انتقل إلى المحتوى

قصور العقل



تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً

الفصل الثاني

قُصُورُ العَقلِ

﴿ قَا لَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴾
حداثة أم فساد؟
اجتهاد أم منزلق؟
بالإمكان تلخيص هذا الفصل أو حتى هذا الكتاب في العبارة الآتية هم أي الغربيون ومن تبعهم من الديمقراطيين والعلمانيين يقولون: نحن نحكم بالعقل». أما نحن المسلمون فنقول: ﴿رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾. فآخر آية في سورة الأنبياء هي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾. أَي وكأنني أقول أن العقل مختلف عن الحق. فهل يعقل ألا يكون هناك لقاء أو حتى أن هناك تضاد بين الحق والعقل؟ الإجابة على هذا السؤال هي محور هذا الفصل.
إن كان القذف بالغيب من مكان بعيد، كالتخطيط الاقتصادي مثلاً، حكم بغير ما أنزل الله عز وجل؛ وهو إنكار لتوحيد الألوهية، فما هو حكم تدريس علم الاقتصاد، والعمل به؟ ولماذا هذا السؤال؟ قبل البدء لابد من توضيح أن العلم بالنسبة للحقوق نوعين: الأول هو الذي لا يؤثر مباشرة في مقصوصة الحقوق، مثل العلوم البحتة كالرياضيات والفيزياء أو العلوم التقنية كدراسة تطوير وسائل الإنتاج؛ والثاني هو الذي يؤثر في مقصوصة الحقوق مباشرة ويغيرها للحكم بغير ما أنزل الله، وهذا يشمل معظم العلوم الإنسانية مثل القانون والاقتصاد والإدارة والسياسة والتنمية والتخطيط. فإن وجد من بحث اقتصادي مثلاً أن الدولة ستتمكن من دفع النمو الاقتصادي بنسبة كذا إن هي اقترضت أموالاً من الناس بإصدار سندات بفوائد ربوية بنسبة كذا ثم شيدت بذلك المال سداً لجمع ماء نهر للتحكم في صرفه لزيادة الإنتاج الزراعي فهل إن أقدمت على مشروع كهذا قد حكمت بغير ما أنزل الله؟ ذلك لأن في الاقتراض بفوائد ربوية عمل بما حرمه الله، وفي بناء السد نزع لبعض الملكيات الخاصة لمن يسكنون في الموقع المقترح إنشاء السد عليه، وهذا كما سنرى بإذن الله لا يجوز شرعاً. توضيح آخر: هناك فرق بين تعلم وتطوير علم ما ، وبين توظيف ذلك العلم. فقد يتعلم طالب الاقتصاد أساليب استثمار الأموال بطريقة لا تخرج عن الشريعة، أي قد يتمكن من تلافي التعامل بالفوائد الربوية مثلاً، إلا أنه عند تخرجه قد لا يجد مفراً من التلطخ بالفوائد في عمله لأن منظومة المجتمع تفرض عليه ذلك. وهذا مأزق وقع فيه المسلمون، لأن معظم العلوم، حتى التقنية منها، اتجهت في تقدمها البحثي لخدمة مجتمع يحكم بغير ما أنزل وعند أخذنا لهذه العلوم، ولتأثرنا بها أوجدنا مجتمعات معظمها حكم بغير ما أنزل الله والنادر منها يقترب من الحكم بما أنزل الله.
الله،
٤٥


٤٦ 🗏
إن الذين يحكمون بغير ما أنزل الله دون علمهم كثير ، وذلك لأنهم يطبقون في أعمالهم علوماً تُخرج عن الملة بالضرورة، فهل الأخذ بهذه العلوم كفر؟ أخي من أنا لأكفر هذا أو ذاك؟ ولكن فقط لترى عظم الاشكالية التي نحن بها كأمة، سأختار علم التخطيط كمثال، لأنه تخصص يعتمد على التنبؤ بما يمكن أن يحدث للعمران مستقبلاً، ومن ثم يخطط له المخططون، وكذلك العلوم الإنسانية الأخرى، فإن كان الأخذ بالتخطيط على حساب الشريعة كفر، فمن الأجدر أن يكون العمل بالعلوم الإنسانية الأخرى كالقانون والاقتصاد والتنمية التي تنظم حياة المسلمين أيضاً كفر لأنه حكم بغير ما أنزل الله . ذلك لأن المعطيات الواقعية من المدينة وبالتالي المعلومات التي تبنى عليها التحليلات تضع علم التخطيط في موقع أفضل للتنبؤ بما سيحدث مستقبلاً، وليس كباقي العلوم التي تجد نفسها في موقع لابد لها فيه من الاتكال على كثير من المعلومات التي قد تخطئ مثل علم الاقتصاد.
إن المخططين وبناءً على دراسات مستفيضة، وبعد جمع معلومات وبالرجوع لنظريات حديثة في التخطيط، وما إلى ذلك من أدوات وأفكار تبهر العقول يخططون للإقليم أو المدينة أو الحي. . وبعد ذلك يأتي التنفيذ. ومهما كانت نظريات التخطيط متفهمة لظروف السكان ومنصفة وأمينة كتلك التي تنادي بمشاركة السكان في اتخاذ القرارات ونحوها من توجهات، فإنها ستنتهي بتوصيات لأولي الأمر أو بقرارات للتنفيذ، وعندها تتغير مقصوصة الحقوق التي وضعها الإسلام. كيف؟ لنقل مثلاً بأن المخططين رأوا أن هذه منطقة سكنية وأراد مستثمر ما بناء مصنع وسطها، فسيمنع بالرجوع لبنود التخطيط وليس بالرجوع لما أحله الله وحرمه. وهكذا فإن أي قرار تخطيطي لابد وأن يسلب من بعض الناس حقوقاً ويضيف لآخرين حقوقاً. مثال آخر: إذا كان القرار التخطيطي بأن يكون التعلي في البناء في منطقة ما دورين فقط، فعندما يصر مالك على العلو إلى ثلاثة أدوار فإنه سيمنع من ذلك. وهنا يحدث خلاف بين المالك والسلطات وعندها يتم الرجوع لأنظمة العمران التي وضعتها السلطات بتوصيات المخططين، لا إلى الشريعة برغم وجود قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .. وما حدث هذا إلا لأن السلطات هي الحاكمة. وهكذا تم الأخذ بحكم عقل البشر لا بحكم الله سبحانه وتعالى في مقصوصة الحقوق (فأين توحيد الألوهية؟). لنوضح هذه المسألة بنوع من الإيجاز:

التعـلي كمثال

ملاحظة: لدي هنا إشكالية: إن تعمقت في هذا المثال فإن القارئ قد يتيه عن المحور الأساس لهذا الفصل، وإن أوجزته فسيظهر المثال ركيكاً لأنه لم يتعامل مع الأدلة والإثباتات والاحتمالات بشمولية مقنعة. لذلك رأيت ألا أسهب في المثال مع التنويه بأنه على من أراد الاستزادة والتأكد من الإثباتات الرجوع لكتاب «عمارة الأرض في الإسلام».
إن من الواضح لنا جميعاً بأن من أراد أن يعلي عقاره في المدن لا يتأتى له ذلك إلا بموافقة السلطات التي لديها مبرراتها للموافقة أو الرفض. وهذه المبررات هي من اجتهادات المخططين الذين يفاضلون بين المصالح للوصول للمصلحة العامة ويلجؤون لنظريات التخطيط المبنية على تجارب من سبقهم. أي أن من أراد تعلية بنيانه يطلب موافقة من بيده الإذن لذلك. أي أن هذه الوضعية أنتجت لنا جهتين جهة ذات يد عليا، وهي السلطة، وهي التي


۲ قصور العقل
٤٧
تقرر؛ وجهة ذات يــد سفلى وهي من أراد التعلي. وتلك اليد العليا، وعلى افتراض أنها كانت نزيهة ولن تقبل بالرشاوي، فإنها عندما تمنع من أراد التعلي فهي تمنعه لأسباب جوهرية لها، كأن يكون المنع تلافياً لزيادة الأحمال على مرافق المدينة مثل الماء والكهرباء وشبكات الصرف ونحو ذلك. فإن أجازت التعلي فهي (أي السلطات) زادت من حقوق المالك، وإن منعته فهي انتقصت من حقه أي أن السلطات قد نظمت الحق بناءً على تقديرها للمصلحة. ولكن لننظر للشريعة أولاً كيف تقص الحق في هذه المسألة ثم نعلق على المنهجين الإسلامي والوضعي
إن الذي يحدد ما يجوز ملكه وما لا يجوز ملكه في الإسلام هما قاعدتان الأولى هي الحاجة، والثانية هي السيطرة. بالنسبة للحاجة يقول القرافي رحمه الله (ت٦٨٤ هـ) : إن «الشرع له قاعدة: وهو إنما يملك لأجل الحاجة، وما لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك»، فالجنين لما كان ميتاً شرعاً، وهو بصدد الحاجة العامة في حياته ملك الأموال بالإجماع، والميت بعد الحياة لم تبق له حاجة عامة فلم يملك." وقاعدة الحاجة هذه يجب أن لا تتعارض مع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)
والقاعدة الثانية هي السيطرة: فالأعيان إذا لم يُنتفع بها بأن تُصان وتبنى وتهدم، فلن تكون مفيدة لمستخدميها. لهذا استثمرت الشريعة التصرف في المالك. أي أن أيّ عين لابد وأن يُسيطر عليها من له الانتفاع والتصرف السائغ شرعا لا ينازعه فيه منازع لأن الانتفاع لا يكتمل بالتنازع بين الناس. فمن أراد التعلي ومنع من ذلك فإنه لم ينتفع بما ملك. وأغلب تعاريف الملكية، إن لم تكن جميعها، تذكر حق التصرف أو المقدرة على التصرف كشرط للملكية. فقد عرف ابن تيمية (ت ۷۲۸ هـ) من المذهب الحنبلي الملكية بقوله: «هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة»، وعرفه القاضي حسين بن محمد المروذي (ت ٤٦٢ هـ) من المذهب الشافعي بأنه «اختصاص يقتضي إطلاق الانتفاع والتصرف»، وعرفه ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) من المذهب الحنفي بقوله: «الملك هو قدرة يثبتها الشارع ابتداءً على التصرف». ومن هذا يستنتج العلماء أن هناك أشياء لا تملك لاستحالة السيطرة عليها، مثل أشعة الشمس وطبقات الهواء؛ وأشياء لا تملك لصعوبة السيطرة عليها، مثل السمك في البحر. أي أن قاعدتي الحاجة والسيطرة دون الإضرار بالآخرين هما مدخلان لابتداء الملكية عموماً. فماذا عن ملكية العلو؟
يقول القرافي (ت٦٨٤ هـ) بالرجوع لقاعدة الحاجة بأن فقهاء المذهب المالكي لم يختلفوا في ملك ما فوق البناء من الهواء ولكن في السفل؛ ولحاجة الناس للعلو في الأبنية للاستشراف والنظر إلى المواضع البعيدة من الأنهار ومواضع الفرح والتنزه، ولحاجة الناس للاحتجاب عن غيرهم بعلو بنائهم وغير ذلك من المقاصد التي لا تتوافر دواعيهم في بطن الأرض على أكثر مما يستمسك به البناء من الأساسات، وحيث إن الشرع له قاعدة: «وهو إنما يملك لأجل الحاجة، وما لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك ، فلذلك لم يُملك ما تحت الأبنية من تخوم الأرض بخلاف الهواء إلى عنان السماء». وقد رد ابن الشاط (ت (۷۲۳) بقوله: «إذا كانت القاعدة الشرعية أن لا يملك إلا ما فيه الحاجة، وأي حاجة في البلوغ إلى عنان السماء؛ وإذا كانت القاعدة أنه يملك مما فيه الحاجة، فما المانع من ملك ما تحت البناء لحفر بئر يعمقها حافرها ما شاء». ويشير ابن الشاط أن من أراد أن يحفر مطمورة تحت ملك غيره يتوصل اليها من ملك نفسه يمنع من ذلك بلا ريب». وجاء في القواعد للزركشي (ت ٧٩٤ هـ) من المذهب الشافعي بأنه «ينبغي أن لا يملك [أي الأرض] من قراره إلا ما تدعو الحاجة إليه دون ما سفل إلى سبع أرضين، إذ لا حاجة له ...». إن هذه الأمثلة السابقة من خلال اللجوء للحجج والانتهاء بأقوال مختلفة ما هي إلا إشارة لتوضيح دور الحاجة


