً بأن العمال في هذه المرحلة إنما هم في وضع مؤقت وسيخرجون منه تماماً كما فعلت والدته عندما كان طفلاً. فهي عند قدومها مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عملت كأجيرة في مكان غير لائق وظيفياً، إلا أن ذلك كان مؤقتاً حتى تحسن حالها لتهجر ذلك العمل لآخر أفضل. وهذه المحطات الوظيفية المزعجة، كما يقول، شر لابد منه لأنه لا ولن يوجد نظام اقتصادي من دون فقراء بحاجة لعمل. فهو يرى أن على المجتمع المقارنة بين الأنظمة لاختيار النظام الأقل ضرراً، ألا وهو اختيار السوق الحرة وبالتحرر من الدولة قدر المستطاع لأن في هذا إنتاجية أعلى.
لاحظ أن فردمان اضطر للقبول بالضرر لأنه قبل بالرأسمالية التي توجد الطبقية التي تؤدي لقفل أبواب التمكين. وهذا ما ترفضه الشريعة. لماذا؟ إن الطريقة المثلى لحماية العامل من الضرر ليس من خلال النقابات العمالية ولا الأنظمة ولا القوانين التي يستطيع أصحاب رؤوس الأموال التحايل عليها، ولكن بوجود منتجين أو مصنعين يتنافسون على جذب الأجير للعمل لهم. وهذا لا يكون إلا بفتح أبواب التمكين فيكثر المنتجون للسلع والخدمات فيزداد التنافس على الأجير النادر ذي الأجر المرتفع. وبالطبع ستقول : ولكن حتى في هذه الحالة فقد يعمل الأجير في بيئة غير ملائمة فأجيب: كلا فهذا لن يحدث لأن الأجراء ندرة، لذا سيقبلون على من يوفر لهم مكاناً أفضل للعمل. ومن جهة ثانية، فإن الأجراء ندرة مقارنة بمن يعملون لأنفسهم كالشركاء (كما مر بنا في الفصل السابق بحمد الله). فالإنتاج شراكة هو عصب الإنتاج. والشركاء بالطبع لن يبخلوا على أنفسهم في مقار أعمالهم، وهذا وضع منطقي لكل مالك، فهو يعمل ليربح « ليرتاح». وبيئة العمل الملائمة هي من أسس الراحة ليزداد الإنتاج الذي هو في صالح المالك، أي في صالح نفسه. ومن جهة ثالثة، فالشريك أو العامل لنفسه لن يسرف في محل عمله كما يفعل مدراء الشركات الرأسمالية الذي يبددون ثروات الشركات في مكاتبهم الفارهة وتنقلاتهم المسرفة لأن الأموال ليست ملكاً لهم. ومن جهة رابعة، وهذا هو الأهم، فإن المجتمع، وبسبب فتح أبواب التمكين الذي يؤدي لكثرة الملاك وتقارب الناس في الدخل المؤدي لانتقال المنتجات الواعدة من كماليات إلى حاجيات ثم إلى ضروريات، سيوجد بيئة «أماكنها وأعيانها » ذات نوعية عالية على الدوام لأن معظمها من الضروريات المتقنة الصنع، وسيوجد أفراداً ذوي عزة وكرامة لن يرضوا بالعمل في مكان غير لائق سواء كان العامل أجيراً أو مالكا.
هل رأيت الفرق؟
سُئل فردمان في محاضرة: ولكن إن تركت التجارة حرة فإن بعض التجار سيتكتلون فتظهر الشركات الكبرى لتلتهم الأفراد؟ فأجاب بأن هذا لم يحدث في هونج كونج. فسكت السائل كدليل على القبول بالرد. ولكن هل ما استشهد به فرمان من نجاح اقتصادي في هونج كونج دليل على صحة نظريته بأن الأسواق الحرة ستأتي بالخير للبشر ؟ وهل هذا ما ستؤدي إليه الشريعة؟ بالطبع لا من منظور كتاب قص الحق. لماذا؟٢٥
١٤٧٤ 🗏
العولمة
للإجابة لابد لنا من النظر في العولمة لأنها مستوى عال من الظلم وليس كما يعتقد الباحثون أن فيها تحريراً للبشر. فأقول وبالله التوفيق
إن الرأسمالية لا تقيس إلا ما هو مادي، فهي لن تقيس تعاسة من عملوا في ظروف قاسية كأولئك العمال في أفران الفحم النباتي في الفلبين وبتسخير مذل طول العمر (أي ليس مؤقتاً كما قال فردمان) وفي أقذر الأماكن وتحت أسوأ الظروف. فمثل هؤلاء العمال سواء كانوا من القادمين من الصين أو من فيتنام عندما هربوا إلى هونج كونج بحثاً عن حياة أفضل وبأعداد كبيرة وقبلوا بالعمل في مصانع لا تليق ولا حتى بالحيوانات في تجهيزاتها (أكرمكم الله)، فهم إنما قبلوا العمل فيما هو أفضل مما كانوا فيه من ويلات أو قبلوا بأجر أعلى مما كانوا يأخذونه قبل رحيلهم. ومن جهة أخرى فهم مرغمون على ذلك لأن عدد العمال كان يفوق عدد الوظائف آنذاك في هونج كونج عندما أعـد فـردمان فلمه الوثائقي ( في أواخر السبعينات من القرن الماضي. فما عسى العامل أن يفعل إلا القبول بالعمل بالأجر القليل وفي مكان سيء؟ فهذا أفضل مما كان فيه سابقاً (في فرن الفحم مثلاً). وما المتوقع من المستثمر إلا المزيد من الاستعباد لهؤلاء الأجراء لأنه يسعى للمزيد من الربح ؟ وهذا لا يكون إلا بتقليل النفقات حتى في تجهيز مكان العمل. فما رآه فردمان من ازدهار إنتاجي إنما هو على حساب الاستعباد بسبب التفاوت الهائل بين العرض والطلب في التوظيف. فلم تزدهر هونج كونج إلا لأن العولمة أوجدت لها فرصة لم تسنح لغيرها، فهي بجانب الصين الشيوعية التي كانت آنذاك تخنق الحريات الاقتصادية ليهرب منها العمال إلى هونج كونج، في وقت كانت هونج كونج فيه إقليم تحت السيادة البريطانية التي رفعت جميع القيود عنها لتجذب كل أنواع الاستثمارات من الأقاليم الأخرى في عصر العولمة. أي أن هونج كونج لم تزدهر بسبب نظامها الاقتصادي فحسب، بل بسبب موقعها. فإن رأيت مدينة تزدهر فهذا لا يعني بالضرورة بأن النظام فيها هو الأمثل، بل لأنها في وضع يختلف عما حولها في عصر «العولمة». وخير مثال من عالمنا العربي هو .دبي. فهي إمارة لم تكثر بها مظاهر العمران الزائف إلا لأنها انتهزت فرصة لا توفرها المدن الأخرى في نفس الإقليم. فدبي ليست إمارة متقدمة فهي لا تصنع شيء، بل هي وعاء لاستهلاك كل شيء. فالدعارة مثلاً ممنوعة في الجزيرة العربية ذات القيم، وكذلك الخمرة إلا في حدود ضيقة كعمان، إلا أن إمارة دبي ومن باب تسهيل الاستثمار فتحت أبواب كل ما هو ممنوع من نشاطات فانجذب إليها كل ما هب ودب في عصر العولمة واستثمر فيها. ولعلي هنا أصور الوضع بمثال قد يكون مؤلماً. لنقل أن بعض النسوة العفيفات تحدثن فيما بينهن عن فرص تحسين الحياة من خلال العمل، إلا أن واحدة منهن شقت طريق الثراء بالدعارة في بيئة تندر فيها الدعارة فكثر مالها جداً وبدأت بالتباهي عليهن بأنها في حال أفضل مادياً لأنها ملكت كذا وكذا من عملها، بينما هن يرفضن السير في هذا الطريق. وكذلك دبي التي ما ازدهرت إلا لأنها تخلت عن قيمها في محيط من المدن المحافظة. فهل تعتقد بأن القاهرة ستزدهر عمرانياً مثل دبي إن حكمها إسلاميون يمنعون الخمارات والملاهي وما شابه برغم تقديم كل التسهيلات الاستثمارية؟ بالطبع لا في عصر العولمة الحالي لأن كبار أثرياء العالم من سياسيين مرتشين وفنانين ورياضيين لن يأتوا لامتلاك عقار لهم وبأي ثمن كما يشترون في دبي. فمدينة دبي هي من أهم مقار لصوص العولمة. ألا ترى المحالات التجارية التي تبيع ساعة واحدة أو حقيبة واحدة تزيد في ثمنها عن أجر عامل لعشرات أو حتى لمئات السنين أحياناً؟ ولعلك هنا تقول: ولكن القيم ليست من
١٢ الفصل والوصل
١٤٧٥
الحركيات. وهذا ينافي وعدك يا مؤلف كتاب «قص الحق» لهذا وحتى نعطي الموضوع حقه، لابد لنا من النظر في العولمة ببعض التأني لترى جريمة العقل القاصر في حق البشرية.
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
لعل أول سؤال عن العولمة بالنسبة لنا كمسلمين هو : هل الإسلام مع أو ضد العولمة؟ وأي نوع من العولمة؟ باختصار فإن هناك عولمة تظلم السواد الأعظم من الناس على حساب المتنفذين، أي عولمة مبتورة انبثقت من أفكار الاقتصاديين المبتورة مثل أفكار ملتون ،فردمان، ألا وهي العولمة المعاصرة، وسأسميها بـ «العولمة الظالمة». وهناك عولمة عادلة ستظهر بإذن الله إن طبقت مقصوصة الحقوق وقد تستمر بإذن الله لأنه يُفترض بها أن تكون هي الوضع الطبعي للبشر. ومن باب التفاؤل لن أعطيها أي اسم لأنها ستنتج تلقائياً بالضرورة إن طبقت مقصوصة الحقوق، فهي ليست مؤقتة كالعولمة الظالمة التي ستنتهي بإذن الله. وللتوضيح أقول:
حتى لا يظهر الفساد لابد وأن يحكم الإسلام جميع الأرض بما فيها ديار غير المسلمين. وهنا يظهر سؤال عن علاقة المسلمين بغير المسلمين: هل الأصل الحرب أم السلم؟ ذهب جمهور الفقهاء من السلف والأئمة الأربعة إلى أنها علاقة حرب إلا أبو حنيفة الذي رأى أنها علاقة حرب مع المجاورين للمسلمين لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. أما معظم المعاصرين فقد ذهبوا إلى أنها علاقة سلم. ومن هؤلاء محمد عبده ومحمد رشيد رضا ومحمد أبو زهرة ومحمد الخضر حسين ومحمود شلتوت وعبد الوهاب خلاف ووهبة الزحيلي ومصطفي السباعي وسيد سابق، هذا بالإضافة إلى سفيان الثوري والأوزاعي من علماء السلف. وبالطبع فإن لكل طرف أدلته واستنتاجاته. لكن هؤلاء المتأخرين الذين رأوا السلم ذهبوا إليه لأن المسلمين الآن في ضعف وذل أولاً ولأنهم لم يستشعروا الفساد القادم على أيدي النظم البشرية التي تحكم بالعقل القاصر .ثانياً. أي أنهم إن أدركوا مصير الكرة الأرضية من تلوث وانحلال خلقي لما ذهبوا إلى السلم والله أعلم، بل لأصروا على إنقاذ الناس والأرض وبالتالي لفرضوا على الناس الحكم بالإسلام ولو بالقوة حتى وإن لم يسلموا. كيف؟
إن مما لا شك فيه هو أن الإسلام دين يسعى لإيجاد بيئة تصل فيها رسالة التوحيد لجميع الناس. فقد خُلقنا لعبادة الله وحده. قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وهذا التبليغ للرسالة لا يتحقق إلا بحرية الحركة للمسلمين. لذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينادي في أهل مكة المكرمة وفي الحكام بأن يخلوا بينه وبين الناس. فكيف نحصل على حرية الحركة إن وجدت الحدود التي تمنعنا من الوصول إلى الناس لإبلاغهم؟ ثم إن بلغ الناس عندها فلهم الخيار إما بقبول الإسلام أو برفضه ودفع الجزية. والجزية هي ما يُدفع مقابل حمايتهم وأمنهم واستقرارهم. " أي لا إكراه في الدين لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد
هامش
ج
جـ٢) وأرجو ألا تظن أن في الجزية ظلم لغير المسلمين، فالجزية مبلغ مقارنة مع ما يدفعه المسلمون ومع ما يحصلون عليه من أمان في ظل صغير جداً ولمن استطاع ذلك كما مر بنا في فصل «دولة الناس دولة قوية بإذن الله .
١٤٧٦ 🗏
تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، وقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَقُلِ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرُ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة إشارة إلى أهمية تأكيد حرية الاختيار للأديان لغير المسلمين كقوله تعالى مثلاً في سورة الأنعام: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾، وقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾. أي لنشر الإسلام يجب ألا توجد الحدود للوصول للناس كافة لتبليغهم لأن الإسلام رسالة للناس كافة. قال تعالى في سورة سبا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةَ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
والحدود بالطبع لا تعني الحدود المادية بين الدول كالجوازات فحسب، ولكن جميع أنواع الحدود. فنشر الدعوة لا يكون بالبدن فقط بأن يقابل المسلم غير المسلم وجهاً لوجه، ولكن بشتى السبل كالإذاعة والتلفاز والشبكات العنكبوتية وما شابه من وسائل. فالمطلوب منا كمسلمين إذاً محاولة إزالة جميع الحواجز للوصول للناس كافة. لهذا فإن البيئة التي تريدها الشريعة هي بيئة مفتوحة دون أي عوائق وبالطبع ففي بيئة كهذه إن وجدت سيصعب وضع أي نوع من الحواجز سواء بين الدول على الأرض كالجوازات والجمارك أو بين القارات في الجو بمنع محطات تلفازية من البث مثلاً. فإن وجدت أمة إسلامية «فعلاً» فعليها محاربة أي شعب أو قومية تحاول إيقاف نشر الدعوة، كمحاولة حجب موقع حاسوبي للدعوة مثلاً. لأن نشر الدعوة واجب.
ولكن في المقابل، فكما نريد أن نتحرك كمسلمين، فلا يحق لنا منع غير المسلمين من الحركة لأن مظنة أن يعتنقوا الإسلام إن أتوا إلينا وخالطونا أمر وارد فلهم حرية الحركة كما نريد لأنفسنا حرية الحركة. قال صاحب البدائع في أهل الذمة: «ويسكنون في أمصار المسلمين، يبيعون ويشترون، لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة إلى إسلامهم، وتمكنهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ في هذا المقصود، وفيه أيضاً منفعة المسلمين بالبيع والشراء». لهذا، فإن أي حاجز لمنع أي نوع معين من الحركة والسماح بآخر لهو أمر يجب أن يُرفض شرعاً، والله أعلم. لاحظ أن هذا لا يعني قط الذهاب والعيش في بلاد غير المسلمين كما مر بنا في الحديث عن الجماعات (في فصل «القذف بالغيب» تحت عنوان: الخطاب القرآني والمجتمعات). فهناك فرق بين الحركة للدعوة وبين السفر إليهم للاستقرار
والعيش بينهم.
سب
إضافة لما سبق (وكما مر بنا في فصول سابقة، فإن الشريعة تحاول قفل أي باب يؤدي لجمع المال للدولة، لهذا فإن مجرد التفكير في إيجاد نقاط أو حدودٍ لضبط حركات الناس أو الأموال أو المعرفة سيؤدي لاستحداث جهاز حكومي بيروقراطي لتفتيش الناس لمعرفة من منهم سيسافر لنشر الرسالة ومن منهم سيسافر للتجارة أو من منهم سيسافر لطلب علم أو لعلاج أو لأي . ، آخر. فهذا تجسس والتجسس مرفوض شرعاً. فإن سافر مسلم يحمل المال من ديار المسلمين لغير المسلمين مدعياً أنه يريد المال لنشر الدعوة فهذا حقه. أي أن العولمة التي تريدها الشريعة تمتاز بحرية الحركة للجميع سواء كانوا مسلمين أو لم يكونوا، هذا بالإضافة لحرية الحركة لكل شيء «مباح» من الأموال والمعرفة أو حتى المواد الخام للمتاجرة بها من ديار المسلمين لديار غير المسلمين. لذا فلا حدود لإيقاف الناس حتى ولو لسؤالهم عن نواياهم. فكيف لنا أن نعرف ما في قلب الفرد: هل أراد نقل المال لبلاد غير
المسلمين للدعوة أو لشيء آخر؟ أي أن البيئة التي تريدها الشريعة هي أرض بلا حدود أبداً. أي عولمة عادلة.
١٢ الفصل والوصل
١٤٧٧
وهنا يجب التنويه على أن بعض حكام المسلمين بإيعاز من بعض العلماء وبحسن نية تفننوا في إيجاد الأنظمة
لمنع انتشار قيم غير المسلمين بين المسلمين. وبالطبع ففي بيئات معولمة فإن احتمال تأثر بعض المسلمين بعادات غير المسلمين أمر وارد كانتشار حفلات أعياد الميلاد مثلاً (بما فيها من خلاف). لذا فإن تم هذا المنع تطوعاً فلا بأس. أما أن تنفق الأمة الأموال على أفراد للقيام بهذا المنع فهذا ما لا يجب فعله. بل علينا ألا نخاف من قيم وعادات غير المسلمين. فالإسلام دين لن يهزم أبداً في بيئة حرة إن واجه أهل الكفر. فقد يتغير قلة من المسلمين ويتأثروا باكتساب بعض عادات غير المسلمين، ولكن المحصلة في النهاية هي انتشار الإسلام، فمتى ما وجدت الحريات انتشر الإسلام بالضرورة لأنه دين يغلب ولا يُغلب. ألا ترى انتشاره في الغرب وبين ظهراني أناس أباحوا كل المشهيات؟ وما ذلك الانتشار إلا لأن حجة الإسلام قوية لا تُغلب في بيئة حرة. ومع تطبيق مقصوصة الحقوق، وعندما يقوى الإسلام ويعز بإذن الله، فإن الشعوب الأخرى بالطبع ستقلدنا في عاداتنا، ذلك أن أفراد الشعوب الضعيفة عادة ما تقلد أفراد الشعوب القوية العزيزة، فهذه سنة لا مفر منها. وهنا لعلك تستنتج: إذاً لابد من إيجاد هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا ينساق شباب المسلمين خلف عادات غير المسلمين لأننا الآن ضعفاء فأجيب كلا فاستحداث جهاز حكومي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأموال الدولة (والتي هي أموال الشعب) سيسهم في إيجاد دولة ذات سطوة قد توجه سطوتها ضد هذا دون ذاك. أي أن استحداث جهاز حكومي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهو بذرة لظهور سلطة تُسهم في تغيير مقصوصة الحقوق كما مر بنا في فصل «دولة الناس عندها سيضعف المسلمون وسيستشري عندها التقليد لغير المسلمين أكثر وأكثر. فالطريق الأقصر للعزة هو الوصول إليها سريعاً، لهذا والله أعلم، لا أثر في السنة المطهرة عن دفع أموال لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لأن في هذا خير صغير مقابل شر مستطير ألا) وهو بذرة الدولة التي تؤدي للتخلف).
وبالطبع هنا إن كنت من علماء الشريعة قد تقول: ولكن ماذا عن وقوله تعالى: ﴿وَلَتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؟ أليس الاحتساب أمر ثابت في الشريعة؟ وما هو دور المحتسب ؟ فأجيب: لقد تبلور دور المحتسب عبر العصور وظهرت الكثير من الكتب التي توضح مهامه مثل کتاب «نصاب الاحتساب» وكتاب « في آداب الحسبة» وكتاب «معالم القربة في أحكام الحسبة». فإن قرأتها لرأيت أن من مهام والي الحسبة مراقبة سلوكيات الناس وليس استحداث أو تغيير الحقوق. فمن مهامه مثلاً مراقبة أهل السوق في مبيعاتهم كمراقبة المكاييل والموازين، ومنعهم من الغش والغبن والتدليس فيها وفي أثمانها، ومنع الناس من الازدحام في الطرقات ومراقبة الأفراح والمآتم وطريقة لبس الناس وسلوكهم كحثهم على الصلاة. " وهذه الاختصاصات وما شابهها نابعة من طلب الأجر بالاحتساب، وهو أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. وقد استنبطت مهام المحتسب من عدة آيات كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا﴾ .٢٨
هامش
۲۸
د۲
د٢) إذا قام المسلم : ساب من نفسه فيسمى محتسبا متطوعا، أما الحسبة. وقد اشتهر إطلاق الواعظ والمرشد على المحتسـ إذا عينه الحاكم للقيام بها فيسمى والي الحسبة، وتسمى وظيفته ولاية المتطوع، كما اشتهر إطلاق المحتسب على والي الحسبة (۲۷).
١٤٧٨ 🗏
ولكن السؤال هو: هل هذه المهام ملقاة على عاتق فرد كموظف حكومي أم أنها على مجموع الأمة؟ تأتي الإجابة
من الفقهاء بأن لكل مسلم الحق بأن يقوم بالاحتساب لطلب الأجر متطوعاً. فالحسبة فرض من فروض الكفاية. فإذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين. هذا ما استدله الفقهاء من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَن الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ومن قوله تعالى في سورة آل عمران أيضاً: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَنَبِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ ، ومن قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فكما ترى فإن الخطاب موجه لجميع المسلمين وليس للسلطان أو من يوليه. تدبر قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. وهذا الاستنتاج يظهر أيضاً من قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) . ٢٩ فخطابه هنا صلوات الله وسلامه عليه موجه للكل . فلكل مسلم الحق في القيام بالاحتساب، حتى وإن رفض الحاكم قيام رجل ما بالحسبة، فللرجل القيام به دون موافقة الحاكم. بل هناك من تطوع من المسلمين ونهى الحاكم عن المنكر. وقد ذكر الشهاوي عدة حوادث أثبت فيها هذه المسألة واستنتج قائلاً: «فهذه المرويات عن السلف تفيد أن إذن الوالي وصاحب الأمر ليس شرطاً في وجوب الحسبة، وأنها حق ثابت لكل فرد من أفراد الرعية».٣٠ أي أن الشريعة تحول كل مسلم لآمر بالمعروف وناه عن المنكر، ودون أجر شهري ودون جهاز حكومي يقتات عماله من أموال الأمة. فلا أثر هنالك من أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع مالاً لفرد ما ليعمل كمحتسب، بل ابتداع ظهر بعد ظهور الديوان وبعد جمع الأموال في بيت المال. وبالطبع فإن في هذا مزيداً من الإنتاجية لأنه لا وجود لهذه الطبقة التي تستهلك دونما إنتاج.
هذا
۲۹
العولمة: الجدل
إن تدبرت السابق لاستنتجت أن الإسلام يحاول إيجاد عولمة لنشر الإسلام، عولمة مكوناتها: ١) أرض بلا حدود (۲) وسكان عليهم مسؤولية حراسة قيم المجتمع المسلم. أي أن كل مسلم عليه أن يدافع عن قيم الإسلام التي يتحلى بها عملياً في كل وقت وفي كل مكان ومع كل مخالف. ولعلك هنا تستنكر قائلاً: ولكن معظم المسلمين لن يتحركوا ولن يحاولوا الدفاع عن دينهم وعاداتهم، ناهيك عن محاولة نشر الإسلام، لهذا فإن هذه المهمة يجب ألا تترك للناس، ولكن للسلطات فأجيب: إنك تحكم من واقع تجربتك المعاصرة لأمة أنهكها نظام حكم لقرون أوجد (من خلال الديوان الذي وضع الأموال في أيدي مسؤولي الدولة أفراداً أذلاء فقراء لا هم لهم إلا السعي لإشباع بطون أبنائهم أو أنه أفرز أثرياء لا هم لهم إلا إشباع ملذاتهم. أما إن طبقت الشريعة وتقارب الناس في الدخل فإن الأمة ستكون بإذن الله زاخرة بأحرار أعزاء لا هم لهم إلا نشر الرسالة. وهؤلاء سيزدادون كثرة مع سمو الأمة جيلاً بعد جيل بتطبيق الشريعة. وكلما كثر هؤلاء في مجتمع يضع مسؤولية النشر على الأفراد وليس على السلطة، كلما كان التأثير أكبر. لهذا كان الخطاب للمسلمين (وليس للسلطة) بمجادلة غير المسلمين بالتي هي أحسن لأن المجادلات الكثيرة المستمرة مع غير المسلمين ستمحص ومن ثم تُبرز قيم المسلمين لتنتشر. قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلَا
١٢ الفصل والوصل
١٤٧٩
تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
والجدل لا يكون إلا بالتفكر في الرد، وهذا التفكر عادة ما يحرر العقول من التحجر والتمسك بقيم وعادات من سلف والبحث عن الحقيقة التي سيكتشفها غير المسلم إن جادله المسلمون بالحسنى. لهذا ركز القران الكريم على الجدل والله أعلم. فآيات الجدل كثيرة في القرآن كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾». وقوله تعالى في سورة غافر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِى ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلَّبُهُمْ فِي البلاد﴾. وقد زادت الآيات التي تحوي جدال غير المسلمين لأكثر من عشرين آية. ولأن المسلمين كثر وفي كل مكان، ولأن قيمهم سامية بسبب الرغد والسعة التي هم فيها لأن أبواب التمكين مشرعة لهم، فإن قيم الإسلام محروسة وستنتشر بإذن الله، وليس كمسؤولي الدولة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذين إن تواجدوا هنا لم يوجدوا هناك لاتساع الأرض مقارنة بعددهم القليل وإهمالهم. فشتان بين من يعمل من نفسه لكسب الأجر كمحتسب ومن يعمل أجيراً للسلطات.
لا اختيار في تطبيق مقصوصة الحقوق
وبالطبع فإن الجدال هو للإقناع بتغيير الأديان أو القيم أو العادات، فإن تحول غير المسلمين عن دينهم أو عاداتهم فهذا خير، وإلا فلا إكراه في الدين، إلا في مقصوصة الحقوق، فهذه إن لم تُتبع بالجدال فلا مجال لتركها لغير المسلمين، بل تُفرض عليهم ليعملوا بها حتى لا يظهر الفساد. أي لا خيار لغير المسلمين في العمل بمقصوصة الحقوق. فالعولمة التي تريدها الشريعة تختلف عن العولمة المعاصرة الظالمة التي لا تعدل بين الناس في فتح أبواب التمكين. وكما ذكرت مراراً، لتلافي الفساد فإن هناك مسؤولية على المسلمين للارتقاء بالعولمة، ألا وهي أن عليهم فرض تطبيق مقصوصة الحقوق حتى على غير المسلمين لإنقاذ الأرض من فساد قادم.
لاحظ أن تطبيق شرع الله لا يعني قط حكم الآخرين. فإن أسلم غير المسلمين وطبقوا الشريعة في ديارهم فهم حكام أنفسهم كما هو معلوم. أما من رفضوا تطبيق مقصوصة الحقوق، فأولئك هم الذين يُحاربون لإرغامهم عليه للعدل بين الناس مع أحقيتهم باحتفاظهم بأديانهم وعاداتهم وحتى قوانينهم المدنية التي لا تمس مقصوصة الحقوق كأحكام الزواج والطلاق وما شابه، أي لا إكراه في الدين. أي أن هدفنا كمسلمين يجب أن يتجه نحو إيجاد بيئة تتميز بحرية الحركة تحت مقصوصة الحقوق ولكن دون إرغام الناس على اعتناق الاسلام. وهذا منتهى العدل لأنه لن يوجد نظام بشري يحرر البشر، مسلمهم وكافرهم من استعباد بعضهم لبعض إلا مقصوصة الحقوق. وهذا تحد واضح لكل علماني ذكرته مرارا وهو ما يحاول كتاب «قص الحق» إثباته): إيتوني بنظام بشري يطلق طاقات الناس ويعطيهم الحق في التصرف والتمكين دون الاضرار بالآخرين وبالبيئة كما تفعل الشريعة.
ولكنك قد تقول: هل تناسيت بأن الشريعة تقيد غير المسلمين بمنعهم من بيع الخمور مثلاً؟ فأنت قلت أن الشريعة تجيز حركة كل شيء «مباح». فما هو مباح لغير المسلمين قد يكون غير مباح للمسلمين. فأين الحرية؟ فأجيب: لن أجادلك بأن ما أتى به الشرع من تحريم الخبائث وتحليل الطيبات خير للناس جميعاً. لأنك إن لم تكن
١٤٨٠ 🗏
مقتنعاً بالشريعة فستجادل بأن شرب الخمر لن يسبب الأمراض، ولكن لنفترض أنك لا توقن أن ما حرمته الشريعة هو من الخبائث وأن ما أباحته هو من الطيبات، لذا أقول لك: إن لغير المسلمين مزاولة حرياتهم داخل حدود ملكياتهم كمنازلهم وكنائسهم وقراهم، ولكن ليس فيما هو مشترك مع المسلمين كالطرق والساحات والأسواق لأن فيه ضرر على المسلمين، فهذه المناطق المشتركة هي التي يمنع فيها الأطراف من الإضرار ببعضهم البعض، فلا يحق للمسلمين أيضاً فعل ما قد يضر أهل الذمة. وهذا عدل. ولعل في الآتي توضيح سريع لحقوق أهل الذمة، فإن تدبرته لرأيت مدى الحرية التي حظوا بها. جاء في فقه السنة:
«العلاقة بين المسلمين وغيرهم: علاقة المسلمين بغيرهم علاقة ،تعارف، وتعاون، وبر، وعدل. يقول الله سبحانه في التعارف المفضي إلى التعاون: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. ويقول في الوصاة بالبر والعدل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ومن مقتضيات هذه العلاقة تبادل المصالح، واطراد المنافع، وتقوية الصلات الإنسانية. وهذا المعنى لا يدخل في نطاق النهي عن موالاة الكافرين، إذ أن النهي عن موالاة الكافرين يقصد به النهي عن مخالفتهم ومناصرتهم ضد المسلمين، كما يقصد به النهي عن الرضى بما هم فيه من كفر، إذ أن مناصرة الكافرين على المسلمين فيه ضرر بالغ بالكيان الإسلامي، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة، كما أن الرضى بالكفر ، كفر يحظره الإسلام ويمنعه. أما الموالاة بمعنى المسالمة، والمعاشرة الجميلة والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح، والتعاون على البر والتقوى، فهذا مما دعا إليه الإسلام.
كفالة الحرية الدينية لغير المسلمين ولهذا قرر الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وكفل لهم حريتهم الدينية فيما يأتي: أولاً: عدم إكراه أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾.
ثانياً: من حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم، فلا تهدم لهم كنيسة، ولا يكسر لهم صليب. يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه : اتركوهم ومـا يـدينــون). بل من حق زوجة المسلم «اليهودية والنصرانية» أن تذهب إلى الكنيسة أو إلى المعبد، ولا حق لزوجها في منعها من ذلك.
ثالثاً : أباح لهم الإسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام وغيره، فلا يقتل لهم خنزير ولا تراق لهم خمر ما دام ذلك جائزاً عندهم، وهو بهذا وسع عليهم أكثر من توسعته على المسلمين الذين حرم عليهم الخمر والخنزير.
رابعاً: لهم الحرية في قضايا الزواج والطلاق والنفقة، ولهم أن يتصرفوا كما يشاؤون فيها دون أن توضع لهم قيود أو حدود.
خامساً: حمى الإسلام كرامتهم وصان حقوقهم، وجعل لهم الحرية في الجدل والمناقشة في حدود العقل والمنطق، مع التزام الأدب والبعد عن الخشونة والعنف. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
١٢ الفصل والوصل
سادساً: سوّى بينهم وبين المسلمين في العقوبات، في رأي بعض المذاهب. وفي الميراث سوى في الحرمان بين الذمي والمسلم، فلا يرث الذمي قريبه المسلم، ولا يرث المسلم قريبه الذمي.
سابعاً: أحل الإسلام طعامهم والأكل من ذبائحهم والتزوج بنسائهم. يقول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا اتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتْخِذِى أَخْدَانِ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلَهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾.
ثامناً : أباح الإسلام زيارتهم وعيادة مرضاهم وتقديم الهدايا لهم ومبادلتهم البيع والشراء ونحو ذلك من المعاملات، فمن الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في دين له عليه. وكان بعض الصحابة إذا ذبح شاة يقول لخادمه: ابدأ بجارنا اليهودي.
......
۳۱
العولمة الظالمة
١٤٨١
أي أن في تطبيق مقصوصة الحقوق رغد دنيوي حتى لغير المسلمين لأنه سيزيد إنتاجهم كفاءة في ظل مجتمع عادل ودون الوصول للفساد مع احتفاظهم بمعتقداتهم وعاداتهم. هذه هي العولمة التي تريدها الشريعة. أما العولمة المعاصرة الظالمة فقد تجلت فيها ثلاث صفات هي: (۱) دفع المزيد من الناس إلى صفوف الفقراء ٢) والمزيد من تلويث الأرض (۳) والمزيد من النكسات المالية. فبالنسبة لزيادة الفقر، فقد نمت مثلاً أصول أكبر مئة شركة في العالم بنسبة ٧٠٠٪ في ١٥ سنة، أي من عام ١٩٨٠ إلى ۱۹۹٥ ، علماً بأن عدد موظفي هذه الشركات قد تناقص. واستحوذت أكبر ٥٠٠ شركة في العالم على أكثر من ٧٠٪ من التجارة العالمية. بينما ارتفع عدد من يقل دخلهم عن دولارين في اليوم بنسبة ٥٠٪ من عام ۱۹۸۰ إلى ۲۰۱۱م. وفي هذا يقول الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بأن
من يولد اليوم سيأتي إلى عالم من التناقضات، عالم يضم الثراء العظيم في حين يتضور فيه معظم الناس من الجوع. وبالنسبة للتلوث فقد مررنا على الكثير من الأرقام وهي أمر معاش ملموس وأشهر من الحاجة لإثباته. أما بالنسبة للنكسات المالية المؤدية لتدخل الدولة بالمزيد من الإنفاق والذي هو سحب لأموال الناس لوضعها في غير مواضعها (كما مر بنا)، فقد وضعت لك بعض الأرقام المرعبة في الهامش ولا حاجة لك لقراءتها."
17.
هامش
هـ٢) لقد كتبت هذه الصفحات قبل عشرة سنوات ثم أضفت لها نوفمبر دفعت الدول الأوروبية ٨٥ مليار يورو للديون السيادية بعض الإحصاءات. وبالطبع تغير الحال منذ تلك الأيام للأسوأ. لهذا لإيرلندا. ثم مرة أخرى دفعت الدول الأوروبية سنة ٢٠١١م مبلغ وتوفيراً للوقت لم أبحث عن أرقام جديدة لتحديث الكتاب. فما هو مليار يورو لليونان. وزاد سقف الدين الأمريكي سنة ٢٠١١م عن ١٤ معروض يفي بالغاية لتصوير الوضع. فأرجو المعذرة (۳۲). ترليون. وفي شهر أغسطس ۲۰۱۱م خسرت الأسواق المالية في
و٢) إن من محطات النكسة المالية التي بدأت في إبريل عام ۲۰۰۸م أن أسبوعين ٤ تريليون دولار بعد تخفيض مستوى الائتمان للولايات خصصت الدول العشرين الأغنى في العالم مبلغ ٥ تريليون دولار المتحدة الأمريكية. وبالنسبة للدول النامية، فقد بلغت إجمالي لتحفيز الاقتصاد. والتريليون هو ألف بليون، والبليون هو ألف خسائرها من جراء حماية الدول الغربية لصادراتها أمام الدول النامية مليون. ثم في نفس الشهر أنفقت دول الاتحاد الأوروبي مبلغ ٧٥٠ حوالي ۷۰۰ مليار دولار سنة ١٩٨٥م من حيث عائدات التصدير، مليار (بليون) يورو لإنقاذ الاقتصاد في بلدانها، وبالطبع فإن هذا المال وهذا يعادل أكثر من ٥٠٪ من إجمالي الدين الخارجي لتلك البلدان في المنفق هو ظلم لأنه يؤدي للتضخم. لهذا ففي ديسمبر تلك السنة. أما الدول الفقيرة فهي تخسر يومياً ملياري دولار بسبب الذهب إلى ۱۲۰۰ دولار للأوقية دليلاً على التضخم. وفي مايو ٢٠١٠م جور قوانين التجارة. وفي الدول العربية تجازوت الخسائر ٢٥٠٠ مليار دفعت الدول الأوروبية ١١٠ مليار يورو كحزمة إنقاذ لليونان. وفي دولار أثناء الأزمة (۳۳).
مثلاً قفز سعر
١٤٨٢ 🗏
ولإثبات السابق لابد من شرح أهم مفاهيم العولمة : إن مفكري العالم الثالث نقيضان: أحدهما يرى أن العولمة إنجاز حضاري إنساني، لذلك وجب على الكل الانخراط فيه بالأخذ منه والمساهمة في بلورته وإلا فإن هذا الذي لم يأخذ به قد تقوقع على نفسه وفاته قطار التنمية وتخلف ولهؤلاء حتى وإن لم يوافقوك على أن العولمة المعاصرة ظلم، فلابد للكل في نظرهم من الانخراط فيها وإلا فالتخلف مصير محتوم، وهؤلاء متهمون بأنهم علمانيون. ومعظم هؤلاء ممن عاش في الغرب أو تأثر به. والنقيض الآخر يرى أن العولمة ما هي إلا وجه جديد للهيمنة الغربية. فالغرب يرى نفسه مركزاً حضارياً وباقي الحضارات أطرافاً تابعة له، وعليها أن تستورد كل منتج صناعي وتقني وحضاري وثقافي منه، والعولمة الظالمة بذلك ما هي إلا وجه جديد للاستعمار. وهؤلاء متهمون بأنهم متزمتون أو قوميون وأنهم وقعوا في شراك نظرية المؤامرة. ومعظم هؤلاء ممن يعارضون سياسات دولهم فهم مقهورون من دعم الغرب الديمقراطي لدولهم الدكتاتورية. وبالطبع فبين هذين النقيضين أطياف أخرى كأولئك الذين يتبعون بعض باحثي العالم الغربي الذين ينتقدون العولمة بشدة. ولعلك أخي القارئ تدرك الآن أن كلا الفريقين وما بينهما قد ضل السبيل. فلأنهم لم يتمكنوا من رؤية ما يمكن للإسلام فعله، ولم يدركوا عمق شريعتنا، فما كان من المتقبلين للعولمة إلا الانخراط في بوتقة العالم الغربي، بينما من رفضوا العولمة اصطدموا مع الفكر الغربي ومنجزاته دون تقديم البديل العملي. فكل بديل لديهم هو فكر يرتكز على مفهوم الدولة كمؤسسة مركزية تدير شؤون الحياة وتحفظ القيم الإسلامية، وهذا ما يحاول هذا الكتاب تبيان فساده.
إن العولمة الظالمة كما هو معلوم تعصف الآن بمعظم إن لم تكن جميع مجتمعات الكرة الأرضية فهي أساساً منظومة اقتصادية منبثقة من الرأسمالية وأثرت في المنظومات الأخرى كالثقافية الاجتماعية والصناعية. فما هي العولمة الظالمة وكيف أتت؟ لعل الإجابة الأوفى تأتي من باحثي العالم الغربي ذاته.
٣٤
لا شك أن العولمة هي نتاج غربي محض. وفي هذا يقول وترز Waters : إن العولمة عادة ما تناقش في إطار فكري متسم بالريبة، وكأنها مؤامرة منبثقة عن الحداثة وذلك لأنها تظهر وكأنها تعليل لانتشار الحضارة الغربية والمجتمعات الرأسمالية. ويقول في كتابه عن العولمة بأنه لن يحاول أن يخفي أن المرحلة الحالية من العولمة ما هي إلا نتيجة مباشرة لانتشار الحضارة الأوروبية في الكرة الأرضية من خلال الاستعمار وتقليد الشعوب للغرب. كما أن العولمة متصلة أساساً بالنمط التنموي الرأسمالي. إلا أن هذا لا يعني (كما يقول) أن كل من على الأرض يجب أن يكون غربياً ورأسمالياً، ولكن على الشعوب التي ترفض العولمة أن تتأقلم وتمكن نفسها من التعامل مع هذه القوة القادمة التي تزيل الحدود الفاصلة بين الأمم اقتصادياً وسياسياً وحضارياً شيئاً فشيئاً. هذا ما قاله وترز. أما بالنسبة لي فإن العولمة المعاصرة هي قمة العلمانية وهي «النفق المظلم المحتوم للبشر إن هم ساروا بالاحتكام لعقولهم، أي لأهوائهم. ولعلك أخي القارئ تتعجب من كلمة «نفق» برغم الانفتاح في عصر العولمة. فالذي حدث باختصار، بالإضافة لقفل أبواب التمكين هو أن مجموع حريات الناس فلتت الغرائز لتقف حتى القوميات غير المحافظة عاجزة أمامها فظهر نفق التلوث البيئي والانحلال الخلقي. وهذا أمر محتوم لابد منه بسبب العولمة الظالمة كما سترى بإذن الله. لذلك سميته «نفقاً». فالنفق لا مخرج منه إلا السير قدماً لنهايته والذي قد لا نعرف آخره حتى يظهر الفساد. وكذلك تبني العولمة، فلن يخرجوا منها لأنهم يحكمون العقل في الحقوق حتى يظهر الفساد، حتى عندها فلعلهم لا يرجعون. وحتى تقتنع أخي القارئ سأدخل في بعض التفاصيل وباختصار.
١٤٨٣
١٢ الفصل والوصل
متى بدأت العولمة ؟ هناك ثلاثة آراء رأي يقول بأنها بدأت مع التاريخ البشري وأن التطور الإنساني الحادث هو إلا محطات للوصول للعولمة الحالية، إلا أن سرعة الوصول للعولمة بدأت في الازدياد في نهاية القرن الميلادي الماضي. إن اتفقت مع هذا الرأي وكأنك توافق على أن وجود البشر على الأرض شر لابد وأن ينتهي بكارثة الفساد. والرأي الثاني يقول بأن العولمة تطور حتمي للرأسمالية. وإن اتفقت مع هذا الرأي فكأنك توافق على أن البشر كائنات مجردة من الإنسانية وتسعى للربح للتلذذ المادي وإلا لما ظهرت العولمة. أما الرأي الثالث فيرى أن العولمة ظاهرة بشرية مستحدثة وملازمة لآليات اجتماعية مثل ما بعد الحداثة وما بعد التصنيع." وإن اتفقت هذا مع الرأي فكأنك توافق على أن الإشكالية هي فيما بعد الحداثة وما بعد التصنيع من تقليعات وأن النظم البشرية ما قبل بريئة من زرع بذرة الفساد، وأن البشرية كان بإمكانها تلافي الانحراف الذي أدى للعولمة لأنها لم تكن منحرفة قبل العولمة. وبالطبع فإن الرأي الصائب كما يحاول هذا الكتاب تبيانه هو أن العولمة الظالمة بدأت مع الخروج عن حكم الله عز وجل، وتزداد سعيراً مع ازدياد البعد عن الحكم بغير ما أنزل الله العليم الحكيم (تذكر ما مر بنا في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر بمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾» في الحديث عن القيم والنظم والمعرفة» في فصل «القذف بالغيب»).
الحداثة
وبغض النظر عن هذه الآراء الثلاثة فإن معظم من في العالم الغربي ومن يدورون في فلكهم من باحثين يوقنون بأن البشرية تسير في طريق منطقي تقدمي قد تكون العولمة هي إحدى محطاته الكبرى، أو أنها هي المحطة الأخيرة كما يرى البعض. فهي بذلك المصير المحتوم لكل حضارة كما ادعى فوكوياما. وعادة ما يُضرب مثال «جبل التقدم mount progress» لتوضيح هذه الفكرة والتي تنص على أن الحضارات أو الأمم وكأنهم أشخاص يتسلقون جبلاً. فالأقوى منهم يقترب من القمة، أما الأضعف فسيبقى متخلفاً بالقرب من السهل إما لأنه لا يملك العزيمة أو تنقصه معدات التسلق أو أنه قليل المران. وفي تسلقهم هذا ستجابه هؤلاء المتسلقين (أي الأمم) الصعاب كانجراف الصخور عليهم أو تغير الطقس ما يعيد بعضهم إلى أسفل الجبل مرة أخرى. أما أولئك الذين اقتربوا من القمة فقد يتكرمون على من أسفل منهم لمساعدتهم بإلقاء الحبال لهم مثلاً حتى يمسكوا بها. وقد لا يرمون لهم أفضل ما لديهم حتى يحتفظوا بها لأنفسهم. فالمتسلق الماهر هو الذي يحتفظ بالمعدات لنفسه. ولأن المتسلقين الأقوى اقتربوا من القمة فإن من في السفل سيحاولون تتبع خطاهم لعلهم يصلون بذلك التقليد إلى القمة. أما من يرفضون المساعدات ويحاولون إيجاد طرق أخرى لوصول القمة فسيتعثرون لرفضهم تجارب الآخرين. وهكذا هي الأمم تتسلق جبل التقدم. " فمنهم من اقترب من القمة كالولايات المتحدة الأمريكية ووصل للعولمة، ومنهم مازال في السفح كدول الصحراء الأفريقية. ومنهم من يتلقى المساعدات على شكل دورات تعليمية في الإدارة أو استقبال المستشارين ذوي الخبرة الغربية لتوجيههم في اتخاذ القرارات. إن هذا المثال السابق ما هو إلا دليل على استكبار الغرب واقتناعه بألا طريق للسعادة البشرية والتقدم الإنساني إلا بخطى العقلانية التي رسموها هم. يمكن لهم أن يروا غير هذا لا لشيء إلا لاستكبارهم على حكم الله العلي القدير. فـقـد حبـسـت عـقـولهـم داخل
رؤوسهم.
ماه
ولا
مظاهر العولمة؟ هناك حقيقة جابهت كل باحث ألا وهي أن علوم الاقتصاد ـا هي . والاجتماع والسياسة تفاجأت بظهور العولمة بوضعها الحالي. فلم يتنبأ أحد بظهورها، وعندما ظهرت لم يدرك أحد أبعادها. فكل
١٤٨٤ 🗏
الكتابات في التسعينات من القرن الماضي وكتابات هذا القرن تحاول أن تفهم ما الذي تحدثه العولمة ومن ثم تضع النظريات لتبرير الذي حدث. فما هي فائدة هذه العلوم إن لم تتنبأ بما يمكن أن يحدث؟ فهل هناك تخلف أكثر من هذا؟ لتوضيح هذا التخلف ولتتأكد من قصور العقل البشري سأذكر بعض أفكار أشهر المفكرين الغربيين
وباختصار شديد.
یری رونالد روبرتسون وجوان تشيريكو أن العولمة هي انتماء
«المجتمعات إلى منظومة مجتمعات واحدة، في حين ينتمي الأفراد إلى إحساس إنساني واحد، ومن ثم فإن المجتمع العالمي يتألف من سلسلة معقدة ومركبة من العلاقات بين وحداث كثيرة. وهذا المجتمع ليس خاضعاً لجملة معينة من القيم، بل لآلية المجابهة بين طرائق متباينة في تنظيم جملة هذه العلاقات، [لذا] تعكف العولمة على إقحام العالم في إطار كيان واحد ، فلا يلبث الناس أن يكتسبوا قدراً متزايداً من الوعي بوجودهم العالمي الجديد».
۳۷
لذا فإن روبرتسون Robertson يستنتج أن من مظاهر العولمة التحول الفكري الذي طرأ على النظرة لكل من العناصر الأربعة الآتية: (۱) الإنسانية عموماً (۲) والفرد خصوصاً (۳) والمجتمع القومي متمثلاً في الحكومات من جهة (٤) والنظام الدولي متمثلاً في المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي من جهة أخرى. فقد تغيرت بفعل العولمة النظرة للفرد من النظرة التقليدية التي كانت محددة بنطاق الأمة إلى نظرة تقارنه بأقرانه في المجتمعات الأخرى. أما الحكومات فقد وضعت في إشكالية مع الأفراد من حيث تقديم الحريات لهم، وفي الوقت ذاته السيطرة عليهم مقارنة بالشعوب الأخرى من حيث حقوق المواطن كفرد وبحقوق الإنسان التي تنادي بها المنظمات الدولية. أما النظام الدولي فإنه ينادي المجتمعات القومية أن تتخلى عن بعض حقوقها تجاه الأفراد، ويحاول وضع معايير موحدة لأفراد كل الشعوب. وبالنسبة للإنسانية عموماً فإنها بدأت تتشكل بحقوق الإنسان التي بدأ المجتمع الدولي يفرضها على الدول. أي أن العولمة هي تغير للتفاعل بين هذه العناصر الأربعة. فالنظرة للفرد أصبحت نظرة لذاته بمفرده على المستوى الدولي مفصولاً عن أمته وكأنه فرد لا يخضع لأمة كما كان الحال سابقاً. فانتمائية الفرد تحولت من أمته إلى جماعة البشر. كما أن النظرة للبشر بدأت تركز على جدارة الإنسان وقدراته، وبهذا فهي تذيب التمييز بين الناس من حيث اللون أو الجنس أو الدين أو العرق. كما أن علاقات المؤسسات العلمية والتجارية والمهنية والأعمال الخيرية بدأت ترتبط أفقياً مع مؤسسات الأمم المختلفة دون المرور بالدول أي أن أي مؤسسة تحاول مثلاً تطوير مهارات موظفيها لها أن ترتبط بمؤسسات مشابهة في دول أخرى مباشرة بتلافي تدخلات الدولة، فأي جامعة مثلاً تستطيع التعاون مع جامعة في بلد آخر دون موافقات حكومتي البلدين. أي أن العولمة من خلال العناصر الأربعة (إن وضعنا كلام روبرتسون في إطار الحقوق الذي نحن بصدده ما هي إلا تغيير في منظومات الحقوق التي كانت قبل العولمة. فليس للدولة الحق في التدخل في اتفاقية بين تاجرين أو مصنعين في بلدين مختلفين .
ز ۲
هامش
(۲) تختلف الاستنتاجات حول العولمة باختلاف وجهات نظر المتحدة واليونسكو، وأن هذه القيم والعلاقات تؤثر في معظم مجالات الباحثين ولكنها تدور في نفس الفلك. فهذا الباحث جون ميير John الحياة مثل التعليم والصحة وحتى الأسرة والدين. فمثلاً، لكي يتم Meyer وزملاؤه (۱۹۹۷) يستنتجون بأن الدولة القومية المعاصرة الاعتراف بدولة حديثة كدولة مستقلة ممثلة في هيئة الأمم المتحدة تستمد سماتها بشكل كبير من النماذج العالمية الحالية مثل المساواة فلابد لهذه الدولة من شروط تستوفيها ما يربط الدولة بمؤسسات والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والتنمية الإنسانية وما شابه من قيم ومنظمات عالمية تتوغل إلى تركيبة المجتمع وتؤثر فيه بطريقة عقلانية، بالإضافة إلى علاقات الدولة بمنظمات عالمية كالأمم عقلانية متقنة بقدر كبير من الإتقان. ولضرب مثال واحد، فقد اختار
١٢ الفصل والوصل
١٤٨٥
هذه النظرة التي وضعها روبرتسون قد تبدو وكأنها نبيلة لأنها تحرر الناس من تسلط حكوماتهم المتعسفة وتنقل الإنسان إلى دائرة أكبر من الحرية. نعم هي تفعل ذلك إلا أنها قاصرة من جهتين: جهة أن الدائرة الأكبر من التحرر هي احتكار فقط لأجناس من البشر دون أخرى فالمقارنة في الحقوق تتم بين مهندس ألماني وآخـر أمريكي، فكلاهما له الحق في التنقل بين البلدين. أما المهندس البنجالي فلا حظ له في المعاملة بالمثل. وهذا من نفاق العولمة." والقصور من الجهة الأخرى هو أن هذه الدائرة الأكبر من الحرية لا قيود لها ولا قيم لها ولا يسيطر عليها إلا المنطق المادي للعقل. فبالنسبة للقيم كتلك التي تبيح الزنى، فبالتأكيد لن نرض بها كمسلمين، وإن أردنا العولمة وجب علينا إن لم نرض بها أن نغض الطرف عمن يقوم بها على الأقل. ولكن المهم لنا هو منظومات الحقوق. فحرية التجارة مثلاً تعني إباحة تلقي الركبان وفي هذا تحرر «ظاهري» للتجار، بينما الشريعة تمنع ذلك، وسنأتي على أمثلة أخرى كثيرة في هذا الفصل بإذن الله تريك أن العولمة المعاصرة ظالمة لأنها بمثل هذا التحرر الظاهري ستؤدي للفساد بالتأكيد. فالحركيات التي وضعتها الشريعة هي حقوق إن لم تُطبق وتقيد بعض الحريات الظاهرية (مثل منع تلقي الركبان) فستؤدي إلى تقييد حريات السواد الأعظم وبالتالي الطبقية فالفساد. وهذا ما لم تره نظريات الغربيين لأنهم لا يعلمون الغيب. ولعلك هنا ترفض وصفي لتلقي الركبان بأنه تحرر ظاهري وتقول بأنه تقييد للتجار. فأجيب: المسألة سهلة، فحرية فرد أو جماعة قد تعني أحياناً تقييد آخرين أو الإضرار بهم، وهذا ظلم. والأمثلة على هذا كثيرة جداً: فحرية الطالب بكثرة الحركة في الصف ستكون على حساب تركيز زملائه، وحرية مسؤول البلدية باتخاذ قرار إجازة فتح محطة وقود سيكون على حساب السكان المجاورين. وهكذا لابد وأن يكون للحرية إطار كما هو ثابت والإطار في الحقوق لا يعلم الأصلح منه للبشر إلا الله العليم الحكيم.
مما
إلا أن هذه النظرة لروبرتسون نقدها عالم الاجتماع كافوليس Kavolis . فهو يرى أن هذه النظرة التي وضعها روبرتسون هي منهج غربي في التفكير والذي يضع الأديان موضعاً ثانوياً في الحضارات. فهو يأخذ الإسلام كمثال ويشير إلى أنه دين يشكل ثقافة الشعوب الإسلامية لأنه يحدد قيم الأفراد وبالتالي تصرفاتهم. وهنا يرد روبرتسون بأنه لا يرفض أهمية تأثير الأديان ولكنه يعتقد بأن العولمة ستضع الفروق بين الأديان في تضاد واضح يرغم الأديان على مجابهة بعضها والتحاور فيما بينها. وهذا بالفعل ما بدأنا نراه في القنوات الفضائية. فالعلمانيون لا يمكن لهم أن يروا أن المسلمين سيعودون إلى التمسك بدينهم. فالأمر بالنسبة لهم هو أننا متخلفون وأننا يوما ما سنتسلق جبل الحضارة ونرتقي لنصل لما هم فيه الآن ولكن بعد ترك التمسك بالإسلام بالضرورة، وإلا لن نتقدم (والعياذ بالله فترك الإسلام شرط للتقدم في نظرهم
هامش
إحصائيو اليونسكو في عقد الخمسينات أعداد الذين أتموا المرحلة نفسه، حاجة إلى أشكال وأنظمة حقوقية جديدة للإطاحة بعنصر الابتدائية المؤلفة من ست سنوات وأعداد الذين أتموا المرحلتين حاسم آخر من عناصر هذه العملية التدويلية، عملية إلغاء الحدود الإعدادية والثانوية المؤلفة كل منهما من ثلاثة سنوات وذلك لمقارنة القومية، عنصر يعده البعض، وأنا منهم، موازيـا لعنصر رأس المال الحالة التعليمية، ولكن في العقود التالية أقدمت معظم البلدان على متمثلاً بتدويل العمالة، بإلغاء الحدود القومية بالنسبة إلى العمال، غير تبني هذا النموذج (ست ثم ثلاث ثم ثلاث دون تمحيص عما إذا أننا ما زلنا نستخدم الهجرة لوصف العملية، كما ليس هناك أي كان النموذج يحقق أياً من الأهداف المفترضة للتعليم (۳۸). أشكال أو أنظمة جديدة لاحتضان عملية التدويل، وشطب الحدود حـ٢) يقول ساسكيا ساسن Sakia assen في هذا الشأن: «إن القومية، في تشكيل الهويات والولاءات بين القطاعات السكانية إنتاج أشكال جديدة من الشرعية وإيجاد نظام حقوقي جديد عابر المختلفة التي لا تعد الأمة المصدر الوحيد أو الرئيس للهوية، مع جملة للحدود القومية يصبان في مصلحة إعادة تأسيس رأس المال بوصفه الأشكال الجديدة الملازمة من التضامن ومفاهيم العضوية، ...» طرفاً كوكبياً في الفضاءات المدولة الضرورية للعملة، وثمة في الوقت (۳۹).
١٤٨٦ 🗏
أي باختصار فإن آراء روبرتسون بالإضافة إلى أنها تحاول تحرير البشر من قيم وعادات أسلافهم تؤدي إلى النظام العالمي الجديد الذي يُضعف الدول والقوميات أمام المؤسسات، وهذا سيوجد حلبات للصراع بين أهواء البشر لينتصر من هو أقوى ويسخر الموارد المصالحه بعد انتصاره. فالبنك الدولي لن يكترث لحال فقراء الدول النامية. ومنظمة الصحة العالمية تؤثر عليها مصالح شركات الأدوية وتقنيات استحصال الطاقة تسيرها مصالح شركات النفط العالمية حتى تلتهم الأخضر واليابس. هكذا يضيع الحق بين هذه الصراعات ليبتلعه الأقوى. ولعلك تقول: أين الإثبات ؟ فأقول: لننظر إلى جذور العولمة أولاً.
إن عالم الاجتماع الإنجليزي جيدينز Giddens وضح ظهور المجتمعات الحديثة عندما تحدى فكرة ماركس التي تنص أن الذي شكل المجتمعات الحديثة هو الرأسمالية. وهو، أي جيدينز، له نظريات أخرى، فهو يرى أن ظهور الحكومات القومية nation states ومقدرتها على محاربة بعضها البعض هي التي شكلت المجتمع الحديث. فالحكومات الممثلة للشعوب أصبحت وحدات سياسية ذات دور دولي وبهذا أصبح العالم شبكة من أمم تمثلها حكومات في نظام عالمي بعلاقات دولية. والذي أدى لهذا كما يقول جيدينز هو: (أولاً) أن بعض الحكومات للشعوب مثل الإنجليز والفرنسيين والألمان والإيطاليين تمكنوا من دمج الإنتاج الصناعي بالعسكرية. وبهذا التصنيع للحروب تيسر لهذه الأجناس دحر الأمم القبلية وتمكنوا من استعمارها. (ثانياً): إن الخاصية العقلانية البيروقراطية التي تمتعت بها هذه الشعوب مكنتها من جمع وتوظيف مصادرها وبكفاءة لخدمة شعوبها ومكنتها من إدارة علاقاتها مع الشعوب الأخرى. (وثالثا): حدوث سلسلة من الأحداث التاريخية غير المتوقعة ومن أهمها فترة السلام الطويلة التي مرت بها أوروبا خلال القرن التاسع عشر والتي مكنت الدول الأوروبية من استثمار مواردها الاقتصادية في التصنيع والاستعمار. ومن هذه الأحداث غير المتوقعة أيضاً اختلال الاتزان بين الدول خلال الحرب العالمية الثانية والتي أدت إلى ظهور القوى العظمي عسكرياً وبالتالي الحاجة إلى النظام الدولي الحالي والذي أعطى الدول الصغيرة مساحة من الاستقلال والنمو كل داخل حدوده.
له
هو
وحتى نضع قراءات جيدينز للتاريخ في إطار الحقوق يمكننا القول أن الذي شكل التاريخ الحديث بالنسبة الصراع الدائم بين الشعوب وكأنها تتسابق لبلوغ هدف استعباد الآخرين كما في الاستعمار. ولكن ليس المهم هنا هل أصاب جيدينز في تحليله أم أخطأ، بل المهم . اعتقاده بأن العقلانية التي سخرت البيروقراطية التي جمعت الموارد ووظفتها لتسبق هذه الشعوب الموظفة للعقلانية شعوباً أخرى، لهو اعتقاد مضلل لأنه لم ير بديلاً أكثر
إنتاجاً لأن الإسلام لم يطبق.
هو
كما أن الأهم هو إقراره بأن المجتمع الحديث هو نتاج الصراعات بين الأمم. والصراع بين اثنين هو في النهاية تدمير ومن ثم انتزاع طرف لحقوق الطرف الآخر بعد الانتصار. وهذا استعباد. والاستعباد هو باختصار سلب لحقوق الأضعف وزيادة في حقوق الأقوى. وهذا هدف شيطاني. فأسرع وسيلة للشيطان لإخراج الناس عن عبادة الله عز وجل هو استعباد بعضهم لبعض بعد تدمير وانتصار بعضهم على بعض. فلا أصنام هنالك من الأحجار ولكنها أصنام من القوميات تخضع لها قوميات أخرى. أي أن الآلية هي تدمير وإخضاع. فالدول التي تمكنت من جمع وتكثيف وتوظيف مواردها بكفاءة هي التي انتصرت. فهل هذه إنسانية؟ فهو بهذا التحليل وكأنه ضمنياً يفكك آلية استعباد الآخرين بطريقة يعتقد أنها علمية وأنها تؤدي للتطور. لإثبات هذا لننظر للآتي:
١٢ الفصل والوصل
١٤٨٧
٤١
ثم بعد ذلك ربط جيدينز في أعماله المتأخرة بين العولمة وظهور المجتمعات الحديثة. فهو يرى أن المجتمعات الحديثة لها أربع صفات مؤسسية مميزة : الأولى هي أن الحداثة تعني رأسمالية الإنتاج والتي تتطلب علاقات اجتماعية بين أصحاب رؤوس الأموال وبين من لا يملكون المال إلا أنهم يبيعون خدماتهم مقابل الأجر. فهل هذه الإنتاجية من خلال التسخير للناس أمر مقبول إنسانياً أم أنك تشعر أنه استعباد؟ هل رأيت قصور العقل؟ أجل هناك طرق أخرى لإنتاجية أعلى دون استعباد كما أحاول أن أثبت بإذن الله.
والصفة الثانية
هي
أن الحداثة تعني التصنيع أو تكرار المجهود الإنساني بتوظيف الآلات، وهذا يتطلب التنسيق بين نشاطات أفراد مختلفين لهدف الوصول لمنتجات مادية. وهذه مسألة يمكن دحضها. فكما هو معلوم فإن المصانع تحوي أجهزة ومعدات وآلات وبالطبع فإن هذه الآلات هي أيضاً من صنع رأسمالية الإنتاج. أي أن الصفة الأولى التي تتطلب العلاقات بين أصحاب رؤوس الأموال والمستأجرين هي التي تؤدي أيضاً لظهور هذه الآلات التي توضع في المصانع. ولأن النمط الإنتاجي الطاغي في المجتمع هو نمط رأسمالي مبني على تسخير الأجراء، فإن هذه الآلات عادة ما تصمم بطريقة تصفُ العمال وكأنهم آلات أخرى إلا أنها أكثر ذكاءً. فترى السيارات تخرج من المصنع بعد المرور على عمال يتقن كل منهم عملاً محدداً ويكرره مئات أو آلاف المرات كل يوم. فهذا العامل يركب المقود، وذاك يشبكه، والثالث يجربه، وهكذا يتحول التصنيع لعمل يقتل إبداعية الإنسان. فالمبدع هم المصمم لهذه الآلة والمصمم للمصنع والمصمم للمنتج. وبهذا التخصص الذي يفصل المصمم عن العامل تضمحل التجربة مؤثرة في التقدم المعرفي. ولعلك تقول بأن هذا تغير مؤخراً مع شركة تويوتا للسيارات التي أوجدت انقلاباً جذرياً في المناخ الإنتاجي من خلال ما يعرف بـ lean production. فأجيب: ستأتي الإجابة في فصل «المعرفة» بإذن الله، ولكن باختصار فإن المسألة نسبية، فشركة تويوتا لاتزال تصنع أجزاء سياراتها لدى مصانع أخرى تقوم بالشيء ذاته. أي تقزيم الإنسان من كائن يبدع ويفكر ويتفاعل مع ما ينتجه ويستمتع بعمله إلى مجرد آلة وكأنها صماء. وهذا لن يحدث مع تطبيق الشريعة (تذكر ما مر بنا في فصل «الشركة» في توضيح عبارة: «أكبر تجمع للأفراد كشركاء دون بيروقراطيات تذكر»).
هي
والصفتان الثالثة والرابعة للمجتمعات الحديثة هما عن التسلط وهما مرتبطتان بفكرته (أي جيدينز) عن ظهور الحكومات القومية وتشبهان ما تذمر منه الفرنسي فوكو Foucault. فالصفة الثالثة مقدرة الدولة على تجميع معلومات مجردة عن السكان ووضعهم في سلم هرمي لمراقبتهم. والصفة الرابعة هي مركزية السيطرة على العنف في مجتمع صناعي عسكري. وبهذا سيطرت الدول على السكان وحركاتهم ونشاطاتهم. والتطورات الكبيرة
لهذه الصفات المؤسسية الأربع (كما يقول جيدينز) أدت لظهور الدول الحديثة التي مهدت لظهور العولمة. إن ما وضعه جيدينز من سيطرة الدولة على الناس أمر واقع معاش في الغرب برغم اعتقاد الناس أنهم أحرارا. فهم أحرار سلوكياً، فلهم الحق في الزنى والشكر مثلاً. أما اقتصادياً فهم مكبلون تماماً مقارنة بالإسلام. لذا فإن العجب كل العجب أن يقبل جيدينز بهذين الوضعين المتناقضين: ألا وهما اجتماع سيطرة الدولة على الناس من جهة، والتقدم الحضاري بسبب الإبداعات البشرية من جهة أخرى لأن العولمة «كهدف ماضون إليه» تُعَدُّ بشرياً في نظره. ومنطقياً فإن هذا الجمع لن يتحقق لأن التقييد والإبداع لا يجتمعان إلا إن كان المجتمع في نظره آلة كبيرة تعمل أجزاؤها بأوامر مصمميها بإتقان. كل جزء في الآلة أو كل فرد في المجتمع مسير غير مخير وعليه العمل
إنجازاً
١٤٨٨ 🗏
باجتهاد وإتقان برغم الحرية السلوكية التي يتمتع بها. وهذا محال كما ثبت مع سقوط الاشتراكية. ولكننا لن نرى الفرق بين ما تنجزه العولمة المعاصرة وبين ما يمكن للإسلام أن يقدمه لأن الشريعة لم تطبق. أي أن هذا الاستنتاج لجـيـدينـز ما وقع إلا لأنه لم ير البديل الإنساني الإسلامي الذي يؤدي لإنتاجية مرتفعة بجودة أعلى ودون تقييد
الأفراد.
الزمان والمكان
لقد استعان جيدينز بفكرة مكلوهانست Mc Luhanist عن فصل الزمان والمكان لتوضيح العولمة والتي تنص على أن الزمان والمكان كانا شيئين ملتصقين لموقع الفرد في مجتمعات ما قبل الحداثة. فنشاطات الإنسان وقتياً كانت مرتبطة بالتغيرات الزمانية يومياً وفصلياً. فالظهر كزمان له نشاطاته التي تختلف عن الصبح كإطعام البهائم مثلاً. وكذلك الشتاء له نشاطات إنتاجية تختلف عن الصيف كتجفيف الفواكه الخزنها. وكذلك المكان، فقد كان يربط نشاطات الإنسان بموقع عمله أو منزله. فهو يزرع في مزرعته أو يرعى بالقرب من قريته، وهكذا. ثم مع ظهور الساعة الميكانيكية في القرن الثامن عشر بدأت عولمة الوقت. ثم أتت عولمة المكان من خلال الخرائط الجغرافية بعد الاكتشافات الجغرافية مثل رأس الرجاء الصالح. وبهذا بدأت النشاطات الإنسانية في الخروج من حيزها المكاني والزماني الضيق لترتبط اقتصادياً واجتماعياً بمناطق أخرى أبعد فالمصنع مثلاً له فرع للتوزيع في
مدينة أخرى.
كذلك يستعين جيدينز بآليتين يرى بأنهما حررتا المجتمعات أكثر الأولى هي الوحدات الرمزية كالنقود. فالنقود تنقل المجهودات من مكان لآخر وبهذا تمكن الناس من إيجاد علاقات اجتماعية عبر الزمان والمكان دون تقييد. والثانية هي منظومة الخبرة المتراكمة سواءً عند الأفراد أو في الكتب أو في السجلات ونحوها. فالخبراء هم أفراد يملكون المعرفة وينتقلون بها من مكان لآخر. وهاتان الآليتان تتضمنان الثقة. فالكل يثق بالنقد ويثق بالمعرفة أو بأهل الخبرة في الأداء. إلا أن هذه الثقة لا تعني الاتكال. فمن مميزات الحداثة مثلاً التأكد من المعلومات. الحداثة فمجتمع مجتمع ذو خاصية انعكاسية أو مرآوية reflexive ، أي أن أفراد المجتمع دائمو التمحيص ليتأكدوا من أي معلومة مهما صغرت بمراجعتها فعلاقات المجتمع الحديث مبنية على المد الدائم من المعلومات التي يتم تمحيصها واختبارها مراراً وتكراراً. فالفرد يدرك المخاطر لذلك تجده دائم البحث عن دقة المعلومة وصحتها. فتجد الأفراد يحاولون أخذ جميع المعلومات حتى التي تتعلق بالأسرة مثلاً من مصادر موثوقة كالصحيفة والمذياع والموقع الإلكتروني ويرجعون للكتب المتخصصة للوقوف على دقة المعلومات، وليس كالأفراد في المجتمعات ما قبل الصناعية الذين يتقبلون المعلومات ممن هم أكبر منهم سناً أو من العادات والقيم
هو
السائدة.
وبهذا يرى جيدينز أن العولمة وما بعد الحداثة ما هي إلا تطور مباشر للحداثة التي تعتمد على العقلانية المؤدية للمادية والرأسمالية. فما ذكر سابقاً من أفكار تعني تمكين المجتمعات لاستحداث علاقات مع جهات أبعد للمزيد من الكسب. وهكذا تتشابك المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً ومعلوماتياً. فما يحدث في مجتمع ما يعكس ما يحدث في مناطق أخرى من العالم لتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية برغم بعد المسافات. فمزرعة
٤٢
١٤٨٩
١٢ الفصل والوصل
للماشية في أستراليا بشرق الأرض قد تنتج صوفاً لمصنع في أمريكا الجنوبية والذي قد يخفض إنتاج الملابس الصوفية لارتفاع أسعار النفط من الشرق الأوسط، وهذا سيؤثر على موزع الملابس الذي قد يملك فروعاً في أوروبا، وهكذا. لذلك فهو (جيدينـز) يصر على أن العولمة المعاصرة هي استمرار للحداثة. لذا، فبالنسبة له، فإن «ما بعد الحداثة» وضع لم تصل إليه البشرية بعد لأنه يعني الكمال أو المدينة المثالية أو الفاضلة utopian ، وهو وضع تكون فيه البشرية قد حلت فيه جميع مشكلاتها. فبإمكان الكل مثلاً المشاركة في الحكم من خلال نظام متعدد المستويات سياسياً، و ا، وانعدام التسليح بين البشر ، واقتصاد لا ينضب، وتقنية تتسم بإنسانيتها. أي أن البشر ماضون
قدماً للعولمة.
مع
التعامل
ولا أريد الخوض أكثر في مثل هذه الأفكار خوفاً من الابتعاد عن موضوع الكتاب. فعالم الاجتماع جيدينز مشهور ويعتد برأيه لدى العلمانيين لذلك ركّزت عليه هنا. وإن وضعنا ملخص قوله في إطار الحقوق لاستنتجنا أن منظومات الحقوق كانت تتغير بتغير تمكن الإنسان من الزمان والمكان بفعل التقنية ما أدى إلى استحداث علاقات أناس أبعد بحقوق مبتكرة من العقل القاصر ما سيؤدي للفساد. وهذا هو بيت القصيد: أي أن العولمة ستسحب البشر من خلال الحقوق المستحدثة من العقل القاصر إلى الفساد. ولعلك تسأل: لماذا يدعي جميل أكبر أن هذه العلاقات المستحدثة أدت لعلاقات حقوقية مبتكرة من العقل القاصر ؟ فأجيب: إن كل علاقة مستحدثة وبالذات الاقتصادية منها تعني استحداثاً في منظومة حقوقهم لأنهم لا يكترثون للاستقاء من تراثهم الحقوقي حتى وإن وُجد، ولأنهم بالتالي يلجؤون للعقل مباشرة لإيجاد منظومة حقوقية تخدم الوضع المستحدث. وليس كالشريعة التي (كما أحاول أن أثبت أتت مكتملة في مقصوصة الحقوق فالتطور التقني الذي مكن البعض دون الآخرين، أدى في العولمة المعاصرة إلى استحداث الحقوق. فعلى سبيل المثال: بعد اكتشاف ومن ثم توظيف الكهرباء لخدمة السكان، ظهرت شركات لتوليد الكهرباء وتوزيعها كما هو معلوم. ولأنه لا نصوص حقوقية هنالك لتقييد المجتمعات في مع هذا الاستحداث، ولأنه لا تراث للتعامل مع الكهرباء لأنها تقنية مبتكرة ، فقد استحدثوا منظومة الحفظ حقوق السكان والمستثمرين في بيع الكهرباء. وكما هو معلوم، فإن الشركة التي ستولد وتبيع الطاقة لها حفر الطرق لوضع الكيبلات وذلك بعد موافقات الجهات المختصة في السلطات. ثم بعد ذا ذلك لها حق الامتياز في التوزيع والبيع بالسعر الذي تحدده والذي قد تحاول السلطات خفضه تحت ضغط المستهلكين. وكأي مستثمر ستحاول الشركة رفع التعرفة الاستهلاكية. وبهذا تظهر حلبة للصراع بين المستهلكين والشركة وتكون السلطات هي الفاصل فيها. فإما أن تُفرض على الشركة أسعاراً مجحفة لأن حجة السلطات أنها مثلاً مكنت الشركة من وضع التوصيلات في أماكن عامة دون رسوم أو حتى برسوم رمزية، وعندها قد يتوانى المستثمرون الآخرون عن مثل هذه الاستثمارات (كما حدث مثلاً في الدول الاشتراكية التي تفاقمت فيها مشاكل الإسكان بسبب عزوف المستثمرين)، وإما أن يُظلم السكان لأن آلية العرض والطلب قد عطلت بتدخل السلطات ما أدى لاحتكار الشركة المنتجة للأسعار لأنها احتكرت خطوط التوصيل كما هو واقع في الكثير من دول العالم الرأسمالي. ثم أخيراً ستصل الأطراف لسعر متفق عليه، ولكن لأنهم وصلوا إليه بعد عناء فإن الاتفاق قد يقف عائقاً أمام أي تطوير جذري لصعوبة تغييره. أي أن المهم أن هذه البيروقراطية المنهكة ستؤدي إلى تجميد التقنية إلى حد كبير مع هدر عال برغم أنك لا ترى هذا التجميد ولا ترى الهدر، بل تظن أن صناعة الكهرباء في تقدم لما تراه من إنجازات لأنه لا بدائل أخرى أمامك لتراها كتلك التي كانت ستظهر إن طبقت مقصوصة الحقوق. وللمزيد من التوضيح أقول:
هو
١٤٩٠ 🗏
نقل الحقوق
لأهمية مسألة نقل الحقوق فقد خصصت فصلين كاملين القادم والذي يليه. فالذي يحدث. الحداثة أو مع العولمة أو الرأسمالية أو أي نظام حقوقي آخر لا يحكم بمقصوصة الحقوق هو أن الحقوق عادة ما تُنقل من أيدي أصحابها في المكان إلى أيدٍ خارج المكان، وهذا ما حاولت الصفحات السابقة تبيانه من أن العولمة ما هي إلا طريق مختصر لنقل الحقوق. وهذا فساد عظيم ذلك أن في هذا النقل للحقوق وصل بين جماعات من مسؤولي الدولة والشركات بطريقة تقف ضد مصالح السكان حتى وإن ظهرت وكأنها في صالحهم. تذكر هذه العبارة دائماً لتتأكد من صحتها فيما بقي من صفحات الكتاب: «إن في نقل الحقوق من سكان الموقع وصل حقوقي بين أفراد هم خارج الموقع كان من المفترض بهم أن يكونوا مفصولين عن بعضهم البعض». فعندما يوافق البرلمان على قرارات بشأن تمديد أنبوب غاز لمن هم في الشمال على أراضي من هم في الجنوب على بعد آلاف الكيلومترات فقد وصل البرلمان بين مسؤولي الشمال والجنوب والشركات على حساب إبعاد الناس. وعندما يتخذ رئيس البلدية قرارات إنشاء مجمع تجاري (ما يسلب حقوق سكان الحي الذي لا يسكن هـو فيه فقد وصل بين ملاك المجمع التجاري وجميع المؤسسات الخدمية كالماء والكهرباء مع ترك السكان جانباً. ثم مع العولمة اشتد الحال سوءاً. فعندما يقوم ملاك شركة في شمال الأرض لقص الأشجار وتصدير الخشب مثلاً بالحصول على امتياز قص أشجار مساحات تصل لمئات الكيلومترات من حكومة فقيرة في جنوب الأرض وتريد تلك الحكومة الفقيرة المال لتثبيت أركان حكمها ضد شعبها، فإن حقوق من يسكنون هذه المناطق التي استنزفت أشجارها قد نقصت لصالح المستهلكين في بلد آخر في شرق أو غرب الأرض صدر الأثاث المصنوع من الخشب إليهم في عصر العولمة. ولأن المستهلكين للأثاث لا يشعرون بخطورة فقدان تلك البيئات لهذه الأشجار البعدهم، ولأن الشركة لا همّ لها إلا الربح والذي تدفع جزءاً منه لمسؤولي تلك الدولة الفقيرة الذين لا هم لهم إلا الاستمتاع بالحكم بقهر السكان أو حتى إن كانت الحكومة نزيهة وتريد توظيف المال في المرافق) فقد ضاعت الحقوق مكانياً لأنها سُلبت من سكان الموقع ووضعت في أيدي مسؤولي الحكومات والشركات في أماكن بعيدة، وهكذا فصل السكان وأخرجوا من كامل المعادلة التنموية. وهذا بالطبع سيكون على حساب البيئة وسكانها ليظهر الفساد والتخلف التقني. ومثل هذه الحالات لن تقع أبداً إن طبقت الشريعة، لأن الشريعة لا تفصل مطلقاً بين حقوق الناس والمكان، وبهذا التمكين للناس الذي توجده الشريعة ستظهر الحلول التقنية الأمثل وبأقل تكلفة وأعلى جودة ودون تلويث، وهذا إعجاز تشريعي.
ط ۲
أما بالنسبة لنقل الحقوق زمانياً، فلعل أوضح مثال هو حقوق الامتياز. فعندما تحصل شركة ما على حق
هامش
ط ۲) لقد أدى الحكم بغير ما أنزل الله إلى استخفاف الحكام انقلبت إلى سيطرة على المسلمين، وكذلك فعل اليهود في فلسطين. فقد بشعوبهم، فأبرموا الصفقات بإعطاء الشركات غير الوطنية حقوق بدؤا بعمل شركات وجلبوا لها خبراء وعمالاً فنيين، ثم اتسعوا في ذلك الامتياز ليحصلوا هم على المال ليحكموا شعوبهم، وهكذا أتى الذل حتى ابتلعوا ديار المسلمين وأرضهم وأموالهم، وصاروا خطراً جاثماً تأمل ما قاله المطيعي يرحمه الله معلقاً على الشركات التي تنهب ثروات على أنفاسنا ومقدراتنا، فليتنا ننتبه إلى خطر الترخيص في معاملة غير المسلمين: «ولو أن المسلمين فقهوا دينهم والتزموا في سلوكهم بأحكام المسلمين». ويقول في موضع آخر ناقداً: «ولقد أفاض الله نعمه ظاهرة هذه الفروع الدقيقة لدانت لهم الأرض ولبرعوا في شتى علومها على ديار المسلمين وباطنها أعظم، والأرض كلها، إن شاءوا، لهم دياراً، الدنيوية وفنونها الحيوية. ولم تتعرض أرضهم للاغتصاب ورقابهم فقعود المسلمين اليوم عن الاستغلال الرشيد لثراتهم والنهوض بحالهم للعناء. وقد عرفنا أن احتلال الكفار للهند وأندونيسيا وماليزيا بدأ في هذا المجال جريمة يحاسبون عليها في الدنيا والآخرة» (٤٣). بتكوين شركات مالية تعمل على المتاجرة واستغلال الأرض حتى
١٢ الفصل والوصل
١٤٩١
التنقيب في منطقة معينة لمدة عشرين سنة، فقد سُلب حق من سيأتون من الناس بعد عشرة سنين مثلاً، وهذا لن يحدث أبداً إن طبقت الشريعة كما مر بنا في فصل «الخيرات». وهنا بالطبع ستسأل : ولكن ما هي حلول الشريعة، فأنت يا جميل لم تجب على كيفية الفصل في أسعار الكهرباء في المثال السابق مثلاً؟ فأجيب: ستكون الإجابة أوضح الله بعد عرض المبادئ في الفصل بعد القادم والذي يليه بإذن الله . ولكن حتى تطمئن سأناقش هذه الحالة (أي الكهرباء) باختصار شديد الآن تاركاً المبادئ والحالات المشابهة لكثرتها للفصلين القادمين بإذن الله.
بإذن
بالنسبة للفصل في أسعار الكهرباء فإن الإشكالية الأساسية هي في أن السلطات اتخذت قرار السماح بتوصيل الكهرباء لأن الواقع العملي هو أن الطريق «ملك للدولة» ولها حق التصرف فيه وليس للناس. وهذا إن طبقت الشريعة فكر مرفوض، فالطرق ملك للناس كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن الله. وحتى إن كان الطريق ملك للناس عرفاً فإن الواقع الحالي هو أن السلطات تمثلهم جميعاً في اتخاذ القرار لأنه لا آليات هنالك تمكن السكان من اتخاذ القرار. أي أن الدولة ومن يمثلها من مؤسسات أو مسؤولين هم الذين يقررون كيفية التوصيل ومتى ونوعية الأسلاك وما شابه من متطلبات بالاتفاق مع الشركة. أما السكان فلا دخل لهم في هذه المسألة إلا إن كانت الدولة ديمقراطية بحق في نظام حكمها حتى عندها فإن السكان لهم حق التمثيل في المفاوضات لتوصيل الكهرباء. وهنا الإشكالية، فلا الدولة ولا من يمثلها ولا من يمثل السكان سيهتمون بطريقة التوصيل وتكلفتها وجودتها بقدر اهتمام السكان أنفسهم. فالسكان وكأنهم مُغيبون. فالنظام الإداري للدولة وصل بين مسؤولي الدولة ومسؤولي الشركات على حساب إبعاد الناس أي أن النظام فصل السكان عن واقعهم، إلا أن لهم حق الاعتراض على أعمال الشركة بعد أو أثناء التنفيذ في حكم ديمقراطي. وفي هذا هدر للوقت والمال ناهيك عن النفسي بين الأطراف لأنها أطراف متنازعة في الغالب.
الشد
وبالطبع ستقول: ولكن السكان لا يدركون كيفية التوصيل فهم جهلة في هذه المسألة! فأجيب: نعم ولكن إن سار الحال كما تقص الشريعة الحقوق، فإن الطريق هو ملك للسكان وبالتالي فالحق لهم في فعل ما يشاؤون وليس لمن يمثلهم فهم الذين يبادرون ويتصلون بالشركات وليس الدولة ولأن هذه الملكية للطريق الواحد مجزأة بين العدد الكبير من السكان بطريقة مشاعة فإن هناك مبادئ شرعية لكيفية التمتع بهذه الملكية. منها مثلاً منع أي فعل يمس جسم أو هواء الطريق إن اعترض عليه أحد المارة مثل فتح محل أو إنشاء عمود كهرباء، أي أن اعتراض أي فرد مار هو بمثابة اعتراض الجماعة، وهكذا من مبادئ كثيرة. ولا مجال هنا لتوضيح التفاصيل لأنها ستأتي بإذن الله (وقد وضحت بعض هذه المبادئ في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام» بحمد الله).
وهكذا من مبادئ تجعل الطريق وما يحويه تحت تصرف أو سيطرة السكان إن طبقت الشريعة لأنهم هم الملاك وبالتالي هم الذين سيتواصلون مع الشركات عندها فإن حاولت شركة ما بيع الكهرباء فعليها التفاوض مع السكان مباشرة للسماح لها بذلك. وهنا بالطبع قد تقول: ولكن قد لا يوافق الجميع، بل قد يعترض فـرد لتعطيل مصلحة الجماعة تعسفاً. فأقول: هذا قد وقع كما تخبرنا كتب الشريعة، ولها فتاواها التي تنبثق من النصوص الشرعية في قص الحقوق كما سيأتي بإذن الله (وقد وضحت بعضها في كتاب «عمارة الأرض» في الحديث عن الفريق المستوطن في كل من الفصل السادس والسابع والتاسع. ولأن هذه الفتاوى ظهرت بالقياس فهي في دائرة تمكين السكان دائماً، فالشأن شأنهم، لذا فإن على الشركة الموزعة للكهرباء التفاوض مع السكان مباشرة، هذا إن لم يذهب
١٤٩٢ 🗏
السكان أصلاً لإحضار الشركة لأنهم هم المستفيدون من الكهرباء. أي أنه لا احتكار أبداً لأنه لا يحق لأحد من السكان أو لأحد من المسؤولين إعطاء الشركة حق الامتياز في الطريق. لذا فإن طبقت الشريعة فقد تأتي شركة أخرى لتنافس هذه الشركة في التوصيل ثم البيع، أي أن الاحتكار لن يقع مطلقاً. وهذا لا يحدث عادة في مدننا المعاصرة التي لا تحكم بشرع الله إما لأن الشركة الموزعة للكهرباء شركة حكومية أو مدعومة من الحكومة ومتخمة بالتالي بعدم الكفاءة، أو لأنها شركة حصلت على حقوق امتياز بيع الكهرباء لسنين قادمة ما يجعلها في موقع احتكاري بالنسبة للسكان (هذا إن لم تحصل على هذه الصفقة برشوة المسؤولين)، وإما لأن حقوق توزيع الكهرباء قد منحت لأكثر من شركة وأقفل الباب على الآخرين.
لاحظ أنني في مناقشتي هذه أتقبل التقنية الحالية لتوليد الكهرباء في مكان واحد خارج المدينة كأنها الحل الوحيد لتوليد الطاقة، وأن الطاقة يجب أن تمر خلال كيبلات كبيرة ومن ثم أصغر وأصغر حتى تصل إلى منزل المستهلك. حتى مع هذا القبول ستظهر سيناريوهات أخرى غير التي نعرفها حالياً إن طبقت مقصوصة الحقوق. فقد تظهر شركات خاصة لتوليد الطاقة وأخرى لبيعها لأن بعض السكان قد يرفضون إدخال الشركات المولدة لأراضيهم، بل قد يأتون بشركات بسعر أقل لتضع لهم الكيبلات ليتولوا هم عن طريق شركات أخرى صيانة هذه الكيبلات، وبهذا ستظهر أسواق مفعمة بالتنافس بين الشركات للتوليد وأخريات للتوصيل وثالثات للصيانة. وبالطبع ففي مثل هذه الظروف فإن السكان هم من يقرر مثلاً موقع العداد وليس شركة الكهرباء. وهم مثلاً من يقرر مكان مرور الكيبلات في الطرق ونقاط التوزيع. وإن كان اختيارهم غير ملائم تقنياً فسيستمعون للفنيين لأن هذا في مصلحتهم. وبهذا نوجد سكاناً يتفاعلون مع بيئتهم. وكلما ازداد التفاعل وزادت سلطة السكان لأنهم هم المستهلكون، كلما تقدمت التقنية كما سأثبت لك بإذن الله في فصل «المعرفة». ولكن باختصار تذكر دائماً أن منتجي المستهلكات مثل الحاسبات الآلية أو السيارات وكذلك منتجو الخدمات كشركات غسل الملابس في تنافس دائم على إرضاء المستهلكين للفوز بأموالهم، وبهذا تتقدم التقنية والخدمات لأن المقرر هو المستهلك. فلماذا لا تكون الخدمات كالكهرباء كذلك؟
أدرك أخي القارئ أنك لم تتفاعل مع الطرح السابق لأنك إما لم تقرأ كتاب «عمارة الأرض في الإسلام» أو أي كتاب آخر يوضح الحقوق في العمران في ظل الشريعة وبالتالي لست على دراية بكيفية عمل مقصوصة الحقوق في الطرق. لهذا لابد من الانتظار للفصلين القادمين. ومع . هذا فسأحاول مرة أخرى، فلعل في المثال الآتي توضيح
آخر لتأثير نمط الملكية في الشوارع والتي هي حقوق) على تقديم خدمة بجودة عالية وبتكلفة وهدر أقل.
إن طبقت الشريعة فإن المؤسسات الحكومية المتخصصة في إضاءة الشوارع لن تظهر لأن الشوارع ملك للسكان وبالتالي فهم المسؤولون عن إضاءتها. تماماً كالمالك لداره والمسؤول عن أثاثه داخل داره. كذلك الإضاءة. أي أن السكان سيقومون بهذه المهمة بأنفسهم كأن يقوم كل ساكن مثلاً بإضاءة ما بجانب داره من الطريق بكفاءته وبذوقه وبأخذ الطاقة من منزله دون تمديدات طويلة في الشوارع أو حتى دون أعمدة وذلك بتثبيت مستلزمات الإضاءة على الحوائط مباشرة. وبهذا تقل نفقات المدينة عموماً مع تنوع في الإضاءة بسبب المنافسة بين السكان في كسب الأجر أو الظهور بمظهر لائق مع الجيران بإيجاد إضاءة أمتع. ومع هذا التنوع في الإضاءة سينسحب الناس لتقليد الأكفأ والأجمل وبهذا يظهر عرف لكيفية إضاءة الطريق. وفي هذا خير للناس لأن تكلفة
١٢ الفصل والوصل
١٤٩٣
إضاءة الشوارع التي كانت ستقع على عاتق الدولة رفعت عنها لتُستثمر مثل هذه الأموال في مواضع أخرى كالصحة والتعليم بواسطة الناس.
ولعلك تقول بأن بعض الناس لن يقوموا بإضاءة ما بجانب دورهم ما يؤدي للظلمة لبعض أجزاء الطريق. فأجيب: قد يحدث هذا إلا أنه نادر لأن الناس مع تطبيق الشريعة ليسوا بفقراء كأيامنا هذه، أما مع تحمل الحكومات لهذه المسؤولية فما أكثر الطرق من غير إضاءة، حتى المضاءة منها بحاجة لصيانة مستمرة لا تستطيع مؤسسات الدولة اللحاق بها في كل مكان، بل فقط التركيز على الأماكن الأكثر ريادة، بينما إن كانت الإضاءة من الناس فإن كل فرد سيصون إضاءة المصباح الذي يضيء ما بجانب داره لأنه بالطبع لا يريد الظهور بمظهر غير لائق مع جيرانه. وبالطبع سترتقي هذه الإضاءة مع رقي المجتمع وتنتقل من الكماليات إلى الحاجيات ثم إلى الضروريات التي ستحتاج للمنفذين المهرة. وهكذا ستظهر صناعة خدمية لإضاءة الطرق عن طريق شركات تتنافس فيما بينها لإرضاء أذواق الناس المختلفة. عندها سترى أعمدة أجمل وأمتن وبألوان أزهى حيناً وأنوار على الحوائط مثبتة بطرق بديعة ملفتة للنظر في تشكيلات لا تمل العين من النظر إليها لأن كل إضاءة تحاول أن تريك تميزها كما هي واجهات المباني التي يبدع فيها المعماريون أحيانا، وليس كأعمدة الإنارة التي تراها الآن كصف من الجنود الغاضبين وكأنها تذكرك دائماً بثراء وقوة الدولة وتسلطها مقارنة بهزال وضعف الناس.
ولعلك هنا :
لك هذا الوصف لأنك لم تتخيل الوضع، ولا ألومك، لذا سأحاول تصوير الوضع لل تستغرب مني لعلك تعذرني على هذا التحامل على منتجات الدولة. تخيل أن الإضاءة في شوارع المدينة هي من مسؤوليات السكان وأنهم ليسوا بفقراء بسبب فتح أبواب التمكين)، فإن كل ساكن سيحاول إضاءة الطريق المحاذي لداره، فمنهم من يقتصد بلمبة (مصباح) معلقة على خشبة فوق باب داره فقط، ومنهم من ينير الطريق بطول جدار عقاره فقط وبطريقة بسيطة، إلا أن منهم من قد يخرج من جداره قطعة حديدية مشغولة ومصبوبة في جداره وتحمل المصباح لتصل الإضاءة لأبعد من وسط الطريق، ولعل من السكان من سيتخير من المشغولات الحديدية ما يحاول فيها إظهار ذوقه في هذا الحامل للمصباح، فهذا يجعلها بلون ذهبي وذاك بلون أسود معتق بالنحاسي، ومنهم من يصنع الحامل للمصباح من النحاس المشغول أو حتى من الألمنيوم المصبوب. ومن كل احتمال عادة ما تظهر عدة احتمالات أخرى بمقاسات وزخارف وألوان مختلفة. ومنهم من يخرجها معلقة ومرتفعة إلى ربع أو حتى ثلث الطريق ما له يتيح فرصة إظهار النقش والزخرفة على الحديد أو النحاس أو الألمنيوم. ومنهم من قد يغرس عموداً خشبياً في الأرض أو يغرس عموداً رخامياً منحوتاً، ومنهم من قد يضع هذه الأعمدة بعيدة عن جدار داره بطريقة تنظم مواقف السيارات ويصب أسفلها بالخرسانة خوفا عليها من حركة السيارات. ومنهم من قد يضع فوق الإنارة قبة معدنية كبيرة لحفظ المصباح من المطر ولعكس الإضاءة إلى الأرض، ومنهم من يجعل من فوق المصباح مظلة صغيرة فقط لحفظها من المطر. ناهيك عن ألوان الإضاءة، فهذا يجعلها مصفرة، وذاك بيضاء ناصعة، ومنهم من يضع لك عدة مصابيح بألوان مختلفة. ومنهم من يضع كشافاً خلف شجرة على فناء داره. وهكذا من إبداعات لا تنتهي ليراها الناس ويقلدوا الأجمل منها كل يقلد ما يراه الأجمل في نظره، وهكذا يزداد التقليد لبعض الإضاءات لتندثر الإضاءات الفاشلة منها، إما لبشاعتها أو لسوء إضاءتها أو لارتفاع تكلفتها أو لصعوبة صيانتها. أي كأن الناس يصوتون في انتخابات على الحل الذي يريدونه. ولكن التصويت ليس في صناديق الاقتراع، ولكن بقيام كل ساكن
١٤٩٤ 🗏
بوضع ما يراه في نظره حسناً لأنه رآه حسناً عند ساكن آخر، وهكذا تظهر الأعراف ليكون لكل حي أو لكل قرية أو لكل مدينة عرفها المكون من نوع مميز أو أنواع مميزة من الإضاءات. قارن هذا بالأعمدة الصماء المتشابهة في جميع شوارع الدولة.
ولعلك هنا تقول: ولكن ماذا عن إضاءة الطرق السريعة والساحات الكبيرة المحيطة بها؟ فأجيب: حتى هذه فسترى فيها تمايزات وحلول بديعة وتكلفة أقل مع دوام الإضاءة لأنها ستكون من مسؤولية مالكي الطرق السريعة. فالطرق السريعة ستظهر وبجودة تفوق ما تقوم به الدول لأنها ستظهر كشراكات اغتنام لشركاء يحيون الأرض منافسة (كما سيأتي بيانه بعد صفحات في الحديث عن سكك الحديد بإذن الله).
أي كلما تفكرت في البدائل التي ستظهر من تطبيق مقصوصة الحقوق ستُدهشك إمكانيات الحلول. لاحظ مرة أخرى أن جميع هذه الاحتمالات السابقة مبنية على قبولي بالتقنية التي تولد الكهرباء في مكان واحد بتوربينات هائلة بطريقة مركزية لتخفيف التكلفة. ففي الكهرباء خاصية كما يقول المختصون هي أنها كلما أنتجت بكميات أكبر كلما قلت تكلفتها scale of economy ولهذا السبب اخترت توليد الكهرباء كمثال لأنه الأصعب في التعامل على الناس من بين الخدمات. فهو بحاجة لمعرفة وتقنية متقدمة وحذر في التعامل لخطورته، لهذا قد يستخدم ناقدو كتاب «قص الحق» توليد الكهرباء (إن لم أضعه كحالة دراسية هنا كدليل على هروب جميل أكبر من إثبات أفكار الكتاب. فتوليد الطاقة ليس كالتخلص من الفضلات مثلاً. فالتخلص من الفضلات يمكن أن يتم في الموقع ذاته (كما سيأتي بإذن الله في الحديث عن الوفورات)، أما الكهرباء فهي يجب أن تنقل من مكان لآخر بكميات كبيرة (كما يظنون) برغم أن في هذا النقل هدر كبير للطاقة.
وأخيراً فإن أهم نقد لي على هذا الواقع المؤلم (أي نقل (الحقوق هو أن التفكير المركزي للإتيان بالحلول (لأن الدولة تمتلك الموارد) هو السبب الرئيس في تسلط الدولة على كل مراحل الإنتاج والتوزيع للكهرباء ما أفقد أفراد المجتمع فرص إيجاد بدائل أخرى للطاقة وتطويرها. بدائل تقع مسؤولياتها على السكان وبطريقة أنظف (أي دون تلويث) وبتكلفة أقل وتقنية ستتحول مع الزمن إلى عرف يسهل تداوله على الناس. فمن قال بأن الطاقة لابد وأن توجد وتوزع بالطريقة المركزية المتبعة؟ فهناك العديد من الوسائل البديلة لإنتاج الطاقة في ذات الموقع من مصادر أخرى كالشمس والهواء أو حتى من حرق الفضلات. لهذا فالذي أؤمن به هو أن البشر تخلفوا كثيراً بقبولهم للنظام المركزي في توليد الطاقة بسبب النظام السياسي الاقتصادي المركزي الذي أدى لهذا التفكير المركزي لتوليد الطاقة. وإن تذكر ما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، فإن انتشار الناس على الأرض بحثاً عن الرزق سيؤدي إلى مستوطنات تتناسب في أحجامها مع الموارد المتاحة ما يقلل من ضرورة توليد الكهرباء بكميات كبيرة لأن المدن الكبيرة نادرة، حتى وإن وجدت فهي أيضاً ستكون بتركيبة عمرانية مختلفة (كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن
الله)، ولأن الناس هم المسؤولون عن حاجاتهم من الكهرباء، فستتطور التقنيات المناسبة لخدمة تلك الأحجام.
ومن جهة مقابلة، فقد تمادى الناس أيضاً في استهلاك الطاقة في بعض الدول لأنها مدعومة مالياً وإدارياً من الدول، وفي هذا هدر على الفرد والذي لا يستشعره . ذلك أن هذا الإنفاق من الدولة على هذا القطاع الخدمي قد لا يكون هو الاستثمار الأمثل. فإن طبقت الشريعة في ظل التقنية الحالية المتاحة لحاول الناس إيجاد حلول إبداعية
١٢ الفصل والوصل
١٤٩٥
لها
اقتصادي
لمئات
لتوفير الطاقة مثل استخدام العوازل بأنواعها المتجددة وتوجيه المباني وفتحاتها لتظليل أكبر، وما إلى ذلك من حلول. وهكذا تطير المجتمعات وتحلق في سماء التقدم التقني بتكلفة أقل كما سأثبت لك بإذن الله في فصل «المعرفة». إن المثال السابق عن بيع الكهرباء هو استحداث لمنظومة حقوق أدت لنقل الحقوق من أصحابها إلى من هم خارج الموقع وبالتالي الفصل بين الناس والشركات لتقف الدولة وكأنها حاجز بينهما. وكل هذا داخل الدولة. والأمر كذلك إن نظرنا للعلاقات بين الدول». فلأنه لا وجود لحاكم مشترك لجميع الدول، أو لا توجد قوة عظمى تخضع جميع الدول (كالسلطات بين الناس) فإن الذي يحدد الحقوق بين الدول هو الأقوى ولمصالحه. وكأنها شريعة الغاب. وأنصع مثال لهذا هو حال الدول الإفريقية مع الدول الأوروبية. فلعلك لن تصدق، بل وقد تضحك من أن البصل الهولندي يغزو أسواق السنغال مثلاً. فالبصل الهولندي أقل سعراً من البصل السنغالي في السنغال بسبب الدعم المالي للتقنية المستخدمة في زراعته في هولندا ومن ثم نقله إلى السنغال، وذلك لأن نقل البصل المحلي الكيلومترات من مزارع السنغال لأسواق السنغال يضع المزارع السنغالي الذي لا يستطيع استخدام التقنية في وضع أضعف. فالظلم هنا هو أن البصل ينقل من هولندا إلى أسواق السنغال ولكن ليس الأيدي العاملة السنغالية التي تمنع من السفر إلى هولندا. وإن نظرت إلى المواد الخام ستجد نفس الاستنتاج كما هو مثبت في الكثير من الأبحاث، فالأقوى حقوقياً هو المتمكن وبالتالي هو المتنفذ. فالمستفيد من المصادر الطبيعية للدول المتخلفة . دول العالم الصناعي. فالنحاس الذي تصدره كل من زامبيا والكونغو هو السبائك الصناعية لأوروبا، وقطن مصر هو ملبوس الإنجليز، وقمح سوريا هو غذاء روسيا، ونفط الخليج هو دم الولايات المتحدة الأمريكية، وغاز مدفأة الشتاء الأوروبي. وإن نظرت لمعظم هذه الصفقات تجد أنها تتسم بالتبعية، فالدول الصناعية هي التي تضع أسعار الفوائد وأجور الشحن والضرائب وما إلى ذلك من آليات التجارة الدولية إما قهـراً و إما برشوة مسؤولي الدول الأضعف. هكذا ضاعت حقوق المواطنين في الاتفاقيات بين الدول وانتقلت منهم إلى مسؤولي حكوماتهم لتصبح دول العالم الثالث بائسة فقيرة تحت مظلة العولمة ليهجرها أبناؤها المتعلمون بحثاً عن حياة أفضل في الدول المتقدمة صناعياً فيزداد الحال سوءاً بعد هجراتهم. وبالطبع فإن تلك الدول ستستقبل من تحتاجه منهم وتقفل أبوابها أمام الآخرين. تصور أن ٣٤٪ من أطباء إنجلترا هم من العرب وتصور أن العالم العربي يفقد كل سنة عشرين مليار دولار كانت قد أنفقت على تعليم مليوني عربي متعلم يهاجرون إلى الغرب كل سنة. فأي استنزاف هذا بسبب قصور العقل البشري الذي أوجد مجتمعات طاردة في الدول المتخلفة لتزداد تخلفاً وأوجد مجتمعات متقدمة تستعبد هؤلاء المهاجرين وتلوث الطبيعة في ظل العولمة.
الجزائر هو
هي
مثال آخر لفساد العولمة بسبب الحقوق إن هناك ما يزيد عن خمسة ملايين صيني وصينية يعملون للحكومة الصينية في حوالي ألف مصنع حكومي من السابعة صباحاً حتى الثانية عشر مساءً ودون أجر وفي أسوأ الظروف لأنهم سجناء رأي (أي أن آراءهم السياسية لا توافق مزاج الدولة الاشتراكية المتسلطة) وينتجون معظم الصادرات الصينية الرخيصة. وقد حكم عليهم بالسجن بالأشغال الشاقة في هذه المصانع والتي تسمى لاو جاي Lao Gai. وهذه التسمية تعني محاولة تغيير أفكار الفرد من خلال العمل. ولعلك هنا تقول ناقداً بأن الصين دولة يجب ألا تؤخذ كمثال للعولمة لأنها دولة دكتاتورية. فأقول: أصبت، ولكن اعتراضي هو أن الكثير من أفراد المنظمات الحقوقية في الغرب حاولوا منع التجار في الغرب من الاستيراد من الشركات التي تستورد منتجات هذه
١٤٩٦ 🗏
السجون إلا أنهم فشلوا برغم كل الإثباتات القانونية التي لديهم. فحكومات الغرب لم تستجب لهم. أي أن دول العولمة الغربية التي تدعي دعمها لحقوق الإنسان تدعم اقتصادياً الظلم في هذه السجون لأنها المستفيدة اقتصادياً من أسعار السلع المتدنية.
٤٤
ومن الأمثلة المضحكة لفساد العولمة بنقل الحقوق ما قام به الرئيس الأمريكي بوش الابن سنة ٢٠٠٥م من ترشيح لنائب وزير الدفاع بول وولفويتز ليشغل منصب رئيس البنك الدولي، علماً أن هذا المرشح كان الرجل الأهم في الحكومة الأمريكية في تخطيط غزو العراق. وقد قال عنه الرئيس بوش مبرراً سبب اختياره بأنه ذو خبرة كافية في مسائل التنمية. بينما ضاج العالم بهذا الاختيار غير المسؤول وأولوه بأن اليمين الأمريكي يحاول بسط نفوذه على هذه المؤسسة العالمية التي تؤثر في الاقتصاد العالمي واقتصاديات الدول الفقيرة، إذا أنها تدفع أكثر من عشرين بليون دولار في السنة كقروض تنموية للدول الفقيرة. أما مؤسسات التنمية فقد واجهت الترشيح بغضب عارم من هول المفاجأة. فقد قال مثلاً بيتر بوسهارد وهو رئيس قسم رسم السياسات في الشبكة الدولية عن المرشح: «لم يظهر وولفويتز في كل تاريخه المهني أي اهتمام بتخفيض الفقر في العالم ولا حماية البيئة ولا حقوق الإنسان. إن تعيينه سيعمق الاعتراضات القوية في العالم ضد المشكلات الاجتماعية والبيئية التي سببها البنك الدولي». ثم تنبأ بيتر بوسهارد بأن هذا التعيين سيفتح عهداً جديداً من الصدامات بين المجتمعات المدنية في العالم والبنك الدولي. فبالطبع فإن الكل يعلم مدى تأثير رئيس البنك الدولي على السيولة في العالم الثالث وبالتالي في الحقوق. فكما قال سيرج حليمي Serge Halimi: إن من يكتبون الشيكات يكتبون القوانين ٤٥
أي أن نقد جيدينز ليس لوصفه لكيفية ظهور العولمة، ولكن على عدم تركيزه على الحقوق بالقدر الكافي كأهم محدد لخيرية تطور الحياة (سواء كان ذلك داخل الدولة أو بين الدول). أي بالإمكان القول أن العولمة نقلت الحقوق من مواضعها الطبيعية التي كان يجب أن تكون فيها (والتي لا يعلمها إلا الله العليم الخبير والتي أرشدنا إليها في ثنايا مقصوصة الحقوق إلى مواضع أخرى بطريقة خلطت الحقوق خلطاً أهوائياً لمن هو أقوى. ولتتأكد تدبر
الآتي:
ديفيد هارفي
بالنسبة لما بعد الحداثة، وهو موضوع شغل الكثير من مهنيي العمران، فلعل أهم مفكر غربي أثر في أقرانه في العولمة وربط بين الحداثة وما بعد الحداثة هو الجغرافي ديفيد هارفي David Harvey من خلال دراسته لكل من الزمان والمكان. فكما فعل جيدينز، فإن هارفي ينظر للزمان والمكان بنظرة تبدأ من قبل الثورة الصناعية ولكن بتركيز أكثر على المكان وبتفسيرات رأسمالية، وهذا عكس تفسيرات جيدينز الذي تحدى منظور ماركس والذي كان هار في متأثراً به. فديفيد هارفي يقول بأن النظام الإقطاعي الأوروبي كان عبارة عن مجتمعات مقسمة مكانياً وكل جماعة ذات استقلالية وانعزالية ولها حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والدينية. أما النظام الوقتي فقد كان مرتبطاً بروتين المجموعة وعاداتها. وهذا الوضع لم يتغير إلا في عصر النهضة Renaissance عندما بدأ الأوروبيون بغزو الآخرين وبهذا تغيرت حدودهم المكانية. وبالمثل فإن ظهور الساعة الميكانيكية غير نظرتهم للوقت ليكون
١٢ الفصل والوصل
١٤٩٧
هذه
عالمياً. ولعل الفرق بين جيدينز وهارفي هو أن هارفي يوضح العولمة بأنها «إبادة الزمان للمكان»، ويسمي الآلية بـ «تضاغط الزمان والمكان time-space compression». وتتضح هذه التسمية بجلاء عندما ننظر للزمان كعنصر يقلل من قيود المكان وبالعكس. وبهذا يقل الوقت وتختصر المسافات. فعند وقوع حدث في طوكيو ويستشعره سكان هلسنكي في نفس الوقت وبنفس الإحساس مثل صفقة مالية أو حدث رياضي فإن سكان المدينتين إنما يعيشون في نفس المكان تقديراً، وبهذا فإن المكان قد أبيد بفعل تضاغط الزمان. مثال آخر: هناك امرأة تعمل في إحدى الشركات التجارية العالمية وهي دائمة السفر بين هونج كونج ولندن وستوكهولم وطوكيو ونحوها من مدن. فهي تنزل دائماً في فنادق الهيلتون وتأكل طبقاً فرنسياً في طوكيو أو طبقاً صينياً في باريس، وتقرأ نفس الصحف وترى نفس البرامج التلفزيونية أينما كانت وتتصل بنفس الأشخاص في عملها. أي أنها برغم سفرها لأماكن متباعدة وكأنها تعيش في مكان واحد ٤٦
لاحظ أن هارفي أيضاً (كما فعل جيدينز) لا يركز على الحقوق بقدر كاف في ظهور العولمة. فكما يتفق جميع الباحثين ومنهم هارفي، فإن النظام الإقطاعي في أوروبا لا يعدل في الحقوق بين الناس لأنه يسحق العمال مقارنة بحقوق النبلاء الذي يملكون الإقطاعات وكأن كل منطقة يملكها نبيل هي مزرعة له بمن فيها من بشر. ثم بعد تغير الوضع من نقصان قيود المكان مقارنة بالزمان لا يخبرنا هارفي عن كيفية تأثير تغير الحقوق في التطور من الاستعباد كما في النظام الإقطاعي إلى التأجير العضلي كما في الرأسمالية. أي أنه مثل جيدينز في تنظيره يقبل بالصراع كمبرر للتقدم، إلا أنه صراع طبقي». أي أن هارفي أيضاً لم ير بديلاً آخر للتقدم البشري لأنه لم ير ما كان يمكن أن تقدمه مقصوصة الحقوق إن طبقت.
وهنا يظهر سؤال إن تأملنا الحقوق وهو: إن كان في الإقطاع تسخير شديد للطبقة العاملة، فلماذا لم تتقدم أوروبا لستة أو سبعة قرون (من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر الميلادي)؟ والإجابة (والله أعلم، فهذا بحاجة لبحث مستفيض عن الحقوق هي أن علاقة النبيل مع من يعملون في أرضه علاقة مبنية على بعض المسؤولية. فالنبيل عادة وبرغم استعباده للعامل واستنزافه له بالعمل الشاق إلا أنه مسؤول عنه بتقديم المسكن له والمأكل والملبس والذي عادة ما يكون في الحدود الدنيا. فالفكر السائد هو أن النبيل يملك الناس كما يملك الأرض، فإن انتقلت ملكية الأرض فهي عادة ما تُنقل بمن فيها من بشر. وفي وضع استعبادي كهذا فإن همة العمال عادة ما تكون أقل لأنهم مهما اجتهدوا فإن نصيبهم لن يزداد كثيراً، فقد يوجد نبيل أكرم من الآخرين ويغدق على عماله إلا أنه لازال تكريماً وليس حقاً. ولأن النبيل راض بما لديه من أملاك، ولأن العامل لا همة له إلا في حدود رضا سيده، فكلاهما النبيل وعامله وكأنهما خاملين دونما حافز للإنتاج إلا إتقان فنون القتال للدفاع عن أملاكهم أو غزو الآخرين. ثم مع الرأسمالية التي سخرت العمال، ظهر نمط آخر. فالعامل إن لم يجتهد سيفصل من عمله ولن يجد مأوى أو مأكلاً أو ملبسا. فهو تحت مطرقة أصحاب رؤوس الأموال باستمرار، لذلك عليه الجري باستمرار. وكذلك صاحب رأس المال ، إن لم يجتهد فإن الآخرين سيسبقونه لأنه لا يحوز أرضاً شاسعة ثابتة الحدود كالنبيل، بل يملك رأس مال قد يزيد أو قد ينقص مع الاستثمار، لذلك عليه أن يجري أيضاً وبهذا تزداد الإنتاجية. كما أن أصحاب رؤوس الأموال، وبسبب البطالة المنتشرة، تمتعوا بفرصة تخير الأفضل من بين العمال للمزيد من الإنتاج ليذهب الأقل ذكاء من الناس للأعمال الأدنى. وهذه فرصة لم تسنح لكل نبيل أو بالأحرى لكل مستعيد)
١٤٩٨ 🗏
وبالطبع فبهذا التسخير الطبقي اللاإنساني وخوفاً من الخسارة سيزداد المستثمر الرأسمالي إنتاجاً. وهذا وضع برغم زيادة إنتاجيته، إلا أنه غير إنساني. وإن طبقت الشريعة فإن الإنتاج سيزداد بتوزيع أعدل ودون إفساد. لأضرب المثل الآتي للتوضيح والذي قد يكون ساذجاً إلا أنه يبين الوضع لنقل بأن رجلاً يقوم ببحث علمي عن السرعة وعاصر الحيوانات ومنها الخيول والفهود، ثم توصل إلى نتيجة بأن الفهد هو الأسرع، ولكن لأن الباحث لم يعش لير اختراع الطائرة، فلن يستنتج أن الطائرة هي الأسرع. وكذلك الباحثون الغربيون فهم لم يروا البديل الإسلامي في الحقوق مطلقاً. وبهذا فقد يُعذَرون، ولكن المأخذ عليهم هو رضاؤهم بإنجازات الحضارة الغربية تقنياً والذي انسحب ضمنياً على القبول بقهر الشعوب الأخرى باستعمارهم، وليس كما فعل المسلمون بفتح البلدان دون إذلال الناس ودون الاعتداء على أعراضهم وأملاكهم حتى وإن كانت هناك تجاوزات من بعض المسلمين بإذلال غير المسلمين إلا أن الأساس العقدي لا يبيح ذلك أبداً، ومع تطبيق مقصوصة الحقوق ستأتي أمة عادلة لن تسمح بهذه
التعديات بإذن الله.
٤٧
وهذه التضاغطات للزمان والمكان الموصلة للعولمة كما يستنتج هارفي من قراءته للتاريخ ليست تدرجية في المجتمعات ولكنها تأتي مندفعة وقصيرة ومكثفة بسبب تراكم رأس المال. فمن هذه التضاغطات المندفعة مثلاً ما حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والذي تزامن مع الحركة الثقافية التي سميت بالحداثة. فالذي حدث هو انهيار في نظام الإقراض المصرفي في الغرب سنة ١٨٤٧م بسبب التوسع في بناء خطوط سكك الحديد والتي ما كانت إلا محاولة للسيطرة على المكان. وكان الحل لهذا الانهيار المالي. هو إنشاء سوق للاقتراض ووضع رأس مال أوروبي موحد من قبل رجال الأعمال. وهكذا ضُغط الوقت بسبب سرعة انتقال السيولة النقدية من خلال هذا النظام النقدي ما دفع المجتمع إلى غزو المكان أكثر بالاستثمار في سكك الحديد والقنوات والشحن والتلغراف وأنابيب النقل. وفي بداية القرن العشرين ضُغط المكان أكثر باختراع السيارة والمنطاد والطائرة وكذلك الاتصالات مثل المذياع والتلفاز والتصوير والسينما. وهكذا فرضت أوروبا سيطرتها على العالم.
إن تأملت وصف هارفي ستلحظ عدم تركيزه على تغير الحقوق مع تضاغط الزمان والمكان. وبالطبع فكلما زاد التضاغط تغيرت منظومة الحقوق لديهم. فمؤسسات خطوط سكك الحديد المستحدثة آنذاك مثلاً بحاجة لمنظومة قانونية لتحديد أملاكها من الأراضي. فالخط الحديدي عادة ما يقسم الأرض التي يمر بها إلى قسمين. وهذا يتطلب استحداثاً للحقوق لهذا الخط الذي يخترق الأراضي المتجاورة. فمن ملك هذه الخطوط زادت حقوقه وأصبح أكثر تمكيناً برغم أنه يقدم خدمة جليلة للمجتمع. وكذلك وضع رأسمال أوروبي موحد سيعين بعض التجار على المزيد من التنفذ. فكل من استفاد من هذه الإنجازات والتقنيات لهو في وضع أفضل على حساب الآخرين الذين أوصدت في وجوههم الأبواب. وهنا بالطبع قد تستنكر علي وتصر على أن قطف ثمار هذه الإنجازات لابد وأن يكون من نصيب مستحدثيها والذي لابد وأن يتبلور في الحقوق وإلا لما شحذ الناس الهمم ولما عملوا بجد وبالتالي لما ظهرت هذه الإنجازات كسكك الحديد. فأجيب: نعم أنت على حق. ولكن يجب ألا نخلط بين المحفزات لقطف الثمر وبين النهج المؤدي إليه . فهذا الذي سار عليه الغرب هو بالفعل نهج مؤدي للتطور التقني، ولكن هذا
لا يعني عدم وجود نهج آخر أفضل منه. فالنهج الذي سلكوه برغم إنجازاته ليس إنسانياً لأنه يحصد ثمار مجهود
الكثير من المعدمين ويسخرهم لهذه الإنجازات فسكك الحديد ما تمكن ملاكها من إنشائها لولا ثراؤهم الفاحش
١٢ الفصل والوصل
١٤٩٩
كأفراد أو كدول أولاً، ولولا انتشار البطالة التي تدفع العاطلين للعمل المنهك مكرهين في هذه السكك ثانياً. أي أن هذا الإنجاز هو بسبب الاستعباد فخسرت البشرية فكر هؤلاء العاملين كبشر منتجين وقزمت عطاءهم إلى عضلاتهم وكأنهم آلات مؤدية بذلك للمزيد من الخسارة الفكرية وللمزيد من الطبقية الاجتماعية الاقتصادية. وهذا التسخير ظلم له مضاعفاته كما ذكرت مراراً.
ولعلك تقول: ولكن المؤكد أن من أهم ما تقدمت به أوروبا على العالم هو اتصال أجزائها بالسكك الحديدية ما سهل على الأوروبيين نقل كل شيء فازدادوا قوة اقتصادية، ولا مجال لتشييد هذه السكك إلا بالسواعد المسخرة! فأجيب: إن طبقت الشريعة، فستظهر احتمالات أخرى تذكر أخي القارئ ما مر بنا في فصل «ابن السبيل» من أن المستوطنات الأجدر بمواردها هي التي ستظهر أولاً ثم الأقل والأقل موارد، وأن مواقع هذه المستوطنات ستتجدد كلما تقدمت التقنية واحتاجت البشرية الخيرات جديدة في مواطن جديدة، وهكذا تستمد المستوطنات حيويتها وقوتها الاقتصادية من مواردها ومواقعها الإستراتيجية. هنا تظهر أهمية الأفراد ذوي البصيرة الاستثمارية. فهؤلاء بحكم خبرتهم، ولأنهم سيتكاثرون مع مرور الزمن بتطبيق الشريعة، فسيقدمون على إيجاد وسائل الربط بين المستوطنات كسباً للرزق وكما مر بنا فإن مقصوصة الحقوق تدعمهم لأنها تمكن كل مقدام كما مر بنا في الحديث عن الموارد (وكما ستتأكد أيضاً في الحديث عن «الموافقات» في الفصل بعد القادم بإذن الله). فإن أقدم جماعة على إحياء أرض على شكل شريط طويل يربط بين مستوطنتين ولكن باحترام حقوق الإحياء، كاحترام مرور المياه في الأودية مثلاً ( وسيأتي بيان هذه الحقوق في فصل «الأماكن » بإذن الله في الحديث عن مسيل الماء وما شابه من حريم الأرض المحياة وأنشؤا عليها سكة حديد فإن ما بني هو ملك لهم، ولهم بالتالي الحق في تأجيره للناس بأي سعر أرادوه. فهذه جائزتهم، فهي شراكة اغتنام. وبالطبع لن يستطيعوا تسخير الناس لتشييد السكة لأن الأيدي العاملة العاطلة نادرة، عندها إما أن يدفعوا أجراً مرتفعاً لمن عمل عندهم أو أن يدخل هذا الذي عمل لهم كشريك معهم. بل حتى أن هؤلاء الذين عملوا في تشييد السكة قد يكونون هم من الملاك كشركاء لأنهم ليسوا بحاجة لمن يديرهم أو يشير عليهم باستغلال هذه الفرصة للاستثمار بين المستوطنتين. فهم خبراء ويستطيعون رؤية هذه الفرصة الاستثمارية لأنهم أنشؤا سكة قبلها ذات مسافة أقل بين قريتين، فنجحت تجربتهم. وعندما نجحت وضعوا أناساً عليها كشركاء لإدارة السكة السابقة وجاؤا لهذه الجديدة ومن ثم هم ذاهبون لإنشاء سكة ثالثة وهكذا. وإن ظهر عليهم الربح بكثرة الزحام على السكة التي شيدوها سارع الآخرون ليقتسموا معهم الربح بعمل سكة منافسة لهم في موقع مواز وبخدمات أفضل كأن تكون الرحلة مباشرة ودون توقف مثلاً أو بقاطرات أكثر راحة (وهذه شراكة همم). حتى أنهم - عند تشييد السكة قد يضطرون للمرور خلال أرض محياة قديماً تقع بوسط وادٍ وعليهم رغماً . التفاوض ملاك تلك الأرض إما باستئجارها لأمد طويل وإما بإشراك ملاك تلك الأرض مع . بأسهم يتفقون عليها، أو إما عليهم إيجاد طريق آخر.
عنهم
وهناك بالطبع عدة احتمالات أخرى كثيرة غير هذه التي ذكرت، كأن يقوم مستثمر من سكان قرية تقع
بين مستوطنتين حيويتين بإيجاد شراكة «اغتنام» لمد سكة حديد لنقل المسافرين والبضائع والمواد الخام من إحدى المستوطنتين إلى قريته ثم على المسافرين إكمال باقي الرحلة بالعربات للمستوطنة الأخرى. ثم بعد جني الأرباح قد يقوم نفس المستثمر بإكمال باقي الطريق، أو قد يأتي مستثمر آخر وبنفس الطريقة يتم الطريق من القرية إلى
10.. 🗏
المستوطنة الأخرى. وقد تقول: ولكن من أين للناس الخبرات من مهندسين وأجهزة ومعدات للرفع المساحي، ومن أين لهم الحديد المصنع خصيصاً لهذه الخطوط ، ومن أين لهم المباني كمحطات لهذه السكك وما إلى ذلك من متطلبات؟ فأقول: أليست مؤسسات سكك الحديد مكونة من أفراد ذوي تخصصات دقيقة؟ ألا يستطيعون القيام بذلك بأنفسهم؟ فإن قلت: «نعم»، »، عندها يكون ردّي بأن مثل هؤلاء المتخصصين سيتجمعون كشركاء ويديرون أنفسهم بكرامة وبتقاسم الربح بينهم استهاماً ودون ذهاب الربح للسلطات أو لمن يملكون الأسهم من الرأسماليين الذين لا يعملون. وإن قلت: «لا»، عندها يكون ردّي بأن جميع هذه الخدمات عادة ما تقوم بها شركات متخصصة، فمؤسسة سكة الحديد إن أرادت إنشاء طريق بين مدينتين فقد لا تنفذ ذلك بنفسها، بل تأتي بشركات لتقوم لها بالدراسات، وأخر بتصنيع الحديد، وثالثات ببناء المحطات وهكذا . فلمَ لا يقوم فرد أو عدة أفراد بجمع وإدارة هذه
الشركات التي إما أن تأخذ أتعابها حالاً من الغلة، وإما أن تدخل كشريكة بسهم يُحدد قيمته من التكاليف؟
وهنا بالطبع لعلك تستفسر : ولكن سكك الحديد بحاجة لعدد كبير من العمال لإنجازها، فكيف سيتشارك هؤلاء؟ فأجيب: تذكر ما مر بنا في فصل «الشركة» عن تفتت عملية الإنتاج إلى مجموعات أصغر بحيث أن كل مجموعة هي أكبر عدد من الأفراد الذين يعملون دون خلاف أو دون بيروقراطيات منهكة، هنا أيضاً ستتفتت العملية الإنتاجية إلى جماعات: جماعة تسوي الأرض وأخرى تصنع القضبان، وثالثة تثبتها، وهكذا. وكل جماعة إما أن تشارك في الإنتاج بحجز أسهم من الأرباح كشريك أو بأخذ أتعابها من الشركاء الآخرين أو أنها تنتظر لتأخذ أتعابها مؤجلة من الريع بعد التشغيل مباشرة وبسعر أفضل. وهكذا يتداخل أفراد المجتمع بشراكات دون قيود الحكومات. تذكر دائماً أخي القارئ أن هذه الشراكات ليست كالشركات المعاصرة التي يعمل بها من لا يملك وتتصف بالهدر، بل هي شراكات أصحابها ممن يعملون بها كما مر بنا في فصل «الشركة»، وهكذا يعمل الجميع دون هدر فتزداد الحياة متعة وإنتاجاً وإبداعا.
وبالطبع فهناك عشرات الاحتمالات الأخرى التي لم أذكرها هنا والتي كلما تفكرت فيها ظهرت لك إن وضعت في ذهنك أن الناس ليسوا بفقراء وأنهم ليسوا بتنابلة كما هم الآن بسبب تسلط الحكومات والتي أقفلت أبواب التمكين وبالتالي أوجدت أفراداً كالآلات التي لا تجيد إلا اتباع الأوامر ولا تجيد إلا تشغيل عضلاتها. أما إن طبقت الشريعة فإن كل ما قيل عن السكك الحديدية سينطبق على الطرق السريعة والاتصالات وما شابه، عندها فإن المستوطنات ستتصل فيما بينها بشتى أنواع الطرق البرية والجوية والبحرية والسلكية واللاسلكية المؤدية منها وإليها «سريعاً» لأن الناس يتنافسون على مد الطرق ذات الربح الوفير، فهي شراكات اغتنام، وليس كوضعنا الحالي الذي «ينتظر» فيه الناس عشرات السنين كما في دول الخليج النفطية الغنية التي تصرخ شوارعها من زحام السيارات لأنه لا قاطرات داخل المدينة أو خارجها. ثم عندما يصل إليهم الطريق فهو يأتي إليهم بكرم ومن المسؤولين بعد التوسلات إثر التوسلات لدرجة أن شبكات الطرق قد لا تعكس في أيامنا هذه جدارة المستوطنات اقتصادياً، بل تعكس أحياناً التزلف والنفاق. فقد تجد طريقاً يخدم قرية نائية لا حياة فيها إلا أنها مسقط رأس زوجة الرئيس أو أن أعيان القرية تمكنوا من إقناع المسؤول من اتخاذ قرار مد الطريق إليهم لأنهم من أقاربه أو من مرشيه. حتى الطرق السريعة بين المدن لا تعكس بالضرورة تسلسل أهمية هذه المدن، بل تعكس النشاط السياسي لوالي المدينة الذي تمكن من الوصول للحاكم وأقنعه كما في دول العالم المتخلف. أما في دول العالم الغربي فإن الطرق برغم أنها
١٢ الفصل والوصل
١٥٠١
تعكس إلى حد كبير جدارة المدن إلا أنها تعكس أيضاً النشاط السياسي إلى حد ما. فعندما تدعم شركة ما مرشحاً للانتخابات وتحصل منه على وعد بتوسعة طريق لمصنعها الذي يقع بين مدينتين فقد استثمر المجتمع أموالاً في غير محلها. وضغوط الشركات العالمية على المسؤولين أمر ثابت بالأبحاث في عصر العولمة وإلا لهربت رؤوس الأموال إلى دول أخرى كما سيأتي بإذن الله).
وهذا بالطبع لا يقارن بما تؤدي إليه مقصوصة الحقوق من حراك الناس باستباق الآخرين» بتشييد الطرق والاتصالات أولاً بأول لخدمة المستوطنات كسباً لأجر الآخرة، فلا تظهر مستوطنة إلا وقد خُدمت بالطرق والاتصالات كأوقاف. فقد يظهر فرد اشتهر بنزاهته وهمته ويجمع الأموال لبناء طريق بأموال المتبرعين الكثر لأن الناس ليسوا بفقراء وسيأتي بيانه في الحديث عن الوفورات والأوقاف في فصل الأماكن» بإذن الله). إلا أن الأهم هو أن الأفراد سيجتمعون كشركاء لإيجاد مشروعات النقل كسباً للربح المادي (وهذه حركية). فهذا هو مصدر رزقهم، فهم ينتقلون من تشييد طريق لآخر ثم يبيعونه أو يؤجرونه. وبهذا تكون الطرق الأكثر حاجة والأكثر خدمة قد شُيدت أولاً لأنها هي الأكثر ربحاً. لا ننسى هنا أن الشريعة فرضت لابن السبيل نصيباً من الزكاة. وبهذا تتجمع الزكوات لأبناء السبيل لينفقوها في ترحالهم، فتكون شراكات تشييد الطرق مربحة إن تمكنت من جذب أبناء السبيل (تذكر أن الزكاة تدفع لأبناء السبيل وليس لتشييد الطرق). ولأن الزكاة عبادة وللناس دفعها للمستحقين مباشرة دون الدولة كما مر بنا في فصل «الأموال»، فلن يدفعها المزكي إلا لمن أيقن بأنه سيسافر. وإن عدت لما ذُكر في فصل «الأموال» عن الصدقات للاحظت أنه مع تطبيق مقصوصة الحقوق وتقارب الناس في الدخل فإن الأصناف الثمانية ستنحسر إلى صنفين: هما المؤلفة قلوبهم وأبناء السبيل. ولأن أبناء السبيل متمكنون في الغالب ومستغنون في مواطنهم، فسينفقون ما أخذوه من صدقات على أجر الطريق ومقار إقاماتهم، عندها ستكون شراكات تشييد الطرق مربحة جداً في بادئ الأمر (شراكات اغتنام) ثم تشتد المنافسة بين ملاك الطرق المختلفة لجذب المسافرين إليها (شراكات همم) إن كان الطريق يربط بين مدينتين حيويتين. فقد ترتبط مستوطنتان حيويتان بأكثر من طريق. كل منها يحاول تقديم . خدمات وتسهيلات أفضل لجذب المسافرين. حينئذ سترتبط المستوطنات بخطوط حديدية وجوية وبرية إسفلتية مضاءة ومرصوفة الجوانب وبجودة عالية. فهذه الطرق هي شرايين الحياة للمدن. وفي كثرة شبكاتها المتعددة مزيداً من الانتقال والحركة المؤدية للمزيد من الازدهار الاقتصادي. وبالمزيد من الازدهار تزداد الموارد، وبزيادتها تزداد الحاجة للمزيد من الشبكات بين المستوطنات، فتزداد الطرق تطوراً وكثرة وبالتالي تزداد الحياة إنتاجاً، وهكذا من دورات لا تنتهي من رخاء متجدد متعاظم.
و إن نظرت لما وضعته في الهامش من وصف هارفي للتضاغط " ستلحظ أن كل خطوة لن تتم إلا بتجديد منظومات الحقوق، وما أكثرها . لذا فلا حاجة لي للمزيد من الوصف والنقد حتى لا نخرج عن موضوع الكتاب. ولكنك قد تقول: إن تضاغط الزمان والمكان واتصال المجتمعات مع بعضها والتصنيع أمر جيد للإنسانية. فأقول:
هامش
۱۹۷۰
ي٢) ومن أمثلة التضاغط التي ذكرها هار في هو ما قام به الأمريكي تنظيم حدود الدول بعد الحرب في معاهدة فرساي. ثم بعد عام ١٩٢٠م هنري فورد بأن أعاد تنظيم مكان الإنتاج إلى خط إنتاجي وبهذا قلل وضع النظام المالي العالمي ورسمت العلاقات الدولية وأصبح التصنيع وقت إنتاج السيارة وبسعر أقل ما أعان الناس على المزيد من الانتشار بكميات كبيرة هو النمط السائد. وفي عام ١٩٧٠م حدث تضاغط في الأرض بطريقة أسرع. وهذا الإنتاج للنقل السريع بأنواعه المختلفة مكثف آخر بسبب نجاح نظام التصنيع الذي وضعه فورد فتراكمت زاد من حدة إشعال الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤م ما أدى إلى إعادة المنتجات وبدأت الشركات في فصل العمال وزادت البطالة وقل
١٥٠٢ 🗏
نعم، هذا جيد، بل أيضاً مطلوب إن كان مربوطاً بحركيات تُوجهه. فالتصنيع مطلوب لراحة البشر. ولكن تصنيع ماذا ودون الإضرار بمن؟ وسرعة الاتصال مطلوبة أيضاً، ولكن الاتصال بين من ولصالح من؟ لهذا، وحتى ترى ما أدت إليه العولمة لابد من المرور على اقتصاد العولمة (أما إن كنت موافقاً على فساد العولمة فبإمكانك القفز مباشرة إلى عنوان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾).
اقتصاد العولمة
انفلاتا
مع
إن ما سبق هو المنظور الاجتماعي للعولمة الذي مهد لتغيير الحقوق ما أثر في الهيكل الاقتصادي مؤدياً بالضرورة إلى استعباد الناس بعضهم البعض لانقسامهم إلى غني وفقير بسبب تغير الحقوق. ففي مجتمع علماني مادي فإن حقوق الأغنى هي الأكثر وبذلك يكون هو الأعلى الذي يستعبد الآخرين. ثم زاد هذا الوضع العولمة بعد انتقال الحقوق. إن ما يفعله العالم الغربي هو أن من ملك السلطة أو أثر عليها يُفصل الحقوق كما أراد، فلا مقصوصة حقوق هنالك ولكن تفصيل الحقوق على الأهواء، وليس كالإسلام إذ أن مقصوصة الحقوق ثابتة لا تتغير. وهذا الوضع العولمي وضع استعبادي مرفوض لنا كمسلمين. لماذا؟
هم
الفقراء من
أريدك أخي القارئ أن تتذكر باستمرار المثال الآتي طيلة حديثنا عن اقتصاد العولمة المعاصرة الظالمة: تصور العلاقة بين الكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع وكأنها محيط مائي (كالمحيط الأطلسي مثلاً) وفيه جزر. وفي كل جزيرة مصنع. وهذه المصانع في الجزر تعمل بكفاءة عالية، إلا أن الماء المحيط من حولها الناس وكأنهم ماء راكد قد تعفن. هكذا هي العولمة الظالمة: كفاءة إنتاجية عالية في نقاط محددة هنا وهناك في محيط من الفقراء الذين قفلت في وجوههم أبواب التمكين ليزداد البؤس. لهذا فإن هذا الإنتاج برغم كفاءته لن يكفي الجميع برغد. تخيل أخي هذا المحيط من الفقراء بأنه يعمل بنفس كفاءة إنتاج الجزر إن طبقت الشريعة، عندها سيظهر ازدهار ورخاء للجميع. فكل من يتحدث إيجاباً عن العولمة الحالية مستدلاً بكفاءة الإنتاج ينسى أو يتناسى المحيط الأعظم من الفقر والبؤس.
هامش
الاستهلاك مع استمرار الإنتاج. وبهذا تشبعت أسواق المستهلكين بمجرد رؤيتها. والصور عادة لا ماضي لها ولا مستقبل كما يقول. فهي لدرجة أن الدول لم تعد تستطيع إحداث التصحيح المالي المطلوب تضغط التجربة الإنسانية في حاضر مثير. وهذه الطريقة في الإنتاج والالتزام ببرامجها الاجتماعية التكافلية المطلوبة منها. فما كان من أثرت في أسواق المال من خلال طول باع الشركات التي بدأت تخرج الدول إلا أن استمرت في طبع النقود وبهذا ازداد التضخم المالي من حدود الدول لتغطية مساحات أكبر مما أضعف الدول أمام وارتفعت الحدة سوءاً لدرجة أن فكرة الإنتاج الصناعي بكميات الشركات فكانت العولمة التي بدأت تؤثر في ثقافات الشعوب. كبيرة بدأت تهتز وبدأ خط آخر في التفكير الصناعي في الظهور ألا فالحضارات القومية بدأت بالضياع مع العولمة بسبب ) الفضائيات وهو قيام المسؤولين عن الشركات والمصانع بمشاركة مسؤولي وكثرة الترحال وقوة المنتج الذي بهر الأجيال الصاعدة. فحوالي ٧٠٪ المبيعات والعمال في المساهمة في التصنيع حتى تم استغلال مهارات من دور السينما في فرنسا تعرض أفلام هوليوود، وهذا أمر يتقزز منه العمال المختلفة لتصنيع منتجات تلائم الأذواق المختلفة والتي كانت مفكرو وسياسيو فرنسا ولكن لا خيار لهم. ومع ظهور الإنترنت سريعة التغير .(٤٨) ومتى . ما كانت ـت السلع تلبي الأذواق فهي إذا سلع والاتصالات السريعة بدأ الناس وبدأت الأفكار والابتكارات والمواد زائلة وخاضعة للهوى. وهكذا صار ما يسمى بالموضة style هو الخام والمنتجات بالانتقال السريع من مكان لآخر. وهكذا اشتد الذي يحدد الطلب على المنتجات ومتى ما فقد المنتج موضته أصبح تسارع العولمة وبدأت الثقافات الأغزر مادة في الانتشار كالسرطان جاهزاً للإتلاف. ولعل أكثر ما صار يستهلك ويتلف بسرعة هو في أجسام المجتمعات الأخرى (٤٩). صور الإعلام من تلفاز أو صحافة أو سينما والتي كانت تسنهك
١٢ الفصل والوصل
١٥٠٣
حالة
كيف وصلنا للعولمة اقتصادياً؟ كما هو معلوم فقد سادت في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي . من الفوضى المالية ما دفع الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٤م إلى توقيع اتفاقية بشأن وضع أسس نظام النقد الدولي والذي أثمر في نوع من الاستقرار الدولي على مدى ثلاثين عاماً. وكان الاتفاق أن تحافظ هو الدول على تثبيت سعر صرف عملاتها أمام الدولار الأمريكي في حين تعهد المصرف المركزي الأمريكي بتحويل الدولار إلى ذهب عند الطلب. وبهذا خضعت عمليات تداول العملات في غالبية الدول للرقابة الحكومية. وكان هناك معسكران كما هو معروف، أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي. ولعدة عقود وقفت الاشتراكية ضد الرأسمالية أثناء الحرب الباردة، فكان السجال الفكري بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي والذي أدى (كما مر بنا) إلى ظهور الرأسمالية المقننة والرأسمالية الاشتراكية وما إلى ذلك من مسميات تصف تدخل الدولة وسيطرتها بطريقة أو بأخرى على السوق من خلال فرض الضرائب على الأرباح وتقنين تحركات رؤوس الأموال.
٥٠
إلا أن هذا الوضع تغير، ففي عام ۱۹۷۳م بدأت عملية إلغاء أسعار صرف العملات الثابتة للدول الصناعية الكبرى بالظهور. وبهذا صارت أسعار الصرف تتحدد بواسطة مساومات المضاربين أو التجار الذين يقيمون العملات بناءً لما هو متاح لهم من استثمارات. فمثلاً عندما يخفض المصرف المركزي الياباني سعر الفائدة على القروض قد تقترض مؤسسة استثمارية أموالاً بالين الياباني وتحوله إلى ماركات ألمانية لاستثمارها في أسواق المال الألمانية الأعلى فائدة. أي أن المال أصبح سلعة على المستوى الدولي. أي أن القروض الممنوحة بالين الياباني مثلاً وبأسعار ربوية مخفضة ستحقق ربحاً أكيداً ولو بقدر يسير في مكان آخر. وبهذا فإن كل من أراد أن يقترض مالاً سيدخل في منافسة على صعيد دولي مع كل المقترضين في العالم. أي أن الذي يحدد الفائدة الذين يتصارعون في سوق المال ويجنون الأرباح من مؤسسات استثمارية. وهناك أمثلة أخرى للوسائل الكثيرة المتاحة لرجال المال للدخول والخروج من السوق على مستوى دولي للربح السريع دونما أي إنتاج فعلي إلا المضاربة. وهكذا بدأ تثبيت سعر صرف العملات في الاختفاء.
سعر
هم
ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى إلغاء تثبيت أسعار صرف العملات هي نظرية الاقتصادي الأمريكي ميلتون فردمان والمعروفة بالنظرية النقدية والتي تتلخص في أن حرية انتقال رأس المال بين الدول دونما تقييد أو دونما مراقبة ستؤدي إلى أفضل استثمار له وبجدارة. فحتى تتحقق هذه الجدارة للشعوب المختلفة فمن الأفضل للأموال المدخرة أن تذهب للأماكن التي تعطيها ربحاً أعلى. وبهذا ستنتقل رؤوس الأموال من الأماكن الغنية برأس المال إلى الأماكن ذات الفرص الاستثمارية الأكبر. والأمر كذلك بالنسبة للمقترضين الذين سيحاولون استحداث استثمارات صناعية أو زراعية أفضل إذ بمقدورهم المقارنة بين مقدمي القروض في العالم أجمع واختيار أفضل القروض بأقل الفوائد دون الخضوع للاحتكارات المصرفية المحلية، وبهذا ستستفيد جميع الأمم لأن أفضل استثمار وأعلى عائد قد تم لهم. وهذا المنظور هو سمة من سمات العقلانية وهو مقبول على المستوى النظري ظاهرياً، ولعله من أفضل الأدلة على قصور العقل البشري، لأن الذي حدث في الواقع هو أن من في الأسواق من أصحاب رؤوس الأموال هربوا بأموالهم إلى الدول التي قدمت لهم تسهيلات أفضل مع ضرائب أقل. أي وكأنهم يعاقبون السياسيين إن لم يقدموا لهم التسهيلات. وهكذا فقدت الدول سلطتها في رفع الضرائب. وكان لهذا آثار سلبية للكثير من الشعوب. فكيف حدث هذا؟
10.2 🗏
لقد
لقد تحدثنا سابقاً عن النظرة الكينزية للاقتصاد ثم رأينا كيف أن هذا المنهج بدأ في التغير بعد تبني ما سُمي بالليبرالية الجديدة. وكيف أن الحكومتين الإنجليزية والأمريكية في الثمانينات من القرن العشرين وضعتا قوانين حاولتا من خلالها تحرير رؤوس الأموال من القيود. وبهذا انتشرت مفاهيم اقتصادية تتغذى على السوق وتؤمن بآلياته مثل الخصخصة والتحرر وكانت شعاراً تأخذ به الدول من إيمانها العميق بقانون العرض والطلب على المستوى الدولي. ولكن ما الذي حدث بعد هذا التفاؤل الكبير بالليبرالية الجديدة؟ وأين هو قصور العقل البشري؟ نسي أولئك السياسيون أن كل مستثمر يبحث عن صالحه أولاً. فإن كانت ألمانيا تفرض ٤٠% كضرائب على عوائد رأس المال وإيرلندا تفرض ١٠٪ في التسعينات من القرن الماضي، فإن ماليزيا ستتخلى عن هذه الضريبة في الأعوام الخمسة الأولى لبدء الإنتاج في أي مشروع. وإن كان أجر العامل الفني في التسعينات من القرن الماضي في ألمانيا هو ٤٥ ماركاً، فهو في التشيك ۱۰ ماركات بل وهناك حكومات تدفع دعماً مالياً وأرضاً لمن أراد أن يستثمر فيها. وإن كان سعر حذاء نايك يصل إلى مئة وخمسون دولاراً لأرقى الأنواع في الولايات المتحدة الأمريكية ويصنع في أندونيسيا على يد عمال أجر الواحد منهم يقل عن ثلاثة دولارات في اليوم فإن الشركات الغربية التي تبحث عن صالحها لابد وأن تهجر بلادها. فالملاك رأسماليون ووطنيتهم حيث ما يكون ربحهم. أي أن ما يحدث في أسواق المال في الغالب ليس مؤامرة من طرف مجموعة من المستثمرين، بل هو التصرف المنطقي الطبيعي لأصحاب رؤوس الأموال كردة فعل لتحركات السوق. فالذي يحدث هو حصاد اقتصادي للسياسة التي انتهجتها الدول الصناعية
الكبرى.
ولأن الجشع الإنساني لا حدود له عند من لا يخافون الله عز وجل ومن لا ضمير لهم، ظهرت الوسائل لتحايل الشركات على الدول. فمن أسهل الطرق لتحايل الشركات على دفع الضرائب هو إيجاد اتحاد يضم عدة شركات مع فروعها وتتبع جميعها شركة أكبر هي الشركة الأم وموزعة في دول مختلفة، بحيث تتعامل هذه الفروع فيما بينها بالسلع والخدمات وبراءات الاختراع. وبهذا فإن هذه الفروع باستطاعتها وضع تكاليف مرتفعة ونفقات وهمية لمشروعات في دول أخرى وتوزيع نسب الأرباح في الفروع بناءً على نسبة الضريبة التي تضعها الدولة. ففي الدول ذات الضرائب المرتفعة فإن نصيب الربح سيضمحل كما فعلت شركة BMW للسيارات، إذ انخفض ربحها في ألمانيا من ٥٤٥ مليون مارك سنة ١٩٨٨م إلى ۳۱ مليون مارك بعد أربع سنوات. أما في الدول ذات الضريبة المنخفضة فإن الربح يكون مرتفعاً حتى وإن كان فرع الشركة لا يحوي إلا مكتباً صغيراً بعنوان وحاسب آلي. والدول عادة ما تعلم بهذه الألاعيب ولكنها لا تتمكن من إثباتها لأن خبراء ومحامي الشركات أكثر دهاءً من موظفي الضرائب. ناهيك عن أن الدول تتنافس فيما بينها لتخفيض الضرائب لجذب الشركات لتوفير الوظائف لأبناء البلد. فالذي يحدد الضرائب إذاً ليست الحكومات المنتخبة ديمقراطياً دائماً ولكنهم أحياناً القائمون على رؤوس الأموال بتهديداتهم بالفرار لدول أخرى.
