الأموال
تحذير
هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.
الفصل الخامس
الأموال
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
التحرر
إن من أكبر المثبطات للإنتاجية قتل همم أفراد المجتمع تحت شعار الديمقراطية أو غيرها بسطو الدولة ومؤسساتها على الأموال التي يكسبها الناس، فتخبو بذلك حركة الحياة ويضمحل الإنتاج. وسنرى في هذا الفصل والذي يليه كيف أن الإسلام دين حرر الفرد مالياً من جميع القيود لينطلق في العطاء دون مثبطات تأكل فيه الدولة ما يجمعه الفرد الكادح من مال بطريقة لصوصية وتحت مسميات حداثية عصرية تبدو وكأنها قانونية كالضرائب والجمارك والرسوم ونحو ذلك لتصرف في رواتب واستقبالات واجتماعات ومشروعات لا يستفيد منها هذا الذي أخذت منه. أو كما وصف أبو الحسن الندوي رحمه الله الوضع بأن قال بأن هذه الأموال التي
«تجتمع بعرق جبين الفلاحين والعملة والصناعين والتجار الذين يشتغلون ليل نهار في متاجرهم ودكاكينهم وتصرف هذه الأموال بسخاء - بل بقسوة نادرة، ووقاحة زائدة – في استقبال رؤساء الجمهوريات الزائرين للبلاد، وفي ولائمهم التي تشبه ولائم «ألف ليلة وليلة» الخيالية الأسطورية، وفي المهرجانات التي يحتفل بها بين حين وحين، وفي مآدب السفارات في البلاد الأجنبية التي تجري فيه الخمر جري الأنهار، وفي دعايات الحكومة التي تستنفد موارد الشعب وتمتص دماءه، وتحول بين رجل الشعب وقوته، وفي جعالات الصحفيين الأجانب، ووكالات الأنباء، ورواتب المذيعين البارعين الذين حذقوا فن تلفيق الأخبار واتهام الأبرياء وتشريح الأحياء من المنافسين والأعداء وتكاليف الصحف التي تعتبر أهم وأنفع من أقوى الجيوش وأحدث الأسلحة، فما من حكومة شعبية ديمقراطية، ولا من حكومة شيوعية أو اشتراكية إلا وهي تمتص دم الشعب كالإسفنج، وتصبه في بحر الدعاية والرشاء السياسي والتلبيس الصحفي ومحاكمة المعارضين ...».
وقد يقول قائل: «إلا أن الأموال ليست جميعها تصرف هكذا. فهي تصرف على المشروعات. فلابد لكل مشروع تقوم به الدولة من فائدة للجميع حتى وإن لم تكن بطريقة مباشرة. فعندما تقوم الدولة مثلاً بتعبيد طريق في مدينة شمال الدولة فسيستفيد منها من هم في جنوبها لأن هذا الطريق سيسهم في رفع دخل المستفيدين منه مباشرة، وهؤلاء سيدفعون رسوماً أكثر للدولة ومن ثم قد تقوم الدولة بمشروع لمن هم في جنوب الدولة، وهكذا». فأقول: إن هذا لمنطق رأسمالي مبني على عقل بشري قاصر سأدحضه في الفصول القادمة بإذنه تعالى.
۲۳۷
۲۳۸ 🗏
لقد تحدثنا عن متطلبات التمكين وقلنا إنها الموارد والموافقات والمعرفة. وهذا الفصل والذي يليه هو أيضاً
عن الموارد ولكن بالتركيز على الأموال التي تأخذها الدول من الناس ولقد نُشرت الكثير من الدراسات المعاصرة عن الأموال. إلا أنني سأحاول تلافيها لسبب واضح هو أن معظم هذه الدراسات قد تأثرت بفكر لا يمكنه أن يرى وجود مجتمع دون دولة ذات مسؤوليات تأثرت بمؤسسات الحداثة. فمعظم الدراسات المعاصرة تقبلت فكرة ضرورة الدولة. ولا خلاف على هذا، ولكن أي نوع من الدول أراده الإسلام لنا، وما هو حجم هذه الدولة، وما هو دورها، وما هي مسؤولياتها؟ ونظراً للقطيعة بين الإسلام والواقع المعاصر بسبب عدم تطبيق الشريعة، كانت الدولة بمفهومها العلماني أو بالأصح الغربي هي النمط المتبع مع الحاجة لبعض التعديل برغم ادعائها الإسلامية كما حدث في إيران مثلاً. ونظراً لأن للدولة مسؤوليات ومهام مستقاة من الفكر المعاصر، كان لابد للدولة من رجال ومؤسسات وبالتالي نفقات. وهذه النفقات لم تضع لها الشريعة منابع كما سترى بإذن الله، فمن أين سيأتي المال؟ لذلك حار الباحثون في مصادر هذه النفقات فتوقف علماء الشريعة عن مجابهة من يرفعون شعار ضرورة الدولة بمفهومها الحديث. فكما حدث من تغير في توجه العلماء في النظر للحقوق كما رأينا سابقاً، حدث أيضاً تغير لنظرة المجتمع للأموال من خلال جهود المفكرين (أو بالأصح الضالين الذين بدؤا في التأثر بما في غير الإسلام من أنظمة حكم، وبدأ الاستيراد ولأن المجتمعات الغربية هي المتمكنة ،اليوم، فقد أتت الدراسات من عندهم، فظهرت الأبحاث التي حاولت إيجاد مفهوم معاصر للدولة الإسلامية وحدود صلاحياتها من خلال مجالات كالسياسة الشرعية والاقتصاد الإسلامي وهكذا . ثم ظهرت الدراسات التي لم تمانع زيادة دخل الدولة لتتمكن من القيام بمهامها المستوردة. أي أن معظم هذه الدراسات قد تلوثت بالمنظور المعاصر للدولة (وسنوضحه في فصل «المكوس» بإذنه تعالى). لذلك كان لابد لي من العودة للكتب الأقدم التي تحدثت عن الأموال والتي هي أكثر نقاءً لاقترابها من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مثل كتب الحديث كصحيح البخاري وكتب الفقه الأساسية كالمغني والمجموع وكتب الأموال لأبي عبيد ولابن زنجويه وكتب الخراج لأبي يوسف ويحيى بن آدم القرشي. لهذا سأحاول تلافي كتب المحدثين قدر المستطاع إلا للنقد الذي لا مناص منه. وهذا القفز للماضي بالاقتراب من عهده صلوات ربي وسلامه عليه موقف قد أوصم فيه بأنني متعصب ولا عقلاني وسلفي. وهذا لا يهم. ولكن المهم هو تقصي الحق من حيث الأموال. لأن من ملك مالاً أكثر زاد سلطانه وقويت شوكته وتحكم في الآخرين. فطريقة قص الأموال ترسم حدود الحقوق كما سنرى بإذنه تعالى. وسنبدأ بفكرة موجزة عن الوضع المالي في العهد النبوي.
العهد النبوي
إن الوقوف على تفاصيل الإيرادات العامة للدولة في المدينة المنورة في عهده صلوات ربي وسلامه عليه ليس أمراً ميسوراً لعدم توافر سجلات عن الإيرادات وصرفها، غير أن الأهم قد حفظ والحمد لله، وهو مبادئ ورود الأموال للدولة ومبادئ .صرفها. فقد كانت هناك نفقات عن تجهيز الجيوش وإرسال البعثات واستضافة الوفود ونحوها من مصروفات. وبالإمكان تقسيم العهد النبوي لفترتين (كما فعل د. قحف)، الثانية التي كثرت فيها الفتوح وتدفقت فيها الأموال مقارنة بالأولى. ولعل الذي يميز الفترة الأولى هي تضحية المسلمين بكل شيء في سبيل نشر دعوة الإسلام، مثل تبرع الأرقم بداره ليكون مركزاً للدعوة بمكة المكرمة، وتمويل أبي بكر لرحلة الهجرة مع
هي
ه الأموال
۲۳۹
الرسول صلى الله عليه وسلم من ماله الخاص. ثم أتت الفترة المدنية التي تميزت أيضاً في بدايتها بالتضحية بجل الأموال للدعوة، فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والذي تنازل فيه بعض الأنصار عن نصف أملاكهم لإخوانهم المهاجرين. وكان هناك أهل الصفة الذين كانوا يعملون في التعليم والبعوث مقابل القليل من الأكل دونما مردود مالي. وهناك وثيقة وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم لجميع سكان المدنية المنورة تضمنت عدة بنود منها تضامن المؤمنين في إعطاء المعاقل (الديات) وفداء الأسرى وإعانة المثقلين بالديون وهكذا. ومما يميز هذه الفترة انعدام الضرائب كما استنتج د. قحف قائلاً بأنه «لم يُرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض أية جبايات أو ضرائب أو رسوم على أحد في المدينة رغم أنه - مثلاً - خط لهم سوقاً غير سوق يهود ولكنه لم يفرض رسوم استعمال لهذه السوق أو رسوم دخول إليها، ولا تروي لنا السيرة النبوية أية وظائف أو واجبات مالية قبل فريضة الزكاة». كما أنه صلوات ربي وسلامه عليه برغم حاجته وأصحابه للمعونة (فقد ورد أنه كان يبيت جائعاً حتى ليربط على بطنه الحجر) فلم تُذكر حالة واحدة، كما يستنتج د. قحف، «حول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الحث على العطاء التبرعي إلى إلزام إجبار رغم أن الممالك المجاورة كانت تفعل ذلك وتفرض الضرائب بأنواع متعددة، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف ذلك جيداً وهو التاجر الذي كان يحمل مال خديجة (رضي الله عنها) إلى الشام»."
أما بالنسبة للفترة الثانية من العهد النبوي التي تميزت بكثرة الأموال، فقد كثرت فيها الفتوح وتنوعت الإيرادات وتم فيها فرض الزكاة على المسلمين والجزية على النصارى وفتحت خيبر التي خصص الرسول صلى الله عليه وسلم نصف أرضها لما ينوب مصالح وحاجات المسلمين وكثرت عطايا الرسول صلى الله عليه وسلم من الغنائم. وهكذا بدأت تظهر ملامح الدولة الإسلامية مالياً. لذلك لابد من توضيحها ببعض التفصيل، وسنبدأ بأمواله صلوات ربي وسلامه عليه.
أمواله صلى الله عليه وسلم
لماذا التركيز على أمواله صلى الله عليه وسلم في كتاب يحاول الوقوف على المنظور الإسلامي للتمكين؟ والإجابة: إن آيتي الفيء والغنائم تقصان جزءاً من الأموال للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، قال تعالى: ﴿ما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ....﴾ وقد يأتي زمان ويقوم فيه بعض من يدعون التفقه بتنصيب ولي الأمر مقام الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار الرسول حاكماً للمسلمين آنذاك، كأن يقولوا أن ما كان للرسول شرعاً من حقوق مالية فهو بالتالي للسلطان، لهذا وجب علينا أولاً أن نرى ما فعل صلوات ربي وسلامه عليه بأمواله. لم يدخر الرسول صلى مالاً لنفسه أو لأهله فيقول أبو عبيد في الأموال الخالصة للرسول صلى الله عليه وسلم دون سائر الناس أنها من ثلاثة مصادر: «أولها ما أفاء الله على رسوله من المشركين، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وهي فدك وأموال بني النضير، فإنهم صالحوا رسول ) الله الله عليه وسلم على أموالهم وأرضيهم، بلا قتال كان منهم، ولا سفر تجشمه المسلمون إليهم. والمال الثاني الصفي الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصطفيه من كل غنيمة يغنمها المسلمون قبل أن يقسم المال. والثالث خمس الخمس بعد ما
الله .
عليه وسلم
صلی
٢٤٠ 🗏
تقسم الغنيمة وتخمس، وفي كل ذلك آثار قائمة معروفة». وقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فِي أَموال بني النضير كما ذكرنا في الفصل السابق والتي تم افتتاحها صلحاً وأجلاهم الرسول وأخذ أموالهم، فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسمها فنزلت الآية. قال القرطبي: فجعل أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها بين المهاجرين». وذلك أن المهاجرين كانوا قد تركوا ديارهم وأموالهم. وكما هو معروف فقد ترفع صلوات الله وسلامه عليه عن جمع المال لنفسه، بل كان همه الإنفاق في سبيل الله. ففي صحيح البخاري توضيح لنصيب الرسول صلى الله عليه وسلم من أموال بني النضير بأنها: «... كانت لرسول الله خاصة، ينفق على أهله منها نفقة سنته ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله». والكراع هو اسم لجميع الخيل والسلاح. وفي رواية أبي داود من طريق أسامة بن زيد عن ابن شهاب: «كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزاها بين المسلمين ثم قسم جزءاً لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين».
أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدخر أو يستثمر شيئاً لنفسه أو لأهله في حياته إلا نفقة أهله لسنته.
۱۰
حتى الذي هو له صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتركه. تأمل قول ابن عباس: «كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس : فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد مقسم على أربعة فربع الله ولرسوله ولـذي القربى، يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (فما كان الله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم) ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئاً. والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل؛ وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين». وعن عطاء بن أبي رباح قال: «خمس الله وخمس رسوله واحد». حتى وإن أخذ من المال ما يحتاج لنفقته فقد كان أخذه مترفعاً. فلم يكن يختار نصيبه من الغنائم. فقد كانت المغانم «تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له ولا يختار». أما بالنسبة لما كان للرسول من الفيء فتأمل هذا الحديث الذي رواه أبو داواد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع وبرة من بعير فقال: (ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، وهو مردود عليكم)».١٢
رضي الله
عنهم
فيما
أفاء الله
أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتصرف في الأموال فقط فيما هو في حاجته أو حاجة من يمونه دونما أي ادخار، وهذا الاستنتاج للعلماء هو من حديث طويل في صحيح البخاري عندما أتى علي والعباس يختصمان إلى عمر على رسوله من مال بني النضير، فقال عمر رضي الله عنه: «... إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ – إلى قوله - قَدِيرٌ﴾، فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة . من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ...». ويسرد ابن حجر الآراء المختلفة المستنتجة من هذا الحديث فيقول: «واستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يملك شيئاً من الفيء ولا خمس الغنيمة إلا قدر حاجته وحاجة من يمونه، وما زاد على ذلك كان له فيه التصرف بالقسم والعطية. وقال آخرون: لم يجعل الله لنبيه ملك رقبة ما غنمه،
۱۳
سنتهم
ه الأموال
٢٤١
وإنما ملكه منافعه وجعل له منه قدر حاجته، وكذلك القائم بالأمر بعده ....».
١٤
وكما هو معلوم فإن المسلمين كانوا فقراء في أول عهدهم وبالتدريج ازدادوا ثراءاً. فكانت أوج قوة المسلمين مالياً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هي أيامه الأخيرة. ومع ذلك فإن هناك رواية تقول بأنه توفي صلى
10
الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير. وأخيراً تأمل هذا الحديث عندما طلبت فاطمة ابنة الرسول صلى الله خادماً. عليه وسلم منه . ففي صحيح البخاري: «أن فاطمة عليها السلام اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن، فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسبي، فأتته تسأله خادماً فلم توافقه، فذكرت لعائشة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: (على مكانكما). حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتماه، إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثالثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه). فتأمل كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم فضل دفع السبي بعد بيعه لأهل الصفة والأرامل وليس لابنته التي احتاجت لمن يعينها في الطحن .
صحیح
17
وقد أوصى صلوات ربي وسلامه عليه بالتصدق بما خُصص له في حياته. فقد روى البخاري أن رسول الله
۱۷
صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة». وفي البخاري أيضاً : أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، ...». وقد قام الحافظ ابن حجر بشرح الحديث مفصلاً بحيث لا يدع مجالا للقارئ أن ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذهب لأحد من خلفه إلا . لذلك لم يقم أبو بكر رضي الله عنه بتقسيم ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم. وكذلك فعل
الله عنه
من بعده. وقد اختلف الفقهاء في طريقة صرفه . ٢٠
۱۸
بمقدار ما يعينهم. عمر بن الخطاب رضي كما أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يورث ديناراً ولا درهما. ففي صحيح البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني». وعن عمرو بن الحارث قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما، ولا ديناراً، ولا عبداً، ولا أمة، ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة»، وفي موضع آخر من صحيح البخاري: «... وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة».
۲۲
وبعد ذكر مثل هذه الآثار استنتج أبو عبيد : فهذا ما بلغنا مما كان الله تبارك وتعالى خص به رسوله صلى الله عليه وسلم من المال دون الناس، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ذلك كله بذهابه، وصارت الأموال بعده عليه الصلاة والسلام على ثلاثة أصناف الفيء والخمس والصدقة وهي التي نزل بها الكتاب، وجرت بها السنة، وعملت بها الأئمة، وإياها تأول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ذكر الأموال»."" إن عبارة أبي عبيد: «ذهب ذلك كله بذهابه» تأكيد لما حاولت توضیحه وهو أن ما كان مخصصاً للرسول صلى الله عليه وسلم لا ينتقل لمن بعده من السلاطين. وقد وافق جمهور الفقهاء على هذا. فيقول ابن قدامة في الصفي مثلاً: وقال أكثرهم: إن ذلك انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم. قال أحمد: الصفي إنما كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصاً، لي أ، لم يبق
...»
٢٤٢
محال 🗏
بعده. ولا نعلم مخالفاً لهذا إلا أبا ثور ...».٢٤ ومن جهة أخرى فإن كان للحكام أسوة في الرسول صلى الله عليه وسلم في طريقة نفقته، فأولى بهم أن يخرجوا من هذه الدنيا كما تركها صلى الله عليه وسلم. وبالطبع فإن هذا أمر مع معظم السلاطين. ولعل الأهم من هذا هو قول أبي عبيد السابق بأن الأموال صارت على ثلاث أصناف: الفيء والخمس والصدقة. أي حتى تاريخ وفاة أبي عبيد سنة ٢٢٤ هـ لم تكن هناك أي مصادر مالية لبيت المال «شرعاً» سوى هذه الأصناف الثلاثة. ومن قول أبي عبيد نستنتج أيضاً أن ما كان للرسول صلى الله عليه وسلم من حقوق مالية لم تنتقل للخليفة من بعده. بل انتهت بوفاته صلوات ربي وسلامه عليه.
مصادر بیت المال
كما رأينا في فصلي «الأراضي» و «الخيرات»، فإن الدولة لم يكن لها إلا القليل من الأراضي مقارنة بما لدى الناس، ولم يكن لها مزاحمة الناس في استخراج المعادن؛ فمن أين تأتي الدولة بالأموال إذا؟ وهذا ما أوقع العلماء المعاصرين في حيرة! هذا هو موضوع هذا الفصل والذي يليه أخي القارئ هلا أعدت قراءة السابق مما كتبه أبو عبيد لأهميته: فالنص يؤكد على أنه لا مصدر لبيت المال سوى الأنواع الثلاثة (الفيء والخمس والصدقة)، ويلخص أبو عبيد هذه المصادر بطريقة بديعة فيقول:
وهي
۲۵
أسماء مجملة يجمع كل واحد منها أنواعاً من المال : فأما الصدقة فزكاة أموال المسلمين من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والحب والثمار . فهي للأصناف الثمانية الذين سماهم الله تعالى، لا حق لأحد من الناس فيها سواهم. ولهذا قال عمر : هذه لهؤلاء. وأما مال الفيء فما اجتبي من أموال أهل الذمة مما صولحوا عليه من جزية رؤوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرمت أموالهم، ومنه خراج الأرضين التي افتتحت عنوة. ثم أقرها الإمام في أيد أهل الذمة على طسق" يؤدونه، ومنه وظيفة أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا منها على خراج مسمى، ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها عليه لتجارتهم، ومنه ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات، فكل هذا الفيء. وهو الذي يعم المسلمين: غنيهم وفقيرهم. فيكون في أعطية المقاتلة، وأرزاق الذرية، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله. وأما الخمس: فخمس غنائم أهل الحرب، والركاز العادي وما يكون من غوص أو معدن: فهو الذي اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم : هو للأصناف الخمسة المسمين في الكتاب كما قال عمر : هذه لهؤلاء. وقال بعضهم: سبيل الخمس سبيل الفيء، ويكون حكمه إلى الإمام: إن رأى أن يجعله فيمن سمى لا الله جعله. وإن رأى أن أفضَلَ للمسلمين وأرَدّ عليهم أن يصرفه إلى غيرهم صرفه ....
۲۷
إن مقالة أبي عبيد هذه ملخص لما كان عليه الحال مالياً إلى زمانه شرعاً من وجهين: الأول هو كيفية ورود الأموال إلى بيت المال، والثاني هو كيفية صرفها، أي من حقوق من هي هذه الأموال؟ وفيما بقي من هذا الفصل سأشرح الصدقة أو الزكاة لتأكيد أنها كانت من حقوق الأصناف الثمانية شرعاً، وأنه ليس للإمام التصرف فيها بغير
*** هامش ***
ب) قلت «شرعاً» لأنه كانت هناك بالطبع مخالفات من الحكام بفرض مكوس ما أنزل الله بها من سلطان بدأت مع العهد الأموي كما سيأتي في فصل «الديوان» بإذن الله.
ه الأموال
٢٤٣
ذلك. أي أن الزكاة شرعاً هي أموال من الناس وإلى الناس، وأنها وضعت لتؤخذ بطريقة تفصل بين الناس دون إحداث ضغينة، فلم تكن الزكاة مصدراً مالياً لبيت مال المسلمين. بل قد وضعت الشريعة حركيات في الزكاة تزيد من الإنتاجية في المجتمع. ثم في الفصل القادم سأشرح الفيء والخمس، فهما يمثلان مصادر الأموال التي في بيت مال المسلمين، والتي قد يكون للإمام التصرف فيها. وسنرى أيضاً كيف أن تلك الأموال أدت لمزيد من التمكين للناس.
الله
۲۸
وهنا ملحوظة، وهي أن هناك تقسيم آخر غير الذي وضعه أبو عبيد. ففي تفسير القرطبي: «وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة : مغنم أو فيء أو صدقة، وليس منه درهم إلا وقد بين موضعه». ثم يوضح القرطبي هذه الأنواع." ويقسم ابن قدامة الأموال بنفس الطريقة بقوله: «أن الأموال التي تليها الولاة من أموال المسلمين فإنها ثلاثة أقسام: قسمان يؤخذان من مال المشركين أحدهما الفيء: وهو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كالذي تركوه فزعاً من المسلمين وهربوا والجزية وعشر أموال أهل دار الحرب إذا دخلوا إلينا تجاراً، ونصف عشر تجارات أهل الذمة، وخراج الأرضين ومال من مات من المشركين ولا وارث له. والغنيمة: ما أخذ بالقهر والقتال من الكفار. والقسم الثالث الصدقة: وهو ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له وهو الزكاة ...».٣٠ والفرق بين التقسيمين هو أن أبا عبيد يضع الخمس في قسم لوحده، والخمس بالنسبة له ولفقهاء آخرين هو خمس الغنيمة وخمس الركاز معاً، أما ابن قدامة وآخرون فيضعون الغنيمة في قسم لوحده. وفي هذا الكتاب أحاول الجمع بين التقسيمن، ففي هذا الفصل سأشرح الصدقة أو الزكاة، وفي الفصل القادم سأشرح الغنيمة ثم الفيء ومصرفهما، وأخيراً سأوضح الخمس شاملاً الركاز لأن الفقهاء تعاملوا مع مصرف خمس الغنيمة والركاز معاً.
الزكاة
لقد كتب الكثير عن الزكاة، لذلك لن ندخل في تفاصيل شغلت بعض العلماء مثل السؤال عن النماء هل هو شرط أم سبب للزكاة؟ كما أننا لن ندخل في تفاصيل تهم الاقتصاديين كالبحث عن مضاعف الزكاة، فهذه أمور سنتطرق لبعضها لاحقاً. ولكننا سننظر في هذا الفصل الحركيات الزكاة عموماً كمقص للتمكين. ونظراً لأن هذا الكتاب لشريحة كبيرة من القراء، فسأوضح المسائل بتبسيط قدر المستطاع بتلافي المصطلحات الاقتصادية، وفي فصل «الفصل والوصل» بإذن الله سنضطر للتفصيل لبعض الظواهر الاقتصادية التي لا مفر منها لتوضيح مقصوصة الحقوق. ومقصوصة الحقوق كما قلنا هي بالبساطة التي وضعها الفقهاء توضيحاً للحلال والحرام في المعاملات اليومية، مثل البيع والربا والزكاة والإنفاق والاكتناز والقرض والميراث والشركة والمساقاة والمزارعة والصرف والإحتكار والوكالة والضمان والرهن والهبة والعارية والوديعة واللقطة والإحياء والارتفاق والصلح ونحوها من مقصات بين الحلال والحرام. ولعلك ستلحظ أخي القارئ أن ما سيأتي يتميز ببعض الاختلاف عما بحث فيه فقهاء جزاهم الله خيراً. فهم وضحوا أحكام الحلال والحرام دون الاضطرار لتعليل السبب وراء الحكم إلا إن أرادوا القياس بالعلة. وما كان هذا إلا لقناعتهم المطلقة بصحة الكتاب والسنة وصلاحيتهما لكل زمان ومكان. أما الفقهاء المعاصرون، ونظراً لأنهم يجابهون المجتمعات المعاصرة بأنظمتها العقلانية، فقد بحثوا في العلل لتبرير صلاحية الشريعة للمتطلبات المعاصرة في كل حكم. أما ما أحاول فعله في هذا الكتاب فهو توضيح بعض العلات
السلف
٢٤٤ 🗏
لفهم عملها مجتمعة بالتركيز على التمكين. ولأن هذه مهمة شبه مستحيلة لكثرة المعلومات الفقهية، كان لابد من انتقاء بعض الأمثلة لتوضيح بعض ملامح حركيات مقصوصة الحقوق. أي أنني سأوضح الزكاة بطريقة انتقائية لإبراز دورها كمقص للحقوق المؤدية للتمكين للأفراد وأنها ليست من حقوق السلطات.
الكريم.
۳۱
إن الزكاة هي الركن الثالث الذي بني عليه الإسلام. وقد قرنت بالصلاة في ثمانية وعشرين موضعاً في القرآن وهناك الكثير من الأحاديث التي تحث الناس على أدائها وتخوف الناس من عاقبة تركها. فهي معروفة للجميع في الإسلام. وهي تعني النماء والتطهير والبركة. وهي أمر مقطوع به في الشرع. وهي اسم جامع لما يخرجه الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء. ومن جحدها فقد كفر ." فقد قال عبد الله بن مسعود: «أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له». والزكاة في الشرع هي «اسم لأخذ شيء مخصوص من مال مخصوص على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة» . ٣٣ وهي إعطاء جزء من النصاب الحولي للمستحقين، وركنها الإخلاص، وشرطها ملك النصاب الحولي
٣٤
.«...
۳۳
وهنا ملحوظة: وهو أن المقصود بالصدقة في الآيات والأحاديث هو الزكاة أو ما يجب على المسلمين إخراجه. فيقول القرطبي مثلاً: «والصدقة م ة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض » . " وهذا غير صدقة التطوع، مثل الصدقة على الأقربين أو لأعمال البر بكافة أنواعها. فهذه أموال تنتقل من مخرجها للآخرين مباشرة دون علم السلطة. والذي يهمنا هنا هو الزكاة، أي ما يجب أن يخرج من مال الإنسان والذي يمكن أن يكون ذريعة لذهاب الأموال لبيت المال. ومن هذه الأموال ما يؤخذ من عروض التجارة كالمصانع والمتاجر، وما يؤخذ من الخارج من الأرض كالثمار والمعادن، وما يؤخذ من مقتنيات الناس النامية غير المخصصة للتجارة كالأنعام."
إن أول ملحوظة على الزكاة هي أنها كلمة برغم انتشارها في الشريعة إلا أن الكثير من الناس لا يعرفون فقهها الآن لأن أكثرهم فقراء بسبب ثراء الدول. فالناس لا يؤدون الزكاة لأنهم لا يستطيعون، فالكثير منهم لا يملكون المال ليحول عليه الحول. فمنهم من يعيش على مبلغ يحصل عليه آخر الشهر كأجر مقابل عمله لدى الدولة أو لدى شركة ما، فلا ادخار لديه ليستثمره، أما الباقون فهم فقراء. ففي عام ۲۰۱۱م مثلاً كان ٤٠٪ من سكان مصر تحت خط الفقر. لهذا بقي علم الزكاة في زماننا هذا في الكتب ولم ينتشر كعرف بين الناس كما يجب. لقد قلت: «إن أكثر الناس فقراء بسبب ثراء الدولة»، وهذا لا يعني أن الدولة والناس نقيضان، وأن ثراء أحدهما لابد وأن يعني فقر الآخر. فالمسألة نسبية، فثراء الناس قد يؤدي لثراء الدولة كما هو حادث في بعض الدولة الصناعية الغربية التي تعيش على الضرائب من الناس. لكن الإسلام رسم لنا صراطاً أفضل مما هو في الغرب كما سنرى بإذنه تعالى. فأي أمة معاصرة تتكون من شقين: شق الشعب أو الناس، وشق الدولة أو السلطة. ففقر الناس لابد وأن يؤدي إلى فقر الأمة وضعفها. أما ثراء الناس فسيؤدي إلى ثراء الأمة شاملاً بذلك الدولة كما سنرى عند تطبيق الشريعة. لذلك، فعندما يزداد ثراء الناس تزداد زكاتهم وتقوى الأمة. أي أن الزكاة مؤشر على صحة المجتمع المسلم. فكلما زادت نسبة الأفراد المستطيعين للزكاة زادت قوة الأمة، أو أن تلك الأمة في طريقها للعزة بغض النظر عن كمية المال المزكى، ولكن المهم هو نسبة السكان الذين تجب عليهم الزكاة. انظر من حولك الآن واسأل، ما هي نسبة من عليهم إخراج الزكاة؟ إنهم قلة من التجار، لذلك تجد المسلمين في ضعف وهوان. أما إن طبقت الشريعة، فكما رأينا في فصل «الخيرات»، فإن الجميع سيعمل، وعندها سيكثر المزكون ويقل المحتاجون، وهؤلاء المحتاجون
ه الأموال
٢٤٥
هم العجزة الذين لا يتمكنون من العمل، أو هم الأفراد الأقل ذكاء، أو هم ممن أصابتهم كارثة في أموالهم، وهكذا. ولهؤلاء ولغيرهم كالغارمين فرضت الزكاة. وفي المقابل، كلما زاد ثراء الدولة بالضرائب كلما تمكنت من توظيف عدد أكبر من الناس لتشغيل الأموال التي حصدتها، وهكذا يزداد العاملون لدى الدولة، وهؤلاء من ذوي الدخل المحدود الذين لا يدفعون الزكاة، وبهذا تضعف الأمة رويداً رويداً لانخفاض نسبة المزكين. وأرجو أن تلحظ أن هذا لا ينطبق على الدول الغنية بالموارد الطبيعية كالنفط مثلاً، لأن ثراء تلك الدول ليس بسبب إنتاج الناس ولكن من بيع الموارد الطبيعية، وقد لا ترى فقر سكان هذه الدول لأن الدولة التي تملك الكثير تستثمره في تشغيل سكانها الذين يستهلكون دونما قاعدة إنتاجية صناعية تمكنهم من الاستمرار في مستوى معيشي رغد إن نضبت هذه الموارد، وكان بالإمكان لهذه الأمم أن تكون أكثر عزة ورغداً وقوة إن هي حكمت بالإسلام، أي إن تركت الدولة الموارد للناس لاستخراجها كما سترى في الفصول القادمة بإذنه تعالى.
۳۸
أما الملحوظة الثانية فهي أن الزكاة ستكون المصدر الأهم لبيت المال إن توقفت الفتوحات. فلا غنائم هناك لتؤخذ ولا فيء ليقسم إلا القليل جداً. ماذا عن المصادر الأخرى التي كان من المفترض بها أن تستمر في حالة قوة المسلمين كالجزية وما يؤخذ من تجارات غير المسلمين؟ إن هذه المصادر كما سنرى في الفصل القادم بإذن الله، إن لم تكن هناك فتوحات، تكاد لا تقارن من حيث الدخل بالزكاة التي هي فرض على كل من امتلك النصاب من المسلمين. من هنا تأتي أهمية باقي هذا الفصل إذ أنه يوضح أهم مقص مالي مفروض على المسلمين. أو حتى يمكننا القول أن الزكاة هي المال الوحيد المفروض على المسلمين إخراجه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك). ولقوله في حديث آخر ضعيف إلا أن البيهقي احتج في معناه: ليس في المال حق سوى الزكاة). و إن سألت أي عالم من علماء السلف: هل هناك ضرائب أو التزامات مالية فرضها الإسلام على الناس سوى الزكاة في الظروف « الاعتيادية» ؟ لقال لك : لا ، إلا زكاة الفطر والكفارات والحث على الإحسان للأقارب وما إليها من صدقات اختيارية، أو قد تكون صدقات إلزامية كما يرى بعض الفقهاء كإكرام ابن السبيل والتصدق على الجار. وفي جميع هذه الحالات فإن الصدقة تخرج من المالك للأفراد المعنيين مباشرة دون حتى علم الدولة. أي أن الوضع إن طبقت الشريعة ليس كأيامنا هذه التي ملئت تعاملاتها بالرسوم من جمارك وضرائب لا تنتهي، ناهيك عن امتلاك الدولة لكل الموارد الطبيعية. أما إن سألت مفكراً اقتصادياً أو بعض علماء الشريعة المعاصرين لقالوا لك غير ذلك. فمنهم وهم الأكثر بروزاً في الإعلام يرى أن هناك حق في المال سوى الزكاة، وما كان هذا إلا لأنهم تأثروا بالمنظور الحداثي لمفهوم الدولة. لذلك لابد من بعض التوضيح ثم العودة لموضوع الزكاة. أما إن كنت مقتنعاً
أخي بأنه لاحق للدولة في فرض الضرائب فبإمكانك القفز إلى عنوان «الاقتصاديون المعاصرون» في هذا الفصل.
*** هامش ***
ج) قلت: «ما هي نسبة من يستطيعون أداء الزكاة»، ولم أقل (د) وفي فتح الباري: «... عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «يؤدون الزكاة». فهناك فرق بين الاستطاعة والأداء. انتبه: فقد بلفظ «كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، يستطيع فرد دفع الزكاة وتكون مستحقة عليه ولا يفعل. ففي أيامنا وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض»، هذه برغم قلة نسبة من يستطيعون الدفع فإن الذين يلتزمون بالدفع أورده مرفوعاً ثم قال: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه وهذا يؤيد ما أقل. لكن عندما تزداد نسبة من يستطيعون الدفع كما أرادت تقدم من أن المراد بالكنز معناه الشرعي. وفي الباب عن جابر أخرجه الشريعة بزيادة نسبة الملاك في المجتمع ستزداد نسبة من يقومون الحاكم بلفظ «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» .... وعن بالدفع فعلاً ليسمو المجتمع دينياً وأخلاقياً كما سنرى في الفصول أبي هريرة أخرجه الترمذي بلفط «إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك». وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم، وهو على شرط ابن حبان ...» (۳۷).
القادمة بإذنه تعالى.
٢٤٦ 🗏
في المال حق سوى الزكاة
هل بالإمكان إيجاد دولة معاصرة دونما إيرادات تنفقها الدولة على نفسها وعلى مصالح الناس؟ سيقول لك
معظم الباحثين، إن لم يكن جميعهم بالطبع لا . ويجب ألا نلومهم على ذلك. ك. فالوضع المعاصر قد تلوث بمركزية القرارات في الدولة فأصبحت هي المسير لكل شيء. فمن المحال أن تكون دولة دونما نفقات، ومن أين تأتي النفقات إن أقفلت الشريعة الأبواب من منابعها؟ لذلك كان لابد من فتحها !! فوجد العلماء أنفسهم في أزمة، وللخروج منها تعلق بعضهم بأي دليل نصي مهما ضعف حتى يظهر الإسلام وكأنه دين مرن يلائم العصر الحداثي الذي لا يمكن أن يستمر دونما نفقات كبيرة للدولة وبالتالي دونما إيرادات. ومن هذه النصوص قوله صلى الله عليه وسلم: (في المال حق سوى الزكاة والذي أسيء استخدامه كما سأوضح بإذن الله.
۳۹
هناك حديثان: الأول نصه: ليس في المال حق سوى الزكاة، والثاني نصه في المال حق سوى الزكاة). وكما ترى فهما متعاكسان في المعنى. فبأيهما نأخذ؟ وهل يتعارضان كما يظهر من النص؟ لقد لخص د. قحف ما وضعه القرضاوي في كتاب «فقه الزكاة في أكثر من ثلاثين صفحة عن الحديثين بقوله أن الحديثين وردا في روايتين ليستا قويتين. وبالنسبة للمعنى، فستستنتج من الصفحات الآتية أن العلماء عندما فسروا نص الحديث الثاني حملوه على الحقوق الأخرى التي تجب في المال، مثل حق النفقة على الزوجة والأولاد والقريب والفقير وحق الضيافة. أي ستستنتج أن الحديث الثاني لم يُحمل من فقهاء السلف على أنه حق للدولة في أموال الناس، بل حق لبعض المحرومين في أموال الميسورين، وهذا التمييز جد مهم لأن هذا الاستنتاج يعني فقر الدولة مقارنة بالناس. وشتان بين الحالين. وهذا ما سأحاول توضيحه الآن وذلك بسرد حجج من نفى أن في المال حق سوى الزكاة أولاً ثم قالوا أن فى المال حق سوى الزكاة
أنك
أدلة
من
برغم أن القرضاوي يذهب لعكس الآتي إلا أنه لخص قائلاً: «ذهب كثير من الفقهاء (نسبه في «البحر» إلى الأكثر) إلى أن الحق الوحيد في المال هو الزكاة، فمن أخرج زكاته فقد طهر ماله، وبرئت ذمته، ولا يطالب بعدها بشيء آخر، إلا ما تطوع به رغبة في مثوبة الله وابتغاء زيادة الأجر. وهذا المذهب هو الذي اشتهر عند المتأخرين حتى لا يكاد يعرف غيره». ومما احتج به النافون هو ما رواه الشيخان عن طلحة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد، ثائر الرأس يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول، حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، فقال هل علي غيرهن ؟ قال : (لا إلا أن تطوع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وصيام رمضان). قال: هل علي غيره؟ قال: (لا إلا أن تطوع .... وذكر الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع). فأدبر وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق). أو دخل الجنة إن صدق». والحديث الثاني الذي احتجوا به هو ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، فقال: (تعبد الله لا تشرك به وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان . قال : والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا».٤٢ ففي الحديثين دلالة على أنه إن كان في المال حق سوى الزكاة ما استحقا الجنة مع تركه.
شيئاً،
٤١
ه الأموال
٢٤٧
٤٣
٤٤
ومن أدلتهم أيضاً ما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك. وفي هذا دلالة على أن قضاء الإنسان ما عليه في ماله يسقط حقوق الآخرين. ومثله (حديث رابع) ما أخرجه الحاكم عن جابر مرفوعاً: إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره ، وفي هذا أيضاً دلالة على أن تأدية الزكاة تذهب شر المال في الدنيا والآخرة، وهذا لا يكون إلا إذا أديت الحقوق ومثله أيضاً (الحديث الخامس) ما رواه الحاكم عن أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أكنز هو؟ فقال: (إذا أديت زكاته فليس بكنز ) . وكذلك ما أخرجه أبو داواد: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز. وأخيراً الحديث الصريح من قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة).
٤٥
بالنسبة لأسانيد الأحاديث السابقة، فكما يذكر القرضاوي فإن الحديثين الأولين لا مطعن فيهما لأنهما صحيحان، والثالث ضعف إسناده والرابع رجح وقفه والخامس في إسناده كلام. أما الحـديـث الأخير فقـد قـال القرضاوي عنه أنه حديث ضعيف ومردود لأن فيه خطأ وتحريف. ولم أحاول أخي أن أبحث في أسانيد هذه الأحاديث لأنني لست أهلاً لذلك، ولأنني إن فعلت ( من جهة أخرى)، أو تمكن آخرون من ذلك، فهذا لن يُقنع من ذهبوا بأن في المال حق سوى الزكاة. لذلك أخذت بما جمعه القرضاوي لدحضه لأنه من أشد الناس حماساً في الذهاب إلى أن في المال حق سوى الزكاة. وقوله هذا أثر في الكثير من الاقتصاديين الذين أخذوا برأيه ورأي آخرين ذهبوا مذهبه من المعاصرين باستخدام العقول فكانت مدخلاً لجواز فرض الدولة للضرائب على الناس، وبهذا التمكين للدولة مالياً تغيرت مقصوصة الحقوق من خلال استصدار الأنظمة والقوانين بحجة التنظيم باستخدام العقل القاصر، فانقلب الحال وكانت المذلة للمسلمين كما سترى بإذن الله . لذلك سأقوم بدحض ما جمعه القرضاوي. والآن سأسرد أدلة من قالوا بأن في المال حق سوى الزكاة. وأرجو أن تلحظ أن جميع الأدلة «لا» تشير من قريب أو بعيد أن للدولة أخذ هذا الحق في المال الذي هو من سوى الزكاة. بل هي أموال تذهب من الناس وإلى الناس دون المرور على الدولة، وهذه من أهم صفات المجتمع المسلم كما سترى في الفصل القادم بإذن الله. فالدليل الأول هو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوْةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ . ولعلك لاحظت أن الآية بعد ذكر ذوي القربى واليتامى ... إلخ
*** هامش ***
هـ) يقول القرضاوي في الحديث: «يعزى هذا الحديث إلى رواية ابن المعارف، ومما استدل به على وقوع الخطأ في ابن ماجة ما يلي: ١- رواية ماجة، ولكن قال النووي في المجموع عنه: أنه حديث ضعيف جداً لا الطبري للأثر (٢٥٢٧) من نفس طريق يحيى بن آدم التي رواه منها ابن يعرف (٣٣٢/٥). وقبله قال البيهقي في هذا الحديث : يرويه أصحابنا ماجة. ونصه: (إن في المال لحقاً سوى الزكاة). ٢- نسب ابن كثير في في التعاليق. ولست أحفظ فيه إسناداً (السنن الكبرى: (٨٤/٤) ، تفسيره الحديث للترمذي وابن ماجة معاً، ولم يفرق بين روايتيهما. واعترض الحافظ العراقي عليه برواية ابن ماجه له في سننه بهذا وكذلك صنع النابليس في ذخائر المواريث (١١٦٩٩)؛ إذ نسبه إليهما اللفظ، وذكر ابنه الحافظ أبو زرعة : أنه عند ابن ماجة بلفظ : ( في حديثاً واحدا. ٣- قول البيهقي، كما تقدم: لست أحفظ فيه إسناداً، المال حق سوى الزكاة كما هو عند الترمذي، وفي بعض نسخ ابن ولو كان في ابن ماجه على هذا اللفظ لما قال ذلك إن شاء الله . أهـ. ماجة: ليس في المال حق سوى الزكاة (طرح التثريب (١٨/٤ ومثله قول النووي: لا يعرف. ولم يشر الشيخ شاكر إلى ما قاله أبو ومعنى هذا : أن «ليس» زيدت في الحديث عن طريق النساخ، وشاع زرعة، فلعله لم يطلع عليه. وهذا التحقيق أصوب وأولى من وصف أ بعد، كما بين ذلك أيضاً العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في الحديث بالاضطراب، لروايته من طريق واحد بلفظين متنافيين كما التعليق على الأثر (٢٥٣٠) من تفسير الطبري : ٣٤٣/٣ ، ٣٤٤ - طبع هو الشائع» (٤٧).
الخطأ
٢٤٨ 🗏
عطفت على ذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والعطف يقتضي المغايرة كما هو معلوم، فكان الاستنتاج أن الإيتاء الأول غير إيتاء الزكاة. وكما ترى فإن نص الآية صريح، فهو يحث على بذل المال لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي عتق الرقاب، وهذه صدقات لأفراد وليست أموالاً من حق الدولة.
والدليل الثاني لمن قال أن في المال حق سوى الزكاة هو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٤٩ وحجتهم أن الحق المأمور به في الآية هو غير الزكاة. وقد أتى هذا الاستنتاج من حق الثمر يوم حصاده، فهذا لا يتأتى في زكاة العشر لأنه يخرج بعد التصفية والتنقية ليعرف مقدار الحاصل ثم تخرج الزكاة. كما أن الإسراف لا يكون في الزكاة لأن الزكاة محددة المقدار، فلابد وأن يكون المقصود إذن من إيتاء الحق مال آخر غير الزكاة. غير أن من قالوا بأنه لا حق في المال سوى الزكاة ذهبوا إلى أن الآية قد نسخت أو أنها واجبة في حالة الضرورة. ولكن بغض النظر ، سواءً نسخت أم لم تنسخ، فالسؤال المهم لنا هو: إن كان في الآية دليل أن في المال حق سوى الزكاة، فمن حق من هي؟ قال ابن حزم أن الحاصد يعطي حين الحصد ما به نفسه، وقال عطاء: «يعطي من حضره يومئذ ما تيسر وليس بالزكاة». وقال مجاهد: «إذا حضر المساكين طرحت لهم منه». وقال أيضاً: «عند الزرع يعطي القبضة، عند الصرام يعطي القبضة ويتركهم يتتبعون آثار الصرام». وذكر ابن كثير بأنه سبحانه وتعالى قد ذم الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر أصحاب الجنة في سورة «القلم». فكما تلحظ من هذه الأقوال فإنها لا تقحم الدولة، بل فيها حض لمن أثمر زرعه أن يعطي المحتاجين. حتى بالقياس على الشركات والمصانع في أيامنا هذه فإن على هذه المؤسسات أن تعطي المحتاجين من حولها يوم ظهور الغلة والربح. أي أنه إن كان في المال حق سوى الزكاة فهو لأناس محتاجين يعيشون في محيط المزكي وليس للدولة. وكما سترى بإذن الله، فإن هذا الوضع سيكون نادراً لأنه إن طبقت الشريعة فلن يكون هناك فقراء محتاجون إلا فيما ندر، كما أنه لن توجد مؤسسات استثمارية ضخمة مملوكة من قبل القليل من الأفراد لأن الشريعة قد فتحت الأبواب للجميع للعمل كما سنوضح في الحديث عن الشركة بإذن الله.
طابت
والدليل الثالث هي الأحاديث الصحيحة من حقوق الإبل والخيل وهي عدة أحاديث متقاربة في المعنى. فمنها ما رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حق الإبل أن تحلب على الماء. وفي حديث آخر رواه النسائي سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن حق الإبل فقال: إطراق فحلها وإعارة دلوها وحمل عليها في سبيل الله ... الحديث). وفي رواية أخرى للطبراني في الأوسط أجاب صلى الله عليه وسلم بأن قال: أن ينحر سمينها ويطرق فحلها ويحلبها يوم وردها ) . ومعنى «إطراق فحلها» هو إعارته للضراب لا يمنعه من طلبه، أما معنى «إعارة دلوها» فهو إخراج الماء من البئر لمن يحتاج إليه ولا دلو معه. وقال ابن حزم: «وفرض على كل ذي إبل وغنم أن يحلبها يوم وردها على الماء ويتصدق من لبنها بما طابت به نفسه». وكما تلحظ، فإن جميع ما ذكر سابقاً إخراج لمنافع تؤخذ من الإبل لمن هم بحاجة له من الناس، وليست أموالاً للدولة. وأما بالنسبة لمعنى «حمل عليها في سبيل الله» فهو إركاب من لا ركوبة معهم من المجاهدين. وهذه قد يؤولها البعض على أنها حق يجوز للدولة أخذه من الناس من غير الزكاة: فقد يفتون بأنه بناءً على أن رفع راية الجهاد من حق السلطان فله بذلك أن يأخذ ممن لديهم الكثير من الإبل لمن لا ركوب لهم. وبالقياس فقد يفتون بالأخذ من سائر الأموال لأن طبيعة الحروب الآن
هو
ه الأموال
٢٤٩
اختلفت للحاجة للطائرات والدبابات وهذه بحاجة للأموال وهكذا. وسأترك دحض هذا القول للفصل القادم، أي «دولة الناس» بإذن الله.
ودليلهم الرابع هو حق الضيف. فقد صحت الأحاديث عن إيجاب حق الضيف على المضيف. ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم ضيفه جائزته، يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة). والأمر بالإكرام دل على الوجوب بدليل تعليقه بالإيمان وجعل ما بعد الثلاثة أيام صدقة. وهناك أحاديث أخرى تؤكد هذا المعنى. وبرغم اختلاف الفقهاء في حق الضيف هل هو واجب أو مستحب، وبرغم ذهاب الجمهور على أن الضيافة من مكارم الأخلاق" إلا أنها نفقة من إنسان لآخر ينزل عنده، أي أنها حق لأناس في المال سوى الزكاة، وليست حق للدولة في المال.
۵۳
ودليلهم الخامس هو حق الماعون. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ . ففي الآيات وعيد لمن يمنعون الماعون. والماعون هو ما تتم إعارته من أدوات بين السكان. فقد قال عبد الله بن مسعود فيما رواه أبو داود: «كنا نعد الماعون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر». وقد فسر ابن عباس الماعون بأنه متاع البيت، وروي عنه أنه العارية. وعن أم عطية أنها المهنة يتعاطاها الناس بينهم. وبهذا يكون المعنى وجوب إعارة ما يحتاجه الناس فيما بينهم، وأن مانع الإعارة مستحق للويل كالساهي عن الصلاة المرائي ولا يستحق المكلف الويل إلا على ترك واجب. ولهذا قالوا بأنه إن ثبت أن إعارة هذه الأشياء واجبة وهي غير الزكاة، فإن في المال حق سوى الزكاة. وهنا أيضاً نلحظ أن هذا الحق هو لأناس وليس للدولة.
ودليلهم السادس هو وجوب التكافل بين المسلمين والأدلة على هذا كثيرة. فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِرْ تَبْذِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. كما أن من أسباب دخول المجرمين نار جهنم أو سقر عدم إطعام المسكين لقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾ . وفي هذه الأدلة إشارة واضحة إلى أن في المال حق سوى الزكاة، ولكنها أيضاً لأناس وليست للدولة كما هو واضح.
ومن أدلتهم من السنة لوجوب التكافل بين المسلمين الحديث المتفق عليه: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر). وهذان الحديثان فيهما بلاغة عميقة. فكيف يشد بعض البنيان بعضه إن كان البعض مهترئاً أصلاً؟ وكيف يتداعى العضو لإسعاف الأعضاء الأخرى إن كان هو مريضاً؟ فكما سترى في الفصول القادمة بإذن الله، فإن ذهاب الأموال للدولة لابد وأن يشل بعض أجزاء المجتمع لتدخّل الأهواء في إنفاق الأموال. أما إن لم تذهب الأموال للدولة كما أراد الشرع، فإن جميع الأعضاء ستكون حية ومعطاءة وبذلك تستطيع أن تهب لإسعاف أي عضو مصاب. أي أن الحديثين وغيرهما في نفس المعنى لا ينصان على أن للدولة حق في هذا المال.
٢٥٠ 🗏
أما بالنسبة لأهم دليل لديهم، وهو الحديث الذي رواه الترمذي ( في المال حق سوى الزكاة) فقد ضعفه الترمذي نفسه «لأنه من طريق أبي حمزة ميمون الأعور القصاب، وهو ضعيف جداً عند أهل الحديث فلا يعول على ما رواه » . ٥٦
وبهذا نستنتج أخي القارئ أن هناك حقوقاً في المال سوى الزكاة ولكنها متروكة لإيمان الناس وتنافسهم. وأن هذه الحقوق هي للمحتاجين وليست للدولة. وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين أي في المال حق سوى الزكاة) ولكن للمحتاجين من الناس. أما بالنسبة للدولة فلا حق لها في المال، أي ليس في المال حق سوى الزكاة)، وهذه مسألة ستتأكد منها لاحقاً أيضاً لأن المال لأصناف ثمانية من الناس فقط وليس للدولة، فالدولة ما . هي إلا وسيط ليس إلا. وبهذا تكون الدولة هي الأفقر مقارنة بالسكان ولا مال لها ليتلاعب به السلاطين. وهذا هو أهم استنتاج أريد الوصول إليه مما سبق. ولكن ماذا عن الأحوال غير الاعتيادية. أي إن نزل بلاء بالمسلمين كمجاعة أو زلزال أو عدو تمكن من المسلمين وأسر الكثير منهم والمسلمون بحاجة للأموال لفدائهم، فهل يفرض على المسلمين المستطيعين حق في المال سوى الزكاة؟ وهل للسلطان أخذها؟ قال ابن العربي في «أحكام القرآن»: «وليس في المال
حق سوى الزكاة. وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء». وقال بوجوب فداء أسرى المسلمين وإن استغرق ذلك كل أموالهم. هنا لابد لنا من توضيح «العفو» .
مالك
العفو
OV
العفو في اللغة هو أصل المال وأطيبه، وهو الفضل والمعروف، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ
الْعَفْوَ﴾ ، وقد فسرها ابن عباس بأن «العفو ما فضل عن أهلك»، وقال قتادة وآخرون «الْعَفْوَ أي الفضل». وقال تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ." و ﴿أولُوا الْفَضْل﴾ هم أولوا الطول والصدقة والإحسان. ومن السنة المطهرة هناك قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له..
7.
وكما ترى أخي القارئ، فهذه مجموعة من النصوص، وغيرها كثير، تظهر وكأنها ثغرة يستطيع من أراد تحويل المعنى أن يفعل ذلك بالقول بأحقية أخذ السلطة للفضل من الأغنياء للمصلحة العامة. وهذا ما حدث، فقد أول معظم المعاصرين العفو والفضل بأنهما الفريضة التي تملك الدولة الإسلامية جبايتهما من المسلمين، أي جباية ما هو فائض عن الحاجة، وهو حق المجتمع في ظروف استثنائية كانتشار الأمراض أو جفاف مستمر." وقد لخصت د. نعمت آراء المعاصرين بقولها : ويتفق مفكروا الاقتصاد الإسلامي أن تحقيق التنمية الاقتصادية مصلحة يبيح الإسلام لولي الأمر المسلم أن يوجب تحصيل العفو، وتوجيهه لتحقيقها، وذلك بحمل القادرين على دفع المزيد من المال فوق الموارد الشرعية - وأهمها الزكاة - إلى حد العفو أي الفائض منه عن حاجتهم، حسبما تكون المصلحة»." ومن بين الأدلة التي استشهد بها من قالوا بأن للدولة الأخذ من الأغنياء للفقراء هو ما ذهب إليه الصحابي أبو ذر الذي كان يرى ضرورة إنفاق الفضل. فقد كان رحمه الله يعظ الناس ويتوعدهم بمكاو من نار تكوى بها جباههم
ه الأموال
٢٥١
وجنوبهم وظهورهم إن لم ينفقوا الفضل
بسبب سلب الدولة
وإن تقصينا هذه الأدلة وغيرها نجد أنها لا تجبر الفرد مهما بلغ ثراؤه على إعطاء الآخرين إلا عن طيب نفس. أي لا يحق للدولة الأخذ منه إلا في الظروف الاستثنائية وتحت شروط محددة، وهذه الظروف إن طرأت فلن تضطر السلطات للأخذ من الناس قهراً كما سترى بإذن الله لأن ثراء المسلمين إن طبقت الشريعة سيكون شديداً وعطاءهم مرتفعاً. أما ما ذهب إليه العلماء من ضرورة الأخذ من أموال الناس قهراً فهو وضع شاذ يحدث فقط إن لم تحكم الأمة بما أنزل الله تذكر مثال مرض نقص المناعة، الإيدز). فعندما تقهر الأمة لأموال الناس وتدخل الأمة نفق الفقر والمذلة، عندها ستحتاج الأمة لفتاوى العلماء التي تبيح للسلطات الأخذ من الأغنياء. فما قاله الإمام مالك من وجوب فداء الأسرى حتى وإن استغرق ذلك كل أموال الناس لهو وضع لم يكن في زمنه، بل هو افتراضي، وهو لن يحدث إلا عند ضعف الأمة التي لم تطبق الشريعة. والآن لنعد لموضوع العفو لنرى كيف أن الأدلة السابقة استُخدمت في غير مكانها لإثبات أحقية تدخل الدولة بفرض الضرائب.
