انتقل إلى المحتوى

المقدمة

تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.

المقدمة

هدف الكتاب
برغم أن الأحكام التي تفصل بين الناس نزلت من عند الله الحق سبحانه وتعالى مكتملة ولا مجال للعقل للبت فيها إلا في محاولة فهم مقاصدها، إلا أن البشرية اعتمدت على العقل في تسيير أمورها الحقوقية من خلال الدساتير والأنظمة فكان الفساد. أي أن أحكام الشريعة لا تخضع للعقل، بل هي فوقه. فإن خضعت، أي إن حكم الناس بعقولهم، فهم قد حكموا بغير ما أنزل الله، عندها فلابد وأن يظهر الفساد. أي أن الأنظمة البشرية، ومنها الديمقراطية والرأسمالية ستؤديان للتلوث والفساد لا محالة. فكما سترى بإذن الله، فإن آليات النظم البشرية المعاصرة كالرأسمالية التي تقيد من لا مال لهم من التملك والإنتاج تُفضي للتفاضل بين الناس دون حق، ما يؤدي إلى الظلم بسبب استعباد الناس بعضهم لبعض. فالديمقراطية مثلاً منظومة سياسية مدعومة بهيكلية اقتصادية برغم ادعائها نظرياً للعدل سياسياً بين الناس، إلا أنها استعبادية متى ما طبقت على أرض الواقع من خلال الدساتير والأنظمة والقوانين بسبب قصور عقول موجديها. حتى وإن تمكنت الديمقراطية من المساواة بين الناخبين فلن تستطيع الاستجابة لمتطلبات الأجيال القادمة لأنه لا وجود لهم ليصوتوا، والمحصلة هي التلوث، ذلك أن كل جيل وبالديمقراطية سيستأثر بالموارد لنفسه ويستنهكها ومن ثم يسلم الكرة الأرضية لمن بعده من أجيال بوضع أسوأ. وما يحاول هذا الكتاب تبيانه هو قصور العقل البشري، ومن مؤشرات هذا القصور تفاوت العقل بين الناس فتفاوتت الحقوق واختلفت من شعب لآخر ومن جيل لآخر. وهدف الكتاب هو تقصي البديل لإنقاذ الناس من هذا الفساد القادم لا محالة إن استمرت البشرية في الحكم بالعقل، أي تقصي البديل الذي سيحرر الناس للمزيد من العطاء. لذا فإن الكتاب يراهن على أنه إن طبقت الشريعة فإن الأمة المسلمة ستصبح الأثرى والأسعد لدرجة أن بعض سكان الشعوب الأخرى سيهاجرون إليها لكثرة خيراتها ولاستتباب الأمن وطيب العيش فيها. أي أن الكتاب سيوضح بإذن الله المنظومة، أو بالأصح «المقصوصة» الحقوقية التي ستسحب البشر للحياة الطيبة دون إفساد.
حقوق النشر
يرجى ممن قرأ الكتاب ووجد خطأ أو عبارة أو فقرة مبهمة الاتصال بالمؤلف مشكوراً لتنبيهه وذلك على أحد العنوانين الآتيين:
jamelakbar@alum.mit.edu
jamelakbar@gmail.com
لا حقوق مالية للمؤلف، ولا حقوق نشر لهذا الكتاب الكترونياً. أما ورقياً، فإن لكل من أراد الطباعة الحق في ذلك بعد الاتفاق مع المؤلف على المواصفات في حال حياته، ثم بعدها فلكل من أراد الطباعة الحق في ذلك دونما الموافقة من أي فرد على أن تكون الطباعة بجودة عالية.


( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ)
العقل وحتمية الفساد
.«...
جاء في تفسير الطبري للآية ٥٧ من سورة الأنعام: «وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة والبصرة: (إن الحكم إلا لله يقضي ،الحق)، بالضاد، من القضاء، بمعنى الحكم والفصل بالقضاء، واعتبروا صحة ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾ ، وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص، .» والدارج هو يَقُصُّ بالصاد، بقراءة ابن عباس ونافع وعاصم وابن كثير ومجاهد وأهل الحجاز، أي: إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ، وهذا قد يعني (بالإضافة لرواية القصص) توزيع الحقوق بقصها (من قصّ، والأداة هي المقص). أي وكأن الحق ،رقعة كما يجادل هذا الكتاب، ولن يتمكن من قصها وتوزيعها بإتقان بين البشر إلا الله سبحانه وتعالى لأنه هو الحق عالم الغيب والشهادة السميع البصير الحكيم العليم، ودون زيادة أو نقصان لتلافي استعباد الناس بعضهم لبعض لإيجاد التفاعل المنتج بينهم للوصول لأطيب حياة لمجتمع متمكن وقوي وعزيز وباستدامة ودون تلويث. وهذا لا يكون إلا بإعجاز فكري يفوق عقول البشر في قص الحقوق
للفصل بين أفراد المجتمع لتمكينهم. وهذا ما فعلته الشريعة.
O
3


رسالة الكتاب
يتكون كتاب «قص الحق» من ١٨ أو ۱۹ فصلاً. وقد انتهيت بحمد الله من كتابة ١٢ فصلاً. ونظراً لما تمر به الأمة من مبادرات للتحرر، رأيت أن أسهم بنشر ما أنجز والذي يوضح بإذن الله دفع الشريعة للتحرر السياسي والاقتصادي وإلى كسر الحدود وتوحيد الأمة وإلى إنقاذ الأرض من التلوث القادم لا محالة للمسلمين ولغير المسلمين، إذ أن البشرية في ضياع مفض للمزيد من الفساد والتلوث وبالذات بعد انتشار الديمقراطية. ومهما حاول البشر الخروج من هذا الفساد فلن يفلحوا مهما أبدعوا في وضع نظريات مجتمعية، ومهما ارتقت نزاهتهم في تطبيقها لأن محاولاتهم نابعة من عقولهم القاصرة التي لا تعلم الغيب. ذلك أن الاستخلاف في الأرض باستدامة لآلاف السنين دون إفساد بحاجة لمنظومات حقوقية تفوق عقول البشر في إيجادها. وإن أوجدوها فهم وكأنهم آلهة والعياذ بالله. وهذا استحالة. فهو الله الحق السميع البصير عالم الغيب والشهادة الذي يستطيع إيجاد منظومات حقوقية، أو بالأصح كما يحاول هذا الكتاب تبيانه إيجاد «مقصوصة حقوق لن تؤدي إلى تلويث الأرض سواء أكان الناس مسلمين أو لم يكونوا. فموارد الأرض أكثر من أن تنضب إن حكم الناس بما شرع الله. ومقصوصة الحقوق ستؤدي بإذن الله لغزارة في الإنتاج وبطريقة مستدامة وبالتالي رفاهية في الحياة للمسلمين ولغير المسلمين. فهم، أي غير المسلمين، قد يستبيحون الزنى في طرقاتهم، وهذا إفساد لنا كمسلمين، إلا أن الكرة الأرضية لن تتلوث. فهم برغم اختلاف قيمهم عنا، إن حكموا بالشريعة في علاقاتهم الحقوقية فلن يلوثوا الأرض نسبياً برغم انحلالهم الخلقي بالنسبة لنا. لكن البشر وضعوا الحقوق باستخدام عقولهم القاصرة من خلال استحداث أنظمة اقتصادية كالاشتراكية والرأسمالية وأنظمة سياسية كالديمقراطية، والتي لا يمكن أن تُطبق إلا بالدساتير، وهذه متى ما طبقت أوجدت منظومات حقوقية تفتح أبواب التمكين للبعض وتمنعه عن آخرين، كمنع الناس من الحصول على المعادن إلا بموافقات حكومية، ومنعهم من الحصول على القروض إلا بضمانات بنكية. ولأن الحكومات والمؤسسات أفراد، ولأن الأفراد أهواء، فإن البعض سيستأثرون بالخيرات لهذا ظهر التسلط الذي مكن أناسا على آخرين فكانت الطبقيات المبنية على التسلط ،والمال وكان الإسراف في الاستهلاك لمن هم أثرى، فظهر الهدر في الموارد، وكان التقييد والإقصاء والتسخير والفتات للمستضعفين. وبهذا خرجت المجتمعات من عظمة حكمة الله وأحكامه والتي تفتح أبواب التمكين للجميع حتى يزداد الإبداع والإنتاج دون ظلم أو تلويث إلى حبس نفسها داخل عقول البشر الضيقة التي تُطلق أهواء المقربين والمتنفذين كما في دول ما يسمى بالعالم الثالث، وتطلقه للمتمكنين مالياً وسياسياً كما في دول العالم الأول. وبهذا سقطت أمم العالم الثالث في حفرة وحلها الفقر والجهل والتخلف، وهوت أمم العالم الأول في جُرف تلويث الأرض. هذا ما يحاول كتاب قص الحق» تبيان الخروج منه بإذن الله. أي لفت الأنظار لأهمية حقوق التمكين والتعاملات في الشريعة والتي نزلت مكتملة إلا أنها لم تطبق إلا فيما ندر لأن الأمة المسلمة خرجت عن مقصوصة الحقوق منذ عصورها الأولى وبطريقة لم يلتفت لخطورتها كثير من الفقهاء وذلك بسبب تراكمات الاجتهادات بدعوى مسايرة العصر. أي وكأننا نعيش الآن بسبب اجتهاد العقل القاصر في الحقوق إسلاماً غير الذي تؤدي إليه الشريعة كما حدث مثلاً باللجوء إلى مقاصد الشريعة على حساب النص، فكان الظلم والتخلف والفساد. وأخيراً، فإني أدرك أن من الفقهاء والباحثين من سيرفضون، بل وحتى سيحاربون الكتاب لأنه قد لا يوافق مفهومهم، لهذا فإني دائم الدعاء بأني إن وُفقت في تقصي الحق أن يصمد الكتاب ليستقر وليصل للأجيال
القادمة ليأتي التغيير لتظهر الخلافة على منهاج النبوة بإذن الله، وإلا فهو إلى زوال ككل غثاء. وبالله التوفيق.