لاحظ أن العولمة هنا أوجدت طبقة من الملاك على حساب الدول الصناعية وعلى حساب عموم الناس. وهذا أوجد للدولة المتقدمة صناعياً إشكاليتين: الأولى هى أنه إن غيّر البنك المركزي نسبة الفائدة فهو إنما يتصرف فيه مصلحة الدولة التي تحرص على صحة الاقتصاد، ولكن لأن كل تغيير سيؤدي لكسب المضاربين من دول أخرى أموالاً كبيرة من البنك المركزي أو البنوك المحلية، فإن هذا المال المكتسب الذي كان من حق المواطنين
١٢ الفصل والوصل
١٥٠٥
هي
ذهب للمستثمرين في دولة أخرى. وهذه خسارة لمجموع الإنتاج القومي. والإشكالية الثانية أن العولمة أدت وستؤدي إلى تنافس الدول على تخفيض الضرائب لصالح الشركات وبالتالي تقل أموال الدولة ما سيخفض الإنفاق الحكومي على الشعب وهذا سيعسف بالعدالة الاجتماعية. فلا أموال لدى الدولة كما كان لبناء المدارس والمصحات وصرف الأموال على العاطلين عن العمل.
أما الدول المتخلفة فحالها مختلف ذلك أنه بهذا التحرر العولمي بدأت معظم الصناعات التي تتطلب أيدي عاملة غير متعلمة تعليماً مرتفعاً (مثل صناعة الملابس ولعب الأطفال والأثاث بالتحول إليها وبالذات إلى الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة والأجر الزهيد مثل الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا. وبعد هذا التحول الكبير للصناعات السهلة أضحت الشركات ذات الفروع العالمية هي التي تسير الاقتصاد العالمي وهي التي تدفع السياسيين للعولمة بقوة. فهناك أكثر من أربعين ألف شركة تمتلك مصانع في ما يزيد عن ثلاث دول (وكان هذا في أواخر القرن العشرين). وبلغت مبيعات الشركات المئة الكبرى منها ما يزيد عن بليون ونصف بليون دولار لكل شركة في السنة. وتهيمن هذه الشركات على أكثر من ثلثي التجارة العالمية. ألا تعتقد أخي أن منظومات الحقوق القاصرة ستزداد قصوراً مع هذا الوضع الذي أفرز هذه الشركات العملاقة، وبهذا تظهر مستويات جديدة من الظلم؟ بالطبع نعم.
لماذا ؟
لقد بدأت الشركات في البحث عن طرق الإمدادات السهلة للمواد الخام والنقل المنخفضة للمنتجات وتنظيم الإنتاج عالمياً واستغلال كل الثغرات في الدول والمدن الجني الأرباح، وبهذا توسعت بعض الشركات وفاقت مجموع فروع بعضها عن الألف موزعة بين أكثر من أربعين دولة من أقوى دول العالم اقتصاداً. وباستطاعة هذه الشركات أن تعاقب الدول التي لا تسهل لها أمورها الإنتاجية بنقل الإنتاج لفرع بلد آخر خلال أيام. أي أن الحكومات العقلانية التي وقعت الاتفاقيات والبرلمانات الديمقراطية التي أقرتها، قد ألغت الحدود مالياً بين الدول فبدأت رؤوس الأموال بالانتقال من بلد لآخر بكل حرية. فعند تحرير التجارة بالعملات الأجنبية وبالتوسع في التجارة العالمية المسماة بـ «الجات» تحرر السوق من كل رقيب. وبهذا فإن الاقتصاد تحول في مفهومه من اقتصاد وطني إلى اقتصاد عالمي. وهذا بالطبع ما هو إلا لصالح المستثمرين وأصحاب الشركات أولاً.
01
أي أن السوق الحرة في ظل النظام العالمي الجديد، أي العولمة، لا تعمل كاليد الخفية المبنية على التنافس بين المنتجين والتجار الصغار، كلا بل السوق الحرة في العولمة ما هي إلا طغيان الشركات الكبرى، وكأنها اليد الظاهرة التي تبطش والتي لا تستطيع حتى الدول التعامل معها، فالدول تحاول اللحاق بهذه الشركات كردة فعل لما تقوم به الشركات ولكن بغباء. أي أن هذا المنظور، كما يرى البعض، ما هو إلا خضوع الدول لأصحاب رأس المال والذين الأساس هو أن تكون معدلات التضخم منخفضة وأسعار صرف عملاتهم مستقرة والضرائب (وهذا هو الأهم على أرباح استثماراتهم أدنى ما تكون وكل هذا بالطبع على حساب انخفاض ميزانيات الدول الغنية من
همهم
الضرائب.
وبهذا تحتم على الدول الغربية فرض سياسات قاسية تجاه شعوبها وذلك لأنها تتبع منهجاً واحداً وهو تخفيض الإنفاق الحكومي وإنقاص الدعم الاجتماعي للمؤسسات وللمرافق وذلك لأن دخل هذه الدول بدأ يقل. ومن جهة
10.7 🗏
أخرى بدأت الدول بخصخصة المرافق العامة مثل الصحة والتعليم والنقل الجماعي وشركات الكهرباء والماء والهاتف ونحوها من مرافق وذلك لرفع جدارة الأداء وتخفيف العمالة. وهذا أدى إلى تسريح الموظفين وزيادة البطالة. لهذا بدأت المظاهرات ضد العولمة. وفي هذا يقول جيمس ولفنسون James Wolfensohn رئيس البنك الدولي آنذاك: «من المحتمل أن تكون العولمة مسألة حتمية، فالمتظاهرون [ضدها] مخطئون [باعتقادهم] بأنها آلية تحت سيطرة المؤسسات العالمية». فهو يرمي بهذا إلى أنها خارج سيطرة السياسيين، وأنها تطور حتمي للبشرية. إنها عقاب جماعي للفقراء.
۵۲
ك
وإن وضعنا كل هذا في إطارنا عن الحقوق لاستنتجنا أن موازين الحقوق قد تغيرت لصالح أصحاب رؤوس الأموال. فقد ظهرت طبقة برغم أنها ليست سياسية إلا أنها تسير سياسات الدول إنهم أصحاب رؤوس الأموال والقائمون على المصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار " المالي وصناديق معاشات التقاعد. فهذه مؤسسات مالية لا هم لها إلا جني الأرباح لأصحابها من خلال المتاجرة بالعملات والأوراق المالية، والقائمون عليها ينقلون بكل حرية استثماراتهم المالية بين الدول دون رقابة. يقول ريتشارد سینیت Richard Sennett مشيراً إلى العولمة: لقد كانت السياسة الاجتماعية في الأجيال السابقة ترتكز على مفهوم واضح هو أن باستطاعة الدول وكذلك المدن بداخلها أن تسيطر على ثرواتها، أما الآن فإن هناك انقساماً بدأ في الظهور بين السياسة والاقتصاد.٥٣
٥٤
وبالطبع، فإن لهذه الطبقة الرأسمالية الثرية التي تنتقل بين الدول متطلبات معيشية مرفهة. فالجغرافية الجديدة، كما تقول ساسكيا ساسن Saskia assen ، توجد سلسلة من المدن برغم أنها ليست متجاورة إلا أنها كثيفة الترابط وذات أنماط متشابهة. فالمستخدمون الجدد للمدينة (أي موظفو البنوك ومن في حكمهم من موظفي اقتصاد العولمة) يطالبون بإيجاد فضاءات أو أماكن على صورتهم الفارهة الباذخة. ولأن السكان الأصليين ومتخذي القرارات نادراً ما يتحدون متطلبات السكان الجدد (أي اقتصاديي العولمة) نجد أن المدينة تأسست بشكل ما أطلق عليه مارينوتي متروبول الجيل الثاني، أو مدينة الحداثة المتأخرة. وما يميز هذه المدن هو هشاشتها لأن بقاءها يعتمد على الاقتصاد ذي الإنتاجية العالية من خلال التكنولوجيات المتقدمة والمبادلات المالية المكثفة. لهذا فإن هذه المدن تأخذ طابعاً أماكنه مؤلفة من مطارات وأحياء بمستويات باذخة وفنادق ومطاعم ذات النجوم الخمس، وهكذا من مواصفات تلبي متطلبات السكان الجدد وتنهك في الوقت ذاته اقتصاد المدينة من خلال توفير هذه الأماكن بالإضافة لتوفير المرافق ابتداءً من الخدمات ذات الاتصالات المتقدمة وانتهاءً بتوفير الأمن ذي المستوى الرفيع والثقافة ذات الصفة العالمية. وفي المقابل، فهناك السكان الأصليون المتأثرون سلباً من هذه النشاطات الاقتصادية الذين يوظفون العنف السياسي للمطالبة بحقوقهم، فيظهر ذلك في تحطيم واجهات المحلات التجارية والسيارات ونهب المخازن كمؤشر لعدم المساواة بين السكان الأصليين والسكان الجدد من اقتصاديي
العولمة.
هامش
ك ٢) صناديق الاستثمار هي ا أوعية استثمارية تشتمل على مجموعة من ٥٦,٠٠٠ صندوق في العالم وبلغت صافي أصولها ١٦,٤ ترليون دولار الأوراق المالية يقوم المستثمر باختيارها بطريقة متنوعة لتخفيض أمريكي.
المخاطر، وقد استمرت في الإرتفاع لدرجة أنها بلغت سنة ٢٠٠٥م إلى
١٢ الفصل والوصل
١٥٠٧
لاحظ أخي القارئ أن النظام الدولي قبل العولمة (عندما كانت الحكومات تسيطر على الشركات برغم الظلم القائم) كان مستقراً حقوقياً مقارنة بالحقوق في العولمة، إلا أن هذا تغير مع العولمة إلى حقوق متنازع عليها على الدوام بين الشركات التي تتلاعب بالدول، أي أن الحقوق أصبحت متذبذبة أي أنها تغيرت إلى الأسوأ. أي لصالح الأقوى اقتصادياً. كيف؟
بهذه العولمة التي أدت إلى تقديم الاقتصاد على السياسة بتغيير منظومة الحقوق بدأت الديمقراطية تفقد منطقها وحيويتها لأن السياسيين أصبحوا تحت مطارق أصحاب رؤوس الأموال. ففي الوقت الذي ترتفع فيه أرباح مالكي الأسهم فإن أجور العاملين تنخفض. وفي مجتمع رأسمالي فإن انخفاض الأجور يعني فقدان الكثير من الحقوق، كحق العلاج والتعليم والترفيه. وحتى يصل هؤلاء الأثرياء لثراء أكبر عليهم جلد من يعملون عندهم بساعات عمل مرتفعة وأجر زهيد وإلا انتقل المصنع إلى موقع آخر من العالم. وبهذا ظهرت سياسة البحث عن مدراء شركات لا يرحمون العمال. فهم يرغمون العمال على العمل أكثر وبأجر أقل وإلا العاقبة هي الفصل. أي وكأنهم جلادون لا هم لهم إلا الاجتهاد لتقليص النفقات ولزيادة الأرباح ليرضى عنهم أصحاب رؤوس الأموال ويكرمونهم على هذا الجلد. وبهذا ارتفعت رواتب ومكافآت هؤلاء المديرين الجلادين لدرجة غير معقولة. فمن أوائل الجلادين في آخر القرن الماضي مثلاً مدير شركة هاينز، وهي شركة كبرى في التغذية. فقد بلغ مرتبه ثمانين مليون دولار في السنة، أي ما يساوي أربعين ألف دولار للساعة الواحدة كمكافأة له من مجلس إدارة الشركة مقابل إبداعه في تخفيض التكلفة وزيادة الأرباح. وقد بلغ متوسط مرتب مدراء الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية مليون ونصف المليون دولار سنة ۲۰۰۱م. وهؤلاء المدراء لا هم لهم إلا زيادة الربح حتى وإن كان على حساب أوطانهم وأبناء جلدتهم. فشركات مثل نايك المعروفة بصناعة الأحذية الرياضية لا تمتلك الآن أي مصنع للإنتاج في بلدها، بل تتعاقد مع مصانع في أي مكان في العالم بأسعار زهيدة كالمكسيك مثلاً . بمواصفات معينة لاستحواذها على الاسم وتقوم هي بالتوزيع فقط. وبهذا تفقد الأوطان الأصلية لهذه الشركات ملايين الوظائف. لقد قال اقتصادي من معهد ماساتشوستس للتقنية MIT : إن من في أمريكا من رأسماليين قد أعلنوا الحرب الطبقية على عمالهم وأنهم قد فازوا بها » . أما هؤلاء الذين فصلوا من أعمالهم فإن بعضهم يعود إليه ولكن بالعمل بالأجر كأن يعمل بالساعة عند الحاجة إليه، وهكذا فإن الفئة التي لا تملك أصبحت في وضع أسوأ واستعبد المجتمع بعضه بعضاً. هكذا ضاعت حقوق من لا رأس مال لهم تحت مظلة الديمقراطية.
المقطوع
٥٦
00
والسؤال هو: كيف ضاعت حقوقهم الوضعية؟ لاحظ أنني قلت: «الوضعية» لأنني أقارن الحقوق قبل وبعد العولمة. ولعلك تعتقد من قراءتك للصفحات السابقة أنني من نقدي للعولمة وكأنني أثني على الوضع قبل العولمة. وبالطبع فإن الأمر ليس كذلك. فالحقوق قبل العولمة هي حقوق وضعية. وبرغم أنها تؤدي أيضاً إلى الظلم والفساد إلا أنها أقل إفساداً من منظومة الحقوق في العولمة. فالذي حدث هو أن الديمقراطية قبل العولمة كانت تحبس ثمرات رؤوس الأموال في أماكنها من خلال انتخاب مسؤولين همهم هو إرضاء الناخبين، وأن هؤلاء المسؤولين لهم سلطة على أصحاب رؤوس الأموال. وبعد فقدان هؤلاء المسؤولين لهذه السلطة بسبب التحرر الاقتصادي فقدت الديمقراطية سلاحاً مهماً لأن رؤوس الأموال تحررت ما أثر في سكان الشعوب إما سلباً كما في الدول المتقدمة صناعياً وإما إيجاباً أحياناً كما في الدول الفقيرة ولكن مع الإفساد.
10.1 🗏
وما زاد الوضع سوءاً هو أن الذين يعملون في القطاع المالي الاستثماري أخذوا يشترون الشركات ثم يقومون بتجزئتها لأجزاء أصغر للوقوف على نقاط الكفاءة inefficiencies سوء للتخلي عن تلك الأجزاء غير المربحة ومن ثم الحصول على خدمات تلك الجهات من قطاعات تجارية أخرى كمقاولة وبسعر أقل. وبهذا تتغير هيكلة الشركة ثم بعد تحديث الهيكلة تُباع أسهمها للحصول على الربح. هكذا بدأ التخلي عن كل عامل أو موظف غير ضروري أو غير منتج بكفاءة في الشركة. وبهذا سُرح الكثير من الموظفين لزيادة الربح. وخوفاً من أن يقوم المستثمرون بذلك أخذ مديرو الشركات بأنفسهم القيام بذلك فقد أقالت شركة IBM حتى سائقي سياراتها وطلبت منهم العمل كأرباب عمل (مقاولين) يعملون لحسابهم الخاص وخفضت رواتب السكرتيرات إلى النصف. وبهذا أصبح معيار نجاح أي شركة هو في مقدار ما يجنيه الملاك من أرباح. وما كان هذا إلا على حساب حقوق الموظفين المعدمين. حتى نقابات هؤلاء العمال التي كانت تحفظ لهم حقوقهم انهارت لعدم تمكن الدول من الدفاع عنها خوفاً من شرود رأس المال لمكان آخر لا نقابات فيه كالصين مثلاً.
ولابد أنك لاحظت من مشاهدتك للفقرات الاقتصادية في التلفاز بأن من سمات أسواق الأسهم الآن هو بحث الشركات عن الجدارة العالية في الأداء للموظفين والعمال وذلك بإعادة هيكلة الشركات الكبيرة للتخلص من التعقيد والروتين والأخذ بالتكنولوجيا المتقدمة، وهكذا سُرّحت أعداد هائلة من الموظفين، لهذا فإن أسعار أسهم الشركة ترتفع بمجرد إعلانها عن نيتها لإعادة هيكلتها. وبالطبع فإن في كل هذا كفاءة أعلى في الإنتاج. ولكن السؤال هو: ما الذي سيحدث لهؤلاء الذين تخلت عنهم مؤسساتهم بعد الخدمة لعشرات السنين؟ فأين هي حقوقهم؟ إنهم عاطلون لأنهم فصلوا من أعمالهم في مجتمعات لا تفتح أبواب التمكين إلا للرأسماليين والمتنفذين ومن قرب فبدأت البطالة في الازدياد . ولا تستطيع الديمقراطية فعل شيء لهم لأنهم إن تحركوا وانتخبوا من سيدافع عن حقوقهم فستخسر المجتمعات الشركات التي ستهرب لمكان آخر.
منهم،
ولتخفيف تكلفة المنتجات بدأت الشركات في الاعتماد على شركات أخرى أكثر تخصصاً. ففي صناعة السيارات مثلاً تولي الشركات تصنيع الأجزاء مثل المكيفات الهوائية والكفرات والزجاج والمحاور وحتى المكائن أحياناً لشركات أخرى. وهكذا بدأت أسماء الدول تخرج من الصناعة لتحل محلها أسماء الشركات. فبدل القول بأنها صنعت في أمريكا يقال بأنها صنعت عن طريق شركة فورد Ford والذي يعني أن التجميع للسيارة كان تحت مسؤولية شركة فورد لقطع أتت من أنحاء مختلفة من العالم. وبهذا ظهر نمط جديد من الإنتاج. فبدل إنتاج آلاف مولدات الكهرباء بأن تنتج كل شركة مولدات مختلفة لسياراتها مثلاً بدأت الآن جميع الشركات تولي إنتاج هذه المولدات لشركات متخصصة، لذلك فهناك أنواعاً أقل الآن من هذه المولدات لتخفيف التكلفة نظراً لتوحيد الإنتاج ولكن بكميات أعلى بكثير (لاحظ أن هذا لا يشبه ما تؤدي إليه مقصوصة الحقوق كما مر بنا في فصل «الشركة» من تفتيت للإنتاج لأن أبواب التمكين مغلقة في العولمة الظالمة، وفي هذا ظلم لشريحة من الناس).
بالإضافة لهذا فقد بدأت الشركات الصناعية نوعاً جديداً من التحالفات والمشروعات المشتركة. فنجد أن بعض الشركات تشتري بعضها بعضاً لتغطية أكبر رقعة ممكنة من السوق. وبالطبع فإن في كل هذا كفاءة أعلى إلا أنه احتكار ما بعده احتكار، ذلك أن هذه الشركات التي تستحوذ المعرفة والتمكين المغلقان أمام الآخرين في النظام الرأسمالي تعيش على ربح متعاظم دائم لأن مبيعاتها في تعاظم وتوزع في جميع أرجاء الأرض (تذكر مثال الجزر ذات
١٢ الفصل والوصل
١٥٠٩
الكفاءة العالية في الإنتاج وسط محيط من الفقراء. وبهذا كثرت المنتجات في الأسواق وصار كل شيء في كل مكان لمن ملك المال وتأثرت صناعات وثقافات الدول لفقدان الحضارات لما يميزها من مقتنيات. بالفعل، لقد كثرت المنتجات في السوق، ولكن تشابهت الأسواق. أما في الماضي فقد كانت المنتجات في السوق الواحد أقل تنوعاً لكن الأسواق كانت كثيرة واختلفت في منتجاتها من بلد لآخر. ففي المجموع، فقد سكان الأرض الثراء والتمايز فيما ينتجون. لذلك بدأت الحضارات في التشابه. أي أن البشرية برغم تقدمها التقني بدأت تفقد تمايزاتها الثقافية (وسيأتي بتوضيح أكثر بإذن الله).
### لصوص العولمة
لقد ظهرت مؤخراً في يناير ۲۰۱۳م دراسة قامت بها مؤسسة أوكسفام OXFAM لتقارن بين الفقراء والأغنياء في العالم. وإليك الأرقام المرعبة: لقد تزايدت اللامساواة بشكل فظيع في الثلاثين سنة الأخيرة في معظم أرجاء العالم. فقد زاد دخل أغنى ١٪ من سكان العالم بمقدار ٦٠% في العشرين سنة الأخيرة. تدبر هذا الرقم المرعب الذي تزامن مع العولمة. أما دخل الشريحة الأعلى من هؤلاء، أي أن دخل أعلى ٠٫٠١٪ من السكان فقد ازداد أكثر وأكثر. فقد تضاعف مثلاً معدل دخل ١٪ من السكان في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام ١٩٨٠م من ١٠ إلى ٢٠٪ من الناتج القومي، إلا أن هذا الرقم تضاعف أربع مرات للشريحة الأكثر غنى والذين يمثلون فقط ٠٫٠١٪ من السكان. وهذا بالطبع لا يقتصر على الدول المتقدمة صناعياً التي يمتلك سكانها معظم الصناعات على وجه الأرض، بل حتى الدول النامية، ففي الصين مثلاً فإن ١٠٪ من السكان يستأثرون لأنفسهم بـ ٦٠٪ من الدخل القومي. أما الدولة الأسوأ في العالم في عدم المساواة في الدخل فهي جنوب أفريقيا التي زاد الفارق فيها بين الأثرياء والفقراء إلى حد زاد عن وضعها حتى عندما كانت دولة عنصرية تفرق بين السود والبيض في أنظمتها الاستعبادية. فكيف تحققت هذه الأرقام؟ باختصار، فإن هناك تعاوناً فذاً بدأ في الظهور مع العولمة بين المستثمرين وبعض السياسيين لإيجاد منظومات حقوقية ذات ثغرات محكمة الإغلاق إلا على أنفسهم للولوج منها ليستفيدوا من كل قانون أو نظام لصالحهم إما من خلال مواقعهم كمسؤولين في الدول أو كمستثمرين يُظهرون أنفسهم بأنهم يعملون للصالح العام. هذا التآزر راكم الأرباح لهم أكثر وأكثر. وللتوضيح أقول:
إن غالبية السياسين في عصر العولمة يخضعون لرقابة رأس المال أو حتى يخضعون لهيمنتها. لهذا لم يأخذ السياسيون موقفاً واضحاً ضد هؤلاء المستثمرين ولم يتمكنوا من فعل شيء سوى التذمر. فهذا رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر قال متضجراً بأنه لا يجوز ترك العمليات في أسواق المال تتم بسرعة وحجم كبيرين دون الخضوع لرقابة الحكومات أو المؤسسات الدولية. أما الرئيس الفرنسي جاك شيراك فإنه يشبه المضاربين في أسواق المال كوباء الإيدز في الاقتصاد العالمي. لقد أصبح المستودع الأهم لرأس المال بسبب العولمة هو صناديق الاستثمار التي تمتلك البلايين مثل الصناديق الأمريكية التي تدير مدخرات تقاعدية تزيد على ثمانية آلاف مليار دولار (وكان هذا في السنوات الأخيرة من القرن العشرين)، هذا بالإضافة للشركات العملاقة التي أصبحت هي نفسها تصدر سندات دین تمول بها ما تحتاج إليه من مال وباستثناء بعض البنوك في الدول الصناعية الكبرى مثل
OV
- 🗏
أمريكا واليابان فإن معظم البنوك تقوم بدور الوسيط في الأسواق والتي يوجهها المستثمرون. وكما يقال مراراً: إن سياسيي هذه الدول هم الذي أطلقوا المارد من القمقم ثم لم يعد بإمكانهم السيطرة عليه. فياله من عقاب لمن عقله استخدم في مسائل الحقوق أي والله إن مسألة الحقوق هي حق عظيم الله العليم الحكيم ولا يحق للبشر البت فيه. وبالتدريج ومع الزمن، ولأنه لا ،قوانين أي لا حقوق واضحة في عصر العولمة بدأت الطبقات السياسية والمالية في التعاون فيما بينهما للمزيد من التكسب، فزاد سعير العولمة اشتعالاً بغلق الأبواب أمام الآخرين. كيف؟ إن الطبقة الرأسمالية في عصر العولمة ليسوا أفراداً بالمعني الماركسي التقليدي كما يقول الباحث لسلي سكلير Leslie Sklair، فالتحكم المباشر بوسائل الإنتاج والملكية المباشرة ليست هي المعيار الوحيد لخدمة رأس المال. ففي العولمة تتحدد البرجوازية الإدارية في الدولة على أنها (كما يقول سكلير) فئة متجانسة اجتماعياً تضم مدراء شركات نخبويين مبادرين وكبار موظفي أجهزة الدولة، وطلائع السياسيين، وأعضاء المهن المتعلمة، وأشخاصاً ذوي وقائع مشابه في سائر ميادين المجتمع». ففي الحدود المكسيكية الأمريكية مثلاً ظهرت جماعات سياسية من الأفراد ساعدت المستثمرين في إدارة برنامج التصنيع على الحدود المكسيكية. فمن بحث علمي عن هويات هؤلاء الأفراد ظهر أن بعض الجماعات مكونة من موظف حكومة محلي ومحام ومحاسب ومصرفي ومخلص جمركي ومتعهد عمال ومالك أرض المصنع والمباني، هذا بالإضافة إلى رجال الأعمال الأمريكيين من لجان التنمية الصناعية والغرف التجارية في المدن الأمريكية القريبة. لهذا لخص لسلي سكلير الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود القومية بأنها تتكون من: تنفيذيو الشركات العابرة للحدود القومية وفروعها المحلية مع بيروقراطيو أجهزة الدولة المعولمة أو السائرة في طريق العولمة مع الساسة والمهنيين ممن يستلهمون النظام الرأسمالي ومع النخب الاستهلاكية كالتجار والإعلاميين. أما في العالم العربي، فلسنا بحاجة للأبحاث لإثبات هذا، فكل ما عليك فعله هو تذكر أسماء كبار رجال الأعمال لتستنتج أن شركاتهم هي الأقوى لا لسبب إلا لأن بعض الشركاء إما من رجال السلطة وإما من أقربائهم. ولعلك إن حاولت معرفة الدولة الأكثر فساداً ستحتار في أيهم ستختار هل هي مصر أم الجزائر أم دول الخليج ؟ ناهيك عن اليمن والعراق.
لامتلاكه
وللمزيد من الربح فعادة ما تسعى هذه الطبقة إلى الحط من شأن بعض الممارسات أو الأعراف المحلية مقارنة بممارسات جديدة أكثر بريقاً وآتية من خارج الحدود. وعادة ما يتم هذا بتوظيف طبقة يتركز دورها السياسي على إقناع أبناء الوطن بأن مصالحهم متطابقة مع مصالح الشركات العابرة للحدود، وهذا بحاجة للإعلام غالباً. لهذا ظهرت طبقة إعلامية تروج للعولمة. وفي هذا يقول لسلي سكلير: « ... فما تسعى الرأسمالية الكوكبية هو القدرة على تشييء وتسليع جميع الأفكار والمنتجات المادية التي تلتصق بها من صور تلفزيونية وإعلانات وعناوين صحف وكتب وأشرطة وأفلام ... إلخ. لا الأفكار نفسها». فما كان من باغديكيان إلا أن أطلق على من يتحكمون في وسائل الإعلام العالمية اسم: لوردات أو أسياد العولمة. وإنتاجهم عادة (كما يقول) كتلة غير متمايزة نسبياً من الأخبار والمعلومات والأفكار وأسباب اللهو والثقافة الشعبية التي تقدم إلى جمهور متزايد الاتساع بصورة مطردة. يقول باغديكيان
هو
«إن الحدود القومية تغدو عديمة المعنى بصورة متزايدة نظراً لأن الأطراف الرئيسة تسعى إلى التحكم الكلي بإنتاج وإيصال وتسويق ما نستطيع أن نطلق عليه اسم البضائع الثقافية – والتي يتركز
١٢ الفصل والوصل
هدفها على استحداث «مزاج الشراء» ... لا شيء في تجربة الإنسان أعد الرجال والنساء والأطفال لتقنيات التلفزة الحديثة الدائبة على تثبيت الانتباه الإنساني واستحداث المزاج غير النقدي المطلوبين لبيع سلع كثيرة، منها ما هو هامشي ومنها ما هو ثانوي للإنسان»، هاكم حقيقتان تنطويان على دلالة: فعند بلوغه السادسة عشر من العمر يكون الشاب الأمريكي الشمالي المتوسط قد تعرض ل ۲ لتأثير ثلاثمائة ألف إعلان تجاري؛ ......
١٥١١
يقول الصحفي سيرج حليمي Serge Halimi في جريدة ليموند ديبلوماتيك (مايو ١٩٩٧م) متذمراً من سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على معظم مخارج الإعلام من صحافة وتلفاز ومذياع، بأنه في حيرة بين ما يؤمر بفعله الصحفيون وما يجب عليهم فعله فيقول ناقداً ما آلت إليه المجتمعات بسبب العولمة:
«أما زلنا نستطيع، كصحفيين ومثقفين، أن ندين الوضع ونقترح حلولاً وعلاجات حين يكون هذا العدد الكبير من أصحاب المليارات أمثال بيل غيتس وروبرت مردوخ وجان لوك ... وغيرهم من أرباب المال في العالم مالكين للصحف التي نكتب فيها، ولمحطات الإذاعة التي نتحدث عبرها، ولشبكات التلفزة التي نظهر على شاشاتها ؟ [ أما زلنا قادرين على التحرك] حين يكون هذا السيل الهائل من الأخبار والثقافة المتدفق على الدول النامية آتياً من البلدان الصناعية في حين لا تسمع هذه البلدان الصناعية إلا القليل جداً من الأنباء المتسربة تسللاً من الدول النامية؟ [أما زال بوسعنا أن نتحرك حين يكون أولئك الذين يكتبون الشيكات والقوانين ويسألون الأسئلة ويستثمرون ويبددون ويقلصون، هم أنفسهم أرباب عملنا ومصادر موارد الدعاية ومحددي توجهاتنا، وصانعي قراراتنا ومصنعي أنبائنا؟ بعبارة أخرى، هل نستطيع أن نفكر بما يجب فعله في هذا العالم المعولم، ما يتعين علينا كصحفيين ومثقفين أن نفعله لمواساة المحرومين وإزعاج المرتاحين، بوصفنا قوة مضادة، صوتاً لمن لا صوت لهم، حين يكون هذا العدد الكبير منا جزءاً من الطبقة الحاكمة كما من نخبة أصحاب الأعمال؟ حين يكون هذا العدد الكبير منا عاكفاً على ترديد أصداء خطب الأقوياء وانتقاد مواقف الفقراء؟ إذا كانت الأسئلة ضرورية، فإن مما يدعو للأسف أن الأجوبة واضحة، أكثريتنا لا تستطيع، ولن تقدم على فعل ما يتعين عليها أن تفعله، وهذه إحدى نتائج العولمة التي سمحنا لها أن تحدث، وعلى الرغم من أنني لا أؤمن بأن هذه العولمة حتمية، فإن وسائل الإعلام تحاول إظهارها كما لو كانت حتمية وتتظاهر بأنها تعدها مرغوبة، لا يجوز لأحد منا نحن الصحفيين والمثقفين على الأقل، أن ينكر قوة الأفكار التي ننشرها وندعم بها قرع طبول الدعاية الدائرة مدار الساعة في عالم لا يعرف معنى النوم، وليس له حدود».
٦١
هامش
ل٢) لقد لخص لسلي سكلير العولمة قائلاً (لاحظ أن الكوكبية تعني الثلاثة أن تحتكر الموارد المفتاحية التي يكون التنافس عليها كبيراً، العولمة، مع اعتذاري لضعف الترجمة ) : «يمكن إيجاز نظرية النظام فالشركات العابرة للحدود القومية تسعى للتحكم بالرساميل الكوكبي بخطوطه العريضة على النحو التالي: يتألف هذا النظام من والثروات المادية الكوكبية، الطبقات الرأسمالية العابرة للحدود ممارسات اقتصادية عابرة للحدود القومية تشكل على أعلى مستويات القومية تسعي للتحكم بالسلطة الكوكبية، وجملة المؤسسات التجريد، حجارة بناء صرح النظام، أما الممارسات السياسية فليست والوكالات العابرة للحدود القومية ذات العلاقة بـثقـافـة أو إلا المبادئ التنظيمية لهذا النظام، حيث تتولى أدواتها التعامل مع المواد إيديولووجيا النزعة الإستهلاكية تسعى للتحكم بدنيا الأفكار، لقد المتوفرة. غير أنها قادرة عبر تعديل تصميم النظام، على بناء هياكل بات تحكم الشركات العابرة للحدود القومية الفعال بالرساميل متباينة داخلها في حين تبقى الممارسات الثقافية أو الإيديولوجية والموارد الكوكبية كاملاً تقريباً، ليس ثمة إلا القليل من الموارد المفاصل واللحمة التي تضمن دوام تماسك النظام، ففي غياب هذه القومية المهمة الباقية كلياً خارج دائرة الممارسات الإقتصادية العابرة الممارسات من شأن أجزاء من النظام أن تنحرف وتتوه في الفضاء. للحدود القومية ...» (٦٠) . لضمان سلامة العمل يتعين على القوى المهيمنة في كل من الميادين
١٥١٢ 🗏
رفض العولمة
وكما ترى في الاقتباس السابق فقد بدأت الأصوات ضد العولمة تتعالى. فهناك اعتراض جماعي من الشعوب على العولمة. فمع تحول مراكز النفوذ السياسي الاقتصادي من الدول القومية إلى نظام اقتصادي دولي متزايد الخضوع لهيمنة الشركات العابرة للحدود، فإن إستراتيجيات وتكتيكات وأهداف الحركات المناضلة ضد العولمة هي الأخرى تتحول. فقد بدأت بعض الحركات الشعبية والمنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والهيئات الأكاديمية والأطباء والمحامين والمهندسين في معظم أرجاء العالم بوضع إستراتيجيات للتواصل فيما بينها عن طريق الاتصالات الحديثة لتبادل الخبرات لمقاومة سلبيات العولمة . فكما يقول جوشوا کارلاینر Joshua Kairliner فقد صار السكان الأصليون من نيجيريا إلى كولومبيا البريطانية أكثر تعاوناً لحماية السلامة الطبيعية والثقافية لثرواتهم من تجاوزات الشركات والحكومات مثل شبكة العمل في مجال المبيدات. فظهرت سكرتاريات في كل قارة لتنسيق جهودها لحظر أكثر المواد الكيميائية الزراعية خطورة وسُمِّية في العالم. وثمة منظمات أخرى، مثل السلام الأخضر وأصدقاء الأرض لها مكاتب في عشرات البلدان تتولى إطلاق حملات منسقة تستهدف لجم تدمير الشركات للبيئة، فتلك الجماعة المعروفة مثلاً باسم أويل ووتش التي تتخذ من الإكوادور مقراً لها تتعاون . ناشطين عبر العالم الثالث مع لمحاربة إساءات شركات النفط العالمية في المناطق المدارية، أما شبكة العالم الثالث التي تتخذ ماليزيا مقراً لها، والتي ينشط مملثولها في بلدان مختلفة في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فقد ساهمت في قيادة عملية توجيه النقد إلى الغات GATT ومنظمة التجارة العالمية WTO بوصفهما اثنين من هياكل تحكم الشركات العالمية.""
وبرغم الجهود المشتتة للتحركات ضد العولمة إلا أنها حركات نابضة بالحياة لإيجاد عولمة تنطلق من القاعدة، أي من عموم الناس، فالجماعات في مختلف أرجاء العالم (باستثناء بعض الدول العربية الدكتاتورية) بدأت تخرج من عزلتها وتدخل في تعاون وتواصل مستمرين للوقوف ضد تيار العولمة. فقد اجتمعت حوالي سبعين منظمة قاعدية في الولايات المتحدة الأمريكية ووضعت وثيقة بعنوان: من النهب العولمي إلى القرية العولمية. ومما جاء فيها عبارات مشحونة بالتفاؤل مثل: بات التدويل غير المقيد لرأس المال متبوعاً الآن بتدويل حركات الشعوب ومنظماتها. ومثل: إن بناء منظمات الشعوب وتضامنها الدوليين سيشكلان ثورتنا من الداخل: أي محاولة إيجاد مجتمع مدني بلا حدود. وبهذا فإن النزعة الأممية أو العولمة من تحت كما يقولون، ستكون الأساس المناسب لظهور قرية معولمة قائمة على المشاركة وقابلة للاستمرار . إلا أن تنظيم وسرعة حركة مثل هذه المنظمات لا ترتقي للحاق بسرعة حركة الشركات، فهذه المنظمات القاعدية لم تتمكن بعد من إبطاء سرعة حركة الشركات فضلاً . عن قلب مسيرة الشركات المدمرة لضرب مثال واحد حين استجابت شركة ميتسوبيشي للضغوط الدولية وأغلقت مصنعها لتصنيع التربة في ماليزيا، ما لبثت أن سارعت مباشرة إلى التعاقد على القيام بالعمل نفسه مع شركتين فرعيتين في الصين. أي برغم ظهور بعض الانتصارات المتفرقة هنا وهناك إلا أن الشركات هي الأسرع في استغلال ثروات الأرض للوصول السريع للربح على حساب سلامة الأرض.
٦٣
ولأن العولمة أصبحت صيغة اقتصادية تنشدها أكثر الطبقات السياسية، فإن احتمال ظهور ردات فعل قومية معادية لما هو أجنبي أصبح مرضاً في نظر البعض. وهناك فرصة للخروج من هذا الخطر كما يقول جوشوا كارلاينر يتمثل في بناء سلسلة من العلاقات بين قوى العولمة القاعدية الوليدة ونسج شبكة من التحركات للتنسيق
١٢ الفصل والوصل
١٥١٣
وتبادل الخبرات حتى يتم إنقاذ الكوكب الأزرق فيقول:
«لن يكون إنقاذ الكوكب الأزرق من براثن العولمة المتحدة عملاً بسيطاً، لابد من إنجازه عبر خلق واعتماد آليات تنطوي على إعادة مفهوم محاسبة الشركات من ناحية، ومفهوم «المشاركة» بحد ذاته من ناحية أخرى، ثمة الآن كثيرون يفهمون محاسبة الشركات على أنها استجابة غير إلزامية من جانب هذه الشركة أو تلك لمطالب أولئك المتأثرين بنشاطاتها، وهي تتحدد بأشكال متباينة بوصفها مسؤولية أية شركة عابرة للحدود القومية أمام مستثمريها، مدى استجابة الشركة لمطالب عمالها أو الجماعة المحلية التي تنشط في بيئتها، أو مدى الاستعداد الطوعي لدى الشركة لتقديم المعلومات البيئية. هناك في الحقيقة قدر متزايد من الخلط بين محاسبة الشركات وانضباطها الذاتي. إلا أن المحاسبة الحقيقية للشركات تبقى شيئاً أوسع وأعمق بكثير من التعاريف آنفة الذكر، إنها تعني التزام الشركات الصارم بسائر الجماعات والحكومات والبيئة العالمية التي تعمل فيها، وفي صلب مثل هذه الإدارة الديمقراطية يجب أن يكمن المفهوم الذي يؤكد أن على الشركات ألا تتمتع بأي حق طبيعي في الوجود، بل هي قادرة بالأحرى على الحصول على مثل هذا الحق من «الشعب» مما يلزمها بالاستجابة لما يطلبه الجمهور. لابد للشعب إذاً من أن يكون متمتعاً عبر صيرورة من التمثيل السياسي الديمقراطي بحق رسم حدود «الشركة»، هويتها، ما تستطيع وما لا تستطيع أن تفعله. إذا بادرت شركة ما، وهي على علم إلى بيع منتجات معطوبة أو تمادت في انتهاك القانون، فلابد للجمهور من أن يكون قادراً على مطالبة الحكومة بإلغاء مثل هذه الشركة وتفكيكها عبر تصفية أصولها. حين تكون الشركات خاضعة لقدر أكبر من التحكم الديمقراطي، تبقى سطوتها قابلة للكبح، تكون الاحتكارات قابلة للتفكيك تكون الاقتصادات قابلة لزيادة التركيز على الاستمرارية من . شأن مثل هذا المناخ أن يرعى اقتصاد سوق لا مركزي، ذا توجه بيئي سليم، قائم على تطوير تكنولوجيات بديلة نظيفة، وزراعة عضوية، ومشروعات خاضعة لرقابة العمال، ومؤسسات صغيرة واتحادات بلدية وروابط تجارية بديلة ومصارف مكرسة حقاً لاستئصال الفقر، وجعل الجماعة صاحبة كلمة مسموعة، مع تحقيق قدر أكبر من العدالة والتكافؤ بين الشمال والجنوب، إضافة إلى أشياء
أخرى».
٦٤
وإن تدبرت الاقتباس السابق (مع اعتذاري لضعف الترجمة كما ورد في الأصل) ستلحظ أنها أمنيات أو «يجبات» لن تتحقق لأن منظومات الحقوق قد صيغت لتدافع عنها (تذكر ما مر بنا في الحديث عن اليجبات في فصل «المكوس»). أي وكأن المجتمع العالمي بحاجة لثورة في جميع المستويات للتخلص من سلبيات العولمة.
سلبيات العولمة
قبل المرور على السلبيات فمن العدل أن نسأل: هل للعولمة إيجابيات؟ هناك من يرى ذلك. فالعولمة أدت إلى تبادل المعلومات وإلى فهم أفضل للحضارات المختلفة وأنها نشرت الديمقراطية وستنشرها في الدول الدكتاتورية أيضاً لأنها ستؤدي إلى تبديد سلطات الدولة. فالعولمة أقل بلاءً من الحكام العرب كما يقول البعض، وأنه بسبب التقنيات في عصر العولمة كشبكات التواصل الاجتماعي وتنظيم الناس لأنفسهم ظهر الربيع العربي مثلاً. وهذا بالطبع صحيح إلى حد ما. فالعولمة أدت إلى إزالة آفة الدكتاتورية بجمع الناس على قلب رجل واحد من خلال التواصل فيما بينهم ليثوروا على الأنظمة والحكام. لكن إن طبقت الشريعة فإن آفة الدكتاتورية لن تظهر أصلاً كما
١٥١٤ 🗏
ستتأكد بإذن الله في فصلي «الأماكن » و «الحكم»، كما أن هذه التقنيات التي قربت بين الناس ليست بالضرورة من نتاج العولمة كما حاولت أن أثبت مراراً، بل بسبب التقدم العلمي التقني والذي سيزدهر أكثر مع تطبيق الشريعة كما سيأتي بإذن الله.
وبالنسبة لغزارة المنتجات، فهناك مقولة بأن سكان بعض الدول استفادوا من العولمة نظراً لارتفاع مستوى دخل الفرد بصفة عامة. وللرد على هؤلاء أقول: إن سكان الدول التي يُعتقد أنها استفادت من العولمة من خلال صادراتها مثلاً ما أدى لزيادة دخل الفرد (كتلك الدول الزراعية المصدرة للموز مثلاً والتي تمكنت من تصدير الموز بسبب سهولة الشحن في عصر العولمة) فقد ذاق سكانها الأمرين لأن سياسات دولهم لم تكن عادلة. فمعظم الاستثمارات كانت في المدن ولصالح سكان المدن والحكومة البيروقرطية. فمعظم ما تنفقه الدولة في الهند مثلاً لا يفيد الفقراء الذين لا يحصلون على العلاج أو التعليم أو الصرف الصحي أو الماء النقي، فالفقراء مهمشون. وهكذا يزداد الفقير فقراً. فهناك آلاف الأطفال الذين يعملون في الباكستان في صناعة كرة القدم لصالح شركات غربية بأجور زهيدة على حساب الذهاب للمدارس، والأمثلة على هذا الظلم كثيرة. " ناهيك عن أن التقدم في المواصلات ليس بسبب العولمة (أي تقدم المواصلات لنقل الموز في مثالنا هذا)، ولكن بسبب التمكين والتقدم المعرفي (تذكر ما ر بنا في فصل «قصور العقل» في الحديث عن: «العقل أم التمكين» و «أسباب التخلف»).
مر
أما عن الصين التي تغنى بها العلمانيون باستفادتها من العولمة فالرد هو الآتي: صحيح أن الصين أصبحت من أكثر الدول خروجاً من الفقر بعد أن فتحت الصين اقتصادها للغرب سنة ١٩٧٨م. وصحيح أيضاً أن عدد السكان الذين يعيشون على أقل من دولار واحد يومياً انخفض من ٢٦٠ مليون إلى ۱۰۰ مليون بعد عقدين من الزمان وبنمو اقتصادي وصل أحياناً إلى ١٠٪ في السنة. وصحيح أيضاً أننا إن وزعنا مجموع ما أنتجه البشر على عدد سكان الأرض في ظل العولمة لوجدنا أن نصيب الفرد أكثر من أي عصر مضى وهذا ليس بالضرورة بسبب العولمة ولكنه بسبب التراكم المعرفي للتصنيع)، وكل هذا إحصائياً ونظرياً، أما الواقع والذي فعلته العولمة هو أنها جعلت نسبة الاقتناء للخيرات غير متساوية. فلم يشهد التاريخ البشري تراكماً كبيراً في أعداد من لا يجدون ما يأكلون كما اليوم، أي من هم تحت خط الفقر والذين يزدادون يوماً بعد يوم وستأتي إحصائياتهم بإذن الله). وبالنسبة لمن هم فوق أو على خط الفقر فما يستهلكونه برغم أنه أكثر من فقراء الماضي إلا أنه لا يتناسب مع ما يملكه الأثرياء. وهذا يزيد الإحساس بالفقر ويزيد الاستعباد. فإن تذكر أخي القارئ فقد قلت سابقاً أن ما استمتع به هارون الرشيد يقل عما يستمتع به كثير منا الآن. فهو لم يأكل فاكهة الصيف في الشتاء ولم ينم تحت مكيف في الصيف. ولأن النفوس البشرية ضعيفة، فهي دائمة المقارنة مع الآخرين. ومن هنا يأتي الاحساس بالفقر ويتولد الاستعباد، وهو ما تحاول الشريعة جذه من جذوره. فالعولمة لن تكون عادلة. وما حدث في الصين برغم أنها دولة قوية عسكرياً وسياسياً، هو زيادة كبيرة في دخل البعض على حساب من يعملون مستعبدين في مصانع كالسجون. فبالإضافة للسجون التي تعمل كمصانع والتي تسمى لاو جاي كما مر بنا، فهناك مناطق في الصين يحشر فيها العمال في مساكن ضيقة مقفلة ليلاً خوفاً من هروبهم برغم أنهم أتوا بمحض إراداتهم لضيق وضعهم المالي. فقد غرر وجُذبوا للعمل ثم اكتشفوا بهم أنهم لا يطيقون أوضاع العمل والسكن اللاإنسانية. وهذا وضع لا ترفضه الحكومة الصينية التي هي بحاجة لهذه الاستثمارات الأجنبية والذي تغض الدول الغربية الطرف عنه والتي تدعي الديمقراطية والحرية والإنسانية.
و
١٢ الفصل والوصل
١٥١٥
عصر
أما بالنسبة للدول الضعيفة عسكرياً وسياسياً، فلا أدل على الاستعباد في العولمة مما تعودت الولايات المتحدة الأمريكية القيام به بتسخير رؤساء دول العالم الثالث لتحقيق مطامعها. فكما هو معلوم وموثق في الأفلام المنتشرة بين الناس، فقد كانت الاستخبارات الأمريكية تطلب من رئيس الدولة المستهدفة فتح مواقع المواد الخام للشركات الأمريكية، فإن انصاع لهم وإلا قتلوه. وكما اعترف عميل أمريكي، فقد كانت معظم هذه الاغتيالات بإسقاط طائرة الرئيس (كما حدث للرئيس الباكستاني ضياء الحق مثلاً ولعدد من قادة دول أمريكا اللاتينية). وعندها سيصبح السكان مسخرين للعمل في هذه الشركات ويكون الاستعباد. أي أن حقوق من في الموقع نقلت لمن هم خارجه لأن التصاريح لاستخراج المعادن لا تعطى إلا من خلال الدولة التي استعبدت من أعلى منصب، أي من منصب الرئيس. ولأن البلد فقير في موارده لأن شركات العولمة تستنزفه، فإن البنوك العالمية تُقرض هذا البلد بدعوى لبناء المرافق، ثم لا تُبنى المرافق، بل يستبد المسؤولون الفاسدون بهذه الأموال الذين سعوا لاقتراضها على حساب مستقبل شعوبهم، وبازدياد التخلف، ولأن المال المقترض ضاع، لن تتمكن هذه الدول من سداد البنوك، فتبدأ البنوك بالضغط على الدول لاسترجاع الفوائد المركبة لما تم إقراضه. وهكذا تصبح الحكومة مشلولة الأطراف لتحكم شعباً متخلفاً ويعمل أجيراً في موطنه لشركات العولمة الظالمة. أي أن الناس يعملون بجد وينتجون ومع ذلك فهم فقراء، بينما أسواق الغرب تفيض بمنتجات هؤلاء الفقراء اللذين تزداد بيئاتهم تلوثاً ومواردهم نضوباً دونما عناء من سكان العالم الغربي المتعولم ظلماً.
دعمه
أما إن أتى حاكم وحاول إنقاذ بلده ونجى من الاغتيالات، فإن وجود الشركات العالمية في بلده تؤدي لزعزعة الاستقرار لتظهر الدولة وكأنها دولة فاشلة وبالتالي فإن الرئيس هو الفاشل فيلفظه الشعب ليأتي آخر فينصاع لإرادة الدول القوية. فكما هو معلوم، فإن النمط الجديد من الحروب التي تديرها الدول القوية كما يقول الأستاذ ماكس مانوارينج Max Manwarnig ، وهو ما يعرف بحروب الجيل الرابع، لا يكون بإرسال الجنود عبر الحدود للغزو، بل من خلال زعزة الاستقرار، وهذا عادة ما يتم بتحريك بعض الجهلة وبتسيير الإعلام وبالتأثير في مؤشرات الأسواق وما شابه من أدوات فتتآكل الدولة رويداً رويداً فتضعف لتحتاج لدعم الآخرين فتقع في شرك تنفيذ إراداة الغزاة الأذكياء أو بالأصح الخبثاء، هكذا تكتسب الدول الكبرى النفوذ على الدول الأضعف.
والسابق هو بسبب التفاوت الهائل بين قوى الدول. ولكن حتى إن لم يكن هناك تفاوت بين الدول أو كانت الدول بريئة وليست كالذئاب، فإن أفراد المجتمعات نفسها تحاول أن تلتهم بعضها بعضاً لأن العولمة الظالمة أوجدت البيئة التي تمكن القلة من الغالبية لتظهر السلبيات. فمن سلبيات العولمة المشاكل النفسية. ففي أواخر القرن الماضي كانت هناك أكثر من عشرين مليون عائلة تدخر أموالها في السندات وتضارب في الأسهم وتعاني من ويلات التقلبات النفسية التي تصاحب هذه المقامرات ليل نهار فمتى ما ارتفع مؤشر داو جونز الأمريكي للأسهم Dow-Jons-Index أو نزل، ارتفع معها ضغط الناس ونزل. لذلك تجدهم يمضون الساعات الطوال مع مستشاريهم ومع سماسرة البورصات وخبراء الصناديق لعلهم يتكهنون بأسعار الأسهم والصناديق. وتحت هذه الضغوط النفسية لا يبقى للأطفال إلا ساعات قليلة مع الآباء المتوتري الأعصاب لتربية الأطفال ما يؤثر على تربية الأجيال. ناهيك أن ما يقابل هذا التوتر هو إضاعة الوقت وكأنها مقامرة. فلا إنتاج ملموس إلا اللعب بنقل الأموال مقامرة من هذا الركن إلى ذاك الركن من العالم.
1ܙܘܙ 🗏
ومن سلبيات العولمة أنها تجعل الكل ينفلت دون رقيب. فقد فسر أحد الألمان واسمه بك Beck العولمة بأنها «المخاطرة». فهو يقول بأن العولمة ما هي إلا مخاطرة من الكل على حساب الكل. فالكل يسعى لزيادة إنتاجه وربحه، وسيكون هذا على حساب تلويث البيئة مما سيؤثر على الكل. فالمصانع تخاطر بعدم معالجة النفايات لأن ذلك مكلف ولا رقيب قوي عليها من الدول، بل تخاطر بإلقائها في نهر أو دفنها في صحراء أو إرسالها لتدفن في دول أخرى مقابل أجر مالي. وهذا أدى لظهور رجال أعمال متخصصين في نقل النفايات الضارة لدول متخذو القرارات فيها من ذوي الضمائر التي سمحت لهم بتقبل هذه النفايات على أراضي شعوبهم دون علم سكانها. حتى الدول التي ترمي بالصناعات الثقيلة الملوثة لدول أخرى فهي إنما تخاطر بالتخلص من التلوث في أراضيها لتؤخره لوقت لاحق، فهو وقت بعيد إلا أنه سيصبح قريباً. وهكذا كما يلخص بك Beck الموقف فيقول: «إن تراكم المخاطر سيحجم المجتمع العالمي إلى حي من الأخطار».
٦٧
أما بالنسبة لانحدار القيم فقد انتقد لوتواك Luttwak الجمهوريين في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً والمعروفين بأنهم من المحافظين على القيم، فهو انتقدهم بأنهم يتبنون نُظُماً تدمر القيم على الرغم من أن رجال السياسة عندما يخوضون الانتخابات يؤكدون على إعادة قيم الأسرة إلا أنهم في سياساتهم المالية يدعمون العولمة بتحرير رأس المال جبراً لأنهم تحت ضغوط الشركات فهذا الرئيس الأمريكي جورج بش الابن تحركه شركات ولاية تكساس وهو ينفذ لها ما تريد من حرية في الحركة ما يؤدي إلى زيادة البطالة بسبب انتقال الشركات. ومن أهم مسببات البطالة أيضاً هو تحول الشركات إلى اقتناء التقنية السريعة وما تتطلبه من تحديث للمهارات. وبالطبع فليس في إمكان كل الموظفين، وبالذات الكبار منهم مجاراة هذه التغيرات المطلوبة للمهارات. وهذا يتطلب تسريحهم ما سيؤدي إلى عواقب اجتماعية كأن يضطر الزوج للسفر لمدينة أخرى للبحث عن عمل ويترك زوجته، وقد يرتمي في أحضان امرأة أخرى، وبهذا تتفكك الأسر وتنهار المؤسسة الأخلاقية الأساسية. فعندما تنطلق التقنية بسرعة تفوق تكيف الناس معها فسيتخلف أولئك غير القادرين على مسايرة الركب والتكيف إما لأنهم لا يريدون أو غير قادرين على قضاء العمر كله بأقصى عطاء، وإما لأنهم لا يريدون أو غير قادرين على تغيير رؤيتهم للحياة. ويستخدم لوتواك كمثال لإثبات نقده تدخل الدولة في سياسة تحرير رحلات الخطوط الجوية التي برغم أنها أدت إلى حرب بين الناقلين وإلى تخفيض الأسعار إلا أنها في الوقت ذاته أدت إلى رفع نسب الطلاق وإلى ضياع الكثير من الأطفال الذين يعانون من هذا التحول الاجتماعي. وبهذا يكثر الإجرام لدرجة أن مجموع الإنفاق على السجون في كاليفورنيا فاق الإنفاق على التعليم.
هامش
عب) ولكنك قد تقول: بأن عدم مقدرة المأجورين وبالذات الأكبر للتأقلم أو للتحول إلى صناعات أخرى تتطلب مهارات أقل، وهذا في سناً مجاراة التقنية الحديثة ما يؤدي لتسريحهم من العمل أمر محتوم، مقدورهم لأن المال الكافي لديهم في بيئة تفتح جميع أبواب التمكين. فلماذا تلام الرأسمالية، وأنه حتى وإن طبقت الشريعة فإن هذا قد أما من لفظته جميع الشركات وكان معدماً في سن متقدمة فهناك بالطبع يقع؟ فأجيب : هذا إلى حد ما صحيح إن كان الفرد مأجوراً بأجر من سيكفله بسبب ثراء المجتمع (تذكر آيات الصدقات والفيء زهيد، وهذا يحدث عندما تزداد البطالة. ومع تطبيق الشريعة والغنائم). ومن جهة أخرى، وهذا هو الأهم، فإن المعرفة لن تقفز إلا وبانعدام البطالة فإن الشركاء الذين يعتمدون على بعض المأجورين نادراً إن طبقت الشريعة مقارنة بأيامنا هذه، بل ستنمو تدريجياً، يجدون أنفسهم مضطرين لتدريب هؤلاء. ناهيك عن أن معظم الناس فالمعرفة في أيامنا هذه التي تحتكر فيها لمن أوجدوها تتصف من الملاك وبالتالي يعملون فيما يملكون لهذا بالطبع فلن يفصلوا بالقفزات ثم الركود الطويل ثم القفزات، وليس النمو التدريجي أنفسهم، بل عليهم التأقلم أو الخسارة، لهذا سيسخرون كل طاقاتهم والسريع كما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله.
١٢ الفصل والوصل
١٥١٧
وبرغم أن الديمقراطية تعتمد على التصويت والذي هو حق لكل مواطن، وبرغم أن السياسيين المنتخبين يسعون للموازنة بين مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة لكسب ود الأغلبية، إلا أن الواقع الذي فرضته العولمة هو أن معظم السياسيين بعد فوزهم يجدون أنفسهم تحت ضغوط أصحاب رؤوس الأموال والذين هم قلة، أي أن متخذي القرار يجدون أنفسهم يحققون أحلام الأقلية وهذا أدى إلى السيادة الشمولية لرأس المال. والمضحك هو أن من الأسباب الموصلة لهذه الانتكاسة للديمقراطية هو الصراع الذي كان بين الرأسمالية والاشتراكية في القرن العشرين. فبسبب هذا الصراع ظهرت الأحزاب الرأسمالية المطعمة بالاشتراكية مثل حزب العمال في بريطانيا والحزب الديمقراطي في أمريكا الشمالية. وعند وصول هذه الأحزاب للحكم كانت تدعم الطبقة العاملة من خلال النقابات وتمرير القوانين التي تحد من ساعات العمل وترفع الأجور وتقدم التعليم والرعاية الصحية مجاناً. أي أن هذه الأحزاب أوجدت حقوقاً لمن يعملون ولا يملكون. وهذا أوجد خلال الخمسين سنة الماضية طبقات اجتماعية ذات دخل متوسط وذات مدخرات هائلة في مجموعها. ومن العجيب أن هذه الطبقات هي التي تعاني الآن من العولمة برغم أنها هي التي تدعمها وذلك بسبب مدخراتها التي تودع في صناديق استثمارية. فقد يقوم عامل في ما مثلاً مصنع من الطبقة الوسطى بوضع مدخراته في صندوق استثماري ثم يقوم هذا الصندوق بشراء ذات المصنع الذي يعمل به العامل المستثمر، ثم يأتي الملاك الجدد والذين يمثلهم القائمون على الصندوق الاستثماري ويطالبون الشركة برفع الجدارة لزيادة الربح إما بفصل بعض العمال أو بنقل المصنع لدولة أخرى. وهكذا قد يفصل هذا العامل أو يفقد وظيفته لعامل آخر في دولة أخرى بسبب استثماره هو، وهم يدركون كل هذا ولكن لا يستطيعون فعل شيء حياله. إنهم في نفق.
إن المصطلح tittytainment هو من وضع الأمريكي بريزينسكي Zbigniew Brzezinski . وهذا المصطلح يأتي من دمج كلمتين هما «حلمة tits» و «ترفيه entertainment»، ومعناها التقريبي هو البحث عن كل ما يمكن وضعه من مسليات لإلهاء الناس وتصبيرهم على ما هم عليه من فقر وبؤس. ولعل ترجمتها إلى «ملهيات» تفي بالغرض. فالطفل عندما يرضع من حلمة والدته حتى إن لم يكن هناك حليب فسيصبر وينتظر ويلهيه الأمل بأن الحليب قادم. وهكذا يجب أن يحدث للفقراء كما يقترح. فلابد للمجتمعات في عصر العولمة من أن توجد هذه الملهيات حتى يصبر الفقراء. ذلك لأن المجتمع البشري بدأ ينقسم إلى قسمين بنسبة خمس إلى أربعة أخماس. خمس غني بيده القرار والمال وأربعة أخماس هم الفقراء. ففي بعض المنتجات وبسبب الاعتماد على الآلة فإن خمس القوة العاملة تكفي لإنتاج السلع للكل. أما الأربع أخماس الباقية من الناس فحتى إن كانوا راغبين في العمل فسيبقون عاطلين عن العمل مستقبلاً بسبب العولمة التي تبحث عن أعلى ربح من خلال الاعتماد على الآلة. فياله من نظام يؤدي لخسران كبير لهذا العدد الهائل من العقول والأيدي العاملة (أي أربعة أخماس). وحتى باستخدام الآلة فإن الشركات تبحث عن أقل أجر لليد العاملة على الآلة حتى وإن كان ذلك على حساب الإنسانية. فهناك أكثر من عشرين مليون أمريكي لا مأوى لهم ومعظمهم في الشوارع لا لسبب إلا لأنهم عاطلون عن العمل. وباستثناء بعض الدول التي رفعت مستواها المعيشي مادياً ودمرته اجتماعياً كما فعلت تايلندا مثلاً بالانفتاح على الدعارة على مستوى عالمي، فقد انقسمت الدول من فقير لأفقر. فقد انحدر دخل أفقر الناس في العالم في التسعينات من القرن الماضي من ٢٣ إلى ١٤٪ من مجموع إنتاج العالم . لذلك فهناك ١٩,٠٠٠ طفل كانوا يموتون
١٥١٨ 🗏
V.
٦٩
يومياً بسبب الفقر الزائد سنة ١٩٩٩م. وعلى الدول الفقيرة أن تدفع سنوياً للدول الغنية لسداد ديونها أكثر مما تنفقه على التعليم والصحة معاً، إذ أن الفرق بين أفقر وأغنى دولة في العالم في عام ١٩٥٠م كان ١: ٣٥، أما في عام ۱۹۹۲ فقد ارتفع إلى ۱: ۷۲، لذلك زادت ديون دول العالم الثالث إلى ١,٩٤ ألف مليار دولار، أي ضعف ما كانت عليه قبل عشرة أعوام. كما أن دخل الفرد قد نقص في العقد الأخير في أكثر من خمسين دولة في العالم معظمها دول أفريقية. وفي المجموع فقد كان عدد سكان العالم الذين دخلهم تحت دولار واحد يومياً يزيدون عن ١,٢ بليون نسمة في عام ١٩٩٨م. أما المدن التي لهثت وراء العولمة فلم تتمكن من مجاراة متطلباتها. فقد نمت المدن وامتدت للأغنياء على حساب الفقراء. فمدينة بومبي بالهند، وهي مدينة مفتوحة تجارياً للعولمة، بحاجة لمئة ألف دورة مياه ولا تستطيع البلدية تدبير ثلثي الماء اللازم لأدنى مستويات الحياة المقبولة.
إن العولمة تعني الجري وراء الربح بلا حكمة. كل يحاول الربح لنفسه ويقيس الربح بالمال عـداً ونقداً، والنتيجة هي ضياع الخيرات. فالدول التي أخذت بالعولمة بدأت تقضي على أراضيها الزراعية لتحل محلها المصانع. فاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية فقدت أكثر من ٤٠ ٪ من أراضيها المخصصة لإنتاج الحبوب لتحل محلها آلاف المصانع. أما جزيرة جاوا الأندونيسية فإنها تفقد سنوياً عشرين ألف هكتار من الأراضي الزراعية أو ما يكفي لإطعام ٣٦٠ ألف مواطن برغم زيادة السكان في الجزيرة ولهذا بدأت أسعار القمح والذرة ونحوها من حبوب في ازدياد. أي أن البشر قد يقدمون على كارثة غذائية في الأجيال القادمة. فبرغم كل التقدم في زراعة وصناعة الغذاء، مثل تكنولوجيا الجينات والتحسين في البذور والأسمدة وآلات الحرث والحصد فإن البشرية بحاجة لثورة خضراء ثانية لتتمكن البشرية «تحت ظل العولمة من تغذية نفسها. وهذا بسبب إسراف الأغنياء ومتوسطي الدخل على حساب الفقراء وبسبب سوء الإدارة من هؤلاء الذين يعملون ولا يملكون. فالغذاء في العالم أكثر من كاف. فمجموع الإنتاج العالمي من الغذاء يصل إلى حوالي ٤ مليار طن سنوياً. وهذا رقم يزيد عن متطلبات البشر: فقد قامت جمعية المهندسين الميكانيكيين في إنجلترا سنة ۲۰۱۳م ببحث عن الهدر في الغذاء ووجدت أن نصف إنتاج العالم يلقى في القمامة سنوياً بسبب سوء التخزين وسوء النقل وسوء سلوكيات المستهلكين الباذخة. ففي دول آسيا يضيع من ٣٧٪ في دولة ما إلى ۸۰٪ في دولة أخرى من إنتاج الرز دون استفادة بسبب سوء الإدارة في وقت ينام فيه أكثر من مليار إنسان وهو جائع. وظهرت مؤخراً في فبراير (۲۰۱۳م دراسة تركية تفيد أن هدر الخبز في تركيا يصل إلى الثلث بسبب الإسراف وسوء الادارة، وأن تكلفة هذا الهدر يكفي لإنشاء ۱۸ مطاراً كل سنة سعة كل منها نصف مليون مسافر. فما بالك بالأرقام إن تمت الدراسة في الخليج العربي مثلاً وبالذات على الرز؟"
مثلاً
أما حضارياً فقد بدأت الأمم بفقدان هويتها. فقد كانت الأعيان مثل السجاجيد والأثاث والمباني وأنواع الملابس والمأكولات هي من أهم مكونات الهوية وكانت تصنع محلياً، وكان التصنيع في الماضي مهنة ذات متعة للصانع الذي أخذ بالأعراف التي تعكس حضارته وجغرافيته وتضفي له الإحساس بالفخر لما ينتجه من أعيان باحترام إمكانات موقعه وتجعل منه إنساناً مبدعاً وله تكريمه ومكانته في مجتمعه لما يقدمه من منتج أو خدمات، هذا بالإضافة لما يقدمه الصانع من تراكم معرفي. فالمجتمع إذاً ما هو إلا أناس يعملون بأيديهم أو آلاتهم فينتجون بعزة وكرامة. إلا أن كل هذا تغير مع الحداثة لأن منظومات الحقوق بدأت في التغير فقلت نسبة الملاك في المجتمعات بسبب التسخير. ثم ازداد الوضع سوءاً مع العولمة التي تنتج الأعيان والخدمات لمعظم سكان الأرض
١٥١٩
١٢ الفصل والوصل
وبأسرع الوسائل وبعيداً عنهم وبتسخير أشرس للناس. وهم، أي معظم المنتجين الذين أصبحوا يعملون في الإدارة والاقتصاد والسياسة لكثرة البيروقراطيات، لا عمل إنتاجي لديهم إلا استخدام الأوراق والأقلام والتي انقلبت إلى شاشات فيما بعد لتسهيل أمور انتشار العولمة، بينما تركت الأعمال الإنتاجية الحقيقية للآلات وللقلة من المصممين المبدعين. وبهذا أصبح كل شيء متوافراً في كل مكان وبنفس المواصفات، لهذا تشابهت الخدمات والأعيان، وبهذا فقد البشر عمقهم الحضاري الذي يميز بعضهم عن بعض. وانسحب هذا على معظم المنتجات. ففي الملبوسات ظهرت الماركات والتي قال عنها وزير فرنسي بأنها أكبر كذبة صنعها الأذكياء لسرقة الأثرياء فصدقها الفقراء. حتى المنتجات الكبيرة الحجم كالمباني والمدن فقد تشابهت، أي حتى العمران فقد هويته الأصلية وبدأ في الظهور بطريقة مقلدة زائفة.م"
ولكن هل فقدان الهوية يعني أن العولمة تؤدي إلى مجتمعات أكثر تشابهاً، وكأنها مجتمع واحد. إن الإجابة جد منطقية: إن أي نشاط في المجتمعات المعاصرة المربوطة بأنظمة الدول المتباينة لابد وأن يتحرك تحت مظلة مؤسسة حكومية أو تجارية أو اجتماعية ذات هويات مختلفة، فمتى ما تعولمت هذه المؤسسات، فهذا يعني بالضرورة أن تلك النشاطات أصبحت مشابهة لنشاطات أفراد آخرين في أماكن أخرى من العالم، وبهذا يظهر التشابه وتذوب الهويات والأدهى هو أن هذا التشابه يأخذ طابعاً مصبوغاً بصبغة العالم المصدر للعولمة، أي بصبغة العالم الغربي. فمنظمة التجارة العالمية مثلاً تفرض رزماً من قوانين التجارة المتحررة في نظر طرف ولكنها مقيدة لطرف آخر. وهذه الرزم في الغالب من إنتاج العالم الغربي ذلك لأنه لا وجود لأي نظام بيروقراطي لإدارة الدول يعرفه البشر الآن ويعتقدون بكفاءته غير النظام الغربي وبمثل هذه القوى المؤثرة يظهر التشابه. ولكن في الوقت ذاته، سيشوب هذا التشابه التوتر بسبب المقاومة من الشعوب كما ذكرت.
ولعل المؤلم للتقدم البشري بسبب العولمة الظالمة هو تخلف التراكم المعرفي المتجلي في التشابه الواضح بين المجتمعات. فمع العولمة، ولأن المعرفة حصرت في الشركات العابرة للقارات في الأغلب، فإن التراكم المعرفي أصبح أبطأ في تقدمه لأن عدد المشاركين في دفعه قدماً أصبحوا أقل في عددهم. ولعلك ترفض هذه الحقيقة لأن ما تراه الآن من منتجات الشركات الكبرى مثل سامسونج أو أبل للهواتف المتنقلة تبهر العقول. ولعلك تستدل بإحصاءات مثل أن تقنية خزن المعلومات تضاعفت كل ۲۸ شهراً منذ ظهور الحاسب الآلي الشخصي حتى عام ٢٠١٣م ! فأجيب: إن الذي يحدد التقدم التقني للمنتجات عموماً هو سعة مشاركة الناس أولاً، والمستوى العلمي والتقني الذي وصلت إليه البشرية ثانياً. فالأولى تغذي الثانية باستمرار وسيأتي بيانه في هذا الفصل في الحديث عن التحرر وفي فصل «المعرفة» بإذن الله). أي كلما زادت القاعدة المشاركة في دفع المعرفة كلما تقدمت التقنية. فما تراه الآن في . العولمة برغم تقدمه الباهر سيكون أكثر تقدماً بكثير إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن سعة المشاركة ستكون أكبر وأكبر بفضل الله سبحانه وتعالى أولاً ومن ثم بفضل فتح أبواب التمكين ليشارك جميع من في الأرض في الإنتاج المعرفي. فأكاد أجزم (ولا) إحصائيات لدي لإثبات ذلك): أن من يسهرون على التقدم المعرفي في ظل العولمة لن يتجاوز واحد في الألف من سكان الأرض. فها هي ذي مجاهل أفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا تزخر بالخيرات
هامش
عصر
(م٢) ولكن ما يميز العمران هو أن العولمة مزقت النسيج الاجتماعي المحاطة بالأسوار لحماية من بداخلها من الأثرياء في الظهور (كما مر فأصبح الأغنياء يخافون الفقراء في الدول النامية، وبهذا بدأت الأحياء بنا في الحديث عن إحياء الإحياء) (۷۲).
١٥٢٠ 🗏
وببلايين الناس: إما من العاطلين أو من العاملين المسخرين وبالتالي المبعدين عن دفع المعرفة قدماً. وها هي دول العالم الصناعي كالدول الأوروبية والأمريكية تزخر بمئات ملايين الناس المسخرين وبالتالي المقيدين من المساهمة في دفع المعرفة الإنسانية. أما إن طبق البشر مقصوصة الحقوق فلعل النسبة ترتفع لتشمل كامل سكان الأرض لأن كل فرد في مكانه مميز بذاته ولأنه غير مقيد ولأن الموارد متاحة أمامه ولأن الله المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد أعطاه عقلاً ليسخره فيما يُنتج، لذا فسيشق طريقه الإنتاجي المميز الخاص به ولكن ضمن إطار العرف المميز الجغرافيته ما يدفع الأعراف التقنية باستمرار، وبهذا ستكون المعرفة في أعلى مستوياتها على الإطلاق مع تمايزات حضارية لا تحدها إلا أعداد من على الأرض من سكان.
وبالطبع فإن هذا التشابه بين الخدمات والمنتجات بسبب العولمة أوجد بيئة أكاديمية لدراسته. فقد ظهرت جماعة من المفكرين بزعامة كير Kerr في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية وضعت نظرية حول تقارب أو تداخل المجتمعات واتحادها societal convergence في نظمها الاجتماعية. فما يقولونه هو أن التقسيم الاجتماعي للعمالة يتقدم كلما زادت مهارات الأعمال تخصصاً وبهذا فإن العمالة بدأت تأخذ نمطاً وظيفياً. وبتقدم العلم والتقنية فإن النظام الوظيفي سيتغير إلى منظومة تتطلب تغيراً كبيراً في الانتقال من وظيفة لأخرى. وهذا بالطبع يتطلب استثمار الكثير في التعليم والمهارات. كما أن التصنيع التقني يتطلب تنظيماً اجتماعياً على مستوى عال ليدعم الإنتاج الكمي الهائل والتسويق الملائم لهذا الإنتاج. وبهذا فإن هذه المجتمعات تتوزع عمرانياً إلى مدن وتقوم الحكومات بوضع ما تحتاجه هذه المدن من مرافق ومؤسسات اجتماعية وإنشائية لدعم هذا الإنتاج. وعادة ما تكون هذه المؤسسات كبيرة في حجمها وذات تسلسل هرمي وبيروقراطي عال. كما أن هذه المجتمعات الصناعية تبلور لنفسها قيماً مميزة ترتكز على الماديات وعلى الالتزام بالعمل وعلى التجمعات مثل النقابات، وعلى تقدير الكفاءة الفردية. ويستنتجون بأن المجتمع الصناعي فرض نفسه على العالم لأن «العلم والتقنية اللتان تأسس عليهما (المجتمع الصناعي) تتحدثان بلغة عالمية». وهكذا تتجه الشعوب نحو الاتحاد في سماتها، أو بمعنى آخر إلى
العولمة.
۷۳
وفي النقيض فهناك من يعتقدون بأن ما حدث في الجزء الرابع من القرن العشرين لا يدعم . هذه النظرة. فهناك مؤشرات على أن التقليل من شأن حضارات الأمم المختفلة مقابل النظرة الاقتصادية والطبقية المشحونة بالرأسمالية أمر مشكوك فيه. فالعالم الاجتماعي بيل Bell مثلاً . يصور الموقف بطريقة كاريكاتيرية بأن المجتمع ما بعد الصناعي هو مجتمع يعتمد على لعبة بين الناس وليس الناس والأعيان كما كان الحال بعد الثورة الصناعية. وذلك لأن عدد الأفراد المنشغلين بتقديم الخدمات في ظل العولمة أكثر من الأفراد المنشغلين بصناعة الأعيان أو جلب المواد الخام. كما أن القوة أو السلطة في المجتمعات بدأت تتحول من الكيان الاقتصادي إلى الكيان السياسي وذلك لأن الأفراد العاملين يتجمعون بناءً على تخصصاتهم ومهاراتهم في تحزبات. هذا بالإضافة إلى أن العلم النظري يفوق العلم التطبيقي ويصبح المصدر الرئيس للإبداع وإيجاد الأنظمة. فالابتكار ليس كما كان في السابق نشاط فردي ويعتمد على الصدفة أو الحظ. فأهم تقنية الآن هي فكرية وليست مادية، وأوضح مثال لذلك برامج الحاسب الآلي. لكن لاحظ أخي القارئ أن النظرتين (لكل من كير وبيل) متشابهتان برغم اختلاف المنهج للوصول إلى الهدف. فعالم الاجتماع كير بالتركيز على إنتاج الأعيان يرى أن المجتمعات ستتقارب بينما يرى بيل أن إنتاج الخدمات التي
٧٤
١٢ الفصل والوصل
١٥٢١
تتطلب التقنية الفكرية تقرب المجتمعات من بعضها. وفي كلتا الحالتين فإن العولمة من منظور کتاب «قص الحق»، لاتزال ظالمة لأنها مبنية على الطبقية. فجميع النظريات إذاً تدور في فلك واحد ألا وهو منظومات حقوقية قاصرة تعيش على نقل الحقوق من يد لأخرى.
حتى :
ولعل أسوأ نتيجة للعولمة هي الإجرام المنظم. فتخلى الدول الصناعية عن رقابة رأس المال أدى إلى ضعف السلطات الأمنية لمراقبة زيادات رؤوس الأموال وانتقالها ما حرض على الإجرام مثل الدعارة وترويج المخدرات وذلك بسهولة التمتع بهذه الأموال بعد وضعها في حسابات شركات في دول أخرى ثم تحويلها من بنك لآخر، وهكذا تأخذ أموال الإجرام صفة قانونية ويصعب تقصي آثارها في حال تحقيق السلطات، وهو ما يعرف بغسيل الأموال. فعندما بدأت أرباح الجرائم ورؤوس الأموال بالهروب ظهرت مناطق حاضنة لهذه الأموال الهاربة من دفع الضرائب مثل جزر الكيمن الكاريبية وهي من المناطق المستقلة والخاضعة للتاج البريطاني. فهذه الجزيرة التي تأوي أربعة عشر ألف مواطن ومساحتها لا تزيد عن أربعة عشر كيلو متراً مربعاً تحوي ما يزيد على خمس مئة بنك. وهناك مناطق أخرى كثيرة مشابهة مثل جبل طارق. وبالطبع فهناك المؤسسات التي تقدم كل التسهيلات والإرشادات القانونية التي يحتاج إليها المهربون، مثل تأسيس شركة وهمية لا وجود لها سوى صندوق بريدي ووثائق لإثبات الهجرة ونحوها من تمويهات أعانت كل من حصل على ثروة عن طريق شبكات الدعارة أو بيع المخدرات من أن يحول أرباح تلك العمليات اللا أخلاقية والوحشية إلى أموال قانونية فهناك إحصائية في التسعينات تقول بأن ما أودع في الدول الصغيرة التي تأوي الهاربين من الضرائب والمافيا يزيد عن ألفي مليار دولار. ويقول أحد موظفي الشرطة الدولية interpol: «إن ما هو في مصلحة التجارة الحرة هو في مصلحة مرتكبي الجرائم أيضاً». ٧٦ فقد ارتفعت مبيعات الكوكايين إلى أكثر من خمسين ضعفاً خلال العشرين السنة الأخيرة من القرن الماضي. لقد أصبحت الجريمة المنظمة هي الأكثر نمواً. فأرباحها تزيد عن خمس مئة مليار دولار في العام الواحد. وأموالها تُغسل لتصبح قانونية. لقد ساء الوضع لدرجة أن منظمات الإجرام تقوم الآن بشراء ضمائر من يعملون في الدولة من المكلفين بمكافحة مصالحها. بل إن بعض المنظمات الإجرامية تمكنت من شراء مصالح حكومية بكاملها كما هو الحال في روسيا وأوكرانيا وكولومبيا.
Vo
لقد أثبتت العولمة أنها تؤدي إلى تحولات هيكلية مستمرة لن يتمكن الكل من اللحاق بها ومن تحمل تبعاتها، فالسؤال لمن ينادون بالعولمة هو: كيف يمكن التحكم في هذه التحولات المستمرة مع استمرار الأسواق مفتوحة؟ كما أن الثابت هو أن العولمة من خلال تكامل الأسواق برغم أنها ستؤدي إلى جدارة عالية في الإنتاج للبعض اقتصادياً إلا أن عدد الخاسرين سيزيد على عدد الرابحين بمراحل، ولهذا ينعدم الاستقرار. وحتى لا يتخلخل الاستقرار فلابد من الدولة، وهذا يؤدي لمأزقين: الأول هو أن تدخل الدولة سيضعف من التكامل الاقتصادي العالمي. وهذا مأزق فكري يجابه سياسيي الغرب ومفكريه. أما إن لم تقم الحكومات بمهامها من رعاية للأكثرية غير الثرية ونزلت عند رغبات الأقلية الغنية فإن هذه الحكومات ستخسر الانتخابات لتحل محلها حكومات تمثل الأغلبية الفقيرة التي قد تنقلب إلى اشتراكية، وهذا المأزق الديمقراطي هو المأزق الثاني.
أي أن العولمة الظالمة أثبتت بأن حرية السوق وحركته من جهة والديمقراطية من جهة أخرى، ليستا هما المحورين اللذين يعملان بتناغم لمصلحة المجتمع لسببين: الأول هو أن حكومات المجتمعات الغربية تحت ظل
١٥٢٢ 🗏
العولمة أخذت تحقق مصالح المتمكنين اقتصادياً على حساب الناخبين المعدمين. وبهذا ينعدم الاستقرار كما بدأنا نرى ما يحدث في بعض دول الغرب. وفي الوقت ذاته لابد من تقديم بعض الحرية للشركات إذا ما أريد لها الحافز للعمل لتحقيق الربح. وبهذا فإن على السياسيين إيجاد التوازن بين حقوق من يملكون ومن لا يملكون. أي إيجاد منظومة جديدة للحقوق. ولن يفلحوا لأن هذا فوق طاقة عقولهم القاصرة من جهة، ولأن طبيعة التركيبة المجتمعية الديمقراطية تتيح للكل بمن فيهم بالطبع الأثرياء حرية الحركة التامة من جهة أخرى، وهذه الحرية عادة ما تُستثمر في كسب المزيد من الحقوق. فالأثرياء لديهم المال لتجنيد المحامين وتغيير القانون، وعندها سيجابههم المعدمون بالمظاهرات. وهكذا يترنح المجتمع في التقلب من منظومة حقوقية لأخرى لاستمرار المشادة بين من يملكون ومن لا يملكون. وهذه هي مشكلة العالم الغربي السرمدية. لذلك تجدهم يقفزون من عقيدة حقوقية مادية لأخرى ولكن في ضياع ودون استقرار.
أما السبب الثاني لانعدام التناغم فهو ظهور إشكاليات ذات أبعاد دولية للعلاقات التي تربط البشر مثل الإجرام المنظم. هذه الإشكاليات تفوق الدول في إمكانات التعامل معها من جهة، وظهور جماعات قوية تفوق سيطرة الدول عليها مثل الشركات متعددة الجنسيات من جهة أخرى. وهنا تضيع جميع الحكومات لأنها لن تستطيع تسيير العولمة. أي تنفلت الأهواء دون قيد أو رقيب وينتشر الفساد والتلوث. لهذا وصف باحثان العولمة باختصار
كالآتي:
«إن نداء العصر الجديد هو «لينقذ نفسه من يستطيع ذلك»، ولكن من هو هذا الذي يستطيع ذلك؟ فانتصار الرأسمالية لا يعني أبداً نهاية التاريخ التي تحدث عنها الفيلسوف الأمريكي فرنسيس فوكوياما في عام ۱۹۸۹ ، إنما هو يعني نهاية ذلك المشروع المسمى بكل جرأة وغرور «الحداثة». فثمة فعلاً تحول تاريخي بأبعاد عالمية، إذ لم يعد التقدم والرخاء، بل صار التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي والانحطاط الثقافي، هي الأمور التي تخيم بطابعها على الحياة اليومية للغالبية العظمى من البشرية».
VV
فإن كان هذا هو حال العولمة، ولم تستطع الدول فعل شيء، فمن هذا الذي يستطيع؟ هنا أيضاً كانت الإجابة من بعض المفكرين (أو بالأحرى (الضالين باستخدام العقل القاصر فهم يرون أن الشركات قد أثبتت جدارتها، فلماذا لا تقوم هي بمهام الدول؟ أي هل ستنتهي الحكومات القومية بقوة العولمة؟ أي هل ستضعف الدول لدرجة أن تقوم الشركات المتخصصة ذات الجدارة بمهام الدول من خلال الخصخصة؟ فبرغم جسارة هذا الطرح الفكري إلا أن هناك من يرى ذلك. لقد تنبأ عالم الاجتماع بيل Bell بأن الدولة القومية nation state ستختفي مستقبلاً لأن الدول غير قادرة على التعامل مع النمو الاقتصادي العالمي ولأن دول العالم الثالث بدأت دخول الحداثة ولأن البيئة بدأت في التلوث فأصبحت الحكومات غير مؤهلة للاستجابة لتطلعات السكان وحاجاتهم . . كما تنبأ كينشي أوهامه Kennichi Ohamae بنهاية الدولة القومية. وظهرت عدة دراسات في هذا التوجه." ولكن هناك من يرى استحالة ذلك لأن الديمقراطية تتطلب جهازاً يمثل الجميع للسهر على أمن المواطنين. فلا يمكن لملاك الشركات الحرص على الأمن القومي ومكافحة الإجرام الذي لابد منه في مجتمعات فاسدة. فما الذي سيفعله العالم الآن؟ هل سيحاول البشر إقامة دولة واحدة لكل سكان الأرض؟ وعندها كيف يمكن للديمقراطية التي لا يمكن لهم التخلي عنها آنذاك من أن تعمل؟ فهل لراع أجير لا يملك دولاراً في وسط أفريقيا نفس حق التصويت كمن
۷۸
١٥٢٣
١٢ الفصل والوصل
يملك المليارات؟ وهل الجاهل نفس الحق في التصويت كما المتعلم ؟ لقد أثبتت العولمة أن ترك المجتمعات هكذا لآليات السوق ذي الأبعاد الدولية لتنظم نفسها بنفسها ستفشل لا محالة إن لم تحقن هذه الآليات بالقيم التي تحاول على الاستقرار. ولكن أي قيم هذه ومن وضع مَن ؟ إنهم في حيرة. لذا فإن راجعت ما سبق عن العولمة ستوقن أن نظريات ديفيد فردمان المؤدية للعولمة ما هي إلا أفكار مبتورة.
الحفاظ
الفسدة
إن استمر البشر على هذا النحو من العقلانية القاصرة واستمر الفساد في الانتشار وتحققت التنبؤات بظهور شركات للقيام بمسؤوليات الدول مع انعدام القيم الحميدة ومع استمرار زيادة الإجرام وانتظامه وكثرة أموال مروجي الإجرام فإن هذه الشركات المسؤولة عن الأمن) ستخضع لملاك العولمة من الفسدة، أو حتى أن أولئك هم الذين سيملكون هذه الشركات التي ستقوم بمسؤوليات الدول. وبهذا ستصبح الأرض غابة من الأقاليم التي يحكمها الأقوياء وبغض النظر عن قيمهم. أي أن الأرض ستتحول إلى غابة من البشر الأشبه بالحيوانات الذين تحركهم غرائزهم، فيكون الحق للأقوى، وعندها ستكون منظومة الحقوق من وضع المجرمين الذين لا هم لهم إلا اللحظية واستمرارية سيطرتهم، وبهذا يكون الأقذر هو المستعبد وإنه والله لعقاب مستحق لمن استكبر على حكم الله سبحانه وتعالى. فهل سيقع هذا التصور المقزز وكأنه فلم رعب والعياذ بالله ؟ بإذن الله لا، لأن الأمل هو أن الخير الباقي في بعض الناس سيحارب وقوع مثل هذه التصورات. ولكنني وضعت هذه التراكمات للعولمة لترى عظم مآل الخروج عن شرع الله. تدبر قوله تعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ في سورة إبراهيم في وصف طغيان البشر واستكبارهم في قوله: ﴿وَءَاتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وتدبر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في سورة الأحزاب في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ألا تصف هذه الآيات رفض البشر
متعهم
للعمل بالشريعة؟
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾
لطالما كنت أتعجب من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ وأسأل: إن ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى به كثير من قبله. فهو إن كان يدعو للتوحيد فقد فعلها الأنبياء من قبله. وإن كان يدعو للإخاء والتراحم والتسامح والتكاتف وما شابه من قيم سامية نبيلة، فكذلك فعل الحكماء من قبله، فأين هي الرحمة للعالمين والتي لم يأت بها إلا الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لهذا كنت أتعجب من الآية. لعلك بعد قراءة ما مر بنا في الكتاب ترى الآن ما أقصد. فبالإضافة للقيم السامية، فقد أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بحركيات لم يأت بها أحد من قبله، ذلك أن سعة الأرض وكثرة مواردها لم تكن محل نقاش مقارنة بتعداد السكان أيام الأنبياء كموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، لهذا لم يناقش أحد قط مثلاً فكرة الندرة النسبية. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأن الإسلام دين لجميع البشر إلى قيام الساعة، فلابد وأن تكون الشريعة سهلة وحاوية لما يصلح حال الناس إن زاد تعدادهم وتزاحموا على الموارد. فالحق سبحانه وتعالى يعلم أن العلم سيتقدم وأن أعمار الناس ستطول وأن نسبة الوفيات ستنخفض فيزداد تعداد سكان الأرض، لهذا فالموارد عندها ستكون
١٥٢٤ 🗏
أكثر من كافية إن سار البشر على الحركيات التي أتت بها الشريعة، وهذه مسألة مهمة في الرحمة الملائمة لأيامنا هذه. فلا تنافس على الموارد ولا تباغض وبالتالي لا اقتتال ولا حروب كما هو حاصل الآن، بل أمن واستنبات لا يتأتى إلا باتباع مقصوصة الحقوق. أي أن من أسس الرحمة التي ما أتى بها إلا الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيق مقصوصة الحقوق لتزيد موارد الأرض عن حاجات الناس المتزايدة. كيف؟
العملات
كما مر بنا فإن الحكم باستخدام العقل أدى للرأسمالية وللعولمة الظالمة وبالتالي للفساد. وللفساد عدة جذور منها اجتماع السلطة والمال عند طبقات دون أخرى، ومن أهم مسببات هذا الاجتماع هو إرغام الناس على الثقة بما تصدره السلطات من عملات. لذا ولجذ الفساد، يكون السؤال كيف يمكن جذ هذه العلاقة من جذورها حتى لا تنمو بذرة من بذور الفساد؟ والإجابة بوضوح هي فتح أبواب التمكين كما حاولت أن أثبت. ومن هذا الفتح عدم تمكين أي سلطة دولية أو إقليمية أو محلية أو فرداً حاكماً كان أو محكوماً من السيطرة على الحركات النقدية بجميع صورها بين جميع الأطراف وذلك بسبب استحالة أن تكون الجهات المصدرة للنقد حيادية إن ملكت سلطة ذلك على الناس. فما المطلوب إذاً عمله لعدم تمكين السلطات من النقد؟
كما مر بنا في الفصول السابقة، فلم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سك أو أمر بسك النقود. هنا في الغالب ستقول مستنكراً: ولكن الزمان قد تغير وتغيرت معه الظروف، والإسلام دين صالح لكل زمان ومكان! فأجيب: لدينا إذاً موقفان: الأول وهو ما أتبناه والذي يقول أن السنة هي في عدم سك النقود، والثاني هو ما تبناه معظم الباحثين بأن تغير الزمان يتطلب سك النقود. لذا فإن أثبتُ لك أن الأصلح للبشر اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً هو الموقف الأول، أي عدم تمكين السلطات أو من يمثلها من سك النقود، فقد تغلب الموقف الأول الذي يتبناه كتاب «قص الحق» (وهو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم على الموقف الثاني من الجانبين العملي والنظري، أي من الجانبين التشغيلي والشرعي.
لنعطي الموضوع حقه لابد أولاً من فكرة تاريخية سريعة : كما هو معلوم فإن الكلمات التي تدل على النقود ليست كلمات عربية. كما أن المشهور في معظم كتب التاريخ أن أول من سك الدراهم في بلاد المسلمين هو الحجاج بأمر من عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعون للهجرة. وقيل أيضاً أن أول من ضربها معصب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين للهجرة، وكان ذلك على ضرب الأكاسرة ثم غيرها الحجاج. والآتي ملخص جيد من كتاب المجموع عما كتب عن النقد:
هامش
ن٢) فكلمة دينار مثلاً كلمة فارسية معربة، وقيل كلمة رومية جمهورية البندقية في مطلع عصر النهضة في أوروبا. وكذلك الريال، وأصلها لاتيني من DENI وتعني باللاتينية العدد عشرة ، وفي هذا فأصله إسباني والروبية هندي، والفلس يوناني وقيل رومي وهو الذي أبحاث كثيرة عن أنواع الدنانير وأوزانها. أما كلمة درهم، فهي كلمة في الغالب يكون مصنوعاً من مادة النحاس ويستخدم لمحرقات أو فارسية معربة من درم، بكسر الدال وفتح الراء، وهو خام الفضة دقائق المبيعات، وجمعه فلوس وهو مشتق من كلمة Follies وقيل أيضاً رومية نسبة إلى الدراهم القيصرية، وقيل يونانية نسبة إلى اليونانية والتي تعني الكيس الصغير الذي كانت توضع فيه النقود اسم ا العملة الدراخما. والليرة كلمة أصلها إيطالي وكانت قد أصدرتها (۸۰).
١٥٢٥
١٢ الفصل والوصل
«فصل في بيان حقيقة الدينار والدرهم ومبدأ أمرهما في الإسلام وضبط مقدارهما: قال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن في أول كتاب البيع في باب المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة. قال : معنى الحديث أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة، وهي دراهم الإسلام المعدلة، منها العشرة بسبعة مثاقيل، لأن الدراهم مختلفة الأوزان في البلدان، فمنها البغلي وهو ثمانية دوانيق، والطبري أربعة دوانيق، ومنها الخوارزمي وغيرها من الأنواع، ودراهم الإسلام في جميع البلدان ستة دوانيق، وهو وزن أهل مكة الجاري بينهم. وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم . عدداً وقت قدوم النبي صلى الله عليه وسلّم، ويدل عليه قول عائشة رضي الله عنها في قصة شراها بريرة: «إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت تريد الدراهم، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الوزن، وجعل المعيار وزن أهل مكة.
الدراهم
قال: واختلفوا في حال الدراهم فقال بعضهم : لم تزل الدراهم على هذا العيار في الجاهلية والإسلام، وإنما غيروا السكك ونقشوها بسكة الإسلام والأوقية أربعون درهماً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ، وهي مائتا درهم. قال: وهذا قول أبي العباس بن سريج . وقال أبو عبيد : حدثني رجل من أهل العلم والعناية بأمر الناس ممن يعنى بهذا الشأن أن كانت في الجاهلية ضربين : البغلية السوداء ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة، وكانوا يستعملونها مناصفة مائة بغلية ومائة طبرية، فكان في المائتين منها خمسة دراهم زكاة، فلما كان زمن بني أمية قالوا : إن ضربنا البغلية ظن الناس أنها التي تعتبر فيها الزكاة فيضر الفقراء، وإن ضربنا الطبرية ضر أرباب الأموال. فجمعوا الدراهم البغلي والطبري وجعلوهما در همين كل درهم. ستة دوانيق، وأما الدينار فكان يحمل إليهم من بلاد الروم. فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية، فاجمعوا له على المثقال اثنان وعشرون قيراطاً إلا حبة بالشامي، وأن عشرة من الدراهم سبعة مثاقيل، فضربها كذلك، هذا آخر كلام الخطابي.
وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: استقر في الإسلام وزن الدراهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. واختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن فقيل: كانت في الفرس ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطاً، ودرهم اثنا عشر، ودرهم عشرة، فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة، وهو اثنان وأربعون قيراطاً، فكان أربعة عشر قيراطاً من قراريط المثقال. وقيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى الدراهم مختلفة، منها البغلي ثمانية دوانيق، والطبري أربعة والمغربي ثلاثة دوانيق واليمنى دانق واحد فقال: انظروا أغلب ما يتعامل أعلاها وأدناها؛ فكان البغلي والطبري، فجمعهما فكانا إثني عشر دانقاً فأخذ نصفهما،
الناس به من فكان ستة دوانيق، فجعله دراهم الإسلام.
قال: واختلف في أول من ضربها في الإسلام، فحكي عن سعيد بن المسيب أن أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان. قال أبو الزناد أمر عبد الملك بضربها في العراق سنة أربع وسبعين، وقال المدائني : بل ضربها في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين، قال: وقيل: أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، ثم غيرها الحجاج. هذا آخر كلام الماوردي.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد
الملك
١٥٢٦ 🗏
الله»
بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغاراً وكباراً وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه وتصييرها وزناً واحداً لا يختلف، وأحياناً يستنغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم. قال القاضي : ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كانت تعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد؟ وهذا كما كانت الأوقية معلومة أربعين درهماً. هذا كلام القاضي.
وقال الرافعي وغيره من أصحابنا : أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام. هذا ما ذكره العلماء في ذلك، والصحيح الذي يتعين اعتماده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين والله تعالى أعلم. وأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي في كتابه الأحكام: قال أبو محمد علي بن أحمد - يعني ابن حزم - بحثت غاية البحث عن كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه ثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير، وعشر عشر حبة، فالرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وهو تسعون مثقالاً، وقيل مائة وثلاثون درهماً، وبه قطع الغزالي والرافعي وهو غريب ضعيف. فرع: في مذاهب العلماء في نصاب الذهب والفضة، وضم أحدهما إلى الآخر وغير ذلك، وفيه مسائل: .
.«...
إن أبرز ما يلفت النظر في الاقتباس السابق هو اتفاق العلماء على أن الأمة المسلمة برغم أنها كانت تعلم مثاقيل الدنانير والدراهم لأهمية التعامل بهما لإخراج الزكاة مثلاً، إلا أنها لم تسكهما إلا في السبعينات من القرن الهجري الأول، أي أنها كانت أمة تستخدم عملات دول أخرى. وهناك قول غريب للمقريزي أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الدراهم سنة ١٨ هـ على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها غير أنه زاد في بعضها «الحمد » وفي بعضها «رسول الله» وعلى أخر «لا إله إلا الله» وعلى أخر «عمر» والصورة صورة الملك لا صورة عمر (وهذا الأخير منطقياً مرفوض لمن عرف سيرة عمر رضي الله عنه). ثم عندما بويع . عثمان رضي الله عنه ضرب دراهم ونقشها «الله أكبر». وهنا يظهر سؤال مهم: كيف تمكنت الأمة أيام الخليفة عمر وهي في أوج قوتها وعز فتوحاتها من إنجاز كل هذا في وقت لم تملك فيه عملة تخصها؟ تفكر في هذا السؤال أخي القارئ ولا تكن إمعة. إن وافقتني على ما مضى من الكتاب فحتماً ستستنتج الإجابة بأن الأمة المسلمة كانت متحررة اقتصادياً لسببين:
ΔΙ
الأول هو أن السلطات برغم أنها استحدثت الديوان، وبرغم أن الجيش بدأ يأخذ شكلاً نظامياً ويعيش أفراده على الأرزاق والعطايا وما شابه وأصبحوا مسخرين للسلطان، إلا أن الاقتصاد في القرن الهجري الأول كان متحرراً من السلطات وبالتالي كان أقوى نسبياً من الأمم المجاورة لأن معظم الأموال كانت تدور بين الناس وبالتالي تنمو دون المرور على الدولة إذ لا ضرائب على معظم الناس حينئذ. أي أن جزءاً يسيراً كان يذهب لبيت المال من الغنائم والفيء والصدقات (كما مر بنا في الفصول السابقة، وهذا الجزء كان يتزايد يوماً بعد يوم بتسلط الحكام فيضعف الاقتصاد يوماً بعد يوم ويزداد التخلف). ولكن في العموم، وبرغم كل هذا الأخذ للدولة فإن أفراد الأمة المسلمة مقارنة بأفراد الشعوب الأخرى كانوا أقل إنهاكاً «آنذاك» من الشعوب الأخرى التي كانت مثقلة
١٢ الفصل والوصل
١٥٢٧
بالضرائب والأتاوات وما شابه (تذكر ما مر بنا في الحديث عن الاشتراكية في فصل «الديوان»).
بسبب
والسبب الثاني هو أن ممتلكات الناس النقدية من الذهب أو الفضة لم تخضع للسلطات. فالنقود لم تكن فلوساً نحاسية أو قصاصات ورقية ( كنقودنا المعاصرة، لهذا أقبل الناس على التداول بالذهب والفضة برغم أن الدولة الإسلامية لم تسكها. فكل دينار ذهبي أو درهم فضي بالطبع تمتع بقيمة لا يستطيع أحد إبخاس حق حامله فيه سواء كان ديناراً رومياً أو إسلامياً كما يحدث مع العملات الورقية التي تصدرها الدول المعاصرة والتي تفقد قيمتها يوماً بعد يوم بسبب التضخم أو قد تفقد قيمتها تماماً بسبب الاضطرابات السياسية. أي أنه لا ظلم النقود. وبهذا كان اقتصاد المسلمين آنذاك متحرراً لدرجة عالية. أي أن ما ساعد على هذا التحرر هو عدم تمكن الدولة من السيطرة على الاقتصاد لأنها لم تسك النقود النحاسية في العصور الأولى، وهذه الحرية أدت لزيادة الإنتاج، وبزيادته زادت الزكاة وانحسر الفقر. ويجب ألا ننسى هنا أن هذه الحركية كانت تضعف يوماً بعد يوم بزيادة الضرائب (الخراج) على الناس. أي أن استخدام الذهب والفضة قطع العلاقة المحتملة بين تسلط السلطات والاقتصاد مؤدياً للازدهار.
وهنا ملحوظة مهمة، وهي ألا تعتقد أخي القارئ بأنني أدعو إلى ضرورة الاعتماد على الذهب والفضة مرة أخرى، ولكنني هنا استخدم وضعاً تاريخياً مضى لتوضيح حل لحركية أوجدتها الشريعة، فهناك الكثير من الحلول الأخرى بنفس الحركية لجذ العلاقة بين تسلط السلطات والاقتصاد دون الاتكال على الذهب والفضة إلا في أضيق الحدود مع قناعتي باستحالة إيجاد اقتصاد يستطيع الاستغناء عن الذهب والفضة إن أريد للناس التحرر كما سيأتي
بإذن
الله. نعود للموضوع.
وبالطبع هنا سيكون نقدك لي متوقعاً. فأنت قد ترفض فكرة التعامل بالذهب والفضة أو أي معدن ثمين آخر في أيامنا هذه لأربعة أسباب وجيهة هي: الأول هو أن التعامل بالذهب والفضة أو أي معدن آخر أمر شاق لأن في حمله إشكالية بسبب حجمه، فهو سيكون كتلة معدنية في جيب الرجل أو في حقيبة المرأة وبالذات عند شراء المقتنيات الثمينة. والسبب الثاني هو التشكيك في مقدرة الذهب والفضة أو أي معدن ثمين آخر لحفظ القيمة وذلك لإمكانية خلطهما بمعادن أقل ثمناً كما حدث على مر التاريخ. والسبب الثالث هو أن ندرة الذهب وارتفاع سعره ستدفعان المزيد من الناس للمزيد من العمل بحثاً عنه، وعندها قد ينخفض سعره بكثرته ويظهر التضخم ويستمر بزيادة التنقيب والإنتاج. والأمر نفسه ينطبق على الفضة أو أي معدن آخر ولكن بحدة أقل أو أكثر. أي أن المعادن الثمينة في هذا الشأن مثلها مثل النقود الورقية المؤدية للتضخم ( كما قد تظن). والسبب الرابع هو مقدرة المعادن الثمينة على تعظيم الادخار. فهناك من الباحثين مثلاً من خشي من الذهب والفضة لأنهما قد تؤديان للادخار بكنزهما لأن أسعارهما في ازدياد في الغالب، وفي هذا تعطيل للاستثمار. فهناك من الناس الموسوسين الذين يكتنزون الكثير خوفاً على مستقبلهم. لهذا يرى بعض الباحثين أن للبنوك فائدة من خلال الفوائد لسحب هذه الأموال. وقد تضيف بأن هناك من الآراء التي خافت على الاقتصاد من الادخار لدرجة أن بعض الباحثين (مثل سيلفيوجيزل) ذهب لإمكانية إصدار نقود غير قابلة للاكتناز كأن يحدد لها تاريخ إصدار ومن ثم تفقد النقود قيمتها بعد ذلك التاريخ حتى تبطل وظيفتها كوسيلة للادخار، وقد سميت هذه النقود بالنقود الذائبة.
۸۲
١٥٢٨ 🗏
سأناقش الأسباب الأربعة السابقة في باقي هذا الفصل تحت عدة عناوين: بالنسبة للسبب الأول، أي الحجم،
فهو عكس ما يتوقعه كثير من الناس، ذلك أن . الذهب أقل من الأوراق النقدية. فهناك من الباحثين مثلاً من
بلغ مثلاً .
حجم
بحجم
رأى أن الذهب والفضة فقدا مقدرتهما على العمل كنقود لأن أسعارهما ارتفعا بشكل كبير ناهيك عن تقلباتهما. فقد يوم ١٩ مايو ٢٠١٢م سعر كيلو الذهب ۱۹۱,۰۰۰ ريالاً سعودياً، وهذا يعني أن الجرام الواحد من الذهب كان ١٩١ ريالاً، وبهذا المبلغ تستطيع إطعام أكثر من عشرين مسكيناً رزاً ولحما لوجبة مشبعة (إذ أن الوجبة كانت تتراوح بين سبعة وعشرة ريالات آنذاك). وإن علمنا أن السنتيمتر المكعب الواحد من الذهب الخالص يزن ١٩,٣ جراماً وأنه يقدر بحوالي ألف دولار، فأنت تستطيع شراء متطلبات منزل لشهر مثلاً سنتمتر مكعب واحد من الذهب لأسرة متوسطة الحجم والدخل. وإن حاولت شراء سيارة متوسطة الحجم فأنت في الأغلب بحاجة إلى ثلث كيلوجرام من الذهب لتحمله معك لسداد قيمة السيارة، وهذه حجمها حوالي ۱۷ سنتمتراً مكعباً، أي مكعب صغير طول أحد أضلاعه أقل من ٢,٦ سم. وكما ترى فإن هذه الأحجام صغيرة جداً مقارنة بالنقد. فحمل مئة ألف جنيه مصري نقداً أكبر حجماً من ثلث كيلوجرام من الذهب. تذكر أن المتر المكعب من الذهب الخالص يزن 19,3 طناً، فالذهب إذاً من أمثل الطرق لخزن الثروات كما يقولون. فحجم الجرام الواحد من الذهب يقل عن حجم رزة واحدة. لهذا فالذهب يعتبر من حيث الحجم من أعلى العناصر كفاءة للتداول كعملة إن ضمن الناس وزنه ونقاوته. أي أن الإشكالية هي العكس أي كيف يمكن لنا أن نضخم حجم الذهب حتى لا يضيع إن وضعه الرجل في جيبه (كمه) أو وضعته المرأة في حقيبتها. وهنا قد تظهر حلول مختلفة منها مثلاً إمكانية وضع القطعة الذهبية الصغيرة داخل مغلف أو مظروف بلاستيكي أكبر حجماً، كأن يكون المظروف للجرام الواحد مثلاً ٢ سنتيمتراً مربعاً، وللجرامين ٤ سنتيمتراً مربعاً ، وهكذا من مقاسات وألوان كالنقود الورقية ليسهل على الناس التمييز بينها. ولعلك تقول : ولكن من سيتأكد من دقة وزن الذهب ونقائه ؟ ومن سيضعه داخل المغلف؟ وهكذا من أسئلة تجهض فكرة استخدام المعادن الثمينة في التعاملات. وقد تقول أيضاً: ولكن الشيك البنكي هو الأفضل للصفقات بالمليارات، فكيف نحمل طناً من الذهب، فالشيك أفضل لأنه ورقة واحدة صغيرة وأكثر ضماناً من الذهب والنقد الورقي في حالة السرقة أو حتى في حال الخلاف بين المتبايعين، فهو وثيقة تُستخدم في المحاكم لإثبات الحقوق. فأقول: لنقرأ أولاً ما قاله الرحالة ناصر خسرو في أسواق البصرة إذ يقول واصفاً:
وتتم المعاملات من البيع والشراء في البصرة بطريقة غريبة، فإذا أراد الإنسان أن يشتري شيئًا فإنه يدفع النقود لأحد الصرافين فيعطيه الصراف إيصالاً يستطيع بموجبه شراء ما يريد. فإذا كنت في مدينة البصرة فإنك لا تستطيع شراء أي شيء من أسواقها إلا بوسيلة هذه الإيصالات التي يصرفها الصرافون مقابل النقود».
۸۳
ثم لنقرأ ما جاء في المبسوط عن تحويل الأموال إذ يقول : ٢٣
«وعن عطاء رحمه الله أن ابن الزبير رضي الله عنه كان يأخذ بمكة الورق من التجار فيكتب لهم إلى البصرة إلى الكوفة، فيأخذون أجود من ورقهم. قال عطاء فسألت ابن عباس رضي الله عنه عن أخذهم أجود من ورقهم؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يكن شرطاً. وبه نأخذ فنقول: المنهي عنه هي المنفعة المشروطة، أما إذا لم تكن مشروطة فذلك جائز لأنه مقابلة الإحسان بالإحسان. وإنما جزاء الإحسان الإحسان وكذلك قبول هديته وإجابة دعوته لا بأس به إذا لم يكن مشروطاً. وعن ابن
١٢ الفصل والوصل
عباس رضي الله عنهما أنه كان يأخذ الورق بمكة على أن يكتب لهم إلى الكوفة بها، وتأويل هذا عندنا أنه كان عن غير الشرط، فإما إذا كان مشروطاً فذلك مكروه. والسفاتج التي تتعامله الناس على هذا أن أقرضه بغير شرط وكتب له سفيجة بذلك، فلا بأس به، وإن شرط في القرض ذلك فهو مكروه لأنه يسقط بذلك خطر الطريق عن نفسه، فهو قرض جر منفعه. رجل باع من رجل عبداً بثمن مسمى إلى شهر على أن يوفيه إياه بمصر آخر عينه، فالبيع جائز لأن الثمن معلوم والأجل معلوم
بالمدة، إلا أن فيما لا حمل له ولا مؤنة يطالبه بالتسليم حيث يجده بعد مضي الأجل، وفيما له حمل ومؤنة لا يطالبه به إلا في الموضع المشروط
٨٥
.« ...
.
١٥٢٩
أنه
وكما ترى في الاقتباسين السابقين وغيرها كثير من الشواهد ع" فقد وجدت وسائل أخرى غير التعامل بالمعادن الثمينة سواء في المدن الإسلامية أو حتى قبلها في الحضارات الأخرى. أي أن البشر استحدثوا وسائل لنقل الأموال فيما بينهم دون اللجوء إلى نقل الذهب والفضة، غير أن هذه الوسائل لم تتطور بل أجهضت بسبب سيطرة السلطات على الاقتصاد بدعوى التنظيم الآتي من عقلانية البشر فما يفعله المعدن الثمين (كما مر بنا) هو مستودع لمجهود الآخرين. وما فعلته تلك التعهدات من خلال الوثائق أو الإيصالات (كالشيكات) هي نفس ما تفعله المعادن الثمينة إلا أن الفرق هو أن الإيصال يُعتد به فقط عند أطراف محددة، وليس كالذهب الذي يقبله الجميع، وهذا فارق مهم. فارق مهم آخر هو أن هذه الإيصالات ليست كالإيصالات كالشيكات) أو التحويلات الحالية المثمنة بالنقود التي تصدرها الدول والتي هي تحت تسلط الدولة التي متى ما احتاجت للمال طبعت المزيد منه أو طبعت المزيد من السندات فيظهر التضخم، أي أن من أصدروا الإيصالات لا يتمتعون بهذه المقدرة، وبهذا لن يظهر التضخم بانتشار استخدام هذه الإيصالات لأن الإيصال وثيقة دين في ذمة آخر مقدّرة بالذهب أو الفضة
التي تم استلامها كالسفتجة.
الخطة وسعة الثقة
أي أن لدينا وضعـين متضادين من حيث «سعة الثقة»: الأول هو استخدام النقود الورقية التي تتمتع بثقة واسعة» الانتشار والتي تؤدي للتضخم لأنها تحت سيطرة الدولة، والوضع الثاني هو استخدام الإيصالات التي تتمتع بثقة الأطراف المتعاملة بها فقط ولن تؤدي للتضخم لأنها خارج سلطان الدولة. ولكن لأن مجال ثقة الثاني «محدودة» بين المتعاملين بها فهي عرضة لأن تؤدي للخلاف بين الأطراف لأن أحد الأطراف قد ينكث العهد كما «قد يحدث»
هامش
س٢) لاحظ أن الورق هو الفضة، وأن السفتجة مشابهة للحوالة في يقرض إنساناً ليقضيه المستقرض في بلد يريده المقرض ليستفيد به أيامنا هذه. فقد جاء في كتاب المعجم الاقتصادي الإسلامي: السفتجة خطر الطريق، وهو في معنى الحوالة (٨٤). بفتح فسكون ففتح تعریف سفته بمعنى المحكم، وهي إقراض لسقوط خطر الطريق. وقيل: السفتجة البوليصة والسفتجة: كتاب ((عـ٢ ومن الأمثلة ما ذكره أحمد أمين من أن أعمال التحويل قد يكتبه المستقرض للمقرض إلى نائبه ببلد آخر ليعطيه ما أقرضه. وهي تطورت في العالم الإسلامي لدرجة أنه أصبح مهنة لها قواعدها، لفظة أعجمية. يقال: اقترض علي أنه يكتب له سفتجة. والسفتجة فيذكر مثلاً أن سيف الدولة الحمداني في منتصف القرن الرابع هي أن يرفع إلى تاجر مالاً قرضاً ليدفعه إلى صديقه في بلده، وإنما الهجري عندما كان أميراً على حلب وكان زائراً في بغداد، فذهب يدفعه على سبيل القرض لا على طريق الوديعة لأن التاجر لا يدفع متنكراً إلى دور بني خاقان فخدموه دون أن يعرفوه، وقبل الانصراف عين ذلك المال، بل إنما يؤديه مثله، فلا يكون وديعة، وإنما يقرضه كتب لهم رقعة موجهة لبعض الصيارف في بغداد بألف دينار، وعند ليستفيد المقرض سقوط خطر الطريق. وبعبارة أخرى هي أن عرض الرقعة على الصير في أخذوا المال (٨٦).
١٥٣٠ 🗏
في السفتجة. لهذا عادة ما يحتاج المجتمع للتغلب على هذه الإشكالية إلى نوعين من الحركيات، ألا وهي: ١) الاعتماد على الأعراف كما كان الحال في أسواق البصرة مثلاً ، (۲) والاعتماد على القضاء بضمان استقلاليته والتثبت من الشهود والأدلة وما شابه من أدوات إحقاق الحق. ومع تطبيق الشريعة فعادة ما ينحسر الثاني لتزداد الأعراف انتشاراً كما سترى بإذن الله في فصل «المعرفة»، وبهذا تضمحل حالات الخلاف ويزداد الإنتاج دون بيروقراطيات. ولكن يجب ألا ننسى السؤال: هل التعامل بالإيصالات وبالذات التعاملات اليومية منها لشراء محقرات المستهلكات أمر عملي؟
:
أي أن السابق يبرز سؤالاً : أيهما أفضل نظام لا تقع فيه إشكاليات بين المتعاملين «في مستوى النقد» (كما هو حالنا اليوم) علماً بأنهم مشبوكون في جميع المستويات الأخرى ما يؤدي إلى التسخير وإلى التضخم لأنه مسير من الدولة (كما مر بنا)، أم نظام بحاجة للفصل قضائياً بين الناس في الإيصالات » إن ظهرت ولكن لا يؤدي إلى التضخم ولا إلى التسخير ولا إلى خلافات أخرى لأن الناس مفصولون في جميع المستويات الأخرى؟ وهل هو عملي؟ أي أن لدينا نظامين: أحدهما يعتمد على الدولة ويحوي مستويات تؤدي إلى لظلم والآخر خارج سلطان الدولة ولا مستويات فيه ولكن نقاط خلاف قد تظهر بين المتعاملين أحياناً.
هذا
بالنسبة للنظام الأول فهو مرفوض تماماً لأنه أساس الظلم والفساد كما حاولت أن أثبت سابقاً. كما أن محاولة إصلاحه مستحيلة لأننا وكأننا نحاول تغيير الغرائز البشرية لتحويل الناس إلى ملائكة. وهذا محال. كما أن النظام الذي يعتمد على النقد فهو أيضاً يؤدي إلى الخلافات لأن هناك الكثير ممن لا يتعاملون بالنقد كأولئك الذين يتعاملون بالشيكات البنكية وإيصالات الديون وما شابه. وهذه التعاملات تزيد عادة في كمياتها عن التعامل نقداً لأنها هي التي تتم بها الصفقات الكبرى مثل شراء الشركات. أي أن النظامين الأول والثاني قد تعادلا في موضوع نقاط الخلاف. لهذا بقي النظام الثاني إذا ليجابه بالسؤال: هل يمكن دمج نظام الإيصالات مع العناصر الثمينة
لإيجاد الثقة ليتحرك الاقتصاد؟
ستكون الإجابة أكثر إقناعاً بعد فصل «الأماكن» بإذن الله ، ذلك أن مواقع الإنتاج إن طبقت مقصوصة الحقوق عادة ما تربط المنتجين بالمبادلات لمنتجاتهم بطريقة وكأنها تحفر قنوات الثقة فيما بينهم فتنساب المنتجات بينهم بثقة أكبر وبأقل بيروقراطيات ممكنة بما فيها الإيصالات) وبأقل قدر من الذهب. ولكن لهدف الاستمرار لابد لي هنا من بعض التوضيح للفكرة باختصار.
كما سترى في فصل «الأماكن » بإذن الله، فإن التركيبة المكانية للمجتمعات إن حكمت بما أنزل الله (حتى وإن لم تكن مسلمة) ستكون تركيبة متحررة من تسلطات أي جهات خارجية. فكل دار أو دكان أو مكتب أو مصنع يعتبر خطة (بكسر الخاء وتشديد الطاء)، وكل مجموعة من هذه العقارات تكون خطة أكبر، وهكذا. فالحي خطة، والقرية خطة وحتى المدينة فهي خطة واحدة. وقد سميت الخطة بهذا الاسم لأنها مكان تحت تصرف دون تدخلات خارجية وداخل كل خطة في العادة خطط أصغر. أي أن التركيبة المكانية ليست كأيامنا هذه التي تقع فيها الأماكن تحت سيطرة السلطات.
ف ۲ ساكنيها
تذكر ما مر بنا عن «نقل الحقوق» في الحديث عن العولمة، فالخطط تفعل عكس ذلك تماماً، أي أنها لا تنقل
الحقوق، بل تثبتها للسكان فأنت مثلاً لا تستطيع الآن حفر بئر في طرف الطريق إلا بإذن من سلطة خارجية ألا
١٢ الفصل والوصل
١٥٣١
وهي
الدولة أو من يمثلها مثل البلديات. أما إن طبقت الشريعة، فإن حَفْرَ البئر بحاجة لموافقة سكان الخطة (إن ثبت عليهم الضرر لأن البئر في الطريق، ولأن الطريق مكان تحت سيطرة سكان الخطة التي يقع بها الطريق، لذا فإن السكان هم الذين يحق لهم اتخاذ القرار وبالطبع فهناك تفاصيل وتفريعات كثيرة ليس هذا مكان ذكرها، وقد كانت موضوع الفصلين الخامس والسادس من كتاب «عمارة الأرض في الإسلام». أي أن السيطرة هي لسكان المكان (كما مر بنا في الحديث عن تمديد الكهرباء مثلا).
وكل خطة تقع بداخل أو بجوار خطة أخرى، فالدار كخطة تقع بجانب خطة أخرى قد تكون داراً أخرى أو مصنعاً أو حياً، وكل مجموعة من الدور مع ما تخدمها من شوارع وساحات ومسجد أو مساجد تكوّن خطة أكبر، وهذه الخطط تكوّن في مجموعها خطة أكبر وأكبر . وهكذا حتى نصل إلى الخطة الأكبر وهي المدينة (لاحظ أنه لا توجد خطة اسمها دولة لاستحالة سيطرة السكان المتباعدين على إقليم كبير تتخلله مسطحات شاسعة غير مستغلة). وهذه التركيبة تختلف جذرياً عن وضعنا الحالي إذ لا وجود للخطط، ولكن طرق وساحات وميادين تسيطر عليها السلطات وتتخللها عقارات خاصة يملكها الناس كأفراد أو كجماعات وترتص العقارات فيها على طول الطريق وحول الساحات وهذه العقارات الخاصة خاضعة للسلطات وعلى ملاكها اتباع وقوانين السلطات أو من يمثلها كالبلديات واتباع أنظمة مؤسسات توزيع الماء والكهرباء والهاتف، فالسكان لا سلطان لهم إلا داخل حدود عقاراتهم. فإن كان هناك قانون كما هي (العادة يمنع حفر الآبار في الشوارع فلن يستطيع أي ساكن متطوع حفر بئر إن كان هناك متسعاً في الطريق حتى وإن تمت حماية البئر من جوانبه لكي لا يتعرض المارة لخطر السقوط في البئر. وبالمثل فبإمكانك أخي القارئ التفكر في أمثلة أخرى كثيرة غير حفر البئر مثل فتح محل أو رصف طريق أو نصب عمود للبث الإلكتروني (واي فاي مثلاً أو بناء غرفة تجميع مياه صرف
تحت الطريق.
أنظمة
ولكن أرجو ألا تعتقد أن هذا التحرر في الأماكن من السلطات يعني الفوضى، بل يعني تركيبة متقنة مستقرة لأن الشريعة تطلق أيدي الناس بطريقة لن يصطدموا فيها فيما بينهم ودون تسلط سلطة خارجية، ومتى اصطدموا فيما بينهم، أي اختلفوا فإن القضاء يفصل بينهم في تلك النقطة. وفي هذا تحرر للأفراد يختلف جذرياً عن التركيبات العمرانية المعاصرة التي تفرض على الناس مستويات من الظلم على شكل قوانين وأنظمة مقيدة (وهكذا من تفاصيل ذكرت بعضها في كتاب «عمارة الأرض» وسيأتي المزيد في فصلي «الموافقات» و «الأماكن» بإذن الله). ولكن على العموم والهدف الاستمرار في هذا الفصل أقول: إن تطبيق مقصوصة الحقوق سيدفع الأماكن لوضع تخدم فيه التركيبة الخطية خطوط تدفق أجزاء وتجميع المنتجات. فهذه مثلاً خطة متخصصة في صناعة الأقمشة، وعن شرقها خطة تُصنع فيها الخيوط، وتلك خطة مجاورة تصنع القمصان من تلك الأقمشة والخيوط،
هامش
ص ۲
ف٢) لاحظ أنني قلت: «يسكنونها». فالساكن بالطبع إن لم يكن المستأجرة والتي تعني أن الساكن لا يملك. مالكاً فليس له إلا بعض الحقوق في اتخاذ القرارات (وهذه مسألة قد نوقشت بحمد الله في كتاب «عمارة الأرض»). ومع هذا قلت: ص٢) باستطاعتك أخي القارئ قراءة الفصلين الخامس والتاسع من «يسكنونها» لأنه إن طبقت الشريعة فإن السكان في العادة هم الملاك كتاب «عمارة الأرض في «الإسلام للوقوف على الفروق بين في معظم الأحوال لأن نسبة الملاك مرتفعة في المجتمع بسبب فتح التركيبتين : أي التركيبة الناتجة من اتباع مقصوصة الحقوق ومن اتباع أبواب التمكين. وليس كوضعنا المعاصر الذي اتسم بكثرة العقارات العقل القاصر.
١٥٣٢ 🗏
وخطة رابعة صغيرة من جنوبهم تخصص سكانها في جلب المواد الخام النادرة من المناطق البعيدة أو جلب مكائن الخياطة من أقاليم أخرى وصيانتها. وبجانب هذه الخطط من الناحية الشمالية خطة تُصنع فيها الشراشف وبيوت المخدات. أو حتى أن نفس الخطة قد تحوي مصانع متخصصة في صناعات تنتهي بمنتج واحد، كصناعة الدراجات مثلاً: فهذا مصنع للعجلات وذاك لمعالجة المطاط ، وثالث لهيكل الدراجة المعدني، ورابع لتجميع الأجزاء حتى تظهر الدراجة، ومكان خامس لخزن المواد الخام أو القطع المعقدة الصنع والمستوردة من مناطق بعيدة. أو أن مجموعة من الخطط تتكاتف مع بعضها في الإنتاج كأن تكون جميعها تعمل في صناعات معقدة كالإلكترونيات مثلاً. لاحظ أن كل منتج كالدراجة أو الخيط مثلاً هو من إنتاج مجموعة من الشركاء ويعملون أو حتى يسكنون ويعملون في خطة ما. لهذا ستظهر قنوات الاتصال بين المنتجين فتحفر الثقة في نفوسهم ليستمر التبادل التجاري والإنتاجي دون الحاجة للعملات النقدية ولكن فقط الحاجة لتدوين السندات والتي تضمحل الحاجة إليها أيضاً باستمرار الإنتاج والتصدير فيزدهر التبادل التجاري بين المنتجين ليعتمد على التوثيق المتبادل». أي أن التركيبات الخطية توجد الثقة
ليزداد التكاتف بين المنتجين.
التوثيق المتبادل
المقصود بالتوثيق المتبادل هو أن يسجل كل صانع أو تاجر ما استورده من الآخرين ويقوم الآخرون بنفس الفعل. ثم كل فترة وأخرى تجري المقاصة أو المحاسبة فيما بينهم ودون الحاجة لحيازة أو لدوران النقد أو الذهب والفضة فيما بينهم. حتى أن التعاملات إن زادت الثقة بينهم قد تتحول مع مرور الزمن ومع التجارب «إن طبقت الشريعة» إلى التوثيق شفاهة «مع الشهود» وسيأتي بيانه بإذن الله). فهذا الصانع يعلم أنه يستورد من ذلك التاجر كل شهر كذا طناً من المواد الخام بشهادة الشركاء، والتاجر يعلم ويعمل الشيء ذاته، وهكذا. ومن صور التوثيق المتبادل في أيامنا هذه التعامل بين البنوك بالتدوين إلكترونياً ولكن في ظل التعامل بالنقد الذي تصدره الدول، أي أنه توثيق متبادل مقيد للناس وليس محرر لهم.
وما يعين على الاستغناء عن النقد من خلال الاعتماد على التوثيق المتبادل هو موقع المنشأة المنتجة مقارنة بالمنشآت الأخرى في التركيب الخطي، ذلك أن التركيب الخطي هو نتاج حركية إحياء الأرض والذي تميز بحرية اتخاذ القرار لمن أحيا، لهذا فإن مواقع الإنتاج عادة ما تلبي كل من : (۱) متطلبات التصنيع من حيث الوضع المكاني في سهولة الحركة للشركاء وللمنتجات. فطريقة الانتقال للأفراد والمواد الخام والمصنوعات لا يعلم الأصلح منها للموقع وللإنتاج إلا الشركاء، لهذا فهم سيحرصون على تحقيق هذه المتطلبات عند الإحياء بانتقاء أفضل المواقع لتحقيق هذه المتطلبات. كما أن مواقع الإنتاج عادة ما تلبي (۲ متطلبات التصنيع كالحاجة للكهرباء ولكمية الماء وما شابه والتي لا يعلم الأصلح منها إلا المنتجون. وفي كل هذا رفع للكفاءة الإنتاجية لأن متخذي القرارات (أي المنتجين) هم الذين أحيوا الأرض كشركاء. لهذا والله أعلم لم يستطع علماء الاقتصاد مسك زمام التخصص لأنهم لم يُدرجوا المكان ونمط ملكيته والسيطرة عليه (أي الخطط) في دراساتهم، فكانت نتائج دراساتهم قاصرة من حيث فهم الكفاءة الإنتاجية لأن أبحاثهم مؤطرة بالنظم المركزية التفكير التي تنتهي بمواقع الإنتاج كاستجابة للتراكمات
١٢ الفصل والوصل
١٥٣٣
الرأسمالية كأسعار الأراضي مثلاً. فلا خيار لمن أراد إنشاء مصنع إلا (۱) اتباع أنظمة وقوانين الدولة بالإضافة (٢) هو متاح من مواقع تحددها الدولة وتحددها أسعار مضاربات مستثمري العقارات. وفي هاتين عائق كبير
لاختيار ما
للإنتاج.
متعة الإنتاج: التحررات الخمسة
أي أن الاستنتاج من السابق هو أن المجموعة المنتجة، ولأنها أحيت الأرض بمزارع ومعامل ومصانع الإنتاج، فهي تسكن في الغالب في خطط متجاورة مكانياً. وهذا التحرر المكاني هو التحرر الأول. ولكن ماذا إن تغيرت الصناعة وتطلب هذا تكاتف عدة مصانع في مناطق متفرقة لإنتاج سلعة ما ؟ وماذا إن فقدت بعض الصناعات أهميتها وعليها أن تقلص مساحاتها، فصناعة نشر الكتب مثلاً بدأت في الانكماش بعد انتشار الشبكات العنكبوتية؟ عندها ولأن الشريعة تطلق أيدي المنتجين (كما سيأتي بإذن الله فإن بعض الخطط قد تتخلى عن بعض أجزائها لصالح صناعات أخرى في خطط أخرى. وبهذا ينضم هذا الجزء لخطة أخرى في مكان آخر. أو قد تظهر تقنية جديدة يتطلب إنتاجها التعاون بين خطط صغيرة كانت داخل خطط أكبر في مناطق متفرقة. ولهذا فإن سكان خطة ما داخل خطة أكبر قد ينتجون لمن هم في خطتهم ولمن هم في خطط أخرى. فصانعو البطاريات مثلاً قد يتعاملون مع صانعي العديد من السيارات.
أي أن لدينا وضعاً جديداً بدأ بالظهور بتطور التصنيع ألا وهو تكاتف عدة منتجين يقطنون خططاً متباعدة. وكأن هذا التكاتف يكوّن «خطة إنتاجية» وليس خطة مكانية. وكما سترى فإن الشريعة ستؤدي إلى هذا التكاتف إن تطلب الإنتاج ذلك. أي أن لدينا خططاً مكانية وخططاً إنتاجية. ففي الخطط المكانية نجد أن السكان يسيطرون على المكان وفي الخطط الإنتاجية نجد أن المنتجين يتكاتفون في النشاطات الإنتاجية وبالتالي هم المسيطرون. أي أن الخطط المكانية والخطط الإنتاجية قد لا يتطابقان، وفي هذا تحرر كبير للناس لأن التركيبتين الخطيتين كلاهما في مستوى منفصل ولا يقيدان بعضهما بعضاً. وكمثال تقريبي، قد يسكن في أيامنا هذه رجل في حي ويعمل في مصنع في حي آخر، بينما أخوه يسكن معه ويعمل في مدرسة في منطقة أخرى، فكلاهما ينتميان لمكان واحد في السكنى ويعملان في مكانين مختلفين. ولعلك هنا تسأل: ولكن لماذا هذه التسميات؟ خطط مكانية وخطط إنتاجية؟ فمعظم إن لم يكن جميع الناس يسكنون في أماكن ويعملون في أماكن أخرى، فهذا هو الوضع الطبيعي في عصرنا الحالي فأجيب: إن التسمية ضرورية لنميز بين ما أتت به الشريعة وبين حال الناس اليوم والناتج بالحكم بغير ما أنزل الله . ففي الخطط المكانية نجد أن السكان هم المسيطرون، وكذلك الخطط الإنتاجية، فالعمال في الشراكات هم في الغالب الملاك المسيطرون. فبينما الخطط المكانية وحدات من المساحات التي يسيطر عليها السكان، كذلك المعامل والمصانع والمزارع وكل جماعة منتجة هي وحدات منتجة قد تتكاتف مع وحدات أخرى لتشكل الخطط الإنتاجية، فقد يتكاتف . مصنع للخيوط مع مصنع للأقمشة مع الخياطين المتفرقين في المدينة لإيجاد خطة إنتاجية. والسبب لضرورة هذه التسمية للخطط المكانية كما سترى في فصل الأماكن هو في حركيات تحمل المسؤولية لتوفير الخدمات (الوفورات) والحماية للسكان والسبب لضرورة هذه التسمية للخطط الإنتاجية كما
١٥٣٤ 🗏
سترى في هذا الفصل بإذن
الله
هو
حركيات التحرر المالي والتي تضع «المسؤولية الاقتصادية» في أيدي المنتتجين.
أي باختصار: إن التركيبة الخطية بتطبيق مقصوصة الحقوق ستؤدي بإذن الله إلى أقصى تحرر ممكن للسكان مكانياً وإلى غرس الثقة بينهم لأنهم هم المسيطرون، وهذا هو التحرر الأول، أي استحداث الخطط. ثم مع الزمن قد تتغير هذه الخطط المكانية لتظهر في مستوى آخر بعد التغير كخطط إنتاجية إن تطلب التطور الإنتاجي ذلك. وبهذا لن يقف التركيب الخطي المكاني عائقاً أمام الإنتاج، بل سيساعده على التحرر كما سترى في هذا الفصل بإذن الله بظهور الخطط الإنتاجية. وهذا هو التحرر الثاني من خمسة تحررات تؤدي في مجموعها، إن تدبرتها وهي تعمل معاً، إلى متعة في الإنتاج مفعمة بالمزيد من الابتكارات. وسأطلق على الحركيات التي توجد هذه الخطط الإنتاجية عنوان «التحرر «المالي وسيأتي بيانه في هذا الفصل بإذن الله).
التحرر الثالث هو حرية التصرف في المكان، وهذه ستأتي في الفصل بعد القادم بإذن الله بتفصيل أكبر، ولكن للاختصار أقول: بعد الاختيار للمكان ومع مرور الزمن فإن مواقع الإنتاج بحاجة للتغيير بسبب تغير التقنية وبسبب الحاجة لتطوير الإنتاج. فهذا يود وضع مدخنة في مصنعه، وأولئك يريدون إضافة مبنى للإدارة في ناحية من المصنع أو يريدون زيادة أدوار مبنى الإنتاج، وتلك جماعة من الشركاء قررت بيع خطتها والانتقال لمستوطنة أخرى حديثة تتوافر فيها المواد الخام الأكثر ملاءمة لخبراتها من موقعها التي كانت فيه، فأتت جماعة أخرى بمهارات مختلفة وملائمة لهذا الموقع وقررت الإنتاج فيه بعد إجراء بعض التغييرات. وهكذا من قرارات تعود بفوائد جمة على الإنتاج. وكذلك أساليب الإنتاج والمنتج ذاته، فهي في تطور مستمر وبالتالي ستتغير معها قرارات سير خطوط الإنتاج أو التصميم وما شابه من قرارات تصنيعية. وجميع هذه القرارات لن تخضع لموافقات السلطات إن طبقت مقصوصة الحقوق ولكن ستخضع لحركيات أخرى سيأتي بيانها في الفصل بعد القادم بإذن الله. وما يميز هذه الحركيات هو أنها تطلق المنتجين للمزيد من الحرية ولكن دون الاصطدام مع الآخرين. وفي هذا تحرر كبير لا يوازيه أي تحرر من وضع العقل البشري القاصر. لاحظ أن هذا التحرر هو داخل الخطة (وليس استحداثاً للخطط المكانية كالتحرر الأول وهو أساساً إصلاح المكان وتطويره دون إذن السلطات. وهذا يختلف عن الخطط الإنتاجية، فالخطط الإنتاجية هي علاقات إنتاجية بين المنتجين في الخطط المكانية المختلفة.
والتحرر الرابع هو حرية الحركة للناس دون حدود أو جوازات للوصول للموارد لحيازتها أو للوصول لمواطن العمل أو المعرفة أينما كانت هذا بالإضافة إلى حرية تصدير المنتجات وجلب المواد الخام دون عوائق كالجمارك. وهاتان الحريتان للناس وللمنتجات كنا قد تحدثنا عنهما سابقاً بحمد الله وبالذات في فصل «ابن
السبيل».
والتحرر الخامس هو الحق في استغلال أي معرفة لتوظيفها في الإنتاج. فالمعرفة مشاعة إن طبقت الشريعة وليست محتكرة لمن ابتكرها كما هو الحال مع تطبيق النظم البشرية المعاصرة القاصرة. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد: (من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار)؟ ألم يقل أيضاً في الحديث الذي رواه ابن ماجة: (من كتم علما مما ينفع الله به في أمر الناس، أمر الدين ألجمه الله بلجام من النار؟ ولعلك تقول: ولكن الحديث ضعيف وفيه تثبيط معرفي لأن الناس لن يثابروا في السعي للمزيد
يوم
القيامة
١٢ الفصل والوصل
١٥٣٥
من الابتكارات لأنه لا ملكية فكرية لهم، وبهذا يضمحل الإنتاج ! ولعلك تضيف: إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو عن كتم العلم الشرعي وليس بالضرورة عن كتم العلم التقني فأجيب
!
ستأتي الإجابة في فصل «المعرفة» بنوع من التفصيل بإذن الله. لذا فبإمكانك إن كنت مقتنعاً بما قلت قفز الفقرات التالية للعنوان الآتي: «التحرر المالي». وهذا هو الأفضل لك حتى لا يتشتت تركيزك، أما إن لم تكن مقتنعاً، ولإقناعك مؤقتاً أقول:
إن الحديث ضعيف وليس بموضوع بالإضافة إلى أن هناك فرق بين قيام المجتمع بحماية الملكية الفكرية
ق ۲
من خلال الدولة وبين قيام الناس بذلك لأنفسهم (وهناك شواهد أخرى تدعم ما يذهب إليها كتاب «قص الحق» كما سيأتي بإذن الله). فالشريعة تحث الناس على نشر العلم ولكنها لا تفرض ذلك عليهم، فمن أراد الأجر وخاف العقاب نشر علمه، ومن بخل بعلمه على الناس لأنه أوجد وصفة لدواء ما مثلاً وأنفق عليها أموالاً طائلة وسهر على اكتشافها أو ابتكارها عشرات السنين فهذا شأنه إن تمكن من حفظ هذا الدواء وحسابه على الله. أما ތ إن فك باحث آخر سر هذا الدواء وصنع مثله فإن هذه ليست بسرقة لأن فيها خير عميم لملايين المرضى.
أي أن الشريعة لا تقول للأمة أوجدي جهازاً حكومياً رقابياً لحماية فكرة كدّ عليها زيد من الناس لأن في هذا الاستحداث لهذا الجهاز الرقابي بذرة لقيام الدولة بمهامها الحالية. فهذا الجهاز للحماية الفكرية، أو بالأصح للاحتكار الفكري بحاجة إلى رجال ومرتبات ومكاتب وبالتالي بحاجة للأموال فمن أين تأتي الأموال إلا من المكوس (الضرائب) أو من منع الناس من الوصول إلى الخيرات لتحتكرها الدولة لنفسها ثم لتبيعها؟ وهذه من بذور الدولة المؤدية للطبقية والفساد والتي تزيد في ضررها عن ضرر عدم حماية الملكية الفكرية، ناهيك عن التلاعب الحادث على أيدي هذه الأجهزة الرقابية لأنها تحت سيطرة أفراد لهم أهواء كما وضحت مراراً. فقط تدبر الآتي: عندما سرقت " شركة مايكروسوفت طريقة عمل جهاز أبل ماكنتوش للحاسب الآلي في أواخر القرن الميلادي الماضي لم تستطع شركة أبل إيقاف شركة ميكروسوفت لقوة شركة مايكروسوفت المالية التي سخرت الملايين للمحامين للدفاع عن السرقة. ثم قارن هذا بالصراع بين شركة أبل الأمريكية وشركة سامسونج الكورية في الهواتف النقالة في أوائل القرن الميلادي الحالي. فقد خسرت شركة أبل المعركة القضائية في كوريا الجنوبية، بينما كسبتها في الولايات المتحدة الأمريكية في نفس القضايا. فمع من الحق في الملكية الفكرية؟
ولعلك هنا تقول: ولكن سيتوانى الناس عن الابتكار وبالتالي يتأخر المجتمع في إنتاجه! فأجيب: إن الابتكار ذاته شيء، وتطوير الابتكار شيء آخر. فبرغم وجود بعض الاستثناءات إلا أن معظم ما استخدم من تقنيات ظهرت ابتكاراتها على أيدي أفراد لم يقوموا بتطويرها، بل هم فقط أوجدوا الابتكار، فالمحرك النفاث أوجده السير فرانك Frank ولم يلتفت أحد لأهمية اختراعه إلا بعد أن صور فلماً عن أهمية النفاث ثم طورتها
هامش
ق٢) الملكية الفكرية باختصار هي احتكار المعرفة لمن أوجدها (۲) لاحظ أن كلمة « سرقة» هي كلمة تصف النقل من الآخرين في وهذه آلية تصر عليها الرأسمالية لأن فيها تحفيز للأفراد للإبداع، فلا النظم الرأسمالية، بينما إن طبقت الشريعة فإن النقل لا يعتبر سرقة، يحق لفرد سرقة (كما يسمونها) أفكار غيره إلا بترخيص أو بشراء بل مزاولة لحق من الحقوق. لذا سأستخدم كلمة «سرقة» في الحديث منتجات قام الموجد للفكرة بتصنيعها. أي أن المجتمع يسعى للحماية في الإطار الرأسمالي فقط. أما في الحديث عن الشريعة فسأستخدم
الفكرية للمبتكرين.
كلمات أخرى مثل أخذ أو نقل أو اقتبس.
١٥٣٦ 🗏
الشركات المصنعة لمحركات الطائرات مثل شركة رولزرويز، بينما لم يكسب هو من اختراعه ومات في حسرته. والتلفاز أوجده شاب أمريكي وطورته شركة أر سي أي الأمريكية. وأول حاسب إلكتروني شخصي طوره شابان في الجراج ثم أوجدا شركتهما فأتت شركة آي بي إم وسرقت الفكرة وطورتها بطريقة مختلفة، وهكذا دواء البنسلين، ومعظم المنتجات والتي تخصص اليابانيون مثلاً في تطويرها بعد فك أسرار أفكارها الأساسية التي كانت من ابتكار الآخرين. وكما هو معلوم فإن عشرات السيارات من أوائل ما تنتجه مصانع مرسيدس أو شركة بي إم دبليو مثلاً لا يركبها الزبائن، ولكن تقوم شركات السيارات الأخرى بتفكيكها للاستفادة من تقنياتها. أي أن الابتكار شيء والتطوير شيء آخر. ولعل في الصاروخ مثال ساطع لما أقول. فالذي وضع أسس صناعة الصواريخ هو شخص أمريكي اسمه جودارد. فكان همه تطوير كل شيء متعلق بالصاروخ، مثل الوقود الصلب وانسيابية شكل الصاروخ والغرفة التي في رأس الصاروخ التي توضع فيها أجهزة التوجيه وقد أنجز جودارد كل هذا بمجهوده الشخصي وبالقليل من المال، ثم استقطبه الألمان واستثمروا الكثير معه ليطور لهم الصاروخ، ثم التفتت الولايات المتحدة الأمريكية لأهمية الصواريخ فبدأ السباق بين الدول لتطوير الصواريخ. أي أن التقنيات تطورت كثيراً لخدمة الناس على أيدي دول أو شركات لم تدفع للمخترع أو المكتشف حقه المعنوي أو المالي الذي تقرره الأنظمة في معظم الأحيان. حتى وإن دفعت، فهو قليل مقارنة بالأرباح الطائلة. فالشركات توجد الطرق الملتوية لتلافي دفع الحقوق إن كانت كبيرة من خلال المحامين أو من خلال إيجاد بدائل تقنية تخدم نفس الهدف التقني إذ أن الفكرة الأساسية قد ظهرت وثبتت جدواها الاقتصادية. وفي المقابل، فإن التطوير بالطبع في الغالب خارج مقدرة المكتشفين أو المخترعين في النظم الرأسمالية لأنها بحاجة للكثير من الأموال كما هي حال صناعة الأدوية مثلاً.
ونظراً لأن الرأسمالية تحاول تطبيق حق الملكية الفكرية، فإن التطوير العلمي والتقني لمنتج ما حصر في من ابتكرها أو في من اشترى حقوق ابتكارها أو في من سرقها وقادر عن الدفاع عن السرقة. أي أن التطوير حبس في جماعة صغيرة، بينما السواد الأعظم مرغمون على استهلاك ما تنتجه الشركات دون المشاركة في التطوير. أي أن مجرد فكرة حماية مبتكر ما تعني تراكم الأموال عند المنتجين على حساب باقي أفراد المجتمع بسحب أموال المحتاجين للمنتج، وهذا ما تفعله الشركات الكبرى تسرق فكرة ثم تطورها ثم تمنع الآخرين من الاستفادة منها إلا بمقابل. ولحسن الحظ قد تفشل أحياناً إن كانت الشركة متعسفة. فقد ظهر مثلاً في شهر مارس سنة ٢٠١٣م الحكم في قضية رفعتها شركة سويسرية ضد شركة هندية لصناعة أدوية تعالج السرطان في الهند، وقد خسرت الشركة السويسرية القضية لتباع الأدوية بأقل من مئتي دولار بدل ألفي دولار إن ربحت الشركة القضية (ولعل النتيجة ستكون عكسية إن رفعت القضية في سويسرا). حتى وإن توصلت شركة أخرى لنفس الابتكار فإن النظام الوضعي سيرفض حق إعطاء المبتكر الجديد براءة الاختراع إلا بعد إثباتات بأن الابتكار مختلف في طريقة عمله. وهذا يجعل كل مبتكر يبتعد عن تطوير ما أبتكر خوفاً من الملاحقة القضائية وبالذات إن كانت الشركة المالكة شركة قوية سياسياً أو مالياً. وهكذا بمثل هذه الحقوق التي تفاضل بين الناس كحقوق الامتياز وحقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر تظهر الشركات القوية كشركات الأدوية والسيارات. وبمثل هذه الآليات الرأسمالية تتراكم الأموال عند طبقات على حساب طبقات أخرى كما مر بنا . والطبقات الثرية كما هو معلوم لها نمطها الخاص بها في الحياة، وبالتالي لها نمطها المختلف من المتطلبات ومنها الأدوية مثلاً، ولعل أوضح مثال هو الأمراض المتراكمة من البدانة. لهذا فإن صناعة الأدوية ستذهب لإيجاد العلاج والأدوية لهؤلاء لأن المال لديهم. وهذا مثبت فعلياً في عالم الطب، فهناك ما
١٢ الفصل والوصل
١٥٣٧
يعرف بالأمراض المهملة كما قلت والتي لن يتصدى لها إلا بعض فاعلي الخير. قال لي طبيب يزوال المهنة في الولايات المتحدة الأمريكية: «هناك عدة أدوية بجودات متفاوتة لعلاج نفس المرض، وأسعارها بالتالي مختلفة.