الله عنه
٦٣
بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَل أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبيلِ اللهِ﴾ في سورة النور فقد نزلت في أبي بكر. فقد كان رضي الله عنه قبل حادثة الإفك ينفق على قريب له اسمه «مسطح» لقرابته وحاجته، وكان هذا ممن تكلم في عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك. فحلف أبو بكر رضي ألا ينفق عليه فنزلت ﴿وَلَا يَأْتَل﴾ ، أي لا يحلف وهكذا فعل صحابة آخرون، فقد أقسموا ألا يصلوا رجلاً تكلم بشيء في شأن عائشة رضي الله عنها. فنزلت الآية، فقال أبو بكر بعدها: «بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، فلأكونن ليتيمي خير ما كنت له قط». كما أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان عنده فضل ظهر ... الحديث) يحث الناس على نفقة الفضل ولا يعطي السلطة الحق للأخذ من الناس قهراً. فالحديث كما هو واضح عبارة عن خطاب مباشر موجه للأغنياء من الناس فكيف يؤول على أنه خطاب للدولة للأخذ من الأغنياء؟ وبالنسبة لما كان يقوله أبو ذر فهو لم يكن ليقصد قيام الدولة بالأخذ من الأغنياء ثم التوزيع على الفقراء، بل كان يحث الأغنياء لإعطاء الفقراء مباشرة، بل كان يرى أيضاً عدم جواز بقاء المال في بيت المال إن وجد الفقراء. وبالنسبة لضرورة إنفاق الفضل فإن الجمهور علماء السلف مذهب آخر لخصه ابن حجر في حديثه عن الكنز بقوله:
«قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع) انتهى. والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ابن عمر ، وقد استدل له ابن بطال بقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: ٢١٩) أي ما فضل عن الكفاية، فكان ذلك واجباً في أول الأمر ثم نسخ. والله أعلم، وفي المسند من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال: كان أبو ذر . يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه، ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة ويتعلق بالأمر الأول
.«...
أما بالنسبة للعفو، فلابد من بعض التفصيل لأن قوله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قد
تم
استخدامه مراراً وتكراراً من المعاصرين على أنه دليل نصي لإطلاق أيدي السلطات للأخذ من الناس لما فيه المصلحة
٢٥٢ 🗏
العامة. ففي كتب التفاسير الثلاثة مثلاً (الطبري وابن كثير والقرطبي) لا تجد نصاً أو حتى إشارة إلى أن المقصود بالآية هو أخذ الدولة لأموال الناس. فقد اتجهت التفاسير لتعريف معنى كلمة «العفو» لتبتعد عن الدولة. فمن هذه التفاسير مثلاً قول ابن زيد: «كان القوم يعملون في كل يوم بما فيه، فإن فضل ذلك اليوم فضل عن العيال قدموه ولا يتركون عيالهم جوعاً، ويتصدقون به على الناس». وقال آخرون: «معنى ذلك ما كان عفواً لا يبين على من أنفقه أو تصدق به». وقال ابن عباس: «ما لا يتبين في أموالكم». وقيل العفو هو اليسير من كل شيء. وقيل «الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافاً ولا تقتيراً». وكما ترى فإنه لا إشارة في تعريف العفو إلى تدخل السلطة والأخذ من أموال الناس. كما أن التفاسير تشير إلى أن العفو ما هو إلا إخراج الإنسان من بعض ماله بقرار منه. فعن الحسن أنه قال: «لا تجهد مالك حتى ينفد للناس». وقال عطاء: «العفو في النفقة أن لا تجهد مالك حتى ينفد فتسأل الناس». وفي تفسير القرطبي أنها نزلت في عمرو بن الجموح، فإنه لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ ، قال : كم أنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾، والعفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب إخراجه. ومنه قول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب. فالمعنى [كما قال القرطبي]: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة. هذا أولى ما قيل في تأويل الآية». وفي تفسير الطبري أن ابن عباس وضح أن الآية خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بقبول ما يقدمه له الناس تطوعاً وليس قهراً. قال ابن عباس: «ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم». .. لاحظ قوله: «فاقبله منهم». ومما سبق تستنتج أن العفو لا يعني قط أخذ الدولة من أموال الناس من قريب أو بعيد .
فضلاً
كما أن هناك أقوالاً على أن العفو هو الصدقة، أي الزكاة. فقال قيس بن سعد: «هذه الزكاة المفروضة». وعن مجاهد «شك أبو عاصم قول الله جل وعز : قُلِ الْعَفْوَ قال: الصدقة المفروضة». ثم يقول الطبري: «وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى العفو الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مؤنتهم وما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في الصدقة، وصدقته في وجوه البر». وكما ترى هنا أيضاً فإن التفسير يتجه إلى الحث على الصدقة وليس فرضها على الناس. وفي هذا السياق يذكر الطبري عدة أحاديث منها ما رواه أبو هريرة قائلاً: «قال رجل: يا رسول الله : عندي دينار. قال: (أنفقه على نفسك؟). قال: عندي أخر. قال: أنفقه على أهلك). قال: عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك. قال: عندي آخر. قال: فأنت أبصر ) . ومنها ما رواه جابر بن عبد الله قائلاً: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ . مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد بعد ذلك فليتصدق على غيرهم». ومنها ما رواه أيضاً جابر بن عبد الله قائلاً: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله
ما أصبحت أملك غيرها. فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فقال: (هاتها) مغضباً، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه أو عقره، ثم قال: (يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى ) . فتأمل هذا الوضع الذي غضب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. فغضبه لا يكون إلا في أمر عظيم. وسترى في الفصول القادمة بإذن الله كيف أن الإسلام دين يحاول جاهداً بكل الطرق أن يوجد فرداً مستغنياً حتى يكون منتجاً ليغنى الآخرون من حوله من كثرة إنتاجه، وبهذا تغنى الأمة. فهذا رجل لديه ذهب في حجم بيضة، وهذا والله أعلم مال كثير في عهد النبوة، إلا أن الرسول صلى الله عليه
٦٧
ه الأموال
٢٥٣
وسلم، برغم حاجة الأمة المسلمة في ذلك الوقت للمال، لم يأخذ منه شيئاً وذلك ليستمر الرجل غنياً فينتج. فغضبه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مسألة يجب تأملها كمؤشر لعظم جرم أخذ الدولة من أموال الناس. فتأمل. ومما يعزز أن العفو لا يعني أحقية السلطات لأخذ أموال الناس بدعوى المصلحة العامة . هو اختلاف أهل العلم في الآية هل هي منسوخة أم أنها ثابتة الحكم. فعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: «كان هذا قبل أن تفرض الصدقة». وفي رواية أخرى عن ابن عباس من حديث محمد بن سعد أن العباس قال: «لم تفرض فيه فريضة معلومة، ثم قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ . ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة». وقال آخرون أنها مثبتة الحكم وأنها غير منسوخة وأنها الصدقة المفروضة. وقد لخص الطبري الأقوال
بقوله:
و
والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية من أن قوله: ﴿قُل الْعَفْوَ﴾ ليس بإيجاب فرض فرض من الله حقاً في ماله، ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مما يسخطه جواباً منه لمن سأل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عما فيه له رضا، فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم : به في الصدقة غير المفروضات ثابت الحكم غير ناسخ الحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده ، فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوع وهباته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : (إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بولده ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها ...».
وهكذا كما ترى فإن العفو يذهب برضى من المسلم للناس من حوله ولا يذهب للسلطة. وفي هذا حكمة كبرى تتلخص في أن العطاء للأقارب تمكين للمجتمع لأن إعطاء الإنسان بنفسه لمن حوله فيه ربط بين أفراد المجتمع ولذة للمعطي تدفعه للمزيد من العمل للكسب ومن ثم العطاء (وسنوضحه بإذن الله). ولعلك تسأل السؤال ذاته: ولكن إن لم تأخذ الدولة الضرائب من الناس وليس لديها من الموارد الطبيعية ما تغطي به نفقاتها فمن أين ستأتي بالمصاريف؟ أرجو منك الإمهال أخي، فهذا هو موضوع فصول قادمة. ولكن باختصار، فإن إبعاد الأموال عن الدولة وبقاءها في أيدي الناس سيؤدي لثراء جميع الناس لدرجة سيستطيعون معها الصمود أمام أية أزمة صحية كانتشار وباء فتاك، أو كارثة طبيعية. فما حدث في عام الرمادة لهو خير مثال. ففي أواخر السنة السابعة عشر للهجرة حدث قحط شديد في شبه الجزيرة العربية استمر قرابة تسعة أشهر جفت معها الأرض فأصبحت كرماد النار فسمي العام بعام الرمادة. وهذا بالطبع أهلك الزرع والماشية فحلت المجاعة لدرجة نزوح حوالي ستين ألفاً إلى المدينة المنورة. وهذا بالطبع . عدد كبير من السكان في ذلك الوقت. ومع كل هذا إلا أن الخليفة عمر رضي الله عنه تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض على أغنياء المدينة المنورة الضرائب. وما يؤكد أنه لم يفعل، هو
أن
*** هامش ***
و) ذكر الطبري أن موسى بن هارون قال : ثنا عمرو بن حماد قال : ثنا قائلاً: «وقيل : هي منسوخة. وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول أسباط عن السدي قوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ هَذه هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى نسختها الزكاة». وفي تفسير ابن كثير : « ثم قد قيل إنها منسوخة بآية ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان ممن الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوماً وتصدق بالباقي، حتى نزلت الخراساني والسدي، وقيل مبينة بآية الزكاة قاله مجاهد وغيره، وهو آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها. وقال قوم هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة. والظاهر يدل على القول
أوجه» (٦٩). ز) أما القرطبي فيرى أن الظاهر يدل على أن الآية منسوخة فذكر الأول» (۷۰).
٢٥٤ 🗏
العلماء المعاصرين لم يستشهدوا بعام الرمادة كسابقة تعطي ـات الحق في الأخذ في الأزمات. ولإن فعل لرأيت جميع الباحثين يهرعون لفتح أبواب الضرائب تذرعاً بفعله رضي الله عنه. . ونحمد الله أنه لم يفعل.
ولكن الذي حدث في المدينة المنورة عام الرمادة هو فتح أهل المدينة بيوتهم للوافدين إليهم واستضافوا من استطاعوا منهم، ، أما الخليفة فقد طلب النجدة من عماله في الأقاليم الأخرى فأتاه المدد من مصر والشام. وما أتى من مصر والشام هو من أموال الزكاة وبيت المال، لأنه لا علم لنا أن معاوية أو عمرو بن العاص رضي الله عنهما استحدثا ضرائب على الناس خلال عهد الخليفة عمر رضي الله عنه غير ما فرضه الإسلام مثل الجزية والفيء. ومن هذه الأموال تم إرسال المدد للمدينة المنورة. فكما سترى في هذا الفصل وفصل «ابن السبيل» بإذن الله فإن الزكاة بإعطائها لسكان نفس البلدة ستزيد من تمكين السكان الذين سيعطون المزيد من الزكاة ليتراكم ويفيض لينقل لبلدان أخرى. وكما سأوضح في فصل «البركة» بإذن الله فإن ما سيفيض في العالم الإسلامي من مال إن طبقت الشريعة سيكون كافياً للتصدي لأية أزمة بحيث لن تحتاج الأمة إلى فرض الضرائب. ومن جهة أخرى فإن نفوس الناس متى ما طبقت الشريعة ستتغير كما سترى في فصل «البركة» بإذنه تعالى لتتسابق لإعطاء الآخرين تطوعاً لا كرهاً. ولعلك لاحظت أن عام الرمادة كان في زمن لم توجد فيه الاتصالات ولا المواصلات السريعة. ومع ذلك تمكن المسلمون من التصدي للمجاعة، فما بالك بحالنا اليوم فإن النجدة ستصل لأي ركن في العالم الإسلامي وبسرعة تفوق كثيراً سرعات تحرك الدول. فكما تشاهد، وبرغم فقر العالم الإسلامي، إلا أن المنظمات الخيرية غير الحكومية تستطيع الآن الوصول لمواطن النكبات أسرع من الدول، بل إن تحدثت إلى بعض المتطوعين في هذه المنظمات لعلمت أن ما يعيق حركتهم هم المسؤولون الحكوميون في مناطق النكبات.
بئر رومة
لسد
ولعلك لاحظت أيضاً أنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم توجد من الأموال ما تكفي حتى ضروريات الحياة، ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لم يفرض أي ضرائب على الأثرياء. ولعل في بئر رومة مثال تنبيهي صارخ للأمة. انتبه لهذا المثال فهو جد مهم فهل في الضروريات ما هو أهم من الماء في المناطق الصحراوية؟ فقد كانت هناك بئر في المدينة المنورة ليهودي وكان يبيع ماءها للمسلمين بسعر مرتفع (القربة بمد). وقد تأذى من ذلك المسلمون، فأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: (من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين ؟). فتصدى لها عثمان رضي الله عنه واشترى البئر وجعلها وقفاً للمسلمين.٧٢ فلماذا لم يفرض الرسول صلى الله عليه وسلم الضريبة على الأثرياء لشراء البئر؟ والإجابة باختصار : لأنه يعلم، والله أعلم، أنه إن فعل لأصبحت سنة من بعده تفرض من خلالها الدول الضرائب على الناس وتتكون الدول ذات الميزانيات والنفقات، ولأصبحت أموال الضرائب دولة بين الحكام ومن يعملون معهم، وبهذا تذل الأمة بسبب ذبول الإنتاج. ولأنه إن فعل صلوات ربي وسلامه عليه لتشبث بفعله معظم الفقهاء والعلماء المعاصرين ولفتحوا أبواب فرض الضرائب بجميع أنواعها بحجة ملاءمة الإسلام لمتطلبات العصر لتصبح الدول الإسلامية دولاً علمانية كالغربية في كل شيء. أدرك أخي، وبالذات إن كنت من الاقتصاديين أو المخططين، بأنك لم تقتنع بإمكانية وجود مجتمع مسلم دون دولة بمفهومها
ه الأموال
٢٥٥
الله، فقد
المعاصر. ولكن أرجو أن تنتظر، فهذا هو لب موضوع هذا الكتاب. وستتأكد أكثر في الفصل القادم بإذن الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحاول جاهداً تلافي المكوس أو الضرائب. حتى علماء المسلمين أثابهم كانوا أشداء في هذه المسألة. فهل هناك ضرورة لفرض الضرائب أكثر من دفع خطر الأعداء؟ فعندما أراد «قطز» سلطان مصر التجهيز لقتال التتار جمع القضاة والفقهاء لمشاورتهم على أن يأخذ من الناس ما يستعان به على جهاد التتار. فكان موقف ابن عبد السلام هو جواز الأخذ من الرعية بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء وأن السلطان أكسيته الموشاة بالذهب وآلاته النفيسة بحيث يتساوى هو والعامة، وأن ما لدى أمرائه وأعوانه يبيع
يبيع
وجنده كذلك. وقد تكرر نفس الموقف مع الإمام محيي الدين النووي. فعندما خرج الظاهر بيبرس إلى قتال التتار بالشام ولم يكن في بيت المال ما يفي بتجهيز الجيش والإنفاق على المقاتلين فاستفتى العلماء في جواز فرض الضرائب على الشعب. فتوقف النووي ورفض التوقيع مع باقي الفقهاء. فعندما سأله السلطان أجاب قائلاً: «أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير «بندقدار» وليس لك مال، ثم منّ الله عليك وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألف مملوك، لكل مملوك حياصته من الذهب، وعندك مائتا جارية، لكل جارية حق من الحلي، فإن أنفقت ذلك كله وبقيت مماليكك بالبتون والصوف بدلاً من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهم دون الحلى، أفتيتك بأخذ المال من الرعية».٧٣ أرأيت كيف تردد الفقهاء في فرض الضرائب في الأحوال الشديدة الخطورة، أي خطر التتار. غير أن الفقهاء المعاصرين تنازلوا لأنهم وضعوا في موقف صعب. كيف يمكن أن تستمر الحياة المعاصرة دون دولة ذات نفقات؟ سؤال صعب محير. لذلك تنازلوا. فهذا الدكتور القرضاوي وبعد دراسة مستفيضة في فقه الزكاة يقول مستنتجاً في الحقوق المالية الأخرى غير الزكاة:
«أما الحقوق الأخرى فهي حقوق طارئة غير ثابتة ثبوت الزكاة وغير مقدرة بمقدار معلوم، كمقادير الزكاة، فهي تختلف باختلاف الأحوال والحاجات، وتتغير بتغير العصور والبيئات والملابسات. وهي في الغالب لا تجب على الأعيان بل على الكفاية، إذا قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين. وقد تتعين أحياناً كأن يرى الشخص مضطراً وهو قادر على دفع ضرورته فيجب عليه دفعها، أو يكون له جار جائع أو عريان وهو قادر على معونته، كما أن الغالب أن توكل هذه الحقوق إلى إيمان الأفراد وضمائرهم دون تدخل السلطة. إلا أن يرى حاكم مسلم أن يفرض بقوة القانون فرضاً ما أوجبه الإيمان إيجاباً. وخاصة إذا كثرت حاجات الأفراد واتسعت نفقات الدولة وأعباؤها كما في عصرنا الحديث. فحينئذ لا بد من تدخل الدولة وإلزامها».
٧٤
إن الجملة الأخيرة من الاقتباس السابق لهي بادرة خطرة. فقد تم الربط بين اتساع نفقات الدولة وكثرة أعبائها في العصر الحديث ضمنياً وبين الحتمية التي لا محيص عنها. وكأنه لا طريق آخر للمجتمعات إلا العيش في ظل دولة ذات نفقات متسعة وأعباء كبيرة. لذلك كان تنازل القرضاوي بقوله:
«أما الضرائب التي تفرض بالشروط التي ذكرناها، لتغطي نفقات الميزانية وتسد حاجات البلاد من الإنتاج والخدمات، وتقيم مصالح الأمة العامة العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وتنهض بالشعب في جميع الميادين، حتى يتعلم كل جاهل، ويعمل كل عاطل، ويشبع كل جائع، ويأمن كل خائف، ويعالج كل مريض ... أما هذه الضرائب لهذه الأغراض المذكورة وما شابهها فلا يشك ذو بصر بالإسلام أنها جائزة بل واجبة الآن وللحكومة الإسلامية الحق في فرضها وأخذها من الرعية حسب المصلحة وبقدر الحاجة».
Vo
٢٥٦ 🗏
ويجب ألا نلوم الدكتور القرضاوي هنا، فهو كما يعلم الجميع شيخ مخلص بإذن الله وذو مكانة، ولكن
طبيعة تركيبة المجتمعات الحالية التي أقنعت كل باحث بأنه لا سبيل للحياة المعاصرة دون دولة ذات سيادة مالية وحدود إقليمية وبرامج تخطيطية وطموحات قومية ودساتير وقوانين ومؤسسات وطنية أدت به وبآخرين لهذه التنازلات والتي وضعت في إطار شرعي. فهو لوصوله لاستنتاجه السابق جمع ورد على الكثير من الأدلة والأقوال مما سماها بالشبهات ليضع الإسلام في معطف الحداثة. وقد أفردت فصلاً كاملاً لهذا الأمر لأهميته وسميته بـ «المكوس». وما اخترت القرضاوي هنا إلا لذيع صيته بذوده عن الإسلام وصدق نواياه وكثرة أدلته. وما أثرت هذه القضية هنا أخي القارئ إلا لتقارن بين ما أراده الإسلام لنا من حقوق مالية وبين ما آل إليه حالنا من خلال مثل هذه الاستنتاجات للشيخ القرضاوي التي فتحت الباب أمام الاقتصاديين المعاصرين ليحشروا الإسلام والعياذ بالله داخل نفق الحداثة. .. وهو موضوعنا الآتي:
الاقتصاديون المعاصرون
قلنا بأن هناك حديثان: الأول قوله صلى الله عليه وسلم ليس في المال حق سوى الزكاة، والثاني قوله صلى الله عليه وسلم ( في المال حق سوى الزكاة. فبالرجوع للحديث الثاني، بالإضافة لما توصل إليه بعض الفقهاء المعاصرين (كالقرضاوي مثلاً استخدم بعض العلماء المعاصرين الحديث الثاني كدليل على أحقية إيجاد موارد
للدولة من أموال الناس بالإضافة للزكاة. فيقول أستاذ الاقتصاد لحسن الداودي في مؤتمر اقتصادي مثلاً:
«لقد حدد الإسلام بعض إيرادات الدولة التي يمكن لأي دولة إسلامية أن تقوم عليها، وهذه الإيرادات هي الزكاة والجزية والفيء والخمس. وبإمكاننا عزل الزكاة التي تمثل نظاماً مستقلاً وغير مرتبط بوجود مجتمع إسلامي قائم بذاته، وإنما تقتضي وجود أفراد مسلمين فقط. وكون أن الزكاة تمر عبر قناة الدولة يعني فقط الحرص على الفعالية وحسن التدبير هذه الموارد المنصوص عليها قد لا تكفي لسد حاجيات الدولة ولكن قوله صلى الله عليه وسلم (إن في المال حقاً سوى الزكاة) يتيح الفرصة لإيجاد موارد جديدة لأنه جزء لا يتجزأ من القوانين المنظمة لإيرادات الدولة».
ومن هذه الفرضية يستنتج أستاذ الاقتصاد نظاماً ضريبياً إسلامياً بقوله: «يعد النظام الضرائبي جزءاً من النظام المالي ويضم كل النصوص المتعلقة بالجباية سواء بالإباحة أو بالتحريم، وأما السياسة الضرائبية فلا أحد ينفي إمكانية لجوء الدولة إلى فرض ضرائب جديدة عند الحاجة إذ «إن في المال حقاً سوى الزكاة». والواقع هنا هو الذي يحدد نوعية هذه الضرائب وأهدافها
ومن يؤديها وأين تنفق ... » . .
٧٦
ألا ترى كيف أن أستاذ الاقتصاد المسلم استنتج باستخدام الحديث الثاني أن للدولة فرض الضرائب كما تحتاج. أليس في هذا حكم بغير ما أنزل الله ؟ لأنه إن كان الحديث الأول موازياً في قوته للحديث الثاني، فكيف يستدل بالثاني وكأن الحديث الأول لا وجود له؟ وإن قرأت بحثه لوجدت أنه مليئ بالكلمات التي تظهر براءة الباحث من سعيه بوضع كل هدف مالي في مصلحة الجماعة. ولكن من يحقق هذه المصلحة أو يعرفها؟ بالطبع إنه
السلطان ومن معه. . أي أنه العقل البشري. وهنا نعود لنفس النقطة التي أثرتها مراراً، وهي قصور العقل البشري.
ه الأموال
٢٥٧
لقد أصبحت الحياة الاقتصادية بلى أعناق النصوص لعلماء الاقتصاد وإيجاد موارد أخرى للدولة غير الزكاة
أمراً طبيعياً. ويجب ألا نلومهم فنواياهم صادقة، إلا أن العلمانية والعولمة فرضت نفسها عليهم. فهذا محمد أنس الزرقا يظهر تدينه من خلال كتاباته إلا أنه يقول:
حددها
«الحق أنني أخالف أشد المخالفة من يقولون إن الاقتصاد الإسلامي يمكن أن يستغني بالزكاة عن الضرائب، فإنهم مخطئون خطأ فادحاً، والأخذ بهذا يؤدي إلى الدمار الاقتصادي في أي بلد يعمل به، فهناك دول حاولت بلحظة حماس أن تفرض نظام الزكاة وتلغي الضرائب التي كانت قائمة وأدى ذلك إلى مشكلات مستعصية تصل إلى التراجع عن هذا أصلا. وإذا عرفت موارد الزكاة التي . الله سبحانه وتعالى حصراً تدرك فوراً أن نفقات أي دولة معاصرة تحتاج إلى غير الزكاة من الموارد. انظر إلى قائمة النفقات واستبعد منها كل ما ترى أنه غير جائز شرعاً أو غير ضروري سيبقى لديك قائمة طويلة مما ترى بالحس والعقل أنه ضروري شرعاً أو عقلاً. يعني مما لا يتم بعض الواجبات إلا به، وترى في هذه القائمة العديد من المصارف التي لا يجوز فقهاً وشرعاً أن تغطى من الزكاة. من أين تأتي بالفرق ؟ هل الدول الإسلامية كلها عندها من الموارد الطبيعية والبترول مما ينبع من الأرض. فالدولة التي لها دخل ضخم تستغني به عن فرض الضرائب. ولكن هذا ليس عاماً، هذا استثناء حصل في بعض الدول، ولكن القاعدة العامة في الدنيا غير ذلك. فكيف نحل ذلك؟ أنظروا إلى الإمام الشاطبي رحمه الله وغيره وكثير من الفقهاء يقولون: لا يستطيع الإنسان أن يتفقه ويفتي الناس حول تطبيق الشريعة إن لم يكن له دراية بواقع الحياة، فلابد أن تعرف الواقع وتعرف الشريعة وتنزل الواحد على الآخر، بحيث تجعل الشريعة تقود الحياة وتهديها، إن كنت لا تعرف الواقع ستأتي بأخطاء فادحة في تطبيق الشريعة. أخطاء فادحة وكوارث اقتصادية واجتماعية. إن كنت لا تعرف الواقع. فلابد لنا أن نعرف الواقع فلا نلقي الكلام على عواهنه دون تدبر. القول بأننا نستطيع بالزكاة أن نستغني عن الضرائب هذا مخالف للشرع والعقل معا في حد فهمي وعلمي».
VV
إن ما وقع فيه هذا الباحث أتى من تقبله للتركيبة السياسية الاقتصادية الحالية للعالم والمبنية على تقسيم الأمة المسلمة الواحدة إلى دول ذات حدود وسيادة. فهناك دول نفطية غنية وأخرى فقيرة. وبالطبع، فالكل يدرك أن الإسلام أراد أمة واحدة للمسلمين لا تفصلها الحدود السياسية. إلا أن معظم الباحثين يرون استحالة هذا النمط في وضعنا المعاصر ذلك أن وجود دولة واحدة تجمع الأمة المسلمة تحت مظلتها سيؤدي لمركزية شديدة تدمر الأقاليم الطرفية كما حدث في الدولة العثمانية. وهذا صحيح، إلا أن ما يؤدي إليه تطبيق الشريعة هو أمة واحدة حية في أقاليمها ودون دول ذات نفقات كما سترى بإذن الله. وبالطبع فإن آراء العلماء المعاصرين اختلفت باختلاف الاقتصادية، إلا أن السواد الأعظم من الاقتصاديين يتفقون على ضرورة الدولة القومية ذات الحدود والسيادة على أراضيها وبالتالي ضرورة إيجاد الموارد الإضافية للدولة. فيستشهد عبد السميع المصري مثلاً من قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تعالى) أنه:
جميع
مدارسهم
ذمة الله
الأمان
«أيما قبيلة أو شعب أصبحوا وفيهم جائع فقد برئت منهم ورسوله، والذمة هي والعهد والضمان، وذمة الله هي عهده الذي يعصم به الناس دماءهم وأموالهم، فإذا برئت ذمة الله من
*** هامش ***
حـ) العرصة هي البقعة من الأرض وأهلها هم أصحابها الذين يقيمون فيها، فغدت موطناً يعرفون بها وتعرف بهم وينتسبون إليها أو تنسب
إليهم.
٢٥٨ 🗏
قوم فلا عصمة لدمائهم وأموالهم، فكأن الذين أطاعوا شح أنفسهم وتخلوا عن رعاية ذوي الحاجة منهم حتى أصبحوا جائعين قد نقضوا عهداً بينهم وبين الله، فاستوجبوا به ذلك الحكم الخطير الذي أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
ثم يستدل نفس الباحث أنه إذا وجد في المجتمع جائع أو عار سقطت حرمة الملكية وأصبح للكل الحق فيما هو موجود من ثروة في المجتمع ...».. ولعلك لاحظت أخي القارئ كيف أن الباحث حول المعنى. فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يعلن غضب الله سبحانه وتعالى ببراءة ذمته ممن وجد جائع في عرصتهم، ولهذا معاني عدة منها أن هؤلاء الناس إنما يخاطرون بتخلي الله سبحانه وتعالى عنهم في هذه الدنيا وبالعذاب في الآخرة، وفي هذا تهديد ووعيد. .. إلا أن هذا لا يعني قط أن للدولة الحق في الأخذ من أغنياء تلك العرصة. فانظر كيف يحاول الباحث لي النص وبالتالي يتغير المعنى. وأنا لا ألومه لأن ما يراه من وضع قائم هو مزر للغاية. وما أتى هذا الوضع إلا بسبب عدم تطبيق الشريعة. والحل لا يكون بالابتعاد عن الشريعة أكثر وأكثر باستصدار اجتهادات تزيد الوضع سوءاً بفرض الضرائب لتقع في أيدي السلطات ليساء استخدام أموال العامة، بل الحل يأتي بالعودة للشريعة كما سأوضح بإذن الله. ومن جهة أخرى فكما سترى في الحديث عن «الأماكن» بإذن الله فإن العرصة ليست أي مكان ذي ملامح جغرافية أو بنائية محددة، بل هي مكان يتميز بعلاقات اجتماعية ذات مسؤوليات تختلف عن أماكننا الحالية، فهي كأنها فناء منزل كبير وكأن السكان أفراد أسرة واحدة، وهذه تركيبة سياسية اقتصادية اجتماعية مختلفة عن مجتمعاتنا الحالية ولا تحدث إلا إن طبقت الشريعة كما سنوضح بإذنه تعالى. وعندها، والله أعلم، ستبراً ذمة الله من السكان إن تركوا فرداً منهم جائعاً. أما في أيامنا هذه، فإن اللوم على الأثرياء.
وهكذا، وبمثل هذه الانحرافات الضئيلة بلي أعناق النصوص يتراكم الانحراف ليكبر ليتم الخروج على الشرع لأن كل باحث يزداد اقتناعاً بأقوال من قبله. فقد أجاز محمد علي القري مثلاً للدولة الحق في فرض الضرائب على الأغنياء حتى يتحقق لبيت المال من الموارد ما يكفي لتوفير الحد الأدنى الضروري من مستوى المعيشة. وقد توصل لاستنتاجه هذا من خلال مبدأ العدالة في التوزيع من خلال الملكية العامة إذ يقول:
وبما أن الملكية العامة أصل في النظام الإسلامي وليست استثناء، فقد تضمن هذا النظام أداة فعالة لضمان قدر أكبر من العدالة في توزيع الدخل. فبالإضافة إلى التنظيمات الأخرى – مثل الزكاة - تؤدي الملكية العامة في النظام الإسلامي دوراً فعالاً في توفير جزء من الأصول الرأسمالية في الإقتصاد لتحقق منافع الجميع أفراد المجتمع. فبيت المال، وهو أول صور الملكية العامة، مطالب بتوفير حد الكفاية لجميع المسلمين بحيث لا يبقى منهم فقير وفيهم أغنياء، ولا يتخلى بيت المال عن تحقق هذا الهدف إذا قصرت موارده العادية عن تغطية هذه النفقة إذ يجوز لولي الأمر أن يفرض على الأغنياء القادرين الضرائب ليحقق لبيت المال إيراد يمكنه من توفير الحد الأدنى الضروري من مستوى المعيشة لجميع أفراد المجتمع
۷۹
وكما ترى فإن الباحث هنا لا دليل نصي لديه إلا أنه لم يستطع تصور استمرار وضع شاذ ينتشر فيه الفقراء بين الأغنياء، وبالطبع فإن هذا لم يحدث إلا لأن الشريعة لم تطبق أصلاً. وبحسن نية منه فتح الباحث باب فرض الضرائب. وهكذا معظم الباحثين. والآن وبعد هذا التوضيح الذي أرجو ألا يكون قد أبعدنا عن موضوع الزكاة نعود إليه مع أملي باقتناعك بأنه لا طريق للدولة على أموال الناس. ولعل هذا هو أهم استنتاج مما سبق.
ه الأموال
٢٥٩
التدافع
إن أهم فرق بين الزكاة كمقص للحقوق المالية وكل من إحياء الأرض وقص المعادن هو في التدافع بين الناس والتي تحركها الغرائز في معظم الأحوال. كيف؟ إن هناك حركيتين متعاكستين بين السلطة والناس من حيث الحقوق تتمثل في السؤال: من سينتزع أكثر؟ فمن الطبعي أن يحاول الناس الحصول على خدمات طبية أو تعليمية أكثر مقابل دفع مال أقل. بينما تقوم السلطات بعكس ذلك، فستحاول الحصول على مال أكثر لخدمات أقل لتنفق الفائض في مصالح أخرى قد لا يدركها المواطن أو قد لا يتفق معها. هذا عموماً، أما في مجتمعاتنا، فإن طبقت الشريعة فمن الطبعي أيضاً أن يندفع الناس لإحياء الأراضي واستخراج المعادن لأن فيه صالحهم، فهذا مطلب لهم، وعندها ستزداد حقوقهم، لأنهم بعملهم وامتلاكهم لقطعة أرض تمكنوا من حقوق أكثر، أو باستخراجهم للمعادن ملكوا مالاً أكثر، والمال يحقق الكثير كما هو معلوم. أما الزكاة التي يطلبها المجتمع فقد يندفع البعض لتأخيرها أو حتى تلافي دفعها. وهنا وضع قد يؤدي إلى مشادة بين السلطة والأفراد وهاتان المشادتان قد تعملان عكسياً. ففي السلطة الإحياء قد توضع في موقف مضاد لاندفاع الناس فهذا يريد إحياء موقع ترغب السلطة بحجزه لبناء مدرسة إلا أن المال لم يتوفر لها بعد، وذاك يريد استخراج الذهب من موقع تريد السلطة السيطرة على الكميات المستخرجة منه؛ وفي الزكاة يحدث العكس فيوضع الناس في موقف دفاعي لطلبات المجتمع، فتظهر دواوين الزكاة والدخل لتقدير الزكاة لكي لا يتهرب منها الناس. لذلك نجد أن مجتمعاتنا المعاصرة تعج بالأنظمة التي تحد من الإحياء وأخر تزيد من مراقبة الناس لأخذ الضرائب، أي أن الوضع مشدود بين السلطات والناس في مجتمعاتنا التي ملئت بالورقيات التي تخوّن الناس وتتهمهم، فلن تأخذ السلطات بقول الشخص في تقدير ما يملك إلا إن أثبت ذلك من خلال أوراق ثبوتية مصدقة من جهات حكومية شتى. ولا تأتمن الدولة على الثروات في باطن الأرض من الناس لأنها تعتقد بأنه ملك لها، فنجدها تضع القوانين والأنظمة لاستغلالها، وهكذا تكونت طائفة من أفراد المجتمع لا تنتج إلا ورقاً وهما، أي أنها طائفة تقنوقراطية . ٠ فكيف تعامل الإسلام مع هذا الوضع التدافعي المتوتر؟
لقد رأينا سابقاً ما وضعته الشريعة من مبادئ تدفع الناس للإنتاج، وفي الوقت ذاته قيدت مقصوصة الحقوق أيدي السلطات متى ما حاولت الوقوف أمام الناس. وبهذا انعدم احتمال ظهور الاصطدام بين الأفراد والدولة لانفتاح الساحة أمام الناس للانطلاق. وكذلك فعلت الشريعة في الزكاة: فقد وجهت الشريعة الزكاة التي كان من الممكن أن تكون عبئاً على الناس إلى أداة للتمكين لعموم أفراد المجتمع بتلافي الاصطدام بين الأفراد والسلطة. كيف؟ لقد قامت الشريعة بتثبيت الزكاة منعاً للخلاف. فالزكاة مسألة ثابتة ومقطوع أمرها ولا تتغير بتغير الزمان والمكان. فقد وضعتها الشريعة بطريقة لا يمكن لأحد التلاعب بها بالدخول إليها من باب الاجتهاد إلا في المسائل الدقيقة التي ظهر فيها الخلاف بين الفقهاء. فالخلاف هو في تفاصيل لن تغير من مقصوصة الحقوق التي تؤثر على تركيبة المجتمع الاقتصادية كما سنرى بإذنه. كيف؟ إن كمية ما يجب إخراجه من الزكاة ووقت إخراجه أمران حددهما الشرع، فلا مجال للتلاعب فيهما، فلا يمكن لسلطان أن يغيرهما محاولة منه لزيادة دخل خزينته. تأمل تأكيد الشريعة على أن أي شيء يطلبه السلطان زيادة على الزكاة فللمسلم رفضه. ففي صحيح البخاري: «.. حدثني ثمامة بن عبد بن أنس: أن أنساً حدثه: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله،
الله
٢٦٠ 🗏
.«...
ط
فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط : في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة، ... الحديث». وفي شرح: «ومن سئل فوقها فلا يعط»، يقول ابن حجر: «أي من سئل زائداً على ذلك في سن أو عدد فله المنع. ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه. وقيل معناه فليمنع الساعي وليتول هو إخراجه بنفسه أو يدفعها لساع آخر فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعدياً وشرطه أن يكون أميناً، ... إن الأحرى بعبارة «ومن سئل فوقها فلا يعط» أن تعلق على مدخل كل سلطان. فالزكاة مقدارها ثابت معلوم ولا حق للسلطات فيها، بل السلطات واسطة أحياناً بين المستحقين والدافعين للزكاة كما سترى بإذن الله. ومن جهة أخرى، ولأن الزكاة مسألة يصعب ضبطها من قبل السلطات إذ أنها أمر تعبدي بين المرء وربه، ولعظم أمرها، وحتى لا تكون عرضة للتلاعب فمع تثبيت الزكاة أتت النصوص كما هو معلوم بحث الناس عليها. فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب، ويقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم ،مهره، أو فصيله، حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد»، والأحاديث في هذا كثيرة. وفي الوقت ذاته، غلظت الشريعة في عقاب مانع الزكاة في الدنيا والآخرة. وهنا يتبادر سؤال: لماذا هذا التحفيز لدفع الزكاة مع التغليظ في العذاب لتاركها إن كان للحاكم أخذها ؟ فكل ما على الدولة فعله . هو أخذ المال بعد تقدير الزكاة من الناس قصراً. والإجابة والله أعلم كما سترى في هذا الفصل فإن الزكاة مسألة تعبدية وتخرج من المزكي بطيب نفس حتى وإن لم يدفعها للدولة، بل المهم إخراجها . وبهذا ستخرج أموال الزكاة من الحسبان كمصدر مالي لبيت المال لتبقى مصدراً لا يُعتمد عليه في حسابات بيت المال. وفي هذه الحركية إثراء للناس مقارنة بالدولة. وهذه وصفة مهمة لعزة الأمة كما سترى بإذن الله . ولكن الأهم هو أن مثل هذه الحركيات (وهي موضوع ما بقي من هذا الفصل تمنع الاصطدام بين الأفراد والسلطات إن طبقت الشريعة وذلك لإزالة الوضع التدافعي المتوتر بين الطرفين بسبب اختلاف المصالح. وفي هذا تسخير للطاقات للمزيد من الإنتاج لعزة الأمة.
۸۳
ك
الزكاة نوعان، أحدهما هو نماء في نفسه كالحبوب والثمار والمعادن الخارجة من الأرض، وهذه تجب فيها الزكاة عند استخراجها، والآخر هو ما يرصد للنماء كالتجارة والحيوان، وهذه حددت زكاتها بالدفع مرة واحدة في السنة بعد تمام الحول، وحتى يتم إيضاح السابق ولكي نقف على حكم الزكاة في التمكين والحقوق سأوضح بعض معالم الزكاة دون الدخول في التفاصيل لكثرتها. ولكن ثق أخي القارئ أنك كلما تأملت تفاصيلها كلما ازددت إعجاباً بحكمتها في الفصل بين الناس المؤدي لتمكين الأمة، إلا أن المقام هنا لا يتسع لعرض التفاصيل.
*** هامش ***
ذلك» (٨٤).
ط) لم يقل أحد من العلماء بزيادة الزكاة، وهناك رأي ضعيف أن من النار. وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا يؤتى به وبإبله يـوم مانع الزكاة يؤخذ شطر ماله عقاباً له. حتى في هذه الحالة، أي إن القيامة أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر . ثم تستن عليه وتخبطه حاول شخص منع إخراجها ولكنه معتقد بوجوبها، فإن أكثر أهل بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما انقضى آخرها عطف عليه أولها. حتى العلم قالوا بأنها تؤخذ منه ويعزر مانعها. قال ابن قدامة ولم يؤخذ يقضي الله تبارك وتعالى بين خلقه، في يوم كان مقداره خمسين ألف زيادة عليها في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي سنة. ثم . ـة. ثم يرى سبيله من الجنة أو النار، ثم ذكر في الغنم والبقر مثل وأصحابهم» (۸۲). ي) فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من (ك) إن الأموال التي تدفع عنها الزكاة خمسة: السائمة من بهيمة صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا يؤتى به وبكنزه يوم القيامة أوفر ما الأنعام والأثمان وهي الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة. وهذه كان، فيضرب صفائح ثم يحمى عليها في نار جهنم ثم يكوى بها يشترط الحول لوجوب زكاتها، أما مـا يكـال ويـدخـر من الزروع جبينه وجنبه وظهره. كلما بردت صفيحة أحميت، حتى يقضي الله بين والثمار، وما يستخرج من الأرض من معادن فهذه لا يعتبر فيها الحول خلقه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. ثم يرى سبيله من الجنة أو (٨٥).
ه الأموال
٢٦١
الزروع والثمار والتوقيتين
٨٦
بالنسبة للزروع والثمار فقد أوجبها سبحانه وتعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ .....﴾ والزكاة في الآية تسمى نفقة. وقال تعالى: ﴿... كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ...﴾ قال ابن عباس حقه أي الزكاة المفروضة . وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى
٨٩
۹۰
AV
ΑΛ
أن النصاب هو خمسة أوسق بعد تصفية الثمار مما بها من قشور وتبن ونحوهما، أما إن تركت في قشرها فالنصاب هو عشرة أوسق، والوسق ستون صاعاً. ومن الأدلة على ما سبق الحديث المتفق عليه: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ، وما رواه البخاري في صحيحه عن عمارة بن أبي الحسن أنه سمع أبا سعيد رضي الله عنه يقول: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة. إلا أن أبا حنيفة ذهب إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء العشر)، وذلك لأنه لم يعتبر في هذه الثمار حول فلا يعتبر لها نصاب. وممن ناقش هذا الرأي ابن القيم وابن قدامة والشوكاني ورجحوا صحة مذهب الجمهور بطريقة مقنعة. فقد قال ابن القيم أثابه الله مناقشاً لدحض رأي من أخذوا بما ذهب إليه أبو حنيفة: «وقد وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق، بالمتشابه من قوله : ( فيما سقت السماء العشر، وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر). قالوا: وهذا . القليل والكثير، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص ، وإذا تعارضا قدم الأحوط، وهو الوجوب . فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر، وإلغاء أحدهما بالكلية، فإن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فرض في هذا ، وفي هذا، ولا تعارض بينهما بحمد الله تعالى، بوجه من الوجوه...».
يعم
ل
لعل أول ملحوظة لحد النصاب هو أنه حدد بالكيل (أي بالأحجام) وليس بالأوزان. فعند ملء الصاع بالعدس يختلف عن ملئه بالشعير لاختلافهما في الأوزان. ومع ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حدد النصاب بالأحجام بخمسة أوسق، لماذا؟ يقول ابن قدامة: «والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة، وإنما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات والمكيلات تختلف في الوزن فمنها الثقيل كالحنطة والعدس، ومنها الخفيف كالشعير والذرة، ومنها المتوسط، ... » . إن العبارة السابقة تثير سؤالاً عن العلاقة بين الوزن والحجم أي الكيل. وأعتقد أننا بحاجة كأمة مسلمة لبحث مستفيض للإجابة على هذه العلاقة. ولكن الذي يظهر لي الآن والله أعلم هو أن اعتبار النصاب بالحجم سينزع الخصومة من بين الناس ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ ، ويدفع المجتمعات لتمكين أكثر. كيف؟
۹۲
قلت سابقاً بأن التدافع بين الناس والسلطات في الزكاة قد يؤدي للمشاحة بينهم إن كثرت مواضع الإختلاف. لذلك أتت الشريعة بحكمتها لإلغاء هذه المواضع. وهذا ما ستلحظه فيما بقي من هذا الفصل. وهذه نقطة يجب التوقف عندها وتأملها لأن في الاختلاف تدمير لأفراد المجتمع، وهذا ما لا تريده الشريعة. فقد
*** هامش ***
ل) وتكملة ما جاء في النص : « ... فإن قوله: (فيما سقت السماء فكيف يجوز العدول عن النص الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير العشر إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر، وما يجب فيه ما أول عليه البتة إلى المجمل المتشابه، الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم نصفه، فذكر النوعين، مفرقاً بينهما في مقدار الواجب. وأما مقدار لم يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما النصاب فسكت عنه في هذا الحديث وبينه نصاً في الحديث الآخر، يخصصها من النصوص؟» (۹۱).
٢٦٢ 🗏
۹۳
اشترطت الشريعة للنصاب أن تكون الثمار جافة كالتمر وليس الرطب، والزبيب وليس العنب، وما هذا إلا لحكمة تتجلى في الآتي والله أعلم: إن وجوب الزكاة هو في بدو الصلاح، أي قبل الجفاف، فقد جاء في المجموع: «ولا يجب العشر حتى يبدو الصلاح في الثمار، وبدو الصلاح أن يحمر البسر أو يصفر ويتموه العنب، لأنه قبل بدو الصلاح لا يقصد أكله فهو كالرطب، وبعده يقتات ويؤكل فهو كالحبوب». أما وقت الإخراج فهو بعد تصفية الحب م وجفاف الثمر. فإن أخرج المالك الرطب والعنب في الحال لم يجزئه بلا خلاف إلا في الحبوب لأن الزكاة تجب فيها يوم حصادها لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ . أي أن الشريعة وضعت وقتاً محدداً لوجوب الزكاة، يحق فيها للمالك التصرف في الثمرة والحب قبل الوجوب، أما بعـد بـدو الصلاح فهو ملزم بالزكاة، ثم وضعت الشريعة وقتاً آخر بعده لإخراج الزكاة، وهو وقت تصفية الحبوب وجفاف الثمر، وما بين التوقيتين هو الزمن الذي يحتاجه المالك لتجهيز الثمر ليكون قوتاً. والحكمة من هذين التوقيتين هو إعانة الفقراء لأنهم إن أخذوا الزكاة وهي ليست قوتاً يُدخر فقد لا تكتمل الفائدة لهم، لذلك قصت الشريعة بالإلزام بالزكاة في وقت ثم الإخراج في وقت آخر لتقع مهمة تحويل الثمار لقوت يدخر على كاهل المزكي والذي هو أكفأ من الفقراء في هذه المسألة، أي مسألة القوت المدخر فأخذ زكاة الكروم كزبيب أدوم للفقير من أخذه كعنب، وأخذ التمر أدوم له من أخذه رطباً، وهكذا. فتأمل هذا الإعجاز التشريعي ثم قارنه بالآتي:
الأوزان أم الأحجام
:
ومن جهة أخرى فإن هناك فائدة أكبر لهذين التوقيتين: ألا وهي أن هذه المدة المعدة للتجفيف والتصفية ضرورة لتوحيد النصاب في الزكاة بالأحجام وليس الأوزان في كل الثمار حتى يتمكن المجتمع بكل سهولة من تحديد مقدار الزكاة تلافياً للخلاف، فليس لكل صنف نصاب خاص به، بل نصاب واحد لكل الثمار باختلاف أنواعها، فالثمار مختلفة في رطوبتها عند بدو صلاحها، منها ما هو أقرب للجفاف كالفستق، ومنها ما هو رطب كالعنب، لذلك اشترطت الشريعة النصاب في الثمار وهي جافة لعلة تتعلق بالكثافة، والله أعلم. فهناك علاقة بين الوزن والحجم من خلال الكثافة فوزن الشيء هو حاصل ضرب حجم الشيء في كثافته. وبهذا يكون الحجم. حاصل قسمة وزن الشيء على كثافته، ولأن الكثافة متغيرة بتغير مادة الصنف نظراً لتغير كمية السوائل داخل الثمرة، كالتفاوت بين العنب والبندق، فقد قررت الشريعة أن يكون النصاب على الثمار بعد جفافها منعاً للخلاف. وبهذا تم تثبيت الحجم بين الأصناف، فإن لم تفعل ذلك الشريعة لتعقدت الأمور ولظهر الخلاف. فإن لم يتم اشتراط التجفيف وكان النصاب بالأوزان للزم تحديد وزن مختلف لكل صنف لأن الأصناف تتفاوت في أوزانها
*** هامش ***
هو
م) جاء في المجموع: «إذا قلنا بالمذهب: أن وقت الوجوب هو بدو حصاده، لقول الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ، يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وفائدة الصلاح واشتداد الحب قال الشافعي والأصحاب: لا يجب الإخراج الخلاف أنه لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه، في ذلك الوقت بلا خلاف، لكن ينعقد سبباً لوجوب الإخراج إذا صار لأنه تصرف فيه قبل الوجوب، فأشبه ما لو أكل السائمة أو بأعها قبل تمراً أو زبيباً أو حباً مصفى، و ، ويصير للفقراء في الحال حق يجب دفعه الحول، وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة عنه، كما لو إليهم بعد مصيره تمراً أو حباً، فلو أخرج الرطب والعنب في الحال لم فعل ذلك في السائمة، ولا يستقر الوجوب على كلا القولين حتى تصير يجزئه بلا خلاف» (٩٤) . الثمرة في الجرين، والزرع في البيدر، ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو ن) يقول ابن قدامة: «ووقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد وفي تفريط منه فيه فلا زكاة عليه، ...» (٩٥). الثمرة إذا بدا صلاحها، وقال ابن موسى: تجب زكاة الحب يـوم
ه الأموال
٢٦٣
معه
أكثر نظراً لكثافاتها المختلفة دون تجفيف ولأن الأصناف كثيرة جداً فسيصعب إيجاد علم سهل في الزكاة يتيسر لجميع الناس إدراكه والتعامل معه إن كان لكل صنف نصاب مختلف وزناً؛ ولظهرت أيضاً صعوبة على العلماء المجتهدين الذين سيحاولون من خلال القياس إيجاد نصاب الزكاة لما يستجد من أصناف زراعية. وبهذا يكثر التلاعب بين الناس في إخراج الزكاة ما سيؤدي لمشاحة بين الناس والسلطة. وبهذا يكون الحجم هو الأقرب للدقة والسهولة في حساب الأنصباء بقليل من المجهود الفكري للمجتمع لسببين:
الأول هو أن الأحجام أسهل في تقدير الزكاة على الناس لأن لكل ثمر «وعاء يجمع فيه»، وهذه الأوعية مهما تعددت أو تخصصت لكل ثمر فإن حجمها بالنسبة للصاع يمكن تحديده مرة واحدة ومن ثم يتم إخراج الزكاة بسهولة على الدوام دون الحاجة للوزن. أي اننا أستخدمنا أداة واحدة، وهي الوعاء ذاته لتحديد النصاب. أما إن كانت الأنصباء بالأوزان لاحتاج الناس لأداة لقياس الوزن، بالإضافة للأوعية التي يجمع فيها الثمر، أي لاحتاج الناس لأداتين، وفي هذا ضعف المشقة. والسبب الثاني هو أن الشريعة حاولت تسهيل أمور المزكين، وكان هذا من خلال الخرص، والخرص هو تقدير الزكاة على الثمر وهو في الشجر (وسنوضحه بإذن الله)، وهذا التقدير لا يكون إلا بالنظر للثمر وهو على الشجر قبل قطفه. وبالطبع فإن الخرص أسهل تقديراً بالحجم بمجرد النظر إليه، وليس كالوزن، لأن الوزن إحساس بثقل الشيء، وهذا «قد» يصعب من غير ميزان. أما الحجم فهو يقدر بالنظر وعن بعد ببعض الخبرة. والخرص ضرورة في إخراج الزكاة تلافياً للمشاحة كما سنوضح بإذن الله.