٤
الفصل
الصفحة

المقدمة

القذف بالحق
إنه هو السميع البصير
قصور العقل
حداثة أم فساد؟
اجتهاد أم منزلق؟
الخيرات
إحياء الإحياء: المفاتيح
الأراضي
ملكية بيت المال
الأموال
التحرر

۱۳

۲۱
٤٥
١٤٩
٢٠٣

۲۳۷

تعریف قص الحق، لمن الكتاب.
المحتويات
حتمية العلم (۲۲)، إنه هو السميع البصير (٢٥) له غيب السموات والأرض (٢٦)، مقصوصة الحقوق وقصور العقل (۲۷) سورة سبإ (۳۲)، التأويل الآخر (٣٥)، المبدئ المعيد (٣٦)، وللتلخيص (٤٢).
التعلي كمثال (٤٦)، الشيخ الشنقيطي يرحمه الله (٥١) ، الطاغوت (٥٢)، اتخاذ الأرباب (٥٤)، الحداثة: عقلانية أم أهواء (٥٦) المادية (٥٨)، مايكل فوكو (٦٠)، المثال الأول: الأهواء (٦٢)، الثورة على الحداثة (٦٦)، المثال الثاني: المستقبليات (٦٨)، العقل أم التمكين (۷۷)، أسباب التخلف (۷۸) مرض الإيدز (٨٦) ، طبيعة القرار (۸۷)، العقل في القرآن الكريم (۹۱)، تفاوت العقل (۹۷) ، الحق (۱۰۰)، العقل في الـسـنـة (١٠٥)، الأحاديث الصحيحة (۱۰۹) ، المعتزلة المعاصرون (۱۱۱)، أصول الفقه (١١٤)، مقص مهم: لا ضرر ولا ضرار (۱۱٦) ، القواعد والمبادئ (۱۱۸)، تقييد الحق (۱۲۲)، الاستحسان
أم القياس (۱۲۸)، غرور العقل: نزع الملكية كمثال (١٣١)، الاجتهاد (١٤٦).
المقص الأهم : الإحياء (١٥٣) ، مقص الإقطاع (١٥٧) ، مقص الاحتجار (١٥٩)، المبادرة (١٦٠)، شحذ الهمم (١٦٣) ، إحياء الإحياء (١٦٦)، الفتات (١٧٠)، قص الثروات (١٧٤)، المعادن الظاهرة (۱۷۸) ، إحياء المعادن (۱۸۰) ، مبادئ التمكين من الخيرات (۱۸۲)، التحرر والاستعباد (۱۸۷)، مقاعد الأسواق (۱۸۹)، الحركيات أم القيم (١٩٥).
المنة، الموارد (٢٠٥)، الغنائم (۲۰۸) ، سواد العراق (۲۰۹)، بعد واهتمام المالك (۲۱۲)، استيفاء الخراج العمالة والتضمين (۲۱٤) خراج المساحة وخراج المقاسمة (٢١٦)، القسمة أم الوقف (۲۱۹).
العهد النبوي (۲۳۸)، أمواله صلى الله عليه وسلم (۲۳۹)، مصادر بيت المال (٢٤٢)، الزكاة (٢٤٣)، في المال حق سوى الزكاة (٢٤٦) ، العفو (٢٥٠) ، بئر رومة (٢٥٤)، الاقتصاديون المعاصرون (٢٥٦)، التدافع (٢٥٩) ، الزروع والثمار والتوقيتين (٢٦١)، الأوزان أم الأحجام (٢٦٢)، الصاع (٢٦٤) ، الحكمة من الخرص (٢٦٧)، ضم الثمار والنصاب
V


🗏
(۲۷۱)، المعرفة (٢٧٤) ، ما تجب فيه الزكاة والتمكين (٢٧٥) ، الاقتيات والادخار (۲۷۸)، مقدار الزكاة (۲۸۰)، العشر ونصفه (۲۸۱)، التكريم (٢٨٤)، من حكم الزكاة: الأنعام (۲۸۹)، الاحتكار (٢٩٤) ، عروض التجارة (۲۹۸) ، الأموال الظاهرة والباطنة (٣٠٥)، من
يفرق الزكاة (٣١٨).
التشابك (٣٣٠)، بيت المال (۳۳۳) ، أولاً : الغنائم (٣٣٥)، القوة الحقة (٣٤٨)، المجموعة الأولى (٣٥١)، المجموعة الثانية (٣٥٦)، يوسف عليه السلام (٣٥٨)، ثانياً: حركة المال (٣٦٣)، الديوان (٣٦٤) ، أولاً : الفيء (۳۷۳)، الجزية (٣٧٤)، أموال غير المسلمين (٣٨١)، اجتماع العشر والخراج: استحسان أم قياس (۳۸۷)، مصارف الفيء وخمس الغنائم (٣٩٦)، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم (٤١٢)، قسمة الفيء (٤١٨)، ثانياً: الركاز (٤٢٩)، المعادن (٤٣٣)، ربع العشر : المسألة الأولى (٤٤١)، تحديد المعادن: المسألة الثانية
.(٤٤٩)
الفتوى (٤٥٥)، الالتباس الأول : المستجدات (٤٥٧)، الالتباس الثاني: مقصوصة الحقوق (٤٦٢) ، المكوس: تسمية الأسماء (٤٦٩) ، إهدار دم العاشر (٤٨١)، الفخ: عبد الرحمن بن عوف (٤٩٠)، الإيجابيات الإشكالية (٤٩٤) ، اتباع السلف أم التقليد (٤٩٨)، تسمية الأسماء: الديوان (٥٠٧)، العمل العسكري: عبادة أم وظيفة (٥٠٩)، المسلك الأول: الأحاديث (٥١٩) ، المسلك الثاني : التقليد (٥٣١) ، تسليع العمل العسكري (٥٤٠)، النية: الإخلاص في العبادة (٥٤١) ، هل هناك تناقض ؟ (٥٥٦) ، التحريض (٥٥٨)، مثال مؤلم (٥٧٠)، النفل (٥٧٦)، السلب (٦٠٥) ، هل القسمة في الموقع؟ (٦١١)، مكانة الغنائم (٦١٩) ، الإيجار والجعالة (٦٢٥) ، مراتب التجهيز الحربي (٦٤٤)، التسليع: الماحوز والطوى (٦٤٦) ، استحداثات فقهية (٦٥٧) ، البيروقراطية (٦٦٤)، الاشتراكية (٦٧٢)، الأمويون (٦۸۲) ، عمر بن عبد العزيز (٦٨٦) ، أحمد بن حنبل (٦٩١)، العثمانيون (٦٩٣)،
وأخيراً (٧٠٥).
الخطاب القرآني والمجتمعات (٧١٦) ، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل (۷۲۳)، العزة والفساد : القيم والنظم والمعرفة (۷۳۰)، القذف بالغيب (٧٣٦)، الرأسمالية (۷۳۸) ، الميزان الأول : الثقة (۷۳۹)، الثورة الصناعية (٧٤٢)، البيروقراطية والتشابك المقيت (٧٤٤) ، وزارة الزير والأهرام (٧٤٧)، الشركات (٧٥٤)، الاستعباد والهدر ،(٧٥٦) ، مصادر الهدر (٧٦٢) ، الضروريات والحاجيات والكماليات (٧٧٦)، المقارنة (۷۸۳)، حتمية مصدر الفساد (۷۹۰)، سوء المنقلب (٧٩٦)، خصائص الرأسمالية (۷۹۸)، الميزان الثاني: الكفاءة والعدالة (۸۰۱) ، الاحتكار (٨٠٦)، الحيرة