ونحن نصف الدواء بناء على قيمة التأمين ومقدرة المريض المالية». فالدواء الأفضل هو للأثرياء بالطبع.
أي أن نجاح حماية الملكية الفكرية ( وفي ظل مجتمع رأسمالي) يعني أن الشريحة الصغيرة المنشغلة في البحث والتطوير ستركز على ما هو أكثر ربحاً، لهذا تجد أن الأموال التي أنفقت على علاج مرض الإيدز تفوق كثيراً ما أنفق على علاج الملاريا، وتجد أن ما ينفق على أبحاث حفظ وتعليب أكل كلاب الأثرياء بنكهات مختلفة يفوق ما ينفق على أبحاث إيجاد وسائل تسهيل استخراج الماء للفقراء في المناطق القاحلة. وهكذا تتجه المجتمعات إلى المزيد من البحث العلمي لما هو ترفي والذي لا يلبي احتياجات البشر عموماً. فهل من حكمة في تطوير سيارة تُغلق أبوابها أوتوماتيكياً كما تفعل شركة مرسيدس الألمانية مثلاً ليزداد سعر السيارة آلاف الدولارات في وقت لا يجد فيه ثلثي
البشر عربة بدائية للنقل. أي أن حماية الملكية الفكرية ما هي إلا أداة في النظام الرأسمالي للمزيد من الظلم.
أما إن طبقت الشريعة وكان للناس حماية ما ابتكروه بكتمانه إن أرادوا (وهذا لا تحث عليه الشريعة ولكن لا تفرض على الناس إفشاء أسرار ابتكاراتهم برغم أنهم قد يؤثمون)، فإن في فك أسرار هذه الابتكارات دفع جديد للعلم، وكل جماعة تحاول فك سر ما للكسب من الإنتاج ستحاول أيضاً إضافة ابتكار جديد للمنتج لتتميّز في بيعه، وهكذا من إضافات لجذب المستهلكين. كما أن كل جماعة تفك السر قد تحتفظ بالمعرفة لنفسها لتتقاسم الأرباح مع الجماعات التي فكت السر، وهكذا تتكاثر المحاولات لكشف الأسرار فيزداد المجتمع معرفة. وهذا يختلف عن النظم المعاصرة التي تمنع وتحارب محاولات فك الأسرار.
ومن جهة أخرى، ولأن الناس متقاربون في الدخل، فإن المبتكرين، ولأنهم يبحثون عن الربح، فعادة ما يندفعون لخدمة الشريحة الأكبر لأن مستهلكاتهم هي الأكثر وبالتالي فما يُباع لهم سيأتي بالربح الأكبر، وبهذا تزداد الضروريات جودة وإتقاناً، وتظهر المزيد من الكماليات الواعدة لتصبح من الضروريات وعلى أيدي السواد الأعظم من الباحثين عن الربح بالاقتباس من ابتكارات الآخرين. أي وكأن جميع الناس سيلبسون ساعات متقنة الصنعة بجودة ساعات أوميجا السويسرية مثلاً، ولكن بأشكال لا حد لها لأن المصنعين كُثر وفي كل مكان، فلا تتشابه الأسواق في إنتاج الضروريات شكلاً ولكن تتشابه جودة لأن المنتجين يبحثون عن التميز في الإنتاج. وبهذا تكثر المنتجات وتزداد جودة. وهكذا سيصبح جميع المجتمع باحثاً ومطوراً للمنتجات الأكثر استهلاكاً. عندها فإن مسألة سرقة الأفكار لن تكون إشكالاً يتألم منه المجتمع، فكلمة «سرقة» لن تطلق على الاستفادة من فكرة أوجدها آخر، وبهذا تصبح الأفكار مشاعة، وفي هذا صلاح للمجتمع. قارن هذا بالحكم بغير ما أنزل الله: فالشركات تسرق الأفكار ثم تطورها لتحتكرها، فالتطوير داخل أسوار الشركات على أيدي أناس مأجورين وقد لا يكونون من ذوي الاهتمام الشديد بالتخصص. أما إن تمت إشاعة المعرفة فإن المهتمين بها والمنتشرين في جميع أرجاء الأمة سينجذبون إلى كل فكرة جديدة ويتلقفونها ويجرون بها لتتطور أكثر وأكثر لأن هذا في مصلحتهم. ناهيك عن أن الأفكار الجديدة ستُنسب لمن أوجدوها وليس للشركات كما في شركات الأدوية الاحتكارية مثلاً، وفي هذا حافز كبير للمزيد من الابتكار. فقد تأخذ الأدوية بجانب الاسم العلمي أسماء مبتكريها أو داعميها من أفراد وليس اسم الشركة، وهذا سيدفع المبتكرين والداعمين للمزيد من الإصرار في التطوير.
١٥٣٨ 🗏
قال أندرو لك بيكر Andrew Luck-Baker في التلفاز البريطاني BBC بأن «شركات الأدوية لا تريد للأبحاث عن الغذاء الطبيعي أن تنتشر، بل تريد البحث عن مركبات غامضة وذلك حتى لا تصل لأيدي الناس مجاناً. وتقول باحثة في نفس البرنامج: «إن المسألة ربحية، فهم [أي شركات الأدوية] لا يدعمون الأبحاث للبحث عن أفضل المأكولات الطبيعية ولكن للبحث عن مركبات يجهلها الناس سعياً للمزيد من الربح». ويقول الباحث فورد Ford في محطة CNN الأمريكية بأن %۷۰٪ من نفقات شركات الأدوية تذهب للتسويق وليس للأبحاث، وأن ٨٠٪ من منتجات الشركات هي أدوية ،كمالية، وأن هذا بسبب نظام الملكية الفكرية patent.
ومن الحركيات الحاثة على نشر المعرفة إن طبقت الشريعة حركيات الشراكة: فعندما يجتمع الناس شراكة لعمل مصنع ما وتنتشر المعرفة بينهم قد يخرج أحد الشركاء لخلاف ما فيذهب لتكوين شراكة جديدة كما مر بنا، أو قد ينضم لجماعة أخرى فينقل المعرفة إليهم، وهذا من حقه. أي أنه لا احتكار معرفي. أي أن حركيات الشراكة تؤدي لنشر المعرفة أكثر وأكثر. وهكذا يزداد التكاتف المعرفي والإنتاجي بزيادة الرقعة الجغرافية بزيادة عدد المبدعين في المجتمع. لماذا؟ والإجابة هي لأن تقارب الناس في الدخل هو صفة المجتمع، ولأن هؤلاء كثيرون جداً، ولأن المنتشر من المصنوعات هو من الضروريات، فإن «القناعة» الصفة السائدة بين الناس (كما مر بنا)،
الدنيوي.
هي
عندها فإن تبرع بعض هؤلاء الكُثر لدعم بحث علمي ما، فإن المال المجموع من هؤلاء سيكون أكثر بكثير من دعم حكومي أو دعم من عدة أثرياء. وبالتأكيد سيزداد المال المجموع كثرة لدعم بحث ما إن ثبت أن فيه خير للناس من خلال خطباء المساجد والمثقفين الذين سيحثون الناس على الإنفاق على البحث أي أن القليل من المال من آحاد الكثير من الناس سيفوق الكثير من المال من الدولة أو من الأثرياء. هكذا سينجذب عدد أكبر من الناس للانخراط في البحث عن الابتكارات أو لتطوير تقنيات معروفة لتسهيل الحياة على الناس طلباً للأجر الأُخروي أو عندها سيكون الإنفاق على البحث والتطوير جهاداً حقاً، ويكون العامل فيه مجاهداً حقاً إن خلصت النيات. وإن لم تخلص فإن الربح الدنيوي أكيد إن وُجدت الابتكارات لأن المال المخصص للبحث العلمي كثير ويذهب لمن هم أهل له. فكل داعم للبحث العلمي سيحاول أن يدفع المال لمن هو أهل له وينتظر نتائج البحث (وليس كأيامنا هذه التي تذهب فيها أموال الدولة المخصصة للبحث العملي لمن هم أقرب من ذوي النفوذ). فإن أثبت باحث ما مقدرته بعد ظهور النتائج، فسيحصل على المزيد من الدعم. أي أن المال والمجهود القليل القادم من الكثير من الناس لدعم البحث المعرفي إن طبقت الشريعة سيتكاثر ويزيد عما قد تنفقه شركة ما لمرض ما لخدمة القلة من الأثرياء. فالناس كثر ومتقاربون في الدخل ويستطيعون التبرع، ناهيك عن أن أمراضهم قد تتشابه بسبب تشابه أنماط حياتهم، وبهذا ينتعش الطب لكثرة المال ولتشابه الأمراض. وهذا بالطبع لا ينطبق فقط على الطب، ولكن على كل التخصصات.
لقد ظهر في الآونة الأخيرة بين الباحثين من تقبل فكرة مشاركة الناس في مجالات الابتكار والتصميم. وظهر القبول بين الباحثين بأن هذا لا يؤدي إلى الفوضى، بل إلى المزيد من الإبداع لأن عدد الناس المشاركين كبير كما هو حادث مثلاً في الأفلام التي تعرض على الشبكات العنكبوتية بالقليل من الإمكانات وكما هو حادث في تطوير البرامج الحاسوبية للهواتف النقالة. وفي هذا يقول كورتيس كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة إس آر آي SRI الدولية في وادي السيليكون
١٢ الفصل والوصل
«في العالم الذي يحصل فيه الكثير من الناس على التعليم وأدوات زهيدة الثمن للابتكار، يميل الابتكار الذي يظهر من الأسفل للأعلى ليكون فوضوياً ولكن بذكاء، وبالعكس فإن الابتكار الآتي من الأعلى للأسفل فيظهر منظماً ولكن بغباء .... وبهذا كما يقول:] فإن الموضع الجميل للابتكار يتحرك للأسفل بعد ظهور التقينات الحديثة بالقرب من الناس ذلك أن الناس معا [أو جماعة] أكثر ذكاء من فرد واحد لأن لدى الجميع الأدوات اللازمة للابتكار والتعاون».
١٥٣٩
وكما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله، فإن ما قاله كارلسون لا ينطبق فقط على المجتمعات المعاصرة التي وفرت لعموم الناس أدوات الابتكار في بعض المجالات كاستخدام الحاسب الآلي في صناعة الأفلام مثلاً)، ولكن ينطبق أيضاً على أي مجتمع يطبق الشريعة حتى وإن كان في مراحله الأولى من التطور العلمي والتقني.
التحرر المالي
تصور أخي القارئ ما الذي سيحدث من إبداع وإنتاج في ظل هذه التحررات الخمسة التي ذكرت والتي تصب في تطوير الإنتاج، ثم ضع في ذهنك الإطار الأكبر من التحررات التي مرت بنا في الفصول السابقة مثل محاربة الشريعة لجمع الأموال في بيت المال وجذ الديوان وما شابه من تحررات عندها ستدرك مدى غزارة وجودة الإنتاج بإبداع. ثم أضف لها الآتي من التحرر المالي، والذي هو حركيات عمل الخطط الإنتاجية. وللتوضيح لنبدأ بالسؤال: هل يستطيع الاقتصاد، سواء كان الناس مسلمين أم لم يكونوا الاستغناء التام عن الذهب والفضة من خلال التوثيق المتبادل كما هو حاصل في أيامنا هذه من خلال التعامل بالشيكات والبطاقات الائتمانية والشاشات ولكن دون تسلط الدولة؟ فإن استحال هذا يأتي السؤال: إلى أي مدى إذاً يستطيع الاقتصاد الاستغناء عن الذهب والفضة في ظل نظام مالي «لا» يخضع ، بل «لا» يمت للدولة بصلة إن أريد للاقتصاد أن يتحرر من سلطان الدولة؟ والإجابة هي: قد يستغني الاقتصاد عن الذهب أو أي من العناصر الثمينة)، فإن لم يستغن فإن هذا سيكون على حساب سيطرة الحكومات على الاقتصاد لأن عملة الدولة العملة هي التي سيوثق بها إن لم يوجد الذهب، ما يؤدي لتسلط الدولة. وأفضل مثال على هذا هو الدولار في الولايات المتحدة الأمريكية. فالناس يتعاملون به دون الحاجة لذكر الذهب. وفي المقابل، كلما زاد الاعتماد على الذهب كلما تحرر الاقتصاد من سلطان الدولة وكلما احتاجت المجتمعات للمزيد من ذلك العنصر الثمين. وبهذا تضيع الكثير من المجهودات البشرية للبحث عن ذلك العنصر وخزنه في التعاملات لأنه هو العملة (كالذهب) المتداولة والتي يوثَقُ بها. وفي هذا خسارة للبشر إنتاجاً لأن في البحث عن الذهب وسكه وتداوله إضاعة لمجهود مقابل خدمة إيجاد الثقة فقط. فما العمل إذاً حيال هذا «المیزان» بين التحرر بالاعتماد على عنصر ثمين وبين تقليل المجهود البشري في الانشغال بالبحث عنه وسكه؟ هذا ما ستحاول الصفحات القادمة تبيانه بإذن الله . أي هل يمكن القبول بعبء التعامل بعنصر ثمين والذي لابد منه والذي يؤدي للتحرر بالضرورة؟ وكيف يمكن تخفيف الاعتماد عليه دون فقدان ذرة من التحرر؟
قبل الإجابة لابد من التوضيح الآتي المهم كما سترى في البيع فإن للشريعة حركيات فذة لتحرير البائع والمشتري في كل أنواع البيوع (بيع عين بعين وعين بدين وعين بمنفعة)، ولكن ما سأحاوله الآن هو الشرح بطريقة مجردة وكأنه لا فكر اقتصادي يجب أن يُتبع. أي أن الشريعة والأنظمة الوضعية لم تفرض على الناس. فما الذي
١٥٤٠ 🗏
نتوقعه
منهم
ليتحرك الاقتصاد؟ ثم بعد عرض بعض المفاهيم سننظر للشريعة بإذن الله. كما أرجو منك مواصلة القراءة لأنك قد تضطر للتوقف والتساؤل عن الكثير مما سأطرحه. ولا أستطيع لومك لأن الشريعة لم تطبق ولأن المعاملات المالية بأموال الدولة بالتالي هي التي طغت وبهذا نشأت مفاهيمنا المالية في بيئة يصعب معها علينا تقبل ما يناقض مسلماتنا إلا بتردد كبير ما يثير الكثير من الأسئلة الفرعية الرافضة لما يطرحه هذا الكتاب. وإن حاولت الإجابة على مثل هذه الأسئلة لإقناعك فقد نفقد محور الطرح الأهم. لهذا أرجو المعذرة والصبر علي لعل الصورة تكتمل لك كلما استمريت في القراءة.
هناك نوعان من المقايضات : (۱) مقايضة ذات اتجاهين: أي مقايضة أربع دجاجات بحقيبة جلدية مثلاً. وفي مثل هذه الحالات قد يستغني المتقايضون عن النقد، وفي هذا تحرر كبير لهم من الدولة ولكن مع تقييد كبير في الخيارات. أما إن كانت المقايضة بسلعة مقابل الذهب أو أي معدن ثمين آخر متعارف عليه بين الناس كعملة، فإن في هذا منتهى التحرر من الدولة بالإضافة للخيارات الأوسع في التقايض ولكن مع عبء التعامل بالذهب الذي له سلبياته المعروفة (مثل صعوبة حمله في الصفقات الكبيرة جداً، وإمكانية الغش فيه بتغيير وزنه ونقائه). فكل مقايضة تنتهي مباشرة بعد التبادل وتنقطع بذلك العلاقة المالية بين الطرفين المتبادلين، وفي هذا راحة نفسية لهما وتحرر أكبر لأن كل طرف على علم تام بما لديه من إمكانات وموجودات وما هي حاجة السوق لمنتجه. فالتعامل بالذهب كنقود يعيد أثمان المنتجات كلها إلى مقياس واحد من خلال السوق. وهذا هو الأمثل إن لم تكن الثقة بين المتعاملين قد ظهرت بعد. إلا أن هذا النظام من التقايض بحاجة للكثير من الذهب كمية وضبطا إن لم توجد الثقة. لكن إن وجدت ستنخفض الحاجة للذهب. لأضرب مثالاً: لنقل بأن هناك تاجر يستورد الساعات ويبيع في محله الساعات والإلكترونيات، بينما جاره يستورد الإلكترونيات ويبيع أيضاً الساعات. أي أن كل منهما يأخذ من الآخر ما لا يستورده ليبيعه في محله ففي هذه الحالة إن وثقا في بعضهما سيسجل كل منهما ما له في ذمة الآخر دون تبادل أي عملة إلا كل مدة لتصفية المستحقات دون تبادل يومي.
۲) مقايضة ذات اتجاه واحد وهذه هي الأهم والأكثر انتشاراً في عالم الإنتاج إن طبقت الشريعة لأن المنتجين عادة ما يستوردون موادهم من جهات غير الجهات التي يصدرون لها، كأن يقوم مصنع العجلات باستيراد المطاط من مصنع ما بينما يصدر العجلات بعد صنعها لمصنع آخر. وهذه الحالة هي الأمثل للمجتمع في الإنتاج «إن وجدت الثقة» لأنها تحرر المتعاملين الذين وثقوا ببعضهم بسبب استمرار التعامل فيما بينهم ودون تداول الذهب). وفي هذه الحالة فإن البيئة الإنتاجية بحاجة لوحدات من العناصر الثمينة أو أي وسيلة أخرى «لتثمين» المنتجات لضبط التبادل التجاري. أي لا ضرورة هنالك لتبادل المنتجات بالذهب أو أي نقد آخر ، ولكن الضرورة هي لتوثيق «قيمة» ما تم تبادله بتثمينه بوحدات ذهبية مثلاً. وبهذا تضمحل الحاجة للذهب. فهذا الصانع لعجلات الدراجات مثلاً يبادل كل ألف عجلة بما يساوي كذا كيلوجرام من الذهب، وذاك الصانع يبادل كل مئة طن من الألمنيوم بما يعادل كذا كيلوجرام من الفضة، وهكذا.
هامش
ش۲) عندما أقول «ذهباً» فهذا لا يعني بالضرورة الذهب، ولكن أي (٢) وبالطبع بإمكانك القول هنا أن هذه المقايضة ذات اتجاهين عنصر ثمين آخر يحل محله ليختزن المجهود كالفضة أو البلاتين أو لأنها سلعة مقابل النقد فأقول : لا مشاحة في الاصطلاح، فهذا حتى المجوهرات. التقسيم هو لتوضيح فكرة هامشية لننتقل بعدها لما هو أهم.
١٢ الفصل والوصل
١٥٤١
وهنا (في المقايضة ذات الاتجاه الواحد احتمالان: الأول: أن تتم المقايضة من خلال المصارف مقابل رسوم
مالية تدفع للمصرف لقاء هذه الخدمة، وفيه تنتقل قيمة الوحدات الذهبية بين المنتجين بإيصالات «كمعيار للقيمة» على مصارف محلية دون نقل الذهب بالضرورة، وهذه الإيصالات هي لأثمان محددة مقابل الذهب لحفظ الحقوق. فللصانع زيد مثلاً ما قيمته نصف كيلوجرام ذهب في ذمة التاجر عبيد بالإيصال فئة كذا. فالمصرف إذاً لابد وأن يمتلك مقابل هذه الإيصالات مخزوناً من الذهب أو من أي عنصر ثمين آخر ليحق له إصدار هذه الإيصالات، وهذا هو الدارج في تعاملات البنوك حالياً إلا أنه بالنقد كالدولار،ت" وفي هذا خطورة احتمال قيام المصارف بإصدار إيصالات لا رصيد لها لعدم وجود سلطة تستطيع مراقبة هذه المصارف، وهذه إن وقعت فهي سرقة، أي أنها ظلم (كما مر بنا) لأنها «قد» تؤدي للتضخم. لاحظ أنني قلت: «قد» تؤدي للتضخم لأنها لن تؤدي للتضخم في الغالب لأن من يتعاملون مع هذا المصرف فئة من الزبائن وليس كامل المجتمع قهراً كما هو حال البنك المركزي الذي يصدر النقد. فإن قام مصرف ما بطبع المزيد من الإيصالات فإن إيصالاته هي التي ستفقد قيمتها لكثرتها فينفر منه المتعاملون فيفقد مصداقيته فيخرج من السوق، وهذا في صالح المجتمع. ولكن إن قامت هذه المصارف فقط بالتنسيق بين المنتجين بالتوثيق المتبادل دون مقدرتها على إصدار إيصالات صالحة للتبادل بين جميع الناس، بل فقط ضبط المستحقات والحسابات بين المنتجين، عندها فإن خطر التضخم قد زال تماماً. إلا أن الإشكالية هي في السؤال: كيف سيضمن الصانع حقه لأن التوثيق المتبادل ذو اتجاه واحد ولا عنصر ثمين في يد الصانع إلا الوعد بالسداد (وهذا هو المهم)؟ وهذا يؤدي للاحتمال الثاني:
والاحتمال الثاني (في المقايضة ذات الاتجاه الواحد هو التبادل بين المنتجين مباشرة فيما بينهم دون الاستعانة بالمصارف. وهنا ستظهر صعوبة دفع مستحقات الصانع أو المورد إن تنكر الطرف الآخر، لأن التقايض من النوع الثاني ذي الاتجاه الواحد لهذا فلابد وأن يقوم المستورد بدفع ما عليه من مستحقات كل حين وآخر من خلال الذهب مثلاً لتصفية التوثيق المتبادل. فقد يقوم ملاك مصنع الألمنيوم وعمال (ملاك) منجم الألمنيوم بالتدوين مثلاً بأن لملاك المنجم حق في ذمة ملاك المصنع مبلغ كذا كيلوجرام ذهباً لسداد بيع كذا طن من الألمنيوم الخام. هذا بالإضافة إلى أن الصانع أو المورد بحاجة لبعض المال ذهباً أو فضة مقابل ما أنتجه لينطلق في تلبية احتياجاته الأخرى. أي أن الأفضل للمنتجين التعامل بالتوثيق بالإضافة لبعض الذهب لتلبية متطلباتهم الحياتية غير الإنتاجية. فصانع الدراجة مثلاً بحاجة (١) لتوثيق ومن ثم تصفية استحقاقات ما استورده من صانع العجلات؛ وبحاجة ٢) لتوثيق ومن ثم تصفية وأخذ حق ما باعه للتاجر الذي سيبيع الدراجات للناس؛ وبحاجة ٣) أيضاً لبعض الذهب لتغطية نفقاته. وحتى هذه الأخيرة قد يوثق بعضها أحياناً كتوثيق ما يستورده من محروقات. وبالطبع فإن التوثيق هو بما يعادل كذا جرام أو كذا كيلوجرام من الذهب أو الفضة ولكن دون الحاجة لحيازة الذهب أو الفضة، أو دون الحاجة لنقله يومياً أو حتى شهرياً بين التجار بناء على الثقة المتبادلة. أي أن هذه العملية كجميع العمليات ستنقلب إلى مقايضة ذات اتجاهين لتصفية الحقوق إلا أنها تطلبت القليل من الذهب وهذا مشابه لما يحدث في أيامنا هذه باستخدام البطاقات الائتمانية فالناس يشترون ويبيعون إلكترونياً دون لمس النقود)، إلا أن هذه العمليات
هو
ربوية وتهيمن عليها البنوك تحت أنظمة الحكومات باستخدام وحداتها النقدية جبراً، وما أحاول بيانه هنا . التوثيق المتبادل بين المنتجين دون الربوا ودون هيمنة الدولة أو المصارف وبذهب أقل لأنه لا عملات مفروضة على الجميع. وهذا هو التحرر. كيف؟
١٥٤٢ 🗏
أي أن الحاجة للذهب والفضة أو أي معدن ثمين آخر في معظم العمليات الإنتاجية هو للثمنية، أي للعمل كمعيار للقيمة لتوثيق الديون وليس بالضرورة لحيازة هذه المعادن إلا لتصفية الحقوق كل فترات متباعدة. وبهذا تضمحل الحاجة لهذه المعادن فلا يقفز سعرها. أي وكأن هذا الصانع يقول لذلك المزارع: لقد وضعت في سجلاتي أنني استوردت منك هذا الشهر حليباً بما مقداره خمسة كيلوجرامات ذهباً ، وهكذا. وحتى تستمر العلاقة المالية بين المنتجين يجب ألا تظهر الخلافات لكي يستمر الإنتاج والذي هو في مصلحة الطرفين (المصدر والمستورد أو البائع والمشتري). وهذه مسألة محورية مهمة جداً أخي القارئ أرجو أن تتذكرها باستمرار، ذلك أن ظهور الخلاف منطقياً سيعرقل أو حتى قد يوقف الإنتاج تماماً. وحتى لا يتعرقل الإنتاج (وهذا في مصلحة الجميع) ستظهر وحدات من العناصر الثمينة وكأنها نقدية وبقيم مختلفة تلائم حجم التبادلات بين المنتجين كأن يكون كبيراً (كنصف كيلوجرام ذهباً مثلاً)، أو صغيراً (كخمسة جرامات ذهباً مثلاً حسب طبيعة المنتج. أو قد تأخذ هذه الوحدات أسماء تتعارف عليها الجماعة المنتجة فيما بينها. أو قد تظهر إيصالات للتوثيق ولكن بقيم مختلفة لكل صفقة. فعلى الصانع «ب» أن يسدد الصانع «ك» ما قيمته كذا وحدة ذهباً أو كذا جرام ذهباً، وعلى الصانع «ك» أن يسدد الصانع «م» ما قيمته كذا وحدة فضة أو كذا جرام من فضة، وهكذا من تبادلات بين جماعة في خطة أو عدة خطط وليست بالضرورة خطط متجاورة، بل خطط «مستقلة» لأنها حرة في جميع قراراتها المالية والمكانية للتتكاتف لتشكل خطة إنتاجية. وكل خطة بها جماعة تعمل شراكة لمنتج ما بكل حرية. وهذا هو المهم، أي الحرية المالية بين جماعات تتعامل فيما بينها باستمرار وبتراضٍ لتوجد خطة إنتاجية.
لكن لاحظ أن المقايضة في اتجاه واحد وهذا يعني تراكم الديون على المشتري وعليه تصفيتها بدفع ما عليه. وللمزيد من التوضيح لأهمية المسألة أقول: كما ذكرت فهناك احتمالان لقفل الدائرة: الأول من خلال المصرف والذي يتعامل مع . عدة منتجين «لقفل الدائرة». فمثلاً: لصانع العجلات كذا ذهباً في ذمة صانع الدراجات، وعليه كذا ذهباً لذمة مُصنّع المطاط، فيأتي المصرف لقفل الدائرة، أي لتصفية حقوق صانع العجلات بخصم ما عليه مما هو له، فيظهر فائض بالطبع لأن الصانع للعجلات ما عمل إلا ليربح. فيقوم المصرف بتسجيل الفائض له ثم سدادها له ذهباً متى أراد صانع العجلات. وبهذا تقل الحاجة للذهب لأن التعويض بالذهب أتى في المراحل الأخيرة للإنتاج. أي أن الحرية قد تؤدي إلى ظهور مؤسسات نقدية صغيرة تُصدر إيصالات أو شيكات أو وحدات نقدية ورقية أو معدنية لحفظ ونقل وتصفية المستحقات بين هذه الجماعات مقابل رسوم مالية لهذه الخدمة، وليس بالضرورة بحيازة عنصر ثمين لأن العلاقة مستقرة بين هذه الجماعات (تذكر أن العلاقة لابد وأن تكون مستقرة وبالتراضي إن أريد للإنتاج أن يستمر لأن هذا في مصلحة جميع الأطراف المنتجة للتعامل دون تناقل معدن ثمين بشكل مستمر). وبالطبع فإن الخطة الإنتاجية لن تستطيع الاستمرار بالتوثيق المتبادل دون الذهب في المراحل الأخيرة من الإنتاج لأن المنتج النهائي ( كالدراجة مثلاً) يجب أن يُباع للتجار الذين يدفعون الذهب مقابل الدراجات ليوزع الذهب بين الشراكات المختلفة، وبهذا تقل الحاجة للذهب.
والاحتمال الثاني هو أن ينتشر بين المنتجين الاعتماد على الحوالة وهي حركية وضعتها الشريعة (وستأتي بتفصيل أكبر في فصل «البركة» بإذن الله لينقل المديون الديون التي عليه من ذمة جهة لأخرى. فقد جاء في صحيح البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مَلي فَلْيَتْبَع). وبهذا
١٢ الفصل والوصل
١٥٤٣
فإن صانع العجلات مثلاً يطلب من صانع الدراجات سداد ما له من مستحقات لصانع المطاط. وما زاد عن ذلك قد يأخذه ذهباً. أي ينتشر بين المنتجين الاعتماد على الحوالة وعلى الذهب فقط. وكأن حركية الحوالة تقوم مقام المصرف. أو قد تنتشر بين المنتجين الاعتماد على الذهب فقط أو أي معدن ثمين آخر للتبادل التجاري. أي فقط التعامل بالعناصر الثمينة المسكوكة ودون إيصالات (أي مقايضة ذات اتجاهين). وهذه العناصر الثمينة قد تسكها مصارف تقدم هذه الخدمة مقابل ربح قليل لأن المصارف المشابهة والمنافسة لها في تقديم نفس الخدمة كثيرة. أي أنه في جميع الأحوال لن يكون للدولة أي دور في الحركة الاقتصادية. وهذا هو المهم. أي أن لدينا ثلاث حالات: تبادلات بالإيصالات كديون بالقليل من الذهب من خلال المصارف، أو التعامل بالحوالات مع بعض الذهب لأن الثقة عالية بين المنتجين أو التعامل بالذهب أو أي عنصر ثمين آخر ودون إيصالات كديون ودون إيصالات المصارف لضحالة الثقة. ومعظم التبادلات التجارية ستقع في إحدى هذه الحالات الثلاث إن أرادت المجتمعات التحرر التام من سيطرة الحكومات اقتصادياً.
وبعد هذا العرض لنتصور الآن أن الشريعة تُطبق، فما الذي سيتغير؟ والإجابة كالآتي: حتى تضبط الشريعة التعاملات لتخفيف الخلافات بين المنتجين ولزيادة الكفاءة والعدالة فهناك حركيات معجزة توجه الناس. حركيات معجزة لأنها ليست بحاجة للسلطات للتطبيق ولا تعتمد على الأنظمة، بل تعتمد على تدافع المنتجين ليشق كل تدافع طريقاً إنتاجياً جديداً فتتسع البيئة الإنتاجية أكثر بجذب المزيد من المنتجين لأن خيرات الأرض أكثر من أن يستهلكها البشر. وهذا ما ستحاول الصفحات القادمة تبيانها، ومن هذه الحركيات الحوالة والوكالة ولعل من أهمها ربوا الفضل. كيف؟
هو
ولو كنت مكانك لتشككت ولسألت ولكن ما الفرق بين التوثيق المتبادل وما تفعله البنوك المعاصرة؟ فأجيب: إن الفارق كبير ذلك أن البنوك المعاصرة تتعامل بالنقد الذي تصدره الدول سواء كان التعامل نقداً أو أثماناً بالشيكات أو بالتحويلات، وبهذا فإن الاقتصاد يقيد الأفراد والشركات ويؤدي للتضخم والذي هو ظلم لأن هناك أناساً يستهلكون ولا ينتجون كالبيروقراطيين ( كما مر بنا ) . أما التوثيق المتبادل فهو بين أفراد وشركاء مستقلين دون وسيط، أو إن وجد وسيط فهو من خلال مصرف مستقل وخادم للعملاء وعليه بعد موافقة العملاء) أن يختار ما أمثل لنقل مستحقات المنتجين إما بالذهب أو بالإيصالات أو بالحاسب الآلي أو بأي وسيلة أخرى باتباع حركيات أوجدتها الشريعة مثل الحوالة والوكالة كما سأوضح بإذن الله، وبهذا فإن المصارف ليست مؤسسات ذات يد عليا، بل هي مجموعة من الأفراد الذي يعملون في شراكة خادمة للمنتجين. وحتى يستمر العمل والإنتاج لابد للناس من التراضي في المبادلات التجارية فيما بينهم وسيأتي المزيد من التوضيح بإذن الله في شرح قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾)). وهذا التراضي سيؤدي إلى ضبط عدد المصارف لأن المنتجين كثر في أطراف الأرض بسبب فتح أبواب التمكين. كيف؟
إن كثرة المنتجين في حضن أمة لا دولة فيها تسيطر على حركات الناس والأموال سيؤدي للتنافس الممتع بين الناس على جميع أنواع الإنتاج ومنها التنافس في تقديم الخدمات المصرفية كمهنة والتي ستتاح لكل من أراد العمل فيها دون شروط مسبقة (وليس كحالنا اليوم). وهكذا ستظهر المصارف التي ستتنافس فيما بينها وبهذا سيستمر
١٥٤٤ 🗏
المصرف الأكثر مصداقية في التعامل والمصداقية حينئذ لا تأتي من قوة المالك ونفوذه كحالنا اليوم، ولكن تأتي من خدمته الحسنة المستمرة مع الزبائن. لهذا ستكثر المصارف وتقل حتى تتزن لتصل للحد الملائم لخدمة الزبائن. فكما هو معلوم في أي مهنة، فإن قلة المصارف يعني أن المصرف يخدم الكثير من العملاء وعندها قد يفقد المصرف تميزه وتركيزه في تقديم خدمة مميزة فيفقد الزبائن لمصرف آخر، وهكذا تتزن البيئة الاقتصادية بعدد من المصارف
الخادمة بصدق وحرفية.
ومن جهة أخرى فإن هذه المصارف غير مرتبطة فيما بينها لأنها تخدم منتجين محددين في مواقع مختلفة، وبهذا لن يحدث انهيار اقتصادي لأن إفلاس مصرف ما سيؤثر فقط على عدد محدد من التجار أو الصناع ولن يرعب الأمة بانهيار اقتصادي جارف، بل سيكون تأثيره السلبي ضيق جداً ومفصول عن المجموع العام للحركة الاقتصادية لأن المصارف «مفصولة» عن بعضها البعض. لهذا سيحذر الناس في التعامل مع المصارف مقارنة بأحجامها فيبتعدون عن المصارف الضخمة جداً لسوء المعاملة ولابد. وهذا يعين على الاتزان المطلوب لعدد المصارف. لذا لن تظهر دورات اقتصادية تؤثر في مجموع النشاطات الاقتصادية للمصانع مثلاً، بل المنتجات للمصانع هي التي سترفع وستخفض الاقتصاد في الأقاليم بناء على الجدارة في الإنتاج وبعيداً عن أي تقلبات مالية. حتى وإن تعامل مصنع مع أكثر من مؤسسة مصرفية، فإن الربط أو «الوصل» بين هذه المؤسسات محدود جداً. فقد يتعامل مصنع مع مصرفين، وإن أفلس المصنع فإن تأثير إفلاسه قد يقع على المصرفين اللذين حتى وإن أفلسا بإفلاس المصنع فإن تأثير إفلاسهما محلي ولن يؤثر على المصارف والمصانع الأخرى، ناهيك عن أن هذا صعب الحدوث إن طبقت الشريعة لأن معظم المصنوعات هي من الضروريات التي لن يستغني عنها الناس وسيستمر استهلاكها وبالتالي سيستمر إنتاجها وبالتالي سيندر إفلاس المصانع.
سبب آخر لصعوبة حدوث الانهيار هو صعوبة اتصال هذه المصارف فيما بينها كما سترى في هذا الفصل بإذن الله. فالشريعة وضعت من الحركيات ما يمنع حدوث مثل هذه الاتصالات كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبع ما ليس عندك. فهذا الحديث مثلاً يمنع ظهور آفة صفقات التحوط Hedg Funds كما سيأتي بإذن الله. ولعل السبب الأهم هو أن هذه المصارف لا تستطيع إقراض الآخرين ما ليس لديها كما تفعل البنوك المعاصرة مع الاحتياطي الزائد أو excess reserves لأن التعامل لا يعتمد عن النقد الذي يمكن طباعته ولكن مع عناصر ذات أثمان أو إيصالات بين أطراف محددة.
وفي المقابل، فلأن هذه المصارف تقدم خدمة مقابل أجر مالي، فإن فرص خروج بعضها من السوق أمر وارد لأن من يتعاملون معها من المنتجين قد يتفقون على التعامل فيما بينهم دون الاستعانة بهذه المصارف لتوفير نفقات هذه الخدمات المصرفية من خلال اتباع حركيات كل من الحوالة والوكالة وسيأتي التوضيح في فصل «البركة» بإذن الله)، وهكذا ومع الزمن لن تبقى في الساحة المالية إلا المصارف التي لابد منها بسبب حركية العرض والطلب بين المنتجين الذين لم تتوثق الثقة
بينهم بعد.
وهنا نأتي لمسألة مهمة أيضاً ألا وهي أن هذه المصارف ليست مدعومة من الحكومات إن أفلست، وليست ملكاً لمن «لا يعملون بها كالبنوك المعاصرة، بل هي ملك لجماعة تعمل فيها في الغالب (بسبب تقارب الناس في
١٢ الفصل والوصل
١٥٤٥
الدخل وارتفاع أجر الأجير)، لذا ستسهر هذه الجماعة على نزاهة حساباتها لأنه إن أفلس المصرف فقد خسرت الجماعة المالكة كل شيء وخرجت من السوق حتى وإن كان هناك موظفون مستأجرون يعملون في هذه المصارف، فهم تحت الرقابة الدائمة للملاك الذين يراقبون كل شيء لأنهم بالقرب من مصرفهم وليسوا كالأثرياء المعاصرين (المليارديرات الذين يملكون أسهم البنوك في شتى بقاع الأرض دون علم بما يجري في هذه البنوك. فالمهنة المصرفية مهنة رأس مالها السمعة بين التجار والصناع. وإن ضاعت السمعة ضاع رأس المال. أي أن الخاسرين إن خسرت المصارف هم الملاك وليسوا الموظفين لدى الملاك ( كموظفي البنوك)، لذا فهم أكثر حرصاً على تلافي خسارة المصرف، وليسوا كمدراء البنوك المأجورين الذين لا يكترثون إلا لإشباع نزواتهم بالإسراف حتى وإن كان هذا على حساب خسارة البنك مستقبلاً كما مر بنا.
وإن أضفت للسابق أن المالك للمصرف إن خسر المصرف إن طبقت الشريعة يعتبر مسؤولاً (وعليه بالتالي سداد الخسائر حتى وإن باع جميع أملاكه الخاصة، ستستنتج أن في هذا دافع كبير للملاك للمزيد من الحرص على تدقيق ومتابعة حسابات مصارفهم، وهذا بالطبع ليس كالأنظمة المعاصرة التي اتسمت بمؤسسات (ومنها البنوك) ذات المسؤوليات المحدودة والتي تعني أن إفلاس البنوك لا يعني قط بيع أملاك الملاك الخاصة لسداد الخسائر. وأخيراً تذكر بأن حركيات الشراكة التي وضعتها الشريعة (كما مر بنا) تؤدي لانتقال المال المدخر من الناس إلى الناس مباشرة لاستحداث الشراكات دون المرور بالضرورة على المصارف كما تفعل المجتمعات الرأسمالية التي تجمع فيها البنوك الأموال المدخرة لدفعها كقروض ربوية للمستثمرين. وفي هذا تخفيف أكبر لعدد المصارف في المجتمع. أي أن الوصف السابق يشير إلى أنه لا يمكن الاستغناء التام عن الذهب والفضة إن أريد للإنتاج الاستمرار دون تسلط الدول من خلال النقد، وما هذا إلا لأن الحياة الاقتصادية ليست مقصورة على التعامل بين المنتجين المتكاتفين في خطط متجاورة، ولكن أيضاً» مع (۱) بعض التجار أو المؤسسات في أقاليم أخرى ومع ٢) تجار من نفس الإقليم لشراء محقرات المستهلكات مثلاً. وفي هاتين الحالتين لابد من العناصر الثمينة للتبادل لأن الإيصالات لن تفلح إلا إن ظهرت مؤسسات مالية تصدر إيصالات ( كالسفتجة) يُعتد بها في الأقاليم الأخرى أو إن ظهرت مؤسسات تصدر عملات يُعتد بها لشراء صغار المستهلكات في نفس الإقليم. ومثل هذه المؤسسات المالية قد تظهر ليُستغنى عن الذهب والفضة ولكن بصعوبة بالغة لأن الثقة في تجار الأقاليم الأبعد أمر صعب المنال، وكذلك الحال لإيجاد الثقة بين عدد كبير من الناس في نفس الإقليم، لذا سيصعب الاستغناء التام عن الذهب لنقل المجهودات بين الناس. هذا بالإضافة إلى أن حركيات ابن السبيل تجعل البشر ينتشرون في أرجاء الأرض باستمرار من خلال لحداثة شراكات الاغتنام، وهؤلاء لم تستقر العلاقات بينهم بعد، فالثقة مهزوزة بينهم استيطانهم، لهذا فإن الحاجة للذهب والفضة لن تنتفي.
لكن لاحظ في جميع السابق أن الحاجة للعناصر الثمينة في المعاملات إن طبقت الشريعة «ستضمحل» بسبب الاعتماد على التوثيق المتبادل في المناطق التي استقرت إنتاجياً وهي الأكثر. أي وكأنني هنا أحاول سحبك أخي القارئ لتقبل فكرة إمكانية حدوث تبادلات تجارية مستقرة دون نظام مالي موحد في الأمة وبالقليل من المعادن النادرة. فالمصارف وكأنها شر لابد منه للمنتجين، وبهذا فهي شراكات خادمة على الدوام ولا تهيمن على الوضع الاقتصادي أبداً. أي أن هذا يعني إمكانية الاستغناء التام وبنجاح عن النظام النقدي الذي تسيطر عليه
١٥٤٦ 🗏
الدولة من خلال الاعتماد على التوثيق المتبادل وعلى القليل من العناصر الثمينة. وهنا بالطبع قد تستنكر وتقول مندداً: يا لهذا الباحث، إنه يذهب عكس ما يذهب إليه الناس فهذه أوروبا تحاول المستحيل جاهدة لتجمع اقتصادها تحت مظلة عملة واحدة (اليورو) ، وهذا الباحث يحاول العكس!
اليورو
قبل الاستمرار لابد لي من إعطاء فكرة سريعة عن اليورو في عدة فقرات فإن كنت أخي القارئ مقتنعاً بعدم الحاجة لعملة واحدة لتوحد الأقاليم اقتصادياً تحت ظل حكومة أو حكومات تسير الاقتصاد فبإمكانك القفز للعنوان القادم حتى لا يتشتت تركيزك.
كما هو معلوم فإن اليورو هو العملة الموحدة للدول الأوروبية التي حاولت تذليل العقبات التجارية فيما بينها بعد الاتفاق على إنشاء السوق المشتركة. فأصبح اليورو هو عملة ١٧ دولة أوروبية حتى عام ٢٠١٢م. وهناك دول لم تتمكن من تحقيق شروط الانضمام لليورو أو أن شعوبها لم توافق بعد على الانضمام مثل إنجلترا والدنمارك. ولتوحيد العملة فقد قامت الدول الأوروبية بإيجاد منظمة الاتحاد الاقتصادي المالي EMU ومن ثم بالتنسيق بين الدول الأعضاء وُضعت عدة شروط للانضمام لهذه المجموعة المالية. وحتى يستقر سعر صرف اليورو ليتناغم مع اقتصاديات الدول الأعضاء فلابد من استقرار الاقتصاديات المحلية. لهذا ظهر البنك المركزي الأوروبي ECB ليتحمل مع البنوك المركزية للدول الأعضاء مسؤولية السياسات المالية. وكل دولة مسؤولة عن سياساتها الاقتصادية من حيث الموارد والنفقات على أن تكون هذه السياسات ضمن إطار الأنظمة والقوانين التي اتفقت عليها الدول الأعضاء والمعروفة باسم اتفاقية ماستريخت أو Maastricht Treaty والمعروفة أيضاً باسم the Stability and Growth Pact. فعلى الدول التي تريد تبني اليورو كعملة تحقيق شروط منها : ألا تزيد نسبة التضخم في الدولة التي تريد الانضمام عن ١,٥ نقطة مئوية مقارنة بمتوسط أقل تضخم لثلاث دول من الدول الأعضاء في السنة السابقة. ومنها أن يكون عجز الموازنة يساوي أو يقل عن 3% من مجموع الإنتاج القومي GDP. ومنها ألا يزيد الدين العام عن ٦٠٪ من مجموع الإنتاج القومي. ومنها ألا تزيد نسب فوائد المدى الطويل عن ٢٪ من فوائد ثلاث دول من الدول الأعضاء الذين كانوا من الدول الأقل تضخماً في السنة السابقة. فهل يا تُرى تحقق لهم هذا الحلم بتحقيق مثل هذه الشروط ؟
لعل أول ملحوظة على هذه الشروط هي الأرقام. فلماذا ٦٠% وليس ٦١؟ وهكذا. هل رأيت العقل القاصر؟ إن الذي حدث هو أن ألمانيا وفرنسا بسبب قوتهما الاقتصادية سيطرتا على أهم السياسات النقدية وفرضتا ما اعتقدتا أنه الأفضل ولا وسيلة لذلك عند الاقتصاديين إلا عالم الأرقام. وفي المقابل، حرصت دول أخرى على الانضمام وانصاعت لما فُرض عليها لدرجة أن اليونان زورت المعلومات المقدمة للانضمام لليورو ثم في السنة التالية لم تتمكن من الالتزام بما تعهدت به فكان الركود فتصور هذا الغباء وهناك دول أخرى تتمنى الانضمام إلا أنها ضعيفة مالياً جداً. أي أن اليورو أوجد منطقة خصبة للفوضى المالية لأن الوضع السياسي المالي غير واضح الملامح برغم قوة اليورو ليصبح ثاني أقوى عملة بعد الدولار. وما هذه القوة إلا لأن الشعوب الأوروبية أكثر إنتاجاً من
١٢ الفصل والوصل
١٥٤٧
غيرها. فقوة اليورو لا تعكس نجاحه كعملة موحدة، ولكن تعكس ثقة العالم بالاقتصاد الأوروبي. ولأن كل دولة ذات سيادة مالية، ولأن على ممثليها الاتفاق مع ممثلي الدول الأخرى في منطقة اليورو، ولأن للشعوب حق في تقرير ما يتبناه الممثلون للدول والحكومات لأنها شعوب ديمقراطية، ولأن لكل حضارة منظورها المختلف للعمل والهمة (فألمانيا ليست كاليونان من حيث الإنتاج)، ظهر تخبط في السياسات النقدية مؤدياً إلى ارتفاع نسب البطالة وإلى ارتفاع الأسعار كما هو حادث في قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال. لذا فقد نُشر الكثير عن صعوبة الانضمام لليورو وعن أسباب تعثر الدول بعد الانضمام، ولا حاجة لى للمرور عليها، ولكن سأذكر لك تخبطاً واحداً عن سياسات هذه الدول يدل على قصور العقل البشري.
قام كل من الباحثين رينهارت Reinhart وروجوف Rogoff من جامعة هارفارد سنة ١٠ ٢٠١٠م ببحث ظن كثير من متخذي القرارات وبالذات في منطقة اليورو على أن استنتاجهما حقيقة اقتصادية. فكما مر بنا، فقد كان الصراع مستمراً بين أتباع كينز وأتباع هايك عن دور الدولة في الاقتصاد. إلا أن الباحثين وكأنهما حسما المسألة في أنظار السياسيين. فالباحثان (وبعد دراسة الاقتصاد في ۲۰ دولة لما بعد الحربين العالميتين) استنتجا أن أي اقتصاد يزيد فيه الدين العام عن ۹۰٪ من مجموع الإنتاج القومي فإن مصيره إلى ضمور ليصل إلى نمو قدره ٠٫١٪. أي أن البحث وكأنه يعلن فوز الطرف الذي ينادي بعدم تدخل الدولة في الاقتصاد (وهو ما ذهب إليه هايك وفردمان) على الطرف الذي ينادي بالتدخل وبالذات في فترات الركود وهو ما ذهب إليه أتباع كينز). وكأن هذا البحث سيف سلطه البنك الدولي على الدول النامية، وسلطته أوروبا على الدول التي تريد الانضمام لها اقتصادياً. لهذا كان على الدول التي أسرفت في الإنفاق العام بطبع المزيد من النقود أو بإصدار السندات)، التقشف الشديد لتقليص نفقاتها لتقتصرها على الضروريات لتتمكن من الالتحاق بركب دول اليورو. وأوضح مثال على هذا هو الحادث في اليونان وإسبانيا من مشادات بين شعوب هذه الدول وحكوماتها بسبب التقشف.
غير أن الطالب توماس هرندون Herndon من جامعة ماساتشوستس بمدينة أمهرست، وكان طالباً للدكتوراه، أثبت خطأ هذه النظرية بعد مراجعة حساباتهما وتراكمات استنتاجاتهما. بل وضع استنتاجات عكسية، منها مثلاً أن هناك دولاً زاد فيها الدين العام عن %۹۰٪ من مجموع الإنتاج القومي ومع ذلك فإن نموها وصل إلى ٢٫٢٪. فانتشر خبر الخطأ وأحرج السياسيين المتبنين للنظرية. أي أن شعوباً بأكملها عانت من السياسات المالية المفروضة عليها لتكتشف أن النظرية التي اتبعتها حكوماتها كانت نظرية خاطئة. ولعلك بعد نقدي هذا تقول: ولكنك أنت أيضاً يا مؤلف كتاب «قص الحق» تدعو لتخفيف الإنفاق العام! فهذه النظرية مشابهة لما تذهب إليه! فأجيب: أنا لا أدعو إلى تخفيف الإنفاق العام، ولكنني أقول أن الشريعة إن طبقت فلن يكون هناك إنفاق عام أبداً. ومن جهة أخرى، لنفترض أن اليورو سينجح (وقد ينجح لإصرار الحكومات)، فعندها فهو مثل الدولار المؤدي للظلم لأن الدول تنفق ما لا تنتج، وهذه لها آفاتها كما مر بنا.
ولعلك تقول : ولكن للعملة الموحدة فائدة ألا . وهي تسهيل التعاملات بين الناس في قارة كبيرة مثل أوروبا، فالناس ينتقلون من قطر لآخر دون الحاجة لتغيير العملة، وكذلك المصانع والمتاجر تبيع وتشتري دون عناء تغيير العملة. ولهذا فوائد جمة. وهكذا. وللإجابة لابد لي أولاً من توضيح خصائص العولمة العادلة أو العولمة التي تريدها الشريعة لنستشعر متعة الإنتاج في ظل التحررات الخمسة.
١٥٤٨ 🗏
الخصائص الأربع للعولمة العادلة
متطلبات
حتى يعيش البشر برغد وسعادة وسلام لآلاف السنين دون إفساد فهناك أربع خصائص رئيسة يجب أن تستمر مع البشر، وتحت كل واحدة منها خصائص فرعية تثريها الخاصية الأولى هي «الكفاءة في الإنتاج»: فقد توجد مجتمعات بليدة وذات إنتاجية متدنية ويعيش أفرادها بسلام ودون حروب وبقناعة بما لديهم، ولكن لأن الإنتاجية متدنية فهم في تخلف كسكان الكهوف أو الأرياف الزراعية التي تستخدم الأدوات البدائية في الزراعة والري والإنتاج. فهم قد يعيشون بسعادة ولكن بنوع من المشقة. فكل أسرة تصنع معظم ما تحتاجه من الحياة. وفي هذا النوع من الحياة تخلف لا يرضاه الإسلام للبشر. فالله الحق سبحانه وتعالى خلق بشراً بعقول مبدعة في الإنتاج، وخلق لهم الموارد بسخاء ليتمتع البشر بحياة تستفيد من هذه الموارد بإبداع إنتاجي يؤدي للراحة والسعادة ليعبدوا الله ويشكروا نعمته. والآيات الدالة على هذا مباشرة كثيرة مثل قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ . ومن الآيات الدالة على هذا بطريقة غير مباشرة قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْن وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءَ لِلسَّائِلِينَ﴾ . فإن كان الخلق في يومين والتقدير في أربعة أيام، ألا يدل هذا على عظمة إنجاز التقدير؟ فالله الحق الخالق الخلاق البديع الذي خلق إنساناً مبدعاً خلق له من العناصر ما تمكنه من وضعها معاً ليصنع أداة أو آلة أو مستهلكاً بديعاً كالهواتف المتنقلة مثلاً والتي تدخل في صناعتها الكثير من المواد المختلفة كالنحاس والذهب والبلاستيك. وكل هذا بحاجة لعلم الغيب للتقدير لكميات هذه الخيرات التي تحتاجها المصنوعات. ففي كل سنة مثلاً تصنع البشرية خمسين مليون سيارة بمختلف الأحجام (وكان هذا في التسعينات من القرن الماضي. فما هي كميات المواد الخام المطلوبة لصناعة هذه السيارات؟ فمن عدله سبحانه وتعالى، وحتى تقام الحجة على الناس علمه غيباً لما يحتاجه البشر الذين خلقهم ووهبهم مقدرات بديعة لما سيحتاجون له من الخيرات بعد ملايين السنين، لهذا قدرها لهم وأودعها في الأرض عندما خلقها. لهذا فإن الشريعة إن طبقت كما حاولت أن أثبت في الفصول السابقة وبالذات في فصلي «ابن السبيل» و «الشركة») ستؤدي لأعلى كفاءة ممكنة في الإنتاج وبإبداع بسبب التحررات التي تؤدي إليها مقصوصة الحقوق.
ولعلك تقول: ولكن الإنتاجية المرتفعة ستؤدي للإسراف وللمزيد من الاستهلاك، وهذا مذموم بدليل الآيات الكثيرة التي بها قوله تعالى: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾. هنا نأتي للخاصية الثانية، ألا وهي «العدالة في التوزيع». فكثرة المنتجات إن تقارب الناس في الدخل وإن كانت المنتجات في معظمها من الضروريات، ستزيل الغرور والتباهي بين الناس حتماً بينما تزداد الحياة . سهولة بكثرة الضروريات. وكما مر بنا في الحديث عن الموارد في الفصول السابقة وسيأتي المزيد بإذن الله في فصلي «الموافقات» و «المعرفة»)، فإن العدالة هي من سمات مقصوصة الحقوق لأنها تفتح أبواب التمكين للجميع. وبهذا يتقارب الناس في الدخل وتنتفي الطبقية وبالتالي تزول الأمراض الاقتصادية والاجتماعية كما مر بنا، ومنها الإسراف.
الخاصية الثالثة.
هي
«الاستدامة»: فحتى تكون الإنتاجية عالية ليتمتع البشر بنعم الله عز وجل دون تلويث
١٢ الفصل والوصل
١٥٤٩
لابد لكل عملية إنتاج أن تخلو من تلويث موقعها ومحيطها القريب والبعيد. وهذه سيأتي توضيحها في الفصلين القادمين بإذن الله.
الخاصية الرابعة هي «الاستقرار والأمن»، فإن توافرت هذه الخصائص الثلاث السابقة في مجتمع ما، فإن هذا المجتمع سيكون قوياً لأن سكانه ينتجون وفي الوقت ذاته يجيدون فنون القتال كما مر بنا. أي أن المجتمع ليس طبقيا (هذا عامل وذاك جندي)، لذا، فإن وجدت مستوطنة واحدة لا تتمتع بهذه الخصائص الثلاث فهي. إما أن تكون مستوطنة ١) ضعيفة وقد يغزوها الآخرون أو يسهل استعمارها من المستوطنات الأخرى كما حدث لأقاليم أفريقيا التي استباحتها أوروبا سابقاً عندما استعمرتها، ولا تزال، حيث أن سفن الصيد الأوروبية مثلاً تصطاد السمك مقابل سواحل السنغال بموافقة الحكومة السنغالية ليبقى السنغاليون بسمك أقل)، وإما أنها مستوطنة ٢) طبقية تسخر الطبقات الأضعف في الإنتاج، وبهذا فهي مستوطنة قد تحاول استعمار المستوطنات الأخرى للمزيد من الرخاء لنفسها كما فعل الاتحاد السوفيتي مع قوميات آسيا الوسطى المسلمة، وكما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية مع بعض دول أمريكا اللاتينية.
أي لن تنعم الأرض بسلام دائم إن اختلت هذه المعادلة، أي إن لم تتوافر هذه الخصائص الثلاث في جميع مجتمعات الأرض والتي لن تتحقق إلا بتطبيق الشريعة. فبرغم أن سكان الدول القوية سيكونون في رغد إلا أنه رغد مؤقت لأن هذه الدول سرعان ما تفقد قوتها كما حدث للإمبراطوريات العظمى التي سقطت لأنها لم تحقق الخصائص الثلاث. وإن طبقت الشريعة فإن هذه الخصائص الثلاث ستكون هي سمة الحياة على جميع الأرض بإذن الله برغم تعدد الأديان، وعندها ستتحقق الخاصية الرابعة أي الأمن والاستقرار، وهذه هي العولمة العادلة. أي أن هذه هي المدينة الفاضلة من المنظور الشرعي (والله أعلم) . فلا يمكن أن توجد مدينة فاضلة وسكانها يعلمون أنهم قد يُغزون من قوم آخرين. أي أن الأمن من ضروريات الاستقرار النفسي، وهذا هو لب الخاصية الرابعة المؤدية للمزيد من الإبداع والإنتاج.
ث ۲
ولكن ما علاقة الخصائص الأربع أو العولمة العادلة بالنظام النقدي؟ والإجابة هي أن هناك شروطاً لتحقيق هذه الخصائص الأربع والتي لن تتحقق إلا بتطبيق الشريعة، ومن «أهم» هذه الشروط أن يكون النظام النقدي متحرراً ومفتتاً بين المنتجين وليس بيد الدولة. كيف؟ سأضع العبارة الآتية ثم أحاول توضيحها فأقول وبالله التوفيق: «كلما زاد تعداد الناس الذين يتعاملون مع عملة تصدرها جهة واحدة كالدولار مثلاً، كلما أدى هذا إلى عدم الكفاءة في الإنتاج وإلى سوء ء التوزيع للثروات وإلى المزيد من التلويث وإلى استعلاء الحضارات بعضها على بعض فيضمحل الأمن كما هو حال العولمة الظالمة. وفي النقيض كلما تفتت التعاملات المالية بين عملات وإيصالات
هامش
خلال
ث ٢) هناك الكثير من الدراسات حول المدينة المثالية أو الفاضلة الصفر في طريقة التوزيع للأموال أو الخدمات: ألا و وهي من . Utopian city ، وكلها تدور حول توصيف ماهية هذا المجتمع. أي الدولة التي يعمل بها أفراد، وهؤلاء الأفراد من ذوي الأهواء. ومن أنها تدور حول اليجبات ، أي يجب أن يكون المجتمع كذا وكذا الأمثلة المعاصرة على هذا مثلاً كتابات ديفيد هارفي. وما يحاول هذا وللوصول لهذه اليجبات، فهناك توجه بين معظم الباحثين لتقليص الكتاب إثباته هو أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه البشر من فضيلة دور الدولة. ثم بعد . بعد ذلك لابد من الإنفاق العام للوصول لهذه هو ما كان عليه المجتمع المدني أيام الرسول صلى الله عليه وسلم اليجبات. إلا أن الإشكالية هي كيف تجمع الأموال وكيف تنفق ومن كنظام سياسي اجتماعي. وسيأتي بيانه في الفصل الأخير بإذن الله، أي يقرر طريقة إنفاقها للوصول لهذه اليجبات. أي أننا عدنا إلى نقطة فصل «المدينة المنورة أم الفاضلة».
- 🗏
تصدرها مؤسسات (لا تزيد في تعدادها عن مجموع تعداد أكبر الخطط المنتجة كلما زالت هيمنة السلطات وبالتالي زاد الإنتاج كفاءة وازدادت العدالة في التوزيع مع أقل تلويث ممكن، وبهذا تزداد المستوطنات استقراراً ويزداد أمن الناس على أنفسهم ليتفرغوا للمزيد من الابتكار والإبداع فتصبح الحياة أكثر متعة وإنتاجاً. وهذا الرفاه لن يحدث ولن يستمر لآلاف السنين إلا إن طبقت مقصوصة الحقوق التي تحقق التحررات الخمسة (بالإضافة لتحررات أخرى مكملة سيأتي بيانها في الفصول القادمة بإذن الله)». وللتوضيح أقول:
خطط إنتاجية أم كتل اقتصادية
المقصود بالكتل الاقتصادية هي الحيز المكاني تحت سيطرة حكومة أو عدة حكومات. فالولايات المتحدة الأمريكية كتلة لأن أقاليمها ومدنها في ظل حكومة واحدة ويتعاملون بعملة واحدة، وكذلك دول اليورو. إلا أن هناك كتلة أكبر هي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك معاً لأن النشاطات فيما بينها أكثف من نشاطات هذه الدول مع البرازيل أو أندونيسيا برغم اختلاف العملات، وما هذا إلا لوجود أنظمة لتسهيل التعاملات فيما بين دول الكتلة الواحدة كالسوق الأوروبية المشتركة قبل إصدار اليورو. ومن الأمثلة على هذا دول شرق آسيا. وكل دولة كماليزيا مثلاً كتلة في ذاتها داخل الكتلة الأكبر. ومنطقياً فإن ظهور الكتل مؤشر على التثبيط الاقتصادي لأن لهذه الكتل حدود لابد من اختراقها وأنظمة لابد من الخضوع لها، أي أن الكتل تقييد للحريات. والعجيب هو أن الذي يشكل الكتل ليس الوضع الجغرافي كوجود سلسلة من الجبال، ولكنه العقل البشري من خلال الأنظمة كمستويات من الظلم. ولأن الأنظمة والقوانين في مستويات بعضها فوق بعض، كذلك الكتل تتداخل بعضها داخل أو جوار بعض. فالدولة كتلة، وعدة دول قد تكون كتلة اقتصادية واحدة. أي أن الفرد المنتج قد يجد نفسه داخل أحد أو اثنين من الاحتمالات الأربعة الآتية: خطط مكانية وخطط إنتاجية إن كان الحكم بالشريعة، أو كتل اقتصادية ودول ذات حدود سياسية معترف بها دولياً إن كان الحكم بالعقل البشري القاصر. وإن وقع خلاف بين المنتجين فهو في خلاف في نقطة إن طبقت الشريعة، أو خلاف تحت مستوى من الظلم إن حكم العقل البشري القاصر. ومن أهم هذه المستويات العملات. كيف؟
وللتذكير فقط: فقد كررت مراراً في الفصول السابقة بأن الإنتاجية أعلى ما تكون إن وقع كل إنسان على عمل ما يعشقه إن كان مؤهلاً لإنجاز العمل الذي يعشقه وكانت الموارد المناسبة متاحة له وبأسعار منافسة، عندها ترتفع الكفاءة لأنه هو المالك. وبكثرة الملاك المنتجين تتراكم المنتجات. فهناك حركيات كثيرة مرت بنا في الفصول السابقة تزيد التحرر ومنها السعة (وقد تحدثنا عنها في فصل ابن السبيل»، فكلما اتسعت الرقعة دون حدود فاصلة بين جغرافياتها المختلفة كلما أدى هذا لتنوع الموارد والفرص، وكلما كانت حركة الناس ذات مردود أعلى. أي كلما تحرك الناس في مساحات أكبر كلما ازدادت فرص وقوع الناس على ما يحبون ويعشقون ومؤهلون لإنتاجه وفي مواقع ذات موارد مناسبة. وهذا المنطق ضد منطق الكتل الاقتصادية.
هو
أي أن هذا يعني أن النسيج الاقتصادي الذي يتحرك فيه الأفراد وتنتقل فيه الخيرات (إن طبقت الشريعة) نسيج متصل قد يشمل قارة بأكملها دون ظهور كتل اقتصادية. حتى القارات فإن الناس سيذللون سبل الاتصال
١٢ الفصل والوصل
١٥٥١
فيما بينها بإنشاء جسر من اليمن إلى أفريقيا مثلاً ليصبح العالم القديم وكأنه كتلة اقتصادية واحدة. حتى وإن لم يوجد الاتصال بجسم مبني بين القارات فإن العلاقات بين الموردين والمستوردين قائمة ولو بشكل أقل كثافة من خلال طائرات وسفن الشحن والتحاويل المالية. أي أنه لا كتل اقتصادية مع تطبيق الشريعة.
أي حتى تكون الكرة الأرضية وكأنها كتلة واحدة يجب ألا تكون هناك عملة تصدرها جهات متسلطة (الحكومات). فإن وجدت هذه العملات ظهرت الكتل. كيف ؟ لننظر للنظريات الاقتصادية البشرية القاصرة، فهي وكأنها تحفر في الصخر كتلاً اقتصادية لأنها مبنية على ضرورة الحياة بحكومات أوجدت أنظمة وقوانين وعملات ما أدى لظهور كتل ذات حدود حادة واضحة ما أثر في نظريات الاقتصاد. لننظر لبعض هذه النظريات وننقدها لأننا بالمقارنة بين الكتل الاقتصادية والخطط الإنتاجية سنلحظ إيجابيات الخطط بإذن الله.
لقد كان الاعتقاد السائد وبالذات في القرنين السابع عشر والثامن عشر بأن المجتمع سيكون أكثر ثراءً وبالتالي سعادة إن هو صدر « كدولة» أكثر مما يستورد. وقد عرفت هذه الوضعية بـ mercantilism، لهذا تسابقت الدول الأوروبية على استعمار القارات الأخرى ونهب موادها الخام وتصنيعها ثم تصديرها كدولة. وحتى تبقى الدول الأوروبية في وضع تصديري أفضل فقد طبقت نفس هذه السياسة داخلياً بين أفراد شعبها من خلال فرض الجمارك والضرائب على بعض الصادرات والواردات دون البعض الآخر. إلا أنه سرعان ما اكتشف الاقتصاديون أن هذه السياسة لا تعني السعادة للجميع، بل فقط لمن يزدادون ثراءً من أفراد الشعب. فزيادة ثراء فرد كانت تعني احتمالية إفقار فرد آخر. أي أن هذه النظرة أوجدت وضعاً لابد وأن يؤدي إلى الظلم. ثم بعد ظهور كتابات آدم سميث والتي ساعدت على إنهاء هذه الحقبة، بدأت الدول في تبني ما ذهب إليه آدم سميث وهو أنه إن أبدعت دولة ما في إنتاج ما، ثم إن تمكنت هذه الدولة من تصدير ما تتقنه بحرية ومن ثم استيراد ما لا تتقن إنتاجه، فإن هذا سيزيدها قوة وثراء. أي أن الثراء هو النتيجة المتوقعة من الحرية في التجارة، حتى وإن أدى هذا لاستيراد المنتجات المصنعة من دولة أخرى أو من كتلة أخرى. لاحظ أن التنظير مبني على التعامل بين الكتل. ثم أتى ديفيد ريكاردو وأضاف لما ذهب إليه آدم سميث باستحداث تنظير ينص على أن الدولة إن تخصصت في إنتاج ما وبأقل تكلفة ممكنة، ومن ثم تصديره واستيراد ما تحتاجه، فهي الدولة التي ستكون في الوضع الأمثل اقتصادياً، وهذا ينطبق أيضاً على الأفراد.
.
وبالطبع فهناك فرق بين النظريتين، فما يقوله آدم سميث هو أن بكراً سيكون أفضل من زيد اقتصادياً إن علم أنه يستطيع صناعة كرسي في اليوم، بينما يفعل ذلك زيد في يومين. أي أن بكراً استطاع وبنفس المواد أن يتفوق على زيد. فهنا تفوق مطلق. بينما نظرية ريكاردو والتي دعت للتفوق النسبي أو المقارن تؤدي لشيء آخر: ففي الحالة السابقة لبكر وزيد، فإن كانا يتقنان شيئاً آخر بالإضافة لصناع الكرسي، ولنقل مثلاً تصميم مبنيين في يوم واحد، فمن الواضح هنا أنه من الأفضل للمجتمع أن يتخصص بكر في صناعة الكراسي بينما يتخصص زيد في التصميم، وهذه علاقة واضحة. لكن إن كان بكر يتقن ماهو أكثر تعقيداً، مثل تصميم السيارات، ويستطيع تصميم السيارة في سنة بينما يفعل ذلك زيد في ثلاث سنين، فمن الأفضل عندها إن كان التصميم للسيارة يأتي بمال أكثر أن يتخصص بكر في تصميم السيارات وأن يتفرغ زيد لصناعة الكراسي، وهكذا إن نظرت للمجتمع بهذا المنظار لجميع المنتجات ستجد أنه يزداد تعقيداً لدرجة أنه لن يتمكن من فصل هذه المسائل إلا آلية العرض والطلب
١٥٥٢ 🗏
في سوق مفتوحة شفافة قدر المستطاع لتشمل كامل الكرة الأرضية». لذا، كما يقول بعض الباحثين، يمكننا فهم التفوق الذي وصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً، فقد تحولت في الستين سنة الماضية من دولة تعتمد في اقتصادها على العمالة المتدنية المهارة، إلى اقتصاد يعتمد على العمالة العالية المهارة وبتخصصات كثيرة جداً. فقد كانت معظم الملابس التي يرتديها الأمريكان تصنع عندهم، أما لاحقاً، فقد تركت هذه العملية لشعوب دول أخرى كالصين والمغرب والهندوراس، بينما ركز الأمريكان على الصناعات التقنية المتقدمة الخفيفة منها والثقيلة كالحاسبات والطائرات والأسلحة المتطورة والأدوية والخدمات الطبية والتعليمية وما شابه . لهذا فإن نسب الحاصلين على درجات علمية عالية وفي تخصصات شتى هي ما يميز الاقتصاد الأمريكي اليوم. وبهذا، فإن فرص العمل أوفر الآن في الجغرافية الشاسعة وفي تخصصات شتى لأنهم حرصوا على إنتاج ما يتقنونه.
ومن النظريات أيضاً ما أتى بها كل من هيكشر Hechscher و أوهلن Ohlin (الذي حصل على جائزة نوبل سنة ١٩٧٧م) والتي تركز على أن الدول إن كملت بعضها بعضاً فهي في وضع اقتصادي أفضل. ففي صالح بنجلادش أن تتخصص في صناعة الملابس وتصدرها لألمانيا التي من مصلحتها التخصص في تصدير السيارات لبنجلادش. إلا أن ما استنتجه بول کروجمان Paul Krugman والذي حصل على جائزة نوبل سنة ٢٠٠٨م هو أن نظریات ریکاردو وهيكشر وأوهلن لم تفسر بعض الظواهر عن نجاح التجارة بين الدول المتشابهة في التصنيع. فكلاً من إيطاليا وألمانيا تتبادلان السيارات هذه تصدر مرسيدس، وتلك تصدر سيارة فيراري ما يؤدي لتوسيع خيارات المستهلكين في البلدين.
وبغض النظر عن صحة هذه النظريات (فمثلاً، لن يوافق سكان بنجلادش منطقياً على أن تتخصص بلدهم في صناعة الملابس لتبقى دولة فقيرة، فأنا هنا أسرد النظريات فقط ولا أوافق عليها لأستدل على أن التنظير نابع من قبول الاقتصاديين لوجود كتل اقتصادية. أي أن التركيبة السياسية هي التي أثرت في نظريات الاقتصاد. فإن كانت التركيبة السياسية خاطئة فإن نظريات الاقتصاد بالتالي ستكون وبالاً عليهم لكثرة السلبيات ومنها:
كما هو معلوم، فإن التجارة لأنها تنقل المنتجات توجد الثروة. فأي منتج في مكانه رخيص، وإن نقل لموقع آخر فإن سعره سيرتفع مباشرة بسبب الندرة كما هو معلوم. فالزيتون في الأردن ،رخيص، إلا أنه غال في الأحساء شرق الجزيرة العربية. إلا أن وجود الكتل بالحدود الفاصلة يعظم الثراء لدى البعض دون الآخرين ما يعني عدم العدالة في التوزيع. ذلك أن من يستطيعون اختراق حدود الكتل بتحمل أعباء البيروقراطيات الورقية أو بدفع الجمارك أو برشوة المسؤولين قد ربحوا دون أي إضافة فعلية إلا النقل. وبهذا فكلما اتسعت الكتلة كلما دل ذلك على الازدهار لكثرة المنتجين داخل الكتلة وبالتالي قلة الحدود. ولعل أفضل مثال على هذا هو الولايات المتحدة الأمريكية التي منعت إقامة أي حدود للمنتجات بين الولايات، فكانت بهذا أوسع رقعة تجارية اتسمت بحرية في الحركة في التاريخ المعاصر. ألا يحق لها أن تصبح دولة عظمى وأقوى من غيرها المتشرذمين اقتصادياً؟ مثال آخر: لقد تحولت إيرلندا من دولة فقيرة في أوروبا إلى إحدى أغنى الدول بعد إزالة الحدود في الاتحاد الأوروبي. ثم قارن هذا ببعض الدول الصغيرة المتجاورة (كالدول العربية مثلاً) والتي تضع شتى أنواع العقبات لجعل الكتل أكثر حدية. فهناك الجمارك، وهناك التأشيرات، وهناك منع تصدير سلعة معينة حتى يتم الاكتفاء الذاتي منها، وهناك منع الاستيراد لحماية صناعة محلية. ولجميع هذه التطبيقات سلبيات اقتصادية، فهي مستويات متراكمة من الظلم.
١٢ الفصل والوصل
١٥٥٣
فالجمارك ستؤدي لإحجام الناس عن شراء المستورد من المنتجات لارتفاع أسعارها، وفي الوقت ذاته فإن المنتجات المحلية وبسبب قلة المنافسة ستترهل وستتخلف في جودتها وفي كفاءة إنتاجها. ناهيك عن أن بعض الدول الأخرى تتبع نفس السياسة للتعامل بالمثل فتضع الجمارك على منتجات تلك الكتلة التي فرضت الجمارك أولاً ما يؤدي لنقصان التصدير بين البلدين وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة. هكذا يضمحل النمو.
قد
وبالنسبة لمنع الاستيراد لبعض المنتجات لحماية الصناعات المحلية داخل الكتلة، فالنتيجة مشابهة كما هو معلوم، ألا وهي تدني النوعية للمنتجات المحلية بالإضافة لارتفاع أسعارها (كما أثبت فردمان كما مر بنا). هذا بالإضافة لاحتمالية ظهور سوق سوداء لبيع المنتجات الممنوعة من دخول الكتلة ناهيك عن إمكانية التلاعب بالأنظمة والقوانين من خلال تدخل التجار برشوة المسؤولين بمنع دخول هذا المنتج والسماح لذاك. وما حدث كل هذا الظلم إلا لأن الوضع السياسي المتكتل مكن فرقاً من الضغط على أطراف أخرى داخل الكتلة. فمن الظلم على الفرد الأمريكي أن يشتري حديداً أقل جودة لحماية منتجات مصانع لم تقم بما يجب عليها من تطوير. وكأن المجتمع يكافئ البليد. وما حدث هذا إلا لأن هناك كتلة اقتصادية اسمها الولايات المتحدة الأمريكية وضعت بعض الرسوم على الحديد المستورد مثلاً.
ولعلك تقول: ما هذا الباحث الذي يمتدح الولايات المتحدة الأمريكية تارة ويذمها تارة أخرى! فأجيب: المسألة واضحة، فلأنه لا حدود بين الولايات ازدهرت التجارة، وهذه مسألة يستشعرها كل تاجر، وبالطبع فهي تستحق الثناء. وفي الوقت ذاته، فإن أي حكومة تقوم بحماية منتجات شعبها إنما تشجع ذلك المنتج على التخلف لأنه لن يحظى بالمنافسة ليتطور، وهذا بالطبع مذموم.
ولأن هذه الكتل تحت سلطة حكومات بأنظمة مختلفة»، فهي عندما تنفتح على بعضها فإنها تفعل ذلك بطريقة جزئية وبالتالي مؤذية لأن الصناع ينجذبون عادة للكتل الأكثر حرية. ذلك أن فتح الحدود بين الكتل سيجذب الصناعات إلى الدول التي لا تتمتع بأنظمة وقوانين لحماية البيئة من التلوث والناس من الاستغلال كالصين. بهذا ستتلوث البيئة وسيعمل الأجراء المسخرون في أماكن عمل لا تليق بإنسانية الفرد وبأجور متدنية جداً كما مر بنا. وبالطبع ما حدث هذا إلا لأن الأنظمة والقوانين هي مصدر هذا الظلم المؤدي للفساد. فقد منع الناس من الترحال بحبسهم داخل حدود كتل لا تتناسب مع تعدادهم ومهاراتهم، بينما الأرض تزخر بالخيرات. أما الأنظمة فهيد دائمة الاختراق لأن المتابعين لتطبيق الأنظمة والقوانين أفراد يمكن شراء ذممهم (وليس كالشريعة إذ أن تطبيق حديث الضرر، كما سيأتي في الفصل بعد القادم بإذن الله، يضع مسؤولية وحق إيقاف المصنع الذي سيلوث بيد السكان المجاورين والمتضررين وبهذا سينتفي التلوث لهذا ظهرت حركات تحارب العولمة مثل حماة البيئة وجماعات حقوق الإنسان وبعض النقابيين، كما مر بنا.
ولكن كيف تبلورت هذه الكتل بهذه الحدية؟ بالطبع فإن الإجابة بحاجة لكتاب كامل للوقوف على محطات هذا التبلور مثل مراجعة الأنظمة والقوانين، لكن من أهم المحطات تعويم عملات الكتل. فقد اجتمعت الدول التي أرادت تشجيع التبادل التجاري الدولي في ولاية نيوهامشير بعد الحرب العالمية الثانية واتفقت على تثبيت سعر صرف العملات مقارنة بالدولار. أي أن الاجتماع كان لتأكيد قوة الكتل وتثبيت حدودها. وبالطبع فإن
١٥٥٤ 🗏
الفائدة المرجوة من هذه الخطوة هي اطمئنان كل من المصدرين والمستوردين على التبادل التجاري بين الدول دون الخوف من التقلبات في أسعار العملات. هذا بالإضافة إلى تحميل الحكومات مسؤوليات السياسات المالية دون طبع المزيد من الأموال لكي لا يظهر التضخم إلا أن العمل بهذه الاتفاقية انهار تدريجياً لينهار تماماً عام ١٩٧١م. فهناك من الدول العظمى من قام بتعويم . عملته في السوق، ومنهم من ربطه بالدولار كلياً ومنهم من ربطه نسبياً. وبهذا فإن الدول التي قامت بتعويم عملتها مثل إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية ليست مطالبة بالاحتفاظ باحتياطي
خ ۲
في بنوكها المركزية للحفاظ على سعر صرف عملتها. وهذا بالطبع يعطي المسؤولين في هذه الدول المزيد من التحكم في نسب الفائدة لمحاولة إيجاد الاتزان بين النمو الاقتصادي المحلي والتضخم. وبهذا ازدادت حدة الكتل ليزداد الظلم. كيف؟
لأن التحكم هو داخل كل كتلة ويتأثر بسياسات حكومات الكتل الأخرى فإن لهذا سلبياته على المنتجين والتي تتضح مع المثال الآتي بإذن الله: لنقل بأن زيداً يجيد السباحة وقيادة المراكب السريعة، لذا يستطيع التحرك في البحر كيفما شاء وبسر رعة، فهو حر طليق. ثم إن وضعناه وقاربه في قارب كبير جداً مع الآخرين مثله من السباحين وربطناهم في القارب، فإن غرق القارب الكبير غرق معهم، وإن أسرع هذا القارب وصل مع من في القارب. غير أن سرعة هذا القارب الكبير أبطأ من سرعة قاربه، وفي هذا ظلم له. وهكذا هي الكتل وكأنها قوارب مربوط بداخلها السباحون وقواربهم، أو بالأصح المنتجين بشتى أنواعهم كالصناع والحرفيين والمزارعين بمصانعهم ومعاملهم ومزارعهم، فإن نمت كتلة رفعت البليد أيضاً، وإن اضمحل اقتصادها تأثر المثابرون المبدعون أيضاً. فما ذنب الشركاء في مصنع ناجح إن قامت دولتهم التي هم فيها باتخاذ قرارات خاطئة ليتأثروا معها اقتصادياً لا لسبب إلا لأنهم في نفس الكتلة. وهكذا جميع الصناعات. وهذا يؤثر في الكفاءة والعدالة. لأضرب مثالاً واضحاً لتأثير الكتل على من فيها : إن من أشهر العلاقات بين الكتل الاقتصادية والمستهلكات بطريقة ظالمة . العلاقة بين النفط والدولار. والدولار كما هو معلوم يصعد ويهبط في سعره مقارنة بالعملات الأخرى، وفي هذا ضرر على الجميع لصعوبة تخطيط كل مجتمع أو حتى كل مصنع لمستقبله الإنتاجي ناهيك عن الظلم الذي سيقع عليه إن انخفض سعر منتجه. كيف؟ لأن النفط ملك للحكومات ويباع بالدولار، ولأن الأمريكان هم الأكثر استهلاكاً له، فإن فك الارتباط بين النفط والدولار بطريقة عادلة أمر شبه مستحيل. فإما أن يباع النفط بالعملات المختلفة غير الدولار أو أن يخفف الشعب الأمريكي استهلاكه للنفط، وهاتان مسألتان شبه مستحيلتان في ظل النظام الحالي. فعندما تبيع دولة نفطية ما النفط بالدولار فإن دخلها من الدولار سينخفض إن انخفض سعر الدولار، علماً أنها في الوقت ذاته تستورد سلعاً
هامش
هي
خـ٢ كما أثبت راميرز روخاس Ramirez-Rojas فإن قيود الصرف عادة يدفعون ثمن المستوردات على أساس تكلفة الفرصة البديلة على العملات تؤدي إلى وجود سوق سوداء بجانب السوق الرسمي للقطع الأجنبي، في حين يحصل المصدرون على أسعار أقل لإنتاجهم. وعندها تنخفض الصادرات وتزداد الواردات ما يؤدي لاختلال في والقيود على الصرف تعزز الفساد وعدم الكفاءة أيضا. إن مختلف التوازن الخارجي وخفض في معدل النمو الاقتصادي لينتهي المجتمع برامج المنح التي تطبق بغية تعزيز الصادرات، في غياب سعر واقعي بظلم اجتماعي لطبقات على حساب طبقات أخرى. وفي هذا يقول للصرف إنما تؤدي إلى تفاقم الظلم والفساد. فالفائدة من هذه البرامج شابرا مستنتجا في إشارته لوضع قيود على الصرف: «... كما يؤدي إلى لا تصل إلى المنتجين الفعليين. ولذلك فإن مواردهم لا تزداد بحيث الظلم الاجتماعي الاقتصادي من خلال مساعدة الذين يحصلون على تمكنهم من الحصول على مدخلات محسنة وتقانة أفضل، فتظل
إجازات الاستيراد على حساب المستهلكين والمصدرين. فالمستهلكون إنتاجيتهم متدنية» (۸۷).
١٢ الفصل والوصل
1000
النفط
من مناطق مختلفة تتعامل بغير الدولار فإن هبط سعر الدولار فإن دخلها سيقل ما يؤدي إلى خفض مستورداتها من المناطق التي لا تتعامل بالدولار أو اللجوء لمستوردات أقل جودة وفي هذا ضرر على الناس. ثم يكون السؤال: لماذا لا ترفع دول النفط سعر البيع بالدولار؟ والإجابة بالطبع كما هو معلوم أنها لا تتحكم في الأسعار، لهذا ستعاني من التضخم كما يحصل عادة في دول الخليج. كما أن انخفاض الدولار يعني في المدى القريب انخفاض سعر بيع مقارنة بالعملات الأخرى ما يؤدي لمضاربات التجار على عقود بيع النفط، وبهذا تعود أسعار النفط للصعود مرة أخرى (وهذا بالطبع لن يقع إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله في هذا الفصل لأن هذه المضاربات ممنوعة لأنها بيع ما ليس عند الفرد أو بيع ما لم يقبضه المشتري).
مثلاً ما
أما على المدى الطويل، فإن انخفاض سعر الدولار سيؤدي لقلة الاستثمار في القطاع النفطي لضعف القوة الشرائية للدول المصدرة لأن على هذه الدول تلبية متطلبات شعبها من تعليم وصحة أولاً). ومع قلة الاستثمار في إنتاج النفط ومع زيادة الاستهلاك العالمي سيرتفع السعر تدريجياً لأن العرض أقل من الطلب. حتى شركات النفط العالمية التي تحصل على مبيعاتها بالدولار وتغطي نفقاتها الإنتاجية بعملات أخرى ستتأثر وتؤثر بالتالي في السوق كما هو حال منتجي النفط من بحر الشمال الذين يبيعون بالدولار وينفقون باليورو. وبالنسبة للسكان داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فإن انخفاض سعر الدولار قد لا يشجع الأمريكان على السياحة خارج بلدهم. يؤدي للترحال داخلها وبهذا يزداد الاستهلاك للطاقة وترتفع الأسعار بزيادة الطلب. أما ارتفاع . سعر الدولار فيعني ارتفاع أسعار الطاقة بكافة أنواعها لكل سكان الأرض، ولهذا آثار معلومة للجميع ولا حاجة لشرحها. ولعلك إن تفكرت في المسألة وحللتها بطريقتك قد لا توافقني في ما قلته وتحلله بطريقة أخرى، ولكنك بالتأكيد ستوافقني سلعة على هذه العلاقة بين سعر واحدة بعملة واحدة وبين الكتل وكيف أنها تؤثر في الجميع لا لجدارة السلعة (برغم حاجة الناس لها ولكن لارتفاع أسعار العملات وانخفاضها!
هو
سعر
العملة
أما إن نظرنا إلى قوة كل كتلة على حدة، فإن المنظور أيضاً سلبي ويؤدي إلى الظلم ولكن بطريقة مختلفة، كيف؟ لأن أذواق المستهلكين في تغير، ولأن احتياجاتهم في تجدد، فكذلك التجارة سواء كانت استيراداً أو تصديراً في تغير. فعندما تظهر دراسة عن أهمية منتج ما لصحة الإنسان ويزداد الطلب عليه، فهذا يساعد على رفع سعر عملة تلك الدولة المنتجة لأن الطلب على المنتج .ازداد. لذا فإن من المفارقات الاقتصادية التي لم يجد لها النظام الرأسمالي حلاً . أن العملة إن زاد الطلب عليها لأن منتجات «بعض أفراد » شعبها كان جيداً، فإن سيرتفع بسبب ارتفاع الطلب، وبهذا ترتفع أسعار الاستيراد من تلك الدولة التي حسنت الإنتاج لأن سعر صرف عملتها قد ارتفع وبالتالي يضمحل الاستيراد منها فيختل ميزان مدفوعاتها لأن تصديرها انخفض بسبب . غلاء أسعار منتجاتها مقارنة بالشعوب الأخرى. وفي هذا ظلم لبعض الصناعات لا لشيء إلا لأنها مربوطة في قارب بطيء الحركة. لهذا وفي عصر العولمة نجد أن بعض الشركات الكبرى تحاول تثبيت سعر البيع في الدول الأخرى بالبيع مباشرة بعملة الدولة المشترية للمنتج، كما تفعل مصانع السيارات الألمانية التي تبيع بالدولار في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً. وما حدث هذا إلا لأن هناك كتلاً اقتصادية.
وكما هو معلوم في علم الاقتصاد، فإن السلع عندما تتغير في نوعياتها فإن التغير بطيء وتدريجي، لهذا فإن معدلات الاستيراد والتصدير تتغير تدريجياً وليس فجائياً كما يحدث عندما تتغير نسب الفائدة على الودائع بين
1007 🗏
س
الدول المختلفة. لهذا، فعندما تتغير نسب الفوائد بين الكتل نجد أن المستثمرين يهرعون إلى محافظ الاستثمار في الكتل التي تدفع نسباً أعلى. فإن رفعت الكتلة س نسبة الفائدة، فإن المستثمرين في الكتلة ص سينجذبون للاستثمار للإيداع في الكتلة ما يؤدي لقلة المعروض من عملة الدولة س فيرتفع سعر العملة مقارنة بالعملة في الكتلة ص. وبالتدريج فإن الاستمرار في هذا الإقبال سيؤدي إلى التأثير على التجارة بين الكتلتين ذلك أن أسعار منتجات الكتلة س سترتفع لارتفاع سعر عملتها وهذا سيؤثر بالضرورة في مقدرتها التصديرية ما يؤدي لضرورة تعديل سعر الفائدة، وهذا ما يسمى في علم الاقتصاد بتعادل سعر الفائدة interest rate parity. وهذا يؤثر في جودة المنتجات لأن كثرة الإنتاج تزيد التجربة وبالتالي المعرفة فما هو ذنب مجموعة من الشركات النشطة لتعاني من هذا التذبذب؟ إنهم مربوطون داخل القارب.
أي أن قوة الاقتصاد بين الكتل ليست إلا فقاعة في النظام الاقتصادي الحالي، ذلك أن قوة الاقتصاد لكتلة ما لا تعكس مقدرتها على الإنتاج «بجدارة» ولكن بنوع من الضبابية. ولعل أوضح مثال لهذا هو العلاقة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بسلع صينية بأسعار زهيدة، لذا فإن التجارة البينية في صالح الصين. لكن في ذات الوقت، فإن كل دولار ينفقه الأمريكان لشراء منتجات صينية يعود جزء منه مرة أخرى للاقتصاد الأمريكي ليستثمر في المستندات الأمريكية أو كودائع في البنوك الأمريكية بسبب الاختلاف في نسب الفائدة. وبالطبع فلهذا آثار سلبية، فإن قام المستثمرون الأجانب بسحب أموالهم فجأة من البنوك الأمريكية فإن الاقتصاد سيتأثر إن لم ينهار كما حدث في الأرجنتين سنة ۲۰۰۱م مثلاً. فما هو ذنب مصنع ناجح في الأرجنتين ؟ إنه كالسباح الماهر المربوط في القارب الذي غرق. وإن أضفت للسابق التحالفات السياسية المؤدية لتغير القوى عسكرياً ستتأكد بأن الكتل الاقتصادية أحياناً تقوى عملاتها لأن جيشها هو الأقوى كما يحصل لارتفاع الدولار عند دق طبول الحرب، فيالها من فقاعة!
وكما هو معلوم فإن لكل دولة رصيد احتياطي ليوثق به ويوضع في البنك المركزي ويُعتمد عليه كالذهب ما أو العملات الصعبة وهو يسمى بـ offical reserves وذلك لإيجاد تأثير متزن في سوق العملات الدولية. لذا فعندما يزيد الاستيراد على الإنتاج deficit فإن البنك المركزي يخفض من احتياطياته لإيجاد الاتزان، وبالعكس، عندما يزيد التصدير على الإنتاج surplus فإن البنك المركزي في وضع يخوله من رفع احتياطياته. ولأن بعض الدول النشطة اقتصادياً كاليابان والصين تمتعتا لزمن طويل بفائض في الإنتاج، فقد تمكنت من جمع الاحتياطات وبالذات بالدولار لدرجة أن الصين واليابان في عام ۲۰۱۰م تتمتعا باحتياطي يزيد عن ثلاثة ترليونات. فإن تخلصت هاتان الدولتان من بعض هذه الأموال ببيعها، فإن الدولار سينهار ، وبالطبع كما يقول بعض الاقتصاديين، فإن مثل هذه الدول لن تفعل ذلك لأنها ستتأثر بانهيار الدولار سلباً. أي وكأنها تحاول قطع أنف نفسها. أي هكذا فإن الاقتصاد العالمي لا يعكس الجدارة في الإنتاج، بل هو وهم مبني على وهم ذلك أن شعباً كالشعب الأمريكي يستهلك أكثر مما ينتج بسبب عملته التي تعامل كالذهب، فهو شعب مدلل يصدر ورقاً مدعوماً بموثوقية مبالغ فيها. إلا أن هذه الفقاعة ستنهار يوماً ما بإذن الله . أي أن ما أحاول إثباته لك هو أن النظام الاقتصادي لأنه مبني على كتل فإنه نظام لا يعكس جدارة المنتجين، بل أيضاً يعكس التلاعب بين الكتل. فكل كتلة وكأنها قارب يراوغ القوارب الأخرى،
بينما من هم في القارب من سباحين مهرة مرغمون على التوجه حيثما توجه القارب رغماً عنهم حتى وإن غرق.
١٢ الفصل والوصل
١٥٥٧
وأخيراً: فلكل هذا بالطبع سلبياته على اقتصاد الكتلة ككل، وبالطبع لن يسمح المقام هنا بذكرها وذكر مسبباتها جميعاً. ولعلك من خلال المقارنة بين نظام الكتل وما تقدمه الشريعة تستطيع أخي القارئ استنتاج السلبيات مما سبق ذكره إلا هناك عدة سلبيات لابد من التذكير بها.
لعل السلبية الأهم والتي تنبثق منها السلبيات الأخرى هي المبادرة. فوجود الكتل يعني أن مبادرة مسؤولي الكتل توجه الأفراد، وأن الثمرة هي من تأثير هذا التوجيه. أما إن لم توجد الكتل، فإن الثمرة هي مجموع مبادرات الأفراد أنفسهم وشتان بين الحالين، لأضرب بعض الأمثلة.
عندما تقع ثروات أفراد الأمة في أيدي مسؤولي الكتل كعوائد النفط مثلاً سيبقى بعض منها غير مستثمر في خزائن الدولة، فلا يظهر للأمة استقرار إنتاجي لأن إنفاق الدول لا يوازي إنفاق الناس الكثر بكميات صغيرة. ألا ترى الدول الإسلامية الغنية بالاحتياطيات التي تستثمر في الدول غير الإسلامية أما إن وقعت هذه الأموال في أيدي الناس فسيستثمرونها في كل ما هو مربح. كما أن الشريعة ستوجههم إلى الضروريات (كما مر بنا في فصل سابق)، وبهذا تُستغل جميع أموال الأمة في التنمية الإنتاجية الأمثل، وهذا بالطبع كما مر بنا يأتي بعد انجذاب المسلمين إلى مواطن الخيرات الأكثر إذ لا وجود لكتل يجب أن تخترق، فتزداد شوكة المسلمين قوة بقوة اقتصادهم لأنهم جميعاً كتلة واحدة، بل وتزداد البشرية جميعها إنتاجاً إن طبقت الشريعة. تذكر ما مر بـنـا مـن أن الأمة المسلمة أفرادها ينشغلون بالجهاد بالدفاع عن أوطانهم بتحول بعضهم من الانشغال بالإنتاج إلى العمل العسكري وقت الحاجة لأن العمل العسكري عبادة وليس وظيفة. وهؤلاء المجاهدون بالطبع مدعومون من خلفهم بتبرعات وصدقات المسلمين الأثرياء في كل مكان لأن المنتجين كثر في الكتلة الكبيرة، أي في الأمة.
وكما حاولت أن أثبت مراراً فإن التنمية عندما تكون بيد الدولة فلن تنساب أوليات تنمية المجتمع بشكل يتناسب مع احتياجات السكان. فإن كانت الطبقة الحاكمة مثلاً تحب الخيول فلن تتردد الدولة في الإسراف في إنشاء الاصطبلات وكل ما يتصل بالخيول بسخاء برغم أن الفقراء لا يجدون مقاعد دراسية. أذكر مرة أنني حضرت اجتماعاً في نادٍ للخيول بالرياض قبل حوالي ثلاثين سنة وكان الإنفاق فيها خيالي آنذاك مقارنة بالمدارس التي لا يجد فيها الطلاب حتى الماء للشرب في معظم المدارس الحكومية. وفي أفضل الأحوال، حتى وإن كانت الدول ديمقراطية حقاً فقد تستثمر أموال الضرائب فيما يلبي كماليات الأغلبية وليس ما يلبي ضروريات الأقلية، وفي هذا ظلم على من دفع الضرائب ولن يستفيد مما دفعه. فكما مر بنا فإن الفقراء هم آخر من سيستفيد من الضرائب، فهم في حارات سكنية ذات مرافق أقل تهيئة لأن نفوذهم أقل، كما أثبتت الدراسات في إنجلترا مثلاً. أما إن كانت التنمية بأيدي السكان لأن الخيرات في أيديهم مع تطبيق الشريعة، فسيبدأ السكان بالضروريات ثم الحاجيات والتي تقدم على غيرها من الكماليات، وهكذا تدور عجلة التنمية لأن من يديرونها هم المعنيّون أنفسهم. وهذا ليس كوضعنا الحالي إذ أن الدولة هي التي تسير أمور الناس فقد أعرض مثلاً كثير من الناس عن الزراعة لقلة دخلها لانعدام الاتزان بين العرض والطلب. هكذا تحول الغذاء إلى سلاح سياسي تُسيّر فيه بعض الدول الإسلامية وتفرض عليها التبعية. ألم تهزم الولايات المتحدة الأمريكية الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة لأنها استخدمت تصدير الحبوب كسلاح مهم من بين الأسلحة؟ أما مع تطبيق الشريعة فإن النمو المتوازن بفعل جميع الأفراد في المجتمع يؤدي إلى مجتمع خال من دولة مثقلة بديون خارجية مع توافر جميع الضروريات. فلا تبعية حينئذ. كما أن حاجة
1001 🗏
الدولة للاقتراض تنعدم . عندما تتفتت التنمية بين أفراد مجموع الأمة لأنه لا حكومة بالمفهوم المعاصر. وبالطبع، ولأن هناك نمواً سكانياً على الدوام، فإن الإنتاج سينمو معه على الدوام ودون دورات كما اعتقد كينز، وعندها فلا ضرورة لتدخل الدولة لإيجاد الإتزان بين الدورات.
إن معظم التحليلات الاقتصادية الحالية تدور في فلك نظام اجتماعي سياسي مبني على هيمنة من في الدول على السكان، كالهيمنة على سكان الأرياف بوضع الضرائب عليهم ، وهذا لن يحدث إن طبقت الشريعة التي تفتح أبواب التمكين، إذ لا دولة بيدها خيوط التنمية . لذا فإن التحليلات الاقتصادية مثل تحليلات سمير أمين المعروفة مثلاً في إشكالية توزيع الدخل لن تظهر لأنها تحليلات مبنية أصلاً على مبادئ وجود الدولة ككتلة وتركيبها
ΑΛ
الداخلي وعلاقاتها مع الدول الأخرى ككتل . وهذه العلاقات في معظمها علاقات هيمنة وبالذات بين الدول، وبين الدولة والأفراد فإن لم توجد هذه الهيمنة فإن التركيبة الاقتصادية ستكون مختلفة جذرياً لأن البنية الاقتصادية الاجتماعية مختلفة كما أحاول أن أثبت.
وبالطبع فإن السلبيات للكتل لا عد لها ويستحيل لذلك حصرها، فكل ما عليك فعله هو التفكر في ضياع البشر في وضع المجهودات في غير مواضعها الإنتاجية تحت مستويات الظلم المختلفة. ولعل الكتل الاقتصادية هي من أعلى المستويات المؤدية إلى تقييد المبادرين وتثبيط تبادل المنافع وبالتالي الهدر في الموارد. لعلك أخي القارئ أخيراً تتساءل: ولكن ما البديل؟ فلابد من هذه الكتل لأن لكل كتلة (أو مجموعة من الكتل التي تشكل كتلة أكبر) عملتها! ومن المحال إيجاد عملة واحدة لجميع البشر ! حتى وإن وجدت عملة واحدة فهي منتهى الظلم لأنها ستكون بيد سلطة واحدة. فما العمل؟ وما علاقة الكتل الاقتصادية بالخطط الإنتاجية وبالتوثيق المتبادل وبالخصائص الأربع للعولمة العادلة وبالتحرر المالي وبالخطة وسعة الثقة والعملات؟
ميلاد العملة
لابد من التذكير سريعاً بالفرق بين الخطط الإنتاجية والكتل الاقتصادية. فلعك استنتجت أن المقصود بالخطط الإنتاجية هي مجموعة النشاطات التجارية المكثفة بين مجموعة من الملاك للمؤسسات والشركات في خطة أو خطط يمكن تمييزها عن غيرها من الخطط الإنتاجية لتشابه منتجاتها أو لأنها تتكاتف لإنتاج منتجات محددة. وليست كالكتل الاقتصادية التي لها حيز مكاني وبداخله منتجين في شتى المجالات. أي أن الذي يرسم حدود الخطة الإنتاجية هم من بها من منتجين. وبالطبع فلن يتمكن المنتجون من رسم حدود تزيد عن مقدرتهم الإنتاجية لأن حركيات الإحياء للأرض وحيازة المعادن تعطيهم بقدر ما يستطيعون إحياءه وحيازته، ومع زيادة مبادراتهم ومقدراتهم تتسع خطتهم والخطة الإنتاجية ليست بالضرورة مكاناً مربعاً أو مستطيلاً، بل قد تعني أحياناً مكاناً بأي شكل لمجموعة من الجماعات المنتجة والتي تتمتع بحريات واسعة كما مر بنا. أو أن الخطة الإنتاجية هي مجموعة الخطط المتباعدة والتي تربطها نشاطات إنتاجية محددة. وبهذا قد تصبح الخطة الإنتاجية عضواً في عدة خطط بناءً على نشاطاتها الإنتاجية. أما الكتلة الاقتصادية فحدودها مرسومة من جهات خارج مبادرات المنتجين، أي إما أنها وجدت بناء على اتفاقيات دولية بين القوميات أو الحكومات، أو أنها فرضت بالقوة على المجتمع الدولي مثل
من
١٢ الفصل والوصل
١٥٥٩
أما
شرذمة بني صهيون مثلاً. لذا فإن الخطط الإنتاجية مرنة وتتغير حدودها بتغير مبادرات المنتجين واستطاعاتهم، الكتل فهي فضاءات بحدود حادة يصعب اختراقها. ولا تخترق إلا بموافقة من بداخلها من مسؤولين وليس بموافقة المنتجين. بينما الخطط الإنتاجية تخترق ببساطة إن ظن المنتجون أن الاختراق في صالحهم. وبالطبع فهي في هذه الحالة ليست اختراقاً، بل هي انضمام. كما أن الكتل تحوي جماعات ليست بالضرورة متجانسة في إنتاجها، فكل كتلة تحوي كل أنواع المنتجين، بينما الخطة تحوي المنتجين المتكاتفين حول منتج واحد في الغالب، أو أن مجموعة من الخطط تتحد لتكون خطة أكبر إن أراد سكانها ذلك كسكان القرية أو المدينة ودون إرغام من لم يرد الانتماء للخطة «إنتاجياً». وهذا لن يقع بالطبع إلا إن كان في الاتحاد مصلحة للمنتجين كما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله. ولعلك بعد كل هذا ستستنتج أن الكتل، ولأنها بحدود خارجية حادة، فإن محيطها لن يخترق إلا من أماكن محددة وتحت سيطرة السلطات مثل الموانئ والمطارات، بينما الخطط الإنتاجية، ولأنها مرنة، فهي تُخترق من أي مكان يحدده المنتجون بها. وكأن حدودها الخارجية كلها موانئ. وإن تعاملت خطة بعملة ما، فلن تستطيع فرض هذه العملة على الآخرين، بل تجذبهم إليها وهؤلاء الذين هم خارج الخطة لن ينجذبوا إليها إلا إن كان لهم في الجذب مصلحة. أي أن الثقة تُبنى وتنمو ولا تُفرض على المنتجين كما في الكتل، عندها تولد العملة. كيف؟
لأن المنتجين يتمتعون بالتحررات الخمسة بتطبيق الشريعة، ولأن الخطط المكانية والخطط الإنتاجية مستقرة إلى حد كبير، فإن التعاملات المالية بين المنتجين مبنية على التوثيق المتبادل في الغالب. تذكر ما مر بنا في فصل الشركة» عن أحجام المنتجات، وأن عملية إنتاجها تتجزأ إلى مجموعات أصغر من الشركاء بحيث أن كل مجموعة هي أكبر عدد من الأفراد الذين يعملون دون خلاف أو دون بيروقراطيات منهكة، لذا ستظهر المصارف لخدمة هؤلاء المنتجين في هذه الخطط بالتوثيق المتبادل من خلال حركتي الحوالة والوكالة وسيأتي بيانهما في فصل «البركة» بإذن الله). فقد تظهر مؤسسة واحدة لخدمة مجموعة من الخطط المتجاورة التي تصنع منتجات تكمل بعضها بعضاً لإنتاج الأثاث دون خدمة غيرهم، أي أنها مقصورة عليهم، أو قد تظهر مؤسسة لخدمتهم وخدمة خطط أخرى في مناطق أخرى. وبهذا تظهر منطقة بها خطة أو عدة خطط وكأنها منطقة تجارية يخدمها مصرف واحد أو عدة مصارف (كما مر بنا في التحرر المالي. أي أن الخطط والمصارف تتداخل لأن الخطة قد تحوي أكثر من مؤسسة مصرفية، أو أن مصرفاً يخدم أكثر من خطة إنتاجية. وهذا التداخل بين الخطط والمصارف يزداد زخماً في تعاملاته ليظهر وكأنه يحدد منطقة تظهر وكأنها منطقة تتعامل بنوع معين من العناصر الثمينة بجانب التوثيق المتبادل." هنا ولأن الجميع مستقر ولأن الجميع راض ولأن الجميع يثق بمعظم من حوله، ستولد العملة، أي ستوجد. كيف؟
ذ۲
كما هو معلوم فإن البشر يعرفون العملات منذ فجر التاريخ، فالمقصود إذاً بميلاد العملة ليس ظهورها كوحدة تعامل، ولكن ظهور قيم محددة لها وللإيصالات . هكذا في مثل هذه الظروف المهيأة بالاستقرار والثقة جد الثقة العملة من خلال منع ربوا الفضل (كما سيأتي بإذن الله. أي أن العملة قد لا تكون واضحة عند نشوء
هامش
ستوجد
ذ٢) وبالطبع فهنالك مصارف متخصصة في خدمة العملاء المتباعدين بذات الغزارة لتحدد خطة واحدة. وبهذا فإن الخطط المنتجة مائعة في الأقاليم المختلفة. لكن هؤلاء العملاء لهم معاملات أكثر وأوثق وتتشكل بالمقدرة الإنتاجية للمنتجين وتعكس جدارة عالية، وليس مع منتجين آخرين في نفس المنطقة. أي أن الخطة الإنتاجية ليست كالكتل التي لا تعكس إلا وهماً مبني على سياسات الحكومات.
حادة الحدود، بل تتخللها تعاملات مع جهات بعيدة إلا أنها ليست
🗏
هم
التعاملات، ولكن بالتدريج ستتحدد هويتها وسيتحدد وزنها إن كانت من المعادن، ويتحدد مقدارها إن كانت من الإيصالات بين الخطط لحفظ الحقوق. هذا إن كانت المقايضة ذات اتجاه واحد. أما إن كانت ذات اتجاهين، فإن العملة أيضاً ستولد من خلال التعاملات المستمرة بين الخطط المكانية والإنتاجية دون الحاجة لظهور المصارف ولكن التجار الذين سيصدرون هذه العملات وهم الذين سيضمنون وزنها ونقاءها. فهذا التاجر مثلاً يسك عملة وزنها مئة جرام ذهباً في مغلف بلاستيكي، ويضمن لك القيمة إن عادت إليه داخل المغلف، وذاك يسك عملة وزنها مئة وأخرى مئتين. وهكذا يتخصص التجار في سك العملات. ونظراً لكثرة الخطط الإنتاجية فستظهر عدة وسائل لنقل المستحقات، وفي هذا التعدد خير للمجتمع. فهذه مثلاً مجموعة من الخطط تنقل مستحقاتها بالذهب، وتلك بالتوثيق المتبادل، وأولئك بإيصالات على المصارف. ذلك أن هذا التنوع يعني أن الناقل لهذه المستحقات سواءً كان مصرفاً أو تاجراً هو خادم للمنتجين لأن نقل الحقوق لم يأخذ هيلماناً وأهمية ليتجبر الناقل ويستكبر كالبنوك ويهمن بالتالي على المسرح الاقتصادي. أي أن الناقلين وكأنهم خادمون، وبهذا يصبح العمل المالي خدمة كأي خدمة إنتاجية وليست هي عصب الحياة الإنتاجية كوضعنا الحالي.
لكن لاحظ أن هذه المصارف ليست كالبنوك الإسلامية الحالية التي تجمع الأموال المدخرة لإقراضها أو للمشاركة بها في شراكات مضاربة أو شراكات عنان أو غيرها من الشراكات تحت مظلة الشريعة)، بل هي مصارف لنقل المستحقات فقط لأن الشريعة (كما مر بنا وسترى بإذن الله وضعت من الحركيات ما ينقل الأموال من المستثمرين للعاملين مباشرة. وبهذا فإن المصرف وكأنه تاجر يقدم خدمة إلا أن المصرف أكثر من فرد، بل مجموعة أفراد وبتنظيم يؤهلهم لمتابعة العديد من العملاء في الخطط المكانية والإنتاجية. وبالطبع قد يتوسع التاجر وتزداد به الثقة ليؤسس لنفسه مصرفاً . أي أن المصرف والتاجر الصيرفي خادمان للمنتجين. أي أن خدمة الصيرفة قد عملاً مربحاً لأنها تقدم خدمة الثقة، إلا أن العملات ليست سلعة أبداً لأنها إن أصبحت سلعة لاقترب النظام الإسلامي من النظام الرأسمالي، وهذا ما حرصت الشريعة جاهدة لمحاربته أي محاربة أن تكون العملة سلعة. ولكن كيف؟ تأتي الإجابة بإذن الله من خلال التركيز على الآتي: حتى لا يظهر تسلط الدولة، وحتى لا ينزلق المجتمع إلى وضع تظهر فيه عملة موحدة تسيطر على الاقتصاد، أو حتى لا تظهر عملة تسيطر عليها الدولة، أو حتى لا تظهر عملة تصبح سلعة، فقد وضعت الشريعة حركية ربوا الفضل المؤدية لميلاد العملة ولمنع الاحتكار.
تصبح .
وهذا بالنسبة لي إعجاز. كيف؟
المشقة وربوا الفضل
إن ما يمنع احتكار الذهب أو الفضة أو أي معدن ثمين آخر لطائفة من الناس هو تفاعل حركية «اختيار المشقة» من جهة، وحركية منع «ربوا الفضل من جهة أخرى، وبهذا ينتفي التسخير والاستعباد والطبقية في المجتمع مع توزيع أعدل للموارد وإنتاجية أكفأ كيف؟ لنبدأ بتوضيح حركية اختيار المشقة» أولاً ثم توضيح حركية «ربوا الفضل» ثم نربط الحركيتين. إن الوضع الطبعي هو أن الناس إن لم يشتغلوا لكسب الرزق فهم في فقر وعوز، أي أن هناك دافعاً للناس
١٢ الفصل والوصل
١٥٦١
للعمل المنتج ألا وهو الخوف من الجوع والفقر، فهل يمكن قياس تأثير هذا الدافع على الناس من حيث المشقة؟ فما قد يكون عملاً مضنياً لك مثل حرث الأرض قد لا يكون مضنياً لغيرك. إن تفكرنا في مثل هذه الأمثلة تظهر لنا فكرة «المشقة» كأداة لفهم الإنتاج. كيف؟
بالمشقة
يجب ألا ننسى أولاً أنه مع تطبيق الشريعة فإنه لا مجال للكسب إلا من العمل المنتج فعلياً، وليس التزلف والأعمال البيروقراطية كما مر بنا . لذا فإن أكبر عامل لجذب الناس للأعمال المختلفة هو موازنة الربح والمتعة. وهنا أستخدم عبارة «مشقة» للتعبير عن التعب الجسدي والألم النفسي. فالمشقة قد تكون أحياناً ممتعة، مثل اللاعب الذي يتصبب عرقاً إلا أنه مستمتع، فهو بهذا اللعب يكسب رزقه لأنه لاعب محترف. وكذلك العالم الذي يسهر الليالي لحل لغز علمي إلا أنه يستمتع برغم قلة النوم. والرجل الذي يعمل في المنجم لجمع الذهب وبرغم المشقة التي يعيشها قد يكون في سعادة لإدراكه بعظم السعادة التي سيدخلها في نفوس أبنائه. وهكذا. وفي النقيض، فقد تكون المشقة أحياناً هينة بدنياً إلا أنها مؤلمة نفسياً، كمن يعمل سكرتيراً في مكتب فاره لمسؤول وقح ويهينه على الدوام، أو قد تكون المشقة مضاعفة كمن يعمل في كسر صخر منجم ليس له. ولا أريد الخوض هنا في تفاصيل هذه المشقات أي هل هي بدنية أم نفسية مثلاً، لأننا لن ننتهي. ) . ولكن ما أردت لفت النظر إليه هو العلاقة بين حرية الأفراد في تحديد مقدار المشقة التي يريدون تحملها مقارنة بالربح. ففي الأنظمة الرأسمالية يصعب على الناس اختيار العمل بناء على المشقة في معظم الأحوال لأنهم أجراء مسخرون بسبب قفل أبواب التمكين ما يؤدي إلى قهرهم ودفعهم للعمل في أعمال شاقة قد لا تروق لهم، وما قبلوا بالعمل إلا بسبب خوفهم من الفقر أو حتى الجوع. أي أن المشقة قد «فرضت عليهم». فالعامل في المنجم لا يستطيع تحديد ساعات عمله، ولا يستطيع الانتقال بحرية من عمل لآخر لأن المجالات أمامه محددة إن لم تكن مقفلة. وهكذا يصبح العمل الشاق أمر لا مفر منه، وتزداد المشقة ألماً لأن الفرد يعمل ليربح غيره.
وفي النقيض، ومع فتح أبواب التمكين بتطبيق الشريعة فإن العمل سيكون في الغالب ممتعاً لأرباب الأعمال لأنهم وقعوا على ما يحبون عمله من جهة (كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»)، ولأن الربح لهم من جهة أخرى، أما بالنسبة للمأجورين فإن العمل سيكون محتملاً أيضاً لأن فرص العمل أمامهم بخيارات أوسع فيختارون ما هو أهون على نفوسهم. أي أننا إن طبقنا الشريعة فإن المجتمع الإنتاجي سيكون مكوناً من أفراد «يقررون لأنفسهم» مقدار المشقة التي التي يريدون تحملها. فمنهم من يريد العمل كل نهاره في مزرعته لأنه يعشق الزراعة ولأن الثمر له، فهو الرابح، ومنهم من يعمل في منتجه الصناعي ويطوره ليل نهار ليزداد ربحه ومنهم من يريد فقط الكفاف ويستمتع بإمضاء وقت أطول في تعليم أبنائه، وهكذا. وهذا فارق جوهري بين النظامين البشري وبين ما أتت به الشريعة، فالنظام البشري يفرض على الناس مقدار المشقة، والنظام الإسلامي يتيح للناس اختيار مقدار المشقة. ولكن ما علاقة المشقة بربوا الفضل وبالعملات؟ ض٢
هامش
ض٢) لقد دار حول تغيير أيام العمل والإجازات، جدل إن تأملته تعودت بعض الدول الخليجية ومنها السعودية مثلاً أن تكون الإجازة لاستشعرت الضياع الذي نحن فيه : فللإجازات كما هو معلوم علاقة يومي الخميس والجمعة ، وظهرت مطالبات لتغييره إلى الجمعة والسبت بالمشقة، ففي زيادة الإجازة راحة للأجير وتعطيل للمالك. وكما هو لتصبح الإجازة أكثر توافقاً مع أيام العمل في الدول غير الإسلامية. معلوم أيضاً فإن يوم الجمعة هو يوم الإجازة للمسلمين، ويوم السبت عندها ظهر جدل بين الناس من مؤيد المعارض وبكل أنواع التنظيرات هو يوم إجازة لليهود ، ويوم الـ م الأحد . هو يوم إجازة للنصارى. وقد والحسابات. ثم أخيراً حسمت المسألة بأمر ملكي وتغيرت الإجازة
١٥٦٢ 🗏
كما مر بنا فلا مناص من الحاجة للذهب أو الفضة أو غيرها من العناصر للتقايض وكما مر بنا فإن الحاجة لكمية الذهب والفضة تزيد وتنقص في المجتمع الاقتصادي بناء على مدى انتشار التوثيق المتبادل بين المنتجين. أي أنه بناء على انتشار الثقة بين المتعاملين إن طبقت الشريعة ستزداد الحاجة للذهب في المجتمع وتنقص. ولأن الحاجة تزداد وتنقص، «فمن المفترض» في ثمن الذهب أن يزداد وينقص مقارنة بالمنتجات الأخرى. وبالطبع هنا قد تقول: ولكن ما الجديد في الأمر، فهذه مسألة معروفة جداً لكل العناصر ! فأجيب هناك فرق، فالذهب في أيامنا هذه يستهلك للحلي بالإضافة إلى د النقد دعم في البنوك المركزية. فهو ليس وسيلة للتقايض إلا فيما ندر. لذا فإن ارتفاع سعره وانخفاضه لا يعكس الوفرة الإنتاجية للذهب ولا يعكس الثقة بين المتعاملين بقدر ما يعكس المضاربات بين البنوك المركزية والبنوك التجارية والمستثمرين. فالذهب قابع في مخازن البنوك المركزية بمئات الأطنان، فهو (أي الذهب) سلعة. أما ما أريد سحبك إليه هو أن الذهب سيصبح إن طبقت الشريعة وسيلة للتبادل أكثر من كونه بسبب منع الشريعة لربوا الفضل. لذا فإن سعره لن يتغير كثيراً فيكون عنصراً فعالاً كمرجع للثمنية، أي به تقوم أثمان المنتجات لثباته الكبير. كيف؟
سلعة
كما قلت: فإن الحاجة للذهب للتقايض تزيد وتنقص بناء على عمر المجتمع الإنتاجي وتطوره، فالحاجة للذهب تقل مع زيادة اعتماد المجتمع على التوثيق المتبادل وتزيد مع اضمحلال الثقة. ومن جهة ثانية فإن البحث عن الذهب لا يتأتى إلا بنوع من المشقة، وهذه المشقة يعلم مقدارها الناس مقارنة بمشقة الإنتاج في الأعمال الأخرى من خلال الخبرة لأن الشريعة تفتح أبواب التمكين للجميع، فالخبرة يحصل عليها الجميع، فلأي أحد من الناس العمل في أي موقع بحثاً عن الذهب، فالعامل إذاً يقارن باستمرار ما يجده من ذهب بما بذله من مشقة، وهذه المقارنة المؤدية للخبرة تضع الناس في مواضع ليتخيروا من الأعمال ما هو أنسب لهم. فإن ارتفع ، الذهب قليلاً سعر فإن من الناس من سينجذب للبحث عنه حتى وإن كان العمل أكثر مشقة فيزداد المعروض منه فينزل السعر.
ولأن استحداث المناجم مفتوح للجميع فإن سعر الذهب لن يقفز أبداً لأن الجميع متربص به، فإن ارتفع سعره فالناس على استعداد للانقضاض عليه لحصد المزيد منه من الطبيعة. ولأن المناجم متاحة لكل مجتهد إن طبقت الشريعة، ولأن الناس الباحثين عن الذهب والفضة كُثر ، فسيبقى الذهب وكذلك الفضة متوافران باستمرار ودون
احتكار.
هامش
لتكون يومي الجمعة والسبت. وهنا أقول : إن هذا الجدل أخذ حدة شرعاً، كما هو معلوم. ولأن الملاك لأعمالهم يستشعرون المشقة، وانتشاراً لأن أكبر رب للأعمال هو الدولة، فهي تملك معظم الثروات فعادة ما يستمرون في العمل لأنهم هم أرباب الأعمال ويريدون وتوظف معظم الناس، لذا فما تقرره الدولة سيؤثر في حياة المجتمع المزيد من الربح برغم المشقة. فالناس إذا هم من يتفقون فيما بينهم لأن ساعات العمل محددة ولا خيار للناس فيها. ومن الباحثين من ويقررون مواعيد أعمالهم. أي يقررون متى يريدون تحمل المشقة، ربطه بالإسلام، أي أيهما أكثر إسلامية كإجازة يومي الجمعة أي لا إجازات منمطة إن أراد الناس ذلك. ففكرة الإجازة تخندقت في والسبت أو الخميس والجمعة، وهكذا من جدل هل رأيت الضياع المجتمعات الرأسمالية التي تريد للمأجور بعض الراحة ليستعيد
فأقول: إن طبقت الشريعة، ولأن الدولة لا أموال لها، فإن العمل نشاطه ليوم جدید شاق ليتم عصره مرة أخرى، فهو مسخر. الإنتاجي هو «إما » شراكة بين الناس، وفي هذه الحالة فلهم حق العمل ظ ۲) حتى وإن شحت موارد الذهب فإنه لاحتكار برغم ارتفاع متى شاؤا بالاتفاق فيما بينهم، «وإما أن يقوم رب العمل بالتعاقد مع سعره، فقد تكون سلعة ما متوافرة في الطبيعة إلا أنها محتكرة فيرتفع الأجراء، وفي هذه الحالة فإن مواعيد العمل خاضعة للاتفاق فيما سعرها ليستفيد القلة من الناس، أي لا عدالة في التوزيع، وقد تكون بينهم. أي أن مواعيد الإجازة لن تكون إشكالية لتُناقش، بل كل له سلعة ما أكثر ندرة إلا أنها ليست محتكرة، فيرتفع سعرها ليستفيد كل الحق في العمل متى أراد باستثناء العمل وقت صلاة الجمعة المنهي .
عنه مجد.
١٢ الفصل والوصل
١٥٦٣
لاحظ أن من حكمته سبحانه وتعالى، وحتى ينكسر الاحتكار، فقد أودع الذهب مفتتاً على شكل قطع صغيرة في التراب وبين الصخور بحيث يمكن للأفراد الحصول عليه بتقنية سهلة ولكن بنوع من الصبر لندرته ما يتطلب عملاً مستمراً للحصول عليه كما في الأتربة بضفاف الأنهار. فتدبر حكمة الله في خلق الذهب ونشره في الأرض: فالذهب تقنياً سهل الأخذ للأفراد بالقرب من المياه كشواطئ البحيرات وضفاف الأنهار إلا أنه نادر. فكما هو معلوم، فإن الذهب صعب التفتيت نظراً لكثافته العالية مقارنة بمكونات الأرض الأخرى، فعندما تتفتت الصخور بعوامل التعرية وتنجرف مع الأتربة تتحرك معها قطع الذهب دون أن تتفتت، وبهذا تبقى في أتربة المياه سليمة ليأخذها الناس قطعاً. أما العروق في المناجم البعيدة عن المياه فمنها ما هو بحاجة للعمل الجماعي شراكة، فتؤخذ العروق من الصخور وتفتت لاستخلاص الذهب. وهؤلاء العاملين بالتقنية السهلة وبالذات على ضفاف الأنهار بالطبع كُثر، فيزداد الذهب انتشاراً بين عدد أكبر من الناس. حتى وإن كان الذهب صعب المنال تقنياً في منطقة ما، فستظهر شراكات اغتنام تتمكن من استخلاص الذهب لأنه لا يحق لأحد منع الناس من الوصول للذهب (كما مر بنا في الحديث عن «الخيرات»). وهذا كما هو معلوم عكس أيامنا هذه التي احتكرت فيها مناجم الذهب بين الدولة وبين القلة من المتنفذين. فمن عمل وحصل على الذهب لا يملكه في الغالب. حتى في المناطق التي تتيح للناس فرص جمع الذهب كولاية كاليفورنيا بأمريكا مثلاً)، فإن هناك أنظمة وقوانين ومن ثم تراخيص وضرائب إن كان التنقيب بصفة تجارية لكميات كبيرة.
وهكذا مع تطبيق الشريعة ستكون الأسواق شبه مشبعة بالذهب والفضة ودون احتكار.ظ٢ أي لأن قرار تحمل المشقة بأيدي الناس ولأن أبواب التمكين مفتوحة ولا احتكار على مناجم الذهب والفضة، فإن عدد من يعملون في استحواذهما من الطبيعة في تغير بين الزيادة والنقصان ما يؤدي للحفاظ على السعر من الارتفاع قدر المستطاع. ولكنك قد تقول بأن هذا ينطبق على جميع المنتجات، فلماذا التركيز على الذهب والفضة بالذات؟ فأجيب: لأن الشريعة منعت ربوا الفضل في الذهب والفضة. كيف؟ لفهم المسألة لننظر أولاً وببعض التفصيل لربوا
الفضل ثم نربطها بالمشقة.
لقد
قسم
الفقهاء الربوا إلى نوعين هما ربوا النسيئة وربوا الفضل ۲ وكنا قد تحدثنا عن ربوا النسيئة. والآن سننظر إلى ربوا الفضل، وهو بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو بيع بعض أنواع الطعام بنفس نوع الطعام مع الزيادة، كأن يبادل زيد عبيداً ربع كيلو ذهباً نقياً بثلث كيلو ذهباً من نوع آخر كأن يكون ذهباً من عملات مضروبة أو أقل نقاءً مثلاً، وهذا التفاوت في الوزن بسبب اختلاف الجودة، وإن وقع فهو ربوا الفضل. أو أن يبادل زيد عبيداً صاعاً من تمر العجوة المشهور في المدينة المنورة بصاعين من تمر من العراق مثلاً. وربوا الفضل محرم بالسنة والإجماع لأنه ذريعة إلى ربوا النسيئة كما يقول الفقهاء، وهناك تعليلات أخرى.
هامش
غـ٢) وهناك تقسيم منطقي آخر للربوا ذكره الدكتور رفيق المصري أما في البيع فيكون هناك ربا نساء بمجرد تأخير أو تأجيل أحد البدلين أثابه الله إذ يقول: « وبعض الكتاب يقسمون الربا إلى نوعين: ربا المتجانسين ( كالذهب بالذهب) أو المقاربين، أي الذين ينتميان إلى نسيئة وربا فضل. والصواب تقسيمه إلى نوعين مختلفين ربا قروض فئة (علة) ربوية واحدة ( كالذهب والفضة). وتعليل ذلك أن القرض (ربا نسيئة) وربا بيوع، وينقسم هذا الأخير إلى نوعين: ربا نساء وربا قاعدته إحسان المقرض إلى المقترض، أما البيع فقاعدته العدل، ولا يتم فضل. ويظهر الفرق بين ربا النساء وربا النسيئة في أننا لو طبقنا العدل في تبادل المتجانسين مثلاً إلا بالتساوي في النوع والكم والزمن. مفهوم ربا النساء على القرض لما جاز القرض، لأنه ذهب بذهب مع وهو معني قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (مثلاً بمثل، سواء نساء. ففي القرض، لا يكون هناك ربا نسيئة إلا بزيادة من المقترض بسواء، يداً بيد)، والله أعلم» (۸۹).
🗏
إلا أنني في هذه الصفحات سأحاول أن أثبت لك أخي القارئ بأن تحريم ربوا الفضل سيؤدي لمجتمع اقتصادي يزدهر دون عملة تصدرها الحكومات أو المؤسسات المستبدة وذلك حتى لا يقع المجتمع فريسة للسلطات أو لكبار التجار من خلال احتكار العملات حتى لا ينتشر الظلم. أي أن تحريم ربوا الفضل وبطريقة إعجازية يؤدي للعدل من خلال حل إشكالية التبادلات التجارية دون عملة تسيطر عليها الدولة أو تسيطر عليها المؤسسات المصرفية وذلك بمحق الاحتكار . كيف؟ لننظر أولاً إلى بعض أحاديث ربوا الفضل.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد أو أزداد فقد أربي. بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد). هذا الحديث الذي رواه مسلم هو أهم حديث لموضوعنا . وروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء)، والرماء هو الربوا. فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله : أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد)، رواه الإمام أحمد في المسند. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما وزن مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً) رواه الدارقطني. ومن الأحاديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : (بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم.
ومن
هذه الأحاديث وغيرها ظهر خلاف بين الفقهاء حول السؤال: هل الربوا محصور في هذه الأصناف الستة؟ أم أن فيها إشارة إلى أصناف أخرى قد تظهر مستقبلاً أو هي في حضارات أخرى قد تُسلم، وبالتالي على الفقهاء البحث عن علل هذه الأصناف الستة ثم إسقاط العلل على أصناف أخرى بالقياس؟ فإن كان، فما هي العلل
للأخذ بها؟ إن من أوضح ما كتب في ربوا الفضل «وباختصار» ما كتبه ابن القيم إذ يقول أثابه الله:
«الأجناس التي يحرم فيها ربا الفضل وآراء العلماء في ذلك : فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي الذهب والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. فاتفق الناسُ على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها؛ فطائفة قصرت التحريم عليها، وأقدم من يروى هذا عنه قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر في علة امتنع القياس. وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلاً أو موزوناً، وهو قول سعيد بن المسيب ورواية عن أحمد وقول للشافعي، وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه، وهو قول مالك، وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه. وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة، وطائفة قالت العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح، بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما؛ فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقداً؛ فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضاً فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طَرْد
١٢ الفصل والوصل
سلعة
تحض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره؛ إذ يصير . يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تُقَوَّم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحاً ويأخذ مكسرة أو خفافاً ويأخذ ثقالاً أكثر منها لصارت متجراً، أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد ؛ فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعاً تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات». ٩٠
۹۰
إن من الواضح في الاقتباس السابق أن الأعيان المذكورة في الحديث هي التي لن يستطيع أي فرد الجدل في جريان الربوا فيها وهي المعروفة بالأصناف الربوية الستة. وكما هو معلوم فإن الذهب والفضة هما أهم ما كان يتعامل به الناس في التبايع، وأما الأعيان الباقية باستثناء الملح فهي أهم الأغذية آنذاك، بينما الملح وسيلة مهمة لحفظ الأغذية. ولعل أول ملحوظة في الاقتباس السابق هي اختيار ابن عقيل الذي حصر الربوا في هذه الأصناف الستة فقط برغم أنه يأخذ بالقياس ذلك لأن «علل القياسيين في مسألة الربا [بالنسبة له] علل ضعيفة، وإذا لم تظهر في علة [ كما يقول ابن القيم عنه] امتنع القياس». وهنا يظهر سؤال يطرح نفسه بقوة إن كان لتحريم الربوا علة ) لة، ومن ثم علينا البحث عن هذه العلة، فما هي؟ ولماذا لم يدلنا عليها الرسول صلى الله عليه وسلم لأن شأن الربوا عظيم في الإسلام؟ فمن الفقهاء من قال مثلاً أن العلة في الذهب والفضة هي الوزن، ومنهم من قال أن العلة هي الثمنية، ومنهم من قال بأن العلة في باقي الأعيان هي الكيل والوزن، ومنهم من قال أنه الطعم، ومنهم من قال أنه الادخار. وإن تأملت وتدبرت الاقتباس السابق، وكذلك الاقتباس الآتي الطويل لابن قدامة، ستحتار في ماهية العلة. لننظر للاقتباس الآتي من «المغني». وأنت لست بحاجة لقراءته، ولكن إن كنت من الفقهاء وتريد أن تتدبر النص فأريدك أن تبحث عن العلة في تحريم الربوا والتي قالوا عنها أنها علة، وستلحظ بأنها علة لا تشير إلى سبب التحريم، بل العلة هي اشتراك بين الأصناف المؤدية للربوا، كاشتراكهم بأنهم من المكيلات أو من الموزونات أو من المطعومات. لذا فقد كان ربوا الفضل محيراً بالنسبة لي لأنني لم أستطع لفترة طويلة فهم الآتي: لماذا يقايض زيد من الناس كيلو جرام ذهباً مسكوكاً بكيلو جرام ذهباً تبراً علماً أن الذهب المسكوك أكثر سعراً؟ فلماذا يرضى زيد بهذه المقايضة؟ أي وكأن الحديث يمنع المقايضة بطريقة غير مباشرة بين المالكين للذهب لأنه لا مالك سيقبل بهذه المقايضة لأنه سيخسر لا محالة. أليس هذا في ظاهره طريقاً ملتوياً للمنع ؟ سؤال آخر: لماذا خص الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأصناف الستة، ألم يكن باستطاعته القول: كل ما يوزن مثلاً، أو كل ما يؤكل أو كل ما يدخر أو كل ما يكال كما استنتج الفقهاء ؟ لننظر أولاً لما قاله ابن قدامة رحمه الله :
«مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله : ( وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنساً واحداً): قوله: «من سائر الأشياء» يعني من جميعها. وضع سائر موضع جميع تجوزاً. وموضوعها الأصلي لباقي الشيء، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الذهب بالذهب مثلاً
١٥٦٦
بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربي. بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد). رواه مسلم. فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع. واختلف أهل العلم فيما سواها، فحكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وقالا : لا يجري في غيرها. وبه قال داود ونفاة القياس. وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، البقرة ٢٧٥ . واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علتها لأن القياس دليل شرعي فيجب إستخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه. وقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبوا﴾ ، البقرة ٢٧٥ يقتضي تحريم كل زيادة إذ الربا في اللغة الزيادة، إلا ما أجمعنا على تخصيصه. وهذا يعارض ما ذكروه. ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير والتمر بالزبيب والذرة بالدخن لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد. وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم . فلا يعول عليه . ثم يبطل بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما مع تقاربهما. امع
واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما. فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة کونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوماً كان أو غير مطعوم، كالحبوب والأشنان والنورة والقطن والصوف والكتان والورس والحناء والعصفر والحديد والنحاس ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء)، وهو الربا. فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله : أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد ، رواه الإمام أحمد في المسند عن أبي جناب، عن أبيه عن ابن عمر. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما وزن مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً ) ، رواه الدارقطني. ورواه عن ابن صاعد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أحمد بن محمد بن أيوب عن أبي بكر بن عياش عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن عبادة وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال لم يروه عن أبي بكر هكذا غير محمد بن أحمد بن أيوب، وخالفه غيره فرواه بلفظ آخر. وعن عمار أنه قال العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يداً بيد فلا بأس به، إنما الربا في النساء، إلا ما كيل أو وزن. ولأن قضية البيع المساواة والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس فإن الوزن أو الكيل يسوي بينهما صورة، والجنس يسوى بينهما ، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في الكيل.
معنی
والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها. قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، ونحو هذا قال الشافعي، فإنه قال: العلة الطعم، والجنس شرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبا، فيختص بالذهب 🗏
١٥٦٧
١٢ الفصل والوصل
والفضة لما روى معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل، رواه مسلم. ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما ، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النساء.
والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو موزوناً فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان والخوخ والبطيخ والكمثري والأترج والسفرجل والإجاص والخيار والجوز والبيض ، ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والأشنان والحديد والرصاص ونحوه. ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب وهو قديم قولي الشافعي لما روي عن سعيد بن المسيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب)، أخرجه الدارقطني، وقال الصحيح إنه من قول سعيد، ومن رفعه فقد وهم. ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف أثراً والحكم مقرون بجميعها في المنصوص عليه، فلا يجوز حذفه. ولأن الكيل والوزن والجنس لا يقتضي وجوب المماثلة، وإنما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم لا ما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي وهو الكيل والوزن، ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً، فوجب أن يكون الطعم معتبراً في المكيل والموزون دون غيرهما. والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها وتقييد كل واحد منها بالآخر. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي، وهو الكيل والوزن. ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه. وقال مالك: العلة القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات. وقال ربيعة: يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة دون غيره. وقال ابن سيرين الجنس الواحد علة. وهذا القول لا يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل لا بأس به إذا كان يداً بيد. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع عبداً بعبدين. رواه أبو داود والترمذي وقال: هو حديث حسن صحيح. وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام يستصلح به القوت، ولا ربا فيه عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح، والعكس لازم عند اتحاد العلة.
والحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد ففيه الربا رواية واحدة، كالأرز والدخن والذرة والقطنيات والدهن والخل واللبن واللحم ونحوه . وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث، سوى قتادة فإنه بلغني أنه شذ عن جماعة الناس فقصر تحريم التفاضل على ستة أشياء. وما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم واختلف جنسه فلا ربا فيه رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كالتين والنوى والقت والماء والطين الأرمني فإنه يؤكل دواء فيكون موزوناً مأكولاً، فهو إذاً من القسم الأول، وما عداه إنما يؤكل سفها، فجرى مجرى الرمل والحصى. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : (لا تأكلي الطين فإنه يصفر اللون. وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن من جنس واحد ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى إن شاء الله تعالى حله إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به ولا معنى يقوي التمسك به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضاً، فوجب إطراحها أو الجمع بينها والرجوع إلى أصل الحل الذي يقتضيه الكتاب والسنة والاعتبار، ولا فرق في المطعومات بين ما يؤكل قوتاً كالأرز والذرة والدخن، أو أدماً كالقطنيات واللبن واللحم، أو تفكها كالثمار، أو تداوياً كالأهليلج والسقمونيا، فإن الكل في باب الربا واحد. فصل: وقوله : ما كيل أو وزن، أي ما كان جنسه مكيلاً أو موزوناً وإن لم يتأتّ فيه كيل ولا وزن،
إما لقلته كالحبة والحبتين والحفنة والحفنتين، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، أو لكثرته كالزبرة العظيمة فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل. ويحرم التفاضل فيه. وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر ، ورخص أبو حنيفة في بيع الحفنة بالحفنتين والحبة بالحبتين وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله، ووافق في الموزون واحتج بأن العلة الكيل، ولم يوجد في اليسير. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (التمر بالتمر مثلاً بمثل والبر بالبر مثلاً بمثل، من زاد أو ازداد فـقـد أربي. ولأن ما جرى الربا في كثيره جرى في قليله كالموزون.
فصل: ولا يجوز بيع تمرة بتمرة ولا حفنة بحفنة، وهذا قول الثوري، ولا أعلمه منصوصاً عليه، ولكنه قياس قولهم لأن ما أصله الكيل لا تجري المماثلة في غيره.
فصل: فأما ما لا وزن للصناعة فيه كمعمول الحديد والرصاص والنحاس والقطن والكتان والصوف والإبريسم، فالمنصوص عن أحمد في الثياب والأكسية أنه لا يجري فيها الربا، فإنه قال: لا بأس بالثوب بالثوبين والكساء بالكساءين. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال : لا يباع الفلس بالفلسين ولا السكين بالسكينين ولا إبرة بإبرتين. أصله الوزن. ونقل القاضي حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى فجعل فيهما جميعاً روايتين إحداهما: لا يجري في الجميع، وهو قول الثوري و أبي حنيفة وأكثر أهل العلم، لأنه ليس بموزون ولا مكيل. وهذا هو الصحيح إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع فيه. والثانية: يجري الربا في الجميع. اختارها ابن عقيل لأن أصله الوزن، فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز. وذكر أن اختيار القاضي أن ما كان يقصد وزنه بعد عمله كالأسطال ففيه الربا وما لا فلا.
فصل: ويجري الربا في لحم الطير. وعن أبي يوسف لا يجري فيه لأنه يباع بغير وزن. ولنا أنه لحم فجرى فيه الربا كسائر اللحمان. وقوله لا يوزن قلنا هو من جنس ما يوزن، ويقصد ثقله وتختلف قيمته بثقله وخفته. فأشبه ما يباع من الخبز بالعدد.
فصل: والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه وأنكر أصحابه ذلك ونفوه عنه. وحكى بعض أصحابنا عن أحمد رواية لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف فيصير كأنه . ضم قيمة الصناعة إلى الذهب. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل ) . وعن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها)، رواه أبو داود. وروى مسلم عن أبي الأشعث أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس، فبلغ عبادة فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواءً بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربي. وروى الأثرم عن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فذكر له ذلك. فكتب عمر إلى معاوية: لا تبع ذلك إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن. ولأنهما تساويا في الوزن فلا يؤثر اختلافهما في القيمة كالجيد والرديء. فأما إن قال لصائغ: صغ لي خاتما وزنه درهم وأعطيك مثل وزنه وأجرتك درهماً فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين. وقال أصحابنا : للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم والثاني أجرة له.
ينهى عن بيع 🗏
١٢ الفصل والوصل
فصل: وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه ويحرم التفرق قبل القبض لقول النبي صلى الله عليه سلم: (عيناً بعين). وقوله: (يداً بيد). ولأن تحريم النساء آكد، ولذلك جرى في الجنسين المختلفين. فإذا حرم التفاضل فالنساء أولى بالتحريم.
مسألة: قال: (وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يداً بيد ولا يجوز نسيئة). لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين نعلمه إلا عن سعيد بن جبير ) أنه قال: ما يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما، وهذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد). وفي لفظ : (إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، رواه مسلم وأبو داود. ولأنهما جنسـان فـجاز التفاضل فيهما كما لو تباعدت منافعهما، ولا خلاف في إباحة التفاضل في الذهب بالفضة مع تقارب منافعهما. فأما النساء فكل جنسين يجري فيهما الربا بعلة واحدة كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون والمطعوم بالمطعوم عند من يعلل به فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نساء بغير خلاف نعلمه، وذلك لقوله عليه السلام: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد، وفي لفظ : لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد وأما النسيئة فلا ، رواه أبو داود. إلا أن يكون أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً فإنه يجوز النساء بينهما بغير خلاف لأن الشرع أرخص في السلم والأصل في رأس المال الدراهم والدنانير، فلو النساء ها هنا لا نسد باب السلم في الموزونات في الغالب، فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون مثل بيع اللحم بالبر ففيهما روايتان إحداهما يحرم النساء فيهما وهو الذي ذكره الخرقي ها هنا لأنهما مالان من أموال الربا، فحرم النساء فيهما كالمكيل بالمكيل والثانية: يجوز النساء فيهما وهو قول النخعي لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالثياب
حرم
بالحيوان.
ذلك،
فصل: وإذا باع شيئاً من مال الربا بغير جنسه وعلة ربا الفضل فيهما واحدة، لم يجز التفـرق قبل القبض. فإن فعلا بطل العقد، وبهذا قال الشافعي . وقال أبو حنيفة: لا يشترط التقابض فيهما كغير أموال الربا وكبيع ذلك بأحد النقدين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد)، رواه مسلم. وقال عليه السلام: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد). وروى مالك بن أوس بن الحدثان أنه التمس صرفاً بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا حتى فأخذ الذهب يقلبها في يديه ثم قال : حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع اصطرف مني فقال: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء هاء ، والشعير بالشعير رباً إلا هاء هاء، متفق عليه. والمراد به القبض بدليل أن المراد به ذلك في الذهب والفضة، ولهذا فسره عمر به، ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما واحدة، فحرم التفرق فيهما قبل القبض كالذهب بالفضة. فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون عند من يعلل بهما ، فقال أبو الخطاب: يجوز التفرق فيهما قبل القبض رواية واحدة لأن علتهما مختلفة، فجاز التفرق قبل القبض كالثمن بالمثمن، وبهذا قال الشافعي، إلا أنه لا يتصور عنده ذلك إلا في بيع الأثمان بغيرها. ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض على كل حال لقوله: (يداً بيد).
مسألة: قال (وما كان مما لا يكال ولا يوزن فجائز التفاضل فيه يداً بيد ولا يجوز نسيئة). اختلفت الرواية في تحريم النساء في غير المكيل والموزون على أربع روايات إحداهن: لا يحرم النساء في شيء
١٥٦٩
١٥٧٠
من
بيع
علة
متفاضلاً، فأما
ذلك سواء بيع بجنسه أو بغيره متساوياً أو متفاضلاً إلا على قولنا إن العلة . الطعم، فيحرم ا النساء في المطعوم ولا يحرم في غيره. وهذا مذهب الشافعي واختار القاضي هذه الرواية لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة رواه أبو داود. وروى سعيد في سننه عن أبي معشر عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد أن علياً باع بعيراً له يقال له عصيفير بأربعة أبعرة إلى أجل، ولأنهما مالان لا يجري فيهما ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالعرض بالدينار، ولأن النساء أحد نوعي الربا فلم يجز في الأنواع كلها كالنوع الآخر. والرواية الثانية: يحرم النساء في كل مال بيع بجنسه كالحيوان بالحيوان والثياب بالثياب، ولا يحرم في غير ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة. وممن كره بيع الحيوان بالحيوان نساء ابن الحنفية وعبد الله بن عمير وعطاء وعكرمة بن خالد وابن سيرين والثوري، وروي ذلك عن عمار وابن عمر لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحيوان بالحيوان نسيئة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولأن الجنس أحد وصفي . ربا الفضل فحرم النساء كالكيل والوزن والثالثة : لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه . مع التماثل فلا لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يداً بيد ، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى ابن عمر أن رجلاً قال: يا رسول الله: أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد)، من المسند. وهذا يدل على إباحة النساء مع التماثل بمفهومه. والرابعة : يحرم النساء في كل مال بيع بمال آخر سواء كان من جنسه أو من غير جنسه. وهذا ظاهر كلام الخرقي، ويحتمل أنه أراد الرواية الثالثة لأنه بيع عرض بعرض فحرم النساء بينهما كالجنسين من أموال الربا. قال القاضي: فعلى هذا لو باع عرضاً بعرض ومع أحدهما دراهم العروض نقداً والدراهم نسيئة جاز. وإن كانت الدراهم نقداً والعروض نسيئة لم يجز لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض. وهذه الرواية ضعيفة جداً لأنه إثباث حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، فإن في المحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافاً لها أثر في تحريم الفضل، فلا يجوز حذفها عن درجة الاعتبار. وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه وإن لم يخالف أصلاً، فكيف يثبت مع مخالفة الأصل في حل البيع. وأصح الروايات هي الأولى لموافقتها الأصل والأحاديث المخالفة لها. قال أبو عبد الله : ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه، وذكر له حديث ابن عباس وابن عمر في هذا فقال: هما مرسلان، وحديث سمرة يرويه الحسن عن سمرة. قال الأثرم: قال أبو عبد الله : لا يصح سماع الحسن من سمرة، وحديث جابر . قال أبو عبد الله : هذا حجاج زاد فيه: «نساء»، وليث بن سعد سمعه من أبي الزبير ولا يذكر فيه «نساء»، وحجاج هذا هو حجاج بن أرطأة. قال يعقوب بن شيبة: هو واهي الحديث، وهو صدوق. وإن كان أحد المبيعين مما لا ربا فيه والآخر فيه رباً كالمكيل بالمعدود ففيها روايتان:
إحداهما: يحرم ا النساء فيهما، والثانية لا يحرم كما لو باع معدوداً بمعدود من غير جنسه ..... ....