تحديد السعر لها وهي لكثير من الجهد والأدوات والأهم هـ هو
وبالإمكان إضافة سبب ثالث والله أعلم وهو التصنيع فكما قلنا، فإن الإسلام دين أصلح للأجيال اللاحقة منه للسابقة، لذلك لابد من التمسك به دون تغييره بتقادم الزمن. فقد تم مع الأسف تغيير نصاب الزكاة إلى الأوزان في جميع الدول تقريباً. أما إن لم يتم التغيير واستمرت الزكاة بالأحجام، فمع ظهور التصنيع لصنعت الأكياس (البلاستيكية مثلاً) بأحجام مرتبطة بالصاع أو حتى باللترات. فيظهر كيس سعته صاع واحد أو نصف صاع كعرف بين الناس، أو كيساً كبيراً يعادل كذا صاعاً أو كذا لتراً. وعند التعامل في السوق بهذه الأكياس يظهر ممتلئة بثمر ما، فلن تكون هناك حاجة للتعامل بالموازين في الأسواق أبداً. وفي هذا توفير تلافي الغش بين المتعاملين لأن مجرد نظرة واحدة للكيس وهو ممتلئ سيعطي الزبون فكرة عن حقه، إذ لا يستطيع البائع تغيير حجم الكيس لأن الصانع للكيس هو جهة ثالثة. ناهيك أن نفس الكيس قد يستخدم لخزن الثمر أيضاً. وفي هذا توفير كبير للوقت والمواد. أما الأوزان، ولأن الكثافات مختلفة للمواد الاستهلاكية فإن وحدة وزن واحدة (كالكيلوجرام مثلاً) ستتطلب لكل سلعة حجماً مختلفاً، وبالتالي كيساً مختلفاً، ولأن الأكياس ذات مقاسات محددة، فسيكون لكل سلعة بوزن معين حجم . مختلف داخل الكيس. ولعلك لاحظت ذلك، فلعلك رأيت أن الأكياس لا تملأ عادة بالمواد، فهي مملوءة لأكثر من نصفها قليلاً أو لأقل من ثلاثة أرباعها وهكذا. وفي هذا فتح الأبواب التلاعب للتجار إلا من رحم ربك. وكما يقال: فإن المال السائب يعلم الناس السرقة، وهنا قد يصارع التاجر نفسه ليقاوم السرقة، إذ بإمكانه إنقاص الوزن دون علم الزبون الذي لن يستشعر الوزن كرؤية الكيس ذي الحجم الذي سيصبح عرفا إن طبقت الشريعة. فكما يقال: «عين الحر ميزان»، وهذه مقولة تشير إلى صعوبة إدراك الوزن بالنظر وليس كالأحجام الأسهل، فتأمل
٢٦٤ 🗏
الصاع
۹۷
٩٦
إن تحديد الصاع مسألة تفصيلية، فبإمكانك أخي القارئ قفز الصفحات الثلاث القادمة للعنوان الآتي: «الحكمة من الخرص». إننا نعيش في مجتمعات انقطعت عن تراثها في المكاييل والأوزان. فقد نشأ معظمنا في ظل مقاييس غربية كالكيلوجرام للأوزان واللترات لأحجام السوائل. وأما تراث الزكاة فقد كان بالصاع والوسق. ولقد نظرت لما هو موجود للربط بين عهد السلف والحاضر فلاحظت تفاوتاً. فيقول السيد سابق أن الصاع أربعة أمداد، وأن المد حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين. فقسته فوجدت أن المدين من التمر المجفف يعدل كيلوجراماً واحداً. أي أن الصاع يعدل اثنان من الكيلوجرامات بناءً على قوله. بينما هو في السعودية يعادل ثلاثة كيلو جرامات كما أقرت الدولة . وهناك أيضاً قول أن الوسق هو حمل البعير وحمل البعير يزيد وينقص» كما ذكره الشيرازي. لذلك فنحن بحاجة في هذا الكتاب للربط الدقيق قدر الإمكان بين ما كان سابقا وبين مكاييل اليوم. وتأتي أهمية هذا الربط للوقوف على كيفية سيولة الأغذية بين الناس. فالأغذية تنتقل من يد غنية إلى يد فقيرة عند بلوغها النصاب عن طريق الزكاة. وقد يكون من المحال الوقوف على حِكَم الزكاة إن لم نتمكن من هذا الربط وبالتالي فلن ندرك النصاب ومقداره، وهل هو أداة تدفع المزكين لمزيد من العطاء أم أنه سيثقل كاهلهم ويثبط هممهم. وكما سترى بإذن الله ، فإن انسياب الضروريات بالزكاة من الأغنياء للفقراء سيؤدي لاكتفاء ذاتي غذائي للمجتمع، وبهذا ينطلق الفقراء للعمل والعطاء وبالتدريج ينعدم الفقر وتعز الأمة. وفي الوقت ذاته فإن ما يخرجه المالك من الزكاة لن يثبط همته في الإنتاج. وبهذا جمعت الشريعة بين رفع الإنتاجية ومحاربة الفقر. كيف؟
۹۸
للوصول لنصاب الزكاة بمعايير اليوم سأستخدم وسيلتين: الأولى عن طريق الكفارات، والثانية عن طريق الأحجام. فبالنسبة للأولى وهي الأقل دقة : فما هي كمية الأكل المعتبرة للمسكين الواحد لكفارة اليمين مثلاً؟ جاء في الأموال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: هل معك من دم؟ قال: لا. قال: فإن شئت فصم ثلاثة أيام، وان شئت فتصدق بثلاثة أصع تمراً بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع واحلق رأسك. ومن أحاديث كفارة الوطء في رمضان وأحاديث أخرى نستنتج أن نصف صاع هي ما تغذي الفرد لوجبة واحدة بمعايير تلك الأيام. ١٠٠ ولكن ما هو مقدار التغذية وإلى أي حد؟ لذلك لابد من الآتي:
۱۰۰
س
بالنسبة للوسيلة الثانية وهي الأحجام، فلابد لنا من معرفة حجم الصاع بمعايير اليوم، فهو مقياس للأحجام وليس للأوزان. وهناك طريقتان للوصول لحجم الصاع: الأولى هي من خلال وضوئه واغتساله صلى الله عليه وسلم؛ والثانية بقبول نتائج أبحاث الآخرين. بالنسبة للطريقة الأولى، فبحسبة بسيطة نستنتج أن الصاع يساوي أربعة أمداد، وذلك من القول الآتي لابن قدامة:
*** هامش ***
لما
س) جاء في المغني في كفارة الوطء في رمضان: «لا نعلم خلافاً بين ثلاثين صاعاً. وقال أبو حنيفة: من البر لكل مسكين نصف صاع، أهل العلم في دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان في الجملة، ومن غيره صاع لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن وهو مذكور في الخبر، والواجب فيه إطعام ستين مسكينا، في قول صخر : فاطعم وسقا من تمر. رواه أبو داود. وقال أبو هريرة: يطعم عامتهم، وهو في الخبر أيضاً، ولأنه إطعام في كفارة فيها صوم شهرين مداً من أي الأنواع شاء. وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي ، متتابعين فكان إطعام ستين مسكيناً ككفارة الظهار. واختلفوا في قدر روى أبو هريرة في حديث المجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ما يطعم كل مسكين، فذهب أحمد إلى أن لكل مسكين مدبر، وذلك بمكتل من تمر قدره خمسة عشر صاعاً فقال: خذ هذا فأطعمه عنك. خمسة عشر صاعاً أو نصف صاع من تمر أو شعير، فيكون الجميع رواه أبو داود، ولنا ما روى أحمد ...» (۹۹).
ه الأموال
٢٦٥
«وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة . وروى جماعة عنه، أنه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي رطل حنطة. وقال حنبل: قال أحمد : أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبو النضر : أخذته من ابن أبي ذئب. وقال: هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعرف بالمدينة. قال أبو عبد الله، فأخذنا العدس فعيرنا به، وهو أصلح ما يكال به، لأنه لا يتجافى عن اضعه، فكلنا موا به ثم وزناه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث. قال: هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما بيّن لنا من صاع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض أهل العلم: أجمع أهل الحرمين على أن مد النبي صلى الله عليه وسلم رطل وثلث قمحاً من أوسط القمح، ...
1-1
.....
فإذا كان الصاع يحوي خمسة أرطال وثلث على أصح الأقوال، والمد يسع رطلاً وثلث، فإن الصاع يحوي أربعة أمداد (أي ٥,٣٣٣ مقسوماً على ۱,۳۳۳ ليكون الناتج (٤) . وهذا الاستنتاج يؤكده ابن حجر في حديث أنه البخاري الذي رواه ابن جبر سمع أنسا يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل أو كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد». فيقول ابن حجر موضحاً: «أي ربما اقتصر على الصاع وهو أربعة أمداد، وربما زاد
عليها إلى خمسة ... » .
۱۰۳
ص
ولكن ما هو مد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ روى النسائي عن صفية عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بقدر المد ويغتسل بقدر الصاع». وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت: «كنت اغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال له الفرق». والفرق ثلاث أصع، قال النووي: «وكذا قال الجمهور». ولعل من يراجع أحاديث وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم واغتساله سيلحظ أنها مختلفة بعض الشيء. ء. إلا أن أبا عبيد يوضح هذا الاختلاف بالقول: «فجاءت هذه الأحاديث في الغسل بألفاظ يتوهم السامع أنها مختلفة المعاني لاختلاف لفظها، وليست كذلك ، ولكن المعنى فيها كلها إنما يدور على وقتين من الماء أقصاهما ثمانية أرطال، وأدناهما صاع، وهو خمسة أرطال وثلث. وسائر هذه الأحاديث إنما ترجع إلى أحدهما، لا يخلو من ذلك لمن عرفه ...». ويستنتج قائلاً: «فكان غسله صلى الله عليه وسلم إنما يتردد فيما بين هذين الوقتين على قدر ما يحضره من الماء، غير أنه لا ينتقص من الصاع. وهو خمسة أرطال وثلث، ولا يزيد على صاع ونصف، وهو ثمانية أرطال . ...». أما إن اغتسل وحده، فإن أبا عبيد يستنتج حجم الماء الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدمه فيقول: «وأما الذي ذكر فيه الأمداد الخمسة يغتسل بها وحده، فهو مثل الأحاديث التي ذكرناها في الغسل بالصاع، والوضوء بالمد. وذلك أنه كان يتوضأ قبل الغسل بمد، ثم يغتسل بعد ذلك بالصاع، وهو أربعة أمداد،
۱۰۷
فتلك خمسة لاغتساله خاصة » . ^.
۱۰۸
إن الإشكالية تكمن والله أعلم في أن الفقهاء كانوا يتأرجحون بين الأحجام والأوزان بطريقة هم
*** هامش ***
عنه
ع) لقد ظهر خلاف بين أهل العراق وأهل الحجاز حول مقدار الصاع قرن. وقد كان يعقوب زماناً يقول كقول أصحابه فيه. ثم رجع ع بالأرطال، هل هو ثمانية أرطال ( وهو قول أهل العراق)، أم خمسة إلى قول أهل المدينة» (١٠٢). أرطال وثلث بالبغدادي؟ وما ذهب إليه الجمهور هو أن القول الأصح ف) وهناك حديث آخر في كتاب الأموال لأبي عبيد: «كان رسول هو قول أهل الحجاز، أي خمسة أرطال وثلث. فقد جاء في كتاب الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد» (١٠٤). الأموال نقداً لما قاله أهل العراق من أن الصاع ثمانية أرطال : «وقد ص) وجاء في فتح الباري: «... وقيل الفرق صـاعـان، ولكن نقل اضطرب مع هذا قولهم، فجعلوه أنقص من ذلك ، وأما الحجاز فلا أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة أصع، وعلى أن الفرق ستة عشر اختلاف بينهم فيه أعلمه أن الصاع عندهم خمسة أرطال وثلث، رطلاً ...» (١٠٥).
يعرفه عالمهم وجاهلهم، ويباع في أسواقهم، ويحمل علمه قرن عن ق) يعني حالتين في استعمال الماء (١٠٦).
٢٦٦ 🗏
يفهمونها في عصرهم
لأن المكاييل والأوزان كانت معروفة ودائمة ولم يكن ليخطر لهم أنها قد تتغير يوماً ما. فلم أجد فيما كتبه علماء السلف، وقد يكون هذا قصوراً مني، معياراً دقيقاً يربط بين الحجم والوزن كما فعل الغرب. فقد اتفقوا في الغرب على وحدة حجم واحدة، وهي اللتر من الماء ليكون وزنها كيلوجراماً واحداً. فعندما نقرأ عن الرطل في كتب السلف مثلاً لا ندري بالضبط كم هو، فهناك الرطل الشرعي والرطل البغدادي، وكذلك الصاع. فإن علمنا مثلاً أن ألف حبة من البندق المتوسط الحجم المزروع في منطقة كذا وما إلى ذلك من مواصفات دقيقة، وأنها تزن كذا وحجمها كذا في وقت أبي عبيد مثلاً، لقمنا باللازم بتقدير ذلك لثبات وزن حبة البندق مثلاً، ثم علمنا مقدار الصاع حجماً. فما الحل؟ بالنسبة للطريقة الأولى، وهي تقصي اغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وكم استهلك من الماء، مراعين أنه كان يستهلك أقل القليل، فإن قمت بالوضوء ثم الاغتسال بحرص شديد، فستحتاج إلى كمية من الماء لن تقل عن ثلاثة لترات، أي أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان لا يستخدم أقل من ثلاثة لترات. لذلك، ومن قبيل الاحتياط، فإن ثلاثة لترات لن تقل عن خمسة أمداد، وقد تزيد عنه. أي أن المد لن يقل عن ستة أعشار (٠,٦) لتر. فلن يقل بذلك الصاع عن ٢,٤ لتراً وقد يزيد عنه. أما إذا قمت بالوضوء بحرص وغسلت الأعضاء مرة واحدة بأقل القليل من الماء فستحتاج لما لا يقل عن نصف لتر ماء. وبهذا فلن يقل المد عن نصف لتر ماء وقد يزيد عنه. وسيكون الصاع عندها لترين. ١١٠ أي أن الصاع يقع في الغالب بين لترين و ٢,٤ لتراً. وبرغم أن هذه الوسيلة ليست دقيقة، إلا أنها تؤدي لبعض الاطمئنان بالتجربة الملموسة إلى ترجيح الآتي:
ش
11.
أما الطريقة الثانية وهي تبني أبحاث الغير فهي كالآتي: لقد اختلف الفقهاء في مقدار الصاع، هل هو خمسة أرطال وثلث بغدادية (وهو قول الجمهور أم أنه ثمانية أرطال (وهو) مذهب أبي حنيفة). لكن المتتبع لأدلة الطرفين، ومن التجربة السابقة، سيقتنع بأن ما ذهب إليه الجمهور بأن الصاع خمسة أرطال وثلث بغدادية هو الأرجح. ولكن السؤال هو : خمسة أرطال وثلث من ماذا؟ لأن الثمار تختلف في أحجامها بنفس الوزن؟ ثم هناك اختلاف آخر عن الرطل : فما هو وزن الرطل بالنسبة لنا الآن ؟ لقد ذهب الفقهاء على اعتبار وزن خمسة أرطال وثلث من البر الجيد هو الحجم الأرجح لصاع واحد. إلا أنني لم أقف على حجم الصاع باللترات (وحدة حجم) بل بالجرامات، وهي وحدة وزن ففي بحثه للدكتوراه توصل الدريويش إلى أن أنسب الأقوال ما قاله هو علي باشا مبارك في كتابه «الميزان في الأقيسة والأوزان» بأن الصاع يعادل ٢١٧٤٤ جراماً وذلك من خلال حسابات تفصيلية لكل من المثقال والدرهم. أي أن الصاع يعادل كيلوين ومئة وأربعة وسبعين جراماً وأربعة بالعشرة من الجرام. وبالنسبة للأحجام فقد استنتج أن الصاع يعادل ٢,٧٥ لتراً من الماء تقريباً. ۱۱۲ أما القرضاوي فقد توصل في كتابه «فقه الزكاة» إلى أن الصاع يعادل ٢,١٥٦ كيلواجراماً حسب الوزن بالقمح وأن هذا المقدار يساوي ٢,٧٥ لتراً.١١٣
*** هامش ***
ر) لقد كان هناك صاع أستخدم أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي فقلت: أبا عبد الله، خالفت شيخ القـوم. قال: من هـوة ؟ قلت: أبو الله عنه، وقد استحدثه الخليفة، ذلك أنه رضي الله عنه «لما شعر بتردي حنيفة يقول ثمانية أرطال. فغضب غضبا شديداً ثم قال لجلسائنا، يا أوضاع العراق الاقتصادية بعد الفتوحات عمد إلى إيجاد حلول لهذا فلان هات صاع جدك ؛ يا فلان: هات صاع عمك؛ يا فلان: هات التردي، فأمر بتنقيص وزن الدرهم، وأن يكبر في مقابل ذلك الصاع صاع جدتك. قال إسحق : فاجتمع أصع، فقال: ما يحفظون في هذا؟ فصارت تؤخذ عليه أرزاق الجند، وترزق عليه الذرية، وذلك طلباً فقال هذا : حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي للإحسان إلى الرعية ...» (۱۰۹) . صلى الله عليه وسلّم. وقال هذا : حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي ش) لعل في الأثر الآتي توضيح لما أقصده: فعن إسحق بن سليمان بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر : حدثني أبي عن الرازي قال: «قلت لمالك بن أنس: أبا عبد الله ، كم قدر صاع النبي أمه أنها أدت بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال مالك : أنا
صلى الله عليه وسلم ؟ قال : خمسة أرطال وثلث بالعراقي، أنا حزرته حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثاً» (١١١).
ه الأموال
٢٦٧
وهاتان النتيجتان متشابهتان برغم اختلافهما في نتيجة الوزن نظراً لاختلاف الواسطة المستخدمة في التقدير (بالمثقال أو بالقمح). وبهذا نستطيع الاطمئنان والاستمرار بأن الصاع يعادل بالتقريب ما بين ٢٠١٦ و ٢,١٧ كيلوجراماً وأنه في الأرحج ٢,٧٥ لتراً.
الحكمة من الخرص
ومن جهة أخرى، فإن الوسق ستون صاعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الوسق ستون صاعاً». وبرغم أن الحديث ضعيف إلا أن الإعتماد كان على الإجماع الذي نقله ابن المنذر وغيره في أن الوسق ستون صاعاً.١١٤ فإن كان نصاب الزكاة هو خمسة أوسق فيكون النصاب بذلك ثلاث مئة صاع لكل صنف، أي ألفاً ومائتي مد (وهو حاصل ضرب ٤ في ٣٠٠) أو ٨٢٥ لتراً. أما بالوزن فإن النصاب سيكون حسب ما توصل إليه علي باشا مبارك ٦٥٢ كيلوجراماً، أو ۹۰۰ كيلوجراماً حسب ما تقرر في السعودية (أى ۳۰۰ صاعاً مضروباً في ٣ كيلوجراماً).
ثم يكون السؤال: كم سيكون نصيب الأسرة مما يُستهلك في اليوم الواحد من كل صنف من الثمر المدخر المجفف حتى بلوغ النصاب؟ إن أهمية هذا السؤال هو في تحديد مقدار ما يتمتع به الإنسان في السنة من الثمر قبل أن يخرج الزكاة. فإن علمنا الإجابة فلعلنا نستشعر تأثير الزكاة على الإنسان وعلى عطائه للمجتمع من زاوية التمكين. لذلك . سنقسم النصاب على عدد أيام السنة، ولكن يجب ألا ننسى أن هناك أياماً للحصاد، وهي صنف لآخر، فقد تصل أيام الحصاد إلى الشهرين. وفي أيام الحصاد هذه يكون للناس الأكل من الثمر طازجاً دون
احتساب ما يؤكل في نصاب الزكاة. كيف؟
الخرص هو
تختلف من
الحزر والتخمين. فإذا أزهت الثمار وبدا صلاحها يتم تقدير النصاب فيها بالخرص تقديراً للكيل. ففي صحيح البخاري: .... عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا إمرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرصوا. وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق . فقال لها أحصي ما يخرج منها ..... ويقول ابن حجر موضحاً الخرص في هذا الحديث: «هو حزر ما على النخل من الرطب تمراً، حكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصاً ينظر فيقول : يخرج من هذا كذا وكذا زبيباً وكذا وكذا تمراً فيحصيه وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم ويخلي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ العشر». ويقول أبو عبيد موضحاً: «إنما أمرها النبي بالإحصاء - فيما نرى - لتعلم أنه كما خرص عليها، فيكون أطيب لنفسها، وليس ذلك أن يكون كان لارتياب منه فيما خرص صلى الله عليه وسلم».١١٦ وسبب الخرص هو أن
*** هامش ***
منهم
ت) جاء في المجموع في شرح الخرص: «... وصفته أن يطوف بالنخلة الصحيح المشهور في المذهب. وقال صاحب الحاوي: اختلف ویری جمیع عناقيدها ويقول : خرصها كذا وكذا، ثم يفعل بالنخلة أصحابنا في قول الشافعي: يطيف بكل نخلة، فقيل: هو شرط لا يصح الأخرى كذلك ثم باقي الحديقة ولا يجوز الاقتصار على رؤية البعض الخرص إلا به لأنه اجتهاد فوجب بذل المجهود فيه، وقيل هـو وقياس الباقي به لأنها تتفاوت، وإنما يخرص رطباً ثم يقدر تمراً لأن مستحب واحتياط وليس بشرط لأن فيه مشقة، والثالث قال وهو الأرطاب تتفاوت، فإن اختلف نوع الثمر وجب خرص شجرة شجرة الأصح: إن كانت الثمار على السعف ظـاهـرة كعادة العراق وإن اتحد جاز كذلك وهو الأحوط وجاز أن يطوف بالجميع ثم فمستحب، وإن استترت به كعادة الحجاز فشرط، ...» (١١٥). يخرص الجميع دفعة واحدة رطباً ثم يقدر تمراً، هذا الذي ذكرناه هو
٢٦٨ 🗏
العادة جرت بأن تؤكل الثمار رطبة، فكان من الضروري إحصاء الزكاة قبل أن تقطع وتؤكل. وهنا ظهر خلاف: فقد أنكر أبو حنيفة الخرص لأنه رجم بالغيب بالنسبة له وظن وتخمين لذلك لا يلزم به الحكم. إلا أن الجمهور احتج بجملة من الأدلة منها حديث حميد الساعدي المتفق عليه السابق الذكر، وحديث سعيد بين المسيب عن عتاب بن أسيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم». وبرغم أن الحديث فيه انقطاع لأن سعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب لكنه اعتضد بغيره من الأحاديث وبعمل الصحابة، وعمل أكثر أهل العلم كما قال النووي. وهناك أدلة أخرى. كما أن الخرص لا يعمل به في جميع الثمار، بل فقط في التي يمكن حصرها بالنظر. فقد ذهب الجمهور على أنه لا يخرص في الزيتون مثلاً لأن حبه متفرق في شجره مستور بورقه ولا حاجة بأهله إلى أكله بخلاف النخل والكرم . وبهذا قال مالك وأحمد. وقال الزهري والأوزاعي والليث: يخرص الزيتون ونحوه لأنه ثمر تجب فيه الزكاة. ۱۱۸ ولكن بغض النظر عن هذا الخلاف، فمن حيث التمكين، فإن كان الهدف من الخرص هو التوسعة على أرباب الثمار ليتسنى لهم ولمعارفهم الأكل وقت القطف، فإن هذا الأكل حاصل في كلا الحالين، سواء تم الخرص أو لم يتم.
لكن هناك خلاف آخر ظهر في هذه المسألة: فهل هذا الذي يؤكل، يحسب على المالك عند إخراج الزكاة أم لا؟ ذهب الجمهور على أنه لا يحسب. فيقول السيد سابق مستنتجاً: «يجوز لصاحب الزرع أن يأكل من زرعه، ولا يحسب عليه ما أكل من قبل الحصاد، لأن العادة جارية به، وما يؤكل شيء يسير وهو يشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم. فإذا حصد الزرع وصفى الحب أخرج زكاة الموجود وسئل أحمد عما يأكل أرباب الزروع من الفريك؟ قال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه. وكذلك قال الشافعي والليث وابن حزم».١١٩ إلا أن مالك وأبا حنيفة لم يريا أن يترك لأرباب الزرع والثمر شيء حتى حسبا عليهم ما أكلوه أو أطعموه قبل الحصاد والجني.
۱۲۱
ولتوضيح الخلاف أقول: إن هناك حديثاً رواه الخمسة إلا ابن ماجة عن سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع). وقد أخذ بهذا الحديث أحمد وإسحاق وابن العربي وابن حزم وغيرهم. وقد اختلف من لم يأخذ بهذا الحديث. فمنهم من قال عنه أنه كان في حالة خاصة وهي أرض خيبر ؛ ومنهم من قال أن معنى الحديث هو أن يترك لأرباب الثمار الثلث أو الربع من العشر الواجب ليفرقوه بأنفسهم على الفقراء من أقاربهم وجيرانهم ونحوهم، «فلا يحتاج المالك أن يغرم ذلك مرة أخرى من ماله». وهذا التفسير مروي عن الشافعي، وله قول آخر قديم: أن يترك له نخلة أو نخلات يأكله أهله. وأجاب بعضهم بأن المراد به مؤونة الزرع، أي نفقته، أو مؤونة الأرض، فيضع ذلك ولا يحسب في
النصاب .
*** هامش ***
۱۲۲
ث) قال الخطابي: «وأنكر أصحاب الرأي الخرص ، وقال بعضهم: إنما أحد منهم فيه خلاف». «أما قولهم ظن وتخمين فليس كذلك، بل هو كان ذلك الخرص تخويفاً للأكرة (الزراع) لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به اجتهاد في معرفة مقدار الثمار، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من حكم فلا. وذلك أنه ظن ،وتخمين، وفيه غرر، وإنما كان جوازه قبل المقادير والمعايير، كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازيين، وإن كان
تحريم الربا والقمار». وقال الخطابي رداً عليهم: «العمل بالخرص بعضها أحصر من بعض» (۱۱۷). ثابت، وتحريم الربا والقمار والميسر متقدم، وبقي الخرص يعمل به خـ قال ابن العربي: «وساعدهما الثوري على أنه لا يترك لهم شيء. رسول الله صلى الله عليه وسلم طول عمره، وعمل به أبو بكر وعمر وهذا يدل على أن مالكا وسفيان لم يراعيا حديث سهل بين أبي حثمة
رضي الله عنهما في زمانهما، وعامة الصحابة تجويزه، ولم يذكر عن في الرفق في الخرص وترك الثلث أو الربع، أو لم يرياه» (١٢٠).
ه الأموال
٢٦٩
والظاهر هو أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور. فيقول ابن حجر في شرح الحديث الذي ورد في صحيح
البخاري (حديث أبي حميد الساعدي): وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء فإن في منعهم منها تضييقاً لا يخفى». ويقول ابن قدامة:
بهم
فكان
ذ
وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم. ويكون في الثمرة السقاطة وينتابها الطير وتأكل منها المارة، فلو استوفى الكل منهم أضر بهم. وبهذا قال إسحاق ونحوه. قال الليث وأبو عبيد : والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى الأكلة كثيراً ترك الثلث، وإن كانوا قليلاً ترك الربع .
معهم».
١٢٤
.«...
وروى أبو عبيد بإسناده عن مكحول قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال: خففوا فإن في المال العرية والوطية». وفي حديث آخر أضاف (الأكلة). وقال أبو عبيد موضحاً: «الواطئة والوطأة فهما جميعاً السابلة سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين». والأكلة: «أرباب الثمار وأهلوهم ومن لصق لولا أني وجدت فيه أربعين عريشاً ». ومنه حديث سهل في مال سعد بن أبي سعد حين قال: «... لخرصته تسع مئة وسق ولكني تركت لهم قدر ما يأكلون» . ١٣٥ وجاء في المحلى: «لا يجوز أن يعد على صاحب الزرع في الزكاة ما أكل هو وأهله فريكاً أو سويقاً، قل أو كثر ، ولا السنبل الذي يسقط فيأكله الطير أو الماشية أو يأخذه الضعفاء، ولا ما تصدق به حين الحصاد لكن ما صفي فزكاته عليه، برهان ذلك ما ذكرنا قبل: أن الزكاة لا تجب إلا حين إمكان الكيل، فما خرج من يده قبل ذلك، فقد خرج قبل وجوب الصدقة فيه. وقال الشافعي والليث: كذلك، وقال مالك وأبو حنيفة : يعد عليه كل ذلك».
أرأيت كيف أن الشريعة تركت للناس ما يأكلون، حتى أننا نستشف من حديث سهل في مال سعد أن الأكلة كانوا كثيراً لدرجة أنه أضطر لتخفيف النصاب كثيراً. ومسألة التخريص هذه هي ما ذهب إليه الجمهور. وهناك رد مقنع لابن حجر في هذا لمن قال غير ذلك. ١٢٧ وهذا من حكمة الشريعة التي تُربط أفراد المجتمع من خلال السماح للناس بالأكل من مزارع جيرانهم أو أقاربهم، وفي هذا إدخال للمودة والسرور الذي سيكون له أكبر
۱۲۷
الأثر في التركيبة الاجتماعية للمجتمع. ولكن ما علاقة الخرص وعدم احتساب ما يؤكل في النصاب بالتمكين؟
*** هامش ***
ذ) جاء في فتح الباري في شرح الحديث ١٤٨١: «في السنن وصحيح والقديم. وحكاه صاحب التقريب والماوردي وإمام الحرمين ابن حبان من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعاً إذا خرصتم فخذوا وآخرون، ولكن في حكاية الماوردي أنه يترك الربع أو الثلث، ويحتج ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع وقال بظاهره الليث له بحديث عبد الرحمن بن مسعود بن بيان عن سهل بن حثمة أ وأحمد وإسحاق وغيرهم وفهم منه أبو عبيد في كتاب الأموال أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه فقال: يترك قـدر الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع). رواه أبو داود والترمذي احتياجهم. وقال مالك وسفيان: لا يترك لهم شيء وهو المشهور عن والنسائي وإسناده صحيح؛ إلا عبد الرحمن فلم يتكلوا فيه بجرح ولا الشافعي، قال ابن العربي والمتحصل من صحيح النظر أن يعمل تعديل ولا هو مشهور ؛ ولم يضعفه أبو داود والله تعالى أعلم» (۱۲۳). بالحديث وهو قدر المؤونة، ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب ض) قال أبو محمد : «هذا تكليف ما لا يطاق. وقد يسقط من السنبل مما يؤكل رطبا». وفي المجموع: «المذهب الصحيح المشهور الذي قطع ما لو بقي لأتم خمسة أوسق، وهذا لا يمكن ضبطه، ولا المنع منه به المصنف والأكثرون أنه يخرص لجميع النخل والعنب. وفيه قول أصلاً، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ». قال: للشافعي أنه يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهله، ويختلف ذلك وأما التمر ففرض على الخارص أن يترك له ما يأكل هو وأهله رطباً على باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم، وهذا القول نص عليه في السعة، لا يكلف عنه زكاة، وهو قول الشافعي والليث بن سعد» القديم وفي البويطي. ونقله البيهقي عن نصه في البويطي والبيوع (١٢٦).
۲۷۰ 🗏
قلنا إن نصاب الزكاة هو ثلاث مئة صاع لكل صنف، أي ألف ومئتا مد. . وهذه هي الكمية التي إن وصل الناس إليها كان عليهم دفع الزكاة في الموسم الواحد. والموسم عادة سنة ميلادية واحدة لأغلب الثمار، أي ٣٦٥ يوماً. فإن قلنا بأن متوسط موسم الحصاد يصل إلى شهرين لأغلب الثمار منذ بدو الصلاح حتى نهاية القطف، وهي ما للناس خلالها الحق في الأكل من الثمار طازجة دون احتسابها في النصاب، ستكون الأيام الباقية للناس لأكل
٣٠٥
الثمار وهي جافة هي يوماً تقريباً بناءً على نوع الثمر. وبهذا يكون نصيب الأسرة في اليوم من القوت بالأحجام
۱۲۸
خمسة
أقل قليلاً من أربعة أمداد عند بلوغ النصاب تقريباً .١٢٨ أي أقل من صاع واحد تقريباً، أي أقل من ٢,٧٥ لتراً، أو من ٢,١٦ إلى ثلاث كيلوجرامات وزناً. وهذا من صنف واحد. وهذه الأرقام هي حدود النصاب في اليوم الواحد. ولكن الناس عادة ما يزرعون أكثر من صنف واحد، فهناك التمر والحنطة والشعير والذرة. فإن كان لديهم أصناف فإن مقدار ما يمكنهم زرعه وأكله قبل النصاب في اليوم الواحد هو أكثر من ١٩ مداً تقريباً وأقل من ٢٠ . أي أكثر من ١٣ لتراً أو من ١٠ كيلوجرامات. وهذه كمية تزيد عن احتياج أسرة تقدر بعشرة أشخاص بالغين إن أكل كل واحد منهم أكثر من ١,٣ لتراً أو كيلوجراماً واحداً. هذا إن هم اقتصروا في أكلهم على الأصناف الخمسة التي أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة فيها (وسنوضحه بإذن الله)، إلا أن هناك أصناف كثيرة، فهناك الفواكه المجففة كالتين والمشمش، وهناك البقوليات كالفول، وهناك الحبوب كالسمسم. ١٣ أي أن الأسرة لن تدفع الزكاة إلا إن كان ما لديها يزيد عن إطعام عشرة أفراد. هذا إن زرعت الأسرة خمسة أصناف فقط.
۱۲۹
أما إن قمنا بالحساب عن طريق تقديرها بالكفارات، فإن نصيب الأسرة في اليوم قبل بلوغ النصاب من خمسة أصناف . هو تقسيم ألف وخمس مئة صاع (أي ٥ مضروباً في (۳۰۰ على أيام أكل الثمار جافة (أي ١٥٠٠ على ٣٠٥) ليكون نصيب الأسرة يومياً هو أقل بيسير من خمسة أصع دون دفع الزكاة. وهذا يكفي عشرة أفراد لوجبة
ظ
كاملة وبإشباع كبير لأن هناك من الآراء ما يقول بأن ثلاثة أصع تكفي لعشرة مساكين فما بالك بخمسة آصع.
وكما ترى، فإن الزكاة لن تصل إلى ما يقطف الناس إلا إن فاضت عن قوتهم وادخارهم لسنة كاملة وإن كان عدد أفراد الأسرة الواحدة عشرة أشخاص بحيث يأكل كل واحد منهم نصف صاع تقريباً من الأصناف الخمسة. وقد قمت بتجربة فقست تمراً متوسط الحجم، فوجدت أن حجم اللترين ونصف (أي أقل من حجم صاع واحد بالتأكيد) يسع أكثر من ۲۰۰ تمرة. وبذلك يكون نصيب الفرد من التمر فقط عشرين تمرة يومياً على أقل تقدير ممكن، وقد يزيد لأكثر لأن هذه الاحتمالات على فرض أن عدد أفراد الأسرة الواحدة هو عشرة أشخاص. لكن الواقع عند احتساب النصاب هو أقل من ذلك لأن هناك مخارج كثيرة وضعتها الشريعة للناس حتى تضمن أن ما لدى الناس كان لهم. فللإنسان أن يهب من أراد كابنه الذي تزوج بعض الأشجار، أو حتى يهبه ثمرها (وهو ما يعرف بالعرية)، وعندها تقل أفراد الأسرة المستهلكة للمحصول وتقل ملكية المالك الواحد لأن ثمرات تلك الأشجار تخرج من النصاب. وقد تنقسم الأسرة بوفاة الوالد إلى أسر متعددة كل أسرة لها نصابها (وسنوضحه في الجمع والتفريق بإذن الله) وهكذا.
*** هامش ***
ظ) قال أبو عبيد في توضيح إطعام عشرة مساكين: «ففسر عبد اثنا عشر مداً فتقسم هذه كلها بين عشرة مساكين، فيكون عشرة منها الرحمن هذا الحديث قال : معناه أن مذهب مجاهد : أن لكل مسكين الطعامهم لكل واحد مد، ويكون المدان زيادة متفرقة بـ نة بينهم، لما يلزم مداً في كفارة اليمين. قال: والفرق ثلاثة آصع والصاع أربعة أمداد الطعام من مؤونة الأدم والحطب» (۱۳۰).
ه الأموال
۲۷۱
ضم الثمار والنصاب
وقد تسأل: لماذا كل هذه التفاصيل في كتاب عن الحقوق والتمكين ؟ فأجيب لأننا إن أثبتنا، كما فعلت، أن
۱۳۱
الزكاة لا تُدفع إلا عن ظهر غنى للناس، فإن الزكاة تخرج عن طيب نفس المزكين لأنها لا ترهقهم. فقد قال صلوات ربي وسلامه عليه كما جاء في صحيح البخاري: لا صدقة إلا عن ظهر غنى) .١٣١ ولنرى أيضاً كيف أن الشريعة كانت تبقي الأموال في أيدي الناس لتمكينهم وأنها إن كانت هناك زكاة في الثمار فقد كانت مما فاض جداً عن احتياج الناس. كما أن الزكاة كانت من الناس وإلى الناس (أي إلى الأصناف الثمانية وليست للدولة وبالذات في أهم مقص مالي عند المسلمين أي في الزكاة وما هذا إلا لغلق الأبواب أمام كل من سيحاول بتحكيم عقله (من باب الاستحسان وبترك القياس جعل الزكاة مصدراً للدولة بزيادة كميتها أو تحويلها من الناس لخزينة الدولة. فكان لابد من بعض التفصيل حتى تقتنع بأن ما كان يؤخذ كزكاة من الناس كان لا يؤخذ منهم إلا إن زاد عن حاجتهم وحاجة أسرهم، وفي هذا تمكين لهم، وليس كأيامنا هذه التي وضعت فيها الضرائب بكل أنواعها التي لا ترحم
(حتى على الفقراء) لأن إخراج الزكاة دون غنى سيشحن الأفراد ضد آخذي الزكاة. وبالطبع فلهذا آثار سلبية.
غ
لنقل بأن زيداً زرع من كل صنف عدداً من الأشجار ليحصل له ما يقل عن النصاب، أي عن خمسة أوسق، وأن أرضه تسع أصنافاً كثيرة. فزرع من القوت الحنطة والشعير والسلت والأرز والذرة والدخن، ومن القطنيات الباقلاء والعدس والماش والحمص ومن الأبازير الكزبرة والكمون والكراويا، ومن البزور بزر الكتان والقثاء والخيار، ومن حب البقول الرشاد والقرطم والترمس والسمسم، ومن الثمار التمر والزبيب والكشمش واللوز والفستق والبندق. فإن جنى من كل نوع أقل من النصاب، ولنقل أربعة أوسق ونصف حتى يفلت من الزكاة، فإن غلته ستزيد عن مئة وسق، (١١٧ وسقا)، أي عن ٦,٠ صاع، أي عن ٢٤,٠٠٠ مد، أي عن ١٦,٥٠٠ لتراً، أي عن ۱۳,۰۰۰ كيلوجراماً، أي عما يزيد عن إطعام ۱۲,۰۰۰ مسكيناً. فتأمل هذا الرقم ثم اسأل: هل عليه إخراج الزكاة؟ والإجابة: لا، لأن هناك مبدأ وضعته الشريعة تمنع السلطات من ضم الأصناف لإكمال النصاب. فقد اتفق جمهور السلف على أن لا يضم جنس لآخر كالزبيب إلى التمر أو اللوبيا إلى الماش أو الحمص إلى العدس لإكمال النصاب. فيقول أبو عبيد: «ولا نعلم أحداً من الماضين جمع بينها، إلا شيئاً يروى عن عكرمة ...».. وقد استنتج السيد سابق ويعتبر النصاب في كل جنس منها قائماً بنفسه، لأنها أجناس مختلفة، وأصناف كثيرة، بحسب أسمائها، فلا
قائلاً:
نے
يضم الشعير للحنطة، ولا هي إليه ولا التمر إلى الزبيب، ولا هو إليه، ولا الحمص إلى العدس، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايات عن أحمد، وهذا ما ذهب إليه كثير من علماء السلف». ولعل في عبارة «بحسب أسمائها» تعبير دقيق عن إمكانية إضافة الأصناف، فمتى توحدت الأسماء كالتمر مثلاً وجب ضم الأنواع
*** هامش ***
غـ) والقطنية واحدة القطاني: كالعدس والحمص واللوبيا. وهي جـ) جاء في المجموع: «اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب رحمهم الحبوب التي تدخر، وقيل هو م ما كان سوى الحنطة والشعير والزبيب الله تعالى على أنه لا يضم جنس من الثمار والحبوب إلى جنس في إكمال والتمر، أو هو اسم جامع للحبوب التي تطبخ (۱۳۲). النصاب، وعلى أنه يضم أنواع الجنس الـواحـد بـعـضـهـا إلى بعض في
ب) هناك قول لأبي عبيد أن مالكا كان يرى أن تضم أصناف إكمال النصاب. وهذا ضابط الفصل. قالوا: فلا يضم الشعير إلى الحبوب كلها بعضها إلى بعض . فإذا بلغت معاً خمسة أوسق زكاها. قال الحنطة ولا هي إليه، ولا التمر إلى الزبيب ولا هو إليه، ولا الحمص إلى وكذلك الحنطة والشعير وأحسبه قال: والسلت أيضاً يضم بعض تلك العدس، ولا الباقللي إلى الهرطمان، ولا اللوبيا إلى الماش ولا غير ذلك. إلى بعض، فجعل مالك هذه الثلاثة نوعاً واحداً لأنها قوت الناس قالوا: ويضم أنواع التمر بعضها إلى بعض ...» (١٣٤). وجعل الحبوب كلها نوعاً واحداً وهي القطاني» (۱۳۳).
۲۷۲ 🗏
المختلفة من التمور لإكمال النصاب. فالتمور أنواع كثيرة، وبعضها أجود من بعض، لذلك تضاف التمور لبعضها لإكمال النصاب. كما أن بعض الثمار تحمل مرتين في السنة، فهذه تضم أيضاً بعضها إلى بعض كما قال الحنابلة. ولكن المهم بالنسبة لنا هو أن الأصناف المختلفة لن تضم إلى بعضها البعض لإكمال النصاب. وكما ترى فإن في هذا تخفيف كبير على المزكين . فتأمل هذا التيسيير لتمكين الناس.
بالطبع يتفاوت الناس في غرائزهم لهذا فالناس عادة بين نقيضين، فمنهم من ينظر للزكاة كعبادة ويستمتع بإخراجها، ومنهم من يبخل على غيره فيستثقلها، وبين هذين يقع جميع الناس بأطياف مختلفة. فما المتوقع منهم زراعته إذاً؟ إن كان الفرد ممن يستثقل اخراج الزكاة، وله أرض كبيرة، فإنه سيحاول زراعة أصناف أكثر في رقعة أرضه تلافياً للزكاة واستثماراً لما بقي من أرضه في شيء آخر كالصناعة أو التجارة أو الكراء. ولكن تذكر بأن هذا نادر الحدوث إن طبقت الشريعة لأننا قلنا أنه يملك أرضاً ،كبيرة، وهذا لن يحصل إن طبقت الشريعة، لأن غلق أبواب التمكين هو الذي يوجد بطالة تمكن من لديهم مفاتيح التمكين من استغلال العاطلين، أما إن طبقت الشريعة فلن يتمكن الفرد من إحياء أرض تزيد عن طاقته، ولن يتمكن من استئجار عمال يعملون له لأن العمال نادرون، وإن وجدوا فهم بأجر مرتفع. فالناس سيفضلون الإحياء بأنفسهم ولأنفسهم. فالشريعة تدفع لزيادة نسبة عدد الملاك وبهذا تقل نسبة عدد غير الملاك فتقل نسبة العمال فتتقارب مساحات الأراضي بين الملاك. نعود لمثالنا، فهذا الذي ملك أرضاً أكبر من غيره ستكثر الأصناف بيده وسيكون لديه ما يكفيه من غذائه لنفسه، وسيفيض لديه القوت الذي لا زكاة فيه لبخله. وعند حلول الموسم القادم سيحتاج لمخازن لخزن محصوله الجديد، وعندها قد يضطر لإخراج ما كان لديه من فائض لمن هم حوله من جيران أو أقارب أو بيعها ما يزيد من المعروض منها في السوق فيقل سعرها. وتدفق هذا الفائض سنوياً أمر شبه دائم ذلك لأن النفس البشرية التي تخاف الملمات المستقبلية عادة ما تتجه نحو تكديس مواد الاقتيات لأكثر مما تحتاج تحسباً للأزمات. ومن جهة أخرى، فإن ملاك الأراضي الكبيرة نسبياً سيجدون صعوبة في قطف ثمارهم، ذلك أن الأراضي المتقاربة عادة ما تزرع بنفس الثمر الذي يقطف في نفس الموعد، وهذا سيؤدي إلى نقصان الأيدي العاملة في تلك الفترة، لذلك عادة ما يتيح أصحاب المزارع الأخذ من الثمر، فكانت الحكمة بترك الثلث أو الربع الكبيرة لأقاربهم وجيرانهم للأكلة بتسخير ما لا يستطيع المالك جمعه بنفسه لإيجاد مزيد من الترابط بين السكان بإدخال السرور على الأكلة، أي الجيران والأقارب.
أما الكريم من الناس فقد يحاول أيضاً تكثير الأصناف بقصد الاكتفاء الذاتي إن لم تكن زراعته لقصد التجارة (كأن يكون متخصصاً في زراعة القطن لتصديره). أي أنه بتكثير الأصناف، كما فعل الأول، أصبح الكريم أيضاً إنساناً ذاتي التغذية كافياً المجتمع استهلاكه مع دفع الزكاة لأنه لم يتردد في زرع ما يزيد عن النصاب. أي
*** هامش ***
أحمد،
د) جاء في المجموع ملخص جيد لآراء العلماء في الضم إذ يقول الشعير والسلت إليهما، وتضم القطاني كلها بعضها إلى بعض، ولكن لا النووي رحمه الله: «وقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يضم الأنواع من الجنس تضم إلى الحنطة والشعير، وهذا مذهب مالك ورواية عن بعضها إلى بعض ولا تضم الأجناس، فلا تضم حنطة إلى شعير ونحو وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري والزهري ضم القمح إلى ذلك. ولا يضم أجناس القطنية بعضها إلى بعض؛ فلا بضم الحمص إلى الشعير، وحكى ابن المنذر عن طاوس وعكرمة ضم الحبوب مطلقا، الباقلاء والعدس ونحو ذلك. وبه قال عطاء بن أبي رباح ومكحول قال : ولا أعلم أحداً قاله - يعني غيرهما إن صح عنهما – وأجمعوا على والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وشريك وأبو حنيفة وسائر أنه لا تضم الإبل إلى البقر - ولا إلى الغنم - ولا البقر إلى الغنم، ولا أصحاب الرأي وأبو عبيد وأبوثور وابن المنذر وأحمد في إحدى التمر إلى الزبيب. دليلنا القياس على المجمع عليه، وليس لهم دليل الروايتين عنه حكاه عنهم ابن المنذر. وقالت طائفة تضم الحنطة إلى صحيح صريح فيما قالوه، والله تعالى أعلم» (١٣٥).
ه الأموال
۲۷۳
وكأن الشريعة بهذا تدفع المجتمع طوعاً من خلال جميع الأطياف إلى مجتمع ذاتي الاكتفاء في التغذية، وتدفعه أيضاً إلى التنويع في مصادر التغذية قدر المستطاع، فمن طبيعة بعض الأنفس البشرية أن تتلافى إخراج ما تملك، وبهذا قد يندفع الناس لوضع نفس المجهود في زراعة أصناف أكثر . وهذا الذي تم شرحه هو في حالة بدء الإنسان في إحياء أرض بزراعتها. ومن الطبعي أن تتسم هذه المرحلة بالكثير من المخاطرة لعدم امتلاك المحيي للمعرفة الزراعية. حتى وإن امتلك المعرفة فهو لا يعرف إمكانات الأرض جيداً. لذلك فاحتمالات دفعه للزكاة منخفضة مقارنة بأرض مزروعة منذ مئات السنين. وفي هذا دفع للأفراد للمثابرة لأن مخاطر دفع زكاة تنهك كاهله ليست مرتبطة إلا بوفرة الإنتاج، وليس كنظام الضرائب الحالي الذي لا يرحم ملاك الأراضي.
هو
أما إن كانت المزرعة متخصصة في ثمر معين بقصد التجارة، كمزارع التمر أو الزيتون أو القطن مثلاً، فلا مناص هنا من الإنتاج الذي يزيد كثيراً عن النصاب ومن ثم دفع الزكاة، وهذا النمط من المزارع الأكثر انتشاراً. وهذا وضع قد يأخذ أحد طريقين: الأول ويأخذ ثلاثة احتمالات: الأول هو أن المالك لهذه المزرعة إن كانت كبيرة لابد وأنه مكون من عدد كبير من الأفراد إن طبقت الشريعة لأننا كما سنرى في فصل «الشركة» بإذن الله، فإن معظم النشاطات الإنتاجية في المجتمع ستكون مبنية على الشراكة بين الأفراد بسبب فتح أبواب التمكين للكل وبسبب حقوق الوراثة. وعندها تنقسم الزكاة بين عدد أكبر من الشركاء فيقل ثقلها عليهم لاسيما أنها تدفع
هـ
لفقراء نفس المنطقة. والاحتمال الثاني هو أن الإنتاج الزراعي للمنطقة المشتهرة بنوع من الزيتون أو التمر ما هي إلا مزارع متقاربة في المساحات تعكس مقدرات الأفراد الحقيقية الإنتاجية أي ليست مساحات تعكس مقدرتهم المالية أو مركزهم السياسي كما هو حالنا اليوم). وهنا أيضاً يخف الإحساس بثقل الزكاة لكثرة المالكين. ولكن في كلا الاحتمالين السابقين، أو حتى إن تمكن فرد من امتلاك مزرعة كبيرة بشرائها بأموال ورثها (الاحتمال الثالث)، فإن هذه المزارع ذات الإنتاج المرتفع لثمر مرغوب فيه كمزارع الزيتون في فلسطين (مثلاً) تنتج خيراً مستمراً يحق للأمة أخذ الزكاة منها لأنها أراض منتجة بأقل المخاطر. فبعضها يسقى بماء السماء وبأقل عطاء ممكن من البشر. أي كلما
قلت المخاطرة في الاستثمار وبمردود ربحي شبه مضمون كلما تعمق حق الأمة في الزكاة. فتأمل هذ الوضع.
والطريق الثاني هو أن يكون المالك فرداً أو جماعة تتمكن من تشغيل الآخرين بمزرعتهم، وهذا صعب المنال إلا إن كان ما يدفعه الملاك كأجر يزيد عن دخل عمل العمال لأنفسهم في مزارعهم، وهذا لن يحدث إلا إن كان الثمر ذو مردود اقتصادي مرتفع. وهذا أيضاً أمر شبه محال إن طبقت الشريعة لانخفاض البطالة (كما سنوضح في فصل «الشركة» بإذن الله)، إلا إن كان المالك يتمتع بمعرفة علمية زراعية ليست لدى الآخرين تمكنه من هذا الانفراد بهذا الكم من الإنتاج، وهذا وضع لن يحدث إن طبقت الشريعة لأن الشريعة تدفع لمجتمع تكون فيه المعرفة مشاعة، وهو موضوعنا الآتي:
*** هامش ***
هـ) إن حقوق الوراثة في الشريعة عادة ما تؤدي إلى تقسيم العقار إلى العلاقة بين النفقة والربح ومساحة الأرض تختلف من ثمر لآخر ومن أجزاء منتجة إن أصر الورثة على القسمة. فالأرض كلما كبرت كلما موقع لآخر. وقد قصت الشريعة حقوق الوراثة بطريقة إعجازية زاد إنتاجها. فبدل شراء جرافة لأرض صغيرة، فإن الجرافة تكون في تؤدي لأفضل استثمار ممكن. فهي تصر على القسمة إن اختلف خدمة أرض أكبر، وهكذا. لكن هناك حدود لمساحة الأرض إن الشركاء مثلاً، لأن في الاختلاف مضرة بربح الأرض. وفي الوقت ذاته
زادت عنها فإن النفقات (كالإدارية مثلاً) لا تبرر الأرباح. وهذه تحاول جمعهم كشركاء في أعلى مساحة ممكنة، وهكذا (١٣٦) .
٢٧٤ 🗏
المعرفة
هناك فائدة أخرى من الزكاة، وهي حركية دفع المعرفة قدماً. لقد قلنا إن فتح باب الإحياء سيزيد من عدد الملاك في المجتمع وستصبح مساحات أراضيهم متفاوتة بحسب هممهم والهمم برغم تفاوتها بين الناس إلا أنها أقل تفاوتاً من الوضع الحالي بين من يملكون الملايين وبين من هم معدمون. أي أن مساحات الأراضي ستصبح أكثر تقارباً، وعند تقارب المساحات، وإن حاول الناس تنويع الثمار تجنباً للزكاة، ونظراً لمثابرة الملاك في الزراعة، فإن هذا سيدفع الأرض لأعلى إنتاج ممكن لأصناف كثيرة، وعندها قد يأتي المالك بطريقة اقتصادية في الزراعة أو الري أو الحصاد، أو قد يأتي باكتشاف زراعي لبذور أفضل لتلائم نوعية تربته، وهكذا تتراكم المعرفة، وما حدث هذا إلا لأن المالك دائرة معرفته في العمل في أصناف أكثر ولأن عدد المزارعين المالكين مثله هو أكثر عدداً من وسع بيئتنا المعاصرة التي لا تطبق الشريعة لهذا تتراكم المعرفة. وكما سنوضح في الحديث عن الأعراف بإذن الله، فإن من أفضل الظروف لتقدم المعرفة هو وضع شخص يرى مصلحة نفسه في إنجاز ما تحت يده، فيصبح فراداً مثابراً ليتحرك في الحياة. ولأن الأراضي والأجواء والمياه مختلفة من موقع لآخر، فسيتم الحصول من كل موقع على تجربة مختلفة وبهذا أيضاً تتراكم المعرفة، ولأننا حصلنا من كل أرض على أعلى جودة بإدارة كل فرد لأرضه التي يملكها ويهتم بها فإن العطاء سيزداد. وما حدث هذا إلا لارتفاع نسبة الملاك في المجتمع أولاً (فشتان بين مالك وبين مأجور في الاهتمام بالعمل)، ولأن الأصناف لا تُجمع لإكمال النصاب ثانياً. وهنا أعتقد أنه ستكون لك ثلاثة تساؤلات، الأول: لماذا لا يحصل الشيء ذاته في أيامنا هذه ؟ أي ما علاقة الزكاة بالإنتاجية؟ أقول: إن الزكاة كما سترى بإذن الله، ولأنها الحق الوحيد للمجتمع أخذه من مال المالك، ولأنها تقل كثيراً عن الضرائب، فإن إدراك الإنسان أن معظم يستثمره من مجهود سيحصده لنفسه لهو دافع قوي للفرد للمثابرة فيزداد إنتاجه ولو قليلاً، إلا أن هذا القليل سيكون كثيراً لمجموع الأمة لتراكمه . وهنا بالطبع سيأتي تساؤلك الثاني: ولكن هناك مزارع لأثرياء وهم يسكنون منتجعات بعيدة عن مزارعهم، وهي شديدة الإنتاج مثل مزارع الكروم في فرنسا وبرغم أنها في نظام رأسمالي، فالمالك بعيد عن مزرعته التي تديرها له مؤسسة ذات خبرة زراعية للوصول لإنتاج أعلى! فأقول: إن ما تراه من إنتاج مرتفع في تلك الحقول كان من الممكن أن يزداد أكثر إن تابعها مالكها وإن لم تفرض عليه الضرائب المنهكة فالإنتاج مرتفع هناك لأن المعرفة الزراعية والتقنية المستخدمة أعلى. وهذا جانب آخر سنشرحه لاحقاً بإذن الله.