۳۲۹

٤٥٣

۷۱۱

دولة الناس تحرر أم بيت مال؟
الديوان ضرورة أم سرقات؟
القذف بالغيب
شركات أم استعباد وهدر
وأمراض؟
Λ
V


المحتويات

۹

۱۰
المكوس
اجتهاد أم قذف بالغيب؟
ابن السبيل
انتشار أم ازدحام؟
١١ الشركة
كفاءة أم تواكل؟
تذليل أم تسخير؟

٨٥٣

۱۰۳۵

(۸۰۸)، الاشتراكية (۸۱۱)، النظرة الكينزية (۸۱٥) ، الإسلام ورفض الكينزية (۸۱۸)، دولة الرفاهية (۸۱۹)، الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (۸۲۳) ، الهدر (٨٢٤)، شركة إنرون (٨٢٦)، القـواعـد الغريزية (۸۲۹) ، مصالح الأهرام (۸۳۲)، الرقي والسعادة (۸۳۳)، التعاسة والقناعة (۸۳٥) ، طاقة الذات واحترام الذات (٨٣۹)، تحقيق الذات (٨٤٢)، الهموم (٨٤٥)، الأمراض (٨٥٠).
الأصول المنتجة (٨٥٦)، الإمامية (٨٥٦)، العلمانيون (٨٦٢) ، الفخ العملي المحبوك (٨٦٦)، الزلات (۸۷۱)، النقطة الأهم : الطائفة الحق (۸۷۸) ، البيان الساحر (۸۸۱)، اليجبات (۸۸۳)، العقل والوسطية (۸۸۸) ، الدولة ،(۸۹۲)، تدخل الدولة (۸۹۸)، الاقتصاد الإسلامي (۹۰۷) ، التقديس والتقليد (٩١٦) ، الضرائب: الفقهاء (٩٢٦)، الهوى المتبع (۹۳۰) ، الجويني: إمام الحرمين (٩٣٦) ، الضرائب المعاصرون (٩٥٢)، التكافل الاجتماعي (٩٥٥) ، الخراج (٩٥٦)، الزكاة (٩٥٧) ، المعاصرون وأسلمة الكفر (٩٦٠)، عرى الإسلام (٩٦٣)، يوسف القرضاوي (٩٦٤) ، القرضاوي والجزية (۹۸۸)، القرضاوي والأثمان (۹۸۹)، معاول الهدم المستغلات كمثال (٩٩٥) ، السياسة الشرعية (١٠٠٤)،
سلطنة السياسة الشرعية (۱۰۱۳)، عبد الوهاب خلاف (۱۰۱۹)، المعادن (۱۰۳۱).
المجاعة كمثال (١٠٤٠)، الندرة النسبية (١٠٥٦)، نظرية مالثاس (۱۰۹۲)، انتشار أم ازدحام (۱۱۰۲)، ابن السبيل (۱۱۰۸) ، تحريك الأمة (١١٢٣)، وترد على فقرائهم (۱۱۲۷)، جذب العاطلين (۱۱۳۱)، الأقرب فالأقرب (١١٤٠)، الهجرة (١١٤٤)، الحدود:
قطع السبيل (١١٦٩).
۱۱۷۹ التوضيح الثاني : العقلانية (القمة والتحدي) (۱۱۸۷) ، التوضيح الثالث: الفوقية (۱۱۹۱)،
التوضيح الرابع: التموجات المتلاطمة (۱۱۹۷)، التوضيح الخامس: مفهوم الشركة (۱۱۹۸)، التوضيح السادس والأهم التسخير أم التذليل (۱۲۰۱)، التوضيح السابع:
التاريخي والمقدس (۱۲۱۸)، التوضيح الثامن: القيم: رفع مكانة العمل (۱۲۱۹)، التوضيح التاسع: الأجراء (۱۲۲۱)، التوضيح العاشر: الغرائز الإنسانية (١٢٢١)، التشغيل (١٢٢٥)، الحركيات: الكفاءة أم العدالة؟ (۱۲۲۷) ، الكفاءة: تراكم العمل (١٢٣٠)، التكريم (۱۲۳۲)، الشركة (۱۲۳٥) ، شركة الأبدان (١٢٤٤) ، شركة الوجوه (١٢٥٨)، شركة المضاربة (١٢٦٤)، شركة العنان (١٢٦٩) شركة المفاوضة (١٢٧٤) ، تذكير (۱۲۸۰)، الشأن الأهم الأمانة والأحجام والكفاءة والعدالة (۱۲۸۲)، الأمانة (١٢٩٠)، حدود التصرف (۱۲۹۱)، المبادئ المهمة (١٢٩٦) ، أمثلة (١٣٠٦) ، الميزان: الإجارة والشراكة (۱۳۱۲)، عود للأمثلة (١٣١٥)، المذهب الحنبلي (۱۳۲۰)، الربح والخسارة (الوضيعة) (١٣٢٤)،
مهم