ΕΛ 🗏
في تحديد الملكية، وهذا هو المهم لموضوعنا. وهناك تفاصيل أخرى كثيرة متعلقة بملكية العلو. فماذا يحدث مثلاً إن باع رجل الدور الثاني من مبناه وسقط المبنى، فهل يلزم بالبناء ؟ ونحوها من احتمالات تتجلى بها كيف أن الشريعة قصت الحق من خلال مبدأي الحاجة والسيطرة.
أي أن تحديد ارتفاعات المباني في المدينة الإسلامية لم تقرره سلطة حكومية أو أنظمة قانونية ونحو هذا مما نعرفه في أيامنا هذه، ولكن قرار التعلي كان بيد السكان في الموقع كل اتخذ قراره لنفسه. ولكن ماذا سيحدث إن قام شخص بتعلية بنائه ليكشف جاره أو يمنع عنه الشمس أو الهواء. إن من المثير أن هذا لم يحدث إلا نادراً في المدن الإسلامية، لماذا ؟ إن المسألة ليست متعلقة بالتقنية؛ فالمباني المرتفعة في جوانب أودية حضرموت دليل على توفر التقنية للتعلي في البناء قديماً، والمشاهد في المدن الإسلامية هو أن معظم مباني مدينة ما متشابهة في ارتفاعاتها. فهذه مدينة لا تزيد ارتفاعات مبانيها عن دور واحد، وتلك جميع مبانيها ما بين ثلاثة إلى أربعة أدوار. إن المسألة تكمن في الأعراف: فهناك عرف واضح للجميع ويتبعه الكل بأن البناء في هذه المنطقة يكون بارتفاع كذا وبمواد كذا. لذلك نرى الأحياء السكنية في المدن الإسلامية متشابهة إلا أنها غير متطابقة، تماماً كأوراق الشجرة الواحدة التي تتشابه ولا تتطابق، برغم أن جميع السكان كان لهم الخيار في اتخاذ القرار، فلماذا كانت قراراتهم متشابهة وأنتجت عمراناً متجانساً. إن هذا من إعجاز الشريعة في العمران وتفسير هذا الإعجاز باختصار هو الآتي:
إن مبدأ الضرر (وسيوضح لاحقاً بإذنه تعالى) الذي أخذ به العلماء في الحكم على أفعال الأفراد منبثق من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا ضرر ولا ضرار). فقد كان لأي فرد الحق في التصرف في العمران كإضافة دور لمبناه أو فتح مصنع في منزله شريطة ألا يضر ذلك بالآخرين. فعند تعلية رجل لمبناه فإن للساكنين من حوله الحق في الاعتراض على هذا العلو إن أثبت الجيران المتضررون الضرر، وبهذا فإن الشريعة أوجدت أرضية للجدل بين الجيران للتشاور والاختلاف في ماهية الضرر، ومن ثم تحديد مدى شدته وما هو المسموح به. وهكذا من أسئلة عمرانية تؤدي إلى تجمع الخبرة للسكان وتبلور لهم أمور بيئتهم ليزدادوا وعياً، وبهذا تأتي الحلول من عندهم. أي أن السكان في الموقع هم وحدهم وبالتفاهم فيما بينهم اتخذوا القرار بإمضاء التعلي أو بمنعه، وبالطبع فإن كان عليهم ضرر منعوه، وإن لم يكن هناك ضرر أباحوه. وإن أباحوه لأحدهم فقد يحذوا حذوه الآخرون لأنه فعل نافع، وهكذا يصبح عرفا يتبعه الآخرون وسنوضح هذه الحركية في الحديث عن المعرفة بإذن الله).
وهناك قاعدة شرعية تطالب من أصر على التعلي أن يقوم بإزالة الضرر ولا تجبره على عدم التعلي إن هو تمكن من إزالة الضرر أو التحايل عليه ؛ ١٠ أي أن مقصوصة الحقوق لا تعطي الجيران الحق في منع من أراد التعلي ولكنها تعطيهم الحق في المطالبة بإزالة الضرر عنهم، فقد يُمنع المالك من التعلي بحجة أن الأدوار الإضافية التي سيقوم ببنائها ستزيد العبء على شبكات المياه، وعندها سيحاول جلب الماء بالاستغناء عن شبكات المياه أو بالعمل على توسعة الشبكة أو قد يحفر بئراً. أو قد يُمنع من التعلي بحجة أن زيادة السكان في الأدوار العليا المضافة سيزيد العبء على شبكات الصرف الصحي وعندها قد يحفر المالك كنيفاً (حفرة امتصاصية septic tank) للتخلص من الفضلات، وعندها أيضاً قد يمنعه الجيران بحجة أن هذا الكنيف سينزف الماء الملوث من حوائطه إلى تربتهم الزراعية بحدائقهم مما يضطره إلى حلول أخرى، كأن يقوم بالتخلص من الفضلات بشفطها لعربات نقل إن كان المردود المالي من تعلية مبناه مجدياً اقتصادياً. أو قد يفكر هو وأمثاله في طريقة للتخلص من الفضلات في نفس


۲ قصور العقل
٤٩
الموقع بإعادة تكريرها باستخدام التفاعلات العضوية مثلاً. وهناك الآن فعلاً أجهزة تتخلص من الفضلات في الموقع بالتحليل البكتيري من خلال عدة حاويات على مراحل مختلفة دون أن تتسرب إلى أعماق الأرض بحيث يتم إعادة استخدام الماء لري الحدائق، وهكذا. أي أننا أوجدنا بيئة تحاول تلافي الضرر وتدفع الأفراد لإيجاد الحلول التي ستمكنهم، والتي إن نجحت، قلدها الآخرون وأصبحت عرفاً. وإن لم يتمكن من أراد التعلي من إزالة الضرر فإن علوه سيمنع (وسنوضح هذه الحركية فيما بعد بإذن الله). ليس هذا فحسب، ولكن قد يجتمع أصحاب عدة أراض متجاورة، إن كانت مواقع أراضيهم ذات إستراتيجية ملائمة استثمارياً، ويتخذوا قرار بناء فندق بتجميع رؤوس أموالهم وأراضيهم، وبترك مواقف كافية للعربات والإتيان بجميع الخدمات ودون أخذ إذن من ودون الإضرار بالجيران. وبهذا تكون رؤوس الأموال قد تحركت وتمت الاستفادة من الموقع الذي كان من الممكن أن يتعطل، وهكذا من إيجابيات ودون الإضرار بالسكان وبالمجتمع (وسنأتي على توضيح تلافي الضرر لاحقاً بإذن
الله).
۱۲
السلطات
أي أن مقصوصة الحقوق الإسلامية أوجدت حركية في البيئة تؤدي إلى تحفيز ملاك المواقع وتحريكهم للإتيان بالحلول. أما ما تضعه منظومات الحقوق المعاصرة من أنظمة تقيد الأيدي وتجبر الأفراد للانصياع للقوانين الوضعية فهي بذلك تعطل لهم عقولهم وتزرع فيهم بذرة الخنوع ليصبح كل المجتمع أفراداً تابعين رغماً عنهم ودون علمهم بأنهم مسلوبو الإرادة. وشتان بين مجتمعين أحدهما أفراده في حركة مستمرة للبحث عن الحلول، والآخر أفراده مشلولون في عمومهم باستثناء طائفة متخصصة منهم ( كالمخططين والمعماريين) تبحث عن الحلول وتفرضها على الباقين من خلال المسؤولين أو متخذي القرارات ولقد أثبتت الدراسات أن القرارات التخطيطية النابعة من رؤوس مجموعة من الأفراد كالمخططين أو متخذي القرارات ومهما كانت مهاراتهم وخبراتهم فهي مثقلة بالأخطاء وذلك لأنها تتصف بثلاث صفات لا مفر منها، كما أثبت كل من هولنج وجولدنبرج بعد دراستهم للكثير من القرارات التخطيطية. الصفة الأولى هي أن أي قرار تخطيطي هو قرار معزول عن محيطه؛ فمهما كانت الدراسات مستفيضة فإن من قرر إنشاء محطة للقطارات مثلاً لن يتمكن من استيعاب البيئة المحيطة للمحطة بشموليتها. والصفة الثانية هي أن الهدف، وهو إنشاء محطة للقطارات مثلاً، يحدد عادة بضيق في الأفق، فقد تكون هناك بدائل أخرى أفضل. والصفة الثالثة هي أن التدخل لحل المشكلة المحددة (الحاجة إلى المواصلات مثلاً) غالباً ما يكون بسيطاً ومباشراً. فعندما حاولت حكومة جمال عبد الناصر مثلاً السيطرة على الإيجارات في المساكن في مصر أصدرت العشرات من القوانين، ولكن الذي حدث من جراء هذا التدخل هو وضع لم يتصوره أحد من واضعي تلك القوانين: فبدل أن تحل أزمة الإسكان تفاقمت نظراً لعزوف المستثمرين عن البناء. ١٣ أي كما قلت: فإن البيئة ذاتا والمجتمع نظم ومعطيات اقتصادية وجغرافية واجتماعية متداخلة وفي عدة مستويات يعتمد كل منها على الآخر. فهي بذلك خارج حدود تفكير البشر. وهذه النظم والمعطيات تعتمد على أحداث غير مرئية وغير متتالية أحياناً، لذلك يستحيل دراستها. فلم يكن أحد ليتوقع حجم نتائج بناء السد العالي في مصر مثلاً. فأهداف بنائه نبيلة جداً، ولكن إيقاف الماء وتنظيمه أدى إلى نتائج زراعية واقتصادية غير متوقعة لم ندرك بعد مضارها كتوقف انسياب الطمي للمزارع، وكظهور حياة لم تكن موجودة في منطقة السد أصلاً، والأهم من هذا فقد حرم المجتمع من فرصة إيجاد الحلول الموقعية للتعامل مع الفيضانات في ظل التقنية المعاصرة. أي أن كل تدخل إنساني «في هذا الإطار» لابد له مضار لم تكن لتخطر على بال من اتخذ القرار وسنوضحه في عدة فصول قادمة بإذن الله).