أما التساؤل الثالث فهو عن تقدم المعرفة هل هو أفقي أم رأسي ؟ والذي أقصده بذلك هو الآتي: عندما تحتكر شركة للأدوية سر صناعة دواء ما لأنها استثمرت الكثير من الأموال في الأبحاث ثم سوقت هذا الدواء وربحت منه ثم استثمرت الأرباح في أبحاث أخرى لصناعة دواء آخر وهكذا نقول أن المعرفة تنموا رأسياً لأنها
*** هامش ***
و) وقد تقول: ولكنه قد لا يكون ذكياً. فأقول : إنه مالك للأرض الإستفادة من كل ظرف لتحسين الأداء ورفع العطاء كما سنوضح في برغم غبائه، ولعل شيئاً ما سيأتي منه، فالأمر سيكون أسوأ إن وضع الحديث عن «الشركة» و «الفصل والوصل» بإذن الله . هذا الغبي في موضع آخر كأن يكون إدارياً في مزرعة لشركة ) وقد تقول : إن نظام الإدارة من قبل مؤسسات متخصصة لأراض تصنيعية. وقد تقول : إن المكان الملائم لهذا الصنف من الناس هو أن كبيرة سيأتي بمحصول أكثر فأقول: لا، فهناك الكثير من الهدر في يكون عاملاً صغيراً في مزرعة، كما سيحدث له في نظام رأسمالي، لا تلك المناطق التي لا تراها نظراً لمقارنتك لها بمزارعنا المتخلفة معرفياً مالكاً لها. فأقول: لكنه قد يكون وارثاً للأرض من أبيه، والشيء ذاته وتقنياً والتي ظهرت بمنظومات الحقوق الحالية. أما إن طبقت يحدث في نظام رأسمالي، ومن جهة أخرى، فإن غيرنا نظام الإرث لما الشريعة فسيختلف الحال، فقد يأتي مالك لأرض شاسعة بمؤسسة جد والده واجتهد في العمل لتوريث ابنه. أي أن الشريعة تحاول لإدارة مزارعه ولكن بوقوفه عليها، وعندها ستزداد الغلة أكثر.
ه الأموال
٢٧٥
وأنها
تتقدم سراً داخل المؤسسات المصنعة. أما إن انتشرت المعرفة بين الناس وأصبحت مشاعة بين أكبر عدد منهم خاضعة في رقيها إلى مساهمات هؤلاء الأفراد، نقول أن المعرفة ترتقي أفقياً. وهنا يأتي تساؤلك الثالث: فكما تعودنا فإن السواد الأعظم من الباحثين يوقن أن التقدم المعرفي والصناعي الأفضل للأمم لا يأتي إلا بالتقدم الرأسي للمعرفة بدليل ما حدث في العالم الغربي من تقدم، وأن هذا بسبب قبول وحماية مجتمعاتهم للتقدم الرأسي للمعرفة. وكما سترى بإذنه فإن الشريعة تدفع للارتقاء والانتشار الأفقي للمعرفة أكثر من ميلها لدعم ظاهرة انتشار التقدم الرأسي، وفي هذا خير للمجتمع كما سيأتي. وما تفعله مقصوصة الحقوق بعدم جمع الأصناف لإكمال نصاب الزكاة هي دفع لرقي المعرفة أفقياً ليستفيد منها أكبر عدد من السكان كما سنوضح في فصل «المعرفة» بإذنه تعالى.
ما تجب فيه الزكاة والتمكين
إن الحكمة من فرض الزكاة على أنواع من الثمار دون أخرى، والله أعلم، هو في إيجاد ميزان دقيق بين حاجة الفقراء وقدرة المجتمع على حفظ الأغذية، وفي هذا تمكين للأمة. كيف؟ هل رأيت كيف أن الزكاة لا تجب إلا إن كان هناك فائض عن احتياجات الأسرة. ليس هذا فحسب، بل هناك آراء فقهية تحدد الزكاة في أصناف معينة من الثمار فقط إن لم تكن للتجارة والتصنيع. فقد كانت الزكاة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تؤخذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقد أجمع الفقهاء على هذه الأربعة. فعن «أبي بدرة عن أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة الحنطة والشعير والتمر والزبيب» . ۱۳۷ وهناك أحاديث أخرى مشابهة: فعن «موسى بن طلحة عن عمر قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب».
أنه
أما الأصناف التي اتفق الجمهور أنها لا تؤخذ منها الزكاة فهي الخضروات والفواكه (إلا التمر والعنب). فعن عطاء بن السائب: «أن . عبد الله بن المغيرة أراد أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضروات، فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ليس في ذلك صدقة». وروي عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في الخضروات صدقة. وقال الترمذي: «والعمل على هذا عند
*** هامش ***
ح)
ط
ومن هذه الأحاديث: وقد روى عمرو بن شعیب عن أبيه عن قال: قال عمر بن الخطاب ليس في الخضروات صدقة»، وفي المغني: عبد الله بن عمر اً أنه قال : إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة وروى الترمذي بإسناده عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وفي رواية عن أبيه عن جده عن وسلم يسأله عن الخضروات، وهي البقول، فقال: (ليس فيها شيء). النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والعشر في التمر والزبيب وقال : يرويه الحسن بن عمارة وهو ضعيف والصحيح أنه عن موسى والحنطة والشعير» (۱۳۸). بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ،مرسل وقال موسى
طلحة بن
ط) رواه الدارقطني والحاكم والأثرم في سننه، وهو مرسل قوي، قال جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسة أشياء: الشعير موسى بن طلحة: «جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في والحنطة والسلت والزبيب والتمر، وما سوى ذلك مما أخرجت خمسة أشياء: الشعير والحنطة والسلت والزبيب والتمر وما سوى ذلك الأرض فلا عشر فيه . وقال : إن معاذاً لم يأخذ من الخضر صدقة. مما أخرجت الأرض فلا عشر فيه، وقال إن معاذاً لم يأخذ من الخضر وروى الأثرم بإسناده أن عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من صدقة». والسلت نوع من الشعير . قال البيهقي : هذه الأحاديث كلها الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافاً، فكتب عمر : مراسيل، إلا أنها من طرق مختلفة، فيؤكد بعضها بعضاً، ومعها من إنه ليس عليها عشر، هي من العضاة». والعضاه جمع ) العضاهة وهي أقوال الصحابة عمر وعلي وعائشة (١٣٩). الخمط أو كل ذات شوك. والفرسك: الخوخ أو ضرب منه أجرد أحمر ي) رواه الدارقطني. وفي الأموال (۱٥۰۷): «... عن الليث عن مجاهد أو ما ينفلق عن نواه ( ١٤٠).
٢٧٦ 🗏
أهل العلم أنه ليس في الخضروات صدقة». وقال القرطبي : إن الزكاة تتعلق بالمقتات، دون الخضروات وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج فما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منها زكاة ولا أحد من خلفائه».
ك
إن إجماع الفقهاء على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وإجماعهم على عدم وجوبها في الخضروات والفواكه التي لا تحفظ ما هو إلا تمكين للمجتمع، كيف ؟ إن المزارعين عادة ما يخزنون من المقتات أكثر مما يحتاجون خوفاً من حدوث مكروه حتى موعد الحصاد القادم كمجاعة أو نحوه، لذلك نجدهم يتجهون لزراعة هذه الأقوات أكثر مما يحتاجون احتياطاً، وبهذا تكثر زراعة هذه الأصناف، وبذلك تكثر زكاته التي تذهب للفقراء. وفي هذا سد لحاجة الفقراء. أما إن لم تجب في هذه الأصناف الزكاة لبقي الفقراء دون قوت، هل رأيت الحكمة؟ وبالنسبة للخضروات فالعكس هو الذي يحدث. فالخضروات عادة ما تتوافر في معظم فصول السنة وتزرع بقليل من العناية والبذور، فلم تجب فيها الزكاة. وفي هذا زيادة للإنتاج، إذ إن وضعت عليها الزكاة لنفر الناس من زراعتها خوفاً من مطالبة المجتمع لهم بزكاتها لأنهم يدركون أنهم لن يجوعوا من غيرها وأن بإمكانهم زراعتها متى كان، فهي سريعة المنال وليست كما يقتات . أي أن المجتمع قد يفقد بعض ما ينتجه من الخضار الذي هو بحاجة لقليل من المجهود بسبب نفور الناس خوفاً من الزكاة، أما فيما يقتات فإن المجتمع بحاجة له ومضطر إليه. فالخوف من الجوع فيما يقتات زاد الإنتاج، وفي الخضروات كان العكس، فلم تؤخذ الزكاة لزيادة الحث على إنتاجها أيضاً.
وهنا فائدة أيضاً لما سبق واستنتجناه عن إيجاد مجتمع ذاتي التغذية ومتنوع الأغذية، وهي أن في عدم وجوب الزكاة في الخضار إن لم تكن للتجارة وكانت للاستهلاك الأسري دفع لأفراد المجتمع إلى تغذية ذاتية بالاعتماد على ما يزرعونه بدل شرائه من الآخرين. وأخيراً، فلعلك ستلحظ في باقي هذا الكتاب بأن الشريعة تحاول الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤدي للمشاحة ويزيد الاحتكاك بين الناس ما قد يدفع السلطات لاستحداث بيروقراطية ورقية لحل الخلافات. فالشريعة تحاول دائماً تحقيق مصالح الناس والفصل بينهم دون هدر المجهود أو حاجة لتدخل السلطات. لذلك، والله أعلم لم تفرض الزكاة على الخضروات، إذ أن إخراج زكاتها أمر منهك للمجتمع. فمن سيراقب ما زرع الناس وكم زرعوا من خضار كل شهر أو كل أسبوع؟ أما ما يقتات فإنه ظاهر ومعلوم بفترة قبل الحصاد، و أو مرتين في السنة في أغلب الثمار.
مختلفة
وهو مرة
إن ما سبق هو ما كان عليه عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم باتساع الدولة الإسلامية وظهور أنواع من الثمار ظهرت آراء مختلفة للفقهاء عن الأصناف التي تجب فيها الزكاة وهي باختصار كالآتي: رأت جماعة، الحسن البصري والثوري ،والشعبي أنه لا زكاة إلا في المنصوص عليه، أي في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وأخذ الشوكاني بصحة هذا المذهب . ١٤٢ ويقول أبو عبيد داعماً هذا الرأي بعد سرد أقوال السلف وبحجة مقنعة: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خص هذه بالصدقة وأعرض عما سواها، قد كان يعلم أن للناس أموالاً مما
*** هامش ***
منهم
ك) وقال ابن القيم: ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل (١٥١٣) أن مالكاً قال: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أنه ليس في والرقيق ولا البغال ولا الحمير ولا الخضروات ولا الأباطخ والمقاتي شيء من الفواكه مثل الرمان والفرسك والتين وأشباه ذلك صدقة. قال والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلا العنب والرطب فإنه يأخذ الزكاة ولا في البقول صدقة. ولا في أثمانها إذا بيعت حتى يحول على الأثمان منه جملة ولم يفرق بين ما يبس وما لم يببس». ويقول أبو عبيد الحول من يوم تقبض» (١٤١).
ه الأموال
۲۷۷
تخرج الأرض. فكان تركه ذلك عندنا عفواً منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق وإنما يحتاج إلى النظر والتشبيه ل والتمثيل إذا لم توجد سنة قائمة : فإذا وجدت السنة لزم الناس اتباعها ...».
ورأى أبو حنيفة وجوب الزكاة في «جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيس م والشجر الذي ليس له ثمر». واستدل أبو حنيفة على رأيه بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء
ن
العشر. وقد رجح القرضاوي ملاءمة هذا المذهب لوقتنا المعاصر !! وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الزكاة واجبة في الخارج من الأرض مما يبقى سنة بلا علاج كثير، سواءً أكان مكيلاً كالحبوب أو موزوناً كالقطن مثل الحمص. ١٤٦ أما إن لم يكن له البقاء سنة كالخيار والبطيخ ونحوهما من الخضار فلا زكاة فيه. واشترط الإمام مالك للزكاة أن يكون مما يبقى وييبس ويستنبته الناس سواء أكان مقتاتاً كالقمح أو غير مقتات كالسمسم، لذلك لا زكاة عنده في الخضروات والفواكه كالتين والتفاح وذهب الشافعية إلى وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض ويقتاته الناس ويدخرونه ويستنبتونه كالقمح والشعير . " وذهب أحمد إلى وجوب الزكاة في كل ما أخرجه الله من الأرض من الحبوب والثمار سواء كان قوتاً كالحنطة، أو من القطنيات كالعدس والحمص والفول، أو من الأبازير كالكراويا، أو من البذور كبذور الكتان أو حب البقول كالسمسم. وكذلك في جميع أصناف الثمار اليابسة كالتمر واللوز والبندق والفستق، أي «يجب العشر في كل ما يكال ويدخر من الزرع والثمار». وذهب أيضاً بأنه لا زكاة على سائر الفواكه التي لا تجفف ( في وقته) كالكمثرى والتفاح، وكذلك الخضار كالخيار واللفت والجزر .
*** هامش ***
س
١٤٨
ل) وتكملة ما جاء في النص من قول أبي عبيد: «فكان حديث موسى تفسير قوله تعال : ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وقد نقل رد بن طلحة مع هذا - وإن لم يكن مسنداً - لنا إماماً مع من اتبعه من الترمذي على مذاهب الأئمة فقال: «فأما قول أحمد: إنه فيما يوسق الصحابة والتابعين، إذ لم نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق ... أثبت منه وأتم إسناداً يردوه». ويقول الهراس معلقاً على هذا الحديث، فضعيف؛ لأن الذي يقتضيه ظاهر الحديث أن يكون المذهب: «لا شك أن مذهب الآخرين أوسع للفقراء لا سيما في البلاد النصاب معتبراً في الثمر والحب، فأما سقوط الحق عما عداها فليس في التي تقتات بغير هذه الأربعة كأهل اليمن فإن غالب قوتهم الذرة» قوة الكلام. وأما المتعلق بالقوت ( يعني الشافعيه) فدعوى ومعنى وحدیث موسى بن طلحة هو الآتي: «أمر رسول الله صلى الله عليه ليس له أصل يرجع إليه، وإنما تكون المعاني موجهة لأحكامها وسلم معاذ بن جبل – حين بعثه إلى اليمن - أن يأخذ الصدقة من بأصولها على ما بيناه في كتاب «القياس» ..». وأترك لك أخي القارئ الحنطة والشعير والنخل والعنب» (١٤٣). الفرصة للحكم بنفسك على ما ذهب إليه القرضاوي من خلال م) وهناك رأي لابن عربي بأن «أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين الصفحات الآتية. ولكن تذكر بأنه يرجح مذهباً لم يأخذ به ثلاثة هو قول أبي حنيفة، وهو التمسك بالعموم ؛ قال : وقد زعم الجويني أن من الأئمة الكبار هم مالك والشافعي وأحمد (١٤٥). الحديث إنما جاء لتفصيل ما تقل مما تكثر مؤونته، وقال ابن العربي: لا س جاء في المجموع: «مذهبنا أنه لا زكاة في غير النخل والعنب من مانع أن يكون الحديث يقتضي الوجهين والله أعلم». وقال أبو عبيد الأشجار ولا في شيء من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر ولا زكاة في موضحاً رأي أبي حنيفة: «وكذلك قول سفيان وأهل العراق جميعاً غير الخضروات، وبهذا كله قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة أبي حنيفة فإنه قال : في قليل ما تخرج الأرض وكثيره الصدقة. قال وزفر : يجب العشر في كل ما أخرجته الأرض إلا الحطب والقصب وكذلك سمعت محمداً يحدثه عنه إلا أنه قال : إلا الحطب والقصب الفارسي والحشيش الذي ينبت بنفسه، وقال العبدري: وقال الثوري والحشيش. وخالفه أصحابه فقالوا كقول الآخرين. وعليه الآثار وابن أبي ليلى: ليس في شيء من الزروع زكاة إلا التمر والزبيب كلها وبه تعمل الأمة اليوم» (١٤٤). والحنطة والشعير. وقال أحمد: يجب العشر في كل ما يكال ويدخر
ن) يقول القرضاوي: «وأولى هذه المذاهب بالترجيح هو مذهب أبي من الزروع والثمار. فأما ما لا يكال كالقثاء والبصل والخيار والبطيخ حنيفة الذي هو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد وحماد وداود والرياحين وجميع البقول فليس فيها زكاة ...». وجاء في موضع آخر: والنخعي: أن في كل ما أخرجت الأرض الزكاة ...». ثم يقول معللا «فاتفق الأصحاب على أنه يشترط لوجوب الزكاة في الزرع شرطان ، ذلك: «فليس من الحكمة – فيما يبدو لنا – أن يفرض الشارع (أحدهما) أن يكون قوتاً (والثاني) من جنس ما ينتابه الآدميون، قالوا: الزكاة على زارع الشعير والقمح، ويعفي صاحب البساتين من البرتقال فإن فقد الأول كالأسبيوش وهو بزر القطونـا أو الثاني كالعث، أو أو «المانجو» أو التفاح». وحتى يصل إلى استنتاجه يـ د عدة أدلة يسرد كلاهما كالثفاء فلا زكاة. قال الرافعي وإنما يحتاج إلى ذكر القيدين منها أن الفقيه المالكي ابن العربي قد أيد مذهب أبي حنيفة، ومنها من أطلق القيد الأول ...» (١٤٧).
سبب
۲۷۸ 🗏
الاقتيات والادخار
لقد وجدت صعوبة في تقصي المبادئ التي انطلق منها الأئمة في تحديد ما تجب فيه الزكاة، برغم وجودها في
كتب الفقه بطرق متداخلة. هل هو في ما يقتات أم المقدرة على الادخار أم ما يكال أم ما له ثمرة باقية ونحوها من
أسس تعين على القياس؟ ولعل فيما كتبه أبو عبيد مثال جيد لهذا. فقد وضع بعض المبادئ التي تعين على القياس.
ع
إلا أن ابن رشد لخص أسباب نشوء الخلاف بين الفقهاء بطريقة واضحة تعيننا على الربط بين مقصوصة الحقوق التي تحث على العطاء من جهة، وتوجه المجتمع من جهة أخرى وبالتالي لمفهوم أفضل للتركيبة الاقتصادية. يقول ابن رشد رحمه الله :
وسبب
المقتات.
وسبب
الخلاف: أما بين من قصر الزكاة على الأصناف المجمع عليها وبين من عداها إلى المدخر المقتات، فهو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الأصناف الأربعة، هل هو لعينها، أو لعلة فيها، وهي الاقتيات؟ فمن قال لعينها قصر الوجوب عليها. ومن قال لعلة الاقتيات عدى الوجوب لجميع الخلاف بين من قصر الوجوب على المقتات وبين من عداه إلى جميع ما تخرجه الأرض إلا ما وقع عليه الإجماع من الحشيش والحطب والقصب معارضة القياس لعموم اللفظ. أما اللفظ الذي يقتضي العموم، فهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) و «ما» بمعنى الذي، و «الذي» من ألفاظ العموم. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾، الآية. إلى قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وأما القياس فهو أن الزكاة إنما المقصود بها سد الخلة، وذلك لا يكون (غالباً) إلا فيما هو قوت. فمن خصص العموم بهذا القياس، أسقط الزكاة مما عدا المقتات. ومن غلب العموم، أوجبها فيما عدا ذلك، إلا ما أخرجه الإجماع. والذين اتفقوا على المقتات اختلفوا في الأشياء من قبل اختلافهم فيها، هل أم ليست بمقتاتة، وهل يقاس على ما اتفق عليه أو ليس يقاس؟ مثل اختلاف مالك والشافعي في الزيتون، فإن مالكاً ذهب إلى وجوب الزكاة فيه. ومنع الشافعي ذلك في قوله الأخير بمصر. وسبب اختلافهم، هل هو قوت أو ليس بقوت».
١٥٠
هي .
مقتاتة
إن تحليل ابن رشد السابق يضيء لنا المسألة. فالذهاب إلى القول بأن الزكاة لا تجب إلا في الأصناف الأربعة لعينها قد يؤدي، بتقدم علوم الزراعة وباستحداث ثمار مطعمة إلى مجتمع يبتعد في غذائه عن هذه الأصناف إلى أنواع أخرى وبمرور الزمن وبتقدم علم تقنية الغذاء قد تسقط زكاة الثمار في المجتمع إذا انتشرت أنواع لا تجب
*** هامش ***
ع) كتب أبو عبيد : «أما الذين أوجبوها في الحبوب كلها ، فذهبوا إلى صدقاتها بما يعرف من أقواتها مما هو طعام لها في حاضرتها وباديتها. أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أبواب الربا إنما سمى منها ستة فلم تكن إلا هذه الأصناف الثلاثة. فكانت الحنطة والشعير لأهل أشياء. الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح. قالوا: فقاست المدر، وكان التمر لأهل الوبر. وخرج الزبيب من هذا المعنى. العلماء سائر ما يكال ويوزن بهذه الستة. يقولون: فكذلك لما رأينا يقولون: فإنما وجهت الصدقة للفقراء على الأغنياء فيما لا حياة لهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة، أنه إنما قصد بها إلى هذه بعد الله إلا به ليعيشوا معهم كالإبل والبقر والغنم التي خصها رسول الأصناف الأربعة : البر والشعير والتمر والزبيب التي يدخرها الناس الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة من بين جميع سوائم الخيل والبغال لقوتهم وطعامهم ألحقنا بها ما كان لها مضاهئا من كل ثمرة باقية من والحمير فجعل الله تبارك وتعالى ألبان تلك ولحومها معاشاً للناس دون طعام الناس، يكون حكمها الكيل كحكم تلك الأربعة. واحتجوا هذه، فلذلك وجبت في تلك الصدقة دون الأخرى....». ولعل سبب أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ليس في أقل من خمسة أوسق الصعوبة هو أن كتب الفقه لم تركز على هذه المبادئ بقدر تركيزها صدقة. وقالوا: الوسق يقع معناه على كل شيء يكال مما يؤكل . وأما على الثمار كل على حدة. أي أن الفقهاء ناقشوا: هل تجب الزكاة في الذين لم يوجبوها إلا في الحنطة والشعير والتمر وأسقطوا الزبيب منها الزيتون أم لا؟ وهل هو في الزيتون أم في زيته؟ وهكذا. أنظر مثلاً فذهبوا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حكم على العرب في النص الآتي : يقول ابن قدامة أن أبا يوسف ومحمد قالا: «لا : «لا شيء فيما
ه الأموال
۲۷۹
فيها الزكاة وأصبحت قوتاً. أما الذهاب للرأي القائل بأن الزكاة تجب في كل ما تنبته الأرض فهو أيضاً رأي يضع الخضروات مع ما يقتات في مقام واحد، والعلة في التفريق بينهما واضحة، فالخضروات لا تحفظ لفترات طويلة كالحبوب ويصعب إخراج زكاتها في كل حصاد يومي كالنعناع والكزبرة. أما رأي الجمهور، وهو الأهم لنا، فهو يدور في دائرة واحدة برغم الاختلافات الظاهرة بينهم في بعض الثمار. فهم متفقون على سد الخلة كعلة لوجوب الزكاة والتي لا تتأتى إلا بكل ما يقتات بالادخار للمستقبل برغم اشتراط بعضهم للاكتيال. فالإمام مالك يشترط لما تجب فيه الزكاة أن يبقى ويبس مما يستنبته بني آدم. لأن التيبيس كان وسيلة لحفظ الأغذية في زمانه. فهو بالطبع إن عاش اليوم ورأى طريقة حفظ الحليب بعد تجفيفه لذهب مذهباً آخر. أما الإمام الشافعي فهو قريب جداً مما قاله الإمام مالك، فهو اشترط الاقتيات والادخار وما يستنبته الآدميون، أي ما انتشرت زراعته في ذلك المجتمع. وبالنسبة للإمام أحمد فهو وسع من دائرة ما تجب فيه الزكاة إلى كل ما أخرجه الله من الأرض مما ييبس ويبقى ويكال بما فيها الفواكه التي تجفف. أي أن آراء مالك والشافعي وأحمد متقاربة جداً.
ولعلك لاحظت أن ما يجمع هذه المذاهب أمران: الأول هو مقدرة المجتمع على حفظ المواد الغذائية. أي كلما تقدم المجتمع في تقنية حفظ الأغذية كلما زادت المواد التي تجب فيها الزكاة. كما أن ما يدفع المجتمعات لتقنيات الحفظ هو أن أهم الثمار في العادة هي الموسمية، وهذا يدفع الناس لحفظها بتجفيفها أو تحليتها ونحوهما من وسائل. أما الخضار الدائمة وشبه الدائمة فلا ضرورة لحفظها لإمكانية استهلاكها طازجة. أي وكأن الشريعة بفرضها الزكاة على كل ما يدخر لأنه موسمي، فهي إنما تزيد من أصناف الثمار التي تجب فيها الزكاة مع تقدم تقنية حفظ المواد. حتى الفواكه بالقياس، قد تفرض عليها الزكاة إن تمكن المجتمع من إيجاد وسائل لحفظها لأنها أصبحت مما يدخر كالرمان مثلاً وإن ثبت أنها تقوم مقام ما يقتات بسد الجوع من الغذاء ببعض المعالجة علماً بأن الرمان لم تؤخذ منه الزكاة برغم توفره في الطائف في عهده صلوات ربي وسلامه عليه. مثال آخر: قد يقرر مجتمعاً ما أن يزرع . صنفاً بتعجيل نمائه لعدة أشهر ويدخر ما يحصده، ثم يزرع في نفس الرقعة من الأرض صنفاً ثانياً وثالثاً وهكذا يتم استغلال نفس الرقعة لأصناف مختلفة في أوقات متعددة وبهذا تصبح هذه الأصناف من الثمار مثلها مثل الثمار الموسمية التي تؤخذ منها الزكاة والتي سيحتاج إليها الفقراء لانعدامها في بعض الشهور .
ف
أما الأمر الثاني فهو قولهم « مما ينبته الآدميون» ، أي ما كثر انتشار زراعته. ١٥١ فما هو الذي تنتشر زراعته؟ لابد وأن يكون ثمراً أحبه الناس وتعودوا عليه وتعلموا كيفية زراعته وحصاده وحفظه وأنه ملائم لتربة وماء ومناخ منطقتهم. أي أن أي نبات حديث أو نبات أتى به شخص من منطقة أخرى ولم يكن مما ألفه سكان المنطقة في غذائهم فلن تكون عليه الزكاة لأنه ليس مما ينبته الآدميون. وهذا قد يدفع بعض الأفراد لجلب نباتات جديدة
*** هامش ***
تخرجه الأرض، إلا ما كانت له ثمرة باقية، يبلغ مكيلها خمسة أوسق صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبي عبيد. والسلت نوع من الشعير، وقال أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير ولا البزور ولا حب ووافقهم إبراهيم، وزاد الذرة ووافقهم ابن عباس وزاد الزيتون لأن البقول . ولعله لا يوجب الزكاة إلا فيما كان قوتاً أو أدما؛ لأن ما عداه ما عدا هذا لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على النفي الأصلي المجمع عليه، فيبقى على الأصل ...» (١٤٩). وقال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب، ولا في حب ف) وهذا بالطبع لا ينطبق على ما يتم حفظه مما تخرجه الأرض إلا ما كان قوتاً في حالة الاختيار لذلك، إلا في الزيتون، على اختلاف. لغرض التجارة، فحتى الخضروات إن زرعت ثم صنعت وحفظت في وحكي عن أحمد : إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهذا قول علب لتباع فهي من عروض التجارة، وهذه مسألة أخرى سنأتي عليها ابن عمر وموسى بن طلحة والحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن بإذنه تعالى.
۲۸۰ 🗏
على منطقتهم لأنه لا زكاة عليها. وإن ثبت أنها تصلح لمنطقتهم وأقبل الناس عليها سيزداد عدد من يزرعونها وبهذا تصبح مما ينبته الآدميون وتجب فيه الزكاة. وبهذا تكون أرض هذه المنطقة قد تحولت إلى إنتاج أفضل نبات ملائم لها من خلال حركية الزكاة التي دفعت الأفراد للمحاولات المختلفة للتجارب، ومتى نجحت التجربة أصبحت عرفاً لانجذاب معظم الملاك إليها . أي أن الشريعة تدفع لأفضل استثمار للأرض وعندها تنتقل النبتة من ثمرة لا زكاة عليها إلى ثمرة تفرض عليها الزكاة، وبهذا يزيد مجموع الزكاة للفقراء مع أفضل استغلال ممكن للأرض. فتأمل هذا الوضع. وهنا ملحوظة مهمة : وهي أنني لا أحاول الاجتهاد هنا بالقول أن العلة في الزكاة هي حاجة الفقراء، وبذلك
إن وجد الملاك مصلحة في التوقف عن زراعة الخضروات لفترات من الزمن، فإن الزكاة تجب في هذه الخضروات إن تمكن المجتمع من ادخارها معاذ الله أن أقول هذا، لأن الخضروات منصوص على ألا زكاة فيها. فإن فعلت هذا فإنما أفعل ما فعله الآخرون من تقديم الاستحسان على النص. فقد نكتشف يوماً ما مستقبلاً أن رفض الشريعة للزكاة على الخضروات ذو فائدة على المجتمع في جميع الأحوال. أي لابد من الالتزام بالنص.
ص
أي أن آراء الأئمة الثلاثة أعطتنا ميزاناً دقيقاً للزكاة يجمع بين حاجة الفقراء لما يقتات، وبين مقدرة المجتمع تقنياً على حفظ ما يقتات. فتقدم التقنية التي تزيد من مقدرة الأغنياء على الحفظ ستزيد من مدخراتهم، وبهذا تزداد حقوق الفقراء بزيادة مصادر الزكاة. ومن جهة أخرى فإن الشريعة دفعت المجتمعات لأفضل استثمار
بأنسب الأصناف الملائمة لإمكانات الأرض وبهذا يزداد الدخل. وهذه من حكمة الشريعة لكي لا تزداد المسافة المالية بين الفقراء والأغنياء سعة ومن غير التضييق على الأغنياء. وهذا خير كثير للمجتمع، وفيه مصلحة للأغنياء أيضاً لأن ثراءهم المفرط إن كان على حساب الفقراء كما في الرأسمالية، فسيولد أمراضاً وآفات لا تنتهي مثل انتشار الإجرام والسرقة ونحوهما مما يضطر الدولة لزيادة الضرائب على الأغنياء للحفاظ على الأمن وهكذا يفقد الأغنياء أكثر مما يدفعونه في الزكاة. فياله من ميزان دقيق. فتأمل.
مقدار الزكاة
إن من مفاجآت الزكاة مقدارها. فقد يعتقد الإنسان بأنها لابد وأن تكون مرتفعة في نسبتها لكثرة ما كتب عنها في التراث الإسلامي. ولعل المفاجأة تزداد إن علمت وكما رأينا وسأثبت بإذن الله بأنها المال الوحيد الذي يؤخذ من المسلمين ليعطى للمستحقين من الناس وليس للدولة. والزكاة في الثمار والزروع عشرة في المئة أو خمسة في المئة فقط . وهذه قد تبدو نسبة كبيرة لأول وهلة، إلا أنك إن فكرت بها على أنها ما يؤخذ من المزكي بعد اكتفائه بغذائه لنفسه وأنه لا ضرائب أخرى عليه فهي نسبة صغيرة جداً مقارنة بما يؤخذ اليوم من الناس من ضرائب متعددة وصغيرة هنا وهناك لتتجمع فتزيد في مجموعها عن خمسين في المئة من دخل الفرد أحياناً كما في الدول الغربية مثلاً. ومن جهة ثانية فإن العشرة في المئة هي على الأرض التي تعطيك غلة دون مجهود كبير منك إن كنت ممن يملكون أرضاً تسقيها ماء السماء. أما إن رفعت الماء للأرض فالنسبة هي خمسة في المئة، وهي نسبة جد معقولة للسبب الرئيس الآتي: إن هذه النسبة هي في ظل مجتمع لا هدر فيه. كيف؟
*** هامش ***
ص) لاحظ مثلاً بأن هناك نص بعدم أخذ الزكاة من الخضار، ولكن الأغذية فقد تظهر فتوى بفرض الزكاة عليه.
لا نص على الرمان مثلاً، والذي إن تم ادخاره وأصبح قوتاً بتطور علم ق) باستثناء الكفارات وزكاة الفطر والعفو، وجميعها صدقات للناس.
ه الأموال
۲۸۱
إن مجتمعاتنا الحالية بها الكثير من الهدر في أوقات الناس. فأنت عندما تمتلك مزرعة وتقوم بإجراءات ورقية
الأنظمة
في الدوائر الحكومية كإثباتات دخل المزرعة أو دفع رسوم ما، ففي هذا هدر لوقتك. والوقت مال. كما أن مجتمعاتنا المعاصرة بها الكثير من الهدر المالي أيضاً في الاستهلاك للأعيان بوضعها في غير مواضعها. كيف؟ عندما ترصف الدولة جانبي طريق وليس لك فيه مسلك وبأموال الضرائب أو بأموال الدولة التي جنتها من خيرات الأرض كالنفط مثلاً فهو هدر بالنسبة لك لأنك لا تستخدم ذلك الطريق ( وسنوضحه في فصول قادمة بإذن الله). فتكلفة إنشاء ذلك الرصيف محسوب عليك دون إدراكك، وفي هذا هدر عليك. فأنت قد دفعت رسوماً للدولة وضرائب وفي الوقت ذاته لا قرار لك أو حتى لن يسألك أحد لأخذ رأيك في الاستثمار في ذلك الرصيف. وفي هذا هدر بالنسبة لك برغم أن فيه فائدة للآخرين، إلا أن مجموع الفائدة قد لا يرتقي لمجموع خسرانك. ففي الوضعية هناك مستفيد وخاسر في المجتمع. هذا ناهيك عن المصاريف الأخرى التي لا فائدة لك منها مثل نفقات حفلات رجالات الدولة كالسفراء والمدراء ونحوها من إسراف و تبذير ولكنك قد تقول : بأن هذا من أموال الدولة التي تأتي من خيرات الأرض كالذهب والنفط فأقول بأن هذه الأموال لم تذهب للدولة إلا لأن الدولة أغلقت أبواب التمكين على الناس فظهرت البطالة فتمكنت الدولة من تشغيل هؤلاء العاطلين لديها فكان ثراؤها على حساب إفقار الناس. فكان استثمار الدولة للمرافق والخدمات كما تقرر هي، وهي مكونة من رجال بأهواء، فكان الحكم بغير ما أنزل الله الحق العليم الحكيم. أما إن طبقت الشريعة فلا خاسر هنالك أبداً، فالكل رابح لأن كل عين استثمرت في مكانها ولا هدر في الموارد ( كما سأوضح في الحديث عن «الأماكن» بإذن الله)، وفي مجتمع كهذا ستقل مصاريفك الأخرى غير الزراعية لأن كل مال أو عين أو وقت قد تم استثماره في مكانه. وبهذا ستضمحل الزكاة في ثقلها على المزكي كما سترى بإذنه تعالى.
العشر ونصفه
لقد أجمع العلماء على مقدار زكاة الثمار والزروع من الحديث الذي رواه البخاري أن رسول الله صلى الله
ر
عليه وسلم قال: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر).١٥٣ وفي رواية مسلم: (وفيما يسقى بالسانية نصف العشر). وبهذا قال الفقهاء أن على المالك إخراج عشر الثمار والزروع فيما سقي بغير مؤنة أو كلفة ومن أمثلة ذلك النباتات التي تشرب من مياه الأمطار أو من ذوبان الثلوج أو غيلاً لمياه الأنهار أو ما يشرب بعروقه في أرض ماؤها قرب من وجهها أو قريب من نهر أو ساقية. أما ما يسقى بالمؤن كالدوالي والنواضح والغرب، أي بوضع مجهود لوصول الماء لموقع الزرع، فعلى المالك إخراج نصف العشر، أي خمسة
*** هامش ***
ر) العثري: قال أبو عبيد : ما تسقيه السماء وتسميه العامة العذى. ش) والسانية هي النواضح وهي الإبل يستقى بها لشرب الأرض. وقال القاضي: هو الماء المستنقع في بركة أو نحوها يصب إليه ماء المطر وهناك حديث آخر رواه البيهقي والحاكم و وصححه أن النبي صلى الله في سواق تشق إليه، فإذا اجتمع سقي منه، واشتقاقه من العاثور وهي عليه وسلم قال: فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر. وفيما الساقية التي يجري فيها الماء، لأنها يعثر بها من يمر بها. وقال سقي بالنضح نصف العشر). وعن معاذ قال: «بعثني رسول الله صلى الشوكاني : «... هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي ... واشتقاقه من الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يتعثر فيها ...» بعلاً العشر، وما سقي بدالية نصف العشر». قال أبو عبيد : البعل ما شرب بعروقه من غير سقي (١٥٤).
.(١٥٢)
۲۸۲ 🗏
في المئة. ويعلل ابن قدامة هذا الفرق بالقول: «ولأن للكلفة تأثيراً في إسقاط الزكاة جملة بدليل المعلوفة فبأن يؤثر في تخفيفها أولى، ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، وللكلفة تأثير في تقليل النماء، فأثرت في قليل الواجب فيها، ولا يؤثر حفر الأنهار والسواقي في نقصان الزكاة لأن المؤنة تقل، لأنها تكون من جملة إحياء الأرض ولا تتكرر كل عام . ...». وعلل النووي الفرق بطريقة ذكية بأن قال: «وعلله الأصحاب بأن مؤنة القنوات إنما تشق لإصلاح الضيعة، وكذا الأنهار إنما تشق لإحياء الأرض، وإذا تهيأت وصل الماء إلى الزرع بنفسه مرة بعد أخرى بخلاف
ث
10V
النواضح ونحوها، فإن المؤنة فيها لنفس الزرع » . ۱۷ أي متى وضع المالك مجهوداً يكلف نفقة في إيصال الماء ويتكرر كل عام فإن عليه نصف العشر، وإلا فعليه العشر وهنا فائدة للمجتمع، إذ أن هذا سيدفع الأفراد لإيجاد وسائل تقنية لإيصال الماء بأقل تكلفة حتى تقل عليهم الزكاة. ومتى وجدت هذه الوسائل (وهي متوفرة الآن كما هو معلوم، وبالإمكان رفع كفاءتها أكثر) فستفتح أبواب الاستثمار في أراضي المناطق الجافة أكثر وأكثر، أو في غرس نباتات تحتاج لمزيد من الماء في المناطق الماطرة. فتأمل هذا الحث على العمل. فهل ستذهب أخي القارئ في استثمار مجهودك لأرض تسقيها ماء السماء وتدفع العشر، أم أنك ستذهب لأرض تسقيها ببذل القليل من المال بسبب تقدم التقنية وتدفع نصف العشر ؟ ولكن في كلا الحالين، وكما ترى، فإن مقدار الزكاة يسير مقارنة بما تعطيه الأرض من خيرات. ويتضاءل هذا المقدار على نفوس المزكين ثقلاً إن أخذنا في الاعتبار بعض التفاصيل الآتية والتي إن تراكمت لوضعت للمزكي تقديراً وتكريماً يهون عليه ثقل العشر أو نصف العشر كما سترى بإذنه تعالى؟
هناك بعض الاختلافات بين الفقهاء التي تؤثر في حقوق من يزرع الأرض إلا أن هذه الاختلافات لن تؤثر على مقصوصة الحقوق وبالذات إن أخذنا بقول الجمهور ولنضرب مثالين، الأول: عادة ما يحتاج الناس لبعض النفقات من أجل حرث الأرض وشراء البذور والسماد وحصاد الزرع وحمله وتصفيته وحفظه، وبالذات إن كان الإنسان فرداً مبتدئاً في حياته الإنتاجية بإحياء أرض ، وقد يقوم باقتراض تلك النفقات بالذات في أول حياته الإنتاجية. كما أنه قد يقترض أيضاً ما ينفقه على أهله ونفسه، فهل له تسديد هذه النفقات مما تنتجه الأرض ثم احتساب الزكاة؟ هناك مذهبان الأول لابن عمر ومكحول وعطاء وطاووس وسفيان الثوري ويرى جواز قضاء دين نفقة الأرض والأهل والنفس ثم دفع الزكاة؛ والآخر لابن عباس ويرى جواز قضاء دين الأرض فقط. فقد روى أبو عبيد بسنده عن جابر بن زيد، قال في الرجل يستدين فينفق على أهله وأرضه، قال: «قال ابن عباس: يقضي ما أنفق على أرضه، وقال ابن عمر يقضي ما أنفق على أرضه وأهله». وفي الخراج ليحيى بن آدم: «قال ابن
*** هامش ***
»
ت) جاء في الأموال : «... عن بسر بن سعيد قال: فرض رسول الله الكلفة المسقطة لنصف الزكاة على ما مر لأن مقدار الكلفة وقرب صلى الله عليه وسلم الزكاة فيما سقت السماء، وفي البعل وفيما سقت الماء وبعده لا يعتبر، والضابط لذلك هو أن يحتاج في ترقية الماء إلى العيون العشر، وفيما سقت السواني نصف العشر» . ... عن الحكم الأرض بآلة من غرف أو نضح أو دالية ونحو ذلك، وقـد وجـد». بن عتيبة قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل - ويعلل أبو عبيـد الفــرق فيقول: «وإنما نقصت عن مبلغ تلك في وهو باليمن – إن فيما سقت السماء، أو سقي غيلاً العشر، وفيما سقي الصدقة ما في هذه من المؤونة على أهلها والعلاج الذي لا يلزم أولئك بالغرب نصف العشر». «والغيل الماء الجاري على وجه الأرض وكل مثله». ويقول الخطابي في القنوات: «وأما الزرع الذي يسقي بالقني واد فيه عيون تسيل ، والغرب هو الدلو العظيمة» (١٥٥). (القنوات) فالقياس على هذا أن ينظر فإن كان لا مؤنة فيها أكثر من
ث) وتكملة ما جاء في النص: «... وكذلك لا يؤثر احتياجها إلى ساق مؤونة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات؛ فسبيلها سبيل النهر يسقيها، ويحول الماء في نواحيها لأن ذلك لابد منه في كل سقي بكلفة والسيح في وجوب العشر فيها، وإن كان تكثر مؤونتها بأن لا تزال فهو زيادة على المؤنة في التنقيص، فجرى مجرى حرث الأرض تتداعى وتنهار ، ويكثر نضوب مائها، فيحتاج إلى استحداث حفر؛ وتسميتها، وإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض ويستقر فسبيلها سبيل ماء الآبار التي ينزح منها بالسواني والله أعلم» (١٥٦). في مكان قريب من وجهها لا يصعد إلا بغرف أو دولاب فهو من
ه الأموال
۲۸۳
١٥٨
C
عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه ويزكي ما بقي وقال : قال ابن عباس يقضي ما أنفق على الثمرة ثم يزكي ما بقي». وكما ترى فإن هنا اتفاقاً على جواز قضاء دين نفقات الأرض، فإن لم يبلغ نصاباً بعد قضاء الدين فلا زكاة عليه. وعن أحمد روايتان. وقد رجح أبو عبيد مذهب ابن عمر ومن وافقه بشرط أن تثبت صحة الدين بأن قال معللاً: «إذا كان الدين صحيحاً قد علم أنه على رب الأرض: فإنه لا صدقة عليه فيها. ولكنها تسقط عنه لدينه كما قال ابن عمر وطاووس وعطاء ومكحول، ومع قولهم أيضاً إنه موافق لاتباع السنة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سن أن تؤخذ الصدقة من الأغنياء فترد على الفقراء ؟ وهذا الذي عليه دين يحيط بماله ولا مال له، وهو من أهل الصدقة، فكيف تؤخذ منه الصدقة وهو من أهلها؟ أم كيف يجوز أن يكون غنياً فقيراً، وفي حال واحدة؟ هذا أنه من الغارمين [أحد الأصناف الثمانية فقد استوجبها من جهتين».
ومع
هل رأيت كيف أن الشريعة تقف بجانب من أراد البدء في حياته الإنتاجية بإعفائه من الزكاة إن لم يربح بعد تغطية ديونه؟ حتى من أراد تحسين حال مزرعته بشراء معدات كجرافة أو بناء مستودع . مثلاً، فقد يقترض لذلك، فبناءً على ما ذهب إليه فقهاء السلف فإن له دفع ما اقترضه ثم إن بلغ ما ربحه النصاب فإن عليه الزكاة. ألا تتوقع في مثل هذه الحالات أن يحاول المزارعون تحسين حال مزارعهم بالاستثمار فيها لاسيما إن كان ما يقترضونه (من خلال حساباتهم) يقف حائلاً دون بلوغ النصاب ومن ثم عدم دفع الزكاة، هذا إن كان المزارع بخيلاً؟ وحتى الكريم، فإن إدراكه بأن استثماره في أرضه سيؤدي لإنتاج أكبر في السنين القادمة، وبالتالي دفع زكاة أكثر، فإن هذا سيدفعه للمزيد من الاستثمار في الأرض والتشغيل. فكثرة الطلب على الجرافات مثلاً سيزيد من الطلب على تصنيعها وبهذا تنتعش وسائل إنتاجها. وستلحظ هذا دائماً في الشريعة. فهي تحض على النفقة باستمرار كما سنوضح بإذن الله. وفي النفقة تحريك لرؤوس الأموال حتى الخراج، وهو الضريبة العقارية المفروضة على رقبة الأرض، والتي قال بعض الفقهاء بأنه يقاس على الإيجار في وقتنا المعاصر، فإنه يعتبر من النفقات. فقد روى يحيى بن آدم عن سفيان بن سعيد الثوري أنه قال فيما أخرجت الخراجية: ارفع دينك وخراجك، فإن بلغ خمسة أوسق بعد ذلك، فزكها». وروى أبو عبيد عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: «كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف – أو ابن
*** هامش ***
خ) قال السيد سابق موضحاً: «وتكاليف الزرع من حصاد وحمل تعرض في شرح الترمذي لهذه المسألة فقال: «اختلف قول علمائنا، هل ودياسة وتصفية وحفظ ، وغير ذلك من خالص مال المالك، ولا يـ تحط المؤونة من المال المزكى، وحينئذ تجب الزكاة – أي في الصافي – أو منها شيء من مال الزكاة. ومذهب ابن عباس وابن عمر رضي الله تكون مؤونة المال وخدمته - حتى يصير حاصلاً – في حصة رب عنهما : أنه يحسب ما اقترضه من أجل زرعه وثمره عن جابر بن زيد المال، وتؤخذ الزكاة من الرأس - أي من إجمالي الحاصل؟ فذهب إلى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما - في الرجل يستقرض فينفق أن الصحيح أن تحط وترفع من الحاصل، وأن الباقي هو الذي يؤخذ على ثمرته وعلى أهله - قال : قال ابن عمر : يبدأ بما استقرض فيقضيه عشره، واستدل لذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوا ويزكي ما بقي . قال : وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يقضي ما أنفق الثلث أو الربع ، وأن الثلث أو الربع يعادل قدر المؤونة تقريبا، فإذا على الثمرة ثم يزكي ما بقي. رواه يحيى بن آدم في الخراج. وذكر ابن حسب ما يأكله رطباً، وما ينفقه من المؤونة تخلص الباقي ثلاثة أرباع حزم عن . عطاء: أنه يسقط مما أصاب النفقة، فإن بقي مقدار ما فيه أو ثلثين، قال : ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب» (١٥٩). الزكاة زكي، وإلا فلا. وجاء في المغني: «والمؤنة التي تلزم الثمرة إلى ذ يقول القرضاوي: «وينبغي أن يقاس على الخراج أجرة الأرض على حين الإخراج على رب المال لأن الثمرة كالماشية، ومؤنة الماشية الزارع المستأجر، فإن جمهور الفقهاء عدوا الخراج بمنزلة أجرة وحفظها ورعيها والقيام عليها إلى حين الإخراج على ربها، كذا هاهنا الأرض، وقد روي عن شريك نحو ذلك. قال يحيى بن آدم: سألت .»، وجاء في المجموع: «... أن مؤنة الحصاد والحراثة والدياس شريكاً عن الرجل يستأجر أرضاً بيضاء من أرض العشر بطعام والتصفية وجذاذ الثمار وتجفيفها وغير ذلك من مؤن الثمر والزرع مسمى، فزرعها طعاماً، قال: يعزل ما عليه من الطعام ثم يزكي ما يجب على رب المال من خالص ماله، ولا يحسب من أصل المال بقي: العشر أو أو نصف العشر. ثم قال: كما يعزل الرجل ما عليه من الزكوي، بل يجب عشر الجميع ...». وذكر القرضاوي أن ابن العربي الدين ثم يزكي ما بقي من ماله» (١٦٠).
.«...
٢٨٤ 🗏
أبي عوف – عامله في فلسطين، فيمن كانت في يده أرض بجزيتها من المسلمين: أن يقبض جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية». والمراد هنا بجزية الأرض الخراج و إلى نحو هذا ذهب أحمد .
والمثال الثاني على الاختلافات بين الفقهاء التي لن تؤثر على مقصوصة الحقوق هو ظهور نباتات في أرض رجل لم يقم هو ،بزرعها، فهل عليه الزكاة في ثمرها كشجر البلوط مثلاً ؟ ١٦٢ قال أكثرهم أنه لا زكاة عليه لأن رب الأرض لم يحز الثمر ، والزكاة إنما تؤخذ عن المملوك. وهنالك تفاصيل أخرى كثيرة مهمة ١٦٣ إلا أنها لن تؤثر على مقصوصة الحقوق ولكنها في مجموعها تخفيف على المزكي وتكريم له. كيف؟
التكريم
كما ذكرت في الحديث عن التدافع، فإن الوضع قد يكون مشدوداً بين المزكي والمجتمع. فالمزكي إن لم يكن مؤمناً فقد يحاول تقليل زكاته، أما المجتمع متمثلاً في العاملين على الزكاة فقد يحاول زيادة الزكاة. هنا وضعت الشريعة قاعدة فذة: وهي أن الزكاة من العبادات. فإن حدث خلاف بين من يأخذ الزكاة وبين المزكي فالقول قول المزكي. فقد بتت الشريعة في هذه المسألة تلافياً للمشاحة والمشاحنات بين أفراد المجتمع، لأن السلطة إن شعرت أن لها حقاً في مال شخص فستحاول أخذ ذلك المال بكل الوسائل المتاحة لها حتى إن كان ذلك بسجن الملاك في بعض الدول المعاصرة. هنا أتت الشريعة بمبدأ يحسم المسألة. فقالت بأن القول في حال الخلاف هو قول المزكي، لذلك قلت أن التفاصيل المتعلقة بالزكاة واختلاف الفقهاء لن تؤثر على مقصوصة الحقوق لأن الفرد في نظر الشرع هو المحق إلا إن كان متعسفاً ومتهرباً هروباً واضحاً من الزكاة، وهذا وضع يمكن اكتشافه بسهولة وضبطه. فالأصل كما سترى بإذن الله هو تصديق الناس، لأن في هذا تمكين لهم، وفي تمكينهم زيادة للزكاة في مجموع الأمة. فتأمل هذا التكريم للناس على حساب السلطات. فقد قال أحمد رحمه الله: «لا يستحلف الناس على صدقاتهم، وذلك لأنه حق الله تعالى، فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد». ولتوضيح السابق ببعض التفصيل أقول:
قلنا إن الشريعة تحاول فض النزاع بين أفراد المجتمع بالفصل بينهم ابتداءً وذلك لحكمة وهي أن المجتمع متمثلاً في السلطة إن حاول التدخل في كل نزاع لما انتهى الأمر إلا بمرافعات ومحاكم ومشادات تنهك الأفراد والمجتمع، لذلك أنت حكمة الشريعة في تكريم المزكين والأخذ بأقوالهم لأن من أراد الغش في الزكاة فسيتمكن من ذلك بطريقة أو بأخرى. وقد تقول : إن بإمكان الدولة اكتشاف ذلك. فأقول : أجل ، ولكن هذا سيكلفها كثيراً. ذلك لأنه إن طبقت الشريعة وتمكن الناس فسيكون عدد المزكين كبير جداً، وعندها من أين ستأتي الدولة بجهاز رقابي وإداري للقيام بمراقبة هذا العدد الكبير من الملاك. انظر إلى أجهزة الرقابة الضريبية في العالم الغربي، إنها من أكبر المؤسسات استنهاكاً لطاقة مجتمعاتهم، ومع ذلك فهناك دراسات تفيد بأن الدول الغربية تفقد الكثير مما تعتقد أنها تستحقه من ضرائب (كما سنوضح بإذنه تعالى في فصول قادمة). ثم إن هؤلاء المسؤولين عن الضرائب
*** هامش ***
ض) ولكن ماذا عن النفقة إن لم تكن ديناً، فهل تقتطع هذه الزكاة زكي، وإلا فلا. فأصرح ما ذكر عن السلف في احتساب التكاليف ثم يزكي الباقي؟ هناك قولان: أحدهما لابن حزم بأنه لا النفقات سواء كانت ديناً أو لم تكن هو ما ذهب إليه عطاء وذكره يجوز إسقاط حق أوجبه الله تعالى بغير نص قرآن ولا سنة ثابتة ابن حزم ورواه يحيى بن آدم عن إسماعيل بن عبد الملك قال: «قلت
والآخر لعطاء بأنه يسقط مما أصاب النفقة، فإن بقي مقدار ما فيه لعطاء: الأرض أزرعها ، فقال : ارفع نفقتك وزك ما بقي» (١٦١). ا
ه الأموال
٢٨٥
هم بأنفسهم نافذة للرشاوي، ومتى استشرت الرشوة في المجتمع ظهرت أمراض أخرى كما سنوضح بإذن الله. ولعل الأهم من كل هذا هو مبدأ الثقة التي أولتها الشريعة لأفرادها. فكما سنرى في فصل «البركة» بإذن الله، فإن المجتمع سيسمو بأفراده عن الكذب والغش عندما يزداد ثراء الناس لتمكنهم من مواردهم وبهذا ترتفع قيمهم النبيلة وتضمحل الرذيلة وهكذا تتراكم مكارم الأخلاق وتستمر في السمو بمرور الزمن. وهذا ما يقصد إليه الإسلام بتكريم أرباب الأموال والأخذ بأقوالهم وعدم تخوينهم، بدلاً من أجهزة رقابية لا طائل لها إلا أوراقاً بيروقراطية تنتج طبقة اجتماعية رقابية وليست إنتاجية بفاعلية. والآن لنضرب بعض الأمثلة على تكريم الإسلام لأصحاب الأموال بالأخذ بأقوالهم.