۱۰

۱۲

۱۳
🗏
الفصل والوصل
نقاط عدل أم مستويات
الضمان (۱۳۳۷)، الفسخ ندرة الأرض والزكاة (١٣٤٦) ، زكاة الشركاء: المال المستفاد (١٣٥٦)، النهد (۱۳۷۰)، وأخيراً (۱۳۷۲).
۱۳۸۱ التوضيح الأول : هدف هذا الفصل (١٣٨٤) ، التوضيح الثاني: العدل (١٣٨٤)، التوضيح الثالث: نقاط عدل أم مستويات ظلم؟ (۱۳۹۲)، التوضيح الرابع : تحريك الأموال: ظلم
ظلم؟ خطط إنتاجية أم كتل أكبر (١٣٩٦)، التوضيح الخامس: الاستبداد والتبديد (١٣٩٨)، الكماشة (١٤٠٣)،
اقتصادية؟
خديعة الثقة (١٤٠٤) ، مصيبتين الكساد والتضخم وآفتين: تركز القوة وتسليع المال
:
(١٤٠٦)، السندات والأسهم (١٤١٢) ، الأنبوب (١٤١٨) ، السوق المالي (١٤٢١)، التضخم ظلم (١٤٢٤) ، الربوا (١٤٢٩) ، وجه الشيطان البنك اختلاق الثروة (١٤٤١)، اقتراض ثم استهلاك ثم إنتاج ( ١٤٤٤ ) ، انهيار البنوك (١٤٤٨) ، مثال للانهيار : الرهن العقاري (١٤٥٠) ، البنك المركزي (١٤٥٤) ، انهيار الأسواق (١٤٥٩) ، فردريك هايك (١٤٦٣)، ملتون فردمان (١٤٦٨) ، لماذا نرفضهم ؟ (١٤٧٠) ، العولمة (١٤٧٤)، لا إكراه في الدين (١٤٧٥)، العولمة : الجدل (١٤٧٨) ، لا اختيار في تطبيق مقصوصة الحقوق (١٤٧٩)، العولمة الظالمة (١٤٨١) ، الزمان والمكان (١٤٨٨) ، نقل الحقوق (١٤٩٠)، ديفيد هارفي (١٤٩٦)، اقتصاد العولمة (١٥٠٢) ، لصوص العولمة ،(١٥٠٩) ، رفض العولمة (١٥١٢)، سلبيات العولمة (١٥١٣)، وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين (١٥٢٣) ، العملات (١٥٢٤)، الخطة وسعة الثقة (١٥٢٩)، التوثيق المتبادل (١٥٣٢)، متعة الإنتاج التحررات الخمسة (١٥٣٣)، التحرر المالي (١٥٣٩)، اليورو (١٥٤٦) ، الخصائص الأربع للعولمة العادلة (١٥٤٨)، خطط إنتاجية أم كتل اقتصادية (١٥٥٠)، ميلاد العملة (١٥٥٨) ، المشقة وربوا الفضل (١٥٦٠)، السيولة والمقومات (١٥٨١)، التنمية : ترقيع أم استعباد ؟ (١٥٨٦)، الحيرة (١٦٠٤)، الزكاة (١٦٠٩)، الإنفاق بين الزهد والإسراف (١٦٢٧) ، أسلمة الظلم: الفلوس والأوراق النقدية (١٦٥١)، (لا تبع ما ليس عندك والجودة (١٦٦٦)، بيع الشقص وهبته (١٦٧٦)، الشفعة في الشقص (١٦٨١) ، البيع والتراضي والتصنيع والجودة (١٦٩٠)، أخيراً: التوسع الأفقي أم التدرج الرأسي ؟ (١٧٢٤) ، النص أم العقل مرة أخرى (١٧٣٢).
الحكم عالم أم أمير؟
١٤ الموافقات
موافقة أم ترخيص


المحتويات
١٥
17

۱۷

۱۸
الأماكن
إخطاط أم تخطيط ؟
المعرفة
مشاع أم حكر ؟
تقليد أم إبداع؟
البركة
رغد أم شح؟
المدينة
المنورة أم الفاضلة؟
الحاشية
المراجع


🗏

۱۲


ا

لمقدمة

ما هو القص؟
لماذا هذا الكتاب؟ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله لأن «القيم» التي تفرضها الشريعة تمنع المسلمين من الزنى والسكر مثلاً، كان النفور من الإسلام والذي انسحب على الحركيات التي توجد المجتمعات. بهذا خسر البشر كنزاً من الحركيات (و «الحركيات» هي الآليات التي وضعتها الشريعة، وقد سميتها بهذا الاسم تمييزاً لها عما اخترعه البشر أنظمة وقوانين). أي أن لدينا قيم وحركيات فنفور الناس من القيم انسحب على الحركيات. وما أحاول إثباته استحالة إيجاد آليات ترتقي لما توجده الشريعة من حركيات تضمن للناس الحرية في الإنتاج كالوصول للموارد،
من
هو
وتطلق أياديهم لتسخير خيرات الأرض ليعيش الجميع (المسلم وغيره) في رغد وإبداع ودون تلويث أو فوضى. كما رأينا في تخصصات عدة، فإن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لا ينتهي، بل هو متجدد لكل عصر. لهذا، ولأن العقول في تغير مستمر بالتراكم المعرفي، فلابد وأن يتجدد الخطاب القرآني، إلا أن هذا لا يعني تغير أو تبدل الأحكام بتغير الزمان والمكان. فالإسلام دين كما يصر هذا الكتاب في طرحه، ثابت في أحكامه متى ما كان وأينما كان، وأن سبب وهن المسلمين هو في عدم العمل به بسبب تمادي بعض الفقهاء في اجتهادات أخرجت الأمة من دينها لتلبس زياً يظهرها إسلامية إلا أنها في جوهرها تحكم بغير ما أنزل الله. والموقف الذي يتبناه هذا الكتاب بالطبع لا ينافي التجديد في فهم القرآن الكريم . ففهم آيات تكوّن الجنين مثلاً في عصرنا الحاضر يختلف عما فهمه السلف تطور علم الأجنة، إلا أن الدين ثابت. وهنا في هذا الكتاب أسير على نفس المنهج. يَقُصُّ التي وردت في الآية ٥٧ من سورة الأنعام فهمت على أنه سبحانه وتعالى يسرد القصص للاعتبار. إلا أنها كما أحاول أن أثبت تحتمل معنى آخر. قال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾ . لننظر أولاً إلى تفسير الطبري إذ يقول رحمه الله :
بسبب
واختلفت القرأة في قراءة قوله : يَقُصُ الْحَقَّ ، فقرأ عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ بالصاد ، بمعنى (القصص) وتأولوا في ذلك قول الله تعالى ذكره: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، وذكر ذلك عن ابن عباس ... وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة والبصرة: (إن الحكمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقضِي الحَقِّ)، بالضاد، من (القضاء)، بمعنى الحكم والفصل بالقضاء، واعتبروا صحة ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾ ، وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص، ...» . .
فكلمة

۱۳


١٤ 🗏
ويقول القرطبي في تفسير نفس الآية: «أي ما الحكم إلا الله في تأخير العذاب وتعجيله. وقيل: الحكم
الفاصل بين الحق والباطل الله». وفي تفسير قوله تعالى ﴿يَقُضُ الْحَقِّ يقول القرطبي رحمه الله : «أي يقص القصص الحق؛ وبه استدل من منع المجاز في القرآن وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم ومجاهد والأعرج وابن عباس. قال ابن عباس قال الله عز وجل: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ . والباقون (يقض الحق) بالضاد المعجمة، وكذلك قرأ علي رضي الله عنه وأبو عبد الرحمن والسلمي وسعيد بن المسيب، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء، ولا ينبغي الوقف عليه، وهو من القضاء؛ ودل على ذلك أن بعده ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾ ، والفصل لا يكون إلا قضاء دون قصص، ويقوي ذلك قوله قبله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ويقوي ذلك أيضاً قراءة ابن مسعود (إن الحكم إلا لله يقضي بالحق) فدخول الباء يؤكد معنى القضاء. قال النحاس: هذا لا يلزم؛ لأن معنى (يقضي) يأتي ويصنع، فالمعنى: يأتي الحق؛ ويجوز أن يكون المعنى يقضي القضاء الحق. قال مكي: وقراءة الصاد أحب إلي؛ لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود. قال النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم؛ لأن مثل هذه الباء تحذف كثيراً»."
وفي هذا الكتاب سآخذ بما ذهب إليه الجمهور وهو الأصح والله أعلم، وهـو ﴿يَقُصُّ برواية حفص لقراءة عاصم، وهو الدارج. إلا أن الذي يطرحه هذا الكتاب هو أن المقصود بـ يَقُصُّ ليس فقط القصص، ولكن أيضاً «القص» من «قَصَّ»، والأداة هي المقص. إذ وكأن الحق رقعة لن يتمكن من قصها وتوزيعها بإتقان بين البشر إلا الله سبحانه وتعالى ودون زيادة أو نقصان لتلافي استعباد الناس بعضهم لبعض لإيجاد التفاعل المنتج بينهم للوصول لأفضل مجتمع متمكن وقوي وعزيز. ولعل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ) طمأنة لهذا التوجه، إذ أن الفصل أفضل ما يكون بين الناس، وقمة الفصل هي في حقوقهم وهذا لا يكون إلا بإعجاز فكري يفوق عقول البشر في قص الحقوق للفصل بين أفراد المجتمع لتمكينهم. وهذا ما فعلته الشريعة.
بالإمكان توضيح طرح هذا الكتاب في المثال الآتي: إن وجد ميزان دقيق ووضعنا في كفتيه ثقلاً وزن كل منهما طناً واحداً ثم أضفنا إلى إحدى الكفتين جزءاً من جرام لكي يصبح الفرق بين الكفتين أقل من جزء من المليون، فهل ستميل الكفة الأثقل بهذا الفارق الضئيل؟ بالطبع ستميل، بل ولأن الكفة الأثقل قد رجحت فسيزداد سقوطها سرعة كلما كان الميزان أكثر دقة، وكلما كان ذراعاها أكثر ارتفاعاً وطولاً. هكذا يطيش ما على الكفة الأخرى. هذا الفارق الذي لا يكاد أن يذكر بين المكيالين رفع كفة ووضع أخرى. فهل في الأحمال ما هو أثقل من الحقوق على الناس؟ وهل في الموازين ما هو أشد حساسة من النفوس البشرية؟ فإن أخطأت في حق آخر بكلمة لا تقصدها سترى التغير في وجهه. فما بالك بأخذ شيء من حقه ؟ إن كلمة يَقُصُّ في الآية تعبير يدل على أن الحق ء قد قصه سبحانه وتعالى بعلمه وحكمته إلى قطع متباينة ثم وزع السميع البصير العليم الحكيم هذه القطع (أي الحقوق) بين خلقه ليتم الفصل بينهم لتلافي الخلاف لينطلقوا لإيجاد أفضل تفاعل ممكن بينهم للوصول لأسعد وأقوى وأعز مجتمع منتج ممكن سواء كان أفراده مسلمين أو لم يكونوا، فالحكم له أولاً وأخيراً. ثم أتى البشر وقصوا الحقوق باستخدام عقولهم القاصرة من خلال أنظمتهم الوضعية كالرأسمالية، فثقلت مكاييل وطاشت أخرى واستعبد الناس بعضهم بعضاً، هكذا قيدت المجتمعات نفسها سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة داخل الأنظمة والقوانين لتحبس نفسها في سجن التخلف والفقر والجهل والمرض والضعف والمذلة في دول ما. بالعالم الثالث،
شيء
يسمى