٥٠ 🗏
ولتلخيص ما سبق أقول: لقد نظرنا إلى حق التعلي كمثال لتوضيح الفرق بين منابع مقصوصة الحقوق في
الإسلام (الشريعة) ومنبع النظم الوضعية المعاصرة (العقل) لإبراز دور الحقوق في علم التخطيط وذلك حتى نشكك مبدئيا في علم التخطيط كمثال للعلوم الإنسانية وهذا بالطبع ينطبق على العلوم الإنسانية الأخرى كالقانون والتنمية والاجتماع والاقتصاد). ولكن من البدهي أن يقول القارئ وبالذات إن كان من المخططين: إن التخطيط من دواعي الحضارة وإلا لعمت العمران الفوضى كما أن المخططين لهم آلاف المبررات لهذه القرارات! والأدهى من ذلك هو أن لديهم وسائل كثيرة لربط قراراتهم بالشريعة من خلال الأخذ بالمصالح المرسلة، ومن باب إطاعة أولي الأمر وغيره؛ وما يطرحه هذا الكتاب هو أن هذه الوسائل قد يؤخذ بها فقط إن لم يوجد الحكم في الشرع أصلاً، أي إذا كانت هناك الحاجة للاجتهاد؛ فحق التعلي مثلاً الحكم فيه واضح بالإباحة إن لم يكن فيه ضرر على الجوار؛ وإن كان هناك ضرر فسيطلب ممن أراد التعلي إزالة الضرر ، إلا أن المخططين برفضهم لمبدأ الضرر يأخذون بالمصالح المرسلة ويتنبؤون بالضرر مقدماً ويمنعون من أراد التعلي باستصدار القوانين؛ وهذا ما سنحاول دحضه في هذا الكتاب. ولكنك قد تقول أخي القارئ: ماذا إن أردت بناء مجمع سكني ضخم، ألا أحتاج لمخطط لتنفيذ ما أردت بطريقة تصميمية حكيمة؟ أقول: هذا وضع مختلف تماماً، فأنت تستأجر المخطط ليعمل لك، فهو يعمل داخل حدود حقوقك ولا يستطيع أن يفرض عليك الأنظمة رغماً عنك. أي أن مقصوصتك للحقوق لم تتغير، وما أنقده في هذا الكتاب هو ما يقوم به المخططون تحت مظلة الحكومات من وضع قوانين تغير الحقوق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن طبقت الشريعة فلن تجد ثرياً يتمكن من بناء مستوطنة كبيرة لأن الثراء سيتوزع بين الناس بطريقة يصعب معها تسخير فرد واحد لمئات الأفراد لاستثماراته كما سترى بإذنه تعالى.
ولكن على العموم، فكل من لم يرجع للشريعة في أموره التي حكم بها الشرع فقد حكم بغير ما أنزل الله. وبالنسبة للمجتمع، فلا توجد مسألة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو بيئية أو عمرانية إلا وللشريعة فيها حكم بطريقة تخرج جميع العلوم الإنسانية من دائرة حاجة المسلمين، فلا حاجة أصلاً للتعمق في هذه العلوم ودراستها وتدريسها إن طبقت الشريعة، لأن الهدف من دراسة مثل هذه العلوم هو السمو بالمجتمع لآفاق أمجد، وهذا سيأتي تلقائياً إن نحن طبقنا الشريعة، وبتوفير كبير للكثير من الطاقات التي تهدر الآن في هذه العلوم. ومن جهة أخرى، فلا حاجة للاجتهاد الشرعي إذاً في هذه العلوم كما سأثبت بإذنه تعالى، فهذا من أهم محاور هذا الكتاب. وذلك لأننا إن حكمنا بالإسلام فإننا سنصل لأمثل الحلول الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وفي كل المستويات كما سنرى بإذنه تعالى. أي أن الإسلام دين مكتمل. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . ١٤ فما معنى الاكتمال هنا إذاً؟ وقال تعالى: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ . ولكن ماذا إن أصر الاقتصاديون والقانونيون وعلماء الاجتماع والمخططون على رأيهم ! فهنا اختلاف بيننا. عندها هناك طريقان لإقناعهم، أحدهما إلزامي: أي إلزام من رفض شرع الله بالانصياع إن كان مسلماً، فلا خيرة له؛ والآخر منطقي وهو ما يحاول هذا الكتاب طرحه. وسنبدأ بالإلزامي. فإن لم تكن أيها القارئ ممن يؤمنون بأن القرآن الكريم كلام الله العليم الحكيم، فبإمكانك قفز الصفحات الست الآتية إلى العنوان التالي في هذا الفصل، أي إلى «الحداثة: عقلانية أم أهواء».
10


۲ قصور العقل
01

الشيخ الشنقيطي يرحمه الله

لا نريد الآن الدخول في مسألة تكفير من حكم بغير ما أنزل الله، ففيها تفصيل سيأتي في فصل «الحكم» بإذن الله. لكن لتستشعر أخي القارئ عِظم المسألة عند الفقهاء لنركز على فقيه واحد. رأينا في الفصل السابق أن كلمة الحق في القرآن الكريم تشتمل على مقصوصة الحقوق، وأنها قد تكون مخصصة لحقوق الآدميين. لتأكيد هذا تأمل ما قاله الشيخ الشنقيطي رحمه الله في توضيح الآية العاشرة من سورة الشورى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ، فهو يؤكد على أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر :
«ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده لا إلى غيره، جاء موضحاً في آيات كثيرة. فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: ﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (١٨-٢٦)، وفي قراءة ابن عامر من السبعة: «ولا تشرك في حكمه أحداً» بصيغة النهي. وقال في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (۱۸-۱۱۰)، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله. وبذلك تعلم أن الحلال هو . ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه. وقد دل القرءان في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم الله وحده قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١٢-٤٠) ، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (١٢-٦٧)، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ اَلْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ (٦-٥٧) ، وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥-٤٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (١٨-٢٦)، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (۲۸-۸۸)، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (۲۸-۷۰)، والآيات بمثل ذلك كثيرة ..... وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر ، فهي كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَنُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٦-١٠٠) ، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٣٦ - ٦٠) ... » .
١٦
يا سبحان الله، إن ما قاله الشيخ الشنقيطي يرحمه الله، شديد على كل من رجع لغير الله في أصغر أمور الحكم، فما بالنا بأمور التخطيط أو الاقتصاد أو السياسة أو التنمية والتي ترفع وتضع فئات من المجتمع من خلال سلب الحقوق وإعطاء الآخرين حقوقاً: فعندما يمنع الناس من إحياء الأرض بدعوى التنظيم فقد سلبوا حقوقهم. وعندما يمنع من أراد السفر من بلد مسلم لآخر إلا بتأشيرة دخول بدعوى الأمن فقد سلب من حقه كابن السبيل، وكذلك عندما يمنع من أراد الزواج بمسلمة من دولة مجاورة فقد سلب من حقه، وعندما يمنع من أراد المتاجرة في بلد مسلم غير موطنه فقد منع من حقه ومن أراد أن يضرب في الأرض ويستخرج من معادنها فإنه سيمنع بدعوى أنها ملك للدولة وسيأتي بيانه بإذن الله). وسلب الحقوق هذا هو أهم سـ سبب لتخلف المسلمين كما سنرى بإذنه تعالى. ثم يوضح الشيخ الشنقيطي أثابه الله وأسكنه فسيح جناته أسباب استحالة أخذ الأحكام من غير الله فيقول:
اعلم أن الله جل وعلا بيّن في آيات كثيرة صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليه صفات من له التشريع، سبحان الله وتعالى عن ذلك، فإن


۵۲ 🗏
ذلك، فليقف بهم .
كانت تنطبق عليهم ولن تكون فليتبع تشريعهم. وإن ظهر يقيناً أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية. سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه. فمن الآيات القرءانية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ ، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَم أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤٢ - ١٠، ١١، ۱۲) . فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور ويتوكل عليه، وأنه فاطر السموات والأرض، أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجاً، ... وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه له مقاليد السموات والأرض ، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي: يضيقه على من يشاء، وهو بكل شيء عليم. فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تتقبلوا تشريعاً من كافر خسيس حقير جاهل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُول إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلًا﴾ (٤-٥٩))، فقوله فيها : ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى الله﴾ ، كقوله في هذه: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ ....

الطاغوت

إن من عبد صنماً فإنما إثمه على نفسه برغم أن هذا جرم شنيع في حق الخالق الذي أكرم الإنسان وفضله، أما من تحاكم إلى غير الله فإن شره سيسري في الأمة كلها لأنه برضائه بالحكم بغير ما أنزل الله قد ساهم بالتأكيد في نشر التلوث البيئي والانحلال الخلقي كما سأثبت بإذن الله، لذلك فقد كفر في بعض الأقوال (وسيأتي بيان الأقوال المختلفة في فصل «الحكم» بإذن الله . ولعلك تتساءل لماذا هذا التغليظ في الحكم على من يوحد ويحكم بغير الشريعة؟ فأقول: إن توحيد الله يعني بالضرورة الحكم بشرعه في جميع أمور الحياة. فعندما تقرأ آية مثل قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، في سورة العصر، فتأكد أن كلمة الحق تشتمل أيضاً على الامتثال لفقه المعاملات؛ وعندما تمر عليك آية مثل قوله تعالى: ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، تأكد أن العبادة تعني أيضاً الالتجاء إليه في الحكم بين الناس. ألم يقل الله الغني العزيز في سورة يوسف: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلا وَهُم مُشْرِكُونَ﴾، أي أن الذين آمنوا بوحدانية الله ولجؤا لغيره في تدبير أمور حياتهم كثير. ولابد لهؤلاء الكثر من حاكم يحكم لهم. فإن حكم هذا الحاكم بغير شرع الله فلا مفر عندها من التلوث البيئي والانحلال الخلقي. لذلك كانت صفة من رضي أن يحكم
بغير ما أنزل الله أنه طاغوت. ولتتأكد مما أقوله تريث في قراءة الآتي مما قاله الشيخ الشنقيطي يرحمه الله:
«وقد عجب نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى الله﴾ من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم المعبر عنه في الآية بالطاغوت، وكل من تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤-٦٠) . فالكفر بالطاغوت الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية شرط في الإيمان؛ كما بينه تعالى في قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ---

53 وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٢-٢٥٦) . فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يتمسك بها فهو متردِ مع الهالكين. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (١٨-٢٦) . فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السموات والأرض؟ وأن يبالغ في. سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دون من ولي ؟ سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا ءَاخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلِّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (۲۸-۸۸) . فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد ؟ وأن كل شيء هالك إلا وجهه ؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكَ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٤٠-١٢). فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب سماوي بأنه العلي الكبير؟ سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك . ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَءََيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ۖ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلِ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (۲۸-۷۰، ۷۱، ۷۳،۷۲). فهل في مشرعي القوانين الوضعية، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة ، وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبيناً بذلك كمال قدرته، وعظمة إنعامه على خلقه ؟ سبحان خالق السموات والأرض جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه، أو عبادته أو ملكه، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١٢-٤٠) ، فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده، وأن عبادته وحده هي الدين القيم؟ سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٢-٦٧) . فهل فيهم من يستحق أن يتوكل عليه، وتفوض الأمور إليه؟ ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥-٥٠،٤٩)). فهل في أولئك المشرعين من يستحق أن يوصف بأن حكمه بما أنزل الله وأنه مخالف لاتباع الهوى؟ وأن من تولى عنه أصابه الله ببعض ذنوبه؟ لأن الذنوب لا يؤاخذ بجميعها إلا في الآخرة؟ وأنه لا حكم أحسن من ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلَا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (٦-١١٤، ١١٥) .... أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام ....... ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٦-١١٦، ١١٧). فقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب؛ لأجل أن يفتروه على الله ، وأنهم لا يفلحون وأنهم يمتعون قليلاً ثم يعذبون العذاب الأليم، وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ --- 54
شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدُ مَعَهُمْ﴾ (٦-١٥٠)) . فقوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ﴾ صيغة تعجيز، فهم عاجزون عن بيان مستند التحريم، وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية؛ كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله ع الله قد اتخذ ذلك المشرع رباً، وأشركه مع الله ....... 🗏