فصل: فأما إن باع نوعين من مختلفي القيمة من جنس وبنوع واحد من ذلك الجنس، كدينار مغربي ودينار سابوري بدينارين مغربيين، أو دينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين أو قراضتين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، أو تمراً برنياً ومعقلياً بإبراهيمي، فإنه يصح. قال أبو بكر: وأومأ إليه أحمد، واختار القاضي أبو يعلى أن الحكم فيها كالتي قبلها ، وهو مذهب مالك والشافعي لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ذكرنا، وروي عن أحمد منع ذلك في النقد وتجويزه في الثمن نقله أحمد بن القاسم لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها ويشق تمييزها، فعفي عنها بخلاف الأثمان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً 🗏
١٥٧١
١٢ الفصل والوصل
وهي
بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل الحديث. وهذا يدل على إباحة البيع عند وجود المماثلة المراعاة، المماثلة في الموزون وزناً وفي المكيل كيلاً، ولأن الجودة ساقطة في باب الربويات فيما قوبل بجنسه فيما لو اتحد النوع في كل واحد من الطرفين، فكذلك إذا اختلفا. واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة لأنه باع ذهباً بذهب متساوياً في الوزن فصح كما لو اتفق النوع، وإنما يقسم العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل ما لو باع نوعا بنوع يشتمل على جيد
ورديء.
فصل: وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود كدار مموه سقفها بالذهب جاز، لا أعلم فيه خلافاً . وكذلك لو باع داراً بدار مموه سقف كل واحدة منها بذهب أو فضة جاز، لأن ما فيه الربا غير مقصود بالبيع، فوجوده كعدمه. وكذلك لو اشترى عبداً له مال فاشترط ماله وهو من جنس الثمن جاز إذا كان المال غير مقصود ولو اشترى . عبداً . بعبد واشترط كل واحد منهما مال العبد الذي اشتراه جاز إذا لم يكن ماله مقصوداً لأنه غير مقصود بالبيع، فأشبه التمويه في السقف. ولذلك لا تشترط رؤيته في صحة البيع ولا لزومه. وإن باع شاة ذات لبن بلبن أو عليها صوف بصوف أو باع لبونا بلبون وذات صوف .
ولو دفع إليه درهماً فقال: أعطني بنصف هذا ذا الدرهم نصف درهم، وبنصفه فلوساً أو حاجة أخرى، جاز لأنه اشترى نصفاً بنصف وهما متساويان، فصح كما لو دفع إليه درهمين وقال: بعني بهذا الدرهم فلوساً وأعطني بالآخر نصفين. وإن قال : أعطني بهذا الدرهم نصفاً وفلوساً، جاز أيضاً لأن معناه ذلك، ولأن ذلك لا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة، فإن قيمة النصف الذي في الدرهم كقيمة النصف الذي مع الفلوس يقيناً، وقيمة الفلوس كقيمة النصف الآخر سواء.
مسألة: قال (وإذا اشترى ذهباً بورق عيناً بعين فوجد أحدهما فيما اشتراه عيباً فله الخيار بين أن يرد أو يقبل إذا كان بصرف يومه وكان العيب يدخل عليه من غير جنسه). معنى قوله: عيناً بعين، هو أن يقول بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم، ويشير إليهما وهما حاضران وبغير عينه، أن يوقع العقد على موصوف غير مشار إليه فيقول: بعتك ديناراً مصرياً بعشرة دراهم ناصرية، وإن وقع القبض في المجلس، وقد يكون أحد العوضين معيناً دون الآخر، وكل ذلك جائز، والمشهور في المذهب أن النقود تتعين بالتعيين في العقود، فيثبت الملك في أعيانها. فعلى هذا إذا تبايعا ذهباً بفضة مع التعيين فيهما ثم تقابضا فوجد أحدهما بما قبضه عيباً لم يخل من قسمين: أحدهما: أن يكون العيب غشاً من غير جنس المبيع، مثل أن يجد الدراهم رصاصاً أو نحاساً أو فيه شيء من ذلك، أو الدينار مسحاً فالصرف باطل. نص عليه أحمد وهو قول الشافعي. وذكر أبو بكر فيها ثلاث روايات: إحداهن البيع باطل. والثانية البيع صحيح لأن البيع وقع على عينه وللمشتري الخيار بين الإمساك أو الرد وأخذ البدل. والثالثة يلزمه العقد وليس له رده ولا بدله. ولنا إنه باعه غير ما سمى له فلم يصح كما لو قال: بعتك هذه البغلة فإذا هو حمار، أو هذا الثوب القز فوجده كتاناً، وأما القول بأنه يلزمه المبيع فغير صحيح، فإن اشترى معيباً لم يعلم عيبه فلم يلزمه ذلك بغير أرش كسائر المبيعات، ثم إن أبا بكر يقول فيمن دلس العيب: لا يصح بيعه مع وجود ذات المسمى في البيع، فها هنا مع اختلاف الذات
أولى.
القسم الثاني أن يكون العيب من جنسه مثل كون الفضة سوداء أو خشنة تتفطر عند الضرب، أو سكتها مخالفة لسكة السلطان، فالعقد صحيح والمشتري مخير بين الإمساك وبين فسخ العقد والرد، وليس له البدل لأن العقد واقع على عينه، فإذا أخذ غيره أخذ ما لم يشتره. وإن قلنا إن النقد لا يتعين
بالتعيين في العقد فله أخذ البدل ولا يبطل العقد لأن الذي قبضه ليس هو المعقود عليه، فأشبه السلم إذا قبضه فوجد به عيباً وإن كان العيب في بعضه فله رد الكل أو إمساكه، وهل له رد المعيب وإمساك الصحيح؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة والحكم فيما إذا كان العوضان من جنس واحد كالحكم في الجنسين على ما ذكرنا، لكن يتخرج على قول من منع بيع النوعين بنوع واحد من ذلك الجنس أنه إذا وجد بعض العوض معيباً أن يبطل العقد في الجميع لأن الذي يقابل المعيب أقل من الذي يقابل الصحيح، فيصير كمسألة مد عجوة. ومذهب الشافعي مثل ما ذكرنا في هذا الفصل سواء.
فصل: ولو أراد أخذ أرش العيب والعوضان في الصرف من جنس واحد لم يجز لحصول الزيادة في أحد العوضين وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد. وخرج القاضي وجها بجواز أخذ الأرش في المجلس لأن الزيادة طرأت بعد العقد وليس لهذا الوجه وجه، فإن أرش العيب من العوض يجبر به في المرابحة ويأخذ به الشفيع ويرد به إذا رد المبيع بفسخ أو إقالة، ولو لم يكن من العوض فبأي شيء استحقه المشتري فإنه ليس بهبة على أن الزيادة في المجلس من العوض ولو لم يكن أرشاً فالأرش أولى. وإن كان الصرف بغير جنسه فله أخذ الأرش في المجلس لأن المماثلة غير معتبرة، وتخلف قبض بعض العوض عن بعض ما داما في المجلس لا يضر، فجاز كما في سائر البيع. وإن كان بعد التفرق لم يجز لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل القبض لأحد العوضين إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن، كأنه أخذ أرش عيب الفضة قفيز حنطة، فيجوز ، وكذلك الحكم في سائر أموال الربا فيما بيع بجنسه أو بغير جنسه مما يشترط فيه القبض، فإذا كان الأرش مما لا يشترط قبضه كمن باع قفيز حنطة بقفيزي شعير فوجد أحدهما عيباً فأخذ أرشه درهماً جاز وإن كان بعد التفرق لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما شرط فيه القبض.
عن
فصل: قول الخرقي: «إذا كان بصرف يومه»، يعني الرد جائز ما لم ينقص قيمة ما أخذه من النقد قيمته يوم اصطرفا، فإن نقصت قيمته كأن أخذ عشرة بدينار فصارت أحد عشر بدينار، فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يملك الرد لأن المبيع تعيب في يده لنقص قيمته، وإن كانت قيمته قد زادت مثل أن صارت تسعة بدينار لم يمنع الرد لأنه زيادة وليس بعيب، والصحيح أن هذا لا يمنع الرد لأن تغير السعر ليس بعيب، ولهذا لا يضمن في الغصب ولا يمنع من الرد بالعيب في القرض، ولو كان عيباً فإن ظاهر المذهب أنه إذا تعيب المبيع عند المشتري ثم ظهر على عيب قديم فله رده ورد أرش العيب الحادث عنده وأخذ الثمن.
فصل: وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه فسخ العقد ورد الموجود وتبقى قيمة العيب في ذمة من تلف في يده فيرد مثلها أو عوضها إن اتفقا على ذلك، سواء كان الصرف بجنسه أو بغير جنسه. ذكره ابن عقيل وهو قول الشافعي، قال ابن عقيل وقد روي عن أحمد جواز أخذ الأرش والأول أولى إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين.
فصل: إذا علم المصطرفان قدر العوضين جاز أن يتبايعا بغير ،وزن ، وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه، فإذا باع دينارا بدينار كذلك وافترقا فوجد أحدهما ما قبضه ناقصاً بطل الصرف لأنهما تبايعا ذهباً بذهب متفاضلا ، فإن وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار نظرت في العقد، فإن كان قال بعتك هذا الدينار بهذا، فالعقد باطل لأنه باع ذهباً بذهب متفاضلا. وإن قال بعتك ديناراً بدينار ثم تقابضا كان الزائد في يد القابض مشاعاً مضمونا لمالكه لأنه قبضه على أنه عوض، ولم يفسد العقد لأنه إنما باع ديناراً بمثله، وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه، فإن أراد دفع عوض الزائد جاز سواء كان من جنسه أو من غير جنسه لأنه معاوضة مبتدأة، وإن أراد 🗏
١٥٧٢
١٢ الفصل والوصل
أحدهما الفسخ فله ذلك لأن آخذ الزائد وجد المبيع مختلطاً بغيره معيباً بعيب الشركة، ودافعه لا يلزمه أخذ عوضه إلا أن يكون في المجلس، فيرد الزائد ويدفع بدله. ولو كان لرجل على رجل عشرة دنانير فوفاه عشرة عدداً فوجدها أحد عشر كان هذا الدينار الزائد في يد القابض مشاعاً مضمونا لمالكه لأنه قبضه على أنه عوض عن ماله، فكان مضمونا بهذا القبض ولمالكه التصرف فيه كيف شاء.
فصل: والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد بمعنى أنه يثبت الملك بالعقد فيما عيناه ويتعين عوضاً فيه، فلا يجوز إبداله. وإن خرج مغصوباً بطل العقد. وبهذا قال مالك والشافعي. وعن أحمد أنها لا تتعين بالعقد فيجوز إبدالها، ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبة، وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه يجوز إطلاقها في العقد فلا تتعين بالتعيين فيه، كالمكيال والصنجة ولنا إنه عوض في عقد فيتعين بالتعيين كسائر الأعواض ، ولأنه أحد العوضين فيتعين كالآخر. ويفارق ما ذكروه فإنه ليس بعوض، وإنما يراد لتقدير العقود عليه وتعريف قدره، ولا يثبت فيها الملك بحال بخلاف مسألتنا». ۹۱
.
١٥٧٣
من الواضح بأن عدم اتفاق الفقهاء رحمهم الله على علة تحريم ربوا الفضل جعلهم يأخذون مواقف متباينة جداً. فمثلاً، العلة في كون الذهب والفضة موزونين (وهذا مذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين) وضع الحنابلة في حرج عند إسقاط هذه العلة على النقود الورقية في أيامنا هذه لأنها ليست مما يوزن ، وهكذا يمكن النظر لباقي الآراء إن أدخلنا في المعادلة تقنية تصنيع الأغذية مثلاً. ولكن عموماً، وللتلخيص أقول: هناك قاعدة معروفة، وهي أنه إذا اتحد الجنسان حرمت الزيادة وحرم التأجيل، أما إذا اختلفا فقد حلت الزيادة وحرم التأجيل. أي أن هناك اتفاق بين الفقهاء على أن اجتماع الكيل والوزن والطعم من جنس واحد يؤدي للربوا عند من أخذوا بالقياس، كالأرز والدخن والذرة والقطنيات والدهن واللحم ونحوه. فلا يجوز فيهما التفاضل ولا النسيئة. أي أن كل عين حرم فيها التفاضل يحرم فيها التأخير، وفي هذا يقول ابن قدامة مستنتجاً: «وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه». ولكن إن اختلفت الأجناس، مثل بيع الذهب بالفضة، عندها يجوز التفاضل مع ضرورة الاستلام والتسليم قبل التفرق، أي أنه لا نسيئة. وفي هذا يستنتج ابن قدامة رحمه الله : «وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يداً بيد ولا يجوز نسيئة». وهناك العديد من الاستنتاجات والتفريعات في النص السابق وفي كتب الفقهاء رحمهم الله . فهم خوفا من الوقوع في الربوا لخطره العظيم اجتهدوا وبينوا فيه الكثير، ولكن الاستنتاج الأهم لموضوعنا الآن، وحتى لا يتشتت التركيز، هو اتفاق العلماء على جواز التقايض في الحال من نفس النوع حتى وإن اختلفت الجودة شريطة اتحاد الوزن أو الكيل. وفي هذا يقول ابن قدامة ملخصاً: «والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم. وهذا سيؤدي بإذن الله لازدهار اقتصادي مع منع ظهور عملة تحتكرها الدولة أو تحتكرها أي مؤسسة مصرفية. كيف؟
:
كنت قد أثرت سؤالاً عما يجنيه الفرد من فائدة إن قايض سلعته بأخرى أقل منها جودة إن كان التقايض مثلاً بمثل، ولذا فإنه منطقياً لن يقايض من كانت سلعته أفضل لأنه سيخسر إن كان التقايض مثلاً بمثل ومناجزة، أي دون تأجيل. لذا، فبدل أن يقايض زيد من الناس تمره بنوع آخر أعلى جودة بكمية أقل، وحتى لا يقع في الربوا سيضطر لبيع تمره ويشتري بالمال كمية أقل من التمر الأعلى جودة. فهذا هو التصرف المنطقي إن أراد التمر الأعلى جودة. هذا الموقف، أي منع التقايض إلا مثلاً بمثل حتى وإن اختلفت الجودة، موقف مشهور جداً بين الفقهاء ويصرون عليه لأن الأحاديث حرمت التبادل في الأصناف الستة إن لم تكن مثلاً بمثل، وفي هذا يقول ابن قدامة
١٥٧٤ 🗏
عبارة واضحة مشهورة بين الفقهاء ألا وهي: أن «الجودة ساقطة في باب الربويات». أي أن الجودة ليست ذات شأن في التقايض في أصناف معينة خشية الوقوع في الربوا، فالمهم هو الوزن أو الكيل. أليس هذا موقفاً محيراً؟ فمثلاً: غالباً ما تسمع الفقهاء في القنوات الفضائية يقولون بمنع تبادل الريال بالريال تفاضلاً دون أجل، وأن في تحريم هذا التبادل درء لاحتمال وقوع ربوا النسيئة. والسؤال هو من هذا الذي يقايض ريالاً بريال إن لم يكن هناك أجل وربح ؟ فلا حاجة لهذه المقايضة أصلاً. وإن وقع تقايض ريال بأكثر من ريال مؤجلاً فهو ليس بـربوا الفضل، بل هو ربوا النسيئة. فلماذا إذاً تحريم ربوا الفضل؟ وقد تستنتج من هذا كما فعل بعض الباحثين أن في تحريم الشريعة لربوا الفضل للمجتمع للتعامل بالنقد بدل التقايض بالسلع. أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشجع صفقات المقايضة كما يقولون، بل من الأفضل بيع السلعة نقداً ومن ثم بالنقد يشترى المرء ما يريده. وفي هذا يقول الدكتور رفيق المصري ناقداً ما ذهبوا إليه:
دفعاً
«شاع هذا القول بين المسلمين المعاصرين فقهاء واقتصاديين. ونحن مع إيماننا بأن النقود تسهل المبادلات، من حيث أنها تردُّ أثمان السلع كلها إلى مقياس ،واحد، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد ذلك في الحديث، والدليل عليه أن إحدى الروايتين ذكرت توسيط الدراهم، والأخرى ذكرت توسيط أي شيء آخر لأن الغرض هو تحقيق المعاوضة العادلة مع الخروج من ربا الفضل المحرم. فالتمر بالملح مقايضة، ومع ذلك فهي جائزة، ولو كان هناك فضل في أحد البدلين على الآخر. وعلى هذا فإن استخدام النقود يكون من باب المصالح المرسلة لأن الأحاديث المذكورة لم تشهد لها
بالاعتبار ولا بالإلغاء. ولسنا بحاجة لتحميل النصوص الشرعية معاني اقتصادية لا تحملها». "
۹۲
وبالطبع فإني هنا أوافق على ما وضحه رفيق المصري أثابه الله. فإن كان الهدف هو دفع الناس للتعامل بالنقد لمنع الرسول صلى الله عليه وسلم التقايض من نفس الجنس عموماً (وليس الأصناف الستة فقط) ولأنتهى الأمر. أي أن هدف ربوا الفضل ليس دفع الناس للتعامل بالنقد ولكن الهدف هو شيء آخر، فما هو؟ أقول وبالله التوفيق: إن التقايض من نفس النوع سيقع رغماً عن بعض الناس ومثلاً بمثل ومع اختلاف الجودة إن حرمت
الشريعة ربوا الفضل وكانت أبواب التمكين مفتوحة، وهذا يمنع الاحتكار ويؤدي لظهور العملة. كيف؟
في ولاية نهر النيل شمال السودان يعمل بعض الناس في البحث عن الذهب، وقد يصل إنتاجهم اليومي إلى حوالي سبعين كيلوجراماً (وقد كان هذا سنة ١٤٣٢هـ). وبالطبع، فعلى الناس بيع ما عثروا عليه لتحويله إلى نقد للاستفادة منه لمعاشهم. وفي هذه الأيام فإن المسألة سهلة لأنهم يبيعون الذهب بالنقد الورقي الذي سكته الحكومة السودانية أو بالدولار أو أي عملة تصدرها الحكومات الأخرى. وهنا بالطبع قد يقول البعض أنه لا وجود لربوا الفضل لأن المقايضة بين الذهب والمال المدعوم من الدولة والذي لا يعتبر ذهباً هذه الأيام كالدولار. فالناس يبيعون ويشترون الذهب بكل أنواع العملات ظناً بحلها. أي أننا نقارن الحلال بالحرام، فحيازة الذهب حلال، والعملات التي تصدرها الدول شرعاً حرام لأنها تسلط وظلم. لهذا لا يحق لنا الحكم بالجواز. فهذه شرعاً معاملات
باطلة.
ولكن إن طبقت الشريعة ولم توجد بالتالي حكومات تصدر النقود عندها فإنه لا مجال أمام هؤلاء الحاصلين على الذهب إلا سلوك أحد الطريقين: الأول: مقايضة الذهب الذي وجدوه إما بأعيان غير الذهب والفضة، مثل مقايضة قطعة ذهبية بكذا كيس من الدقيق وفي هذا الاحتمال تقييد للباحثين عن الذهب لأن وزن
١٢ الفصل والوصل
القطعة
1010
التي وجدوها قد لا توازي في قيمتها ما أرادوه لحياتهم من مأكل أو ملبس، فقد تكون أكثر أو أقل قيمة مما أرادوه. وهذا التقييد بالتالي سيدفع الناس إلى العدول عن مثل هذه المقايضات كما هو معلوم. لذا فلن أستمر في مناقشة هذا الاحتمال غير العملي لأنه لن ينتشر بين الناس والطريق الثاني هو مقايضة الذهب بالذهب أو بالفضة أو أي من المعادن الموثوق بها، أي التعامل مع تاجر أو مصرف للحصول على النقد الذهبي أو الفضي. وفي هذه الحالة احتمالان: الأول هو مقايضة الذهب بالذهب، والثاني هو مقايضة الذهب بغير الذهب كالفضة أو أي عنصر ثمين آخر أو إيصال ما. لننظر للاحتمال الأول:
كما مر بنا في الحديث عن المشقة فإن الذهب لن يكون محتكراً لجهة ما، بل الذهب في أيدي عدد كبير ممن حصلوا عليه. وهؤلاء لا مجال أمامهم من الاستفادة منه إلا بمقايضته، فما عساهم أن يفعلوا لأنه لا توجد عملات مسكوكة من الدولة؟ وفي المقابل هناك تجار وصيارفة بحاجة للذهب لأن عملهم هو استحداث العملات ليتداولها الناس، فمن أين يأتوا بالذهب؟ أي أن كلا الفريقين مضطر. الواجدون للذهب يريدون الذهب مسكوكاً لشراء احتياجاتهم، والتجار بحاجة للذهب الخام لتصنيعه، هنا سيضطر التجار بالقبول ومقايضة ما سكوه من ذهب (كنقد) بما أتى به عمال البحث عن الذهب تبراً. تأمل هذا الوضع وتفكر به جيداً أخي القارئ، فهو مبدأ مهم للانطلاق لتقبل باقي الأفكار الآتية: أي أن الطرفين سيضطران لهذه المقايضة مثلاً بمثل ويداً بيد برغم التفاضل في النوعية، وبهذا ينعدم الاحتكار. لماذا؟ لأن التفاعل نتج من الحركيتين حركية خيار الناس للمشقة وحركية منع ربوا الفضل. كيف؟
إن جميع ما مر بنا في الكتاب من إطلاق أيدي الناس والذي يضعهم في مواضع يقررون لأنفسهم مقدار المشقة التي يريدون تحملها سيؤدي لاستحالة تكتل الأفراد كجماعات احتكارية. فكل جماعة تفكر في التكتل لاحتكار معدن ما ومن ثم رفع سعره للتحكم في السوق ستعلم بعد حين أن هناك جماعات أخرى في مناطق بعيدة (ولنقل بأنها المنطقة س مثلاً) تجتهد في استخراج نفس المعدن، وستبيعه بسعر قد يكون أقل لأن التكلفة أقل. ثم لنفترض أن هذه الجماعة التي تريد الاحتكار قد أفلحت في ضم الجماعة في المنطقة س إليها لتحتكر المعدن، عندها ستظهر جماعات أخرى في مناطق أخرى لأن مفاتيح التمكين لدى الجميع. وهكذا سيستحيل جمع جميع المنتجين لمعدن ما في الأمة من التكتل كجماعة احتكارية واحدة لأنه لا حدود بين الأقاليم ولا دول، ما يتيح للجميع حرية الحركة. وبهذا يتجذر في المجتمع الإنتاجي عرف عن استحالة التكتل إلى جماعات احتكارية. ولأنه لا جماعات احتكارية، فلن تظهر جماعات احتكارية من أي حجم مستقبلاً. لنضرب مثالاً : إن تجرأ اثنين من الباحثين عن معدن ما على التعاون لاحتكار المعدن في قرية ما لأنهما الوحيدان في هذا المجال، فسيقوم تاجر ما بإحضار المعدن من مناطق أخرى للربح لأنه لا حدود لهذا سيصعب عليهما التكتل للاحتكار لأنه إن وقع فهو مؤقت لحين تحرك التجار وعندها سيخسران سمعتهما. فإن استحال اجتماع إثنين للاحتكار، سيستحيل منطقيا جمع عدد أكبر من المنتجين للاحتكار. وهذه الأفكار بالطبع معلومة للاقتصاديين، فكما هو معلوم، فهناك جداول توضح العلاقة بين العرض والطلب إن كان البائع أو المشترى فرد أو اثنين أو عدة أفراد أو عدد كبير من المشترين والبائعين، وإن نظرت لهذه الجداول سترى بأن المنافسة ستكون صافية وتامة عندما يكثر عدد المشترين والبائعين في وضع يصعب فيه على واحد منهم التأثير في سعر السوق وبالذات إن كانت السلع متشابهة فالذهب ذهب أينما كان ويمكن
1017 🗏
معالجته لتنقيته. وتزداد المنافسة نزاهة إن لم توجد القوانين والعقبات التي تمنع البائعين والمشترين من التعبير عن رغباتهم بحرية تامة في ظل سوق بشفافية عالية " أي أن فتح أبواب التمكين في أمة لا تقطعها الحدود ولا تفرض عليها الأنظمة والقوانين (كما سترى في الفصل بعد القادم بإذن الله سيجذ فكرة التكتل للاحتكار من جذورها. وفي المقابل، ولأن للناس حرية اختيار المشقة، فإن جميع المنتجات سواء كانت مصنوعة أو محصودة من الطبيعة أو مستخرجة من باطن الأرض، ستجذب الناس للعمل فيها بناء على المشقة المستثمرة في كل منها وبمقدار استمتاع الناس بالعمل في كل منها. أي أن كل فرد سيزن وضعه ويقرر لنفسه ما يريد العمل فيه بمقارنة كل من المشقة بالمتعة في العمل بسعر بيع المنتج . وهكذا يتنقل الناس بين الأعمال باختيار ما يجذبهم، وبهذا سيجذب كل منتج العدد الملائم من العاملين فيه بمقارنة الناس بين سعر البيع وبين مقدار المشقة ومقدراتهم. فإن ارتفع سعر المنتج لندرته سواء كان ذهباً أو قطعة إلكترونية سينجذب عدد أكبر من الناس للعمل فيه فتزداد كميته فينخفض وبالطبع فإن هذه التحركات للناس هي في مجال تخصصاتهم المتقاربة، فيتحول الباحث عن الفضة للبحث عن الذهب، ويتحول صانع عجلات الدراجات لصناعة إطارات السيارات، وهكذا ، وبالطبع فإن هذه التحولات ليست لحظية، بل بحاجة لزمن، وبالطبع فإن جميع هذا معلوم للاقتصاديين، ولكن ما يجعل الأمر مع تطبيق الشريعة فذاً هو الحركيات التي جمعتها الشريعة معاً لتعمل كيد واحدة لجذ الاحتكار ولإيجاد سوق شفاف كما سيأتي بإذن الله. فمن هذه الحركيات مثلاً نشر الشريعة لأسعار التكلفة قدر المستطاع بين الناس حتى لا تصبح التكلفة سراً بين المنتجين فقط، فتتاح بالتالي فرصة انجذاب الناس للمنتج.
سعره.
ومن أهم الحركيات لمنع الاحتكار وظهور العملة ربوا الفضل فإن وضعنا السابق في إطار منع ربوا الفضل تتضح الصورة. كيف ؟ إن حصل زيد وعبيد من الناس على بعض الذهب من الطبيعة، ثم قايضوه بعملة ذهبية مسكوكة مع التاجر بكر بنفس الوزن ويداً بيد، عندها فإن مقدار الذهب عند بكر هو نفس ما حصل عليه من زيد وعبيد إلا أنه خام. أي أن بكراً لا يستطيع أن يراكم الذهب عنده لأن عليه أن يقايضه بنفس الوزن. فإن لم يكن التعامل بالذهب من المعاملات الربوية كما هي الرأسمالية لبادل بكر كل مئة جرام من الذهب المسكوك بمئة وعشرين جرام مثلاً من الذهب الذي حازه زيد وعبيد من الطبيعة. وبهذا سيتراكم الذهب عند التاجر بكر، ويوماً بعد يوم سيصبح بكر تاجراً كبيراً جداً ويتحكم في الأسواق من خلال الإقراض للمحتاجين ومن خلال التلاعب بزيادة العرض أو إنقاصه مقارنة بالتجار الآخرين، هذا إن لم يتفق معهم على توحيد الصرف ورفع سعر الذهب المسكوك، فتزداد ندرة الذهب أكثر وأكثر لاعتماد الناس عليه في التعاملات لا سيما أن هؤلاء داخل كتلة اقتصادية واحدة تحت حكم العقل البشري القاصر.
تذكر أن تجار الذهب والصيارفة هم دائماً في الوسط بين السوق وبين العاملين في البحث عن الذهب، ولأنهم في الوسط بين الجهتين فهم يرون ما يدور في كل جهة من عرض وطلب دون أن يراهم الآخرون. وبهذا يستطيعون التكتل والتلاعب إن تراكم عندهم الذهب. ومنع ربوا الفضل يجعل الباحثين عن الذهب في موقف أقوى لأنهم هم المصدر. ولعلك هنا تقول: ولكن قد يرفض تاجر الذهب المقايضة إلا بالتفاضل لصالحه، فهو قد لا يكون رجلاً تقياً، وانصياعه للشريعة يعد من باب احترام القيم وليس الحركيات، وأنت وعدت يا جميل أنك لن تلجأ للقيم! فأقول: لا، ربوا الفضل ليس من القيم، بل من الحركيات لأن التاجر هو المحتاج للذهب لأنه عصب تجارته،
١٢ الفصل والوصل
10VV
لهذا سيضطر للمبادلة مثلاً بمثل ويداً بيد برغم اختلاف الجودة لأن أمام الواجد للذهب العديد من التجار ليختار منهم لاسيما أنه لا حدود بين جغرافيات الأمة. لهذا سيضطر التاجر للتبادل برغم اختلاف الجودة لأن الواجدين للذهب في موقف أقوى، فهم يطالبون بتطبيق الشريعة لأن هذا في صالحهم، ولأنهم في موقف أقوى، فإن الآخرين من الناس سينجذبون لنفس العمل وبهذا يزداد الذهب كمية ودون تسلط أصحاب المصارف على الأسواق. وهنا لا تنسي أختي وأخي القارئ أهم نقطة من منع ربوا الفضل: وهو أن بعض الناس إذا انجذبوا للعمل في تجارة الذهب، ولأنهم حديثي دخول إلى السوق، ولأنهم غير معروفين، فسيقايضون الذهب الخام بالذهب المسكوك الذي صاغوه. فهم يفقدون مجهودهم مقابل انتشارهم في السوق لكسب السمعة فيزداد عدد تجار الذهب. هكذا يضمحل الاحتكار. وهذه مسألة مهمة. وبالطبع قد يظهر تجار لشراء الذهب تبراً بذهب مسكوك لنقله ممن يعملون في البحث عنه لمن يسكونه ، هنا أيضاً تنطبق نفس الفكرة أي لا تقايض إلا مثلاً بمثل ويداً بيد. وبهذا يكون السؤال: كيف سيكسب تجار الذهب إن منعوا من التبادل إلا مثلاً بمثل ؟ ستأتي الإجابة ولكن بعد المرور على الاحتمال الثاني بإذن الله لاشتراكهما في الإجابة.
والاحتمال الثاني هو مقايضة الذهب بغيره من المعادن الثمينة كالفضة ، وهنا يجوز التقايض بالتفاضل مع ضرورة الاستلام والتسليم قبل التفرق (يداً بيد). وهنا تظهر حكمة الشريعة في منع التقايض لأجل، ذلك أن في عدم الاستلام والتسليم مباشرة مدعاة لظهور ربوا النسيئة. فقد يأتي الباحث عن الفضة لتاجر الذهب ويقايضه الفضة التي حازها من الطبيعة كذا جرام ذهباً على أن يسده كذا جرام فضة بعد كذا شهراً وبطريقة لا تعكس التداول بين العملتين ولكن بربح أكبر، فإن وقع هذا فإن تاجر الذهب سيزداد ماله دونما مجهود وتتراكم بهذا أمواله. أما إن كانت المقايضة في الحال، فإن الذي يحدد سعر التقايض هو سعر السوق للذهب والفضة، وهذا السعر بالطبع مربوط بالوفرة النسبية لكلا المعدنين ولأن اختيار الناس للمشقة هو الذي يحدد السعر بجذب الناس، فإن الندرة ليست كبيرة ما يجعل المقايضة أكثر عدلاً فلا تتراكم الثروات عند أحد الأطراف. ولكن تذكر عدد التجار الذين يتعاملون بسك الذهب كُثر، ما يجعل احتمال تكتلهم أمر محال لأن ظهور ثرائهم غير
سعر
دائماً بأن المبرر سيسحب تجاراً آخرين للسوق ما يؤدي لتبدد الاحتكار بسبب الكثرة وحرية الحركة بين المدن والأقاليم. ولكنك قد تقول : إن هذا قد لا يقع بالضرورة، فقد يعمل الباحثون للذهب شراكة مع من يسكون النقود، فلا حاجة عندها بالتقايض بين الذهب التبر والمسكوك، وهنا قد يقع الاحتكار فأجيب: إن تكاتف عدد من الباحثين عن الذهب مع التجار وعملوا شراكة، فإن تكاتفهم لن يؤدي للاحتكار لأن عليهم بيع الذهب المسكوك لآخرين، وهؤلاء الآخرون يشترونه منهم أو من غيرهم الكثر من التجار ما يوجد التنافس بين الساكين للذهب لينزل سعر الذهب إلى تكلفة مشقة الحصول عليه بالإضافة لنفقات السك مع بعض الربح الذي يحدده العرض والطلب، والذي ينقص بالطبع بزيادة المعروض لأن أبواب التمكين مفتوحة للجميع ولأنه لا حدود. أي باختصار يستحيل الاحتكار في جميع الأحوال.
.
ولكن كيف سيكسب العاملون بالذهب؟ بالنسبة لمن استخلصوه من الطبيعة فسيحصلون على نقود مسكوكة من التجار، وهذا ربحهم. أما التجار ولأن عليهم المقايضة بتلافي ربوا الفضل، فإنهم لن يربحوا أبداً من التقايض بالذهب، بل سيخسرون مجهود السك، ، وهي . خسارة من جهتين
١٥٧٨ 🗏
لأنه
الجهة الأولى: خسارة التاجر لتكلفة السك مقابل الحصول على الذهب الذي وجده عمال المناجم يقايض يداً بيد ومثلاً بمثل. والجهة الثانية: خسارة التاجر من الذهب المسكوك المتداول بين الناس والعائد إليه منهم بسبب التلف من الاستخدام. فالتاجر للذهب إن أراد لذهبه المسكوك أن يُتداول في الأسواق بمصداقية عالية عليه حماية عملاته بقبول ردها متى تلفت. فقد يكسر لص ما طرف العملة الجمع المكسور مع أجزاء أخرى من قطع نقدية أخرى ليكسب من بيعها مجتمعة بعد تذويبها وصبها كقطعة أكبر وسيأتي بيانه بإذن الله في الحديث عن الفلوس)، وبعد كسر طرفها سيستخدمها في التداول مع آخرين، فإن لم يلحظ هؤلاء الآخرون الكسر (التلف) فسينتقل هذا الذهب المنقوص إلى حوزتهم، عندها فسيوضعون في حرج لأنهم لن يستطيعوا استخدام هذه القطعة المنقوصة، وعندها قد يقررون إعادتها تالفة لمن سكها مع جزء من الذهب بقدر ما نقص منها، أو القبول بقيمتها على نقصها معاوضة بالفضة. أما إن لم يقبل التاجر عملته التي سكها، عندها الناس عن التداول بهذه العملات المكسورة خوفاً منها عندها سيفقد التاجر مصداقيته. لذا سيحرص التجار دائماً على تغيير ما تلف من عملاتهم التي سكوها لتستمر مصداقيتهم، حتى وإن لم يفعلوا، فهناك آخرون على استعداد لاستبدالها ولكن ليس بالضرورة بالذهب، بل بمعدن ثمين آخر كالفضة. ولكن من الذي سيتحمل تكلفة ذلك الجزء الناقص؟ بالطبع إنه الشخص الذي اكتشفها ولم يتمكن من تمرير القطعة الذهبية المنقوصة لآخرين إما لأمانته أو لانتباه الناس لما لم ينتبه له هو من نقص. وهنا بالطبع قد يظهر تجار المبادلة هذه القطع الذهبية بأخرى نقدية ولكن ليست ذهبية، بل فضية وبسعر أعلى لننظر أخي القارئ للشريعة في هذه المسألة، فكما مر بنا في الاقتباس السابق لابن قدامة:
سيحجم
«فصل: والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك جواز
أحمد
بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك ونفوه عنه. وحكى بعض أصحابنا عن رواية لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل . وعن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها ، وعينها ، رواه أبو داود. وروى مسلم عن أبي الأشعث أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس، فبلغ عبادة فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواءً بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. وروى الأثرم عن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فذكر له ذلك. كتب عمر إلى معاوية : لا تبع ذلك إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن ولأنهما تساويا في الوزن فلا يؤثر اختلافهما في القيمة كالجيد والرديء. فأما إن قال لصائغ صغ لي خاتما وزنه درهم وأعطيك مثل وزنه وأجرتك درهماً فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين. وقال أصحابنا : للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم والثاني أجرة له».
لقد كانت مثل هذه المسائل منتشرة بين الناس في التعامل، لهذا تصدى لها العلماء أثابهم الله للإجابة على جميع احتمالاتها. فعلى سبيل المثال لنقرأ ما قاله ابن قدامة في موضع آخر من الاقتباس السابق:
١٥٧٩
١٢ الفصل والوصل
«فصل: فأما إن باع نوعين من مختلفي القيمة من جنس وبنوع واحد من ذلك الجنس، كدينار مغربي و دینار سابوري بدينارين مغربيين، أو دينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين أو قراضتين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، أو تمراً برنياً ومعقلياً بإبراهيمي، فإنه يصح. قال أبو بكر: وأومأ إليه أحمد، واختار القاضي أبو يعلى أن الحكم فيها كالتي قبلها، وهو مذهب مالك والشافعي لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ذكرنا، وروي عن أحمد منع ذلك في النقد وتجويزه في الثمن، نقله أحمد بن القاسم لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها ويشق تمييزها، فعفي عنها بخلاف الأثمان. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل الحديث. وهذا يدل على إباحة البيع عند وجود المماثلة المراعاة، وهي المماثلة في الموزون وزناً وفي المكيل كيلاً، ولأن الجودة ساقطة في باب الربويات فيما قوبل بجنسه فيما لو اتحد النوع في كل واحد من الطرفين، فكذلك إذا اختلفا. واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة لأنه باع ذهباً بذهب متساويا في الوزن فصح كما لو اتفق النوع، وإنما يقسم العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل ما لو باع نوعا بنوع يشتمل على جيد
ورديء».
لكن لاحظ أن هذه الأقوال للفقهاء لا تميز بين الذهب الذي سكه السلطان أو الذهب الذي سكه التاجر. فإن طبقت الشريعة بالطبع فإن العملات دائماً من إصدار التجار والصيارفة لأنه ليس للدولة إلا القليل من المال كما مر بنا، كما أن إلقاء عبء إصدار النقد على الدولة سيغرس بذرة التسلط وبالتالي الفساد، لهذا تلافتها الشريعة والله أعلم. وهذا يأتي بنا للسؤال: كيف سيكسب هؤلاء التجار والصيارفة إن كان عليهم التقايض حالاً وبنفس الوزن من ذهب بنوعية أقل؟ إن من حكمته سبحانه وتعالى أن خلق من المعادن ما سيتخذه الناس للربح بالتقايض دون ربوا الفضل، وأوضح مثال لهذا هو التقايض بين النقدين. وبالطبع فهناك تقايضات أخرى مثل الذهب بالألماس مثلاً، وفي مثل هذه الحالات فإن التقايض ليس للاستخدام كعملات، ولكن قد يكون لخزن الأموال مثل شراء المجوهرات. وحتى لا نخرج عن الموضوع :أقول: إن من حكمته سبحانه وتعالى أن وضع هذين المعدنين وكأنهما زوجان يكملان بعضهما لإيجاد الثقة في التعاملات المالية في مراحلها الأولى قبل وصول الخطة الإنتاجية إلى مرحلة التوثيق المتبادل. فقد كانتا على مر التاريخ وسيلتا التعامل الحرة. فقد يصدر سلطان ما عملة من نحاس (فلوس)، إلا أنها عملة مربوطة بقوة ،الحاكم، فإن ذهبت قوته سقطت العملة لأنها لا تعكس في جوهرها مقدار ندرتها كالذهب. ومن حكمة الشريعة أنها منعت التقايض فيهما إلا يداً بيد حتى لا يظهر ربوا النسيئة وحتى لا تتراكم الثروات عند البعض احتكاراً. كيف؟
هو
كما هو معلوم فإن الذهب والفضة متوافران على الدوام ولكن بالطبع بسعرين مختلفين، فالذهب بالطبع الأغلى لأنه الأكثر ندرة، إلا أن هذه العلاقة السعرية بينهما ليست بثابتة كما هو معلوم. فالذهب قبل سنة من كتابة هذه الصفحات بلغ ارتفاعاً حاداً ثم انخفض أثناء كتابة هذه الصفحات حوالي ٣٠% ليصبح بعد الانخفاض أغلى من الفضة بستة وستين مرة تقريباً. ولأننا في نظام رأسمالي لا يعكس الندرة، بل يعكس المضاربات أيضاً، فقد ارتفع السعر في أربع وعشرين ساعة ليكون سبع وستين مرة ثم انخفض مرة أخرى، وهذا تغير كبير في يوم واحد، وبعد أسبوعين تغير إلى ثلاث وستين مرة وقد كان هذا أول شهر أغسطس (۲۰۱۳م). وفي يوم ۳۱ سنة ٣ ديسمبر ٢٠١٣م قفز سعر الذهب من ١١٨٤ دولار للأونصة إلى ۱۲۱۱ دولاراً في أقل من ١٥ دقيقة، أي مرتفعاً أكثر من
- 🗏
٩٤
٢%، وإن نظرت إلى رسم بياني يوضح العلاقة بينهما على مدى طويل لعشرات السنين ستجد أنهما متقاربان نسبياً برغم التذبذب اليومي الكبير أحياناً. وهذا التذبذب كاف لجذب الأموال للاستثمار بينهما ما يؤدي لتجميد هذه الأموال. أما إن طبقت الشريعة فكأنه لا تغير بين السعرين، ذلك أن الباحثين عن الذهب والفضة في تغير بين زيادة ونقصان بناء على مقارنة السعر بالمشقة في استحصالهما. وبهذا سيظهر تذبذب بسيط جداً في سعر أحدهما مقارنة بالآخر. وهذا التذبذب ضئيل جداً ويظهر على فترات متباعدة لدرجة أنه لن يؤدي في الغالب لسحب الناس للاستثمار بين سعري الذهب والفضة فمتى ما تغير السعر ولو بمقدار يسير انجذب بعض من الناس للبحث عن الذي ارتفع سعره. أي أن ثبات سعر البيع بينهما هو سمة الأمة لأن أبواب التمكين مفتوحة للجميع. ومن هنا يأتي الربح للصيارفة. فالصيرفي يزيد سعر الذهب إن قايضه بالفضة، ويزيد سعر الفضة إن قايضه بالذهب. وبهذا سيكون ربحه طفيفاً جداً لأن البيع لابد وأن يكون يداً بيد. أي لأن عليه المقايضة يداً بيد، ولأن التجار مثله كثر بسبب فتح أبواب التمكين، ولأنه لا حدود، ولأن سعر البيع أصبح عرفاً لأنه وكأنه ثابت لأمد طويل فيعرفه الناس، فإن سعر التقايض بين الذهب والفضة شبه ثابت مع القليل من الربح. وهكذا لن يظهر الاحتكار ولن يتمكن صير في ما من التفرد بالأسعار. وبالطبع فإن المقايضة مستمرة بينهما دائما لاحتياج الناس لهما، فالذهب لشراء ما غلى ثمنه، والفضة للمستهلاك الأدنى سعرا.
ليس هذا فحسب، بل أن أسعار الذهب والفضة تظهر «ثباتاً مؤقتاً» تجاه جميع المنتجات لأن كل المستهلكات تخضع لقانوني المشقة والعرض والطلب. والمقصود بالثبات المؤقت هو أن أسعار المنتجات بالطبع ستتغير مقارنة بالذهب والفضة مع مرور الزمن بسبب فتح أبواب التمكين المؤدي لزيادة المعروض من السلع، إلا أن هذا التغير ليس بالقفز ولكن بالتدريج ليعكس الوفرة النسبية للموارد والنشاط الإنتاجي، وكلاهما لا يقفزان. أي إن نظرنا لأسعار السلع في المنظور القريب فهي وكأنها ثابتة إن طبقت الشريعة، بينما في أيامنا الحالية فإن العلاقة السعرية بين الذهب والفضة وبين المنتجات متذبذبة لأنها نتاج المضاربات وقفل أبواب التمكين وبالذات إن قورنت بالمؤشرات للأسواق. فإن نظرت إلى رسم بياني يوضح العلاقة بين مؤشر داوجونز للأسواق الأمريكية مثلاً والذهب والفضة ستلحظ وكأنهما من كوكبين مختلفين. وهذه نقطة مهمة تنبه لها أخي القارئ: فربط السعر بالمشقة إن طبقت الشريعة سيجعل سعر الصرف بين الذهب والفضة وجميع المنتجات «وكأنه» شبه ثابت برغم تغيره على المدى الطويل ما يؤدي لاستقرار كبير للأسواق. وبالطبع هناك استثناءات ولا تظهر إلا في حالات استثنائية مثل منطقة أصابتها جائحة أو كارثة كزلزال مثلاً ما يؤدي لقلة المعروض من سلعة ما فيرتفع سعرها. ومن الاستثناءات أيضاً ظهور منتج جديد ليحل محل منتج أقدم ما يؤدي لانخفاض سعـر الأقـدم مثل ظهـور الطابعات الليزرية التي حلت محل الطابعات التقليدية، وهكذا. أي أن الوضع الطبعي هو استقرار الأسعار لجميع المنتجات مع تغير تدريجي وطفيف بسبب التطور التقني وظهور منتجات جديدة.
في ظل هذا الاستقرار الكبير وفي ظل التعاملات التي لا تسيطر عليها الدول تولد العملة التي هي من إنتاج الصيارفة لخدمة الخطط الإنتاجية. وقد تكون لكل خطة إنتاجية عملتها، ومع الزمن قد يتحول الناس للعملة الأكثر تداولاً، فيتجه التجار لإنتاج نفس الوزن من العملة، وهكذا يتحدد وزن وسعر العملة وتزداد انتشاراً لتصبح عرفاً بسبب هذا الاستقرار. فهذا الصيرفي يصدر جنيهاً بوزن ما، وذاك ديناراً بوزن آخر، وثالث درهماً فضياً، ورابع
١٢ الفصل والوصل
١٥٨١
ذهباً مخلوطاً بمعدن آخر، وعندها فإن التاجر الذي ستستمر عملته هو التاجر الذي سيكتسب مصداقية من خلال الثقة في عملته بناء على همته في استبدال العملات التالفة بأخرى أحدث منها بعد سكها أو إعادة سكها. وهكذا تقوم العملات الذهبية والفضية بوظيفة كل من (۱) تأمين الثقة بين المتعاملين في التعاملات «المستحدثة»، ٢) التثمين في «التوثيق المتبادل بين المنتجين المستقرين دون الحاجة لحيازتها بالضرورة. حتى أن بعض الصيارفة قد يصدرون إيصالات نقدية يتناقلها المنتجون فيما بينهم . وبالطبع فإن خطورة إصدار إيصال لا رصيد له من الذهب أمر وارد، إلا أن هذا الصيرفي الذي أصدر هذه الإيصلات سيُفتضح أمره إن عاجلاً أو آجلا. وعندها ستخسر بالطبع بعض الشراكات الإنتاجية التي تعاملت معه إلا أن هذه الكبوة هي في خطة إنتاجية مفصولة عن الخطط الأخرى وليست كبوة لمؤسسة تصدر عملة على مستوى الأمة. ومن جهة أخرى، فإن هذا نادر الحدوث لأن المجتمع الإنتاجي يتعامل مع العملات فقط في محقرات المستهلكات وبعض الصفقات لنقل الملكيات ذلك أن ثروات المجتمع ليست مركزة في السيولة النقدية والإيصالات، بل في موجوداتها. كيف؟
السيولة والمقومات
إن السابق يشير إلى أن العملة ستصبح خادمة وليست سيدة. أي أنها وسيلة وليست غاية، فهي بهذا أداة وليست سلعة. وهذا بالطبع سيؤدي للمزيد من الكفاءة لأنه لا أفراد يكسبون دون إنتاج فعلي كموظفي القطاعات المالية الآن، فلا قلق ولا أرق من مضاربات ولا مراهنات ولا استثمارات وكأنها مقامرة، فالكل مرتاح البال ويركز على منتجه. فلا كسب إلا من التفرغ للعمل المنتج وتطويره إن طبقت الشريعة. وهكذا تزداد العدالة في التوزيع لأن الثراء موزع بناء على الإنتاج وليس على المنصب البيروقراطي. تذكر أيضاً أنه لا نفقات عسكرية (كما مر بنا) ولا نفقات أمنية من شرطة ومباحث واستخبارات (كما سيأتي بإذن الله) ، فلا وجود لكل هذه النفقات المنهكة للاقتصاد، تذكر أيضاً أنه لا أموال من طباعة النقود والسندات، بل عمل وإنتاج. وهنا قد تظن أن المجتمع سيعج بالعملات المعدنية في جيوب الناس فأقول: لا، لأن ما يخفف كثرة العملات كأداة هو الآتي:
كنت قد أثرت تحت عنوان «العملات احتمال ظهور أربعة أسباب لرفض الناس لفكرة التعامل بالذهب والفضة، وقد كان السابق رداً جزئياً على السبب الأول، ألا وهو صعوبة التعامل بالذهب، وسيأتي الرد على السبب الثاني في الحديث عن الفلوس بإذن الله، أما السبب الثالث فهو احتمال انخفاض سعر الذهب بزيادة عرضه ما يؤدي للتضخم. والسبب الرابع (وهو عكس الثالث) هو مقدرة الذهب على تعظيم الادخار ما يؤدي لخزنه وبالتالي لتجميد رؤوس الأموال. سأحاول الآن الرد على السببين الثالث والرابع.
بعد قراءة السابق (أي فتح أبواب التمكين واختيار الناس للمشقة) قد يستنتج القارئ بأن الذهب سيكثر ما يؤدي للتضخم. هنا لابد من التوضيح الآتي: عندما أقول وفرة في الذهب لأن الناس يهبون لحيازته من الطبيعة فهذا يعني أبداً أن الذهب سيكثر ليقترب من النحاس في كمياته، بل سيبقى الذهب نادراً. وهناك فرق بين الندرة قلة معدن ما في الطبيعة والندرة بسبب احتكار البشر. فالندرة بسبب الاحتكار تعني مباشرة تغير التركيبة الاقتصادية الاجتماعية في المجتمع لأن التوزيع للثروات غير عادل كما في الرأسمالية فتظهر الطبقية. أما الندرة
لا
بسبب
١٥٨٢ 🗏
للمعدن ودون احتكار، تعني أن نصيب الفرد على الأرض من الذهب أقل من نصيبه من النحاس، إلا أن المعدن ليس محتكراً، بل نصيب الفرد منه أقل، وهذا بالطبع ليس كالاحتكار الذي يعني أن بعض الناس يملكون ما يعادل أطناناً من الذهب في عصر العولمة الظالمة بينما الكثير من الناس لن يدخروا حتى ولو عشرة جرامات مهما عاشوا. كنت قد ذكرت في الفصول الأولى بأن مفاتيح التمكين هي مدى تمكن الفرد من سهولة الحصول على الموارد والموافقات والمعرفة. وفي المقابل فإن هذه المفاتيح تتفاعل لتتجسد في ثروات المجتمع والتي عادة ما تظهر في ثلاثة مقومات لا تقوم المجتمعات إلا بها: المقوم الأول وهو الأوضح هو المنتجات الملموسة (سواء كانت مصنوعة أو مواد خام). والمقوم الثاني هو المعرفة أي المهارات والأفكار التي يتمتع بها الأفراد، وهذه عادة ما تقدر بثمن محدد عند توظيفها كأن تكون أجرة العامل أكثر إن كان متخصصاً أو يكون حق استخدام اختراع ما في منتج ما بكذا مليون درهم في النظام الرأسمالي والمقوم الثالث هو النقد سواء كان ورقياً كالريال والدولار أو عينياً كالذهب والفضة. ولنطلق على هذا المقوم الثالث بـ «الأموال السائلة» لأنها أموال لم توظف بعد في الإنتاج، بل هي احتياطي للتداول أو للتوظيف مستقبلاً أو للكنز. وبالطبع، فإن خصائص المجتمع تتبلور من خلال التفاوت بين مقادير هذه المقومات فيما بينها». لننظر للمسألة ببعض الأمثلة.
أولاً: العلاقة بين الأموال السائلة والمنتجات: فمن الطبعي أن يكون المجتمع الذي تكون نسبة الأموال السائلة فيه مرتفعة مقارنة بالمنتجات مجتمعاً يقترب من الظلم لأن إمكاناته تتجسد في الأموال المختزنة كالذهب والبلايين من النقود في صناديق البنوك وليس في المنتجات التي قد تفيد الناس وهذا يعني الفقر لقطاع كبير من السكان. فمعظم الأموال السائلة الآن هي أموال مودعة في البنوك والسندات وما شابه من استثمارات غير منتجة. فهناك دراسة تقول بأن ٣٪ من الأموال على الأرض في عصر العولمة الظالمة (۲۰۱۲م) هي قيمة المنتجات الفعلية، بينما الباقي هو أموال سائلة مستثمرة في الأوراق أو شاشات الحاسب الآلي كالسندات والأسهم وصناديق الاستثمار. وهذه السيولة كما مر بنا حكر على طبقات دون أخرى، وبالتالي ظهور التصنيع للكماليات الباذخة لإشباع إسراف هذه الطبقات. ولعل المثال المعاصر المتطرف لهذا هو طائرة مصنوعة من داخلها على شكل قصر فاره لقارون ما، أو أنواع الأرضيات السيراميكية المتعددة الطبقات. تذكر أخي القارئ ما مر بنا في الفصل السابق عند الحديث عن الطبقية في الحديث عن تأويل قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وتذكر كيف أن المال عندما يزداد دونما استثمار قد ينتهي بخزنه في السقف والمعارج والأبواب والسرر المزخرفة المذهبة كناية عن التكديس للأموال مقارنة بحاجة الناس للضروريات. والآن نرى الشيء ذاته إلا أن التكديس في مواقع أخرى كالساعات المطرزة بالألماس أو التباهي بشراء اليخوت بالملايين. أي المجتمع إن زادت فيه السيولة النقدية عن المنتجات نسبياً وبالذات عن الضرورية منها فهو مجتمع ظالم لنفسه لأنه يظلم قطاعاً كبيراً من الناس بإفقارهم، ذلك أن جزءاً من طاقات المجتمع الإنتاجية تُوجه إلى إنتاج كماليات فارهة لقطاع من السكان الذين تمكنوا من تكديس الأموال لأن التوزيع غير عادل.
ثانياً: العلاقة بين المعرفة والمستهلكات فبالنسبة لعلو المعرفة أو المهارات مقارنة بالمستهلكات فمن الطبعي أيضاً أن يكون المجتمع الذي تتعدد فيه مهارات العاملين وترتفع مقارنة بالمستهلكات مجتمع يميل إلى الظلم، ذلك
١٢ الفصل والوصل
١٥٨٣
أنه كلما ارتفعت المهارات مقارنة
بعموم
المستهلكات دل ذلك على علو شأن المجتمع معرفياً في بعض المنتجات الفارهة وليس كلها. فعلى سبيل المثال، فإن الوضع الأمثل للمعرفة في مجال الإضاءة هو توجه علم الإضاءة «أولاً» لما يحتاجه الناس من إضاءة لمصباح لا يلوث ولا يستهلك الكثير من الطاقة ويضيء بطريقة صحية وسهل التركيب وفي متناول جميع الناس لأنه من الضروريات، لكن الواقع الحالي هو وجود متخصصين في صنع الثريات الفارهة التي تضيء ء القاعات الفخمة والمصابيح الليزرية بينما معظم المساكن فيما يسمى بالعالم الثالث لا توجد بها أي إضاءة لأنه لا تقنية متطورة للإضاءة بسعر منخفض يستطيعه الفقراء من مصادر أخرى غير الكهرباء كخزن الطاقة الشمسية نهاراً لاستخدامها ليلاً. انظر لأي صورة جوية ليلاً لتدرك ما أقصد فهنا نرى الفرق الشاسع بين التقدم المعرفي وتوظيف هذا التقدم ليخدم طبقة ثرية لا أن يخدم المجتمع بالشكل الأمثل. لاحظ أن المسألة نسبية، فأنا لا أقصد أن المجتمع سيكون أفضل إن كانت معرفته أقل، بل أعني أن المجتمع ذو المعرفة الأعلى هو الأمثل إن وظفت هذه المعرفة في معظم المنتجات، أي أن المنتجات في استغلال دائم للمعرفة أي كلما ارتفعت جودة المنتجات مع التقدم المعرفي فإن هذا يعني أن المجتمع في سمو مستمر.
هذه العلاقة بين المعرفة والمنتجات لن يستطيع العقل البشري إدراك الأمثل منها للمجتمع إلا بالمحاولات في ظل الشريعة، وإلا فإن النتيجة ظالمة لنأخذ مثالاً: إن في باب سيارة مرسيديس الألمانية الذي يُغلق أوتوماتيكياً دون دفع شديد مؤشر على علم ميكانيكي كهربائي متقدم. وهذه المعرفة في ظاهرها إسراف لأن قيمة باب سيارة واحدة يفوق إطعام عشرة آلاف فقير لوجبة واحدة في دولة نامية، إلا أن هذه المعرفة قد تؤدي لفتح كبير في مجال آخر مفيد للبشر مثل فتح قنوات السدود عن بعد وبطريقة متقنة لإيقاف وتمرير المياه ما يفيد عشرات الآلاف من المزارعين. فهل تقنية هذا الباب ستؤدي لتقينة السد أم أنها ستبقى حبيسة السيارات وأنه كان من الأفضل للمجتمع استثمار المال والوقت الذي صرف في صنع هذه الأبواب لتصرف في تطوير وتصنيع دواء ما؟ لا أحد يستطيع الإجابة مهما كانت الدراسات. فما العمل إذاً؟ والإجابة هي أن قيام كل مستثمر أو جماعة مستثمرة بالبحث عن صالحها في ظل مجتمع يفتح أبواب التمكين للجميع، سيدفع المعرفة لما هو أفضل للمجتمع. ولكنك قد تقول: ألم تفعل شركة مرسيديس ذلك؟ فأجيب: أجل فعلت ولكن في ظل كرة أرضية تقفل أبواب التمكين فذهب جهدها لتصنيع هذا الباب لخدمة شريحة ثرية ضيقة بينما الكثير من الناس لا يجدون ما يركبون، وهذا إسراف وظلم على مستوى العالم، أما على مستوى الدول الإسلامية، فإن الأمثلة لا تعد ولا تحصى. ففي السعودية مثلاً تجد المستشفيات التي تعج بالمعدات المتقدمة والأبحاث والأطباء المتخصصين حتى في فصل التوائم، بينما الملايين من الشعب بحاجة لوسيلة أولية للكشف عن السرطان مبكراً. وهذا يأتي بنا للعلاقة الثالثة:
ثالثاً: العلاقة بين المعرفة والأموال السائلة: بالطبع فكلما كثرت الأموال السائلة مقارنة بالمعرفة فهذا يعني جموح المجتمع عن الاستثمار في الأبحاث والتطوير للضروريات، ولأن الضروريات تسحب كماً من السيولة المالية في أي مجتمع، فإن فاض الكثير من المال بعد هذا السحب فهذا يعني أن المجتمع لا يستثمر في ما قد يؤدي لتطوره. ولعل خير مثال لهذا هو دول الخليج العربي أيام النفط فهي مجتمعات متخلفة برغم كثرة أموالها في البنوك. قارن هذا بالدول الإسكندنافية التي تستثمر الكثير في الضروريات إذ أن معظم موجوداتها تحولت إلى ضروريات برغم أنها كماليات بالنسبة لنا، كاستخدام الدراجات كما في هولندا مثلاً ما تطلب استحداث صناعة كاملة من تطوير
١٥٨٤ 🗏
الملابس لحفظ الجسد من الهواء البارد أثناء قيادة الدراجة ومن تخطيط للشوارع ومن تدريس في المدارس للصغار لركوب الدراجات وأصول التعامل معها.
أي أن كثرة الضروريات وجودتها مقارنة بالمعرفة والمال السائل مؤشر على صحة المجتمع لأن معظم الأموال مستثمرة في الإنتاج من جهة، ولأن المعرفة التقنية تتكافأ مع معظم المنتجات من جهة أخرى. وبهذا يمكن قول الآتي استنتاجا لأن (۱) المنتجات المتقنة بحاجة لخطط إنتاجية استقر الإنتاج فيها لأمد طويل وهي بالتالي تتعامل بالتوثيق المتبادل فتضمحل الحاجة للنقد، ولأنه (۲) لا استثمار من خلال خزن الأموال لأن الفوائد محرمة إذ لا مؤسسات مثل البنوك التي تدفع الفوائد الربوية لأن المجتمع سيحارب مثل هذه المؤسسات وبالتالي لا يخزن الناس أموالهم نقداً، ولأن (۳) الشريعة تفرض الزكاة على الأموال فيهب الناس لاستثمارها خوفاً من أن تأكلها الزكاة وهي راكدة، فهي بالتالي دائماً مستثمرة وليست مكتنزة، ولأن (٤ قيم المجتمع مبنية على تبني سلوك الإنفاق قدر المستطاع (كما سيأتي بإذن الله فيدور المال لينتهي في المستهلكات والاستثمار وليس الخزن، لكل هذه الدوافع الأربعة فإن الأموال المتداولة أو السائلة قليلة جداً مقارنة بالأعيان في المجتمع. وهذا يعني اضمحلال الحاجة للذهب والفضة. فتأمل.
هذا أن
أي أن المهم في أي مجتمع هو ليس السيولة، ولكن الأهم هو موجودات المجتمع من خيرات خام وسلع قد أنتجت من جهة، والخبرات والمهارات لدى الأفراد لصناعة المنتجات ولتقديم الخدمات التي تحتاجها المؤسسات والأفراد من جهة أخرى. وهذا يتناقض مع الرأسمالية التي تعطي السيولة قدراً أكبر من الاهتمام. فعندما تسمع أن السوق المالي قد خسر كذا بليون هذا اليوم، فلا يعني هذا أن الكرة الأرضية قد خسرت كذا مليون طن من النحاس مثلاً، ولا يعني هذا أن مصانع السيارات قد فقدت كذا ألف سيارة بأن الأرض ابتلعتها، ولا يعني خضروات المزارع أكلتها الحشرات، وهكذا، فلا زال الناس ينتجون كما هم، ولازالت الأرض تعج بالخيرات كما فالأنهار لازالت تجري، والمراعي زاخرة بالأعشاب والأرض محشوة بالمعادن والناس لديهم المهارات والخبرات لم تمس بفقدان السوق لكذا وكذا بليون. فأين ذهبت الخسارة إذاً؟ إنها مضاربات واستثمارات وهمية تعطل حركة الاقتصاد. أما مع تطبيق الشريعة، ولأن المهم هو الموجودات والمهارات بينما النقد السائل خادم وقليل، فإن الاقتصاد ينمو بنمو المعرفة وتوافر الموارد، وكلاهما متاح مع تطبيق الشريعة.
هي.
التي
أساس
ولعلك الآن تقول: ولكن الذهب في ازدياد لأن الناس يتجهون للبحث عنه بكثرة، وهذا قد يؤدي للتضخم! فأجيب: لنعطي الموضوع حقه لابد من بعض التوضيح: هناك نظريات اقتصادية مختلفة حول غريزة الكنز، ولكنها بالنسبة لنا جميعاً وكأنها تدور في فلك واحد. فلطالما كانت النقود سلعة وكأنها تؤجر، أي أن الربوا هو الاقتصاد، فلا فرق بالنسبة لنا بين نظرياتهم لأننا نرفض الربوا لنقارن مثلاً أهم نظريتين في الاقتصاد الرأسمالي: لنقارن مثلاً نظرية الأموال القابلة للإقراض (النظرية الكلاسيكية) أو ما يعرف بـ Lonable Funds Theory :
فهي نظرية تقول أن الذي يحدد معدل الفائدة هو العرض والطلب للأموال القابلة للإقراض. قارن السابق بنظرية كينز Keynes المعروفة باسم تفضيل السيولة أو ما يعرف بـ Liquidity Preference، فهي نظرية تقول أن الذي يحدد معدل الفائدة هو رغبة الناس في الاحتفاظ بالنقود أو أشباه النقود بدلاً من أصول أخرى كالعقارات والودائع الثابتة طويلة الأجل. فعندما ترتفع أسعار الفائدة فإن الناس عادة ما يحاولون اللجوء إلى أصول غير نقدية مثل
١٢ الفصل والوصل
١٥٨٥
السندات طويلة الأجل، أما عندما تنخفض معدلات الفائدة، فإن الناس عادة ما يلجؤون إلى الاحتفاظ بأموالهم بطريقة نقدية لأنهم قد لا يفقدون الكثير مقابل الاطمئنان للنقد.
ولعلك تقول: ولكن الذهب، رضينا أم أبينا، سيتغير في كمياته مقارنة بالموجودات، وبالتالي قد يتجه الناس لخزنه حتى وإن لم تكن هناك فوائد ربوية فأجيب : هناك ثلاثة احتمالات لكميات العناصر الثمينة من ذهب أو فضة أو ألماس مقارنة بالموجودات وهي كالآتي :أولاً: أن يزداد إنتاج الذهب والفضة بكميات تساوي الزيادة في الطاقة الإنتاجية، وهذا يعني الاستقرار. أي لا اختلاق للثروة ولا تضخم وبالتالي لا ظلم. ثانياً: أن تزداد كمية النقد عن الموجودات. فإن زاد النقد مثلاً بزيادة الذهب بالتنقيب فإن هذا يعني أن قوة الوحدة الشرائية من الذهب قد نقصت، وعندها فإنه لا تأثير كبير على الاقتصاد لأن الذهب عملة تداول وليست عملة اكتناز، فالذي يخسر هو من كنزه، وهذا عقاب الكنز. لذا سيظهر عرف للتخلص من النقد حال حيازته كأن يحاول الفرد خزن مجهوده في أعيان مصنوعة كآلة مصنع أو أعيان مشيدة مثل منزل أو الاستثمار في مقر عمله حتى لا يفقد ادخاره إن وضعه في الذهب. ومن جهة أخرى، وعلى افتراض زيادة كمية الذهب مقارنة بالمنتجات، فإن الوضع عادل لأنه وقع على الجميع وليس كحال الدولة التي تطبع النقود وتنقل المجهودات من قوم الآخرين ما يعني السرقة والظلم كما مر بنا، أي أن الاشكالية هي في سحب أموال الناس ما يؤدي للتضخم وليس التضخم التدريجي وللجميع. وهذا الاحتمال الثاني نادر الحدوث لأنه مهما زادت كمية الذهب فإن المنتجات بالمقارنة هي الأكثر ازدياداً لأن أبواب التمكين مفتوحة وتعداد الناس في ازدياد مع تقدم معرفي ما يزيد المنتجات مقابل الذهب، وهو الاحتمال الثالث: أي زيادة الإنتاج على النقد، وهذا الذي سيقع في الغالب بسبب فتح أبواب التمكين عندها فإن أسعار المنتجات ستنخفض
مقارنة بالذهب.
ولعلك هنا تستنتج أن هذا قد يدفع البعض لكنز الذهب لأن سعره في ازدياد مقارنة بالسلع ! فأجيب: إن وقع هذا من البعض فلا ضرر فيه على الاقتصاد كما مر بنا لأن ثروات الأمة مركزة في المنتجات والمعرفة وليست في السيولة بسبب توسع الإنتاج الذي جعل الذهب وحدة تثمين ووحدة نقل للمجهودات لا وحدة خزن. كما أن زيادة المنتجات مقابل النقد ستكون تدريجية وطفيفة جداً ولا تقارن بالتضخم الناتج من طبع النقود وإصدار السندات كما مر بنا. ولعلك تقول بأن التاريخ يثبت لنا أن بعض الناس كانوا يكنزون الذهب والمجوهرات بدليل الكثير من الأساطير عن البحث عن الكنوز فأجيب: هذا صحيح، ولكن تذكر أن هذا وقع في ظل سلطات كانت تعيق التمكين في جميع العصور باستثناء بعض الفترات في العالم الإسلامي ما دفع الناس للكنز لأنه لا زكاة ولا تكافل اجتماعي. أي أن المجتمع لم يكن سامياً ليحمي الناس إن هم أفلسوا. تدبر قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، ثم قارنه بقوله تعالى في نفس المنطقة الجغرافية وفي نفس الفترة: ﴿أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. ففي قصة موسى عليه السلام مع الخضر إشارة إلى كنز الناس للمال وإشارة إلى تسلط الحكام. ولتأكيد السابق عن السيولة النقدية لابد من المرور على حركيات وقيم تحاول الشريعة غرسها ليتحرك الاقتصاد بأقل نقد ممكن مثل الزكاة والإنفاق وتلافي الكنز. ولكن قبل توضيح هذه الحركيات والقيم
1017 🗏
لابد من الإجابة على السؤال الذي قد يدور في أذهان بعض القراء ، ألا وهو: إن التنمية لا تبدأ إلا برأس مال كبير في المشروعات الكبرى مثل إنشاء السدود والمطارات وهذه بحاجة للسيولة النقدية، وهذا ضد طرح الكتاب، فالدول تقترض المليارات من البنوك العالمية لبناء المطارات مثلاً لتخرج من كبواتها الاقتصادية، ولعل أفضل مثال هو البنك الدولي وما يقدمه من قروض لدول ما يسمى بالعالم الثالث !!!». فأجيب: لابد لنا إذاً من الوقوف عند التنمية أولاً ثم العودة لموضوع السيولة وتداولها، ذلك أن الكثير من الدارسين يعتقدون بأن علم التنمية إن أتقن تطبيقه سيؤدي إلى نمو اقتصادي في إطار رأسمالي.
التنمية:ترقيع أم استعباد ؟
مفهوم
إذا كنت أخي القارئ ممن يدركون مفاسد علم التنمية فبإمكانك قفز هذه الصفحات إلى العنوان القادم، أي إلى «الحيرة»، وذلك حتى لا يتشتت تركيزك. فما سيأتي من نقد سيركز على مبدأ أن المال العام متى ما كان من الضرائب أو من بيع المعادن وخُصص للتنمية فهو مال مهدر لأنه ليس ملكاً للمسؤولين، فيقل الحرص ويزداد الهدر. أما إن كان المال آتِ من الاقتراض من البنوك الدولية أو دول أخرى فهو لأنه مال سهل الاقتراض (لأن المقرضين يريدون تسهيل إقراضه لإركاع المقترض، فهو عادة ما يضيع بين أهواء المسؤولين، وبهذا تصبح الدولة المستقرضة لعبة في أيدي المقرضين لحاجتها المستمرة للاقتراض. وبهذا تزداد الديون ويأتي الاستعباد. فإن لم توافق أخي على هذا الاستنتاج فلابد من قراءة الآتي: فهو نقد سريع لعلم التنمية ومن دراسات الباحثين في العالم الغربي.
لقد نقدت فيما سبق من هذا الفصل النظام النقدي في العالم الغربي والذي تسير معظم الدول الإسلامية على خطاه شبراً شبرا (فياله من جحر ضب). ولأنه نظام يؤدي للظلم فلابد وأن تنبثق منه إفرازات تؤدي للفساد كما مر بنا. ومن هذه الإفرازات علم التنمية، وحان الآن نقد علم التنمية وذلك لأن هناك من يعتقد أن توافر السيولة لدولة ما كأخذ القروض سيؤدي لتنمية شاملة وبالذات في دول ما يسمى بالعالم الثالث لهذا وجب تبيان فساد هذه
القناعة.
إن جميع نظريات التنمية ما هي إلا أفكار منبثقة عن الاتجاهات الرئيسة في علم الاقتصاد الذي أتى به العلمانيون سواءً كانت الكلاسيكية الجديدة أو الكينزية أو الاشتراكية. وهذه الاتجاهات كما رأينا تعود إلى النظرة التنويرية التي تدعي الحيادية في القيم وتركز على الاستهلاك والثروة كمصدر للسعادة البشرية، والأهم هو تركيزها على دور الدولة. لذلك لابد وأن تفشل كما سنرى. لقد ظهر «علم» «التنمية» أو «development» بعد طغيان الرأسمالية وبعد ظهور الاستعباد المادي بين من يملكون ومن لا يملكون. وكانت مهمة هذا العلم هي - مشكلات الفارق الكبير بين الأثرياء والفقراء. فالاعتقاد المسيطر على معظم الباحثين سابقاً هو أن الفقراء أصبحوا
حل
فقراء لأنهم غير قادرين على النهوض بأنفسهم. فقد كانت النظرة الغربية للدول الفقيرة أنها فقيرة لأن أناسها لا يستطيعون الخروج من الفقر لنقصهم الثقافي والعرقي وحتى العقلي. فالمسألة ليست اقتصادية إذاً. فقد توصلت لجنة من خبراء الأمم المتحدة سنة ١٩٥١م بأن على الدول النامية إن إرادت التحضر أن تصلح مؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية لتماثل تلك التي وجدت في الدول الرأسمالية فيقول ستالي Staley مثلاً أن
١٢ الفصل والوصل
١٥٨٧
التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا جرت على صورة الولايات المتحدة الأمريكية. فظهر تعبير «الحلقة المفرغة للفقر» في كتابات معظم المفكرين عن التنمية والتي تعني أن الفقر هو مجموعة دائرية من القوى التي تتفاعل فيما بينها حتى يبقى البلد فقيراً، ومن هذه القوى زيادة السكان وانخفاض الدخل والمدخرات وانخفاض الاستثمار وانخفاض الصادرات والنمو. فالبلد فقير لأنه فقير» كما لخصها شابرا.
روس
۹۵
بهم.
لكن هناك من الباحثين من ينظر للبشر بالتساوي ويركز بالتالي على الظروف المحيطة . فيقول إرك Eric Ross: إن معظم الدراسات عن جذور الفقر والتخلف لابد وأن تقع في إحدى مجموعتين: مجموعة تعتقد أن التخلف هو لأسباب مجتمعية في طبيعتها، ولذلك فهي قابلة للتحسين بتغيير التركيب الهيكلي للمجتمع. ومجموعة ترى أن التخلف نتج عن ظروف خارج سيطرة الإنسان، إذ أن هذه الظروف مادية وجذرية أو جينية لملامح السكان المتخلفين. أي لا أمل لهؤلاء المتخلفين في التقدم وذلك لأن مجتمعاتهم ذات خصائص حضارية ونفسية وعرقية صعبة التغيير، أو لأن بيئتهم تقاوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو لأن النمو السكاني يجهض كل محاولة للخلاص من التخلف.
٩٦
أي أن اللوم ألقي على الناس وليس على النظام الرأسمالي الذي فرض هذا الفارق. لذلك أتى الحل أيضاً من منظور رأسمالي. فاستعباد الأغنياء (سواء من الدول أو الأفراد للفقراء أدى إلى وضع مؤلم من فقر وجهل ومرض لم يقبله الكثير من المفكرين والباحثين وبعض السياسيين. وحار الجميع عن أسباب هذا التخلف. ولكن أيضاً ودون اللجوء لأحكام الله وباستخدام العقل البشري القاصر تبلورت الحلول التي انتهت بعلم التنمية إلى ضياع في إطار رأسمالي. كيف؟ لنبدأ بالسؤال: ما هي أهمية هذه المسألة لمقصوصة الحقوق ؟ إن معظم الباحثين يعتقدون أن الخلاص من الفقر لسكان الأرض والسعادة لهم لن يكون إلا بالتنمية في إطار النظام الرأسمالي لأنه نظام شديد
الإنتاج. لذلك وجب علينا المرور سريعاً على علم التنمية بتوجهاتها المختلفة وتاريخها وعلاقتها بالفقر والحقوق. أخي القارئ: نحن بحاجة لتعريف آخر غير كلمة «تنمية للتعبير عن الزيادة الإنتاجية في المجتمع دون تدخل السلطات. لذا أقترح استخدام كلمة «نمو» والتي تعني الزيادة دون تدخل السلطات كما في القرى النائية التي لا تحكم بشرع الله. أي أن هناك فرق بين التنمية والنمو. فالنمو هو الزيادة أو التقدم التلقائي دون تدخل السلطات. أما التنمية فهي المحاولات التي تقوم بها السلطات من خلال اتخاذ القرارات وصرف الأموال التي تسعى إلى دفع المجتمع إلى النمو بناءً على خطط موضوعة. وعادة ما تكون التنمية المطلوبة مؤطرة بفترة محددة. ومن أمثلة ذلك إيجاد المدن الجديدة وشحن الطاقة إليها وبناء السدود لري ملايين الفدادين ومثل هذه التنميات كما مر بنا كانت دائماً مصحوبة بالتلوث والانحلال الخلقي أحياناً. أما النمو فقد لا يكون ظالماً للناس وقد يصحبه بعض التلوث. لكن إن كان النمو باتباع شرع الله دون تدخل خارجي فإني أفضل تسميته في هذا الكتاب بـ «البركة» لأنه نمو دون إفساد كما ذكرت وكلما ازداد التعلق والتطبيق للشريعة كلما زاد النمو دون إفساد ولأجيال أكثر. فالإفساد كما قلنا هو مجموع كل من التلوث والانحلال الخلقي، والانحلال الخلقي يشمل الفقر أيضاً. ولهذا عرفت «البركة» بأنها الزيادة باتباع شرع الله دون إفساد. وقد خصصت فصلاً كاملاً للبركة لأهميتها. ولكن حتى تقتنع أخي القارئ بعدم أهمية السيولة النقدية للبركة، لابد لي هنا من المرور على أهم مفاهيم التنمية في الفكر البشري لترى الفارق بين التنمية باستخدام العقل البشري الذي لا يستغني عن السيولة النقدية ويؤدي للفساد، وبين البركة
١٥٨٨ 🗏
المال العام بكميات كبيرة
باتباع الشريعة ودون إفساد ودون الحاجة للسيولة النقدية كما تريد الرأسمالية. فتجمع لدى جهة واحدة هي عين الفساد لأنه ببساطة إنفاق «ما ليس لك على غيرك» كما أكد فردمان.
إن التنمية عموماً، وكما يقترح الكثير من الباحثين، هي عملية تشمل معظم أوجه النشاط في الحياة، إذ أن المفترض بها أن تؤدي إلى رفاهية أفراد المجتمع. فهي بذلك تحاول بناء الإنسان وتحريره وتطوير كفاءاته وإطلاق قدراته، وهي أيضاً اكتشاف لموارد المجتمع وتنميتها وحسن تسخيرها." ولقد وصفها أحد الباحثين باختصار شديد بأنها تغيير المجتمع للأفضل، فهي بذلك تعني النهوض بالمجتمع، وهذا لابد وأن يعني تغيير أنماط الحياة السائدة التي ستؤدي على المدى الطويل إلى زيادة مستوى الرفاهية وتوافر الخدمات مثل العلاج والتعليم. ولكن السؤال هو: من سيقوم بذلك؟ أهي الدولة أم الناس بأنفسهم أم أنها المؤسسات الخيرية؟ إن الإجابة على هذا السؤال للكثيرين الدولة. حتى المسلمين الذين يلقون بمهمة التنمية على هي الناس يرون ضرورة تنظيم أو تدخل الدولة للقيام بذلك. فلنأخذ هذا النص مثلاً عن ضرورة التنمية للباحث عبد العزيز الخياط إذ يقول:
أكتاف
عموم
... فالعناية بالزراعة وتطورها واستخراج ما في باطن الأرض من المعادن والنفط والفحم وغيرها، واستغلال الغابات والمراعي والإكثار من الحيوانات والاستفادة من مستخرجاتها، وإنشاء المصانع والمعامل والإكثار من المنتجات وإيجاد الأسواق لكل هذا، إنما هو تنمية للموارد الاقتصادية دعا إليها الإسلام وحث عليها واعتبرها من فروض الكفاية التي يأثم كل مسلم بتركها، ويرتفع الإثم بقيام بعضهم بعملها، وعلى الدولة أن تشجع ذلك بكل وسيلة من الوسائل الممكنة».
۹۸
وكما حاولت أن أثبت في الفصول السابقة فإن مفاتيح التمكين كلها بأيدي الناس إن طبقت الشريعة ولكنها لم تطبق. والسؤال هو: كيف يمكن للناس القيام بذلك إن كانت الأبواب أمامهم موصدة وإن ملكت الدولة معظم المفاتيح لهذه النشاطات ؟ هل ستقوم هي بذلك؟ وإن لم تفعل فما العمل؟
۹۹
يقول ستان بركي Stan Burkey إن أهم سبب لفشل محاولات التنمية هو الاعتقاد الزائف بين المسؤولين والباحثين بأن التنمية لا يمكن لها أن تتم إلا بمعاونة الدولة والمنظمات ذات المقدرة المالية والتقنية، لدرجة أن السكان أنفسهم بدؤا بتبني هذا المعتقد وأصبحوا اتكاليين على غيرهم. فهم بذلك بانتظار المؤسسة التي ستعلمهم وتطورهم وتجلب لهم الغنى والسعادة. أي أن الاعتقاد بأن التنمية لا تكون إلا من خلال السكان أنفسهم وأنهم هم الذين سيتمكنون من معاونة أنفسهم لإحداث التغيير في مجتمعاتهم لم تكن نقطة الانطلاقة في برامج التنمية. وطريقة التفكير هذه أنتجت وسائل تنموية ذات طابع اتكالي. لهذا فإن الإجابة المتوقعة ممن يؤمنون بعلم التنمية هي أن الدولة ستقوم بذلك من خلال التنظيم والإنفاق. وسيأتي دحض التنظيم في فصل «الموافقات» بإذن الله، ولكن لنركز الأن على إنفاق الدولة هنا تظهر الإشكالية الآتية: لأن التنمية برنامج مستقبلي فلابد وأن يعني ظهور نوع من التنافس بين الأهداف السياسية والقيم الاجتماعية السائدة. أي القذف بالغيب من مكان بعيد جداً. فقد تفكر دولة ما في أن تزيد من دخلها القومي بفتح أبواب السياحة أكثر . وبهذا تأتي بالزوار ذوي القيم لديارها. كما أن فكرة النهوض التنموية هذه مبنية على أفكار نهضوية لابد وأن تكون مبهمة أيضاً. مثلاً: النهوض يعني التحسين في جميع المجالات وليس مجالاً واحداً، وهذا يعني أن التغيير للأفضل لا يعني تغييراً في مجال واحد كالصحة مثلاً ،وحسب ولـ سب، ولكنه آلية مستمرة في التغيير في جميع المجالات لتداخلها مع بعضها البعض، فهي تغيير مبني
المختلفة
١٢ الفصل والوصل
١٥٨٩
على تغيير، وهكذا باستمرار لدرجة انفلات الأمور أحياناً بحيث أن السيطرة على سرعة ونوع التغيير قد لا تكون محمودة. فاستقطاب السياح يعني محاولة إسعادهم، وإسعادهم يعني توفير مطالبهم والتي قد لا تكون من سمات المجتمع المضيف، وهكذا. فهناك من المجتمعات من تمكن من رفع الفقر مثلاً. فالدول الآسيوية التي تدعى «بالنمور» مثل تايلندا دفعت مجتمعاتها نحو التصنيع وتمكنت من زيادة دخل الفرد. فهل نجحت ظاهرة هذه التنمية أم أنها فشلت؟ وما هي العبر؟ هذا هو محور علم التنمية.
ولأن التغيير عادة ما يكون على مستوى المجتمع والأفراد، فإن مضاعفات التغيير لابد وأن تطرأ على الأفراد أنفسهم من حيث تفكيرهم وتفاعلهم فيما بينهم، وبهذا قد يفقد المجتمع بعض الصفات الحميدة التي تربط الأفراد فيما بينهم. أي أن التنمية قد تعني ضياع بعض القيم كما حدث في تايلندا التي لم تقاوم التجارة الجنسية لكي لا يقيد ذلك رجال الأعمال الذين يجلبون إليها رؤوس الأموال. فظهرت عمالة جديدة تعتمد في عيشها على البغاء ونمت هذه الطبقة وأضحى الجنس تجارة لها مؤازروها في أعلى مستويات الدولة. مثال آخر: لم تحارب مدينة دبي المحرمات لتحرير تجارتها وبناء المرافق التي تخدم ذلك الهدف، فارتفعت الفحشاء فيها بقدر ارتفاع المباني الشاهقة.
وقد تعني التنمية أيضاً الضياع الاقتصادي كما هو حاصل في الخطط الإنمائية بمعظم دول ما يسمى بالعالم الثالث. فمن القرارات الاقتصادية الكبيرة التي كان على السياسيين اتخاذها الخيار بين الزراعة مقابل التصنيع، والتنمية الريفية مقابل التنمية المدنية، والنمو المتوازن مقابل النمو غير المتوازن، وإحلال الواردات مقابل تعزيز الصادرات، وقوى السوق مقابل التخطيط ولضرب مثال واحد لهذه الخيارات (الزراعة مقابل الصناعة): بما أن الغالبية العظمى من السكان في الدول النامية يعيشون في الأرياف فكان لابد من التنمية الريفية الزراعية. فكيف يمكن دعم التنمية الزراعية دون تنمية صناعية، فلا أموال هناك لدى الدولة إلا ببيع المواد الخام النادرة لديها أو التصنيع. فحتى يتمكن المزارعون من القفز بإنتاجهم عليهم الاستثمار في الأسمدة والاعتماد على المعدات. وبهذا تتراكم العمالة في الريف، فكان لابد من إيجاد صناعات صغيرة لتمتص هذه العمالة. ولتحقيق هذه الأهداف لابد من المال. فمن أين يأتي المال إلا من الاستدانة؟
إن استثنينا الدول النفطية، فإن التوسع النقدي والاقتراض أصبحا أهم ركيزتين للاقتصاد في العالم المتخلف الذي كان الوضع فيه يزداد سوءاً سنة بعد أخرى نظراً لتسلط السياسيين الذين زاد استيرادهم للسلع الاستهلاكية من جهة، وسوء قراراتهم من جهة أخرى والذي كان على حساب الفقراء. كيف؟ لقد انبهر حكام العالم المتخلف بالحضارة الغربية وظنوا أنهم إن بنوا المصانع سيلحقون بالركب الغربي. وبهذا أهمل القطاع الريفي على حساب التصنيع. وكما قلنا فإن الحضارة لا تقفز (تذكر شوماخر). ومع إهمال الريف والزراعة والتركيز على الصناعة التي لم تفلح مقارنة بما وصل إليه الغرب، ومع محاولة الحكومات امتصاص غضب الشعوب بدعم المواد الغذائية الضرورية، ظهر العجز في ميزانيات الدول التي زاد الاعتماد فيها على الواردات وبالتالي تقلص التصدير نسبيا. وبهذا العجز أتى التضخم الذي أثر في المزارعين سلباً لعدم تمكنهم من المنافسة نظراً لعدم تمكنهم من الحصول على بذور وأسمدة ومعدات أفضل. هكذا تراكم التخلف من خلال البطالة لعدم تمكن المزارعين وبالتالي لم تستحدث الوظائف لامتصاص النمو السكاني، وبزيادة البطالة انخفضت أجور العاملين فكانت الهجرة للمدن الجذابة لتكتظ فيها المشكلات الانسانية باكتظاظ الناس غير المتمكنين في أحياء فقيرة. هكذا أستحدثت المفاسد الاجتماعية
١٥٩٠ 🗏
بسبب الخروج عن مقصوصة الحقوق. لقد اعتقد معظم العاملين في الدولة أن المشكل يكمن في التقنية الزراعية أو في توزيع الدخل ولم يفكر أحد منهم في أن منظومة حقوقهم التي تفصلها الدولة كما تشاء هي أساس كل بلوى. إن من أهم أسباب استدانة دول العالم الثالث المتخلف هو الخطط الإنمائية التي بدأت في الخمسينات من القرن الماضي. فقد ظن الحكام بأن هناك وصفة للتقدم وإن هم أخذوا بها نهضت مجتمعاتهم. فكان البحث عن أفضل هذه الوصفات والتي لا يمكن أن تبدأ إلا بقرض مالي كأي مشروع استثماري وهكذا بدء الاقتراض والتنفيذ ببنية إدارية مستعبدة بأنماط خارجية في التفكير والاستهلاك وذات تبعية للجهات الممولة مع سوء في توزيع الثروة القومية واتباع لأنماط استهلاكية فارهة لأولي الأمر. وهكذا غرقت هذه الدول في الديون لأن وصفات التقدم لم تؤتي ثمارها. فهذا معلوم للجميع. ولعل ما فعله ماركوس في الفلبين أقوى مثال على ذلك. والأسوأ من هذا هو أن أموال هذه الديون أصبحت نقاط جذب لذوي النفوس الضعيفة الذين لا هم لهم إلا الوصول للسلطة لاستحواذ المال بدعوى الاقتراض للتنمية. أي أن هذه الاستدانات أصبحت وسائل سياسية تكفّل باستمراريتها الحكام بتكوين طبقة من المسؤولين مزروعة في المجتمعات الفقيرة هدفها الاستزادة الربحية من فوائد القروض مقابل رشاوي تدفعها المنظمات أو الدول المقرضة لمتخذي القرارات. هكذا تضاعفت الديون لاستمرارية الحياة الاستهلاكية لأولي الأمر وسوء الاستخدام لهذه الديون من متخذي القرارات. وبهذا بقيت تلك الدول الفقيرة تحت رحمة إعادة جدولة الديون في ظل إملاءات مسيرة لأهداف سياسية. فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً تقوم بدعم أو إقراض الدول ذات المواقف السياسية الحليفة لها. وبهذا أصبحت صادرات هذه الدول المقترضة لا تكفي حتى لتغطية فوائد هذه الديون لتجبر المسؤولين في تلك الدول على الارتماء على أعتاب أبواب حكام الغرب. فالفلبين مثلاً تعيد جدولة ديونها كل فترة وأخرى لا لتسديد الديون ولكن لتسديد فوائد فوائد الديون. أي أنها قد تبقى مديونة أبد الدهر.
أما إذا لم تتم إعادة جدولة الديون ولم تتمكن الدولة من الحصول على قروض أخرى لانعدام الثقة في الدولة لعجزها عن دفع ديونها عندها يتدهور مستوى الاستهلاك بنقصان السلع ومن ثم ارتفاع الأسعار ويقل الإنتاج وتتراكم البطالة ويتعطل النمو الاقتصادي ويزيد عجز ميزان المدفوعات وتنخفض قيمة سعر صرف العملة وهكذا تظهر الاضطرابات وكل هذا أمر معروف لكل اقتصادي واع لما يجري حوله لدرجة أن ما وصف سابقاً أصبح نمطاً اقتصادياً وقعت في شراكه معظم دول ما يسمى بالعالم الثالث باستثناء الدول ذات الموادر الطبيعية الهائلة مثل دول الخليج وبعض الدول التي وصل فيها الإسلاميون للحكم مثل تركيا.
يقول المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي: «إن الاقتصادات التي يتفشى فيها التضخم وحالات عجز الميزانية وانتشار القيود التجارية وأسعار صرف منحازة انحيازاً سيئاً وأسعار فائدة غير واقعية ودين خارجي كبير وتكرار هروب رأس المال، لا يمكن أن تنمو، ولا تنمو، نمواً سريعاً لأي فترة طويلة من الزمن».١٠٠ وبالطبع فهذه تؤدي لفشل البلدان في تخفيف عدد الفقراء وزيادة البطالة ونقصان كفاءة من هم على رأس العمل. فهذه الحكومات الوطنية أصبحت أسوأ من الاستعمار.
لقد فقدت الكثير من الدول النامية السيطرة على مواردها بسبب عجز الميزانية. وقد موّل هذا العجز بالاقتراض الزائد من المؤسسات المحلية والدول الأجنبية وبطبع المزيد من النقود، هكذا وبسبب هذا التوسع
١٢ الفصل والوصل
١٥٩١
أنه
النقدي غير الحكيم أتى التضخم. وإليك هذه القصة التي عاصرتها : لقد زرت المغرب عدة مرات في الثمانينات من القرن الماضي، وكانت هناك حملات لجمع الأموال لبناء مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء (والذي بدأ سنة ١٩٨٧م)، فقد كان الناس يُرغمون على دفع المال للمساهمة في النفقات. فإن كان الفرد موظفاً في الدولة كانت الدوائر الحكومية تقتطع جزءاً من مرتبه، أما التجار فقد كانوا يجبرون على دفع جزء من أرباحهم دعماً لبناء المسجد. وكل هذه التبرعات كانت تظهر في الإعلام وكأنها تطوعية من الناس. وفي إحدى الزيارات لوادي ضرعة لدراسة العمارة الطينية هنالك رأيت بقالة في الطريق لرجل طاعن في السن ورأيت في المحل شهادة معلقة تدل على تبرع لبناء المسجد. فامتدحت له مساهته. فأجاب بأنه أرغم على التبرع. فتعجبت. فوضح لي بأن الناس أرغموا على التبرع لأنهم إن لم يفعلوا فلن يحصلوا على ترخيص مزاولة المهنة. ثم تأكدت من المسألة عندما عدت للدار البيضاء ممن يعملون في الفندق. فكانت الإجابة من الجميع بأن التبرعات الطوعية كذبة إعلامية، وأن الناس أجبروا على التبرع وأن المال المجموع فاق أضعاف أضعاف ما أنفق على بناء المسجد. فتعجبت أكثر، إلا أن عجبي زال عندما جلست بجانب سفير للمغرب في بلد عربي في طريق العودة بالطائرة والذي أخبرته عما سمعت. فأجاب بالآتي: إن التضخم زاد في المغرب جراء طبع النقود، فما كان من الملك إلا ابتكار فكرة بناء المسجد لسحب الكثير من الأموال من الناس ثم إتلافها لتخفيف السيولة تلافياً لتخفيض سعر صرف الدرهم.
1.1
وبغض النظر عن صحة هذه الرواية من السفير (إذ أنني لم أتحقق من صحتها)، وبرغم هذا التوسع في الاقتراض والإنفاق الحكومي في معظم الدول المتخلفة إلا أنه لم يشمل البنية التحتية وبالذات الريفية ولم يحظ التعليم والتدريب المهني بالدعم الذي يلبي الاحتياجات الاجتماعية الاقتصادية. ومن الناحية الصحية فقد ذهبت أكثر الاستثمارات إلى مستشفيات علاجية في المدن على حساب الاستثمار في الريف في الطب الوقائي الأقل تكلفة والأكثر عطاء. وقد عانى الريف من نقصان المياه الصالحة للشرب وسوء الصرف الصحي وسوء التغذية، وما هنالك من آفات. ولذكر مثالين فقط مما تعج به به كتب التنمية أقول: تصور أن ٣٪ فقط من سكان أوغندا وصلتهم الكهرباء سنة ٢٠٠٤م، وتصور أن دولة غنية كالكونغو التي تحوي الذهب واليورانيوم شعبها من أفقر الشعوب. لقد أكد رئيس الحسابات العامة للجمعية الوطنية الباكستانية أن «الجزء الأكبر من الميزانية الإنمائية يساء استعماله واختلاسه». ومن الأمثلة على ذلك انهيار الأبنية الحكومية لعيوب في إنشائها بعد عدة سنوات من إنشائها، وتداعي الطرق بعد هبوب عاصفة واحدة، وتحول آليات السكك الحديدية إلى خردة دون أن تستعمل، وبيع الواردات إلى جهات أخرى قبل وصولها إلى الباكستان، وإعفاء أصحاب النفوذ من سداد القروض الكبيرة التي قدمتها لهم البنوك المؤممة. ويستنتج شابرا من مثل هذه الأمثلة أن «هذا المستوى الكبير من الفساد سائد لا في الباكستان فحسب، بل أيضاً في جميع البلدان الإسلامية الأخرى عملياً».١٠٢
وحتى الإعانات التي تحاول الدولة من خلالها مساعدة الفقراء للوصول لتوزيع أكثر عدلاً ستفشل كما أثبتت الدراسات. فقد تمكن الأثرياء من الوصول للمواد المدعومة من الدولة بطريقة أسرع من الفقراء في المغرب مثلاً. فقد وصل سنة ١٩٨٤م إلى فقراء المغرب مثلاً فقط ١٦٪ من اعانة الأغذية المدعومة السعر من قبل الدولة، حتى المعونات الزراعية فقد وصلت لأيدي كبار المزارعين الذين أزدادت ممتلكاتهم بسبب دعم الدولة، والمنطق يسري أيضاً على الصناعات التي قامت بها الدول النامية بسبب الفساد والاستغلال.٣
۱۰۳
١٥٩٢ 🗏
أما الإنفاق العسكري الذي يلتهم جزءاً كبيراً من الميزانية التي تذهب لجيوب المسؤولين (إذ أنه يزيد عن ثلاثين في المائة في بعض الدول الإسلامية من خلال عقود مبالغ فيها للأسلحة، أو من خلال شراء ما لا يحتاجه العسكر، فهو أمر لا حاجة له كما سنوضح إن طبقت الشريعة في الحديث عن الأمن. فقد بلغ الإنفاق العسكري في اليمن مثلاً ٣١% وفي عُمان ۳۸ وذلك سنة ۱۹۸۸، ناهيك عن الدول النفطية التي لا تنشر إحصائياتها في هذا المجال بدقة.١٠٤ علماً أن معظم هذه النفقات هي للدفاع عن الدول فيما بينها وليس عن الدفاع عن المسلمين. فالخلافات المفتعلة بين الجيران بسبب التدخل الأجنبي وصغر عقول الحكام وخوفهم على الحكم أدى لضياع ثروات الأمم بين أيدى هؤلاء الحمقى. وإن أضفت لهذا نفقات المباحث والاستخبارات والشرطة وما شابه من مؤسسات والتي ما وجدت إلا لحماية السلطات، لأيقنت أن هذه النفقات تزيد عن نصف دخل المجتمع دون مبالغة كما هي حال مصر أيام مبارك القذر. كما أن القروض التي تأخذها الدول الفقيرة عادة ما تكون محملة بشروط سياسية تضع الدول المقترضة في وضع يفقدها المقدرة على اتخاذ القرار الملائم لشعوبها، بالإضافة إلى ما أثبتته الأبحاث من أن المستفيد الأول من القروض هم كبار الشخصيات الحاكمة وليس العامة (أخي القارئ: لعلك لاحظت أن بعض هذه الإحصائيات قديمة. فهي من أول ما جمعت عندما قررت البدء في الكتاب. ولم أكترث لتجـديـد هـذه الإحصائيات لأن الكل يدرك أنها زادت سوءاً بتقادم الزمن كما مر بنا في الحديث عن العولمة).١٠٥
عندما تتدخل الدولة في الصناعة فهي إما أن تمتلك المصانع أو أن تشارك بامتلاك جزء منها، لذلك فهي عادة ما تدعمها بالتمويل وبالحماية الجمركية وإعفائها من رسوم استيراد السلع الأولية. وعادة ما تكون هذه الصناعات ذات طاقة إنتاجية كبيرة، وهو وضع طبعي لأن الدولة لا تريد أن تتحمل مشكلات المنتجين بدعم مئات أو آلاف الصناعات الصغيرة لما في ذلك من صداع بيروقراطي. وعادة ما تُنشأ الصناعات بالقرب من المناطق المدنية وتستثمر فيها التقنية العالية، وبهذا فإن منتجاتها ذات تكلفة مرتفعة لكثرة بيروقراطياتها وغربة تقانتها مقارنة بأعراف تقنية الشعب، كما أن القائمين عليها عادة ما يستفيدون من استيراد مستلزمات هذه الصناعات بالتلاعب بفواتيرها أو استيراد منتجات أجنبية تحت اسمها. وهذا بالطبع سيكون على حساب المشروعات الصغيرة التي يمتلكها الأفراد والتي عادة ما تعاني من ارتفاع أسعار الصرف والواردات. ولعل ما يزيد هذه المشروعات الصغيرة ضعفاً هو أن أفرادها غير منظمين لذلك لا يتمكنون عادة من الوقوف صفاً واحداً للوصول إلى مطالبهم ضد الدولة من خلال أي ضغط سياسي. وبالتدريج تعاني هذه الصناعات الصغيرة وتضعف يوماً بعد يوم. هكذا يظهر صدع معرفي تقني واضح بين ما تدعمه الدولة وبين مستوى الناس الإنتاجي. أي أن المعرفة الإنتاجية لم تنم في المجتمع، بل جزء منها
قد قفز.
لكل هذا تجبر الدول المتخلفة لإعادة جدولة ديونها والرضوخ لشروط المقرضين بأن يتم مثلاً الاستيراد من المقرضين فقط للسلع والبرامج والخبراء. وبهذه الإملاءات والتقييدات ينعدم الفائض المحلي وتجف رؤوس الأموال التي كان من الممكن لها أن تبدأ مشروعات منتجة وتتفاقم البطالة ويضعف تحسين الإنتاج المحلي ويزداد التخلف وتظهر الحاجة لاستيراد المزيد من السلع لتستديم التبعية لارتفاع التكلفة في مجتمع يشكو من عجز في السيولة النقدية. أي أن الدولة كالرجل السفيه في أهله تستدين الدولة ثم يسرق المسؤولون ثم توضع الضرائب على رؤوس الناس وتدفع للبنوك الخارجية. ويزداد الانحطاط وبذلك قد يثور الناس لتأتي طبقة أخرى من الحكام ثم تأتي
١٢ الفصل والوصل
١٥٩٣
يوم
وصفة للإصلاح الاقتصادي وهي أيضاً من الخارج الرأسمالي. ولنا في الباكستان خير مثال. هكذا يُستعان بصندوق النقد الدولي مرة أخرى والذي يحثهم على جذب الاستثمارات الخارجية وتبني نظام اقتصادي آخر كالتوجه نحو الخصخصة أو التخفيف منها وكل هذا يعيد توزيع الحقوق بطريقة مبتكرة لا تظهر مضارها إلا بعد زمن. هكذا تدور الدائرة مرة أخرى مع ظهور حكام آخرین مستهلكين وينحدر المجتمع يوماً بعد لزيادة عدد سكانه مقارنة بدخله، ومن ثم يلقى اللوم على النمو السكاني. وكل هذا بسبب محاولات التنمية التي ستفشل لا محالة لأنها لم تأت من السكان بل من الخارج أي من أولي الأمر الذين يقررون ما على الآخرين فعله، أي أنهم يفرضون منظومات من الحقوق على السكان تشل حركاتهم. كل هذا بسبب القناعة التامة أنه لا تنمية من غير رأس مال. هكذا ظهر الفقر. أي أن الفقر باختصار ليس بسبب بلادة السكان أو تركيبة مجتمعاتهم القاصرة أو أراضيهم الجدبة، بل هو بسبب تراكمات قهرية سلبتهم إراداتهم وموارد مواطنهم وفرضت عليهم قرارات فوقية من حكامهم الجهلة. لقد ربطت الشعوب داخل قارب قبطانه أخرق. ومهما فعل هذا القبطان فلن يفلح لأنه خرج عن الصراط
المستقيم.
أي أن ما هو متوافر من حاجيات وخدمات لكل فرد في مجتمع ما مقارنة بأفراد مجتمع آخر أدى إلى ظهور كلمة إحباطية هي «الفقر » . وهذا الفقر بالطبع مصاحب للجهل والمرض، وبهذا تخلفت المجتمعات وظهر علم التنمية ليحارب الفقر. لكن لاحظ أن الفقر أصبح سمة للناس رغماً عنهم لأنهم داخل كتلة اقتصادية تمنعهم من الترحال ومن حصد الخيرات كما مر بنا. لهذا علينا أولاً أن نعرّف الفقر في الإطار الرأسمالي. فما هو الفقر؟ سيأتي بإذن الله تعريف الفقر شرعاً في الحديث عن الزكاة في هذا الفصل، ولكن لهدف الاستمرار هنا سنمر على بعض تعريفات المهتمين بعلم التنمية. فكما ذكرت فإن الخليفة العباسي هارون الرشيد لم ينعم بالنوم في ظهر صيف شديد الحر تحت هواء بارد من مكيف كهربائي كما يفعل معظمنا الآن. ومع ذلك فهو ليس فقيراً بل كان من أغنى أقوياء الأرض حينئذ. فما هو الفقر إذن وكيف يمكن قياسه؟
لقد انتقد رهنيما Rahnema التعريف السائد للفقر بأنه فقدان المقدرة على الشراء. فهو قد ذهب إلى أن التعريف الأدق يختلف من مجتمع لآخر. فالفقر لم يكن يعرف بأنه عكس الغنى، بل قد يكون الفقر بسقوط الشخص من مكانته، أو فقدانه لعمله أو فقدانه لحماية جماعته بالطرد من قبيلته أو بتعرضه لفضيحة في شرفه أو
1.7
۱۰۷
إهانته في العلن. ١٠٦ كما أن فكرة الفقر على مستوى الدول هي فكرة حديثة لم تكن موجودة. إن مجرد قياس الدول بالنسبة لإنتاجها السنوي العام مقارنة بدخل الفرد فيها GNP ونعتها بأنها دولة فقيرة هي فكرة جديدة تم ابتداعها كما يقول. ففي المجتمعات غير الصناعية لم يكن الفقر سمة للدول والمجتمعات ولكن لبعض الأفراد. كما أن هذه السمة لا تعكس مقدرة شرائية فحسب ولكن تعكس وضعاً اجتماعياً. إلا أن الفقر الآن أصبح سمة توصم بها الدول أيضاً وتعكس المقدرة المالية للفرد أو المجتمع (تذكر أخي القارئ ما مر بنا عن الكتل الاقتصادية) ١٠٧ وبهذا فإن الربط بين دخل الفرد المادي ومقدرته الشرائية اعتبرت مقياساً أساسياً للفقر. فقد وضع خط للفقر لمن يقل دخلهم عن دولار واحد يومياً في الدول غير الصناعية، أما في الدول الصناعية فقد كان الرقم في التسعينات من القرن الماضي هو ١٤,٤ دولار يومياً، وبالطبع فإن هذا الرقم يتغير مع التضخم، تغير إلى دولار وربع ٢٠٠٥م في الدول الفقيرة جداً، ومن دولارين إلى خمسة دولارات في الدول الأفضل حالاً .١٠٨
فقط
سنة
١٥٩٤
۱۰۹ 🗏
۱۱۰
۱۱۱
ولأن الفقر أصبح سمة وعلة توصف بها المجتمعات ابتكرت مؤشرات لقياس هذه العلة. فمن هذه المؤشرات مثلاً ما وضعه برنامج التنمية في الأمم المتحدة UNDP باسم مؤشر التنمية الإنساني HDI وهذا المؤشر يعتمد على قياس ثلاثة متغيرات هي الصحة بإيجاد متوسط عمر الإنسان في مجتمع ما، والتعليم من خلال نسب المتعلمين في ذلك المجتمع، والدخل المادي للفرد بحساب الدخل القومي للدولة مقسوما على عدد سكانه GDP وهناك آراء عاطفية تنادي بأن الفقر هو ابتكار الحضارة الإنسانية، فالفقر ليس امتلاك القليل من الموجودات، فسكان المجتمعات قبل الثورة الصناعية لم يمتلكوا الكثير من المصنوعات التي نعرفها اليوم وليسوا بفقراء. فيقول سهلنز Sahlines مثلاً: إن الفقر ليس امتلاك القليل من الأشياء وليس بعلاقة بين إمكانات الإنسان وما يتطلع إليه، بل هو علاقة بين الناس، فالفقر بالنسبة له هو مكانة اجتماعية من ابتكار الحضارة الإنسانية. سؤال آخر: إن سلمنا أن الفقر ليس بسبب العرق أو الجينات وأنه يمكن التغلب عليه بإصلاح الظروف المحيطة بالفقير فما هي مسببات الفقر الذي أدى لظهور علم التنمية ؟ لقد كثرت النظريات حول هذا السؤال. فمنهم من يعزو ذلك لسوء التغذية إذ أن قلة الغذاء تؤثر على صحة الإنسان في عقله وجسده. فخلايا دماغ طفل غربي تزيد ٢٠٪ عن خلايا طفل بنجالي. ولكن هذا النقصان لابد له من مسببات غذائية تراكمت مع الزمن. وهناك من الباحثين من يقول بأن الفقراء أصبحوا وسيستمرون فقراء لأنهم لا يملكون التقنية الحديثة. فالمزارعون مثلاً لا يملكون المعدات العصرية والأسمدة والبذور الجيدة وما يحتاجونه من مواد لمكافحة الحشرات، ولعل أهم ما لا يملكونه هو المعرفة الزراعية لاستخدام. هذه المتطلبات. بالإضافة لهذا فهم بحاجة لطرق المواصلات وأنظمة الري والانضمام لبعضهم البعض لتكوين جماعات للدفاع عن حقوقهم. وهناك فريق آخر من الباحثين يرى أنه مهما أعطي المزارعون من تقنية فهم لن يخرجوا من الفقر إلا إذا أتتهم الفرصة للحصول على قروض دون فوائد وأسعار مجزية لمنتوجاتهم تفوق مصروفاتهم ليأتي الربح. وهناك من يقول بأن سبب الفقر هو فقدان الناس للنظرة الحداثية للأمور، لذلك فهم يعزون الفقر إلى التركيبة الحضارية للشعوب غير الغربية بأن أفرادها أناس لا همة ولا حافز لهم للعمل بسبب علاقاتهم الاجتماعية وتركيبتهم القبلية الاتكالية المنعوتة بالمحسوبيات. فالسكان يرفضون التغيير لأنهم تقليديون أو جهلة، فنظرتهم إلى العالم محددة لذلك لا يمكن أن يروا ميزات الحداثة. فهم لا يستثمرون ليوم وهم لا إبداعيون. ولهذا فهم إما اتكاليون على الدولة أو هم بانتظار دعم خارجي. وقد لاحظ بعض الباحثين بأن الفقراء عادة ما يتخذون إستراتيجيات إنتاجية تقلل من مخاطر الخسارة. فهم ينتجون ما يكفيهم بالإضافة للقليل لبيعه لشراء حاجياتهم. فهم يخشون استثمار جميع ما يملكون لعائد مالي أكبر. فالمزارعون مثلاً يزرعون محاصيل لتوزيع مخاطر الخسارة بدل التركيز على منتج واحد. فهم يخافون الجري وراء ربح غير مضمون حتى وإن كان مرتفعاً. وهناك من يعزو الفقر الجغرافية الدول الفقيرة. فالجفاف قد يستمر لفترات طويلة، وأما الأمطار فعندما تهطل فهي غزيرة وتجتاح العمران، وهناك التربة غير الخصبة والزلازل والبراكين، وهكذا من معطيات جغرافية وكوارث في دول العالم الثالث الذي لا تستطيع حكوماته أن تتعامل معها بكفاءة لتفشي الفساد فيها. ومن الباحثين من يعزو الفقر إلى التركيبة الاقتصادية للعالم الذي أنتج دولاً صناعية استعمرت دولاً أخرى واستنزفت خيرات شعوبها ثم زرعت حكاماً ليستمر هذا الاستنزاف (كما ذكرنا). وهناك من يرى أن سبب الفقر هو اعتماد الدول الفقيرة على الدول الغنية في جلب التقنية وتيسير السيولة النقدية وتوفير الأسواق للمواد الخام التي تصدرها
غد
مختلفة
١٢ الفصل والوصل
١٥٩٥
الدول الفقيرة. وبهذا فالدول الغربية الغنية هي التي تضع الشروط والمعايير. فهي تحدد أسعار صرف العملات وشروط التبادل التجاري وتضع العراقيل أمام الدول التي لا تنصاع لها وترسم الحدود بين الدول الفقيرة حتى لا تتكامل اقتصادياً. وهناك من يرى أن حكومات وبنوك الدول الغربية تمكنت من تسيير السياسات الاقتصادية في الدول الفقيرة حتى تستمر الهيمنة الغربية وبذلك يستمر الفقر. ومن الباحثين من يرى أن الرأسمالية المتمثلة في الشركات الكبرى التي تحكمت في إنتاج المواد الخام والمصنعة وتصديرها وتسويقها والدعاية لها من خلال الرشاوي والنشاطات الاقتصادية غير الصحيحة لتحجيم المنافسة لاستمرار سيادة هذه الشركات هي التي زادت من الفقر. ولعل خير مثال لذلك ما قامت به شركة «نستلة» التي روجت للحليب الجاف للأطفال الرضع ليحل محل حليب
الأم.
ومن أهم أسباب الفقر هو استغلال الفقراء. فالفقراء لعدم قدرتهم المالية لمواجهة متطلبات الحياة كزواج ابن أو شراء جهاز لجني المحصول ونحو ذلك تجدهم يضطرون للاقتراض بأرباح ربوية تنهك كاهلهم، وبهذا فلن يكون لديهم فائض مالي لاستثماره ومنهم من لا يتمكن من سداد دينه فيفقد أرضه التي رهنها. هذا بالإضافة لما يلاقيه الفقراء من قهر في حياتهم. فما يحتاجونه من معدات زراعية أو أدوات صناعية أو مستلزمات معيشية يباع لهم بأسعار مرتفعة مقارنة بما ينتجونه من خدمات أو محاصيل. فلعدم تمكن الفقراء من خزن محاصيلهم الزراعية يتم استغلالهم لتباع منتجاتهم بأرخص الأسعار. ومن الباحثين من يرى أن الفقر مصير محتوم على كل شعب تفكيره لا عقلاني وتركيبته السياسية لا ديمقراطية ( كما وضحت في فصل سابق). وهكذا كثرت الكتب عن الفقر وأسبابه. أما أنا فأرى، كما مر بنا وسيأتي بإذنه تعالى أن الفساد سواء كان تلوثاً أو فقراً (انحلالاً خلقياً)، وسواء كان للأفراد أو للدول، ما هو إلا عقاب محتوم على كل من خرج عن شرع الله في مقصوصة الحقوق. لعلك لاحظت أن جميع هذه المؤشرات للفقر والتعليلات تعتمد على تقبل نظام الدولة المعاصرة والتي تمنع الناس من الوصول للخيرات. وبهذا ينتهي مصير الأفراد بمصير الدولة التي زاغت بسبب فساد الحكام. أي أن الفقير أصبح فقيراً بسبب تقييد يديه ومنعه من الترحال. أما مع تطبيق الشريعة فكما سيأتي بإذن الله فإن للفقر تعريف آخر لا يرتبط إلا بمقدرة الفرد في بيئة تعطيه كل مفاتيح التمكين.
والآن لنربط بين التنمية والفقر لتتضح الصورة أكثر إن معظمنا يعتقد بأنهما متعاكسان. أي كلما زادت التنمية في مجتمع ما قل الفقر بين أفراده. فأقول: إن هذه العلاقة ليست صحيحة على الدوام. لنأخذ الهند كمثال: فالذي يحدث في الهند الآن من تقدم تقني يقابله فقر شديد يقنع الكثير بأن العلاقة بين الفقر والتنمية ليست عكسية، فزيادة التنمية لدى البعض زادت الفقر عند البعض الآخر فهناك مثلاً مصنع لإنتاج غاز سي إف سي CFC والذي ضاعف إنتاجه ثماني مرات في التسعينات من القرن الماضي وتباع منتجاته في السوق السوداء لأنها مما يلوث البيئة كما هو معلوم. بينما شركة سوبر تريد Super Trade تستطيع جمع وتصدير أي كمية من الغاز وتحت أنظار المسؤولين المرتشين. أما العمال فلا نصيب لهم إلا الفتات على حساب ثراء الملاك والمسؤولين المرتشين. مثال آخر: لقد تمكنت كينيا في السبعينات من القرن الماضي من زيادة دخلها القومي بالاعتماد على التقنية المستوردة. فزادت المنتجات العينية والخدماتية، إلا أن عدد العاطلين عن العمل ازداد نتيجة الاعتماد على التصنيع الآلي وبهذا زاد عدد الفقراء. أي أن التنمية (كما يرى باحثون التي تؤدي إلى ثراء البعض لابد وأن تزيد الفقر بين
١٥٩٦ 🗏
البعض الآخر، ولابد وأن تغير حياة أناس آخرين. فمثلاً، إن أتخذ قرار بتحويل المناهج الدراسية من الاعتماد على الكتب إلى التقنية الرقمية للحاسب الآلي فإن صناع الحقائب الجلدية سيتأثرون لأن الطلبة قد لا يحتاجون لهذه الحقائب، كما أن مطابع الكتب التي تعودت على طباعة آلاف الكتب الدراسية ستفقد جزءاً كبيراً من سوقها الاستهلاكية، وهكذا تزداد البطالة في صناعة وتقل في أخرى. وإن وضع برنامج تنموي لاستحداث مزارع للسمك فإن استهلاك اللحوم سيتأثر. وإن حُفرت أنفاق لاستحداث شبكة نقل جماعي تحت الأرض فإن أصحاب عربات نقل الأجرة سيتأثرون، وهكذا تنتقل البطالة لشريحة أخرى وتؤدي للفقر والبؤس أي أن التنمية الاقتصادية قد تكون على حساب الأخلاق والعادات للبعض وذات فائدة مادية للبعض الآخر. فأي مسار هو الأفضل؟ ومن الملاحظ من هذه الأمثلة فإن التنمية تسحب المجتمعات لقفزات مختلفة. فالبطالة تنتشر في طبقة لتستفيد طبقة أخرى. فما هو تأثير هذه القفزات على المجتمعات؟ وهل هي الطريق الأمثل للنمو، أو بالأصح للبركة؟
لقد قام جون ديلجر John Dilger بدراسة في أندونيسيا عن التنمية. ومما قاله أن أندونيسيا بلد غني بالموارد مثل الذهب والنحاس والنفط والأخشاب والمهارات للأيدي العاملة. ومع هذا فإن شعبها فقير. لماذا؟ يقول بأن الرئيس سوهارتو قتل مليون شخص بمساعدة الأمريكان والإنجليز بحجة أنهم شيوعيون. ثم بعد النصر فتح أبواب الثروات أمام الغرب. فأتت الشركات واجتمعت مع ممثلي الحكومة ووضعت البنية القانونية لاستثمارات الغرب وبالتالي أقفلت الأبواب أمام الشعب الأندونيسي. وعندما قدمت القروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كان الشرط هو خصخصة الاقتصاد مع السماح للمؤسسات الغربية بالوصول لموارد أندونيسيا الخام. فاستحدثت الديون كأداة لتسيير السياسات الاقتصادية لصالح الشركات الكبرى. وعندما ترك سوهارتو الحكم كان قد سرق أكثر من خمسة عشر بليون دولار (وقد كانت فترة حكمه ٣١ سنة : من ١٩٦٧ إلى ١٩٩٨). يقول الباحث: «العولمة توجد الديون والديون توجد الخصخصة والبؤس والبطالة، فيضطر الناس لإنفاق المزيد على الخدمات». وهكذا كان على أندونيسيا في التسعينات من القرن الماضي دفع مئة مليون دولار يومياً للغرب لسداد فوائد الديون. أي أن الدين لا يمكن سداده. وفي هذا قال ستانلي فيشر (وهو أحد المتآمرين، وهو نائب المدير الإداري في صندوق النقد الدولي عندما سئل عن الديون وإمكانية إلغائها:
«إذا طالبت هذه الدول) بإلغاء الديون فلن تتمكن من الاستدانة ثانية والدين هو الطريق الوحيد
للحصول على القروض لشراء المنتجات والاستثمار. وهي التي توجد الدخل اللازم للسداد. إذاً ففكرة شطب الديون تعتبر فكرة سيئة. فالأنظمة المالية تعمل على سداد هذه الديون».
ثم قارن هذا بما يحصل عليه العمال في أندونيسيا. فالعامل الذي يعمل اثنا عشرة ساعة كان يحصل على اثنان وسبعون بنساً. ومنهم من كان يرغم على العمل ست وثلاثين ساعة متواصلة إن كانت الأسواق تتطلب المزيد من المنتجات كما هي حال منتجات شركة جاب GAP مثلاً. فبرغم أن الشركة تضع القوانين والمعايير للمصانع لحماية العمال مثل الاشتراط بألا يعمل الأجير أكثر من ستين ساعة أسبوعياً، إلا أن هذه القوانين لا تطبق لأن الحكومات لا تحرص على هذا التطبيق جذباً لرؤوس الأموال. وإن بيع البنطال في شارع أكسفورد بلندن بثمانية جنيهات، فإن نصيب العامل منه هو أربعة بنسات. أما العامل الذي يصنع حذاء يباع بمئة جنيه في لندن فسيحصل على أربعين بنساً فقط (الجنية مئة بنس). ثم قارن هذا بمرتب رئيس شركة جاب التنفيذي والذي كان آنذاك خمسة ونصف
١٢ الفصل والوصل
١٥٩٧
مليون دولار سنوياً. لهذا يقول جون ديلجر مستنتجاً: إن مئتي مؤسسة تسيطر على ربع الاقتصاد العالمي، فشركة جنرال موتور أكبر من الدانمارك، وشركة فورد أكبر من جنوب أفريقيا اقتصاديا. فتأمل هذه الأرقام وقارنها بما مر بنا عن العولمة لتدرك الظلم. يقول جون بركينز John Perkins والذي عمل كعميل في وكالة المخابرات الأمريكية CIA في كتابه «اعترافات قاتل اقتصادي» والذي نشر سنة ٢٠٠٤م بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ترسل العملاء لكبار مسؤولي الدول النامية لجذبهم لفتح أبواب خيرات البلاد للشركات الأمريكية ومن ثم استثمار أموال هذه الخيرات في الاستيراد من الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول بأن هذا لا أخلاقي أبداً، وأن هؤلاء المسؤولين كانوا يهددون بالتصفية إن لم يلبوا هذه المطالب، أما إن وافقوا فلهم مخصصات مالية بالإضافة إلى حمايتهم من شعوبهم لكي لا يفقدوا السلطة. أي أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت سياسة العصا والجزرة لتحقيق أهدافها الاقتصادية الامتصاصية الخيرات الشعوب وما حدث هذا إلا لأن أبواب التمكين نقلت من الناس إلى السلطات فتوقف النمو وانعدمت البركة، عندها تيقن المسؤولون أن التقدم بحاجة لرأس مال.١١٢
۱۱۳
ومن جهة أخرى، وكما هو معلوم وملحوظ فإن الأثرياء ومتخذي القرارات هم الذين يحددون توجيه مسار التنمية، وبالطبع فإن قراراتهم هذه ستصب في صالحهم أولاً. ولعل الدراسات التي قام بها الباحث كارل بولانيي Karl Polanyi تعد من أهم الدراسات التي تحاول الاعتبار من التاريخ. فهو بدراسته لتطور الرأسمالية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وتحول المجتمعات إلى مجتمعات مستهلكة، يستنتج بأن هذه المجتمعات تسير لا محالة نحو «تدمير ذاتي لنفسها». ومع ظاهرة «العولمة» التي حولت الكرة الأرضية إلى سوق واحدة تفرض فيها الرأسمالية قيمها فلابد وأن يعم التدمير الذاتي لسكان الأرض (كما يستنتج). فالعولمة ما هي إلا نظام رأسمالي أحال وتعامل مع الدول كالأفراد كما مر بنا. وخوفاً من هذا الدمار القادم نهض البنك الدولي ووضع أهدافاً للتنمية في ستة نقاط بحلول عام ٢٠١٥م وهي محاولة خفض نسبة الفقراء في العالم إلى النصف. ومحاولة خفض نسبة الوفيات بين المواليد والأطفال دون سن الخامسة إلى الثلثين على الأقل. ومحاولة تعليم جميع الأرض تعليماً ابتدائياً على الأقل. وتقديم العلاج الوقائي على الأقل لجميع السكان ومحاولة تغيير وضع المرأة في
سكان
الحقوق لمساواتها بالرجل وبالذات في التعليم الابتدائي والمتوسط ووضع إستراتيجيات لتنمية مستدامة -sustaina ble development وذلك للحفاظ على موارد الكرة الأرضية لإعادتها إلى مخزونها الطبيعي بحلول سنة ٢٠١٥ م .
لقد اقترب هذا الموعد جداً وساء الوضع أكثر وأكثر.
بهم
١١٤
ثانياً:
لقد قامت الوكالة الكندية للتنمية العالمية CIDA بدراسة أسباب فشل التنمية في العالم الثالث بعد مقابلة أكثر من مئة وخمسين باحثاً ومنظراً وممارساً لبرامج التنمية واستنتجت بأن هناك أسباباً رئيسة لهذا الفشل منها: إن التقنية المنتقاة لإحداث التنمية لا تلبي في الغالب تطلعات السكان ولا تتلاءم مع الظروف البيئية المحيطة : إن التوزيع العادل للموارد المالية والإستفادة منها بين السكان مسألة وهمية. ثالثاً: إن إستراتيجيات الحكومات ومنظمات التنمية لصياغة أفكار المشروعات وتنفيذها لا تمثل تطلعات السكان ولا تعبر عن احتياجاتهم. رابعاً: إن هذه المشروعات عادة ما تغفل الجوانب الإنسانية والاجتماعية للسكان. خامساً: إن مشروعات التنمية عادة ما تكون ذات صبغة جامدة مبنية على وضع اقتصادي وسياسي مثالي لا واقعي وأخيراً فإن منظمات التنمية لا يمكن لها أن تجاري في كفاءتها وفاعليتها أحوال السكان المرنة. فأي فشل بعد كل هذا؟
١٥٩٨ 🗏
110
ونظراً لفشل معظم محاولات التنمية فقد ظهر مساقاً أو علماً جديداً انشق من علم التنمية تحت مسمى نهاية التنمية «the end of development» أو ما بعد التنمية post development». ويصر أنصار هذا العلم المنشق على أن التنمية لم تكن أصلاً علماً يمكن البشر من التنمية، بل هو خديعة لم توضع لحل المآسي الإنسانية والبيئية بل وضعت كوسيلة تتمكن بها دول الشمال أو العالم الصناعي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من الاستمرار في السيطرة على العالم الثالث. ١١٥ حتى أن أحد الباحثين في علم ما بعد التنمية (وهو Alvares) يصر على أن كلمة «تنمية» هي. سمة للسرقة والعنف. فهي أداة للتصفية والتصنيف فأي تنمية ما هي في النهاية إلا تصفية السكان إلى مستفيد وخاسر حتى في الدول المتقدمة صناعياً. فالمستفيدون من التنمية لن يتمكنوا من ذلك إلا على حساب الآخرين. فأي تنمية صناعية هي في الغالب تدمير لصناعة سابقة وأحياناً تلويث للبيئة.١١٦ فبناء السدود مثلاً سيؤدي لا محالة إلى أغراق أملاك من هم بالقرب من السدود لارتفاع منسوب المياه.
إن أي قرار تنموي ما هو إلا أخذ للحقوق من البعض وإغداق على البعض الآخر، أي تغيير في منظومة الحقوق. فالتنمية تقسم الناس إلى جماعتين: جماعة تضم المختصين من علماء التنمية ومن المخططين ومتخذي القرارات والحكام، وهم الذين يعرفون ماهية التنمية ويحددون أهدافها ويقررون كيفية الوصول إليها. وجماعة أخرى وهم الذين وقع عليهم الفعل التنموي. أي أن الأخذ بالتنمية لابد وأن يقسم الناس إلى جماعتين: جماعة تعرف وجماعة لا تعرف. جماعة تدرك الصالح للمجتمع وجماعة لا تدركه جماعة لديها المال وأخرى بحاجة له. قسم يقرر في مكتبه للآخرين ما يفعلون ، وقسم قد يحرث في مزرعته أو قد يحفر في أرض غيره أو قد يطرق بآلة غيره ولابد من توجيهه. إن مجرد قبول هذا التقسيم يكفي لإفقاد القسم الذي وقع عليه الفعل التنموي الهمة عن العمل لأنه وصف بأنه قد لا يدرك ما في صالحه، فوضعت له القرارات وأصبح مسلوب الإرادة. وبهذا يقل عطاء المجتمع المقسوم. وحتى تقف التنمية على أرض الواقع لابد من اتخاذ القرارات التنفيذية لتنزل على رقاب الناس كما يظنون. كاسب ومنهم خاسر. أي أن التنمية ستؤدي إلى الخروج عن مقصوصة الحقوق التي أرادها سبحانه وتعالى للبشر إلى منظومة حقوق من صنع البشر. أي أن التنمية تقوم بإعادة قص الحقوق بطريقة «عقلانية» لا «ربانية». أي أنها بالتأكيد قاصرة لأنها تتبع الأهواء كما مر بنا في العديد من الأمثلة.
فمنهم
الأعضاء
وكما مر بنا فإن من أهم سمات الرأسمالية التغيير الذي تحدثه بذاتها دون إمكانية السيطرة عليها من المجتمعات. أي أن الرأسمالية تؤدي إلى تغيير داخل المجتمعات. فهي لها ما يحركها دون إدراك من أحد لما يمكن أن يحدث مستقبلاً. فمن كان بإمكانه أن يتصور قبل عقدين ما وصلنا إليه الآن من تقدم في علم الطب وزرع وما أدى إليه من سرقات للأطفال وقتل للكبار لاستئصال أعضائهم وبيعها كسلعة. فهناك في الهند مثلاً شبكة من الأطباء لزراعة الكلى. وقد بلغ متوسط تكلفة العملية الواحدة في البنجاب حوالي خمس وعشرون ألف دولار. وكان نصيب صاحب الكلية، أي البائع، هو مئتا دولار فقط، ونصيب الوسيط هو ألف دولار، والطبيب ألفا دلار، أما الباقي فقد ذهب لمن يقومون بالترتيب للعملية وضمان سريتها.
لقد كان الاعتقاد بأن المجتمعات الإنسانية ترتقي بنفسها من مستوى لآخر أعلى بالكشف عن معارف تعينها على الحياة من خلال تراكم المعرفة. فالصين مثلاً عاشت لعدة آلاف من السنين في تقدم مجتمعي شمل الجميع. وهكذا كانت معظم مجتمعات الأرض في تقدم معرفي بطيء. غير أن هذا النسق للتراكم المعرفي تغير مع
انفلات
١٥٩٩
١٢ الفصل والوصل
الرأسمالية وأخذت الحكمة مقعداً خلفياً. عندها ظهرت البطالة والفقر والمآسي الإنسانية ما أدى إلى التفكير في إيجاد بدائل للتنظيم الاجتماعي للسيطرة على هذا التمزق الاجتماعي بين غني وفقير وقوي وضعيف. ١١٧ لذلك كانت هناك حاجة لعلم يسير هذا النمو الاقتصادي ويتحكم فيه. وهكذا ظهر علم التنمية في الدول الرأسمالية. أي أنه علم لترقيع ما تفرزه منظومات الحقوق البشرية.
ومع الرأسمالية كما مر بنا فقد أصبح كل شيء سلعة وبسعر يحدده السوق. فأصبحت الأرض سلعة، والضمائر سلعة. حتى العلم الذي سيرته الشركات بدعمها المالي للأبحاث لخدمة أهدافها الربحية دون إدراك لخطورة البحث التي قد تغلب منافعه أحياناً أصبح سلعة. فمن يعلم ما سيأتي به علم الاستنساخ مثلاً من ألم يعطنا علم الفيزياء القنابل النووية؟
کائنات؟
وماذا عن الحقوق؟ هي أيضاً أصبحت سلعة تباع بالرشاوي، وقد تُشترى بمن ملك مالاً أكثر من خلال المرافعات وتغيير القانون أحياناً أخرى، أو قد تتغير بدعم شخص ما مالياً وإيصاله للسلطة بالانتخابات ليغير القانون فتتغير تبعاً لذلك منظومة الحقوق كما مر بنا. وهكذا ظهرت منظومات للحقوق لخدمة مجتمع السوق أو مجتمع الأهواء وبالتالي تبلور القانون ليتكيف مع المنتجات والخدمات كسلعة. يقول بولوني ناقداً: إن تحول كل شيء إلى سلعة أدى إلى دمار الإنسان والطبيعة ووسائل الإنتاج وبالتالي إلى ظهور حركات لمجابهة هذا الدمار. وهذه المجابهات في النهاية لابد وأن تؤدي إلى انتصار الرأسمالية. فأحداث النصف الأول من القرن العشرين خير مثال لذلك: فالحربان العالميتان والكساد الاقتصادي الكبير وظهور الفاشية والاشتراكية دليل على أن الرأسمالية نظام ذاتي التدمير بين البشر لأنه يضعهم في سباق بين أنفسهم.
الخطط (مثل
أما في الدول الاشتراكية فقد كانت المنظومة التي سار على إيقاعها المجتمع هو أن الدولة تضع الخطط الخمسية) بناءً على دراسات علمية لتسحب الجميع نحو نمو اقتصادي ثم التقدم. هكذا ظهر علم التنمية في الدول الاشتراكية. فالتنمية بالضرورة تغيير حال المجتمعات من خلال جهات متخصصة تضع أهدافاً اقتصادية واجتماعية. وعندما تحاول هذه الجهات الوصول لهذه الأهداف فهي ستغير أو تدمر بالضرورة بعض ما هو موجود من منظومات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية كما ذكرنا.
هذه
وهكذا أخي القارئ: فإذا قمت بدراسة علم التنمية فإنك ستتعجب لمدى الضياع الذي يحار فيه الباحثون. إن الإنسانية في تخبط للبحث عن مقومات المجتمع المثالي (تذكر ما مر بنا عن «الخصائص الأربع للعولمة العادلة»). فمع مآسي إفرازات الرأسمالية كمحرك للتنمية وسقوط الاشتراكية بدأ المنظرون في البحث عن نظريات أخرى لتخليص المجتمعات. وظهرت التوجهات وبدأ التنظير. فهناك neoliberalism وهناك structuralism وهناك -in terventionism وهناك post-development وهناك people-centered development وجميع المسميات لتوجهات تحاول إيجاد اتزان بين حريات الأفراد في السوق ومدى توغل الدولة وسيطرتها على آلية السوق والأفراد للوصول لمجتمع أسعد وذلك باشتراط العدالة للوجود الإنساني بتوفير التعليم والصحة للإنسان المعدم ومساواته في الحقوق، وقد كانت هذه هي اشتراطات التنمية في السبعينات من القرن الماضي. أما في الثمانينات فقد ظهرت إضافة مهمة لعلم التنمية ألا وهي الحفاظ على البيئة للأجيال القادمة. وهكذا أخذت فكرة التنمية المستدامة
17.. 🗏
هي
۱۱۸
sustainability مكاناً رفيعاً في الفكر الرأسمالي. ثم في التسعينات بدأت آليات العولمة تحدد ملامح نشاطات السوق والتنمية كما مر بنا. وكل توجه من هذه التوجهات سينتج منظومة مختلفة من الحقوق. فأيهم هو الأفضل؟ تاريخياً نجد أن هناك توجهين متعاكسين لمفهوم التقدم: فهناك من يرى أن التقدم هو بسبب التنمية والتي أساساً آليتا النمو والإبداعية. فالمستثمر الماهر هو من يدخل في دائرة تبدأ بالربح ثم تراكم الثروة ثم استثمارها ثم النمو ثم الإبداعية لزيادة الإنتاج ثم الربح .وهكذا وهذه هي ما سماها آدم سميث باليد الخفية للسوق التي تؤدي إلى ثراء الأمة. ثم أضاف فوكوياما إلى هذه الدائرة ضرورة ظهور شبكات من المستثمرين الذين يستفيدون من هذه الدائرة لتنظيم أنفسهم وإيجاد الثقة بين بعضهم البعض لتستمر آلية الإنتاج لرقع أكبر وزمن أطول. وهناك توجه آخر ينبثق من هذا التوجه وهو لبولانيي ويرى أن ترك الأمور لآليات السوق كانت ستؤدي إلى دمار الإنسان وبيئته لذلك تدخلت الدول لتنظيم السوق. فمن هذه التدخلات مثلاً حماية الصناعات الصغيرة المبتدئة والسماح بظهور النقابات العمالية لحماية حقوقهم. فهناك في رأيه قوتان متصارعتان هما قوى السوق الحرة الدافعة للربح من جهة، وتدخلات الدولة لحماية المتضررين من الرأسمالية من جهة أخرى. فبتفاعل هاتين القوتين تبلورت المجتمعات اقتصادياً في العالم الغربي. والتوجه الأول والذي وضعه آدم سميث تطور إلى ما يسمى بـ -neoliberal ism وازدهر في الثمانينات كما مر بنا ١١٨ وكان هذا التوجه يحاول قدر المستطاع إضعاف تدخل الدولة وإلغاء القوانين لترك الحرية لآليات السوق. ولكن آلية السوق هذه لم تنجح في تفعيل التنمية في غير أقطار العالم الغربي؟ هنا وضع مؤيدو هذا التوجه مبررات لفشل نظرتهم منها أن دول العالم الثالث مثلاً تتمتع بتقاليد وعادات تراثية توجد علاقات ومحسوبيات بين الأفراد تحد من انتشار آليات السوق. كما أن بعض الدول تضع القوانين التي قد تعرقل تلك الآليات. ومن جهة أخرى فقد وقع المنظرون لهذا التوجه neoliberalism في مستنقع فكري هو محور جدل مستمر في العالم الغربي وهو أن أنصار هذا التوجه برغم رفضهم لتدخل الدولة إلا أنهم في الوقت ذاته يطالبون الدولة بالتدخل للسيطرة على المجتمع لإيجاد بيئة حرة للسوق. ولأن محاولة السيطرة على المجتمع لإيجاد بيئة حرة للسوق تتضمن قرارات تقع خارج دائرة السوق فمن هذا الذي يستطيع ضمان نزاهتها وحياديتها؟ فهي أيضاً قد تباع وتشترى. وهذا ما حدث كما مر بنا في الحديث عن فردمان وهايك. فمن الأمثلة على ذلك تدخل الدولة في السيطرة على أسعار العملات والإعانات الغذائية وتوحيد بعض الأسعار للحد من الاحتكار. فعلى سبيل المثال نجد أن المزارعين دون دعم مالي سيسعون لزيادة محصولهم الزراعي بإيجاد وسائل إبداعية تزيد الإنتاج، إلا أن زيادة الإنتاج هذه ستؤدي إلى زيادة العرض الذي سيخفض الأسعار وبهذا يتم تجنب الدعم المالي للمزارعين. إلا أن الدعم المالي للمزارعين محور نقاش حاد في العالم الغربي.
مسألة
أما التوجه الثاني والمعاكس فهو الذي يدعو لتدخل الدولة والتخطيط للتنمية structuralism والذي ظهر في الخمسينات وقويت شوكته في الستينات وبالذات من خلال ما يسمى بالخطط الخمسية والتي أخذت بها معظم دول العالم الثالث. وقد انحسر هذا التوجه بانهيار الاشتراكية إلا أنه لم يندثر. وسبب عدم اندثاره هو أن الفوضى والفقر والتلوث البيئي الذي اجتاح ولايات الاتحاد السوفيتي بعد تبنيه النظام الرأسمالي أدى إلى إعادة البنك الدولي والمؤسسات المشابهة وإلى ضرورة تبني برامج تنموية تتطلب تدخلات الدولة والسيطرة عليها. وهنا عاد جدل سرمدي حول مدى أحقية تدخل الدولة وإلى أي قدر ممكن ومن يحدد ذلك؟ ولعله من المفيد ذكر أربعة أنواع من
١٢ الفصل والوصل
17.1
الطروحات السرمدية التي تدعو إلى تدخل الدولة وهي: الأول هو ما اقترحه كينيز Keynes من رصده للانهيار الاقتصادي في الثلاثينات من القرن الماضي حيث لاحظ أن آلية السوق الحر لابد وأن تؤدي إلى نمو ثم هبوط سريع في حركة السوق وذلك لأن آلية السوق الحرة لا تمتلك القدرة على التحكم في التدفق المتزن بين العرض والطلب. ولتلافي هذه الانهيارات اقترح تدخل الدولة باستحداث الوظائف الاستهلاكية لطمأنة السوق على استمرارية الطلب (كما مر بنا بحمد الله). الثاني هو ما اقترحه المفكر الألماني ليست List في القرن التاسع عشر بضرورة حماية المصانع الصغيرة في الدول المبتدئة صناعياً من المصانع العملاقة في الدول الصناعية. وهذا التوجه protectionism هو ما أخذت به بعض دول العالم الجنوبي لحماية منتجاتها وذلك بتخفيف الضرائب على السلع المحلية ومنع السلع الخارجية من الاستيراد، وهكذا من آليات أدت إلى بلادة الإنتاج المحلي وهي التي نقدها فردمان بشدة كما مر بنا. وفي هذا يقول شابرا مستنتجاً عن الحال في الدول المتخلفة بأن الحماية الجمركية تلحق الضرر بالمستهلكين على حساب أصحاب رؤوس الأموال. فالقول بأن هذه الحمايات هي لتعزيز تنمية البلد هو، كما يقول شابرا، «من باب المظاهر الكاذبة». فهي لا تحقق تعزيز التنمية، بل أنها تخدم المصالح المتأصلة للأغنياء وأصحاب السلطة الذين يثرون دائماً على حساب الجماهير التي يتزايد فقرها يوماً بعد يوم». والطرح الثالث وهو ما يمكن تسميته بالرعوية welfarism أو تبني الدولة تقديم الحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية مثل الصحة والتعليم ومحاربة الفقر وذلك بتوجيه الفائض المالي من الإنتاج الرأسمالي نحو هذه المتطلبات التي لا يمكن للسوق الحرة إدراك ضرورتها. وهذا قد يتطلب التخطيط التنموي بمحاولة ربط الاستثمارات باستحداث الوظائف التي سترعى المجتمع. وهذه كما مر بنا تستحدث الكثير من الوظائف البيروقراطية التي تعيق الإنتاج وتؤدي للهدر. والطرح الرابع هو ما يمكن تسميته بالتدخل لحماية البيئة global environmentalism وقد أخذ بعداً تنفيذياً بعد مؤتمر ريو دي جينيرو سنة ١٩٩٢م على شكل معاهدات بين الدول لاستحداث أنظمة للحد من التلوث الذي تحدثه الرأسمالية. وهناك توجهات أخرى ثانوية بتداخل كل أو بعض هذه الأنواع الرئيسة. ١٢٠ ولا داعي هنا لضرب أمثلة لإثبات أن هذه التوجهات تفرز منظومات مختلفة من الحقوق.
۱۱۹
۱۲۰
إن من أهم سمات المجتمع الصناعي الحديث modern industrial society هو تحول التقنية في المجتمعات من تقنية بسيطة تقليدية تعتمد على تراكم الخبرة من الممارسة إلى تقنية تعتمد على العلم في دفعها لزيادة الأرباح. ففي الزراعة مثلاً تتحول المزارع من مزارع ذات منتجات متعددة إلى مزارع أحادية الإنتاج لتكثيف الخبرة والجهد لمنتوج أكبر وبالتالي ظهور طبقات العمال وبأجور محددة والتحول من استخدام الحيوانات والأيدي العاملة إلى استخدام الأجهزة والمعدات ودفع المنتجات إلى شبكة من المصانع والأسواق ( كالعنب لصناعة النبيذ مثلاً). وبهذا تظهر البطالة في القرى وتنتعش المدن وتزداد الهجرة إليها. وبازدياد الكثافة السكانية للمدن تزداد أمراضها الجسدية والنفسية مع قلة الأمن وتلوث البيئة وانتشار الفاحشة كما في ما يسمى بدول العالم الثالث، وازدياد الظلم والجريمة المنظمة والأمراض النفسية وتراكم استهلاك المرافق مثلاً كما في دول العالم الغربي. أي وكأن المجتمعات دفعت نفسها إلى زيادة الإنتاجية الصناعية مقارنة بالمنتجات الأخرى كاليدوية أو الزراعية، وهذا يعني زيادة الاعتماد على التقنية المتقدمة وعلى التصنيف المتزايد المعقد للعمالة حسب مهاراتها، وهكذا تتغير المعطيات الاجتماعية. ولأن النمو الاقتصادي يتطلب زيادة الربح فإن المجتمعات تجد نفسها في اندفاع دائم نحو تحسين الإنتاج بالاعتماد على التقنية أكثر وأكثر كل يدفع رأسماله للزيادة حتى وإن لوث الأرض أو استعبد الآخرين،
١٦٠٢ 🗏
وبهذا يزداد عدد المأجورين ويتغير التركيب الاجتماعي باستمرار مع تزايد التلوث.
أي أن الرأسمالية والتصنيع المبني على التسخير أمران يصعب فصلهما في ظل التفكير الغربي الذي يستنشق التنمية والحداثة (كما ذكرت). بالإضافة لهذه الأربعة الرأسمالية والتصنيع والتنمية والحداثة) وما مر بنا في الفصول السابقة، فهناك شرط خامس أهم للتقدم الإنساني كما يرى الغرب ألا وهو الديمقراطية. ففي ظل الديمقراطية يتمكن المجتمع من رسم معالمه المستقبلية من خلال السياسة والقانون بانتخاب من سيحقق لهم أحلامهم المستقبلية. وهذا الذي يصل للسلطة بحزبه سيغير الموازين لتتغير منظومة الحقوق. وهكذا من منظومة لأخرى. وهذا الذي يحاول كتاب قص «الحق» تبيان فساده تأمل قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .
۱۲۱
إلا أن هذه الشروط لم تعط دول ما يسمى بالعالم الثالث ما كانت تتأمله من تنمية شاملة. . فعلى الرغم من زيادة الدخل القومي لبعض الدول إلا أن الفقر كان مستمراً بين السكان كما في بلاد الحرمين والجزائر ونيجيريا، لذلك ظهر من ينادي بالعدالة في توزيع الثروات وباشتراط حد أدنى من المقومات الإنسانية للحياة. فمن هؤلاء مثلاً سيرز Seers وكورتن Korten واللذان تحديا فكرة أن التنمية تعتمد على زيادة الدخل القومي فحسب، بل اشترطا على التنمية أن تلبي عدة أمور منها مثلاً: حصول الأفراد على حد أدنى من المستهلكات لإعاشتهم، وضرورة تخفيض البطالة في المجتمع، والمساواة الإجتماعية بين السكان، والعدالة السياسية بالديمقراطية، والاستقلالية الحقة للأمة، والتمتع بحد أدنى من التعليم، ومشاركة المرأة ومساواتها بالرجل في الحقوق، وتنمية مستدامة لا تلوث البيئة، وتوفير الأمان لأفراد المجتمع. وهكذا ظهر علم منبثق من علم التنمية يحاول فيه الباحثون دفع المجتمعات نحو اتخاذ قراراتها لنفسها وأخذ يتبلور تحت اسم «التمكين» أو empowerment. ولعل أهم من أشعل فتيل هذا العلم هو المفكر الألماني شوماخر Schumacher الذي أثار أن التنمية الحقة لا يمكن أن تكون من الخارج أو من السلطات أو المنظمات أو المؤسسات الكبيرة، بل لابد أن تأتي من الناس أنفسهم كما مر بنا. فمتى أعطيت لهم الفرصة وتمكنوا من مقدّراتهم فسيندفعون للعمل لأن البشر لديهم البصيرة للإنتاج. هنا ولتحقيق هذه الأفكار ظهرت الكثير من المؤسسات التي حاولت مساعدة السكان للتمكن من مقدراتهم وبالذات في العالم الثالث. ومن هذه المؤسسات ما هو مدعوم مالياً من العالم الغربي، ومنها ما هو مدعوم من دول العالم الثالث ذاتها وهي في الغالب مؤسسات لا حكومية ولا ربحية NGO. وقد طورت هذه المؤسسات وسائل علمية واجتماعية واقتصادية تتمكن بها من تنمية بعض المشروعات والمواقع، فانهالت المساعدات المادية على هذه المؤسسات لوضع التي ستؤدي للتنمية ورفع الفقر والجهل والمرض. أي وكأن هذه المؤسسات أدوية لعلاج أعراض أمراض الرأسمالية.
الخطط
يروي ستان بركي Stan Burkey قصة مؤسسة مرموقة في مجال التنمية وإعانة السكان أوكلت إليها مهمة إعانة حوالي مئتي عائلة وذلك بدفع حوالي ثلاثة آلاف دولار لكل عائلة لإعانتها لزراعة منحة من الأرض لتفريخ دودة القز في سيرلانكا. فيقول بأنه بني مصنعان لتصنيع المنتجات الزراعية والحرير بتكلفة تقدر بمئتي ألف دولار. كما بنيت مستلزمات هذا المشروع من آبار ومضخات وخزانات مياه ونحوها، وكان عدد العاملين في المشروع خمسة وعشرين موظفاً. يقول بركي متعجباً بأنه عندما زار المشروع مر على الأراضي الممنوحة فوجدها مهملة وغير منتجة، وأن المصنعين لم يعملا للسنوات الثلاث منذ بدء المشروع، إلا أنه لاحظ أن بعض الأراضي بها آبار صغيرة وتعج
١٦٠٣
١٢ الفصل والوصل
بالخضروات بطريقة منظمة مما لا يدع شكاً للزائر بأن ساكني تلك الأراضي هم مؤشر على نجاح المشروع. وعندما سأل عن هذه الأراضي المنتجة كانت المفاجأة: إذ قيل له بأن ساكنيها ليسوا ممن شملهم مشروع الإعانة، بل هم أفراد قاموا بتنمية أراضيهم بأنفسهم دون تدخل أو نصح خارجي. فكان السؤال هو : لماذا هذا الفشل وذاك النجاح؟ يقول بركي: لقد حاولت هذه المؤسسة المرموقة في مجال الإعانة كل ما في وسعها لإعانة السكان. فقد أتت بكل أنواع المستشارين للأخذ بآرائهم، ووضعت أفضل التصاميم للمنشآت، وقامت بمئات من الاجتماعات ووضعت الكثير من الجداول لتنظيم الإنتاج من خلال خبراء متمكنين، إلا أن المشروع لم يقف على رجليه برغم أن أفراد هذه المؤسسة كانوا دائمي الحديث عن أهمية مشاركة السكان في اتخاذ القرار. ولكن الذي حدث هو أن الذي فكر في
المشروع وخطط له هو المؤسسة، وكان على السكان التنفيذ فقط. لذلك كان الفشل. ويمضي معلقاً: «لقد رأينا في العقود الثلاثة الماضية فيما يسمى ببرامج التنمية آلافاً من مشروعات التنمية على يد مئات آلاف من السكان المحليين والأجانب والمستشارين الحكوميين وغير الحكوميين والخبراء والإداريين والمدربين والمتطوعين وما إلى ذلك، إلا أن كل ملم بالأوضاع في العالم الثالث يعلم أن الفقر لا زال بحالة جيدة وأنه يزدهر لدرجة أن عدد الفقراء لم يزدد فحسب، بل إنما فقرهم يزداد
عمقاً. ما هو
الخطأ؟».
۱۲۲
إنهم باختصار في ضياع. ويقول خبير آخر اسمه آسكيو Askew معلقاً على التنمية بإن البرامج والمشروعات الهادفة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية للفقراء قد تميزت إلى وقت قريب بأنها بدأت كمبادرة وصممت ونفذت بأيدي مؤسسات ووكالات أي وكأنها أتت من الأعلى للأسفل في اتخاذ القرارات بالنسبة للسكان. فهي دون مشاركة السكان. أي أن القرارات أسقطت على السكان. فكان الاعتقاد السائد هو أن مجرد دمج التقنية والعلم في المجتمعات الفقيرة سيؤدي إلى مستوى أفضل من المعيشة، وأن توفير الخدمات الصحية الحديثة سيقضي على الأمراض والعاهات. إلا أن التجربة جعلت الجميع يدرك بأن وسائل التنمية التي تعتمد على اتخاذ القرارات من الأعلى للأسفل أي من السلطات العليا على عموم الناس ستؤدي إلى اعتماد السكان على الدعم الآتي من الخارج وإلى تعميق التمييز الطبقي بين السكان. بالإضافة لهذا فإن نفقات مثل هذه الوسائل في التنمية مرتفعة لدرجة ينعدم معها وجود أية دولة في العالم الثالث ذات استطاعة للقيام بمثل هذه التنمية على سائر المجتمع. فمن أين لها رأس المال؟ ومن جهة أخرى فمن الواضح بأن توقعات واحتياجات وأهداف المستفيدين من برامج التنمية هي ليست من أولويات متخذي القرار. لذلك فإن الخدمات التي تقدم للسكان عادة ما تُرفض أو لا يستفاد منها لأنها لم تتفق مع احتياجات السكان أو لم تحترم حساسية ظروفهم أو لم تحاكي واقعهم المحلي.
بهم
۱۲۳
إن إصرار البشر على الاستكبار على حكم الله أمر عجيب. فعلى الرغم من كل هذا الضياع لازلنا نرى أفكاراً مستحدثة عن التنمية. فقد ظهرت توجهات يرى البعض بأنها ناجحة لأنها بدأت في التحول من مركزية اتخاذ القرار إلى مشاركة السكان ومن تعليم الناس إلى محاورتهم، ومن عدم الثقة إلى إناطة بعض المسؤوليات إليهم، ونحو ذلك من أفكار كتلك التي قامت بها منظمات مثل معهد المشاركة لبدائل التنمية في سيرلنكا PIDA ومنظمة التجمعات القروية للتقدم بأفريقيا ORAP ومحاولات التنمية بالبرازيل بالاعتماد على الدين لتحريك السكان من خلال الكنيسة الكاثوليكية. إلا أن جميع هذه المحاولات المبنية على مبدأ تمكين السكان والتي أخذت أسماء مختلفة
مثل grassroots movements, empowerment, enablement, participation ستبقى في نظري قاصرة
١٦٠٤ 🗏
وكأنها أعراض مرض الحكم بالأهواء. فما تعانيه هذه المجتمعات من فقر وجهل ومرض يتزايد يوماً بعد يوم، لهو خير دليل على فشل هذه المحاولات.
ولعل أهم هذه المحاولات وأشهرها هو بنك جرامين. فقد قام محمد يونس سنة ١٩٧٦م بإنشاء مؤسسة في بنجلادش لإقراض الفقراء ثم تحولت الفكرة إلى بنك وانتشرت هذه الفكرة وقلدها الكثير لدرجة أنه حصل على جائزة نوبل سنة ٢٠٠٦م فازداد رواج الفكرة. وكانت الفكرة المركزية لهذا البنك هي تمويل الأفراد وبالذات النساء للمشروعات الصغيرة. فالفقراء وبالذات النساء كما هو معلوم يعملن بجد أكثر من غيرهن، ويتمتعن بمهارات تؤهلهن لجني الأرباح، ناهيك عن الهمة بسبب حاجتهن، كما أن عملهن كمأجورات لا يستثمر كل مهاراتهن وقدراتهن وطاقاتهن، لهذا، فإن أعطين الفرصة بالقليل من القروض كما قال محمد يونس سينجزن. هكذا انتشرت فكرة تمويل المشروعات الصغيرة لتشمل الرجال أيضاً. ولقد عاصرت بنفسي مثل هذه الأفكار. فقد ذهبت سنة ١٩٩٢م في مهمة إلى أحمد أباد لتقويم مؤسسة مهمتها تدريب الأفراد لكيفية الحصول على القروض وكيفية الاستفادة منها. وبالفعل فقد نجح بعض الذين حصلوا على القروض من الخروج من الفقر. إلا أن نشاطات مثل هذه البنوك لم تسلم من الدحض. فقد ظهرت دراسات تفيد بأن مثل هذه البنوك تتيح للمقترضين فرصة الحصول على المال الذي قد لا يذهب للاستثمار في معظم الأحوال، بل قد يذهب للإنفاق على أساسيات أخرى بحجة الاستثمار، كتزويج ابنة أو سداد دين سابق. يقول ماني كومار Mani Kumar بأن الإشكالية هي أن هذه البنوك لم توثق ما يفعله الناس بالمال. فمثل هذه البنوك تحصل على تبرعات من جهات عدة كشفقة على الفقراء ثم تقرض هذه الأموال للفقراء بفوائد منهكة برغم بعض النجاحات لبعض المقترضين هنا وهناك. ويقول الباحث جفري تكر Jeffery Tucker بأن القلة من هذه النجاحات قد استغلت لترويج الفكرة مثل نجاح المرأة التي اقترضت لشراء جاموسة فتكسبت منها أو مثل تمكن المرأة التي فتحت محل هاتف لخدمات الاتصالات للفقراء فاستفادت وأفادت قريتها. وأن هذه النجاحات لا يمكن تطبيقها على نطاق واسع فهي أمثلة محددة وفي ظل ظروف محددة. وأن مثل هذه البنوك أضرت بالاقتصاد لأنها أصبحت طريقاً سهلاً لامتصاص البنوك للفقراء دونما إنتاجية ترتقي لما ينفق من قروض. هذا بالإضافة لاستفادة من يعملون في توعية هؤلاء الفقراء كموظفي المؤسسات اللاربحية NGOs دونما إنتاج ملموس،
و
فهؤلاء الموظفون يعيشون من توجيه الفقراء، إلا أن المحصلة النهائية للإنتاج القومي لا ترتقي لما أنفق.
الحيرة
١٢٤
وهكذا لعلك استنتجت من السابق أن أي تنمية اقتصادية لا يمكن لها أن تنجح ! إن كانت منهجاً تتبناه الدولة وضمن أي إطار اقتصادي أو اجتماعي مهما كان، بل التنمية، أو بالأحرى البركة (أي النمو دون تلويث أو ظلم) لابد وأن تأتي من إطار يدمج جميع أفراد الأمة ليتمكن الجميع من التفاعل ضد معركة التخلف. فما تفعله التنمية هي تمكين البعض على حساب الكل، فتعطي البعض بعض المال في إطار نظام يمنع التمكين عن الكل. وفي المقابل، إن وضعنا في أذهاننا أن الشريعة تفتح الأبواب للكل ليصبح الكل مالكاً، وأن الملاك بالتالي هم الأكثر راحة وأقل ضغطاً نفسياً لأنهم يملكون زمام أمورهم وبالتالي هم الأكثر إبداعاً وهمة، فقد تلافينا مأزق الرأسمالية.
١٢ الفصل والوصل
17.0
وكما قلت: فإن من مآزق الرأسمالية هو محاولة رفع الإنتاج من خلال المأجورين الفاقدين أصلاً للهمة لعدم امتلاكهم لما ينتجون. وعلى سبيل المثال فإن متوسط ما يأخذه الموظف أو العامل البريطاني كإجازة مرضية في حياته العملية هو ٣٦٠ يوماً. أي أن العامل يغيب عاماً ونصفاً تقريباً إن احتسبنا العطل الأسبوعية. فهؤلاء الموظفين بسبب التوتر والاكتئاب يتحايلون على النظام ويتمارضون للهروب من أعمالهم. وبهذا فإن بريطانيا تفقد فقط هذا من التغيب ما مقداره ۱۳۱ مليون يوم عمل سنوياً بسبب ادعاء المرض (وكان هذا عام ٢٠١٣م). ومن مآزق الرأسمالية أيضاً احتكار الموارد للقلة المتنفذة. وهكذا يزداد الهدر في المجتمع. فجميع من يعملون لغيرهم، وبالذات موظفي الدولة، هم قليلو الإنتاج مقارنة بمقدراتهم الجسدية والذهنية التي أكرمهم الله بها سبحانه وتعالى الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد الخالق الخلاق البديع. كما أن جميع من يعملون لغيرهم يُهدرون ممتلكات الملاك. أي أننا بزيادة نسبة الملاك وفتح أبواب التمكين لهم في ظل مجتمع مفصول في جميع مستوياته وبالتالي لا ظلم فيه مجتمعاً سنوجد يزداد فيه الإنتاج، وذلك لأن العمل الإضافي للمالك لرفع إنتاجيته متعة وليس إرهاقاً. فالمالك بعمله لفترات أطول يرى منتجاته تزداد فيزداد سعادة. وإن أضفنا لهذا مبادئ الشراكة في الإسلام المؤدية لزيادة الكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع لأمكننا تصور كثرة الخير على هذه الأرض. لكن إيجاد مجتمع كهذا يفوق عقول البشر، ولا يمكن أن يأتي إلا من خالق حكيم خبير عليم بأحوال البشر، وهو ما جاءت به الشريعة. وقد تقول أخي القارئ : إن هذا الطرح ملائم لمصنوعات صغيرة كالخبز والحقائب وليس للسفن والطائرات! فكيف فعلت الشريعة
ذلك؟ وللإجابة أقول:
.
١٢٥
قبل نقد التنمية توقفنا عند السؤال: كيف ينمو الاقتصاد بأقل نقد ممكن؟ وهل التنمية دون ظلم وإفساد تأتي من خلال الادخار أم الاستثمار ؟ إن من أهم ما يواجه فكر الاقتصاد الوضعي هو الحيرة بين الادخار والاستثمار. وهذه الحيرة لا يمكن لها أن تحل في الإطار الاقتصادي الحالي أبداً. لماذا؟ إن قرأت كتب الاقتصاد لقالوا لك: كلما زاد الاستهلاك قل الادخار، وكلما قل الادخار قل الاستثمار. ولقالوا لك أيضاً العكس. فأيهما أصح؟ وهذا وضع محير لأنه إن لم يوجد ادخار فلا أموال للاستثمار. لهذا كان العلاج من كينز وأتباعه بضخ أموال الدولة في الاقتصاد، إذا لا انتعاش إلا إن ضخت الدولة النقود في النظام، وبهذا نعود لنقطة الصفر من دورات التضخم." وهناك موقف معاكس ومشهور لهايك حير الكثيرين فهو يرى أن الخروج من الركود يتأتى بالمزيد من الادخار لكل فرد. لذا فعندما سأله طالب في مناظرة في لندن: هل تعني بأنني إن اشتريت معطفاً وقت الركود فإنني أعين على المزيد من البطالة؟ فأجاب: نعم، ثم برر ذلك بالعديد من المعادلات الرياضية. وهذا وضع مرفوض بالطبع للكينزيين، ذلك أن كينز يقول: كلما ادخرت خمسة شلنات، فأنت أوجدت عاطلاً. ويقول هايك العكس: كلما أنفقت زدت البطالة! شيء لا يصدق.١٣٦ وبالطبع فإن كتب الاقتصاد تعج بالمسببات وبالتالي حجب أو توجيه الإنفاق لتبرير كلا التوجهين. فيقول عامر لطفي مثلاً:
«وبعد نشر هذا الكتاب الأخير لكينز، حاول هايك أن يبرهن على أن الاستهلاك المتزايد يؤدي - اعتباراً من مستوى معين – إلى تخفيض حجم الاستثمارات والدخل القومي أيضاً. وطور هنـا فكرة أستاذه بوهم باروك وربطها بطريقة تحليل فيكسيل الادخار لا يمول الاستثمار وإنما الإصدار النقدي، فالطلب على السلع الاستهلاكية يرتفع بسرعة أكبر بالنسبة للطلب على السلع الإنتاجية أو سلع التجهيزات. وجراء ذلك لا يغدو الهيكل أقل رأسمالية وحسب وإنما إنتاج سلع التجهيزات -
17.7 🗏
الذي لا يرتبط مباشرة مع سلع الاستهلاك - يتأثر نتيجة انهيار المبيعات. وبمعنى آخر، يقود التوسع في الائتمان والكتلة النقدية لتأثير سيء على عناصر الإنتاج، وهذا ما يقوله تقريبا ميلتون
فردمان».
۱۲۷
حتى علماء الاقتصاد الإسلامي في حيرة من هذه المعادلة بين الادخار والاستثمار: فمتى يؤدي الادخار للاستثمار ؟ وكيف نوجد الحد الفاصل ؟ يقول مثلاً محمد أنس الزرقاء في ضرر زيادة الاستهلاك:
فعلى مستوى المجتمع ككل، إذا صار الأفراد معتادين على نوع استهلاكي مرتفع لابد أن يكون هذا مما يقلل إلى حد معين من مدخراتهم وبالتالي الاستثمار .. الاستثمار الممكن تحقيقه في المجتمع نفسه .. فإذا نظرنا إلى الاستهلاك من هذه الزاوية نلاحظ أن المبالغة فيه ستكون ضارة بالاستثمار، وبالنمو الاقتصادي وبالقوة الاقتصادية، أي معنى من المعاني قصدت بها. نلاحظ أيضاً أن الاستهلاك بعد أن يساعد في تحقيق القوة الاقتصادية والعزة إلى حد معين، إذا تجاوزنا فيه . يصبح مضاداً لتحقيق القوة والعزة .. أو لا يضعف مقدرتنا على الادخار والاستثمار، لا سيما إذا بلغنا فيه مرحلة الإسراف والترف فنصاب بأمراض نفسية مشاهدة ... الخلاصة : أن الاستهلاك ضروري لتحقيق الأهداف الإسلامية الكبرى .. ونحن نلاحظ في كثير من الحالات أنه يكون ضرورياً حتى حد معين، وبعد ذلك إذا اتسع الاستهلاك وارتفع كثيراً يصبح مضاداً ومعيقاً لتحقيق هذه الأهداف» ۲۸
۱۲۸
أما من منظور كتاب «قص الحق» فلعل المسألة واضحة لك الآن. فهذه الحيرة التي هم فيها ما وُجدت إلا لأن الدولة تُعتبر طرفاً مهماً دائماً في معادلة الإنفاق. فالدولة هي التي تحاول إخراج الناس من الكساد بالمزيد من الإنفاق كما ذهب الكينزيون، أو العكس بالتقليل من الإنفاق الحكومي كما ذهب هايك وفردمان. وهذا وضع مرفوض أيضاً لكتاب «قص الحق» كما مر بنا تحت عنوان: لماذا نرفضهم؟). وبالطبع مع تطبيق الشريعة فإن الدولة لا أملاك لها إلا القليل القليل وبالتالي هي ليست طرفاً أبداً في المعادلة، بل إن تدفقات إنفاق الناس هي التي تحرك الاقتصاد كما مر بنا وسيأتي بإذن الله . حتى علماء الاقتصاد الإسلامي متأثرون بهذا المنظور الذي يجعل الدولة طرفاً فاعلاً فهذا محمد أنس الزرقاء يقول ناقداً إسراف الحكومات:
«فمن الواضح جداً أن لدينا انحرافات في الأنماط السلوكية نشاهدها على مستوى الأفراد ونشاهدها أيضاً على مستوى الاستهلاك العام في استهلاك الدولة. فنرى الكثير من الاستهلاك العام يأتي بمنافع اجتماعية معروفة، ولا نقول أبداً أنه ينبغي تحديدها أو تقليلها، ولكن نلاحظ أن الاستهلاك العام في كثير من الدول المسلمة له مظاهر إسراف وترف، لا مبرر له عقلاً وشرعاً، وهي تحتاج إلى ترشيد، والترشيد يحتاج – ليس فقط قراراً اقتصادياً ومعرفة اقتصادية، إنما يحتاج – إلى قرار سياسي وإرادة توفيرية لدى الحكومات نفسها. ...».
۱۲۹
مثال آخر: عند الحديث عن التنمية ومصادرها يتحدث الاقتصاديون عن الفائض وأنواعه. فهذه الدكتورة
نعمت مثلاً تنقل عن محمد البهي قوله مؤيدة:
«ويتفق مفكرو الاقتصاد الإسلامي أن تحقيق التنمية الاقتصادية مصلحة يبيح الإسلام لولي الأمر المسلم أن يوجب تحصيل العفو، وتوجيهه لتحقيقها، وذلك بحمل القادرين على دفع المزيد من المال فوق الموارد الشرعية - وأهمها الزكاة - إلى حد العفو، أي الفائض عن حاجتهم، حسبما تكون مصلحة الأمة».١٣٠
١٢ الفصل والوصل
17.V
وتقول في الفيء مستنتجة:
«فالفيء إذن من الموارد التي تنفق على مصالح المسلمين، فهو يستخدم في تمويل مشروعات التنمية التي تعود على المجتمع كله بالنفع. إلا أن الفيء يعتبر مورداً استثنائياً لارتباطه بالظروف الحربية مما لا يجعله من الموارد الدائمة التي يمكن الاعتماد عليها في تمويل التنمية».
أي أن ما أحاول إثارته هو تذكيرك بأنه لا فائض لدى الدولة أبداً لأنه لا مال لها إن طبقت الشريعة، ولكن المال لدى الأفراد. ومن جهة أخرى فإن من مبادئ التنمية التي تقبلها الكثير من اقتصاديي الغرب هو العلاقة العكسية بين النمو وعدم المساواة. فمنذ آدم سميث تقبل بعض الاقتصاديين فكرة أن التضخم يخفف من تسديد ديون الخزينة العامة، كما أنه يدفع الجمهور إلى الادخار في البنوك، ومنهم من ذهب لأبعد من هذا بحجة أن للتضخم القدرة على إعادة توزيع الثروات لمصلحة الأفراد الأغنى والتي ستدخر الكثير من الأموال التي تجنيها لتستغلها في الاستثمارات. فهناك فرضية عجيبة (كما ينتقد شابرا) تقول أن كل مبلغ يدفع للعمال في مجال الأجور يُنفق في الاستهلاك، أما كل مبلغ لا يدفع مقابل الأجور سيدخر ويستثمر استثماراً منتجاً .۲
۱۳۲
ولتجسيد الوضع تخيل الآن أن كل الاقتصاد الرأسمالي في كل دولة وكأنه حوض ماء وبه فتحات من جوانبه في مستويات مختلفة. فالماء النازل فيه هو مجموع الإنتاج المحلي، أي قيمة السلع والخدمات النهائية التي أنتجتها عوامل الإنتاج، أو ما يسمى GDP أو Gross Domestic Produc ." وبهذا فإن الماء المجموع في الحوض هو الثروة التي يمتلكها أفراد المجتمع. أما الفتحات في جوانب الحوض فهي مجموع المال الذي لا يستثمر مباشرة في المجتمع بل يذهب هدراً كتلك الأعمال البيروقراطية في الشركات وكنفقات الدولة التي لن تتم إلا بجمع الضرائب. لذا فإن هذا الحوض لن يمتلئ أبداً لأن الخارج من الجوانب مفتوح على الدوام. وهذا هو حال المجتمعات الرأسمالية التي تعيش فيها الدول على الضرائب والديون والسندات. أما إن طبقنا الشريعة فلن تظهر الفتحات أبداً. بل المال مستثمر باستمرار. فمع تطبيق الشريعة وتحول المنتجات من الكماليات للحاجيات ثم للضروريات (كما سيأتي في الزكاة بإذن الله)، ومع إتقان المصنوعات، فإن الخارج كهدر من جوانب الحوض يقل جيلاً بعد جيل فيزداد الثراء للجميع. أما مع تطبيق الرأسمالية، فإن الهدر يأتي من الأعمال البيروقراطية، بالإضافة للمصنوعات المبنية على زيادة الاستهلاك لما لا داعي له كالكماليات الفارهة أو كتلك المصنوعات الهشة التي تصدرها الصين للعالم أجمع والتي ترمی مباشرة بعد عدة استخدامات فيزداد التلوث على الأرض.
أي عندما يكون الإنفاق من الكثير من الناس وبشكل متزن لأن التدفقات المالية متزنة بين الناس لتقاربهم في الدخل إن طبقت الشريعة فإن النمو الاقتصادي سيكون متزناً وسيأتي بيانه في الحديث عن الزكاة والإنفاق بإذن الله) وكل هذا لأن الدولة ليست في المعادلة أصلاً. ولكن مع تطبيق العقل القاصر وتدخل الدولة في الاقتصاد
هامش
فقط
۳۰) لاحظ أن الفيء ليس من الموارد الحربية كما ذكرت الدكتورة الإنتاجية للمقيمين في البلد بالإضافة لصافي دخل الملكية في الخارج. نعمت، بل الغنائم هي التي تشكل الموارد الحربية كما مر بنا (۱۳۱). فإن أوجدت شركة من خارج الدولة مصنعاً للسيارات مثلاً، فإن ب لاحظ أن هناك فرق بين GDP و GNP. فالأول هو الناتج إنتاجها لا يدخل في حسبان الناتج الإجمالي القومي بل الإجمالي المحلي وبغض النظر عمن يمتلكه، والثاني هو الناتج الإجمالي حساب الناتج الإجمالي المحلي. القومي، وهي قيمة السلع والخدمات النهائية التي تنتجها محلياً العوامل
في
17.1 🗏
وبالتالي ظهور الدورات من نمو اقتصادي ثم انكماش ثم نمو (كما مر بنا) فإن المصانع والشركات المنتجة للمستهلكات أو الخدمات تجد نفهسا في تذبذب إنتاجي لأن الطلب في تذبذب فمع الانكماش تجد المصانع نفسها في وضع مضطرة فيه لتسريح بعض العمال والموظفين لأن الطلب على السلع والخدمات قد نقص. ومع التعافي من الانكماش، فإن المنطق هو أن تعود الشركات والمصانع لتوظيف من سُرحوا أو توظيف آخرين في أماكنهم للعودة لنفس الكفاءة الإنتاجية. ولكن الذي يحدث غالباً هو أن هذه المؤسسات الإنتاجية تكتشف بأن الموظفين أصبحوا يتمتعون بكفاءة أعلى خوفاً من الفصل من العمل وبالتالي فإن باستطاعتهم العمل بطاقة إنتاجية أعلى، لذا، وخوفاً من المخاطرة بالتوظيف، تدفع الشركات والمصانع المزيد من المال لنفس الموظفين والعمال للعمل لساعات إضافية لتلبية الطلب المتزايد على المنتجات والخدمات. ثم إن استمر الطلب على المنتجات في الازدياد، عندها تضطر المؤسسات لتوظيف المزيد، وهذه الآلية تأخذ الكثير من الوقت لدرجة أن الشركة عندما تقرر ذلك يكون الاقتصاد قد تغير من النمو للانكماش مرة أخرى ما يؤدي لوجود فجوة كبيرة بين ميزان الإنتاج وميزان العمالة في المجتمع. فبرغم نمو الإنتاج الكلي إلا أن مستوى البطالة لازال مرتفعاً. وبالطبع لا ننسى الإنهاك النفسي، فهؤلاء الذين يعلمون ليل نهار في الوقت الذي تنتشر فيه البطالة هم في كآبة.
هذا تماماً.
تذكر أيضاً بأن الناتج القومي أو المحلي لن يقيسا لنا الكثير والكثير مما يجلب السعادة أو التعاسة. والغرب يعلم فهم يدركون بأن الناتج القومي أو المحلي لن يقيس سعادة الأطفال باللعب بالألعاب سواء كانت قديمة أو جديدة، ولن يقيسا سعادة زوجين رزقا طفلاً في غرفة على السطح وليس في مستشفى فاره، ولن يقيسا تعاسة شابة متفوقة لم تحصل على مقعد دراسي جامعي لأنها لا تملك المال، وبالطبع لن يقيسا أمانة رجل المرور أو المدرس، ولن يقيسا بطش أب متغطرس يفتك بأبنائه لأنه عاطل، ولن يقيسا تلوث البيئة بسبب الإنتاج المفرط دونما حذر، فهما لن يقيسا التصحر أو تقطيع أشجار الغابات أو الانبعاث الحراري.
كما أن من الفروق الأساسية بين الفكرين الاقتصادي إن طبقت الشريعة وبين ما ينتجه العقل القاصر من نظريات، هو أن معظم الأعمال التي يقوم بها الناس إن طبقت الشريعة لن تحتسب كإنتاج إجمالي ذلك لأن من يقومون بها يفعلون ذلك كخدمة ودون أجر مقابل فلا تظهر في الاقتصاد كخدمات، وأفضل مثال لذلك هو دور الأم التي تقوم بتربية الأطفال، فهي تؤدي خدمة دونما مقابل مالي كالحضانات. وكذلك عمل الرجل في داره. وقد تظهر شركة لغسل السيارات أو لتنسيق الحدائق في ظل الأنظمة المعاصرة، وعندها فإن هذا يعتبر إنتاجاً قومياً يدخل في الحسابات الاقتصادية، أما إن قام الناس بها بأنفسهم أو فيما بينهم، فهي لن تظهر أبداً في حسابات الاقتصاديين، وبالطبع، كلما كثرت هذه الأعمال كلما قل الهدر، وبرغم أن هذه النشاطات تخدم المجتمع إلا أنها لم تظهر کنشاط اقتصادي، ومع مقصوصة الحقوق، فإن الكثير من الأعمال ستأخذ هذا الاتجاه.
تذكر أيضاً أن الاستثمارات الكبيرة من الدول أو الأثرياء في النظام الوضعي ستؤدي إلى تمزيق النسيج الاقتصادي ذلك أنها ستوجد جسماً اقتصادياً مهولاً. فالسفينة لن تُنتج من خلال شراكات متعددة، بل من خلال شركة ضخمة ستكون منتجاتها بعيدة عن المستوى التقني للأمة. وتقول الدكتورة نعمت في هذا:
«ويؤدي التمويل الخارجي إلى اقتصار العملية التنموية على إيجاد جزر متقدمة اقتصادياً وفيناً وتكنولوجياً تابعة في حقيقتها للاقتصاديات المتقدمة دونما تأثير يذكر على تنويع وتوسيع القاعدة
١٢ الفصل والوصل
١٦٠٩
الإنتاجية وتنمية الاقتصاد المحلي أو رفع معدل التراكم الرأسمالي المحلي في القطاعات الأخرى. وهو
۱۳۳
ما يتمخض عنه نشوء ظاهرة الاقتصاد الثنائي Dual Economy أو على الأقل تعاظم حدتها» .۳۳
وهناك ما يعرف في الاقتصاد الرأسمالي بإجمالي الاستثمار الخاص أو gross private investment. وهي الاستثمار في سلع ستؤدي إلى استهلاك مستقبلي كالمصانع والآلات فالآلات التي توضع في المصانع ستزيد من كفاءة المصانع، وبالتالي يزداد الإنتاج الذي سيستهلك بالإنفاق. وهذه غالباً ما تحدث عندما تشيع الثقة بالاقتصاد فيزداد الناس استثماراً، ومع الشريعة فإن هذا يزداد العمل به لأن جُل المنتجات في الغالب أصبحت من الضروريات المضمونة والمستقرة في استهلاكها والتي تحتاج لهذه الآلات باستمرار. لكل هذا، فإن تعبير الإنتاج القومي أو المحلي بمفهومه الحالي تعبير مضلل إن طبقت الشريعة، فهل نحن بحاجة لتعبير آخر يقيس الإنتاج الكلي لمجموع الأمة في حوض بدون فتحات من جوانبه لأنه لا ضرائب ولا هدر؟
الزكاة
بعد قراءة السابق لعلك تسأل: ولكن كيف تتحول المجتمعات بتطبيق الشريعة من تلافي الاستثمار في الكماليات الفارهة إلى الانجذاب للكماليات الواعدة وللحاجيات وللضروريات وبالتالي يقل الهدر وتزداد المصنوعات جودة وبسيولة نقدية أقل؟ الإجابة هي من خلال العديد من الحركيات التي مرت بنا لتمكين الناس ومن أهمها الزكاة. فالزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لتعطى للفقراء برغم قلتها إلا أنها تدريجيا تغير التركيبة الاقتصادية للمجتمع. كيف؟
إن الذي يحرك الاقتصاد ليس كثرة المال، ولكن كثرة دورانه. وهذا معروف للاقتصاديين. فقد وضع الباحث فردما المعادلة الآتية : MV = PQ ، حيث أن حرف M يرمز إلى المال المتوافر Money supply، أما حرف V فيرمز إلى سرعة دوران ذلك المال Velocity of which it circulates ، وفي الطرف الآخر من المعادلة نجد أن حرف P يرمز إلى مستوى الأسعار Price level ، أما حرف Q فيرمز إلى كمية الصرف Quantity of expenditure، وبناء على هذه المعادلة، فإن حاصل ضرب المال المتوافر أو المال المخصص للاستثمار مضروباً في سرعة دورانه يساوي حاصل ضرب مستوى أسعار المنتجات في كمية المال المنفق لشراء المنتجات، أو تجاوزاً السلع المعدة للبيع (أي أن الأموال مضروبة في دورانها تساوي الأسعار مضروبة في الكميات). وبهذا فكلما زاد دوران المال من يد لأخرى من خلال البيع والشراء والاستثمار نقص النقد المطلوب توفره في الاقتصاد ليدور. أي كلما زاد دوران النقد الضروريات وارتفاع جودتها كلما تحسن الاقتصاد، ذلك أن زيادة معدل الضروريات مع الجودة العالية يعني بيعها. فكيف يدور المال؟
هامش
مع
كثرة
ضمان
جـ ٣) لقد كتب الكثير عن الزكاة. ومن أهم الكتب كتاب الدكتور مصارف الزكاة يكون له أثره في رفع مستويات التشغيل والاستهلاك يوسف القرضاوي (فقه الزكاة وبحث دكتوراه للدكتورة نعمت والارتفاع بمستوى النشاط الاقتصادي بما يعوض أي تراخ قد يحدث مشهور. ولكن مع الأسف فمعظم هذه الدراسات لم تتخلص من دور من جانب المستثمرين الأفراد، ويشيع جواً من التفاؤل والثقة . يشجع الدولة كطرف مهم وفاعل في التنمية من خلال الزكاة. فهذه مثلاً د على الاحتفاظ بمستوى عال من النشاط الاقتصادي وعدم تعرضه نعمت تقول: «وأخيراً نجد أن قيام الدولة بالاستثمار المباشر كأحد للركود» (١٣٤).
- 🗏
دوران المال هو ببساطة انتقال المال من يد لا تستثمرها أو لا تشترى بها ليد أخرى تستثمرها أو تشتري بها. وهناك بالطبع حركيات كثيرة أهمها البيع والشراء كما سيأتي بإذن الله. ومن هذه الحركيات أيضاً العطايا والهدايا والوصايا، و ا، وجميع السابق هو حث على الإنفاق وليس بواجب مثل ما يُلزم الناس بالإنفاق كالكفارات والفدية والنذور والنفقة على الوالدين وبالطبع والأهم الزكاة فهي ركن من أركان الإسلام ولعل دراسة الزكاة بحاجة لبحث كامل، لذا سنركز فقط على إخراج الزكاة كحركية تؤدي إلى دوران المال دون التركيز على القيم مثل أن الزكاة تطهير للمال وأنها مجلبة للمحبة وأنها شكر للمنعم وأن فيها تدريب على الإنفاق والبذل وما شابه من قيم فذة بحاجة للكثير من التوضيح، إلا أن هذا ليس مكانها.
لعل من أوائل من التفت لأهمية الزكاة كحركية ملائمة لأيامنا المعاصرة هو أبو الأعلى المودودي أثابه الله
إلا أنه لم يوضح كيفية حدوث النماء في المجتمع بسبب الزكاة، لذا لم يُلتفت إليه. فيقول أثابه الله: «من ذا الذي يشك أنه من النتائج اللازمة التي ينتهي إليها جمع المال والمراباة عليه، أن تنكمش ثروة المجتمع الكثيرة وتستولي عليها طائفة قليلة من أفرداه، مما يسبب الضعف في قوة شراء الجمهور والكساد في صناعة البلاد وتجارتها وصناعاتها بصفة متصلة، ويفضي بحياة المجتمع الاقتصادية إلى شفا حفرة من الهلاك حتى أنه لا يدع أخيراً للأفراد الرأسماليين أنفسهم مجالاً إلى تقليب ثروتهم المدخرة في عمل مثمر. وعلى العكس من ذلك من نتائج الإنفاق وإيتاء الزكاة والصدقات أن تنتشر الثروة وتتسع دائرتها إلى جميع أفراد المجتمع حتى يتمتع كل منهم بقوة كافية للشراء وتنمو الصناعات وترتقي التجارات وتخصب الزورع وتغمر أفراد المجتمع جميعاً حالة من الطمأنينة والرفاهية والرخاء ولو لم يكن فيهم واحد من أصحاب الملايين وعشرات الملايين».
أما من الذين قاموا بتوضيح الزكاة اقتصادياً كحركية فهو الدكتور حاتم القرنشاوي إذ يقول (هذا الاقتباس مهم أخي القارئ فأرجو التركيز عليه):
... الزكاة التي تبدأ بنسبة ٢٥% وتصل إلى ۲۰% في الركاز، وهناك العديد من الدراسات منها رسالة او دكتوراه قدرت حجم الزكاة في بعض البلدان. وهناك أكثر من رسالة في حقيقة الأمر، وتراوحت التقديرات بين ۸ و ۱۲ بالمائة من الدخل القومي أو من الدخل الوطني، كما سميت في تعبير المحاسبة
الوطنية.
لمن تذهب الزكاة؟ تذهب أساساً للفقراء .. هل الميل الحدي للاستهلاك عند الفقراء مرتفع أم منخفض؟ هو مرتفع بالتعريف هل هو مرتفع بالكماليات أو مرتفع بالضروريات؟ مرتفع بالضروريات ... إذن هناك عشرة إلى اثني عشرة بالمائة من الدخل القومي الموجه بطبيعته لإشباع الضروريات لأفراد المجتمع الذين لا يملكون القدرة على دفع الثمن وذلك بالإضافة إلى الموارد الأخرى المخصصة مثل الكفارات والصدقات .. إلى آخره، التي تضاف كذلك، والتي تمنح للفقراء
...
المنتجون في هذا المجتمع هل ستكون مصلتحهم في إنتاج سلع ليس عليها طلب أم سلع لها طلب؟ سلع عليها طلب بالطبع، وهناك طلب واضح ومحدد ومجال متكرر للطلب على الضروريات، من خلال الزكاة سيتوجه المنتجون بأنفسهم إلى هذه السلعة، والتي تحقق لهم الربح، لأن عليها طلباً في المجتمع، وهو طلب مستقر ومضمون هل يعني هذا أن بعضاً منهم لن يتوجه لإنتاج الكماليات أو الحاجيات؟ نعم بعضهم سيتوجه إلى هذا. ولا بأس في ذلك، ما دامت ليست بديلاً عن الضروريات.
١٦١١
۱۳۵
١٢ الفصل والوصل
وما دامت الموارد الخاصة بالقطاع الخاص فليس فيها شيء».
أي أن القليل من زكاة الأثرياء عندما يقع في أيدي الفقراء فإن معظمه ينفق على الضروريات. وطمعاً في الربح فإن التجار والصناع عادة ما يتجهون لتوفير هذه الضروريات، فيزداد إنتاجها. وتقول الدكتورة نعمت في
نفس الموضوع:
وتؤدي الزكاة من خلال تكييف الهيكل السلعي للطلب على الضروريات نتيجة لزيادة القوة الشرائية النسبية لدى الفقراء كأثر إعادة توزيع الدخل إلى نقص الطلب على الكماليات وسلع الصفوة القادرة، وتوجيه جانب كبير من الإنفاق نحو إشباع الاحتياجات الحقيقية للمجتمع والحد من التطور والتنوع غير المرغوب فيه في الحاجات والاستهلاك الترفي والإسراف الذي يسود المجتمعات الرأسمالية، وهو ما ينتج عنه في النهاية رفع المستوى المتحقق من المنافع الاقتصادية لإعادة توزيع الدخل».
١٣٦
والآن لنضرب مثالاً رقمياً مقنعاً من وضع الدكتور سامر قنطقجي: لنقل بأن الأثرياء كما هي العادة في معظم المجتمعات يشكلون %۲۰% والفقراء يشكلون %۸۰٪ في مجتمع ما، فإن كان عدد الأشخاص مئة في ذلك المجتمع، ودخل الفقير ألف دولار في السنة، والغني عشرة آلاف دولار، أي أن هناك ۲۰ غنياً و ٨٠ فقيراً، ونسبة النمو السنوي هو 5% والزكاة هي ٢,٥ ، وإن كان نصاب الزكاة الذي يدفعه المزكي هو عند بلوغ ٢٥٠٠ دولار، فإنه بعد السنة الأولى يكون مجموع من عليهم الزكاة ۲۰ شخصاً في عشرة آلاف أي مئتا ألف، فإن زكاة هذا المبلغ هو مئتا ألف في ٢,٥٪ أي خمسة آلاف دولار، فإن وزع هذا على ثمانين فرداً كان دخل الفقير ١٠٦٢,٥ دولاراً في السنة (١٠٠٠ + ٦٢,٥). وهكذا بمثل هذه الحسابات توصل الدكتور سامر إلى أنه في السنة العاشرة سيرتفع دخل الفقير ليصل إلى ٢٥٢١ دولاراً. أي أنه لا فقراء. أما إن كان دخل الأغنياء هو ٥٠٠٠٠ دولاراً، وهذا ليس دخلاً مرتفعاً، ففي السنة الرابعة يرتفع دخل الفقراء ليكون ٢٦٠٥، أي أنه لا فقراء أيضاً، فما بالك بحال العولمة الظالمة التي يصل فيها دخل الثري إلى مليون ضعف دخل الفقير أحياناً. أي أن هذه العمليات تثبت رياضياً ما حدث في عهد العمرين رضي عنهما (عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز من أن الالتزام بدفع الزكاة يمحو الفقر. وقد وضع الدكتور سامر أثابه الله جدولاً رياضياً للزيادات والزكاة يبين بوضوح كيفية التخلص من الفقر بالزكاة.١٣٧
الله
والمهم أيضاً هو الآتي: فمن هؤلاء الفقراء الذين خرجوا من الفقر من هو أكثر همة من الأثرياء الذين ورثوا أو أوجدوا ثرواتهم. وهؤلاء الأكثر همة وذكاء قد يسبقون الأثرياء بالقليل من التمكين. تدبر الحديث الشريف الآتي من المستدرك: قال صلوات ربي وسلامه عليه: (سبق) درهم مائة ألف). قالوا: يا رسول الله، وكيف؟ قال: (رجل) له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير، فأخذ من عُرض ماله مائة ألف فتصدق بها. والسبق هنا طبقاً بالأجر. والسبق يكون أيضاً بمآل هذا الدرهم، أي في يد من سيقع. وقد قال الشافعي في هذا مستلهماً من الحديث: «قد يرى الفقير المدقع الدينار عظيماً بالنسبة إليه، والغني المكثر قد لا يرى المئين [أي المئات عظيمة بالنسبة إلى غنائه».۱۳۸ أي أن مئة دينار قد لا تحرك ثرياً، أما الدينار الواحد إن وقع في يد الفقير قد يجعله يقفز من مكانه ليعمل لاسيما أن أبواب التمكين الأخرى متاحة له، فهو فقط بحاجة لسد جوعه أو ملبس يكسيه أو آلة يحرث بها أو فأساً يضرب به ولأن همته عالية ومسؤولياته المالية تلاحقه وقد وضع على خط الإنتاج،
١٦١٢ 🗏
سيجري وقد يسبق الآخرين. وهكذا بالتدريج يتقارب الناس في الدخل لاسيما أن أبواب التمكين مفتوحة للجميع ولا حدود بين الجغرافيات المختلفة ولا احتكار ولا وكالات تجارية حصرية ولا تصاريح مطلوبة من الدولة للعمل ولا عملة مؤدية للتضخم، ولا ... ولا ... ولا ...، بل أمة واحدة بخليفة واحد.
المنفعة
والذي هو
ولأهمية هذه النقطة سأشرحها بطريقة أخرى: قيل بأن «جهد المقل أفضل من غنى المكثر». وقيل أيضاً: «القليل من صاحب القليل أفضل من الكثير من صاحب الكثير». وفي هذا السياق فإن أعطى الغني ديناراً للفقير فإن الفقير سينتفع أكثر من فقدان الغني للدينار أي أن الفقير يزداد منفعة والغني يفقد منفعة، إلا أن مجموع للمجتمع ككل أكبر بعد تحول الدينار من الغني إلى الفقير لأن المنفعة تعاظمت. وكما يرى رفيق المصري، فهذا هو مصداق الحديث : (سبق) درهم مائة ألف. فالدرهم الذي تصدق به الفقير منفعته الحدية أعلى من درهم يتصدق به الغني الذي لا يشعر بالمال الخارج من مخازنه. وبالطبع فإن التضحية هنا لهذا الفقير إن تصدق بدينار نصف ماله مثلاً أكبر ممن أخرج جزءاً يسيراً من ماله. هذا بالإضافة أن الدينار الواحد قد يغطي حاجات الفقير، بينما المئة قد لا تغطي حاجة الغني إن أخذها. وفي هذا يقول الدكتور رفيق المصري أثابه الله : «وبهذا فإن المنافع تزداد في إعادة التوزيع، إذا قامت على أساس سد الحاجات، لا على أساس التساوي في المبالغ المدفوعة. ولهذا فإن المعول عليه هنا هو حد الكفاية، ولا . يهم إذا تفاضلت المقادير (المبالغ) لسد هذه الكفاية التي تختلف من شخص لآخر». وما ساعد أيضاً على التوجه لإنتاج الضروريات هو أن القيمة الحقيقية لأي منتج تكمن في الرغبة في الحصول عليه إما لحاجة الناس له أو لندرته أو لجماله وما إلى ذلك من أسباب، وليس بالضرورة لكمية العمل المستثمر فيه كما يقول السيد الصدر . ولأن الفقراء عادة ما يذهب أكثر إنفاقهم على ضرورياتهم، فمع تحسن حالهم وخروج آخرين من الفقر فإن الضروريات ستتحسن جودة وستزداد في عددها بتحول الحاجيات لضروريات كما مر بنا وبطريقة سهلة التصنيع تلافياً لزيادة التكلفة .۱۳۹
ومن جهة أخرى (وكما مر بنا في فصل «الشركة» وسيأتي التفصيل بإذن الله في فصل «المعرفة») فإن طريقة الإنتاج مبنية على تمكن الأفراد وتكاتفهم لإنتاج وحدات تكمل بعضها بعضاً لإيجاد المنتج الأكبر، وبهذا فإن الإنتاج ليس بحاجة لرؤوس أموال كبيرة، بل اليسير من المال لأن عرف الإنتاج سواء كان زراعة أو تصنيعاً منتشر وليس بحاجة إلا للهمة واليسير من المال لأن مستلزمات الإنتاج الأخرى كالمواد الخام والمكان متوافرة بسبب فتح أبواب
التمكين. وبهذا فإن القليل من السيولة النقدية ستوجد المصنوعات الكبيرة أو المعقدة بسبب هذا التكاتف.
أي لأن جزءاً من المال المتوافر للفقراء بسبب الزكاة يذهب لشراء الضروريات، فإن الإنفاق يزيد القوة الشرائية للضروريات والتي تزداد سنة بعد أخرى بانحسار الفقر، وهذه لأنها تتطور وتزداد في العدد كسلع وخدمات بتحول الكماليات لحاجيات ثم ضروريات، فإن الإنفاق في حد ذاته سيصبح موجهاً للاستثمار فيزداد عدد منتجو الضروريات ويتوسع بعضهم فيها . أي أن طريق النهوض الاقتصادي هو الإنفاق من الكثير من الناس في الضروريات والتي تزداد في عددها وجودتها، وليس بالضرورة في حل اللغز أيهما أهم: الادخار أم الإنفاق؟ «وهذا هو الأهم»، أي أن تصنيع الضروريات يزداد في نسبته وجودته في كل سنة ومن خلال الزكاة وانحسار الفقر. ففي كل سنة يزداد فيها دخل الفقراء عن السنة التي قبلها يزداد الإقبال على الضروريات. وهكذا سنة بعد أخرى يتسع تصنيع الضروريات والتي تزداد جودة. وهذا الاتساع بالطبع سيكون على حساب نقصان السلع الترفيهية الفارهة
١٢ الفصل والوصل
١٦١٣
لأنها لن تكون مضمونة الربح مقارنة بالحاجيات وبالضروريات فيعزف عنها المنتجون. ومع الزمن وبجفاف تصنيع الكماليات الفارهة لن يجد الأثرياء لذة في جمع المال، عندها قد يتجه إنفاق بعضهم في أوجه الخير أو الإقراض أو الدخول في شراكات ما يؤدي للمزيد من التشغيل وهذا يؤدي لانحسار الفقر أكثر وأكثر. هكذا يتحرك الاقتصاد. لا تنسى أيضاً أن الوصف السابق هو لتحريك اقتصاد متعثر أو واقف وأنه إن طبقت الشريعة فإن
الوضع الطبعي هو أن الاقتصاد متحرك باستمرار فيزداد حركة لأن الشريعة مطبقة لمئات أو لآلاف السنين. لقد كتب الكثير عن الزكاة، وقد شاع بين الباحثين تأثير الزكاة في تغيير التركيبة الاقتصادية، فتقول الدكتورة نعمت أثابها الله في الإنفاق والزكاة وكيفية تضاعفها:
«لقد أصل الإسلام مفهوم المضاعف منذ ألف وأربعمائة عام في قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنُبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . هذه المضاعفة المترتبة على الإنفاق في سبيل الله ليست قاصرة على ثواب الآخرة، وإنما تتحقق بصورة مادية في الحياة الدنيا في صورة ارتفاع الدخل القومي بأضعاف مضاعفة لمقدار الإنفاق الأولي. ذلك أن الآثار الطيبة المترتبة على الإنفاق لا تقف عند حد من أنفق عليه، وإنما تمتد لتنشر الرواج في الاقتصاد كله، وتعمل على تنشيط الطلب الفعال، حتى يعم الخير ويعود النفع على المنفق نفسه، فقد قال الحق تعالى ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ . وهذا المضاعف هو ضابط لا يخطئ، وقانون صارم يحكم الخلق في كل عصر، وسمة من سمات الخلق الذي تحكمه الدائرية الأزلية في شتى مجالات الحياة، وهو كغيره من ضوابط الاقتصاد الإسلامي وقوانينه له صلة مباشرة بنشاط الفرد من أجل ذاته، ومن أجل مجتمعه». ۳۵
د۳
ولكن مع الأسف، كمعظم الباحثين لم تتمكن الباحثة من التخلص من إقحام الدولة في إيجاد اقتصاد إسلامي، فها هي تقول:
وأخيراً نجد أن قيام الدولة بالاستثمار المباشر كأحد مصارف الزكاة يكون له أثره في رفع مستويات التشغيل والاستهلاك والارتفاع بمستوى النشاط الاقتصادي بما يعوض أي تراخ قد يحدث من جانب المستثمرين الأفراد ويشيع جواً في الإنفاق الذي أحدثه
١٤١
.«<...
ميزة أخرى للزكاة فكما رأينا في فصل «الأموال» فإن الزكاة ليست تصاعدية أبداً في الشريعة كما هي الحال مع معظم الضرائب الوضعية. والسبب والله أعلم هو أنه إن طبقت الشريعة وتقارب الناس في الدخل فإن الأمة بحاجة لنظام سهل الفهم والتطبيق على الناس الذين عليهم إخراج زكاتهم بأنفسهم. ففي المجتمعات الرأسمالية ذات الضرائب المتصاعدة يفلت الأثرياء من دفع الضرائب ويقع فيها الأقل ربحاً كما مر بنا. أي وكأن الاقتصاد عربة واقفة، فإن تحركت بعض الشيء ببذل القليل من المال للفقراء بدفع الزكاة سينهض هؤلاء الفقراء وتبدأ العربة في السير. وكلما سارت انحسر الفقر بزيادة الزكاة، وكلما ازدادت العربة في سرعة سيرها. وهكذا ينهض المجتمع. كيف؟
هامش
د) وتقول أيضاً: «للزكاة أثرها غير المباشر في حماية الاقتصاد الفئات الكبيرة العدد، وبالتالي زيادة الطلب الفعلي على السلع الإسلامي من التقلبات، من خلال إعادة توزيع الدخول لصالح الاستهلاكية وزيادة الإنتاج في مختلف مجالاته مع ارتفاع مستويات الطبقات ذات الميل المرتفع للاستهلاك، وهي تمثل الشطر الأكبر من التشغيل» (١٤٠).
أسهم الزكاة الثمانية، مما يكون له أثره في زيادة القوة الشرائية لهذه
١٦١٤ 🗏
هـ ٣
إن المجتمع المسلم يحاول قدر المستطاع أن يدفع الناس للعمل، وذلك بوضعهم في مواضع تضطرهم للنهوض دون فرض العمل عليهم وذلك حتى يتمكن كل إنسان من القيام بأقصى ما يستطيعه. كيف؟ إن الناس كما هو معلوم أطياف مختلفة في أخلاقهم وهممهم ومهاراتهم وقواهم. فهذا نشط ذكي لبق وذاك كسول غبي فظ، برغم تساويهما في مقدرتهما البدنية وهذا قوي لا همة ،له وذاك ضعيف في بدنه عال في همته، وهكذا يختلف الناس. فكيف يمكن للشريعة أن تقص الحقوق حتى تدفع هؤلاء المتباينين من البشر للنهوض للعمل؟
إن مؤسسات الضمان الاجتماعي في العالم الغربي تضمن للفرد دخلاً شهرياً . يسد جوعه إن أصبح عاطلاً عن العمل. أي أن القرارات لما يُعطى من مال وكيف سيعطى هو بيد الدولة. فإن لم يكن العاطل عن العمل جاداً في البحث عن عمل فستحاول الدولة ذلك له بما لديها من قنوات، وقد تنجح في ذلك وقد تفشل؛ ولكن في جميع الأحوال، فالدولة متكفلة بالعاطل عن العمل بطريقة أو بأخرى. وما هذا إلا لأن المجتمع الغربي إن لم يدعم هؤلاء العاطلين فقد يقومون بتصرفات قد تسبب القلاقل وعدم الاستقرار في المجتمع. كما أن لهؤلاء العاطلين أصواتاً في الانتخابات تضغط على متخذي القرارات هذا بالإضافة إلى أن المجتمع الغربي لا يستثقل ما يذهب لهؤلاء العاطلين من أموال نظراً لثراء مجتمعاتهم بعد الثورة الصناعية والحداثة. كما أن قرار تلك المجتمعات الغربية بدعم العاطلين هو قرار في صالح السواد الأعظم، فنظراً لعدم استقرار تلك المجتمعات وظيفياً (وهذه من سمات المجتمعات الرأسمالية)، فقد يقع أي إنسان في سلة العاطلين، لذلك نجد أن معظم طبقات المجتمع الغربي تتقبل فكرة الضمان الإجتماعي من قبيل الخوف على الذات. وبالطبع فإن في هذا هدر كبير للموارد وذلك لظهور طبقة من الأفراد التي تعيش على كد غيرها. أما في الإسلام فإن التكافل الاجتماعي مختلف تماماً. فقد قصت الشريعة الحقوق بطريقة تؤدي لنهوض كل فرد للعمل كل قدر استطاعته. كيف؟
إن الملحوظ على الزكاة هو أنها من الحركيات، أي لابد للناس من القيام بها، وليست كالنفقات التطوعية والتي سيأتي بيانها، والتي هي من القيم التي يحث الإسلام عليها أيضاً. فالزكاة واجبة. وهي الركن الثالث في الإسلام كما هو معلوم. تدبر قوله تعالى في أول سورة المؤمنون في وصفه للمؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَعِلُونَ﴾ . فلم يقل الحق سبحانه وتعالى: (مؤدون) بل قال: ﴿فَعِلُونَ﴾ إشارة إلى أن المؤمن ليرتقي بإيمانه عليه أن يفعل الزكاة، وفعل الزكاة لا يقع إلا بعد الكسب، أي أن على المؤمن أن يعمل ليكسب ليدفع الزكاة، أي لا يعمل لما فيه كفايته فقط، بل يعمل ليكتسب ثم يخرج الزكاة عما فاض عن كفايته. أي حتى يرتقي المؤمن في مراتب الإيمان فعليه أن يزكي، وبالتالي فعليه أن يعمل ليكسب أكثر مما يستهلك.
لقد قصت الشريعة الزكاة لثمانية أصناف فقط. قال تعالى في المستحقين للزكاة في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ
هامش
هـ٣) إن الشريعة لا تفرض العمل على الناس وذلك بمعاقبة تارك السائل؛ ومنها أن الفقير الذي له المسكن والخادم إلى من هو أسفل من العمل كتارك الصلاة، ولكنها تدفعهم إليه كما سيأتي بإذن الله. ذلك، والمسكين الذي لا مال له ومنها أن المسكين الذي يخشع و٣) ومنها أن الفقير الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي ويستكن وإن لم يسأل، والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سراً ولا لا شيء له، ومنها أن المسكين والفقير سواء لا فرق بينهما في المعنى يخشع ومنها أن المساكين هم الطوافون والفقراء فقراء المسلمين؛ وإن افترقا في الاسم، وهو أحد قولي الشافعي وما ذهب إليه مالك ومنها أن الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب (١٤٥).
وأصحابه وأبو يوسف، كما أن الفقير هو المحتاج المتعفف والمسكين
١٢ الفصل والوصل
1710
السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . وقد تحدثنا عن مبادئ الزكاة عموماً في فصل «الأموال»، أما عن الأصناف فقد تحدثنا عن ابن السبيل في فصل «ابن السبيل»، وسنتحدث هنا عن الفقراء والمساكين والغارمين، أما فك الرقاب والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والمجاهدين في سبيل الله فسنتركها لفصول قادمة.
لعل أول ملحوظة هي أن لام التمليك دخلت على الأصناف الأربعة الأولى فهي مال لهم ليفعلوا به ما شاؤا،
أما الأربعة الآخرون فإن المال المعطى هو لهدف محدد. وفي هذا يقول القرضاوي: «وكذلك ذكر الفخر الرازي: أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الأوائل بلام التمليك وهو قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ ... ولما ذكر الرقاب أبدل حرف «اللام» بحرف «في» فقال: ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾ .... فلابد لهذا الفرق من فائدة. وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يُدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاءوا. وأما ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾ فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم من الرق، ولا يُدفع إليهم ولا يُمكنون من التصرف في ذلك النصيب كيف شاءوا، بل يوضع في الرقاب بأن يُؤدى عنهم. وكذلك القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم، وفي الغزاة يُصرف المال إلى ما يحتاجون إليه في الغزو، وابن السبيل كذلك». والحاصل أن الأصناف الأربعة الأولى يُصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاءوا. وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يُصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا الزكاة» . ۲
١٤٢
وبالطبع فإن في دفع المال إلى الأصناف الأربعة الأول تمكين كبير لهم لثقة الشريعة بهم بدفع المال إليهم دونما أية شروط . ذلك أن في وضع الشروط سلبيات لا يمكن حصرها مثل إيجاد نظام للشروط وطريقة الصرف والتأكد من اتباع الشروط ما يؤدي إلى إيجاد هيكل حكومي بيروقراطي. أما الغارمون وفك الرقاب لأنها تدفع لهدف محدد فقد تعطى مباشرة من المزكي إلى مالك العبد أو المقرض. وبالنسبة لمن يجهاد في سبيل الله فإن الأهم هو تجهيز الغازي بشراء مستلزماته ودفع بعض النقد له لرحلة الغزو. وبالنسبة لابن السبيل فكما مر بنا سابقاً، فإنه يجهز بدفع نفقات السفر مع بعض النقد لتغطية نفقات الرحلة من مأكل ومشرب. وهناك أقوال بأن هؤلاء الأربعة عليهم إعادة ما فضل من الصدقة إن تم اللازم.
١٤٣
١٤٤
سؤال: ما الفرق بين الفقير والمسكين؟ والإجابة هي أنه ليس هناك فرق من حيث استحقاق الزكاة برغم اختلاف الفقهاء وعلماء اللغة في الفرق بينهما على تسعة أقوال كما جمعها القرطبي من حيث التعريف والحاجة والفاقة. فمن هذه الفروق مثلاً هو أن الفقير أحسن حالاً من المسكين؛ ومنها العكس: أن المسكين أحسن حالاً من الفقير ومنها أن الفقراء من المهاجرين والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا؛ وهكذا. ومن الأقوال المشهورة هي أن المسكين هو الفقير الذي يتعفف عن السؤال، فلا يفطن الناس له. ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس).١٤٦ وقد لخص ابن قدامة أهم الأقوال بقوله : إن «الفقراء والمساكين صنفان في الزكاة، وصنف واحد في سائر الأحكام؛ لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما، فأما إذا جمع بين الاسمين وميز بين المسميين تميزاً، وكلاهما يشعر بالحاجة والفاقة وعدم الغنى، إلا أن الفقير أشد حاجة من المسكين من قبل أن الله تعالى بدأ به، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، وبهذا قال الشافعي والأصمعي. وذهب أبو حنيفة إلى أن المسكين أشد حاجة، وبه قال الفراء وثعلب وابن قتيبة ...».
١٤٧
١٦١٦ 🗏
إن من يراجع أقوال الفقهاء سيلحظ التباين الواضح في المذاهب في التفريق بين الفقراء والمساكين دون تأثير على الأحكام. ولعل تفسير هذا والله أعلم، هو أن الشريعة قصت نصيباً مضاعفاً من الزكاة للمحتاجين الذين لا يستطيعون الكسب مقارنة بغيرهم وذلك بذكرهم مرتين بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ . فإن قام إنسان ثري بتوزيع زكاته بالتساوي بين الأصناف الثمانية فسيكون نصيب الفقراء والمساكين معا ربع ما يقوم بإخراجه. كما أن من يراجع التفاسير " للكلمتين ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ سيلحظ أن التعاريف للفقراء والمساكين قد غطت الاحتمالات الممكنة للمحتاجين، فهناك رجل مسن لا يستطيع العمل، وهناك شاب مريض بـداء معد يحذره الناس، فلا يجد عملاً. وهذه التغطية أتت بطريقة لا أقول أنها تعطي المزكين فرصة الاختيار في دفع الزكاة، بل تفرض عليهم أن يمحصوا ويدققوا أحوال الناس لأن الزكاة عبادة وأداؤها مسؤولية وضعتها الشريعة في رقاب الناس. أي أن على المزكين أن يكونوا دائمي الملاحظة لمن حولهم من المحتاجين، وفي هذا تهذيب لنفسية المزكي لأن نظره مسلط على من هو دونه حالاً، وهذه حركية تربط الطبقات المختلفة في المجتمع. أي أن من يقرر دفع الزكاة ومقدارها ولمن ستدفع، هم الناس وليست السلطات كما في العالم الغربي، وفي هذا بركة، أي زيادة للإنتاجية.
جميع
كيف؟
١٤٩
.«...
ما مقدار ما يجب أن يكون مع الفقير أو المسكين حتى لا يستحق الزكاة؟ لقد انقسم الفقهاء في الحد الفاصل بين الاستحقاق للزكاة لخصها ابن قدامة بأن قال: «ومن كان ذا مكسب يغني به نفسه وعياله إن كان له عيال، وكان له قدر كفايته في كل يوم من أجر عقار، أو غلة مملوك أو سائمة، فهو غني ولا حق له في الزكاة، وبهذا قال ابن عمر والشافعي وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إن لم يملك نصاباً فله الأخذ منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن عليهم صدقة توخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فجعل الغني من تؤخذ منه الصدقة، ولا تؤخذ إلا من النصاب، ولأن هذا لا يملك نصاباً ولا قيمته، فجاز له الأخذ، كالذي لا كفاية له، وهناك قول بأن من ملك وجبة أكل لأهله فليس له أن يأخذ من الزكاة. ففي الأموال عن كبشة السلولي قال: «حدثني سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سأل الناس عن ظهر غنى فإنه ليستكثر من جهنم)، قلت: یا رسول الله، وما ظهر الغنى؟ قال: (أن تعلم أن عند أهلك ما يغديهم أو يعشيهم». وهناك قول مربوط بمقدار النقد عند الإنسان. فعن سعد بن أبي وقاص أنهم قالوا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهماً أو عدلها من الذهب». ١٥١ ويلخص أبو عبيد الاختلافات في الغنى فيقول: «أرى الأحاديث قد جاءت في الفصل بين الغنى والفقر بأوقات مختلفة، ففي بعضها: أنه السداد، أو القوام من العيش، وفي آخر أنه مبلغ خمسين درهماً، وفي الثالث أنه الأوقية. وفي الرابع أنه الغداء أو العشاء. وكل هذه الأقوال قد ذهب إليها قوم وأخذوا بها».
ح
10.
١٥٢
هامش
(3) يقول ابن كثير مثلاً ملخصاً: «وإنما قدم الفقراء ههنا على البقية لا يسأل الناس شيئاً، والمسكين ، هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس. لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند وقال قتادة : الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم. وقال أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير وهو كما قال أحمد، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم: هم فقراء المهاجرين. قال سفيان ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أنبأنا ابن عون عن محمد الثوري: يعني ولا يعطى الأعراب منها شيئاً، وكذا روي عن سعيد بن قال: قال عمر رضي الله عنه: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي. وقال عكرمة : لا تقولوا لفقراء الفقير الأخلق الكسب. قال ابن علية الأخلق المحارف عندنا، المسلمين مساكين، إنما المساكين أهل الكتاب» (١٤٨). والجمهور على خلافه، وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري (حـ٣ إن المقصود «بأوقات مختلفة» هو مقدار ما مع الإنسان من مال وابن زيد. واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي وأعيان وليس التوقيت بالزمن.
١٢ الفصل والوصل
١٦١٧
النفقات
وكما ترى فإن الأقوال متباينة في رسم الخط بين الفقر والغنى بطريقة تغطي جميع الاحتمالات الممكنة. وهذه نعمة في الشريعة لأن الناس يتفاوتون في مقدار كسبهم ونفقاتهم. فكما قلنا فإن الشريعة فتحت الأبواب للناس للعمل ولهذا اختلفوا في منازلهم الاجتماعية بقدر هممهم فمنهم من تمكن وادخر بعض ما جمعه في حياته في استثمار يدر عليه دخلاً في كبره، ومنهم من لم يفعل ذلك، إلا أن له الكثير من الأطفال ويتطلبون مستوى من يصعب على الرجل العيش دونها كريماً حتى إن امتلك داراً. ومنهم من هو شاب ولا دار له إلا أن لديه القوة التي تعينه على العمل أي أن لكل شخص حاجة مستحقة ليعيش كريماً. وهذه الحاجة المستحقة تختلف من شخص لآخر، ولن يستطيع أحد معرفة هذه الاختلافات إلا السكان المحيطين والمخالطين للفقراء والمساكين. لذلك كانت التعاريف بإرادة الله متباينة وكان القرار بدفع الزكاة بيد السكان المزكين الذين هم بطبيعتهم قريبون من الفقراء والمساكين ليكون الحكم عن قرب ودراية لأن الزكاة عبادة. وليس كالعالم الغربي الذي تضع فيه الدولة مبالغ ثابتة للأفراد برغم اختلاف أحوالهم. فتأمل الآتي: قال النووي: «من كان له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير يعطى من الزكاة تمام الكفاية ولا يكلف بيعه». وانظر إلى رد الغزالي حين قال «حرفة تليق به» عندما سئل عن القوي من أهل البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالكسب بالبدن، هل له أخذ الزكاة من سهم الفقراء؟ قال: نعم، هذا صحيح جار على أن المعتبر حرفة تليق به». ١٥٣ وقال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله [أي أحمد بن حنبل] فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم، تجب فيه الزكاة وهو فقير، وتكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة لا تكفيه، فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم، وذلك لأنه لا يملك ما يغنيه، ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة، كما لو كان ما يملك، لا تجب فيه الزكاة» . ١٥٤ وكان مالك يقول: «إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجز، ذكره ابن المنذر ...».
001
ولعلك لاحظت أن هناك مذهبين مختلفين: مذهب الجمهور ومذهب أهل الرأي لأبي حنيفة وأصحابه. فمذهب الجمهور برغم اختلافاته إلا أنه يحدد لكل إنسان نصيباً من الزكاة بقدر احتياجه. لذلك فقد يُمنع الكثير من الناس من الزكاة إن لم يستحقوا ذلك. أما مذهب أهل الرأي والذي يعطي الحق لمن لم يملك نصاباً أن يأخذ الزكاة، فهو يقسم الناس إلى قسمين: إما آخذ للزكاة وإما دافع لها، فهو بذلك أقرب من مذهب الجمهور لزيادة عدد المستحقين في المجتمع، وهذا قد لا يدفع الكل للمثابرة كما يفعل مذهب الجمهور. ملحوظة أخرى: إن مذهب أهل الرأي بتوسيع باب الاستحقاق على الفقراء والمساكين سيضيق على الأبواب الأخرى مثل ابن السبيل وفك الرقاب مثلاً. وبالطبع فإن للمذهبين تأثيرين مختلفين على عمارة الأرض.
وقد تقول ناقداً: إن معيار الفقر في مذهب الجمهور ضيق مقارنة بمذهب أهل الرأي إلا أنه مطاط لدرجة قد تدفع الناس للتظاهر بالفقر، فقد يدعي البعض الفقر ليأخذ من الزكاة فأقول: إن هذا سيستحيل إن طبقت الشريعة لأن من يدفع الزكاة هم الناس كما رأينا في فصل «الأموال»، وهم يدركون ما عند بعضهم البعض. تأمل ا الناس من حولك ! فأنت تميز الفقير عن الغني، بينما لا تستطيع السلطات ذلك، حتى إن قام العامل على الزكاة بتوزيعها، فعليه توزيعها على أبناء المنطقة وهم كثر ولن يستطيع تمحيص أحوالهم. كما أن الشريعة إن طبقت فسيرقى حال المسلمين عزة وكرامة كما سأوضح بإذن الله لدرجة سيصعب معها على الناس ادعاء الفقر، وإن حدث فهم قلة. ولهؤلاء القلة جاء الوعيد في الإسلام بنار جهنم. فعن إسحاق عن حبشي بن جنادة السلولي قال: «قال
١٦١٨ 🗏
رسول
الله
صلى الله عليه وسلم: (من سأل من غير فقر فإنما يأكل الجمر). ١٥٦ وقال عمر: «من سأل الناس ليثري ماله فهو رضف من جهنم يتلقمه، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر». وفي صحيح البخاري أن الرسول صلى
10V
ك ٣
الله عليه وسلم قال: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم). وقال أبو معلقاً: «فأرى المعنى إنما دار على الكراهة للتكثر بالصدقة والاغتنام لها، فإنما هو تغليظ على السائل نفسه.
عبید
١٥٩
فأما من أعطاه من زكاة ماله وهو مالك لأكثر من غذاء أو عشاء فإنه مجزئ عن المعطي إن شاء الله». وهناك وعيد آخر، ألا وهو الوعيد على من تقاعس عن العمل بالإثم. قال صلوات الله وسلامه عليه: (طلب الحلال واجب على كل مسلم.١٦٠ وقال أيضاً: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)."" وسنأتي على أحاديث أخرى تحث على العمل لأهمية المسألة لنهوض الأمة.
ولكنك قد تقول: إن البعض خبثاء ولن ينفع معهم الوعيد ، فسيتظاهرون بالفقر لأخذ الزكاة، كما أن نظرتنا للمجتمع يجب أن لا تُبنى على أسس الوعيد والتهديد بعذاب الآخرة لدفع الناس للعمل، بل من خلال الحركيات لأن الوعيد لن يثمر إلا مع المتقين، وهذا من القيم. فأقول: إن في هذا القول صحة إن نحن فكرنا في إطارنا الحالي الذي أنبت بشراً تلوثت سلوكياتهم، وهذا لن يحدث إن طبقت الشريعة كما سنوضح في فصل «المدينة» بإذن الله، وبالذات مع الكبار سناً لأنهم قد تشكلوا على الصدق خلال حياتهم العملية إن طبقت الشريعة، وهم الآن فقراء لعدم ادخارهم لما يعينهم في كبرهم، لذلك يستحقون الزكاة، فهذا أقصى ما يُرجى منهم. إلا أن ادعاء الفقر قد يقع أحدث سناً، إن استثنينا أصحاب النفوس العزيزة، فلماذا يسعى الإنسان القادر على العمل بحثاً عن الرزق إذا كان ادعاء الفقر أسهل طريق للكفاف؟ هنا أتت الشريعة بوضع صمامات لتلافي حدوث هذا. لقد منعت الشريعة الزكاة عن الكسول القادر على العمل.
ممن هم
اتفق جمهور الفقهاء على أن القادر على العمل والمتعطل بإرادته لا يعطى الزكاة، بل تحرم عليه. فقد قال الشافعي وأبو ثور: «من كان قوياً على الكسب والتحرف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي .
ل ۳
١٦٣
وقال الشوكاني موضحاً : قال الجوهري: المرة القوة وشدة العقل، ورجل مرير أي قوي ذو مرة. وقال غيره المرة القوة على الكسب والعمل ... وقوله سوي أي مستوي الخلق، قاله الجوهري، والمراد استواء الأعضاء وسلامتها». وبرغم أن أحمد بن حنبل له رأي في الحديث السابق إلا أنه يذهب لنفس المذهب. فقد قال في الحديث: «لا أعلم
هامش
ط٣) وهذا نصاب زكاة الغنم. م٣) وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: «إذا كان الرجل قوياً محتاجاً ي) الرضف بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة الحجارة المحماة. ولم يكن عنده : ه شيء فتصدق عليه أجزاً عن المتصدق عند أكثر أهل ك٣) وفي حديث آخر رواه أبو هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم العلم. ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة. وقال الكيا قال : ( من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو الطبري: والظاهر يقتضي جواز ذلك لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه، ليستكثر) (١٥٨). وبه قال أبو حنيفة وأصحابه» (۱۷۲). ل۳) رواه أبو داود والترمذي والدار قطني، وهناك حديث آخر، فقد (۳) بفتح العين، أي مثلين. يقال فلان لا عدل له، أي لا نظير. ويجوز قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحمل الصدقة لغني ولا لقوي متكسب الكسر بمعنى متساويين (۱۷۳).
أو مكتسب). ومن هذه الأحاديث يستنتج معظم الفقهاء أن الصدقة س٣) المحارف، بفتح الراء، هو المحروم المجدود، إذا طلب لا يرزق لا تحل للمستطيع للعمل، فيقول سيد سابق مثلاً بعد عرضه لآراء بعض أو يكون لا يسعى في الكسب (١٧٤).
الفقهاء: «القوي المكتسب لا يعطى من الزكاة مثل الغني» (١٦٢).
١٢ الفصل والوصل
١٦١٩
يسمع
فيه شيئاً يصح. قيل له: يرويه سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: سالم لم من أبي هريرة. والغنى يختلف، فمنه غنى يوجب الزكاة، وغنى يمنع أخذها، وغنى يمنع المسألة، ويخالف ما قاسوا عليه هذا، فإنه محتاج إليها والصدقة أوساخ الناس، فلا تباح إلا عند الحاجة إليها، وهذا المختلف فيه لا حاجة به له». ويقول أبو عبيد مستنتجاً من الحديث: «وقد وجدنا على مستحل الصدقة شرطاً آخر من رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى الغناء، وهو قوله: (لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب، ولا لذي مرة سوي)،
إليها، فلا
تباح
١٦٤
وهو القوي أيضاً».١٦٥
وهناك حديث ثان يعتبر أصلاً في هذه المسألة : فعن عبيد الله بن عدي الخيار قال: «أخبرني رجلان أنهما أتيا
١٦٦
النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال: (إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي ومكتسب) . ١٦٧ وقال القرطبي مستنتجاً من هذا الحديث: «ولأنه قد صار غنياً بكسبه كغني غيره بماله فصار كل واحد منهما غنياً المسألة عن وقال الإمام أحمد في الحديث: «ما أجوده من حديث، ما أعلم روي في هذا أجود من هذا».
۱۷۰
١٦٩
١٦٨
.«...
ولكن القوة البدنية ليست كل شيء، فقد يكون القوي جاهلاً أينما توجه لا يأت بخير. وبالطبع فإن لهؤلاء وضع مختلف. فيقول الشوكاني مثلاً معلقاً على الحديثين: «... وإطلاق المرة هنا وهي القوة، مقيد بالحديث الذي بعده، أعني قوله: (ولا لقوي مكتسب) ، فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن بها الكسب ...». ١٧٠ وقال الخطابي في الحديث الثاني: «هذا الحديث أصل في أن من لم يُعلم له مال فأمره محمول على العدم. وفيه دليل على أنه لم يعتبر في أمر الزكاة ظاهر القوة والجلد، دون أن يضم إليه الكسب، فقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه، ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل فمن كان هذا سبيله لم يمنع من الصدقة بدلالة الحديث». ومعنى أخرق اليد لا يعتمل: أي لا يحسن أداء ما يناط إليه من عمل، لذلك فقد لا يأمنه الناس على أعمالهم، فلا يجد بالتالي ما يعيش به. ٣٠
۱۷۱
أي أن هناك استثناءات، فهؤلاء الذين لا يأمنهم المجتمع على ممتلكاته لضعف قدرتهم على العمل أو لغبائهم، فلا حكمة هنالك من دفعهم لعمل ما لا يتقنون، وفي هذا فقر لهم. لذلك كان مذهب الجمهور كما رأينا، أن هؤلاء يعطون من الزكاة قدر ما يغطي حاجتهم، وبهذا فهم يدفعون لأقصى ما يستطيعون أداءه. فيقول أبو عبيد: «فأراه صلى الله عليه وسلم قد سوى بينهما [أي بين الغني والقوي في تحريم الصدقة عليهما، وجعل الغنى والقوة على الاكتساب عدلين ، وإن لم يكن القوي ذي مال فهما الآن ،سيان، إلا أن يكون هذا القوي مجدوداً عن الرزق محارفاً. وهو في ذلك مجتهد في السعي على عياله حتى يعجزه الطلب. فإذا كانت هذه حاله فإن له حينئذ حقاً في أموال المسلمين، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ ».١٧٥ ولعل في قول ابن قدامة الآتي ) توضيح لمسألة دفع الناس لأقصى ما يستطيعون. ولكن دقق في معنى عبارة «يقع موقعاً من كفايته». يقول ابن قدامة مستنتجاً:
.
«فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعاً من كفايته، ولا له من الأجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعاً من كفايته، ولا له خمسون درهماً ولا قيمتها من الذهب، مثل الزمني المكافيف وهم العميان، سموا بذلك لكف أبصارهم، لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعاً من
١٦٢٠
كفايتهم وربما لا يقدرون على شيء أصلاً. قال تعالي: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومعنى قولهم : يقع موقعاً من كفايتهم أنه يحصل به معظم الكفاية أو نصف الكفاية مثل من يكفيه عشرة فيحصل له من مكسبه أو غيره خمسة فما زاد، والذي لا يحصل له إلا ما لا يقع موقعاً من كفايته كالذي لا يحصل له إلا ثلاثة أو دونها، فهذا هو الفقير، والأول هو المسكين، فيعطى كل واحد منهما ما يتم به كفايته، وتسند به حاجته، لأن المقصود دفعها وإغناء صاحبها، ولا يحصل إلا بذلك
١٧٦
.«... 🗏
فإن أدركنا هذه المعاني جميعاً، وإن اقتنعنا أن للناس إخراج الزكاة بأنفسهم كما وضحت في فصل «الأموال»، فسنقتنع بأن الشريعة ستؤدي لظهور ميزان دقيق لدى الناس المالكين للنصاب يؤهلهم للحكم على المستحقين للزكاة. فهم وحدهم القادرون على تحديد المستحقين للزكاة لأنهم يعيشون معهم ويخالطونهم. فالنسيج العمراني النابع من حركيات الإحياء، كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن الله، لم يكن مقسوماً كأيامنا هذه لمناطق يعيش فيها الأثرياء وأخرى للفقراء. ففي المجتمعات الرأسمالية، ولأن الأرض ،سعلة، فإن السكان من ذوي الطبقات المتقاربة اقتصادياً يعيشون في نفس الأحياء، وبهذا تظهر الطبقية. أما مع تطبيق الإحياء، فقد كانت جميع الأحياء تحوي السكان بطريقة متداخلة ومتجاورة فيصعب معها للغريب التمييز بين الفقراء والأغنياء لتقارب الناس في الدخل. أي لأن فتح أبواب التمكين أدى لمجتمع ترتفع فيه نسبة الملاك، انقسمت الثروات بشكل تقاربي. إلا أن هذا لا يعني أن لا يصاب بعض السكان بالفقر لأي سبب غير متوقع مثل خسارة في تجارة أو هلاك زرع. ولعل ما يجعل هذا الميزان أكثر فاعلية في رفع الفقر عن المجتمع هو أن لدافع الزكاة حرية الاختيار بين الأصناف الثمانية كما وضحت، فله أن يضعها في جميع الأصناف الثمانية أو حتى في صنف واحد إن كانت زكاته قليلة. ولأن للمزكي حرية الاختيار، فقد يدفعها لمن هو أقرب إليه، وهنا نجد أن الشريعة تحث على ذلك، لأن للمزكي أجرين إن دفع الزكاة لقريب له كما جاء في صحيح البخاري: أجر القرابة وأجر الصدقة ) ، ۳۶ فللزوجة دفع الزكاة لزوجها، وللرجل دفع الزكاة لابن أخيه أو خاله ،وهكذا على أن لا تذهب الزكاة لمن على المرء نفقتهم كالأب والابن والزوجة.ف" فعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: (الصدقة على ذي الرحم الكاشح»، والكاشح الذي يضمر العداوة ويطوي عليها كشحه. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من اليد السفلى). وقال أيضاً صلوات ربي وسلامه عليه:
هامش*
ع
عنه
ع) جاء في صحيح البخاري أن زينب امرأة عبد الله سألت بلالاً أن منفعة الصدقة ، ...... . واستدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت نفقتها على زوجها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة، وإحدى وأيتام لها في حجرها تجزئ عنها ؟ فرد الرسول صلى الله عليه وسلم الروايتين عن مالك، وعن أحمد كذا أطلق بعضهم ورواية المنع . نعم ولها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة). وقد تم اختصار مقيدة بالوارث، وعبارة الخرقي ولا لمن تلزمه مؤنته، فشرحه ابن الحديث هنا، فلابد من الرجوع للأصل (۱۷۷). قدامة بما قيدته قال : والأظهر الجواز مطلقاً إلا للأبوين والولد، ف) ففي صحيح البخاري عندما أرادت زوجة ابن مسعود التصدق وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها: أتجزئ عني، وبه جزم زعم زوجها أنه وابنه أحق بالصدقة، فسألت الرسول صلى الله عليه المازري وتعقبه عياض ... » (۱۷۸). وسلم فأجابها قائلاً: صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من ص۳) وفي الأموال أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تصدقت به عليهم. وفي أحاديث هذه الأبواب جاء في فتح الباري في الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة شرح قوله صلى الله عليه وسلم ولها أجران) : «أي أجر الرحم وأجر وصلة) (۱۷۹).
١٢ الفصل والوصل
١٦٢١
أهلك،
۱۸۰
دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك.ص" وقال مالك: «أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول». فتأمل هذا الحث على جمع الشمل. وكما وضحت عندما تحدثت عن رد الزكاة لفقراء نفس المنطقة، فكذلك الحال هنا ولكن على نطاق أضيق. فإن لم يدفع الإنسان زكاته لمن هو قريب له، فإن هذا سيورث الحقد في نفس الفقير على قريبه الغني، وفي هذا تمزيق للنسيج الاجتماعي وإحداث هوة بين الفقير والغني لاستمرار مقارنة الفقير نفسه بقريبه الغني، وفي هذا زيادة في معاناة الفقير إضافة لفقره المادي. فالفقر هو مقارنة بالإضافة إلى أنه حاجة. ففقراء اليوم يملكون من الملابس أكثر مما ملكه بعض أثرياء الماضي. وبعض فقراء اليوم ينعمون بمكيفات كهربائية أفضل من حكام الماضي الذين كانوا يحترقون من حر الصيف. وبدفع الزكاة للقريب ثم الأقرب يلتئم الجرح المادي لهذا القريب ثم الذي يليه قرابة.
عصر
إن المجتمعات عادة ما تتكون من تكتلات بشرية على شكل أسر أو قبائل أو عشائر أو سكان قرية واحدة والتي عادة ما تربطهم علاقات حميمة. وفي . العولمة أخذت التكتلات شكلاً آخر كموظفي شركة واحدة أو سكان مجمع سكني من طبقات اقتصادية متقاربة. وعادة ما تربط العلاقات النفعية والمادية والسلطوية أفراد هذه التكتلات والتي بدأت في التفكك في مجتمعاتنا المعاصرة بسبب الحداثة الآتية من الغرب، وبدأ الوضع يزداد سوءاً مع العولمة الظالمة كما مر بنا. وحتى يكون المجتمع أكثر إنتاجاً يجب ألا يتمزق بل يتعاضد في نسيجه المكاني والاجتماعي والاقتصادي، كيف؟
إن تصورنا أن الأمة كالجسد الواحد، وفي هذا الجسد أعضاء كالرأس والجهاز الهضمي مثلاً، وكل عضو مكون من أعضاء أصغر كالعين والأنف، وكل عضو أصغر مكون من أعضاء أصغر فأصغر ثم الأنسجة والخلايا وهكذا، كذلك المجتمعات مكونة من أفراد وأسر وعشائر وقبائل وجماعات مهنية ونحوها من تكتلات. وعندما يحث الإسلام الناس لدفع الزكاة لمن هو أقرب فأقرب في نفس المنطقة كتفضيل الإنسان المزكي دفع زكاته لابن خاله أو جاره ثم أفراد قبيلته أو حيه، نجد أن فقر أصغر كتلة، ألا وهي الأسرة، قد التأم، وعندما يلتئم جرح الفقير تلتئم أمراض أخرى معها، مثل الأمراض النفسية وعدم الحاجة للسرقة أو للدعارة. فالفقر من أساسيات كل بلوى اجتماعية كما هو معلوم، أي أن هذه الأسرة قد استصحت وتمكنت، ثم بتمكن هذه الأسرة ستصبح دافعة للزكاة وتساعد من بجانبها، فيلتئم فقر الأقرب من أسر نفس القبيلة أو الحي، ولعل الأهم من هذا ليس انتشال الفقير من فقره فقط، ولكن ازدياد عطاء الغني لأنه أصبح أكثر طمأنينة في بيئته التي بدأ انعدام الفقراء فيها فقلت مشاكلها. وهكذا تظهر التكتلات البشرية المستصحة نفسياً ومالياً لتصبح دافعة للزكاة لمن جاورها لينهضوا واحداً تلو الآخر حتى يلاقوا الناهضين من جهات أخرى لتقفل دائرة الفقر والانهزام النفسي. ثم إن أضفت لهذا ما مر بنا في فصل «ابن السبيل» من انتقال الفقراء العاطلين في مستوطناتهم إلى المستوطنات التي بها فائض زكاة لأن الزكاة تخرج أعياناً بالإضافة لإخراجها للأقرب فالأقرب جغرافياً، عندها ستتأكد أخي القارئ من انهزام الفقر. وعند القضاء على الفقر في كل تكتل بشري يتسارع العطاء والإنتاج لتلك الكتلة لخلوها من البؤس وبهذا تتكون المستوطنات المتمكنه بنهوض المجتمع بالتداخل والتجاور. أي عندما تستصح الكتلة الأصغر ومن بجانبها تتساعد الكتلتان لتصحيح وضع الكتلة الثالثة وهكذا تستصح الكتلة الأكبر كالقرية أو الحي والتي ستساعد من يجاورها لانتشالها
"
١٦٢٢ 🗏
وهكذا تستصح
من الفقر، ثم تتساعد الكتلتان معاً على من بجانبهما وهكذا حتى تستصح الكتلة الكبيرة كالمدينة مثلاً ثم الإقليم، الأمة. لذلك أقول أن هناك ميزاناً دقيقاً بيد الدافعين للزكاة يؤدي لتحسين حال المجتمع. وما يزيد هذه الحركية إتقاناً هو أن بعض دافعي الزكاة كانوا فقراء فأصبح لديهم القليل الفائض ليخرجوا منه القليل جداً كزكاة إلا أنه كثير في نظرهم لأنهم كانوا فقراء بالأمس القريب. فالذي يخرج ديناراً كزكاة لأول مرة يعلم أهمية هذا الدينار. لهذا سيجتهد في وضع الدينار في يد تستحقه لأن الزكاة عبادة. لهذا سيمحص الناس جيداً ليخرج زكاته ليعطيها لمن سيستثمر هذا الدينار أكثر من غيره لأن أجر كل استثمار من هذا الدينار سيعود عليه مهما طال الزمن. ن. هكذا الإسلام يضاعف الأجر. ثم إن هذا الآخذ سينطلق في العطاء أيضاً وهكذا. الآن نستطيع أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم: (سبق) درهم مائة ألف). فتأمل.
أما إن نقلت ودفعت الزكاة أو الضمان الاجتماعي لمن هو أبعد عن طريق الدولة، وبقي القريب أو الجار فقيراً، كما تفعل السلطات الغربية ومن نهج طريقها، فإن الالتئام قد لا يأتي لأن أصغر كتلة لاتزال تنزف، وذلك لأن الغني قد لا يزداد إنتاجه لانشغاله الدائم بمن هو بجانبه من فقير خوفاً منه أو حذراً منه. وهكذا يتباطأ إنتاج تلك الكتلة وتصبح عاجزة عن دعم الكتل المجاورة. فكيف يلتئم جرح حي وبعض أفراد أسره مجروحين مالياً، لذلك لن يكون الحي منتجاً كما يجب. .. ولأن هذا الحي جريح كالأحياء الأخرى فالكل سيبقى جريحاً. ولكنك قد تقول: إن الوضع في العالم الغربي ليس كذلك؟ فأقول : إن المسألة نسبية، فإن أخذ العالم الغربي بحركيات الشريعة لأصبح أغنى مما هو عليه الآن. ولكن نظراً لثرائه الناتج عن الثورة الصناعية لا نرى فقره برغم بؤسه.
ولكن ما مقدار ما يمكن دفعه للفقير من الزكاة؟ هناك اختلافات طفيفة بين أقوال الفقهاء حول القدر الذي يأخذه الفقير أو المسكين من الزكاة إلا أن معظمهم، كما لخص سيد سابق، يذهب إلى أن للفقير أخذ «قدر النصاب الزائد عن الحاجة الأصلية له ولأولاده من أكل وشرب وملبس ومسكن ودابة وآلة حرفة، ونحو ذلك مما لا غنى عنه، فكل من عدم هذا القدر فهو فقير يستحق الزكاة».۱۸۱ أي أن هذا مبدأ آخر في الشريعة يعين الناس على إعانة القريب للخروج من فقره بتمكينه، وهو دفع ما يكفي الفقير لخروجه من فقره بدفع ما يكفيه لمعاشه وتوفير آلة له تعينه في عمله، أو تسديد نفقات دورة علمية له مثلاً.
ولبعض التفصيل أقول: لقد كره بعض الفقهاء أن يعطى الفقير أكثر من حد الغني. فقد كان سفيان يكره أن يعطي الرجل أكثر من خمسين درهماً لأنه حد الغـنـي عـنده، كما كان لا يرى أن يعطاها من يملك خمسين درهماً.ق أما سائر أهل العراق، غير سفيان، فقد ذهبوا نفس المذهب ولكن بجعل المبلغ مائتي درهم وقالوا: «لا يعطى منها الواحد أكثر من مائتين، كما لا تحل له إذا كانت له مائتان». ١٨٣ أما مالك «فلم يكن عنده في هذا حد معلوم وكان يقول: أرى على المعطي في ذلك الاجتهاد وحسن النظر». ويوضح محقق كتاب الأموال قائلاً: «وهذا الصحيح، فإن أحوال الناس تختلف في الكفاية تبعاً لمنازلهم في المجتمع». ١٨٤ ويقول أبو عبيد مستنتجاً بعد ذكر
هامش
هو
۱۸۳
ق) إلا أن يكون غارماً ، فإنه يقضي عنه دينه وإن كان أكثر من ش٣) أي مقدار محدد.
ذلك (۱۸۲).
ر٣) يعني دالة.
ت٣) الخلة بفتح الفاء، الفقر والحاجة.
:
ث) يكنهم يضمهم ويؤويهم كلب الشتاء: برده وزمهـريـره.
١٢ الفصل والوصل
١٦٢٣
عدة آثار عن صدقة النافلة: «فإذا استوى أمر الصدقة في الفرض والنافلة في مخرجهما فكذلك يجوز إعطاء الكثير من الزكاة كما يجوز إعطاؤه من التطوع إذا كان المعطون يوم يعطونها لها موضعاً في الفاقة والخلة
الصدقة.
١٨٦
١٨٥
.«...
وهناك من ذهب لإعطاء الفقير لأكثر من حد الغنى. قال عمر رضي الله عنه: «إذا أعطيتم فأغنوا»، يعني وقال أبو عبيد : «وقد روي ما هو أجل من هذا: قال ... قال أحدهما قال عمر للسعاة: كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل، وقال الآخر: قال عمر لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل»، ويعلق أبو عبيد: «فأرى عمر، ، على ما تأولنا عليه، قد توسع في الإعطاء حتى بلغ المائة. وهذا من
۱۸۷
هذا
نفس الفريضة، وليس لأحد أن يتوهم أنه نافلة، لأنه من صدقات المواشي، وقد كان بعض التابعين يأخذ بنحو ويؤثر الإكثار على الإقلال». وعن عطاء قال: «إذا أعطى الرجل زكاة ماله أهل بيت من المسلمين، فجبرهم، فهو أحب إلي»، وقال محقق الأموال معلقاً: وهذا رأي في غاية الوجاهة، فلأن يغني بزكاته بيتاً من البيوت أفضل من أن يرضخ منها لعشرات أبيات». ١٨٨
۱۸۸
أي وبرغم اختلاف الأقوال في القدر الذي يأخذه الفقير أو المسكين من الزكاة إلا أنها جميعاً تحاول قدر المستطاع أن تدعم كل أسرة دفعة واحدة لتتمكن وبالتالي تصبح أسرة دافعة للزكاة بدل أخذ جزء يسير كل سنة لا يعينها إلا في اليسير من نفقاتها. فبعد ذكر الأقوال المختلفة في مقدار ما يعطى من الزكاة يستنتج أبو عبيد مثلاً: «فكل هذه الآثار دليا " على أن مبلغ ما يعطاه أهل الحاجة من الزكاة ليس له وقتش" محظور على المسلمين أن لا يعدوه إلى غيره وإن لم يكن المعطى غارماً، بل فيه المحبة والفضل، إذا كان ذلك على جهة النظر من المعطي بلا محاباة ولا إيثار هوى، كرجل رأى أهل بيت من صالح المسلمين أهل فقر ومسكنة، وهو ذو مال كثير، ولا منزل لهؤلاء يؤويهم ويستر خلتهمت" فاشترى من زكاة ماله مسكناً يكنهم من كلب الشتاء وحر الشمس، أو كانوا عراة لا كسوة لهم فكساهم ما يستر عوراتهم في صلاتهم، ويقيهم من الحر والبرد أو رأى مملوكاً عند مليك سوء قد اضطهده وأساء ملكته فاستنقذه من رقه، بأن يشتريه فيعتقه. أو مر به ابن سبيل بعيد الشقة نائي الدار قد انقطع به فحمله إلى وطنه وأهله بكراء أو شراء هذه الخلال وما أشبهها التي لا تنال إلا بالأموال الكثيرة، فلم تسمح نفس الفاعل أن يجعلها نافلة، فجعلها من زكاة ماله. أما يكون هذا مؤدياً للفرض؟ بلى ثم يكون إن شاء
محسناً».
ث ۳
ويقول أبو عبيد معللاً ومنتقداً من يفتي بغير هذا ويرى أن صدقة التطوع هي التي يجوز فيها فقط دفع الكثير: «وإني لخائف على من صد مثله عن فعله، لأنه لا يجود بالتطوع، وهذا يمنعه بفتياه من الفريضة فتضيع الحقوق ويعطب أهلها». ١٨٩ ويقول النووي رحمه الله في هذا:
۱۸۹
«فإذا كان من عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به حرفته أو آلات حرفته قلت قيمة ذلك أو كثرت، ويكون قدره بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالباً تقريباً. ويختلف ذلك باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص ... فمن يبيع البقل يعطي خمسة دراهم أو عشرة، ومن حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم مثلاً، إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها .. ومن كان تاجراً أو خبازاً أو عطاراً أو صرافاً أعطي بنسبة ذلك. ومن كان خياطاً أو نجاراً أو قصاراً أو قصاباً أو غيرهم من أهل الصنائع أعطي ما يشتري به الآلات التي تصلح لمثله. وإن كان من أهل الضياع [المزارع] يعطى ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام . . .
۱۹۰
١٦٢٤ 🗏
العطاء
ويقول عبد السميع المصري مستنتجاً من الماوردي:
«والذي يعنينا هو فهم الماوردي للنص الكريم، إذ ليس المراد إسعاف الفقير والمسكين بضرورات الطعام والشراب، بل المراد رعايتهم باعتبارهم قوى منتجة مثمرة في التجارة والصناعة والزراعة ونحوها، فيمدون بالأموال الكافية ليخرجوا من اسم الفقير والمسكين) حتى يصيروا في مستوى القدرة على استئناف نشاطهم».
۱۹۱
فتأمل كيفية قص الشريعة للزكاة ومقدارها وجعل قرار ذلك بأيدي الدافعين للزكاة حتى ينهض المجتمع بنهوض مكوناته من أفراد ثم أسر ثم عشائر وما شابه من تكتلات بشرية. ولكن تذكر دائماً بأننا نناقش حد من خلال منظورنا الحالي الذي لم تُطبق فيه الشريعة فانتشر الفقر. فنحاول توزيع الزكاة على أكبر عدد ممكن من البؤساء لسد رمقهم. أما إن طبقت الشريعة وانحسر الفقر في سنوات عندها فإن إغداق المال على الفقراء لتجهيزهم بالأماكن والآلات للخروج من الفقر سيكون هو العرف. عندها سينطلق الجميع للعطاء والمخاطرة باقتحام مجالات اغتنامية جديدة فيزداد الإنتاج أكثر وأكثر، إلا أن القلة من هؤلاء الذي أقدموا قد يخسرون،
فيظهر الغارمون
خ
ذ
أي أن هناك أفراد قد عملوا وتمكنوا واستغنوا، إلا أنهم أصيبوا في أموالهم كمن خسر أو حرق مصنعه أو جرف السيل بستانه فهؤلاء تحق لهم الزكاة حتى يعودوا للإنتاج مرة أخرى لكي لا يفقدهم المجتمع. وهؤلاء هم الصنف السادس في الزكاة، وهم الغارمون وهم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم. وهم أقسام، فمنهم من تحمل حمالة، أي ديناً للإصلاح بين الناس، ومنهم من أصابته كارثة في تجارته أو مزرعته أو مصنعه، ، ومنهم من استدان مالاً محاولاً تحسين حال عمله في تجارة أو صناعة إلا أن خططه لم تثمر. فلا خلاف بين الفقهاء في استحقاق هؤلاء وثبوت سهمهم في الزكاة. فالشريعة تحاول إخراجهم من نكستهم. والأصل في هذا الباب حديث صحيح مسلم عن مخارق الهلالي قال: «تحملت حمالة " فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، قال: ثم قال: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً غ من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً». ١٩٧ ويقول القرطبي مستنتجاً من هذا الحديث: «ويجوز للمتحمل في صلاح أن يعطى من الصدقة ما يؤدي ما تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيا، إذا كان ذلك يجحف بماله كالغريم. جا وهو قول الشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل وغيرهم».
هامش
وبر
۱۹۷
ض
بع
ظ ۳
خ) أما إن كان الغرم في معصية كشراء خمر لم يدفع له شيء قبل الإنسان، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين». التوبة. وإن تاب ففيه قولان: يدفع له «لأن إيفاء الدين الذي في الذمة (۳) الجائحة أي ما أتلف المال كالحريق، وفي حاشية الأموال: يعني ليس من المعصية»؛ ولا يدفع له « لأنه لا يؤمن أن يعود إلى الاستدانة آفة سماوية (۱۹۳). للمعاصي ثقة منه بأن دينه يقضى بخلاف من أتلف ماله في المعاصي (۳) قواماً هو بكسر أوله يعني ما يكفيه ويقوم بحاجته، وأما فإنه يعطى لفقره لا لمعصيته» (۱۹۲).
القوام بالفتح فهو الوسط» (١٩٤).
ذ جاء في حاشية صحيح مسلم: «الحمالة المال الذي يتحمله غـ ۳ سدادا: أي ما تقوم به حاجته ويستغني به (١٩٥).
هي
١٢ الفصل والوصل
١٦٢٥
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم
د
مفظع، أو لذي دم موجع. وقد وضح الشوكاني معنى لذي غرم مفظع بأنه الغرم وهو ما يلزم أداؤه تكلفاً لا في مقابلة عوض؛ والمفظع هو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد؛ ولذي دم موجع هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه.٢٠٠ هل رأيت كيف هب الإسلام لنجدة من انكسر ؟ وما هذا والله أعلم إلا لأن كسره يعني قعوده، وهذا يعني فقدان هذا الإنسان المنتج، وبهذا يفقد المجتمع خبرته وعطاءه، هذا إن لم يتحول هذا المنتج بسبب فقره إلى إنسان منحرف، لذلك هبت الشريعة لنجدته، لأنه بقعوده سيكون أكثر وبالاً وتكلفة على المجتمع بما قد يحدثه من ضرر مستقبلاً كما هو الحال في الدول العلمانية فإن ميزانيات السجون، كما هو معلوم، تفوق ميزانيات التعليم في بعض الولايات الأمريكية، ٢٠١ وما هذا إلا لأن معظم هؤلاء المسجونين فقراء واضطروا لمخالفة القانون، فأودعوا السجون.
۲۰۱
أي أن الشريعة قصت للغارم من الحقوق ما يرفع فقره ويغطي ديونه ويجهزه حتى يعود لدائرة الإنتاج مرة أخرى. فعن يحيى بن بكير قال: سمعت الليث بن سعد يقول: كتب عمر بن عبد العزيز: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث فكتب عمر أنه لابد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته: نعم فاقضوا عنه، فإنه وقال ابن قدامة: «وإذا كان الرجل غنياً وعليه دين لمصحلة لا يطيق قضاءه، جاز أن يدفع إليه ما يتم به مع ما زاد عن حد الغنى. فإذا قلنا: الغنى يحصل بخمسين درهماً، وله مائة، وعليه مائة، جاز أن يدفع إليه خمسون، ليتم قضاء المائة من غير أن ينقص غناه. قال أحمد: لا يعطى من عنده . خمسون درهماً أو حسابها من الذهب إلا مدينا فيعطى دينه وإن كان يمكنه قضاء الدين من غير نقص من الغنى لم يعط شيئاً» ...
غارم».
قضاءه،
۲۰۲
۲۰۳
وهنا ملحوظة لطيفة عن سهم الغارمين وهي أن الزكاة في معظم الأقوال لا تعطى لقضاء دين الميت، فيقول أبو عبيد: «فأما قضاء الدين عن الميت، والعطية في كفنه، وبنيان المساجد واحتفار الأنهار وما أشبه ذلك من أنواع البر فإن سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء يجمعون على أن ذلك لا يجزئ من الزكاة، لأنه ليس من الأصناف الثمانية». ٢٠٤ إلا أن هناك رأياً آخر : قال القرطبي: «واختلفوا هل يقضى منها دين الميت أم لا، فقال أبو حنيفة: لا يؤدى من الصدقة دين ميت وهو قول ابن المواز. قال أبو حنيفة : ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله تعالى، وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه. وقال علماؤنا وغيرهم: يقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين؛ قال صلى الله عليه وسلم: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي».٢٠٠ ولعل القول الأول الذي لا يجيز قضاء الدين عن الميت أقرب لتمكين المسلمين، وذلك لأن قضاء الدين عن الحي يعيد هذا الإنسان لدائرة الإنتاج مرة أخرى، أما الميت فهو لن يعود بالطبع في جميع الأحوال. وقد
هامش
فسأله، فقال: إن كنت تسأل في دم مفظع أو غرم موجع أو فقر مدقع
ب٤) الحجا: أي العقل (١٩٦). جـ٤) يقول الطبري: « فقوله: ثم يمسك دليل على أنه غني، لأن الفقير فقد وجب حقك، وإلا فلا حق لك. قال: ثم أتى الحسن بن علي فقال ليس عليه أن يمسك، والله أعلم» (١٩٨). د٤) رواه أحمد وأبو داود. وفي الأموال: «أن رجلاً أتى ابن عمر
له مثل ذلك» (۱۹۹).
١٦٢٦ 🗏
تسأل: وما ذنب الذي أقرض المال لهذا الذي مات ؟ فأقول: إن المقرض قد يكون بحاجة للمال الذي أقرضه، وله الأخذ من التركة، إلا أنه في جميع الأحوال لازال إنساناً منتجاً، فإن لم يكن، لكان فقيراً، وعندها فله الأخذ من سهم الفقراء. فتأمل قول أبي عبيد: «وإنما افترق الحي والميت أن يكون الميت غارماً لأن الدين الذي أدانه قد تحول على غيره، وهو الوارث، فإن كان على الميت وفاء بدينه كان في ميراثه، وكان ذلك عليه دون الصدقة، وإن لم يكن له مال فليس على وارثه شيء وليس بغارم، لأنه هو الذي أدان هذا الدين. وقد أجمعت العلماء أن لا يعطى من الزكاة في دين ميت، وأما الحي فإنه يعطاها بالكتاب والسنة» .٢٠٦ فهل رأيت كيف أن الشريعة حتى في هذه التفصيلة الدقيقة تدفع إلى التمكين ليزداد الإنتاج.
ولتعزيز الإنتاج تستنتج الدكتورة نعمت قائلة:
والغارم في مذهب الحنفية : من عليه دين ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه. فلو كان للمستدين مال، لو قضى منه دينه لنقص ماله عن كفايته، ترك له ما يكفيه، وأعطي ما يقضي به الباقي. والمراد بالكفاية عند الشافعية : كفاية العمر الغالب فيما يظهر، ثم إن فضل معه شيء صرفه في دينه، وتمم له باقيه. وهذا يعني أن الغارم لا يجبر على تصفية استثماراته لسداد دينه إن كانت هذه الاستثمارات تقوم بكفاية عمره. فمن كانت له آلات حرفة فإنها لا تباع ليسد بها دينه. وفي هذا ضمان لاستمرارية الإنتاج وتشجيع لزيادة الطاقة الإنتاجية عن طريق مزيد من الاستثمارات الجديدة. وفي ذلك قال الإمام الباجي: «يجب أن يكون الغارم على هذا الوجه من تنجز حاله بأخذ الزكاة يتغير بتركها. وذلك بأن يكون ممن له أصول يستغلها ويعتمد عليها فيركبه دينه يلجئه إلى بيعها، ويعلم أنه إذا باعها خرج عن حاله، فهذا يؤدى دينه ويلفت النظر هنا إلى حالة يكون فيها المدين شخصاً منتجاً فركبه الدين فاضطر إلى أن يخرج من مجال الإنتاج ببيع أصوله الإنتاجية، وهنا تتدخل الزكاة من خلال سهم الغارمين لتبقي على تلك الطاقة الإنتاجية عاملة، ولتباعد بينها وبين الضياع ......
۲۰۹
۲۰۷
وكما ذكرنا في الفصول السابقة، فإن الإسلام دين لا يخون المسلمين ولكن يكرمهم باحترام أقوالهم. فمن ادعى الفقر يقبل قوله دون حلفان. يقول ابن قدامة في الفقراء: «وإن كان الرجل صحيحاً جلداً وذكر أنه لا كسب له، أعطي منها وقبل قوله بغير يمين إذا لم يعلم يقين كذبه، ولا يحلفه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجلين اللذين سألاه ولم يحلفهما ، ...» .۲۰۸ أما إن ادعى الرجل الفقر وهو معروف بالغني، فيقول ابن قدامة: «لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد بأن ماله تلف أو نفد، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحل المسألة إلا لثلاثة: ...». ٢٠٩ وفي هذا حكمة كما وضحت إذ أن مجرد عدم الأخذ بقول الناس سيؤدي إلى ظهور طبقة من الموظفين الذين ستلقى عليهم مسؤولية تحرى صدق الناس وهذا سيؤدي إلى ظهور جهاز حكومي بيروقراطي إداري وأعمال ورقية لن تنتهي، أي أن هذا الجهاز قد يكون بذرة للدولة بمفهومها الحديث، وهذا سيكلف الأمة الأخذ بقول الناس دون يمين حتى وإن كذب البعض وأخذوا من أموال الزكاة دون استحقاق. فتأمل. وبالطبع فهناك الكثير من التفاصيل عن الزكاة والتي تؤدي للمزيد من الإنتاج وسنأتي على بعضها في فصل «البركة» مثل تعجيل إخراج الزكاة وزكاة الدين واليتيم.
أكثر
من
١٢ الفصل والوصل
١٦٢٧
الإنفاق: بين الزهد والإسراف
بالإضافة للزكاة، فقد حثت الشريعة على الإنفاق كما هو مشهور. وهذا ليس مفروضاً على الناس، بل الشريعة تحثهم عليه، أي أن الإنفاق ليس من الحركيات، بل هو من القيم. وبهذا يدور رأس المال في المجتمع أكثر وأكثر حتى وإن كان قليلاً ليحرك الاقتصاد. ولعلك هنا تقول : ولكن القيم ليست مؤثرة في الحياة الاقتصادية لأنها ليست ملزمة للمسلمين فأجيب أصبت لكن لأن الحث على الإنفاق من القيم فقد وضع بطريقة ليصبح من الحركيات. كيف؟ هذا ما ستحاول الصفحات القادمة إيضاحه من خلال التركيز على الإسراف والتبذير والكنز والزهد والحث على العمل فجميع السابق بالإضافة للادخار والاستثمار هي مسائل متداخلة تؤثر في سلوكيات الناس في التصرف في المال وسيطول شرحها إن استفضنا فيها، لهذا سألخصها في الفقرة الآتية. فإن اقتنعت بها بإمكانك القفز مباشرة للعنوان الآتي: «الدين: حث وتثبيط»، وإلا لابد من قراءة الصفحات التالية التي قد تبدو تفصيلية بعض الشيء لموضوع الفصل والوصل إلا أنها مختصر سريع لسلوكيات الإنفاق.
كما قلت في فصل الديوان، فإن هناك منحدراً للقيم المجتمعية إما بالسمو أو بالانحطاط وذا اتجاه واحد في الغالب. فإن تغلبت حركيات الحكم بما أنزل الله فإنها تشد بعضها بعضاً وعندها فإن المجتمع سيستمر في السمو صعوداً يوماً بعد يوم حتى يزدهر المجتمع وينحسر الفساد تماماً. وفي النقيض، إن تغلبت آليات الحكم بالعقل فإنها تجر بعضها بعضاً ليستمر المجتمع في الانحطاط يوماً بعد يوم حتى يعم الفساد. أي أن المجتمعات في الغالب في حركة مستمرة إما صعوداً أو هبوطاً. وما تفعله الزكاة هو تحريك الأمة في الصعود اقتصادياً. ولكنك قد تقول بأن هناك من الناس من قد يهرب من دفع الزكاة لأن تفريقها بأيديهم وبالذات زكاة الأموال الباطنة! فأجيب: بالطبع هذا سيحدث دون علم العاملين على الزكاة. لكن هروب بعض الناس من الزكاة من جهة، وحث الشريعة على الإنفاق من جهة أخرى، كلتاهما تكملان بعضهما بعضاً لتحريك الاقتصاد تجاه إنتاج الضروريات.هـ؛ أي أن حركيتي الزكاة والإنفاق تشدان بعضهما بعضاً . ذلك أن فتح أبواب التمكين (وهي مجموعة حركيات شادة)، ولأنها ستوسع دائرة المستفيدين، ستزيد نسبة من سيفيض دخلهم عن حاجاتهم. وبالتأكيد فمن بين هؤلاء من سيتأثر بآيات وأحاديث الحث على الإنفاق وعندها حتى وإن كانوا قلة فسينفقون على الأقارب والفقراء، وبهذا يتحول الحث على النفقة من القيم إلى الحركيات لا لسبب إلا لأن عدد المتمكنين أكثر ، ومن هؤلاء الكثر سيتأثر البعض وسينفقون على الغير، وهذا سيغير المجتمع اقتصادياً كما سترى في هذه الصفحات الآتية بإذن الله من خلال توضيح الإسراف والتبذير والكنز والزهد. وما يعين على تحويل الإنفاق من القيم إلى الحركيات هو تغير قناعات الناس بأن أي إنفاق سيعود بالضرورة بالنفع على المنفق في هذه الدنيا قبل الفوز بثواب الآخرة. كيف؟
لقد بلغت آيات الحث على الإنفاق خمساً وسبعين آية، أي أكثر من آيات الحث على الصلاة والتي وصلت إلى سبعين آية، بينما الآيات الحاثة على الزكاة اثنتان وثلاثون آية فقط (كما تقول الدكتورة نعمت في كتابها «الزكاة»). وإن قرأت هذه الآيات ستلحظ أنها وضعت في أطر متعددة وبطرق لن يفلت مسلم من ملاحظتها
هامش
هـ) عندما أذكر الضروريات فهذا لا يعني الضروريات فقط، بل يعني الحاجيات والكماليات الواعدة أيضاً كما مر بنا في فصول
سابقة.
١٦٢٨ 🗏
لتكون حجة على عدم اكتراثه للإنفاق، فتكون حسرة عليه يوم القيامة إن هو تلافي التنبه لها برغم أنها ليست مفروضة عليه. فمن هذه الآيات مثلاً قوله تعالى في أول سورة البقرة : ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُم يُنفِقُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة البقرة أيضاً: ﴿ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَوٰةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . لاحظ تقديم الإنفاق على غيره من الأعمال بما فيها الصلاة. ذلك أن في إنفاق الناس تحريك للاقتصاد ما يؤدي لانحسار الفقر فتنتشر الفضيلة وعندها سيزداد المصلون. لهذا والله أعلم كان نصيب الآيات التي تحث على الإنفاق أكثر من غيرها برغم أن مسألة الإنفاق تظهر وكأنها لا علاقة لها بالتوحيد والعقيدة. فالذي يقع هو العكس فإن ضمر الإنفاق وكنز الناس المال سيتعثر الاقتصاد وينتشر الفقر والفساد ويقل المصلون في نسبتهم. ألم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر قارناً بين الكفر والفقر ؟ ألم يقل صلوات ربي وسلامه عليه كاد الفقر أن يكون كفراً)؟
ومن آيات الإنفاق قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ . وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَن النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقال تعالى في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وهناك سورة كاملة تدور حول الإنفاق ألا وهي سورة الليل: قال تعالى: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا
لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. وقال تعالى في سورة المعارج: ﴿إِنَّ الإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ .
إن تدبرت الآيات السابقة وغيرها كثير ستلحظ أنها وضعت في أطر مختلفة وبطرق لن يفلت منها أي مسلم دون أن تحرك مشاعره أو تخوفه وتحثه على الإنفاق برغم أنها ليست مفروضة عليه. وبالطبع فمن أهم هذه الأطر ذم الإسراف والتبذير لأن من لا يسرف أو لا يبذر سيجد فائضاً يمكنه من الإنفاق. فما الفرق بين الإسراف والتبذير؟ وما تأثيرهما على الإنفاق؟
هناك تعريفات كثيرة للإسراف والتبذير والفرق بينهما اخترت منها الآتي: يقول الجرجاني بأن الإسراف: «هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس». وفي موضع آخر يقول الإسراف هو : صرف الشيء فيما ينبغي زائداً على ما
١٢ الفصل والوصل
١٦٢٩
ينبغي، بخلاف التبذير، فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي». وعرف ابن العربي الإسراف «بأنه تجاوز الحد المباح إلى المحظور»، وقال عن التبذير: «هو منعه من حقه ووضعه في غير حقه، ...». ٢١٠ أي أن هذه التعاريف إن عُمل بها
۲۱۰
ستؤدي إلى فائض مالي عند الناس وبالتالي إلى نمط استهلاكي يؤثر في الاقتصاد. فما هو هذا النمط ؟
لنمر على بعض الآيات التي تنهى عن الإسراف دون الدخول في تفسيرها ، فإن تدبرتها فلعلك ترى الفروقات بين الآيات. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَا بَنِى ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ . وقال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. وقال تعالى في سورة الإسراء في التبذير : ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ . تلحظ أن الآيات توجه الناس للتوسط في الاستهلاك دون التوسع المفرط المؤدي لهدر ما لا يستطيع الفرد استهلاكه. وهذا واضح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : كل واشرب والبس من غير ما سرف ولا
مخيلة).
ولأن المال المنفق هو مال خاص في الغالب إذ أن معظم أموال ومقتنيات المجتمع هي أموال خاصة للناس لقلة ممتلكات الدولة إن طبقت الشريعة)، فإن قرارات ماهية الإسراف والتبذير هي إذاً قرارات يحددها الملاك، أي يحددها الناس، كل في ماله. أي أن مسألة التوسط في الإنفاق متروكة للناس لتحديدها لأن الناس هم الذين ينفقون أموالهم. لهذا إن طبقت الشريعة فلا يمكن فرض أنظمة أو قوانين على الناس للتحكم في سلوكياتهم. ذلك أن مثل هذا الفرض سيؤدي لإيجاد جهاز استخباراتي اقتصادي لتتبع سلوكيات الناس ما سيؤدي لاستحداث نفقات وعلى السلطات تحملها بسبب استحداث هذه المؤسسات الاستخباراتية. ونفقات هذه المؤسسات هي في ذاتها إسراف وتبذير لأنها لأفراد لا ينتجون فعلياً. أي أننا نستنتج من الآيات أن فيها توجيهات للناس لتلافي الإسراف والتبذير، وليس توجيهاً للسلطات لضبط نفقات الناس ، وهذا مهم. فلا حق للسلطات في التدخل في النمط الإنفاقي للفرد، فهذه علاقة بين الفرد وخالقه الذي رزقه.
ولأن النفس البشرية أمارة بالسوء، وقد تطغى، ولأن المال المجموع قد يؤدي للطغيان، فقد تلافت الشريعة، كما مر بنا، تجمع الأموال لدى الفرد بتفتيته بين الناس بفتح أبواب التمكين. وهذا منتهى العدل. فكما مر بنا، فعندما تجمعت الأموال لمن هم في السلطة ظهر استكبارهم واستعبادهم للناس من خلال الإسراف. ولعل أبرز مثال لهذا هو الطاغية فرعون. فهذا واضح من قوله تعالى في سورة يونس التي تصف فرعون: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ . فالمال المجموع من المكوس شجع فرعون على الإسراف فاستكبر. وهذا واضح أيضاً من قوله تعالى
هامش
و٤) هناك بالطبع استثناءات كالحجر على أموال السفيه. إلا أن حالات الحجر تلك واضحة لأنها صارخة في تبديد المال وتأتي بعد تذمر من هم حول السفيه من أهله خوفاً على أموالهم.
١٦٣٠ 🗏
في سورة الدخان: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. فلم يصبح فرعون عالياً مستكبراً إلا بالإسراف بعد تجمع أموال المكوس بين يديه التي سخرت الآخرين للعمل له كجنود، وهذا التجمع الكبير للأموال التي تزخر بها منطقة نهر النيل دفعه للإسراف ما أدى لاستكباره بجنوده فلولا المال الذي جند الجنود لما تمكن من الاستكبار. قال تعالى في سورة القصص: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ . ولإثبات أن المال المجموع من المكوس سبب للاستعلاء تدبر قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم معْرِضُونَ أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجَا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصَّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. ففي الآية إشارة إلى أن الحق إن اتبع أهواءهم، وهذا غالباً ما يحدث بفرض الخراج على الناس، أي بأخذ الضرائب، فإن الناس سيوضعون في هيكل اقتصادي سياسي من صنع عقول البشر يخرجهم عن الصراط المستقيم فيظهر التعلي والفساد والذي هو استعباد للبشر. وبالطبع لن ننسى الفراعنة المعاصرين مثل بشار الأسد والقذافي ومبارك وزين العابدين والسيسي وعلي عبد الله صالح وغيرهم كثير
على مر التاريخ.
أي أنه الحق سبحانه وتعالى أوجد مقصوصة من الحقوق دون خراج لتحرير البشر لتكون العبودية لله الواحد القهار. وأن المكوس تدمر هذه العلاقة (كما مر بنا). لذا نجد الربط بوضوح في القرآن الكريم بين الإسراف والاستكبار والفسق في عدد من الآيات مثل قوله تعالى في سورة غافر: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ﴾. وقوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . وقوله تعالى في سورة القصص: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ . والإسراف عادة ما يؤدي للفساد الخلقي. قال تعالى في سورة الأعراف ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . أي أن الإسراف سيؤدي للفساد المجتمعي. وهذا واضح من بعض الآيات مثل قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ . فما يلفت النظر في هذه الآية هو تأكيدها على أن الإسراف سيؤدي للفساد لا محالة. أي أن هناك هدف آخر للإنفاق بالإضافة لتحريك الاقتصاد ألا وهو أنه يجذ الاستكبار من نفوس الناس. وبجذ الاستكبار ينحسر الفساد. ولعلك هنا تثير اعتراضين الأول هو أن المقصود بالإسراف في بعض الآيات ليس الإسراف المادي ولكنه الإسراف في المعاصي أو الإسراف في الاستعلاء. ستأتي الإجابة بإذن الله في فصل «المدينة». لكنني أقول الآن باختصار أن كل أنواع الإسراف متلازمة في الغالب. فمن يسرف في الاستهلاك المادي سيسرف في المعاصي في الغالب والاعتراض الثاني هو أنك إن لم تكن ممن يسلّمون بصحة القرآن الكريم وأنه كلام الله : ستقول إن هذا استنتاج غير علمي ويأتي من القرآن الكريم، وهو ليس بمقنع، فكيف يمكن تفسير ذلك اقتصادياً ! ولإقناعك أقول:
كما قلت سابقاً : فإن الطريق إلى النهوض الاقتصادي هو الإنفاق من الكثير من الناس في الضروريات. أي
١٢ الفصل والوصل
١٦٣١
أننا بحاجة للإنفاق بكثرة ليدور رأس المال أكثر وأكثر ليتحرك الاقتصاد. وهنا ملحوظة يجب الالتفات لها: إن ما يدعو إليه الإسلام يختلف جذرياً عما استنتجه فيبر من أن العقيدة البروتستانتية التي تحث على استثمار المال هي التي أدت لظهور الرأسمالية وتفوقها صناعياً في الغرب. فالعقيدة البروتستانتية آلية أدت إلى توظيف المأجورين العاطلين الذين ما وجدوا إلا بقفل أبواب التمكين كما مر بنا، فظهرت الطبقية وللتكسب من وراء أثرياء الطبقية صنعت الكماليات الفارهة. فكان الإسراف والتبذير وبالتالي كثرت النفايات وتلوثت الأرض. وهذه الآفة لن تقع إن طبقت الشريعة لأن دوران المال لن يكون بالإسراف والتبذير. وقد تسأل ولكن كيف سيتحقق هذا؟ فأجيب: هذا هدف صعب المنال بالحكم بالعقل البشري لأننا لا نريد السيطرة على سلوكيات الناس في الإنفاق خوفاً من ظهور الظلم أو ظهور بذرة الدولة. فما العمل؟
الإنفاق عادة ثلاثة أنواع: (۱) إنفاق على الآخرين بإعطائهم المال نقداً، أو (٢) إنفاق الفرد على نفسه بشراء المستهلكات أو الخدمات. وهناك نوع وسط يجمعهما وهو (٣) الإنفاق على الآخرين بالمستهلكات وذلك بتوزيع الخبز على الفقراء مثلاً أو الإنفاق على خدمة الناس كبناء جسر لهم أو تعليمهم مهارة ما. بالنسبة للنوع الأول، أي إنفاق المال على الآخرين نقداً، فمنطقياً فإن المال ينساب من غني إلى محتاج كالفقير والغارم. وفي هذه الحالة كما مر بنا في الزكاة، فإن الوضع نسبياً هو زيادة الإنفاق على الضروريات على حساب الكماليات لأن الآخذين للمال يفتقدون للضروريات والحاجيات في الغالب، لذا فهم لن ينفقوا المال على كماليات فارهة. أي أن هؤلاء الذين أخذوا المال دخلوا بعد أخذهم للمال في زمرة النوع الثاني من الإنفاق، أي ممن ينفقون على أنفسهم لشراء المستهلكات أو الخدمات ولكن بتوجيه الإنفاق في الضروريات في الغالب.
بالنسبة للنوع الثالث، أي للإنفاق على شراء سلع أو خدمات للغير فسيأتي تفصيلها في فصل «الأماكن» في الحديث عن الوفورات والأوقاف بإذن الله. فهذه بطبيعتها (لأنها أعمال خيرية) فهي في الغالب إنفاق على الضروريات، مثل استحداث دار للعجزة أو اليتامى وما شابه من خدمات والتي عادة ما توسع دائرة إنتاج الضروريات. فالقائمون على هذه المشروعات الخيرية أو الوقفية عادة ما يحاولون الإنفاق على ضروريات وحاجيات من يخدمونهم. ولكن هنالك فرق: فمن يشترون لأنفسهم قد يسرفون لأن متعة السلعة المسرف فيها لهم، أما من يشترون لغيرهم فسيحاولون تأمين ضروريات وحاجيات غيرهم كالعجزة واليتامى . وبهذا إن ركزنا فقط على دراسة الإسراف والتبذير في إنفاق الناس لشراء السلع والخدمات لأنفسهم فقد غطينا الجزء الأكبر من الموضوع لأن النوعين (الأول والثالث من الإنفاق هو في الضروريات في الغالب.
بالنسبة لهؤلاء (النوع الثاني)، فإن كان الإنفاق في ما لا ضرورة له أو لا حاجة له، أي أنه إسراف وتبذير فهو إنفاق قد يؤدي إلى آفتين: الأولى هي تشغيل أيد عاملة لسلعة تكميلية قد لا تتطور لتصبح من الحاجيات مثل صناعة مسبحة للتسبيح مصنوعة من حجر كريم كالفيروز، أو دفع أتعاب إنسان ينتج ما قد لا يحتاجه الناس من الخدمات كأجر راقصة لحفل زواج. وهذه الآفة كما مر بنا تؤدي إلى الهدر وبالتالي إلى عدم الكفاءة في الإنتاج وإلى عدم العدالة في التوزيع. والآفة الثانية هي أن هذا الذي اقتنى المنتج غير الضروري قد أوجد في نفوس ضعاف النفوس ألماً لأنه قد يتفاخر بالسلعة التي تكمل جاهه أو زينته وهم لا يستطيعون اقتناء ما يضاهيها كشراء يخت فاخر. وهذه الآفة كما ذكرت مراراً ستؤدي إلى فتح شهيات البعض الذين قد يُرتشون للحصول على أثمان هذه
١٦٣٢ 🗏
الكماليات الفارهه. فكيف إذا وجهت الشريعة الناس للابتعاد عن الإسراف والتبذير دون تسلط خارجي؟ للإجابة لابد لنا من النظر في الكنز والزهد؟
كما هو معلوم فإن كنز المال سيؤدي إلى تخفيض المتوافر من المال السائل ما يؤدي لتعطيل حركة الاقتصاد. لهذا ذمته الشريعة. قال تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُم تَكْنِزُونَ﴾ . وقال تعالى في سورة الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لِّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنَبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ . فإذا كان الكنز مذموماً ، فما هو تعريف الكنز في الإسلام؟
۲۱۱
جَمَعَ
إن موضوع الكنز مما طال شرحه في كتب الفقه وتباينت حوله الأقوال. لذا لابد من الاختصار فأقول: هناك قول لعلي كرم الله وجهه أن كل ما زاد عن أربعة آلاف درهم فهو كنز، سواء أديـت عنه الزكاة أو لم تؤده. ٢١١ وهناك قول لأبي ذر أن الكنز هو كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه. وقد كان هذا القول شديداً على الناس فكانوا يقرؤون لأبي ذر آية المواريث ويقولون له: «لو وجب إنفاق كل المال لم يكن للآية وجه». وعن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾: «كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا يدع مالاً يبقى بعده. .. فقال عمر: : أنا أفرجها عنكم .. فانطلق عمر، وتبعه ثوبان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أنه قد كبر على أصحابك هذه الآية .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما تبقى من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم». فكبر عمر ....٢١٢ إلا أن القول الذي ذهب إليه معظم العلماء عن الكنز هو ما جاء في تفسير القرطبي عن نافع أن ابن عمر كان يقول: «كل مال أديت منه الزكاة فليس بكنز ، وإن كان مدفوناً. وكل مال لم تؤد منه الزكاة، وإن لم يكن مدفوناً، فهو كنز». وقال أبو جعفر: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مال لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله ، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل، إذا كان مما يجب فيه الزكاة».
قائلاً:
لقد كانت فكرة كنز المال أو حبسه عن الدوران وتأثيرها السلبي على الاقتصاد فكرة معروفة منذ أمد بعيد عند المسلمين . لنقرأ ما كتبه طاهر بن الحسين لابنه عبد الله عندما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما فوصاه «واعلم أن الأموال إذا كنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامة وبرحت به الولاية وطاب به الزمان واعتقد فيه العز والمنفعة. فليكن كنز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله». وبالطبع لا ننسى هنا مقولة ابن خلدون المعروفة: «فالمال إنما هو تردد بين الرعية والسلطان، منهم إليه، ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية. سنة الله
في عباده» .
۲۱۳
لقد انقسمت أقوال الفقهاء إلى سبعة أقسام حول ما هو الكنز هي: (١) كل مال مجموع فهو كنز، ٢) كل
مال مجموع من جنس النقدين فهو كنز ، (٣) كل مال مجموع من جنس النقدين فهو كنز ما لم يكن حلياً، ٤) كل
١٦٣٣
١٢ الفصل والوصل
هو
هو
مال مجموع من جنس النقدين وكان دفيناً، (٥) كل مال من جنس النقدين وكان محبوساً عن الحقوق، ٦) كل مال من جنس النقدين لم ينفق في سبيل الله ، (٧ كل مال من جنس النقدين لم تؤد زكاته. وقد وضعت هذه الأقوال في ثلاثة آراء: الأول أن كل ما أديت زكاته فهو ليس بكنز كما ذهب إليه عبد الله بن عمر، والثاني أن الكنز ما فضل عن الحاجة وهو الذي تزعمه أبو ذر الغفاري رحمه الله والثالث متوسط بين الاثنين وهو أن الكنز كل هو مال لم تؤد منه الحقوق العارضة كفك الأسير وإطعام الجائع والملاحظ هو أن هذه الآراء تجتمع عند أفضلية تجنب الكنز، وأقل درجاته إخراج الزكاة عن المال حتى وإن حبس عن التداول، وأعلى درجاته التخلص عما فاض عن حاجة الإنسان بإنفاقه. أي أن في فكرة تلافي الكنز حث لأفراد المجتمع للمزيد من الإنفاق ليدور الاقتصاد. إلا أن هذا يجابهه الزهد الذي قد يؤدي إلى تثبيط الاقتصاد. كيف؟
بسبب
كما هو معلوم فإن هناك من آثار بعض الصحابة والتابعين التي تحث على الزهد. وهنا تظهر إشكالية قد تؤدي لتخلف الأمة إن استشرت، ذلك أن النفس البشرية جبلت على حب المال، فإن حوربت هذه الغريزة بذم الكنز، ثم إن دعمت بالزهد في الدنيا، فلماذا يعمل الناس لاسيما أن المجتمع سيكفلهم مالياً بالزكاة إن وصلوا إلى مرحلة الفقر ؟ وهذا التكاسل في الكسب إن انتشر بين الناس كظاهرة ثم كعرف فإن المجتمع سيتخلف صناعياً قلة الإنتاج. فهناك ربط بين الاستهلاك والتصنيع والتقدم التقني كما هو معلوم. فكلما زاد الإنتاج جودة وتنوعاً زادت معرفة التصنيع، وهكذا يتقدم المجتمع لدرجة أنه قد يستعمر المجتمعات الأخرى كما استعمرت دول الغرب العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر. وبالطبع فإن الشريعة لن تؤدي لهذا التخلف. للتوضيح أقول: لقد اختلفت مفاهیم الناس تجاه الزهد. فمنهم من يظن أن الزهد هو العيش بأقل القليل، فالزهد مقارنةً هو رضا الفرد بأقل مما عند معظم الناس، ومنهم من يرى أن الزهد هو عدم تعلق القلب بالمقتنيات حتى وإن تمتع الفرد بأفضلها بسبب ثرائه. ولنفهم التأثير السلبي للزهد اقتصادياً لنأخذ الجانب السلبي للزهد بأنه العيش بالقليل جداً. عندها، ولأن الحياة استمتاع للبعض ، وأنها اجتهاد لكسب الأجر في الآخرة للبعض الآخر، فإن مدى قناعة وزهد الفرد هو المحرك له إما للمزيد من العمل للمزيد من الكسب أو للتراخي في طلب الكسب. فإن كان الإنسان زاهداً جداً وكان الكنز مذموماً، فلماذا يجتهد في العمل لكسب المزيد من المال للمزيد من الإنفاق لكسب أجر الآخرة، لا سيما أن الثواب قد يحصل بالاجتهاد في العبادات؟ فبحسن الاغتسال مثلاً والتبكير سيراً على الأقدام لصلاة الجمعة سيكسب المؤمن عن كل خطوة أجر صلاة وصيام سنة كما جاء في الحديث. فتخيل هذا الأجر! فلماذا يعمل ليكسب من حطام الدنيا إذاً؟
قال
أي أن هناك أنماطاً للإنفاق تؤثر في العمل والاستثمار والإنتاج للكسب بناء على قناعة المسلم. لهذا لابد لنا من فحص هذه الأنماط : فهناك مثلاً من الصحابة من كان زاهداً جداً مثل الصحابي أبي ذر الغفاري حتي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: من سره أن ينظر إلى زهد عيسى عليه السلام فلينظر إلى أبي ذر). وهناك رواية بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله مرة : كيف أنت إذا كان عليك أمراء يستأثرون بالفيء؟)، فقال أبو ذر: «إذن والذي بعثك بالحق أضرب بالسيف حتى ألحق بك». فقال له عليه السلام: (أفلا أدلك على خير من ذلك، اصبر حتى تلقاني). فمما رآه أبو ذر ونادى به هو إنفاق ما زاد عن حاجة الفرد لسنة مع الزهد الشديد. وبالطبع ليس كل الناس مثل أبي ذر . لهذا قد لا يجتهد الناس في العمل تلبساً للزهد إذ لا حاجة للمال عندها.
١٦٣٤ 🗏
نمط آخر هو ما ذهب إليه أبو الدرداء والذي رأى أن يعمل الإنسان بقدر ما يكفيه وعياله من ضروريات
الحياة ليتفرغ للعبادة وذلك من فهمه لقوله تعالى في سورة النور: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ....﴾ وقد لقي هذا النمط قبولاً أكبر من السابق بين التابعين ومن جاء من بعدهم من أهل العلم مثل إبراهيم بن أدهم وبشر الحافي. وقد كان تأثير هذا واضحاً كما يقول الدكتور الجنيدل في العباد «الذين قيدوا العمل بالقدر الضروري للحياة حتى يصرفوا جل وقتهم في ذكر الله». وكان التأثير واضحاً أيضاً في العلماء إذ قال أحمد بن حنبل: «إنما قوي بشر بن الحارث لأنه كان وحده ولم يكن له عيال، وليس من كان معيلاً كمن كان وحده، لو كان إلي ما باليت ما أكلت». وقد نقد الجنيدل هذا النمط وشبهه بالنمط الأول لأبي ذر بأنه لا يؤدي إلى تراكم الثروة في أيدي أهل العلم والورع ما يؤدي إلى وقوع السوق في أيدي الذين لا يخشون الله كثيراً ومن ثم ابتعاد النشاط الاقتصادي عن روح الإسلام وتعاليمه.
عمر
رضي
الله
والنمط الثالث هو ما كان عليه عبد الله بن عمر. فهو لم ير بأساً من زيادة الثروة إن عمل الإنسان في طاعة الله، أي أنه أخذ بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح). قال عبد الله بن عنه: «ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله». وقد كان عبد الله بن عمر من أغنياء الصحابة. فقد روى ميمون بن مهران أن عبد الله بن عمر أتته بضاعة قيمتها اثنان وعشرون ألف دينار في مجلس واحد، فلم يقم حتى فرقها. ويقول الجنيدل في هذا معلقاً أثابه الله: «فالحد من الثروة ومقدار الغنى لم يرد في الشريعة له رقم معين أو ضابط معين. فشرط الثروة أن تصرف في وجه الخير وأن تكون جاءت عن طريق خير. هذا هو أهم شروط كسب المال وإنفاقه في الإسلام».
٢١٤
هذه أهم الأنماط ، وبالطبع فهناك توجهات أخرى كانت تمزج بين هذه الأنماط الثلاثة بتفاوتات مختلفة وبممارسات مختلفة كتلك التي للحسن البصري الذي كان يهاجم الأثرياء في خطبه. وهناك أيضاً أقوال كثيرة ومختلفة للفقهاء. لكن إن تمعنا في جميع هذه الأنماط والأقوال نلحظ أنها تلتقي عند نقطة واحدة، ألا وهي الإنفاق قدر المستطاع على الغير كل حسب قناعته وكرمه. ولكن لا توجد معادلة ملزمة لمقدار ما يجب أن ينفقه الفرد على الغير مقابل الذي عليه استثماره، وهذا من عظم الشريعة أنها وضعت من المحفزات للإنفاق دون إرغام الناس ما يؤدي لتفاوت نسب ما قد يُستثمر من الناس بناء على مقدراتهم وأفهامهم وبالتالي تتغير قناعاتهم للمزيد من الإنفاق. وهذا سيؤدي بدوره لتحفيز الاقتصاد. كيف؟
إن رأى الزهاد من الصحابة والفقهاء ما نحن عليه الآن من تخلف لتراجعوا عما قالوا أو قاموا به من زهد دون دليل نصي. ذلك أن الزهد الزائف إن أصبح عرفاً سيقود الأمة إلى ضعف وتخلف بسبب الضعف الاقتصادي. فكما مر بنا في فصل «القذف بالغيب» تحت عنوان «المقارنة» عند الحديث عن الوحدات الإنتاجية، فإن كان زيد من الناس زاهداً وكان متفرغاً للعبادة، فهو برغم زهده قد يستهلك وحدات إنتاجية من المجتمع أكثر مما ينتج. فهو قد يأكل ويلبس بقدر ما يجمع من مال، لكن إن مرض وكان على الدولة أو على الميسورين علاجه، أو إن كان يتوضأ من ماء سبيل باستمرار ويستخدم دورات مياه المسجد مثلاً، فهو إنما يستهلك وحدات أكثر مما ينتج. وإن كثر أمثال هذا، فهم سيثبطون الاقتصاد بتحميله فوق طاقته. وهكذا مع تعثر الاقتصاد ستجف المنابع المالية التي تدعم الجهاد والتصنيع الحربي. وبهذا تذل الأمة وتُنتهك أعراضها وتُستباح أراضيها. وهذا شر مستطير.
١٢ الفصل والوصل
١٦٣٥
أي أن المفهوم المنتشر للزهد بأنه العمل القليل للاكتفاء بالمال القليل لاستهلاك القليل لهو مفهوم خاطئ. ذلك أن قياس هذا القليل لمعرفة الزهد أصبح واضحاً جداً: فإن استهلك الفرد أكثر مما ينتج، وبرغم قلة استهلاكه لزهده، فإنما هو عالة على المجتمع برغم مظهره الزاهد فلا يغرنك أخي القارئ هذا المظهر. وفي المقابل، إن عاش الفرد بمستهلكات أعلى من الآخرين دون إسراف أو تبذير بينما هو ينتج الكثير، فهو الزاهد حقاً إن خلصت نيته برغم مظهره لأنه لم يستهلك جميع ما أنتجه. فهو في كل يوم يضيف لأمته أكثر مما يأخذ منها. أي كلما زادت المسافة بين ما يستهلكه العبد وبين ما ينتجه كل ما كان العبد زاهداً حقاً. أما من يزهدون ولا ينتجون، أو يظهرون زهاداً إلا أنهم ينتجون أقل مما يستهلكون، فهؤلاء ليسوا بزهاد، بل هم الذين يدمرون الاقتصاد. إن أردت معرفة صحة تصرف فرد ما، فما عليك إلا أن تتصور أن كل الناس مثله. فإن تصورنا أن كل الناس زهاداً ويكتفون بالقليل وينتجون أقل منه فإن مصير الأمة إلى دمار اقتصادي.
لذا فلا مجال للأخذ بقول هذا أو ذاك إن رأينا من التاريخ ما يثبت لنا العلاقة الواضحة بين العزة والاقتصاد وسلوكيات الإنفاق. فلابد من حث الناس على ما أتت به الشريعة التي تدفع إلى الإنفاق من جهة، وإلى الاستمتاع بما خلقه الله لنا من طيبات دون إسراف من جهة أخرى ليتحرك الاقتصاد دونما فساد. فكر أخي القارئ: كيف يأتي المجد للأمة دونما ازدهار اقتصادي يدعم الجهاد والتصنيع الحربي المكلف مالياً؟ وكيف تزدهر الأمة اقتصادياً تصنيع؟ و ؟ وكيف يتحسن التصنيع دون محاولات وإخفاقات ثم نجاحات في الإنتاج؟ وكيف تستمر هذه المحاولات دونما وفرة في الإنتاج ؟ وكيف تتحقق الوفرة في الإنتاج دونما بيع؟ وكيف يكون البيع إن لم يكن هناك شراء؟ وكيف يشتري الناس إن كانوا زهاداً ويتلافون التمتع بطيبات ما خلق الله لهم المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد؟ وللتوضيح أقول:
دونما
إن مما هو ثابت أن الشريعة تدفع المسلمين لعمارة الأرض. يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى في سورة هود: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾» ، «قال بعض الشافعية الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق
٢١٥
من الله تعالى على الوجوب». قال الجصاص: «وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية» . ۱٥ ويقول الإمام الشيباني تعليقاً على قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾». «والأمر حقيقته الوجوب، ولا يتصور الإنفاق إلا بعد الكسب، أو بعد الإنتاج. وما لا
٢١٦
يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به يكون فرضاً». كما قال: «وما يتوصل به إلى أداء والواجب يكون واجباً». ۲۱٦ وبالنسبة للأعمال التي على الناس القيام بها لعمارة الأرض أنقل لك القولين الآتيين لابن تيمية والغزالي والتي
تبين أن هذه الأعمال تعد من فروض الكفاية التي إن أهملت أصبحت فرض عين. يقول ابن تيمية رحمه الله:
«والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما أن كان غيره عاجزاً عنها ... ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية، فإن الناس لابد لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها، ومساكن يسكنونها، فإذا لم يجلب إليهم ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب، ولابد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم وإما من زرع بلدهم وهذا هو الغالب. وكذلك لابد لهم من مساكن يسكنونها فيحتاجون إلى البناء. فلهذا قال غير واحد من الفقهاء: «إن هذه الصناعات فرض على
الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها» ... » .