ظ
لقد جرت العادة أن يرسل الإمام أناساً ذوي خبرة في الخرص ليقدروا للناس الزكاة، وكان هذا في النخل والكرم فقط لأنهما يؤكلان رطباً، فلم يكن الخرص في غيرهما. فلم يخرص الزرع في سنبله لأن الشرع كما يقول الفقهاء لم يرد بالخرص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه. فكان الخرص في التمر والعنب للتوسعة على أرباب الثمر ليؤدوا زكاته، أما غيرهما فإن على الملاك الأمانة وإخراج الزكاة إذا صار مصفى يابساً. فيقول الإمام مالك الموطأ: «فأما ما لا يؤكل رطباً وإنما يؤكل بعد حصاده من الحبوب كلها فإنه لا يخرص وإنما على أهلها فيها إذا حصدوها ودقوها وطيبوها وخلصت حباً فإنما على أهلها فيها الأمانة يؤدون زكاتها إذا بلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة، وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا». ١٦٥ أي أن الشريعة تأتمن الملاك في تقدير الزكاة وتأخذ بقولهم، أما لماذا الخرص في التمر والعنب فهو إنما لمساعدة الناس بخبرة الخارص ليتسنى لهم الأكل (كما وضحنا في الخرص). وإن أخرج الإمام خارصاً وقام بالخرص دون أن يحتسب ما للناس أكله فلهم الأكل من ثمرهم ثم احتساب النصاب. أما إن لم يخرج الإمام خارصاً واحتاج الناس التصرف في الثمرة بالأكل منها فأخرج المالك بنفسه خارصاً فللمالك أن يأخذ بقدر ذلك. حتى إن خرص هو بنفسه وأخذ بقدر ما يحتاج فله ذلك. ١٦٦ هلا تأملت كيف أن الشريعة تلقي
بالثقة على الملاك من كل باب.
170
المالك
وبالنسبة للتمر والعنب فقد يحدث خلاف بين المالك وما يقدره الخارص. لذلك، فإن ادعى رب المال أن الخارص غلط في التقدير وكان ما ادعاه محتملاً، عندها يقبل قول رب المال بغير يمين كما قال ابن قدامة. تأمل أخي القارئ: أن قول المالك يقبل بغير يمين. فهل هناك تكريم أفضل من هذا؟ أما إن لم يكن محتملاً كأن يدعي غلط الخارص في النصف ونحوه لم يقبل منه. . أما إن قال رب المال: «لم يحصل في يدي غير كذا. قبل منه بغير يمين، لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها» . ١٦٧ هل رأيت قول الفقهاء: «لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها». فهل هناك تكريم أكثر من هذا؟ وكذلك إن قام الخارص بالخرص على المالك وعرّفه قدر زكاته ثم تلف جزء من الزرع وادعى
*** هامش ***
ظ) جاء في الأموال: «حـدثنا حجاج عن ابن جريج قال : قال لي فلا يخرص وإنما على أهله فيه الأمانة إذا صار مصفى يابساً، ولا بأس عطاء: نخرص النخل والعنب ولا نخرص الحب»، «... وعن ابن أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم، وقد سئل شهاب قال : لا نعلمه يخرص من الثمر إلا التمر والزبيب»، «... عن أحمد عما يأكل أرباب الزروع من الفريك، قال: لا بأس به أن يأكل مالك بن أنس أنه قال مثل ذلك. قال: السنة أن لا يخرص من الثمر إلا منه صاحبه ما يحتاج إليه. وذلك لأن العادة جارية به، فأشبه ما يأكله النخل والعنب». وقال ابن قدامة : «لأن ثمرة النخل والكرم تؤكل أرباب الثمار من ثمارهم، فإذا صفي الحب أخرج زكاة الموجود كله، رطباً، فيخرص على أهله للتوسعة عليهم ليخلى بينهم وبين أكل الثمرة ولم يترك منه شيء لأنه إنما ترك لهم في الثمرة شيء لكون النفوس والتصرف فيها، ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص، ولأن ثمرة الكرم تتوق إلى أكلها رطبة، والعادة جارية به، وفي الزرع إنما يؤكل شيء والنخل ظاهرة مجتمعة، فخرصها أسهل من خرص غيرها، وما عداهما يسير لا وقع له» (١٦٤).
٢٨٦ 🗏
سبب
المالك أن التلف بغير تفريط منه فالقول هنا أيضاً قول المالك بغير يمين كما قال الجمهور. أما الذين قالوا بأن على المالك اليمين فلم يشترطوا البينة. تأمل ما قاله النووي: «إذا ادعى المالك هلاك الثمرة المخروصة عليه أو بعضها نظر إن أضاف الهلاك إلى سبب كذبه الحس - بأن قال: هلكت بحريق وقع في الجرين في الوقت الفلاني، وعلمنا كذبه لم يلتفت إلى كلامه بلا خلاف، وصرح به صاحب الحاوي وإمام الحرمين وغيرهما، وإن أضافه إلى س خفي كالسرقة ونحوها لم يكلف ببينة، بل القول قوله بيمينه. وهذه اليمين مستحبة أم واجبة؟ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب: (أصحهما) مستحبة، فلا زكاة عليه فيما يدعي هلاكه، سواء حلف أم لا ...». أما إن اختلف الساعي ورب المال في السقاية، أي بأيهما سقى أكثر، بماء السماء أم بالمؤنة، فالقول قول رب المال بغير يمين كما قال ابن قدامة فإن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم».
هكذا .
هي
۱۷۰
شريعتنا أخي القارئ فما أحكمها إذ أنها تكرم من يعمل وينتج وتقف بجانبه. ولكنك قد تقول: إن كان الوضع بهذا التكريم فسيكذب البعض ولا يخرجون الزكاة ويفقد الفقراء حقوقهم. فأقول: لا، بل على العكس كما سنرى في فصل «البركة» بإذن الله. فإن الأخلاق ستسمو ويزداد إيمان الناس ويكونون أكثر دقة في تحديد الزكاة وأشد حرصاً في إخراجها خوفاً من الله حتى من لا يخافون الله فسيخرجون الزكاة خوفاً من المجتمع لأن الثمار أو الأنعام أو المنتجات ظاهرة ولا يمكن إخفاؤها. وقد يحاول البعض الهروب من الزكاة بتقليلها. وحتى هنا فمن الحكمة تكري ريم أرباب الأموال كما فعلت الشريعة والأخذ بأقوالهم لأن فتح هذا الباب للسلطات بملاحقة المتهربين من الزكاة سيؤدي لإيجاد مؤسسات حكومية تطارد الناس وتكلف المجتمع في نفقاتها أكثر مما تجنيه من الزكاة، ناهيك عن تكوين جماعة سلطوية في المجتمع ليس لها مردود إلا زرع بذور البغضاء والغل بين الناس. ولكن لا تنسى أن زيادة نسبة الملاك في المجتمع ستزيد من عدد الدافعين للزكاة، وهذه لا تأتى إلا بفتح أبواب التمكين من جهة، وبتكريم العاملين من الناس من جهة أخرى حتى لا يفقدوا الهمة في العطاء. والآن لنضرب بعض الأمثلة على هذا التكريم الذي يؤدي بالضرورة للفصل بين الأفراد تلافياً لظهور الخلاف.
هناك مبدأ في الشريعة وهو أن للمالك الحفاظ على أصل الزكاة (كالنخل أو الشجر) ثم تؤخذ الزكاة. فإن خاف على شجره بعد بدو الصلاح فله الحفاظ عليه حتى إن هلك جزء من الثمر. ففي المجموع: «فإن أصاب النخل عطش بعد بدو الصلاح وخاف أن يهلك جاز أن يقطع الثمار، لأن الزكاة تجب على سبيل المواساة، فلو ألزمناه تركها
*** هامش ***
غـ) انظر مثلاً قول ابن قدامة : وبهذا قال الشافعي وقال مالك واجبة؟ فيه وجهان، وإن لم يعرف وقوع السبب فثلاثة أوجه، يلزمه ما قال الخارص، زاد أو نقص، إذا كانت الزكاة متقاربة؛ لأن الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور يطالب بالبينة على وجود الحكم انتقل إلى ما قال الساعي بدليل وجوب ما قال عند تلف المال أصل السبب لإمكانها ثم القول قوله في الهلاك به (الثاني) يقبل قوله ولنا أن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة، ولا نسلم بيمينه، حكاه إمام الحرمين عن والده (والثالث) يقبل قوله بلا يمين إذا أن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي، وإنما يعمل بقوله إذا تصرف في كان ثقة حكاه الرافعي وحيث حلفناه فهي مستحبة على الأصح، الثمرة، ولم يعلم قدرها ، لأن الظاهر إصابته ...» (١٦٨). وقيل واجبة (وأما إذا اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض ب) وتكملة ما جاء في النص : (والثاني) واجبة، فإن حلف سقطت لسبب فقال الرافعي: المفهوم من كلام الأصحاب قبوله بيمينه، وهو الزكاة، وإن نكل أخذت منه بالوجوب السابق لا بالنكول، لأن الزكاة كما قال الرافعي». وفي موضع آخر في الشرح: «إذا اختلف الساعي وجبت وادعى سقوطها، ولم يثبت المسقط فبقي الوجوب، وإن والمالك في جنس الثمر أو نوعه بعد تلفه تلفا مضمنا، قال الماوردي أضاف الهلاك إلى سبب ظاهر كالحريق والنهب والجراد ونزول والدارمي القول قول المالك، فإن أقام الساعي شاهدين أو شاهداً العسكر ونحو ذلك، فإن عرف وقوع ذلك السبب وعموم أثره صدق وامرأتين قضي له، وإن أقام شاهداً ،فلا، لأنه لا يحلف معه» (١٦٩). بلا يمين، وإن اتهم في هلاك ثماره به حلف. وهل اليمين مستحبة أم
ه الأموال
۲۸۷
الأحوال
۱۷۲
....
.«...
لحق المساكين كان ذلك سبباً لهلاك ماله، فيخرج عن المواساة، ولأن حفظ النخيل أنفع للمساكين في مستقبل . أما إن احتيج لقطع الثمار قبل كمالها خوفاً على الشجرة من التلف جاز ذلك أيضاً لرب المال لأن حق الفقراء كما جاء في المغني «إنما يجب على طريق المواساة، فلا يكلف الإنسان من ذلك ما يهلك أصل ماله، ولأن حفظ الأصل أحفظ للفقراء من حفظ الثمرة، لأن حقهم يتكرر بحفظها في كل سنة، فهم شركاء رب النخل هنا أيضاً وثقت الشريعة بالمالك ليفعل ما يراه مناسباً في زرعه. وماذا إن تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب؟ هنا أيضاً لا زكاة على المالك. وكذلك إن أتلفه المالك، إلا إن قصد الفرار من الزكاة. فقد يتلف المالك بعض الزرع لأسباب معتبرة، كأن يقطع شيئاً من الشجر لتحسين بقية الثمرة أو حفظ الأصول، وعندها إن نقص الثمر عن النصاب في حجمه فلا زكاة عليه لأن التلف وقع قبل وجوب الزكاة.١٧٣ أي أن البعض قد يتهرب من الزكاة إن كان الثمر قريباً من النصاب. ولكن من هذا الذي يستطيع الولوج داخل قلب هذا الذي قطع بعض الشجر لتحسين ثمره ليعلم ما في صدره، وهل هو رجل فار من الزكاة أو أنه خائف على ثمره؟
إن مبدأ اعتبار الزكاة عبادة تترك كثيراً من التصرفات بين العبد وربه ليحاسب نفسه عليها، لا أن يحاسبه المجتمع إلا إن كان الفرار واضحاً ومتكرراً. فالأصل حسن النية، فقد يقوم إنسان بهبة نخلة لأحد أقربائه. هنا أيضاً تكريم للمالك ولا تشكك الشريعة في نواياه بأنه حاول الهروب من الزكاة. حتى إن وهب ثمر النخل إلى إنسان آخر كقريب له، فلا زكاة عليها؛ وهذا أحد معنيين للعرايا لقوله صلوات ربي وسلامه عليه: (ليس في العرايا صدقة). ١٧٥ أما المعنى الثاني فكما عرفها أبو عبيد تعني:
د
«النخلات يستثنيها الرجل من حائطه، إذا باع ثمرته، فلا يدخلها في البيع، ولكنه يبقيها لنفسه وعياله فتلك الثنيا، لا تخرص عليه. لأنه قد عفي لهم عما يأكلون تلك الأيام، فهي العرايا، سميت بذلك في هذا التفسير لأنها أعريت من أن تباع، أو تخرص في الصدقة، فأرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الحاجة والمسكنة الذين لا ورق لهم ولا ذهب، وهم يقدرون على التمر: أن يبتاعوا بتمرهم من ثمار هذه العرايا بخرصها فعل ذلك : بهم النبي صلى الله عليه وسلم ترفقاً بأهل الفاقة الذين لا يقدرون على الرطب ليشاركوا الناس فيه، فيصيبوا منه معهم ، ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون لتجارة ولا
لادخار».
١٧٦
*** هامش ***
ج) وتكملة ما جاء في النص: «ولا يجوز أن يقطع إلا بحضرة لم يستأذن العامل، بل استقل المالك بقطعها فوجهان: (أصحهما) وبه المصدق، لأن الثمرة مشتركة بينه وبين المساكين ، فلا يجوز قطعها إلا قطع المصنف وسائر العراقيين والسرخسي وغيره من الخرسانيين ونقله بمحضر من النائب عنهم، ولا يقطع إلا ما تدعو الحاجة إليه، فإن قطع القاضي أبو الطيب في المجرد عن أصحابنا، أن الاستئذان واجب فيأثم من غير حضور المصدق وهو عالم عزره أن رأى ذلك، ولا يغرمه ما بتركه، وإن كان عالماً ا بتحريم الاستقلال عزر، ودليله ما ذكره نقص لأنه لو حضر لوجب عليه أن يأذن له في قطعه وإن نقصت به المصنف. (والثاني) أن الاستئذان مستحب، فلا يأثم بتركه ولا يعزر، الثمرة». وجاء في الشرح: «قال الشافعي رضي الله عنه والأصحاب وبهذا قال الصيدلاني والبغوي وطائفة، وسواء قلنا: يجب الاستئذان أم رحمهم الله : إذا أصاب النخل عطش بعد بدو الصلاح وخاف هلاكها يستحب، لا يغرم المالك ما نقص بالقطع لما ذكره المصنف» (۱۷۱). أو هلاك الثمرة أو هلاك بعضها إن لم تقطع الثمرة، أو خاف ضرر د المعنى الأول للعرايا كما قال أبو عبيد : فكان مالك بن أنس يقول النخل أو الثمرة جاز قطع ما يندفع به الضرر إما بعضها أو كلها، فإن النخلة يهب الرجل ثمرتها للمحتاج يعريها إياه، فيأتي المعري - لم يندفع إلا بقطع الجميع قطع الجميع، وإن إندفع بقطع البعض لم وهو الموهوب له - إلى نخلته تلك ليجتنيها، فيشق على المعري - وهو تجز الزيادة، لأن حق المساكين إنما هو في التمر يابسا، وإنما جوزنا الواهب - دخوله عليه، لمكان أهله في النخل، قال فجاءت الرخصة القطع للحاجة، فلا يجوز زيادة عليها ، ثم إن أراد القطع فينبغي للمالك للواهب خاصة أن يشتري ثمرة تلك النخلة من الموهوبة له بخرصها أن يستأذن العامل، فإن استأذنه وجب عليه أن يأذن له، لما فيه من ثمراً ، فهذا قول مالك» (١٧٤).
المصلحة ودفع المفسدة عن المالك والمساكين كما ذكره المصنف، فإن
هي
۲۸۸ 🗏
هنا أيضاً كما ترى أخي القارئ فإن الشريعة بسماحتها تكرم الناس ولا تشكك في نواياهم بالفرار من تمام النصاب. أما إن ملك نصاباً وباعه قبل الحول أو وهبه أو أتلف جزءاً منه فراراً من الزكاة فقد رأى مالك وأحمد أن
هـ
الزكاة تؤخذ منه إن كان تصرفه هذا عند قرب الوجوب لأن مظنة الفرار واردة. وقال الشافعي وأبو حنيفة بسقوط الزكاة لأنه نقص قبل تمام الحول ويكون مسيئاً وعاصياً الله بهروبه منها. أما إن تلف الزرع بغير تفريط من الملاك فلا زكاة عليهم إن نقص النصاب. جاء في المغني: «إذا خرص وترك في رؤوس النخل فعليهم حفظه، فإن أصابته جائحة فذهبت الثمرة سقط الخرص ولم يؤخذوا به، ولا نعلم في هذا خلافاً. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الخارص إذا خرص الثمرة ثم أصابته جائحة فلا شيء عليه إذا كان قبل الجذاذ، ولأنه قبل الجذاذ في حكم ما لا تثبت اليد عليه بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع وإن تلف بعض الثمرة فقال
عنهم
۱۷۸
القاضي: إن كان الباقي نصاباً ففيه الزكاة، وإلا فلا، ...». فهل هناك تكريم للملاك كهذا؟ قارن هذا بسياسات ضرائب أيامنا الحالية، فالمالك لص حتى يثبت براءته بأوراق وسجلات وحسابات ختامية وأختام وما إلى ذلك. ولعلك لا تشعر بهذا أخي القارئ إن كنت موظفاً بدخل محدود. ولكن اسأل رجل أعمال وبالذات في الدول التي تعتمد في ميزانياتها على دخل الناس لترى سوء الظن بالأفراد من خلال مئات الأنظمة والقوانين. فسيقول لك أن التشريعات الحالية عمدت إلى عدة آليات لضمان مكافحة تهرب دافعي الضرائب. فمن هذه الآليات تكليف الشركات والتجار ومن في حكمهم من دافعي الضرائب بتقديم إقرارات عن أرباحهم ومصاريفهم ومشترياتهم وما إلى ذلك من مستندات لإثبات ميزانياتهم المالية، ومن هذه الآليات أيضاً إعطاء رجال الدولة المسؤولين عن الضرائب الحق في الاطلاع على ملفات الشركات والمؤسسات الخاصة بالانقضاض عليها في أي لحظة وداخل مكاتب الشركات، ومنها منح مكافآت مالية لمن يبلغ عن شركة أو تاجر قد زور أوراقه المالية لتخفيض الضريبة، ومنها حجز الضرائب من منابعها، كالضريبة على مرتبات الموظفين التي تقتطع منهم قبل وصولها لأيديهم، ومنها ومنها ... هلا قارنت هذا بما أتت به الشريعة التي تعتبر الزكاة عبادة. فتأمل ما قاله الكاساني رحمه الله: «إن ركن الزكاة هو إخراج جزء من النصاب إلى الله تعالى، وتسليم ذلك إليه، وذلك برفع المالك يده عنه وتمليكه للفقير، وتسليمه إليه، أو إلى يد من هو نائب عن الله تعالى في التمليك والتسليم إلى الفقير. والدليل علي ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ....﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في كف الفقير ) ، ولأن الزكاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته الله تعالى».١٧٩ هل رأيت كيف أن الشريعة تعتبر الزكاة عبادة يخرجها الناس لأهلها الفقراء مباشرة، هناك المزيد أيضاً من حكم الزكاة.
*** هامش ***
هـ) استدل من قال بوجوب الزكاة بالآيات التي تلي الآية ١٧ من يكن به حاجة و إنما باعه لمجرد الفرار فالبيع صحيح بلا خلاف لما سورة القلم. وقال الشيرازي: «فإن أراد أن يبيع الثمرة قبل بدو ذكره المصنف، ولكنه مكروه كراهة تنزيه، هذا هو المنصوص وبه الصلاح نظرت، فإن كان الحاجة لم يكره، وإن كان يبيع لفرار من قطع الجمهور، وشذ الدارمي وصاحب الإبانة فقالا: هو حرام، الزكاة كره، لأنه فرار من القربة ومواساة المساكين، وإن باع صح وتابعهما الغزالي في الوسيط ، وهذا غلط عند الأصحاب، وقد صرح البيع، لأنه باع ولا حق لأحد فيه». وجاء في الشرح : «قال الشافعي القاضي أبو الطيب في المجرد والأصحاب بأنه لا إثم على البائع فراراً. الله عنه في المختصر والأصحاب : إذا باع مال الزكاة قبل وقت قال الشافعي والأصحاب: وإذا باع فراراً قبل انقضاء الحول فلا زكاة وجوبها كالتمر قبل بدو صلاحه، والحب قبل اشتداده والماشية عندنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وداود وغيرهم. وقال مالك وأحمد والنقد وغيره قبل الحول، أو نوى بمال التجارة القنية أو اشترى به شيئاً وإسحاق: إذا تلف بعض النصاب قبل الحول أو باعه فراراً لزمته للقـنـيـة قبل الحول – فإن كان ذلك لحاجة إلى ثمنه – لم يكره بلا الزكاة. دليلنا أنه فات شرط وجود الزكاة وهو الحول، فلا فرق بين أن خلاف، لأنه معذور لا ينسب إليه تقصير ، ولا يوصف بفرار ، وإن لم يكون على وجه يعذر فيه أو لا يعذر، والله تعالى أعلم» (۱۷۷).
رضي ا
ه الأموال
۲۸۹
من حكم الزكاة: الأنعام
إن الزكاة كلها حكم تمكينية تقف في صف الفرد المنتج. وسننظر الآن إلى زكاة الحيوان وباختصار شديد دون التفاصيل لنقف على بعض حكمها، برغم أن هذه التفاصيل تفتح شهية كل من يتأملها لإعجازها التشريعي الذي يكرم الناس ويفصل بينهم ويضع الخيرات في أيدي المستحقين بأقصر الطرق إلا أنني تلافيتها لكثرتها، لأنني إن تعمقت فيها فسيؤول هذا الكتاب إلى كتاب عن الزكاة وليس عن مقصوصة الحقوق. ولعلنا بحاجة لكتاب آخر عن حكم الزكاة لتقصي الحق في الحقوق والتمكين.
و
إن الزكاة تقدر في معظم الأحيان بحوالي ۲٫٥ ٪ إن بلغت النصاب، إلا زكاة الأغنام: فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب أبي بكر لأنس عندما وجهه إلى البحرين: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ...»، ويستمر الحديث بعد ذكر صدقة الإبل ليوضح صدقة الغنم كالآتي: وفي صدقة الغنم في سائمها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين
...»
ز
ومائة إلى مائتين شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ...». فنجد الزكاة من هذا الحديث للغنم كما هو ملاحظ أنها تقترب من ١٪ إن كانت الكمية في المئات لأن على كل مئة شاة سائمة، شاة واحدة، فهي ثابتة من الثلاث مائة فما فوق. أما أقل من ذلك، فمن ملك النصاب، أي الأربعين شاة، فعليه شاة واحدة، أي ٢,٥٪. ومن ملك مئة وعشرون شاة فعليه شاة واحدة أيضاً، أي أقل من واحد في المئة (۰۸۳ ٪)، فلماذا هذا الفرق الذي هو في صالح من ملك المئات، وليس كضرائب العالم الرأسمالي والذي تزداد فيه نسبة الضريبة بزيادة رأس المال؟ لقد استنتج بعض الباحثين المعاصرين أن الشريعة تهدف من ذلك إلى تشجيع تنمية الثروة الحيوانية . ١٨٢ إلا أن هذا التفسير ليس مطرداً في زكاة جميع الثروات الحيوانية. ففي زكاة الإبل والبقر تستقر الزكاة إلى نحو ٢,٥% تقريباً. لذلك ظهرت بعض التفسيرات منها مثلاً أن الأغنام أكثر ولادة من غيرها من الأنعام، فيكثر في القطيع نسبة الصغار. ومنها أن النفقة أقل لمن ملك عدداً أقل من الأغنام.
۱۸۲
:
*** هامش ***
و) يقول ابن حجر في تفسير قوله: هذه فريضة الصدقة التي فرض حـ) الذي ذهب إليه القرضاوي في التفسير هو الآتي: «أن الغنم إذا «ومعنی فرض هنا أوجب أو شرع يعني بأمر الله تعالى، وقيل معناه كثرت - سواء أكانت ضأناً أم معزاً : وجد فيها الصغار بكثرة، لأنها قدر لأن إيجابها ثابت في الكتاب ففرض النبي صلى الله عليه وسلم لها تلد في العام أكثر من مرة، وتلد في المرة أكثر من واحد، وبخاصة بيانه للمجمل من الكتاب بتقدير الأنواع والأجناس. وأصل الفرض المعز منها. وهذه الصغار تحسب على أرباب المال، ولا تقبل منهم، ... قطع الشيء الصلب ثم استعمل في التقدير لكونه متقطعاً من الشيء ولهذا استحقت الغنم - بصفة خاصة – هذا التخفيف والتيسيير، الذي يقدر منه، ويرد بمعنى البيان ...». إن في هذا الشرح تأكيد على تحقيقاً لمبدأ العدل الذي حرصت عليه الشريعة. وإلا، فلو وجب في أن الزكاة مسألة مقطوعة لا خيار لأحد فيها بزيادتها أو نقصانها كما كل أربعين واحدة - كما في الإبل والبقر - مع كثرة عدد الصغار فيها، وعدم صحة أخذها منهم، لكان في ذلك بعض الإجحاف على
وضحنا (۱۸۹). ز) الحديث طويل وهو كتاب أبي بكر لأنـس عـنـدمـا وجهه إلى ملاك الغنم بالنسبة لأصحاب الإبل والبقر. أما الأربعون الأولى فإنما البحرين: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وجبت فيها شاة، لأن الشرط أن تكون كلها كباراً، ...». وعلل وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين العلامة مة المالكي الشيخ زروق قلة الواجب في الشياه إذا كثرت تعليلاً على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط : في أربع وعشرين من قال فيه: «كلما كثر المال كثرت مؤونته، وعظمت في النفس هيبته، الإبل فما دونها، من الغنم من كل خمس شاة، إذا بلغت خمسا وعشرين فقلت زكاته، رفقاً بأهله، ولذا كان في العين (النقود): ربع العشر، إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى وفي غيرها غيره، فأفهم». إلا أن القرضاوي رد هذا المنطق بأن المال خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى ...» (۱۸۱).
كلما كثر قلت مؤونته وخفت نفقاته (۱۸۳).
۲۹۰ 🗏
إن الفرق يكمن، والله أعلم في أن الزكاة عبادة وهي تطهير للنفوس لأن المزكي سيكون فرداً فاعلاً في المجتمع إن هو أخرج الزكاة لأنه سيدرك حال الفقراء. فالزكاة في الإسلام قبل أن تكون ضريبة لجمع المال تربية وتهذيب للنفوس. فالذي يدفع الزكاة مطالب بأن يخرجها بمعرفته للفقراء إن أمكنه ذلك. أما إن دفعها للعامل على الصدقة، فإن العامل مطالب بدفعها للفقراء من نفس المنطقة، أي بالقرب من المزكي (كما سنوضح بإذن الله)، وبهذا سيتعرف المزكي على حال الفقراء ويصبح إنساناً مدركاً لحال الأمة ويتعظ مما هم فيه من فقر ويكون شاكراً لربه إن كان مؤمناً، ويجد في حركة الحياة إن كان أو لم يكن مؤمناً خوفاً من الفقر. وهكذا يتغير حاله من إنسان لا مبال ومستهلك إلى إنسان مسؤول مدرك لمصيره ومصير أمته، وبذلك يتغير سلوكه ويزداد عطاؤه ويرتفع إنتاجه. ولأن عدد المسلمين الذين يملكون نصاباً أقل (أي أربعين شاة هم بالضرورة أكثر عدداً ممن يملكون نصاباً أكبر (ألف شاة مثلاً) فإن الحكمة من الشريعة كانت بوضع الزكاة على أكبر قدر ممكن من السكان لتهذيبهم.
.
هذا التحليل السابق موجه لمن يؤمن بالله، أما بالنسبة لشخص لا يؤمن بإعجاز الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان، أو لرجل علماني، وهو المستهدف من هذا الكتاب، فإن جادلناه بهذا المنطق فلن يقبل منا. لذلك نقول له الآتي: لقد رأيت أيها القارئ في فصل «الخيرات» أن الإسلام دين يدفع للتمكين بفتح الأبواب للكل، لذلك سنتوقع مجتمعاً تكثر فيه نسبة الملاك (وستتأكد من هذا أكثر في فصول قادمة بإذنه تعالى)، فإن كان في مجتمع ما بليون شاة مثلاً، وكان عدد الملاك منخفضاً، ولنقل ألف شخص، لكان نصيب كل واحد منهم مليون شاة (وهذا ما تفعله العولمة) ويبقى كثير من الناس من غير أنعام. أما إن كان عدد الملاك أكثر، ولنقل أنهم مليون شخص، فإن نصيب كل واحد منهم سيكون ألف شاة (كما في الرأسمالية في أول ظهورها)، وإن زاد عدد الملاك إلى عشرة ملايين شخص، لكان نصيب كل واحد منهم مئة شاة، وهكذا. ولأن الإسلام وضع الحقوق لتمكين أكبر . عدد ممكن من السكان، ولأن نسبة عدد الملاك مرتفعة، فإن عدد المزكين الذين يملكون أربعين شاة سيكون أكثر بكثير ممن يملكون خمس مئة شاة، وبهذا تزيد الزكاة لمجموع الأمة.
وبالطبع ستقول: ولكن هذا حكم غير عادل، لأن الثري يدفع زكاة أقل. فأقول: بل إنه عادل للسبب الآتي: إن الزكاة لم توضع المجتمع رأسمالي، بل وضعت أو فصلت (قصت) لمجتمع مسلم يطبق الشريعة، وأنت تفكر في إطار رأسمالي انخفضت فيه نسبة الملاك، فمعظم الناس من حولك موظفون لدى شركات أو لدى دول، لذلك لن تتمكن من رؤية الصورة بوضوح، فإن طبقت الشريعة في ديار المسلمين لارتفعت نسبة الملاك، لذلك نجد أن زكاة الشاة في الثلاثمائة وبعدها ثابتة، ففي كل مئة سائمة، شاة واحدة. وهذا عدل واضح لتلك الفئة. أما لماذا الزيادة في الزكاة على من يملكون من أربعين إلى أقل من مئة وعشرين ) أي أن زكاتهم من ٢,٥ % إلى ٠,٨٣٪) فذلك لأن هناك علاقة بين طبيعة الرعي وعدد الماشية تتجلى في الآتي: إن تحدثت لراع لقال لك أن باستطاعة الراعي إن كان ذو خبرة السيطرة على ما يقل عن الألف شاة تقريباً إن كان لديه حمار وثلاثة كلاب. أما إن زاد العدد عن ذلك فلا بد من راع آخر. أما أقل من الألف شاة فالمسألة تعتمد على مقدرة الراعي وخبرته وسرعته وطبيعة الأرض، هل هي سهلية أم أنها جبلية، وما إلى ذلك من مؤثرات. فمن الرجال من لا يستطيع حتى السيطرة على مائتي شاة حتى وإن كانت الأرض سهلية أما إن كانت الأرض جبلية وكان في القطيع الكثير من الصغار فالعدد سيقل. فإن زاد العدد للألوف لاحتاج المالك إلى من يعينه في الرعي، وفي هذا نفقة على المالك. لذلك كانت الزكاة ثابتة لأن نفقته نسبياً
ه الأموال
۲۹۱
ثابتة لسبب مهم هو أنه لن يجد من يعمل لديه بسهولة وليس كالمجتمعات الرأسمالية التي تتكاثر فيها الأيدي العاملة الزهيدة الثمن نظراً لكثرة غير المالكين وبالتالي العاطلين، فعدد الملاك إن طبق الإسلام، كما قلنا، مرتفع، وبالتالي عدد العاطلين عن العمل أقل، وبهذا تزداد أجرة العاملين (وسنوضحه بإذنه في فصلي «الشركة» و «البركة»). وإن تم رفع الزكاة عليه فلن يقبل على العمل والإنتاج، أما إن لم يستعن هذا المالك بأحد غيره فإنه سيرعى بنفسه ولا نفقة عليه، لذلك كان نصابه أربعين شاة، ولأن هؤلاء هم الأكثر في المجتمعات إن زادت نسبة الملاك في المجتمع، فإنهم بدفعهم للزكاة سيستشعرون الفقر ويتحركوا في الحياة.
مسألة أخرى إن هذا التفاوت في النصاب هو فقط في زكاة الغنم كما ذكرت أما في زكاة الإبل والبقر فإن
١٨٥
النسبة تقريباً واحدة في القليل والكثير. فزكاة خمس من الإبل شاة والعشرة شاتان، والخمسة عشر ثلاث شياه. وفي الثلاثين من البقر تبيع وهو ما له سنة من البقر أو تبيعة وهي ما لها سنة أيضاً، وفي الأربعين مسنة ، و ما لها وهي سنتان، وفي الستين تبيعان، وهكذا. وقد قدرت الزكاة للإبل والبقر بحوالي ۲٫٥% تقريباً.١٨٦ ولكن لماذا نقصان الزكاة في الغنم فقط إن زادت عن المئة؟ إن السبب والله أعلم، هو أن الأغنام أكثر طلباً لكثرة استهلاك لحومها وهذا عادة ما يرفع نسبة ملاكها في المجتمع، وفي نقصان زكاتها لنصف زكاة الإبل والبقر حث للمستثمرين. ولكن هل في ارتفاع الزكاة لمن يملكون قريباً من النصاب (أي فوق الأربعين إنهاك للملاك؟ أقول: إن العمل الرعوي لا يحتاج للكثير من التعليم والمهارة، لذلك قد يكون بداية سهلة للحياة التمكينية للأفراد بعدة شياه، وعندها إن كان رأس المال صغيراً، فإن إخراج نصف أو ربع شاة أمر غير منطقي إلا إن اشترك أكثر من راع في إخراج شاة واحدة، وفي هذا وصل بين الناس في الحقوق والذي تحاول الشريعة اجتنابه تلافياً للخلاف (كما سترى في فصلي «الفصل والوصل» و «الموافقات» بإذن الله). كما أن الشريعة ترفض إخراج ثمن نصف أو ربع شاة لعلة تكمن في محاربة الاحتكار (وسأوضحه بإذن الله)، لذلك كانت الزكاة في الأربعين تعادل زكاة الإبل والبقر، أي ٢,٥ % وهو عين العدل، ومن جهة أخرى فإن من يملكون أكثر من مئة من الأغنام عليهم إخراج شاة واحدة، أي حوالي واحد في المئة من رأس المال، وهذا جد قليل إن علمنا أن من طبيعة الأغنام كثرة التوالد، فهم يحملون من ثلاث مرات كل سنتين في العادة إلى مرتين كل ثلاث سنوات في أقل الأحوال، تبعاً لطبيعة الأرض الرعوية ونوع الماشية. فإن كانت الأرض خصبة والظروف ملائمة أطلقت عليها الذكور تأملاً في إنتاج أكبر ؛ وإن خيف عليها من الضعف لم تحمّل أكثر مما تطيق. وفي كل بطن تضع الأم شاة أو شاتان تبعاً لنوع السلالة. فالأغنام عادة ما تضع مولوداً والماعز اثنان، وبهذا فإن النماء سيكون بإذن الله كبيراً مقارنة بالزكاة والتي هي مرة واحدة في السنة.
ي
ليس هذا فحسب، بل إن من شروط الزكاة النماء، والنماء يكون عندما تكون الأنعام سائمة. فالسوم شرط في زكاة الحيوان والسائمة هي الراعية في الكلأ المباح أكثر العام، وهذا رأي الجمهور إلا مالك والليث الذين أوجبا
*** هامش ***
ط) لقد قابلت بعض الرعاة وسألتهم فتفاوتت إجاباتهم، فمنهم من تبتعد عن الحمار (١٨٤). قال أن الراعي يستطيع أن يرعى خمسمائة سائمة أو مائة معلوفة ي هناك من الخرفان ما يستطيع تلقيح خمسين شاة ومنهم من لا ومنهم من قال أنها تصل إلى الألف بناء على طبيعة المنطقة. ولكن من يستطيع إلا تلقيح عشرين شاة. وفي الدراسات التنموية يعتبر الرقم دراسة وضعت لمرعى سهلي لمشروع استثماري لمائتين وخمسين ألف خمس وعشرون شاة لكل خروف رقم مقبول. كما أن الشاة تختلف في شاة كان العدد المحدد هو أن يرعى كل راع ألف شاة إن كان لديه عدد مرات حملها فمنها ما يصل حملها إلى عشرة مرات في العمر، حمار وثلاثة كلاب. ومن الملاحظ أن عدد الصغار يؤثر في حركة ومنها ما يقل إلى خمس مرات. أما الذكر فمنهم من يستطيع التلقيح القطيع لأن صغار الماشية تتفلت في كل مكان وليس كالكبار التي لا حتى يصير عمره عشرة سنوات ومنهم من يقل لسبع سنوات (۱۸۷).
۲۹۲ 🗏
الزكاة في المواشي مطلقاً سواءً كانت سائمة أو معلوفة وسيأتي بإذنه). فإن كان نصاب الغنم أربعين شاة، وقد تزداد هذه الأربعين بالتوالد من ستين إلى مئة أو أكثر بناءً على البركة، فهل شاة واحدة في السنة تعد عبئاً على المسلم؟ هل رأيت كيف أن الزكاة منخفضة جداً مقارنة بضرائب أيامنا هذه؟ وقد تقول: ما هذا؟ إن هذا الكتاب يتحدث في تفاصيل عن الشاة في عصر الحاسب الآلي، إنه يحاول أن يسلب الدول المال ويضعها في أيدي السكان؟ ألم يسافر مؤلف هذا الكاتب ويرى الطائرات وحاجة المجتمعات لمن يُسَيّرون الطائرات، وهذه بحاجة للنفقات، فلابد للسلطات إذن من الأموال للقيام بكل هذه المهام؟ هل هو في العصر الجاهلي؟ فأقول: أرجوك أن تتيح لي الفرصة. ولعلك لاحظت أخي القارئ أن زكاة الأنعام ١٠٨ إلى ٢,٥) تقل عن زكاة الزروع والثمار (٥ أو ١٠ ٪). فلماذا هذا التفاوت؟ إن الشريعة تحاول بشتى الوسائل زيادة التنمية، إلا أن الأمر قد يظهر هنا معكوساً: لأن في تخفيض زكاة الأنعام دفع للمجتمع للمزيد من الاستثمار فيها مقارنة بالزراعة، وبهذا فإن المجتمع قد ينجذب ليكون مجتمعاً رعوياً أكثر منه زراعياً !! فكما هو معلوم، فإن المجتمعات في رقيها الإنتاجي تنتقل من مجتمع يعيش على الصيد ثم الرعي ثم الزراعة ثم الصناعة ثم المعرفة. وهنا قد يستنتج باحث سطحي أن الشريعة تدير عجلة الإنتاج بطريقة عكسية. إلا أن الواقع غير ذلك. فمع رقي المجتمعات وزيادة استهلاكيتها مع التصنيع واستقرارها في المدن تصبح مهنة الرعي عمل منفر. فلابد لطائفة من القيام بذلك، فحركة تقدم البشر من الصيد للرعي ثم للزراعة ثم للصناعة حتمية بسبب التقدم المعرفي للإنسانية. وعندما تفرض الشريعة زكاة أقل على السوائم فهي إنما تحث وتعين المالك لإيجاد ما تحتاجه المدنية من منتجات حيوانية، لأنها إن لم تفعل، لما وُجد الاتزان المطلوب ولارتفعت أسعار المنتجات الحيوانية ولتضرر السكان، وبالذات الفقراء. وكما هو معلوم، فلا غنى لأي مجتمع عن تنمية الأنعام، وبالذات طبيعياً، أي سوماً، لفوائدها الكثيرة من لحومها وألبانها وجلودها. ففي الأنعام بركة عجيبة. فهي تنمو سائمة بقليل من العناية لتعطيك الخير الكثير بتكاثرها العجيب. وقد يظهر لباحثنا السطحي أنني أبالغ. فالفرق بين الزكاتين جد مرتفع (١ إلى ٢,٥ % للماشية و ٥ إلى ١٠ ٪ للزروع)، لذلك أذكرك أخي القارئ بأننا يجب ألا ننسى أن أصول مالك المزرعة أكثر، فالأرض ومعدات الزراعة وما إليها من استثمارات هي أصول لا زكاة عليها، إنما الزكاة على الثمر فقط بعد خرصه، أي على جزء من رأس المال، أما الأنعام، فأصولها شبه معدمة، وكأن الزكاة على جميع رأس المال، وهكذا يقل الفارق، إلا أن الكفة، والله أعلم في صالح جذب المعدمين في المجتمع للعمل الرعوي.
كما أن الزكاة ليست على كل الأنعام، فالأنعام العاملة، أي المعدة للحمل والسقاية ونحوهما لا زكاة عليها لأنها ليست سائمة كما ذهب الجمهور لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وليس في العوامل شيء). ١٨٩ وهناك
*** هامش ***
ك
۱۸۹
ك) يقول محمد خليل هراس في حاشية الأموال: كان رأي الليث يأخذ أهل العراق وهو رأي سفيان. وحكي عنه أنه ذكر له قول ومالك متفقا في وجوب الصدقة في العوامل من الإبل ثم اختلفا في مالك ، فقال ما ظننت أن أحداً يقول هذا. قال أبو عبيد: ومع أنك إذا البقر فرأى الليث أنه لا صدقة فيها تبعاً لهذه الأحاديث وأما مالك صرت إلى النظر وجدت الأمر على ما قالوا أنه لا صدقة في العوامل من فقاسها على الإبل». ويقول أبو عبيد: «ولا نعلم أحداً قال هذا القول جهتين إحداهما أنها إذا اعتملت واستمتع بها الناس صارت بمنزلة قبل مالك في البقر خاصة، وإنما ذهب فيما نرى إلى مذهبه في الإبل أن الدواب المركوبة، والتي تحمل الأثقال من البغال والحمير، أشبهت الجملة جاءت بالبقر والإبل، فحمل المعنى على الجميع، حتى أدخل المماليك والأمتعة. ففارق حكمها حكم السائمة لهذا. وأما الجهة فيها العوامل والحوارث وكان هذا هو الوجه لو لا أن تواترت هذه الأخرى فالتي فسرها ابن شهاب، وسعيد بن عبد العزيز أنها إذا الأحاديث بالإستثناء فيها خاصة من قول النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسنو وتحرث فإن الحب وفي بعض النسخ «الحرث») الذي وأصحابه التابعين بعدهم، ثم من بعدهم وهلم جرا إلى اليوم. وبه تجب فيه الصدقة إنما يكون حرثه وسقيه ودياسه بها، فإذا صدقت
ه الأموال
۲۹۳
على جميع
ل
۱۹۲
حديث آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في البقر العوامل صدقة. وبالنسبة للأغنام فالذي يُتخذ منها في البيوت بالأمصار والقرى وتكون ألبانها لقوت الناس وطعامهم، وليست لتجارة ولا سائمة»، وهي التي تسمى «الربائب» فلا زكاة فيها. ففي الأموال عن مجاهد في الرجل تكون له أربعون شاة حلوباً في المصر؟ قال: ليس عليها صدقة». كما أن الأنعام الأخرى مثل الخيل وبقر الوحش ليس عليها زكاة في قول أكثر أهل العلم إلا إن كانت للتجارة، فزكاة الحيوان فقط في الغنم والبقر والإبل. ففي المجموع: «وأما الخيل والبغال والحمير والمتولد بين الغنم والظباء فلا زكاة فيها كلها عندنا بلا خلاف، وسواء كانت الخيل إناثاً أو ذكوراً أو ذكوراً وإناثاً، وسواء في المتولدين كان الإناث ظباء أو غنماً فلا زكاة في الجميع مطلقاً، وهذا إذا لم تكن للتجارة، فإن كانت لها وجبت زكاتها». ١٩٢ هل رأيت تكريم الإسلام للناس بالتخفيف عنهم؟ وهذا المبدأ ينطبق الاستثمارات. فكما هو معلوم، فإن أموال «القنية» لا زكاة عليها. وأموال القنية هي الأعيان التي يقتنيها الإنسان لسد حوائجه. قال الماوردي: «أما الذي ليس بنام في نفسه ولا مرصد للنماء، فهو كل مال كان معداً للقنية، كالعبد المعد للخدمة والدابة المعدة للركوب والثوب المعد للبس». وقال الباجي: لهذا الوجه أبطلنا الزكاة في أموال القنية، لأنا لو أوجبنا فيها الزكاة لاستهلكتها، والزكاة إنما هي على سبيل المواساة في الأموال التي تمكن من تنميتها، أي أن المعتبر فيه الزكاة هو رأس المال السائل أو المتداول، وليس ما تتطلبه الجهة المنتجة مثل المباني والمعدات بالنسبة للمصانع أو الأثاث وما تعرض فيه المنتجات في المحلات التجارية وما شابه مما لا يباع. فقد ذكر الفقهاء أن المراد بعروض التجارة هو ما يعد للبيع والشراء لأجل الربح بدليل حديث سمرة بن جندب الذي رواه أبو داود قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع».١٩٤ ولهذا قال الفقهاء: «لا تقوم الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا الأقفاص والموازين ولا الآلات كالمنوال والمنشار والقدوم والمحراث، ولا دولاب العمل اللازم للتجارة: لبقاء عينها فأشبهت عروض القنية ...». ألا تتوقع أن يتجه الناس إلى الاستثمار في مثل هذه الأدوات في أعمالهم للتسهيل. وبهذا فإن الشريعة تدفع إلى المزيد من الاستهلاك في مثل هذه المتطلبات والتي قد تنقلب من كماليات إلى ضروريات بتقدم طريقة صناعة المنتجات وعرضها (وسنوضحه بإذنه).
*** هامش ***
۱۹۳
.«...
هي أيضاً مع الحب صارت الصدقة مضاعفة على الناس». ويقول ابن أخرجه البيهقي في باب ما يسقط الصدقة من الماشية. وروي عن علي قدامة من المذهب الحنبلي: «فإن مذهب إمامنا ومذهب أبي حنيفة أنها ومعاذ وجابر أنهم قالوا: «لا صدقة في البقر العوامل» ولأن صفة النماء إذا كانت سائمة أكثر السنة ففيها الزكاة. وقال الشافعي: إن لم تكن معتبرة في الزكاة ولا يوجد إلا في السائمة. الحديث أخرجه ابن أبي سائمة في جميع الحول فلا زكاة فيها؛ لأن السوم شرط في الزكاة، فاعتبر شيبة في : باب في البقر والعوامل من قال ليس فيها صدقة. ولفظ في جميع الحول، كالملك وكمال النصاب، ولأن العلف مسقط والسوم جابر: «لا صدقة في المثيرة». وهناك أحاديث بألفاظ مختلفة بنفس موجب، فإذا اجتمعا غلب الإسقاط ، كما لو ملك نصاباً بعضه سائمة المعنى والله أعلم ، منها : عن عمرو بن دينار أنه بلغه أن رسول الله صلى وبعضه معلوف ....... وفي موضع آخر يقول: «وحكي عن مالك أن الله عليه وسلم قال: (ليس في الثور المثيرة صدقة). وعن جابر قال:
في الإبل النواضح والمعلوفة الزكاة لعموم قوله عليه السلام : ( في كل ليس على الحراثة صدقة) (١٩٠). خمس شاة قال أحمد : ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون فيها (م) قال أبو عبيد : حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: ليس في الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل، ولنا قول النبي صلى الله عليه الربائب صدقة» (۱۹۱). وسلم : ( في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون). وفي حديث بهز بن (ن) وقد فصل بعضهم فقالوا: «في الأواني التي توضع فيهـا عــروض حکیم، فقيده بالسائمة، فدل على أنه لا زكاة في غيرها، وحديثهم التجارة كقوارير العطارين والغرائر والأكياس التي يستعملها تاجر مطلق، فيحمل على المقيد، ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة، الحبوب، والسرج واللحم التي يستعملها تاجر الخيل ونحوها – إن والمعلوفة يستغرق علفها نماءها، إلا أن يعدها للتجارة فيكون فيها أريد بيعها مع هذه الأشياء - فهي مال للتجارة: تقوم معها، وإن لم يرد بيعها - بل تباع العروض وتبقى هي للاستعمال – فلا تقوم، شأنها
زكاة التجارة» (۱۸۸).
ل) يقول ابن قدامة: «وهذا مقيد يحمل على المطلق». والحديث شأن العروض المقتناة» (١٩٥).
٢٩٤ 🗏
س
ومن مظاهر التكريم في الزكاة أيضاً أن الساعي يذهب للملاك لأخذ الزكاة، لا أن يذهب الناس للسلطات لدفع الزكاة كما هي الحال في أيامنا هذه. وفي هذا تكريم للمزكي، فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم. أي أن الساعي يذهب لمكان الماء الذي تجتمع فيه الأنعام لأخذ الزكاة، وبالطبع فليس المقصود هو الذهاب لموقع الماء حصراً ولكنه تعبير عن أن المزكي لا يسعى وراء ممثل السلطة لدفع الزكاة، بل العكس. وفي رواية أخرى: لا جلب ولا جنب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم). قال الشوكاني موضحاً: «معنى لا :جلب أن تصدق الماشية في موضعها ولا تجلب إلى المصدق، ومعنى لا جنب: أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، فنهوا عن ذلك ...». وقد علق الشوكاني موضحاً: «والحديث يدل على أن المصدق هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها لأن ذلك أسهل لهم». وشتان بين الوضعين، فأنت عندما تذهب لدفع الضرائب أو الزكاة لدائرة حكومية تكون محاطاً بالموظفين الذين هم أعلى منك وضعاً في تلك اللحظة. فتقف في طابور أو صف من الناس أمام موظف يتكرم عليك بإنهاء إجراءاتك برغم أن مرتبه الشهري قد يكون من زكاتك، ولكن فقط لأن السلطة بيده فهو الأعلى، وقد تضطر للذهاب للمدير إن واجهتك معضلة ترجو حلها منه وتنتظر خارج مكتبه ليؤذن لك بالدخول، وهكذا من مواقف إذلالية توضع فيها، لأنك إن لم تفعل فلن تحصل على التصريح الذي يعطيك الحق في فتح محل أو تشغيل مصنع، وهذا وضع لا يمكن أن يقارن بقدوم الساعي إليك في مكانك وبين عشيرتك. فتصور وضع الساعي عندما يذهب وحيداً أو مرافقاً لواحد أو اثنين من أعوانه إلى مساكن أو مراعي أو مزارع أو مصانع جماعة ليأخذ منهم الزكاة. إن مجرد التفكر في هذا الوضع يشعرك أن الساعي لابد وأن يكون مؤدباً ولبقاً وإلا لما حصل على ما أتى من أجله ورجع خاوي اليدين إن أنكره الناس بالطعن في أمانته لأن الحق سيكون مع الناس إن قرروا دفع الزكاة لغيره من العمال، أو قرروا إخراجها بأنفسهم كما سنرى بإذن الله. هل رأيت هذا التكريم؟ وقد تقول: ولكن ماذا عن الفقراء، ألن تُنقص هذه المبادئ من حقوقهم بنقصان الزكاة؛ فأقول: لا، بل إن الشريعة وضعت حركيات تضمن لهم حقوقهم. وهو موضوعنا الآتي.
الاحتكار
لعل أهم مقومين في الحياة هما الغذاء والأمن، فغيابهما قد يعني الموت أو القتل، أما الكسوة فبرغم أهميتها إلا أن زياً بالياً لن يقتل أو يميت وكذلك السكن والصحة والتعليم، فبرغم أهميتهم القصوى للمجتمع إلا أنهم لن يرتقوا إلى أهمية الغذاء والأمن. تأمل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلَّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ ، لذلك فقد امتن الله سبحانه وتعالى على قريش بأنه أطعمهم وآمنهم بقوله: الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفِ ١٩٧ وسنوضح الأمن في فصل قادم بإذنه تعالى. أما الغذاء، فسيتوفر ودونما احتكار وبأثمان في متناول الجميع إن طبقت الشريعة وذلك لأن
۱۹۷
*** هامش ***
س) وتكملة ما جاء في النص الأول : « ... وفسر مالك الجلب بأن تفسيران، فذكرهما وتبعه المنذري في حاشيته، والحديث يدل على أن تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق المصدق هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها لأن ذلك والجنب : أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرساً آخر حتى إذا دنا أسهل لهم»، وهكذا فإن الشريعة تحاول تحجيم دور السلطة، إلا أن تحول الراكب عن الفرس المجنوب فسبق. قال ابن الأثير: له هناك من المعاصرين من حاول عكس ذلك وسيأتي بيانه بإذنه (١٩٦).
ه الأموال
٢٩٥
الشريعة فرضت عدة مبادئ، ومن أهمها الإصرار على إخراج الزكاة من جنسها وليس من ثمنها وبالذات فيما يؤكل، أي في الزروع والثمار والأنعام . فعلى الراعي أن يخرج زكاته من الأنعام وعلى المزارع أن يخرجها من ثمره. وبهذا تزداد هذه المأكولات خارج أيدي الملاك انتشاراً ويصعب احتكارها ولا يرتفع سعرها. فقد يتفق ثري مع آخرين مثله يملكون نفس الصنف بإخراج الزكاة أموالاً، وبهذا يقل المعروض في المجتمع من هذه الضروريات للحياة من ثمار وأنعام، ومتى قل العرض ازداد السعر، وفي هذا تضييق على الفقراء. فزكاة التمر يجب أن تخرج تمراً لا ثمناً، وزكاة البقر بقراً وهكذا. فيقول الشيرازي مثلاً: «ولا يجوز أخذ القيمة في شيء من الزكاة لأن الحق الله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على الأنعام لم يجز نقلها إلى غيرها، وما هذا إلا تمسكاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر. ومن هذا القول ومأثورات أخرى أجمع الفقهاء إلا أبا حنيفة " على إخراج الزكاة من نفس الصنف، وكان هذا عرفاً سائداً، ولا مخالف له. فاختلاف الفقهاء هو في طريقة الأخذ إن اختلفت جودة كل صنف (أي أن المزكي لديه أنواع مختلفة من التمور مثلاً)، وليس اختلافاً . في ضرورة إخراجها من نفس الصنف. فتأمل قول ابن قدامة في إخراج الزكاة من الأنواع المختلفة من نفس الصنف:
۱۹۹
«فأما كيفية الإخراج، فإن كان المال الذي فيه الزكاة نوعاً واحداً أخذ منه جيداً كان أو رديئاً، لأن حق الفقراء يجب على طريق المواساة، فهم بمنزلة الشركاء لا نعلم في هذا خلافاً. وإن كان أنواعاً، أخذ من كل نوع ما يخصه، هذا قول أكثر أهل العلم. وقال مالك والشافعي: يؤخذ من الوسط. وكذلك قال أبو الخطاب. إذا شق عليه إخراج زكاة كل نوع منه. قال ابن المنذر: وقال غيرهما: يؤخذ عشر ذلك من كل بقدره وهو الأولى لأن الفقراء بمنزلة الشركاء، فينبغي أن يتساووا في كل نوع منه ولا مشقة في ذلك ...».
ر
.«...