اتخاذ الأرباب

كما يؤكد الشيخ الشنقيطي على أن من اتبع تشريعاً غير تشريع الله فقد اتبع الشيطان، وهذا شرك بالنسبة له. ليس هذا فحسب، ولكن هناك شياطين الإنس وهم الذين بحكمهم بغير ما أنزل الله يرغمون الناس على اتباعهم، فما هو حكم هؤلاء التابعين ؟ وما أكثرهم ! تأمل ما قاله الشيخ الشنقيطي يرحمه الله:
«فقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم من الكفر والمعاصي، على أصح التفسيرين. والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة؛ كما نص الله عليه في سورة «إبراهيم»، في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ (١٤-٢٢)، فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل، أي في دار الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة. وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي بينا في الحديث لما سأله عدي بن حاتم رضي الله عنه عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا﴾ (۳۱-۹)، كيف اتخذوهم أرباباً ؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً. ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئاً يعلمون أن الله حرمه وحرموا شيئاً يعلمون أن الله أحله، فإنهم يزدادون كفراً جديداً بذلك مع كفرهم الأول؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ ، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ (۹-۳۷). وعلى كل حال، فلا شك أن كل من أطاع غير الله، في تشريع مخالف لما شرعه الله فقد أشرك به مع الله
.«...
إن في النصوص السابقة، وبالذات في إجابة الرسول صلى لما سأله الله عليه وسلم . عدي بن حاتم في اتخاذ الأرباب (سورة التوبة: الآية (۳۱) استنتاج قوي بأن من أطاع غير الله راضياً فقد أشرك، وتأكيد على أن المقصود من العبادة هو أيضاً فقه المعاملات. ويتضح هذا من الآية التي تليها. فقد قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْباَنَهُمْ
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. فكيف يتم الله نوره إلا إن هدى البشر للحكم بما شرع سبحانه وتعالى فينتشر بذلك في المجتمع العدل والسعادة والنقاء على حساب الظلم والتعاسة والتلوث. أي أن الشرك شركان: أحدهما إنكار وحدانية الله، والآخر الحكم بغير شرع الله، وهنا خطاب واضح لأولئك المرجئة (كالجامية والمدخلية الذين يريدون الناس الخنوع لأولي الأمر كيفما حكموا. فلو أنهم أدركوا حجم ذل الأمة بسبب حكم هؤلاء الحكام الذين لم يتمسكوا بشرع الله كالتهاون مع البنوك الربوية مثلاً، لما قالوا بطاعتهم. فهم لا يميزون بين الشركين برغم أن هذا التمييز يظهر بوضوح في الكثير من الآيات مثل قوله --- 55 تعالى في سورة النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. فقد جمع الحق سبحانه وتعالى الشرك في كل من عبادة غيره وفي قبول تحريم ما أحل الله ، أي القبول بحكم غير الله. وهذا واضح أيضاً من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَالِكَ سَبِيلًا﴾. فالكفرة يريدون التفريق بين الإيمان بالله والعمل بما يشتهون، فيأخذون ما يناسبهم ويرفضون ما لا يروق لهم، وهذا التمييز بين الإيمان بالبعض ورفض البعض الآخر أكثر ما يكون في مسائل الحياة كما سيأتي بيانه بإذن الله. ومن الآيات الدالة على ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَاطِل وَكَفَرُواْ باللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ . فهذه الآية تصف حال الخاسرين بأنهم هم الذي كفروا بالله وفي الوقت ذاته آمنوا بالباطل، والباطل هو كل ما لم يحكم به الله، أي عكس الحق (كما سيتضح بإذن الله)، أي عكس مقصوصة الحقوق أي أنهم ،والله أعلم يؤمنون بمنظومات حقوق من نسج خيال عقولهم القاصرة. فهم بإيمانهم بالباطل الذي تسوقه أهواؤهم وكأنهم يتخذون هذا الباطل إلهاً. تأمل هذا في قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وكذلك قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِر﴾. ومن الآيات الدالة على ذلك أيضاً، الآية التي تسبق آية قص الحق مباشرة من سورة الأنعام: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. ففي الآية خطاب صريح للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لكل من لم يحكم بشرع الله بأنه صلوات ربي وسلامه عليه قد نُهي عن كل من عبادة غير الله بالإضافة لمنعه من اتباع أهوائهم أي أن كل من يتبع أي أمر خارج شرع الله (ومنها مقصوصة (الحقوق فهو إنما يتبع هواه، وهذا شرك صُراح. بل حتى أن العمل بغير شرع الله لهو الطريق الأكيد للضلال. وهذا واضح من قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وبهذا، فعندما نعود للآيات التي تسبق قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ في سورة الأنعام وما بعدها، ونقرؤها مرة أخرى، فبهذا المفهوم للعبادة، يزداد المعنى اتضاحاً. فتدبر الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ قُل لو أنْ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾ (٥٥-٥٩).
إن الآيات تصف البشر الذين يتبعون أهواءهم بالحكم بغير ما أنزل الله بأنهم مجرمون. فالعلي القدير يُفصل الآيات حتى يتبين لنا الحق من الباطل، وبذلك لا نتبع سبيل المجرمين لأنه قد استبان لنا، فقد نهينا عن إطاعة من يحكم بغير ما أنزل الله، لأن من فعل فقد اتبع أهواء الكفرة، وعندها يأتي الضلال ويضيع الهدى. فكأن الآيات تقول للرسول صلى الله عليه وسلم: يا محمد، قل لمن لا يؤمن بالرسالة بأنك نهيت أن تطيع في الأحكام أحداً من دون --- 56
الله لأنك لا تتبع أهواءهم، لأنك إن فعلت فقد ضللت. وأن ما أمرك الله به بين واضح وأن الحكيم العليم هو الذي هداك إليه. وبرغم كل هذا الوضوح إلا أن الكفرة يكذبون به. كما أن ما يشتهون من أحكام لتتفق مع أهوائهم ويتعجلونها فهي ليست لديك، ولكن الأحكام تأتيك من الله الذي له الحكم وهو الذي يستطيع قص الحق ولا غيره فعل ذلك لأنه هو خير من يفصل بين البشر. ولو أن ما يشتهون من أحكام كانت لديك لانتهى الأمر بينك وبينهم ولا حاجة لاتباعك. لكن عليهم اتباعك لأنهم جهلة في الأحكام ، إلا أنهم ظالمون ولن يتبعوك، فالله أعلم بالظالمين منهم. ثم تأتي الآيات لتؤكد علاقة علم الغيب بقص الحق من خلال التعليل بأنه هو وحده
يستطيع
أحد
وهو
أن
سبحانه الذي عنده مفاتح الغيب. ولعلمه الشامل هذا فهو الوحيد الذي يستطيع قص الحق. وهنا ملحوظة ما يستعجله الكفرة في قوله تعالى: ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ به﴾ قد فسر بأنه عذاب الآخرة، أو أنه طلب الكفرة لآية معجزة لإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما أرسل الأولون. إلا أن هذا التفسير لا يقف معترضاً، والله أعلم، أمام التأويل الذي طرحته هنا. ذلك لأن الكفرة يشتهون ما يتمنون من الأحكام أيضاً ويستعجلونها.
بعد قراءة ما سبق من كلام الشيخ الشنقيطي يرحمه الله، وما بيناه من مقصوصة الحقوق في التعلي كمثال لتغير الحقوق بالعمل بتخصص التخطيط، أترك لك العودة لأهل العلم الشرعي في أولئك الذين يأخذون بالعلوم الإنسانية للإجابة على سؤالنا الأول وهو: هل الأخذ بالعلوم الإنسانية كفر لأنه سيؤدي إلى نفي توحيد الألوهية؟ فلم يكن الهدف من إثارة هذا السؤال هو التكفير لزيادة الشقة، ولكن لتوضيح عظم جرم من قام بالحكم بغير ما أنزل الله، فهذا الكتاب سيحاول أن يثبت أن السبب الرئيس لتخلف المسلمين هو في حكمهم بغير ما أنزل الله. فالتكفير مراتب، فالكافر هو من اعتقد بأن حكم البشر أفضل من حكم الله، أما من حكم بغير ما أنزل الله مضطراً، كأن يكون موظفاً يطبق ما أمر به فإن من العلماء من لا يكفره ومنهم من يعتبر ذلك من الكبائر وأنه عاصيا. وهذا الكتاب عن التمكين وليس في أحكام التكفير. لذلك نترك هذه المسألة لمن هم أهل لها. فهذا موضوع قد تبحر فيه علماء الشريعة أثابهم الله، فمثلاً : هناك قول أن الإطاعة في المعصية بغير اعتقاد حلها لا تكون كفراً بل معصية، بينما الإطاعة في التحليل والتحريم تكون شركاً، ومذاهب أخرى واضحة وبأدلة جلية. ولم أثر هذه المسألة إلا لأوضح لمن يؤمنون بأن القرآن الكريم هو كلام الله عظم جُرم من اعتقد أن الإسلام دين قد لا يلائم متطلبات الحاضر. وبهذا يكون السؤال الأهم لنا الآن هو : لماذا وكيف خرجت المجتمعات عن حكم الله سبحانه وتعالى إلى حكم البشر ؟ أي كيف حدنا عن الطريق؟ والإجابة باختصار : لقد بدأت باستخدام العقل ضد النص منذ العهود الأولى (وهذا هو موضوع الفصول ٢ إلى ۹ وبالذات فصلي «الديوان» و «المكوس» بإذنه تعالى)، إلا أن الوضع تفاقم بتأثر المجتمعات المسلمة بالغرب الذي أخذ بالعقلانية في الحداثة، وهي موضوعنا الآتي، ومن ثم فإن هذا أدى إلى العقلانية في استنباط الأحكام في الشريعة بين المعاصرين، وهو موضوع الجزء الثاني من هذا الفصل.

الحداثة: عقلانية أم أهواء؟

لا يخفى على أي مسلم مدى الوهن الذي عليه المسلمون الآن؟ فهم الأفقر برغم ثراء أراضيهم (النفط)، وهم الأجهل بالعلوم الدنيوية والتقنية الحديثة برغم غزارة تراثهم العلمي (الخوارزمي مؤسس علم الجبر مثلاً)