۲۱۷
١٦٣٦ 🗏
وإن عاش ابن تيمية أيامنا هذه ورأى تأثير القوة الاقتصادية والتقدم التقني في عزة الأمم وما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية الآن من إذلال لمن يصلون التراويح طيلة رمضان وبإبداع في استحداث شتى أنواع الدعاء في القنوت لدحر الأعداء، ومنهم الأمريكان، لأصر رحمه الله على أن يكون التميز في الإنتاج في شتى المجالات فرض عين على كل مسلم حتى تنهض الأمة وتخرج من هذا الذل والاستعباد بدل التباكي في الدعاء دونما حركة كما هي حالنا اليوم. ولأصر رحمه الله أن يستثمر الناس الوقت في الإنتاج بدل تخدير الأمة بابتهالات غلاة التصوف مثلاً ورقصاتهم أو بكاء الشيعة وضربهم لأنفسهم وما إلى ذلك من ابتكارات غريبة عجيبة ما أنزل الله بها من سلطان. فالإسلام دين عمل وإنتاج وإبداع يؤدي للعزة وللكرامة وللشموخ وللمجد. ويقول الغزالي رحمه الله:
«إن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل. ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا. وعلى هذا حمل بعضهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اختلاف أمتي رحمة) على أنه اختلاف همهم في الصناعات والحرف. ومن الصناعات ما هي مهمة. ومنها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب التنعم. فليشتغل بصناعة مهة ليكون في قيامه بها كافياً عن المسلمين». ز٤
وقد بين النووي في المنهاج أن من فروض الكفاية الحرف والصنائع وما تتم به المعايش. وقال في مغني المحتاج: «لأن قيام الدنيا بهذه الأسباب، وقيام الدين يتوقف على أمر الدنيا، حتى لو امتنع الخلق منه أثموا، وكانوا ساعين في أهلاك أنفسهم، ...». وفي نهاية المحتاج: «لو تحالفوا على تركه أثموا وقوتلوا». ومن السابق نخلص إلى أن الإسلام دين يحث على العمل والاستثمار. قال صلوات ربي وسلامه عليه: (خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن ونحو هذا، وأصدق الأسماء الحارث وهمام. حارث لدنياه ودينه، وهمام بهما. وشر الأسماء حرب ومرة).٢١٩ حتى وإن قام بالإحياء أناس من غير المسلمين ممن يعيشون بين المسلمين فلن تقف الشريعة عقبة أمام تمكينهم. فقد جاء في زاد المستقنع عن إحياء غير المسلم للأرض مثلاً: «... فمن أحياها ملكها من مسلم وكافر......
مثلاً
۲۲۰
يستنتج قائلا:
ولكن مع الأسف، لأن التنمية في النظم الرأسمالية قُرنت بالاستثمار في المشروعات الكبرى، فقد انتقلت هذه العدوى إلى علمائنا المسلمين. وهذه مسألة دقيقة مهمة أرجو التنبه لها. فهذا العبادي «إن الأمة لا تكون قوية إلا إذا كانت تتمتع باقتصاد قوي، ولا يمكن أن يقوم الاقتصاد القوي إلا باستثمار الأموال في المشاريع الإنتاجية المختلفة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .. ومن هنا كان استثمار الأموال في المشاريع التي تزيد من القدرة الاقتصادية للأمة من القوة التي أمر المسلمون بإعدادها في مواجهة أعدائهم، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ...﴾».
۲۲۱
فلم يميز الباحثون في الاقتصاد الإسلامي بين الاستثمارات الكبيرة الحجم والصغيرة منها. فهم متفقون جميعاً على ضرورة تلافي الكنز وضرورة استثمار المال ولكن دون التركيز على حجم هذا الاستثمار. فهذا الدكتور رفعت
هامش
ز4) وهنا تنويه عن نوعية الأعمال وكيف أنها تدفع المجتمع للتوجه الذل. مشيراً إلى بعض الآلات الزراعية. فقد صرف البخاري الذم للتصنيع. فتقول الدكتورة نعمت في هذا: «إلا أن الاقتصاد الإسلامي إلى الانغماس في الزراعة ومجاوزة الحد الذي أمر به. وفي ذلك تنبيه من يحذر من التركيز على تنمية القطاع الزراعي على حساب غيره من إهمال القطاعات الإنتاجية الأخرى، وليس ذماً للزراعة في حد ذاتها القطاعات الاقتصادية، كما جاء عن البخاري في تفسير ما رواه عن أو كراهية الاشتغال بها. وقد ثبتت أهميتها في القرآن والسنة النبوية الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله وأفعال الصحابة الراشدين» (۲۱۸).
١٢ الفصل والوصل
١٦٣٧
العوضي يقول في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بأن فيه
«قرن تأثيم الاكتناز بأكل أموال الناس بالباطل، وما يتضمنه من حقوق للجماعة على المال الخاص، بحيث أن كنزه يقرن بأكل أموال الناس بالباطل. هذا السياق يضع أساساً عقـدياً للتشغيل الكامل للمال، لكن الذي أريد أن أقف عنده هو المعنى الذي يستنتج من تأثيم الإسلام للاكتناز في علاقته بالتشغيل الكامل لرأس المال . إن الاكتناز هو جزء الادخار الذي لم يوجه إلى الاستثمار. وإذا التزم المسلم التزاماً إسلامياً صحيحاً بالمنهج الإسلامي، ومن هذا المنهج تأثيم الاكتناز، فسوف يوجه كل ادخاراته التي هي جزء الدخل الذي يفيض عن الاستهلاك، سوف يوجهه إلى الاستثمار، ومعنى هذا أنه وفق المنهج الإسلامي لا توجد رؤوس أموال مكتنزة، أي عاطلة». ۲
۲۲۲
وهكذا كما ترى فإن الاستثمار أخذ مكاناً رفيعاً في فكر الاقتصاديين. وهذا يوافقهم عليه كتاب «قص الحق» بالطبع، ولكن الخلاف هو في كيفية هذا الاستثمار. هل هو تراكم لاستثمارات الأفراد أو الشركاء كما تدفع إليه الشريعة أم أنه استثمار الدولة أو الشركات الكبرى بالاقتراض من البنوك؟ فإن لم يكن من تراكمات توسعات الأفراد أو الشركاء وابتكاراتهم فهو بالضرورة ،ظلم، ذلك لأن استثمارات الدولة أو الشركات مهما نجحت فإن نجاحها يعني وضع الكثير من الأموال في أيدي البعض على حساب الآخرين الذين سيتضررون بعدم العدالة في التوزيع أو بعملهم كمأجورين. ولعلك تقول : ولكن ما الضرر من قيام الحكومة باستئجار الأفراد ودفع مرتبات مجزية لهم لاستحداث مزارع أو مناجم لن يستطيع الأفراد القيام بها؟ فأجيب: إن هي نجحت ستتبعها مشروعات أخرى ويصبح هذا النمط الإنتاجي هو المتبع في المجتمع، عندها ستستشري عدم الكفاءة في الأداء والظلم في التوزيع كما ذكرت مراراً (تذكر ما مر بنا عن التنمية). فتنبه أخي القارئ لهذه النقطة. فهذه لم يلتفت لها الباحثون. فهذه الدكتورة نعمت مثلاً تقول كلاماً رائعاً عن الزكاة، إلا أنها لا تميز في كتابها بين استثمار الأفراد كمنهج واستثمار الحكومات والشركات كضرر :
«فالإسلام كعقيدة لا يفصل بين شؤون الفرد الدينية والدنيوية، بل كل منهما مسخر للآخر ضماناً لفلاح الفرد في كليهما معاً. فيقول سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. كما قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته ولم يكن كلاً على الناس ... ويطالب أحد المفكرين المسلمين [الفنجري] بضرورة الربط بين التنمية وفكر الجهاد المقدس استثماراً للسمة العقائدية للتنمية حتى يتم تفجير الطاقات المختزنة في الفرد المسلم وتحقيق التنمية انطلاقاً من الممارسة الدينية والواقع الإيماني ... وبلغة الاقتصاد الوضعي نقول: إن العقيدة الإسلامية تضيف إلى المزايا المعنوية التي تشملها منفعة العمل، ميزة تفوق أهميتها ويزيد أثرها على الأجر النقدي والمزايا العينية، أي أنها تضيف إلى منفعة العمل ميزة تتضاءل بجانبها ميزة الأجر الحقيقي، فتؤدي إلى تناقص المنفعة الحدية للعمل بمعدل أقل، كما تؤدي إلى تزايد الألم الحدي للعمل بمعدل أبطأ، فتكون النتيجة النهائية لذلك هي زيادة الإقبال على العمل لدى الإنسان المسلم أكثر منها لدى أي عامل آخر. وتكون النتيجة إضافة هذا العنصر الحيوي إلى المزايا المعنوية للعمل، تميز العامل المسلم المؤمن على أقرانه من حيث كمية العمل المنتج ونوعيته ...».
۲۲۳
١٦٣٨ 🗏
وهكذا كما ترى فقد كانت الرؤية ضبابية لعلماء الاقتصاد، فهم يريدون التنمية، ولكن التمييز لم يظهر
بوضوح بين ضرر مسؤولية الدولة وبين محاسن نفقات الناس فهم رؤوا في زيادة الكسب ضرورة لأن فيه محاربة للفقر وتمكين للمسلم من القيام بالطاعات من جهة، وتمكين للأمة من جهة أخرى. أي أنه لا تكاسل أبداً. وهذا يوافقهم عليه كتاب «قص الحق». إلا أن ما ينادي به هذا الكتاب هو طريقة الوصول للاستثمار. فنجد أن الخطاب في جميع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية موجه للفرد أو للأفراد وليس للسلطات. تدبر قول الرسول صلى الله عليه وسلم اطلبوا الرزق في خبايا الأرض.. ففيه توجيه للأفراد» للتحرك للوصول إلى الخيرات في كل ركن من الأرض: فوق الجبال وفي أعماق الأنهار والبحار والمحيطات وتحت تخوم الأرض حتى وإن نزلنا إلى الأرض السابعة. ثم تدبر هذا الحديث من سنن أبي داود عن الأنصاري الفقير الذي أتى للرسول صلى الله عليه وسلم يسأله العون:
آخذهما
بدرهم.
«عن أنس بن مالك أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال: (أما في بيتك شيء؟ قال : بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء. قال: (ائتني بهما). فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: (من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا قال: (من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثاً. قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فأتني به)، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً)، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجىء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع أو لذي دم «موجع.
الله
٢٢٤
٢٢٦
أي أن المال يأتي فقط من العمل والإنتاج إلا لمن هو معذور عن الشغل. ومن أشد من كان حازماً مع تكاسل الأفراد في طلب الرزق الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. فيقول أنور عبد الكريم، أستاذ الاقتصاد، بأن الخليفة عمر بن الخطاب كان يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد استناداً لقوله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ .٢٢٥ وقال الخليفة عمر بن الخطاب أيضاً: «والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل، فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة». كما كان رضي عنه يضرب بالدرة من يراه جالساً دون عمل قائلاً: «قم واطلب الرزق فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة».٢٢٧ ومن مقولاته أيضاً : إن الله خلق الأيدي لتعمل». ومما قاله أيضاً: «المتوكل من ألقى حبة في الأرض وتوكل على الله ». ونُسب إليه أنه قال عندما رأى أناساً لا يعملون فسأل عنهم فقيل له: هم المتوكلون. فقال: «كذبوا، هم المتآكلون الذين يأكلون أموال الناس بالباطل».۲۲۸ أجل، فهؤلاء الذين لا يعملون كما يجب وينتظرون الاعطيات يستهلكون من المجتمع أكثر مما يقدمون له. وبهذا فهم يأكلون أموال الناس الآخرين المنتجين. وهذا أكل لأموال الناس بالباطل. وهناك مقولة مشهورة للإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول في من عمل لدنياه من الأفراد لرفع شأن أمته:
.
«يا عباد الله، إن المتقين حازوا على عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا آخرتهم، أباح لهم الله الدنيا ما كفاهم به وأغناهم. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ
١٢ الفصل والوصل
الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وركبوا من أفضل ما يركبون، غداً . أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا وهم جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» *
۲۲۹
١٦٣٩
كما أن المشهور عند العلماء أن العمل في طلب الرزق عبادة، والأدلة على هذا كثيرة. فعندما انقطع أحد
۲۳۱
۲۳۰
الناس للعبادة سأل الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته عمن ينفق عليه. فقالوا له أخوه. قال: (هو أعبد منه). لهذا انطلق المسلمون الأوائل للعمل لأنه عبادة بالنسبة لهم. ٣٠" وقد روى أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وكلهم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم كانوا على سفر ومنهم الصائم والمفطر، فقام المفطرون بضرب الأبنية وسقوا الركاب ذهب المفطرون اليوم بالأجر) . ٣١ فللعمل في الإسلام مكانة كبيرة لهذا كان الحث عليه. فمن الأحاديث التي تحث على العمل وأنه عبادة قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ومسلم: (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس).٣٢" وقد ورد الحديث بلفظ آخر : لأن يأخذ أحدكم حبله على ظهره فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها فيكف الله بها وجهه، خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه . ٢٣٣ وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الطبراني: (من أمسى كالاً من عمل يده، أمسى مغفوراً له. وقوله: (خير الكسب كسب العامل إذا نصح).٢٣٤ كما قال صلوات ربي وسلامه عليه: (على كل مسلم صدقة، فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد ؟ قال : فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنهـا لـه صـدقـة)».٢٣٥ تدبر هذا التدرج في العمل في الحديث : فلم يقل صلوات ربي وسلامه عليه: يجلس مع الآخرين ويبتكرون أنواعاً من الابتهالات والأناشيد ويزدادون حزناً وأنيناً وبكاء ثم يغالون فيتصوفون فيرقصون أو يتشيعون فيضربون أنفسهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
۲۳۳
۲۳۷
ليس العمل عبادة فحسب، بل كلما زاد الفرد إتقان عمله ازداد ثوابه فمن المشهور بين الفقهاء اهتمام الإسلام بجودة العمل وإتقانه لأنه من الإيمان. فمن هذه الأحاديث الدالة على هذا مثلاً ما رواه البيهقي في شعب الإيمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه . ٣٦" وقال صلوات ربي وسلامه عليه: (إن الله يحب العبد المحترف). ٣٧ ومن الملاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب عمل المؤمن بيده إشارة إلى تفضيلها على الأعمال البيروقراطية كتلك الإدارية، فهي التي تأتي بالمنتجات. وبالطبع ليس المقصود العمل باليدين فقط، ولكن بالبدن سواء كان بالعقل أو باليد أو بالرجل فيما هو منتج. فعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب؟ قال: (عمل) الرجل بيده وكل عمل مبرور) ۲۳۸ وقد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يداً خشنة من كثرة العمل قائلاً: (هذه يد يحبها الله ورسوله).٢٣٩ وكما ستستنتج بإذن الله، فمع تطبيق الشريعة لأجيال واندثار الأعمال البيروقراطية سينخرط الجميع في إنتاج ما هو من العقول والأيدي. أي أنه لا بيروقراطيات أي لا مسؤولون خلف الطاولات على الكراسي، بل الكل ينتج إما في معمل أو مزرعة أو مصنع
أو منجم أو في السوق.
١٦٤٠ 🗏
ومن الآيات الدالة على أهمية إتقان العمل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. والإحسان هنا ميز عن التقوى. فالإحسان بالعمل يكون في كل ما يقوم به المسلم من منجزات ومنها عمله في كسب رزقه. وقد جاء العمل الصالح مقروناً بالإيمان في قوله تعالى في سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهنا إشارة واضحة إلى أن العمل الصالح يؤدي إلى الحياة الطيبة. وكيف يكون العمل صالحاً مؤدياً لحياة طيبة إلا إن أتقن؟ وهكذا كما ترى فإن الشريعة تحاول دفع الناس للمزيد من العمل بإتقان للمزيد من الربح وبالتالي للمزيد من الإنفاق لتلافي تعطيل الاستثمار وتعطيل الثروات الطبيعية. قال تعالى في منع تعطيل الثروات الطبيعية في سورة الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . فهذه الخيرات التي أودعها المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد في الأرض لن تتحول إلى مستهلكات طيبة إلا باستخراجها ثم تصنيعها. وهذا بحاجة للعمل بإتقان. وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. أي وكأن الآية تقول: إن منع الناس من الوصول للخيرات وبالتالي حرمانهم من صناعة الطيبات ليستهلكوها لهو اعتداء. وقال مستنكراً تحريم بعض الثروات الحيوانية في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقال تعالى في سورة الملك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وقال صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث الذي رواه أنس رضي الله حثاً على الاستثمار: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة). وبالطبع ليس المقصود التجارة فقط ولكن الاستثمار حتى لا ينقص المال.
٢٤٠
لقد مررنا في الفصول السابقة على الكثير من الشواهد التي تؤدي إلى أعلى استثمار ممكن للخيرات من خلال الحركيات. وأسرد لك بعضها أخى القارئ للتذكير: فمن هذه الحركيات إحياء الأرض، ومنها تضييق الإقطاع وكذلك سح سحب الإقطاع إن لم يكن المقطع له قادر على العمل، ومنها منع الإسلام للحمى، وهي منع السيطرة على أرض ما (وبالذات إن كان بها ثروات)، ومنها ملكية الثروات بجميع أنواعها لمن حازها كما رأينا في فصل «الخيرات»، ومنها إلغاء الوسيط الذي لا يضيف عملاً، ومنها منع بيع الحاضر للباد، ومنها منع الربوا بنوعيه، ومنها الانطلاق والإنتاج دون الحاجة لأي ترخيص، ومنها الزكاة، ومنها ملكية الماء بحيازته وبذل الفائض من حاجة الإنسان لمن استطاع (وسنأتي عليها في فصل «البركة» بإذن الله).
وهكذا من حركيات تشد بعضها بعضاً ليسمو المجتمع. وسمو المجتمع يعني أن جميع أفراده في حال أفضل. وهذا ما تؤكده الآيات. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ . لاحظ أن الإنفاق سيعود على المنفق بالخير في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾. وبالطبع فإن المقصود بالخير ليس خير الآخرة فقط، بل خير الدنيا أيضاً. فكيف يعود إنفاق زيد من الناس على نفسه أو على الآخرين بالنفع على زيد؟ لنضرب مثالاً ساطعاً معروفاً: إن لم تطبق الشريعة، أي إن لم
١٢ الفصل والوصل
١٦٤١
ينفق الناس وأغلقت أبواب التمكين، عندها فمن ولد فقيراً ولم يتمكن من اختراق الأنظمة والقوانين فسيبقى فقيراً. وإن سرق هذا الفقير فسيوضع في السجن. فما هو مجموع النفقات على الأمة إن جمعنا نفقات السجون والشرطة لحفظ الأمن والمحامين لإثبات السرقة وما شابه من نفقات؟ ومن أين تأتي هذه النفقات إلا من جمع الضرائب التي ستوضع على أفراد الشعب ومنهم هؤلاء الذين لم ينفقوا ؟ ثم بعد خروج هذا السجين من السجن سيعود في الغالب للإجرام مرة أخرى لأنه أصبح الآن أكثر فقراً مع سمعة سيئة يستحيل عليه معها الحصول على فرصة عمل. فليس أمامه ما قد يفقده إن نجح في سرقته الثانية إلا سد متطلباته الضرورية، لذا سيقدم على السرقة وبطريقة أبرع لأنه قد اكتسب خبرة وازداد تفكراً في تنفيذ جريمته. وهكذا يزداد أفراد المجتمع قلقاً. لقد بلغ عدد السجناء ١,٥٧ مليون سجين في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر نوفمبر عام ٢٠١٣م ، وهذا الرقم لا يشمل المحبوسين في سجون المقاطعات أو حتى السجون المحلية والملفت هو أن هذا الرقم يفوق عدد المهندسين الذين كانوا ١,٥٣ مليون، معلمي الثانوية العامة الذين كانوا ١,٠٥ مليون في نفس الفترة. وبالطبع فإن هذه النفقات تؤخذ
ويفوق أيضاً .
عدد
من السكان كضرائب.
أما إن قام الأفراد بالإنفاق على الغير وتمكن هؤلاء الفقراء الآخذون للنفقة واغتنوا لأن أبواب التمكين مفتوحة ثم أصبحوا هم أيضاً من الدافعين للنفقة لفقراء آخرين، عندها فإن نفقات السجون والشرطة وما شابه قد جذت من جذورها (هذا إن وجدت أصلاً)، وهذا في النهاية يخفف من نفقات الناس العامة بتخفيض الضرائب عليهم إن لم يكن المجتمع مسلماً، أو بانعدام الضرائب إن طبقت الشريعة، ناهيك عن إيجابيات استتباب الأمن التي ستشعر المنفق بالراحة في داره وطريقه وحيه ليزداد اطمئناناً وإبداعاً وإنتاجاً. أي صدق الله: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
فَلِأَنفُسِكُمْ﴾.
وبالطبع فإن المقصود من الإنفاق ليس على الآخرين فقط، ولكن إنفاق الفرد على حاجات نفسه كما ذكرت. فإن أنفق فرد ما فهو إنما يوسع من دائرة المستهلكات التي يجب أن تُصنع وهذا يتطلب التوسع في الإنتاج ما يؤدي لحاجة المصنع لأجراء أو شركاء (إن طبقت الشريعة) ما يخفف البطالة ومشاكلها المصاحبة. وفي هذا التخفيف منفعة للمنفق. والأمر ينطبق أيضاً على المعرفة التي تزداد بزيادة الإنتاج الآتي من زيادة الإنفاق. وهذه منفعة تعود للفرد مرة أخرى بسبب إنفاقه. ومثل هذا النفع الذي يعود على المنفق قد يراه الناس أحياناً بسهولة كمثال اللصوص السابق والأعباء المالية المترتبة عليه، وأحياناً تصعب ملاحظته. لنضرب مثالاً لنفع تصعب رؤيته ويرتد على جميع المنفقين إن طبقت الشريعة. إن مدينة الرياض كغيرها من العواصم تعج بالدوائر الحكومية التي تنتج البيروقراطيات التي تقيد المنتجين في جميع أرجاء السعودية. فوزارة الزراعة لا تزرع، بل تسيّر المزارعين بالأنظمة والقوانين والدعم المالي أحياناً، وكنت قد نقدت هذا الوضع في الفصول السابقة (وزارة الزير). فالذي حدث بكثرة الأعمال البيروقراطية في الرياض هو أن معظم الوظائف تعتمد على جلوس الموظفين خلف الطاولات وليس العمل باليد في المصنع أو المزرعة كما أن معظم من يعملون فيها هم من موظفي الدولة أو من موظفي الشركات والمؤسسات الخادمة لإدارة الدولة. وهكذا من أعمال بيروقراطية تدعم بيروقراطيات أخرى. وجميع هؤلاء بالطبع قليلو الحركة لأنهم يعملون في المكاتب، وبقلة حركة الموظفين انتشر مرض السكري لدرجة أن ٣٢٪ من المنومين في مستشفيات الرياض مصابون بمرض السكري. وقد أدخلوا المستشفيات إما لأسباب تخص السكري أو
١٦٤٢ 🗏
مشكلات صحية ذات علاقة بالسكري. هذا بالنسبة للذكور، أما الإناث فهم أيضاً قليلو الحركة، ذلك أنهن اعتدن على الخادمات. وما وقع هذا إلا لأن الأسر السعودية أكثر دخلاً مالياً من أسر دول أخرى لأن النفط اعتبر ملك للحكام ولمن حمل جنسية الدولة ما أدى لاستقدام العمالة من الشعوب الأفقر ونفس هذه الظاهرة منتشرة في دول الخليج النفطية التي لا يعمل أهلها، بل يعتمدون على الخدم في معظم أعمالهم حتى الإنتاجية منها في المصانع والمزارع التي تتطلب الحركة والتي يقوم بها عمال مستقدمون من خارج هذه الدول. لذا ارتفعت نسبة المصابين بالسكري في هذه الدول إلى %٢٤ بسبب قلة النشاط البدني. أليس في إشغال ثلث المرافق الصحية بمدينة الرياض بمرضى السكري إنهاك لميزانيات الصحة التي كان من الممكن أن توفر؟ ثم إن علمت أن المرافق الصحية في مدينة الرياض أفضل من جميع المدن الأخرى والقرى في بلاد الحرمين لأنها العاصمة، لأدركت حجم الخسارة السنوية على هؤلاء المرضى والتي ستزيد عن الثلث. أما في الدول الغربية فإن %٦٪ من الموازنة الكلية في الدول المتقدمة اقتصادياً» تنفق على علاج مرض السكري. وهذا أيضاً رقم كبير جداً.٢٤١
أصلاً
طقت،
والآن لنتخيل أن الدولة لم تمتلك الأموال من الخيرات وأن الخيرات لمن حازها، أي أن الشريعة قد عندها فإنه لا أعمال بيروقراطية كما مر بنا)، فكل أفراد المجتمع في عمل منتج، وعندما يعملون ويغتنون ثم ينفقون على الآخرين أو على أنفسهم ويزداد بالتالي الطلب على المنتجات في ظل وضع يفتح أبواب التمكين ويزداد بالتالي العاملون بأيديهم أكثر وأكثر ويتحركون في المصانع أو المزارع لكسب العيش، عندها ستنخفض نسبة المصابين بالسكري بسبب الحركة. وعندها فإن نفقات المجتمع الصحية ستقل فلمن تعود هذه الأموال التي لم تنفق على هذا المرض؟ بالطبع ستعود على عموم سكان الرياض ليزدادوا إنفاقا في شراء ضروريات أكثر، هذا إن وجدت عاصمة كالرياض وبهذا الحجم إن طبقت الشريعة لأنه كما مر بنا في فصل «ابن السبيل» فإن الناس سيتفرقون في الأرض حيث مواطن الخيرات، ولن تظهر مدينة كالرياض في موقع كهذا لا يدعم احتياجاتها. وبهذا فإن المنفعة التي عادت للسكان هي منفعتين مادية وصحية. هكذا يعود النفع على المنفقين أنفسهم. أي أن المنفق كسب منفعة وفّرت عليه نفقة. وبإمكانك التفكير في الكثير من الأمثلة ومن أشهرها الإنفاق في تعليم الآخرين. والآيات التي تشير لعودة النفع للمنفق كثيرة. تدبر قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فكيف يكون الإنفاق خيراً للمنفق إلا إن رجعت نفقته إليه بأكثر بكثير مما أنفق وتدبر قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ﴾.
ومن الأحاديث الدالة على عودة النفع للمنفق قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (ما نقصت صدقة من مال،٢٤٢ وكيف لا ينقص المال من الإنفاق على الآخرين إلا إن عاد النفع على هذا المنفق؟ وهذا النفع الذي سيعود إليه سيوفر له بعض المال. هذا بالإضافة كما هو معلوم إلى أن الحق سبحانه وتعالى قد يعطي المنفق مباشرة بتوفيقه في صفقاته التجارية مثلاً أو بطرح البركة له في داره أو أبنائه. فقد قال صلوات ربي وسلامه عليه: (قال الله عز وجل: أنفق، أنفق عليك . ٢٤٣ أعرف امرأة تخرج زكاتها كل سنة دونما تأخير، وعندما اشترت بيتاً في دولة أخرى بعملة تلك الدولة، وكان عليها إرسال القيمة بعد عودتها لموطنها دون أي تأخير، انخفض سعر صرف تلك
١٦٤٣
١٢ الفصل والوصل
العملة لعدة أيام فكسبت في هذه الصفقة مقدار زكاة مالها لسنة قادمة، ثم ارتفع . سعر العملة السعره السابق مرة
أخرى.
العكس.
وفي المقابل، عندما يكون الإنفاق بالإسراف والتبذير مع قفل أبواب التمكين فإن النتيجة هي تدبر قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فالآية تربط بين عدم الإنفاق وإلقاء النفس في التهلكة. فإن لم ينفق الناس فهم سيلقون بأنفسهم في التهلكة. كيف؟ إن العذاب الآتي من السماء أو من تحت الأرض ليس من صنع الناس، فإن أتى عذاب كهذا فإن الناس سيلقون فيه رغماً عنهم، أي أنهم لا يلقون هم بأنفسهم فيه. بينما النظم الاقتصادية التي هي من صنع العقول البشرية القاصرة، هي التي تركز على الادخار للاستثمار وليس على الإنفاق، وبالتالي فهي التي تؤدي لتركز الثروات في أيدي البعض فتؤدي للطبقية وما صاحبها من مفاسد (كما مر بنا)، وهذه تهلكة. وتؤدي أيضاً لإيجاد أسواق تزخر بالكماليات الفارهة لكسب أموال الأثرياء والتي ستؤدي للإسراف والتبذير وبالتالي الهدر في الاستهلاك لتتراكم الأمراض الجسدية والنفسية كما مر بنا وهذا إلقاء في التهلكة التي هي من صنع الناس.
وقال تعالى في سورة التوبة: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ . لاحظ وضوح العلاقة في الآية بين قبض اليد في الإنفاق وبين انتشار الفسق. فكما ذكرت مراراً، فإن قبض اليد عن الإنفاق يؤدي لتثبيط الاقتصاد فتنتشر البطالة وبالتالي يضطر هؤلاء العاطلون للانخراط في أعمال لا أخلاقية مثل بيع المخدرات والدعارة والتسويق لهذه الآفات. وهذا فسوق وقال تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. ففي الآية إشارة إلى أن الحسرة ستكون في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة لأنهم سيغلبون بعد الحسرة، وكيف يكون الإنفاق في الصد عن سبيل الله إلا إن كان بالإسراف والتبذير المؤدي للطبقية والتلويث والفسق وأخيراً لنتدبر قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فكيف يكون الوعد بالفقر إلا إن كان من خلال تخويف الناس من الإنفاق ما يؤدي لتثبيط الاقتصاد فيظهر الفقراء الذين سيُسخرون وقد يُستغلون في الفحشاء فيظهر الفساد والعكس من ذلك هو الغفران بعد الإنفاق وبالتالي الفضل الكبير في الدنيا والآخرة.
وبعد هذا قد تكرر السؤال: كيف يأتي الازدهار الاقتصادي إن طبقت الشريعة دون استثمارات كبيرة الحجم ولكن بالتركيز على الإنفاق. ولعلك تضيف: أليست أموال الاستثمار إلا أموال جُمعت من الإنفاق؟ وللإجابة أقول: لنتذكر ما مر بنا في فصل «الشركة» من أن الإنتاج يأتي في الغالب من شراكات لمنتجات ذات أحجام تعكس أكبر تجمع للأفراد كشركاء حول منتج ما دون خلافات . بينهم. وكما مر بنا أيضاً، ولأن بعض الصناعات كالسفن مثلاً تتطلب تجميع عدد كبير من المنتجات الأصغر، ثم الأصغر، وهكذا، فإن الاستثمارات لإيجاد مثل هذه الشراكات لهذه المنتجات لا تتطلب المبالغ الهائلة للاستثمار كما هي حالنا اليوم، بل تتطلب القليل من الأموال مع الكثير من الموارد المتاحة دون الحاجة للمال. ولأنه لا حاجة للموافقات أيضاً، ولا حاجة للمال للحصول على المعرفة لأنها مشاعة هي أيضاً، فإن الحاجة لرأس المال ستنخفض جداً. وبهذا فإن القليل المتراكم من مشتريات الناس نقداً
١٦٤٤ 🗏
أو من المنتجين الآخرين بالتوثيق المتبادل . عند سيجتمع . الصانع ليوسع صناعته بالاستثمار فيها. وبهذا فهو ليس بحاجة لرأس مال كبير للبدء في الاستثمار أو لتوسيع استثماره بقدر حاجته للموارد غير المالية المتاحة. فلا غرابة إذاً إن لم تظهر نصوص تحث على الادخار في الشريعة، بل قدّم الإنفاق. ولم توجد كلمات في الشريعة لتعبر عن التنمية الاقتصادية، ولكن هنالك تعابير تشير لأهمية همة وحركة الفرد للعمل مثل العمارة والإحياء والإنتاج بالعمل باليد. فكلمة «استثمار» ليست منتشرة في فقه المعاملات مثل انتشار كلمة الإنفاق. وقد وضع الدكتور رفيق المصري أثابه الله الكثير من الأدلة التي تثبت حث الشريعة لتعظيم الأفراد لمواردهم حتى تنمو. فالتعظيم مثلاً يقصد به التعظيم للمنفعة للمستهلك والتعظيم للربح عند المنتج والتعظيم للعائد عند المستثمر للمال أو الأرض. ومما وجده رفيق المصري أثابه الله أيضاً كلمات تعبر عن التعظيم في كتب السلف منها: التوفير والتناهي وطلب الغبطة والحظ والأحظ والأحظى والريع والاستقصاء.٢٤٤ لكن لاحظ بأن جميع هذه الاستثمارات هي استثمارات لأفراد وليست أموال رصدت من جهات كبرى كالدول أو الشركات لبدء مشروع كبير.
وبالطبع ستسأل: وماذا عن المشروعات الكبرى؟ هذه أيضاً يستحب لها أن تتفتت كما ذكرت في مثال «الأنبوب». إلا أن هذا لا يعني أبداً عدم تجمع . عدد كبير من الشركاء كل بجزء من ماله لجمع الكثير من المال لمشروع كبير. فهذا قد يقع إن أتى شخص برؤية لمشروع اغتنامي وتمكن من إقناع الآخرين للشراكة وجمع المال للمشروع، وهذا تمييز مهم أرجو التنبه له لأنه يؤثر في العدالة في التوزيع والكفاءة في الإنتاج والتنمية المستدامة كما
مر بنا في عدة مواضع. كنت قد ذكرت سابقاً بأن الإنفاق ليس من الحركيات، إلا أن الشريعة ستجعله من الحركيات بتغيير القناعات إن طبقت مقصوصة الحقوق. كيف؟ لأضرب أولاً مثالاً توضيحياً عن كيفية تجذر القناعات عند الناس حتى وإن كانت ضالة. ففي تكريه فقهاء الشيعة لأتباعهم لأفضل الخلق بعد الأنبياء، أي لأبي بكر الصديق رضي الله عنه خير مثال. وللتوضيح أقول : كما حاولت أن أثبت في الفصول السابقة، فلا مصدر لجني المال إن طبقت الشريعة إلا بالكسب من العمل أو الأخذ ممن ينفقون طوعاً منهم. ولكن بعد الديوان تغير الحال، فصار الأخذ من الناس على نوعين: الأول من غير حق ويُظن أنه حق للآخذ، كالمرتبات الشهرية للجند (وكما مر بنا فإن العمل العسكري عبادة وليس وظيفة). الثاني ما يُعطى للفرد طوعاً من المنفقين وباختيارهم. وفي هذه الحالة فالآخذ يدرك جيداً أن ما أخذه ليس حقاً له وأنه قد ينقطع. فعندما ينفق ثري أموالاً لإنشاء مسجد مثلاً فإنما . هو يفعل ذلك طوعاً، فقد يبني بجانب المسجد دكاناً لتأجيره ليعيش من ريعه المؤذن. فما أخذه المؤذن ليس فرضاً على الناس ولكن بتطوع هذا المنفق وفي هذا الموقع فقط ، وقد يتكرر في مواقع أخرى من منفقين آخرين، وقد يُستبدل المؤذن بآخر. أما إن كان لهذا المؤذن أو الإمام أخذ المال من الدولة رغماً عن الناس فهو من النوع الأول.
وكما مر بنا في الفصول السابقة بحمد الله، فإن الصراط الذي وضعته الشريعة يعتمد على النوع الثاني في العطاء في الأعمال الخيرية والخدمات الأوقاف مثلاً)، وبهذا فإن جميع أفراد المجتمع يجنون الأموال من كدهم وجهدهم وعملهم إلا إن لم يكونوا قادرين على العمل كالعجزة فلهم الزكاة، هذا بالإضافة للقليل جداً من القادرين على العمل من الذين لهم مخصصات كالذي كان للرسول صلى الله عليه وسلم من الفيء والذي لم ينفقه على نفسه بل على الآخرين والذي خصص بعد موته لبعض المناصب كالخليفة والقاضي. أي أن الشريعة ضيقت
١٢ الفصل والوصل
١٦٤٥
العامة
جداً فرص إضاعة المال. فلا مال إلا بعمل أو بمنح من المنفقين. وبهذا سيضطر جميع الناس للاشتغال بإنتاج المستهلكات والخدمات. فهذا يزرع، وذاك يخرج الخيرات من باطن الأرض، وهؤلاء يصنعون، وأولئك يدرسون أو يطببون، وهكذا. فلا مجال للعيش من الأعمال غير المنتجة أبداً كما حاولت أن أثبت مراراً وتكراراً في الفصول السابقة. وبهذا تزداد الأمة قوة اقتصادية لأن الكل منهمك في تحصيل عيشه بالإنتاج، فتتراكم السلع والخدمات. عندها سيفيض المجتمع بالخيرات. ومن هذا الفائض من خلال الإنفاق سيقوم الناس «طوعاً» بدعم متطلباتهم كالإنفاق على تنظيف المدينة أو الحي أو الإنفاق على الأيتام والعجزة أو الإنفاق على دعم العمل الحربي بتجهيز جندي أو دفع المال لمن يصنع الدبابات أو الطائرات. ولهذا فإن جميع هذه الأعمال التي تعتمد على الإنفاق (من النوع الثاني) تبقى دائماً تحت أنظار المنفقين، فإن أبدع الآخذون للمال، فسيستمرون في الأخذ، وقد يأخذون أكثر وأكثر دعماً لنجاحهم إن أثبتوا مقدرتهم. أما إن لم يُحقق الآخذ للمال الهدف من المال المنفق عليه، فسيفقد مباشرة الدعم المالي مستقبلاً. ولهذا ستزداد الكفاءة في الإنتاج ويضمحل الهدر. فإن قرر مثلاً فرد فذ مقدام إنشاء مصنع دبابات مع مجموعة من رفاقه وقرر بعض أئمة المساجد دعمهم من خلال الخطب وتمكنوا من جمع المال لهم من عدد من المنفقين ليبدؤا مشروعهم، فإن نجحوا فسيستمرون للمزيد من النجاحات بالمزيد من الدعم من أكبر من الناس لأنهم أثبتوا كفاءة منتجهم. أما إن لم ينجحوا فإن المال سينقطع عنهم مباشرة. وإن تفكرت بمثل هذه الأمثلة ستصل إلى قناعة بأن كل ما يحتاجه المجتمع من خدمات سواء كانت تعليمية أو طبية أو بحثية هي تحت أنظار المنفقين للتقويم. فما ثبت نجاحه سيستمر، وما لم يثبت سيُقطع. وكأن الشريعة بهذا وضعت نظاماً يُخضع جميع الآخذين للتمحيص المستمر لتزداد الكفاءة. وبهذا فإن كل دينار سيعود على المجتمع بالنفع المضاعف. وهنا لابد من توضيح تفصيلة ألا وهي أن الإنفاق يشمل أيضاً الخدمات التي يضطر الناس لشرائها، مثل حاجة المريض للطبيب والتلميذ للمدرس، هذا بالإضافة للأعمال الخيرية مثل الإنفاق على دور العجزة والإنفاق على ما يظن الرواد في المجتمع بأنه ضرورة لتقدم المجتمع وبحاجة لدعم مالي وخارج حاجة الأفراد المنتجين، مثل طبيب يريد أن يوجد علاجاً لمرض بدأ بالانتشار، أو مهندساً يريد أن يوجد بدائل نظيفة للطاقة بالأبحاث، أو من وجد حلاً يوفر للإقليم إلا أنه بحاجة للمال ليثبت نظريته، وهكذا. وهذا بالطبع بالإضافة للإنفاق للفقراء أو للمحتاجين ليبدوا حياتهم الإنتاجية.
الماء
منهم
وليس رغماً .
عدد
أي باختصار، فإن المجتمع المسلم إن طبقت الشريعة سيؤدي لمجتمع الكل فيه عامل منتج، فلا مجال للكسب إلا (۱) بالعمل أو (۲) بالأخذ من المنفقين الذين ينفقون طوعاً . عنهم. وبهذا يبقى الآخذون للنفقة تحت أنظار المنفقين فترتفع الكفاءة. أما في النظم الوضعية كما هو معاش، فهناك الكثير ممن يعملون دونما إنتاج فعلي ويأخذون الأموال رغماً عن أفراد المجتمع كالبيروقراطيين من موظفي الحكومات لأن النظام يعتمد على إظهار هذه الوظائف على أنها ضرورة، وبالتالي فإن هؤلاء الموظفين يُصوّرون على أنهم يستحقون المال. هنا في هذه الجزئية المهمة حدث الخروج عن الشريعة باستحداث استحقاقات لم توجد شرعاً وأوجدت «قناعات» مضللة أدت للتخلف. كيف؟
تذكر ما قاله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصف من قيل عنهم بأنهم المتوكلون، فقد قال رضي الله عنه: «كذبوا، هم المتآكلون الذين يأكلون أموال الناس بالباطل». ثم قارن هذا بقوله تعالى في سورة التوبة:
١٦٤٦ 🗏
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . تلحظ التشابه بين ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين مضمون الآية. ذلك أنهما يصفان وضعين متشابهين، ولكن بحدة أو بدرجة مختلفة. فالآية تتحدث عن الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل. وكيف يقع هذا الأكل بالباطل إلا من خلال أخذ هؤلاء الأحبار والرهبان لأموال الناس دون وجه حق ؟ أي أن الأحبار والرهبان لا ينتجون سلعاً أو خدمات ليقايضوا بها الناس، بل يأخذون أموال الناس بخداع الناس بأن ما يقدمونه لهم من دجل هو خدمة تستحق المال. فتكون المقايضة هي الكذب مقابل أموال من يعملون وينتجون. وهؤلاء الأحبار والرهبان لا يكتفون بأخذ ما يكفيهم فقط، بل بسبب شراهتهم وخوفهم من الفقر يأخذون أكثر مما يكفيهم لدرجة أنهم يكنزون الفائض عندهم ما يؤثر في الحركة الاقتصادية. ولعل أنصع مثال لهذا هو ما اكتنزه البابوات في الفاتيكان والذين نهبوا أوروبا في العصور الوسطى ووضعوها في تخلف وجهل وفقر.
الضخمة
هذا الوصف مشابه تماماً، ولكن بدرجة أقل، لما يقع في أيامنا هذه من الكثير من المسلمين ممن يدعون أنهم من الشيوخ والعلماء والفقهاء الذين يعيشون على تقديم الدين كخدمة تستحق الأخذ من الناس «وبحق كما يظنون»، وبالذات الأخذ من الحكومات والسلاطين. كيف؟ لعلك لاحظت تميز بعض الفقهاء والعلماء والشيوخ على مر التاريخ بألبستهم التي تميزهم عن الناس، تماماً كما فعل الأحبار والرهبان. فكانت العمائم والمنمقة، والجلابيب والمشالح المشغولة المميزة. فهل كان فقهاء السلف بهذا التميّز في اللبس؟ كما هو معلوم، فلم يتميز فقهاء السلف عن الناس تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم. فقد كان الأعرابي يأتي إلى الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم بينهم فلا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يقول: «أيكم محمد؟». فالتميز يعطي الطبقة التي ميزت نفسها ميزات قد لا تستحقها. فالتميّز ليس في اللبس فقط، ولكن في الحقوق أيضاً. وما اللبس إلا رمزاً لها. فمعظم هؤلاء المميزون من الفقهاء لهم مخصصات شهرية من الدولة، وفي هذا أكل لأموال الناس بالباطل.
كيف؟
لم نسمع أو نقرأ بأن فقهاء السلف كانوا يأخذون المرتبات الشهرية. فلم يكن لعبد الله بن عمر أو لعبد الله بن العباس أو لأبي هريرة أو لأي من الفقهاء رضي الله عنهم ومن صاحبهم أو أتى من بعدهم مالاً مخصصاً من الخليفة لأنه عالم أو ليبيع به العلم. ولم يكن لمن أذن في المسجد أو أتم الناس مبلغاً مخصصاً ليبيع فيه صوته لإقامة الصلاة أو لإمامة المصلين. بل كانوا جميعاً أصحاب مهن يعتاشون منها أو أصحاب أملاك يؤجرونها ويعيشون منها. لهذا كانوا مستقلين بآرائهم ولم يكونوا تحت سيطرة السلطان حتى وإن كان لهم نصيب من الفيء من خلال الديوان (والذي دحض سابقاً)، فقد كانوا مثل غيرهم من الناس. ولعل أنصع مثال لهذا الإمام الزاهد أحمد بن حنبل رحمه الله الذي عاش على القليل من ماله.
ولكن الذي حدث هو أن بعض أفراد هذه الطبقة سُخَّروا لخدمة السلاطين لأنهم يقتاتون على الأعطيات، وفي هذا آفتـان: الأولى أنهم يبررون ما يراه السلطان وما يفعله حتى وإن خالف الشرع في أسوأ الأحوال، أو
يسكتون عما يفعله في أفضل الأحوال والثانية هي أنهم أفراد يستهلكون أكثر مما ينتجون للمجتمع. هذا عند أهل
السنة والجماعة، أما الطوائف الأخرى فوضعها أسوأ بكثير. فقد نهب علماء الشيعة خمس أموال الناس بالباطل.
٢٤٥
١٢ الفصل والوصل
١٦٤٧
وليستمروا في نهبهم الناس أكثر وأكثر ليستمتعوا في حوزاتهم العلمية بالهرج والدجل ودونما أدنى عمل منتج، أي أنهم فعلوا تماماً كالأحبار والرهبان من خلال نشر الغلو في كراهة عائشة وحفصة وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. فعندما تستشعر طائفة ما أنها الأقل قوة كما هي حال الشيعة مقابل السنة، وعندما تثار مشاعر الحب والحقد عند أتباع الطائفة وتأجج، فلن يتردد الأتباع من بذل المال للدفاع عن عقيدتهم. هكذا يزداد أكل أموال الناس بالباطل سعيراً. فلا فرق بين كربلاء والفاتيكان كلاهما بنيا بأكل أموال الناس بالباطل. وهكذا باقي الطوائف من بهائية وغلاة صوفية وما شابه. كل طائفة لها طبقتها التي تستهلك ولا تنتج. لهذا، وإن تمكن النظام الشيعي من الحكم فلن يزدهر مجتمعهم اقتصادياً أبداً لأن الخمس المأخوذ من المنتجين كافي لتحويل إدارة الدولة إلى فساد متراكم
هذا كان لابد عليهم من إضلال الناس أكثر وأكثر ليتبعهم الناس أكثر وأكثر لينفق عليهم
كالاشتراكية.
تذكري هذا أختي القارئة وأخي القارئ دائماً: كلما رأيتما عالماً أو شيخاً أو فقيهاً أسألا نفسيكما: من أين يأتي بالمال ليعيش؟ فإن كان من غير كده أو غير مال ورثه فإنما هو في الغالب إما ضال أو دجال. فمن يعملون في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأجر شهري إنما هم ضالون في هذه الجزئية برغم أن أكثرهم من الصالحين بإذن الله ولنسأل الله لهم الهداية. أما من يأخذون الأموال من الحكومات ويصدرون الفتاوى إنما هم أضل وأغوى مثل الشيخ علي جمعة الذي أفتى بقتل المتظاهرين في أرض الكنانة وهو من الأزهر، أو مثل فقهاء الخليج الذين يفتون في أيامنا هذه بعدم الخروج على الحكام مهما ظلموا مبالغة في تفعيل ما ذهب إليه الإمام أحمد الذي لم ير الخروج على الحاكم الظالم إن كان مسلماً مقابل ترك ما ذهب إليه باقي الأئمة الثلاثة. إلا أن ضرر هؤلاء أخف بكثير من الدجالين الذين يُضلون الناس في عقائدهم والذين يأكلون أموال الناس بالباطل من فقهاء الشيعة والبهائية والعلوية والإسماعيلية وما شابه من طوائف. فقد قيل بأن زعيم الطائفة الإسماعيلية كان فيما مضى يوزن ذهباً كل سنة. فهو يأخذ المال دونما أي إنتاج. ورأيت تقريراً عمن يدعون أنهم أولياء وعلماء في الباكستان والهند من آل البيت ممن تُقدّم إليهم الهدايا والأموال وهم فقط يقومون بالدعاء لهذا الذي دفع لهم المال. لقد أصبح الدعاء سلعة تشترى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه الطبقات التي لا تنتج سلعاً أو خدمات نافعة، بل تنتج دجلاً وكذباً يخدر الناس، هي من أسباب تخلف المسلمين. لكن إن طبقت مقصوصة الحقوق وانشغل الناس في الإنتاج وانحسر الفقر وتقدمت المجتمعات في شتى العلوم وانحسر بالتالي المرض والجهل سيفقد هؤلاء الدجالون مصداقيتهم ولن يأتي إليهم الفقراء والجهلاء، وبهذا تنتفي بإذن الله هذه الطبقات التي تعيش على إنتاج الغير وأكل أموالهم بالباطل. وبهذا ستذوب هذه الطوائف لتعود لأهل السنة والجماعة بإذن الله.
أي أن السبب الأهم لظهور هذه الطوائف هو الخروج عن الشريعة في مقصوصة الحقوق، فتمكن بعض الناس من الكسب دون عمل منتج ومن ثم تفرغوا للمزيد من الدجل. هذا السابق عن العلماء والفقهاء مثال عن تأثير القناعات في المجتمعات عندما لا يُوجه الإنفاق في الإنتاج، بل يُنفق على الذين لا ينتجون والذين قد يطغون بهذا المال الذي لم يكدوا في تحصيله كما فعل (فرعون)، وبالتأكيد سيستحدثون مزيداً من الوسائل للحفاظ على استمرار تدفق المال إليهم كما يفعل السلاطين وبعض أعوانهم من الفقهاء. وهكذا تتولد القناعات المدمرة
للاقتصاد. كيف؟
١٦٤٨ 🗏
لعل أكبر إشكالية تواجه تطبيق مقصوصة الحقوق على أرض الواقع هي هذه القناعات التي زرعت في عقول الناس كما نجح فقهاء الشيعة في زرع الكراهة في قلوب أتباعهم لأفضل رجل في أمة محمد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أي لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. هذا مثال ناصع في العقيدة، أما الأمثلة الحقوقية والاقتصادية فهي كثيرة، وهي موضوع هذا الكتاب. وسأذكرك الآن بواحدة فقط، ألا وهي المواطنة لتوضيح تأثير القناعات على التخلف إن العالم الإسلامي كما هو معلوم مقسم إلى دول زرعت في عقول مواطنيها حقوق المواطنة. وهذا من أهم بذرات التخلف كما مر بنا في فصل «ابن السبيل». فالحياة برفاهية بالقليل من العمل لهو مثلاً حق مشروع في نظر معظم سكان الدول النفطية. فهؤلاء يريدون من الدولة حل كل شيء لهم. فهم يتذمرون بالقول: لماذا لا تتدخل الدولة لإنشاء طريق لمصنعنا؟ ومنهم من هو على قناعة بأن له الحق في امتلاك دار دونما أدنى عمل منه برغم قدرته على العمل، لأنه على قناعة أن الدار حق مكتسب له. أي امتلاك دار دونما أي إنتاج، برغم أنه لا وجود لما يثبت هذا الحق في الشريعة. وهكذا ظهرت طوائف من الأمة تعيق عزة الأمة. فهي طوائف لا تنتج كما يجب، بل تريد الأخذ دون عمل. فكيف نغير فكر هؤلاء؟ كيف تستطيع أن تُقنع كويتياً بأن اليمني له نفس الحقوق في الكويت؟ فهذا مستحيل لأن الكويتي لا يمكن له أن يرى أن تطبيق الشريعة التي تساوي بينه وبين المصري في الحقوق (ناهيك عن الباكستاني)، ستعود عليه وعلى أبنائه بعزة أكبر بكثير من حاله الآن إن طبقت الشريعة. لقد ترعرع الناس على مفاهيم خاطئة عن الحقوق. فهم يظنون أن أموال النفط حق للدولة التي عليها أن تعدل في التوزيع بين المواطنين. وهذه الفكرة في حد ذاتها خاطئة كما مر بنا. فهؤلاء النفطيون يريدون العيش دون إنتاج بسبب هذه القناعة. لذا ظهرت أجيال مترفة ولا تتألم من الذل الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم، بل وبكل هذا الرغد المادي ترى الفقر ماثلاً أمام عينيها وتريد الخروج منه بقطف أكبر ما تستطيع من ثمن النفط. وإن ذكرت كويتياً باجتياح جيوش صدام في التسعينات من القرن الماضي وما كانوا فيه من تشرد وأنه لابد من أمة واحدة لينام الجميع آمنا في سربه، لقال لك بعضهم، ولكن لا يجب أن يكون هذا على حسابنا في الكويت. ألا يقلق سكان الخليج العربي الآن من احتمال غزو شيعي بسبب هذا الضعف الناتج عن عدم تطبيق مقصوصة الحقوق؟ لقد تغيرت قناعات هؤلاء من قيم تبحث عن العزة إلى قيم تبحث عن المادة. لقد أصبح ما تحت الأرض حق مكتسب لهم. تماماً كما يعتقد الفقهاء بأن أخذهم للمال كعلماء هو حق لهم. فإن كان هذا حال معظم العلماء، فلا لوم إذاً على العامة. وإليك بعضاً من أسماء المؤسسات التي تدعم هذه القناعات للفقهاء وفي أكثر الدول تطبيقاً للإسلام: فكل من يعمل في هيئة كبار العلماء، وكل من يعمل في وزارة الشؤن الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وكل من يعمل في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، كل هؤلاء علماء كبار ويأخذون أموالاً دونما إنتاج. لا، بل وغالباً ما يسكت أكثرهم عن الحق. فهم مثلاً يدعون على بشار الأسد الجزار القذر ويسكتون عن السيسي الخائن خضوعاً لسياسة دولتهم التي آزرت الانقلاب العسكري في مصر ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي. فتجدهم مثلاً في الخطب على منابر المساجد ينظمون الحملات وبشراسة ضد قيادة المرأة للسيارة ويسكتون عن الربوا الذي انتشر في المجتمع. وشتان بين الحالين. فهل من وجه مقارنة بين القيادة التي حاربها هؤلاء العلماء بدعوى دفع الضرر وإحدى الموبقات السبع التي شدد في تحريمها القرآن الكريم مراراً وتكراراً؛ فالدولة أباحث الربوا رغماً عن الفقهاء فسكت معظمهم برغم أن درهم ربوا أشد من ثلاثين ،زنية، وهناك المليارات من الدراهم التي وعليك الحساب. فلماذا السكوت عن الربوا والوقوف كالأسود أمام قيادة المرأة للسيارة؟ إنه الخوف ممن يدفع المال
تأخذ
الفوائد.
١٦٤٩
١٢ الفصل والوصل
ليستعبد الآخذ. ولكن الخير في بعضهم بإذن الله كثير لأن منهم من هو مضطر لأخذ المرتب المالي لأن أبواب التمكين قد أغلقت على المجتمع، ومنهم من حارب الربوا بشدة، إلا أن محاربتهم للقيادة تفوق أضعاف أضعاف محاربة بعضهم للربوا. لقد اشترك الجميع في تقبل هذه القناعات الزائفة عن الحقوق سواء كانوا حكاماً أو محكومين أو رؤساء أو مواطني دول مجاورة. حتى سكان الدول الفقيرة يحترمون هذه الحقوق برغم خطئها شرعاً ناهيك عما أدت إليه من دمار اقتصادي للأمة. هكذا زرعت مفاهيم يصعب تغييرها. وسيأتي بيان كيفية التغيير في فصل «الحكم» بإذن الله.
لكن ما علاقة الإنفاق بتجذر هذه القناعات الخاطئة بالتمكين؟ إن تغيرت هذه المفاهيم عندها فلا إنفاق إلا على من يثبت أنه سيعيد للمجتمع أكثر مما يأخذ منه كأولئك الذين يجتهدون في اكتشاف وصفات العلاج. أي ليس کهؤلاء الذين يستهلكون ولا ينتجون كعلماء السلاطين. وعندما يزداد وعاء الإنفاق سيقل زمن الوصول للتمكين الاقتصاد بأقل نقد ممكن وبأعلى دوران ممكن لأن الآخذين للمال سرعان ما سينفقونها في الضروريات
وذلك بتسريع
لحاجتهم
هي
للقليل من
الماسة لها، وبهذا يصبح الإنفاق حركية. كيف؟ كما حاولت أن أثبت، فإن حاجة الاقتصاد المال لمن لا مال لهم ليتحرك الاقتصاد. وهذا هو دور الزكاة. إلا أن الإنفاق برغم كونه من القيم لأن الناس غير مرغمين عليه، إلا أنه بهذا الحث للشريعة على تلافي الكنز، وبهذا الحث على الزهد بمفهومه الصحيح، وبهذا الحث الشديد على الإنفاق في ظل مجتمع سام يطمئن فيه الناس على أنفسهم إن هم خسروا أموالهم لوجود الزكاة، كل هذا سيزيد من نسبة المنفقين من الناس على (۱) الآخرين وعلى ( أنفسهم. حتى وإن كانت نسبة هؤلاء المنفقين ضئيلة جداً، فهم مع «المزكين» سيوسعون من نسبة الأفراد المستهلكين للضروريات. وهكذا تبدأ حركة الاقتصاد بالتوجه لإنتاج الضروريات. ومتى ما تحركت استمرت لأن الحركيات تشد بعضها بعضاً كما وضحت. ذلك أن بعض هؤلاء الآخذين للمال سينطلقون في الإنتاج لأن أبواب التمكين مفتوحة، وبهذا تزداد مبيعات الضروريات على حساب الكماليات الفارهة ولو قليلاً. ومع هذا النقصان القليل في الكماليات الفارهة فإن إنفاق بعض الناس على أنفسهم لن يتسم بالإسراف أو التبذير لأن ما في الأسواق من كماليات فارهة قد نقص. وهذه دائرة إضافية من الحركيات التي تشد بعضها بعضاً بدفع أفراد المجتمع للتقليل من الإسراف والتبذير. فلن يجد ثري مثلاً من يعمل له في يخته الفاخر الضخم إلا بأجر مرتفع لأن الناس عادة ما يفضلون العمل لأنفسهم سعياً لحياة أكثر كرامة إن كانت أبواب التمكين مفتوحة لهم، وبهذا النقصان في الزبائن سينقص صناع هذه اليخوت الفارهة الكبيرة جداً. وبالتدريج ستصغر اليخوت جيلاً بعد جيل بقلة العاملين في خدمة الغير كأجراء. أي ستكثر اليخوت الأصغر بسبب كثرة المتمكنين مالياً ولكن بانتشار يخوت أعلى سرعة وأكثر أمناً وبإتقان ،وجمال، أي أن هذه اليخوت ستكون في متناول الكثير من الناس. وفي النقيض، فمع العولمة المؤدية للثراء الفاحش نرى اليخوت تزداد زخرفة وبريقاً وحجماً وبالتالي بحاجة للمزيد من الأيدي العاملة الأكثر مهارة والأكثر أجراً، وبهذا تصبح هذه اليخوت نادرة ومن نصيب الأكثر مالاً كالمتنفذين الذين لا ينتجون.
أي هكذا من دورات تزداد مع الإنفاق سرعة في الوصول لمجتمع مكتفٍ عزيز متمكن دون إسراف أو تبذير إن طبقت الشريعة. أي كلما زادت نسبة المنفقين نقص الزمن المطلوب للوصول لمجتمع عزيز قوي، لأن المال المأخوذ كنفقة سينفق سريعاً على الضروريات لحاجة الناس له، فلا انتظار ولا تردد عند الفقراء لشراء
- 🗏
الضروريات كشرائهم للكماليات، وبهذا يدور المال أسرع وأسرع (تذكر معادلة فردما في الحديث عن الزكاة). إلا أن المجتمع سيصل في جميع الأحوال للعزة إن هو طبق الشريعة حتى وإن لم ينفق الناس، لأن الزكاة لوحدها كافية. وحتى إن لم يدفع الناس الزكاة وهذا بالطبع مرفوض لأن الزكاة ركن، فإن فتح أبواب التمكين (الموارد والموافقات والمعرفة لوحدها كافية، غير أن سرعة الوصول للعزة ستكون أبطأ إن توقف الإنفاق ومنعت الزكاة. وهكذا بالتدريج يتغير المجتمع بإذن الله وبركة الله.
وكما مر بنا في الفصول السابقة، فإن في أخذ طائفة من الناس للأموال دونما إنتاج كالفقهاء والبيروقراطيين تثبيط للاقتصاد. فالبيروقراطيون يضعون الأنظمة المثبطة، والفقهاء لا يعترضون عليهم، بل وبعضهم يبررون الأنظمة الظالمة بالفتاوى كما مر بنا في العديد من الأمثلة، ناهيك عن أنهم يستهلكون دونما إنتاج. وقد نجحت الحكومات في استمالة ضعاف النفوس من الفقهاء وقربتهم بالأعطيات وجعلتهم الأعلى صوتاً إعلامياً ووضعتهم في مناصب هامة كوزراء ومفتين. فإن حررنا الناس من الأنظمة المثبطة واتبع الناس الشريعة فإن الإنتاج سيزداد دونما تلويث، وإن منع المجتمع الإنفاق على من لا ينتجون ستزداد الكفاءة، وبهذا تزداد سرعة الوصول للتمكين. لكن لاحظ في جميع السابق أن النمو الاقتصادي هو تراكم إنفاقات الناس، أي ليس بتدخل الدولة أو بإنشاء مشروع استثماري من بنك أو شركة كبيرة. ولأن الإنفاقات كثيرة وصغيرة هنا وهناك، ولأن المشروعات الناجحة لا تعتمد على رأس مال كبير بقدر اعتمادها على الموارد المتاحة من مواد خام ومعرفة وشركاء عاملين، فإن الحاجة للنقد للتمكين ستضمحل. وهكذا فإن الإنفاق يأتي بالتمكين والعزة. لاحظ أيضاً أن هذه الإنفاقات ولأنها متفرقة فإن احتمالات ظهور مستويات ظلم أمر نادر، بل إن حدث خلاف بين المنتجين فهو في نقاط بحاجة للقضاء، وقد ذكرت في أول الفصل مزايا هذه الحالة.
والذي يزيد من الإنفاق تسريعاً للوصول للعزة هو استشعار الناس للعزة لأنهم يعايشونها، وهذا الشعور سينشر ثقافة أن الإنفاق هو طريق العزة فتتغير القناعات. عندها إن فهم الناس هذه المعادلة التي تنص على أن في الإنفاق الخاص مصلحة عامة تعود على المنفق بالنفع، فإن هذا الفهم سينقل الإنفاق من القيم إلى الحركيات. وما يجعل الإنفاق من الحركيات أيضاً هو كثرة عدد المنتجين. فبالتأكيد سيتأثر بعضهم بآيات وأحاديث الحث على الإنفاق وينفقون. وهكذا ومع الزمن ستتقارب القوة الشرائية للناس وتتشابه المقتنيات جودة (وليس نوعاً). فكما ذكرت، ستكون هنالك آلاف الأنواع من الساعات مثلاً ولكنها جميعاً بجودات عالية برغم اختلاف تصاميمها. وبهذا التقارب في المقتنيات ينحسر الكبرياء والتفاخر بين الناس، عندها ستتآلف القلوب وتنتزع الضغينة من النفوس. أي أن الزكاة مع الإنفاق سيولدان الألفة والمحبة بين الناس. ثم تبدأ دورة أخرى: فبزيادة المحبة يزداد الإنفاق لتزداد حركة الاقتصاد سرعة وإنتاجاً بعمل أقل من الناس لأن المعرفة في تقدم ولأن موارد الأرض أكثر من كافية كما وضحت في فصل سابق. وهكذا من دورات بسبب الحركيات التي تشد بعضها بعضاً.
كنت قد طرحت سؤالاً عن كيفية توجيه الشريعة الناس للابتعاد عن الإسراف والتبذير دون تسلط خارجي، والآن نستطيع الإجابة بأن هذا يحدث بتجفيف الأسواق من الكماليات الفارهة جيلاً بعد جيل إن طبقت الشريعة. فلن يجد من أراد الإسراف أو التبذير ما يعينه على ذلك كما مر بنا في مثال اليخت. كما أن الإنفاق المؤدي حالة لاقتصاد قوي سيوجد الطمأنينة بين الناس بعدم الخوف من الفقر، وبهذا سيزدادون جرأة في الاستثمار
من
١٢ الفصل والوصل
١٦٥١
ويستحدثون أبواب اغتنامية جديدة بشراكات أوسع. هكذا ينتعش الاقتصاد أكثر وأكثر بفتح آفاق أكثر للإنتاج سواء بمواقع جديدة للمواد الخام أو بشراكات جديدة لمنتجات مستحدثة وما شابه من نشاطات منتجة. وكما سيأتي في فصل «البركة» بإذن الله فمع سمو المجتمع واطمئنان الناس مالياً سيزدادون كرماً وعطاء. فأنا لم أتطرق هنا أبداً إلى الكرم الذي شهده التاريخ البشري من بعض المسلمين. فالكرم يزداد قوة بالإيمان لأن المؤمن يوقن أن الرزق بيد الله ولن يخاف من المستقبل بكنز المال للنوائب المحتملة كما مر بنا عن إنفاق الرسول صلى الله عليه وسلم. والكرم كما هو معلوم مراتب تبدأ بالسخاء ثم الجود ثم الإيثار وهو الأعلى منزلة. وقصصه معلومة مثل ذلك الصحابي الذي أهديت إليه رأس شاة فدفعها إلى أخيه ظناً منه أنه أحوج منه، وكذا فعل الثاني. فلم يزل الرأس يُبعث من دار لدار يتداولونها حتى رجعت للأول. حتى أن البعض كانوا يجدون بأنفسهم لإنقاذ الآخرين كما فعل عكرمة بن أبي جهل. فما بالك بإنفاق الفرد كل ماله أو جزءاً كبيراً من ماله كشطره كما فعل الأنصار مع المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين.
وبالطبع فإن مما يزيد من نسبة المنفقين أيضاً إن طبقت الشريعة خطابات الشيوخ والدعاة والأئمة. فهؤلاء مع تطبيق الشريعة سيكونون بعقلية مختلفة تماماً. عقلية تسعى لعزة الأمة ومجدها أولاً. ولا طريق لهذا إلا بحث الناس على الضرب في الأرض لمنطقة كذا وكذا ليزداد الإنتاج من كذا، أو حث الناس لدعم زيد وعبيد من الناس لتصنيع هذه الآلة الحربية أو ابتكار ذاك الجهاز. وبهذا يتغير دور الفقهاء من دعاة انحصر مجالهم في حث الناس على الصلاة والصيام والاستغفار وإطاعة ولي الأمر الأخرق إلى قادة للأمة سياسياً واجتماعياً وسيأتي تفصيله في فصل «الحكم» بإذن الله).
أسلمة الظلم : الفلوس والأوراق النقدية
وما يزيد سرعة الدوران للمال تحفيزاً للاقتصاد إن طبقت الشريعة هو أن هذا المال الذي يدور لن يفقد قوته الشرائية إذ لا تضخم، وبهذا ينحسر الظلم ويزداد الإنتاج كفاءة والتوزيع عدلاً. كيف؟ كنت قد بدأت هذا الفصل عن الظلم. وركزت مراراً في هذا الفصل بأن في إصدار النقد من جهة واحدة، أي الدولة أو من يمثلها كالبنك المركزي، ظلم شديد على الناس لأنه سيوجد طبقة تستهلك دونما إنتاج، أي أكل لأموال الناس بالباطل. وكنت قد ركزت مراراً بأن الظلم واقع ولا مفر منه طالما كانت التعاملات بالنقد الذي تصدره الدول، ذلك أن الدول تستطيع طباعة أو سك المزيد من النقد أو طباعة السندات وبيعها فيظهر التضخم. والتضخم ما هو إلا أكل بطيء ومستمر لأموال الناس بالباطل. وهذا ظلم. فإن تدبرت ما ذكر في هذا الفصل قد تصل إلى قناعة أنه طالما كان النقد بأيدي الحكومات، ولطالما أنه لم يحمل قيمة في ذاته كالذهب والفضة، فإن الظلم سيقع لا محالة إن عاجلاً أو آجلاً. ولا مفر من هذا الظلم إلا بتوقف الحكومات من التدخل في النقد. فمثلاً، ستظهر بإذن الله قريباً خلافة إسلامية على منهاج النبوة كما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بإذن الله بعد هذا الحكم الجبري الحالي، وسيأتي للحكم بإذن الله من يخاف الله، عندها حتى وإن أحسن الخليفة مع بطانته الصالحة السيطرة على النقد، إلا أن هذا سيتغير إن عاجلاً أو آجلاً بعد رحيله أو رحيل خليفته أو خليفة خليفته لأنه لابد وأن يأتي سلطان ويبدد الثروات
١٦٥٢ 🗏
أو تحوم حوله بطانة تقنعه بالحاجة للمزيد من النفقات للتسلح الحربي أو للتعليم أو للتطبيب. وبهذا تبدأ نفقات الدولة في الزيادة فتُطبع النقود وتُضرب المكوس فتنحرف الأمة كما حدث. والإسلام بالطبع ليس هكذا، أي ليس ديناً يعتمد على صلاح فرد لإصلاح الأرض كما وضحت، بل الإسلام دين عزيز يعتمد على حركيات لن تخيب حتى وإن خاب بعض المسؤولين. وخير دليل على ظلم الدول للناس بسبب سيطرة الدول على النقد هي دول العالم الرأسمالي. فهل هناك من شفافية ومحاسبة للحكام كما في العالم الغربي؟ بالطبع لا. فقد وصلت الإنسانية ذروتها في محاسبة المجتمعات لمسؤوليها في العالم الغربي كما هو معلوم، ومع ذلك فقد بلغ مجموع ديون حكومات العالم في أكتوبر سنة ٢٠١٣م أكثر من خمسين ترليون دولار، أي خمسة وأمامها ثلاثة عشر صفراً. أي أن هناك الكثير ممن يأكلون أموال الناس بالباطل.
شهر
أي باختصار، إن القبول بسيطرة الحكومات على العملات يعني ظهور وتفشي الظلم لا محالة. ولا وسيلة لمنع هذا النوع من الظلم إلا برفض التعامل بالعملات التي « لا تحمل» في جوهرها قيمة. لكن الذي وقع هو أن الأوراق النقدية والعملات المعدنية التي تصدرها الحكومات انتشرا في العالم الإسلامي وأصبحا عرفاً اقتصادياً فقبله الجميع بمن فيهم علماء الشريعة برغم أن هذا يناقض الشريعة. فلم يسك الرسول صلى الله عليه وسلم الفلوس ولم يوص به. مثال آخر: ما الذي سيحدث إن فقد مبلغ من المال قيمته مع التضخم فهل لمالكه أخذ بـدل الخسارة بسبب التضخم من مصرف ما؟ فإن رضينا بهذا التعويض وكأننا رضينا بالربوا. هكذا ظهرت محاولات فقهية لتطويع مع النقود الورقية. أي محاولة أسلمة الظلم. وهذا بالطبع فتح أبواباً من الاختلافات والآراء والمشادات الفقهية التي ما كان يجب أن تظهر. كيف؟
للتعامل
الفقه
تذكر أخي القارئ ما كررته مراراً بأن الخروج عن الشريعة سيوجد وضعاً عجيباً يحار فيه الفقهاء كما مر بنا في الحديث عن زكاة الأرض الخراجية التي أسلم من يعمل بها، وهذا الذي حدث هنا مع الفلوس. فقد سكت العملات بمواد من غير الذهب والفضة كالنحاس مثلاً وسميت بالفلوس ولم يحاربها الفقهاء فكان تكييف الفلوس، ثم ظهرت الأوراق النقدية فألحقت بالفلوس وأصبحت مادة للبحث العلمي فشمر لها الفقهاء المعاصرون سواعدهم وتصدوا لها فتأسلمت كيف؟ لنبدأ أولاً بالفلوس.
الفلوس عملة مصنوعة عادة من النحاس ثم أضيفت لها مواد معدنية أخرى. وكما هو معلوم فإن النحاس أو ما شابه من معادن عادة ما تباع بالوزن. ولكن عندما سكت الفلوس وتغيرت صفته من المعدن إلى النقود، بيعت بالعد وليس بالوزن، وأصبحت ذات ثمنية لأن السلطان أو الحكومات هي التي تقف وراءها لتعطيها الثقة ليتعامل بها الناس. وبهذا فهي لا تعكس قيمتها في جوهرها، بل تعكس قوة الهيكل السياسي الذي يقف وراءها. هذا التغيير حير الفقهاء في تكييفها شرعاً. فمنهم من جعلها سلعاً فلم يجر فيها الربوا، بل جوزوا بيع الفلس بالفلسين مع خلاف بينهم في تجويز النسيئة، ومنهم من قال أنها أثمان فأجروا فيها الربوا بنوعيه (فضل ونسيئة).
هناك كتاب رائع يصف ما حدث في مصر كمثال للتلف الاقتصادي بسبب الفلوس التي كان يسكها السلطان فيضطر الناس للتعامل بها ثم تفقد قوتها إما بكثرة سكها أو بتغيّر السلطان أو تغير نظام الحكم. فكتاب المؤرخ المعروف المقريزي «إغاثة الأمة بكشف الغمة» من أجمل الكتب التاريخية التي تصف كيفية تدمير
١٢ الفصل والوصل
١٦٥٣
الاقتصاد. لقد عزى المقريزي المتوفي سنة ٨٤٥ هـ رحمه الله خراب مصر اقتصادياً إلى ثلاثة أسباب هي: الأول: أن المناصب في الدولة سواء الدينية منها أو نيابة الأقاليم أو ولاة الحسبة كانت مناصب مشبعة بالرشاوي. فلم يصل لهذه المناصب إلا من تعهد لأحد المقربين من السلطان بأنه سيدفع كذا وكذا من الجباية للسلطان إن هو استلم المنصب. وبالطبع فإن هؤلاء المقربين من السلطان كانوا يزينون للسلطان همة ونزاهة هذا الذي سيدفع لهم رشوة ليحصل على المنصب. ثم يحاول هذا الذي سيحصل على المنصب الاستدانة لسداد ما تعهد به، ثم بعد تولي المنصب يبدأ في ظلم الناس الذين تولاهم بالمزيد من الأتاوات والمكوس وشتى أنواع الظلم المالي لسداد ما استدانه وما تعهد به فتزول الرحمة من قلبه لأن عليه أن يسدد ما التزم به. وكنت قد تحدثت عن هذا في عدة مواضع في الفصول السابقة كما في استيفاء الخراج مثلاً بأنه كان بالتضمين أو بالتقبيل. يقول المقريزي رحمه
الله واصفا:
«لا يمكن التوصل إلى شيء منها [أي إلى المناصب إلا بالمال الجزيل، فتخطى لأجل ذلك كل جاهل ومفسد وظالم وباغ إلى ما لم يكن يؤمله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة، لتوصله بأحد حواشي السلطان، ووعده بمال للسلطان على ما يريده من الأعمال، فلم يكن بأسرع من تقلده ذلك العمل وتسليمه إياه وليس معه مما وعد به شيء قل ولا جلّ، ولا يجد سبيلاً إلى أداء ما وعد به إلا باستدانته بنحو النصف مما وعد به مع ما يحتاج إليه من شارة وزي وخيول وخدم وغيره، فتتضاعف من أجل ذلك عليه الديون ويلازمه أربابها، لا جرم أنه يغمض عينيه ولا يبالي بما أخذ من أنواع المال، ولا عليه بما يتلفه في مقابلة ذلك من الأنفس، ولا بما يريقه من الدماء، ولا بما يسترقه من الحرائر، ويحتاج إلى أن يقرر على حواشيه وأعوانه ضرائب ويتعجل منهم أموالاً فيمدون هم أيضاً أيديهم إلى أموال الرعايا ويشرئبون لأخذها بحيث لا يعفون ولا يكفون. ثم ينساق البائس في جمع الأموال التي استدانها إذا أتته استدعاءات من الأمراء وحواشي السلطان، أو نزل به أحد منهم إن المتولي متقلداً عملاً من أعمال الريف، فيحتاج له إلى ضيافات سنية وتقادم جليلة من الخيول والرقيق وغير ذلك بحسب الحال، ولا يشعر مع ذلك إلا وغيره قد تقلد ذلك العمل بمال التزم به، وقد بقيت عليه جملة من الديون، فيحاط على ما يوجد له من أثاث وحيوان وغيره، ويشخص في أنحس حال، وقد أحيد كما ذكرنا بماله، ويعاقب العقوبات المؤلمة فلا يجد بداً من الالتزام بمال آخر، ليقلد العمل الأول أو غيره من الأعمال. فلما دهي أهل الريف بكثرة المغارم وتنوع المظالم اختلت أحوالهم وتمزقوا كل ممزق وجلوا عن أوطانهم فقلت مجابي البلاد ومتحصلها لقلة ما يزرع بها ولخلو أهلها ورحيلهم عنها لشدة الوطأة من الولاة عليهم وعلى من بقي منهم....».
٢٤٦
كان
أما السبب الثاني فهو غلاء الأطيان، وهذا السبب متعلق بالأول، ألا وهو حاجة الأمراء أو المسؤولين
للمزيد من النفقات التي لا مجال لها إلا بفرض المزيد من المكوس. فيقول المقريزي رحمه الله في هذا:
«وذلك أن قوماً ترقوا في خدم الأمراء يتولفون [أي يتقربون إليهم بما جبوا من الأموال إلى أن استولوا على أحوالهم، فأحبوا مزيد القربة منهم، ولا وسيلة أقرب إليهم من المال، فتعدوا إلى الأراضي الجارية في إقطاعات الأمراء، وأحضروا مستأجريها من الفلاحين، وزادوا في مقادير الأجر، فثقلت لذلك متحصلات مواليهم من الأمراء، فاتخذوا ذلك يداً يمنون بها إليهم، ونعمة يعدونها إذا شاءوا عليهم. فجعلوا الزيادة ديدنهم كل عام ، حتى بلغ الفدان لهذا العهد نحواً من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث. لا جرم أنه لما تضاعفت أجرة الفدان من الطين إلى ما ذكرنا، وبلغت قيمة الأردب من
١٦٥٤ 🗏
القمح المحتاج إلى بذره ما تقدم ذكره وتزايدت كلفة الحرث والبذر والحصاد وغيره وعظمت نكاية الولاة والعمال واشتدت وطأتهم على أهل الفلح، وكثرت المغارم في عمل الجسور وغيرها، وكانت الغلة التي تتحصل من ذلك عظيمة القدر زائدة الثمن على أرباب الزراعة، سيما في الأرض منذ كثرت هذه المظالم منعت الأرض زكاتها، ولم تؤت ما عُهد من أكلها، والخسارة يأباها كل واحد طبعاً ولا يأتيها طوعاً. ومع أ أن الغلال معظمها لأهل الدولة أولي الجاه وأرباب السيوف الذين تزايدت في اللذات رغبتهم وعظمت في احتجار أسباب الرفه نهمتهم، استمر السعر مرتفعاً لا يكاد يرجى انحطاطه، فخرب ما ذكرنا معظم القرى وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة فقلت الغلال وغيرها مما تخرجه الأرض لموت أكثر الفلاحين وتشردهم في البلاد من شدة السنين وهلاك الدواب ولعجز الكثير من أرباب الأراضي عن ازدراعها لغلو البذر وقلة المزاعين. وقد أشرف الإقليم لأجل هذا الذي قلنا على البوار والدمار : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .
٢٤٧
وبالطبع فإن السببين السابقين ليسا بدائمين، بل يتغيران بتغير السلاطين الذين يتفاوتون في صلاحهم ونزاهتهم. . إلا أن السبب الثابت في جميع العصور هو الثالث ألا وهو سك ،الفلوس أي النقود المعدنية لتحل محل الذهب والفضة في التعاملات والصغيرة منها بالذات. وقد فصل المقريزي تاريخ سك الذهب والفضة في العالم الإسلامي ثم تكلم في سك الفلوس في مصر ليقنعك أن الأمور ازدادت سوءاً مع انتشار الفلوس. فيقول مثلاً:
«وكانت الفلوس أولاً تعد من الدرهم الكاملي ثمانية وأربعين فلساً، ويقسم الفلس أربع قطع تقام كل قطعة مقام فلس، يُشترى بها ما يُشترى بالفلوس، فيحصل بذلك من الرفق لذوي الحاجات ما لا يكاد يوصف. وتمادى الأمر على ذلك إلى بعد الخمسين والستمائة من الهجرة، فسول بعض العمال لأرباب الدولة حب الفائدة وضمن ضرب الفلوس بمال قرره على نفسه، وجعل كل فلس يزن مثقالاً، والدرهم يعد أربعة وعشرين فلساً. فثقل ذلك على الناس، وأنكاهم موقعه لما فيه من الخسارة، لأنه صار ما يُشترى بدرهم هو ما كان قبل يُشترى بنصف درهم، ثم توطنت نفوس الناس على ذلك، إذ هم أبناء العوائد. وكانت الفلوس مع ذلك لا يُشترى بها شيء من الأمور الجليلة وإنما هي لنفقات البيوت والأغراض ما يُحتاج إليه من الخضر والبقول ونحوها. فلما كانت سلطنة العادل كتبغا وأكثر الوزير فخر الدين عمر بن عبد العزيز الخليلي من المظالم، وجارت حاشية السلطان ومماليكه على الناس، وطمعوا في أخذ الأموال والبراطيل والحمايات وضربت الفلوس، توقف الناس فيها لخفتها، فنودي في سنة خمس وتسعين وستمائة أن توزن بالميزان وأن يكون الفلس زنة درهم، ثم نودي على الرطل منها بدرهمين، وكان هذا أول ما عرف بمصر من وزن الفلوس والمعاملة بها وزناً لا عدداً. لما كانت أيام الظاهر برقوق وتولى محمود بن علي الأستادار أمر الأموال السلطانية، شره إلى الفوائد وتحصيل الأموال، فكان مما أحدث الزيادة الكبيرة في الفلوس فبعث إلى بلاد فرنجة لجلب النحاس الأحمر وضمن دار الضرب بالقاهرة بجملة من المال، ودام ضرب الفلوس بهـا مـدة أيامه، واتخذ بالاسكندرية دار ضرب لعمل الفلوس، فكثرت الفلوس بأيدي الناس كثرة بالغة، وراجت رواجاً صارت من أجله هي النقد الغالب في البلد. وقلت الدراهم لأمرين: أحدهما: عدم ضربها البتة، والثاني : سبك ما بأيدي الناس منها لاتخاذه حلياً منذ تفنن أمراء السلطان وأتباعهم في دواعي الترف
هامش
ح٤) البراطيل عرفها المقريزي بالقول: «وأما البراطيل وهي الأموال حماية، وهي المكوس التي يفرضها الأمير أو السلطان أحياناً على بعض التي تؤخذ من ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمالها. فأول من عمل الأراضي والمتاجر والمراكب والأرزاق. وقد أطلق عليها هذا الاسم بمصر الصالح بن زريك في ولاة النواحي فقط ، ثم بطل وعمل في لقيام الأمير بحماية الشخص الذي يدفع له المكس المقرر» (٢٤٨). أيام العزيز بن صلاح الدين الأيوبي». أما الحمايات: فهي «جمع
ذلك
١٢ الفصل والوصل
1700
يجود مع
وتأنقهم في المباهاة بفاخر الزي وجليل الشارة. ووجد مع ذلك الذهب بأيدي الناس، بعد أن كان لا كل أحد ، لكثرة ما كان يخرجه الظاهر برقوق في الإنعام على أمراء الدولة ورجالها، وفي نفقات الحروب والأسفار ، وفي الصلات زمن الغلاء. فمات الظاهر وللناس ثلاثة نقود: أكثرها الفلوس وهو النقد الرايج الغالب، والثاني الذهب وهو أقل وجداناً من الفلوس، وأما الفضة فقلت حتى بطل التعامل بها لعزتها . وكان يعطى في الدينار الذهب منها إلى ثلاثين درهما. ثم كثر الذهب بأيدي الناس حتى صار مع أقل السوقة، وعظم رواج الفلوس وكثرت كثرة بالغة حتى صارت المبيعات وقيم الأعمال كلها تنسب إلى الفلوس خاصة. وبلغ الذهب كل مثقال منه إلى مئة وخمسين من الفلوس التي كل درهم منها يعد أربعة وعشرين فلساً. وبلغ المثقال من الذهب بثغر الإسكندرية ثلاثمائة درهم من الفلوس فدهي الناس بسبب ذلك داهية أذهبت المال، وأوجبت قلة الأقوات، وتعذر وجود المطلوبات لاختلاف النقود، وإنه ليُخشى من تمادي ذلك أن تحول حال أهل الإقليم: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالِ﴾» .
٢٤٩
هل رأيت التضخم الذي أصاب الناس في آخر الاقتباس السابق؟ فقد وصل مثقال الذهب إلى ثلاث مائة فلس في الإسكندرية بينما هو في القاهرة مئة وخمسون فأنهكت الأسعار الناس ذلك أنه عندما تُسك الفلوس فسيعطى منها للمقربين من السلطان كأعطيات أو مرتبات أو مهيات. وهؤلاء بالطبع سينفقونها في الشراء فتنتشر بين الناس للتداول ما يزيد من كمياتها فيظهر التضخم من جهة، والطبقية من جهة أخرى: طبقة تعمل وتنتج وتظلم، وطبقة تستهلك دونما إنتاج.
هذا القبول بالفلوس في التعاملات المالية فتح سيلاً من الأسئلة الفقهية التي وجب الرد عليها. فعندما يتعامل الناس في معاملات مؤجلة مثل السلم أو الإجارة أو القرض أو المهر فما الحكم فيها إن تغيرت قيمة الفلوس بالرخص أو الغلاء أو ألغيت بتغير السلطان؟ فهل يدفع طرف للآخر مثلها أو يدفع قيمتها؟ وإن كان قيمتها، فهل بالقيمة وقت العقد أو وقت الكساد ؟ وهكذا من نوازل وإليك بعض الأمثلة لترى كيفية تسلل الفلوس إلى الفقه. فمن المذهب الحنفي جاء في المبسوط :
«لو اشترى مائة فلس بدرهم فقبض الفلوس أو الدراهم ثم تفرقا جاز البيع، لأنهما تفرقا عن عين بدين، فإن كسدت الفلوس بعد ذلك، فإنه ينظر: إن كان الفلوس هو المقبوض فلا يبطل البيع، لأن كساد الفلوس بمنزلة هلاكه، وهلاك المعقود عليه بعد القبض لا يبطل البيع، ولو كان الفلوس غير مقبوض بطل البيع استحساناً لأن كساد الفلوس بمنزلة هلاكه، وهلاك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع، والقياس أنه لا يبطل، لأنه قادر على أداء ما وقع عليه العقد. ...».
ومن المذهب المالكي جاء في المدونة مثلاً: «قلت: فإن بعته سلعة بفلوس ففسدت الفلوس قبل أن أقبضها ؟ قال مالك: لك مثل فلوسك التي بعت بها السلعة الجائزة بين الناس يومئذ، وإن كانت الفلوس قد فسدت فليس لك إلا ذلك. قال: وقال مالك في القرض والبيع في الفلوس إذا فسدت فليس له إلا الفلوس التي كانت ذلك اليوم وإن كانت
فاسدة».
وقال الشافعي رحمه الله: «ومن سلف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه
أو دراهمه التي أسلف أو باع فيها». وقال الماوردي في الحاوي: «وإذا حصلت في ذمة رجل دراهم موصوفة وكانت
🗏
يطالب بقيمتها .
.«<...
نقداً يتعامل الناس به، فحظر السلطان المعاملة بها وحرمها عليهم، لم يستحق صاحب الدراهم غيرها، ولم يجز أن والدراهم هنا قد تعني دراهم فضية إلا أنها من سك السلطان ما يعطيها موثوقية أعلى. ومن المذهب الحنبلي قال ابن قدامة في كتاب الكافي: «فإن أقرض فلوساً أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها فعليه قيمتها يوم أخذها، نص عليه، لأنه منع إنفاقها، فأشبه تلف أجزائها، فإن لم تُترك المعاملة بها لكن رخصت فليس له إلا مثلها لأنها لم تتلف، إنما تغير سعرها فأشبهت الحنطة إذا رخصت». وقال في المغني:
وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان كثيراً مثل أن كانت عشرة بـدانق، فصارت عشرين
بدائق، أو قليلاً، لأنه لم يحدث فيها شيء، إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت».
٢٥٠
ولا نريد الخوض في تفاصيل هذه الخلافات الفقهية لأن فكرة القبول بالفلوس كعملة أمر مرفوض شرعاً كما حاولت أن أثبت لأنها ظلم. وبالطبع فهناك الكثير من الأقوال السديدة حول نوازل غش النقود الذهبية والفضية والحكم فيها. كما أن هناك حالات تكون فيها قيمة الدينار والدرهم أكثر أو أقل من قيمتها كمادة خام، ولهذه أيضاً أحكامها إن أبطل السلطان العمل بهما واختلف بالتالي المتعاملون بهما. ولا نريد الخوض فيها أيضاً لأنها خارج موضوعنا، بل المهم لنا الآن هو أن القبول بالفلوس أدى لتقبل النقود الورقية، ذلك أن الفلوس عملة لا تحمل في طياتها قيمة ذاتية تعدل ما خصصت له، وكذلك النقود الورقية.
هذه الزلة بقبول النقود الورقية ليست من فقهاء السلف وليست من الأئمة الأربعة رحمهم الله، لأن الفلوس كانت في زمنهم مخصصة لشراء صغار المستهلكات، ولم تكن للصفقات الكبيرة، ولم تكن في الأموال الكثيرة التي تحسب فيها الزكاة أو قد يظهر فيها الربوا بالاقتراض لهذا لن ندخل في تفاصيل الأقوال المختلفة حول نوازل الفلوس، وكذلك سنتلافى الجدل الحاصل حول النقود الورقية وزكاتها ومدى جريان الربوا فيها. فالأوراق النقدية كالفلوس من منظور هذا الكتاب هي أساس الظلم، لهذا فهي مرفوضة. لكن الذي حدث هو أن تصدي الفقهاء الأوائل لنوازل الفلوس أصبح خطوة لمن أتى من بعدهم من المحدثين فنهجوا نفس السبيل بمحاولة التصدي لنوازل الأوراق النقدية. فكانت الحيرة في كيفية أسلمة هذه النقود لتكييفها شرعاً. فظهرت أقوال عجيبة لخصها الجنيدل أثابه الله في خمسة مذاهب، وسأسردها لك الآن لترى الحيرة:
المذهب الأول هو قبول العملة النقدية على أنها سندات دين. وممن قال بهذا الرأي الأستاذ أحمد الحسيني. فقد وبالطبع وقع هذا المذهب في عدة إشكالات: منها مثلاً بطلان بيوع ما في الذمة من عروض أو أثمان. وذلك لكونها وثائق بديون غائبة، وهذا من قبيل بيع الكالئ بالكالئ، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا البيع. ومنها عدم جواز صرفها بعملات نقدية ذهبية أو فضية حتى وإن كان يداً بيد لأن الورقة النقدية حسب المذهب يعتبر وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد، ومن شروط الصرف التقايض في مجلس العقد.
هذا
المذهب الثاني يرى أن هذه النقود الورقية عروض تجارة. وممن قال بهذا الشيخ عبد الرحمن السعدي. يقول الجنيدل: «وقالوا في سبب ذلك أن عقد البيع والشراء إنما يقع على نفس القرطاس والورق وهو المقصود لفظاً ومعنى. فالعقد لم يقع على ذهب ولا فضة حتى يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب رباً، وإنما وقع على ورق يخالف ذاته ومعدنه ذات الذهب والفضة معدنها من كل وجه، وإن وافقهما في الثمنية فليس في تلك
١٦٥٧
١٢ الفصل والوصل
الموافقة ما يوجب أن يجري فيه الربا ويحكم فيه بحكم الذهب والفضة». وبالطبع فإن لهذا القول مترتبات من أهمها كما يستنتج الجنيدل : عدم جريان الربا في الأوراق النقدية فيجوز بيع العشرة بخمسة عشر أو أقل أو أكثر كما يجوز بيع بعضها ببعض». ومن المترتبات أيضاً: «عدم وجوب الزكاة في الأوراق النقدية ما لم تعد للتجارة لأن من شروط زكاة العروض إعدادها للتجارة».
المذهب الثالث هو أن الأوراق النقدية تلحق بالفلوس وممن ذهب لهذا المذهب الشيخ أحمد الخطيب في رسالته التي سماها: «إقناع النفوس بإلحاق أوراق الأنوات بعملة الفلوس». وبهذا فما ثبت على الفلوس من أحكام سيقع على الأوراق النقدية. وبالطبع فهناك من نقد هذا المذهب من عدة وجوه، منها مثلاً أن الفلوس تستخدم في تعاملات محقرات السلع مما تعم الحاجة إليه وبالتالي فإن التخفيف في أحكامها أمر حاجي تقتضيه المصلحة العامة كالتجاوز عن يسير الغرر والجهالة، وهذا لا يصح في المبالغ الكبيرة. كما أن الفلوس عند إبطالها تحمل بعضاً من ثمنها الأصلي، أما النقود الورقية فلا، بل تعتبر قصاصات ورقية.
المذهب الرابع هو أن الأوراق النقدية بدل للنقد. وهذا ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المحدثين وقالوا بأن للبدل حكم المبدل مطلقاً، فالأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب وفضة، حالة محلها وجارية مجراها ومعتدمة على تغطيتها بما تفرعت عنه منهما. والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها، يؤيد ذلك أنها إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي بعد إبطالها قرشاً عما كانت تساويه قبل الإبطال». وهذا الرأي بالطبع مرفوض لأنه أساس الظلم لما يؤدي إليه من تضخم. لكن لاحظ قصور العقل الذي لم ير ظلم التضخم واستند على مقاصد الشريعة في القبول بالتعامل بالعملات الورقية التي تطبعها
الحكومات.
المذهب الخامس هو أنها ثمن مستقل بذاته. وممن ذهب لهذا الشيخ عبد الله بن منيع إذ يقول: «إن القيمة الخارجية للنقود الخارجية ليست في اعتمادها على غطاء عيني كالذهب مثلاً وإنما هي مستمدة من الوضع الاقتصادي للبلاد من ثقة الناس بها كنقد يخول لمالكه الاستعاضة عنه بما يرغبه مما يساوي قيمته، ومن إضفاء
القانون عليه قوة الإبراء المطلق».
وكما ترى فإن
٢٥١
جميع هذه المذاهب قبلت بالنقود الورقية التي تطبعها الحكومات. وفي هذا القبول للأوراق النقدية ظلم من الدولة على الناس كما مر بنا، ولهذا فإن كل هذه النظريات الخمس وكأنها تحاول أسلمة الظلم. هل رأيت الحكمة في عدم اكتراث الرسول صلى الله عليه وسلم لسك النقود؟ وهل رأيت لماذا لم يكترث الرسول صلى الله عليه وسلم للجهة التي سكت النقود هل هم الروم أم الفرس؟ إنه لم يكترث صلوات ربي وسلامه عليه لأن قيمة هذه العملات فيها، فإن سكها التاجر زيد أو عبيد فلن يؤثر هذا في الاقتصاد، حتى إن اشترت جهات غير مسلمة منتجات المسلمين ودفعت قيمته ذهباً مسكوكاً عندهم فإن هذا لن يضر المسلمين لأن قيمته فيه معتقدات المسلمين كأن يكون صليباً أو ما شابه مما تحظره الشريعة. فالأسلم للأمة سك حكامها للنقود حتى لا تقترب الأمة أبداً من الظلم. وهذا ما فعله حبيبنا المصطفى صلوات ربي
السك لا طالما كان رسم
المسلمة
عدم
وسلامه عليه.
يمس
١٦٥٨ 🗏
بالطبع قد يقول البعض بأن سك النقود أمر عصري ولابد منه للاقتصاد الحديث، وأن الرسول صلى الله عليه
وسلم لم يسك أو لم يأمر بسك النقود لأنه لم يعلم عنها أو أنها لم تكن سائدة أو ضرورة في زمنه. وهذا بالطبع مرفوض، فقد عرف العرب النقود المسكوكة قبل الإسلام وكان بعضهم يقرض أطرافها ويجمع ما قرض ويسبكه، لهذا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين باحترام عملة التداول المسكوكة ذهباً كانت أم فضة حتى لا يتلاعب الناس بها وتتغير أسعارها. ذلك أن في هذا القرض سرقة وبالتالي ظلم أي تماماً كما يفعل التضخم، فعندما يقرض فرد ما طرف العملة الذهبية فهو قد أنقص قيمتها. لهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقد جاء في نيل الأوطار الآتي مثلاً:
الله و
«باب النهي عن كسر سكة المسلمين إلا من بأس: عن عبد الله بن عمرو المازني قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وزاد نهى أن تنكسر الدراهم فتجعل فضة، وتكسر الدنانير فتجعل ذهباً. وضعفه ابن حبان، ولعل وجه الضعف كونه في إسناده محمد بن فضاء بفتح الفاء والضاد المعجمة الأزدي الحمصي البصري المعبر للرؤيا، قال المنذري: لا يحتج بحديثه. قوله: «سكة»، بكسر السين المهملة، أي الدراهم المضروبة على السكة الحديد، المنقوشة التي تطبع عليها الدراهم والدنانير. قوله: «الْجَائِزَةُ» يعني النافقة في معاملتهم. قوله: إلا من نبأس، كأن تكون زيوفا، وفي معنى كسر الدارهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة الإمام، لا سيما إذا كان التعامل بذلك جارياً بين المسلمين كثيراً. (والحكمة) في النهي ما في الكسر من الضرر بإضاعة المال لما يحصل من النقصان في الدراهم ونحوها إذا كسرت وأبطلت المعاملة بها. قال ابن رسلان: لو أبطل السلطان المعاملة بالدراهم التي ضربها السلطان الذي قبله وأخرج غيرها جاز كسر تلك الدراهم التي أبطلت وسبكها لإخراج الفضة التي فيها، وقد يحصل في سبكها وكسرها ربح كثير لفاعله، انتهى. ولا يخفى أن الشارع لم يأذن في الكسر إلا إذا كان بها بأس، ومجرد الإبدال لنفع البعض ربما أفضى إلى الضرر بالكثير من الناس فالجزم بالجواز من غير تقييد بانتفاء الضرر لا ينبغي. قال أبو العباس بن سريج: إنهم كانوا يقرضون أطراف الدراهم والدنانير بالمقراض ويخرجونهما عن السعر الذي يأخذونهما به ويجمعون من تلك القراضة شيئاً كثيراً بالسبك كما هو معهود في المملكة الشامية وغيرها، وهذه الفعلة هي التي نهى الله عنها قوم شعيب بقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ، فقالوا : انتهانا أن نفعل في أموالنا، يعني الدراهم والدنانير ما نشاء من القرض، ولم ينتهوا عن ذلك فأخذتهم الصيحة».
٢٥٢
ولإثبات قبول الفقهاء عموماً للنقود الورقية أريدك أن تقرأ الآتي لباحث تعمق في هذه المسألة. يقول
الدكتور حمزة بن حسين الفعر
«ومن المعلوم أن النقود الورقية هي أثمان الناس في هذه الأزمنة، لأنها وسيلة التبادل والإبرام ومقياس التقويم، وهي مع ذلك تتمتع بالقبول العام من الناس ويؤيدها ويقويها ضمان الدولة لها، وانفرادها بسكها والرقابة الصارمة عليها. والثمنية عند التحقيق والتمحيص أمر اصطلاحي إذا تعارف الناس عليه واستقر في شيء من الأشياء بحيث يلقى القبول العام منهم، ويكافي في المبادلات والتقويم كان هذا الشيء الذي استقر الـعـرف عليه حينئذ ثمناً بقطع النظر عن مادته هو، ولهذا قال الإمام مالك رحمة الله عليه في كتاب الصرف من المدونة: « ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة». وجاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله
١٢ الفصل والوصل
١٦٥٩
عليه في مجموع الفتاوى قوله: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تُقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثماناً ...». وبناء عليه فإن الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس في هذه الأزمنة نقود، لا شك فيها، لأنها هي الوسيلة التي تحظى بالقبول العام منهم للتبادل وتقويم الأشياء، وليست هناك نقود غيرها لهم، وهذا الرأي هو ما انتهت إليه المجامع الفقهية وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: «أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها». وجاء في قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: «أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان ...». وجاء قبل ذلك في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. والقول بعدم ثمنيتها تترتب عليه مفاسد كبيرة منها عدم وجود الزكاة في عينها وعدم جريان الربا فيها وعدم جواز السلم بها لدى من يقول باشتراط كون أحد العوضين نقداً من ذهب أو فضة أو معدن غيرهما ، إلى آخر ما هنالك .
المفاسد ...».
٢٥٣
من
لعل أول ملحوظة في الاقتباس السابق هي قبول مجمع الفقه الإسلامي وهيئة كبار العلماء في بلاد الحرمين ومن ثم قبول الباحث للعملات الورقية لأنها انتشرت بين الناس. فهل تعمل الشريعة هكذا بقبول الناس؟ وقد تقول: نعم إن لم يكن في المسألة نهي. وقد تضيف: لا يجوز القبول بشرب الخمر مهما قبله الناس لأن فيه تحريم
لك
واضح، وهذا التحريم لم يظهر بوضوح في التعامل بالعملة الورقية لهذا فهو جائز. فأجيب: ولكنني وضحت ا بأن في التعامل بالنقد الورقي ظلم. والظلم محرم. لذا فلا نلوم العلماء لأنهم لم يلحظوا الظلم الواقع بسبب طبع النقود، فالريال السعودي الذي يرجعون إليه مربوط بالدولار، والدولار في انخفاض كل شهر مقارنة بالسلع بسبب التضخم. حتى وإن فكت السلطات ارتباط الريال بالدولار، فإن مجرد مقدرة الدولة على طبع المزيد من الريالات إن احتاجت سيؤدي للظلم كما مر بنا.
والملحوظة الثانية هي استشهاد الباحث بقول الإمام مالك رحمه الله. لكن لاحظ أن الإمام مالك قال بوضوح: «ولو أن الناس أجازوا الجلود ...»، فهو قد قال الناس، ولم يقل السلطات أو الحاكم. فهذه النقود لم يبتكرها ويجيزها الناس، بل السلطات هي التي فرضتها على الناس، فالناس لن يجيزوا ما قد يظلمهم أبداً.
والملحوظة الثالثة هي
بينهم
استدلال الباحث بما قاله ابن تيمية رحمه الله، وهنا تلحظ أن ابن تيمية جعل الأثمان سبباً في تقبل الذهب والفضة، وهذا لن يقع إلا إن كان لهما قيمة ذاتية لن تتغير بتغير النظام الحاكم، بينما النقود الورقية ليست لها قيمة في ذاتها، بل هي أوراق وقيمتها تأتي من دعم السلطان لها ، فإن تغير السلطان قد تفقد قيمتها كما حدث مراراً وتكراراً على مر التاريخ في الفلوس المعدنية.
وهكذا مع كثرة الدراسات عن النقود الورقية تجرأ بعض مدعي العلم ونادوا بعدم جريان الربوا في النقود الورقية. فقد ظهر مثلاً باحث (حمزة السالم) وحاول إثبات الثمنية للأوراق النقدية ولم يجر فيهما الربوا بنوعيه. وقد لخص الدكتور عبد العزيز البجادي ما ذهب إليه حمزة السالم بالقول:
- 🗏
:
«فأخونا الدكتور حمزة السالم أثبت للأوراق النقدية الثمنية ولم يجر فيها نوعي الربا، وقد أورد استدلالاً مفاده أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما مطلوبين لذواتهما وجوهرهما، سواء كانت ثمنيتهما عينية - أي: كما في الذهب والفضة غير مسكوكين - أو غالبة – أي: كما في الدراهم والدنانير – وأما الثمنية التي يعللون بها ربا الأوراق النقدية، فلا تخلو أن تكون عينية أو غالبة أو طارئة مطلقة من هذين الأمرين، والأوراق النقدية لا قيمة لذواتها، فإنها قصاصات أوراق لا نفع فيها، فلا تكون ثمنيتها عينية، وليست الثمنية غالبة عليها - بمعنى أنها لم تخلق للثمنية، أو لم يغلب على الورق الثمن - فلم يبق إلا أن تكون ثمنيتها طارئة - أي أنها لا تطلب لجوهرها، وإنما لأمر اعتباري، وهو طروء ،الثمنية، سواء كان طروؤها بأمر سلطان أو بعرف عام – فإذا كانت قد اشتركت مع النقدين في المعنى العام للثمنية، فلا يعني هذا أنها شاركتهما في العلة، لأن الشارع لم يخبرنا أنه حرم الربا في النقدين لأجل الثمنية، وإنما حرمه فيهما لأنهما مطلوبان لذاتهما، وبنى [أي حمزة السالم على ذلك أمرين: أحدهما أنه ليس في الكتاب ولا في السنة أن الثمن مما يجري فيه الربا، حتى تقاس ثمنية الورق النقدي على ثمنية النقدين. الثاني: أنه لو كانت الثمنية علة، لبطل جريان الربا في الذهب والفضة في هذا العصر، لأنهما لم يعودا أثماناً ، وهذا مخالف للنص. وإذا لم يصح في الأوراق النقدية شيء من العلل الربوية وجب التصريح بجواز بيع الريال بالريالين ووجب إعلان هذا للناس، حتى لا يحرموا من حق ثابت لهم، هذا حاصل ما طرحه
٢٥٤
ثم قام الدكتور البجادي بدحض ما قاله حمزة السالم . ولكن إن قرأت الرد ستلحظ أن الدحض مبني على قبول الأوراق النقدية. هكذا اجتمعت زلة العلماء مع قوة الدولة لتثبيت العملات الورقية التي تصدرها الحكومات وكأنها مال حلال. فقبلها الناس رغماً عنهم. وهذا القبول بالطبع لن يقع إلا إن سهلت الحكومات عمل هذه القصاصات الورقية. وهذا كما هو معلوم ما تحاول شتى الحكومات فعله. أي أن الحكومات تتعاضد لنشر هذه العملات الورقية ليتمكن الناس من الاقتراض كما مر بنا حتى أن بعض الحكومات قد تضغط على حكومات أخرى للقبول بالنقد الورقي ليسود النظام العالمي الذي سحب الأرض للعولمة الظالمة. لنضرب مثالاً معروفاً: فعندما حاولت ماليزيا سنة ٢٠٠٣م تعميم تداول الدينار الإسلامي الذي أصدرته منظمة المرابطين العالمية سنة ١٩٨٣م بجنوب أفريقيا، لم يتجاوب معها العالم الإسلامي بسبب الضغوط على تلك الدول. ولذكر مثال على مثل هذه الضغوط المستمرة: يقول جون بركينز John Perkins والذي عمل في بلاد الحرمين كعميل في وكالة المخابرات الأمريكية CIA أيام حكم فيصل وخالد في كتابه «اعترافات قاتل «اقتصادي» والذي نشر سنة ٢٠٠٤م بأن الولايات المتحدة الأمريكية
ضغطت على السعودية لبيع النفط بالدولار فقط وذلك لأن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وسكرتير الخزانة الأمريكية جون كونولي أوقفا سريان المعيار الذهبي للدولار، وهذا يعني أن الدولار أصبح محفوفاً بالمخاطر لاحتمال فقدانه لقيمته بشكل مطرد، وهذا يعني أن التعامل بالدولار في المسائل الضخمة التجارية هو إنقاذ لوضع الدولار. لذلك كنا نُصر على التعامل بـالـدولار
فقط».
٢٥٥
ويذكر السفير بأن الضغط على الحكومة السعودية كان من خلال التفاهم على أن تحمي الولايات المتحدة الأمريكية الأسرة المالكة من فقدان الحكم مقابل حصول الشركات الأمريكية على الأفضلية في تنفيذ مشروعات التنمية في السعودية وبيع السعودية النفط بالدولار وضمانها لعدم إيقاف تدفق النفط مستقبلاً كما فعل الملك فيصل
١٢ الفصل والوصل
١٦٦١
رحمه الله. وكما هو معلوم فهذا ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية مع معظم دول العالم، أي استخدام شتى أنواع الضغط لدعم الدولار الأمريكي لكي لا يفقد موثوقيته. وبغض النظر عن صحة هذا الادعاء، فكل محاولة لهز مكانة الدولار ستحارب بشدة. حتى وإن أتت المحاربة من الداخل، أي من أي فرد من الشعب الأمريكي. ذلك أن الشعب الأمريكي مغلوب على أمره، إذ أن ١٪ من السكان ملكوا أكثر من ٤٠٪ من ثروات المجتمع الأمريكي سنة ۲۰۰۹م، بينما ملك ۸۰٪ من السكان فقط %۷٪ من الثروات التي قدرت في تلك السنة بـ ٥٤ تريليون دولار. وبالطبع لا يريد النظام الحاكم لهذه المنظومة أن تهتز لأنها تحت هيمنة الأثرياء. فعندما سك رجل مثلاً سنة ٢٠١١م من ولاية شمال كارولينا عملات فضية لتحل محل الدولار بالرجوع لنظرية هايك وقناعته بها، حكم عليه بالسجن خمسة وعشرون عاماً. وهو بالطبع قام بهذا السك خوفاً منه من التضخم على اقتصاد بلده وخوفاً منه على الأموال المهدرة بأيدي المسؤولين، إلا أن الدولة كانت له بالمرصاد فلم تتحمل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي الحرية المطلقة للناس سك بعض القطع الفضية لتحل محل الدولار.
ولعلك الآن بعد هذا الرفض للأوراق النقدية تسأل: ولكن كيف يمكن التعامل بالذهب والفضة؟ فأجيب: كنت قد ذكرت في الحديث عن العملات بأن هناك من سيرفض فكرة التعامل بالذهب والفضة أو أي معدن ثمين آخر في أيامنا هذه لأربعة أسباب وجيهة. وكنت قد دحضت ثلاثة أسباب وبقي لي واحد وهو الثاني)، ألا التشكيك في مقدرة الذهب والفضة أو أي معدن ثمين آخر لحفظ القيمة وذلك لإمكانية خلطهما بمعادن أقل ثمناً. هذا بالإضافة لصعوبة التعامل بالنقد في محقرات الأمور. وللتوضيح أقول:
وهو
يجب أن نتذكر دائماً بأن هناك «فرق بين استغلال التقنية في نقل الحقوق وبين مبادئ الشريعة في قص الحقوق في التعاملات. فهناك ثلاثة شروط لتصبح العملات مقبولة شرعاً وبغض النظر عن التقنية المستخدمة هي: ۱) التعامل بعملات تحمل في جوهرها قيمة العملة إن استخدمت في أي مكان في العالم، ٢) أن تكون هذه العملات
من إصدار الناس كالصيارفة أو التجار وليس من إصدار الحكومات، (۳) ألا تكون المقايضات بالتعامل الربوي.
لفهم هذا الفرق لأضرب مثالاً : قد يظهر صيرفي أو شركة صرافة وتستغل التقنيات الحالية المستخدمة في بطاقات الائتمان مثلاً، فقد يقوم صير في ما بصرف بطاقات ممغنطة للعملاء ليستخدموها في مشترياتهم. وكلما اشترى عميل (ولنقل زيد (مثلاً) سلعة ما سيخصم ثمن ما اشتراه من رصيده في المصرف. ثم يقوم التجار الذين اشترى زيد منهم بتحصيل ثمن ما اشتراه زيد. ولهذا لا يحق للصير في أخذ الربوا على المبلغ لأن البطاقة مسبوقة الدفع وليست ديناً على العميل. لاحظ أن الإطار الأكبر في التعاملات هـو بمادة هي في جـوهـرهـا ذات قيمة كالذهب. فهذا الصيرفي الذي يصدر البطاقات الممغنطة لابد وأن يفعل ذلك مقابل عملات ذهبية يأخذها ممن يستعملون البطاقات لتغطي مقدار ما هو مودع في قيمة البطاقة. والصير في عادة ما يفعل ذلك خوفاً على ماله وليس استجابة لنظام أو لقانون. وقد يودع بعض التجار أموالهم في نفس المصرف الذي تعامل معه زيد. وبهذا تنتقل الحقوق المالية من حساب زيد إلى حساب التاجر مباشرة. وهكذا من أفكار لا حد لها إلا أنها تحوم حول خصم أثمان المشتريات من رصيد المشتري، لا أن تتراكم الأثمان كديون بفوائد كما تفعل بطاقات الائتمان الحالية التي تتعامل بالنقود التي تصدرها الحكومات (أي أنها ضلال على ضلال).
١٦٦٢ 🗏
ذات
ولكن من سيحدد أوزان هذه العملات التي تحمل في جوهرها قيمتها؟ لأن الصيارفة كُثر، ولأن السوق واحد، فعادة ما تتحد أوزان العملات كأن تكون جراماً أو جرامين من الذهب كما هي حال العملات الورقية القيم المختلفة لخدمة الأسعار المختلفة. ففي مصلحة جميع الصيارفة التوجه لما يُقبل عليه الناس من عملات لتوفيره لهم. وبالتدريج ومع الزمن وبكثرة الاستخدام للعملات ستتغلب الأوزان الأكثر استخداماً على غيرها لتستقر الأوزان عليها. فقد تتغلب العملات ذات الجرام الواحد وذات الجرامات الثلاث على العملات ذات الجرامين، أو العكس، أو الجرام والنصف فقط. فمن يدري؟ وما يعين على هذا الاستقرار للأوزان هو تقدم تقنية السبائك. فكلما تقدمت تقنية تصنيع المعادن فسيستطيع الصيارفة استغلالها لاستحداث عملات قوية في سبيكتها من المعادن لتحوي أو لتحيط بقطعة صغيرة من الذهب كنصف الجرام أو ربعه. وبالطبع فباختلاف أحجام أو أوزان أو عيار الذهب الموضوع داخل السبيكة ستختلف قيمة العملة أي ستظهر العملات بأوزان مختلفة لتلبية المتطلبات المختلفة للأثمان المختلفة للسلع والخدمات. وهذا بالطبع سيشمل ما سيحتاج إليه الناس للتعاملات في محقرات الأمور. ولتلبية حاجات الناس من هذه العملات الأقل ثمناً فقد تُصنع من معادن أخرى غير الذهب، كالفضة أو البلاتين أو ما شابه من معادن ولكن لابد وبالضرورة» أن تكون بأسعار تعكس دائماً قيمة جوهرها بالإضافة لربح قليل مقابل السك.
وإن نظرت للعملات الورقية المعاصرة ستلحظ بأنها لا تزيد عن ست فئات ورقية في معظم الأحوال. فبالنسبة للدولار الأمريكي فهناك ورقة من مئتي دولار، وهذه نادرة الاستخدام، وورقة بفئة مئة دولار وورقة بفئة عشر دولارات وورقة بفئة خمسة دولارات وورقة بفئة دولار واحد، هذا بالإضافة للعملات المعدنية وهي ربع دولار (أي خمس وعشرون سنتاً) وعشر سنتات وخمس سنتات وسنت واحد. والسؤال الآن، ألا يمكن استحداث عملات معدنية تقوم مقام هذه الفئات الورقية الخمس أو الست؟ بالطبع نعم. فقد توجد عملة نحاسية صغيرة تحوي بوسطها جرامين من الذهب، وهذا يعدل مئة دولار تقريباً في أيامنا هذه (عام ٢٠١٣م)، وهذه سيكون لها اسماً معيناً كالجنيه مثلاً، وعملة أخرى قد تحوي جراماً واحداً مثلاً، وبالطبع سيكون لها اسماً آخر كالريال مثلاً. وثالثة تحوي ربع جرام من الذهب والذي يساوي ۱۲ دولاراً مثلاً. ثم تنتقل العملات لتسخدم الفضة أو البلاتين أو أي مادة أخرى جوهرها فيها لتساوي عشرة دولارات (وهذه عملة رابعة)، وخامسة لتساوي دولاراً واحداً. وهذه العملات بالطبع للاستخدام الأكثر شيوعاً ، أما بالنسبة للتعاملات النادرة والكبيرة مثل شراء العقارات فقد تُسك السبائك الذهبية لها كأن تكون كيلوجراماً واحداً أو نصف كيلوجرام. وهكذا من عملات بتسميات مختلفة قد لا تتغير إلا كل مئات السنين. عندها فلن يخاف أي عامل من فقدان مجهوده لأنه مخزون في عملاته، ويستطيع
مقايضتها متى أراد.
لاحظ أنني استخدم أمثلة بالرجوع للدولار حتى تتضح لك الصورة كثمنية لتقارنها بما نستهلكه اليوم. فالدولار يتغير في سعره بسبب التضخم وكذلك باقي العملات. لهذا، فإن الأصح هو ألا أقرن هذه العملات الذهبية بأي عملة أبداً، ولكن فقط لتتضح لك الصورة لأن ما في أذهاننا الآن من تثمين للسلع مشوه بالدولار أو الريال أو اليورو. فالأصح هي الأوزان للذهب وللفضة أو لأي معدن آخر دون مقارنة بأي من العملات الورقية كالدولار. فتصبح الأوزان للذهب هي المرجع الوحيد في أذهان الناس وتزداد مع مرور الزمن غرساً في الأذهان وتصبح هي
١٢ الفصل والوصل
١٦٦٣
الثمني لجميع السلع والخدمات ولا تقارن بغيرها، بل كل السلع والخدمات ترجع إليها وتقارن بأوزانها. لاحظ أيضاً أنني أستخدم الجرام والكيلوجرام كوحدات للوزن لتوضيح أوزان العملات، وهذا ليس بالضرورة صحيح، فقد يأتي باحث ويعيدنا لأوزان أكثر منطقية إن وُجدت في السنة المطهرة، فهذه مسألة لم أبحث فيها. فيا والأمر نفسه ينطبق على وزن الدينار الذهبي والدرهم الفضي اللذين انتشرا في العالم الإسلامي. فهل وزناهما السابقان ملائمان لأيامنا هذه ؟
ولعلك تقول ناقداً ولكن سرقة العملات التي تحوي الذهب أمر سهل، لأن السارق قد أخذ جوهر العملة ! فأجيب: وهذا الذي سيحدث أيضاً إن سرق اللص النقود الورقية. فسيستحيل على الناس كشفها إن أعاد اللص استخدامها لاستحالة التعرف عليها إلا بالأرقام التي عليها. وعندها فبالإمكان أيضاً ترقيم العملات المعدنية «إن احتاج المجتمع لهذا». ميزة أخرى إن الأجهزة والمعدات التي تصرف النقود ستتمكن بتقنية أسهل من التعامل مع العملات المعدنية لأن لها أحجاماً مختلفة وليست كالنقود الورقية التي يصعب تمييز بعضها عن بعض إلا بتقنيات
أكثر تقدماً.
ولعلك تقول أيضاً ناقداً: ولكن في حمل هذه العملات مشقة! فأجيب: بل العكس، فإن ما مقداره مئة دولار سيكون أقل من جرامين من الذهب، لذا لابد من تكبير حجم العملة إما بمعدن ما أو بقطعة بلاستيكية ما. فما سيحمله الفرد في جيبه من نفقات أسبوع سيكون أقل بكثير من سنتيمتر مكعب من الذهب كما مر بنا سابقاً، وهذا أقل بكثير من أحجام البطاقات الائتمانية التي تعج بها محافظ الناس. ولعلك تقول: ولكن في خزن الأموال في المنازل خطورة من اقتحام اللصوص، وهذا لن يحدث مع النقد الذي يوضع في البنك فأجيب بالسؤال: ولكن لماذا لا توضع العملات الذهبية هي أيضاً في المصارف ثم يصدر المصرف بطاقة ممغنطة للعميل لينفق مما أودعه؟ لكن في جميع الأحوال، تذكر دائماً بأنك تفكر في وضع مجتمع معاصر كثر فيه الفقراء وانتشر فيه الظلم بسبب قفل أبواب التمكين فانتشرت السرقات. وهذا لن يقع إن طبقت الشريعة لأن الكل يعمل وينتج. ولأن الكل مغتن، ولأن الفقير بسبب مرضه أو عجزه سيجد من سيكفله، ولأن السارق يعلم جيداً أن يده ستقطع إن هو سرق، فلن يقلق الناس على عملاتهم، وفي هذا الاطمئنان مزيد من الإبداع والإنتاج بسبب صفاء الأذهان.
هل تذكر أخي القارئ ما مر بنا عن المشقة في العمل وانجذاب الناس للأعمال المختلفة بسبب فتح أبواب التمكين ما يؤدي لوزن الناس للمشقة مع طبيعة العمل ثم انجذابهم لإنتاج ما دون آخر فتزداد السلع والخدمات إنتاجاً وإتقاناً بناء على هذه المعادلة بين المشقة والسعر وانجذاب الناس؟ فإن تفكرنا في هذا المبدأ، وحتى يكون الاقتصاد سليماً ومنتجاً بكفاءة، لابد لكل عملية تبادل تجاري أن تتم دون أي ظلم، ومنها ظلم النقد. وهذا يعني ضرورة استخدام عملة تحمل في جوهرها قيمة هي أقرب ما تكون للتبادل العادل في أي مكان في العالم. فكيف يمكن الوصول لهذه العملة التي تزيل الظلم؟
كنت قد ذكرت الإجابة في ميلاد العملة، وسأذكر بها الآن مرة أخرى لأهمية المسألة: الإجابة هي بفتح أبواب التمكين ما يؤدي لكثرة الصيارفة ما يؤدي للمزيد من المنافسة بين منتجي العملات. فعندما يُسك الذهب كنقد فمن البدهي أن يختلف سعر العملة بعد السك عن سعره كمادة خام لأن للسك تكلفة. هذا بالإضافة لإقبال
١٦٦٤ 🗏
الناس على عملة دون أخرى ما يزيد من ندرة تلك العملة التي أقبل الناس عليها. فكلما أقبل الناس على العملة لثقتهم بجودتها كلما ازداد الطلب عليها وبالتالي ارتفع سعرها. أي أن العملة سيرتفع بعد سكها بطريقة سعر تعكس كل من جودة العملة وثقة الناس بها. فالعملات التي يصدرها الصيارفة الراسخون في السوق والتي يثق بها الكثير بسبب نقائها ودقة وزنها وبالتالي ترحيب العملاء بها ستكون أكثر طلباً وبالتالي أكثر ندرة وسعراً. لهذا فعندما يصدر صير في حديث عملة فلن تنتشر هذه العملة ولن تقبل كما تُقبل عملات الصيارفة الأقدم من ذوي الأقدام الراسخة في السوق. لذا وحتى يكسب هذا الصير في الحديث السوق سيبيعها . بسعر أقل من غيره لنفس الوزن. وبالطبع قد لا يستطيع أن يبيعها بأقل من سعرها وهي مادة خام لأنه سيخسر، بل سيبيعها بربح أقل، وهذا يعني أنه سيضع عليها طبعات أو رسومات أقل تكلفة، وقد لا تصبح العملة في هذه الحالة قرصاً مثلاً، بل قد تكون كالكرة الصغيرة دون أشكال مثلاً أو أي شكل آخر أقل تكلفة في السك. وقد تكون برسم بسيط يرمز للصيرفي
الذي سكها.
ولكسب الزبائن فسيختم الصيرفي على العملة ما يرمز له حتى تكسب عملته السمعة لأنه سيضمن للزبائن وزنها ونقاءها. حتى أنه قد يقبل استبدالها بأخرى إن تيقن أنها من سكه وبها خلل كما أنه يقبل استبدالها بعوض إن هي أتلفت أو تلف جزء منها. وبهذا التنافس بين الصيارفة سيكون هم الصيارفة الأكبر هو الحصول على ثقة الناس ثم الرسم أو الشكل على العملة. والناس كما هو معلوم يثقون بالوزن والنقاء لأن الذهب يسهل إعادة تشكيله بعد إذابته. لهذا سيجتهد الصيارفة في حفظ سمعة عملاتهم بأقل تكلفة سك ممكنة بسبب التنافس. فكما قلت سابقاً، فقد يقبل الصيرفي تبديل عملاته المضروبة التي سكها بسعر أقل من الصيارفة الآخرين ولكن بالمبادلة بعملة من مادة أخرى كأن تكون فضية تلافياً للوقوع في ربا الفضل أو أن يعيدها ويأخذ من الزبون قيمة ما نقص منها من ذهب مثلاً ليكون التبادل مثلاً بمثل ويداً بيد والصيرفي ما فعل هذا إلا لكسب المصداقية في السوق. وهكذا يتنافس الصيارفة ليقترب الذهب في سعره كعملة من سعره كمادة خام برغم السك المستثمر فيه. وبهذا تصبح العملات وكأنها تساوي جوهرها أينما نقلت. وعندها فإن كل تعامل بين اثنين سيكون مفصولاً عن جميع المؤثرات المحيطة لأن للعملة قيمة في جوهرها. وبهذا ستصبح العملة شديدة الأمانة في نقل المجهودات. وبهذا تزداد المنتجات جودة لأن جُل تركيز العامل على إتقان وتطوير ما ينتجه ليكسب عملات أكثر، عملات ذات موثوقية عالية لن تفقد قيمتها مهما طال الزمن. كما أن هذه العملات لأنها تحفظ في جوهرها حقوق ملاكها ستفصل بين المنتجين حقوقياً بشكل قاطع، فلا تتداخل بينهم المشادات التي تثبط الإنتاج. وبهذا ترتفع جودة
المنتجات. كيف؟
قبل الانتقال للجودة لابد من التوضيح الآتي: لاحظ أخي القارئ أن أول خطوة في العمليات التجارية عادة ما تبدأ من الزبون الذي سيودع ماله ذهباً أو فضة ثم تبدأ المصارف في تسهيل إجراءاته، وبهذا فإن مجموع ما هو متداول من حقوق مالية لن يزيد عما أوجده المجتمع من ثروات تجسدت في عملات تحمل في جوهرها قيمتها كالذهب، وبهذا لن يظهر التضخم. أي أن الناس يعملون لأن أبواب التمكين مفتوحة، ثم ينتجون ويحصلون على المال ثم يودعونه إن هم أرادوا ثم ينفقون مما أودعوه، وليس كأيامنا هذه التي يقترض فيها الناس ثم يعملون ثم ينتجون ثم يربحون ثم يسددون ما اقترضوه
١٢ الفصل والوصل
1770
لعلك لاحظت أنني كنت أركز دائماً على سك الحكومات للنقود الورقية. أي أن الإشكالية ليست في الإيصالات أو القصاصات الورقية التي تنقل الحقوق المالية بين الناس، بل في من يقف وراءها. فكما قلت في الحديث عن التوثيق المتبادل والخطط الإنتاجية فقد يظهر من التجار والصيارفة من سيصدر الإيصالات الورقية ليتعامل بها الناس، وإن تمادى أحد الصيارفة ونشر في السوق من هذه الإيصالات أكثر مما يقابله من ذهب في خزائنه، فسيفتضح أمره إن عاجلاً أو آجلاً، وبالتالي سيخسر وقد يخسر معه بعض التجار والصناع، إلا أن هذه الخسارة محلية ومفصولة عن الاقتصاد الكلي للمجتمع، لذا فإن ضررها محصور في خطة إنتاجية واحدة في الغالب. وبهذا فإن الضرر محاصر وضئيل، هذا بالإضافة لتدخل القضاء لتعويض المتضررين من ممتلكات الصيرفي، تماماً كما تخسر أي شراكة أو مؤسسة. أي أن تناقل الحقوق بين الناس من خلال الإيصالات ما هي إلا خـدمـة تقـدمهـا المصارف كأي خدمة أخرى كالتطبيب أو التشييد، لذا فهي قابلة للخسارة كما تخسر أي مؤسسة أو شراكة تقدم الخدمات. لهذا سيتلافى الناس مثل هذه المصارف خوفاً على أموالهم ولن تنتشر هذه المصارف برغم أن الشريعة لا تعطي الحق لكائن من كان من الانقضاض على مصرف ما والكشف عن حساباته. فقد يُصدر المصرف سندات دين عليه وهو لا يملك ما يقابلها من ذهب، بل فقط يملك بعض الاستثمارات والمنشآت التي تقل في مجموعها عما
أصدره من سندات.
.
ولكن السؤال هو: هل ستقوم المصارف بصرف مثل هذه السندات ليتناقلها الناس وكأنها ورقة نقدية؟ والإجابة بالطبع لا إن طبقت الشريعة. لأنه باختصار لا فوائد ربوية. فقد يقوم مصرف بصرف بطاقة ممغنطة لزيد ليصرف منها لأن لديه في مصرفه عملات عبيد المودعة، وعبيد هذا لا يستخدمها لأنه ثري. فما الذي يجنيه المصرف من مثل هذا الدعم لزيد إن لم يستفد بالربوا؟ فالبنوك المعاصرة تُقرض العملاء لكسب الفوائد. أما مع تطبيق الشريعة فلن تصدر البنوك هذه الإيصالات إلا لمن أودع في حسابه ما يقابلها من ذهب. كيف؟
لاحظ أن المجتمع لن يستطيع منع ظهور بعض المؤسسات المصرفية والتي قد يتمادى بعضها في التعامل بالربوا وذلك بالاتفاق سراً مع العميل المضطر لبرم اتفاقيات ممنوعة وذلك بالتحايل على الشريعة كصفقات «التورق» مثلاً المؤدية إلى حصول العميل على النقد حالاً مقابل دفعات مؤجلة إلا أنها بفوائد. وصفقات التورق هذه عادة ما تتم بتحايل المصارف من خلال بيع وشراء سلعة ما كما هو معلوم. أي أن بعض المؤسسات المصرفية قد تسقط في المراباة، إلا أنها ليست مراباة منظمة ومقننة ليقبلها المجتمع وليست بالتالي منتشرة. ومتى افتضح أمر عقد تورقي ما (برفض العميل دفع ما عليه من فوائد مثلاً فإن المصرف لن يستطيع مقاضاة العميل لأنه خالف الشرع في مجتمع يحكم بالإسلام. وقد تقول: ولكن لماذا لا تتدخل السلطات لمنع ظهور مثل هذه المصارف التي قد ترابي ابتداءً! فأجيب: إن اكتشف بعض المحتسبين التلاعب المصرفي والمراباة دون محاولة اختراق المصارف فلا بأس، وهذا ما سيقع إن طبقت الشريعة (كما سيأتي بإذن الله)، أما أن تتدخل الدولة من خلال موظفين بمرتبات لتفتيش المصارف فإن هذا بحاجة لجهاز حكومي لمراقبة المصارف وبهذا تكون بذرة الدولة بصيغتها المعاصرة ذات التفتيش والتسلط والنفقات قد ولدت. ناهيك عن أن المصارف ستتمكن من رشوة العاملين في هذه الأجهزة. لكن تطبيق الشريعة جيلاً بعد جيل ومع سمو المجتمع ستنحسر هذه المعاملات ويستقيم أمر المصارف. وما يعين على هذه الاستقامة مع رفع الجودة هو الآتي.
مع
1777 🗏
(لا تبع ما ليس عندك) والجودة
لقد ترددت في طرح الآتي لأنني أدرك بعد المسافة بين ما يطرحه كتاب «قص الحق» وما هو منتشر بين الناس من قناعات عن التعاملات المالية. كنت قد قلت تحت العنوان السابق بأن بعض المصارف قد تتمادى وتقرض زيداً من الناس من عملات عبيد التي أودعت في المصرف. وأن هذا الإقراض قد يكون على شكل إيصالات ينفقها زيد مقابل دفع ربح ربوي للمصرف. ولأنه لا يحق لأحد أن يفتش خزنة المصرف عن الذهب، فقد يصدر المصرف مستنداً لعميل آخر وآخر وبهذا تزداد السيولة دونما إنتاج يقابلها. وكما قلت: سيفلس هذا المصرف إن عاجلاً أو آجلاً. إلا أن الشريعة وضعت حركية فذة لتلافي وقوع هذا الإفلاس ولتلافي ظهور التضخم. هذه الحركية هي منع الناس من بيع ما ليس بحوزتهم، وهذا يؤدي لعدم مقدرة المصارف لإقراض ما لا تملك. أي أن المصرف إن أراد أن يُقرض زيد فسيعطيه «في الغالب» عملات ذهبية وليس وصلاً ورقياً. عندها فكل ما يودع في المصرف من عملات سيخرج منه إن قام المصرف بالإقراض. وبالطبع لن يقرض المصرف أحداً أبداً بهذه الطريقة لأنه لن يكسب شيئاً لأن الربوا محرم. وبهذا يتغير دور المصارف من مؤسسات كالبنوك المعاصرة التي تعتمد على الإقراض إلى مصارف تركز على حفظ الأموال مقابل رسم مالي كأتعاب و إلى إرشاد زيد ليشترك مع عبيد في شراكة ما لأنه يعلم أن لعبيد عملات ذهبية في المصرف وأن زيداً يريد العملات ليبدأ الإنتاج. عندها فلن يظهر التضخم أبداً ليدور الاقتصاد بنقد قليل من الكثير من الناس بسبب الزكاة والإنفاق. لكن لاحظ أن الاقتراض يختلف عن التوثيق المتبادل الذي لا يعتمد على العملات ولكن على مستندات تحفظ الحقوق بين الأطراف كما مر بنا. ولعلك ترفض السابق بالقول بأن للبنوك خدمات ضرورية تقدمها لسير الاقتصاد، وقد تستشهد بسندات القبول المصرفية مثلاً. وللرد ولإثبات الطرح السابق وتأثيره في الجودة أقول:
.
السلعة
٢٥٧
جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه. وزاد ابن عباس: «وأحسب كل شيء مثله». وفي مسند الإمام أحمد أن حكيم بن حزام سأل: «يا رسول الله إني أشتري بيوعاً فما يحل لي منها، وما يحرم علي؟ قال: فإذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه)». ٢٥٦ وفي سنن الترمذي روى عبد الله بن عمرو : لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك. وقال الشافعي في الأم: وبهذا نأخذ، فمن ابتاع شيئاً كائناً ما كان فليس له أن يبيعه حتى يقبضه». وإلى هذا ذهب الفقهاء الأربعة رحمهم الله. يقول ابن قدامة: «أما بيع المسلّم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافاً». ٢٥٨ وكما ترى أخي القارئ من هذه الآثار وغيرها كثير ، ٢٥٩ فإنها تحرم على المسلمين بيع التي لم تقبض. بمعنى أنني إن اشتريت سلعة ولم أقبضها (وقد يكون قبضها بعد الكيل إن كانت طعاماً ثم النقل لموقع آخر، أو قد يكون قبضها بإخلائها من ساكنها السابق إن كانت داراً إلا إن استأجرها الساكن من المالك الجديد)، فإنه بناء على هذا التوجيه النبوي فلا يحق لي بيع السلعة إن لم أقبضها. وهذه «الحركية » إعجاز تشريعي. لماذا؟ لأن هذا التحريم يؤدي لجذ التضخم من جهة ما يعني توزيعاً أعدل للموارد، وإلى زيادة الكفاءة الإنتاجية للمجتمع بإزالة كل المضاربات المالية التي لا تنتج إلا أعمالاً بيروقراطية تنهك الاقتصاد من جهة ثانية، وإلى جودة أعلى للمنتجات من جهة ثالثة. وللتوضيح أقول: لنقرأ أولاً ملخصاً عن المسألة من كتاب «نيل الأوطار» للشوكاني رحمه
الله .
١٢ الفصل والوصل
דר
عندك.
مصنع
«باب نهي المشتري عن بيع ما اشتراه قبل قبضه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه رواه أحمد ومسلم. وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى، رواه أحمد ومسلم. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله). وعن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعاً فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: (إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه ) رواه أحمد. وعن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، رواه أبو داود والدارقطني. وعن ابن عمر قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه، رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه، وفي لفظ في الصحيحين: حتى يحولوه، للجماعة إلا الترمذي: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه . ولأحمد: (من اشترى طعاماً بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه . ولأبي داود والنسائي: نهى أن يبيع أحد طعـامـاً اشتراه بكيل حتى يستوفيه. وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه ، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. رواه الجماعة إلا الترمذي. وفي لفظ الصحيحين: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه . حتى یکتاله.
في
حديث حكيم بن حزام أخرجه أيضاً الطبراني في الكبير وفي إسناده العلاء بن خالد الواسطي، وثقه ابن حبان وضعفه موسى بن إسماعيل، وقد أخرج النسائي بعضه، وهو طرف من حديثه المتقدم في باب النهي عن بيع ما لا يملكه. وحديث زيد بن ثابت أخرجه أيضاً الحاكم وصححه، وابن حبان وصححه أيضاً . قوله : (إذا ابتعت طعاما)، وكذا قوله في الحديث الثاني: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. الخ، وكذا قوله: (من اشترى طعاما ) وكذلك بقية ما فيه التصريح بمطلق الطعام في حديث الباب، في جميعها دليل على أنه لا يجوز لمن اشترى طعاماً أن يبيعه حتى يقبضه، من غير فرق بين الجزافي وغيره، وإلى هذا ذهب الجمهور. وروي عن عثمان البتي أنه يجوز بيع كل شيء قبل قبضه، والأحاديث ترد عليه، فإن النهي يقتضي التحريم بحقيقته، ويدل على الفساد المرادف للبطلان كما تقرر في الأصول. وحكي في الفتح عن مالك في المشهور عنه الفرق بين الجزاف وغيره، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتجوا بأن الجزاف يُرى فيكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعاً: (من اشترى طعاماً بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه، ورواه أبو داود والنسائي بلفظ : نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه، كما ذكر المصنف. وللدارقطني من حديث جابر : نهى رسول الله
هامش
ط ٤) سندات القبول المصرفية هي وسيلة من وسائل بيع ما ليس وبهذا تدفع قيمة السند المصرفي المقبول لحامله. وللبنوك عمولة القيام . وهي : تعمل كالآتي : إن رغبت المؤسسة ما مثلاً في شراء معدات بهذه العمليات. على أن تقوم بالدفع بعد خمسة أشهر من شحن المعدات، بينما يحتاج ي٤) وفي الحديث : ابْتاعُوا الطعام جزافاً؛ الجزافُ والجَزْفُ: المعدات المبلغ حالاً، عندها يقوم المصنع بإصدار حوالة على المجهول القدر ، مكيلا كان أو موزوناً. والجزافُ والجزاف البنك الذي يتعامل معه بدفع مبلغ معين من النقود إلى حاملها عند والجزافة والجزافة : بيعك الشيء واشتراؤكه بلا وزن ولا كيل، وهو الاستحقاق، ويرفق مع الحوالة المستندات التي تثبت شحن المعدات يرجع إلى المساهلة، وهو دخيل، تقول: بِعْتُه بالجُزاف و الجُزافةِ وعندما وصول الحوالة مع المستندات للبنك يختم عليها بالقبول ما والقياس جزافٌ ؛ وقول صخر الغَيّ: فأقبل منه طوال الذرى كأن يعني التزام البنك دون شروط بالدفع لحاملها عند الاستحقاق وبهذا عليهن بيعا جزيفا أراد طعاماً بيع جزافا بغير كيل، يصف سحابا . تصبح أداة من أدوات سوق النقد القابلة للتداول. ثم - عند الاستحقاق أبو عمرو : اجْتَزَفْتُ الشيءَ اجْتِزافاً إِذا شَرَيْتَه جزافاً، والله أعلم» تقوم المؤسسة التي اشترت بدفع قيمة المعدات إلى البنك المحلي الذي تتعامل معه والذي يحول المبلغ إلى البنك الضامن للورقة التجارية.
.(٢٦٠)
١٦٦٨
صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الطعام حتى يجزي فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري، ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة قال في الفتح بإسناد حسن، قالوا: وفي ذلك دليل على أن القبض إنما يكون شرطاً في المكيل والموزون دون الجزاف، واستدل الجهمور بإطلاق أحاديث الباب وبنص حديث ابن عمر، فإنه صرح فيه بأنهم كانوا يبتاعون جزافاً الحديث. ويدل لما قالوا حديث حكيم بن حزام المذكور لأنه يعم كل مبيع، ويجاب عن حديث ابن عمر وجابر اللذين احتج بهما مالك ومن معه بأن التنصيص على كون الطعام المنهي عن بيعه مكيلاً أو موزوناً لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في غيره، نعم لو لم يوجد في الباب إلا الأحاديث التي فيها إطلاق لفظ الطعام لأمكن أن يقال: إنه يحمل المطلق على المقيد بالكيل والوزن، وأما بعد التصريح بالنهي عن بيع الجزاف قبل قبضه كما في حديث ابن عمر فيحتم المصير إلى أن حكم الطعام متحد من غير فرق بين الجزاف وغيره، ورجح صاحب ضوء النهار أن هذا الحكم، أعني تحريم بيع الشيء قبل قبضه مختص بالجزاف دون المكيل والموزون وسائر المبيعات من غير الطعام، وحكي هذا عن مالك، ويجاب عنه بما تقدم من إطلاق الطعام والتصريح بما هو أعم منه كما في حديث حكيم، والتنصيص على تحريم بيع المكيل من الطعام والموزون كما في حديث ابن عمر وجابر ، وما حكاه عن مالك خلاف ما حكاه عنه غيره، فإن صاحب الفتح حكى عنه ما تقدم وهو مقابل لما حكاه عنه. وكذلك روي عن مالك ما يخالف ذلك ابن دقيق العيد وابن القيم وابن رشد في بداية المجتهد وغيرهم، وقد سبق صاحب ضوء النهار إلى هذا المذهب ابن المنذر ، ولكنه لم يخصص بعض الطعام دون بعض، بل سوى بين الجزاف وغيره، ونفي اعتبار القبض عن غير الطعام، وقد حكى ابن القيم في بدائع الفوائد عن أصحاب مالك كقول ابن المنذر: ويكفي في رد هذا المذهب حديث حكيم فإنه يشمل بعمومه غير الطعام، وحديث زيد بن ثابت فإنه مصرح بالنهي في السلع. وقد استدل من خصص هذا الحكم بالطعام بما في البخاري من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى من عمر بكراً كان ابنه راكباً عليه وهبه لابنه قبل قبضه. ويجاب عن هذا بأنه خارج عن محل النزاع، لأن البيع معاوضة بعوض، وكذلك الهبة إذا كانت بعوض، وهذه الهبة الواقعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست على عوض، وغاية ما في الحديث جواز التصرف في المبيع قبل قبضه بالهبة بغير عوض، ولا يصح الإلحاق للبيع وسائر التصرفات بذلك، لأنه مع كونه فاسد الاعتبار قياس مع الفارق. وأيضاً قد تقرر في الأصول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر الأمة أو نهاها أمراً أو نهياً خاصاً بها ثم فعل ما يخالف ذلك ولم يقم دليل يدل على التأسي في ذلك الفعل بخصوصه كان مختصاً به، لأن هذا الأمر أو النهي الخاصين بالأمة في مسألة مخصوصة هما أخص من أدلة التأسي العامة مطلقاً، فيبنى العام على الخاص. وذهب بعض المتأخرين إلى تخصيص التصرف الذي نهى عنه قبل القبض بالبيع دون غيره. قال: فلا يحل البيع ويحل غيره من التصرفات، وأراد بذلك الجمع بين أحاديث الباب وحديث شرائه صلى الله عليه وآله وسلم للبكر، ولكنه يعكر عليه أن ذلك يستلزم إلحاق جميع التصرفات التي بعوض وبغير عوض بالهبة بغير عوض، وهو إلحاق مع الفارق، وأيضاً إلحاقها بالهبة المذكورة دون البيع الذي وردت بمنعه الأحاديث تحكم، والأولى الجمع بإلحاق التصرفات بعوض بالبيع، فيكون فعلها قبل القبض غير جائز، وإلحاق التصرفات التي لا عوض فيها بالهبة المذكورة، وهذا هو الراجح، ولا يشكل عليه ما قدمنا من أن ذلك الفعل مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن ذلك إنما هو على طريق التنزل مع ذلك القائل بعد فرض أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم يخالف ما دلت عليه أحاديث الباب، وقد عرفت أنه لا مخالفة فلا اختصاص، ويشهد لما ذهبنا إليه إجماعهم على صحة الوقف والعتق قبل القبض، ويشهد له أيضاً ما علل به النهي، فإنه أخرج البخاري عن طاوس قال: قلت: لابن عباس: كيف ذاك؟ قال: دراهم بدراهم والطعام مرجئاً، استفهمه عن سبب النهي فأجابه بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض 🗏
١٢ الفصل والوصل
وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم ، بدراهم ويبين ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه قال لما سأله طاوس : ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجاً؟ وذلك لأنه إذا اشترى طعاماً بمائة دينار ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلاً فكأنه اشترى بذهبه ذهباً أكثر منه، ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق على ما كان من التصرفات بغير عوض، وهذا التعليل أجود ما علل به النهي، لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ولا شك أن المنع من كل تصرف قبل القبض من غير فرق بين ما كان بعوض وما لا عوض فيه لا دليل عليه إلا الإلحاق لسائر التصرفات بالبيع، وقد عرفت بطلان إلحاق ما لا عوض فيه بما فيه عوض، ومجرد صدق اسم التصرف على الجميع لا يجعله مسوغاً للقياس عارفُ بعلم الأصول.
قوله: (حتى يحوزها التجار إلى رحالهم فيه دليل على أنه لا يكفي مجرد القبض، بل لا بد من تحويله إلى المنزل الذي يسكن فيه المشتري أو يضع فيه بضاعته، وكذلك يدل على هذا قوله في الرواية الأخرى: (حتى يحولوه) ، وكذلك ما وقع في بعض طرق مسلم عن ابن عمر بلفظ : كنا نبتاع الطعام فبعث علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه. وقد قال صاحب الفتح : إنه لا يعتبر الإيواء إلى الرحال لأن الأمر به خرج مخرج الغالب، ولا يخفى أن هذه دعوى تحتاج إلى برهان لأنه مخالفة لما هو الظاهر، ولا عذر لمن قال إنه يحمل المطلق على المقيد من المصير إلى ما دلت عليه هذه الروايات. قوله : ( جزافا) بتثليث الجيم والكسر أفصح من غيره. وهو ما لم يعلم قدره على التفصيل...».