ص
حتى وإن باع الرجل أرضه بما فيها من زروع فإن عليه الزكاة من جنس المبيع وليس من ثمنها إلا إن اشترط على المبتاع أنها عليه، وعندها فعلى المبتاع أن يخرجها أيضاً من جنسها. أما إن كان المال المزكي يصعب إخراج الزكاة من صنفه كزكاة خمسة من الإبل مثلاً، فقد أصرت الشريعة أيضاً على إخراجها من الأنعام، فزكاة خمساً من
ع) هناك خلاف في جواز إخراج زكاة عروض التجارة أثماناً وسنأتي عليه وسلم لأخذ زكاتهم وغيرها : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس عليها بإذنه تعالى. في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي
ف) ويقول النووي في الشرح: «اتفقت نصوص الشافعي رضي الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ....». «وقال إمام الحرمين في الأساليب: عنه أنه لا يجوز إخراج القمية في الزكاة، وبه قطع المصنف وجماهير المعتمد في الدليل لأصحابنا أن الزكاة قربة الله تعالى وكل ما كان الأصحاب، فيه وجه أن القيمة تجزئ، حكاه بياض في الأصل، وقد كذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى ...» (۲۰۰). يكون أبو بكر الرازي كما وضح المحقق وهو شاذ ،باطل، ودليل ق ويؤكد ابن قدامة إجماع أهل العلم في هذه المسألة فيقول: «... ولا المذهب ما ذكره المصنف ...» (۱۹۸). خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والأثمان، أنه لا يضم جنس إلى
ص) جاء في المجموع في الشرح: «وقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز جنس آخر في تكميل النصاب، فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل والبقر إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك وأحمد وداود إلا أن والغنم. ولا يضم جنس منها إلى آخر. والثمار لا يضم جنس إلى غيره، مالكا جوز الدراهم عن الدنانير وعكسه، وقال أبو حنيفة: يجوز، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا إلى اللوز والفستق، ولا يضم شيء من فإن لزمه شاة فأخرج عنها دراهم بقيمتها أو أخرج عنها ماله قيمة هذه إلى غيره، ولا تضم الأثمان إلى شيء من السائمة، ولا من الحبوب عنده كالكلب والثيات جاز. وحاصل مذهبه أن كل ما جازت والثمار ، ولا خلاف بينهم ...» (۲۰۱). الصدقة به جاز إخراجه في الزكاة، سواء كان من الجنس الذي وجبت ) هناك رواية عن أحمد أن البائع مخير بين إخراجها ثمناً أو ثمراً. قال فيه الزكاة أم من غيره إلا في مسألتين ...». «واحتج المجوزون للقيمة القاضي: «والصحيح أن عليه عشر الثمرة؛ فإنه لا يجوز إخراج القيمة بأن معاذاً رضي الله عنه قال لأهل اليمن حيث بعثه رسول الله صلى الله في الزكاة على صحيح المذهب ...» (۲۰۲).
٢٩٦ 🗏
الإبل شاة، والعشرة شاتان، وهكذا حتى تصل خمساً وعشرين، ففيها بنت مخاض أنثى وهي الإبل التي دخلت في السنة الثانية. وتستمر الزكاة من نفس جنس الإبل ولكن بأعمار مختلفة كبنت لبون ،وحقة، فتأمل.
۲۰۷
وحتى تقفل الشريعة الباب على من قد يحاول التهاون في إخراج الزكاة من جنسها ويحاول إخراجها أثماناً أصرت على «الوقص». وتعريف الوقص هو الذي بين الفريضتين : ٢٠٤ ففي الأغنام مثلاً تقفز الزكاة من شاة واحدة في الأربعين شاة إلى شاتين في المئة وإحدى وعشرين شاة، فلا زكاة فيما بين الأربعين والمئة والعشرين. أي لا زكاة في الثمانين كنصف شاة مثلاً لأن هذا قد يحولها أثماناً. وقد ثبت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الإبل مثلاً: (فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى). أي ما بين الخمسة والعشرين والخمسة والثلاثين من الإبل فهي وقص لا زكاة فيها.." ويسمى الوقص في زكاة الإبل «شنق». والملاحظ أن زكاة الإبل إن بلغت مئة وثلاثين فإنما تجب فيها أسنان الإبل»، أي أعمار مختلفة من الإبل ولا تعود للغنم (إلا قولاً لأبي حنيفة وقد رده الجمهور)، فيقول أبو عبيد : «هذا قول مالك وأهل الحجاز أن الإبل إذا أفرضت مرة لم تعد صدقتها غنماً بعد ذلك». ٢٠٧ ففي الأموال من حديث حبيب «أن الزيادة على عشرين ومئة لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين ومئة، ثم يكون فيها حينئذ بنتا لبون وحقة، فهذا هو القول المعمول به أن الزيادة على عشرين ومئة إلى ثلاثين ومئة شنق كسائر الأشناق التي لا يحتسب بها وهي الأوقاص في البقر، وذلك ما بين الفريضتين، ثم هي إذا بلغت ثلاثين ومئة فإنما تجب فيها أسنان الإبل أيضاً ولا تعود إلى الغنم».٢٠٨ وفي هذا لمن قد يحاول إخراج الغنم زكاة لجنس الإبل حتى ترتفع أسعار الإبل احتكاراً، برغم أن الشنق يقفز من ثلاثين ومئة إلى أربعين ومئة من الإبل، أي عشرة من الإبل دون زكاة، وهذا مال كثير إلا أن الشريعة بحكمتها فضلت هذا القفز على إخراج الزكاة من الأغنام في كل خمس لكي يقفل باب التلاعب بإخراج الأغنام مكان الإبل فيكون جنس الإبل نادراً. وحجة الإمام مالك مثلاً في هذا هي «إن الصدقة حق من حقوق الله تبارك وتعالى وليس حكمها كحقوق الناس التي تحول ديناً بعد أن كانت عيناً، وإنما هي مثل الصلاة التي لا يجزي مكانها غيرها ...». ۲۰۹ فتأمل هذا الإصرار على إخراج الزكاة من نفس الصنف.
منع
وإذا ما قارنا زكاة الأنعام بزكاة الثمار سنلحظ أنه لا وقص في الثمار، لأنها تقسم إلى أجزاء صغيرة، أما الأنعام فلا تقسم، لأنها إن قسمت فتحت باب تحولها لأثمان ، مما يفتح الباب للتحايل، وهنا كانت الحكمة من الوقص أنها عفو لا زكاة فيها إلا قولاً لأبي حنيفة والاستثناء من هذه القاعدة هو إن كان المزكي لا يجد ما يخرجه من نفس الصنف لأن الذي عنده صنف فوقه أو تحته. فقد تكون زكاته المستحقة من الإبل جذعة وليست
*** هامش ***
ث
ش) بنت لبون ما دخلت في الثالثة من عمرها، والحقة ما أتى عليها الإبل، والوقص مختص بالبقر والغنم. واستعمل الشافعي رضي الله عنه ثلاث سنين ودخلت في الرابعة. وفي المجموع: ... فإذا استكمل في البويطي الشنق في أوقاص الإبل والبقر والغنم جميعاً. ويقال أيضاً:
السنة ودخل في الثانية فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، سمي وقس، بالسين المهملة» (٢٠٦).
بذلك لأن أمه لحقت بالمخاض وهي الحوامل. ثم لزمه هذا الاسم وإن ث إن أكثر أهل العلم قالوا بعدم وجوب الزكاة فيما بين النصابين، لم تحمل أمه. ولا يزال ابن مخاض حتى يدخل في السنة الثالثة، فإذا إلا أن هناك بعض الروايات عن أبي حنيفة بأنه فيما زاد عن الأربعين دخل فيها فهو ابن لبون والأنثى بنت لبون. وهكذا يستعمل مضافاً إلى في نصاب البقر فبحسابه، أي في كل بقرة ربع عشر مسنة، فراراً من النكرة. ...» (۲۰۳). جعل الوقص تسعة عشر. ويقول ابن قدامة راداً: «وهو مخالف لجميع
ت) جاء في المجموع: «الشنق (بفتح الشين المعجمة والنون) هو أيضاً أوقاصها، فإن جميع أوقاصها عشرة عشرة. ولنا حديث يحيى بن الحكم ما بين الفريضتين، قال القاضي أكثر أهل اللغة يقولون: الوقص الذي رويناه، وهو صريح في محل النزاع، وقول النبي صلى الله عليه والشنق سواء لا فرق بينهما. وقال الأصمعي: الشنق يختص بأوقاص وسلم في الحديث الآخر : ( في كل ثلاثين تبيع؛ وفي كل أربعين
ه الأموال
۲۹۷
ذ
خ
ض
عنده جذعة، بل حقة. هنا ظهر خلاف بين الفقهاء، فمنهم من رأى أن على المزكي أن يأتي بما هو مطلوب منه كأن يشتريها من آخر، كالإمام مالك رحمه الله . ومنهم من رأى بأن يعطي السن الذي عنده وزيادة عشرين درهما أو شاتين إن كان السن الذي عنده أحط " وذلك أخذاً بكتاب أبي بكر في الصدقة. فتأمل إصرار الشريعة على تفادي الأثمان قدر المستطاع بأخذ أعلى ما هو متوفر لدى المزكي من نفس الصنف مع فارق الثمن، أو دفعه للحصول على ما هو مطلوب منه، وفي هذا إعلان حرب على الاحتكار. كما أن هذا الإصرار يحدد الزكاة ليفصل بين الناس توضيحاً لحقوقهم، لأن في إخراج الزكاة بالأثمان فتح لباب الاختلافات بين المزكي والمحصل للزكاة. قال الخطابي يشبه أن يكون الشارع جعل الشاتين أو العشرين درهماً تقديراً في الجبران لئلا يكل الأمر إلى اجتهاد الساعي لأنه يأخذها على المياه لا حاكم ولا مقوم غالباً، فضبطه بشيء يرفع التنازع كالصاع في المصراة والغرة في الجنين والله فتأمل هذا الإصرار على إخراج الزكاة من جنسها، إلا أن بعض الفقهاء المعاصرين كالقرضاوي مثلاً ذهبوا للقول بجواز إخراج الزكاة أثماناً ورجحوا قول أهل الرأي برغم وضوح النص. ٢١٤ وبالإضافة لمنع الاحتكار فهناك فائدة أهم لإخراج الزكاة أعياناً تتلخص في دفع الناس للترحال للمواطن التي تكثر فيها الزكاة، لا أن تجمع
أعلم
۲۱۳
.«<...
الزكاة وتنقل لبلدان أخرى إلا فيما ندر، وفي هذا تمكين للأمة كما سنوضح في فصل «ابن السبيل» بإذنه تعالى.
لصدقته. فعندما سأله
عمر
رضي
وحتى يوصد باب الاحتكار تماماً فقد قفلت الشريعة الباب على المزكين بمحاولة شراء ما قاموا بإخراجه أعياناً مرة أخرى من المزكى عليهم. ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء الرجل الله عنه عن شراء فرس كان قد تصدق به فوجده يباع، قال له صلوات ربي وسلامه عليه: (لا تشتره، ولا تعد في صدقتك ٢١ و إن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه . قال ابن بطال: «كره أكثر أهل العلم شراء الرجل صدقته لحديث عمر هذا». وقال الشوكاني في تفسير قوله كالعائد في قيئه): «استدل به على تحريم ذلك لأن القيء حرام. وقال القرطبي: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر، وهو قول الأكثر ...».
.(۲۱۲)
۲۱۸
*** هامش ***
غ
مسنة يدل على أن الاعتبار بهذين العددين، ولأن البقر أحد بهيمة تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ...» الأنعام، فلا يجب في زكاتها كسر كسائر الأنواع، أو لا ينتقل من فرض فيها إلى فرض بغير وقص كسائر الفروض، ...» (۲۰۹) . ظ) وفي شرح الحديث في فتح الباري يقول ابن المنذر: «ليس لأحد أن خ) جاء في الأموال: «... قال مالك: فأما إذا وجبت في المال ابنة لبون يتصدق ثم يشتريها للنهي الثابت» . وفي شرح قوله صلى الله عليه وسلم أو حقة أو جذعة فإن على رب المال أن يأتي بها. قال : ولا أحب أن لا تعد يقول الحافظ ابن حجر: «وفي رواية أحمد عن طريق يأخذ منه المصدق قيمتها . قال : وكذلك البقر والغنم» (۲۱۰). هشام بن سعد عن زيد بن أسلم ولا تعودن»، وسمى شراءه برخص
ذ) أما إن كان السن الذي عنده أعلى دفع إليه المصدق عشرين درهماً عوداً في الصدقة من حيث أن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها أو شاتين. قال ابن رشد: وهذا ثابت في كتاب الصدقة، فلا معنى برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي للمنازعة فيه، ولعل مالكاً لم يبلغه هذا الحديث (أي كتاب أبي بكر بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق فيصير راجعاً وبهذا الحديث قال الشافعي وأبو ثور: «وقال أبو حنيفة: الواجب في ذلك المقدار الذي سومح فيه» (٢١٦). عليه القيمة، على أصله في إخراج القيم في الزكاة». «وقال قوم: بل غـ قال ابن المنذر : «رخص في شراء الصدقة الحسن وعكرمة وربيعة يعطي السن الذي عنده وما بينهما من القيمة» (۲۱۱). والأوزاعي». وقد رجح هذا الرأي ابن حزم واستدل على ذلك ض) جاء في صحيح البخاري أن أنساً قال أن أبا بكر كتب له فريضة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم: «من بلغت عنده من عليه وسلم : (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله، أو الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني) (٢١٧).
بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها
۲۱7
۲۹۸ 🗏
إلا أن هذا لا يعني منع شراء الصدقات مطلقاً، لأن في المنع فقدان لقيمة الصدقات، وفي هـذا مضرة على الفقراء الذين قد يبيعون بعض ما أخذوه من صدقات للاستفادة من الثمن في تأمين حاجيات لم يستطيعوا الحصول عليها كأعيان مزكاة، كالأثاث مثلاً. لذلك أباحت الشريعة شراء الصدقات إلا شراء صدقات الناس أنفسهم التي أخرجوها. وقد قال البخاري في صحيحه: «ولا بأس أن يشتري صدقة غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى المتصدق خاصة عن الشراء، ولم ينه غيره». وفي الشرح يقول الحافظ ابن حجر: «ولو كان المراد تعميم المنع لقال لا تشتروا الصدقة مثلاً ، ... » . ۹ وبهذا تكون هناك دائرة اقتصادية تكسر الاحتكار يكون المتصدق عليه في أولها. ولكن يجب ألا ننسى أن الزكاة هي لمجتمع نسبة الملاك فيه مرتفعة لأنه يطبق الشريعة. أي أن الفقراء قليلون جداً لديمومة انتقالهم من المناطق الأفقر للأغنى كما سنوضح بإذن الله. وعندها سيكون العشر ونصفه من المنتجات الزراعية وربع العشر تقريباً من المنتجات الحيوانية يفيض عما يحتاجه الفقراء. ولأنهم ليسوا جياعاً، ولأن مفاتيح التمكين بأيديهم، فسيتحول الفقراء إلى أناس عاملين وقد يصبحوا من الأغنياء، إن لم يكونوا من المستورين حالاً. وحتى يزداد المتلقي للزكاة تمكيناً فإن الشريعة تدفع لإخراج الإناث من بعض الأنعام لأنها أصول استثمارية. فزكاة الإبل من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة ولا يجوز إخراج الذكر كابن المخاض وابن اللبون إلا إن صرح الحديث بجواز أخذ ابن اللبون مكان بنت المخاض لاعتبار فارق السن مقابل الأنوثة. وهذا مذهب الجمهور إلا الحنفية الذين قالوا بجواز الذكور لأن مذهبهم قال بصحة إخراج القيمة من كل أنواع الزكاة. وبالنسبة لزكاة البقر فقد ذهب الجمهور على منع إخراج الذكور في زكاة الأربعين من البقر إلا الحنفية. وبالنسبة للأغنام فقد ذهب الحنابلة لعدم جواز إخراج الذكور كزكاة إن كان في النصاب إناثاً.٢٢٠ وبالطبع، فإن في امتلاك الإناث تمكين أكبر للفقير لأنها أصول منتجة. فالشريعة تحاول قدر المستطاع الحفاظ على الأصول المنتجة، فقد قال عليه الصلاة والسلام في رواية مسلم لمن همّ بذبح شاة: إياك والحلوب). ۲۱
قلنا أن هناك دائرة اقتصادية المتصدق عليه في أولها. وحتى تتأكد الشريعة من وجود هذه الدائرة لضمان حق الفقراء فقد وضعت صماماً آخر، ألا وهو حث الناس على إخراج الزكاة بأنفسهم أعياناً للفقراء مباشرة، أو من خلال المتصدق الذي يرسله السلطان والذي عليه أن يدفع هذه الزكاة لفقراء نفس المنطقة، وسنأتي عليه بإذنه تعالى. ولكن قبل ذلك لابد من ذكر بعض ملامح زكاة النقدين وعروض التجارة ثم الحديث عن طريقة توزيع الزكاة.
عروض التجارة
۲۲۳
بالنسبة لزكاة الذهب والفضة فإنها ربع العشر (أي ۲٫٥ ( إن بلغت النصاب، وقد قدر فقهاء السلف النصاب بعشرين ديناراً في الذهب ومائتي درهم في الفضة.٢٢٢ ومن دراسات معاصرة توصل الباحثون على أنها تعادل بالوزن الحديث ٥٩٥ جراماً من الفضة و ٨٥ جراماً من الذهب. ٢٢٣ وهذا كما ترى ليس مبلغاً كبيراً. وبالنسبة لعروض التجارة، فقد قدرها الفقهاء بالرجوع لما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من زكاة الذهب والفضة ونحوهما بربع العشر أيضاً. وهذه مسألة أجمع عليها الفقهاء ٢٢٤ كما أن الأنواع لا تضم لإكمال النصاب، فلا يتم ضم الذهب للفضة لإكمال النصاب. إلا أن عروض التجارة تضم فيها الأثمان للأصناف باتفاق الفقهاء إلا الشافعي
ه الأموال
۲۹۹
رحمه الله .٢٢٥ وفي عدم ضمها حكمة، والله أعلم، وهي أن التجار الصغار المبتدئين تلافياً لبلوغ النصاب وتقليلاً أصناف للزكاة قد يحاولون تنويع سلعهم. وبهذا يكونون خبرات مختلفة مع كل سلعة، ولأن الناس متفاوتون في مقدراتهم واهتماماتهم، فسيختارون المتاجرة بسلعة دون أخرى. وهكذا يقع التاجر على التجارة التي يجيدها لأنه جرب المتاجرة بأكثر من صنف. ومن جهة أخرى فإن تجار نفس السلعة يزداد عددهم فينكسر الاحتكار أكثر وأكثر لصالح الفقراء. فقد قلت في مقاعد الأسواق» أن الشريعة بفتحها الأبواب لمن أراد العمل في التجارة بحيازة مواضع من الأسواق التي لا أجرة عليها، فهي إنما تيسر للمعدمين فرصة البدء دون إيجار للمكان، ومتى ما تمكن وتحسن حال التاجر انتقل لسوق أخرى بمكان ثابت. وفي عدم ضم الأنواع لإكمال النصاب تمكين آخر لهذا التاجر المعدم ليبدأ مشوار حياته الإنتاجية بعدة سلع مختلفة يقترضها من هنا وهناك. فالتجار عادة في مستويات مختلفة من القوة الشرائية، فمنهم من لديه رأس المال الذي يمكنه من شراء وبيع منتجات مرتفعة الأسعار وبعرضها بطريقة جذابة. ومنهم المبتدئ المعدم. والتجار العصاميون هم الذين يبتدئون من الصفر، كأن يكونوا باعة متجولين مثلاً، فيرتقون في القوة الشرائية شيئاً فشيئاً، كما أن عملاء التاجر المبتدئ هم من الأضعف قوة في الشراء، أي من الفقراء. وحتى تتدنى التكلفة على هؤلاء التجار المبتدئين وبالتالي على الفقراء فإن في فتح باب المنافسة بين التجار بحيازة مواضع في السوق دون إجارة ودون ضم الأنواع لإكمال النصاب تمكين للتجار وتخفيض للكلفة وبالتالي إعانة للفقراء. ولكن أرجو أن تلحظ أن هذا لا يعني أن الأسواق في الحضارة الإسلامية طبقية في توزيعها. أي أن هناك أسواقاً للأثرياء وأخرى للفقراء. كلا، فالفارق برغم وجوده جد ضئيل مقارنة بما قدمته الرأسمالية، ويزداد ضآلة كلما استمرت الأمة في تطبيق الشريعة لتقارب الناس في دخلهم بسبب زيادة نسبة الملاك في المجتمع.
ج
إن الأصل في زكاة عروض التجارة هو أن تؤخذ من نفس الأصناف أعياناً برغم اختلاف الفقهاء. وفي هذا كسر للاحتكار أكثر فأكثر. فيقول القرضاوي ملخصاً فيرى أبو حنيفة وكذلك الشافعى في أحد أقواله أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة وبين الإخراج من عينها؛ فإذا كان تاجر ثياب يجوز أن يخرج من الثياب نفسها، كما يجوز أن يخرج من قيمتها نقوداً، وذلك أن السلعة تجب فيها الزكاة فجاز إخراجها من عينها كسائر الأموال. وهناك قول ثان للشافعي: أنه يجب الإخراج من العين ولا يجوز من القيمة. وقال المزني: أن زكاة العروض من أعيانها لا من أثمانها. وقال أحمد والشافعي في القول الآخر، بوجوب إخراج الزكاة من قيمة السلع لا من عينها؛ لأن النصاب في التجارة معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال ...». ولعل الذهاب للقول الأخير بوجوب الإخراج من القيمة هو بسبب قلق الفقهاء من تقويم التاجر لسلعة يريد تزكيتها بأكثر من سعرها إن كانت لدى التاجر سلع مختلفة. فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة فذكر ثلاثة
*** هامش ***
ب) لعلك لاحظت أن
جميع
المذاهب التي يأخذ بها هذا الكتاب هي بعضها، والأواني مع بعضها، وهكذا، والله أعلم.
قول الجمهور، إلا في عدد محدد من المرات، وهذه منها. فالشافعي لا (جـ) لكن هذا لا يعني أن يبدأ كل تاجر ناجح من الصفر. فهناك يرى ضم الأصناف لبلوغ النصاب، ولعل مذهبه هذا هو بالقياس على الكثير من التجار الذين ورثوا بعض المال من ذويهم ثم تمكنوا من الزروع والأنعام، فبالنسبة للمزارع ، فلا تضم تموره للزبيب لإكمال استثماره بطريقة تفوق جداً ما توصل إليه ذووهم. وفي الوقت ذاته، النصاب، وكذلك لمالك الأنعام، فلا تـضـم أبقــاره للإبل لإكمال قد يتخصص تاجر كبير في سلع يقبل عليها الفقراء. أي أن هناك النصاب، فلماذا تضم سلع التاجر المختلفة لإكمال النصاب ؟ وكما استثناءات لما ذكر في النص إلا أنها لن تغير من الطرح، وهو أن تضم في الزروع أصناف التمر المختلفة، وكذلك في التجارة، تضم الشريعة تدفع المجتمع إلى قفل الهوة بين الأثرياء والفقراء دون تثبيط السلع من نفس الصنف، فتضم الأقمشة مع بعضها، والملبوسات مع همم من يحاولون الاستزادة من الإنتاج كما سيتضح بإذنه تعالى.
--- 300
🗏
أقوال هي:
يجوز
مطلقاً،
ولا يجوز
مطلقاً، ويجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة. ثم قال مرجحاً القول الثالث: «وهذا القول هو أعدل الأقوال؛ فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب المال له بها كسوة وأعطاه، فقد أحسن إليه. وأما إذا قوم هو الثياب التي عنده وأعطاها، فقد يقومها بأكثر من السعر، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي [الدلال]، وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء».٢٢٦ ولكن السؤال هو: إن أراد التاجر إخراج الزكاة من الأعيان، فهل يمنع من ذلك؟ يقول أبو عبيد أن الأصل هو إخراج الزكاة من الأعيان. ففي الأموال: «إنما كان الأصل فيها أن تؤخذ الزكاة منها أنفسها، فكان في ذلك عليهم ضرر من القطع والتبعيض، فلذلك ترخصوا في القيمة». ويقول محمد هراس معلقاً: «ومعنى هذا أنهم لو أرادوا إخراج الزكاة من نفس العروض من غير تقويم لكان لهم ذلك». لذلك يقول أبو عبيد: «ولو أن رجلاً وجبت عليه زكاة في تجارة، فقوم متاعه فبلغت زكاته قيمة ثور تام أو دابة أو مملوك فأخرجه بعينه فجعله زكاة ماله، كان عندنا محسناً مؤدياً للزكاة. وإن كان أخف عليه أن يجعل ذلك قيمة من الذهب والورق كان له ذلك».
۲۲۷
وهنا تظهر عدة مسائل : الأولى هي القلق الذي أظهره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن التاجر قد يقدر السلعة بأكثر من ثمنها أمر وارد، ولكن في الوقت ذاته، فإن التاجر حتى وإن فُرض عليه إخراج زكاته مالاً من فقد بضائعه بأقل من ثمنها ليقل نصاب ماله فتكون زكاته أقل لا سيما أن عروض التجارة تعتبر من الأموال الباطنة التي على الناس إخراجها بمعرفتهم ودون تدخل السلطة (كما سيأتي بإذن الله). وفي هذا ضرر على الفقراء. أي أن الضرر وارد في كلتا الحالتين (إخراجها أعياناً أو أثماناً) إن حاول التاجر التهرب من الزكاة.
قيمتها
يسعر
المسألة
الثانية هي أن التقويم المتفاوت للسلع يحدث فقط مع التجار الذين يتاجرون في العديد من السلع المتفرقة وبالذات التي يصعب ضبط سعرها. أما التجار الذين يتاجرون بالسلع المعروفة كتاجر مواد البناء الذي يبيع إسمنتاً، أو تاجر الأغذية الذي يبيع مأكولات معلبة بالجملة كالحليب المجفف مثلاً، فإن ضبط أسعار سلع هؤلاء أمر وارد، لذلك إن فرض عليهم إخراج زكاتهم من سلعهم ففي هذا كسر للاحتكار. وكذلك ما تنتجه المصانع من مراوح وسكاكين وملابس ونحوها من مقتنيات شخصية يحتاجها الفقراء، فإن في إخراج زكاتها من أعيانها كسر للإحتكار أيضاً. لأن ارتفاع الأسعار كما هو معلوم عادة ما يأتي من ندرة السلعة. أما إن تم إخراج الزكاة من الأعيان (والتي رفعها بعض الفقهاء المعاصرين إلى عشر الغلة من إنتاج المصنع، وهذا وضع مبالغ فيه قد يؤدي لتثبيط الإنتاج الصناعي كما سيأتي بيانه في فصل «المكوس» بإذنه تعالى فإن في إخراج الزكاة كأعيان كسر للاحتكار لأن من يأخذ الزكاة من الفقراء سيستغنون عن شراء تلك السلع فيقل الطلب عليها، أو أن الفقراء
*** هامش ***
د
د) إن كلمة «المستغلات» تعني للفقهاء المعاصرين الأموال التي لم لأبواب التمكين في عهدنا المعاصر فقد كثر السكان غير الملاك، تتخذ للتجارة، ولكنها اتخذت للنماء مثل العمائر السكنية والمصانع فانتشرت ظاهرة العمائر السكنية المؤجرة وأصبحت تدر دخلاً كبيراً أي أنها تغل لأصحابها كسباً بتأجيرها كالسيارات أو بيع ما يحصل من لملاكها، فظهرت الحاجة للفتاوى بشأن زكاتها. وهكذا المصانع، فقد إنتاجها كالمصانع. والفرق بين ما يتخذ من المال للتجارة وما يتخذ كانت الأعيان التي تتطلب شراكة في صناعتها تنتج من قبل جماعة للإستغلال هو أن الأول يحصل الربح فيه بانتقال العين من يد إلى يد متشاركة في مصنع تملكه، كما سنوضح في فصل «الشركة» بإذنه تعالى، أخرى، أما الثاني فهو ما تبقى عينه وتتجدد منفعته. ولم تكن ولكن مع تغير مقصوصة الحقوق أتى قفل أبواب التمكين فتغير المستغلات مما تؤخذ منه الزكاة في عهد السلف نظراً لعدم انتشارها الحال، فأصبح أصحاب المصانع حالياً من ذوي رؤوس الأموال الذين فالعقارات التي تؤجر لم توجد لأن السكان كانوا في معظمهم ملاكاً، يوظفون المعدمين، وبهذا تكدست لديهم الأموال فظهرت الحاجة فالكل يملك ما يسكن. ونظراً لإيقاف الإحياء وما شابه من قفل للفتوى بشأن زكاتهم. وبدلاً من محاولة تصحيح الوضع من جذره
ه الأموال
٣٠١
سيحاولون بيعها بعد الحصول عليها، وبهذا النزول لهذه السلع للأسواق من طرف آخر غير المنتج سيزداد العرض. أي أن في نزول المصنوعات كزكاة من المنتجات كسر لدائرة الاحتكار لاسيما أنها لا ترتبط بحلول الحول، بل على الشركاء في المصنع إخراج الزكاة مع كل كمية يحصلون عليها يوماً بيوم أو شهراً بشهر (وسأوضحه في «المكوس» بإذن الله). ولعلك تزداد قناعة إن نظرت لما حولك من أعيان فوجدت أن كل شيء في عصرنا الحالي مصنوع في مصنع ما. فإن تم فرض الزكاة على أصحاب المصانع أعياناً لخفف هذا من الندرة التي تحاول الشركات الرأسمالية إيجادها بالتلاعب بالإنتاج للسيطرة على الأسعار. فتأمل هذا الإعجاز التشريعي الذي يدفع لإخراج الزكاة أعياناً.
وستزداد حدة كسر الاحتكار ومن ثم تدني الأسعار إن علمنا أن نسب الزكاة من الأعيان المصنعة قد تزيد عن عشرة في المئة في مجموع الأمة لأن على أصحاب المصنع إخراج زكاتهم وسيأتي توضيح مقدار ذلك بإذن الله ثم على تاجر الجملة إخراج زكاته (٢٥) ثم على تاجر التجزئة إخراج زكاته وهكذا. فشبكات توزيع المنتجات عادة ما تتكون من أكثر من ثلاث جهات وبالذات إن طبقت الشريعة (كما سترى في فصل «ابن السبيل» بإذنه تعالى). فإن كانت أربع جهات، فإن وقوع أكثر من عشرة في المئة من المنتجات في أيدي الفقراء والمساكين الذين قد يقومون ببيعها بسعر منخفض في الغالب لهو كسر دائم للاحتكار.
ولكن ماذا إن كان المنتج يصعب إخراج زكاته كعين لأنه لا يبعض ولا يقطع كالطائرات مثلاً. حتى هنا إن أصرت الشريعة على إخراج الزكاة أعياناً وهذا وارد بالقياس على زكاة الزروع والثمار والأنعام)، فإن على مصانع الطائرات مثلاً إخراج طائرة كل عدة سنوات. وهذه الطائرة ستدفع للعاملين على الزكاة (وليس بالضرورة للدولة) الذين يقومون ببيعها ومن ثم دفع أثمانها للمستحقين من الأصناف الثمانية. وهنا يتم كسر احتكار الشركات المصنعة لهذه الطائرات لوجود جهة أخرى تقوم بالبيع غير الجهة المصنعة. فهل لديك شك في الإحتكار الذي تقوم به شركة بوينج للطائرات؟ فشركة بوينج عادة ما تبيع الطائرات دون مقاعد تاركة هذه المهمة لمن يقوم بشراء الطائرات من شركات النقل، ثم تقوم شركات النقل هذه بالتعاقد مع شركات متخصصة في إنتاج المقاعد. وهذه التي تصنع المقاعد تحتكر الإنتاج لتخصصها الدقيق. فقد يتراوح سعر صناعة مقعد واحد في الدرجة الأولى إلى ما بين خمسة عشر وعشرين ألف دولار، حتى أنه ليرتفع ليصل إلى حوالي تسعين ألف دولار للمقعد الواحد لبعض المواصفات المرتفعة جداً في وقت يعيش فيه أكثر من ١٫٢ بليون نسمة من سكان الأرض على أقل من دولار واحد يومياً. ٢٢٩ أما إن أخرجت أمثال هذه الشركة للمقاعد بعض مقاعدها أعياناً كزكاة على افتراض أن المسلمين ارتقوا في صناعاتهم وبدؤا في صناعة الطائرات، فإن العاملين على الزكاة بعد حصولهم على الكراسي سيقومون ببيعها
*** هامش ***
بتطبيق الشريعة، فقد تقبل بعض الفقهاء الوضع المستحدث على أنه الحول. لكن لاحظ أن هذه النسب مرتفعة وقد تؤدي إلى تثبيط من مستجدات العصر الذي لا مفر منه وعكفوا على إيجاد الفتاوى الإنتاج كما سيأتي بيانه في فصل «المكوس» بإذنه تعالى (۲۲۸). حتى يظهر الإسلام وكأنه ملائم لكل عصر ، فظهرت الفتاوى في زكاة هـ إذا لم يخرج الإنسان زكاته بنفسه فله دفعها للعاملين عليها، المستغلات. وقد اختلفت مذاهب الفقهاء المعاصرين بين مضيقين وهؤلاء ليسوا بالضرورة من موظفي الدولة كما ذهب معظم وموسعين في إيجاب الزكاة. وسنأتي بإذنه تعالى على هذين المذهبين المعاصرين من الفقهاء (وسيأتي إثباته بإذن الله). فلا مانع بأن يكون وتأثيرهما على تمكين المسلمين في فصلي المكوس» و «الشركة» العاملون عليها أفراداً متطوعين يعملون متكاتفين مع بعضهم البعض ولكن باختصار فقد ذهبوا لعدة أقوال منها أن الزكاة تجب بعد تثمين ويكونون مؤسسات إغاثية للفقراء تنقل الأموال من المزكين المستغلات ثم تضاف إليها الإيرادات ثم تزكى بربع العشر كعروض للمستحقين. ولقد أثبتت هذه المؤسسسات مقدرتها وجدارتها في التجارة، ومنها أن الزكاة تخرج من صافي الغلة بواقع العشر، ومنها أن تحقيق الهدف من الزكاة بطريقة تفوق ما تقوم به الدول كما
الزكاة تخرج من غلتها أولاً بأول بواقع ربع العشر ولا يشترط حولان سنوضح بإذن الله.
۳۰۲ 🗏
لمصانع أخرى أو بيعها لتجار غير الجهة المصنعة والذين سيقومون بدورهم ببيعها لشركات طيران ذات إمكانات مالية محدودة مما قد يتراكم ويخفض أجرة النقل الجوي. وهكذا يتم كسر الاحتكار حتى في أدق وأعلى المواصفات إذ أن صناعة طائرة ستتفتت إلى شراكات متعددة، كما سيأتي في فصلي الشركة» و «المعرفة» بإذن الله. والمسألة الثالثة هي تفاوت نصاب الزكاة فلعلك لاحظت أن نصاب زكاة عروض التجارة مقارنة بالزروع منخفضة جداً، وزكاة الزروع مقارنة بالأنعام منخفضة أكثر. وبالطبع فإن في هذا حث للأفراد للاتجاه للاستثمار في الأنعام أولاً، ثم في الزروع ثم في الصناعة والتجارة. وهذا الترتيب هو عكس تطور الأمم معرفياً من مجتمعات رعوية إلى زراعية ومن ثم صناعية. كما أن هذا يعني إشراك عدد أكبر من التجار والصناع في دفع الزكاة مقارنة بالمزارعين لأن نصاب التجارة أقل. ولكن في الوقت ذاته، وبرغم انخفاض نصاب زكاة عروض التجارة لا تضم الأصناف لبعضها ، وهنا قد يظهر تضاد آخر، فما هو سر . هذه التناقضات؟ وللتوضيح أقول: إن حركة المجتمعات في تقدمها المعرفي يؤدي إلى انتقالها كما قلنا من مجتمع رعوي إلى زراعي ثم صناعي ثم معرفي. وانتشار التصنيع في المجتمع يعني تفرغ أفراد أكثر لأعمال غير إنتاجية مباشرة، بل قد يتفرغ الناس لأشغال فنية ورياضية وتجارية ونحوها من أعمال. وهذه الأعمال بالطبع أكثر جذباً للناس من الزراعة والرعي. ولكن الزراعة والرعي مطلب مهم للمجتمعات لأنهما أساس التغذية. هنا كانت حكمة الشريعة برفع نصاب زكاة ما يغذي الناس حتى ينجذب إليها الأفراد، وبالإضافة لهذا، ففي رفع نصاب زكاة الأغذية دفع للمجتمعات لمحاولة إنتاجها محلياً، كل في منزله أو في حيه لأنه لا زكاة عليها إلا إن بلغت النصاب المرتفع. ومتى ما تم الاكتفاء ذاتياً للأفراد ذهب جزء من الباقي كزكاة. وإن نظرت لما تحاول المجتمعات الغربية فعله الآن لأدركت عمق ما حاولت الشريعة فعله قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. فمع ظهور التلوث البيئي تحاول دول الغرب الآن تشجيع الناس على زراعة وتربية ما يحتاجونه كغذاء كل في منزله، أو كل حي في ساحته، أو كل سكان قرية في مزارعهم. ففي هذا تخفيف كبير للتلوث. فمجرد وجود المزارع بين الأحياء السكنية سيؤدي إلى تنقية الأجواء، ومجرد انتشار المزارع بأعداد كبيرة متفرقة هنا وهناك سيؤدي لتخفيف تراكم التلوث الذي يسببه التصنيع الغذائي والنقل للمنتجات. فشتان بين ما تلوثه مزرعة واحدة لملايين الدجاج وبين ما تلوثه آلاف الأقفاص في حدائق آلاف المنازل. فالدجاج الذي يعيش في المنازل يأكل الفضلات، وتلك تنتج الفضلات. وهكذا في كل منتج زراعي أو حيواني ناهيك عن أن التقنية المعاصرة لم توجه لتطوير إلا ما هو كبير في حجمه مثل مزارع الدواجن كما سيأتي في فصل «المعرفة» بإذن الله.
ومن جهة أخرى، فمع توجه المجتمعات نحو التصنيع بانتشار المعرفة تكثر المنتجات الصناعية وتقل الحاجة للأيدي العاملة، وعندها تزداد الحاجة لشبكات توزيع المنتجات فيكثر التجار، والتجارة عمل لا يقارن في مشقته الجسدية بالزراعة أو الرعي، لذلك فهو أكثر جذباً لعموم الناس، فكان نصاب زكاة عروض التجارة أقل من
*** هامش ***
و) إن نصاب عروض التجارة وبناءً على سعر الذهب في السعودية فنصاب زكاة التمر (أي ثلاث مائة (صاع) سيزيد بالأثمان مثلاً عن كان حوالي ٤٠٨٠ ريالاً سنة ١٤٢٤هـ إن تم الاحتساب على أن عشرة آلاف ريال (لاحظ أن أسعار التمر تختلف من . صنف لآخر، النصاب ٨٥ جراماً من الذهب. وكان في الأردن حوالي ٧٦٣ ديناراً ومن تاجر لآخر ، فهذا الرقم تقريبي وهو فقط للمقارنة)، ونصاب تقريباً. أي ما يعادل ١٠٨٤ دولاراً. وهذا جد منخفض مقارنة بنصاب زكاة الأغنام أربعون شاة، أي ما يعادل عشرين ألف ريال تقريباً، زكاة الثمار والأنعام وحتى نتمكن من المقارنة، سأحول بعض بينما نصاب زكاة الأبقار قد تزيد عن مئات الألوف إن كانت البقرة الأنصبة لأثمان، علماً أنه لا يجوز إخراج زكاة الزروع والثمار والأنعام من الأنواع النادرة لأن نصابها ثلاثون بقرة. وبالطبع فإن في هذا حث إلا من الأصناف وليس من الأثمان، ولكن فقط لنتمكن من المقارنة. للأفراد للاستثمار في الأنعام ومن ثم الزروع ومن ثم التجارة، فتأمل.
ه الأموال
٣٠٣
زكاة الزروع والأنعام ليزداد وعاء الزكاة مالاً من خلال مشاركة أكبر عدد ممكن من السكان. أي كلما زادت المشقة قلت الزكاة المأخوذة. وكلما تقادم الزمن وكلما ازدهر التصنيع وانتشر، كلما زاد عدد من يعملون في شبكات توزيع المنتجات مقارنة بمن يعملون في التغذية. ولكن في الوقت ذاته، حتى يتمكن المعدمون من التجار من البدء في حياتهم الإنتاجية، لم تضم الأصناف لإكمال النصاب، ولكن متى ما ارتقوا ولو قليلاً، أي متى ما تمكنوا من الوقوف
اقتصادياً، فعليهم الزكاة لانخفاض نصابها ليزداد عدد المشاركين في دفع الزكاة. وفي هذا حكمة تتجلى في الآتي: هناك ميل في المجتمعات لأن تزداد فسقاً كلما اتجهت للتصنيع. فالتصنيع يعني تقليل ساعات العمل، وفي هذا زيادة في الفراغ، والفراغ إن لم يستغل في ما هو مجد، كالعبادة أو البحث العلمي أو الإبداع التصنيعي فإنه بذرة للفساد (وقليلون هم الذين يتمكنون من استغلال هذا الفراغ). فمع التصنيع يكثر التجار الموزعون للمنتجات كما قلنا، وهؤلاء فراغهم أكثر، فشتان بين مزارع منهك يذهب للنوم مساءً، وبين تاجر استيقظ متأخراً ويبحث عن المتعة في سهرة صاخبة لأنه حظي بصفقة رابحة. فمتى توفر المال لدى البعض وتزامن مع الفراغ أتى البحث عن الملذات. وهنا سيظهر أفراد يستغلون الفقراء لصالح الأثرياء من التجار والصناع. فيصبح توفير اللذة تجارة. فتستغل فتاة محتاجة للمال في الدعارة، ويستغل فتى ضال في بيع المخدرات .وهكذا فكانت الحكمة بأن يزيد وعاء الزكاة مالاً كلما اتجه المجتمع للتصنيع وذلك ليتم إشباع حاجات الفقراء حتى لا يتم استغلالهم في ملذات من هم أثرى. أما إن قارنت زكاة الأنعام بالزروع ستلحظ ارتفاع نصاب زكاة الأنعام مقارنة بالزروع. فتأمل نصاب زكاة ثلاثين بقرة (وهو نصاب البقر في أيامنا هذه ؟ لابد وأن يصل لمئات الآلاف وبالذات إن كان البقر من النوع النادر. وبالطبع فإن في هذا جذب شديد للاستثمار في الأبقار. ولعل من أشد ما تحتاجه المجتمعات المعاصرة الأبقار التي لابد من حليبها، والأبقار كالأنعام الأخرى بحاجة لرعاية أكثر من المزروعات. والزروع تتطلب رعاية أكثر من المصنوعات، وتحتاجها المجتمعات أكثر ، والمصنوعات اليدوية أكثر حاجة للرعاية من المنتجات الصناعية ذاتها التي هي مادة التجار، فتأمل هذا التدرج حتى الأنعام، فإن قارنت نصاب زكاة الأغنام بالبقر (كما مر بنا) للاحظت حث المجتمع على الاستثمار في الأبقار أكثر من الأغنام.
البقر، فما هو مثلاً
سعر
والمسألة الرابعة هي أن زكاة عروض التجارة (وهي الأكثر متى ما اتجه المجتمع للتصنيع) يجوز إخراجها أثماناً إن أراد التاجر على قول بعض الفقهاء، كما أن زكاة الذهب والفضة تخرج أثماناً أيضاً، وهذه الأثمان تمكين للأمة كزكاة، كيف؟ متى ما خرجت الزكاة كأعيان وبالذات في الزروع والأنعام فهي غذاء المحتاجين وهم في العادة ليسوا من الغارمين أو المكاتبين أو المؤلفة قلوبهم أو في سبيل الله بقدر ما هم من الفقراء والمساكين. وإن تصورت مجتمعاً طبق الشريعة، «فقد تظهر» مستودعات تتوفر فيها جميع متطلبات الحياة الأساسية ليأخذ منها الفقراء والمساكين قدر حاجاتهم، ولما وجد جائع قط. وقد قلت: فقد تظهر» لأن هناك حركية سنأتي عليها في فصل «ابن السبيل» ستؤدي لانتقال الناس إلى المواطن التي تكثر فيها الزكاة. فتقسم الزكاة في نفس الموضع، أي تنقل من يد المزكي ليد المحتاج دون الحاجة لخزنها إلا فيما ندر، وفي هذا تمكين كبير للأمة كما سترى بإذن الله. ولكنك قد تقول: قد يتكاسل الناس ليصبحوا فقراء لأن هذه المواد في متناول أيديهم، فلماذا يعملون؟ وقد تستنتج من هذا أن الزكاة تحول الموارد التي كان من الممكن أن تكون رأسمال مستثمر في يد الأثرياء إلى نفقات
٣٠٤ 🗏
للفقراء، وبهذا يظهر التواكل. فأقول: لا. هذا لن يحدث بعلمه تعالى، لأن النفس المسلمة التي خلقها الله العزيز الحكيم البديع الخالق الخلاق البارئ المصور الكريم الجواد الرازق الرزاق تأبى الذل ومد اليد، فهي نفس عزيزة، فالتسول مهنة تفرزها مجتمعات الحداثة التي تكسر النفوس العزيزة كما سنوضح بإذنه تعالى. ومن جهة أخرى، فإن الذي يعين الناس على التكاسل هو الحصول على المال، أي إن كانت الزكاة أثماناً، لأنهم بأخذهم للمال قد حصلوا على حاجاتهم وربما أهوائهم بإنفاق المال فيما يشتهون، أما الحصول على الأعيان الضرورية التي تعين الفرد على سد رمقه (ثم ليعمل لأن الشريعة فتحت له أبواب العمل فهي التي تأتي من أعيان الزكاة وتعطى للفقراء والمساكين. ولكن ماذا عن الزكاة التي خرجت من الأثمان؟ هنا إعجاز ،تشريعي ذلك أن زكاة عروض التجارة والذهب والفضة تعتبر من الأموال الباطنة (كما سأوضح بإذن الله والتي يحق للناس تقدير زكاتها وإخراجها بأنفسهم أثماناً، ومتى أخرجوها بمعرفتهم فسيعطونها لمن يستحقونها من الغارمين والمكاتبين وأبناء السبيل والمؤلفة أو إنفاقها في سبيل الله، وهذه الأصناف بحاجة للزكاة أثماناً. وكما سترى في فصول قادمة فإن في إغناء كل صنف من هؤلاء عزة للمسلمين. وعندما تخرج هذه الزكاة كأثمان بمعرفة المزكي، أو حتى منه مباشرة للمستحق، فلا مجال للتلاعب للناس، فلا يستطيع فرد ادعاء الغرم أي أنه مديون وهو ليس كذلك، لأن المزكي عادة ما يدفع الزكاة لمن يتيقن أنه غارم أو ابن سبيل وهكذا. فتأمل. وهذا بالطبع سيقطع دابر التكاسل عند الناس لأن المزكي يعرف المستحق ويقدر حاله لأنه إن أعطاه وهو غير مستحق لم تسقط عنه الزكاة (وسنوضحه بإذن الله).
قلوبهم
أي كلما اتجه المجتمع للتصنيع كلما زادت نسبة زكاته من الأثمان لانتشار التجارة، وفي هذا حكمة أيضاً لأن المجتمعات الصناعية تزداد فيها نسبة الأفراد المديونين (الغارمين) والمسافرين (ابن السبيل) والمؤلفة قلوبهم. كيف؟ إن القيام بإنشاء مصنع لمنتج جديد لهو مغامرة قد يكسب من ورائها الفرد أو قد يخسر، وهذا سيؤدي لظهور أفراد لم يوفقوا في مغامراتهم الاستثمارية، وهولاء من الغارمين والشريعة تقص الحقوق بحيث يتم دفع ما يكفي لإعادة هؤلاء للوضع الإنتاجي مرة أخرى، أي ليس فقط دفع ما يشبع بطونهم ويكسي أجسادهم، بل بدفع زكاة تمكنهم من العمل مرة أخرى، لاسيما أنهم ذوو تجربة جديدة بعد إفلاسهم ليصبحوا هم من دافعي الزكاة بعد تمكنهم. أما المجتمعات الزراعية أو الرعوية مقارنة بالصناعية فإن نسبة المخاطرة فيها جد محدودة، وبالتالي فإن نسبة الغارمين فيها أقل، إلا إن تم دفع الإنتاج الزراعي أو الرعوي للتصنيع كإنشاء مزرعة لمئات الألوف من النعام أو الأغنام، وهذا بالطبع وضع تصنيعي وليس رعوي.
كما أن فتح باب قص الخيرات للأفراد سيؤدي للحاجة للترحال المستمر للبحث عن المعادن لمجتمع صناعي وهذا الترحال المستمر بحاجة لنفقات مالية (أي أثمان)، وهي ما خصصتها الشريعة لابن السبيل، كما أن حبس الزكاة لتدفع لفقراء نفس المنطقة سيؤدي إلى سفر الفقراء من المناطق الأفقر للمناطق الأغنى بحثاً عن العمل ولأخذ الزكاة (وسيأتي بإذن الله)، وهذا الترحال بحاجة للأثمان أيضاً كنفقات سفر. أما كثرة التصنيع التي تتطلب التسويق في شتى بقاع الأرض حتى في بلاد غير المسلمين فستؤدي لتوليد احتكاك دائم بين المسلمين وغير المسلمين، وفي دفع تاجر ما للمال لمن يحتك معهم من غير المسلمين كزكاة لهو تأليف لقلوبهم وقد يسلمون، وفي هذا إضافة لقوة المسلمين. وبالطبع فالمؤلفة قلوبهم هم الذين يعتقد أن في إسلامهم إسلام لمن خلفهم. فتأمل هذا التفصيص لإخراج الزكاة كأعيان وكأثمان كل في مقامه. هذا بالإضافة لحكم أخرى سنأتي عليها في فصول قادمة بإذنه تعالى.
ه الأموال
٣٠٥
الأموال الظاهرة والباطنة
هي
وسبب
الاختلافات
لعل أهم موضوع في الزكاة هو ما سيناقش فيما بقي من هذا الفصل، وهو العلاقة بين السلطات ودافعي الزكاة من حيث قص الحقوق. هل للسلطات أخذ الزكاة من الناس حتى وإن كان السلطان جائراً؟ أم هل للناس حق تفريقها بمعرفتهم حتى وإن كان السلطان عادلاً؟ لعل أكثر مسألة خلافية في الزكاة بين الفقهاء وتؤثر على واقعنا المعاصر هذه المسألة. لعدة أسس منها عدل أو . بين الفقهاء يرجع السلطان: جور فماذا الذي يحدث إن كان السلطان ظالماً، هل للناس التهرب منه وإخراج زكاتهم بأنفسهم؟ ومنها أمانة الناس: فما الذي يحدث إن ادعى المزكي أنه أخرج الزكاة ولم يفعل، فهل للسلطان إجباره؟ ومنها تغير مذاهب الفقهاء بتغير السلاطين، فقد كانت الزكاة تعطى لمن كان الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يرسلونهم للزكاة، وبتغير نظام الحكم إلى ولاة يبددون الثروات ومنها أموال الزكاة في الملذات والتسلط تغيرت الفتاوى. فما هو الأولى بالاتباع؟ ومن أسباب الاختلاف أيضاً أن الأموال نوعان: ظاهرة وباطنة. لذلك لابد من إعطاء هذا الجزء حقه من التوضيح.
بالنسبة للأموال فقد قسمت إلى نوعين: الأموال الظاهرة والأموال الباطنة، فالأموال الظاهرة هي الزروع والثمار والمواشي والمعادن؛ أما الأموال الباطنة فهي عروض التجارة من الذهب والفضة والركاز وما شابه، وتسمى أيضاً «الصامت». والفرق بينهما هو أن الأموال الظاهرة هي ما يمكن للمجتمع رؤيتها وبالتالي حصرها، فلا يستطيع المالك إخفاءها، كأن يملك مئة من الإبل أو مزرعة بها ألف نخلة. أما الأموال الباطنة فهي التي يصعب على المجتمع العلم بها إلا بالتجسس مثلاً لأن المالك فقط هو الذي يعلم مقدارها كسندات الأسهم مثلاً أو ذهب مخزون في داره. ومن جهة أخرى، فإن في التزكية حركيتان: إحداهما حساب كمية الزكاة، وقد استخدم الفقهاء ألفاظاً مثل «إخراج» للتعبير عن كيفية حسابها، وليس بالضرورة عملية تسليمها للمستحقين. والحركية الأخرى هي تسليم الزكاة للمستحقين، واستخدموا ألفاظاً مثل «تفريق» أو «دفع» للتعبير عنها.
لقد أتت الشريعة بحكمتها للفصل بين الناس في الحقوق حتى لا تتشاحن الأنفس وتزداد الأحقاد ويفقد المجتمع جزءاً من طاقته في فض الخلاف بين الأطراف المتنازعة وبالذات في مسألة مالية مهمة كالزكاة. فمجتمعاتنا المعاصرة تميزت بوجود المؤسسات التي لا عمل لها إلا فض الخلافات بين المتنازعين مثل المحاكم وشركات التأمين ومكاتب المحامين ومن شاكلهم. وفي هذا هدر الجزء من طاقة المجتمع لأن من يعملون في هذه المؤسسات لا إنتاج فعلي لهم كمن يعمل في المرعى أو المزرعة أو المصنع. ومن جهة أخرى، فإن الأفراد المتنازعين هم في ذاتهم هدر للمجتمع لأن الإنسان المتنازع لا يرقى في عطائه مقارنة بالآخرين لما به من هم وغم وانشغال مستمر في قضيته التي
*** هامش ***
ز) يقول د. رفيق يونس المصري ملخصاً أثابه الله: «بعد الرجوع إلى «الأموال الظاهرة هي التي يمكن للحكومة تفتيشها وإحصاؤها، أما العديد من معاجم اللغة والفقه، والكتب الفقهية القديمة، وجدت أن الأموال الباطنة فهي التي لا يمكن للحكومة تفتيشها ولا إحصاؤها». العلماء قد ذكروا أن هناك أموالاً ظاهرة وأخرى باطنة، وذكروا ما وعرفها الأستاذ أبو زهرة قائلا: الأموال التي كان يجمع (عثمان رضي هو ظاهر منها وما هو باطن. ولكني لم أجد من عرفها إلا الماوردي في الله عنه) منها الزكاة سميت الأموال الظاهرة، والأخرى باطنة (...). كتابه «الأحكام السلطانية»، ولم يعرفها في كتابه «الحاوي» الذي ولا شك أن تسمية الأولى ظاهرة، والأخرى باطنة، واضح من ذات طبع كله ونشر مؤخراً. قال الماوردي: «الأموال المزكاة ضربان الأموال، فالنعم لا تخفى على الناس، ووالي الصدقات يحصيها، ظاهرة وباطنة. فالظاهرة ما لا يمكن إخفاؤه، كالزروع والثمار والأخرى لا يمكن معرفتها إلا بمحاولات للتعرف، وقد يكون من والمواشي، والباطنة ما أمكن إخفاؤه من الذهب والفضة وعروض سبل ذلك التجسس لمعرفة ما يهرب أو يخفى من أموال» ....» التجارة...» . . . ومن المعاصرين الأستاذ المودودي، عرفها بقوله: (۲۳۰).