المقدمة
وتغلق الأبواب على نفسها داخل زنزانة الفساد والتلوث والكآبة في مجتمعات ما يسمى بالعالم الأول. هكذا تزداد المجتمعات سقوطاً كلما حاولت الخروج بغير الاستعانة بحكم الله في عمارة الأرض. وهذا الكتاب يوضح أن محور التخلف في العالم الإسلامي والخروج منه لا يكون إلا بإعادة منظومة الحقوق، أو بالأصح: «مقصوصة الحقوق» التي قصها سبحانه وتعالى لخلقه. وفي المقابل، فإن العالم المتقدم سيخرج من زنزانة التلوث والكآبة إن هو حكم بمقصوصة الحقوق حتى وإن لم يكن مسلماً. فالإسلام ليس شرطاً لتطبيق مقصوصة الحقوق برغم أنه يوجد بيئة مجتمعية أفضل للمسلمين كما سيأتي بإذن الله . ولقد استخدمت لفظ «مقصوصة الحقوق» لتمييزها عن الأنظمة الحقوقية الأخرى. فمقصوصة الحقوق هي إذاً مجموعة الأنساق الحقوقية التي أوجدتها الشريعة.
لقد تبلور فكري في المرحلة الجامعية على نظريات عمرانية غربية، ثم أكملت دراستي العليا في العالم الغربي ولكن بالتركيز على المدينة الإسلامية عمرانياً، فاقتربت بحمد الله من الشريعة، فبدأت ظهور أساسيات أفكار هذا الكتاب عام ١٤٠٠ للهجرة أثناء تحضيري لرسالة الدكتوراة في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) والذي انتهيت منه عام ١٤٠٤ هـ، ثم نشرت بتوفيق الله كتاباً باللغة الإنجليزية عن أسباب التخلف العمراني عام ١٤٠٨ هـ. ثم نشرت بحمد الله كتاب «عمارة الأرض في الإسلام» عام ١٤١٢ هـ. إلا أنني ترددت لسنوات عن كتابة هذا الكتاب لأني لست من متخصصي الشريعة برغم بحثي المتواصل وبرغم جمعي للمزيد من المعلومات التي كانت تشير إلى مفاصل التخلف. هكذا بزيادة البحث ازددت قناعة بضرورة الكتابة، فتوكلت على الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم وبدأت الكتابة في ذي الحجة لعام ١٤١٩ هـ وذلك للأسباب الآتية:
لقد أوجد العالم الغربي نموذجاً للحياة الإنتاجية رفعته فوق الشعوب، هكذا وضع المسلم في حيرة. فتأكد الكثير من الناس بأنه لا مفر لأي مجتمع من تبني النموذج الغربي بمؤسساته الديمقراطية والتعليمية ونحوهما. وبهذا كان السؤال: كيف يمكن التحايل على المجتمعات ومنها المسلمة، وسحبها للحداثة؟ لذلك رفع بعض المسلمين رايات الاستسلام وبدؤا بالمناداة بإعادة النظر في الشريعة بمحاولة اختراق الفقه الإسلامي وإيجاد فهم معاصر بشتى أنواع الاجتهادات لدفع الإسلام للتكيف مع معطيات حياتنا المعاصرة. بل وهناك كتابات ترفض السنة وتصر على إعادة النظر في فهم نصوص القرآن بالتمييز مثلاً بين ما هو قرآن وفرقان، وبين ما هو رسالة ونبوة، وذلك لإسقاط بعض الأحكام. وهكذا وضعت الشريعة في قفص الاتهام. ومتى ما قيل أن الإسلام لم يطبق، قالوا إذا هو دين غير قابل للتطبيق، وذلك لأن ما قدمه العالم الغربي من إنجازات قد أقنعت كل عاقل منصف (كما يقولون) بأن الإنسانية بتراكم معارفها على مر العصور وفي جغرافياتها المختلفة قد وصلت إلى ما وصل إليه العالم من حضارة بتبني مبادئ الغرب العلمانية. لذلك، فهذا الإنجاز ليس ملكاً للغرب وحده، بل للعالم أجمع. أي أن هناك نفقاً يؤدي لوادي الحضارة حفره العالم الغربي. ولابد لكل من أراد التحضر من الولوج في هذا النفق اختصاراً للطريق. ومن محطات هذا النفق الديمقراطية والتعددية الحزبية وتداول السلطة وضرورة المؤسسات المالية والبطاقات الائتمانية والشهادات الدراسية ونحوها. وهكذا تمت المناداة بإعادة النظر في حقوق الإنسان وفي تبني البرلمانات والدساتير، وفي ضرورة إيجاد المؤسسات المدنية، وما شابه من نداءات تجعل الكثير من المسلمين في حيرة من أمرهم.
إن كان الإسلام ديناً صالحاً لكل زمان ومكان، وإن كان هذا هو الدين الحق من الله علام الغيوب، وإذا كانت الديمقراطية هي النظام السياسي الأمثل، فلماذا لم يأت الإسلام بالديمقراطية وترك بلورتها لغير المسلمين،