٢٦١
١٦٦٩
ولعلك تسأل: لماذا اعتبرت يا جميل عدم جواز بيع ما ليس عند الفرد «حركية»؟ والإجابة هي أنه من الطبعي أن لكل منتج أو تاجر مستودعاً. وهذا المستودع كمكان سيكون واضحاً للعيان من كثرة التعامل. لذا فلن يستطيع تاجر البيع من موقع تاجر آخر لأنه يعلم أن المجتمع عادة ما يرفض هذا البيع. فإن طبقت الشريعة هذا عرفاً بين الناس، وكأن البيع من مكان غير مكان التاجر يعتبر تحايلاً فينبذ الناس التاجر. لهذا هذا الهدي النبوي حركية، تماماً كما هي الحقوق السابقة التي ستصبح حركيات. وللتذكير بمثال: تذكر ما قلناه عن بيع الذهب تبراً، فمن حازوه من الناس من الطبيعة سيبيعونه لمن سيسكونه مثلاً بمثل ويداً بيد، ولن يستطيع المشتري المطالبة بالزيادة لأن البيع مثلاً بمثل هو العرف المتبع الذي لا يتجرأ أحد على تغافله أو تحديه.
سيصبح
سيصبح
لذا فلعل أول صدمة فكرية هي تعجب كل عقلاني بطرح السؤال من خلال المثال الآتي قائلاً: إن اشتريت ألف قارورة زيت زيتون من معصرة ما وأصبحت مالكاً لها واتفقت مع المعصرة أن تبيقي القوارير لديهم لستة أشهر لكي لا أنقل الزيت فتتكسر بعض القوارير بالنقل، فلماذا تمنعني الشريعة من بيع الزيت قبل قبضه ونقله؟ فقد أبيع الزيت بعد شهرين أو ثلاثة للتاجر عبيد في مدينة أخرى وسيأتي عبيد وينقلها من مكانها في مستودعات المعصرة إلى متجره في مدينة أخرى، فلماذا تمنع الشريعة مثل هذا التسهيل وتعقد المسألة لتتكسر القوارير بنقلها لمستودعاتي أولاً ثم إلى مستودعات التاجر عبيد؟ فأجيب : هذا مثال جيد أخي القارئ على قصور العقل البشري. وللتوضيح أقول:
لعلك لاحظت من الاقتباس السابق اتفاق الفقهاء على عدم جواز البيع قبل القبض. لكن لاحظ العلة التي توصل إليها الفقهاء في أن بيع السلعة قبل قبضها وكأنه ربوا مقارنة بالتصرف من غير البيع كالهبة والوقف. لنتدبر ما جاء في الاقتباس السابق إذ يقول: «ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجاً؟ وذلك لأنه إذا اشترى طعاماً بمائة دينار
١٦٧٠ 🗏
السلعة
ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلاً ، فكأنه اشترى بذهبه ذهباً أكثر منه ) ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق على ما كان من التصرفات بغير عوض، وهذا التعليل أجود ما علل به النهي، لأن الصحابة أعرف بمقاصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم». والسؤال هنا: ما هو الشبه بين الربوا وبين بيع ا قبل قبضها؟ والإجابة هي أنهما متشابهان تماماً من حيث تمكين بعض الناس على حساب الآخرين دونما إنتاج فعلي، فتظهر الطبقية في المجتمع على حساب من يكد وينتج. فهذا الذي يبيع ما لا ليس عنده، ولأنه يركز على سلعة واحدة في الغالب سيكسب خبرة عن الأسعار في الفصول المختلفة وبالتالي يشتري السلع ويبيعها وهي في مكانها وبهذا يربح دونما إنتاج أي وكأنه يضارب بها. ولأنه ملك الخبرة في السوق من خلال مثل هذه المضاربات، يدرك أنواع الصفقات الأكثر ربحاً مستقبلاً ثم يُقبل عليها. فهو بهذا يرفع الأسعار دونما أي إضافة لثروات المجتمع. لكن إن كان عليه نقلها فإن التكلفة الفعلية ستزيد عليه ولن يتمكن من بيعها إلا بسعر أعلى وبهذا قد يخرج من السوق، وبهذا ينحسر عدد هؤلاء المضاربين في المجتمع، وهذا الانحسار سيؤدي للمزيد من الكفاءة في الإنتاج وللمزيد من العدالة في التوزيع. والشريعة تعلم هذا لهذا منعت بيع أي سلعة قبل قبضها. كيف؟
إن تحريم الشريعة لبيع ما لم يُقبض هو مما أساء فهمه كثير من الناس حتى بعض الفقهاء. فقد سمعت شيخاً معروفاً بخبرته في الاقتصاد الإسلامي في التلفاز " يقول بأن التوزيع سيكون أمثل في المجتمعات إن اتبع الناس قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تبع ما ليس عندك. ولتوضيح الحديث يقول بأنه إن تمسك التجار بالشريعة ونقلوا البضائع بعد قبضها لحوزتهم، فإن في هذا تشغيل للكثير من الأيدي العاملة مثل تشغيل أصحاب المستودعات وسائقي الشاحنات وحراس المخازن والعتالين ونحوهم من عمال ومما قاله الشيخ أيضاً لدعم ما ذهب إليه المثل المعروف: «احفر بئراً واطمر بئراً ولا تعطل أجيراً». كما أن الشيخ وضح أن في حث المصانع والتجار الكبار للبيع لتجار أصغر ثم أصغر توزيع أفضل وأعدل للثروات لأن التاجر الأول سيكسب والثاني سيكسب والثالث سيكسب، وبهذا تدور السلع من تاجر لآخر، وسيكسب بالتالي الكثير من الناس بالعمل المستمر لأن كل تاجر سيوظف عدداً من الناس.
الخطأ
ألا تعتقد أخي القارئ بأن ما قاله الشيخ سيؤدي إلى بطالة مقنعة؟ وهل يجابه الفقر بتشغيل الناس فيما لا طائل منه بنقل البضائع من موقع لآخر وتحميلها وتنزيلها في كل موقع؟ أم أن هذا سيزيد الفقر بسحب عدد أكبر من الناس في العمل في هذه الوظائف المتدنية على حساب انطلاقهم لما هو أكثر إبداعاً من الأعمال؛ فلم تضف هذه التنقلات للسلع أي قيمة للسلعة برغم الهدر في التوظيف للأيدي العاملة. وبالطبع فإن الشيخ ما قال هذا إلا لأنه يرى البطالة المنتشرة. وكما مر بنا فإن هذه البطالة ما ظهرت إلا بسبب عدم تطبيق الشريعة. فكأنه عالج بخطأ آخر. ناهيك عن الأضرار الناجمة من هذا النقل للسلع: فالقوارير قد تكسّر، والدقيق قد تصله الرطوبة، والزبدة قد تسيح، والأثاث سيحتاج للمزيد من التثبيت في الحاوية لكي لا يتفكك بالتحميل وبالتنزيل وبالتحريك، وهكذا من أمثلة يعلمها الجميع. وقد تقول: ولكن هذا سيؤدي لتقدم تقنية الشحن: فالأجهزة والمعدات الآن تأتي مغلفة بطريقة آمنة، وما حدث هذا إلا بتطور علم وتقنية الشحن للسلع من كثرة الشحن! فأقول: بالطبع التقنية تقدمت وستتقدم أكثر مع كل تحميل وتنزيل، ولكن هل هذا استثمار أمثل، أم أن الأمثل تلافي النقل قدر المستطاع لتوفير هذه التقنيات المكلفة والأيدي العاملة في الشحن لتوظف فيما هو أهم كفتح طرق جديدة أو بناء مصحات
١٢ الفصل والوصل
١٦٧١
ومدارس أكثر؟ وإن قلت : ولكن تقنيات الشحن مهمة أجيب بالطبع هي مهمة جداً، لكن إن استطاع المجتمع توفير جزء من هذا المهم واستثماره في مهم آخر مثل تشييد الجسور على الأنهار لتنساب الحركة، فالمجتمع حينئذ في وضع أفضل. فكل يد عاملة أو عقل مفكر لهو زيادة لإنتاجية الأمة إن وضعت في مكانها الصحيح، وهذا لن يحدث إلا بتطبيق مقصوصة الحقوق التي تفتح أبواب التمكين للجميع.
ك
أي وكأن الشريعة بالإصرار على النقل تحاول دفع التجار لأقل نقل للبضائع لأن كل نقل للسلعة من مكان لآخر سيزيد التكلفة ويؤثر في جودة السلعة، وهذا النقل لن يكون مجدياً اقتصادياً. لهذا سيتلافاه التجار قدر المستطاع. ولكن هل القبض يعني نقل البضاعة من موقعها إن كانت مما يُنقل كقوارير الزيت، أي ليست كالعقار مثلاً؟ أم فقط استلامها أو استلام ما يوثق انتقال ملكيتها كوصل أو صك ما كما هي حال الأسهم مثلاً؟ باختصار فإن القبض يعني دخول المبيع في حوزة المشتري، فإن كانت مما ينقل فلابد من نقلها، وإن كانت مما يُشغل كالعقار فلابد من إخلائها ممن باعها إن كان ساكناً بها إلا إن استأجرها البائع بعقد مع المالك الجديد. هذا ما كان واضحاً تماماً في الفقرة الأخيرة من الاقتباس السابق من نيل الأوطار». وللتذكير فقد أخرج أبو داود والدارقطني عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار في «رحالهم». والحديث الألباني. وفي هذا يقول رفيق المصري أثابه الله :
حسنه
:
«ولعل لهذا السبب نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وفي رواية: نهاهم أن يبيعوه ) (الطعام) حتى ينقلوه، أو حتى يحولوه. وفي رواية: كان يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه فهذا ربما لا يكون فيه دلالة على قبض السلعة فحسب، كما يقول الفقهاء، بل قد يكون فيه دلالة أخرى هي القيمة المضافة نتيجة نقل السلعة من مكان إلى مكان. ... لقد اعترف رجال الاقتصاد بإنتاجية الزراعة أولا ثم الصناعة، ولكنهم لم يعترفوا بإنتاجية التجارة إلا في مرحلة متأخرة، ذلك لأنهم كانوا يرون أن الإنتاج هو خلق المادة، ثم عدلوا عن ذلك إلى أنه خلق المنافع».
٢٦٣
أي أن في نقل المستهلكات من مكان إنتاجها إلى المستهلك منفعة ضرورية. ولكن لا يعني هذا تناقل السلع دونما حكمة. بل الأفضل بالطبع أن تنقل السلعة من المصدر سواء كان مصنعاً أو مزرعة إلى المستهلك مباشرة وبأقصر طريق لزيادة الكفاءة الإنتاجية في المجتمع وللحفاظ على سلامة ونضارة وطزاجة السلعة قدر المستطاع. فكلما قل عدد مرات النقل كلما أدى هذا لكفاءة أعلى في التشغيل للأيدي ولحفظ أفضل للسلع.
إن توصيل أي سلعة من المصدر إلى المستهلك بالطبع قد يتطلب جبراً عدة نقلات للسلع وبالتالي عدة وقفات بحسب المسافة وجغرافيتها. وعندها فاحتمال ظهور تجار بعدد هذه الوقفات أمر وارد. فقد يُشحن التمر من وسط الوادي إلى طرفه، ثم من هناك إلى ميناء بالساحل، ثم يُشحن بالقارب إلى مدينة ساحلية أخرى، ثم إلى موقع المستهلك على سفح الجبل . فهنا احتمال ظهور أربعة تجار : بين كل وقفة وأخرى تاجر، أو احتمال ظهور عدد
هامش
ك٤) لعلك تستنتج بأن هنا تناقضاً، ذلك أن الشريعة كما يفسرها الناس فيزدادون ثراءً، وبالتالي من خلال تبرعاتهم للأوقاف (لأنهم كتاب «قص الحق» تنادي بعدم تدخل الدولة، فكيف إذا تتحول أقدر على التبرع) ستشيّد مثل هذه المنشآت والخدمات الأخرى الأموال من توفير تكاليف الشحن إلى بناء الجسور مثلاً دون تدخل المشابهة كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن الله. الدولة؟ فأجيب: إن توفير أموال الشحن سينتهي بالأموال الموفرة إلى
١٦٧٢ 🗏
أقل من التجار بناء على مقدرة التجار والتقنية المستخدمة في الشحن. فقد يقوم تاجر ما بتولي العملية برمتها وفقط بوضع السلع داخل حاوية تتناقلها وسائل النقل كما هي حال البضائع المعاصرة التي توضع داخل حاويات ثم تنقل من مكان لآخر دون فتحها لتصل من المصنع إلى تاجر التجزئة في محله. وهؤلاء التجار بالطبع بهذا النقل يضعون جهداً يستوجب الربح لأنهم يوجدون منفعة جديدة للسلعة بنقلها. وبالطبع كلما زادت مرات التحميل والتنزيل زادت التكلفة. فمع كل نقل إلى محطة ما ستظهر تكلفة إضافية بسبب التحميل والتنزيل «إن بيعت السلعة من تاجر لآخر»، وهذا ما تصر عليه الشريعة مع كل صفقة بيع ! ألا يناقض هذا المنطق الاقتصادي الذي ينادي بعدم التحميل والتنزيل في مستودع كل تاجر؟ وللتوضيح أقول:
لاحظ أن المهم هو قبض السلعة وإخراجها من حوزة البائع إلى «رحال» المشتري. فإن قام التاجر زيد بوضع ما اشتراه في حاوية ونقل الحاوية لتاجر آخر واستلم الآخر السلع دون الحاوية، فهذا والله أعلم جائز لأن التاجر زيد نقل ما اشتراه الحوزته في الحاوية، وكأن الحاوية مستودع له، إلا أنها مستودع متحرك. لهذا إن أصرت الشريعة على القبض مع كل صفقة، فإن من يتاجر ويقبض وينقل السلع المستودعاته أو حاوياته في كل صفقة لن يستطيع المنافسة في السوق إن أراد المضاربة» لأن التكلفة عليه سترتفع، ثم إن أتى تاجر ثانٍ وفعل فعل الأول مضاربة، سترتفع التكلفة على الثاني أكثر ثم على الثالث أكثر وأكثر ليخرج هذا الأخير في الغالب من السوق لارتفاع التكلفة عليه لاحتمال قيام تاجر آخر كالثاني والقبول بربح أقل، ثم بالتدريج وبنفس المنطق وبالتنافس قد يخرج الثاني، وهكذا سيخرج جميع هؤلاء المضاربين من السوق ولن يبقى إلا التاجر الذي لا مفر من وجوده . نقل السلع بسعر منافس لأن أبواب التمكين مفتوحة للجميع. فإن تفكرنا في المسألة سنستنتج بالضرورة غلبة أحد الاحتمالين الآتيين في جميع المجتمعات: (۱) إما أن نصل لأعلى كفاءة ممكنة للشحن بأقل إنفاق ممكن إن أصر المجتمع على تحريم البيع قبل القبض كما تنص الشريعة بسبب المنافسة ولأنه لا مضاربات؛ ٢) وإما ظهور المضاربة على السلع وهي في مكانها أو في مستودعات متوسطة بين المصدر والمستهلك كالحاويات المستأجرة. أي ظهور المضاربة مع أقل نقل ممكن للسلع لأن المجتمع الاقتصادي لا يشترط القبض كما هي حال الرأسمالية المعاصرة. ولأن التاجر يريد الربح فسيتلافى هو وغيره نقل السلع ولكن مع المضاربة عليها أينما كانت سواء في مستودعات المنتج أو في حاويات على السفن أو في الميناء. وفي العولمة الظالمة فإن الاحتمال الأول لم يطبق أبداً، بينما ازدهر الاحتمال الثاني ما أدى لظهور بيع الأبشن option كعرف تجاري مقبول. وهكذا أصبحت السلع من خلال التداولات المتعددة دون إضافة أي جهد لنقلها محتكرة للرأسماليين. فتزداد الأسعار دون وجه حق لأن هناك العديد من المضاربين بين المنتج والمستهلك والذين يربحون دونما إنتاج أو دونما تكاليف شحن. وبالطبع لم يتمكن هؤلاء المضاربون من المضاربة إلا لأن أبواب التمكين مغلقة أمام الآخرين. وللتوضيح أقول:
هامش
ل٤) لاحظ أن التقنية تسهل تطبيق الشريعة ما يؤدي لكفاءة أعلى المضاربات على السلع. فإن قال قائل بأن هناك حاجة لبيع الأبشن قبل فبرغم إمكانية وضع السلع في حاويات ونقلها بأمان من موقع لآخر الثورة الصناعية لأنه لا حاويات ولا تقنيات للنقل فقد يكون لقوله (وهذا لم يكن ممكناً في السابق، ما يعين على تسهيل قبض السلع وجهة نظر كتلافي تكسر القوارير في المثال السابق «إن ضمن وبالتالي عدم ظهور بيع الأبشن)، إلا أن بيع الأبشن انتشر مع تطور المجتمع عدم ظهور المضاربات . أما مع هذا التطور في التغليف تقنيات وأساليب الشحن ما يدل على أن الدافع لبيع الأبشن ليس إلا والشحن فلا حاجة تماماً لبيع الأبشن أبداً.
١٢ الفصل والوصل
١٦٧٣
إن استحداث المنافع في التجارة بالشحن تطور إلى البيع بالخيار أو بيع الأبشن بمثالبه المعروفة، والحق سبحانه وتعالى
يعلم هذا، لهذا حرم البيع قبل القبض. كيف؟ كنت قد نقدت سابقاً تحت عنوان: «انهيار الأسواق» البيع بالخيار. وهي طريقة بيع غريبة على المجتمع المسلم، لهذا لم تفلح ترجمتها للغة العربية فظهرت لها مسميات مختلفة مثل عقود الخيار أو عقود الاختيار أو البيع بالخيار أو خيار الشراء أو خيار البيع أو البيوع المتتابعة. وحتى لا تتسلل التسمية للشريعة ويظنها الناس أنها معاملة شرعية، سألتزم بتسميتها كما هي في العالم الغربي، أي سأسميها في باقي الكتاب به «بیع الأبشن» لتبقى أبد الدهر غريبة على اللغة العربية فيدرك الجميع غربتها وبالتالي غريبة على مجتمعاتنا المسلمة لما لها من ضرر كبير على أي اقتصاد.
بإذن الله .
لقد ألفت أطنان من الكتب عن بيع الأبشن، إلا أن فكرتها الأساسية تدور حول الآتي: إن بيع الأبشن لم ينتشر فقط في السلع المصنوعة أو المواد الخام كالنفط والمعادن أو الثمار والأغذية، بل استشرى أكثر في الأسهم. كيف؟ لأن بعض الشركات أكثر إبداعاً وبالتالي أكثر ربحاً من غيرها من الشركات، ولأن أسهم هذه الشركات معرضة للربح والخسارة، أصبح بيع وشراء الأسهم تجارة جاذبة، إلا أنها تجارة دون قبض أو حيازة، بل فقط نقل لملكيات الأسهم من خلال أوراق أو شاشات أي أنها مضاربة، أو بالأصح مقامرة، فكيف يكون القبض في هذه الحالة؟ بالطبع لا يوجد قبض لأعيان الشركة كما هو معلوم، بل قبض لإيصالات الأسهم. ولأن البيع والشراء في الأسواق المالية سهل بهذه الطريقة، فقد استشرى بيع الأبشن وللتذكير بهذا البيع بمثال أقول: لنقل أن زيداً اشترى من بكر عشرة آلاف سهم بقيمة عشرين جنيهاً للسهم، أي بقيمة مائتين ألف جنيه، على أن يدفع زيد إلى بكر عشرين ألف جنيه على أن له الخيار في إمضاء البيع خلال شهر مثلاً. فإن أمضى زيد البيع دفع له الباقي (أي مئة وثمانين ألف جنيه). وإن لم يمضه فلن يستطيع استرداد المبلغ. والذي سيقع عادة هو أن زيد سيمضي البيع إن ارتفعت أسعار الأسهم، ولن يفعل ذلك إن لم ترتفع ويفقد بالتالي ما دفعه في البداية، أي أنه سيفقد الـ premium. وفي هذا العقد يكون لزيد خلال مدة الشهر بيع هذه الأسهم بما له من حق الخيار من الإمضاء أو الرد وبعربون أعلى من الذي دفعه لبكر. ثم يكون للمشتري الثاني، ولنقل عمرو مثلاً ما كان لزيد، وهكذا يجري تداول شراء وبيع هذه الأسهم دون قبض أي أعيان من مصنع أو مزرعة أو معمل، بل فقط صكوك تثبت الملكية. فهل هذا جائز؟ كما هو معلوم فقد أفتى الكثير من الفقهاء بتحريم بيع الأبشن، إلا أنهم لم يحرموا بيع الأسهم برغم أن المشتري لا يقبض أعياناً، بل صكوكاً للملكية. وللتوضيح أقول:
لقد تمادى بعض الفقهاء بتجويز بيع الأبشن وذلك بالاتكاء على جواز بيع العربون. فبيع العربون (ويقال له أيضاً بيع العربان)، بيع معروف الخلاف فيه. فقد أجازه الإمام أحمد فقط من الأئمة الأربعة. جاء في المغني:
«فصل: والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهماً أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع. يقال عربون وأربون وعربان وأربان. قال أحمد لا بأس به وفعله عمر رضي الله عنه. وعن ابن عمر ـ أنه أجازه. وقال ابن سيرين لا بأس به. وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئاً. وقال أحمد هذا في معناه. واختار أبو الخطاب أنه لا يصح، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. ويروي ذلك عن ابن عباس والحسن لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون. رواه ابن ماجة. ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي. ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه
١٦٧٤ 🗏
اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهماً. وهذا هو القياس. وإنما صار أحمد فيه إلى ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه ؟ قال أي شيء أقول هذا عمر رضي الله عنه. وضعف الحديث المروي. روى هذه القصة الأثرم بإسناده. فأما إن دفع إليه قبل البيع درهماً وقال لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك، ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدىء وحسب الدرهم من الثمن صح البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه، فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمة القائلين بفساد العربون. وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه. ولا يصح جعله عوضاً عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله لأنه لو كان عوضاً عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة» . ١٤
لأن
٢٦٤
وكما ترى من السابق فإن جواز بيع العربون مسألة خلافية أصلاً ولم يذهب إليها أكثر أهل العلم، ومع هذا فقد تلقفها فقيه وفعلها لتجويز بيع الأبشن وهو ما رفضه جمهور الفقهاء المعاصرين رحمهم الله. فعندما سئل الشيخ عبد الله المنيع عن بيع الأبشن أو بيع العربون المتداول (كما سماه) أجاب غفر الله له:
مسلك
بيع العربون من مفردات الإمام أحمد رحمه الله، فقد أجازه وأخذت بإجازته القوانين الدولية، وهو من مسالك تيسير أمر البيوع، وله في ذلك مستند من الفعل والنقل عن السلف الصالح، إلا أن مدة الخيار تنتهي بانتهاء أجلها أو باختيار المشتري أحد الأمرين خلالها إمضاء البيع أو الرد سواء أكان ذلك بإفصاح من المشتري دافع العربون أو كان ذلك بتصرفه في البيع تصرفاً يشعر بإمضائه البيع كبيع السلعة أو هبتها أو وقفها أو تأجيرها أو نحو ذلك مما يعتبر رضى بالبيع إمضائه. وعليه وفي حال تصرف المشتري ببيعه السلعة خلال مدة الخيار ، فإن حقه في ذلك قد انتهى ببيعه السلعة وعليه أن يدفع للبائع بقية قيمة السلعة، وقد يرد على هذا بأن للمشتري اختصاصاً منشؤه العربون يحق له بموجبه التنازل عن هذا العربون لغيره والجواب من أمرين أحدهما أن للبائع حق الاعتراض على المشتري بذلك التصرف حيث أن حق المشتري بالعربون على البائع حق أكده اتفاق الطرفين البائع والمشتري، فلا يجوز دخول طرف ثالث بينهما إلا بالتراضي، فليس حق المشتري حقاً مستقلاً حتى يقال بجواز تصرفه فيه مطلقاً. الأمر الثاني أن تصرف المشتري دافع العربون ببيعه السلعة التي اشترها يعتبر اختياراً منه للإمضاء حيث أنه لا يجوز له بيع ما لا يملكه ملكاً مستقراً، فتصرفه بالبيع قطع لحقه في الخيار وإمضاء للبيع، فلا يجوز للمشتري الثاني شراء عربون أن يرجع على البائع الأول لانقطاع الحق عليه بالتصرف . وعليه فتعتبر البيوع المتتابعة صحيحة، ولكن كل مشتر يرجع على من باعه وينتهي حق كل مشتر على من باعه بتصرفه بالبيع، ويرجع كل بائع على من باعه بالمطالبة ببقية الثمن وينتهي حق الخيار إلى المشتري الأخير مع البائع الأخير ، والله أعلم» 10
هو
٢٦٥
وكما ترى فإن الأرجح والله أعلم . ما ذهب إليه الجمهور، أي عدم جواز بيع العربون لأن ما دفعه المشتري كعربون يكون مجاناً للبائع إن اختار المشتري ترك السلعة. ومن جهة أخرى، فهناك فرق بين بيع العربون الأبشن. فالبائع للسلعة بالعربون يملك السلعة، بينما بائع الأبشن لم يملكها بعد. فلا اشتراط إذاً على البائع الثاني أو الثالث بامتلاك السلعة. كما أن السلعة في بيع العربون هي المقصودة في الصفقة، أما في بيع الأبشن فإن
وبيع
١٢ الفصل والوصل
و
١٦٧٥
السلعة ليست هي المقصودة بالصفقة بل هي أداة في المنتصف للتربح. كما أن للعربون هدف ألا وهو تأخير تصرف المالك مدة من الزمن يُتفق عليها لغرض في نفس المشتري مثل أن يجهز الثمن أو يقارن السعر بسلع أخرى مشابهة في مكان آخر، أما هدف بيع الأبشن فهو الاسترباح من التوقعات المستقبلية بطريقة مقامراتية. لهذا فإن حجة كل من أجاز بيع العربون ضعيفة جداً. لماذا؟ لأن الخطورة الأكبر من بيع العربون هي أنها تدفع البعض لبيع الأبشن. فقد يأتي زيد من التجار ويدفع العربون لبكر على أن يسدد الباقي بعد شهر وهو يخمن أن السلعة سترتفع بعد شهر. فإن ارتفع السعر أتم زيد الصفقة، أما إن لم يرتفع السعر فسيترك العربون لبكر. فإن كان هذا هو ديدن زيد في التجارة في معظم صفقاته، فهو إنما يضارب أو بالأحرى يقامر إن كان بيع العربون جائزاً. فإن كثر هؤلاء التجار مثل زيد فإن هذا سيؤدي إلى ظهور بيع الأبشن وانتشاره. وبيع الأبشن ما هو إلا حبس للأموال دونما استثمار فعلي منتج لمدة معينة. أي وكأنه كنز للمال. لهذا لم يظهر هذا النوع من البيع في التاريخ الإسلامي، لأن الشريعة تمنع البيع قبل القبض. وبحمد الله فقد ذهب معظم الاقتصاديون المعاصرون لعدم جواز بيع الأبشن. فقد لخص الدكتور سالمي السويلم أثابه الله المسألة بالقول:
«خيارات الأسهم المتداولة في الأسواق العالمية سواء كانت خيارات شراء call options أو خيارات بيع put options هي من عقود الغرر المنهي عنها شرعاً. وبذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة عام ١٩٩٢م برقم ٦٣ . والذي جعل هذه العقود من الغرر أن وظيفتها مرهونة بتغير السعر، بحيث لا تسمح بربح كلا طرفي العقد . ففي خيار الشراء يدفع المشتري مبلغ معيناً premium بحيث يكون له الحق في شراء السهم أو الأسهم بسعر ثابت طوال مدة الخيار، فإذا ارتفع سعر السوق لهذه الأسهم عند الأجل نفذ المشتري البيع، فيربح الفرق بين سعر السوق وسعر التنفيذ strike price، وكذلك الحال بالنسبة لخيار البيع، حيث يدفع مالك الأسهم مبلغاً محدداً مقابل أن يكون له الحق في بيع الأسهم بسعر ثابت طوال مدة العقد، فإذا هبط سعر السوق عند الأجل نفذ المالك البيع فيربح الفرق بين سعر السوق وسعر التنفيذ، وبطبيعة الحال فإن هذا الربح بعينه يمثل خسارة للطرف الآخر، إذ لو كان اتجاه تغير السعر معلوماً مسبقاً لما تم العقد، لأنه سيمثل خسارة محققة لأحدهما، فالاختيارات من أدوات المجازفة على الأسعار وهي من ضمن العقود التي جعلت الاقتصادي الفرنسي موريس آلية يصف البورصات العالمية بأنها كازينوهات قمار ضخمة، وذلك أن حقيقة القمار هي أن يربح أحد الطرفين على حساب الآخر، وهذا بالضبط ما يحصل في عقود الاختيارات في الأسواق الدولية، وهذا بخلاف عمليات البيع والشراء العادية للأسهم التي لا تنطوي على محظور شرعي، لأن عقد البيع عقد فوري ينتهي بمجرد إبرام الصفقة، فيكون لكل طرف كامل الحرية في التصرف بعد التعاقد، دون أي التزام من أحد الطرفين للآخر، أما عقد الاختيار فهو عقد مؤجل يلتزم فيه أحد الطرفين للآخر بتحمل مخاطر السعر مدة الخيار، فحقيقة العقد أن مصدر الخيار يقدم التزاماً أو ضماناً للطرف الآخر بتنفيذ العقد عند السعر المتفق عليه، فهو عقد معاوضة على ضمان السعر، ولذلك يعد الاختيار من عقود التأمين في واقع الأمر، ولذلك يستخدم للتأمين على المحافظ الاستثمارية portfolio insurance، ومعلوم أن عقد التأمين التجاري عـقـد غرر باتفاق المجامع الفقهية، والعلة واحدة في الأمرين، والعلم عند الله تعالى».
٢٦٦
لكن لاحظ في الاقتباس السابق أنه لا يعارض بيع الأسهم . وهكذا معظم الفقهاء، لم يعارضوه. فهل التجارة
بهذه الأسهم صحيحة؟ فهل قبض السندات التي تثبت ملكية الأسهم تعتبر قبضاً لما تمثله السندات وبالتالي يجوز
١٦٧٦ 🗏
بيعها؟ فهذه السندات كما هو معلوم هي لإثبات ملكية جزء مشاع من شركة أو مصنع ما. للإجابة على هذا السؤال لابد لنا من المرور سريعاً على أحكام بيع وهبة المشاع ثم الشفعة لأهميتهما لموضوع الجودة.
بيع الشقص وهبته
لأن أسهم الشركات بصيغتها المعاصرة لم تكن معروفة في الشريعة لأن حركيات مقصوصة الحقوق لن تؤدي لاستشراء مثل هذه الشركات التي يملك أسهمها أناس بعيدون عنها، فلم تظهر نوازل عن بيع مثل هذه الأسهم في الشريعة. وبالطبع كما مر بنا فإن السبب في عدم ظهورها هو ليس في عدم ظهور أسواق المال في الإسلام، بل لأن أبواب التمكين كانت مفتوحة لدرجة كبيرة. أي إن طبقت الشريعة فإن أبواب التمكين ستفتح أكثر وأكثر فتنتفي الحاجة لظهور هذه الشركات لأن الطبقة التي تقامر بشراء الأسهم وبيعها لن توجد أصلاً وبالتالي لن تظهر أسواق مالية لخدمتها. ففي أيامنا هذه، ولأن أبواب التمكين مغلقة، ة، ومع ظهور الأثرياء المتمكنين، ظهرت الحاجة لتنمية الأموال للأثرياء بملايين الدولارات ولمتوسطي الدخل بآلاف الدولارات والذين لا يستطيع معظمهم بدء أي مشروع إنتاجي فيتجهون لاستثمار مدخراتهم في أسواق المال. وقد تقبل المجتمع المسلم المعاصر هذه الشركات وكأنها تطور يتطلبه العصر، لأن التقنيات الحديثة والمنتجات المتقنة ظهرت على أيدي شركات ذات أسهم. وهذا خلط. وما يحاول هذا الكتاب فعله هو دحض هذا الواقع الناتج من عدم تطبيق الشريعة. فياله من جحر ضب. فما تحاوله الشريعة (من خلال حركيات تؤدي لظهور شراكات يعمل بها من يملكها) هو وصل ملاك الشركات بشركاتهم ليزداد الإنتاج جودة ووفرة بسبب اهتمام الشركاء المباشر بأعمال الشركة. بينما الأسهم تفعل العكس: فهي تفصل بين الملاك وبين نشاطات الشركة لأن الشركات مساهمة، فيزداد التسيب في الإنتاج وتضمحل الكفاءة. أي حيث يجب أن تصل الشريعة بين
الملاك ونشاطات الشركات لتزداد الجودة أتت الأنظمة الوضعية من خلال الأسهم لتفصل بينهما ليزداد الهدر. إن الاشكالية الفكرية هي في السؤالين التاليين: إن كانت الأسهم مما هو ضروري للبشرية لرفع جودة الإنتاج، فلماذا لم تأت بها الشريعة؟ وإن لم تكن ضرورية وبإمكاننا كمجتمع مسلم الاستغناء عنها فكيف سننافس المنتجات المتقنة النابعة من منظومات حقوقية مختلفة عن الشريعة؟ بالنسبة للسؤال الثاني، فإن الإجابة هي هدف هذا الكتاب. وبالنسبة للسؤال الأول، فإن الإجابة هي أن الشريعة لم تأت بمقصوصة حقوق للتعامل مع بيع الأسهم لأنه لا حاجة لها أصلاً وأن المنتجات ستزداد جودة مع شراكات يملكها من يعملون بها أو بالقرب منها. فالأسهم تعني باختصار أن الملاك كما مر بنا لا يدركون ما يدور في الشركة. وكأن الشركة مال سائب. حتى وإن كانت هناك نظريات في المحاسبة للسيطرة على تحركات الأموال داخل الشركات، فإن التطبيق شيء آخر. ناهيك عن الهدر الذي تحدثنا عنه في الفصول السابقة وعن قلة اهتمام العاملين لأن الحافز هو بقدر جلد العمال لاستخراج أعلى عطاء منهم بأقل أجر ممكن. لكن لنقل «جدلاً» بأننا نريد أسلمة هذه الأسـ مستثمر ما أسهماً لم يقبض أعيانها؟ المعاصرة، فكيف إذاً يبيع . وكيف تُقبض ما تمثله أسهم الشركات؟ أم علينا القبول بقبض السندات التي تمثل أسهم الشركات؟ لندرس الآن إمكانية حدوث هذه الأسلمة: إن نظرت لأقوال الفقهاء المعاصرين ستلحظ أنهم أجازوا المتاجرة بالأسهم ولكن بوضع شروط عدة منها أن الشركة المراد شراء أو بيع أسهمها يجب أن تكون من الشركات التي لا تتعامل بما هو محرم كالتعامل
أسهم
١٢ الفصل والوصل
١٦٧٧
بالربوا أو تصنيع أو بيع ما حرمته الشريعة كالخمور، وألا تكون المتاجرة مضاربة بهدف الاحتكار من خلال بيع أسهم كثيرة لخفض سعر سهم ما، وهكذا من شروط عامة وضعتها الشريعة للبيع لتلافي الغبن والتدليس. أي أن هذه الشروط لا تشمل ضرورة قبض أعيان الشركة، بل الاكتفاء بقبض السندات التي تمثل الأسهم ما يعني ملكية جزء من رأس مال الشركة أو موجودات الشركة بطريقة «مشاعة». وفي الآونة الأخيرة تغير الحال للأسوأ: أي تغير من قبض سندات الأسهم إلى توكيل البنك بفعل ذلك من خلال الشاشات، لأن المستثمر في بلد والشركة التي بيعت أسهمها في بلد آخر في قارة أخرى. هكذا استحال فرز وقبض ما تمثله الأسهم.
أي أن حصة كل فرد من الأسهم المعاصرة شائعة، أي غير مقررة، لذلك فإن كل جزء في الشركة أو المنشأة أو العين مهما صغرت تعتبر شركة بين الشركاء، ويقال ملك مشاع (بفتح الميم أو ضمها) . ونسبة أو نصيب المالك من هذه الملكية هي ما تعكسه الأسهم. وقد عرفت مثل هذه النسب في الشريعة بـ «الشقص». فقد تكون الشركة خاصة بين أناس معينين يملكون مصنعاً، وقد تكون عامة كالأرض التي يشترك فيها أهل قرية للارتفاق بها. وتسمى حصة كل واحد من الشركاء «شقصاً». وقد وهب المسلمون الشقص بعضهم لبعض وتبايعوه فيما بينهم، لذا فلها أحكامها. فالشقص إذاً هو أقرب ما يكون في الشريعة للأسهم المعاصرة للقياس عليه.
إن نظرنا إلى أقوال الفقهاء في بيع الشقص نلحظ أن ظاهرة بيع الشقص بعد شرائه مباشرة (كما هي حال الأسهم) لم تكن آفة تضطر الفقهاء لمناقشة نوازلها. فالسهم في أيامنا هذه في الغالب يُشترى ليُباع دونما أي قبض عملي، بينما الشقص كان يباع ثم يقبض المشتري ما مثله الشقص من أعيان ثم يبيعه بعد زمن إن أراد. لهذا والله أعلم إن نظرت لأقوال الفقهاء في البيع قبل القبض تجدهم يركزون على هبة الشقص أكثر من تركيزهم على بيعه وذلك لندرة بيع الشقص مباشرة بعد الحصول عليه دون قبضه لهذا ظهرت أسئلة حول حق التصرف في الموهوب قبل قبضه أكثر من مناقشة ما . ة ما بيع قبل قبضه «إن كان شقصاً»، ذلك أن مسائل البيع قبل القبض كانت محسومة بالنسبة للفقهاء على أنها لا تجوز كما مر بنا. أي أننا نواجه إشكالية فقهية في التعامل مع الأسهم المعاصرة تدور حول كيفية قبض ما تمثله الأسهم إن أراد المستثمر بيعها لأن الأسهم تمثل جزءاً من ملكية مشاعة كالشقص. لهذا لابد من التركيز أيضاً على هبة الشقص لفهم المسألة. فإن كان للموهوب له التصرف فيما وهب له قبل قبضه ببيعه فقد يجوز ذلك للمشتري، وعندها قد تجوز المتاجرة بالأسهم. فقد ساوى الفقهاء عموماً بين أحكام القبض في الهبات والبيوع، فيقول الشافعي مثلاً: والقبض في الهبات كالقبض في البيوع، ما كان قبضاً في البيع كان قبضاً في الهبة، ومالم يكن قبضاً في البيع لم يكن قبضاً في الهبة ...». وفي المجموع
«وما جاز بيعه من الأعيان جاز هبته لأنه عقد يقصد به ملك العين فملك به ما يملك بالبيع، وما جاز هبته جاز هبة جزء منه مشاع لما روي عمر بن سلمة الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة حتى أتى الروحاء، فإذا حمار عقير، فقيل يا رسول الله : هذا حمار عقير. فقال: دعوه فإنه سيطلبه صاحبه. فجاء رجل من فهر فقال: يا رسول الله أني أصبت هذا فشأنكم به. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بقسم لحمه بين الرفاق، ولأن القصد منه التمليك، والمشاع كالمقسوم في ذلك. (فصل) وما لا يجوز بيعه من المجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لا يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض لا تجوز هبته لأنه عقد يقصد به تمليك المال في حال الحياة فلم يجز فيما ذكرناه كالبيع».
٢٦٧
ولعل باحثاً ما هنا يثور قائلاً: إن الإنتاج سيكون أكثر إتقاناً على أيدي شركات لها أسهم مثل شركة أبل
١٦٧٨ 🗏
الأمريكية أو مرسيدس الألمانية كما أثبتت المنتجات المعاصرة كالهواتف الذكية. فمثل هذه الشركات سيستحيل قبض أجزاء منها إن باع أسهمها أحد مستثمريها لأن قبضها لابد وأن يعني تعطيل إنتاج الشركة. ولعله يتابع ومن باب الضرورة، فلا بأس من أن يكون شراء السهم وكأنه قبض لجزء من الشركة لأن الوسيط في البيع (كالبنك مثلاً) قد يوكل موظفا في الشركة للقيام بالقبض وكالة عن المشتري. ولدحض قوله أقول: كما هو معلوم فإن أي شركة إنتاجية ذات أسهم في الأسواق المالية لها في العادة مقر وفروع، وكل مقر أو فرع عادة ما يتكون من أماكن تحوي آلات وأجهزة ومعدات. لذا فإن قررت شركة ما بيع بعض أسهم ستصدرها أو قرر أحد الملاك للأسهم بيع بعض أسهمه فلابد للمشتري من أن يقبض ما اشتراه بناء على التوجيه النبوي بالقبض. وهنا بالطبع ستظهر إشكالية في كيفية القبض لأن كل ما في المقرات والفروع للشركات هو ملكية مشاعة بين المساهمين ويصعب بالتالي قبضه. لهذا وجب علينا دراسة مسألة إمكانية قبض ما تمثله الأسهم المعروضة للبيع وتأثير ذلك في جودة الإنتاج.
هنالك من الأماكن في الشركات ما يمكن قسمتها كالمستودعات وما بها من أثاث للتخزين مثلاً. وهنالك من المعدات والأجهزة ما لا يمكن قسمتها كالمجهر في المستشفى والمولدات الكهربائية في محطة توليد الكهرباء مثلاً. وهنالك ما يمكن قسمته ولكن بضرر كالحاسبات الآلية التي إن قسمت ستصبح أجزاء ينتفع بكل جزء منها على حدة كالشاشة ولوحة المفاتيح إلا أن الانتفاع بها يأتي بعد بيعها بسعر أقل أو باستخدامها في مكان آخر مع نوع من المشقة. وهنالك الموظفون والعمال الذين يعملون في الشركة. فكيف تُفرز خدمات هؤلاء لتقبض؟ فما هي أحكام الشريعة تجاه هذه التقسيمات السابقة ؟
لذا
كنت قد وضحت بحمد الله تأثير القسمة والقبض على العمران في الفصل الثامن من كتاب «عمارة الأرض»، وللمزيد من التفصيل فإن الأفضل الرجوع إليها هنالك لاشتراك العمران والشركات في الخصائص قبل وبعد القسمة. ففي العمران دور تقسم، وأبيار لا تقسم، ودكاكين صغيرة تقسم ولكن بضرر على الشركاء، وهذا مشابه لمقتنيات الشركات التي تحوي مكاتب تُقسم، وشاحنات لا تقسم، وأجهزة تقسم ولكن بضرر . ولكن للاختصار أختار الآتي:
إن هبة الشقص في العين التي لا تقبل القسمة عموماً جائزة. وفي هذا يقول أحمد إبراهيم ملخصاً: «فإذا قبضها الموهوب له شائعة صح القبض وتم الملك. وأما هبة المشاع فيما يقبل القسمة فإنها تكون صحيحة وقت العقد فلا يضر الشيوع وقتئذ». ولكن يشترط لتمام الملك فيها أن تقسم العين ويفرز الموهوب له نصيبه ويسلم له مقسوماً مفرزاً. وهذا الرأي هو للأحناف والحنابلة وبعض المالكية. لاحظ أن الموهوب له شقص في ما يقسم يجب أن يقبض ما وهب له ثم بعد ذلك يحق له التصرف بالبيع مثلاً. أما جمهور الشافعية فلم يروا ضرورة القسمة لتمام الهبة، فيقول الشافعي:
«و إذا وهب الرجل لرجلين بعض دار لا تقسم، أو طعاماً أو ثياباً أو عبداً لا ينقسم، فقبضا جميعاً الهبة فالهبة جائزة كما يجوز البيع. وكذلك لو وهب اثنان داراً بينهما، تنقسم أو لا تنقسم، أو عبد الرجل وقبض جازت الهبة. وإذا كانت الدار لرجلين فوهب أحدهما حصته لصاحبه ولم يقسمه له فإن أبا حنيفة كان يقول الهبة في هذا باطلة ولا تجوز ، وبهذا يأخذ ، ومن حجته في ذلك أنه قال لا تجوز الهبة إلا مقسومة معلومة مقبوضة ، ... » .
٢٦٨
أي أن لدينا قولين في جواز هبة ما لا يُقسم إن كان مشاعاً في ملكيته : أحدهما يجيزه والآخر لا يجيزه. وكذلك
قولان فيما يمكن قسمته: أحدهما يجيزه والآخر يصر على ضرورة القسمة والقبض لتمام الملك ثم بعد ذلك يحق
١٢ الفصل والوصل
١٦٧٩
اللغة
للموهوب له التصرف بالبيع أو الهبة أو الوقف مثلاً. ولتوضيح المذهب الحنفي لنقرأ قول الكاساني: ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قال في مرض موته لسيدتنا عائشة رضي الله عنها: «إن أحب الناس إلي غنى أنت وأعزهم علي فقراً أنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي بالعالية، وأنك لم تكوني قبضتيه ولا جذيتيه، وإنما هو اليوم مال الوارث». اعتبر سيدنا الصديق رضي الله عنه القبض والقيمة في الهبة لثبوت الملك، لأن الحيازة في جمع الشيء المفرق في حيز؛ وهذا معنى القسمة، لأن الأنصباء الشائعة قبل القسمة كانت متفرقة، والقسمة تجمع كل نصيب في حيز. وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: «مـا بـال أحدكم ينحل [أي يهب] ولده نحلاً لا يحوزها ولا يقسمها ويقول إن مت فهو له، وإن مات رجعت إلي، وايم الله لا ينحل أحدكم ولده نحلى لا يحوزها ولا يقسمها فيموت إلا جعلتها ميراثاً لورثته». والمراد من الحيازة القبض هنا، لأنه ذكرها بمقابلة القسمة حتى لا يؤدي إلى التكرار، أخرج الهبة من أن تكون موجبة للملك بدون القبض والقسمة. وروي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: «من ، ثلث كذا أو ربع كذا لا يجوز ما لم يقاسم». وكل ذلك بمحضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم ينقل أنه أنكر عليهم منكر فيكون إجماعاً. ولأن القبض شرط جواز هذا العقد، والشيوع يمنع من القبض، لأن معنى القبض هو التمكن من التصرف في المقبوض، والتصرف في النصف الشائع وحده لا يتصور، فإن سكنى نصف الدار شائعاً ولبس نصف الثوب شائعاً محال ولا يتمكن من التصرف فيه بالتصرف في الكل لأن العقد لم يتناول الكل. وهكذا نقول في المشاع الذي لا يقسم أن معنى القبض هناك لم يوجد لما قلنا، إلا أن هناك ضرورة لأنه يحتاج إلى هبة بعضه، ولا حكم للهبة بدون القبض والشياع مانع من القبض الممكن للتصرف، ولا سبيل إلى إزالة المانع بالقسمة لعدم احتمال القسمة، فمست الضرورة إلى الجواز وإقامة صورة التخلية مقام القبض الممكن من التصرف، ولا ضرورة هنا لأن المحل محتمل للقسمة فيمكن إزالة المانع من القبض الممكن بالقسمة ...».
وهب
،
٢٦٩
لاحظ في الاقتباس السابق التدرج في التفكير بالالتزام بأفعال الخلفاء رضوان الله عليهم. فقد توصل الكاساني إلى أن العين المشاعة في ملكيتها سيستحيل القبض فيها لأن القبض يعني حرمان الشريك الآخر من الانتفاع بالعين. فالثوب مثلاً سيستحيل لبسه في نفس الوقت. وفي تبادل لبسه يوماً بعد يوم نوع من المشقة. وكذلك الهاتف الجوال أو الخلوي في أيامنا هذه، لهذا فإن القبض فيه غير ممكن لأن معنى القبض هو التمكن من التصرف في المقبوض». ولكن لأن هناك ضرورة في الهبة لقبض بعضه ولا وسيلة لإزالة هذا المانع من القبض بسبب الشيوع، فكان الحل بتخلية الواهب للعين لتقوم التخلية مقام القبض الذي سيمكن الموهوب له من التصرف لأن العين لا تقبل القسمة. لذا فلابد من قسمة ما يمكن قسمته لإتمام الهبة. لاحظ أنني لا أرجح بين الأقوال، بل فقط أثير إشكالية القبض كشرط لإتمام الهبة لترى دورها في جواز الهبة من عدمها كما هو واضح مما نحله (وهبه) مثلاً سيدنا الخليفة الصديق رضي الله عنه
وأرضاه في الاقتباس السابق لسيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها. والآن لنقرأ ما قاله ابن قدامة رحمه الله :
وتصح هبة المشاع، وبه قال مالك والشافعي قال الشافعي: سواءً في ذلك ما أمكن قسمته أو لم يمكن. وقال أصحاب الرأي لا تصح هبة المشاع الذي يمكن قسمته لأن القبض شرط في الهبة يمنع صحة القبض وتمامه. فإن كان مما لا يمكن قسمته صحت هبته لعدم ذلك فيه،
القسمة ووجوب وإن وهب واحد اثنين شيئاً مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة. وجاز عند صاحبيه، وإن وهب اثنان اثنين شيئاً مما ينقسم لم يصح في قياس، وقولهم لأن كل واحد من المهبين قد وهب له. ولنا: أن وفد هوزان لما جاؤوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ما غنمه
منهم .
قال رسول
١٦٨٠ 🗏
الله صلى الله عليه وسلم: (ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)، رواه البخاري، وهذا هبة
المشاع .
.....
۲۷۰
سحبهم .
وكما ترى فإن الذي شغل الأئمة رحمهم الله هو مسألة القبض، ولهذا تأثير في جودة الإنتاج. كيف؟ لأن الفقهاء التزموا بالنص برغم اختلافاتهم، فقد هذا الالتزام المقصد مهم في الشريعة، ألا وهو إنتاجية أغزر (إن طبق هذا في الشركات) مع جودة أعلى وذلك بالتقريب قدر المستطاع بين الموهوب لهم وما سيملكونه من أعيان بسبب الإصرار على القبض. فجميع الحركيات التي تؤدي لفتح أبواب التمكين التي مرت بنا كالإحياء للأراضي والحيازة للمعادن تؤدي إلى ممتلكات تحظى بمالك قريب منها، وفي هذا خير كثير للإنتاج. كيف؟
إن حالة أي شراكة إنتاجية يعمل بها ملاكها لن تكون كشركة يغيب عنها مالكوها بسبب تسيب الأجراء مثلاً. فإن تفكرت في محل لبيع الفاكهة مثلاً. ستستنتج أن الفاكهة التي توجد في محل يملكه صاحبه أقل عرضة للتلف من محل يغيب عنه صاحبه إلا إن كان الأجير أميناً جداً وهذا (نادر) لأن المالك في العادة أكثر متابعة لحال الفاكهة. وإن تفكرت في محل لبيع الملابس ستستنتج أن المالك للمحل ليس كالأجير الذي يغلق المحل مباشرة بعد انتهاء الدوام، بل قد يتأخر قليلاً لعله يحظى بزبون ما. وإن قام شريكان بإنهاء توصيلات كهربائية مقاولة في منزل تحت الإنشاء فسيفعلون ذلك في وقت أقل مع اهتمام أكبر إن كان الربح لهما، أي إن لم يكونا أجيرين. وهكذا من أمثلة معروفة تستنتج منها أن المالك في العادة هو الأكثر اهتماماً بالمنشأة أو بالشركة وبالذات إن كان نصيبه في الشركة هي كل ما يملكه (وقد كان هذا من أهم ما حاول كتاب عمارة الأرض» إيضاحه) . فإن وظفت هذه العلاقة الحميمية المتصفة بالقرب بين المالك وما يملكه (بسبب الإصرار على القبض في الشركات) فإن هذا يعني إشراك ملاك الأسهم أو الشقص في العملية الإنتاجية. وفي هذا خير كثير للأمة. كيف؟
أن
كما مر بنا في فصل «الشركة» فإن العملية الإنتاجية إن فتحت أبواب التمكين بحركيات الشريعة ستؤدي إلى تفتيت الإنتاج لإشراك أكبر عدد ممكن من الشركاء في الإنتاج دون خلاف بينهم. وفي هذا توطيد للعلاقة بين الملاك ونشاطات شركتهم. لذا فإن إصرار الشريعة على قبض الفرد لما اشتراه أو لما وهب له يعني أن القابض سيرى ويتلمس ويعيش مع ما اشتراه، وليس كبيع الأسهم المعاصرة وشرائها التي تعني بيع وشراء صكوك دون حتى الذهاب لموقع المصنع أو الشركة. ولهذا فإن تم الإصرار على القبض فإما أن يبيع المشتري نصيبه لما اشتراه بعد القبض أو أن ينخرط مع باقي الشركاء في العملية الإنتاجية. واحتمال الانخراط أعلى إن طبقت الشريعة، لأن المنطق الاقتصادي هو المشترين عادة ما ينجذبون لشراء أسهم شركات يتقنون إنتاجها أو على الأقل يدركون ما يدور في الشركة التي اشتروا أسهمها لأن عليهم القبض قبل البيع. أي أن فكرة شراء أسهم شركة فقط بناء على مقدار أرباحها ستضمحل إن طبقت الشريعة لأن الشركاء لن يبيعوا شقصهم إلا نادراً لانخراطهم هم بأنفسهم في نشاطاتها، فالشركة هي عصب حياتهم. فالشريك عندما يبيع شقصه وكأنه يبيع أحد أبنائه. وهذا لن يقع إلا إن أراد شريك ما الخروج من الشركة لسبب جوهري مثل ترك المدينة لظرف خاص أو الخلاف وقع له مع الشركاء. أي أن فكرة ظهور سوق للأسهم ستقتل في
هامش
م٤) لاحظ أنني أركز على الالتزام بالنص الذي وضح مقصداً من نصوص أخرى ما أدى للخروج عن النص أحياناً كما سيأتي بيانه في مقاصد الشريعة وليس العكس كما فعل بعض الفقهاء المعاصرين، الفصل القادم بإذن الله.
أي ليس تحديد المقصد ثم وضع الحكم ليوافق المقصد المستنبط من
١٢ الفصل والوصل
١٦٨١
مهدها، لكن ستظهر أسواق لتدل الناس على الشراكات أو المصانع التي يريد أحد الشركاء الخروج منها ليحل المشتري للشقص كشريك فاعل محل البائع.
ولعلك هنا تسأل: ولكن لماذا لا يقع هذا التقارب بعد شراء أسهم الشركات المعاصرة؟ والإجابة هي أن المشتري كما هو معلوم لا يدري غالباً أين هو مصنع الشركة، كما أن أنظمة معظم الشركات المعاصرة تحرّم على معظم المساهمين الحق في اتخاذ أي قرار بشأن الشركة لأن هذا سيعيق الإنتاج بسبب هيكلية المصانع ذات الطابع المركزي (فورديزم مثلاً fordizm)، وهذا ما لا يقع مع تطبيق مقصوصة الحقوق أبداً لأن هيكلية التصنيع مختلفة ومجزأة (كما مر بنا في فصل «الشركة» وسيأتي بتفصيل أكبر في فصل «المعرفة» بإذن الله ولأن من حق أي مالك في الشريعة المطالبة بالقسمة وقبض نصيبه ناهيك عن حقه في اتخاذ قرارات تمس وتطور الإنتاج. وهذا التقريب بين الملاك وممتلكاتهم يتضح من مراجعة حقوق الشفعة كيف؟
الشفعة في الشقص
ما هي ' الشفعة؟ الشفعة مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل من الزيادة لأن الشفيع يضم ما يشفع فيه إلى نصيبه فكأنه كان وتراً فصار شفعاً، وقيل مأخوذة من الإعانة. وفي الشرع هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه». فإذا أراد زيد بيع حصته من عقار يملكه مع بكر، فطلب بكر حصة زيد لنفسه، وكان بكر أولى بها من أي مشتر آخر بحكم الشركة، فنقول في هذه الحالة بأن بكراً شفيع في العقار وأن له حق الشفعة. فالشفعة إذن من أسباب الملك، وبها يتحول الملك من المشتري إلى الشفيع، ويحل الشفيع محل المشتري بحكم الأولوية. " أما الحكمة من الشفعة فهي دفع الأذى المتوقع من دخول رجل أجنبي لم يكن بين الشركاء، وبالتالي دفع النزاع المتوقع. فحكمة مشروعية الشفعة كما يقول أحمد إبراهيم: «هي اتقاء الضرر الذي ينشأ من المجاورة، أو من الاشتراك في عقار واحد على الشيوع. وسبب الأخذ بالشفعة هو اتصال ملك الشفيع بالعقار المبيع بسبب الشركة على الشيوع أو المجاورة». ويقول ابن قدامة في الشريكين في العقار: «فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر ، فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه».
۲۷۲
وبالنسبة للإنتاجية، فإن الذي يفعله حق الشفعة بالإضافة إلى جذ الضرر بين الشركاء من جراء القسمة أو البيع هو إعطاء الشريك الفرصة لأن ينفرد بالشركة إن كانت الشركة بين اثنين أو تقليل عدد الشركاء إن كانوا أكثر من اثنين. وبهذا تخف احتمالات دخول الغرباء على الشركة. وفي هذا المزيد من التحرر للملاك. فمع مرور الزمن وبأخذ حق الشفعة قد يقل عدد الشركاء من سبعة إلى ثلاثة مثلاً، وهؤلاء قد يوظفون أبناءهم معهم أو قد يأتون بآخرين كأجراء إن كان النشاط الإنتاجي يتطلب ذلك. وقد تقول: ولكن هذا هو حال الشركات المعاصرة، فهي تعتمد على الموظفين الأجراء فأقول: لا، بل الشركات المعاصرة تعتمد بالكامل على الموظفين وليس كتغير الشراكة من العديد من الشركاء إلى بضعة شركاء بسبب حق الشفعة أو حتى إلى مالك واحد (إن كانت المنشأة الإنتاجية صغيرة بالطبع) والذي هو بالقرب من مصنعه أو مزرعته في معظم الأوقات. وقد تنتقد شركات العوائل بالقول بأنها أثبتت فشلها بسبب
١٦٨٢ 🗏
الخلاف بين الأبناء بعد وفاة الأب المؤسس! فأجيب: نعم ستفشل شركات العوائل هذه لأنها ليست شركات إنتاج، بل هي شركات قابضة على مصانع ومؤسسات يعمل بها من لا يملكونها. أي وكأنها دولة صغيرة واختلف أبناء الحاكم فيها بعد وفاة أبيهم في أحقية الحكم فقسموا الدولة إلى إمارات يديرونها دونما خبرة. وفي المقابل، قد تقـول منتقداً: ولكن الشركات الكبرى بها آلاف أو حتى عشرات الآلاف من الموظفين والعمال ! فإن كانوا جميعاً ملاكاً، فلمن يؤول حق الشفعة؟ فأجيب: لا تنسى أن كل هذا لن يقع مع تطبيق الشريعة، فقد تحدثنا في فصل «الشركة» عن تفتيت العملية الإنتاجية لأحجام تناسب أكبر عدد ممكن من الشركاء للمشاركة في الإنتاج دونما خلافات . بينهم، عندها فإن حق الشفعة سيكون حركية فعالة في عدم ظهور الملاك البعيدين عن العملية الإنتاجية كملاك الشركات العملاقة أو الأسر المالكة القابضة لمصانع هنا وهناك. ومع هذا فإن الشريعة لا تمانع ظهور شركات كبرى بآلاف الشركاء العاملين إن تطلب الإنتاج ذلك (كما سيأتي بتفصيل أكبر بإذن الله في فصل «المعرفة»). وللتوضيح أقول:
إن أهمية حق الشفعة لموضوعنا هو أنها حركية تؤكد على أن الشريعة تحاول قدر المستطاع التقريب بين الناس وأملاكهم لتزداد المنتجات جودة، وأننا إن أهملنا هذا الحق وذلك بتجويز بيع الأسهم دون القبض العملي وبالتالي ابتعاد
الناس عما ملكوه فإن الإنتاج سيصاحبه تدنٍ في الجودة وهدر في المواد والوقت مع المزيد من التلويث. كيف؟ إن الأحاديث التي رجع إليها الفقهاء رحمهم الله لاستنباط أحكام الشفعة هي: الحديث الأول : «عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، متفق عليه. وفي لفظ «إنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة»، رواه البخاري وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وفي لفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، رواه الترمذي وصححه. الحديث الثاني: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة فيها)، رواه أبو داود وابن ماجة في معناه. الحديث الثالث: «عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» رواه مسلم والنسائي وأبو داود والربعة هي تأنيث ربع، وهو المنزل الذي يرتبعون فيه في الربيع ثم سمي به الدار والمسكن). الحديث الرابع: «عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور»، رواه عبد الله بن أحمد في المسند . الحديث الخامس: عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جار الدار أحق بالدار من غيره ) ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الحديث السادس: عن الشريد بن سويد قال: «قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار؟ فقال: (الجار أحق بسقبه ما كان)»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ولابن ماجه مختصر : الشريك أحق بسقبه ما كان الحديث السابع: عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجار أحق بشفعة جاره يُنتَظَرُ بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)، رواه الخمسة إلا النسائي. الحديث الثامن: «عن عمر بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المِسْوَرُ بن مخرمة، ثم جاء أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا سعد . ابتع مني بيتي في دارك. فقال سعد: والله ما ابتاعها. فقال المسور : والله لتبتاعنّها . فقال سعد والله ما أزيدك على أربعة آلاف مُنَجِّمة أو مقطعة. قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الجار أحق بسقبه ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه»، رواه البخاري.
ن ٤
١٢ الفصل والوصل
١٦٨٣
لاحظ أن كلمة « الشركة» تعني المشاركة في ملكية العين أو العقار، أما «الخلطة» فقد أراد بها الفقهاء الشركة في حقوق العقار كالشركة بين عدة أفراد في الطريق المملوك لهم أو الطريق غير النافذ أو الشركة في مجرى أو مسيل مائهم. وفي حالة الشركات المعاصرة الكبيرة إن طبقت الشريعة فقد تعني الخلطة مواقف السيارات في الأراضي المحيطة بالمصنع والتي لم يستثمر فيها المصنع بعد بإحيائها بتعبيدها ومن ثم امتلاكها، أو قد تعني مواقع أعمدة الكهرباء الموصلة للتيار الكهربائي للمصنع والأراضي الواقعة بين مواقع هذه الأعمدة تحت الأسلاك. فهذه المساحات تعتبر حريماً للمصنع إن سبق ملاك المصنع الآخرين في الإحياء ( كما سيأتي بيانه في فصل «الأماكن» بإذن الله). أما «الجوار» فأرادوا به التصاق عقار بآخر دون اشتراك العقارين المتجاورين في الحقوق. وفي المنشآت الإنتاجية فقد يعني الجوار تجاور منجمين أو معملين أو مصنعين أو مزرعتين.
لقد اختلفت أقوال الفقهاء في الآتي: هل تكون الشفعة في المنقولات كالسيف والسيارة، أم أنها فقط في غير المنقولات كالدار والمزرعة؟ وهل تكون الشفعة في ما لا يقسم من غير المنقولات كالطريق الضيق والمرحاض الصغير، أم أنها في ما يقسم فقط ؟ وهل الشفعة للجار أيضاً، أم أنها للشركاء فقط ؟ وإذا كانت للشركاء، فهل هي للشركاء في العقار فقط، أم أنها أيضاً للشركاء في الطريق ومسيل الماء، أي للخلطاء، وأيهما أولى؟ وإذا كان هناك أكثر من شريك في العقار بنسب متفاوتة كأن يملك أحدهم نصفه وآخر ثلثه وثالث سدسه، فكيف تكون الشفعة بينهم؟ الإجابات المختلفة على الأسئلة السابقة ذات تأثيرات مختلفة على القبض والذي سيؤثر في أحقية بيع الشقص قبل قبضه ما يؤثر في منظور الفقيه في جواز أو عدم جواز بيع الشقص. وأنت أخي القارئ بالطبع لست بحاجة لأن أضرب لك الأمثلة من المنشآت الإنتاجية المعاصرة كالمصانع باستمرار لتتمكن من الربط بين أقوال الفقهاء والوضع المعاصر سواء مع قراءة الصفحات القادمة أو قراءة كتب الفقه. فلتتمكن من رؤية الربط ما عليك إلا أن تتذكر أن هناك أعياناً وأماكن في الشركات المعاصرة لا تقبل القسمة، وأخرى تقبل، وثالثة تقبل ولكن بضرر.
كنت قد حاولت بحمد الله الإجابة على اختلافات أقوال الفقهاء في الشفعة وتأثيرها في العمران في الفصل الثامن من كتاب «عمارة الأرض»، لذا يرجى الرجوع إليها هنالك للمزيد من التفصيل. لكن للاختصار اخترت بعض
هامش
ن ٤) (٢٧٣) الحديث الأول متفق عليه، ويقول ابن قدامة فيه: «قال الحديث اختلفوا في لقاء الحسن له. ومن أثبت لقاءه قال: إنه لم يرو ابن المنذر : الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدیث جابر عنه إلا حديث عقبة، وقد رواه الحسن عن سمرة» (٢٧٥). أما الذي رويناه (الحديث الأول) وما عداه من الأحاديث فيها مقال على الحديث السادس فقد أخرجه عبد الرزاق والطيالسي والدارقطني أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك فإنه جار أيضاً، ويسمى كل واحد والبيهقي. وقال البغوي ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة «فيحتمل من الزوجين جاراً، قال الشاعر ...». أما الحديث الثاني فقد قالوا بأن أن يكون المراد به الشفعة، ويحتمل أن يكون أحق بالبر والمعونة» رجال أسناده ثقات (٢٧٤). والحديث الثالث مشابه للأول. وحديث (٢٧٦). أما الحديث السابع فقد حسنه الترمذي، ولم يروه غير عبد عبادة (الحديث الرابع) أخرجه الطبراني في الكبير وهو من رواية الملك، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث، ولكن قد أنكر عليه هذا إسحق عن عبادة ولم يدركه، وتشهد في ثبوت صحته الأحاديث الحديث. وقال أحمد : هذا الحديث منكر. وقال الشافعي نخاف أن لا الواردة في ثبوت الشفعة فيما هو ا أعم من الأرض والدار كحديث يكون محفوظاً. وقد احتج مسلم في صحيحه بحديث عبد الملك بن أبي جابر ... ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال». ويقول الشوكاني في سليمان وأخرج له أحاديث واستشهد به البخاري ولم يخرجا له هذا الحديث الخامس: «وحديث سمرة أخرجه أيضاً البيهقي والطبراني الحديث. وقال ابن معين: لم يروه إلا عبد الملك، وقد أنكره عليه. وفي والضياء، وفي سماع الحسن عن سمرة مقال معروف قد تقدم التنبيه هذا الحديث، ومن قوله إذا كان طريقهما واحداً» دليل على أن عليه، ولكنه أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه «الجوار بمجرده لا تثبت به الشفعة بل لا بد معه من اتحاد الطريق والطحاوي وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والضياء عن أنس، ويؤيد هذا الاعتبار قوله في حديث جابر وأبي هريرة المتقدمين، فإذا وأخرجه ابن سعد عن الشريـد بن سـويـد بلفظ حديث سمرة وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» (۲۷۷). المذكور». وفي المجموع: «وأجابو عن حديث سمرة بأن أهل
١٦٨٤ 🗏
أقوال الفقهاء لترى كيف أن الشريعة تصر على التقريب بين الملاك وما يملكون، وليست كالأسهم المعاصرة التي تفصل أو تباعد بين الناس ومواقع الإنتاج. فإن كنت مقتنعاً بهذا أخي القارئ فبإمكانك قفز الفقرات الآتية إلى آخر فقرتين قبل العنوان القادم، أي قبل البيع والتراضي والتصنع والجودة».
س ٤
۲۷۸
والشفعة
لم يختلف العلماء في مشروعية الشفعة، فهي ثابتة بالسنة والإجماع. فقد قال الماوردي في الحاوي: «إن ما روي في الشفعة وإن لم يكن متواتراً فالعلم به مستفيض يصير به الخبر كالمتواتر، ثم الإجماع عليه منعقد، ...». تجوز للمسلم والكافر عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وقال جمهور الفقهاء بأن الشفعة لا تجب إلا للشريك المقاسم في العقار، فإذا ملك زيد وبكر عقاراً ، وقرر زيد البيع، فيقدّم بكر لشرائها على غيره بالقيمة التي سيدفعها الغريب. وذلك لأن الغريب قد يضر ببكر، أو قد لا يرتاح إليه بكر في استخدام المنشأة مما يضطر بكر لقسمة العقار بعد دخول الغريب عليه . وهذا قد يرغم بكراً لإضافة مرافق جديدة للعقار. فإذا كان زيد وبكر مثلاً شركاء في استخدام المرحاض والممر، فقد يضطر بكر بعد القسمة إلى بناء مرحاض جديد أو استحداث ممر لأن هذه الأعيان ستقسم بين بكر والشريك الجديد، وقد لا يكون في نصيب بكر مرحاض أو ممر. لذلك يقول جمهور الفقهاء بأن الشفعة قبل القسمة. أما إذا وقعت الحدود، كأن تكون الدار المشاعة قد قسمت، وعلم كل شريك نصيبه من الغرف والمرافق، وصرفت الطرق بينهم، فعلموا مداخلهم وممراتهم داخل المنزل، فلا شفعة بينهم. أي أن جمهور الفقهاء اشترطوا أن يكون الملك مشاعاً غير مقسوم للأخذ بحق الشفعة، وهذه هي حال المنشآت الإنتاجية في الغالب كالمصانع والمزارع. وقد قال بهذا، كما جاء في المغني، كل من عمر، ر، وعثمان وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى الأنصاري ، وأبو الزناد، وربيعة، والمغيرة بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحق، وغيرهم. وفي المجموع إضافة لكل من أحمد وأبو ثور وابن المنذر. "
۲۸۰
إن قول الجمهور هذا مهم جداً لرفع الإنتاجية: فإن تذكر في الحديث عن أحجام المنتجات وعلاقتها بعدد الشركاء في فصل «الشركة» فقد ذكرت أن الإنتاج بسبب فتح أبواب التمكين سيتجه إلى شراكات لإنتاج سلع بأكبر عدد ممكن من الشركاء دون خلافات بينهم لإنتاج قطعة محددة يتقنون إنتاجها، وبهذا فإن العملية الإنتاجية ستتفتت إلى أجزاء واضحة الملامح فصناعة السيارة مثلاً قد تتجزأ إلى جماعة تصنع المحرك، وأخرى تصنع الأبواب وثالثة تجمع الهيكل، وهكذا. ولنأخذ بطارية السيارة كمثال: فحتى يعمل المصنع لهذا المنتج بكفاءة «فلعله» من الأفضل لجميع عناصر المصنع أن تكون ذات ملكية مشاعة بين الشركاء. فإن قرر أحد الشركاء الخروج وبيع شقصه، فإن لمن بقي من الشركاء حق الشفعة لأن المنشأة لم تُقسم بعد. فإن أخذوا بالشفعة ستستمر العلاقة حميمية بين الشركاء، لأنه لا غريب دخل عليهم. لكن إن طلب بائع الشقص سعراً أعلى مما يرضاه الشركاء فإن للمشتري الغريب حينئذ شراء الشقص حتى لا يتضرر البائع لشقصه من جراء الشراكة. وبالطبع فإن هذا الغريب الذي دفع سعراً مرتفعاً، لم يدفع
هامش
س٤) وفي المجموع: «وخالف أحمد فقهاء مذهبه على أنه لا شفعة سيزداد نصيبه في الشركة إن اشترى شقص أو أسهم بكر المسلم. وهنا لكافر على مسلم. وقال الضياء المقدسي نص عليه أحمد، قال في احتمالان: الأول هو أن جورج قد يسلم من حسن ا المعاملة التي الإنصاف: وهو المذهب وعليه الأصحاب وهو من مفردات المذهب وجدها من المسلمين بمساواته . والثاني هو ألا يسلم جورج ولكن في وبه قال الحسن البصري والشعبي ...» (۲۷۹). ولا حاجة هنا للخوض الوقت ذاته ازداد تمكيناً لأن حصته زادت في الشركة، وفي المقابل، فإن في ترجيح أحد المذهبين، ولكن عموماً فإن إعطاء غير المسلم (جورج بكراً في هذه الحالة الثانية قد وضع في وضع أفضل لأنه تحرر من حق مثلاً)، حق الشفعة على بكر المسلم إن أراد بيع شقصه يعني أن جورج الشفعة لجورج الذي قد يؤثر على سعر ن
شقصه.
١٢ الفصل والوصل
١٦٨٥
هذا السعر إلا لاهتمامه بهذا المصنع في الغالب. وفي هذا خير لهم لأنه استثمر الكثير ولا يريد إضاعة هذه الاستثمار، اسيهتم بالمصنع برغم حداثة شراكته فتستمر حميمية الشراكة.
لهذا
ولعلك تقول: ولكن قد يأتي ثري ولديه مصنعه الخاص به لصناعة البطاريات ويريد أن يثبط إنتاج هذا المصنع المنافس له بالدخول عليهم كغريب ليخسر المصنع المنافس له فيخرج من السوق فيقل العرض عن الطلب للبطاريات فيربح بالتالي مصنعه! فأجيب: هذا نادر الحدوث لأن الشركاء سيتعاونون على شراء نصيب هذا الذي يريد البيع. وإن لم يستطيعوا فإن الداخل عليهم لن يتمكن من إفساد الشركة عليهم لأن الشركاء الأصليين سيحاولون إخراج شقصه كما سيأتي بإذن الله وذلك بالمطالبة بالقسمة دون الإضرار بأنفسهم قدر المستطاع. وبهذا يتكون عرف في المجتمع بصعوبة التضرر من الغريب الداخل فيتردد الناس في الإقدام على الدخول في شراكة مستقرة منتجة لتخريبها ولكن فقط الدخول للمساهمة في المزيد من العطاء للمزيد من الربح. وهذه الأعراف مهمة للمناخ الإنتاجي المستصح.
لاحظ أن أعراف الشفعة مجهولة للكثير من الناس في أيامنا هذه التي نطبق فيها الأنظمة المعاصرة التي يعمل فيها الكثير من الناس كموظفين للدولة والشركات. أما مع تطبيق الشريعة ولأن المعظم يعمل شراكة فإن حق الشفعة سيتحول من علم في الكتب وبين الفقهاء إلى معرفة مشاعة بين الناس ولها أصولها التي يعرفها الجميع. ومن هذه الأصول مثلاً الاستئذان في بيع الشقص. فإن أراد زيد مثلاً بيع نصيبه فلابد وأن يخبر الشريك أولاً ليتيح له فرصة الشراء. ولكن إن أخبر زيد شريكه بكر بنيته في البيع وأذن الشريك لزيد بالبيع لأنه لا يريد الشراء ثم غيّر بكر رأيه، فهل للشريك ذلك؟ استنتج الفقهاء من الحديث الثالث من قوله صلوات الله وسلامه عليه: (فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به بأن «فيه دليل على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه بالبيع. وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذه بالشفعة، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة... وجمهور أهل العلم أن له أن يأخذ بالشفعة ولا يكون مجرد الإذن مبطلاً لها. وقال الثوري والحكم وأبو . عبيد وطائفة من أهل الحديث: ليس له أن يأخذه بالشفعة بعد وقوع الإذن منه بالبيع. وعن أحمد روايتان ...». نلحظ هنا أن مذهب الجمهور سيحافظ على وحدة المنشأة الإنتاجية لأن الشريك بكر الذي له حق الشفعة قد لا يوافق على سعر الشراء، ولكن إن أتى غريب ودفع السعر الذي طلبه البائع زيد، عندها سيقتنع الشريك بكر بالسعر ويدفع مقدار ما دفعه الغريب للحفاظ على وحدة المنشأة له أو لهم. وفي مثالنا السابق عن مصنع البطاريات فإن أراد شريك الخروج وطلب سعراً مرتفعاً لشقصه ولم يُقنع هذا السعر باقي الشركاء، ثم تقدم عمرو من الناس لشراء الشقص فإن للشركاء حينئذ حق الشفعة بالسعر المرتفع. هل رأيت كيف تحاول الشريعة التقريب بين الملاك والمنشآت الإنتاجية؟ أما إن لم يقنتع بكر ودخل غريب (عمرو) في الشراكة فكل ما في المسألة . هو إحلال شريك مكان آخر، أي أن الوضع لم يتغير لأن الشريك الداخل سيجد صعوبة في الإضرار بالشركاء كما سيأتي بإذن الله. فللشريك الجديد نصيبه من الأرباح وعليه من المسؤوليات ما كان على زيد. أي أنه قريب أيضاً من المنشأة الإنتاجية وليس كالمشتري للسهم في أيامنا هذه والمغيب عن موقع الإنتاج
تماماً.
۲۸۱
أي أن هذه المنشآت الإنتاجية وما بها من أعيان والتي يمكن أن تُقسم إلا أنها غير مقسومة ومشاعة في ملكيتها والتي تشبه الكثير من المنشآت الإنتاجية الحالية لا يجوز بيع الشقص فيها شرعاً دون الحصول على إذن الشركاء. لهذا يكون السؤال: كيف أجاز المسلمون بيع وشراء أسهم الشركات المعاصرة دون إذن باقي الشركاء؟ هذه نقطة مهمة
1717 🗏
جداً. لماذا؟ لأنها الحد الفاصل الذي لا يجوز تخطيه. فقد يأتي اقتصادي متفيقه ويضع حلولاً لإشكالية الاستئذان لتجويز بيع الأسهم المعاصرة وذلك مثلاً . بوضع شرط لكل مشترٍ للأسهم . عند استحداث أية شركة استثمارية مساهمة بأن الشراء للأسهم يعني موافقة المشتري الضمنية على بيع الشركاء الآخرين لأسهمهم مستقبلاً دون استئذانه. هنا أقول بأننا استحدثنا شرطاً باطلاً. وفي هذا الاستحداث تعد على الشريعة. فكأننا بهذا نطوع الشريعة لتلائم الوضع الحالي المنحرف. فالشريعة اشترطت الإذن كحركية وأعطت حق الشفعة للشريك حتى لا تظهر المتاجرة بالأسهم، فهذا صمام أمان تماماً كصمام أمام حركية لا تبع ما ليس عندك. بهذا تتعاضد الحركيات لتسحب الاقتصاد قدماً للمزيد من الإنتاجية. فتأمل.
وماذا عن الأعيان التي لا تُقسم أبداً كالسيف والدواب، وفي حالة المنجرة كالمنشار الكهربائي، وفي حالة محطات توليد الطاقة كالتوربينات؟ وماذا عن العقارات التي لا تقبل القسمة مثل البئر الصغير أو دورة المياه في المصنع؟ فكيف تكون الشفعة فيها ؟ يستنتج بعض العلماء كأبي حنيفة من حديث جابر (الحديث الأول) ثبوت الشفعة في كل الأشياء المنقولة وغير المنقولة من الحيوان والجماد، حتى وإن لم تقبل القسمة . ۲۸۲ أما جمهور الحنابلة والشافعية والمالكية فلم يروا حق الشفعة فيما لا يقبل القسمة سواءً كان منقولاً أو لم يكن.٢٨٣ فيقول ابن قدامة: «الشرط الثالث [أي للشفعة] أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والرحى الصغيرة والعضادة ما يسد به حول الحوض والطريق والطريق الضيقة والعراص الضيقة فعن أحمد فيها روايتان أحدهما لا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي؛ والثانية فيها الشفعة وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج، وعن ما مالك كالروايتين. قوله عليه السلام: (الشفعة فيما يقسم) ، وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة
ووجه هذا .
عموم .
ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره. والأول ظاهر المذهب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة، والمنقبة الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل، وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: «لا شفعة في بئر ولا فحل». ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها. ويمكن أن يقال أن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة، ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وقولهم: إن الضرر ههنا أكثر لتأبده، قلنا: إلا أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر، وهو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية، وفي الشفعة ههنا ضرر غير موجود في محل الوفاق، وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق. فأما ما أمكن قسمته مما ذكرنا كالحمام الكبير الواسع البيوت بحيث إذا قسم
لم يستضر بالقسمة وأمكن الانتفاع به حماماً فإن الشفعة تجب فيه، وكذلك البئر والدور والعضائد
متى أمكن أن يحصل من ذلك شيئان كالبئر ينقسم بئرين يرتقي الماء منهما وجبت الشفعة ..... . .
٢٨٥
٢٨٤
ومن قول ابن قدامة نستشف أن آراء الجمهور من الفقهاء كانت واضحة في ما لا يقبل القسمة بتاتاً إلا بتلفه. ففي الموطأ: «ولا شفعة عندنا في عبد، ولا وليدة، ولا بعير، ولا بقرة، ولا شاة، ولا في شيء من الحيوان، ولا في ثوب، ولا في بئر ليس لها بياض (أرض من حولها) ، ... » . وهنا نجد أن رأي الجمهور بإثبات الشفعة فيما لا يقسم قد يؤدي إلى نفور المشترين الأغراب عن الشراء، وبهذا ينخفض سعر الشقص مما يضر بالشريك البائع. لنتصور أن رجلين شريكان في ملكية منجرة وبها آلات لا تقبل القسمة كالمنشار الكهربائي، فإذا لم يتمكن أحدهما من البيع وهو يريد البيع
١٦٨٧
١٢ الفصل والوصل
فسيفقد الاهتمام بالشركة، وهذا سيؤثر في جودة الإنتاج سلباً لأن الشريك قد لا يواظب على العمل. كما أن نفور المشترين خوفاً من الشفعة وهبوط سعر الشقص قد يؤدي إلى التشاح بين الشركاء لإصرارهم للأخذ بالشفعة، وبهذا ستسوء حال الشراكة لاختلاف الشركاء، هذا إن لم تخسر. فتأمل كيف أن الشريعة لا تعطي حق الشفعة في هذه الحالة حتى لا يفقد أي من الشركاء الاهتمام بشراكاتهم ما يؤدي لاستمرارية الإنتاج. فشتان بين شريكين متفقين يعملان معاً في حفر بئر بسيارة حفر يملكانها معاً وشريكين مختلفين.
.
ولكن الاختلاف بين العلماء هو فيما يقبل القسمة بضرر أو يقبل القسمة بتغير في حاله كالطريق أو العرصة. فهناك حديث رواه أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من غيره). ٢٨٦ كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركع ولا رهوة). رواه أبو الخطاب من أصحاب الإمام أحمد في رؤوس المسائل. لهذا فقد أثبت بعض الفقهاء الشفعة للخليط، كالشريك في الطريق ومسيل الماء. فقد استدل بعض الفقهاء من حديث جابر أن الشفعة تثبت للخليط إذا لم يكن هناك شريك مقاسم في العقار أو لم يأخذ بها هذا الشريك ، وقيل بأن الذين قالوا بهذا هم علي وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وغيرهم." يقول ابن
قدامة
... فأما الطريق فإن الدار إذا بيعت ولها طريق في شارع أو درب نافذ فلا شفعة في تلك الدار ولا في الطريق لأنه لا شركة لأحد في ذلك ؛ وإن كان الطريق في درب غير نافذ ولا طريق للدار سوى تلك الطريق فلا شفعة أيضاً لأن إثبات ذلك يضر بالمشتري، ولأن الدار تبقى لا طريق لها. وإن كان للدار باب آخر يستطرق منه، أو كان لها موضع يفتح منه باب لها إلى طريق نافذ، نظرنا في طريق المبيع مع الدار، فإن كان ممراً لا تمكن قسمته فلا شفعة فيه، وإن كان تمكن قسمته وجبت الشفعة فيه لأنه أرض مشتركة تحتمل القسمة، فوجبت فيه الشفعة كغير الطريق. ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال لأن الضرر يلحق المشتري بتحويل الطريق إلى مكان آخر، مع ما في الأخذ بالشفعة من تفويت صفقة المشتري، وأخذ بعض المبيع من العقار دون بعض، فلم يجز كما لو كان الشريك في الطريق شريكاً في الدار، فأراد أخذ الطريق وحدها. والقول في دهليز الجار وصحنه كالقول في الطريق المملوك، وإن كان نصيب المشتري من الطريق أكثر من حاجته؛ فذكر القاضي أن الشفعة تجب في الزائد بكل حال لوجود المقتضى وعدم المانع، والصحيح أنه لا شفعة فيه لأن في ثبوتها تبعيض صفقة المشتري ولا يخلو من الضرر » .
۲۸۹
إن نظرت لأي منشأة إنتاجية ستجد أنها مكونة من أماكن كبيرة مسقوفة في الغالب ومخصصة لأعمال الإنتاج وبها آلات وأماكن مكشوفة في الغالب ومخصصة لحركة السيارات وأخرى ربما أصغر أو أضيق ومكشوفة أو مسقوفة ومخصصة لحركة الأفراد. فإن كانت ملكية هذه المنشأة مشاعة ثم طلب أحد الشركاء بيع نصيبه فسيلجأ الفقهاء المعاصرون لأحاديث الشفعة ولمثل هذه الأقوال السابقة لابن قدامة لمنح حق الشفعة أو منعه لإزالة الضرر عن الشركاء. عندها ستلحظ بأن أقوال الفقهاء بسبب التزامهم بالنص رحمهم الله ستؤدي إلى تقريب الملاك من ممتلكاتهم
هامش
عـ ٤) والمنقبة الطريق الضيقة تكون بين الدارين، والركع بضم الراء ناحية البيت من ورائه وما كان فضاء للسابلة والمارة، والرهوة الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره (۲۸۷).
١٦٨٨ 🗏
قدر المستطاع برغم اختلافاتهم، إلا أن هذا لم يحدث مع الأسف لأن المتفيقهين المعاصرين رضوا بالشركات ذات الأسهم والتي تباعد بين الملاك ومواقع الإنتاج. أريدك أخي القارئ أن تقرأ المثال الآتي من المجموع لترى حرص الفقهاء على نتائج القسمة إن حاول أحد الشركاء البيع برغم اختلافاتهم:
«وأما الطريق المشترك في درب مملوك ينظر فيه، فإن كان ضيقاً إذا قسم لم يصب كل واحد منهم طريقاً يدخل فيه إلى ملكه فلا شفعة فيه؛ وإن كان واسعاً نظرت، فإن كان للدار المبيعة طريق آخر وجبت الشفعة في الطريق، لأنه أرض مشتركة تحتمل القسمة، ولا ضرر على أحد في أخذه بالشفعة، فأشبه غير الطريق. وإن لم يكن للدار طريق غيره ففيه ثلاثة أوجه : أحدها: لا شفعة فيه، لأنا لو أثبتنا الشفعة فيه أضررنا بالمشتري لأنه يبقى ملكه بغير طريق، والضرر لا يزال بالضرر، والثاني: تثبت فيه الشفعة، لأنه أرض تحتمل القسمة، فتثبت فيها الشفعة كغير الطريق. والثالث: أنه إن مكن الشفيع المشتري من دخول الدار ثبت له الشفعة، وإن لم يمكنه فلا شفعة لأنه مع التمكين يمكن دفع الضرر من غير إضرار، ولا يمكن مع عدم التمكين إلا بالإضرار».
۲۹۰
وبالنسبة للأعيان التي لا تتقبل القسمة إلا بتلفها كالطاحونة والثوب والزمردة والسرج، وهذا مشابه لمعظم الآلات والمعدات الإنتاجية المعاصرة في المصانع، وكذلك بالنسبة للعقارات التي تُقسم ولكن بضرر الشركاء ضرراً بيناً كما في قسمة المرحاض والقناة والغرفة الصغيرة، فإن جمهور الأحناف والشافعية والحنابلة لم يروا القسمة بإرغام الشريك، لأن القسمة ستضر جميع الشركاء بإتلاف العين. وبهذا سيفكر الغريب الذي يريد الدخول لتخريب الشركة ألف مرة قبل الشراء لأنه مضار ولن يفلح . وبهذا تبقى الآلات مثلاً على حالها دون قسمة، وتستمر في العطاء ولكن بتغير الملاك جيلاً بعد جيل.
إن الشركات المعاصرة كما هو معلوم تحوي كل مما يقبل القسمة كصالات الإنتاج وما لا يقبل القسمة كالآلات، فإن طبقت الشريعة فإن ما يقبل القسمة سيُقسم، وما لا يقبل سيبقى شراكة على حاله. فإن كانت هناك مثلاً قناة ومعها أرض قسمت الأرض وتركت القناة على الشركة إذا كان في قسمتها ضرر . " وهذا القول يحمي جميع
۲۹۱
الشركاء من الضرر، إلا أنه في الوقت ذاته قد يفتح المجال لبعض الشركاء في التمادي في الإهمال عناداً ما يؤدي إلى سوء حال المكان أو العقار أو الآلة، فقد يصر شريك على القسمة، لكن إن قسمت الصالة التي تحوي آلات الإنتاج فإن هذا قد يتطلب نقل بعض الآلات من مواقعها، وفي هذا ضرر بين لأن هذه الآلات قد يصعب أو حتى يستحيل نقلها لارتباطها بأجهزة أخرى بجانبها كما هي حال المصانع عادة. أي وكأن قاعة الإنتاج هذه بآلاتها عين لا تقبل القسمة إلا بتلف. وفي هذه الحالة، فإن القاعة «لن تُقسم كما قال جمهور الفقهاء». إلا أن هناك بعض الآراء التي تقول بأن الشريك يجبر على بيع ما ما لا يقبل القسمة إذا طلب الآخر أو الآخرون ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد ومالك .
۲۹۲
أما فقهاء المذهب المالكي فقد اختلفت آراؤهم في قسمة ما لا يقسم إلا بتلف. فيقول القرافي بأن قسمة هذه الأعيان جائزة بالتراضي، حتى وإن أدى ذلك لتلفها لأن للآدمي إسقاط حقه بخلاف حق الله تعالى في إضاعة المال. فقد سئل ابن القاسم عن أرض قليلة بين أشراك كثيرة إن اقتسموها فيما بينهم لم يصر ما في حظ أحدهم إلا القليل الذي لا يُنتفع به؛ أتقسم بينهم هذه الأرض أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك : تقسم بينهم و إن كره بعضهم، ومن دعا إلى القسم منهم قسمت الأرض بينهم وإن لم يدع إلى ذلك إلا واحد منهم، ..... ومن الواضح فإن الخلاف بين الفقهاء في قسمة ما لا يقبل القسمة هو تفسير قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء ﴿للرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
۲۹۳
١٢ الفصل والوصل
١٦٨٩
وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. فيقول ابن العربي في هذه الآية بأن فقهاء المالكية اختلفوا فيها، فمنهم من يرى أن القسمة المؤدية إلى إبطال المنافع كابن كنانة، لابد منها إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ومنهم من كان يرى أن ذلك لا يجوز كابن القاسم. ٢٩٤ ويلخص ابن الرامي هذا الخلاف في المذهب المالكي فيقول:
«الأصل في ذلك قوله سبحانه تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، فبنى ملك [مالك] رحمه الله تعالى على هذه المسألة فقال: يقسم الحمام والماجل والبيت والأرض والدكان الصغير في السوق إذا كان أصل العرصة بينهم وإن لم يقع لواحد منهم ما ينتفع به. قال ملك في المجموعة: وقد عمل بذلك أهل المدينة حتى أن بعضهم لا ينتفع به. وقال ابن القاسم وأنا أرى كل ما لا ينقسم إلا بضرر ولا تكون فيه منفعة من دار أو أرض أو حمام أنه لا يقسم ويباع ويقسم ثمنه لقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار) .... وروى ابن حبيب عن أبي حنيفة مثل قول ملك، ... وهذا قول شاذ، لم يقل به أحد من أصحاب ملك إلا ابن كنانة، ... وقال مطرف الذي آخذ به إن كان بعضهم ينتفع بسعة سهمه، ويضيق على بعضهم لقلة سهمه فيقسم بينهم كما قال ملك ، وإن كان لا ينتفع واحد منهما سهمه فيباع ويقسم الثمن ...» ..
۲۹۵
لقلة
وقد سئل ابن زرب عن دار مشتركة لا تحتمل القسمة، فدعا أحد الشركاء البيع صفقة، فهل يجبر الثاني على ذلك، وإذا بلغت ثمناً ما، فهل للذي لم يدع للبيع شراؤها ؟ فأجاب: «للذي لا يرغب في البيع منهما ضمها بذلك الثمن، وكان أحق بذلك ممن بلغها ولم يزد، ...». ٢٩٦ وعلى هذا يمكننا الاستنتاج بأن رأي أكثر المالكية وباقي المذاهب هو بيع ما لا يقبل القسمة إذا طلب أحد الشركاء ذلك، وبهذا تتحول ملكية ذلك العقار أو تلك القاعة أو تلك الآلة أو الجهاز إلى جماعة أخرى من الشركاء ما يؤدي لاستمرارية الإنتاج في المجتمع. أما إذا لم يُبع، وبالذات إذا كان مكاناً كالد كان يمكن قسمته فإن القسمة قد تقع على الشركاء، وهذا سيدفعهم للاتفاق خوفاً من القسمة وبالتالي الخسارة.
وبالطبع فإن موضوع الشفعة فيه الكثير من الأقوال المتباينة لأن نوازلها تأتي من واقع يعيشه الناس في مقار أعمالهم التي تداخلت فيها أماكن وأعيان لا تقبل القسمة وأخرى تقبل. ولكن في جميع الأحوال ومهما اختلفت الأقوال تجد أنها داخل بوتقة واحدة فجميع الفقهاء يصرون على القبض بعد البيع، وجميعهم يحاولون تلافي الضرر الناتج من القسمة قدر المستطاع إن لم يكن هنالك بد من القسمة، وجميعهم يقفون في فتاواهم ضد الشريك المضار، لهذا وبرغم هذه الاختلافات إلا أنها جميعاً تؤدي إلى مجتمع بيئته الإنتاجية تميزت بقرب الملاك من مقار الإنتاج. وهذا هو المهم لموضوعنا. وهذا القرب يعني باختصار بأن الناس منشغلون بما هو إنتاجي فعلياً. وهذا يعني أنهم يتنافسون دوماً في تطوير منتجاتهم وإلا لما ربحوا كما أن القرب يعني أيضاً أن من ترك شراكة ما فهو إنما حمل معه المعرفة التي اكتسبها لينقلها لشراكة جديدة لتنتشر المعرفة هنالك وتتطور أكثر وأكثر. أما مع تجويز بيع الأسهم مع الأسف، وبالتالي ظهور الطبقات التي لا تنتج إلا المكر والخديعة في أسواق المال، فإن الفساد سينتشر بين هؤلاء لأنهم لم ينشغلوا بالإنتاج والتنافس والتطوير، بل باستحداث طرق للكسب دونما إنتاج بينما المسؤولون عن المصانع ينهبون قدر المستطاع. فهؤلاء المسؤولون كما مر بنا يجنون الربح اليسير للملاك المبعثرين في كل مكان لكثرة نفقاتهم دونما رقيب مالك قريب عليهم. وبهذا تزدهر وسائل جمع المال خبثاً كما هو حادث في أسواق المال. وشتان بين المجتمعين أحدهما أفراده منشغلون بالإنتاج والابتكار وعرض منتجاتهم للبيع منافسة وبالتالي فهم دائمو
- 🗏
التوجه الله طلباً للتوفيق وتوكلاً عليه، لهذا فهم دائمو الذكر الله والرجاء والتذلل له طمعاً في البركة في الإنتاج الأفضل؛ والآخر أفراده تربوا على التكاسل والتحايل والغش لأن ما ينفقونه يأتيهم من المقامرة في الأسهم ومن التزلف للحكام والمسؤولين، أي نفاق في نفاق. كما أن الأسهم كتجارة ستوجد مستويات من الظلم لأن الفرد إن مع الشركات فهو إنما يجابه مستوى عال من التنظيم الذي يجيش المحامين لإحقاق الباطل، وليس كالخلاف بين الشركاء في نقطة محددة كما وضحت في أول هذا الفصل.
اختلف
ببيع
وللتلخيص أقول: هل رأيت لماذا تصر الشريعة على قبض الموهوب أو المباع كحركية، ولماذا حق الشفعة يعتبر حركية مهمة؟ والإجابة بالطبع هي لتنتفي الطبقية. لذا فإن رأيت أي مجتمع تنتشر فيه تجارة الأسهم فاعلم أنه مجتمع طبقي. فالأسهم مؤشر واضح على الطبقية وبالتالي الاستعباد وقلة الإنتاج مع الهدر الكبير في الموارد والإسراف والتبذير للاثرياء. فكلما زادت تجارة الأسهم كلما دل ذلك على أن أبواب التمكين مغلقة، لهذا لم يجد الناس باباً إنتاجياً ليطرقوه، فتجمعت لدي بعضهم الأموال لتستثمر في أسهم شركات تستعبد الفقراء الذين حرموا الموارد ومنعوا من الموافقات الحكومية على مشروعاتهم ولم يتمكنوا من قطف المعرفة فأصبحوا فقراء. لهذا كانت حكمة الشريعة بمنع البيع قبل القبض وبإحقاق حق الشفعة فلا تظهر بالتالي التجارة بالأسهم ولا ما يُسمى الأبشن وما شابه من ألاعيب. ولعلك تقول: ولكن البيع قبل القبض حرية للفرد وقد منع منها، وأنت يا جميل تقول بأن الشريعة تطلق الأفراد، وهذا عكس ما تقول، أي أن فيه تقييد للأفراد فأجيب: تماماً كما كان الحال مع منع الشريعة لتلقي الركبان (كمثال)، فإن الفرد مسير في هذه الجزئية لأنه إن كان له البيع قبل القبض لظهر لهذه الحرية تقييد في مستويات أعلى. فهذه الحرية إن أطلقت ستؤدي لظهور بيع الأبشن ، وبالتالي ستؤدي إلى احتكار بعض السلع عند البعض، ما يؤدي إلى «تغبيش شفافية» السوق فتختل حركية العرض والطلب للسلع وبالتالي ستنتج سلع أكثر مما يحتاجه المجتمع على حساب ضمور إنتاج سلع يحتاجها المجتمع. وبهذا يقل الإنتاج كفاءة والتوزيع ظلماً بسبب هذه التدخلات في حركيات السوق. وهو موضوعنا القادم:
البيع والتراضي والتصنيع والجودة
قال تعالى في الآية ٢٩ من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. إن هذه الآية إن كتبت فيها عشرات الصفحات فلن تفيها حقها من التدبر لدقة معناها مع سعة تأثيرها في حياتنا الاقتصادية إن نحن عملنا بها. وبالذات إن وضعناها في إطار سورة النساء التي تركز على العدل. ففي الآية التي تليها مباشرة قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. قبل البدء في تفسيرها اقتصادياً لننظر لتفسير ابن كثير لها كمثال لما ذهب إليه معظم المفسرين. يقول ابن كثير رحمه الله:
ينهى
الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في الرجل
١٦٩١
١٢ الفصل والوصل
يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددت معه درهماً. قال هو الذي قال عز وجل فيه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا ابن فضيل عن داود الأودي عن عامر عن . علقمة ، عن عبد الله في الآية قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لما أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ، قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾، الآية، وكذا قال قتادة وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾، قرئ تجرة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع. كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في كتاب الأموال، لكن المتاجرة المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال كما قال تعالى: ﴿ وَلا تَقتلوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وكقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول لأنه يدل على التراضي نصاً بخلاف المعطاة، فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد، فرؤا أن الأقوال كما تدل على التراضي وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعاً، فصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعاً وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم. وقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾ ، بيعاً أو عطاءً أحد أحداً، ورواه ابن جرير. ثم قال: وحدثنا وكيع حدثنا أبي عن القاسم عن سليمان الجعفي عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله عليه وسلم: (البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يضر مسلماً). هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). وفي لفظ البخاري: إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا . وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها كما هو المشهور عن مالك رحمه الله. وصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، وهو قول في مذهب الشافعي. ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعاً، وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه. وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ ، أي بارتكاب محارم الله وتعاطى معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، أي فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد : حدثنا ... عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: إحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن أغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟)، قال: قلت: يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن اهلك، فذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً، وهكذا، ... ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم - مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم تردى به فسمه في يده يتحساه في نار جهنم . خالداً مخلداً فيها أبداً ، و ، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين. ... » ..
۲۹۷
خالداً
١٦٩٢ 🗏
تلحظ في تفسير ابن كثير وكذلك معظم التفاسير بأن المسلمين احتاروا عندما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ . والسبب في ذلك هو أن معظم معاملاتهم المالية آنذاك اتسمت بالنقاء وخلت من الربوا والقمار والبخس وما شابه من محرمات، ومع ذلك نزلت الآية لتمنعهم من أكل الأموال بينهم بالباطل، فذهب ظنهم على أنها قد تعني أكلهم مع بعضهم البعض لأن أطيب أموالهم في أطعمتهم. فنزلت آية سورة النور: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ....﴾ أي نزلت الآية لتبين لهم أن ليس المقصود ما ظنوه لهذا ذهب تأويل المفسرين والله أعلم إلى أن المقصود من أكل أموال الناس بالباطل لابد وأن يكون الوقوع في محظورات البيع كالتدليس والنجش مثلاً. وبالنسبة لتفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾، نلحظ أن أقوال المفسرين دارت حول حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (أو قال: حتى يتفرقا) فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) . ٢٩٨ ثم إن نظرنا لتأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ ، سنلحظ أن التأويل ذهب على أنها التخفيف عن الناس كقصة عمرو بن العاص عندما أمّ الناس في الصلاة ولم يغتسل، بل تيمم فقط. تلحظ أن الربط بين المقطعين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾ و ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ بحاجة لمغزى مقنع في تأويل الآية. أي اجتمع هذان المقطعان في نفس الآية ؟ ولعل السؤال هو: كيف نربط بين هذه المعاني المتفرقة لتظهر الآية برسالة واضحة تجمع هذه المعاني؟
لماذا
۲۹۸
لاحظ أن الآية تحوي أربعة مقاطع واضحة هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾ و ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وأن اجتماعهم في آية واحدة بحاجة لنوع من التدبر للوصول للربط المتوقع بينهم. لننظر أولاً إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾، فما الذي يمكن أن يعنيه هذا المقطع من الآية؟ إن التجارة كما هو معلوم صفقة بين بائع ومشتر، وأن البائع في الغالب سيكون راضياً عن الصفقة لأنه هو الذي وضع السعر الذي يريده وهو الذي سيأخذ من المشتري مالاً مقابل السلعة، فلماذا لا يرضى؟ لكن هناك احتمال نادر لعدم رضاه وذلك في حالة إجباره على البيع الحال إن تدخلت الدول وفرضت الأسعار على التجار. لكن في المقابل، فإن المشتري هو الذي
محدد كما هي بسعر قد لا يكون راضياً في معظم الصفقات، ذلك أنه مضطر للشراء مع قناعته أحياناً بأن المال الذي سيدفعه قد لا يستحقه البائع. لأضرب بعض الأمثلة: كثير منا مر بتجربة دفع مستحقات شركات الهواتف النقالة كالجوالات. وكثير منا يعلم من خلال تجربته أن هذه الشركات تدعي مبلغاً من المال مقابل خدمة قدمت له وهو لم يحصل عليها، لكن عليه الدفع دون رضى منه، أي رغماً عنه لأنه إن لم يفعل فسيفقد رقمه. مثال آخر: إن حصل ابن الوزير على أرض في سفح الجبل وبنى عليها مشروعاً استثمارياً لعدد من الدور ثم قام ببيعها، فإن المشتري في هذه الحالة يعلم جيداً بأنه مغبون في السعر لأن السعر يشمل الأرض التي ما حصل عليها المستثمر إلا لأنه ابن الوزير. البيع لا يعكس فقط تكلفة البناء مع بعض الربح، ولكن يعكس سطوة ابن الوزير الذي حصل على
وأن سعر
١٢ الفصل والوصل
١٦٩٣
الأرض بحكم منصب والده. مثال ثالث: إن شراء أي علبة من الحليب في أيامنا هذه لا يعكس المجهود المبذل في تربية الأبقار ورعايتها وحلبها وبسترة الحليب وتعليبه فقط، ولكن السعر يحمل في طياته قوة ملاك المصنع الذين ما تمكنوا من تحويط المرعى والحصول على الترخيص لإنشاء المصنع إلا لمكانتهم. وهكذا إن تفكرت في معظم ما حولك من منتجات تجد أنها لا تعكس مطلقاً المجهود المبذل فيها فقط، بل تعكس الندرة للموارد التي ما ظهرت إلا لأن الدولة قيدت الوصول إليها وتعكس الموافقات لإنشاء المصانع التي ما ظهرت إلا بأساليب ملتوية في معظم الأحوال. حتى في الدول الغربية التي تدعي النزاهة والشفافية في الاقتصاد، فإن تسلط البنوك والأنظمة التي لا تفتح أبواب التمكين للجميع بالتساوي وتكتلات الشركات لتحتكر السلع هي التي تؤثر في الأسعار. ولهذا فلن يكون المشتري راضياً تماماً، بل تجد في نفسه نوعاً من الإحساس بالظلم وبالذات في أيامنا هذه في معظم الأحوال.
إن من طبيعة النفس البشرية أن تأخذ وهي راضية وتعطي وهي متأففة إلا من رحم ربك من الكرماء. لهذا فإن رضى المشتري أكثر صعوبة من رضى البائع في التحقق. فرضى المشتري يعني أنه عندما يشتري وكأنه يمنح البائع جائزة مقابل السلعة ألا وهي النقد. وهذا الرضى يقع عادة إن اقتنع المشتري أن البائع إنما اجتهد وتعب لإنتاج أو استيراد السلعة. أي أن المشتري من رضاه فرح بالصفقة لأنه يعتقد أن البائع يستحق الثمن. فقد يكون البائع تاجراً أحضر السلعة من مكان بعيد للمشتري دونما احتكار. أو أن البائع هو نفسه الصانع للسلعة، وهذا الصانع (كالخياط مثلاً) لأنه خاط القميص بإتقان يستحق الأجر مقابل عمله، ثم هذا الذي خاط القميص وباعه مشتر للقماش، فقد اشتراه ممن صنعه ودفع له المبلغ بنفس راضية أيضاً لأنه يعلم أن هذا الصانع للقماش غير محتكر لمزارع القطن وأنه لم يحصل على الترخيص للتصنيع لأنه مقرب من المسؤولين، بل أنشأ هو وشركاؤه المصنع بكل جدارة. وهكذا وكأن الرضى في التبايع مؤشر واضح على انتفاء الظلم.
هو
نفسه
والآن نعود إلى تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. فمن هذا المقطع، ومن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل نستنتج حقين للمجتمع على الفرد هما: الأول: حق المجتمع على البائع وكأن الآية تقول له: إنك إن أوجدت سلعة وتاجرت بها وأنت ظالم فقد أكلت المال بالباطل. وقد بينا الظلم سابقاً والذي قد يعني سبق الصانع للآخرين إلى مصب نهر مثلاً ومنعهم من الاستفادة منه لأن المالك للمصنع حصل على ترخيص من الدولة تحظر على الآخرين الاستفادة من نفس الموقع الذي يسع الجميع.
الثاني: حق المجتمع على المشتري وكأن الآية تقول له: إن اشتريت سلعة من هؤلاء المنتجين أو التجار الظلمة وكأنك تأكل السلعة بالباطل لأن كل فلس تدفعه لهؤلاء وكأنه تصويت منك للموافقة على طغيانهم. أي أن قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ يدفع المجتمع التجاري إلى تثبيط أي اقتصاد لا يتبع شرع الله وذلك بحث الزبائن على الإضراب عن الشراء من هؤلاء الظلمة. فالصانع الذي كان إنتاجه بظلم يدرك جيداً أنه ظالم وسيستمر في الإنتاج بالظلم، لهذا فإن المشتري هو أيضاً مسؤول عن تفشي الظلم بعدم الإعراض عن الشراء لإيقاف الظلم. وهنا قد تقول : ولكن المشتري قد يكون مضطراً لشراء الخبز مثلاً من خباز يحصل على الطحين من مصنع رجل متنفذ، أي من رجل ظالم ! فما هو ذنب المضطر؟ فأجيب: إن الآية تدفع إلى التضييق على هؤلاء الظلمة، فإن وضعنا في أذهاننا أن الضرورات تبيح المحظورات، عندها فكأن الآية تحثنا على الإعراض عن شراء الكماليات وعن معظم الحاجيات والتقليل من الضروريات قدر المستطاع إن كانت من إنتاج
١٦٩٤ 🗏
الظلمة، وبهذا ينحسر الظلم ولو قليلاً ما يفتح المجال لانتصار الحق إن ظهر ولو قليلاً، وهكذا مع الزمن سيظهر العدل. فهؤلاء الظلمة هم الوقود، فهم الذين يعينون النظم التي لا تحكم بشرع الله من الاستمرار. ولعلك تقول: كيف قفزت يا جميل لهذه الاستنتاجات؟ فقد حملت الآية أكثر مما فيها من معان فأقول: هذا الاستنتاج لهذه الآية من سورة النساء مدعوم بآية أخرى مهمة من سورة البقرة. لننظر إليها أولاً ثم نعود لآية سورة النساء مرة أخرى. قال تعالى في الآية ١٨٨ من سورة البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَنطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْم وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . فكيف يكون أكل الأموال بين الناس بالباطل من خلال الحكام لأكل حقوق أناس آخرين بالإثم وبعلم»؟ وهذه الأخيرة مهمة أخي القارئ، أي قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. لتدبر الآية لابد من فهم المقصود من ثلاث أفكار. الأولى هي ما المقصود من الحكام؟ هل هم القضاة أم السلاطين؟ والثانية هي عن ماهية الدلو. والثالثة هي عن الفريق، فما المقصود به؟ لنقرأ أولاً تفسير ابن كثير للآية:
... وعن ابن عباس : هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحاكم وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه أثم آكل الحرام، وكذا روى عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم . وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي ف قطعة من نار فليحملها أو ليذرها فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراماً هو حرام. ولا يحرم حلالا . هو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه في كلامكم. قال قتادة : اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حراماً ولا يحق لك باطلاً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضى له بباطل أن خصومته لم تنقص حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا ،
إن التفسير السابق بأن رضى الفرد بحكم القاضي وهو يعلم أنه ظالم لأن خصمه لا حجة لديه، وأن حكم القاضي له لا يحلل النزاع له، لم يشتمل على دفع مال للقاضي لينحاز القاضي لجانبه، بينما الآية تشير إلى ذلك بوضوح. فلابد إذاً من تأويل آخر. ولكن في جميع الأحوال فإن ما سيأتي من تأويل بإذن الله لا يعارض أن المقصود في الآية ليس بالضرورة الحكم القضائي بين اثنين كما ذهب المفسرون، بل المقصود هو لجوء طبقة من المنتجين إلى طبقة الحكام لأكل أموال الناس بالظلم. وللتوضيح لنقرأ أولاً ما جاء في تفسير الطبري عن قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا﴾ (لاحظ أن معنى كلمة «سبب» هو الحبل):
سبب
«وأصل الإدلاء إرسال الرجل الدلو في متعلقاً به في البئر. فقيل للمحتج بدعـواه: أدلى بحجة كيت وكيت إذ كان حجته التي يحتج بها سبباً له هو به متعلق في خصومته كتعلق المستقي من بئر بدلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة. يقال فيهما جميعاً، أعني من الاحتجاج ومن إرسال الدلو في البئر بسبب أدلى فلان بحجته، فهو يدلي بها إدلاء، وأدلى دلوه في البئر فهو يدليها إدلاء. فأما
١٢ الفصل والوصل
قوله: ﴿وَتُدْلُوا﴾ بِهَا إِلَى الْحُكّام فإن فيه وجهين من الإعراب: أحدهما أن يكون قوله وتدلوا جزماً عطفاً على قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ ، أي ولا تدلوا بها إلى الحكام. وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بتكرير حرف النهي، ولا تدلوا بها إلى الحكام، والآخر منهما النصب على الظرف فيكون معناه حينئذ: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام كما قال
الشاعر ...».
۲۹۹
وجاء في لسان العرب عن ﴿وَتُدْلُوا﴾ :
«التدلي النزول من العلو قال ابن الأثير : والضمير الجبريل عليه الصلاة والسلام. وأدلى بحجته،
.
أحضرها واحتج بها ، و أدلى إليه بماله دفعه، التهذيب. وأدلى بمال فلان إلى الحاكم إذا دفعه إليه ومنه. قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكّامِ﴾ ، يعني الرشوة. قال أبو إسحق معنى تدلوا في الأصل من أدليت الدلو إذا أرسلتها لتملأها. قال ومعنى أدلى فلان بحجته أي أرسلها وأتى بها على صحة. قال فمعنى قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكّامِ﴾، أي تعملون على ما يوجبه الإدلاء بالحجة وتخونون في الأمانة لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم. كأنه قال: تعملون على ما يوجبه ظاهر الحكم وتتركون ما قد علمتم أنه الحق. وقال الفراء معناه: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تدلوا بها إلى الحكام وإن شئت جعلت نصب. وتدلوا بها: إذا ألقيت منها لا على الظرف، والمعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام ليقتطعوا لكم حقاً لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم . قال أبو منصور: وهذا عندي أصح القولين لأن الهاء في قوله وتدلوا بها للأموال، وهي على قول الزجاج للحجة، ولا ذكر لها في أول الكلام ولا في آخره. وأدليت فيه: قلت قولاً قبيحاً. قال: ولو شئت أدلى فيكما غير واحد علانية، أو قال: عندي في السر. ودلوت الناقة والإبل دلواً سقتها سوقاً رفيقاً رويداً. قال لا تقلواها وادلوها دلواً إن مع اليوم أخاه غدوا. وقال الشاعر : لا تعجلا بالسير وادلواها لبئسما بطء ولا نرعاها. وادلولى: أي أسرع وهي افعوعل. ودلوت الرجل وداليته إذا رفقت به وداريته. قال ابن بري: المدالاة المصانعة، مثل المداجاة. قال كثير : ألا يا لقومي للنوى وانفتالها وللصرم من أسماء ما لم ندالها. وقول الشاعر: كأن راكبها غصن بمروحة إذا تدلت به أو شارب ثمل. يجوز أن يكون تفعلت من الدلو الذي هو السوق الرفيق كأنه دلاها فتدلت قال: ويجوز أن يكون أراد تدللت من الإدلال، فكره التضعيف فحول إحدى اللامين ياء كما قالوا: تظنيت في تظننت ابن الأعرابي دلي إذا ساق ودلي إذا تحير، وقال تدلى إذا قرب بعد علو، وتدلى تواضع، وداليته أي داريته». " "
١٦٩٥
إن لكلمة ﴿وَتُدْلُوا﴾ في الآية إعجاز تصويري بديع. فإن وضعت في ذهنك السابق مما قاله ابن منظور في «لسان العرب» عن الدلو ما قاله المفسرون ستدرك إبداع التصوير الفني في القرآن الكريم. فالدلو عادة وعاء سعره منخفض جداً إذا ما قورن بالفائدة المجنية منه فهو رخيص جداً مقارنة بفائدة الماء الذي يحصل عليه الناس بقليل من المجهود. فالماء مصدر مهم للحياة وبالذات في المناطق الصحراوية. كما أن الماء في البئر قد يكون مشاعاً لكل الناس وقد يكون مملوكاً لبعض الناس. أي تماماً كالخيرات على الأرض مثل المعادن والأعشاب: فمنها ما هو مشاع للجميع ومنها ما هو مخصص لجماعة معينة. فالذي يحدث في البئر هو شراء دلو ثم إنزاله أو دفعه في البئر لملء الدلو ثم رفعه بترو للحصول على الماء. وهذا البئر يستمر الأخذ منه وبنفس الدلو. وكذلك دفع رشوة للحكام للحصول على تصريح التنقيب عن معدن ما، أو الحصول على تصريح لبناء مصنع ما، فبنفس الرشوة التي دفعت سيستفيد الدافعون مراراً وتكراراً بالأخذ من المنجم أو ببيع منتجات المصنع. وهكذا من فائدة مستمرة دون انقطاع تماماً
كماء البئر الذي لا ينضب بسبب الدلو، فإن الربح من المصنع لن ينقطع بسبب الرشوة. فتأمل هذا التصوير.
1797 🗏
يعلم
ثم إن نظرنا إلى تأويلات المفسرين سنلحظ أن المتضرر من حكم القاضي هو فرد في الغالب. فأين ذهبت كلمة ﴿فَرِيقًا﴾ ؟ أي أن تأويل المفسرين بتركيزهم على أن المقصود من الآية هو رضى الشخص بحكم القاضي وهو أنه ظالم، لا يستقيم مع مضمون الآية التي تحوي كلمة ﴿فَرِيقًا﴾. إن عبارة ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ في الآية تشير إلى أن المتضرر هم في الغالب فرقاً جمع فريق من الناس أي طوائف من الناس وليس فرداً. كيف؟ فكما أن صاحب الدلو يأخذ من البئر بمزاحمة الناس ما قد يضرهم إن لم يكن له الحق في ذلك، كذلك هذا المستثمر الذي رشا السلطات للحصول على استثناء من دون الناس فهو إنما يأكل من حقوق طائفة من الناس. أي أنه يضر بفريق من الناس. فيا لهذا التشبيه العجيب. لماذا؟ إن نظرت لأي نشاط اقتصادي ستلحظ أن المستفيدين والخاسرين من الناس يتشكلون على شكل فرق كل فرقة قد تستفيد في النظام الاقتصادي في الوقت الذي قد تخسر فيه أخرى. وهكذا فإن من يعملون في الاقتصاد ينقسمون إلى جماعات من حيث الربح جماعة تتاجر بالعملات، وأخرى بالأسهم، وثالثة تربح من بيع السجاجيد ورابعة من صناعة العصيرات، وخامسة من صناعة الطائرات، وسادسة من زراعة القمح، وهكذا من آلاف الفرق. فإن ضربت جائحة ما سيرتفع سعر القمح مثلاً ليستفيد تجارها على حساب تجار الكماليات. وهذه لا حول ولا قوة فيها للبشر ، لكن هنالك من الضرر الذي يقع على الفرق بسبب ظلم طائفة البشر، فمن الأمثلة على ذلك حصول جماعة من الشركاء على الموافقة لبناء مصنع لمعجون الطماطم لأن المنطقة انتشرت بها زراعة الطماطم، ثم إن تمكن هؤلاء الشركاء من استصدار قانون يمنع تصدير الطماطم حتى لا يتوقف المصنع، عندها فإن هؤلاء الشركاء قد أضروا بفريق من الناس ألا وهم زارعو الطماطم الذين ستتدنى أرباحهم بسبب منع التصدير. أي أن طائفة أدلت بالمال للحكام لتأكل فريقاً من أموال الناس بالباطل. وعندما يستصدر متنفذون من الدولة قانوناً يمنع شراء السيارات إلا ومعها بوليصة تأمين فإن على جميع سائقي السيارات دفع الأموال دون رضى منهم لهذه الشركات المملوكة لهؤلاء المتنفذين. وهكذا من أمثلة لا وبهذا يصبح المجتمع الاقتصادي إن كان في مجتمع لا ديمقراطي مرتعاً لرشوة المسؤولين، أما إن كان في مجتمع ديمقراطي بشفافية عالية كما في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، فسيصبح مرتعاً للتسابق بين الفرق لتغيير القانون، كل لصالحه. أي كل يحاول تغيير القانون لصالحه من خلال المرافعات والانتخابات ودعم المرشحين. هكذا تؤكل أموال فريق من الناس بالباطل. وللمزيد من التوضيح لأهمية هذه النقطة أقول:
تنتهي.
من
تسهیلات
إن الذين ينتجون أو يتاجرون بظلم فهم إنما يستطيعون الاستمرار في منتجاتهم بظلم إن هم وجدوا من يدعمهم في هذا الاستمرار. فمن هذا الذي يستطيع فعل ذلك غير الحكومات؟ فالظلم كما هو معلوم يكون الحظياً كضرب الرجل لآخر أو سرقة ماله، أما الظلم المستمر فلابد وأن يعني نظاماً أو عرفاً تقبله الجميع حتى يستمر. وهذا الاستمرار للظلم بالطبع لن يقع إلا بدعم من الحكام الذين يسكتون عنه هذا إن لم يكونوا جزءاً منه، فالحكام لن يسكتوا عن الظلم ليستمر إلا إن استفادوا منه، كأخذ المكوس من التجار مقابل تقديم حصرية لهم إلا أنها مقننة كفرض الضرائب على المنتجين المحليين؛ أو العكس، فرض الجمارك على الاستيراد ليستفيد الصناع المحليين، أو كالتاجر المصدر للمعادن بعد الحصول عليها من الطبيعة ولكن بعد دفع المكوس المرتفعة للسلطات مقابل منع الآخرين من الوصول لنفس المعدن والتجار والصناع يعلمون هذا جيداً، لهذا يحابون الحكام والمسؤولين كما هو واضح من قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. لا تتعجب أخي القارئ، فهذا يحدث حتى في منشآت المسجد الحرام التي كانت حكراً لعائلة واحدة في بنائها بأسعار خيالية. فقد رضيت هذه العائلة
١٢ الفصل والوصل
١٦٩٧
بهذا الاحتكار. فعلى سبيل المثال هناك محجر للرخام خارج مكة المكرمة مخصص لهم بحجة أنه لاستخدام واجهات
المسجد الحرام.
والآن بعد هذا الفهم نعود لتفسير آية سورة النساء: في الآية ثلاثة إعجازات: الأول يتركز في قوله تعالى: ﴿بَيْنَكُم﴾ . فكما ذكرت مراراً فإن تطبيق مقصوصة الحقوق سيؤدي إلى مجتمع إنتاجي ليس للدولة فيه أي مكان في التعاملات. فقط الناس ينتجون ويتبادلون السلع والخدمات. حتى المرافق العامة كالكهرباء وخدمات الهاتف وتعبيد الطرق، فكما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله فإنها من إنتاج الناس شراكة أو فرادى وليس الدولة. فتأمل الخطاب للذين آمنوا في الآية بالتركيز على ﴿بَيْنَكُم﴾. فبينكم تعني بين اثنين أو أكثر ولكن كفرد أو كشركاء في مستوى واحد دائماً، وليس دولة وفرد في مستويين مختلفين وسيأتي التفصيل لمسألة المستويات في فصل «الأماكن» بإذن الله). لكن فقط للاستمرار أقول الآن بأن دليلي على أن بَيْنَكُم تعني أفراد أو جماعات كشركاء في مستوى واحد هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾. وهذا هو الإعجاز الثاني. ذلك أن الدولة إن تعاملت مع الناس إن لم تطبق مقصوصة الحقوق فإن التعامل ليس بتجارة، لكنه خدمة تقدمها الدولة دونما مقابل أو مقابل مبلغ رمزي كما هي رسوم المتاحف مثلاً أو لتغطية بعض النفقات كما هي حال المواصلات العامة. أي أن التعامل بين الدولة والناس ليس ﴿تِجَارَةً﴾، بل خدمة. أي أن الآية تقول لنا أن التعامل المطلوب لإيجاد مجتمع إنتاجي سليم دونما تلويث أو استعباد وبعدل مطلق وكفاءة مرتفعة هو من خلال التجارة فقط. فكأن الآية تقول: إن أي أكل للمال، أي أي تعامل بينكم إن لم يكن تجارة فهو باطل. وهذه نقطة مهمة جداً. فالتعاملات التي أحدثتها المجتمعات المعاصرة كثيرة جداً ومنها ما هو ليس بتجارة، وأبسط مثال لذلك هو الخدمات التي تقدمها الدولة كالعلاج والتعليم وشركات الكهرباء التي تفرض ما تراه على السكان دون رضى منهم لاحتكارهم لحق توزيع الكهرباء، وقس على هذا معظم الخدمات. فجميع هذه التعاملات باطلة لأنها ليست تجارة بين الناس. وبالطبع تثير هنا سؤالاً عن التعاملات التي أقرتها الشريعة كالمغارسة والمزاعة والإجارة التي قد لا تظهر وكأنها تجارة! فأجيب بالقول على أنها تجارة ( كما سيأتي في فصل «البركة» بإذن الله). فالمستأجر للعقار يأخذ حق الاستخدام مقابل المال، ومن يؤجر عضلاته لحفر بئر فهو إنما يتاجر بقوته مقابل المال، وكذلك الطبيب الذي يعالج بإذن الله فهو إنما يأخذ أجراً مقابل استشارة المرضى له. وهكذا، فإن كل تعامل فيه أخذ للمال مقابل عطاء لمنفعة أو لسلعة وباستحقاق هو تجارة (لاحظ أن الأوقاف عطاءات أو منح من فرد أو جماعة لآخرين وليست مقابل المال كالخدمات التي تقدمها الحكومات). أي وكأن الآية تصر بأن المجتمع المسلم سيكون على الصراط المستقيم فقط إن كان التعامل بين أفراده بالتجارة وعن تراض. وإلا فإن المجتمع سينحرف. كيف؟
قد
ثم يأتي الإعجاز الثالث ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ . يا لها من آية. لاحظ أن الخطاب للجماعة. فكيف يقتل الناس أنفسهم جماعة؟ (لاحظ أن هذا التأويل القادم لا ينافي ما قاله ابن كثير وغيره من المفسرين بأن قتل النفس المقصود به انتحار الفرد). إن وضع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ في الآية لابد وأن يعني أن التجارة إن لم تكن بينكم عن تراض فستقتلون أنفسكم. كيف؟ كما ذكرت آنفاً، فإن التراضي يعني حق المجتمع على المشتري وعلى البائع، فإن لم يحرص لا المشتري ولا البائع على تحقيق هذا الحق فلابد وأن تظهر الطبقية المؤدية للفساد وبالتالي سيهلك بعض الناس. كيف؟
١٦٩٨ 🗏
لابد وأنك أخي القارئ تستطيع الآن الإجابة بنفسك إن فهمت ما سبق من الكتاب. فالحكم بغير ما أنزل
الله، أي عدم تطبيق مقصوصة الحقوق، سيؤدي من بين ما سيؤدي إليه إلى قفل أبواب التمكين وتمكن السلطات من الناس وظهور العملات وانتشار الربوا وانتشار الكماليات عند البعض على حساب نقصان الضروريات عند البعض الآخر وتحول العمل العسكري من عبادة إلى وظيفة وبالتالي حكم العسكر والاستعباد .. و ... و .. وهكذا من انحرافات تؤدي في النهاية إلى الفساد والذي يعني الانحلال الخلقي والتلوث البيئي وهذان يقتلان بعض الناس كما بنا بسبب تكتل الناس للحياة في المدن المزدحمة الملوثة مثلاً ما يساعد على تفشي الأمراض المزمنة كالربو والسرطان أو كاضطرار الفقراء للعمل في مناجم غير آمنة بسبب جشع الملاك الذين لا يوفرون عوامل السلامة، أو ... أو ... لهذا فمن رحمته سبحانه وتعالى وضعه لنا لوصفة تؤدي إلى التعامل بيننا بالتجارة عن تراض، وهذه التجارة عن تراض وكأنها هي الوسيلة الوحيدة للنجاة من التهلكة، فهي كأنها تاج قص الحق، لذا فإن البيع عن تراض رحمة بنا كما قال تعالى في الآية: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
مر
جميع
الأداة
لماذا قلت «تاج قص الحق»؟ لاحظ قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾، والتي تركز على التجارة وتستثني التعاملات الأخرى. فلماذا ركزت الآية على أن التعامل بالتجارة برضى سيؤدي لحياة طيبة، وكأن أي تعامل آخر غير التجارة برضى سيؤدي للفساد ؟ لنفهم المسألة من زاوية أخرى أقول لكي ينتفي الظلم وليكون البيع والشراء «مرضياً» لجميع الأطراف تماماً، فلابد من وجود تنافسية عالية عادلة بين المنتجين. وهذه التنافسية لن تشتد ولن تكون عادلة إلا في ظل بيئة تفتح جميع أبواب التمكين وللجميع من موارد وموافقات ومعرفة. عندها فإن البيع والشراء سيصبح هو الوحيدة للحصول على المنافع دونما مصالح توجهها. فإن أردت أي شيء من حاجياتك فلابد لك من أن تشتريها، فلا شيء مجاناً كهبات أو إقطاعات أراض أو امتيازات لمعادن، ولا مال من مناصب بيروقراطية ( كموظف حكومي أو شرطي أو ... تأخذ عليها مرتباً دونما إنتاج فعلى ثم تشتري بها حاجياتك، بل لابد من العمل لإيجاد منتج ما كالخبز أو القطار أو لإيجاد خدمة ما كالتعليم أو التطبيب، ثم بيع هذا المنتج للحصول على المال لشراء الحاجيات. فلا حياة إلا بإنتاج حتى العسكر كما مر بنا، فهم مجاهدون ولهم الغنائم بعد النصر ثم يعودون لحياتهم الإنتاجية. وبهذا تتراكم المنتجات لأن الكل ينتج ما أعظم الآية أخي القارئ التي تقول: لا حياة طيبة إلا بتجارة عن تراض لأن التجارة هي أساس الحصول على المنافع الصافية والمقطوفة من الخيرات التي وضعها الله الغني المغني المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد في أرضه. ولأن الكل من الناس يحتاج لما يستهلكه، فالكل إذاً لابد وأن يعمل باجتهاد لينتج ليقايض ما أنتجه بما سيستهلكه، وبهذا تتراكم المستهلكات وتزدهر الحياة.
عدد
لاحظ أن الحياة في ظل تجارة عن تراض لن تظهر فيها البطالة المقنعة. فلن يوجد وزيراً ليكون له سائقه الخاص به، وبهذا يقل عدد السائقين المأجورين، ولن يوجد ثري فاحش ليعمل له العشرات في منزله، وبهذا يقل الخدم إلا لما له ضرورة، وبالطبع لن يوجد الجند للدفاع عن السلطان ومواليه، ولن توجد أجهزة المباحث وأمن الدولة والاستخبارات التي يأكل موظفوها دونما إنتاج. وهكذا لن توجد البلطجة ولن توجد المؤسسات الحكومية التي تقدم الخدمات والمتخمة بالموظفين المهملين. ولأن الكل لابد وأن يعمل لينتج ليبيع ليعيش، فإن الكل سيتوكل على الله ويدعوه ليوفق في إنتاجه فيتعلق قلبه بالله. أما مع توظيف الدولة للناس، ولأن المعاشات من السلطات، فإن
١٢ الفصل والوصل
١٦٩٩
التوكل على الله سيضمحل، وعندها سيسير بعض الناس في أعمال لا منتجة فعلياً، بـل أعمال منتجة لتخدم الهرم السلطوي، مثل موظفي المباحث والاستخبارات، وسعاة البريد بين الدوائر الحكومية، والحرس والخدم وما شابه. وشتان بين المجتمعين: أحدهما ترعرع أفراده متوكلين على الله طلباً للرزق، فهم أحرار أعزاء، والآخر أفراده منافقون للمسؤولين طلباً للمعاش. فقد تربوا على الذل ولن يستطيعوا العيش دون استنشاق غبار أحذية المستعبدين لهم كما حدث لأولئك الذين وقفوا مع الانقلاب العسكري في مصر مع السيسي الأخرق. هكذا يُسيّر الناس لأعمال تخدم الهيكل السياسي الاجتماعي الضال. ولعل المؤلم هو أن هذه المجتمعات الضالة تشكلت فيها مهارات الناس (مثل الخدم والحرس وبلطجية أمن الدولة بطريقة لا إبداعية ولا تنافسية ولا مبادرة، بل بطريقة نفوسها مكسورة وذليلة وخانعة واتكالية ومهزومة ومع هذا فهي أحياناً بلطجية ومستكبرة لا تعرف حلالاً ولا حراماً ولا تنكر منكراً. وهولاء لا يرون طريقاً للحياة إلا بالاستعباد، إما يستعبدون أو يُستعبدون، فيذل المجتمع وينحط ليسهل استعماره وإضلاله وإغواؤه. وهذا فساد عظيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا معنى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، والله أعلم.
هنالك فكرة جوهرية تظهر من آية سورة النساء وهي «الاحتباس» ثم التبادل من خلال البيع. فالاحتباس أعني به احتباس المجهود الفكري والعضلي في السلعة. فأي سلعة عادة تظهر بتكاتف عدة مهارات. فالخبز تراكم لمعرفة زرع القمح ثم معالجته ثم خبزه ، والطائرة تراكم لمئات إن لم يكن لآلاف المهارات من الحصول على المعدن إلى تقنية المحركات وعلم الطيران والكهرباء. وكل منتج كما هو معلوم مؤلف من سلع أخرى أصغر منها. وفي كل مرحلة من مراحل إيجاد السلعة تُستثمر المعرفة في المادة ثم تُباع. وكل سلعة عندما تباع فهي إذاً إنما تنقل معها المعرفة المحبوسة فيها إلى جميع المنتجين الآخرين. وهكذا بانتقال السلع تنتقل المعرفة، ثم مع وقوع السلع في أيدي آخرين ستزداد المعرفة لأنهم سيزيدون عليها معرفة وسيستثمرون الزيادة المعرفية في سلعهم ثم يبيعونها. وبهذا
تتحسن المنتجات التي بدورها تنقل المعرفة من خلال الاحتباس الذي جسد المعرفة في السلعة مراراً وتكراراً.
العلاقة
فقط مسألة أخرى مهمة للجودة، ألا وهي أن اعتماد الحياة البشرية على البيع بتراض سيوجد المنفعة التي يحتاجها البشر مع أقل تشاح وقلق وهم وصداع ممكن لهم. كيف؟ إن البيع يعني ببساطة «خذ وهات»، ثم تنقطع العلاقة بين الطرفين: البائع والمشتري. هذه أهم ميزة للبيع ، أي إنهاء » العلاقة بين الطرفين مباشرة، فلا تستمر برغم انتقال المعرفة من فرد لآخر. ثم يذهب كل طرف إلى حاله ويركز على منتجه الذي يتقنه ويتفرغ له ليزيده إتقاناً لأن المعرفة أصبحت في حوزته بتفكيك وفهم منتجات الآخرين ثم يزيد عليها. فالبيع إذا أفضل وسيلة للفصل بين الناس مع توصيل المعرفة. بينما المعاملات الأخرى تربط الناس بطريقة قد تؤدي للخلاف المحبط للفرد أحياناً فيضمحل إنتاجه بكثرة انشغالاته بالهموم. فالمقاولة مثلاً وصفة مثلى لاستحداث علاقات بين البائع والمشتري قد تؤدي لخلافات لا تنتهي أحياناً. فإن ذهبت إلى خياط مثلاً واخترت معطفاً أعجبك ثم اشتريته فإن العلاقة بينكما قد انتهت أما إن طلبت منه أن يفصل لك معطفاً، فإن نقاط الوصل بينكما كثيرة: فيجب الاتفاق على نوع القماش ولونه، وعلى طراز التفصيل وعلى دقة الخياطة وعلى نوع قماش البطانة، وهكذا. فما بالك بالمقاولة لإنشاء مبنى مثلاً، فلابد وأن تكون العلاقة بين الطرفين مبنية على الاتفاق على آلاف التفاصيل المجسدة في الوثائق كالرسومات الهندسية وجداول الكميات ومواصفات المواد المستخدمة وما إلى ذلك. وهنا بالطبع سترفض
۱۷۰۰ 🗏
هذا الطرح وتسأل: ولكن كيف ستبنى المستشفيات والمجمعات التجارية والمطارات، ناهيك عن حاجة الناس لتفصيل الملابس وإعداد الوجبات الغذائية للحفلات وما شابه من ضروريات لا تتم عادة إلا بالمقاولات في أيامنا هذه ؟ وما علاقة هذا بالجودة؟ للإجابة أقول:
لقد عُرف الاسن ستصناع» » بأنه طلب من المشتري للبائع بأن يصنع له سلعة وبمواصفات محددة، كأن يطلب
من الخياط أن يخيط له ثوباً. وهناك احتمالات عدة، منها: أن تكون المواد الخام من المشتري، ومنها: أنها من
ما
الصانع، ومنها من هذا وذاك بناء على الاتفاق بينهما. وكما هو واضح فإن هذا شرعاً قد لا يكون جائزاً لأنه بيع ليس عند الصانع، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا البيع كما مر بنا. إلا أن معظم الفقهاء أجازوه بحجة حاجة الناس له! فبالنسبة للحنفية وهم أكثر من توسعوا فيه فإنهم استحسنوا الاستصناع من باب الاستدلال بالعرف. أما باقي فقهاء المذاهب الثلاثة فقد اعتبروه من باب البيع بالسلم. فمن المذهب الحنفي يقول السرخسي:
«قال: وإذا استصنع الرجل عند الرجل خفين أو قلنسوة أو طستاً أو كوزاً أو آنية من أواني النحاس فالقياس أن لا يجوز ذلك لأن المستصنع فيه مبيع، وهو معدوم، وبيع المعدوم لا يجوز لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان، ثم هذا في حكم بيع العين، ولو كان موجوداً غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه، فكذلك إذا كان معدوماً، بل أولى . ولكنا نقول نحن تركنا القياس لتعامل الناس في ذلك، فإنهم تعاملوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول كبير لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. وقال صلى الله عليه وسلم : (لا تجتمع أمتي على ضلالة). قال النووي: وفيه دليل لكون الإجماع حجة. وهو أصح ما يستدل به له من الحديث. وأما حديث لا تجتمع أمتي على ضلالة فضعيف».
۳۰۱
وبالنسبة لباقي المذاهب سأنقل ما لخصه الدكتور الجنيدل أثابه الله بالقول:
«المذاهب الثلاثة الأخرى: كما قلت أنهم قالوا به ولكنهم لم يميلوا فقط إلى تسميته عقداً جديداً بقدر ما اعتبروه عقداً يشبه عقد السلم، أو هو على الأصح من عقود السلم، ولهذا ننقل أقوال العلماء من . هذه المذاهب لنصل بعد ذلك إلى النتيجة
۱ - المالكية: قالوا أنه من باب السلم لا من باب بيع المعدوم، فيشترط فيه ما يشترط في السلم ويفسده ما يفسده، وفي هذا يقولون: «يجوز أن يستصنع السيف، أو السرج أو ما شابه، ويشترط في ذلك ما يشترط في السلم، فيجوز الشراء من الحداد والنجار والحباك، وهو سلم يشترط فيه ما يشترط في السلم من تعجيل رأس المال وضر [هكذا] الأجل وعدم تعيين العامل والمعمول منه [منقول من حاشية الدسوقي]».
٢- الشافعية : يصح عندهم في كل ما ينضبط في المقصود منه بالوصف، قال الشافعي في الأم: «ولا بأس أن يسلفه في طست أو ثور من نحاس أحمر أو أصفر أو شبه [الشبه نوع من المعادن] أو رصاص أو حديد، ويشترط بسعة معروفة ومضروبة أو مفرغا وبصبغة معروفة وبصبغة بالتخانة أو بالرقة ويضرب له أجلاً كهو في الثياب، وإذا جاء على ما يقع عليه اسم الصفـة والشرط لزمه ولم يكن له رده ... ولا بأس أن يبتاع آجراً بطول وعرض وتخانة ويشترط من طين وتخانة معروفة». الحنابلة : يصح في المذهب الحنبلي بلفظ البيع والسلم وحالاً وإلى أجل. قال ابن قدامة في المغني من
١٢ الفصل والوصل
بحجم
تعريف السلم: «هو أن يسلم عوضاً حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل، وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع وبلفظ السلف والسلم .. ويصح السلم في النشاب والنبل. وقال القاضي: لا يصح السلم فيها لأنه يجمع أخلاط من خشب وعقب وريش ونعل، فجرى مجرى إخلاط الصيادلة .. ولنا أنه يصح بيعه ويمكن ضبطه بالصفات التي لا يتفاوت الثمن معها غالباً، فصح السلم فيه كالخشب والقصب وما فيه من غيره يمكن ضبطه والإحاطة به، ولا يتفاوت كثيراً، فلا يمنع كالثياب المنسوجة من جنسين» ...».
۳۰۲
۱۷۰۱
كما هو واضح من الاقتباس السابق ومن كتب الفقه فإن الذي كان يقلق الفقهاء هو ظهور الخلاف بين لهذا المشتري والصانع. فهم لم يجيزوا الاستصناع في كل شيء، بل ردوه إلى طبيعة السلعة: فإن كانت السلعة منتشرة في الأسواق ومعلومة في مواصفاتها وبالتالي لن يختلف عليها المشتري والمصنّع فإن الحكم هو الجواز. وسبب عدم الاختلاف المتوقع بين المشتري والصانع هو أنه إن اختلفوا فإن الفصل بينهما في القضاء يكون بالرجوع للعرف. لنأخذ مثالاً: إن كانت صناعة قدر من نحاس قد انتشرت بين الناس بمواصفات محددة كأن يكون القدر الصغير كذا ومصنوع من مادة كذا بسمك كذا بحيث يصعب تمييز قدر عن آخر في الجودة فإن الحكم عندها هو الجواز. فإن اختلف الطرفان فإن هناك في الأسواق من القدور المشابهة ما يمكن الرجوع إليه لفصل الخلاف. حتى وإن كانت هناك بعض الاختلافات كأن يطلب المشتري من الصانع أي يضيف للقدر ما يمسك به ليحمله (أذن) أو كتفصيل ثوب بنمط مغربي وبقماش تركي ومعلوم الجودة واللون ولكن بمقاس أكبر ليلائم المشتري لضخامة جسمه، فإن الحكم هو الجواز لأن هناك عرفاً تصنيعياً لكل هذه الطلبات المميزة لهذا المشتري. أي أن العرف التصنيعي هو المحك الأهم في أذهان الفقهاء لتجويز أو تحريم الاستصناع لنقرأ الاقتباس الآتي من المبسوط لترى التركيز على العرف:
«باب الرجل يستصنع الشيء: قال رحمه الله : اعلم بأن البيوع أنواع أربعة: بيع عين بثمن، وبيع دين في الذمة بثمن وهو السلم وبيع عمل العين فيه تبع وهو الاستئجار للصناعة ونحوهما، فالمعقود عليه الوصف الذي يحدث في المحل بعمل العامل والعين هو الصبغ بيع فيه، وبيع عين شرط فيه العمل وهو الاستصناع، فالمستصنع فيه مبيع عين ولهذا يثبت فيه خيار الرؤية والعمل مشروط فيه، وهذا لأن هذا النوع من العمل اختص باسم فلابد من اختصاصه بمعنى يقتضيه ذلك الاسم، والاستصناع استفعال من الصنع. فعرفنا أن العمل مشروط فيه ثم أحكام ما للناس فيه تعامل من الاستصناع قد بيناه في شرح البيوع، فبذلك بدأ الباب هنا وبين الفرق بينه وبين ما إذا أسلم حديداً إلى حداد ليصنعه إناء مسمى بأجر مسمى فإنه جائز ولا خيار له فيه إذا كان مثل ما سمى؛ ؛ لأن ثبوت الخيار للفسخ حتى يعود إليه رأس ماله فيندفع الضرر به، وذلك لا يتأتى هنا ، فإن بعد اتصال عمله بالحديد لا وجه لفسخ العقد فيه. فأما في الاستصناع المعقود عليه العين وفسخ العقد فيه ممكن، فلهذا ثبت خيار الرؤية فيه، ولأن الحداد هنا يلتزم العمل بالعقد في ذمته ولا يثبت خيار الرؤية فيما يكون محله الذمة كالمسلم فيه. فأما في الاستصناع المقصود هو العين والعقد يرد عليه حتى لو صار ديناً بذكر الأجل عند أبي حنيفة، رحمه الله، لم يثبت فيه خيار الرؤية بعد ذلك. وإن أفسده الحداد فله أن يضمنه حديداً مثل حديده ويصير الإناء للعامل، وإن شاء رضي به وأعطاه الأجر؛ لأن العامل مخالف له من وجه حيث أفسد عمله، وموافق من وجه وهو إقامة أصل العمل وإن شاء مال إلى جهة الخلاف وجعله كالغاصب، ومن غصب حديداً وضربه إناء فهو ضامن حديداً مثله والإناء له بالضمان....
۱۷۰۲
وإذا سلّم إليه غزلاً ينسجه ثوباً وأمره أن يزيد من عنده غزلاً مسمى مثل غزله على أن يعطيه ثمن الغزل وأجر الثوب دراهم مسماة جاز، وهذا استحسان. وفي القياس لا يجوز، لأنه اشترى منه ما سماه من الغزل وهو غير معين ولا مشروط في ذمته ديناً، ولكنه يستحسن للتعامل في هذا المقدار، فقد يدفع الإنسان غزلاً إلى حائك فيقول له الحائك هذا لا يكفي لما تطلبه، فيأمره أن يزيد من عنده بقدر ما يحتاج إليه ليعطيه ثمن ذلك، وإنما لا يجوز الاستصناع في الثوب لعدم التعامل ولو دفع غزلاً إلى حائك لينسجه بذراع من ذلك الثوب أو بجزء شائع مسمى فذلك لا يجوز في ظاهر المذهب أيضاً؛ لأنه في معنى قفيز الطحان. قال رضي الله عنه، وكان شيخنا الإمام يحكي عن أستاذه رحمهما الله أنه كان يفتي بجواز هذا ويقول : فيه عرف ظاهر عندنا بنسف ولو لم يجوزه إنما يجوزه بالقياس على المنصوص والقياس يترك بالعرف كما في الاستصناع، ثم فيه منفعة، فإن النساج يعجل بالنسج ويجد فيه إذا كان له في الثوب نصيبا ..