۲ قصور العقل
OV
وهم
،
الأقل نظافة والأكثر مرضاً برغم تعاليم دينهم (الوضوء). لذلك كانوا الأسرع طرداً كما حدث بالأندلس، والأسهل استعماراً كما حدث في مصر والشام والأكثر تبعية كما حصل بشمال أفريقيا، والأكثر اتكالية كما هو بالخليج العربي، وهكذا أصبحوا الأمسخ هوية، والأشد تمزقاً، والأقل إنتاجاً، والأكثر استهلاكاً، وبالطبع الأضعف شوكة، بينما احتمى بعض علمائهم خلف أسوار ،جامعاتهم، وتقوقع آخرون داخل مجلدات تراثهم بشرحه واختصاره وجمعه، واقترب آخرون من حكامهم ونافق وقليل هم الذين احتكوا بالمجتمعات وقاوموا السلطات ولكن الخير الكثير فيهم بإذنه تعالى. لذلك حُقّ على المسلمين بأن يتوجوا بأجهلهم قادة. فهذا قذف الحق بكتابه الأخضر، وذاك صدم شعباً بأخيه، ومنهم من ساد الآخرين وسبقهم بالتسليم لليهود ثم أتى خليفته وبارك ذاك الاستسلام، فقام جاره بعد سنين واستحسن هذا الاستسلام ،وطبعه، ومنهم من استأسد على شعبه وطغى وتسلط، وهكذا كما يكونوا يولى عليهم: جهلة خرجوا عن حكم الله فحكمهم من هو أجهل منهم ! فهل في العالم الإسلامي، والعربي بالذات، من هو أجهل من الطبقات الحاكمة. فإن كانت الشريعة تؤدي لمجتمع عزيز قوي كما أزعم في هذا الكتاب، فلماذا تخلف المسلمون؟ للوقوف على هذا يجب علينا أن نبحث أولاً عن الإجابة لسؤال معاكس وهو: «لماذا تقدم العالم الغربي؟» لعلنا نصل إلى شيء بإذنه تعالى.
لا يستطيع أي منا أن ينكر أن البشرية تحت مظلة معتقدات العالم الغربي أو الليبرالي أو الرأسمالي حققت الكثير من الإنجازات. فقد تمكنت من تخفيف آلامها بتقدم الطب مثلاً، وقللت ساعات العمل لموظفيها من خلال الآلة، وقربت أطراف الأرض بالتقنية، ورفهت أناسها بالإثارة من مشاهد وألعاب وأتاحت للمتباهين منهم فرصة التفاخر بالتمتع بالزينة واقتناء الصرعات. ومن جهة أخرى، ومن خلال التصنيع، فقد جعلت معظم هذا في متناول فقد تضاعفت في القرن العشرين قيمة البضائع والخدمات المنتجة سنوياً عشرين أيدي المقتدرين منهم. ضعفاً، وتضاعف استهلاك الطاقة ثلاثين ضعفاً، والمنتجات الصناعية خمسين ضعفاً. كما أن دول العالم الرأسمالي مقارنة بدول العالم الثالث حفظت للإنسان حرية القول والمشاركة في اتخاذ القرار من خلال آليات التعددية الحزبية
والديمقراطية. أي أن الغرب حقق تحت شعار الحداثة مشروع ديكارت في السيطرة على الطبيعة قدر المستطاع.
ولكن في الوقت ذاته قادت مجتمعات الحداثة الكرة الأرضية للتلوث البيئي والانحلال الخلقي والظلم، أي إلى الفساد. فالتلوث أنواع منها تلوث الهواء بالغازات والتلوث الإشعاعي من محطات الطاقة، والتلوث الكيميائي من المبيدات الحشرية، والتلوث الحراري من مخلفات المصانع من المياه الساخنة التي تلقى في الأنهار والبحار، والضرر النفسي من الضوضاء، وهكذا من ملوثات الكل يعلمها. وبالنسبة للفساد الخلقي، فمرض نقص المناعة المعروف بالإيدز والذي يصيب الشاذين جنسياً قتل حتى العام ٢٠٠١م أكثر من ٣٤ مليون شخص. ولعل الأمر هو الظلم، فقد مزقت الحداثة شعوب العالم إلى غني وفقير، فحتى التسعينات من القرن الماضي كان في العالم ١٥٧ بليونيراً ومليوني مليونير، في حين أن مئة مليون نسمة كانوا يعيشون دون مأوى في حاويات القمامة وتحت الأرصفة. وبإمكانك أن تتصور شدة هذا الفارق في الثراء إن أدركت أن ما يملكه أغنى ثلاثة بليونيرات يفوق إنتاج أفقر ٤٨ دولة في العالم؛ فدخل رجل الحاسبات الآلية (بيل جيت ارتفع ليصل في منتصف التسعينات إلى ٦٤ بليون دولار كأغنى رجل في العالم ليهزمه رجل أعمال آخر يملك محلات تجارية في السنة التي تليها ليصبح الأثرى في العالم، في وقت يعيش فيه أكثر من بليون وثلث إنسان على دخل يقل عن دولار واحد يومياً، وحوالي ٣٢٪ من


۵۸ 🗏
سكان دول العالم الثالث يعيشون على ما يقل عن أربعة دولارات يومياً. أما في العالم الصناعي الذي يدعي التحضر، فإن ١١٪ من سكانه يعيشون على دخل يقل عن ٤,١٤ دولار يومياً. وفي المجموع فإن ٢٠٪ من سكان الأرض يحصلون على ۸۳% تقريباً من مجموع دخل العالم، بينما يعيش ٢٠٪ من أفقر الفقراء على ٤,١٪ من دخل العالم. وهناك إحصائية أخرى تقول أن ٣٥٨ مليارديراً في عام ۱۹۹۷ امتلكوا أرصدة تفوق مجموع مداخيل نصف سكان الأرض. ومن الناحية الغذائية فإن الأمريكيين ينفقون سنوياً خمسة بلايين دولار لوجبات غذائية لتخفيف أوزانهم، في وقت يعيش فيه ٤٠٠ مليون نسمة على الكفاف ويعانون من الإعاقة في النمو أو التخلف العقلي بسبب الفقر. وبالنسبة للمرافق الصحية، فإن نصف سكان الكرة الأرضية لا يتمتعون بالمراحيض الصحية. كما أن ينبوع مياه إفيان في فرنسا يشحن للمرفهين إلى جميع أطراف الأرض، بينما يغتسل ويشرب حوالي بليوني نسمة المياه الملوثة. ومن الناحية الثقافية، فبينما تزخر المكتبات بنحو خمسين بليون كتاب، فإن حوالي ۹۰۰ مليون نسمة من البالغين لا يجيدون حتى قراءة أسمائهم وبالنسبة للنفقات الحربية، فقد اعتمدت دول العالم (سنة ١٩٨٨) ترليون دولار أمريكي لصناعة الأسلحة، أي بمعدل مائتي دولار لكل فرد على وجه الأرض، في حين فشلت في تدبير خمسة دولارات كنفقات علاجية لكل طفل مما أدى لمقتل أربعة عشر مليون طفل. كما أن تكلفة شراء جهاز حاسب آلي محمول لفرد في الدول الصناعية تكفي لتطعيم ألفي طفل ضد ستة أمراض في الدول الفقيرة. وهكذا من إحصائيات مقززة أفرزتها مجتمعات الحداثة «حتى» نهاية القرن العشرين هذه الصفحات كتبت قبل أكثر من عشرة سنوات، لهذا فإن إحصائياتها ،قديمة، إلا هناك إحصائيات حديثة ستأتي في فصل «الفصل والوصل»، ومنها ستلحظ بإذن الله تردي الحال أكثر وأكثر.
۱۷
كما أن الحداثة قسمت الأمم إلى متمكن ومسلوب، ومتبوع وتابع دائن ومثقل بالديون، فالفلبين مثلاً تدفع يومياً للبنوك نصف دخلها القومي لتغطية فوائد ديونها فقط ناهيك عن الديون ذاتها. وفي موزانبيق فإن ٢٥٪ من الأطفال يموتون قبل بلوغ الخامسة من العمر بسبب الأمراض المعدية، في حين أن الدولة مضطرة لتخصيص ضعف ما تنفقه على الصحة والتعليم لسداد ديونها . أي أن الحداثة مسخت شعوب العالم الثالث المسلوب إلى جماعة من الفقراء والجهلاء والمرضى ليتركها المتعلمون من أبنائها ويلحقوا بالغرب لتزداد قوتهم ثراء وغناهم بطراً. وهكذا من عالم ثالث، أو بالأصح عالم متهالك، من سيء إلى أسوأ. وكل هذا تحت شعار الحداثة. ولكنك قد تقول: وما دخل الحداثة في كل هذا البلاء في العالم ؟ فأقول : بل هي المسؤولة الوحيدة كما سترى بإذن الله، ولكن قبل إثبات ذلك كما سيأتي في فصول مختلفة، وللخروج من هذا الاستعباد والفقر والجهل والمرض، لابد لي من التذكير أولاً بجذور الحداثة وباختصار شديد إذ أنها مسألة جد معروفة للكثير من القراء.

المادية

لقد كانت الكنيسة هي المسيطرة على المجتمع. وكان الإنسان الأوروبي مسيراً لا حقوق له ولا إرادة إلا من خلال إرادة الكنيسة. الكنيسة هي المرجع لكل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وكانت بعض أحكام الكنيسة تتعارض مع العقل أحياناً، فبدأت مساهمات الفلاسفة مثل كانط وفولتير وروسو في البحث عن مخرج لمثل هذا


۲ قصور العقل
۵۹
التعطيل العقلي المرفوض، فكان الطريق هو الهروب من أغلال حكم الكنيسة إلى حكم العقل البشري. وهذا النهج الفكري لم ينتصر وينتشر إلا في القرن الثامن عشر من خلال مساهمات أولئك الفلاسفة. وقد سمي هذا النهج الفكري كما هو معلوم بـ «التنوير». وأول من صاغ فلسفة التنوير هو كانط، فقد آمنت فلسفته بإمكانية تشكيل دستور للحرية ملائم الجميع الحضارات وإمكانية إيجاد سلام دائم بين الأمم من خلال التقدم البشري عقلياً ودون اللجوء للأديان لأنها مصدر الخلافات بين الشعوب. أي أن جذور الحداثة مغروسة في عصر التنوير كما هو معلوم. وبالطبع انتشر هذا الفكر بين أفراد المجتمع وحبذوه لأنه سيحررهم من الكنيسة اللاعقلانية، حتى أتت الثورة الفرنسية (سنة ١٧٨٩م) وانتصرت هذه الفلسفة وانتشرت على مستوى شعبي، ثم أتت الثورة الصناعية في إنجلترا لتؤكد انتصار حكم عقل الإنسان على الكنيسة. فالثورة الفرنسية حررت الشعوب الأوروبية من الاستبداد الإقطاعي إلى إيجاد دستور يضمن سيادة دولة القانون. فكانت القوانين التي هي من نسج عقل البشر تحكم بين الناس. أما الثورة الصناعية فقد حررت الإنتاجية الصناعية برأسماليتها ونقلتها إلى آفاق أخرى اتسمت بالرفاهية من خلال زيادة الاستهلاك وتسخير الموارد الطبيعية للمصنوعات، وهكذا تكدست الثروات. وبهذا ظهرت قيم العقلانية والديمقراطية أو ما يسمى بالحداثة. أي أن العقل البشري هو المرجع والحكم، فهو الذي يحكم من خلال الديمقراطية. ومن البدهي أن يتبع كل رافض للدين لهذا المذهب الجديد المسمى بـ «التنوير»، وهم كثير لأن أحكام كنائسهم لم يكن ليقبلها عاقل. إلا أن هناك عدة إشكاليات من أهمها الديمقراطية، كيف؟
إن الديمقراطية ما هي باختصار إلا أداة لحكم الشعب؛ وهي أيضاً أداة لتنظيم الحرية. ولكن السؤال هو:
هي
حكم من وتنظيم من؟ إنها حكم من هم أحياء من الناس وتنظيم شؤون حياتهم. كيف؟ إن الديمقراطية الحقة التي تنتهي بانتخاب مسؤولين يقومون بتحقيق رغبات ومصالح الشعب من خلال أدوات عدة مثل البرلمانات والأحزاب وتداول السلطة. ولكن رغبات ومصالح أي شعب؟ إنه الشعب الذي يعيش الآن، وليس من سيأتون بعد عشرات أو مئات السنين فهؤلاء الذي لم يولدوا بعد، لا تصويت لهم، لذلك فإن مصالحهم لن يؤخذ بها لأنهم لم يولدوا بعد. وهذه من أهم كوارث الديمقراطية كما سيتضح بإذن الله . فعندما يقوم سلطان أو حكومة بالاقتراض بإصدار سندات مالية فإنما هم يرحلون مآزقهم المالية للأجيال القادمة، والأهم هو أن الشعب الحالي عندما لا يكترث بنقاء البيئة مستأثراً بالتمتع بمنتجات استهلاكية من مصانع تلوث البيئة، فهو إنما يرحل فضلاته للأجيال القادمة، وهكذا. لذلك كان العلم بالغيب شرط لمن أراد أن يحكم وهذا لا يتوفر لأي بشر كما سبق وأن وضحت. ومن إشكاليات الحداثة أيضاً الآتي: إن تم رفض الدين في الحداثة فما هو المرجع للقيم؟ فلابد لأي إنسان عند اتخاذ قرار ما من مرجع هنا أتت الفيزياء النيوتونية ودخلت في علم السلوكيات. فإنكار التنوير للدين أدى إلى مجتمع بدأ ينظر ويتقبل الأفعال البشرية على أنها عمليات كأنها فيزيائية أو كيميائية، فتم بذلك إنكار الظواهر التي لا يمكن إثباتها بالتجربة والملاحظة، فارتفع شأن العقل والعلم على حساب الأديان، فأصبحت العلوم الإنسانية علوماً مادية بحتة. فظهرت المادية التي تؤمن أن المادة هي المكون الأزلي للكون، فلا حكمة هناك إذاً من الوجود والكون، حتى وإن وجدت فلا طائل من معرفتها لأنها ميتافيزيقية أو غيبية، فلا أهمية للآخرة والحساب. لذا فإن الثروة والملذات الجسدية هي الهدف الأساس من حياة الناس. فالعقل البرجماتي مثلاً هو الذي يُحكّم اللذة والشهوة الإنسانية، وهذه هي الطريقة الأمريكية في التنوير. وهكذا توجهت المجتمعات الرأسمالية إلى المادية التي ازدادت


  1. 🗏
    قوة عبر السنين وأدت إلى وضع مأساوي لأن ما يحدد أولويات الناس هو المصلحة الذاتية التي من المفترض بها أن تتراكم لتعكس مصلحة المجتمع والبشر. إلا أن هذا لم يحدث لسبب واضح هو أن الفرد عندما يتخذ قراره بطريقة عقلانية إنما يُغلّب أهواءه، فيتخذ القرار الذي يلبي متطلباته أولاً. وبهذا انقلبت العقلانية في مجموع الأمة إلى أهواء. فظهر من المفكرين من يمقت هذا الوضع.