17 🗏
لاسيما أن الديمقراطية مسألة عرفها اليونان قبل الإسلام، وأنها ليست عملية تراكمية كالاختراعات، ولكنها من أسس الحقوق؟ والسبب، كما سنوضح بإذن الله، هو أن الديمقراطية ضرورة متى تشابكت متطلبات الحياة وتداخلت، كما هو الحال في العالم الغربي فالديمقراطية ضرورة لمجتمعات قبلت النموذج الغربي الاقتصادي السياسي، وهو مجتمع مبني على تداخل الحقوق بحيث يصعب الفصل بين الأفراد إلا بالقانون، وحتى لا تقع مهمة استحداث القانون وبلورته وتنفيذه في يد حزب واحد كان لابد من إيجاد طريقة لتداول السلطة، وكان لابد من إيجاد طريقة للتمثيل يتمكن فيها من لا يحكم من المشاركة في الحكم. أي أن أساس المشكل هو التداخل في شؤون الحياة وبالتالي في الحقوق، ولا يمكن للنموذج الغربي الفصل بين الناس إلا بالديمقراطية. وهنا إعجاز فكري في الشريعة التي أوجدت مجتمعاً لا تتداخل فيه الحقوق ولا تتشابك فيه المصالح، بل تتداعم وتؤازر بعضها بعضاً برغم أنها في وضع منفصل،لتؤدي إلى مجتمع غزير الإنتاج كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ).
لهذا، ففي هذا الكتاب طرح يقول بأن الوضع الطبيعي للحياة الأمثل للبشـر هـو العيـش مـن غير الديمقراطية، إلا أن هذا لا يعني الدكتاتورية، ولكن يعني نوعاً آخر من الحياة. فمعظم المفكرين على قناعة أن غياب الديمقراطية لابد وأن يؤدي إلى الدكتاتورية. وفي هذا الكتاب ألومهم على ذلك لأنهم انجرفوا وراء عقولهم ولم يعوا ما يمكن أن يقدمه الإسلام. أي أن الفكر الغربي ومن تبعه من مجتمعات بحاجة للديمقراطية لتلافي التسلط الذي لا مناص منه في خضم المعاصرة الضالة، أما الإسلام فسيوجد مجتمعاً لا تتشابك فيه المصالح ومن ثم لا
تتداخل فيه الحقوق، فلا يظهر فيه التسلط ، وبهذا تنتفي الحاجة للديمقراطية وتضمحل الحاجة للدولة المتسلطة. وهنا شبهة لابد من الرد عليها: إن الكثير يرى أن الإسلام دين قد أفلح سابقاً لبساطة الماضي وسهولة تركيبته الاقتصادية السياسية، فجميع المجتمعات البشرية آنذاك كانت بسيطة التركيب وبطيئة الحركة وقليلة الإنتاج، لذلك صلح الإسلام لها؛ أما الآن، وبتقدم المجتمعات وظهور مستجدات بين الأفراد من علاقات لم يأت الإسلام بتوضيحها فلابد من الأخذ من مجتمعات أخرى لحقن مجتمعاتنا بما قصر فيه الإسلام، وذلك بفتح باب الاجتهاد باستخدام العقول ومعاذ الله من هذا لأننا إن فعلنا فقد حكمنا بغير ما أنزل الله (كما سيأتي بيانه بإذن الله)، وفي هذا كفر وظلم وفسوق. قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ففَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾.
أي يجب علينا ألا نخلط بين السهولة والصعوبة في الحياة من جهة والسلاسة والتعقيد من جهة أخرى. فمن الفروقات الجذرية بين واقعنا المعاصر والحياة في الماضي صعوبة الحياة. فقد كانت حياة السلف صعبة جداً، فهم لم يملكوا البرادات التي نحفظ فيها الأغذية، بل كان عليهم الذهاب إلى السوق مرات ومرات للحصول على ضروريات الحياة، هذا إن لم يقوموا هم بمشقة إنتاجها، كإنتاج الرغيف في المنزل. أما الآن، فرحلة واحدة للسوق تكفي بحشو البرادات بقوت أسابيع. أما ترحالهم فقد كان بالبهائم التي تحتاج لربط حتى لا ينفلت الخيل هارباً، ويحتاج الحمار لأكل وماء حتى لا يموت جائعاً، ويحتاج الإسطبل لنظافة حتى لا يتلوث المنزل تعفناً، وهكذا. أما الآن، فإن العربة (السيارة لن ترفس ولن تنعق وبها اقترب السوق المليء بالمستهلكات. وقس على ذلك كل أمور الحياة. فحياتنا الآن أكثر سهولة من الماضي الصعب وبالذات لمن ملك المال.


المقدمة

۱۷

ومن جهة أخرى فقد اتسمت الحياة القديمة بسلاسة علاقاتها، فللفرد علاقات محددة مع أقاربه وجيرانه وعملائه في السوق ونحو ذلك من علاقات واضحة؛ وعلى النقيض من هذا، فحياتنا المعاصرة برغم سهولتها إلا أنها اتسمت بكثرة علاقاتها وتعقدها . فللإنسان علاقة مع وظيفته وبنكه ومؤسسات دولته، وهكذا من علاقات تزداد بزيادة نشاطه. وهنا الإشكالية، فالكل يعتقد أن لهذا التعقيد ضرورة لأننا نعيش في مجتمعات متقدمة علمياً وتقنياً وصناعياً، وأن هذا التقدم لن يتم إلا من خلال هذا التعقيد في العلاقات. فهل هذا صحيح؟ إن ما يحاول هذا الكتاب طرحه هو أن تطبيق الإسلام سيؤدي لمجتمع سلس العلاقات وغزير الإنتاج وسهل الحياة، وأن صعوبة الحياة في الماضي كان أمراً محتوماً لأن البشرية لم تكن بعد قد تقدمت معرفياً وتقنياً، فكانت الحياة سلسة في علاقتها، صعبة في طبيعتها، وغير غزيرة في إنتاجها. أما حياتنا المعاصرة فهي سهلة في طبيعتها ومعقدة في علاقاتها وكان بالإمكان أن تكون أغزر في إنتاجها إن طبقت الشريعة، وما يحتاجه البشر هو مجتمع سهل في حياته وسلس في علاقاته وغزير في إنتاجه، وهو ما يقدمه الإسلام إن طبق في ظل التقدم التقني المعاصر. فانتبه لهذه الشبهة، فقد جابهتُ هذا كثيراً. فعندما أتحدث عن الإسلام، كما هو الحال في كتاب «عمارة الأرض» يقفز معظم الحاضرين ناقدين أن الإسلام كان صالحاً لماض بسيط وليس الحاضر معقد وهذا ما سأحاول دحضه في هذا الكتاب.
ومن الأسباب التي دفعتني للكتابة الهجوم على كل من ينادي بالخضوع لقال الله عز وجل وقال رسوله الكريم أنه إنما يتبع الفترة المزدهرة التي مرت على المسلمين قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، إذ تمكن المسلمون آنذاك من التفاعل مع معطياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبناء دولة قوية. ونظراً لتغير هذه المعطيات فإن
اتباع النص لهو مذهب متسم باغتيال للعقل وإغفال أحمق للتاريخ المزدحم بالحقائق الزمانية والمكانية. إن المفكرين قطبان وبينهما أطياف قطب منهم يرى أن الإسلام دين لا يقبل التغيير في التشريع وبناء المجتمعات، لذلك وجب علينا الالتزام بالنص، وأنا منهم؛ وقطب يميز بين الأمور التعبدية والأمور المعاشية، وأن الأمور التعبدية هي التي لا تقبل التغيير، أما المعاشية فلأن أصلها الحل والإباحة فللفقهاء فيها حرية الاجتهاد للوصول لما هو أنفع للناس. ففي نظام الحكم مثلاً لا يرون بأساً من الاقتباس من أنظمة أخرى طالما أن المبادئ الأساسية تم احترامها كمبدأ الشورى والعدل والتزام المجتمع بالقانون المستمد من مصادر التشريع الإسلامية، وهكذا. ولعل ما قوى هذا المسلك وجهات نظر ترى أن بعض المرويات عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما وردت عنه بصفته إماماً، أي حاكماً سياسياً يرى رأيه في أمور الرعية، أي وكأن هذه المرويات صالحة لتلك الظروف وليست ملزمة لنا الآن. وفي هذا الكتاب طرح يرفض هذا المذهب. أي يرفض ما ذهب إليه القطب الثاني من المفكرين. ويصر طرح هذا الكتاب على أن أي تغيير في سنته صلوات ربي وسلامه عليه برغم تغير الزمان سيؤدي لضياع المجتمعات. بل إن الخير هو في تطبيق الإسلام بتفاصيله، وبالذات في مسائل الحقوق، وأن مقصوصة الحقوق التي وضعتها الشريعة صالحة لكل زمان ومكان. وأن كل شؤون الحياة، وبالذات المعاصرة منها تقع تحت مظلة مقصوصة الحقوق التي وضحها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم. لعلك تقول: «إن هذا مذهب متخلف، متشبث بماض سحيق لا يرى تعقيد الحاضر». فأجيب: «بل إن ضيق أفقنا بسبب انصهارنا في حاضرنا الذي ترعرع على مبادئ مجتمعات ضالة (غربية) من إنتاج عقول البشر هي التي أعمتنا عن رؤية الحقيقة». وقد تقول مستنكراً: «كيف هي مجتمعات ضالة وقد أنجزت ما أنجزت من طائرات وحاسبات وفضائيات». فأقول: إن طبق الإسلام