٣٠٦
يعتقد 🗏
أنه مظلوم فيها. وهنا ملحوظة ذكرتها مراراً فكما رأيت وسترى بإذن الله فإن الشريعة تقص الحقوق بطريقة تؤدي لتلافي النزاع بين الناس قدر المستطاع وذلك حتى تنتفي الحاجة للمؤسسات التي تفض النزاع ويقل في الوقت ذاته عدد الأفراد المهمومين في المجتمع ليزداد الإنتاج، كيف؟
عندما تقرأ كتب الزكاة لمعظم المحدثين ستجد أنهم لا يركزون على التفريق بين الأموال الظاهرة والباطنة في التعامل، بل يعتبرونها في نفس المقام وذلك لقناعتهم أن الدولة بحاجة للمال للقيام بمهامها. فيقول القرضاوي مثلاً: «والذي أراه أن النصوص والأدلة الشرعية التي جعلت الزكاة من شؤون الإمام أو الحكومة المسلمة، لم تفرق بين مال ظاهر ومال ،باطن، وأن الواجب على الحكومة المسلمة - متى وجدت – أن تتولى أمر الزكاة، تحصيلاً وتوزيعاً. هذا هو الأصل في تلك الفريضة ...». والعجيب هو أن القرضاوي ذهب لمقالته السابقة برغم استنتاجه للآتي في حديثه عن الأموال الظاهرة والباطنة:
يستنتج
قائلاً:
۲۳۲
«على أنه إذا صحت التفرقة بين المالين في السنة النبوية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يرسل سعاته لأخذ الزكاة من المال الباطن أو الصامت - كما يسمى - فإن ذلك كان لسببين: ١- أن الناس كانوا يأتون بها طائعين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدافع الإيمان والرغبة في أداء الواجب إرضاء الله تعالى. ۲- وأن حصر هذا النوع من المال كان غير ممكن إلا لأصحابه، فتركت زكاته وإخراجها لذممهم وضمائرهم التي أحياها الإسلام. وكذلك استمر الأمر في عهد الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه. أما في خلافة عمر بن الخطاب فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، واقتضاه ذلك أن ينظم الشؤون المالية، ويدون الدواوين، ويقيم نظاماً رائعاً للتكافل الاجتماعي، حتى فرض لكل مولود في المجتمع الإسلامي راتباً. وحتى شمل ذلك التكافل أهل الذمة مع المسلمين، ومثل هذا النظام يحتاج - ولا شك - إلى تمويل ضخم، وموارد غزيرة فلا عجب إذا رأينا عمر رضي الله عنه يكلف عماله أن يجمعوا الزكاة من الأموال كلها ظاهرة وباطنة، ولا يتركوها في الباطنة لأصحابها يقدمونها بأيديهم مختارين. وكل هذا تعزيز لميزانية التكافل، وتقوية لبيت مال المسلمين. وضع عمر لذلك نظام المحصلين المعروفين باسم «العاشرين». وإنما سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يأخذون العشر من تجار أهل الحرب مثلما كانوا يأخذون من تجار (المسلمين ويأخذون نصف العشر من تجار أهل
*** هامش ***
هنا
ح) هناك بعض الاستثناءات، منها ما ذهب إليه د. رفيق يونس التنكر للقياس والتشديد على أهله. وهاك مثالاً على ذلك، يقـول المصري جزاه الله خيراً. فبعد ذكر العديد من الأسباب والأدلة الدكتور القرضاوي بمناسبة كلامه عن زكاة المنتجات الحيوانية: لبن ومن لست مع الذين يتوسعون في القياس الأنعام، بيض الدجاج، حرير القز، وقياس ذلك على زروع الأرض: لإخضاع كل الأموال إلى الزكاة، دون استثناء، ولا سيما إذا جمعوا مع «إن ما لم تجب الزكاة في أصله، تجب في نمائه وإنتاجه»، معتمداً في ذلك توسعهم في عدم التفرقة بين الأموال الباطنة والظاهرة من حيث ذلك على قول ابن قدامة: «إن اللبن قد وجبت الزكاة في أصله، وهو قيام الدولة بجباية زكاة النوعين معاً. ومن هؤلاء الأستاذ القرضاوي» السائمة، بخلاف العسل». وما نأخذه على هذا الاستنباط أن النبي ولعلك لاحظت أخي القارئ أن د. رفيق هنا ينقد المغالاة في القياس صلى الله عليه وسلم حين أوجب الزكاة على السائمة، أعفى المعلوفة، ولكن الذي أعتقده هو أن ما وقع فيه المعاصرون هو ليس بسبب ولم يعف رؤوسها ليوجب الزكاة على ألبانها، كما أراد القرضاوي، أخذهم بالقياس، ولكن عدم التمييز بين الأموال الباطنة والظاهرة. كما لم يوجب الزكاة عليها كعروض تجارية، كما أراد بعض فقهاء وقد وضح د. رفيق ذلك بقوله: وعندي أن القياس لا يمكن أن الزيدية الذين ذكرهم القرضاوي، لاسيما وأن المعلوفة لا يمكن يكون تعبيراً عن رغبة مسبقة ونزعة تحكمية، بل هو أمر في غاية اعتبارها عروضاً تجارية، لأن التجارة لا تتم برؤوسها، بل بمنتجاتها، الدقة والحساسية، يحكمه التعليل الصائب، والخبرة الدقيقة في طبيعة ولذلك تعتبر السوائم عروض نماء، لا عروض تجارة». فكما لاحظت الأعمال، وتكاليفها، وأرباحها، ومدى اتساعها. ذلك أن هذه النظرة أخي القارئ، فإن الإشكالية ليست بسبب القياس، ولكن بسبب عدم القياسية التحكمية، يخشى أن تُعَفّي على معالم الديانة الأصلية، وأن التمييز بين الأموال الباطنة والظاهرة (۲۳۱). تخلق ردة فعل لدى الناس تجعلهم مع ابن حزم وسائر الظاهرية في
ه الأموال
۳۰۷
الذمة (وفق [ما] صالحهم عليه عمر) ويأخذون ربع العشر من تجار المسلمين (وهو مقدار الواجب في زكاة التجارة). وذلك وفق تعليمات عمر لهم. فأخذهم يدور على «العشر» ونصفه وربعه. واعتبر العلماء عمل الفاروق رضي الله عنه رفقاً بأصحاب الأموال الباطنة الذين بعدت ديارهم عن حاضرة الخلافة الإسلامية؛ إذ يشق عليهم أن يحملوا زكاة أموالهم إلى دار الخلافة، فأقام لهم العاشرين لجمعها. وقد استمرت الزكاة تجمع بواسطة الإمام ونوابه من الأموال الظاهرة والباطنة، وإن اختلفت طريقة عمر عن طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته أبي بكر ، بالنظر للأموال الباطنة، لاتساع رقعة الدولة. فلما جاء عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت موارد بيت المال من الفيء والغنائم والخراج والجزية والعشور والصدقات قد بلغت أرقاماً هائلة، بعد ما أفاء الله عليهم من الفتوح، وأفاض عليهم من الثروات، فرأى عثمان أن يجمع الزكاة من الأموال الظاهرة فحسب، وأما الأموال الباطنة فيدع أمرها إلى أربابها يؤدون - تحت مسؤوليتهم - زكاتها بأنفسهم، ثقة منه بأمانة الناس ودينهم، وإشفاقاً عليهم من عنت التحصيل والتفتيش، وتوفيراً لنفقات الجباية والتوزيع. وكان ذلك اجتهاداً منه رضي الله عنه، وإن أدى ذلك – فيما بعد – إلى إهمال كثير من الناس للزكاة في أموالهم الباطنة، لما رق دينهم وقل يقينهم. وقد فسر بعض الفقهاء ذلك بأن أمير المؤمنين عثمان أناب عنه أصحاب الأموال الباطنة في أداء زكاتها .....
۲۳۳
لعلك لاحظت أخي القارئ من النص السابق أن زكاة الأموال الباطنة كانت متروكة للناس لإخراجها بأنفسهم، ثم تغيرت في زمن الخليفة عمر رضي الله عنه ثم عادت في عهد عثمان لما كانت عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد خليفته أبي بكر. أي أن فعل الخليفة عثمان ليس اجتهاداً كما قال القرضاوي ولكنه عودة لما فعله الرسول صلوات ربي وسلامه عليه. ولعلك استشفيت أيضاً أن أي فقيه معاصر قد يستنتج من هذا أن أحكام أموال بيت المال تتغير بتغير أحوال بيت المال بدليل التغير الذي حدث في عهد عمر . ثم عثمان رضي الله عنهما. فالنص السابق يعلل جميع الأحكام على أنها الأنسب لعصرها، وبهذا فتح الباب أمام الفقهاء المعاصرين لتغيير الأحكام لما يلائم كل عصر. وهذا الذي كان مع الأسف. فقد اجتمع جماعة من الفقهاء٢٣٤ واجتهدوا وقالوا:
«قد تعين الآن أن يتولى ولي الأمر جمع الزكاة من كل الأموال الظاهرة والباطنة لسببين: أولهما: أن الناس تركوا أداء الزكاة في كل الأموال ظاهرها وباطنها؛ فلم يقوموا بحق الوكالة التي أعطاها لهم الإمام عثمان بن عفان ومن جاء بعده من الأمراء والولاة، وقد قرر الفقهاء أن ولي الأمر إن علم أن أهل جهة لا يؤدون الزكاة، أخذها منهم قهراً، لا فرق في ذلك بين مال باطن ومال ظاهر ... وعلى ذلك فقد زالت الوكالة، ووجب الأخذ بالأصل، والسير على ما قرره الفقهاء. ثانيهما: أن الأموال صارت كلها ظاهرة تقريباً؛ فالمنقولات التجارية تحصى كل عام إيراداتها، ولكل تاجر صغير أو كبير سجل تجاري تحصى فيه أمواله، وتعرف فيه الخسارة والأرباح، فالطرق التي تعرف بها الأرباح لتفرض عليها ضرائب الحكومة تعرف أيضاً لتفرض على رأس المال وعليها فريضة الزكاة، التي هي حق الله وحق السائل والمحروم. أما النقود، فأكثرها مودع بالمصارف وما يشبهها. وعلمها بهذه الطريقة سهل ميسور ، والذين يودعون نقودهم بطون الأرض ليسوا في الحقيقة من أهل اليسار الفاحش، وعددهم يقل الآن شيئاً فشيئاً. فليترك أمر هؤلاء إلى دينهم».
*** هامش ***
ط
ط) ثم علق القرضاوي على ما ذهب إليه المعاصرون بقوله: «وهذا الله ، وتصرفها حيث أمر الله ، ...». ولكن هل هناك حكومة إسلامية الكلام من الوضوح وقوة الدليل بحيث لا يحتاج إلى تعليق. ومن هنا في أيامنا المعاصرة تحكم بالإسلام في جميع شؤونها؟ لذلك يستدرك يجب على كل حكومة إسلامية أن تنشئ «مؤسسة » أو «إدارة» القرضاوي هذا المذهب بربطه بضرورة وجود دولة مسلمة لأخذ خاصة تتولى شؤون الزكاة تحصيلاً وتوزيعا، فتأخذها من حيث أمر زكاة الأموال الظاهرة والباطنة فيقول: «أما الحكومة التي ترفض
٣٠٨ 🗏
أخي القارئ: لي هنا خمس ملحوظات على ما ذهب إليه المعاصرون غفر الله لهم وأثابهم على اجتهادهم: الأولى هي قولهم أن هناك وكالة من الخليفة عثمان وأنها قد أزيلت. وهذا استنتاج مشكوك فيه. فإن كانت هناك وكالة فهي من الرسول صلى الله عليه وسلم أي هل يحق لأحد إزالتها ؟ لقد أثار رفيق يونس المصري السؤال الآتي: «هل عثمان رضي الله عنه أول من ترك زكاة الأموال الباطنة؟». ثم أجاب قائلاً: «هذا ما تقوله لنا كتب الفقه الحنفي، ولا أظن ذلك صحيحاً. فزكاة الأموال الباطنة متروكة لضمائر الناس، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده، إن شاؤوا أدوها إلى الدولة، وإن شاؤوا دفعوها إلى مستحقيها مباشرة».٢٣٦ ويأتي استنتاجه هذا من نقد عدة أقوال لفقهاء المذهب الحنفي منها قوله:
«كما يدل له قول ابن الهمام (أي في فتح القدير: فلما ولي عثمان، وظهر تغير الناس، كره أن يفتش السعاة على الناس مستور أموالهم، ففوض الدفع إلى الملاك نيابة عنه، ولم يختلف الصحابة عليه في ذلك». وقال الكاساني: «كان يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، إلى زمان عثمان رضي الله عنه، فلما كثرت الأموال في زمانه رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها، بإجماع الصحابة، فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام (...). فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة، فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ ولهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الأموال الباطنة فإنه يطالبهم بها. لكن إذا أراد الإمام أن يأخذها بنفسه من غير تهمة الترك من أربابها ليس له ذلك، لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم».
وبعد ذكر مثل هذه الأقوال يقول رفيق المصري ناقداً ما ذهب إليه الإمام أبو زهرة: «نعم قد تكون كثرت الأموال في عهده [أي عهد عثمان رضي الله عنه]، ولكن هذا، فيما يبدو لي اتفاق (= مصادفة) لا سبب، والسبب أمر آخر : عزوف الناس وفرارهم من زكاة الأموال الباطنة، مما تطلب التفتيش والتجسس والمنازعة وارتفاع تكاليف الجباية . وعلى هذا يحمل القول الأول المذكور في فتح القدير، وهو أقرب إلى الصواب من قول الكاساني. وفي هذا أوافق قول الأستاذ أبو زهرة: رأى (عثمان) الأموال قد كثرت، وأن في تتبعها حرجاً بالأمة، وضرراً على النحو الذي بيناه (...)، فوكل الناس إلى أمر دينهم ابتداءً». أما قوله : «هذا التقسيم (ظاهرة، باطنة) لم يكن في . عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الخليفتين من بعده، ولكنه جاء بعد ذلك عندما كان سيدنا عثمان رضي الله عنه يجمع الزكاة من بعض المال دون بعض»، فعندي أن هذا التقسيم كان موجوداً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده، بل هو موجود قديماً وبحكم الطبيعة، غاية ما هنالك أن الدولة كانت تقبض زكاة الباطنة (مع الظاهرة) يؤدونها طواعية، ولو لم يكن ثمة تقسيم ما أخذت الظاهرة منهم جبراً، والباطنة طواعية. يدل على ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرسل السعاة إلا في طلب الظاهرة فقط، كما ذكر العلماء. «ذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي رحمه الله، وقال: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق (الفضة) وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومنهم من يحمل إلى الأئمة فيقبلون منه ذلك، ولا يسألون أحداً عن مبلغ ماله، ولا يطالبونه بذلك». كذلك الخلفاء من بعده صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يرسلون السعاة لأجل الباطنة، والذي قاتل عليه أبو
*** هامش ***
كان
الإسلام أساساً للدولة، ودستوراً للحكم، وتحكم بغير ما أنزل الله ، مما ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تستورده من مذاهب الغرب أو الشرق، فهذه لا يجوز لها أن تأخذ الزكاة، وإلا استحقت وعيد الله تعالى إذ قال : » (٢٣٥).
ه الأموال
بكر رضي الله تعالى عنه هو الظاهرة، لا الباطنة. والخلاصة فإن عثمان رضي الله عنه ليس هو الذي قسم الأموال إلى ظاهرة وباطنة، وليس هو الذي ترك الباطنة للناس من الناحية النظرية، فقد كانوا يؤدونها طوعاً، لا كرهاً، لكن ربما حدثت مشكلات ومشادات في عهد عثمان، فتركها لهم من الناحية العملية».""
۲۳۷
۳۰۹
إن الاستنتاج الذي توصل إليه د. رفيق مهم بالنسبة لموضوعنا. لأنه إن ثبت أنه لا يحق للدولة أخذ زكاة الأموال الباطنة، بل على الناس إخراجها بمعرفتهم، فإن في هذا تجفيف لمصدر مالي مهم لبيت المال. فلم أجد مما قرأته ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو خلفاءه من بعده كانوا يصرون على أخذ زكاة الأموال الباطنة، بل يطلبونها ويقبلونها إن أتتهم (كما سيأتي بإذن الله. وما نشأ هذا الاعتقاد، والله أعلم، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخليفتيه (أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يطالبون بزكاة الأموال الباطنة وأن عثمان رضي الله عنه تخلى عنها إلا مما ذكره أصحاب الرأي بتأويلهم حديث السائب بن يزيد من أنه سمع عثمان رضي الله عنه يحث الناس على إخراج زكاة أموالهم الباطنة بأنفسهم وسيأتي بيان الحديث بإذن الله، فكان استنتاجهم من قول عثمان رضي الله عنه أن ما كان قبل عثمان لابد وأن يكون عكس ما قاله عثمان. أي أن حث عثمان رضي الله عنه الناس لإخراج زكاة أموالهم الباطنة لابد وأن يعني أن من سبقه كانوا يصرون على أخذه، وهذا استنتاج عجيب. وهنا يكون السؤال: لماذا لا يكون ما قاله عثمان من باب التذكير للناس، فسمعه السائب بن يزيد ونقل عنه كحديث. أي أن ما قاله عثمان رضي الله عنه لم يكن من باب الانقلاب على ما سنه من قبله الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعه في ذلك من بعده (أبو بكر وعمر رضي الله عنهما). ثم أتى من بعد ذلك بعض الفقهاء المعاصرين فرجحوا أقوال بعض فقهاء المذهب الحنفي ولم يكترثوا للتمييز بين المال الظاهر والباطن في طريقة الإخراج وقالوا أن الوكالة في إخراج زكاة الأموال الباطنة هي من عثمان رضي الله عنه، لذلك يمكنهم الآن (أي المعاصرون) الإفتاء بإزالة الوكالة من الناس وإرجاعها للدولة. أي أن الأصل هو عكس ما ذهبوا إليه.
الملحوظة الثانية على ما ذهب إليه المعاصرون من أن الناس قد تركوا الآن إخراج الزكاة ظاهرها وباطنها وأنه بذلك يحق للدولة أخذها هي أن تارك الزكاة فقط هو الذي يجب أن تؤخذ منه زكاته قهراً، وليس جميع الناس. فقد جاء قوله صلوات ربي وسلامه عليه في الزكاة في مسند الإمام أحمد : من أعطاها مؤتجراً فله أجره، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء ) . أي أن الحديث لا يعني تقييد كل الأمة على سوء تصرفات بعض الأفراد كما ذهبوا في فتواهم، بل التقييد ينزل فقط على من لم يعط الزكاة. كما أن الحديث السابق أتى تحديداً لمانع زكاة الأموال الظاهرة (الإبل)، فلا يعمم إذاً أخذ الدولة لزكاة الأموال الباطنة على جميع أفراد المجتمع بأن يصبح نظاماً تأخذ فيه الدولة زكاة الأموال الباطنة من جميع الناس بسبب إهمال البعض حتى وإن كثروا، ولكن يتم تحديد التارك للزكاة فقط وتؤخذ منه. فكما سترى بإذن الله، فإن ارتفاع نسبة التاركين للزكاة في المجتمع ما كان إلا بسبب الخروج عن مقصوصة الحقوق، فازداد الفقر واستشرى الجشع لتغير قيم الناس لعدم تطبيق الشريعة، وفي عدم العودة لمقصوصة الحقوق (أي في حال العمل بما أفتى به بعض المعاصرين بأحقية الدولة بأخذ الزكاة من الأموال الباطنة تعميق للابتعاد عن الشريعة، وليس حلاً جذرياً لمآسي المجتمع. بالإضافة لما سبق، فإن هناك من الأقوال ما لا يرى حتى أخذ شطر المال لضعف الحديث عند البعض . ۸
۲۳۸
🗏
والملحوظة الثالثة هي قولهم أن الأموال أصبحت الآن كلها ظاهرة تقريباً. وهذا أمر غير منطقي. فالأموال
في عهد السلف كانت جميعها أعياناً ظاهرة، فلم توجد مستندات الأسهم وما شابه من أوراق. بل أموالهم السائلة كانت عبارة عن ذهب وفضة وأعيان تجارية معروضة في الأسواق. فجميع الأموال إذا كانت ملموسة ومع ذلك لم تأخذ الدولة الزكاة من الأموال الباطنة. فالتقسيم إلى أموال ظاهرة كالأنعام والنخل، وباطنة كعروض التجارة أتت متأخرة. وعلى العكس من ذلك، فإن الأموال الباطنة الآن قد يستحيل حصرها، فقد يودع رجل أمواله في بنوك سویسرا ولا يحتاج إلا لبضعة أرقام سرية يخبئها في رأسه ولا يعلمها أحد غيره ، وهكذا من قنوات لا يمكن للدولة حصرها إلا بالكثير من العناء لاصطياد ثري واحد فما بالك بأثرياء الأمة !! وهذا بالذات ما تحاول الشريعة تلافيه، أي تحاول تلافي إيجاد مؤسسات تطارد الناس في الزكاة وذلك حتى لا يتسلط أفراد الدولة على الناس فتثبط الهمم الإنتاجية ويظهر الاستعباد بين البشر من جراء ظهور هذه المؤسسات. وللتوضيح أقول:
إن جمهور الفقهاء، باستثناء فقهاء المذهب الحنفي، اعتبروا عروض التجارة من الأموال الباطنة. أما الحنفية فقد ذهبوا إلى أن الأموال الباطنة إذا مرت على العاشر أصبحت ظاهرة. فقد ذكر ابن عابدين مثلاً: أن «كل ما مر به (التاجر) على العاشر فهو من نوع الظاهر، وسماها باطنة باعتبار ما كان قبل المرور». وحذا الأستاذ أبو زهرة حذو الحنفية فقال: «قرر الفقهاء (...) أن النقود وعروض التجارة تعد أموالاً ،باطنة إلا إذا انتقلت من بلد إلى بلد، فإنها تظهر، وتنتقل من الباطنة إلى الظاهرة». وقال أيضاً: «ولا يعفى صاحبها إلا إن أثبت قضائياً بأنه أداها». ولقد ذهب القرضاوي أيضاً لما ذهب إليه الأحناف فقال: «أموال التجارة في مواضعها من الأموال الباطنة، فإذا كانت منقولة من إقليم إلى إقليم ومر بها التاجر على العاشر، فقد التحقت بالظاهرة، ووجب دفعها إليه». هنا يثير رفيق المصري أثابه الله سؤالاً متعجباً بقوله: «كيف يكون المال باطناً في موضعه، فيعهد إلى أربابه، ثم يظهر للعاشر فيصير ظاهراً، فيعهد إلى العاشر ؟ إن هذا لعمري من التناقض، ولابد أنه مؤد إلى أحد احتمالين: إما الثني (الإزدواج) إذا زكاه صاحبه ثانية بأمر العاشر، وإما الفرار من زكاة كل مال باطن في موطنه، خشية مروره على العاشر! فماذا تكون الحصيلة؟ أتزداد أم تنقص؟» .۲۳۹ لقد أصاب رفيق المصري مقتلاً. بالطبع ستنقص الزكاة لأنها ستؤدي إلى هروب الناس من الزكاة بالتقاعس عن نقل البضائع من موطن لآخر. فكما سترى بإذن الله، فإن الشريعة تحاول إلغاء الحدود بين المستوطنات والمدن والأقاليم قدر المستطاع حتى تنساب المنتجات من موطن لآخر. أما ما قد يؤدي إليه الأخذ بقول أهل الرأي والمعاصرين فهو ظهور الحدود الاقتصادية تدريجياً حتى تنقلب لحدود سياسية فيما بعد. فعندما تؤخذ العشور من التجار فهي ستذهب لسلطان ما، وهذا السلطان خشية فقدان ما سيأتيه من زكاة سيستثمر في تلك الحدود بالمنشآت والمراقبين وما إليهما من متطلبات تضمن له تدفق المال، وهكذا تظهر الحدود التي تفصل بين الدول. وهذا ما تحاول الشريعة تلافيه ابتداءً كما سترى في فصل «ابن السبيل» بإذن الله.
ويتم رفيق المصري نقده لما ذهب إليه الأحناف بقوله:
عنهم .
والأعجب من هذا أن يدعي الحنفية الإجماع على مذهبهم، قال الكاساني: «وكذا المال الباطن إذا مر به التاجر على العاشر (...) صار ظاهراً (...) وعليه إجماع الصحابة رضي الله فإن عمر رضي الله عنه نصب العشار، ومن الحربي العشر. وكان ذلك بمحضر من الصحابة، رضي الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه واحد منهم فكان إجماعاً». وقد ذكر الحنفية إجماع الصحابة على تحول المال الباطن ظاهراً إذا مر على العاشر ، وإجماع الصحابة أيضاً على رأي عثمان بترك زكاة الباطنة إلى الناس. أما
ه الأموال
الإجماع الأول فيبدو لي أن فيه التباساً، فإن الذي عليه إجماع الصحابة في خصوص زكاة المسلم هو أن ي يأخذ العاشر منه الزكاة طائعاً غير مكره
.«...
ثم يثير رفيق المصري سؤالاً : لماذا اعتبر الفقهاء القدامى عروض التجارة من الأموال الباطنة؟ فيجيب:
«لم أجد طرحاً لهذه المسألة عند المعاصرين. وقد ظننت أولاً أني أول من طرحها، لكني وجدت بعد ذلك كلاماً للإمام النووي فيها. قال: «إنما كانت عروض التجارة من الأموال الباطنة، وإن كانت ظاهرة، لكونها لا تعرف للتجارة أم لا، فإن العروض لا تصير للتجارة إلا بشروط سبقت في بابها، والله أعلم». وفي هذه الشروط قال: «لا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين: أحدهما أن يملكه بعقد يجب فيه عوض، كالبيع (...)، والثاني أن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة ». وهذا ظاهر بالنسبة لمن يتجر سراً في منزله، أو يتجر بسلع قليلة (تاجر غير محترف). أما التاجر المحترف الذي يتجر اليوم علناً في محل تجاري متخذ لغرض التجارة، وبسلع ظاهرة أنها للتجارة، لا للقنية، وبصورة معتادة ومتكررة ومنتظمة، ويمسك دفاتر تجارية، وحاصل على ترخيص ... فمن الواضح أن عروض هذا التاجر تصبح على هذا الأساس أموالاً ظاهرة، لأن النية لم تعد خافية، بل صارت هناك قرائن ظاهرة تدل عليها، وتقوم مقامها. ... فعروض التجارة اليوم كلها ظاهرة إلا في حالات فردية، كمن يتجر بصورة عارضة بسلعة واحدة، أو بسلع قليلة ... وعليه يمكن القول بأنه إذا كان الأصل في عروض التجارة قديماً هي أنها من الأموال الباطنة، فإن الأصل فيها حديثاً هي أنها من الأموال الظاهرة، لظهور قرائن كثيرة تكشف عن نية صاحبها. ولعل حصرها في معارضها ومخازنها أسهل من حصر السوائم على مياهها وأفنيتها. فلماذا لا تكون ظاهرة كالسوائم على الأقل؟ ثم إن هذه المشكلة (مشكلة النية التي يلتبس معها علي الساعي : هل هذا المال مملوك للتجارة فيزكى، أم هو مملوك للقنية فلا يـزكي؟ هذه المشكلة ترد أيضاً بحق السوائم مع أن الفقهاء اعتبروها أموالاً ظاهرة بالإجماع؟ ذلك لأن السوائم قد تكون أيضاً «عاملة»، متخذة للحمل، أو الركوب، أو الحرث، أو السقي، فلا تزكى، أو تكون «نامية» متخذة للنماء فتزكى (عند الجمهور».
٢٤١
۳۱۱
إن في النص السابق آليتين لتحديد المال هل هو ظاهر أم باطن: أولهما إدخال النية كمؤشر للتحديد. وثانيهما اعتبار عروض التجارة في وضعنا المعاصر من الأموال الظاهرة قياساً على السوائم لأن عروض التجارة في أيامنا هذه أظهر من الإبل السائمة على مياهها، لذلك فهي أحق بأن تكون ظاهرة. بالنسبة للآلية الأولى، فلم أجد في الأثر ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم الأموال إلى ظاهرة وباطنة بحسب النية كمؤشر عند أخذ الزكاة، بل حدد أعياناً تؤخذ منها الزكاة كزكاة خمس من الإبل شاة والعشرة شاتان إن كانت سائمة، أي دون الالتفات لنية رب المال. فالتقسيم لمال ظاهر أو باطن هو توضيح مستحدث وضعه الفقهاء وأتى بعد وفاته صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا التقسيم لم يعتبر في ما ذهب إليه فقهاء السلف، وهذا أمر مهم منهجياً.
وبالنسبة لعموم الفقهاء المعاصرين الذين قرأت لهم ٢٤٢ فإن معظمهم يأخذ بالآلية الثانية، أي أنهم يقرنون كون المال ظاهراً أو باطناً بأنه إما ما ظهر للناس فلا يمكن إخفاؤه، مثل المحلات الكبرى، أو يقرنونها بالأموال التي يمكن حسابها من خلال دفاتر تجارية لشركات يعمل بها محاسبون ومحامون ونحوها من تعاملات تظهر المال
*** هامش ***
ي) تكملة ما جاء في النص: «وأما الإجماع الآخر فيبدو لي أنه صحيح هذه الأحاديث التي تذم العاشر وصاحب المكس)، فإن استكرههم والخلاصة فإن القول هنا ما قاله أبو عبيد: قال: «إذا كان العاشر يأخذ عليها لا آمن أن يكون داخلاً فيها ، وإن لم يزد على ربع العشر، لأن
الزكاة من المسلمين إذا أتوه بها طائعين غير مكرهين فليس داخلاً في سنة الصامت أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه»، ..». (٢٤٠).
۳۱۲ 🗏
مستحدثة
وسيلة
فيصير المال ظاهراً حتى وإن كان للتجارة. أي أن العقل القاصر بدأ يعمل في التحليلات لتحديد ما هو المال الظاهر وما هو المال الباطن وهذا سيؤدي لتغيير مقصوصة الحقوق كيف ؟ إن ما علينا فعله كمسلمين هو اتباع السلف حتى وإن لم نفهم الحكمة. فبرغم وجود المحلات التجارية في أسواق المدينة إلا أنه لا أثر لمطالبة الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء التجار بدفع الزكاة برغم أن سلعهم ظاهرة في الأسواق داخل المدينة المنورة. وفي النقيض، نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ( وسيأتي بإذنه) كان يرسل المصدقين إلى خارج المدينة ليأخذ الزكاة عن الإبل المتفلتة في أماكن شتى من الصحراء، أي وكأنها مخفية، إلا أنه أخذها منهم. فما الحكمة؟ كما قلت في فصول سابقة، فإن علينا اتباع السلف والبحث عن الحكمة، لا إعمال العقل وتغيير حكم شرعي. وهنا أيضاً، علينا اعتبار عروض التجارة من الأموال الباطنة التي على الناس إخراج زكاتها بأنفسهم أو دفعها للدولة إن أرادوا ذلك، برغم أن المحلات التجارية تتلألأ إضاءة لجذب المستهلكين. فالتسمية لا تغير الحكم، لأن تسمية الفقهاء للأموال بأنها ظاهرة وباطنة هي للتفاهم بينهم، فلا يعقل أن تنقلب التسمية لأداة تقلب الحكم. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يميز بين الأموال ظاهرها وباطنها في تحديد الزكاة، بل حدد أعياناً بعينها وأطلق عليها الحكم، كقوله: (فيما سقت السماء العشر). ولكنك قد تسأل: فما الضرر من تقصي العلل بعد تقسيم الأموال إلى ظاهرة وباطنة ثم الحكم على مستجدات العصر من خلال القياس؟ فأقول: إن علينا الأخذ بالقياس إن لم يكن هناك حكم ثابت نصاً. وكما رأيت فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصر على أخذ زكاة عروض التجارة، فلماذا الإفتاء بأحقية الدولة في أخذها الآن؟ قد تقول بأنها ظاهرة الآن تماماً، ألا ترى المحلات التجارية تتلألأ أنوارها؟ فأجيب: لقد كانت ظاهرة أيضاً في أسواق المدينة المنورة. فموقع السوق معروف، والبضاعة معروضة ومن يعمل في التجارة من الصحابة معروفون أيضاً، وليس كالإبل في باطن واد في الصحراء لرجل يعيش بمفرده ولا فقراء حوله. لذلك، فلابد من توضيح الآتي: الملحوظة الرابعة على ما ذهب إليه الفقهاء المعاصرون هي أن إمكانية حصر الأموال الباطنة ستزداد صعوبة مع تقدم الزمن وليس كما ذهبوا ذلك لأن سهولة الاتصالات ستؤدي إلى سهولة انتقال الأموال إلى مناطق أبعد. ولكنك قد تقول أن الدول ستتمكن من ملاحقة المتهربين لتقدم التقنية. فأجيب: إن هذا ممكن متى ما كانت هناك حكومة مركزية واحدة لجميع العالم، وهذا محال لأن الأديان والقوميات ستحارب ظهور هذه الدولة. كما أن حصر الأموال الباطنة في ظل العولمة أمر محال لأن الشركات الكبرى هي التي تحارب تسلط الدول، وفي الوقت ذاته تحاول تلك الشركات فتح الحدود بين الدول لتنساب استثماراتها دون قيود (كما سترى في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله)، وفي هذا إجهاض لإيجاد نظام عالمي يحصر ممتلكات الأفراد. فإن لم تتمكن الدول العظمى من السيطرة على العصابات التي تتداول بلايين الدولارات بغسيل الأموال داخل بلدها، فكيف ستتمكن المجتمعات من حصر ممتلكات أموال جميع الناس في كل العالم. فمتى ما وقعت التقنية في أيدي عموم الناس، سيتفوقون على الدول في استخدامها، وخير مثال على ذلك موقع «فيس بوك facebook» الذي ساعد في انهيار بعض الأنظمة العربية الظالمة. فتأمل إعجاز الشريعة في هذا الصدد بقفل الأبواب أمام الدول لملاحقة الناس في معركة خاسرة لا محالة وذلك بجذها من جذورها بمنع التجسس.
إن في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ...﴾ ٢٤٣ تجسيد أيضاً لمبادئ الزكاة التي تمنع التجسس. فمنع التجسس أمر معلوم في الشريعة. فقد ورد في الأثر أن عمر رضي
ه الأموال
۳۱۳
الله عنه قال لعماله: «لا تفتشوا على الناس متاعهم» . ٢٤٤ وسأورد هنا بعض مبادئ الزكاة التي وضعتها الشريعة حتى لا يقع النزاع بين المزكي وآخذ الزكاة وذلك لمنع احتمال حدوث التجسس على أموال الناس ابتداء. ففي زكاة الحيوان كما رأينا جعلت الزكاة على السائمة فقط دون المعلوفة. ومن هذا قد نستنتج أن لنفقات العلف تأثير في إسقاط الزكاة. فالشارع اختار عدم أخذ زكاة المعلوفة مع تنزيل نفقات العلف لأنها مسألة باطنة حتى لا يدخل الطرفان (المزكي والمصدق) في جدل حول النفقات ما يؤدي للتجسس على المزكي. كما أن الشارع لم يلجأ إلى حساب رؤوس الأنعام في أول المدة ثم إضافة الولادات وطرح المستهلك منها، إنما لجأ مباشرة إلى وضع الزكاة على رؤوس ما هو ظاهر عند حلول الحول تلافياً لاحتمال ظهور الخلاف. وفي الزروع كما رأينا فإن الزكاة هي نصف العشر إن كان السقي بمجهود إنساني دون الدخول في تفاصيل عن مقدار التكلفة بمعادلات وحسابات تؤدي للتجسس. فالنفقة على الزرع لم تحتسب لتخصم من الزكاة لأنها مسألة باطنة، بل تم تخفيض الزكاة إسقاطاً من العشر إلى نصف العشر تلافياً للنزاع. وبالنسبة للديون في الأموال الباطنة، فهي تزيد الأموال الباطنة صعوبة في التقصي على العاشر، لذلك كان من المناسب أن تترك للناس. كما أن الزكاة لم تفرض في عروض التجارة على الأرباح كما هو حال الضرائب الوضعية لأنها تتعلق بأمور باطنة مثل الإيرادات النقدية والمصروفات النقدية. فهذه المبالغ عبارة عن حركة نقدية مستمرة والإحاطة بها مسألة لا تتأتى إلا بالتجسس إن حاول المزكي التهرب منها. فكان اهتمام الشارع برأس المال د تمام الحول. فتأمل ترك الشريعة لما بطن من أموال الناس إلى ضمائرهم .٢٤٥ وهذه مسألة أدركها علماء السلف تماماً، حتى الأحناف منهم. فقد قال الكاساني في الأموال الباطنة: أنه لما رأى عثمان «أن في تتبعها حرجاً على الأمة، وفي تفتيشها ضرراً بأرباب الأموال، فوض الأداء إلى أربابها». كذلك أدركها بعض المعاصرين من الفقهاء. فقد قال أبو زهرة رحمه الله : « والأخرى الباطنة) لا يمكن معرفتها إلا بمحاولات للتعرف، وقد يكون من سبل ذلك التجسس، لمعرفة ما يهرب أو يخفى من أموال (...)، ولم يرد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يثبت أنه كان يرسل من يجمع زكاة النقود وعروض التجارة، حتى لا يعرض الناس لفتنة التنقيب والتفتيش، ثم التجسس، ثم الكيد، وإرهاق النفوس، ثم فتح باب التحكم ، وذلك كله إثمه أكبر من نفعه».
عند
٢٤٦
والملاحظة الخامسة على ما ذهب إليه الفقهاء المعاصرون هي أنهم لاحظوا تهرب الناس من دفع الزكاة: وبالطبع فإن معظم الناس يفعلون ذلك لأن الدول ترهقهم بكافة أنواع الضرائب التي يستحل معها الناس لأنفسهم التهرب من إخراج الزكاة لأن ما يدفعونه من ضرائب يفوق في مجموعه الزكاة. وكما ستستنتج من الفصل القادم بإذن الله فإنه لا طريق للدول إلى أموال الناس إلا من الزكاة إن طبقت الشريعة والناس يستشعرون ذلك فيتهربون من الزكاة لشعورهم بالظلم لما يدفعونه من ضرائب. فكيف يصح إذاً استنتاج حكم من تصرف أفراد أجبروا على مخالفة الشرع لأن الشريعة لم تطبق أصلاً (تذكر مثال الإيدز)!؟ أي إن كان ما ذهب إليه المعاصرون مرفوضاً،
فكيف نتقصى الحق؟
إن من الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل السعاة أو المصدقين ليأخذوا زكاة الأموال الظاهرة من الأقاليم المختلفة تنفيذاً لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . وقد ذكرت كتب الفقه والسير أسماء الصحابة الذين استعملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا مسعود ساعياً، وفي «مسند أحمد» أنه بعث أبا جهم
٣١٤ 🗏
ك
بن حذيفة مصدقاً. وفي «المستدرك» أنه بعث قيس بن ساعد ساعياً. وقد استمر الحال كذلك حتى بعد وفاته. ومن الأدلة على ذلك هو أن مانعي الزكاة في عهد أبي بكر تمسكوا بهذه الآية واستدلوا على أن الذي يأخذ الزكاة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان الإجماع على قتالهم. هكذا قصت الشريعة الحق هنا بأن للدولة أخذ زكاة الأموال الظاهرة. إلا أن هذا وضع قد لا يسر عموم الناس لأن النفس مجبولة على حب المال إلا من رحم ربك. أي أن لدينا هنا نقطة التقاء قد تسبب الشحناء بين المزكين والعاملين عليها. فتأمل التوجيه النبوي حيال نقطة الاحتكاك هذه التي لا مفر منها. فقد روى أبو داود عن جابر بن عتيك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم . هنا لجأت الشريعة لإيمان المسلم لتوقفه عند حده حتى لا يقع الخلاف. فقوله صلوات ربي وسلامه عليه: (فإن تمام زكاتكم رضاهم) ، لهو ربط قوي في نفس المؤمن بين تمام قبول الزكاة وبين رضى الساعي حتى لا يتجرأ عليه، لاسيما أن الساعي يذهب لموقع دافع الزكاة وليس العكس كما مر بنا. فالمؤمن يقف عند هذا التوجيه النبوي. ففي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال: «جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن أناساً من المصدقين يأتوننا فيظلموننا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرضوا مصدقيكم». ثم قال جرير: «ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو عني راض». ٢٤٩ هكذا تحاول الشريعة منع وقوع الخلاف.
ولكنك قد تقول متعجباً: إن هذه ليست آلية عملية لفض النزاع، فقد تركت الشريعة الأمر لضمائر الناس وقوة إيمانهم، ولم تضع قانوناً مفصلاً ومكتوباً يرسم حدود حقوق كل طرف كما هي الأنظمة الوضعية! فأقول: إن هذا التوجيه النبوي ذو فاعلية فقط مع من يخافون خالقهم وهم الأكثر بإذن الله إن طبقت الشريعة لكثرة الأعزاء كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله)، أما من لا يخافون خالقهم وحريصون على الأموال فسيضيقون ذرعاً بالسعاة وسيشعرون بنوع من الظلم حتى إن كان الساعي عادلاً، ففي هذه الحالة، فإن الشريعة كما رأينا في الحديث عن التكريم لا تكذب المزكي حتى إن ادعى هلاك زرعه أو موت أنعامه، بل لا تجبره على القسم أيضاً. أي أن الشريعة تقف مع المزكي منعاً للخلاف. وبهذا يتم تخفيف حدة النزاع المتوقع بين الطرفين. وهذه الطريقة في
*** هامش ***
ك) وفي «الطبقات» لابن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يستعمل ظالماً قط ، بل كانت المصدقين إلى العرب في هلال المحرم سنة تسع وذكر أسماء هؤلاء سعاته على غاية من تحري العدل كيف ومنهم علي وعمر ومعاذ؟ المصدقين وأسماء القبائل التي بعثوا إليها. فبعث عيينة بن حصن إلى ومعاذ الله أن يولي المصطفى صلى الله عليه وسلم ظالما! فالمعنى: بني تميم يصدقهم. وبريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار يصدقهم سيأتيكم عمالي يطلبون منكم الزكاة، والنفس مجبولة على حب المال، ويقال كعب بن مالك.... وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة فتبغضونهم وتزعمون أنهم ظالمون، وليسوا بذلك، فقوله: «إن ظلموا» والضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب، وبسر بن سفيان الكعبي مبني على هذا الزعم. ويدل على ذلك لفظ «إن» الشرطية، وهي تدل إلى بني کعب ... كما ذكر ابن اسحاق جماعة آخرين بعثهم النبي على الفرض والتقدير، لا على الحقيقة. وقال المظهري: لما عم الحكم صلى الله عليه وسلم إلى قبائل وأقاليم أخرى من جزيرة العرب. فبعث جميع الأزمنة قال: كيفما يأخذون الزكاة لا تمنعوهم وإن ظلموكم، زياد بن لبيد إلى حضرموت، وعدي بن حاتم إلى طي وبني أسد ومالك فإن مخالفتهم مخالفة للسلطان؛ لأنهم مأمورون من جهته، ومخالفة بن نويرة على صدقات بني حنظلة والعلاء بن الحضرمي على البحرين السلطان تؤدي إلى الفتنة وثوراتها. ورد المناوي هذا القول بأن العلة لو ... وهناك مراجع أخرى في هذا الموضوع (٢٤٧). كانت هي ! المخالفة جاز كتمان المال، لكنه لم يجز، لقوله في حديث:
ل) إن هذا من دلائل نبوته، فالحديث لا يعني أن مصدقي الرسول «نكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: (لا)». أما سعاة غيرنا (كذا صلى الله عليه وسلم كانوا جفاة يأخذون أكثر مما يجب، بل توقعه ولعل الصواب: غيره) أي النبي صلى الله عليه وسلم فإغضاب ظالمهم صلوات ربي وسلامه عليه أن بعض المصدقين لمن سيأتي من الحكام قد واجب وإرضاؤه فيما يرومه بالجور حرام»، وهناك توضيح للحديث يحملون الناس فوق طاقتهم. وفي هذا قال المناوي في الفيض: «لا ريب في «عون المعبود» وضعته في الحاشية (٢٤٨).
ه الأموال
٣١٥
اللجوء إلى إيمان الفرد أولاً ومن ثم إلى الوقوف بصف المزكي إن حدث خلاف ثانياً، لهي أفضل من إيجاد قوانين مفصلة تحدد حقوق كل طرف لأن في تطبيق هذه القوانين عبء مالي وإداري على المجتمع وبضرر أشد من نفعه لأن من أراد التهرب من الزكاة سيتمكن من ذلك غالباً. وفي المقابل، فكما ذكرنا، فإن الشريعة وضعت من الحركيات ما يجعل الزكاة مع الزمن عرفاً سيـ سيصعب على أي فرد التلاعب بها (أي (الأعراف) والتهرب منها لظهورها، لاسيما أن الفقراء المحيطين يرونها، وعندها يأتي المصدق ليأخذ الزكاة فيما ليس فيه خلاف. وهكذا، فالخلاف المحتمل وقوعه بين الطرفين قد تم تخفيفه لأقصى مدى ممكن.
تذكير أخير على زكاة الأموال الظاهرة، وهو أن أخذ الدولة لزكاة الأموال الظاهرة لا يعني أن الأموال من حق الدولة وأن لها إنفاقها كيفما شاءت كما ذهب بعض العلماء المعاصرين وسيأتي بإذن الله). كلا، بل هذه الأموال هي من حق ثمانية أصناف من المستحقين وتدفع لهم ولأنها تخرج أعياناً، ولأن الشريعة أصرت على أن تدفع لفقراء نفس المنطقة، فإن ما يذهب لبيت المال سيكون نادراً لأن الفقراء سينجذبون للمناطق التي تكثر بها الزكاة (وسيأتي في فصل «ابن السبيل» بإذن الله. وبهذا لن يكون هذا المورد، أي زكاة الأموال الظاهرة، مصدر دخل لبيت المال حتى وإن استغنى الناس ولم يبق فقير أو غارم أو ابن سبيل، فإن الفائض هو من حق من بقي من الأصناف الثمانية، فسيبقى صنف «وفي سبيل الله» وصنف «المؤلفة قلوبهم» مفتوحاً حتى يسلم جميع من في الأرض من البشر. فتأمل إصرار الشريعة على دفع الأموال بعيداً عن بيت المال. ولكنك قد تقول: ولكن صنف «وفي سبيل يعني تصرف الدولة بتلك الأموال لدعم الجهاد بصناعة الأسلحة ونفقات الجند كما ذهب لذلك المعاصرون. فأقول: حتى هذه لا. وسيأتي بيانه بإذنه تعالى. أي أن الدولة ليست إلا وسيطاً في نقل الأموال ولا حق لها بها. وستصبح الدولة خير وسيط إن تم الحكم بما أنزل الله لأن مقصوصة الحقوق ستؤدي إلى مجتمع أفراده أعزاء يتمكنون من مساءلة من بيدهم أمور الزكاة كما سنرى في فصل «البركة» بإذنه. لذلك، ولأن الأموال الظاهرة هي يغذي المجتمع، أي يسد جوعه، وحتى لا تبقى الطبقة الدنيا في المجتمع دون غذاء وبالتالي لن تتمكن من العمل والعطاء، كان على الناس دفع زكاة أموالهم الظاهرة للعاملين عليها الذين يرسلهم السلطان «العادل». وهذا شرط. أي إن لم يكن السلطان عادلاً فهناك من المذاهب من يجيز للمزكي دفعها للمستحقين مباشرة (وسيأتي بيانه بإذن
الله» قد
الله).
لقد تركت الشريعة مسألة حساب كمية زكاة الأموال الباطنة للمالك وذلك حتى يتم تلافي النزاع المحتمل لأن السلطات أو من يمثلها لن تستطيع تقدير ذلك إلا بالكثير من العناء، وهذا ما نلحظه في أيامنا هذه عندما يحاول مندوبوا السلطات التوغل في مستندات التجار للوقوف على أملاكهم، وكثيراً ما يضع هؤلاء المندوبون أرقاماً أقل مما لدى التاجر إن هو قام برشوتهم وإن لم يفعل، أو كان الموظف نزيهاً قد تتولد الشحناء إن كان التاجر بخيلاً أو متهرباً من دفع الزكاة كما ذكرنا. والقصص في هذا الباب لا تنتهي من شد وشحناء وإخفاء وتزوير بين التجار السلطات لأخذ الضرائب. فلا زكاة تجبى، ولا المكلف يدفع، ولا الحافز على الأعمال يبقى، والعزيمة تفل، أو تصرف في أنشطة غير عمرانية ولا اقتصادية في أنشطة صراعية هدامة كما قال رفيق المصري. لذلك أتت حكمة الشريعة بوضع مسؤولية حساب ومن ثم تفريق زكاة الأموال الباطنة على الملاك. إقرأ استنتاج السيد سابق إذ يقول: «وقد اتفق الفقهاء على أن الملاك هم الذين يتولون تفريق الزكاة بأنفسهم، إذا كانت الزكاة زكاة
ومندوبي
٣١٦ 🗏
٢٥١
الأموال الباطنة لقول السائب بن يزيد: سمعت عثمان بن عفان يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه، حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة». ن وقال النووي: «لا خلاف فيه؛ ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين». ويقول أبو عبيد في زكاة الصامت: «... ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد بعده ه أنهم استكرهوا الناس على صدقة الصامت إلا أن يأتوا بها غير مكرهين، وإنما هي أماناتهم يؤدونها، فعليهم فيها أداء العين والدين لأنها ملك أيمانهم، وهم مؤتمنون عليها ...». ويقول في موضع آخر بأنه إن مر العاشر (أي الرجل الذي يأخذ الزكاة على المزكي فقال المزكي رافضاً: «ليس هو لي، أو قد أديت زكاته، كان مصدقاً على ذلك ...... فتأمل هذا التكريم، وهذا مشابه للتكريم الذي رأيناه في الحديث عن زكاة الثمار والأنعام. وقد أنكر السلف على من يستحلف الناس على صدقاتهم. فكان مالك يرى قبول قول المسلم في الزكاة دون يمين. وعن أبي بكر السراج مثلاً أنه قال: «حدثني أبو وائل قال: مررت بعبد الله بن معقل بالسلسلة وهو على العشور بالقنطرة، وهو يحلف الناس، فقلت: يا أبا معقل، لم تحلف الناس؟ تلقيهم في النار، هلكت وأهلكت. فقال : إني إن لم أفعل لم يعطوني شيئاً. فقلت: وما عليك؟ خذ ما أعطوك». ٢٥٤
٢٥٣
وبهذا المبدأ فإن الشريعة تضع حداً للدولة لكي لا تحاول التدخل في حساب الأموال الباطنة للناس لأن فيه تمزيق للمجتمع. فهذه مسألة من حقوق الناس مع خالقهم جلت قدرته. فكما قلنا سابقاً: فإن الإسلام ليس بحاجة لمنة معتنقيه. حتى وإن لم يدفع الكثير من الناس الزكاة فلن يتأثر الفقراء كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله، لأن فتح الشريعة لأبواب العمل سيؤدي لمجتمع تقل فيه نسبة الفقراء، ولأن هؤلاء الفقراء يحصلون على أهم ما يحتاجونه، ألا وهو الغذاء، من زكاة الأنعام والثمار، فلا عائق أمامهم للإنتاج، وهكذا حتى يسمو المجتمع في أخلاقه نظراً لتطبيق مقصوصة الحقوق، وعندها سيقوم الناس طوعاً بإخراج الزكاة دون إخفاء وذلك نظراً لارتفاع نسبة الأتقياء. وكما قلنا، فإن أرباب الأموال الباطنة يستطيعون التهرب من الزكاة إن أرادوا ذلك، لاسيما في وضعنا المعاصر وذلك بالتلاعب بإيداع الأموال في بنوك خارج دولهم، ونحوها من حيل (التجار أعلم بها منا) بحيث يصعب ضبط كمية هذه الأموال إلا بإيجاد مؤسسات عالمية تلاحق هؤلاء وبالطبع فإن هذه المؤسسات العالمية لن توجد إلا بالتعاون بين الدول المسلمة وغير المسلمة، وهذا محال، فكيف سيتفق المسلمون وغيرهم في موضوع اقتصادي حيوي وهم يختلفون في الربا مثلاً. وحتى لا توجد مثل هذه المؤسسات التي تطارد الناس وتثبط هممهم الإنتاجية، تُرك إخراج زكاة الأموال الباطنة للملاك. وهناك سبب مهم آخر ، والله أعلم، وستلحظه في مواضع شتى من هذا الكتاب، ألا وهو أن من أهم أسس العقيدة الإسلامية أن تكون العبودية لله وحده. ولخدمة هذا الأساس أتت مقصوصة الحقوق لتحرر الناس من استعباد البشر. لذلك نجد أن الشريعة تدفع دائماً لإيجاد تفاعلات بين
*** هامش ***
م) لقد توصل رفيق المصري أثابه الله مثلاً إلى الآتي: «والنصوص بالأموال الباطنة، حيث لا يجدي التدخل، بل قد يُحدث نزاعات لا جاءت في القرآن والسنة معاً عامة وما جاء منها خاصاً، إنما يفيد في حد لها، واضطرابات اجتماعية تخل بالثقة بين الحاكم والمحكوم. فلا نظري، والله أعلم، أن هناك تمييزاً بين ما تفرضه الدولة على المسلمين الزكاة تجبى ولا المكلف يدفع، ولا الحافز على الأعمال يبقى، وما يفرضه المسلم على نفسه. فإذا قامت الدولة بجباية الزكاة على مال والعزيمة تفل، أو تصرف في أنشطة غير عمرانية ولا اقتصادية، في دون آخر، فلا يعني هذا أن الأموال الأخرى لا زكاة عليها، لأن أنشطة صراعية هدامة» (٢٥٠).
الراجح أن الدولة تضع في الاعتبار عدة عوامل، منها أن لا تأكل (ن) قال الماوردي: « ... وليس لوالي الصدقات نظر في زكاة المال الزكاة مطرحها (المطرح في لغة الشام هو الوعاء في لغة أهل مصر)، الباطن، وأربابه أحق بإخراج زكاته منه، إلا أن يبذلها أرباب المال أي لا يكون تكليفها أعلى من حصائلها. فهناك اعتبارات اقتصادية طوعاً، فيقبلها منهم (...) ونظره مختص بزكاة الأموال الظاهرة، يؤمر وعملية. وذلك بالإضافة إلى اعتبارات أخرى تتعلق، كما قدمنا أرباب الأموال بدفعها إليه» (٢٥٢).
ه الأموال
۳۱۷
الناس تحررهم من تقييد بعضهم البعض. ومتى ما تم إيجاد مؤسسات تطارد الناس في زكاة أموالهم الباطنة سيظهر أناس متسلطون على الآخرين، وبهذا يأتي الاستعباد البشري للبشر، وفي هذا إضعاف لعقائد الناس إلا من رحم ربك. فكانت الحكمة بترك احتساب وإخراج زكاة الأموال الباطنة للناس، فتأمل.