مايكل فوكو

لقد بدأت أمراض الحداثة تتفشى بسبب انتشار البطالة واللامساواة في توزيع الثروات وما إلى ذلك من إفرازات الرأسمالية، والتي عزاها المفكرون المعاصرون إلى ظهور المؤسسات السلطوية تحت مظلة العقلانية (مثل الدوائر الحكومية والبنوك والتي تسير المجتمعات. فباسم العقلانية التي تتطلب مجتمعاً آمناً مثلاً ظهرت الشرطة التي تتغذى في نفقاتها على الدولة، ثم تطور من هذه المؤسسة جهازاً استخباراتياً مستقلاً يحافظ على أمن الدولة. فبدأ هذا الجهاز في تقديم خدمات أخرى تقيد ذات الحرية التي دعت إليها الحداثة، وبالذات في دول العالم الثالث. وهكذا كثرت المؤسسات وأصبحت هي العمود الفقري للمجتمعات. وهذه المؤسسات التي بيدها زمام قرارات إجازة أو تمويل مشروع ما مثلاً أو رفضه أدت إلى ظهور طبقات مالية سلطوية من السكان بعضها فوق بعض. وما كان هذا إلا لأن من بيده القرار قد يقدم مصلحته على مصلحة جماعته، فبدأ القهر والظلم في الانتشار. عندها ظهرت جماعة من المفكرين وبالذات من الفرنسيين مثل جان ليوتار ومايكل فوكو وجاك داريدا ممن دب اليأس في نفوسهم من تضاربات إنجازات الحداثة المؤلمة مع مبادئ عصر التنوير التي دعت إلى تحكيم العقل البشري في كل شيء. فكانت الحيرة، وظهرت الكتابات التي تبحث عن النجاة للفرار بالمجتمعات من حكم العقلانية إلى حكم آخر لا يعلمون ما هو، وكيف سيكون موقع العقل منه؟ فمن هؤلاء المفكرين، ومن أشهرهم مايكل فوكو" والذي اتفق الكثير ممن عرفوه بأنه كان رجلاً شاذاً جنسياً وأنه كتم هذا طيلة حياته، فمات متأثراً بمرضه وبحسرته دون إعلان شذوذه. تأمل أخي القارئ مدى الضياع الذي هم فيه: إن فوكو هذا يعتبر من أشهر مفكري الغرب الآن، انظر إلى مصدر فكرهم وفلسفتهم والعجيب هو أن الباحثين يفصلون بين فكر فوكو وبين حياته وكأنهما اثنان)، ولأن الشذوذ كان مرفوضاً خلال شباب فوكو ثم بدأ بالانتشار، وبمثل هذه الملحوظات، وضع فوكو فلسفته التي تنص على أن المجتمعات في تغير دائم تبعاً لقيم من يحكم. فلاحظ من خلال أبحاثه أن بعض ما كان محرماً في حقبة من الزمن أصبح مباحاً في حقبة أخرى نظراً لتغير قيم المهيمنين على المجتمع. واستحب كثير من الناس فكرته هذه من أن التسلط في المجتمعات هو أهم بنية توضح تركيبة المجتمع والتي توصل من خلالها فوكو إلى أن الحداثة نظام مشحون بالسيطرة برغم رفعه لشعار الحرية، فالحداثة تخضع الناس لإرادتها وذلك لأن قيم وأهواء ومصالح من هي التي تحكم الناس. فالعقلانية لا ريادة لها لأنها تتبع منطق وأهواء من بيدهم السلطة. فكان هجومه العنيف على أسس الحداثة ومؤسساتها. فالحداثة بعقلانيتها كما يرى فوكو أدت من خلال تطور العلوم مثلاً إلى ظهور الجامعات، وبالشهادات تكتسب الأموال، فمن لم يتمكن من دخول الجامعة لعسر مالي أو لقصور فكري عاش فقيراً. ومن عاش فقيراً صار تعيساً في مجتمع مادي. فالعلم من خلال الحداثة أصبح مقياساً للرفع والوضع المعيشي بين الناس. وهكذا السفر أيضاً، فلا يمكن لأي فرد التحرك دون إثباتات ورقية، ودون بطاقات وطنية
بیدهم
السلطة


۲ قصور العقل
٦١
ونحو ذلك من أدوات السيطرة التي قد يساء استخدامها. فكل فرد خاضع لمراقبة مؤسسات الحداثة. ولإدراك ذلك، فكل ما عليك فعله إن كنت تعيش في الغرب هو محاولة شراء منزل من خلال نظام التقسيط عبر المؤسسات، حيث يوضع المشتري تحت تسلط المؤسسات المالية والقانونية والتي ستنهك المشتري بالفوائد والأرباح ليعيش أكثر عمره منهكاً بالديون وبالتالي لا سيطرة له لأن المال أصبح سلطاناً. وقد تقول أخي القارئ إن كنت ممن عاش في نظام غربي مدجج بالمؤسسات: «ما هذا الهراء؟ إذا أردت شراء منزل فلابد وأن تحاول هذه المؤسسات حفظ حقوقها؟». فأقول: «لأننا نشأنا في مجتمعات تتغذى على الحداثة يصعب علينا التفكير من منظور آخر، فالإسلام أوجد
مقصوصة من الحقوق لا تؤدي لهذا الاستعباد؛ لا، بل وتجذه من جذوره، وتوفر المسكن كما سيأتي بإذنه تعالى».
أي أن الحرية المزعومة على المستوى الفكري في العالم الغربي تكبلت بالأغلال على المستوى الواقعي، أي على مستوى الإرادة الشخصية أو المؤسساتية. فتقدم التقنية أدى إلى أسلحة الدمار الشامل وارتفاع نفقات التجهيز الحربي والذي كان على حساب التعليم مثلاً. وأفلتت المصانع بمهارة محاميها من قيود القوانين ولوثت البيئة جرياً وراء الربح، وهكذا من تناقضات لم تخطر على عقل أي ممن وضعوا أسس الحداثة. وفي دول العالم الثالث فالوضع كان أسوأ. فالأنوار التي أدت إلى الحريات في الحداثة أفرزت الأغلال في المجتمعات المتخلفة من خلال المدرسة والمعمل والثكنة والبنك وخطابات التوصيات والضمانات والكمبيالات والرخص والاستمارات والصكوك والتأشيرات والجوازات. فمن ملك شهادات أعلى كانت له السيطرة من خلال المادة، ومن ملك رأس مال أكثر كانت له فرصة تسخير الآخرين لخدمته، ومن كانت بيده صلاحية إصدار تأشيرة سفر كان هو الأعلى، ومن كانت في مكتبه تراخيص البناء كان هو الأقوى، وهكذا استعبدت المجتمعات أنفسها ليقل إنتاجها نظراً لتحطم أفرادها. فكل من وصل لمنصب انتفخ، وكل من نزل من كرسي انكمش، ومن ملك التقنية من بين الأمم استعمر من لم يملكها. ومن اقتنع بقيم ما حاول فرضها على غيره. أي أن الحداثة خرجت من مجراها المتوقع لها، فتغلبت الغريزة المنفعية السلطوية لدى البشر على الغريزة المعرفية التحررية الحالمة، وتغلبت سمات التوسع والهيمنة تحت شعار التقدم في الحداثة على أحلام تحرير البشر. وبهذا خضعت المجتمعات في العالم الغربي لتسلط رأس المال والقانون والمؤسسات بدلاً من تسلط الكنيسة. أما في العالم الثالث فقد خضع أفراد المجتمعات لتسلط من بيدهم زمام المجتمعات من الحكام ومن يدورون في فلكهم لأنهم أبدعوا في تسخير مؤسسات الحداثة لتثبيت أنفسهم وقهر من خالفهم. ألم تر ما فعله صدام في العراق وبن علي في تونس ومبارك في مصر؟ أي أن الفلاسفة الغربيين الذين وضعوا أسس الحداثة، مثل ديكارت وكانط وهيغل والذين اعتقدوا أن البشرية ستتقدم باستمرار نحو السعادة والرفاه للجميع، لم يكن ليتوقعوا أن هذا سيحدث ولكنه الضنك بسبب الخروج عن حكم الله. ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أعمى﴾؟
.
ولكن كيف دفعت الحداثة البشر لهذا الضنك ؟ فهي تنادي بالاحتكام للعقل ومن هذا الذي يرفض العقل؟ إن فك هذا اللغز لا يكون إلا بتجريد الحداثة لما تنادي به من جهة، ولما تفعله من جهة أخرى. فهذا التمييز بين ما تنادي به الحداثة وما تفعله تمييز جد مهم يغفل عنه الكثير، بل وحتى أن أكثرهم، أي الغربيون ومن تبعهم، يرفضون النظر إليه إذ أنه طريق مسدود بالنسبة لهم، لذلك يرفضون حتى مجرد التفكير فيه فلسفياً برغم عويلهم


٦٢ 🗏
وهم
من نتائجه. فالحداثة تنادي بالعقلانية، ولكن عقلانية من هي التي ستطبق على أرض الواقع، هذا هو لب المشكل الذي لا يريدون أن يقروا بخطئه . فكل فرد من البشر له عقله وفكره واعتقاده وقناعته. وبالطبع، فالذي يطبق هو عقلانية من بيده القرار أو السلطة. وهنا المشكلة. فالناس لهم قناعات. وهذه القناعات عادة ما تصبغ عقولهم. فمنهم من يريد منع حمل الأسلحة بين العامة، الديمقراطيون، كما في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، ومنهم من يريد ترخيصه وهم الجمهوريون. ومنهم من يريد منع الإجهاض، ومنهم من يريد إباحته وعلى نفقة الدولة. ولعل المصالح هي أهم ما يصبغ عقول الناس فمن كان فقيراً في نظام ديمقراطي كانت مصلحته في أن يكون التعليم على نفقة الدولة التي تأخذ الضرائب من الأثرياء. أما الأثرياء فمصلحتهم عكس ذلك حتى يفلتوا من دفع الضرائب. وهكذا نجد أن المصالح تجمع الناس وتكتلهم حولها إلى أحزاب. وتتنافس هذه الأحزاب للوصول ، عن طريق الانتخابات. ومن وصل للسلطة استخدم عقله لمصلحته وغير القانون لصالحه ليفعل ما يريد. وبهذا ينجرف الناس للضنك. وسنأخذ مثالين ببعض التفصيل على هذا المأزق للعقلانية التي تنادي بشيء وتنتهي بالضرورة بفعل شيء آخر. ولكن قبل ذلك لعلك تتساءل: لقد مرّ مؤلف هذا الكتاب سريعاً على أفكار فيلسوف غربي ما بعد حداثي ينقد الحداثة. أي أنه تهرب من نقد عقلانيي الحداثة مثل هابرماز أو كارل بوبر. أقول: لقد نقدت أهم مفكر غربي عقلاني وهو كارل بوبر ثم قررت سحب النقد من هذا الجزء من الكتاب ووضعته في فصل «المعرفة» لأنني رأيت أن النقد طويل في صفحاته مما سيشتت تركيز القارئ عن محور هذا الفصل، ولأن مساهمات كارل بوبر مهمة لفهم الفكر الغربي عقلانياً ولا يمكن تجاهلها، ولأنها ذات صلة بموضوع العلوم، فقد وضعتها في
للسلطة
فصل «المعرفة».