۱۸
🗏
لرأيت أكثر من هذا لأن الإبداع الإنساني لا حدود له، وأن ما لدى الغرب الآن لأضحى أكثر وأنقى إن هم أخذوا بالحقوق في الإسلام. بل إن مقصوصة الحقوق التي وضعها الإسلام تزداد ملاءمة للبشر بتقادم الزمان، فإبداع البارئ المصور في خلق إنسان مبدع لابد وأن يؤدي إلى استخلاف فذ سعيد إن هو سار على الشريعة، فمقصوصة الحقوق الإسلامية أصلح لليوم منها للأمس، وهي أصلح للغـد منها لليوم، كما سأوضح بإذن الله. إنها إعجاز تشريعي. حتى أنني من قناعتي أكاد أجزم بأن المسلمين إن ساروا على الشريعة دون تحريف لابتكروا الحاسب الآلي قبل عدة قرون بكل ما له علاقة بتقنية الاتصالات كالهاتف والتلفاز، لأنه سبحانه وتعالى خلق إنساناً مبدعاً
لا يقيد إبداعه إلا البشر بقهرهم لأنفسهم بالحكم بغير ما أنزل الله كما فعلت الحداثة كما سأوضح بإذنه تعالى. ولعل في واقعة تأبير النخل مثال جيد على المنفذ الذي دخل منه الكثير للاستدلال على جواز الاستيراد من أمم أخرى، فكان الخلط بين الحقوق وبين ما سواها مما تتطلبه الحياة المعاصرة. فهناك اكتشافات واختراعات وتقنية، وهناك علوم في السياسة والاقتصاد وما إلى ذلك مما ظهر به العالم الغربي. فتحت غطاء واقعة تأبير النخل، ومن قوله صلوات ربي وسلامه عليه: أنتم أعلم بأمور دنياكم أخذنا الكثير من الغرب. إن واقعة تأبير النخل كمرجع يجب أن يؤخذ به فقط في أمور لم يحكم الشرع فيها أصلاً مثل ضرورة تطوير الآلات والأدوية. أما الحقوق، فإن الشريعة قد أتت بها مكتملة، ولا مجال للتغيير فيها. لنأخذ مثالاً واحداً (وسنقوم بشرحه بتفصيل أكثر بإذن الله): تحت مظلة علم التخطيط، وبحجة التنظيم يمنع مالك العقار من التعلي في داره أكثر من دورين في بعض المناطق! وهنا أنقص حق المالك لأنه قيد من التصرف فيما يملك، فتغيرت مقصوصة الحقوق إلى منظومة مستحدثة من الحقوق. فإن قلت: «ولكن الفوضى ستعم إن كان لكل فرد فعل ما أراد فيما يملك؟». سأجيب: «هذا ما سيحاول هذا الكتاب شرحه». فالإسلام كنظام حكم يختلف تماماً عما نعرفه من صور الحكم وأشكالها، فهو ليس حكماً ديمقراطياً أو مدنياً، وليس حكماً للأقلية أو الأكثرية، إنه نظام فريد. لذلك، فلعلك استنتجت أن هذا الكتاب يرفض كل اجتهاد في الحقوق لأن الإسلام في هذه المسألة أتى مكتملاً دونما أي نقصان، بل هو إعجاز في كماله، وقد أكد هذا في آيات كثيرة سنأتي عليها بإذن الله . وقد تسأل وتقول: «ولكن كيف يُطبق الإسلام الآن، فعلى سبيل المثال: كيف يكون تنظيم السلطة في عصرنا الحاضر، وكيف تترتب العلاقة بين هيئاتها، وأين الإسلام من نظام الدولة الحديثة؟». وما إلى ذلك من أسئلة فأجيب: «إن الإسلام لم يوجد دولة بمفهومنا الحديث، ولكنه أوجد دولة ذات مسؤوليات تختلف عما نراه الآن وعما نعتقد أننا بحاجة له».
ومن أهم الأسباب لكتابة الكتاب المواقف الاستسلامية لبعض العلماء أمام المستجدات المعاصرة. فقد شعروا بهوة بين الإسلام والواقع المعاصر، فأخذ بعضهم بلي أعناق النصوص لتبيان أن الإسلام صالح لكل زمان إلا أنهم لم يدركوا كيفية هذا الصلاح، فاجتهدوا وأفتوا وتراكمت الفتاوى ليخرج الناس من إسلام أراد لهم العزة، إلى إسلام مستحدث وضعهم تحت رحمة السلطات. فقد قال بعض الفقهاء مثلاً بمنع إحياء الأرض دون إذن الإمام، وأباحوا نزع الملكيات للمصلحة العامة، ومنعوا الناس من التنقيب عن المعادن إلا بإذن السلطات. فهل رأيت عالماً (إلا ما ندر) يحارب السلطات عندما منعت المسلمين من التنقل بين البلدان إلا بتصاريح بدعوى الضرورة الأمنية؟ كلا، بل لم يقاوم الفقهاء الهويات كالجوازات مفرقين بذلك بين المسلمين وأجازوا منع الاستثمارات إلا بتصاريح وكل هذه الأمثلة تعديات على الحقوق، فقتلت الهمم لدى الأفراد، وهكذا من صمت وآراء فقهية لهؤلاء العلماء


المقدمة

۱۹

الذين تبنتهم السلطات ليتم إخراج الإسلام من دائرة المعاملات بين الناس فقد ترك هؤلاء العلماء الحبل للسلطات لفعل ما تهوى. وبهذا سنت الدول القوانين الوضعية لتحل محل الأحكام الإسلامية، وفقد الناس حقوقهم وخرجوا من عبادة الله إلى عبادة المتنفذين، وتفرعن المنافقون وتكتلوا حول السلاطين واستحدثوا هرماً سلطوياً مصلحياً بدأ بتعريف المصالح للناس وما يمكنهم فعله وما هو محظور عليهم من خلال دساتير وقوانين بشرية. وهكذا تسلط الناس بعضهم على بعض وظهرت الرشاوي والمحسوبيات واستحوذ الناس مواقعهم في السلطة بناءً على تزلفهم لا على كفاءاتهم. وعندما يُقدم التزلف على الكفاءة في شغل المناصب من أعلى منصب في الدولة لأدناه يكون الهرم السلطوي منفعياً. في تركيبته لذاته، وعندها سيصطدم في قوانينه مع الشريعة الإسلامية فتستثمر خيرات الأمة لإبقاء هذا الهرم السلطوي المنفعي باستحداث أجهزة أمنية. ثم إن هذا الهرم يتعاظم في استثماراته للدفاع عن نفسه بقهر شعبه كلما خاف على نفسه، وبالتدريج تُستحدث الأنظمة والقوانين لديمومته. هكذا أبعد الإسلام الصحيح عن دائرة الحياة تحت شعارات الدولة الإسلامية أو الحديثة فحوصر في دائرتي العبادات والأخلاق لأن مقصوصة الحقوق قد تغيرت إلى منظومة من الحقوق المستحدثة من العقل البشري القاصر بهذا ازدادت غربة الإسلام. فأصبح الإسلام في المسجد مكاناً، وفي الحج زماناً، وفي دعاء القنوت بكاءً، وأضحى الإسلام عاطفة لا فعلاً.
والمؤلم هو أن معظم النظرات الحريصة على مستقبل المسلمين، ومن خلال صراع الشعوب بالثورات وسفك الدماء، انتهت بأنظمة غربية مؤسلمة مثل ما حدث في إيران من برلمانات من هذه الرؤى ما أنجب حركات قومية كالبعثية: حتى الجادين منهم لم يفلحوا، فجمال عبد الناصر مثلاً، وبرغم أنه عاش واقع الفقراء، سحب مصر لتخلف بدأنا نتلمس أبعاده الآن وبعد وفاته لندرك مدى الضياع الذي كان عليه العالم العربي آنذاك. أي أننا حاولنا معظم أنماط الحكم ولم نفلح. وكأن العالم الإسلامي يعيش حقيقة واحدة: وهي أنه كلما تقادم الزمن كلما زاد تخلفه، وكلما زاد تخلفه زادت حدة الجدل بين مفكريه للبحث عن مخارج لهذا الوهن، وكلما زاد الجدل استحدثت أفكار جديدة لأنظمة الحكم. وكلما استحدثت أنظمة للحكم كلما بدأنا من نقطة خلف ما كنا عليها. وهكذا من فشل لأفشل. ولعل أقوى صيحة الآن هي التي تنادي بتطويع النظام الغربي الديمقراطي (والمنبثق من الحداثة) لواقعنا الإسلامي بحجة أن التعددية الحزبية واحترام الرأي الآخر هي الخلاص. لقد كانت خلاصاً لأمم لا تعرف العيب ولا الحرام وسحبتهم للفساد والتلوث. فهل يمكن أن تكون خلاصاً لنا؟ هذا ما يحاول معظم المفكرين الآن الولوج فيه. فيا له من جحر ضب براق اتسع لكل من ضاق فؤاده بسعة حكمة الخالق الخلاق جل وعلا.
ومن
أهداف الكتاب أيضاً إيضاح سلبيات نفق الحداثة والديمقراطية، والذي سيؤدي لا محالة لكارثة بيئية إنسانية إن هو استمر في الهيمنة. فالفساد والتلوث أمر لا مفر منه في ظل الديمقراطية مهما كانت المجتمعات عادلة، ذلك أن الديمقراطية لابد وأن تنتهي بالسلطة في أيدي الأهواء التي تسيرها المصالح مهما كانت شفافية المجتمعات. وهكذا يزداد التلوث. ألم يقل عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .. هذا ما سيحاول هذا الكتاب إثباته بإذن الله.
ولعل السبب الأهم الذي دفعني للكتابة هو سؤال دائم التردد: كيف ستظهر الخلافة؟ والإجابة هي: لا يمكن لنا إقامة دولة مسلمة الآن لأن عقولنا تفكر في دولة إسلامية بمنظور غربي كما حاول الإخوة في مصر والجزائر مثلاً. فأنى للخلافة أن تقوم وأساسها لا وجود له؟ وإن قامت أي وإن تمكن حزب إسلامي من الوصول