س
امتلاك
إلا أن هناك من العلماء المعاصرين من ذهب لغير ذلك، فهم يرون أن للدولة أخذ زكاة الأموال الظاهرة والباطنة. ولهم أدلتهم (وسأناقشها بإذنه). ولعل أهمهم القرضاوي لتخصصه في الزكاة في بحثه للدكتوراه. وبالرجوع إليه ولمن ذهب معه من المعاصرين قام بعض الإقتصاديين ببناء نظريات تدور حول أخذ الدولة لأموال الزكاة. فيقول باحث مثلاً أنه يترتب على ثبوت حق الفقير في ثروة المجتمع قيام الدولة بجمع الزكاة.٢٥٠ وبعد ذكر قول التابعي عطاء الذي قال: «إذا أعطى الرجل زكاة ماله أهل بيت المسلمين فجبرهم فهو أحب إلي»، يستنتج باحث آخر أنه «وبناء على هذا الرأي، تستطيع الدولة المسلمة أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع وعقارات ومؤسسات تجارية ونحوها وتملكها للفقراء كلها أو بعضها ...». إن هذا لاستنتاج عجيب. فالذي سيحدث هو الفقراء لهذه الاستثمارات اسماً، أما فعلاً فالمسيرون لهذه المؤسسات هم المسؤولون في الدولة، وبهذا تتحول هذه المؤسسات إلى مؤسسات شبه حكومية، وكأنها في دول اشتراكية، فتضيع المسؤولية ويضمحل الإنتاج. وهذا هو بالضبط ما تحاول الشريعة تلافيه بإعطاء زكاة الأموال الباطنة للمستحقين مباشرة كما سنوضح بإذن الله، لاسيما أن بعضها أثماناً. ويستنتج نفس هذا الباحث أن علماء المسلمين المعاصرين ذهبوا إلى أن قوله تعالى: «﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يشمل معنى إقامة جميع المؤسسات والمنشآت الاستثمارية اللازمة لتقوية الأمة الإسلامية اقتصادياً، وليس عسكرياً فقط». ويقول مؤيداً: «وهذا هو رأي الموسعين الذين يضمون إلى الجهاد المصالح العامة للمسلمين، فأجازوا صرف الزكاة في بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وفي كل المشروعات الإنشائية الخيرية. وهي جميعاً استثمارات ترفع من مستوى الكفاية الإنتاجية لرأس المال البشري بدنياً وفكرياً ...». وهنا أسأل، ما الفرق بين الإسلام وغيره من نظم إن تم تغيير مقصوصة الحقوق ؟ فالدولة عندما تتولى هذه المسائل تتغير مقصوصة الحقوق وبهذا ستضيع الأمة وذلك من خلال استخدام العقل في البحث عما هو أصلح. فالإسلام دين كما ستستنتج يرفض الاستثمار إلا في الناس، فكانت مصارف الزكاة في الناس، ومتى ما تمكن الناس وتحرروا أتى الإنتاج، وبمزيد من التحرر والتمكين يتكثف الإنتاج. أما إن تم إجازة صرف أموال الزكاة في مشروعات حتى وإن كانت خيرية كبناء المساجد والمستشفيات، فسيظهر أفراد لتحقيق بناء هذه المشروعات بأموال هي ليست لهم (أموال الزكاة)، وهؤلاء الأفراد بشر ولهم شهوات، وقد يسيء بعضهم وضع المال في غير مواضعه، وهذه من بذور الفساد الأولى التي يحاربها الإسلام. وما هذا إلا مثال بسيط، وسنأتي بإذن الله على أمثلة أخرى جمعتها في مكان واحـد (فصل «المكوس») لتوضيح كيفية خروجنا عن مقصوصة الحقوق لأنظمة بشرية بدعوى أن الإسلام دين صالح لكل زمان.
*** هامش ***
ع
...):
س) وتكملة ما جاء في النص: لتدر عليهم دخلاً يقوم بكفايتهم والشيخ محمد حسنين مخلوف (٢٥٧). كاملة، ولا تجعل لهم الحق في بيعها، ونقل ملكيتها، لتظل شبه موقوفة ف) وبالنسبة لمصرف ابن السبيل يقول الباحث: «ذكر أبو يوسف عليهم، على أن يكون ذلك في صورة أسهم مملوكة لمستحقيها من أن من أسهم الزكاة سهم في إصلاح طرق المسلمين، ولتعبيد الطرق، وإنشاء شبكات لمواصلات أثر بعيد في تشجيع الاستثمارات، فهي ع) يقول الباحث في الحاشية بعد الرجوع للقرضاوي: «وهو رأي النفقات الاستثمارية الرئيسية في تكوين البنية الأساسية ورأس المال بعض العلماء المعاصرين مثل الشيخ رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت الاجتماعي الثابت» (٢٥٨).
الفقراء» (٢٥٦).
۳۱۸ 🗏
من يفرق الزكاة؟
نظراً لتغير الحال من حكام عادلين كخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى سلاطين يبددون أموال الزكاة في شهواتهم، فقد حار بعض الفقهاء وظهرت المذاهب. فالأصل هو دفع زكاة الأموال الظاهرة لساعي الحاكم، وترك احتساب وإخراج زكاة الأموال الباطنة للناس. إلا أن الحكام بدؤا في استغلال أموال الزكاة في غير مواضعها، وفي الوقت ذاته تهاون الناس في إخراج زكاة الأموال الباطنة وتهرب منها آخرون، فحار بعض الفقهاء. هنا لابد من توضيح الآتي: إن أي مجتمع يتكون من شقين: شق يتجسد فيه سلوك الناس والذي تحكمه اعتقادات الناس وقيمهم وعاداتهم، وشق يتجسد فيه النظام الذي يحكم تفاعلات الناس، وهو في الإسلام مقصوصة الحقوق ويقابله في الغرب القانون. وكلاهما يشكل الآخر ويصيغه ويؤثر عليه في جميع الأمم إلا في الإسلام إن طبقت الشريعة. ففي الإسلام نجد أن مقصوصة الحقوق ثابتة ولا تتغير وهي التي تشكل الناس عبر الزمن وتصبغهم. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَبدُونَ﴾. فإن طبقت الشريعة سيظهر مجتمع عال في قيمه وسام في أخلاقه (كما سيأتي في فصل «البركة» بإذن الله). ولكن الذي حدث مع أخذ الدولة لأموال الزكاة هو تغيّر مقصوصة الحقوق، فكان لابد للناس من التغير. وهذا التغيير في القيم والسلوك لا يظهر فجأة ولكنه ينمو جيلاً بعد جيل. لذلك لم يظهر التغير في قيم الصحابة، وما فعله الخليفة عمر رضي في سواد العراق وفي أخذ زكاة الأموال الباطنة لم يؤثر في الصحابة رضوان الله عليهم، وقد يكون ملائماً لعصرهم للاتساع المفاجئ لرقعة الدولة آنذاك. ثم أتى الأمويون ومن بعدهم من السلاطين الذين بدؤا بسحب المزيد من الأموال لبيت المال فتغيرت مقصوصة الحقوق لتسلط السلطان بما استحوذه من مال وتغيرت بالتالي نفوس الناس، وعندها حار بعض الفقهاء في أمر إخراج الزكاة. فظهرت الأقوال المختلفة. لذلك لابد من توضيحها:
الله عنه
إذا كان للملاك أن يفرقوا زكاة أموالهم الباطنة، أي أن هذا من حقهم، فهل هو الأفضل؟ أم أن الأفضل أداؤها للسلطان ليقوم هـو وعماله بتوزيعها «إن كان عادلاً»؟ فبالنسبة للشافعية، فإن الأفضل عندهم أن يدفعها المزكي للإمام إن كان عادلاً، وإن لم يفعل وأخرجها بنفسه فإنها تجزؤه. أما الحنابلة فرؤا أن يوزعها المالك بنفسه، وإن أعطاها للسلطان أجزأه ذلك. وبالنسبة للمالكية فقد ذهبوا إلى أنه لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض، أي في الدرهم والدينار أي في الأموال الباطنة، ولا في غيره. ولديهم قول أن زكاة الناض على أربابه. وقال ابن الماجشون: «ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة؛ ...». *
٢٥٩
أما بالنسبة للأموال الظاهرة فيستنتج الفقهاء من حديث أنس عندما وجهه أبو بكر رضي الله عنه إلى البحرين من قوله: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها»، أن فيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة للإمام كما ذكرنا. ٢٦٠ فعند المالكية والأحناف أن إمام المسلمين ونوابه هم الذين لهم ولاية الطلب والأخذ. أما مذهب الشافعية والحنابلة في الأموال الظاهرة كمذهبهم في الأموال الباطنة، أي أن للمالك توزيعها بنفسه إن لم يكن الإمام عادلاً. ونظراً لإنقسام المذاهب في هذه المسألة سأضع لك نصاً لابن قدامة يوضح فيه هذه المسائل بطريقة تقنعك أن مذهب الجمهور يميل بأن يقوم الناس بتقدير وتفريق زكاة الأموال الظاهرة بأنفسهم إن لم يكن الإمام عادلاً، حتى وإن كان عادلاً وأخرجها الناس وفرقوها بأنفسهم فإن ذلك يجزءهم، أي ليس للدولة الحق في فرض الزكاة على
الناس إلا أن جحدها أحدهم، أما إن لم ينكروها وقرروا القيام بإخراجها بأنفسهم فلهم ذلك. فيقول رحمه الله :
۳۱۹
ه الأموال
حجر
ويستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه؛ ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. قال الإمام أحمد: أعجب إليّ أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان، يعني فهو جائز. وقال الحسن، ومكحول، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران: يضعها رب المال في مواضعها. وقال الثوري: أحلف لهم وأكذبُهم ، ولا تعطهم شيئاً إذا لم يضعوها مواضعها، وقال طاووس: لا تعطهم. وقال عطاء : أعطهم إذا وضعوها مواضعها. فمفهومه أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك. وقال الشعبي وأبو جعفر إذا رأيت الولاة لا يعدلون، فضعها في أهل الحاجة من أهلها. وقال إبراهيم: ضعوها في مواضعها ، وإن أخذها السلطان أجزأك. وقال سعيد: أنبأنا أبو عوانة، عن مهاجر أبي الحسن، قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال، فأخذها، ثم جئت مرة أخرى، فرأيت أبا وائل وحده فقال لي: ردها فضعها مواضعها . ...».
٢٦١
ونظراً لأهمية مسألة تفريق الزكاة لابد من إعطائها بعض التفصيل: إن من العلماء من ذهب إلى «وجوب» دفع الزكاة للحكام في الأموال الظاهرة، وهذا عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: یا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم). وعن وائل بن قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يسأله فقال : أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم، فقال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم». ٢٦٢ أما الأموال الباطنة فقد تركت لأصحابها كما ذكرت إلا أن المعاصرين من الفقهاء ذهبوا لضرورة أخذ الدولة لزكاة الأموال الباطنة والظاهرة. فالقرضاوي مثلاً . يسرد عدة أدلة منها ما رواه أبو عبيد والترمذي والدار قطني: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعياً على الصدقة، فأتى العباس يسأله صدقة ماله. فقال: قد عجلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة سنتين، فرفعه عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عمي؛ قد تعجلنا منه صدقة سنتين)». ولأنه من المعروف أن العباس كان تاجراً ولم يكن ماله زرعاً ولا ماشية، كان الاستنتاج بأحقية الإمام في أخذ زكاة الأموال الباطنة. وفي إسناد الحديث يقول القرضاوي: « والحديث قد ورد من عدة طرق لم تخل من ضعف، ولكن يقوي بعضها بعضاً». ومن الآثار التي استدل بها القرضاوي ما رواه الشيخان من أن «النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعاته لجمع الزكاة فقال بعض اللامزين منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذب عن اثنين: عن العباس وخالد، وصدّق على ابـن جميل، ومما قاله: (إنهم يظلمون خالداً؛ إن خالداً احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله. وأما العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي عليه ومثلها معه ، وفي رواية: فهي علي ومثلها معه». وهناك آثار أخرى حاولت الرد عليها .
*** هامش ***
ص
ص) إن من أقوى هذه الآثار ما رواه أبو داود من حديث علي رضي من كل ألف خمسة وعشرين (إذ كان مذهبه عدم اشتراط الحول في الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هاتوا ربع العشور، من المال المستفاد)، كما بينا ذلك من قبل . وكان عمر إذا خرج العطاء جمع كل أربعين درهماً درهم) ... الحديث. ويستنتج القرضاوي قائلاً: أموال التجار، فحسب عاجلها وآجلها، ثم يأخذ الزكاة من الشاهد «فقوله: «هاتوا» يدل على طلب الزكاة من النقود، وإعطائها للإمام والغائب. وعن قدامة قال: كنت إذا جئت عثمان بن عفان رضي الله ويستطرد القرضاوي في ذكر الأدلة قائلاً: «وقد وردت الروايات عنه أقبض عطائي سألني : هل عندك من مال وجبت فيه الزكاة؟ فإن الكثيرة: أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية وعمر بن قلت : نعم، أخذ من عطائي زكاة ذلك المال، وإن قلت: لا، دفع إلي عبد العزيز وغيرهم، كانوا يأخذون الزكاة من العطاء وهي رواتب عطائي. كما أن الفتاوي التي رويت عن ابن عمر وغيره من الصحابة الجنود ومن في حكمهم من المرتبين في الديوان كان أبو بكر رضي الله رضي الله عنهم في وجوب دفع الزكاة إلى الأمراء وإن ظلموا، لم تفرق ه إذا أعطى إنساناً العطاء، سأله: هل لك مال؟ فإن قال نعم زكى بين مال ظاهر ومال باطن». إن من الملاحظ على السابق إن استثنينا ماله من عطائه، وإلا سلم له عطاءه. وكان ابن مسعود يزكي أعطياتهم حديث أبو داود (والذي سيأتي بيانه في النص)، هو أن أخذ الزكاة كان
عنه
۳۲۰ 🗏
هي
أخي: لأنني لست ملماً بعلم الحديث، فليس من حقي أن أناقش صحة الأحاديث التي استخدمت كدليل على أحقية السلطان في أخذ وتفريق الأموال الباطنة. إلا أن ما رواه الشيخان لا تصريح فيه بأن الأموال المقصودة الأموال الباطنة كما تم الاستنتاج. ومن زاوية أخرى، فإن كانت زكاة الأموال الباطنة قد أخذت من بعض الناس، فهي لم تؤخذ كرهاً، بل أتوا بها طائعين كما رأينا. وفي المقابل، فهناك الكثير من الآثار التي تدل على أن للناس دفع زكاة الأموال الباطنة للمستحقين مباشرة . لنستعرض ما قاله فقيه واحد ببعض التفصيل في زكاة الأموال الظاهرة (وليس الباطنة)، لأنك إن اقتنعت أن من حق الناس إخراج زكاة أموالهم الظاهرة بأنفسهم، فهذا يعني من باب أولى أن من حقهم إخراج زكاة أموالهم الباطنة. فابن قدامة يعلم تماماً أن هناك من أقوال السلف ما ذهب لدفع زكاة الأموال الظاهرة للسلطان ) ذلك فقد ومع رجح قول الشافعي وأحمد مع تعليل ينقد ما قـد يبرره المعاصرون. فتأمل ببعض التدقيق ما قاله رحمه الله في الأموال التي يأخذها السلطان من الزكاة قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور ؟ قال : ادفعها إليهم. وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل. وهو قول أصحاب الشافعي وممن قال يدفعها إلى الإمام الشعبي، ومحمد بن علي، وأبو رزين والأوزاعي؛ لأن الإمام أعلم بمصارفها، ودفعها إليه يبرئه ظاهراً وباطناً، ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطناً، لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من الخلاف، وتزول عنه التهمة. وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير، أو نجدة الحروري. ...» . ٢٦٤ ثم يستطرد ابن قدامة موضحاً حجة من رأى دفع الزكاة للسلاطين كالإمام مالك وأبي حنيفة بأنهم قالوا: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام، لقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ٢٦٥ ولأن أبا بكر رضي الله عنه طالبهم بالزكاة، وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها. ووافقه الصحابة على هذا، ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية، لا يجوز دفعه إلى المولى عليه كولي اليتيم وللشافعي قولان كالمذهبين». ثم بعد ذلك يرد ابن قدامة ليوضح مذهب الشافعي وأحمد بطريقة مقنعة فيقول:
من
العطاء.
ولنا على جواز دفعها بنفسه، أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه. فأجزأه، كما لو دفع الدين إلى غريمه، وكزكاة الأموال الباطنة، ولأنه أحد نوعي الزكاة، فأشبه النوع الآخر، والآية تدل على أن للإمام أخذها . ولا خلاف فيه، ومطالبة أبي بكر لهم بها ، لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها، ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها ، لأن ذلك مختلف في أجزائه، فلا تجوز المقاتلة . من أجله، وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها ، فإذا دفعها إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد، فجاز الدفع إليهم، بخلاف اليتيم. وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه، فلأنه إيصال للحق إلى مستحقه مع توفير أجر العمالة وصيانة حقهم عن خطر الخيانة ومباشرة تفريج كربة مستحقها وإغنائه بها مع إعطائها للأولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها، فكان أفضل، كما لو لم يكن آخذها من أهل العدل. فإن قيل: فالكلام في الإمام العادل والخيانة مأمونة في حقه. قلنا: الإمام لا يتولى ذلك بنفسه، وإنما
*** هامش ***
اء. والعطاء بيد الدولة، فهو إذاً مال ظاهر وليس باطناً برغم للمقاتلين كغنائم بعد النصر. فلا وجود هنالك لجيش ذي عطاءات في أنه نقداً؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العطاء في حد ذاته أمر سنته صلوات ربي وسلامه عليه. وأما بالنسبة لفتاوى الصحابة وأنها لم استحدث بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك عندما جمعت تفرق بين مال ظاهر ومال باطن، فهذا لأنهم والله أعلم، مجمعون على الأموال من المناطق التي كان يجب أن تقسم فيها الأموال على الغانمين أن تفريق زكاة الأموال الباطنة على أربابها، فلم يتم الحديث عنها، مثل سواد العراق، إلا أن خراجها جمع لبيت المال فوجبت قسمته، ولكن موطن الخلاف تبلور في الأموال الظاهرة عندما تجبر الحكام وهذا ظرف مستحدث ولا يقاس عليه . فالأصل كما ستتأكد في وبددوا الأموال كما سيأتي. وهناك أسباب أخرى ذكرها القرضاوي الفصل القادم قلة المال في بيت مال المسلمين، وأن العطاء يأتي في كتابه «فقه الزكاة» وسيأتي الرد عليه في فصل «المكوس» (٢٦٣).
و
ه الأموال
۳۲۱
يفوضه إلى نوابه، فلا تؤمن منهم الخيانة، ثم ربما لا يصل إلى المستحق الذي قد علمه المالك وجيرانه شيء منها، وهم أحق الناس بصلته وصدقته ومواساته. وقولهم: إن أخذ الإمام يبرئه ظاهراً وباطنا. قلنا: يبطل هذا بدفعها إلى غير العادل؛ فإنه يبرئه أيضاً، وقد سلموا أنه ليس بأفضل، ثم إن البراءة الظاهرة تكفي. وقولهم: إنه تزول به التهمة. قلنا: متى أظهرها زالت التهمة، سواء أخرجها بنفسه، أو دفعها للإمام، ولا يختلف المذهب أن دفعها إلى الإمام جائز، سواء كان عادلاً أو غير عادل، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفعها سواء تلفت في يد الإمام أو لم تتلف، أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها، لما ذكرنا عن الصحابة رضي الله عنهم، ولأن الإمام نائب عنهم شرعاً فبرئ بدفعها إليه، كولي اليتيم إذا قبضها له، ولا يختلف المذهب أيضا في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه».
٢٦٦
أخي القارئ: رحم الله ابن قدامة ما أبعد نظره إن قرأت النص السابق مرة أخرى لاقتنعت أن الزكاة عبادة وصدقة للمحتاجين وليست أموالاً تجبى للدولة وذلك خوفاً عليها من ضياع حقوق المستحقين. ولتأكيد هذا الموضوع لأهميته، سأعرض عليك آراء الطرفين من الصحابة وفقهاء السلف ممن هم مع، أو ليسوا مع دفع الزكاة للولاة: جاء في كتاب أبي عبيد آثاراً منها أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تدفع زكاتها للسلطان، ولكن لا توضيح هل هي أموال باطنة أم ظاهرة ؟ وكذلك لا توضيح مع باقي الآثار الآتية: فعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: «سألت سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري وابن عمر فقلت: إن هذا السلطان يصنع ما ترون أفأدفع زكاتي إليهم ؟ قال : فقالوا كلهم ادفعها إليهم». وعن خيثمة عن ابن عمر قال: «ما أقاموا الصلاة فادفعوها إليهم». وعن قتادة قال: سمعت أبا الحكم يقول : أتى ابن عمر رجل فقال: أرأيت الزكاة إلى من أدفعها؟ فقال: ادفعها إلى الأمراء وإن تمزعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم». وعن قزعة قال: «قلت لابن عمر: إن لي مالاً فإلى من أدفع الزكاة؟ فقال: ادفعها إلى هؤلاء القوم، يعني الأمراء؛ قلت: إذاً يتخذون بها ثياباً وطيباً. فقال: وإن اتخذوا بها ثياباً وطيباً، ولكن في مالك حق سوى الزكاة».
ق
٢٦٧
،
وفي مقابل هؤلاء فهناك من لم يذهب لدفع الزكاة للإمام لما رأوه من تضييع لأموال الزكاة في ملذات الحكام: فعن أبي سعيد المقبري قال: أتيت عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين، هذه زكاة مالي. قال: وأتيته بمائتي درهم، فقال: : أعتقت يا كيسان؟ فقلت: نعم. فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها». وقال ابن أن عطاء جريج أخبره، قال: «بلغنا ذلك عن علي أن رجلاً أتاه بزكاة ماله فقال أتأخذ من عطائنا؟ قال: لا. قال: فإنا لا نأخذ منك شيئاً، لا نجمع عليك أن لا نعطيك ونأخذ منك».٢٦٩ وقال عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: «إذا وضعتها أنت في مواضعها ولم تعد منها أحداً تعوله شيئاً فلا بأس». وهناك آثار أخرى كثيرة منها: «عن أبي هاشم عن إبراهيم والحسن قالا: ضعها مواضعها واخفها، ومنها أن الحسن قال : «إن دفعها للسلطان أجزت عنه، وإن لم يدفعها فليتق الله وليتوخ بها مواضعها، ولا يحاب بها أحداً».ش
*** هامش ***
ق) أعتقت: بضم الألف، فقد كان كيسان مملوكاً. جاء في المعارف: لعطاء: أترخص لي أن أضع صدقة مالي في مواضعها، أم أدفعها إلى «اسمه کيسان وكان مملوكاً لرجل من بني جندح وكاتبه على أربعين الأمراء؟ فقال سمعت ابن عباس يقول: إذا وضعتها أنت في مواضعها ألف شاة لكل أضحى فأداها وكان منزله عند المقابر، فقيل المقبري، ولم تعد منها أحداً تعوله شيئاً فلا بأس». قال ابن جريج: «سمعته من عطاء غير مرة» (۲۷۰).
.(٢٦٨) «...
ر) النص بالكامل هو : «حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : قلت ش يحاب من المحاباة وهي العطية بغير حق. ومن الآثار أيضاً:
۳۲۲ 🗏
ولعلك لاحظت بأن أهم صحابي كان يتحرج من عدم دفع زكاة الأموال الباطنة للحكام هو عبد الله بن رضي الله عنهما والذي عاش أكثر من غيره. وهناك روايات أنه تراجع عن قوله. فعن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: قلت لميمون بن مهمران بلغني أن ابن عمر كان يقول: أدوا الزكاة إلى الولاة وإن شربوا بها خمراً. فقال ميمون: أتعرف فلاناً النصيبي فإنه كان صديقاً لابن عمر؟ فأخبرني أنه قال لابن عمر: ما ترى في الزكاة، فإن هؤلاء لا يضعونها مواضعها ؟ فقال : ادفعها إليهم. قال فقلت: أرأيت لو أخروا الصلاة عن وقتها، أكنت تصلي معهم؟ قال: لا. قال: فقلت: هل الصلاة إلا مثل الزكاة؟ فقال: لبسوا علينا لبس الله عليهم». وعن حبان بن أبي بجيلة أن ابن عمر «رجع عن قوله في دفع الزكاة إلى السلطان وقال: ضعوها في مواضعها».
۲۷۳
۲۷۲
۲۷۵
ومنهم من أتت عنهم روايتان كأبي هريرة، فهناك أثر أن عبد الوهاب بن عطاء عن أسامة بن زيد عن أمه قالت: «سأل أبوك أبا هريرة عن الزكاة؟ فقال: لولا أني آخذ منهم الجزية - يعني العطاء - ما أعطيتهم. شيئاً، فلا تعطهم». وفي أثر آخر عن ابن جريج قال: «أخبرني أبو سعيد الأعمى وحدي، وأخبرني مع عطاء قال: لقي أبو هريرة رجلاً يحمل زكاة ماله يريد بها الإمام فقال له: ما هذا معك؟ فقال: زكاة مالي، أذهب بها إلى الإمام. فقال: أفي ديوان أنت؟ قال: لا. قال: فلا تعطهم شيئاً».٢٧٤ ومن هذا تستنتج أن فقهاء السلف لم يجزموا بدفع زكاة الأموال الظاهرة للحكام، وأنهم ترددوا فيها تردداً كبيراً ، فعن حسان بن يحيى الكندي قال: سألت سعيد بن جبير عن الزكاة؟ فقال: «ادفعها إلى ولاة الأمر . فلما قام سعيد تبعته، فقلت: إنك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة الأمر وهم يصنعون بها كذا، ويصنعون بها كذا. فقال: ضعه حيث أمرك الله، سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لأخبرك». وفي هذا إشارة واضحة على أن بعض من قال بدفعها للولاة إنما قال ذلك، والله أعلم، تحرجاً من إيجاد فتنة بين الناس بالقول علناً . بعدم دفعها للولاة. وهنا ملحوظة مهمة، وهي أن الذين قالوا بدفعها للولاة، قالوا أيضاً بجوازها إن وضعها المالك في مواضعها حتى وإن كان الحاكم عادلاً. فيندر أن تجد فقيهاً يفتي الناس بعدم جواز الزكاة إن لم يدفعها المزكي للوالي أو عماله سواء كان الوالي عادلاً أو لم يكن، وما أكثرهم من سلاطين ظلمة، بل إن جميعهم كذلك في أيامنا هذه. وفي المقابل تجد أن هناك أقوالاً لا تجزئ المسلم إن دفع زكاته لسلطان غير عادل. ففي نيل الأوطار: وحكي عن المهدي في ابحر عن العترة وأحد قول الشافعي أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الظملة ولا يجزيء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ ﴾ ومن المعاصرين لخص رفيق المصري الخلاف بين المذاهب فيمن يلي الزكاة إن كان الإمام جائراً بقوله: «هذا الخلاف إنما هو في الأموال الظاهرة، أما الباطنة فلا خلاف في وجوب عدم دفع زكاتها إلى الإمام» . " فإن كان هذا هو حال الأموال الظاهرة، فإن في دفع الناس لزكاة أموالهم الباطنة بأنفسهم جواز أكبر. أرجو أن تكون قد اقتنعت أخي القارئ.
۲۷۷
٢٧٦
.«
وهنا لابد من إعادة النظر في الحديث الآتي الذي جاء في سنن أبي داود والذي استشهد به القرضاوي على أحقية الدولة في أخذ زكاة الأموال الباطنة : فقد قال صلوات ربي وسلامه عليه هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهما درهم وليس عليكم شيء حتى تتم مائتي درهم فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فعلى
*** هامش ***
... عن مجاهد عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عبيد بن عمير إلى الولاة». «... وعن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: اقسمها». وعلق محمد خليل هراس محقق كتاب الأموال على مثل ذلك». وعن ميمون بن مهران قال: «اجعلهـا صرراً ثم اجعلها «اقسمها» بأن قال: «أي وزعها أنت على الفقراء ولا يجب عليك دفعها فيمن تعرف. ولا يأتي عليك الشهر حتى تفرقها» (۲۷۱).
ه الأموال
۳۲۳
للسلطات
۲۷۸
حساب ذلك، وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة فإن لم يكن إلا تسعا وثلاثين فليس عليك فيها شيء ... » .٢٧٨ إن الدارس لهذا الحديث قد يستنتج مباشرة أن فيه دليل على مطالبة السلطان لزكاة عروض التجارة والأنعام ونحوهما من ممتلكات، وفي الوقت ذاته، فإن ما سبق من قول الجمهور بعدم أحقية السلطان في أموال الزكاة وبالذات إن كان جائراً، يضع المرء في حيرة عن معنى الحديث! فهل هناك تناقض؟ بالطبع لا. وللتوضيح أقول: إن الحديث يعني بالتأكيد حق الحاكم بالمطالبة بالزكاة إن كان عادلاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عادلاً. كما أن ظاهر الحديث لا يعني أن للحاكم أخذ الزكاة قسراً بإرسال السعاة للناس والتفتيش عليهم، بل المطالبة فقط بالزكاة من قوله: (هاتوا ...)، إلا إذا أنكر الناس الزكاة، فهذه مسألة أخرى. لكن المتأمل للحديث سيستنتج أن فيه ميزان دقيق يعين الناس على تغيير السلطان إن لم يحكم بما أنزل الله. كيف؟ لقد منعنا الإسلام من الخروج على الحاكم إن وصل للحكم بطريق شرعي إلا في حدود ضيقة لأن في ذلك فتنة كبرى وسيأتي بيانه بإذن الله)، فعلى الناس السمع والطاعة، ولكن في الوقت ذاته لا يعقل أن يتمادى حاكم فاجر في طغيانه بأموال زكاة المسلمين. وكما قلنا فإن المال سلطان، لأن من ملكه تمكن من نشر سيطرته على ديار المسلمين بتسخير ضعاف النفوس للعمل له، وبهذا سيصعب التخلص من سلطان فاجر لاسيما أنه يعمق سلطانه على أفراد المجتمع بأموال الزكاة، هذا إن لم يأخذ أموال الفيء لنظامه كما سيأتي بيانه في الفصل القادم. وكما سترى من الفصل القادم بإذن الله فإن أهم مورد دائم التدفق هو من الزكاة. لذلك وجب إيقاف تدفقها للحاكم غير العادل ليضمحل سلطانه يوماً بعد يوماً. أي أن الحديث، بالإضافة لما ذكر سابقاً، يدفع الناس إلى تمحيص السلطان للوقوف على مدى التزامه بشرع الله، ومن ثم اتخاذ القرار المناسب بدفع الزكاة إليه أو منعها عنه، هذا بالإضافة لحركيات أخرى سنأتي عليها في فصول قادمة بإذن الله تؤدي في النهاية من خلال تراكماتها إلى إضعاف السلطان وتغييره إن لم يحكم بالشرع ودون الحاجة للخروج عليه تجنباً للفتن والدمار وسفك الدماء. أي وكأن الزكاة تصويت فعلي لا قولي كما في الديمقراطية. كيف؟ كما هو معلوم، ففي الديمقراطية يتم الانتخاب بالتصويت لصالح رئيس أو ممثل حزب ليصبح حاكماً. أما في الإسلام فإن نظر الناس في السلطان من خلال سلوكه وإنجازاته سيتيح للناس الحكم عليه إما بدفع الأموال إليه أو بحبسها عنه، وفي هذا تصويت فعلي بتمكينه من الإستمرار أو الترك لضعف موقفه إذ لا معين له للعمل معه لأنه لا مال لديه يستثمره في تسخير من حوله للعمل له (وسيأتي بيانه في فصل «الحكم» بإذن الله). فتأمل أخيراً ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فقد «سئل رحمه الله عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان يصرفها حيث شاء ولا يعطيها للفقراء والمساكين، هل يسقط الفرض بذلك أم لا؟ فأجاب: أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية والتجارة وغير ذلك فإنه يسقط ذلك عن صاحبه إذا كان الامام عادلاً يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء، فإن كان ظالماً لا يصرفه في مصارفه الشرعية فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه بل يصرفها هو إلى مستحقيها، فإن أكره على دفعها إلى الظالم بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر فإنها تجزئه في هذه الصورة عند أكثر العلماء، وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه». لعلك بعد كل هذا اقتنعت أخي القارئ. أما إن أصررت ورأيت الذهاب لأحقية الحاكم في أموال الزكاة
۲۷۹
باطنها وظاهرها كما فعل بعض الفقهاء المعاصرين، فقد بقي لي الآتي من القرآن الكريم لمحاولة إقناعك: ففي سورة المعارج في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ، ترجيح لدفع الزكاة للمستحقين مباشرة. فكيف يكون للسائل حق إن لم يسأل الغني مباشرة وسأل موظفي الحكام؛ فالحق المعلوم هو الزكاة في
٣٢٤ 🗏
الأرجح. فيقول القرطبي في تفسير الآية: يريد الزكاة المفروضة؛ قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة رحم وحمل كل. والأول أصح، لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر». وفي تأويل قوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ في سورة الذاريات قال ابن عربي: والأقوى في هذه الآية أنه الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (أي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها أما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت». وبالنسبة لقوله تعالى: ﴿لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُوم ، يقول القرطبي: «السائل الذي يسأل الناس لفاقته؛ قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما » . ۲۸۰ أي أن في هذه الآيات إشارة واضحة إلى أن الزكاة هي علاقة مباشرة بين المزكي والمستحقين دونما أدنى تدخل من الدولة.
ت
وقد قال ابن عربي في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، أن الناس اختلفوا في تأويلها إلى قولين أحدهما أنها الصدقة المفروضة، والأخرى أنها صدقة التطوع. فإن كانت الصدقة المفروضة، فكيف تخفى إن وجب إعطاؤها للدولة؟ ولابن عربي كلام لطيف عن العلاقة بين نوعي الصدقة وتأثيرها على نفوس الناس تستشف منها أن الناس كانوا يتأرجحون بين إخفاء الصدقة وإظهارها سواءً كانت مفروضة أم أنها تطوعية. وقد ذكر الطبري في تفسير نفس الآية أن يزيد بن أبي حبيب كان يأمر بقسم الزكاة في السر. فكيف تقسم الصدقة المفروضة سراً وتوزع إن كان الواجب إعطاءها للدولة؟٢٨٢ إن هذا لأمر محال، وبالذات في أيامنا هذه التي ضعفت فيها نفوس الناس. فلن تثق الدولة بموظفيها كما وثق الرسول صلى الله عليه وسلم بالعاملين عليها، فأولئك أثابهم الله كانوا يأخذونها من الأغنياء ويعطونها للفقراء في نفس الموقع وعلناً والكل يراهم، فكيف يمكن إخفاء الأنعام والثمار ؟ أما الموظفون المعاصرون، فعليهم أن يدونوا كل شيء في أوراق رسمية ذات أختام وإيصالات وما إليها من بيروقراطيات تفضح كل فرد إن لم يدفع الزكاة وتطارده.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنِ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إشارة أيضاً إلى أن الزكاة تعطى للناس مباشرة. فقد قال القرطبي: «كره مالك لهذه الآية أن يعطى الرجل صدقته الواجبة أقاربه لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء. ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها الأجانب. واستحب أيضاً أن يولي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عادلاً، لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطي. وهذا بخلاف صدقة التطوع السر؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه
*** هامش ***
ت) يقول ابن عربي: «... قال ابن عباس في الآية: جعل الله تعالى الجهر؛ بيد أن علماء نا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه. والتحقيق فيه صدقة السر في التطوع تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفاً، وجعل أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها، والمعطى إياها، والناس صدقة العلانية في الفرض تفضل صدقة السر بخمسة وعشرين ضعفاً الشاهدين لها. أما المعطي فله فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، المسألة الثانية: أما صدقة الفرض فلا خلاف أن إظهارها أفضل وآفتها الرياء والمن والأذى. وأما العطى إياها فإن السر أسلم له من كصلاة الفرض وسائر فرائض الشريعة؛ لأن المرء يحرز بها إسلامه، احتقار الناس له أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف. ويعصم . ماله. وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ولا في تفضيل وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم صدقة السر على العلانية حديث صحيح يعول عليه، ولكنه الإجماع ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء، وعلى الآخذ لها بالاستغناء؛ ولهم الثابت. فأما صدقة النفل فالقرآن صرح بأنها في السر أفضل منها في فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل» (۲۸۱).
ه الأموال
٣٢٥
۲۸۳
في حكم من لم يفعل» . "" وفي كراهة مالك لإخراج الزكاة للأقارب مؤشر واضح على جوازه. وبالطبع، فإن هذا صعب المنال إن كان من خلال الدولة.
وهكذا، فكما ترى أخي القارئ فإن الشريعة تحاول الربط بين المعطي للزكاة وبين مستحقيها، وبالذات في الأموال الباطنة. وهذا الربط لا يكون إلا بالإعطاء المباشر. فهناك من الآثار ما يجيز، بل يحبذ إخراج الزكاة للأقارب، كإخراج الزوجة الزكاة لزوجها، والأخ لأخيه إن كانوا ممن يستحقون الزكاة. لأن فيها أجرين، أجر القرابة وأجر الصدقة كما هو معلوم. فكيف ستخرج هذه الصدقات إن كانت عن طريق الحكام؟ قد تقول: يأخذها الساعي ثم يعطيها المحتاج. فأقول: إن في هذا الإخراج ولاء وحب من المستحق للساعي. أما إن كان العطاء من المزكي نفسه مباشرة، فإن ولاء المستحق للزكاة يذهب للمزكي والذي قد يكون قريباً أو جاراً ونحوهما. وفي هذا الإخراج المباشر ربط شديد لأعضاء المجتمع كما سنوضح في الحديث عن «الأماكن» بإذن الله. فإن من أهم مقاصد الزكاة، والله أعلم، بالإضافة إلى رفع الفاقة والحاجة إشاعة الألفة والمحبة بين المسلمين. تذكر ما قاله ابن قدامة رحمه الله. فقد قال في فضيلة دفع زكاة الإنسان بنفسه مباشرة: «فلأنه إيصال للحق إلى مستحقه مع توفير أجر العمالة وصيانة حقهم عن خطر الخيانة ومباشرة تفريج كربة مستحقها وإغنائه بها مع إعطائها للأولى بها من أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها، فكان أفضل، ...». فالشريعة لها مطلب، وهو تمكين الفرد أولاً، ثم تمكين الأسرة حول ذلك الفرد ( وليس أسرة أخرى ثم تمكين الجماعة من حول الأسرة (وليس أسرة أخرى) ثم تمكين الحي أو القبيلة، وهكذا حتى تتمكن الأمة وسيأتي بيان هذه الحركية في فصل «ابن السبيل» بإذن الله). فلا يمكن إيجاد أمة متمكنة وأفرادها أذلاء، وهل من مصدر للمذلة أكثر من الفقر ؟ وحتى تعتز الأمة لابد من إعزار الجماعة، وهذه لا تعتز إلا بعزة الأسر المكونة لها، وأي أسرة أو جماعة ستكون أكثر إنتاجاً بإشاعة المحبة بين أفرادها. وفي إخراج الزكاة للمحتاجين مباشرة إيجاد لهذه المحبة وبالذات إن كانت أثماناً كما في زكاة الأموال الباطنة. حتى أنني أكاد أقول أنه لا يمكن إيجاد مجتمع مترابط إلا إن تم إخراج الزكاة مباشرة للمستحقين كما سيأتي
محاويج
بإذن الله .
وفي المقابل، فإن المخرج للزكاة سيكون إنساناً أسعد إن دفع الزكاة بنفسه إلى من يحب. وبالتأكيد فإنه لن يشعر بثقلها كلما كان المستحق أقرب إلى نفسه. فكما هو معلوم، فالكل يعمل لإسعاد أبنائه بالنفقة عليهم، وكذلك الإخراج للقريب أو الجار، ففيه سعادة ولكن بدرجة أقل من سعادة الإنفاق على الأبناء. فقد قال طبيب نفسي تربوي أن من يبحث عن السعادة من الناس، سيصبح إنساناً أكثر سعادة متى أسعد الآخرين. ٢٨٤ وفي إخراج الزكاة لمن حوله ورؤية أثر ذلك عليهم إسعاد للمزكي يدفعه للمزيد من العمل والإنتاج. وفي الوقت ذاته، فإن في حصول المستحق للزكاة للمال من الدولة حافز للتكاسل لأن المعطي لا يعرفه، لأنه إن عرفه فلن يستمر في دفع الزكاة إليه لأنه يدرك أنه متكاسل.
فشتان بين هذا الوضع وبين ما إن أخذت الدولة الزكاة. فالدولة لها أن تتدخل شرعاً في أمر الزكاة فقط لضمان وصولها للمستحقين لإثبات هذا، ألا يكفي الحديث المتفق عليه؟ أي قوله صلى الله عليه وسلم لما بعث رضي الله عنه إلى اليمن: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم: أن الله فرض عليهم
معاذاً
٣٢٦ 🗏
زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم ، وتوق كرائم أموال الناس). ٢٨٥ فالزكاة لم تكن قط في فقه أو فكر أو فلسفة أحد من السلف كمصدر دخل للدولة. بل هي أموال قصتها الشريعة للأصناف الثمانية من الناس. فإن كان هذا التراجع لهؤلاء الفقهاء في عهد السلف إن لم يكن السلطان عادلاً (ولم يصل حال السلاطين من تضييع للأموال لما هو عليه الحال الآن في العالم الإسلامي)، فكيف بهم إن رؤا حالنا اليوم. لعلهم يقولون للناس: «هلا جمعتم أموال الزكاة لحرق السلاطين بها فيقول الشيخ رشيد رضا في دفع الزكاة للحكومات المعاصرة: «... ولبعض الخاضعين لدول الإفرنج رؤساء من المسلمين الجغرافيين اتخذهم الإفرنج آلات لإخضاع الشعوب لهم، باسم الإسلام حتى فيما يهدمون به الإسلام، ويتصرفون بنفوذهم وأموالهم دينية، من صدقات الزكاة، والأوقاف وغيرهما. فأمثال هذه الحكومات لا يجوز دفع شيء من الزكاة لها، مهما يكن
٢٨٦
الخاصة .
بهم
فما له صفة
لقب رئيسها ودينه الرسمي ...». أي والله لقد صدق، فالسلطان الذي لا يحكم بالشرع، حتى وإن كان عادلاً، يجب ألا يعطى الزكاة، فكثيرون هم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله إلا أنهم عادلون. والسبب في ما أقوله هو أن هذا السلطان سيزداد قوة بمال الزكاة ويزداد بعداً عن الإسلام. أما السلطان غير العادل فوجب حجب أموال الزكاة عنه حتى لا يزداد قوة فوق قوته. فالسلاطين يزدادون قوة بأخذ الأموال لأن المال سلطان، فمن ملك المال سخر الآخرين لخدمته لقمع الشعوب. وقد أثبت التاريخ لنا ذلك. فالسلاطين كلما ازدادوا بطشاً كلما حرصوا على جمع الأموال من أي مصدر كان حتى وإن كانت من الزكاة، وذلك بتسخير العلماء للفتوى لهم بدعوى تغير متطلبات
العصر.
۲۸۷
قارن هذا مع ما ذهب إليه السلف. فقد كانت الزكاة في مخيال السلف كما قلنا حقاً للأصناف الثمانية. وأن الدولة إن أخذت الزكاة فهي إنما تفعل ذلك لتدفعها لمستحقيها. وهناك الكثير من الآثار في هذا. ففي سنن أبي داود وابن ماجة «أن زياداً أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني! أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» . ٢٨٧ وروي الدارقطني والترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : ل: قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، فكنت غلاماً يتيماً فأعطاني منها قلوصاً . أي أن أخذ الدولة للزكاة كان في موقع الصدقة، فلم تذهب الأموال لمخازن الدولة إلا إن انعدم المحتاجون (وهذا نادر الحدوث كما سترى في فصل «ابن السبيل» بإذن الله. وفي هذا أثر إيجابي كبير على الجميع لخصه محمد الزرقاء بأن قارن بين أخذ الدولة للزكاة ثم إرسالها للفقراء وبين إخراجها في موضعها كما أرادت الشريعة. فيقول أثابه الله :
۲۸۸
.«<...
«هناك أثر سلبي محتمل على المتلقي وهو مشكلة مهمة إذا عرف الإنسان أن هناك من يعطيه دون عمل إذا ساءت أحواله فسوف يتعود الاعتماد على الضمان ولا يفتش عن عمل ويفضل الراحة على العمل. ... ومن الوسائل المهمة جداً في تخفيف الأثر السلبي على المعطي أن يرى أثر مساعدته في المجتمع. فكرة كبيرة أن تكون الزكاة تصرف أولاً حيث تجبى من هذا المعطي فيرى أثر زكاته في تخفيف البؤس والفقر من حوله. فهذا يكون تعويضاً نفسياً له عما بذل، ويشعر أنه عندما يعطي أقاربه وأصحابه، وقد دعاه الإسلام إلى ذلك ورأى هؤلاء الناس الذين يحس نحوهم بعاطفة قوية
ه الأموال
۳۲۷
جسر
أنهم يستفيدون مما بذل فهذا يخفف الأثر السلبي على المعطي. أما الأثر السلبي على المتلقي إذا كان يعطى من خلال نظام أسرة، أو من خلال تضامن أهل قرية أو مدينة صغيرة يوجد بها هؤلاء الذين يبذلون ويعرفون حاله ... فإذا كانت الحكومة المركزية ترسل لي شيكاً من العاصمة وأنا في قرية نائية لا تستطيع أن تقيم فوق رأسي موظفاً يحقق هل أنا مستحق للمساعدة والضمان أم لا؟ أما لو علم بهذه المسألة أصحابي وأقاربي فهم يعرفون إذا كنت متسكعاً أو متعطلاً عن العمل يعرفون من شئوني ما يحول بيني وبين المبالغة في طلب المعونة إلا أن أكون محتاجاً فعلاً.
۲۸۹
ماذا عن السؤال الآتي: هل للفرد أو الدولة إعطاء الزكاة لغير الأصناف الثمانية كإخراجها لبناء مسجد أو مثلاً؟ كما قلت: لعل من أعظم حكم الزكاة هي أنها من حق ثمانية أصناف من الناس فقط. فالزكاة ليست أموالاً تعطى لمشروعات أو منشآت أو أعمال خيرية لبناء ما يحتاجه المسلمون، حتى إن كان للعبادة كبناء مسجد مثلاً، فلا يحق لأحد أخذ أموال الزكاة لبناء مسجد فالزكاة أموال تعطى فقط لأصناف محددة من الناس. وسأتحدث عن سبب تخصيص هذه الأصناف الثمانية في فصول قادمة بإذن الله. ولكن للتوضيح فإن ستة من الأصناف الثمانية هم أفراد يأخذون الزكاة للتمكين. أما الصنفين الآخرين (أي العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) فهم أيضاً أناس ولكن للشريعة هدف آخر غير التمكين في تخصيصهم بالزكاة وسيؤدي للتمكين أيضاً كما سأوضح بإذن الله). وهنا الحكمة، فمتى ما تم دفع الزكاة لهؤلاء الأصناف وتمكنوا تحولوا لأفراد منتجين سواءً كانوا من المساكين أو الغارمين أو أبناء السبيل ... ألخ، وعندها ستكثر الأموال وتأتي الإنشاءات وتظهر المشروعات ويزداد الخير. أما إن أجازت الشريعة دفع الأموال لجهة غير الأصناف الثمانية (كما فعل المعاصرون)، أتى التلاعب بأموال الزكاة لتحول لمصادر أخرى ليستفيد منها من لا يستحقها. لنضرب مثالاً على ذلك: لنقل بأن هناك حاجة لإنشاء جسر يربط بين جزئين من المدينة يقطعهما نهر، وأنه لا مجال في مناقشة أهمية هذا الجسر لنفعه الواضح لعموم المسلمين، ولنقل بأن عالماً ما تصدى لهذه المسألة وأفتى بجواز إخراج الزكاة لبناء الجسر لعلة أنها تسهيل لسفر أبناء السبيل. أتدري أخي القارئ ما الذي سيحدث؟ ستفتح هذه الفتوى شهية كل إنسان ضعيف، وما أكثرهم، بأن يستفيد من بناء هذا الجسر، فهناك من يخطط للجسر، وهناك من يصممه، وهناك من يبنيه، وهناك من يصونه. وكل هؤلاء سيستفيدون منه، ومتى ما فتح هذا الباب، أي باب جواز إخراج الزكاة لغير الأصناف الثمانية أتت أبواب أخرى تحت شعار الاستحسان لمصلحة الجماعة كبناء مدرسة ومسجد ومطار ومستشفى وهكذا تظهر مؤسسات الدولة لتكبر وتصبح وزارات وتتحول الأموال لهذه الوزارات كما هو حادث اليوم. لذلك أتت الشريعة وقفلت هذه الأبواب بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا﴾ وبقوله ﴿فَريضَةً﴾. تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حكيم﴾.
۲۹۰
C
۲۹۱
۲۹۲
يقول ابن منظور في ﴿إِنَّمَا﴾ أنها: «إثبات لما يذكر بعدها ونفي لما سواه ...». واحتج الشافعية بلفظة ﴿إِنَّمَا﴾ أنها «تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف». ومن المالكية يقول القرطبي في تفسيره ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بأنها تبيين المصارف الصدقات والمحل «حتى لا تخرج عنهم». وقال الشافعي: «اللام لام التمليك» . ومن الحنابلة وضح ابن قدامة في شرح ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ قائلاً: «﴿إِنَّمَا﴾، للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه؛ لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات، فجرى مجرى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ﴾ ، أي لا إله إلا الله. وقوله تعالى:
۳۲۸ 🗏 ﴿
إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾. أي ما أنت إلا نذير وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق».٢٩٣ وبالنسبة لقوله تعالى: ﴿فَريضَةً﴾، يقول ابن حجر في معنى الفرض أن أصله قطع الشيء الصلب، وأتت في القرآن بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ ٢٩٤ وأتت بمعنى الإنزال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ ٢٩٥ وقد قال الراغب: «كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام، يؤيد قول الجمهور أن الفرض مرادف للوجوب ...». وفي لسان العرب: «والفرض: ما أوجبه الله عز وجل، سمي
بذلك لأن له معالم وحدوداً
۲۹۷
.«<...
٢٩٦
....
وهذا
فتأمل كيف حصر سبحانه وتعالى المستحقين للزكاة بين ﴿إِنَّمَا﴾ و ﴿فَريضَةً﴾
تأكيداً لمنع التغيير، ثم اختتم سبحانه وتعالى الآية بقوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تأكيداً على جهل كل من حاول تغيير المستحقين بعقله القاصر لأنها وضعت من لدن عليم حكيم. والذي يؤكد أهمية هذا الحصر ما رواه زياد بن حارث الصدائي قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعته. قال: فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك ) » ۲۹۸ فتأمل عمق رد الرسول صلى الله عليه وسلم على
السائل حتى يقفل صلوات ربي وسلامه عليه باب التلاعب في الزكاة لتذهب لأناس مخصصين وليس لمنشآت أو مؤسسات أو أي احتياجات أخرى. وهذا أمر عمل به الخلفاء من بعده، فمقولة الخليفة عمر رضي الله عنه «هذه لهؤلاء»، والتي تعني أن الزكاة للأصناف الثمانية فقط مقولة مشهورة جداً. ۲۹۹ ولقد ذكر المودودي يرحمه الله كلاماً
بديعاً في هذا المعنى.
وأخيراً، بقي لنا توضيح تأثير الزكاة عموماً في اقتصاد الأمة، مثل تأثير العلاقة بين الأموال الباطنة والظاهرة في إنتاجية الأمة وغيرها من إيجابيات وسنترك هذه المسائل لفصول قادمة بإذنه تعالى. لكن من كل ما سبق لابد أنك استنتجت أن الشريعة تحاول قدر المستطاع الفصل بين السلطة الحاكمة والمال حتى لا يكون المال أداة في يد الدولة للتسلط على الناس وقد رأينا فيما سبق كيف أن الزكاة ( كأكبر مصدر مالي يمكن أن يكون في يد الدولة) قد قصته الشريعة بطريقة يصعب معها على أي سلطان التصرف في هذه الأموال لأنها لن تقع في يده أصلاً وبالذات إن لم يكن عادلاً. لأن وقوع المال في يد الدولة سيؤدي (حتى وإن كان السلطان عادلاً ولم يحكم بالشرع) إلى تشابك المجتمع بطريقة سلبية يضمحل فيها الإنتاج وهو ما سنبدأ به الفصل القادم بإذنه تعالى. ولكنك قد تسأل وتقول: إن لم تكن أموال الصدقات أو الزكاة دخلاً للدولة، فماذا عن الفيء والخمس؟ فأين ستذهب؟ أليست للدولة؟! هذا هو موضوع الفصل القادم بإذن الله. أي فصل «دولة الناس».
*** هامش ***
ث) قال المودودي رحمه الله بعد ذكر الزكاة وتشبيهها بالبحيرة التي الماء من حوض الرأسمالية، أن يكون ماؤك موجوداً فيه من ذي قبل، يأخذ منها المحتاجون مقارنة ببحيرة رأسمالية: « وههنا أيضاً يبدو وإلا فليس لك بحال من الأحوال، أن تنال منه ولو قطرة واحدة من التضاد الواضح بين مبادئ ومناهج الرأسمالية ومبادئ ومناهج الماء. ولكن المبدأ الذي يجري عليه نظام حوض الإسلام، أنه من كان الإسلام. فالذي تقتضيه الرأسمالية أن يجمع الإنسان المال ويأخذ عليه الماء ما عنده من ا يزيد عن حاجته، فليصبه في هذا الحوض، ومن كان الربا حتى ينجذب إلى بحيرته وينصب فيها كل ما عند غيره من المال في حاجة إلى الماء فليأخذ منه. فالظاهر أن هذين الطريقين متضادان ولكن ذلك مما لا يتفق مع طبيعة الإسلام، فهو يأمر ، إذا تجمع المال في في ما بينهما من حيث أصلهما وطبيعتهما، وليس الجمع بينهما في نظام بحيرة من البحيرات، بحفر الترع منها وتوزيع مائها إلى ما حولها من اقتصادي إلا الجمع بين الضدين في حقيقة الأمر، ولا يكاد يمر ذلك الزروع الميتة حتى تعود إليها الحياة. إن تداول الثروة مقيد في نظام بخلد رجل عاقل» (۳۰۰).
الرأسمالية وهو حر في نظام الإسلام. فإنه لابد لك، إن أردت أن تأخذ