المثال الأول: الأهواء

١٩٤٠
كيف حدث (أو يحدث التلوث البيئي؟ لعل في الإجابة عبرة؟ لنأخذ الغازات كمثال. لقد انشغل العلماء بقياس كمية غاز ثاني أكسيد الكربون وتأثير ارتفاع نسبته على هذا الكوكب منذ بدء الثورة الصناعية. بينما رجال الأعمال وأصحاب المصانع والسياسيون يشككون في ذلك لأنهم أصحاب مصالح، والناس في غفلتهم وماضون في استهلاكهم. ففي عام ١٨٩٦م قام البروفسور السويدي سفنتي Svente Arrehuis بكتابة بحث ربط فيه بين زيادة استهلاك المحروقات مثل الفحم والبترول (أو ما يعرف بالطاقة الأحفورية fossil fuels) في توليد الطاقة وتشغيل المصانع وبين ارتفاع حرارة الكرة الأرضية نتيجة لما يعرف بظاهرة الاحتباس الحراري greenhouse وبين عامي ١٨٩٠ و تم قياس حرارة الأرض التي ارتفعت ربع درجة مئوية. وهذا الفارق كبير إن أدركنا أن الفرق بين حرارتي العصر الجليدي وهذا القرن هو أربع درجات مئوية فقط، والناس غافلون عما يحدث. لماذا؟ لأن المستهلكين عادة ما تكون أصواتهم غير مسموعة إلا إذا اتحدوا واتحادهم أبطأ سرعة من اتحاد أصحاب رؤوس الأموال لأنهم أكثر انتباهاً وإرادة من المستهلكين؛ ولهذا فأصحاب رؤوس الأموال أسرع حركة لأن مصالحهم ستتضرر إن أوقفت مصانعهم. هكذا تعمل المجتمعات الرأسمالية: فالقانون هو كل شيء. والقانون يتغير ويتبلور بناءً على ضغوط الجماعات وسرعة حركتها من خلال الممثلين في البرلمانات والمحامين الأنشط. فظهر القلق بين العلماء الذين بدؤا ينذرون الناس، ولكن لا مجيب لأن القيم الحاكمة هي الرأسمالية التي تبحث عن الربح الآني


۲ قصور العقل
٦٣
دون اكتراث لما يمكن أن يحدث للآخرين مستقبلاً. فالشركات تبث الإعلانات التي تغري المستهلكين. أي أن العقلانية التي أتى بها عصر التنوير قد تعطلت وبدأت الأهواء التي تحركها المصالح بمسك زمام الأمور.
ثم بدأ عالم أمريكي اسمه كيلنج Keeling سنة ١٩٥٨م بقياس كمية غاز ثاني أكسيد الكربون كل عشرة ثوان ولمدة أربعين سنة ليثبت أن كمية الغاز في زيادة مستمرة. وبعد إثبات ذلك ظهرت سنة ١٩٧٤م نظرية تزعم أن عصراً جليدياً سيأتي وأن الذي يدعم هذا هو حجب الغازات لأشعة الشمس وأن الأرض قد لا ترتفع حرارتها كما قال بعض العلماء . إلا أن هذه النظرية ضُعّفت ورفضت عندما أتت على الكرة الأرضية شهوراً صيفية حارة بشكل غير معتاد في الثمانينات. ثم كانت سنة ١٩٨٥م سنة حاسمة لكل من كان يشكك في تلويث الإنسان للأرض. فقد اكتشف . جو فارمان Jo Farman فتحة فوق القطب المتجمد الشمالي بمساحة الولايات المتحدة الأمريكية في طبقة الأوزون بسبب غاز CFCS والذي ينتجه البشر. وطبقة الأوزون هذه تعمل لحماية البشر من الأشعة فوق البنفسجية التي تؤدي إلى تلف العين وإلى سرطان الجلد إن نفذت للأرض. وهكذا تأكد للناس أن أفعالهم ستدمر الكرة الأرضية. عندها بدأ العالم الغربي الحريص على الحياة بالاستيقاظ خوفاً على نفسه. وبعد ثلاث سنوات من ذلك الاكتشاف وفي عام ۱۹۸۸م قدم العالم الأمريكي جيمس هانسون Hanson للجنة الطاقة في مجلس الشيوخ الأمريكي تقريراً يؤكد فيه العلاقة بين ظواهر التلوث وسلوكيات الاستهلاك الرأسمالية وبالذات للطاقة، كتلك الفضلات الغازية التي تخرج من عوادم السيارات والمصانع. وخلال أشهر قامت الأمم المتحدة مسرعة بتكوين لجنة الحكومات البينية للتغير المناخي أو Inter-governmental Panel on Climate) IPCC Change) لتقصي مدى صحة مسؤولية البشر عن التغير المناخي. وكان أول تقرير للجنة هو أن هناك إجماعاً من أبرز العلماء بأن جو الكرة الأرضية سيشكل خطراً على حياة البشر إن استمر الحال على ما هو عليه من انبعاث للغازات التي ستؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري. وكان التقرير واضحاً وشديداً لدرجة لا يمكن معها للسياسيين التراجع عن وضع قوانين تحد من الاستهلاك. وبعدها اجتمعت ١٦٠ دولة في مونتريال بكندا للحد من استخدام الغاز الذي يؤثر على طبقة الأوزون ozone . وهنا بدأت أهواء الرأسمالية .عملها . فقد تحركت مجموعة من الشركات الأمريكية الكبيرة التي ستتضرر من مثل هذه القرارات وتكاتفت وعرفت بـ Global Climate Coalition) وأنتجت فيلماً يسعى لإقناع العامة بأن ظاهرة الجو المشبع بالكربون لن يقتل الأحياء على الأرض، بل على العكس سيؤدي إلى ازدهارها. وانتشر هذا الفيلم وبدأت أفكاره تؤثر في العامة ومن ثم في تشكيل السياسة الأمريكية التي لم تتعاون مع الدول الأخرى للحد من التلوث ثم في العام ۱۹۹۲م اجتمع حوالي ۱۸۰ فرداً من رؤساء الدول في العالم في ريوديجانيرو بالبرازيل. إلا أن خلافاً بدأ يدب بين دول شمال الكرة الأرضية الملوّثة ودول الجنوب التي طلبت من دول الشمال تخفيف التلويث ودفع ما يلزم حيال تحمل تبعات التلوث ووضع ضرائب على الطاقة. وهذا ما رفضته الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة لشركات الطاقة، فأين العقل هنا؟ ثم وقعت ١٦٠ دولة على اتقافية تسعى لتخفيف التلوث، إلا أن أحداً لم يلتزم بذلك واستمرت الشركات في إنتاجها المعتاد.
.
وفي سنة ١٩٩٥م قامت لجنة IPCC بنشر تقريرها الثاني الذي تؤكد فيه مسؤولية البشر عن التغير المناخي، وعندها أيضاً قامت الشركات بحملة إعلامية أثارت فيها الربط بين سعر الطاقة وما يمكن أن يحدث في حال وضعت ضرائب على الطاقة. أي أن ما يحرك عقلانية الشركات هو مصالحها. فما تدعيه الحداثة من مرجعية