وإذا دفع إلى إسكاف جلداً واستأجره بأجرٍ مُسَمّى على أن يخرزه له خفين بصفة معلومة على أن يفعله الإسكاف ويبطنه وَوَصَف له البطانة والنعل فهو جائز؛ لأنه متعارف. وإذا جاز الاستصناع في الخفّ لكونه متعارفاً ففي البطانة والنعل أجْوَزُ. ولا خيار لصاحب الأديم إذا عمله عملاً مقارناً الإفساد فيه وكان ينبغي أن يثبت له الخيار في البطانة والنعل ؛ لأنه اشترى ما لم يره لكنه قال لا خيار له في أصل الأديم لأنه ملكه ولا يتأتى الرد في البطانة والنعل منفرداً عن الأصل ثم البطانة والنعل بيع في هذا العقد والمقصود هو العمل. ألا ترى أن بالبطانة والنعل يصير ينسب إلى الأديم دون البطانة والنعل، ولا خيار له فيما هو المقصود وهو العمل وفيما هو الأصل وهو الأديم،
الخف
ولو أسلم ثوباً إلى خياط وأمره أن يخيطه قميصاً بدرهم فخاطه قباء فلصاحب الثوب أن يضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به ما سمى له؛ لأنه في أصل الخياطة موافق وفي الهيئة والصفة مخالف. وبعض مشايخنا - رحمهم الله - يقولون: القباء والقميص تتفاوتان في الاستعمال، وإن كان لا يتفق فلم يكن في أصل مقصود مخالفاً و إنما خالفه في تتميم المقصود حتى لو خاطه سراويلاً كان غاصباً ضامناً ولا خيار لصاحب الثوب؛ لأنه لا مقاربة بين القميص والسراويل في الاستعمال. والأصح : أن الجواب في الفصلين واحد . وقد روى هشام عن محمد ـ رحمهما الله ـ أنه لو دفع إليه شبهاً ليضرب له طستاً فضربه كوزاً فهو بالخيار ولا مقاربة في الاستعمال هنا ولكنه موافق في أصل الصنعة مخالف في الهيئة والصفة، فكذلك في مسألة الثوب. وإن خاطه سراويلاً فهو في أصل الخياطة موافق وفي الهيئة مخالف. فإن قال رب الثوب أمرتك بقميص وقال الخياط أمرتني بقباء فالقول قول رب الثوب مع يمينه عندنا. وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله ـ القول قول الخياط؛ لإنكاره الخلاف والضمان والشافعي رحمه الله يقول : إنهما يتحالفان لأنهما اختلفا في المعقود عليه. ولو اختلفا في البدل تحالفا إذا كان قبل إقامة العمل، فكذلك في المعقود عليه ولكن هذا لا معنى له هنا، لأن رب الثوب يدعي عليه ضمان قيمة الثوب والخياط ينكر ذلك . ويدعي الأجر ديناً في ذمة رب الثوب، فلا يكون هذا في معنى ما ورد الأثر بالتحالف فيه مع أن المقصود بالتحالف الفسخ وبعد إقامة العمل لا وجه للفسخ . وإن أقاما البينة فالبينة بينة الخياط؛ لأنه هو المدعي الإذن في خياطة القباء والوفاء بالمعقود عليه وتقرر الأجر في ذمة صاحب الثوب. وإن اختلفا في الأجر فالقول قول رب الثوب؛ لأنه منكر للزيادة والبينة بينة الخياط؛ لأنها تثبت الزيادة. وكذلك لو قال صاحب الثوب خيطه لي بغير أجر فالقول قوله مع يمينه على قياس ما بينا في القصارة؛ لأن عمل الخياطة المتصل بالثوب غير متقوم بنفسه. ولم يذكر في الكتاب ما إذا اتفقا على أنه لم يشارطه على شيء في هذه الفصول. وفي النوادر عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه لا أجر له؛ لأن المنافع لا تتقوم إلا بعقد ضمان أو 🗏
١٢ الفصل والوصل
بتسمية عوض. وعن أبي يوسف - رحمه الله - قال : استحسن إذا كان خيط له فأوجب الأجر له؛ لأن الخياطة التي بينهما دليل على أنه طلب منه إقامة العمل بأجره، فقام ذلك مقام الشرط. وعن محمد رحمه الله قال : إن كان العامل معروفاً بذلك العمل بالأجر فتح الحانوت لأجله فذلك ينزل منزلة شرط الأجر ويقضي له بالأجر استحساناً.......
۳۰۳
۱۷۰۳
أي أن لدينا ثلاثة مواقف متباينة من الاستصناع في الشريعة : الأول «لا» يجيزه تماماً، وفي هذا امتثال لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم بيع ما ليس عند الصانع، والثاني يجيزه في حال وجود أعراف واضحة عن السلعة كما ذهب الفقهاء على أنه نوع من بيع السلم والثالث لا تجيزه الشريعة ولكن الأنظمة الوضعية تجيزه طالما اتفق المشتري والصانع على شراء المعدوم. والآن سأعرض لك سريعاً بعض أهم الحيثيات التي تريك أن الأفضل هو الموقف الأول ثم الثاني، أما الثالث الذي يصل بين المشتري والصانع فهو آفة يجب الخلاص منه. وسيأتي تفصيل من منظور آخر أكثر إقناعاً لهذه المسألة في فصل «المعرفة» بإذن الله.
:
لأعرض أولاً لبعض المسلمات إن السلعة كلما كانت مصنعة كلما كانت أقل تكلفة. ذلك لأن المصانع تنتجها بكميات كبيرة دون تدخل المشتري الذي سيعيق بطلباته انسيابية الإنتاج ما سيزيد التكلفة. وللتوضيح بمثال بسيط : فشتان من حيث التكلفة (وليس السعر بين قطعة خبز تشتريها جاهزة من إنتاج مخبز أوتوماتيكي وأخرى تفصلها على مزاجك عند فران كزيادة ملحها أو إضافة الجبنة لها. وكما هو معلوم أيضاً، فمع إقبال الناس على هذه الإضافات الفردية للسلع ستتحول هذه الإضافات بسبب جودتها لتصبح من الأعراف. ففي إقليم الحجاز مثلاً اشتهر خبز يقال له «التميس» وبنوعين بالسمن أو بغير السمن. واستمر هذا الحال لعشرات السنين حتى طلب بعض الزبائن من الفرانين إضافة الجبنة فيها . وراقت هذه الإضافة لكثير من الناس فزاد الطلب عليها فأصبحت نوعاً يشتريه الناس جاهزاً وليس خبزاً حسب الطلب. هكذا تتغير بعض الأعراف التصنيعية من خلال رغبات الزبائن. إلا أن هناك طريق آخر وأهم لتحسين الإنتاج ألا وهو تلمس المصنّعين لما يمكن أن يُقبل الناس على شرائه. لهذا نجد الشركات تعلن دائماً عن تميز منتجاتها المبتكرة. فهذه شركة أبل للهواتف النقالة صنعت أول هاتف باللمس لتستفرد بالسوق على حساب شركة نوكيا فتبعتها شركة سامسونج بهاتف باللمس ولكن بالادعاء بأن ميزات هاتفها يفوق أبل. أي أن التطوير والإبداع إما أن يأتي من ضغوط طلبات الناس أو من تحسس الشركات لما يمكن أن يقفز بمبيعاتهم ولكن دون ضغط من الناس الذين سيعجبهم المنتج فيقبلوا على شرائه.
ومن المسلمات أيضاً هو أن كلتا الطريقتين تؤديان في المحصلة إلى الربح من إقبال الناس على شراء المنتج المحسن. أي وكأن مدى إقبال الناس على الشراء هو تصويت للسلعة أو الخدمة إما بالربح أو بالخسارة. وهنا قد تقول: ولكن ما الجديد في هذه المسلمات؟ فهي معلومة لكل اقتصادي فأجيب: إن ما يجعلها أكثر كفاءة في الإسلام هي حركيات الشريعة. فهذا التصويت مثلاً سيكون أكثر تأثيراً في توجيه السوق إلى منتجات ذات جودة أعلى إن كان في ظروف تُفتح فيه جميع أبواب التمكين كما تفعل الشريعة، وإن كان البيع والشراء عن تراض هو الوسيلة الوحيدة لكسب الرزق. عندها فلأن المنتجين كثر جداً (لأن الجميع ينتج كما مر بنا)، ولأنهم أكثر حرية وتفرغاً ولا يفكرون بالتالي إلا في الإبداع والمزيد من الإنتاج للمزيد من الربح (تذكر ما مر بنا عن التحررات الخمسة)، عندها ستزداد «المنافسة» بين الصانعين لجذب أصوات المستهلكين لشراء مصنوعاتهم. وهذا هو الأهم:
١٧٠٤ 🗏
أي استحداث المنافسة. وهكذا تزداد الإنتاجية نوعاً وكماً.
أي أن الحركيات تجتمع . عند استحداث المنافسة «في ظل موارد مفتوحة للجميع». وهذا «ما لن» تفعله الرأسمالية كما مر بنا. أي أن الإصرار على البيع بتراض في ظل مجتمع يفتح أبواب التمكين سيؤدي إلى توافر المنتجات نوعاً وكما لاسيما أن المنافسة بين الجميع لأن الجميع، ينتج سلعاً أو خدمات ما في ظل موارد لا تنضب، أي موارد متجددة كما هي حال الكرة الأرضية كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، مع نمو سكاني مستمر. أي أن المنافسة مستمرة إلى ما لا نهاية فتزداد المعرفة وتزداد المنتجات جودة وكثرة بسبب المنافسة المبنية على البيع والشراء بتراض والمؤدية لانقطاع العلاقة بين الطرفين بعد البيع مع انتقال المعرفة.
هو
ولكن لماذا لا يؤدي الاستصناع لظهور المنتجات الأفضل ؟ لابد هنا من التمييز بين أفضل منتج للفرد وأفضل منتج للمجتمع. فبالطبع إن ذهبت إلى خياط ماهر واخترت كل تفصيلة في معطف تستصنعه بعناية سيكون المعطف متقناً وأفضل من أي معطف تشتريه من أفضل الماركات. لكن السؤال هو: هل إن سلك جميع أفراد المجتمع هذا المسلك ستكفي مهارات وأوقات جميع الخياطين لكسوة جميع الناس بمثل هذا المعطف المتقن؟ وهل هذا عدل أم فيه ظلم على بعض الناس؟ وكيف سيؤثر هذا السلوك الاستصناعي على جودة التصنيع؟ ولعلك تضيف بأن هذا المسلك الذي نهجه الناس في بعض المنتجات قبل الثورة الصناعية مثل إنتاج الملابس، وكأنك ترمي إلى أنه وضع إنتاجي منطقي وبالتالي لابد وأن يكون إسلامياً ! فأجيب: لقد كان نظاماً إنتاجياً لا يسع جميع الناس. تخيل أن هناك نظاماً عكس الإسلام، أي أنه نظام يمنع البيع ويصر على استصناع كل شيء، أي أنك لن تستطيع شراء معطف لولدك مثلاً ولكن عليك التفاوض مع الخياط لاستصناعه. عندها فإن عدد المنتجين «لن» يسع لتلبية طلبات جميع الناس لأن الاستصناع أقل كفاءة في الإنتاجية كماً» كما هو معلوم. أي أن الإنتاج لن يكفي الجميع وبالتالي ترتفع أسعار السلع لقلة المعروض منها مقابل الطلب فيظهر الفقر بارتفاع الأسعار. وهؤلاء الفقراء عبء على المجتمع وسينهكونه دونما إنتاج يقابله، ما يؤدي للمزيد من الفقر والظلم.
أي أن الموقف الأول الذي ينص على التعامل فقط ببيع ما صُنع هو الأفضل في جميع الأحوال لأنه سيؤدي للتصنيع. وهذا ما يؤدي إليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تبع ما ليس عندك). لماذا؟ لأن على الناس العيش من كسب أيديهم، وهذا لا يكون إلا بالإنتاج ثم الربح والربح لا يكون إلا بالمزيد من الاجتهاد والابتكار لتخفيف التكاليف مع رفع الجودة، وهذا يؤدي للتنافس ما يودي للتصنيع لأن الشريعة منعت الناس من البيع إلا إن كانت السلعة موجودة وجاهزة. فالتصنيع الآلي «مثلاً» ما هو إلا وسيلة لزيادة الربح. لاحظ أن التصنيع قد يعني أعلى إنتاج ممكن «كماً» وليس بالضرورة نوعاً. وإن كان التركيز في التصنيع على النوعية (إن لم تطبق الشريعة في ظل ظروفنا الحالية)، فقد لا تكون السلع المصنوعة كافية لتغطية احتياجات البشر كما حدث مع الثورة الصناعية التي أدت لانتشار الفقر. فالفقر يعني أن أناساً حرموا من بعض المصنوعات. ونحن نريد مجتمعاً يزيد فيه الإنتاج نوعاً وكما، وهذا ما تؤدي إليه الشريعة من خلال التصنيع وليس الاستصناع كيف؟
وبالنسبة للموقف الثاني من الاستصناع أقول : إن الاستصناع إما يكون بالمواد أو بغير المواد. فإن كان بالمواد فإن فرص ظهور خلاف بين المشتري والمصنع أكثر احتمالية من جهة، وسيؤدي إلى تجهيل المشتري بالأسعار من
١٢ الفصل والوصل
۱۷۰۵
ربح
جهة أخرى. ولنركز الآن على التجهيل الذي سيؤثر سلباً في المنافسة. ففي مثالنا السابق عن الخياط، فإن اشترى الزبون المعطف استصناعاً بالمواد، وإن كان هذا هو الدارج بين الناس، فإن الزبائن عندها سيكونون أكثر جهلاً بأسعار الأقمشة والخيوط. فالخياط قد لا يخبرهم عن السعر الحقيقي لتكلفة المواد، ولا يحق لهم بالطبع السؤال. وفي هذا تجهيل لشريحة من الناس للأسعار. وفي هذا التجهيل تعتيم على فرص انجذاب الناس لما هو أفضل ربحاً. تذكر ما قلناه عن المشقة وفرص الناس وكفاءاتهم للانجذاب لما هو أنسب لهم، فإن كان الاستصناع دون مواد، وكان على الناس الشراء، عندها ستفتضح الأسعار وسيقارن الناس تكلفة المعطف دون مواد وسيكتشف الناس مقدار الخياط ويقارنونه بالمهن الأخرى. فإن كان كثيراً انجذبوا للعمل فيه وبالذات الأجيال الصاعدة . منهم. وهكذا مع انكشاف أرباح المهن الأخرى تكون الساحة أكثر نقاءً للمقارنة والمنافسة. بهذا يتنافس الناس في الإقبال على الأعمال الأكثر ربحاً. وعندما تتشبع مهنة أو صناعة بكثرة الانجذاب إليها وبالتالي بكثرة مصنوعاتها يقل ربحها فتبدأ منافسة تحسين المنتجات بين من يعملون بها لصعوبة خروجهم من مهنتهم هذه لمهنة أخرى لما استثمروه فيها. فلابد إذاً من الاستمرار بالمنافسة بمنتجات أفضل أو الانتقال لمهنة أخرى أكثر ربحاً وبالذات الأجيال الصاعدة. وهذا ينطبق على جميع السلع بما فيها المصنوعة آلياً. وما يزيد الأسعار انكشافاً أيضاً والسوق شفافية حركية الإشهاد في البيع. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
َعِليمٌ﴾.
هذه أطول آية في القرآن الكريم، لذا فلابد وأن تكون لها أهمية خاصة وسيأتي تأويلها وتأثير ذلك في التعاملات في فصل «البركة» بإذن الله . لكن سنركز الآن على أمر الإشهاد في البيع فقط. فقد ظن بعض الفقهاء أن الهدف من الإشهاد في البيع هو لإحقاق الحق إن وقع خلاف بين المتبايعين. إلا أن هناك هدف مهم آخر من الإشهاد، والله أعلم، ألا وهو إشاعة الأسعار التي تمت بها الصفقات قدر المستطاع. فإن علمها الشهود وتحدثوا بها بين الناس، ستبدأ المقارنة بين الأسعار وتفتضح الأسعار أكثر وأكثر للناس. تذكر أن هذا مما ركز عليه الاقتصادي المعروف هايك: أي أن الإشارات التي ترسلها الأسعار للمنتجين ستزيد المنافسة في السوق عدلاً ونقاء كلما كانت الإشارات أكثر دقة. ومن جهة ثانية فإن في الإشهاد حماية للمستهلكين. فسيتردد التجار ألف مرة في غش الزبائن لأنهم يعلمون أن هناك شهوداً وأن أحدهم قد يفهم في الأسعار فيُفتضح أمر التاجر. لذا سيكون التاجر منطقياً في ربحه وتنتفي الأرباح الفاحشة التي قد تؤدي إلى ظهور أفراد يعيشون بترف لا يقابل إنتاجهم ما قد يؤدي لفسادهم لتفرغهم. أما إن كانت السلعة جديدة على السوق وكان ربحها كبير في بادئ الأمر بسبب الندرة، عندها فإن الصناع الآخرين سينجذبون لإنتاج نفس المنتج المربح لندرته، فيقل سعره. هل رأيت الحكمة من الإشهاد. فمع كل
١٧٠٦ 🗏
الصفقات المعتبرة كبيع دار أو سيارة أو قطعة أثاث شهود لكشف الأسعار. أما محقرات المستهلكات كاليومية منها مثل الخبز والتي شاع سعرها وتباع بالتعاطي فهي مسألة خلافية بين الفقهاء في ضرورة الإشهاد عليها، وسيأتي توضيحها في فصل «البركة» بإذن الله . قال القرطبي في الفائدة التاسعة والأربعين من الآية:
بسم
«قال الطبري: معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره. واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب؛ فقال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي وابنه أبو بكر : هو على الوجوب؛ ومن أشدهم في ذلك عطاء قال: أشهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو أقل من ذلك؛ فإن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .....﴾ وعن إبراهيم قال: أشهد إذا بعتَ وإذا اشتريت ولو دَسْتَجَة بَقَل . وممن كان يذهب إلى هذا ويرجحه الطبري، وقال: لا يحل لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلا أن يُشهد، وإلا كان مخالفاً كتاب الله عز وجل، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويُشهد إن وجد كاتباً. وذهب الشعبي والحسن إلى أن ذلك على الندب والإرشاد لا على الحتم. ويُحكى أن هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وزعم ابن العربي أن هذا قول الكافة، قال: وهو الصحيح. ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك. قال: وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم وكتب . قال : ونسخة كتابه . الله الرحمن الرحيم. هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد صلى الله عليه وسلم، اشترى منه عبداً أو أمة لاداء ولا غائِلَةَ ولا خِبْثَة بيع المسلم المسلم. وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يُشهد . ولو كان الإشهاد أمراً واجبا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. قلت: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو داود وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم حنين فلم يُظهرنا الله ولم ينصرنا، ثم أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر، وذكر حديثه هذا، وقال في آخره قال الأصمعي: سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال: الإباق والسرقة والزنا، وسألته عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين. وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قلق، أما في الدقائق فصعب شاق، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يُشهد عليه؛ فيدخل ذلك كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً؛ لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا . .
٣٠٤
.«...
ويقول ابن كثير في تفسير الجزء الأخير من الآية، أي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
... وقوله: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُوَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ . أَي إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد فلا بأس بعدم الكتابة لا نتفاء المحذور في تركها، فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر حدثني ابن لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ، يعني أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال. قال وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذاك. وقال الشعبي والحسن هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، وهذا الأمر
محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت
١٢ الفصل والوصل
الأنصاري وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي قال: (أو ليس قد ابتعته منك ؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل قد ابتعته منك. فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان. فطفق الأعرابي يقول هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي : ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا . حقاً. حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد قد بايعته. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: (بم تشهد ؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين ، وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيري، كلاهما عن الزهري به نحوه...... وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، قيل معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملي ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما، وقيل معناه لا يضر بهما. قال ابن أبي حاتم حدثنا أسيد بن عاصم حدثنا الحسين يعني ابن حفص حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ ، قال يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة فيقولان : إنا على حاجة. فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما. ثم قال: وروى عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل ابن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. وقوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ ، أي إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسوق كائن بكم أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون منه. وقوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ ، أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ ، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، أَي هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط .
الكائنات، ... » .
٣٠٥
بجميع
۱۷۰۷
أي أن المجتمع إن رفض الاستصناع بالمواد وأصر على الإشهاد في البيع ستكشف الأسعار للكل، وهذا سيؤدي لجذب الناس للأعمال الأكثر ربحاً ما يزيد المنافسة فترتفع الجودة. وبالطبع سيكون لك الآن سؤالاً مبرراً بالقول: ولكن بيع السلعة منتهية يخفي أسعار المواد فعند شراء معطف ما لن نعرف نسبة تكلفة المواد إلى نسبة العمل المستثمر فيه من الخياط، بينما الاستصناع بدون المواد سيكشف الأسعار أكثر، وهذا تناقض لأن الشريعة وكأنها بالأمر ببيع السلع منتهية تؤيد تجهيل الناس بالأسعار ! وللتوضيح أقول:
الأعرض أولاً لمسلّمات أخرى كما هو معلوم في أيامنا هذه، فإن هناك من السلع السهلة الإنتاج كالأواني والمفاتيح ما لا حاجة فيه للاستصناع لأن في الاستصناع إنهاك للبائع وللصانع لما لا داعي له. فليس من المنطق أن يطلب زبون من مصنع للجلود أن يصنع له حذاءً بمواصفات خاصة برغم إمكانية ذلك) إلا إن كان المشتري شاذاً
۱۷۰۸ 🗏
خلافات
في مقاساته بسبب عرج أو إن كان مريضاً بداء العظمة ويريد التميز بحذاء لا نظير له. ويندرج تحت هذا النوع معظم المنتجات سواء المعقدة في تصنيعها كالساعات وأجهزة الحاسب الآلي أو السهلة الإنتاج كالخبز. وجميع هذه السلع ستصنع من خلال الشراكات إن طبقت الشريعة، فلا حاجة لاستصناعها لأن في استصناع كل شيء مشقة على الناس. تذكر ما مر بنا في فصل «الشركة» عن تجمع الأفراد إلى شراكات كل منها تمثل أكبر عدد من الشركاء دونما بينهم، عندها فإن كل جماعة ستتنافس مع الشراكات الأخرى لصنع هذه المستهلكات. وبهذا ترتفع الجودة. فكما هو ثابت فإن التصنيع هو أقل الوسائل تكلفة في الإنتاج. لاحظ أن هناك فرق بين التكلفة وسعر البيع. فقد تشتري خبزاً من فران بسعر أعلى من خبز خُبز آلياً وبالتالي أقل تكلفة، إلا أنك قد تشتريه بسعر أعلى من بقالة فخمة، ذلك أن المسافة بين مصنع الخبز والمتجر تتخلها مؤسسات موردة وقد تكون لمتنفذين وتسعى بالطبع للربح فيزداد سعر البيع في البقالة برغم أن التكلفة الفعلية أقل لأنها مصنعة آلياً. أما ما تشتريه من الفران فهو مباشرة من الفران دونما وسطاء (تذكر أنه مع تطبيق الشريعة وفتح أبواب التمكين سيخف عدد الوسطاء بسبب التنافس بين التجار كما مر بنا في الحديث عن تحريم بيع ما ليس عند الفرد).
وهناك من السلع ما ترفض المصانع استصناعها لخطورتها كالأدوية مثلاً، أو لأن السلعة متقدمة تقنياً بدرجة عالية يصعب معها صنع سلعة واحدة لزبون واحد إلا بتكلفة مرتفعة مثل السيارات الفارهة كما يفعل الأثرياء بطلباتهم الخاصة للسيارات ذات المقابض الذهبية أو الألوان النادرة. وهذه السلع بالطبع تباع وهي جاهزة أيضاً وليس من المنطق استصناعها.
الخلافات بسبب
أي أنني أحاول إقناعك أن التصنيع برغم عدم إدراكنا لتفاصيل التكلفة هو الأفضل للمجتمع من الاستصناع دون مواد لأن المنتجات بالتنافس سترخص في أسعارها إلى مستوى معقول وبالذات لأنه لا احتكار. كيف؟ تأتي الإجابة بإذن الله من الإجابة على السؤال: لماذا منعت الشريعة الموقف الثالث أي لماذا رفضت الاستصناع إن لم توجد أعراف حتى وإن اتفق الطرفان والإجابة هي أن رفض الشريعة للاستصناع في حال عدم وجود أعراف كبناء مستشفى استصناعاً مثلاً قد يؤدي إلى اتصال الطرفين (الزبون والصانع) بطريقة قد تكون منهكة ومؤلمة لهما التي قد تحتد مع العناد بسبب قناعة كل منهما أنه على الحق. وفي هذا هم وغم وبالتالي تثبيط كبير للإنتاج. إلا أن المهم لموضوعنا الآن هو أن رفض الاستصناع سيؤدي إلى ظهور التصنيع في كل شيء حتى مع هذه المنشآت التي كنا نظن أنها تحتاج للإنجاز ،بالاستصناع، أي بالمقاولة. كيف؟ لعلك لاحظت من السابق أن الإشكالية هي في عقود استصناع ما لابد من استصناعه مقاولة كبناء المستشفيات أو إنشاء محطات توليد الكهرباء. فهذه كبيرة في حجمها وليست كالملابس أو الآنية وبها أجزاء كثيرة مصنعة وبالتالي يصعب بيعها وهي جاهزة كقطعة واحدة كبيع مستشفى مثلاً في ظل الظروف الحالية التي لا تطبق الشريعة فما المتوقع حدوثة إن طبقت الشريعة وكيف سنصل إلى جودة عالية مع هذه المنشآت دون استصناع؟ لنأخذ المقاولات كمثال لأنها من أصعب ما لا يتقبله العقل إن رفض الاستصناع. إن اتفق مالك أرض مع مقاول أن . يبني له منشأة كمنزل مثلاً على أن يقوم المقاول بتسليم بالمواد فإن فرص ظهور خلاف حول نوعية المواد ومصنعيها أمر وارد. فقد يختلف الزبون مع المقاول على نوع السيراميك وأين صُنع ، ع، وقد يختلفان على سماكة العوازل المائية وعلى متانة مواسير المياه. حتى وإن دونت جميع هذه
المنشأة منتهية
١٢ الفصل والوصل
۱۷۰۹
المواصفات فستظهر الخلافات في تفاصيل لم ينتبه لها الطرفان كسماكة سلك الكهرباء الذي يغذي بوابة المدخل. وهكذا من نقاط خلاف لا تنتهي كما هو معلوم. حتى وإن وُضعت مواصفات بعقد يغلق جميع منافذ الخلاف المحتملة فإن هذا سيؤدي إلى تغييب الزبون تماماً عن أسعار المواد المستخدمة إن كانت المواد على المقاول. فإن انتشرت هذه المقاولات بالمواد وأصبحت عرفاً كما هو حالنا اليوم فإن الزبائن سيغيبون عن المشهد الاقتصادي لأنهم أصبحوا جهلة بعالم أسعار مواد البناء كما هو حاصل. وما يزيد التجهيل هو أن هذا المقاول سيتعامل مع عمال يعملون له بأجر زهيد في الغالب لانتشار البطالة بسبب الحكم بغير ما أنزل الله الذي يقفل أبواب التمكين فتظهر البطالة. أو أن المقاول يتعامل مع مجموعة من المقاولين الصغار ليصبح هو المقاول الرئيس وهم الثانويون، كأن يقوم له بأعمال النجارة مقاول وبالسباكة مقاول آخر وبالحدادة ثالث وهكذا. أي في كلتا الحالتين فإن تجهيل الزبائن والعمال والمقاولين الثانويين هو المحصلة وبالذات إن كان المجتمع يقفل أبواب التمكين كما هو حالنا اليوم. وهذا يعني احتكار المقاول الرئيس والاحتكار آفة لأن أبواب التمكين مغلقة أمام المقاولين الأصغر. فما أقوى هؤلاء المقاولين الكبار وتسلطهم في أيامنا هذه والذين يُعدّون على أصابع اليد أحياناً في كل دولة مثل شركة أوجيه أو مجموعة بن لادن في السعودية مثلاً! فهؤلاء يأخذون المقاولة من الدولة أو من شركة مساهمة ما ثم يقسمون العمل بين مقاولين ثانويين أصغر منهم (أو بالباطن كما يقال)، وهؤلاء الأصغر يستعينون أحياناً بمقاولين أصغر منهم أو بالأصح أقل منهم تنفذاً ثم أقل وأقل، وهكذا من طبقات احتكارية بعضها تحت بعض، وهذا يؤدي بالطبع لظهور أفراد لا ينتجون أبداً، بينما أولئك الذين ينتجون وينجزون العمل لا يأخذون إلا أقل القليل بسبب الاحتكار وقفل أبواب التمكين.
مختلفاً.
عال بسعر
لاحظ أن في المقاولات عدة احتمالات للملاك (أي من طلب الاستصناع : فقد يكون المالك فرداً أو مجموعة من الشركاء أو دولة أو شركة مساهمة. وفي كل حالة سيأخذ عقد الاستصناع (أي المقاولة) توجهاً سلوكياً بسبب اختلاف مطامع المالك أو من يمثله. فإن كان المالك فرداً فإن حرصه على التصنيع سيزداد وستستحيل رشوته لأنه . هو المالك، ولعل هذا ينطبق أيضاً على جماعة من الشركاء. أما إن كان المالك دولة فإن احتمال رشوة الموظفين الذين يمثلون الدولة أمر شبه أكيد، وفي حالة الشركات المساهمة فإن احتمال تقبل موظفي الشركة للرشوة أمر وارد. لهذا فإن كان على المقاول التنفيذ وعلى المالك شراء المواد إن كان فرداً أو شركاء، فإن فرص الخلاف بالطبع ستقل. ذلك أن التركيز بين الطرفين هو على جودة التنفيذ لأن العقد على التنفيذ فقط. أي عقد يستأجر فيه الزبون خبرة ووقت وعضلات ومعدات المقاول. وهذا بيع وشراء لما هو موجود فكمية العمل المطلوبة لإنجاز عمود واحد معلومة، وكمية العمل لتسليك غرفة واحدة بعدد محدد من مخارج الكهرباء معلومة. والوضع بالطبع سيكون أفضل للمجتمع اقتصادياً إن فُصص العقد إلى عقود متعددة. أي بدل أن يكون العقد مع مقاول واحد يكون عدة مقاولين: كل مقاول يلتزم بإنهاء أعمال محددة كأن تكون أعمال الهيكل الخرساني لمقاول، والسباكة لمقاول ثان، والحدادة لثالث، والأبواب الخشبية لرابع، وهكذا.
مع
وبرغم أن هذا النوع من العقود سيُرهق المالك لأن عليه أن ينسق بين المقاولين من جهة، وعليه أن يشتري جميع المواد من جهة أخرى، إلا أن المالك سيتعرف بهذا على أسعار المواد، وبهذا سيزداد المجتمع شفافية في كشف الأسعار لأن فرداً واحداً أصبح أكثر معرفة بأسعار مواد البناء. وإن كان العقد مع عدة مقاولين، فقد انكشفت
۱۷۱۰
سمو 🗏
للمالك أسعار العمالة أيضاً. وبزيادة هذا الفرد وآخرين مثله من خلال العقود التي تركز على استئجار خدمات المقاولين دون مواد ستصبح أسعار مواد البناء وكأنها عرفُ يعلمه جميع الناس. وهذه الأسعار ستزداد انكشافاً وشيوعاً بين الناس بالإشهاد الذي تصر عليه الشريعة. وكما قلت سابقاً: فمع انكشاف الأسعار ثم المقارنة، ولأن أبواب التمكين مفتوحة، سينجذب الناس لهذه الأعمال الأكثر ربحاً فتزداد المنافسة فيقل السعر مع . الجودة. لاحظ أن الهدف الأسمى هو الإنتاج بتلافي أكبر قدر ممكن من الخلاف بين الأطراف. وبهذا يتفرغ الناس للمزيد من الإنتاج لأنه لا خلافات تنهكم. فالاستصناع بالمواد أكثر إثارة للخلاف من الاستصناع دون مواد كما ذكرت. إلا أن السلبية هي أن المقاول قد لا يكون حريصاً في استهلاك المواد لأنها ليست من ماله. فعند صب السقف مثلاً قد لا يحسب المقاول كميات الخرسانة المطلوبة بدقة لأنه لا يدفع ثمنها، بل على العكس، قد يحتاط بطلب كمية أكبر خوفاً من التوقف عن الصب بسبب احتمال نقصان الكمية. فكما هو معلوم للمقاولين والمهندسين، فإن المقاول أو المالك عادة ما يحجز كمية من الأمتار المكعبة من الخرسانة الجاهزة للصب لترسل إلى الموقع بعد خلطها في المصنع لتُصب في الموضع. فإن نقصت كمية الخرسانة سيخسر المقاول بعض المال لأن على العمال انتظار خرسانة جديدة وهم جلوس دونما إنتاج، لذا سيفضل المقاول خسارة بعض الخرسانة على خسارته .و أي أن الهدر سيزداد لكن في المقابل، قد يحاول الزبون جذ الهدر بحساب كميات الخرسانة المطلوبة بدقة ومجابهة المقاول بها، عندها سيظهر جدلُّ بين الطرفين ليصلا إلى اتفاق. وهكذا مع باقي المواد لباقي المقاولين كالكهربائي والحداد. ص٤ وهذا الجدل الذي سيؤدي لشراء كمية ما من الخرسانة سيُكشف سعره أيضاً عند شراء الخرسانة من صانع الخرسانة لوجود الشهود، وهكذا مع باقي المواد. وهكذا تشيع الأسعار أكثر وأكثر. لاحظ أن الذي يشغل الناس في الغالب هو الحديث عن أسباب الرزق من تطوير الإنتاج وتمحيص التجار والصناع مقارنة بالأسعار ومستوياتها ومقارنة بالجودة لأنه لا حياة لهم دون إنتاج. وليس كأيامنا هذه التي يتجادل فيها المتنفذون من الناس حول كل شيء إلا مقومات الإنتاج الحقيقي لأن منهم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل دونما إنتاج فعلي. لهذا ستسوء سمعة المقاول الذي يُهدر في المواد ويفقد مصداقيته ليخرج من السوق. لماذا؟
هو.
ف
تذكر دائماً بأنه لا احتكار أبداً مع تطبيق الشريعة. كل مقاول يسعى للربح وعليه إرضاء الزبون، ورضى الزبون يأتي من جودة التنفيذ، وليس كأيامنا هذه التي يرشي فيها المقاول مسؤولي الدولة والشركات المساهمة ليسكتوا على الهدر إن كانت المواد على الدولة، أو كانت على الشركة المساهمة التي يديرها من لا يملكها. أو
هامش
ف٤) وإن قام السباك مثلاً بشراء مواسير التغذية لأن المقاولة بالمواد مع آخرين عادة ما يحاول إعادة استخدام كل قطعة خشبية مهما فقد يحتاج إلى ثلاثين متراً، أما إن اشتراها الزبون فإن الكمية قد تزيد صغرت حتى المسامير فقد يعاد استخدامها إن كانت المواد على لأن السباك قد لا يكون بذات الحرص وبالتالي قد لا يخطط لقطع مقاول يعمل بنفسه. المواسير إلى قطع أصغر بطريقة يمكن إعادة استخدام الباقي منها، ص ٤ لعلك تسأل : أليس في هذا إضاعة لوقت المالك الذي قد يشتغل وهكذا يزداد الهدر. فإن كانت الماسورة عرفاً تباع كقطع طول في عمل إنتاجي آخر ؟ فأجيب: إن قلت هذا فلا زلت تفكر في الإطار الواحدة منها ستة أمتار، وهو بحاجة إلى مترين، فبدل استقطاعها من الرأسمالي الذي ينتج أثرياء كبار لا وقت لديهم إلا تدبير استثمار قطعة متبقية طولها ثلاثة أمتار إلا أنها ملقاة في الغرفة المجاورة أموالهم الطائلة وبهذا لا وقت لديهم لمتابعة تفاصيل استثماراتهم فسيقسم ماسورة جديدة بالقرب منه إلى نصفين. وبهذا يزيد الهدر المتعددة. وهذا وضع نادر الحدوث إن فتحت أبواب التمكين كما كما هو معلوم لجميع المقاولين. فشتان بين مقاول يملك أخشابه لصب وضحت. ناهيك عن أن الشريعة ستؤدي لإنتاج سلع كبيرة وكأنها الخراسانات ويقوم هو مع عمال آخرين بشد الخشب، وبين مقاول منتهية كبناء المدارس وتجهيزها ثم بيعها كما سيأتي في فصل يستأجر عمالاً لشدها له وهو ليس معهم . فالمقاول الذي يعمل بيده «الأماكن» بإذن الله في الحديث عن الوفورات.
١٢ الفصل والوصل
۱۷۱۱
العكس، ليسكت المسؤولون عن تقليل نسب المواد ومواصفاتها إن كانت المواد على المقاول ما يؤدي لسوء المبنى. فهذا الهدر أو التدني في جودة التنفيذ هو نتيجة حتمية إن لم تُطبق الشريعة وبالتالي تعامل المقاولون مع من لا يملكون ما يبنون كموظفي الدول أو الشركات، إلا إن وُضع» مهندسون على رقاب هؤلاء المقاولين ليشرفوا على العمل. وهذا هدر خفي لأن لهؤلاء المشرفين سعر سيوضع على التكلفة ناهيك عن أن هؤلاء المشرفين هم ممن تسهل رشوتهم أيضاً.
إن كنت مكانك أخي القارئ لما اقتنعت بهذا التفصيص بين الاستصناع بمواد أو من غير مواد كحركية لنشر المعرفة بالأسعار لسبب واضح هو أن بيع السلعة جاهزة سيخفي دائماً تفاصيل الأسعار أكثر من الاستصناع من غير مواد. ومن جهة أخرى لعلك تضيف سائلاً: إن طبقت الشريعة، أليس من المنطق أن يستصنع الناس معظم مستهلكاتهم لكشف الأسعار ولأن أوقات الناس ومهاراتهم ستسع استصناع كل شيء لأن الخير عميم بسبب فتح أبواب التمكين كما تزعم يا جميل؟ تأتي الإجابة من جانبين: الأول يتمحور حول منع الاحتكار. كيف؟ كما ذكرت في فصل «ابن السبيل»: أن كل خير، أي كل مادة هي من الله الخالق الخلاق، وليس للناس إضافة في السلعة إلا العمل لأن أصل كل المواد الخام مباح (حتى العمل بالطبع بقوة الله). لهذا فعندما نقول بأن تكلفة هذا المعطف كذا، فإننا نقصد أن التكلفة هي هي : أتعاب أو أرباح الخياط بالإضافة للنقد الذي دفعه الخياط لشراء القماش وما لزمه من أدوات. لكن القماش في حد ذاته . هو سلعة أيضاً وله تكلفة وربح، وتكلفته هو ثمن شرائه من المصنع، والمصنع أيضاً كزبون اشترى القطن المعالج من تاجر، والتاجر له ربح وتكلفة، وتكلفته هو ثمن شراء القطن ممن عالج القطن ليصبح صالحاً للغزل في المصنع. وهذا الذي عالج القطن اشتراه من المزارع الذي زرع القطن، أي أن للقطن الخام تكلفة ذهبت للمزارع، وعلى المزارع أيضاً تكلفة ألا وهي أثمان البذور وآلة استخراج الماء إن كان الري بالمياه الجوفية وأجور من أعانوه على قطف القطن، وهكذا من تكاليف.
أي أن خلف كل سلعة «سلسلة» من المصنعين والعمال الأجراء والتجار كما هو معلوم. ومعظم هؤلاء سيعملون معاً شراكة إن طبقت الشريعة في مجموعات كل شراكة قد تصل في أفرادها إلى أكبر عدد من الشركاء دون خلافات بينهم كما مر بنا في فصل «الشركة». ولأن الشريعة تفضح الأسعار بالإشهاد في البيع، ولأنها تفتح أبواب التمكين، ولأن البيع لابد وأن يكون عن تراض، فإن الأسعار لابد وأن تكون مكشوفة باستمرار لكل سلعة. وبهذا فقد وضع كل صانع ووضعت كل شراكة في وضع تنافسي مع شراكات أخرى لنفس المنتج في نفس المستوى. فهذا الخياط ينافسه آخرون من مهنته، وذاك المصنع للأقمشة تنافسه مصانع أخرى لسحب الخياطين لأقمشتهم، وذاك المعالج للقطن ينافسه من يعالجون القطن مثله لجذب أنظار التجار أو الصناع وزارع القطن ينافس آخرين من مثله لشد التجار أو الصناع لقطنه. وهذه نقطة مهمة تفكر بها أخي القارئ، ذلك أن تفصيص الإنتاج إلى إنجازات أفراد أو شراكات، كل منهم ينتج سلعة محددة وله منافسون يختلف جذرياً عن وضعنا الحالي في العولمة الكاذبة التي تسيطر فيها عدة شركات على معظم مراحل الإنتاج فتختفي معالم الأسعار تماماً لأن الشركات تبيعك المنتج النهائي كسلعة « في نظام سياسي اقتصادي يقفل أبواب التمكين»، وهذا هو المهم. فأنت عندما تشتري سيارة مثلاً لا تعرف أبداً أي قطعة فيها على حدة كالباب أو البطارية لأن شركات السيارات عادة ما تمتلك وتدير
سعر
مجموعات تصنع لها أجزاء السيارة كالمكائن والمساحات والأنوار. مثال آخر: هناك مصانع للأقمشة ومصانع
۱۷۱۲ 🗏
للملابس وقد يتحدان معاً لإنتاج الملابس بطريقة احتكارية. لكن إن طبقت الشريعة وكما سيأتي في فصل «المعرفة» بإذن الله، فإن إنتاج السيارات مثلاً سيكون وكأنه تفصيل لمعطف. فسيظهر منتجون يصممون لك سيارتك المميزة والمجمعة من قطع أنتجتها شراكات مختلفة إن أردت سيارة تلبي متطلباتك. أي لأنه لا احتكار فإن المنتجين للسيارات كثر جداً وسيتنافسون فيما بينهم ليأتي الزبون ويختار سيارة مصنعة من تجميع ما صنع من أبواب ومكائن ومقاعد وما شابه. عندها سيكون الزبون في وضع أفضل للحكم على ما سيشتريه من قطع توضع في سيارته. فأيهما الآن أكثر كشفاً للأسعار وبجودة أعلى ما تفعله الشريعة التي تدفع لبيع السلع جاهزة وبأحجام أصغر (كأجزاء السيارة) أم ما يقدمه النظام الرأسمالي من سلع مكتملة كالسيارة؟ ناهيك عن أن إشراك عدد أكبر من الناس في عملية الإنتاج والشراء سيزيد المنافسة والإبداع والمتعة لكل من المنتجين والمشترين الذين سيتلذذون حتماً باختيار ما يلائهم من مواصفات. أما من أراد التعجيل بشراء سيارة مكتملة كحالنا اليوم فهذا متاح له لأن الشريعة لا تمنع ذلك، بل هذا النمط من الإنتاج سيظهر إن أراد المستهلكون ذلك. لماذا؟
إسلامي
6
فقط.
لاحظ أن الشريعة لن تمنع ظهور مصنع ينتج سيارات مكتملة لأنها بيع لما عند البائع أو الصانع. إلا أن احتمال حدوث هذا أمر نادر في ظل المنافسة التي توجدها الشريعة بسبب فتح أبواب التمكين والفصل بين المنتجين. فقد يجتمع عدد كبير من المنتجين في خطة إنتاجية ويتعاهدون العمل شراكة لإنتاج سيارة كاملة وأنهم لن يبيعوا منتجاتهم إلا لتوضع في طراز قد اتفقوا عليه ليزداد ربحهم، أي أنهم يحتكرون مهاراتهم الخدمة منتجهم . حينئذ، إن ظهر عليهم الربح فسرعان ما ستظهر شراكات أخرى منافسة لتنتج وتبيع سيارات بطرز أخرى وخيارات أوسع لأن أبواب التمكين مفتوحة. أي أن بيع السلعة جاهزة أفضل من الاستصناع إن كان في ظل حكم لأن الاستصناع قد يولد الخلافات بين الزبائن والصناع، بينما البيع للسلعة جاهزة يكون بالتنافس في كل المستويات، ما يرفع الجودة وبسعر أقل. فهؤلاء منتجون يتنافسون على إنتاج البطاريات، وآخرون على إنتاج مقاعد السيارات، وثالثون على إنتاج المكائن، ورابعون على إنتاج الهياكل، وخامسون على إنتاج الأبواب. وكل واحدة من هذه المنتجات محصلة هي تجميع منتجات أخرى تنتجها شراكات أخرى (كما مر بنا في فصل «الشركة»). فصانعو الأبواب مثلاً يشترون معادن الأبواب وموادها من شراكات أخرى. فقد يشكلون هم المعدن المكون لهيكل الباب، أو قد يتفقون مع جماعة أخرى لتشكيل وتصنيع الهيكل وهم يجمعون الهيكل مع الأجزاء الأخرى كزجاج النافذة لصنع الباب. أي أن السوق الإنتاجي سيتكون من جماعات تنتج سلعاً محددة وجماعات أخرى تجمع هذه السلع لإيجاد سلعة أكبر.
هنا تظهر أهمية التصميم لتجميع الأجزاء. كيف؟ السلع عادة ثلاثة أنواع : ١) سلع تُباع لجميع الناس، وهي معظم المستهلكات كالساعات والعصائر المعلبة، (۲) وسلع تُباع للمصنعين فيما بينهم كمن يصنعون المواد الكيماوية لمصانع الأصباغ (البويات) مثلاً، أو كمن يصنعون الهياكل المعدنية لبيعها لمصانع السيارات بناء على طلب تلك المصانع بمواصفات محددة (تذكر ما مر بنا عن الخطط الإنتاجية والتوثيق المتبادل)، ۳) وسلع فكرية لإيجاد منتج ما مثل المخططات لبناء مستشفى أو مدرسة أو رسومات تصميم دراجة أو سيارة ما. وقد يصعب تحديد وضع هذه الخدمة، أي هل هي بيع السلعة أم أنها تأجير المصمم لوقته لمن أراد التصميم. لكن على العموم إن نظرت إلى معظم المنتجات من حولك ستلحظ أنها مصممة. فالهاتف الخلوي مثلاً صُمم أولاً كفكرة، ثم صممت كل قطعة منه على
۱۷۱۳
١٢ الفصل والوصل
حدة، ثم صنعت القطعة ثم ركبت القطع معاً ثم جربت، ثم ظهر الخلل ثم عولج الخلل فطورت القطع، ثم صممت مرة أخرى ثم صنعت ثم ركبت ثم جربت فقل الخلل، وهكذا من دورات بين شركات متعاونة حتى إتقان المنتج. وهناك عادة طريقتان للإنتاج إن حكمت الرأسمالية وبينهما أطياف
الأولى هي أن الإنتاج قد يعتمد على شركة واحدة تقوم بكافة التصاميم والتنفيذ بسريـ ـرية تامة لتفاجئ العالم بابتكارها وتخطف الأضواء وتغنم الأرباح عندها فإن جميع حقوق الابتكار ستكون لها ولن يستطيع أحد صناعة منتج مشابه إلا بتصريح من الشركة المبتكرة. الطريقة الثانية هي اعتماد الشركة المبتكرة أو الشركة الأم على شركات أخرى تتآزر معها لتصنع لها قطعاً لا تستطيع هي صناعتها، فتتعاقد معها طبقاً لمواصفات محددة على ألا تبيع هذه الشركة سلعة مشابهة بنفس المواصفات لأي طرف ثالث إلا بموافقة الشركة الأم. وفي كلتا الطريقتين تظهر أهمية التركيز على الوثائق التي تُثبت الملكيات الفكرية أو التصميمية للشركات في عالم التصنيع، وهذا يؤدي لبطء التطور المعرفي لأن المعرفة أصبحت محتكرة لجماعات قد لا تستطيع تطويرها بسرعة كافية بسبب يحق لهم التطوير من علماء وتقنيين ومهنيين.
قلة عدد من
لعلك تستنكر السابق وتقول : ألا ترى الهواتف الذكية التي أنتجتها الرأسمالية وكيف أنها تتطور بشكل سريع؟ فأجيب: لنأخذ الهواتف الذكية إذاً كمثال، فأقول: لأن المعرفة ليست مشاعة في النظام الرأسمالي، فإن الإنتاج في تخلف لأن المصنعين يحاولون جاهدين تقنياً وقانونياً احتكار التصنيع بطريقة لن تمكن الآخرين من تقليد ومن ثم تطوير ما ابتكروه، وهذا يحرم الكثير من المهندسين الناشئين من المشاركة في التطوير ليظهر التخلف. وقد اخترت الهواتف الذكية كمثال لأنها تقدمت كثيراً في وقت قصير، ولتستنتج أنه إن طبقت الشريعة لتقدمت أكثر وأكثر. كيف؟
لقد ظهرت «حركة» في الشبكة العنكبوتية تنتقد التلوث الحادث في الكرة الأرضية بسبب تراكم النفايات من الأجهزة الإكترونية، ومنها الهواتف الذكية فبظهور هواتف أكثر تقدماً كل عدة أشهر يُضطر الناس على التخلص من هواتفهم القديمة. وقد نادت الحركة الناس للتظاهر في الشبكة العنكبوتية يوم ٢٩ أكتوبر لعام ٢٠١٣م للضغط على الشركات المصنعة للهواتف لإعادة النظر في طريقة الإنتاج والطريقة التي اقترحتها الحركة بالطبع ستفشل في مجتمع رأسمالي، وقد فشلت فالحركة تريد تحرير تصنيع الهواتف الذكية من احتكار الشركات. فالشركات المعروفة مثل أبل وسامسونج ونوكيا تصنع الهواتف بطريقة تدفع الزبائن لتجديد هواتفهم كل فترة وأخرى فيزداد التخلص منها لتتراكم وتلوث الأرض. وبالطبع فإن هذه الشركات لا تسعى لتلويث الأرض، بل تسعى لزيادة أرباحها ما يؤدي لسياسات تزيد استهلاك الزبائن. فكانت الحركة تنادي بإيجاد هاتف يتجدد في أدائه إلا أنه لا يُلقى، بل يعاد استخدامه. وهذا ممكن جداً كما وضحت الحركة لأن أي هاتف ذكي ما هو إلا عبارة عن أجهزة صغيرة مصنعة تعمل معاً، ولكل جهاز وظيفة محددة : كمكبر الصوت والمايكروفون والكاميرا والبطارية ومعالج المعلومات والذاكرة والشاشة ووحدة الواي فاي وما شابه من أجهزة أدق وهذه الأجهزة الدقيقة تُثبت على لوح خلفي وكأنه وعاء لجمع الأجهزة ومن ثم توصيلها فيما بينها لتعمل كهاتف، بينما الشاشة الأمامي. وما كانت تدعو إليه الحركة هو توعية الناس لمطالبة الشركات بتغيير هذه الإستراتيجيات الإنتاجية إلى إنتاج لوح بحيث يمكن تثبيت الأجهزة الصغيرة فيه وبطريقة تعطي الناس الحرية في الاختيار. فإن ظهرت
هي
الغطاء
١٧١٤ 🗏
معالجات بسرعات أكبر، فكل ما على الزبون فعله هو تغيير المعالج بآخر أسرع منه، ولا حاجة لتغيير اللوح وما به من أجهزة أخرى كمكبر الصوت أو الميكروفون أو عدسة التصوير، وإن تطورت الشاشات في أدائها وصفاء عرضها للصور فبالإمكان تغييرها فقط بشاشة أخرى دون تغيير الجهاز. كما أن بإمكان الزبائن تكييف الهواتف لتناسب احتياجاتهم: فإن كان الزبون يستخدم مواقع الذاكرات البعيدة والمعروفة بالذاكرة السحابية cloud عندها فباستطاعته تصغير ذاكرة الهاتف والاستفادة من فائض المساحة لتثبيت بطارية أكبر إن كان الزبون ممن يحبون السفر، أو باستطاعة الزبون اختيار عدسة أفضل لتصوير أنقى بسعر أعلى على حساب مكان مكبر الصوت إن كان ممن يهوون التصوير. أما كبار السن والذين قد لا يكترثون للتصوير ولا يتنقلون وباستطاعتهم على الكهرباء في المنزل لشحن هواتفهم، فبإمكانهم الاستفادة من المساحة التي تحتلها البطارية الكبيرة لتركيب مكبر أكبر حجماً بصوت أفضل للاستمتاع بسماع ومشاهدة المحاضرات أو المقاطع الفكاهية التي تهمهم من مواقع التواصل الاجتماعي بنقاء صوتي يناسب ضعف. سمعهم.
الاعتماد
وقد تقول: لكن قد تأتي شركة واحدة وتصنع كل هذه الأجهزة مع اللوح بمقاسات وجودات متفاوتة لتلائم رغبات الناس المختلفة ولتقلل من النفايات على الأرض فأجيب: هذا قد يحدث. فقد تأتي شركة وتطبق الفكرة لتحقق للزبائن رغباتهم المختلفة، إلا أنها ستحاول دفع الناس للمزيد من الاستهلاك بدفعهم للتجديد أكثر لأن هذا هو سبيل الربح. إلا أن الأكيد هو أن الشركة ستحارب الشركات الأخرى التي تستخدم تقنياتها، فيبقى التطوير حبيس موظفي الشركة، وهؤلاء قلة. أما إن كانت المعرفة مشاعة كما تنص الشريعة وتنافست الشركات باستخدام منتجات أو برامج الشركة المبتكرة، عندها قد يظهر عدد من المنتجين ليتكاتفوا، عندها فإن هذا سيتطلب نوعاً من التنسيق بين الشركات في التخصصات المختلفة. فعلى شركة واحدة أو جماعة من المهندسين وضع المواصفات التي تنظم تثبيت وتوصيل هذه الأجهزة ذات الوظائف المحددة. أي أن شركة تتولى التصميم وشركات أخرى تصنع الأجهزة: شركات تصنع مكبرات الصوت وأخريات الشاشات، وثالثات الكمرات ورابعات وحدات المعالجة للمعلومات، وخامسات وسادسات وسابعات تطور البرامج التشغيلية. وبالطبع لا ننسى عشرات آلاف الناس ممن يهوون تطوير التطبيقات. أي أن ما حاولت الحركة فعله هو إيجاد أرضية تجمع بعض المصنعين ليتعاونوا فيما بينهم، كل في مجاله لإيجاد هذا الهاتف الذي سيعاد استخدامه لسنين عديدة. لكن بالطبع فإن المصير هو الفشل لأن المعرفة محتكرة للشركة المبتكرة، فالنظرة لا تزال رأسمالية. ولأهمية هذه المسألة سأضعها بصيغة أخرى.
لنتذكر أولاً أن معظم الناس ليسوا بفقراء وأن عليهم دفع الزكاة إن طبقت الشريعة، وأن أموال الزكاة لابن السبيل ومنهم التقنيون والباحثون، أو أن الصدقات قد تُدفع للمنتجين الذين يعدون المجتمع بإنتاج باهر إن أتيحت لهم الفرصة ودعموا مالياً، وأنهم مسلحون بالتحررات الخمسة التي مرت بنا في هذا الفصل والفصول السابقة بحمد الله، عندها فسيظهر الكثير من الشباب الأفذاذ ممن يعشقون الأعمال الكهربائية والإليكترو ميكانيكية، كل واحد منهم، أو كل شراكة منهم تجتهد لوضع التصورات لهذا اللوح الذي يجمع الأجهزة ذات الوظائف المحددة كالميكروفونات الصغيرة. وستظهر الجماعات الشبابية التي ستطور البرامج التشغيلية. وبالطبع فإن منها ما سينجح ومنها ما سيفشل، وبالتطوير ستنطلق الشراكات التي تصنع هذه الأجهزة الصغيرة (في الخطة الإنتاجية س مثلاً) وتنسق فيما بينها لتتكاتف منتجاتها ليعمل الهاتف. وهناك جماعات أخرى في خطط إنتاجية أخرى تفعل الشيء
١٢ الفصل والوصل
۱۷۱٥
ذاته إلا أن كفاءة هاتفها قد يتفوق على هاتف الخطة الإنتاجية س في جوانب ويتخلف عنها في جوانب. فتبدأ المنافسة والاستفادة من نجاحات الآخرين، فقد تظهر مجموعة ثالثة هاتف بتصنيع . يسحر الناس، ثم مجموعة رابعة ثم خامسة، وهكذا. فهذا شاب متفرغ ويعمل طلباً للرزق، وذاك هاو ويعمل للتسلية، هكذا يجتمعون ويتشاركون. تصور ما قد يحدث أخي القارئ من انطلاق وابتكار وتطوير لاسيما إن وضعت في ذهنك الآتي: إن متوسط عمر العاملين في اكتشاف المريخ في برامج الفضاء الأمريكية كان ٢٧ سنة، ومتوسط عمر العاملين في مشروع أول إنزال على القمر كان ٢٤ سنة. أما شباب المسلمين في هذا العمر فهم في هم وغمّ بحثاً عن مسكن أو عن عمل حتى وإن كان متدنياً . بسبب قفل أبواب التمكين. فتصور الوضع إن تحرر هؤلاء الشباب بفتح أبواب التمكين إن طبقت الشريعة التي تتفوق على جميع النظم البشرية في التمكين. فلهم التمتع بجميع ما مر بنا من تحررات مالية ومكانية ولهم الانطلاق في استحداث المصانع دونما موافقات من أي كائن كان فالموارد والموافقات والمعرفة مضمونة للجميع في ظل مجتمع عادل لأنه مجتمع غير طبقي ولا يحكمه سلطان مستبد (لأنه لا مال للسلطان ولا وجود لحكومات بيروقراطية تقتل المبادرة والإبداع والإنتاج ولا موارد للسلطان ليلتف حوله المنافقون، ولا أموال للدولة ليعمل لها البلداء). هكذا ينطلق الناس لصناعة الهواتف الأذكى بسبب التصنيع الذي تدفع إليه الشريعة.
أدرك أخي القارئ الصعوبة في إقناعك لأنك قد تقول بأن هذا الذي يدعي تقصي الحق قد اختار جهازاً صغيراً لإثبات طرحه، فكيف ستبنى المطارات؟ أقول : ستأتي هذه المسألة بتفصيل أوسع في فصلي «الأماكن» و «المعرفة» بإذن الله. لكني سأضع مثالاً آخر لعلي أفلح بإذن الله في الإجابة على سؤالين: أولاً: كيف نبني المستشفيات إن منعتنا الشريعة من استصناعها بالمواد؟ وثانياً : هل يمكن أن تُبنى وتجهز دونما استصناع من غير المواد؟ أي هل يمكن التمسك بالأمر النبوي: (لا تبع ما ليس عندك ، فتباع المستشفيات جاهزة كسلعة واحدة؟
لابد من التذكير هنا بأن من الفروق الجذرية بين تطبيق الشريعة والنظم البشرية هو أن حركيات الشريعة تؤدي إلى تفتيت أي نشاط إنتاجي إلى شراكات، كل شراكة منها تتألف من جماعة خالية من الخلافات بين الشركاء إلى حد كبير (كما مر بنا في فصل «الشركة» بحمد الله). فنشاط إنشاء مبنى كبير في النظم الوضعية يعني قيام شركة مؤلفة من آلاف المهندسين والعمال المأجورين بالعمل. وهؤلاء المأجورين لا يحصلون إلا على أقل القليل من ربح إنشاء المبنى، ولذا يعيشون في قهر مستمر وتحت حوافز مالية بسيطة لتدفعهم للمزيد من الاستعباد. فهؤلاء العمال لن يستطيعوا تأسيس شركة لهم لقلة مالهم أو لصعوبة الحصول على الموافقات، حتى وإن تمكنوا من ذلك، فلن يستطيعوا الحصول على عقود لتنفيذ المشروعات وبالذات الكبيرة منها إلا برشوة المسؤولين. لكن إن طبقت الشريعة وفتحت أبواب التمكين، ولأن البشر متقاربون في مقدراتهم الفكرية والجسدية كما مر بنا (حتى وإن كان زيد أذكى أو أقوى أو أحذق من عبيد بعشرة مرات)، سيرفض الناس العمل كأجراء إن لم يكن الأجر مرتفعاً لأنهم ليسوا مرغمين، بل يفضلون العمل لأنفسهم كأرباب أعمال من باب العزة التي غرسها فيهم الخالق الخلاق العزيز. لهذا فلن يظهر مقاول كبير مهيمن على السوق. وبهذا سيتكتل الناس كجماعات في شراكات لنشاطات اقتصادية تجمعهم كما مر بنا. وبهذا فإن إنشاء مبنى سيتفتت إلى نشاطات متعددة، وكل نشاط يحوم حول منتج ما. وهذا يعني أن على هذه الشراكات أن تنسق فيما بينها كي يتم العمل وهذا ما سيفعلونه إن طبقت الشريعة لسبب واضح وهو أنه لا أحد يستطيع الوثوب عليهم والتسلط عليهم لإجبارهم للعمل له لأن أبواب التمكين والعزة مشرعة للجميع.
١٧١٦ 🗏
عندها فإن إنشاء مستشفى سيتفتت إلى نشاطات متعددة، كل منها محدد وواضح الملامح وهذا التجزيئ أو التفتيت سيقع رغماً عن المجتمع لأن فتح أبواب التمكين تؤدي إليه. كيف؟
إن نظرت إلى أي مستشفى ستلحظ أنه تجميع لعدة أنظمة في مكان واحد نظام إنشائي يتكون من القواعد والأعمدة التي تحمل المبنى والأسقف، ونظام بنائي يتكون من الحوائط بين الأعمدة وحولها وتتخلله الفتحات للأبواب والنوافذ، ونظام لتغذية المبنى بالماء ويتكون من أنابيب يتدفق فيها الماء من المصدر الذي قد يكون خزاناً بالسطح أو تحت الأرض أو من خارج المبنى، ونظام كهربائي واضح الملامح من فتحات لمخارج الكهرباء إلى أسلاك وكيبلات بسماكات محددة، ونظام لتدفق الأكسجين من خزانات تحت الأرض أو في كل دور، وهكذا من أنظمة كالتكييف والمصاعد والسلالم المتحركة. أي إن نظرت إلى أي منتج بشري سواء كان صاروخاً أو سفينة أو معملاً أو مستشفى ستلحظ أنه مكون من أو مجزأ إلى أنظمة ،واضحة ولكل نظام رجاله الذين يتقنون إنتاجه. وهذا التجزيئ أو التفتيت هو الذي يدفع الناس ليتكتلوا كجماعات لاستحداث شراكات للإنتاج. وهذا هو المهم: أي الربط بين الأنظمة والنشاط الإنتاجي. لهذا إن تولى تنفيذ كل نظام جماعة من الشركاء، وكان التنفيذ استصناعاً دون مواد، عندها فإن التنفيذ سيكون بطريقة واضحة الملامح دون احتمالات ظهور الخلافات بين المجموعات المختلفة، بل بالتعاون الكبير بينهم. كيف؟
مع
تذكر بأنني قلت سابقاً أن المقاولة بالمواد ستؤدي للخلاف بين الزبون والمقاول، وأن الخلاف أقل ظهوراً إن كانت المقاولة دون مواد. ففي تلكما الحالتين كانت المقاولة مع مقاول ويعمل له عمال أو يعمل له مقاولون أصغر منه لأن الوضع محتكراً. لكن الوضع هنا يختلف جذرياً ويأخذ أحد احتمالين: إما أن يكون المالك هو الذي تعاقد كل مقاول على حدة، أو أن جميع المقاولين اتفقوا على بناء مستشفى كاستثمار لهم ليبيعوه جاهزاً بعد إنهائه (وستأتي الإجابة لاحقاً على السؤال ولكن من سيشتري مستشفى إن لم تكن للدولة أموال إن طبقت الشريعة؟). وقبل الاستمرار لابد من هذا التوضيح: لقد حارب الإسلام الرق كما معلوم بشتى الوسائل، لكن نظام الكفالة المعروف في السعودية وبعض دول الخليج أعادها في إطار حديث. فخوف دول الخليج على موارد النفط التنفقها على سكانها فقط) جعلها تمنع الهجرة إليها. لكن هذه الدول بحاجة للعقول وللأيدي العاملة للتنمية، فكان استحداث نظام الكفيل، وهو نظام يسمح للمؤسسات الحكومية وللشركات الوطنية وللمواطنين استقدام الموظفين والعمال من دول أخرى باتباع أنظمة محددة والتي عادة ما يفلت منها جميع المتنفذين). ولأن البطالة منتشرة في الدول العربية والإسلامية الأخرى الأقل دخلاً، كانت فرصة الحصول على عمل في هذه الدول النفطية مغنماً لبعض الناس. فكان الفقير الذي يريد العمل في السعودية مثلاً يبيع الكثير من أملاكه ليحصل على تأشيرة للعمل فيها. يا لها من مفارقة، الإسلام يحارب الرق، ونظام الكفالة استحدث رقاً جديداً في قلعة الإسلام. فهذا الذي يدخل دول النفط كمكفول وكأنه اشترى عبوديته بماله الحر. أي أنه يدفع مالاً ليستحدث لنفسه سيداً، ألا و الكفيل. وبالطبع ما وقع هذا إلا لحاجة هؤلاء. فإن استمعت إلى قصص هؤلاء المكفولين وكيف أنهم يمنعون من مزاولة أي نشاط استثماري إلا بإذن أو بمشاركة الكفيل لفهمت ما أقصد . والقصص على هذا الاستعباد كثيرة: من السائق الذي لا يستطيع أن يرفع صوته للدفاع عن نفسه حتى وإن أخطأ الكفيل في حقه، إلى رئيس الشركة الذي عليه أن يطأطئ رأسه للكفيل لأنه إن لم يفعل فقد يُسفر إلى خارج البلاد دون مستحقاته، إلا إن وقع الأجير بيد مسلم
وهو
١٢ الفصل والوصل
۱۷۱۷
يخاف الله، وهم بحمد الله كُثر في الجزيرة العربية. لكن لا تظن أخي القارئ بأن نظام الاستعباد هذا هو في دول النفط فقط، بل هو في جميع دول العالم ولكن بدرجات متفاوتة ولا تراه لمهارة الدول في إخفائه. ففي بلد الحرية كفرنسا مثلاً لن تستطيع فعل أي حراك استثماري دون تصريح من الدولة بالذات إن لم تكن فرنسيا، ناهيك عن الدول العربية الإسلامية التي لا تفرق بينك كمسلم وبين صهيوني، فالدول الحديثة لا تعترف بالأديان ولا بالعرقيات، ولكن فقط بالجنسيات التي تمنحها أي أن الاستعباد هو سمة البشر في كل مكان الآن في ظل الحداثة والعولمة الكاذبة كما حاولت أن أثبت سابقاً. ولكن لماذا هذا التوضيح الآن وما علاقته بالاحتكار والمقاولات والتصنيع؟
منهم
لقد بنيت بحمد الله حوالي ثلاثين مسكناً للبيع. وكانت سياستي لتحفيز من يعملون معي هي التعاقد معهم بسعر أعلى من سعر السوق لتحفيزهم. وكل مقاول يعمل في تخصصه فهناك مقاول شامي لأعمال الإنشاء ويعمل شراكة مع قريب له وبالاستعانة ببعض العمال، وهناك مقاول مصري لأعمال الكهرباء يعمل هو وشريكاه من أبناء مدينته، وثالث للسباكة من بنجلادش مع شريكين من بلده، وهناك جماعة من البنجال لأعمال اللياسة والتبليط يعملون يداً واحدة ويتقاسمون الأجر، وهكذا. ولأن ما يجنونه من ربح يزيد قليلاً عن السوق، فقد كانوا شديدي الحرص على الإنجاز لأبيع المبنى ثم نبدأ مبنى آخر، وبهذا سيربحون أكثر. لكن لاحظ أن هؤلاء المقاولين لا يستطيعون شراء أرض وبناءها ثم بيعها كما أفعل أنا لأن أنظمة الكفالة لا تبيح لهم ذلك لأنهم لا يحملون الجنسية السعودية، ثم ظهرت أنظمة تجيز ذلك ولكن مقابل مكوس تُدفع للدولة، ما يجعل مثل هذا النوع من الاستثمار غير مجد لغير السعوديين. ولأنني كنت أدفع لهم أجراً أعلى من أجر السوق لم أكن مضطراً إلا نادراً للتنسيق بينهم ذلك أن كلاً . يعلم حدود عمله ويريد الإنجاز بسرعة أكبر لأن هذا في صالحه. فكانوا أحياناً ينجزون فلة كبيرة في خمسة أشهر بسبب التنسيق والتناغم الكبير بين مقاولي التشطيب باستثناء الاشكاليات التي كانت تظهر فقط من عمال المؤسسات التي لا غنى لي من التعامل معها والتي تستقدم عمالاً بنظام الكفالة وبعقود زهيدة مثل المؤسسة التي تصنع الأبواب. فهؤلاء العمال الذين كانوا يعملون تحت الكفيل لن يستطيعوا العمل في أي مكان آخر إلا بموافقة الكفيل أو عليهم ترك البلاد، لهذا تسلط عليهم بعض أرباب الأعمال واستقطبوهم بأجر زهيد ما يجعلهم قليلو الإنتاج والاهتمام لأنهم مهما تفانوا فإن المردود المادي ليس لهم، بل هو للكفيل. فلماذا إذاً ينهكون أنفسهم لإتقان العمل؟ لهذا، وبسبب إهمالهم كانت الخلافات بين المقاولين أحياناً تأتي من هؤلاء. أما أولئك المقاولون كالإنشائي والسباك والكهربائي الذين كانوا يعملون لأنفسهم، فقد كانوا يتفانون في العمل برغم أنهم على كفالة سعودي. فهم جزئياً أحرار مقابل دفع رسوم شهرية للكفيل الذي يُطلقهم للعمل طالما دفعوا له المكوس التي فرضها عليهم. فالربح لهم. أي وكأنهم أحرار مقابل مبلغ مالي شهري.
والآن تصور أن أبواب التمكين مفتوحة للجميع، وأنه لا حدود بين الدول، وأنه لا كافل ولا مكفول وبالتالي لا قيود قانونية على هؤلاء الذين يعملون معي لأن أرض الله واسعة ومفتوحة أمامهم، عندها فإن أجرهم سيكون أعلى أو أنهم سيعملون لأنفسهم كملاك دونما مكوس، عندها فسأضطر إما لمشاركتهم أو لدفع أجر أعلى لهم لأن أجرهم في سوق العمل أعلى، عندها فإن هؤلاء المقاولين مع شركائهم سيشتركون معي في الربح، عندها فإن تفانيهم
۱۷۱۸ 🗏
سيزداد أكثر وأكثر للانتهاء بأسرع وقت وبأعلى إتقان لأنهم شركاء في الربح (ولعلك تتعجب: ولكن لماذا لم أدفع لهم أجراً مرتفعاً وكأنهم شركاء، أليست هذه أنانية فأجيب لأنني إن فعلت لخسرت لأن التكلفة سترتفع علي مقارنة بمن هم مثلي في السوق وبالتالي سعر البيع سيرتفع ولن يجذب الزبائن، فسعر السوق ليس بيدي، فسيذهب الزبائن لشراء دور ممن تكلفتهم أقل ويبيعون بالتالي بسعر أقل).
وبالطبع ستسأل: لكن أين التصنيع في المثال السابق؟ فأجيب: إن الوصف السابق هو للتذكير برسالتين واضحتين: الأولى هي أن الناس سيتعاونون فيما بينهم إن رأوا أن في التعاون مصلحة لهم، وهذا معلـوم بـداهـة للجميع . فجميع المهندسين والعمال الذين لا يتعاونون في الإنتاج هم يفعلون ذلك لأنهم لم يروا مصلحة في التعاون ولا في التفاني في العمل، وفي الوقت ذاته لا خسارة يخسرونها إن هم أهملوا. وفي الإهمال أحياناً راحة جسدية. لهذا نجد أن موظفي الحكومات هم الأسوأ لأنهم لا يُفصلون من أعمالهم إن هم أخطؤا ، ولا يكافؤون إلا نادراً إن أتقنوا. ثم يليهم موظفو الشركات الكبيرة ثم الأصغر ثم عمال الشركات الصغيرة التي يقف المالك فيها بالقرب من الموظف أو العامل، فيلحظ أداءه. وهناك عامل آخر، ألا هو مقدرة بعض الشركات على قياس أداء الموظفين وصرامة أنظمتها التي قد تحيل حياة الموظف إلى جحيم من الاستعباد أو من العطاء الكبير بحافز صغير .
قع
هم
هذه الحقيقة الملموسة البديهية لجميع الملاك والموظفين والعمال من التفاني أو الإهمال في الأداء بمقدار النفع العائد إليهم، تلتحم مع الرسالة الثانية ألا وهي: أن ظاهرة التفتيت هذه بسبب النظم (التي تظهر رغماً عن الناس لأنها ببساطة هي طبيعة المستهلكات ستؤدي إلى تكتل ثم تكاتف الناس حول منتج ما لإنتاج نظام ما أو لصناعة سلعة ما لأن هذا في صالحهم إذ لن يستطيع فرد منهم الإنتاج أو التصنيع بمفرده فهؤلاء مثلاً تكاتفوا للعمل في السباكة، وأولئك في صناعة مواد السباكة. وهكذا تظهر الشراكات المتنافسة. لهذا فإن البيئة التي تتسم بأناس يعملون لأنفسهم فرادى أو كشركاء هي بيئة تؤدي للتصنيع أكثر من غيرها إن طبقت الشريعة لأنه لا مجال للكسب إلا بالعمل ومنها صناعة المنتجات، وأن هذه المنتجات بحاجة للتكاتف لأن الفرد «لن يستطيع الإنتاج والمنافسة بمفرده»، عندها سيتكاتف الناس رغماً عنهم إن أرادوا الحياة.
أضف للسابق أن ما يدفع للتصنيع أكثر هو انتشار الضروريات. كيف؟ تذكر ما مر بنا من أن المجتمع سيتسم باقتصاد يعتمد على الضروريات أكثر من الحاجيات، وعلى الحاجيات أكثر من الكماليات. فإن كان معظم
هامش
ق ٤) وبالطبع فهناك استثناءات مثل رؤساء الشركات التي يستطيع مبدعاً، فعندها سيحصل على ما يفوق الآخرين بسبب إبداعه ولكن فيها الرئيس جلد الموظفين لأعلى عطاء ممكن بأقل أجر ممكن فيزداد في حدود إن طبقت الشريعة. فمخترع الهاتف الذكي أبل (ستيف الربح ليحظى الرئيس بمكافأة من مجلس الإدارة. جوبز) سيحصل على الكثير من المال من ابتكاره إن عاش في مجتمع
(٤) فالشركاء الذين يعملون معاً ويتقاسمون الأرباح بالطبع أكثر يطبق الشريعة، ولكن لأنه لا ملكية فكرية مع تطبيق الشريعة فلن إتقاناً للعمل مع نفقات أقل لأن الربح لهم كما هو معلوم في ظل يصبح بذات الثراء الفاحش ولعلك تسأل: ولكن هذا ضـد منافسة مستمرة. أي أنهم لن يجنوا ربحا مرتفعا بالعمل كأجراء يوازي الإبداعية؟ ستأتي الإجابة بإذن الله، ولكن فقط تذكر أن ما دفع أرباحهم وهم شركاء أحرار. فقد تجد في أيامنا هذه التي لا نطبق فيها ستيف جوبز وأمثاله للابتكار ليس المال، فهذا الرجل لم يبتكر لأنه الشريعة موظفاً ( ولنقل زيد من الناس يحصل على أجر شهري يريد المزيد من المال، بل الابتكار في دمه، فهو ابتكر الهاتف الجوال مرتفع، لكن هذا ليس بسبب كفاءته في الإنتاج، بل لنفاقه الفذ باللمس وهو مليونيراً ، وابتكر جهاز الآي باد وهو بليونيراً (وسيأتي كالوزير، أو لمقدرته على جلد الآخرين كرئيس الشركة في ظل تفصيل هذه المسألة في فصل «المعرفة» بإذن الله). ظروف تمنع الكثير من الأكفاء من الصعود. أما إن كان زيد بالفعل
١٢ الفصل والوصل
۱۷۱۹
من يعملون منشغلون بإنتاج الضروريات، وهي سلع أكيدة الاستهلاك، وإن كانوا ملاكاً ويسعون للربح لأنه بالكامل لهم، أليس من المنطق في بيئة كهذه أن يقوم منتجو الضروريات بتنظيم أنفسهم للإنتاج بكميات كبيرة مع جودة أعلى لكي يكسبوا السوق؟ وفي هذا مدعاة لانتشار التصنيع. وما يعين على هذا هو انتشار الأعراف الإنتاجية لأنه لا احتكار على المعرفة. كيف؟
لأضرب أولاً مثالاً ملموساً للعلاقة بين الأعراف والتصنيع: إن هناك من السلع ما تصنع ولكن في الوقت ذاته تُستصنع. ولعل أفضل مثال لهذا هو تفصيل الدشداشات كما تُسمى في الخليج العربي مثلاً أو تفصيل بدل الرجال. فهذه الثياب يجب أن تتميز بنوع من الجودة إن صُنعت لأنها يجب أن تنافس المستصنع منها لتستمر. ولأن أعراف إنتاجها واضحة فقد أجاز الفقهاء استصناعها لأنها بالعرف الواضح المنتشر بين الناس وكأنها جاهزة للبيع برغم استصناعها. فإن ظهر خلاف بين الزبون والمهني سواء كان خياطاً أو حداداً أو نجاراً، فإن المرجع واضح لحل
الخلاف، ما يجعل الصانع يفكر ألف مرة قبل القيام بالتلاعب بأي من المواصفات لوجود الأعراف الواضحة.
أي أن الوضع كالآتي: هناك أعراف واضحة، والأعراف تعني أن السلعة إن صنعت بكميات كبيرة «باتباع الأعراف» ستلقى قبولاً من الزبائن، فالتصريف إذاً للسلعة وكأنه مضمون، وهناك حاجة في السوق للضروريات التي إن صنعها الشركاء فسير بحون لأن البيع مضمون، وهناك شركاء يبادرون ويعملون بجد وابتكار ومثابرة سعياً لأعلى ربح بأقل مجهود ممكن عندها تأتي الشريعة وتقول: لا تبع ما ليس عندك)، هنا بالطبع سيظهر التصنيع.
لأضرب مثالاً
التصنيع يعني ببساطة أن ما صُنع من سلع لا ندري أين سيستهلك، فالمصنع يُنتج ويبيع فقط. أي أن المشتري غير معروف وقت التصنيع. بينما الاستصناع يعني أن السلعة مصنوعة خصيصاً لاستهلاك زيد من الناس إن كان ثوباً أو للاستخدام في عقار زيد من الناس إن كان باباً. فإن كان هناك مبنى ونريد أن نضع فيه الشبابيك باتباع الشريعة، فما المتوقع؟ والإجابة هي: لابد من صناعة الشبابيك بكميات كبيرة في مصنع ما، ثم يقوم المقاول بشراء الشباك جاهزاً وإحضاره للموقع لتثبيته في الحائط. أي أن على البنّاء للجدار أن يترك فتحة في الجدار ومفصلة على مقاس الشباك لتثبيته. أي أن البناء يعلم مقاس الشباك لأن الشباك موجود وجاهز للبيع. وهذا يختلف جذرياً عما يجري عموماً في أيامنا هذه من استصناع. فعادة ما يقوم البناء بترك فتحة للشباك ثم يأتي موظف مصنع الألمنيوم لأخذ المقاسات ثم يُفصل الشباك لتثبيته في الجدار، وهذا استصناع فهذا الشباك المستصنع لا يصلح للاستخدام إلا في هذا الموقع أو موقع مشابه له تماماً في مقاساته. بينما الشباك المصنع، لم يُصنع إلا باتباع العرف المنتشر بين الناس سواء في مادته أو تفاصيله. لهذا إن خاطرت مجموعة من الشركاء بتصنيع هذه الشبابيك بعدة مقاسات مختلفة لإرضاء أذواق الزبائن، وإن أدرك الزبائن أن شراء شباك جاهز كسلعة أقرب للالتزام بالشريعة، عندها ستظهر شبابيك مصنعة بمقاسات وألوان وتفاصيل مختلفة لتلائم معظم الأذواق. تذكر أن صناعة ألف شباك بمقاس واحد أقل من إنجاز ألف شباك كل بمقاس مختلف. فالتوفير ليس في وقت العمال ومجهودهم فقط، ولكن حتى في الهدر من تقطيع قضبان الألمنيوم. فإن كان الشباك مصنعاً، فعادة ما يكون بمقاسات تحاول التكيف والاستفادة من مقاسات قضبان الألمنيوم التي تنتجها مصانع الألمنيوم. حتى أنه مع الوقت قد تغير مصانع الألمنيوم مقاسات القضبان لتلائم طلب صناع الشبابيك توخيا للمزيد من الربح الذي هو في صالح الطرفين. وبتطور التصنيع ستتطور
تكلفة
۱۷۲۰ 🗏
الشبابيك الجاهزة لتغطي جميع متطلبات الزبائن بشتى ظروفهم حتى الفتحات الكبيرة منها، ستظهر لها الأعراف لتصنع. وهكذا يندثر استصناع الشبابيك تماماً إلا في حالات استثنائية جداً. بمثل هذه الأمثلة تبدأ عجلة التصنيع في المجتمع في الدوران.
هو
ش ٤
سؤال: من هو الأجراً في الإقدام على التصنيع هل هم الشركاء أم مدراء الشركات؟ بالطبع إنهم مدراء الشركات لأن المغنم لهم والمغرم ليس عليهم. فرأس المال جبان كما يقال. فالشركاء يفكرون ألف مرة قبل البدء في التصنيع لأن الخسارة عليهم. أما مدراء الشركات، ولأن المخاطرة مجزية بالنسبة لهم، نجدهم غالباً ما قد يتهورون بتصنيع ما قد لا يتقبله الناس. لهذا تفلس آلاف الشركات كل سنة في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب هذا التهور. وهذا هدر على مستوى الأمة إلا أنه غير ملموس. هنا يظهر سؤال: لماذا إذاً تقول يا جميل أن الشريعة تدفع للتصنيع أكثر ؟ فأجيب: لأن الشركاء لا يُقدمون إلا على تصنيع الضروريات المضمونة البيع في الغالب، ولأن معظم المستهلكات في المجتمع من الضروريات كما مر بنا، فإن التصنيع لهذه الضروريات هو الذي سينتشر أولاً مع تطبيق الشريعة. أما الحاجيات فمنها ما يُصنع ومنها ما يُستصنع. ومع انتقال الحاجيات للضروريات، ستصنع معظم هذه الحاجيات. وهكذا تتسع دائرة التصنيع على حساب الاستصناع، بينما الكماليات في الغالب مما يُستصنع . إن التصنيع يسحب بعضه بعضاً إن طبقت الشريعة ليتسع أكثر وأكثر. كيف؟ كما هو معلوم فإن «الأعراف» تعني تقليد من سبق في مصنوعاتهم أو آلاتهم أو تصاميمهم أو خدماتهم. وفي النقيض فإن «الابتكار» استحداث جهاز جديد أو آلة جديدة أو تصميم جديد فذ لمستشفى بطريقة غير معهودة، أو استحداث خدمة أو مهنة جديدة. فالابتكار إذا قفزة من عالم الأعراف. وقد يكون هذا القفز محموداً أو مذموماً. ثم إن تقبله الناس ورغبوا به يزداد إنتاجه ليصبح عرفاً. فإن ابتكر شاب جهازاً لطرد الحمام من شبابيك المنازل، وأقبل الناس على شرائه فقد يتجرأ ويصنعه بكميات أكبر هو أو غيره. وكذلك التصميم، فإن ابتكر مهندس تصميماً فذاً لطريقة مختلفة لوضع المشربيات الخشبية بطريقة تحركه كهربائياً بأقل تكلفة ممكنة ثم أعجب الناس وقاموا بتنفيذه وانتشر عندها سينتقل من الاستصناع إلى التصنيع وإن وجد صيدلي وصفة لمرض ما ثم جربها ونجحت عندها ستصنع وستصبح عرفاً بكثرة التناول. حتى الخدمات، فإن نجح فرد في طريقة مختلفة في تدريس الرياضيات للأطفال وثبت نجاحها مقارنة بما هو دارج عندها سيتعلمها الآخرون لتصبح هي الوسيلة المعتمدة. كل هذا معلوم بالطبع، لكن الجديد في المسألة هو كيفية دفع المجتمع أكثر لابتكارات أو لاستحداثات أكثر. ففي النظم المعاصرة من العقل القاصر، إن ابتكر فرد فكرة وسجلها كبراءة اختراع له فلن يجرأ أحد على لمسها، فهي مرهونة بالتطوير والاستصناع بموافقته. أما في الشريعة فهي إن خرجت من فمه فهي مشاعة لمن يستطيع أن يستلقفها ويجري بها إلى الاستصناع أو التصنيع. وقد بينت سابقاً بأن إشاعة المعرفة لا يوقف التقدم المعرفي، بل سيزيده، وسيأتي التفصيل في فصل «المعرفة» بإذن الله.
هامش
ش٤) وقد تسأل: ولكن في أيامنا هذه فإن من الكماليات ما يصنع ولا تنتقل لإنتاج تصميم آخر، وهذا بالطبع سيزيد التكلفة لأن الكمية يُستصنع مثل الحقائب اليدوية الفاخرة للنساء التي تنتجها الماركات محدودة. وهذا ليس كالتصنيع الذي لا يتوقف كصناعة المشروبات المعروفة. فأجيب مثل هذه المنتجات تُستصنع ولكن بكميات الغازية مثلاً. كما أن هذه المصانع عادة ما تستعين بقطع مصنوعة
استصناعية كبيرة كألف أو خمسة آلاف قطعة. فهناك مصانع مصممة يدوياً ما يزيد التكلفة. خصيصاً للإنتاج بهذه الكميات، وبعد الانتهاء من الكمية المطلوبة
١٢ الفصل والوصل
۱۷۲۱
لكن المهم الآن هو الآتي: إن ابتكر فرد في مجتمع رأسمالي فكرة لمنتج ما، ولنقل حقيبة مدرسية تتيح للأطفال سحبها حتى على درج المدرسة حماية لهم من آلام الظهر، فهو إن أراد التنفيذ فلن يستطيع فعل ذلك بمفرده في الغالب لأنه قد لا يملك المعرفة أو الأدوات أو المال لتنفيذ الفكرة. عندها فسيضع نسبة الربح التي يريدها مع من سيشاركونه أو أنه سيستأجرهم للعمل له إن كان متمكناً شريطة الاحتفاظ بسرية العمل. أي في جميع الأحوال فإن الابتكار في حوزة فرد، ألا وهو المبتكر، أو في حوزة شركة إن باعها لهم أو كان موظفا عندهم. ثم بالتالي هو حق للشركة. لكن إن طبقت الشريعة فإن التنفيذ سيأخذ طريقاً آخر تماماً لأن الشريعة تمنع الاستصناع، وهذا هو المهم. فلأن الابتكار حديث، وبالتالي لا وجود لأعراف، عندها فإن الشريعة تمنع المبتكر من الاستصناع بمواد أو بغير مواد. فما العمل أمامه ؟ إما عليه أن ينفذها بمفرده، وهذا شبه مستحيل إن كانت الحقيبة تتطلب أكثر من تخصص ومهارة، وإما عليه أن يستأجر من يعمل له بأجر مقابل مبلغ معلوم. وعندها فعليه أن يعطيه التعليمات لكيفية التنفيذ أو عليه أن يخبره أنه يريد كذا وكذا، وعلى هذا الصانع الذي استأجره أن يلبي له مطلبه بناء على مهارته. فإن أفلحا كان بها، وإن لم يفلحا استأجر مهنياً آخر. ولعل المبتكر سيحتاج لأكثر من صانع لإنجاز ابتكاره. فإن كان المبتكر حريصاً جداً على سرية ابتكاره، فقد يقسم الحقيبة لأجزاء يقوم كل صانع بصنع قسم منها ثم يجمعها بمفرده ليجربها بمفرده حفاظاً على سرية الابتكار. فإن نجحت الحقيبة وباعها وأثبتت جدارتها وبدأ ظهور أعرافها، سيبدأ الناس في استصناعها بغير مواد. ثم إن انتشرت تماماً فمن حق الناس عندها استصناعها بالمواد. عندها إن أصبحت من الضروريات أو الحاجيات فلن يتردد المستثمرون في تصنيعها. هل رأيت كيف تدفع الشريعة إلى التصنيع بمنع الاستصناع؟
لهذا فإن تأجير المبتكر للآخرين للعمل له، لهو نهج محفوف بمخاطر انكشاف أسرار ابتكاره ذلك أن هؤلاء الذين عملوا له قد يبدؤن بتصنيع الحقيبة وبيعها إلا إن تمكن المبتكر من الاحتفاظ بسرٍ لجزء هو صنعه أو ما شابه من طرق الإخفاء. وفي مثل هذه الحالات، فإن المتوقع هو تلافي المبتكر لتأجير الآخرين للعمل له. لكن هناك نهج آخر تدفع إليه الشريعة، ألا وهو الشراكة مع الآخرين بإقناعهم بفكرة الابتكار. تذكر أننا في الفصل السابق كنا قد قسمنا الشراكة إلى ثلاثة أقسام هي: شراكة الاغتنام وشراكة الهمم شراكة المقاولة. فإن كان المنتج غريباً ومحفوفاً بمخاطر الخسارة، فإن شركة الاغتنام هي ما قد يلجأ إليه الشركاء ليظهر المنتج دون إفشاء الأسرار. أي وكأن الشريعة تدفع المبتكر للمشاركة. وبالطبع فإن المبتكر لن يشارك إلا من يوقن أنه قادر على المساهمة في إثراء الابتكار. وبهذا تجتمع المهارات الأفضل لخدمة الابتكار وتصنيعه. فيظهر الابتكار دون انتشار أسرار صنعته ويباع، فإن انتشر فإن للناس الحق في تفكيكه وتقليده إن كان جهازاً معقداً. وهذا بالطبع سيقع إن ارتفعت مبيعات
الابتكار.
لاحظ أننا نتخيل الوضع في إطار تطبيق الشريعة، عندها فإنه لا دولة تهيمن على أمة، ولا شركات مساهمة ملاكها يمتلكون تسع أو سبع الكرة الأرضية، ولا أمراء أو سلاطين أو وزراء متسلطون، والأهم أنه لا جيش تحت سيطرة جماعة أو طائفة من العسكر أو الأمراء (لأن العمل العسكري عبادة)، بل أفراد ملاك متقاربون في الدخل في الغالب، أو شراكات بأحجام متقاربة. عندها وبسبب انتشار العدل، فإن سلوك الجميع سيتغير لما هو إنتاجي دون خوف من أحد. عندها، ولأن معظم الناس ملاك فإن العلاقة في المقاولات مثلاً هي دائماً بين مالك ومقاول، وليس
۱۷۲۲ 🗏
مقاول ودولة أو مقاول وشركة مساهمة. عندها فإن احتمال ظهور الهدر قد زال ليبقى كل طرف مفصول عن الآخر لأن المقاولة في الغالب على العمل من غير المواد فتصبح المعاملة جائزة شرعاً لأن المقاولة ما هي إلا عقد استئجار لإنهاء عمل محدد كما سيأتي بنوع من التفصيل في فصل «البركة» بإذن الله . هكذا يزول الهدر وتظهر الأعراف. لنأخذ مثالاً: عندما يصبح فرد من الناس زبوناً لبناء أي منشأة، فهو سيترصد أخطاء المقاول لأنه يعلم جيداً أنه إن كان على الحق أخذ حقه، ولن يتنازل. وكذلك المقاول لن يحاول أن يغش الزبون لأنه يعلم عاقبة الظلم. ولأن الفقهاء ترددوا في تجويز الاستصناع بالمواد في حال عدم وجود الأعراف لاستحداث مبنى جديد، سيضطر المالك أو الزبون لاستئجار مقاول لينجز له عمله فإن أهدر المقاول المواد في الإنشاء، فلن يفلت من لوم المالك ومحاسبته، وفي الغالب سيجد المقاول المبررات وبمثل هذه الترصدات من المالك ثم التبريرات من المقاول ثم الجدل حولها بين الطرفين وربما التحاكم إن اشتد التشاح، ستظهر الأعراف التي يحتاجها القضاة والناس لفض الخلافات. وهكذا يظهر للأعراف هيبة لن يحاول أحد التعدي عليها. فالكل يعلم بالتجربة أن صب سقف لغرفة مساحتها ٢٥ متراً كمراتها هو مثلاً ستة أمتار مكعبة، فإن تعدت حوسب المقاول. لهذا كانت المدن الإسلامية تتحلى
مربعاً مع
بنقابات للمهن المختلفة أو عريفاً أو شيخاً لكل مهنة لفض الخلافات بين الزبائن والحرفيين.
أي أن هذا الاستصناع الذي أباحته الشريعة «إن كانت الأعراف واضحة» يؤدي أيضاً للتصنيع ومن خلال الجدل بين الزبائن والصناع ما يؤدي إلى الأعراف ما يؤدي إلى توضيح معالم السلع ومواصفاتها، عندها ستكون الساحة الاقتصادية واضحة تماماً للشركاء لما يجب أن يُصنع، فينطلق الجميع للتصنيع قدر المستطاع للاستسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾، وللامتثال لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبع ما ليس عندك).
.
وعندما يصبح التصنيع هو النهج الإنتاجي في المجتمع، فلابد للمنتجين من التنافس للحفاظ على سمعتهم التي هي رأس مالهم. وهذا ما لن يستطيع الاستصناع تحقيقه. لنأخذ مثالاً معروفاً: إن لصناعة المسامير أعراف لا يعلمها إلا من هو في المهنة، فهناك مسامير لا تصدأ كتلك التي تستخدم في المسابح، وهناك التي لم تُصنع إلا لتسخدم مرة واحدة. فعند الاستصناع بمواد قد يضع الحرفي كالنجار مثلاً مسماراً رخيصاً لأنه قد يستغل جهل الزبون. فالزبون لم يحدد مواصفات المسمار والنتيجة هي منتج قد ينهك الزبون مستقبلاً ويأكل من وقته بركاكة المنتج وحاجته للصيانة. أما إن كانت المواد على الزبون إن كان الاستصناع من غير مواد، فسيعرف الزبون الفرق لأن أسعار المسامير في محل المسامير مختلفة فينتبه للفرق بين الأنواع. ولكن بالطبع فإن الأفضل هو التصنيع بعد ظهور الأعراف، ذلك أن النجار إن صنع دولاباً وباعه، ثم ظهر فيه الخلل، فهو ضامن إن كان الخلل بسبب سوء استخدام المواد لأن الأعراف ستفضحه. وبالطبع فلن يجرؤ النجار أو غيره من الصناع على إنتاج ما قد يسيء لسمعته لكي لا يفقد السوق. فالناس لن يرحموه إن غش أو أخطأ لأن الأعراف واضحة. هكذا ترتفع الجودة.
والآن أستطيع أن أبين لك كيف يكون التصنيع في بناء مستشفى. فكما وضحت، فإن أي منشأة تتجزأ إلى أنظمة من المنتجات، فالهيكل الإنشائي نظام، وأعمال الكهرباء نظام، وهكذا. فإن طبقت الشريعة فإن الغالب هو أن كل نظام سيقوم بإنتاجه جماعة من الشركاء كشراكة واحدة كما وضحت. وهؤلاء قد يختلفون فيما أحياناً، وهذا الخلاف لابد من أن يُحل، عندها سيكون الحل مع التكرار عرفاً. فقد يختلف بليط أرض المعمل مع السباك على
بينهم
١٢ الفصل والوصل
۱۷۲۳
مسؤولية وضع الصفاية في الأرض كل يرمي بالمهمة على الآخر، وقد يختلف الكهربائي مع صانع الأبواب على من يمرر سلك فتح الباب داخل الباب. فإن حلت الإشكالية وتقبلها الأطراف أصبحت عرفاً. وبكثرة الأعراف يستمر التشييد دونما خلافات بين المقاولين المتكاتفين لإنجاز المبنى. هكذا ينتج المبنى دونما خلافات بين المقاولين، أو بالأصح الشركاء الصانعين، وبأقل هدر وبأعلى جودة لأن الأعراف تحدد الجودة. فهؤلاء يشيدون الهيكل الإنشائي بمواده وكأنه بيع السلم. فكل قطعة في الهيكل معلومة القدر والمواصفات أعرافاً. وأولئك ينفذون تثبيت الشبابيك. ومن الشركاء من يشيدون الكسوات كاللياسة والطلاء. وكل هذا وكأنه من خلال الاستصناع سلع جاهزة بسبب وضوح الأعراف.ت؛
وهنا قد تسأل: ولكن ما الفرق بين هذا الوصف وبين ما يقع في أيامنا هذه التي لا نطبق فيها الشريعة؟ فأجيب: إن الفرق كبير جداً برغم أن المنتج في النهاية «قد» يظهر متشابهاً. لاحظ أنني قلت «قد». فالمتوقع هو ظهور أنواع مختلفة تماماً من تقنيات البناء المتقدمة إن طبقت الشريعة لأن الشراكات المتعددة المتنافسة لابد وأن تطور على مدى القرون المتتابعة أعراف البناء إلى ما لا نستطيع تخيله الآن. تذكر أن عقلنا قاصر. أي أن هذه المستشفيات التي تبنيها الشركات المعاصرة برغم إتقان شكلها المعاصر، فهي أفضل ما نراه الآن في ظل التخلف التقني الذي نحن فيه لأن الشريعة لم تطبق فإن طبقت، وإن تطورت أعراف البناء، عندها لعلنا سنری هذه المباني مقارنة بما كان يمكن أن يظهر بتطبيق مقصوصة الحقوق إن عشنا الزمانين. وهذا بالطبع محال إلا إن
تخيلنا الفارق بين الحالتين.
تخلف
ولكن لنقل بأنك لم تقتنع بالرد السابق، وأن المستشفى في النهاية سيبنى بنفس التقنيات الحالية سواء طبقت الشريعة أم لم تطبق، أي أن مقاول الهيكل الإنشائي مثلاً في كلتا الحالتين يشيد الأعمدة والأسقف بالحديد والخرسانة مقابل مبلغ مقطوع وأنه بالتالي لا فرق بين الحالتين إذاً! ولعلك تضيف لتزيد دحضك قوة: إن مقاولاً كبيراً مثل مجموعة بن لادن سيعطيك أجود المنشآت وبسرعة عالية في التنفيذ لأن هيكلهم الإداري في التنفيذ هرمي وهذا يجعل كل مهندس وعامل يتحرك بطاعة ودقة وباتباع التعليمات والرسومات وبأقل صدامات ممكنة بين المهندسين والعمال، فلا حاجة للأعراف إذاً. فالكل يطيع التعليمات وينفذها للوصول لأعلى المواصفات! فأجيب: لكنك نسيت أننا نبحث عن الكفاءة في الأداء وعن العدل في التوزيع للثروات، وما تقترحه بهذا النقد فيه غض طرف عن العدل. أي أنك نسيت البعد الإنساني والجانب الاقتصادي على الأمة. أي أنك نظرت للثمرة فقط ولم تنظر إلى جذورها. فهذا المستشفى الذي تبنيه الشركات المعاصرة من إنتاج عمال مستعبدين. ووراء كل مهندس أو عامل أسرة فقيرة مقهورة تكافح في الحياة، وبهذا فقد المجتمع أبناء هذه الأسر لأنهم لم ينشأوا في رعاية سوية ليزداد عطاؤهم في المستقبل. فمنهم . من قد ينحرف ويذهب للسجن، وبتزايد هؤلاء سيتباطأ المجتمع عن النمو كما هو حادث. وما هذا إلا مثال واحد من آلاف الأمثلة على القهر والاستغلال. ناهيك عن أن ملاك هذه الشركات المنفذة
هامش
ت) حتى الأجهزة التي ستوضع داخل المستشفى كجهاز التصوير البائع مركبة جاهزة للعمل. وهذه قد يقوم بها مجموعة من الأفراد بالأشعة السينية، فهذه الأجهزة بالطبع من إنتاج شراكات أخرى، كشركاء بعد شرائها من المصنعين الذين عليهم التنسيق بين مصنعي وكل ما على المالك فعله هو شراؤه وتثبيته كالأثاث، ولكن لأنها الأجهزة والمقاولين لتجهيز المخارج التي تحتاجها الأجهزة. فربحهم
معقدة في تقنياتها، فإن عقد شرائها سيكون بالاشتراط بأن يسلمها هو بالمخاطرة بشرائها ونقلها وتركيبها بطريقة سليمة لتعمل.
١٧٢٤ 🗏
هم من المتنفذين الذين يستهلكون من الكماليات أضعاف أضعاف ما ينتجون ما يؤدي للمزيد من الاستهلاك الترفي في المجتمع وما يجره من ويلات ثم قارن هذا بما كان يمكن أن يقع إن طبقت الشريعة لهؤلاء المهندسين والعمال إن كانوا شركاء. فهم سينتجون أفضل من هذا المبنى ولكن بتوزيع أعدل للموارد، ما يؤدي للكثير من الإيجابيات التي مرت بنا. ناهيك عن التغير الجذري لهيكلة المجتمع السياسي الاجتماعي المؤدي للعزة كما سيأتي في فصل البركة بإذن الله. أي لا تنظر أخي القارئ لمبنى واحد، بل انظر للمجتمع بأسره. ولعل في كوريا الشمالية وما بها من مجاعة أوضح مثال مقارنة بما تراه فيها من بعض المنشآت الضخمة والصواريخ بعيدة المدى. وبالطبع
ستسأل: ولكن ماذا عن تصميم المستشفى، فهو بيع للمعدوم، فهل هو بالإجارة أم بالمقاولة؟ فأجيب: كنت بحمد الله قد بينت في الفصل التاسع من كتاب «عمارة الأرض» أنه مع تطبيق الشريعة فستظهر أعراف واضحة للمباني. وأن لكل نوع من المباني أعرافه لأن العمران وسيلة وليس غاية، لهذا فلن يتفاخر الناس لسمو قيمهم بإنتاج مبان باذخة وغريبة في أشكالها، بل إن كل مبنى سيتكون من أماكن مبنية كالغرف والدهايز والصالات وباتباع أعراف واضحة. وكنت قد سميت هذه الأماكن بالغرافات. كما أنني وضحت أن تشييد هذه المباني كان أكثر تصنيعاً من مبانينا المعاصرة، ذلك أن أخشاب الأسقف الشبابيك والأبواب مثلاً كانت أحياناً تشترى جاهزة من النجار أو أنها من بقايا مبنى قديم. فهي ليست مفصلة لموقع محدد، بل تصنع وتُباع، لهذا تشابهت مباني البيئة التقليدية. إلا أن هذا التشابه لا يعني التكرار الممل، بل هو التشابه الذي يثري العمران لأن كل مبنى فذ في جماله برغم أنه يشبه الآخرين وما وقع هذا الجمال إلا لإتقان المجتمع للأعراف التي تنتج هذه المباني.
ولكن لنقل بأنك لم تقرأ كتاب عمارة الأرض»، أو أنك لست مقتنعاً بطرحه، وأن المجتمع سيكون أكثر سعادة في نظرك إن كان كل مبنى مختلف في شكله عن الآخر، عندها فلابد إذاً من التعامل مع مصمم لتصميم المبنى، فهل يجوز هذا شرعاً لأنه بيع لأفكار على الورق أو الشاشة، أي أنه بيع للمعدوم؟
ور
هناك عادة ثلاث وسائل لإنتاج التصميم : إما مقاولة مع مهندس أو مكتب هندسي على إنجاز التصاميم مقابل مبلغ مقطوع، وإما إجارة لمهندس ليعمل لوقت محدد مقابل أجر معلوم، وإما الجعالة. وفي أيامنا هذه التي لا نطبق فيها الشريعة، فإن المنتشر هو المقاولة على إنجاز التصميم مقابل مبلغ مقطوع. وعادة ما يقوم الملاك بالسؤال جيداً عن المهندس المصمم قبل تكليفه بالمهمة لأنه عقد على شبه المعدوم. فقد يتعاقد المهندس مع الزبون ويهمل في الإنتاج ما يضطر الزبون لإنهاء العقد بخسارة بعض الدفعات التي دفعها لأن العقد عادة ما يكون على دفعات تتماشى مع تطور التصميم. وعادة ما يحاول المهندسون إثبات كفاءاتهم التصميمية لجذب الزبائن مستقبلاً، لهذا لن يهملوا في أدائهم. لكن مع تطبيق الشريعة، فإن هذا أقرب للحرمة لأنه عقد يصل بين طرفين بطريقة ستؤدي لظهور الخلاف، فهو ليس كبيع قميص أو منزل، بل هو بيع لفكرة لم توجد بعد، لهذا فهو مصدر كبير للخلاف بين الطرفين. وفي هذا إنهاك لهما. فما العمل؟
إن استئجار الزبون لمهندس أو لمكتب هندسي للعمل له بالساعات أو بالأيام سيفضح الأسعار. كيف؟ إن كان العقد كما هي حالنا اليوم بمبلغ مقطوع، فإن عدد ساعات العمل التي استنزفها التصميم ليست معلومة تماماً للزبائن. وكأن هذا سر لا يعلمه إلا أصحاب المكاتب. لهذا يتصاعد الخلاف بين الطرفين إن لم يوافق الزبون على
١٢ الفصل والوصل
۱۷۲۵
الفكرة التصميمية الأولية وأراد فكرة أخرى لأن المكتب سيدعي أنه عمل أكثر مما توقع. وبعض الزبائن عادة ما يطلبون المزيد لأنهم يريدون مبنى أفضل بنفس سعر العقد الذي وقع، فالخاسر هو المكتب. والعكس قد يقع، فإن لم يكن الزبون واعيا فقد يمرر المكتب الهندسي فكرة تصميمية لا ترتقي إلى قيمة العقد. إما إن كان العقد بالعمل بالساعة أو باليوم، عندها فإن الزبون سيفكر ملياً قبل رفض الفكرة الأولية للتصميم لأن نفقات الإعادة ستكلفه، وفي المقابل، فإن المكتب الهندسي سيحاول الانتهاء من هذه المرحلة دون خسران الزبون، لأنه إن أهمل فإن الزبون قد يذهب لمكتب آخر، فكل طرف قد أخذ مستحقاته. وبالطبع لن يستطيع المكتب أن يحتكر الفكرة التصميمية، بل هي للزبون ليذهب بها إلى مكتب آخر إن أراد إتمامها هناك. لهذا فإن المهم في كل السابق هو أن هذه التعاقدات بالعمل إجارة بين الملاك والمهندسين ستفضح أسعار ساعات عمل المهندسين. وسيقارن الناس بين المهندسين وتصاميمهم ومقادير تكاليف ساعات عملهم مقابل إنجازهم. وبهذا تزداد المنافسة بين المهندسين لرفع الجودة مع تخفيض السعر. فعلى المهندس المبتدئ أن يبدع بسعر أقل ليأخذ مكانه في السوق، وهذا يدفع قدامى المهندسين للمزيد من الإبداع للحفاظ على مكانتهم في السوق أي أن تلافي الاستصناع لأنه شراء لما هو معدوم والاعتماد على التأجير سيوجد الأعراف المؤدية لتصاميم أفضل بسعر أدنى. فإن ظهر الثراء على بعض المهندسين انجذب الشباب
لهذه المهنة، وهكذا.
وماذا عن المسابقات الهندسية؟ فإن أراد مالك مثلاً بناء مستشفى فريد في شكله بطرح مسابقة بين عدد محدد أو مفتوح من المكاتب الهندسية للحصول على أفضل فكرة تصميمية ممكنة، فما العمل؟ هنا أتت الشريعة بالجعالة، وهي أن يلتزم فرد بمكافأة ما مقابل عمل محدد من الآخرين، كأن يقوم المالك بوضع متطلباته في كتيب ثم نشرها بالقول بأن من أوجد تصميماً مرموقاً فله كذا من المال على أن تقوم لجنة مكونة من كذا باختيار التصميم الفائز. والفرق بين الإجارة والجعالة هو أن الإجارة عقد ملزم، فالمستأجر يملك منفعة معينة من الأجير، والأجير يملك الأجرة. أما الجعالة فلن يلتزم فيها المالك بدفع المبلغ إلا لأحد الفائزين. وفي هذه مخاطرة كبيرة للمكاتب وكأنها شراكة اغتنام. وهكذا كما ترى ففي كل السابق لم يحتج المجتمع إلى المقاولات بطريقتها المعاصرة التي تصل بين الناس سلباً، أي إلى عقد الاستصناع بالمواد إن لم توجد الأعراف ما يؤدي إلى شتى أنواع الخلافات بين الناس وإلى إخفاء الأسعار.
أخيراً: التوسع الأفقي أم التدرج الرأسي ؟
.
كنت قد قلت سابقاً بأن الإجابة على كيفية سلوك المجتمع المسلم لإنتاج مستشفى دون استصناع بالمواد يُجاب عليه من جانبين، وبينت الجانب الأول والذي تمحور حول منع الاحتكار والآن سأبين الجانب الثاني بإذن الله والذي يتمحور حول هيكلية الأمة المسلمة سياسياً واجتماعياً إن طبقت الشريعة وهو الأهم، والذي سيأتي بتفصيل أكبر في فصل «الأماكن» بإذن الله في الحديث عن الوفورات، ولكن لبعض التوضيح أقول:
إن مجموع الثراء في العالم وصل سنة ٢٠١٣م إلى ۲۲۳ تريليون دولار تقريباً، وقد ملك ١٪ من السكان ٤٣٪ منها، لدرجة أن أغنى ٣٠٠ فرد في العالم ملكوا أكثر مما ملكه ثلاثة بلايين إنسان. فتأمل هذا الفارق. والسؤال
١٧٢٦ 🗏
لموضوعنا الآن هو: ماذا يعني هذا الثراء: هل يعني أن ثرياً ما يسكن في بضعة آلاف من القصور في نفس الوقت، أو هل يأكل ألف وجبة في اليوم أو هل يلبس زياً جديداً كل ساعة ؟ بالطبع لا. إن ما يعنيه هو أن ثرياً ما لديه المئات من العمائر السكنية المؤجرة، ولديه آلاف السيارات التي يعمل عليها السائقون المعدمون، وهكذا. أي أن المنتجات ليست متساوية في التوزيع. أي أن هناك الكثير من المنتجات التي يتعامل معها من لا يملكونها، وبهذا فهم أقل حرصاً ومبادرة وبالتالي أكثر إهمالاً لها. وفي هذا هدر كبير كما وضحت.
ومن جهة أخرى، فإن هذا يعني أن المنتجات البشرية بدل أن تتوسع أفقياً في إنتاجها فقد تدرجت رأسياً، وهذا هو المهم لنا الآن. كيف؟ إن المنتجات عادة ما تتدرج من صغير وبالتالي رخيص كالغرفة إلى كبير كالقصر، أو من صغير رخيص كالدراجة إلى كبير غال كالطائرة الخاصة، وفي الخدمات من مستشفى يحوي مئة سرير إلى مستشفى يخدم عشرة أجنحة، فهذا هو «التدرج الرأسي». وعكس هذا هو «التوسع الأفقي»، ألا وهو الانتقال من منزل حديث إلى منزل آخر أحدث ولكن بتجهيزات أفضل وبسعر متقارب بينهما، وفي الخدمات من ركوب دراجة عادية إلى ركوب القاطرات. فالتدرج الرأسي إذاً مطرز بالتعقيدات وبالرفاهيات وبالكماليات. وحتى يتمكن هذا التدرج من الاستمرار في تسيير المجتمعات لابد من استمرار قفل أبواب التمكين وذلك باستمرار الدولة بهيكلها الحالي، ولابد من الظلم بجميع مظاهره التي مرت بنا مثل الكتل الاقتصادية وطبع النقود ونقل الحقوق من أماكنها ومنع أي استثمار إلا بترخيص، وهكذا من أهواء وآفات، وكنت قد بينتها بحمد الله. بينما مجتمع التوسع الأفقي فهو مشبع بالضروريات والعودة إليه يعني فتح أبواب التمكين كإحياء الإحياء وأحقية امتلاك المعادن لمن حازها والبيع بالتراضي ومنع الربوا وهكذا من حركيات مقصوصة الحقوق كما مر بنا، وهناك الكثير من الحركيات كما سيأتي بإذن الله في الفصول القادمة.
فإن تحول المجتمع في إنتاجه إلى التوسع الأفقي في السلع والخدمات بتوفير الضروريات للجميع بتطبيق الشريعة، عندها إن شبعت نفوس الجميع وشبعت أعينهم لأنه لا كماليات باذخة، وسكنت نفوسهم لأنهم لن يستطيعوا الاستبداد بسلطة أو مال إن وصلوا للحكم، وهكذا إن تفرغوا للإنتاج، عندها فإن تركيبة المجتمع ستتغير تماماً في هيكلتها سياسياً واجتماعياً. وسيأتي تفصيل هذا في فصلى «الأماكن» و «الحكم» بإذن الله. ولكن لذكر مثال واحد عن كيفية إيجاد المستشفيات في هذه التركيبة أقول:
نظراً لانحسار الهدر الذي تحدثنا عنه في فصل «القذف بالغيب» إن طبقت الشريعة، فإن ما يقوم به الناس من عمل سيؤدي للكثير من الإنتاج لعلو الكفاءة، ونظراً لأن طريقة الإنتاج للضروريات بكفاءة عالية ستأخذ وقتاً أقل، ونظراً بالتالي لشبع الجميع وقناعة البعض، فستتحسن العلاقات الاجتماعية. عندها ستخف المنافسة بين الناس على الثراء فتزداد الوفورات. كيف؟ كنت قد ذكرت مراراً بأن الشريعة ستؤدي للمنافسة بين المنتجين من نفس المستوى، فالنجارون يتنافسون فيما بينهم مثلاً. لكن لاحظ بأن هذا لا يعني المنافسة بمفهومها المعاصر الذي يقهر المتنافسين بالحسد والبغض والنكاية والكذب والتآمر، بل هي منافسة بناءة للفرد وللمجتمع. فالأنظمة الوضعية تصل الناس ليتصادموا ويتنافسوا وليتناحروا على موارد محددة، بينما الشريعة تفصل بين الناس وتضعهم في مسارات لينطلقوا دونما تصادم لأن الموارد تفوق احتياجاتهم. تذكر ما مر بنا في فصل «ابن السبيل» من وقوع الناس على ما يحبون إن طبقت الشريعة، عندها فإن المنافسة تعني المزيد من العمل و «بمتعة» لمن أراد المزيد من الإنتاج لأن
١٢ الفصل والوصل
۱۷۲۷
الموارد والموافقات والمعرفة متاحة أمامهم، وبتقادم الزمن ستتغير جميع المفاهيم عن العمل والإنتاج لينتشر عرف الهمة والبذل والإنتاج. وبهذا فإن معظم الناس لديهم أكثر مما يكفيهم، ما يمكنهم من التبرع بسخاء. ولأن الأمة تعتمد على العمل العسكري كعبادة، وبهذا فهي تسود الأمم الأخرى، ولأن الجميع في أمان، ولأنه لا خوف من الفقر لأن الزكاة والصدقات تكفل الناس عندها ستكون الحياة طيبة. وفي ظل هذه الحياة الطيبة ستظهر المنافسات أيضاً على فعل الخيرات لأن الناس مقتدرون، وهذا يؤدي للآتي:
كما سترى في فصلي «البركة » و «المدينة» بإذن الله، فإن الذي يرفع الناس ويضعهم هو تقواهم وإسهامهم في المجتمع. والتقوى كما هو معلوم هي علاقة بين الإنسان وربه، ولا يستطيع بالطبع أحد الاطلاع عليها، إلا أن آثارها قد تظهر في تعاملات الفرد مع الناس من خلال الحكمة والسلوكيات الحسنة والإنفاق. وبهذا فإن الذي يرفع الفرد ويضعه في جماعته هو في الغالب إسهامه بعطائه. أما في أيامنا هذه التي لا نحكم فيها بشرع الله، فإن أهم وسيلة للجاه في المجتمع هي تسلق السلم السلطوي. فقد نرى وزيراً من قبيلة مجهولة يرفع اسمها، أو نرى منافقاً كبيراً لدى السلطان يرفع خسيسة أسرته بالأعطيات التي جناها، ناهيك عن أن مطربة أو لاعباً مشهوراً عادة ما يرفع حتى شعباً بأكمله وليس فقط أسرة واحدة. أي أن معيار الرفع والوضع ليس خدمة الآخرين، بقدر ما هو مقدرة البطش بالآخرين أو سرقتهم أو إغوائهم. أما مع تطبيق الشريعة، ولأن سلوكيات الناس متحررة من كل ظالم لأنه لا ظلمة، ومن كل فاسق لأنه لا فسقة بسبب تنور الناس بنور العلم كما سترى بإذن الله، عندها فعالم واحد سيرفع اسم أسرته، وعطاء من كريم سيرفع اسم الأسرة أو حتى القبيلة. فالمحدد الأهم للرقي بين الناس هو العطاء سواء كان علماً أو خدمة أو مالاً. فكلما أخذ الفرد لنفسه أقل وأعطى غيره أكثر كلما ارتفع مكانةً. لهذا سيتنافس الناس في البذل والعطاء لوجه الله إن كانوا أتقياء، أو للجاه إن كانوا من مريديه. وستزداد المنافسة في العطاء كلما زاد المجتمع في نقائه، وبالطبع سيزداد نقاؤه بتقادم الزمن إن طبقت مقصوصة الحقوق (كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله). أي أن هذه العطاءات بسمو المجتمع، حتى وإن قام بها القلة، فهي قد تحولت من القيم إلى الحركيات، حينئذ ستشتد المنافسة على التبرع لفعل الخيرات ومنها بناء المدارس والمستشفيات والطرق. فمن أراد المزيد من الأجر الأخروي أو الجاه الدنيوي قد يتبرع لبناء مستشفى لمحلته أو لمدينته (تذكر أن هؤلاء يزدادون بسمو المجتمع). وقد يظهر إمام مسجد ويحث الناس على جمع المال لبناء مستشفى ولأن الكل مقتدر ولديه بعض الفائض، فإن المال سرعان ما يجمع. ثم سيُعطى المال لمن يوثق به في بناء المستشفيات من ذوي الأمانة والخبرة. وهؤلاء يسهل معرفتهم من إنجازاتهم. فمن تلاعب بأموال المسلمين لن يحصل على دعم مستقبلي لأي عمل خيري لأن الناس هم من يقررون الدعم بعد ظهور الإنجازات. فالمال قوة، وهو بأيدي الناس. لهذا لن يجرؤ فرد على إضاعة أموال المسلمين الذين يتربصون إنتاجه. وهكذا قد يقع بناء المستشفى على عاتق فرد واحد فيتولى المسألة برمتها وكأنه مالك واحد ويقوم عندها بالتعاقد مع عدة شراكات. ولعل هذا الفرد إن أتقن بناء هذا المستشفى سيقوم ببناء مستشفى آخر أكبر لبيعه بسعر أعلى لأنها أصبحت مهنة له. عندها فقد ينتشر عرف جمع المال لشراء المستشفيات. تذكر أخي دائماً أن الطاقة الإنتاجية الهائلة بسبب تطبيق مقصوصة الحقوق لن تضيع بين الهدر والكماليات، بل ستوظف في الضروريات. أي أن المهم هنا هو أن الطاقة الإنتاجية للأمة تحولت من التدرج الرأسي
إلى التوسع الأفقي لأن المستشفيات من أهم عناصر التوسع الأفقي.
۱۷۲۸ 🗏
أو قد يقوم جماعة من الأطباء شراكة بتبني بناء مستشفى متخصص مثلاً. فأفضل مستشفيات العالم هي مستشفيات ليست بحكومية كما هو معلوم مثل مايو كلينيك بأمريكا، بل هي لرجال أعمال أثرياء أو أن المستشفى يعمل كشركة مساهمة، ويندر أن تكون المستشفيات ملكاً للأطباء العاملين فيها شراكة في أيامنا هذه. فما المانع إن طبقت الشريعة أن يكون المستشفى ملكاً للأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات العاملين فيه شراكة بينهم لأنهم متمكنون؟ عندها، فهم جميعاً شراكة قد ينتخبون أحدهم لتولي مهام إنهاء بناء مستشفى جديد لهم لأنهم تمكنوا مالياً بعد العمل لسنوات في مبنى قديم كان منزلاً مثلاً ثم حولوه إلى مستوصف ثم إلى مستشفى صغير بعد ضم بعض المباني المجاورة. وها قد آن الأوان بعد تمكنهم من الانتقال إلى مبنى مجهز جديد. عندها ولأن معظم العاملين في المستشفى هم الملاك، فسيبادرون ويجتهدون ويبدعون لأن مبنى المستشفى الجديد ملك لهم، فيكون المستشفى بالطبع حينئذ أفضل من أفضل المستشفيات المعاصرة في العالم.
أو قد تأتي جماعة من الشركاء ويدخلون شراكة اغتنام لبناء مستشفى ثم يبيعونه على مجموعة من الأطباء أو على أهل محلة بأن يقوم كل فرد من السكان بالتبرع قدر استطاعته، فهم جميعاً مقتدرون. ثم يأتي تشغيل المستشفى وبنفس الطريقة. ومن الطرق أيضاً قيام رجل أعمال بالشراكة مضاربة للتربح من علاج المرضى ببناء مستشفى متخصص لعلاج الأمراض المستعصية وبإشراك بعض الأطباء، وهذه شراكة همم. وقد تكون هناك مؤسسات خيرية يديرها متطوعون لجمع أموال الصدقات لإنفاقها على علاج المحتاجين في مثل هذه المستشفيات. وهكذا من أفكار لا تنتهي لأن الجميع مكتف، ولأن الطاقة الإنتاجية للمجتمع صُرف القليل جداً منها في الكماليات الفارهة، وصرف شطراً منها أو أكثر في الضروريات والحاجيات لأن التوسع الإنتاجي أفقي في المجتمع، عندها سيبقى الكثير من الطاقة الإنتاجية التي سيوجهها المجتمع لبناء المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق وما شابه من وفورات كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن الله.
ولا تعتقد أخي القارئ بأن التنافس ودفع الشريعة للتصنيع يعني أيضاً تسليع كل شيء وتصنيعه كما هي حال العولمة الظالمة التي تنتج حتى اللحوم مثلاً بكميات هائلة من خلال مزارع الدواجن مثلاً. فمع تغير التركيبة الاجتماعية إلى مجتمع من إنتاج الشريعة، وكما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، فإن المستوطنات ستتوزع على الكرة الأرضية دون ازدحام، عندها ولأن الناس أكثر تفرغاً بسبب التصنيع، فقد يتفرغون لإنتاج بعض مستهلكاتهم باستمتاع. فهناك من المستهلكات ما قد تُنتج منزلياً وبمتعة دونما تصنيع مثل تربية الدواجن وزرع بعض الخضروات وما شابه من متطلبات الحياة، إذ أن في إنتاجها في مكان واحد تصنيعاً وشحنها بعض التكلفة التي يود الناس الاستغناء عنها بالتمتع بإنتاجها. وبالطبع سترفض هذا القول لأن الذي في ذهنك هو أن تربية الدواجن في المنازل تجلب الأمراض وتفرز القاذورات. فأقول: إن وسائل التربية هذه لم تتح لها فرصة التطور لخدمة منزل أو منزلين دونما تلويث، بل تطورت تصنيعياً لتعطي إنتاجاً كبيراً كما هي حال مزارع الدواجن. ومع تطبيق الشريعة ستظهر البدائل التي ستركز على تربية نظيفة سليمة خالية من الأمراض في المنازل وبتقنيات عالية وبطريقة سهلة وحتى ممتعة للبعض. هكذا تزداد الحياة الطيبة متعة وانشغالاً بما هو أجدى لمن أراد أما من لم يرد، فالسوق سيعج بضرورياته لشرائها إن أراد دونما إنتاج منزلي حتى اللحوم منها فلا يحق لأحد منع مستثمر من إيجاد مزرعة للدواجن إلا أن ثبت ضررها على البيئة أو على الناس ودون تدخل الدولة وسيأتي بيان هذا في الفصل بعد القادم
١٢ الفصل والوصل
۱۷۲۹
بإذن الله). فالوعي الصحي بسبب تمكن الناس وتعلمهم قد يُثني المستثمرين من خوض مثل هذه الشراكات الضارة بالصحة أو بالبيئة. أي أن لكل موقع ما يلائمه من متطلبات لأن الكل يسعى للربح ويبحث عن الفرص كما سيأتي بإذن الله.
وما يجعل الحياة أكثر راحة مع تطبيق الشريعة هو توافر الخدمات. فكما هو معلوم، فإن الخصخصة تعني جودة أعلى وتكلفة أقل إلا أنها منهكة ومُستعبدة للعمال. ومع تطبيق الشريعة ولأن الجميع متمكن، ولأن هناك فائضاً في الوقت والمال لدى الكثير من الناس، ولأن الحياة لا تكون إلا بالإنتاج فقط، عندها فسيفكر البعض في استحداث مجالات جديدة للتكسب أكثر وبعزة، لهذا سيفكرون فيما لم يفكر فيه أحد من قبلهم. هنا قد تأتي جماعة بفكرة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية لبضعة منازل مثلاً كشراكة اغتنام بين عدة أفراد. فيظهر التفاني في العمل بين الشركاء لأن الربح لهم، وسيبادرون ويجتهدون ويبتكرون ويبدعون وبالتأكيد سينجحون، ثم إن نجحت تجربتهم سيقلدها الآخرون لأنها تغيرت من شراكة اغتنام إلى شراكات المقاولة أو الهمم إن أضحى مثل هذا التوليد للكهرباء من الضروريات. أي أن منع الشريعة بيع المنتجات إلا وهي منتهية سيدفع المجتمع لشراكات أكبر وذلك لأن توليد الكهرباء مثلاً بحاجة للكثير من المال حتى ينجز كمشروع، وهذا يؤدي للاضطرار للشراكة ما يؤدي لتوزيع أفضل للثروات وبطريقة أعدل.
وإن نجح مشروع كهذا وتحمس الشركاء، وإن كثرت مثل هذه النجاحات، وهي بالتأكيد ستكثر بفتح أبواب التمكين، عندها فإن هذه النجاحات المشتركة وانتشار أخبارها ستغرس في أبناء المجتمع سلوك وحب المخاطرة والإبداع، هكذا يتغير المجتمع من مجتمع عاطل يبحث أبناؤه عن اللهو والمخدرات والمجون والعبث إلى البحث عن المتعة في الإنتاج بجد ومثابرة وعزة وهكذا يندفع الشباب لشتى مجالات الإنتاج. فقد يتحمس بعض الشباب لبناء غواصة بمقدرة قتالية مبتكرة لثقتهم بمقدرتهم ولأنهم يدركون أنهم إن أوجدوا هذه الغواصة فستدحر الأعداء، عندها فسيظهر من الدعاة والأئمة من يحث الناس على جمع الأموال لشرائها. فيالها من شراكة اغتنام مجدية للشباب تأتي لهم بالربح وبالعزة. هذا يشارك بماله وذاك بعلمه وهؤلاء بخبرتهم في الغواصات السابقة وأولئك بعضلاتهم. عندها فسينخرط هؤلاء الشباب في إنجاح الغواصة وسيشعرون بنشوة عالية وهم يعملون فيها سوياً، فلا يكلون ولا يملون، بل يعملون ليل نهار لأنهم يتأملون قطف الثمرة إما من أجر أخروي أو مكسب دنيوي. حتى أن بعضهم سينظر للمشروع على أنه تحد علمي وتقني والثمرة في النهاية لهم. لهذا فسيشتعلون حماساً وإنجازاً. وهكذا تعتز الأمة، بيع وشراء في عزة مع راحة نفسية لأن الجميع لديه من الضروريات ما يجعله مبادراً مبدعاً منتجاً دونما استعباد. أما في أيامنا هذه، فمثل هذه الغواصة لن يفكر فيها أحد أبداً لأنها بحاجة لموافقة الحكومات التي بالطبع لن تسمح بصناعتها إلا بعد موافقة الحكومة الأمريكية. فياله من ذل.
لابد لي أخي القارئ من التذكير مرة أخرى بمسألة مهمة وهي: لعلك تضايقت من كلمة «منافسة» في هذا الفصل لأنك ظننت أن الناس بالتنافس فيما بينهم إن طبقت الشريعة سيتناحرون لأن الشريعة تضعهم في وضع تنافسي للمزيد من الإنتاج فأقول: إن الفرد إن أراد التقدم في الأنظمة البشرية فإن هذا قد يكون على حساب الآخرين هذا إن لم يكن عليه دهسهم لأن هنالك من يقفون أمامه كعقبة أما إن طبقت الشريعة فإنه لا أحد أمام من أراد العلو فالطريق مفتوح. وكل ما عليه هو شحن نفسه والتغلب على كسله. ولأن الطريق مفتوح، فإن الكل
۱۷۳۰ 🗏
المنافسة
سيتقدم إلا إن حبسه عذر قاهر كشلل عضوي أو تخلف عقلي. أي أن الإشكالية هي أن البشرية لم تذق طعم التي أرادتها الشريعة إلا في عهد الخلفاء وبعض الفترات مثل عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وبهذا فقد أخذت كلمة تنافس معنى تطغى عليه في الغالب صفة التزاحم على شيء نادر وبالتالي الضيق والقهر والألم للمتنافسين. ولكن تذكر دائماً بأن موارد الأرض أكثر من احتياجات البشر وهكذا من حركيات تؤدي إلى التنافس البناء. فالجميع بالقليل من العمل سيحصل على ما يكفيه، ولأن العمل عبادة ومتعة وإنجاز وبالتالي شعور بالراحة، فإن التنافس عندها متعة وحماس دونما قهر وألم . وبهذا يزداد عطاء الناس لمن أراد. أما من يُفضل الاكتفاء بالقليل ورضي به، وأراد إمضاء وقت أكثر في التعبد أو العلاقات الاجتماعية أو الأعمال التطوعية، فهذا أيضاً خير له بزيادة أجره. فالمجتمع ليس بحاجة لعطائه الإنتاجي السلعي لأن الخير المتوافر أكثر من كثير، فالأمة اقتصادياً مقتدرة، وعسكرياً متفوقة على الدوام لأن العمل العسكري عبادة، وعلمياً متقدمة لأن المعرفة مشاعة، وفوق كل هذا سلوكياً وأخلاقياً عظيمة، كما سيأتي بإذن الله.
أخيراً أريدك أن تتأمل هذه الآيات من سورة البقرة والتي وكأنها تلخص هذا الفصل، وسنأتي على تأويلها في فصل «البركة» بإذن الله. فهي معجزة، فهي تبدأ بالحث على الإنفاق ثم بأعظم آية، أي آية الكرسي التي تبين عظمة الله في كل شيء بما في ذلك حفظه للأرض ومن عليها من بشر والذي لن يكون إلا بشرع الله الذي لا يحق لأحد من البشر العيش من غير تطبيقه حتى وإن لم يكن مسلماً وإلا فسدت الأرض. وبهذا فهي تبين للمسلمين أن الذي عليهم فعله هو نشر الحكم بما أنزل الله حتى يتحرر البشر من الاستعباد حتى وإن استمر غير المسلمين على فلا إكراه في الدين ثم تحكي لنا الآيات ثلاث قصص عن الإحياء بعد الموت ثم تبين أهم مقومات الإحياء ومنها الإنفاق وتحثهم عليه وكأن في إنفاق الفرد حياة لأمته، ثم تحث الناس على ترك الربوا وتتوعدهم
أديانهم،
بالعذاب الشديد إن لم يتركوه وذلك لعظيم تدميره للمجتمع، ثم ترشدهم إلى الإشهاد في البيع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْل أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأَمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامِ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ
۱۷۳۱
١٢ الفصل والوصل
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الله يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ وَمَا أَنفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَنهُمْ لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالْيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوْا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ توَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمَلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
۱۷۳۲ 🗏
ما أروعها وما أجملها وما أعمقها في معانيها من آيات فهي تتودد للبشر وتناديهم وتناجيهم لما فيه خير لهم، وهم يصدون. فهم يتركون شرع الله للحكم بعقولهم القاصرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لندعو ولنقل أخي القارئ: اللهم حرر البشر، اللهم حكم شرعك على أرضك. ثم تدبر قوله تعالى في سورة البقرة أيضاً. فما أروعها من
آيات وتوجيهات وتحذيرات
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ الله وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَل الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وبهذا ينتهي هذا الفصل وهذه المرحلة من الكتاب بحمد الله (١٤٣٥/٤/٢٣هـ الموافق ٢٠١٤/٢/٢٣م). وباستطاعتك أخي القارئ القفز للفصل القادم لأن الآتي هو توضيح
أكاديمي.
النص أم العقل مرة أخرى
لعلك في آخر هذا الفصل تستنتج أيها القارئ إن كنت علمانياً بأن ما توصلت إليه ما كان ليظهر إلا باستخدام العقل. لذا فمن المنطق بالنسبة لك أن نقدم العقل على النص لأن العقل هو الذي أدى لهذه التوضيحات الاستنتاجية. وبالتالي لابد لنا مستقبلاً من تقديم العقل على النص لأنه هو الأساس بالنسبة لك. فأقول: ولكننا الآن وباستخدام العقل فهمنا ما تؤدي إليه الشريعة، فالعقل أداة فهم وليست أداة تشريع كما هو واضح. وهنا ستقول: ولكن الفهم الأفضل سيؤدي لتشريع أفضل مستقبلاً، وهكذا يتقدم العلم فأجيب: صحيح بأنني باستخدام العقل وضحت الحركيات، ولكنني إن لم أفعل، واتبع الناس الشرع دون توضيح لوصلوا إلى الحال الأمثل حتى وإن لم يُعملوا عقولهم في التشريع، بل فقط إعمال العقل في الابداع والابتكار لما ينتجون، وهذا هو المهم (وكنت قد قلت في فصل «قصور العقل» أن هذا هو السبيل الثالث في الحديث عن طبيعة القرار، فالشريعة أرادت مجتمعاً مسلماً محافظاً في قرارته التي تقع على الناس، وفي الوقت ذاته وضعت من الحركيات ما يدفع الأفراد لاتخاذ قرارات تتحدى الأعيان لتظهر الابتكارات). ولعلك تتعجب أيضاً من قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، لسبب هو: كيف يكون ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة وكل هذه التعقيدات التي نراها في كتب الشريعة من كلام الفقهاء وكما في هذا الكتاب أي كتاب «قص الحق»؟ فالناس الذين ينتجون بسطاء ولن يفهموا كل هذه التعقيدات عن الشراكة والإجارة وما شابه من عقود، فأين الرحمة في الشريعة وهي بهذا التعقيد؟ ولو كنت مكانك أقرأ كتاب «قص الحق» لقلت: لم كل هذا التعقيد التي يتطلب الكثير من التعقل للوقوف على تفاصيله المتداخلة؟ وأنى للبسطاء من الناس فهم كل هذا التعقيد (من نقاط عدل أو مستويات ظلم مثلاً) للمضي قدماً في الإنتاج؟ فأجيب: إن ما جعل الأمور بهذا التعقيد هو تراكم آراء المنظرين وتراكم الاجتهادات التي عقدت المسألة باستخدام العقل. وكما ذكرت سابقاً في عدة مواضع، فإن الإسلام أتى بشكل سهل ويسير على الأفهام، وإلا لما صار ديناً لجميع الناس. والدليل على هذا هو الافتراض الآتي: إن سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن أي
١٢ الفصل والوصل
۱۷۳۳
مصطلح معاصر من السياسة الشرعية مثل «ديوان الجند» أو «الماحوز» أو «الطوى»، لحار فيهما ولعله صلوات ربي وسلامه عليه يسأل : ما الحاجة لهذه المصطلحات ؟ فإن كانت هناك حاجة ولم يخبرنا عنها فهو إما أنه قد قصر والعياذ بالله، أو أنه نسي أن يوضحها لنا. وكلتا الحالتين بالطبع مرفوضتان لنا كمسليمن. ولعلك تتابع وتسأل: لماذا إذاً كل هذه الإطالة وكل هذا التعقيد في هذا الكتاب؟ فأجيب: لأن ما وضعه الفقهاء المتأخرون، ومن بعدهم الاقتصاديون، ومن خلال كثرة الآراء، أوجد موروثاً فقهياً كبيراً معقداً، ولفك تعقيدات هذا الموروث لابد من المرور من خلالها لفكها مرة أخرى ليرى الناس البساطة. وإن لم يجابه الكتاب هذه التعقيدات الكثيرة بفكها، فلن يلتفت أحد لطرح الكتاب لأنه لن يكون مقنعاً للفقهاء والاقتصاديين. فهم قد يقولون: لم يناقش جميل أكبر كذا، وترك تلك، وتلافى هذه. وكما سترى من باقي الكتاب فإن كل ما يحتاجه البشر هو القرآن الكريم والسنة المطهرة ببساطتهما التي تتطابق مع الفطرة ودون إضافة أي من الأحكام عليهما، بل ترك الشريعة للناس ولأفهامهم والذين بالتأكيد سيختلفون عليها فيما بينهم. وإن اختلفوا في الفهم فهم في دائرة ضيقة لن تؤثر على الإطار الأكبر الذي يثبته القرآن الكريم والسنة المطهرة مثل تحريم الربوا. لا ننسى أيضاً كما مر بنا، فإن ترك الناس لا يعني الفوضى، بل تطبيق الشريعة سيوجد الأعراف في جميع المستويات. ولعلك تتابع، ولكن لابد من الفصل في هذا الخلاف في الفهم بين الناس لأنهم قد يضيفون في الدين ما ليس منه، كابتداع نكاح المتعة عند الشيعة مثلاً. فأجيب: إن سألت أي إنسان مهما كان دينه فهو بالفطرة سيستنكر نكاح المتعة. وأثاب الله العلماء في دحض مثل هذه الترهات، ولكنني أتحدث في هذا الكتاب عن الحقوق التمكينية المالية، وهي التي أتت بها الشريعة مكتملة وسهلة وميسرة كباقي فروعها مثل حيازة المعادن وتلافي الدولة لسك العملات وتلافي الضرر الذي لن يختلف عليه اثنان إن ظهر مثل ضرر الدخان أو الرائحة، وإن اختلفوا فإن المرجع هو القضاء والذي سيعود بالتأكيد لأئمة المذاهب الأربعة. لذا يجب ألا نتدخل بالفصل بين الناس في مفاهيمهم التفصيلية والفتوى فيها لأن الأساس قد بين في الكتاب والسنة والتي فصلتها أقوال فقهاء السلف، ذلك أن مثل هذه الفتاوى ستتراكم لتظهر وكأنها جبل فقهي صعب التسلق. لنأخذ مثلاً التعاملات في صفقات التحوط، فهي طريقة استثمارية مستحدثة، لذا كما يقول الكثيرون، لابد لنا من دراستها إما لرفضها أو لتكييفها لتلائم الشريعة. فأجيب: لقد ظهرت الحاجة لدراسة مثل هذه العقود لأننا لم نطبق الشريعة أصلاً فتجمع المال عند طبقات فاستوردت وجوه الشياطين (البنوك) مثل هذه العقود التي تهافت عليها الناس لاستثمار أموالهم المكدسة فظهرت الحاجة للفتوى في هذه البلوى. فظهر فرع جديد في علم الاقتصاد الإسلامي ليكبر الجبل الفقهي، وبمرور الزمن سيكبر هذا الجبل أكثر ليسحب الفقهاء والناس على التركيز على التفصيلات في الجبل الذي يقف حاجزاً بين الناس وفهم الإسلام السلس البسيط الذي لن يستطيعوا رؤيته بسبب هذا الجبل. فإن طبقت الشريعة ببساطتها لما ظهرت الحاجة لمثل هذه الصفقات لأنه لن يُقبل عليها أحد كما سترى بإذن الله لأن الإسلام ببساطة هو حيازة للخيرات وإنتاج لها وبيعها وبطريقة سهلة فهماً وعملاً. أي أننا لسنا بحاجة لقراءة أي شيء كما سأثبت لك بإذن الله في فصل «المعرفة» غير القرآن الكريم والسنة المطهرة والتي بينوها لنا فقهاء السلف والانطلاق في الإنتاج. أي باختصار فإن التعقيد هنا هو لفك الموروث الكبير المعقد والذي ما ظهر إلا لأن الشريعة لم تطبق من قرونها الأولى. ولعل السياسة الشرعية خير مثال كما مر بنا في فصل «المكوس».
ث
وللتوضيح بمثال: تصور أن هناك وادياً للسعادة والاستدامة في منطقة أخرى، وهناك طريق للوصول لهذا الوادي من موقعك الذي أنت فيه، وهذا الطريق تتفرع منه عدة طرق، ومن كل تفريعة تظهر تفريعات أخرى
١٧٣٤ 🗏
وكأن الطرق جذوع شجرة بأغصان لا تعد وأنت في جذع الشجرة الرئيسي تريد الوصول لطرف أحد الأغصان، فكيف ستصل إلى ذاك الغصن أو ذاك الوادي بكثرة هذه الطرق التي تتفرع أكثر وأكثر؟ والإجابة من خلال العلامات على الطريق إن وُجدت فإن وضع خط بلون مميز في الطريق وقيل لك: اتبع هذا اللون لتصل إلى وادي السعادة، فستسير باتباع الخط الملون لتجد نفسك في وادي السعادة وبغض النظر عن كثرة التفريعات للطرق. وهذا عادة ما يحدث في المستشفيات بالقول للمريض: اتبع اللون الأصفر في الطرقات لتصل إلى قسم الأشعة، وهكذا. وهذه العلامات التي وضعتها الشريعة هي قال الله جل جلاله وقال المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. والتفريعات عنها هي الاجتهادات والاستحداثات. فالديوان استحداث مثلاً سحب الناس من الطريق المستقيم إلى طریق آخر نتجت منه تفريعات وأسلمة المعاملات البنكية استحداث سحب الناس من الصراط المستقيم، ومنع الإحياء استحداث، وامتلاك الدولة للمعادن استحداث، وهكذا تراكمت الاستحداثات وتعقدت الأمور لنخرج عن الصراط المستقيم، فكان لابد من فك هذه التعقيدات بهذه الإطالة في الكتاب للعودة للصراط المستقيم بإذن الله. لقد كان هذا الفصل عن الفصل في الأموال، أما الفصل القادم فهو عن الفصل في الحكم إذ أن الحكومات سيطرت على كل شيء دون وجه حق فتشكل الإطار الذي قيد الناس والذي سيظهر بوضوح بإذن الله في الفصل الذي يليه الذي يركز على الموافقات وتأثيرها على التنمية إذ أن السلطات سيطرت على خيرات الأرض ومبادرات الناس وابداعاتهم وانطلاقاتهم للإنتاج. فكان القصور في الإنتاج وكان الفقر والجهل والتخلف.
هامش
ث٤) وكمثال على جبل ظهر مؤخراً : أثار الدكتور أسامة القاضي من لا نصدر صكوكاً إسلامية . قال : وهل هناك صكوكاً إسلامية؟ قال: الولايات المتحدة الأمريكية في برنامج الشريعة والحياة إشكالية نعم. ورجل أيضاً، يعني، طبيعة، الحمد لله، يعني ناس طيبين، قال: المستحدثات المالية مثل بيع فيوتشرز أو العقود المستقبلية future خلاص رشح لي قال خلي نجيب فلان. أنا رحت فالتقيت وعقود الخيار option وعقود هيدج hedg funds في ظل العولمة بمستشاره الخاص الاقتصادي. قال ممكن هناك صكوك؟ قلت: نعم. والثورة التكنولوجية وأن على فقهاء الشريعة إيجاد المخارج الفقهية قدراً، أنا كان المجمع الفقهي الإسلامي طلب مني البدائل عن لتواكب الشريعة العولمة. فكان رد الضيف في الحلقة وهو الدكتور الصكوك. فكان المستشار الخاص الاقتصادي يقول : يا دكتور علي، علي قرة داغي كالآتي ليوضح امكانية ذلك !!!" أنا أتحداك في أمرين في الصكوك، كيف تجد لي ضمان والشريعة
«حقيقة، يعني، هناك إن صح التعبير فلسفة للإسلام في كيفية معالجة الإسلامية لا تعترف بالضمان في الاستثمارات، وكيف تجد لي نسبة هذه القضايا المستجدة، وبالتتبع والاستقراء كما يقول الإمام محددة والشريعة الإسلامية ... قلت: لا، كلا الموضوعين لها [لهما] الشاطبي والإحصائيات، دائماً ، القضايا المتطورة جداً، الإسلام، آه، حل. على سبيل المثال: بالنسبة للضمان، ممكن الدولة تضمن وإحدى الشريعة الإسلامية المتمثلة بالقرآن والكريم والسنة الصحيحة الوزارات تُصدر. وبالنسبة لمسألة النسبة، ممكن نعملها عن طريق تكتفي بمسألة الثوابت ومجموعة من المبادئ العامة، وتترك مجالاً صكوك خاصة بالإيجار المنتهية بالتمليك، يعني، فأنا قصدي، حتى كبيراً جداً للاجتهاد. في حين القضايا الثابتة، يعني مثل قضايا الأسرة مسألة الأوبتشن الذي فيه ضرر، الذي أشار إليه الأخ الكريم، أو قضايا العبادات، قضايا، حتى الأسرة التي هي قضايا عادية، لكن الفيوتشرز ، أو المستقبليات، نحن حقيقة في فيوتشرز عندنا مجموعة الشريعة تدخل في تفاصيلها. فطبعاً كلّما تركت الشريعة مجالاً من البدائل : عقد السلم وعقد الاستصناع، وعقود مستقبلية، وبيع للاجتهاد، معناه كلما كان هناك مجال للتطور أكثر. فلذلك مجال العربون، حتى بالنسبة للأوبتشن، ولكن الأوبتشن الذي حرمه الفقه الإسلامي حقيقة في باب الاقتصاد، وبالذات في المعاملات الإسلام يمكن إذا كان قائما على مجرد حق صعود ونزول، نوع من المالية، جداً واسع والثوابت فيها قليلة جداً، والمرونة فيها كبيرة المقامرات، فكل ما فيه منفعة كما يقول الإمام ابن ... أينما تكن حتى نحن في مجمع الفقه الإسلامي من يوم يعني حوالي أكثر من المصلحة فثم شرع الله، ولكن أي مصلحة، مش المصلحة التي أنا ثلاثين أربعين سنة، من يوم تعرض علينا مختلف المستجدات، لم نعاني أقدرها المصلحة الحقيقية للمجتمع، ولهذا، فلذلك، الفقه فعلاً يوما من الأيام من مشكلة أننا لم نستطع أن نحلها. حتى مرة من يواكب العصر. وإذا كان فعلاً بعض المنهجيات لا تحقق هذه المرات، أنا حدث معي أن أحد الحكام في دول الخليج أراد أن يصدر المواكبة، هذه مسؤولية هذه المنهجيات، وليست مسؤولية الفكر صكوكاً، فكان أحد المستشاريين جزاه الله خيراً قال: والله لماذا نحن الإسلامي» (٣٠٦).
6