۲۰
🗏
للسلطة فهل سيفلح ؟ وكم أتمنى أن تظهر الخلافة وأن تدوم، لكن شتان بين مفاهيمنا الآن وما أتت به الشريعة من حقوق، لهذا فشتان بين فرد سيظهر إن طبقنا الحقوق كما نفهمها اليوم كإسلامية، وبين فرد من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث الإرادة والنزاهة والعطاء والتضحية والعزة والنخوة والمروءة. فعزة المجتمعات من قوة أفرادها، والأفراد هم إفراز المنظومات المجتمعية؛ ومجتمعاتنا اليوم، أو ما يحاول العلماء والمفكرون إقامته من دولة مسلمة، هو إفراز لما في رؤوسهم من أفكار عن الدولة المسلمة. وهنا الإشكال الأكبر. فهناك تلوث كبير في أذهان الكثير عن مواصفات الدولة المسلمة لعصرنا الحاضر بسبب تقبلنا للكثير من تراكمات اجتهادات الفقهاء أو تقبلنا للكثير من قيم الغرب الحقوقية ومن أهمها الديمقراطية. فإن عدنا لمقصوصة الحقوق ستظهر حينئذ بإذن الله الخلافة التي وعدنا بها صلوات ربي وسلامه عليه على منهاج النبوة. لكل هذا أقنعت نفسي بضرورة نشر هذا الكتاب عن دور الشريعة في إيجاد الحضارات لعلنا ننقذ الأرض ومن عليها من فساد قادم لا محالة إن لم تطبق الشريعة. ففي هذا الكتاب توضيح لعظم الشريعة في مسك زمام المجتمع لإنتاج أفضل الحلول بحيث لا يقتصر ذلك على تخصص معين، ولكن بطريقة فكرية لكل مفاصل حياتنا المعاصرة. فالاستخلاف وعمارة الأرض ليست تنمية أو تخطيطاً أو اقتصاداً أو سياسة أو علم اجتماع، ولكنها حركيات لإيجاد التفاعل بين الناس لإنتاج المجتمعات الأعز بحياة طيبة. أخيراً: أنا لست شيعياً ولا زيدياً ولا أباضياً ولا علمانياً ولا معتزلاً ولا سلفياً ولا وهابياً ولا إخوانياً ولا خارجياً ولا صوفياً ولا تبليغياً ولا قاعدياً ولا داعشياً ولا مرجئاً ولا جامياً ولا مدخلياً ولا سرورياً ... ولا ... ولا .... بل أنا مسلم سني وأمضيت جُل عمري في تقصي حقوق الناس شرعاً.
ملحوظة: من المهم جداً ملاحظة بدء الاقتباس ونهايته برصد المعقوفتين الصغيرتين هكذا: «»، والتي بينهما نص مقتبس من كتب أخرى. فإن كان النص أصغر حجماً بين المعقوفتين، فبإمكانك قفزه. وبالنسبة للتعليقات، فقد قسمتها إلى قسمين قسم وضعته أسفل المتن أي في الهامش)، ورمزت له بالأحرف، ووضعت فيه المعلومات التي ستزيد الطرح توضيحاً، مثل معاني الكلمات، أو توضيح لسؤال قد يخطر على القارئ، أو تكملة لاقتباس يثري الطرح. وقسم وضعته في آخر الكتاب (الحاشية) ورمزت له بالأرقام، وهو الإثباتات للمراجع وإضافات بأمثلة أو اقتباسات أخرى. ولعل قراءة ما بأسفل المتن أي الهامش سيزيد القارئ استيعاباً للطرح إن أراد، أما الحاشية في آخر الكتاب فهي لتثبيت الطرح. لذلك وضعت للهوامش التي في أسفل الصفحات حروفاً وأرقاماً. وللتوضيح بمثال: ففي آخر هذه الجملة وضعت الحرف (ب) مرتفعاً، إشارة لفكرة مشروحة أسفل هذه الصفحة، ثم وضعت المرجع لها بالرقم (۷) بين القوسين لتجده في حاشية المقدمة في آخر الكتاب. ب وفقنا الله لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، إنه سميع مجيب. وبه نستعين، إنه قيوم السموات والأرض، والقادر على كل شيء، والهادي إلى سواء السبيل.

هامش

ب) إن الصعوبة التي تواجه كتاب كهذا هو في تشعب النظريات حوارات تنتهي بالمجتمعات بتبني الدساتير والقوانين لرسم حدود الفكرية وفي كثرة المنتجات البشرية من معتقدات ومصنوعات الحقوق. وما هذه الحقوق إلا تجسيد لعقيدة تلك الأمة. ولقد حاولت بحيث يصعب على الباحث جمع الأفكار تحت مظلة محددة لينطلق في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام»، والمنبثق من بحثي للدكتوراة منها. ورأيت في هذا الكتاب أن أنطلق من الحقوق لأنها ترسم الحدود توضيح الحقوق التي استثمرتها الشريعة في الأفراد لإيجاد التفاعلات لتصرفات الأفراد والجماعات. فتظهر حلبات الصراع بين أفراد المطلوبة للاستخلاف في الأرض عمرانياً (٧). أما في هذا الكتاب، المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة وذلك من خلال تصرفات ولأنه ينظر للمجتمع عموماً ، فإن التركيز فيه على «حركيات» منح يقوم بها الإنسان معتقداً أنها من حقه وقد لا تكون كذلك، عندها الحقوق للأفراد للوصول إلى حياة طيبة. وهذه الحركيات فوق عقول سيوقفه الآخرون إما بالقوة أو بالإقناع وهكذا من تسلطات أو البشر لأنها نزلت من عند عالم الغيب والشهادة السميع البصير.