٦٤ 🗏
للعقلانية هي في الواقع جري وراء المصالح وماذا عن رجال السياسة؟ هم أيضاً. برغم ادعائهم للعقلانية يجرون وراء مصالحهم. فبرغم كل هذه الإثباتات التي تؤكد على ضرورة تقييد المجتمعات للاستهلاك إلا أن رجال السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية وخوفاً من فقدان الانتخابات اتبعوا أهواء الشركات فأين هي العقلانية التي تزعمها الحداثة ؟ ولعلك تقول : إن هذا الصراع بين الاتجاهين له جذر فلسفي. فالحداثة تعتبر، والعياذ بالله، الإنسان وكأنه رب للكون، أما ما بعد الحداثة فتعتبر الإنسان عنصر أو حيوان كباقي الحيوانات التي تعيش على هذا الكوكب. فمن هم متأثرون بالأفكار ما بعد الحداثية تجدهم يتراجعون في تمجيد الإنسان لاستعمار هذا الكوكب. إلا أن المحصلة في كلتي الحالتين هي الحكم بالعقل القاصر. فهؤلاء ما بعد الحداثيين لا بديل فكري لديهم ليقدموه سوى التأفف والتذمر من إنجازات الحداثة. فهم المفلسون فكرياً كما سترى بإذنه تعالى. نعود لمثال التلوث:
هي
ثم بعد . بعد ذلك أتى اجتماع كيوتو سنة ۱۹۹۷م والذي طالب فيه العلماء السياسيين العمل على تخفيض انبعاث الغازات الدفيئة بنسبة ٦٠ إن هم أرادوا إيقاف مخاطر ارتفاع حرارة الجو في الكرة الأرضية. إلا أن مندوبي الدول لم يتفقوا إلا على التخفيض بنسبة ٥,٢% بحلول عام ۲۰١٠م. والمضحك في المسألة هو أن التفكير الرأسمالي أو العقلاني المصلحي كان أيضاً هو الحاكم. وأنى لهم التفكير بطريقة أخرى؟ فقد حاولت الدول الاتفاق على حصص للتلويث بحيث يحق للدولة شراء حصة تلويث من دولة أخرى. وهذه الحصص تزيد إن قامت الدولة بابتكار واستخدام تقنية غير ملوثة، أو قامت بزيادة رقعة المساحة الزراعية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون أو ما تسمى بأحواض الكربون carbon sinks. وهكذا كان على ممثلي الدول الاجتماع مرة أخرى للاتفاق على كيفية التنفيذ. وكما يقول المهتمون بشؤون البيئة، فإن الدول الغنية تحاول الفلات من مسؤلياتها تجاه التلوث. أي أن كل دولة تحاول أن ترمي عبء تخفيف التلويث على الدول الأخرى لتفلت بالمجهود الأقل. فمثلاً، ادعت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها إن قامت بالحفاظ على رقعة غاباتها دون نقصان فهي إنما تسهم في الحد من التلوث لأن الرقعة المزروعة في الكرة الأرضية في نقصان. كما أنها طالبت مساعدة المجتمع الدولي في تخفيف التلوث إلا في أراضيها. فهي تريد دعم استخدام أرخص الوسائل لتنظيف التلويث في أوروبا الشرقية، وتريد أن تعين على استخدام الرياح لتوليد الطاقة في الهند، وتريد دعم الطاقة الشمسية في أفريقيا، أما على أرضها (أي أرض الولايات المتحدة الأمريكية) فهي لا تريد التغيير انصياعاً للشركات. والظاهر هو أن الدول الصناعية ستمضي في الاتفاق فيما بينها حتى وإن لم توافق معهم الولايات المتحدة الأمريكية والتي تنتج ربع الغازات الكربونية الملوثة في العالم. وقبل انتخاب جورج بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية قطع هذا على نفسه عهداً بأن يعمل على تخفيض غاز ثاني أكسيد الكربون وذلك إرضاء، ومن ثم كسباً لأصوات المهتمين بشؤون البيئة. ثم بعد فوزه بالانتخابات مباشرة قامت إدارته بالإعلان بأن اتفاق كويوتو Koyot Accord بشأن تخفيض الغازات (ومنها غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2 التي تؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري greenhouse غير ملزم للإدارة الجديدة. وفي أغسطس لسنة ۲۰۰۲م في قمة الأرض بمدينة جوهانسبرغ لم يوافق الوفد الأمريكي على الحد من استخدام الطاقة الأحفورية fossil fuels. لقد ضاعت مسؤولية الحفاظ على جو الأرض نظيفاً بين المنتجين المصنعين وبين رجال السياسة المنتخبين والذين تسيرهم شركات التصنيع ذات المصالح. كل يريد الآخر أن يتصرف دون أن يتضرر هو. وهكذا تمضي الأيام ويزداد الوضع سوءاً وتنتصر الشركات لتفعل ما تريد تحت مظلة الحداثة، وإرادة الشركات هي من إرادة ملاكها الذين لا يفكرون إلا في جمع المال لأنفسهم ولأبنائهم في أحسن الأحوال. فما قد يحدث للكرة --- 65
الأرضية وللأجيال القادمة من أضرار أمر لا يرتفع في أهميته لربح الملاك الآني، وهكذا تنتصر الرأسمالية التي تستنشق الحداثة برغم ادعائها العقلانية. أما مصالح الأجيال القادمة فلا تعتبر لأنه لا مصوتين لها في الانتخابات. وبهذا أصبحت الحداثة أهواء. فالرأسمالية برغم إنتاجيتها الشديدة هي باختصار دمار قادم للبشر، كما سنرى في فصلي «القذف بالغيب» و «الفصل والوصل» بإذنه تعالى، لأن الكل باستطاعته أن يفعل ما يشاء تحت مظلة العقلانية المؤطرة بالقانون الذي تسيره المصالح من خلال الدساتير والمرافعات. وهكذا فإن الكل ينتظر من الكل الآخر أن يتصرف لإيقاف التلويث، كل عاصمة تنتظر العاصمة الأخرى، وكل مصنع ينتظر المصنع الآخر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَان بَعِيدٍ﴾ ومتى ما قام بعض العقلاء على إحدى هذه الجهات الملوثة، كالشركات الكيماوية مثلاً، وجد ذلك الملوث مخرجاً قانونياً بماله الذي يشتري به الحق بمحام ماهر فذ ضد الكل البطىء في الحركة لأنه غير متآزر
ومن الأمثلة الواضحة على غلبة الأهواء على العقلانية هو ما يحدث عادة في الانتخابات الأمريكية. فقد كان هناك عجز مثلاً في الطاقة في ولاية كاليفورنيا، وكان التوجه هو وضع حلول لترشيد الاستهلاك في فترة حكم الديمقراطيين. ثم بعد فوز جورج بوش الابن بالرئاسة، قام هذا باقتراح سياسات ترجح كفة البحث عن مصادر جديدة للطاقة على كفة ترشيد الاستهلاك. وكان أول رد فعل لمعارضيه هو أن الرئيس الجديد إنما يسعى لتسهيل أمور شركات النفط والطاقة لأنه لازال تحت سيطرتها إذ أن معظمها كانت من ولايته التي أتى منها (تكساس)، هذا بالإضافة إلى أن بعض أفراد طاقمه الحاكم هم رؤساء لشركات نفطية مثل نائبه ووزيرة داخليته التي أصبحت
وزيرة للخارجية فيما بعد.
أي أن هناك شرخاً بين ما يؤكده العلماء من الربط بين التلوث البيئي وبين ما يجب على المستهلكين القيام به لتخفيف هذا الضرر من جهة، وبين ما باستطاعة الحكام فعله من جهة أخرى. فالحكام يسعون للسلطة التي تؤثر عليها الشركات. وهكذا فإن مصير تلويث الأرض يتأرجح بين الأهواء ليدفع الضعفاء الثمن. فدولة بنجلادش التي لا تملك المال لبناء الحوائط والسدود لصد ارتفاع منسوب مياه البحر ستفقد في السنين القادمة من الأراضي ما كان يأوي ١١٠ مليون نسمة. أما الجزر الصغيرة المستوية، مثل جزر المالديف في المحيط الهندي، فهي مهددة بالزوال تماماً. وبالنسبة للأمراض فهناك دلائل علمية على أن انتشار أمراض الربو مثلاً هو بسبب ارتفاع حرارة الكرة الأرضية المصحوبة بالغازات الملوثة كتلك التي تنبعث من السيارات. كما أن الملاريا بدأت في الانتشار في المناطق الباردة أيضاً الـ ا التي لم يعتد السكان عليها من قبل، وبهذا ارتفع عدد القتلى في أفريقيا وحدها إلى مليون شخص سنوياً في أواخر القرن العشرين. أما في الدول الغنية فإن ارتفاع حرارة المحيط المتجمد الشمالي مثلاً منذ بداية القرن بسبعة أعشار درجة مئوية وذوبان مياه القطب أديا إلى تحلية مياه البحر نسبياً مما أثر في انسياب المواد الغذائية من أعماق المحيط إلى السطح والتي يعيش عليها سمك السلمون، وبهذا نقصت كميات السمك لدرجة أنهـا قـد تنقرض.٢٠ أي أن الحداثة ما هي إلا حكم الأهواء برغم ادعائها للعقلانية. فكل فرد عقلاني لمصلحته. وبهذا يكون الصالح العام في العقلانية البشرية هو مجموع أهواء الأفراد المتحزبين والأكثر نشاطاً. فإن رأت الأكثرية أن الجماع من غير رابط قانوني أمر من حق الفرد، انتشر الزنى وأصبح عرفاً. وهكذا يتبلور الصالح العام والمجتمع من خلال الأهواء. فقيم المجتمع إذاً في تغير مستمر لتساير أهواء الأفراد. وإن عشت في الغرب لأدركت أن انتخاباتهم ما هي
100


🗏
إلا تغليب لمصالحهم فيما بينهم بالتدافع. لذلك يتحزبون ولكن إلى أين؟ ومن هذا ترى أخي القارئ أن الحداثة ليست ببساطة كما يقول معظم الباحثين على أنها فصل الدين عن الدولة، بل هي أكثر من ذلك، إنها النواة التي بدأت في تدمير كل القيم والمعتقدات الإنسانية لتحل محلها الرغبات والنزوات والشهوات كمحرك أساس للمجتمعات. تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ .

الثورة على الحداثة

وبرغم كل هذا الفساد والتلوث والفقر الذي أنتجته الحداثة، إلا أن هناك الكثير من الباحثين ممن يدافعون عنها. فالألماني هـابـرمـاز Habermas، وبرغم اعترافه ببعض سلبيات الحداثة إلا أنه يرى أنها هي دولة الحق والقانون وهي التي ستضمن للبشرية السعادة الدائمة. ۲۱ أي أن الخلاف دب بين من يؤيدون الحداثة المنبثقة من عصر التنوير وبين من يريدون جذها من جذورها بالبحث عن كل جديد بنقدها. وهكذا بدء مهاجموا الحداثة بالبحث عن محرك فلسفي آخر للمجتمعات. ولأن الأنظمة والقوانين التي أوجدتها عقلانية الحداثة كانت سجناً لفوكو لأنها تكبح الرغبات والغرائز، كان لابد من التشكيك في وظيفتها. أي للخروج من السجن كان ينبغي للحداثة أن تتحرر من الأنظمة والقوانين. ولكي تتحرر كان لابد إذاً . نقد من منهج العقلانية لأنها هي جذور الحداثة. ولكن كيف تنقد العقلانية؟ فهذا أمر مستحيل: فما من سبيل لذلك إلا بالرجوع للأديان أو استحداث عقائد جديدة أو الثورة على العقلانية. فبدأت الشعوذات بالظهور تحت شعار الأديان، وبدأ الرجوع أحياناً أخرى للأديان، ولكن الذي انتشر هو الثورة على العقلانية. فاستحدثت مصطلحات مثل ما بعد الحداثة» أو «ما بعد التنوير». فكيف يمكن للإنسان أن يثور على العقلانية إذا لم يرجع للأديان أو لم يشعوذ؟ لا طريق إلى ذلك إلا بإطلاق الغرائز البشرية لتركض وراء شهواتها المنجرفة كيف ما كان من خلال الصرعات وابتكار كل ما هو غريب وعجيب وممنوع أحياناً، أو حتى مرفوض ومقزز ومقرف وذلك لتحطيم العقلانية. فالحداثة في الفن مثلاً تعني الجري وراء كل ما هو جديد، والذي سرعان ما يصبح قديماً. أي إيجاد آليات تحويل المستقبل إلى ماض من خلال البحث عما هو غريب ( كالفن السيريالي والحركات الطليعية avantgarde)، أو حتى الدخول في عالم الممنوع والمحرم أحياناً أخرى. وبدء العالم يقفز من تيار مجوني لآخر. كل هذا تحت التجديد ومسايرة الغرائز بتفجير مكامنها بالثورة على العقلانية. فعلم العمارة مثلاً يجد نفسه في هوس مستمر يرفض كل ما هو جديد للبحث عما هو أحدث منه فظهرت تيارات مثل العمارة الحديثة وما بعد الحديثة والتفكيكية. فهذا المهندس المعماري فرانك جيري Frank Gehry أحد أهم معماري ما بعد الحداثة ومن ثم التفكيكية يستغل التقنية لإيجاد مبان لا

*** هامش ***

ب) لقد كنت مرة في محاضرة في جامعة هارفارد، وكان المحاضر أحد لمشاعر السكان أو راحتهم لأن هدفه هو أن تعرض أعماله في مشاهير تخصص العمارة ( آيزنمان) وكان من ضمن ما عرضه من المجلات المعمارية، وأن هذه الغرائب التي تبناها حققت له ذلك لأنه غرائب نوافذ سفلية تقع تحت مستوى ركب البشر ، فلا يروا شيئاً في عصر الإعلام والاتصالات، فنشرت أعماله على أغلفة المجلات، وهم قائمون أو قاعدون وكأن أعينهم يجب أن توضع في سيقانهم وأنه حقق ما كان يصبو إليه. فقلت لرئيس قسم العمارة آنذاك في ليتمكنوا من النظر. وقام بتصميم درج صعود أجزاؤه لا تتعامد جامعة (معهد MIT وكان يجلس بجانبي (ستانفورد أندرسون بطريقة تنهك الصاعد أو النازل، وكأن أرجل الناس يجب أن تكون Stanford Anderson): إن لكل تخصص شياطين، وهذا كبير ذات مخالب كالقردة حتى لا ينزلقوا! فسألته طالبة عن هذا الهراء شياطين العمارة»، فقال: «أنه شيطان لذيذ! فهكذا تتقدم العمارة»، مستنكرة مثل هذه الأعمال؛ فأجاب بفم مليء وقاحة بأنه لا يأبه مشيراً بذلك إلى أن الخروج على ما هو مألوف يفتح آفاق كل جديد!


۲ قصور العقل
٦٧
بسويسرا،
على
تلتقي مع أية ذرة عقل في أرض الواقع. فمبانيه تعكس شره المصالح البشرية فهي جد باهظة التكاليف في وقت لا يجد فيه مئات الملايين ما يسدون به رمقهم، وهذه التكاليف مفتعلة لا لهدف إلا للإبهار. فأشكال مبانيه تقلب الموازين رأساً على عقب، فتجدها في الأعلى مثلاً أكبر من الأسفل لا لشيء جمالي إلا لإظهار تحدي التقنية للجاذبية، فلا حدود ولا قيود ولا مسؤولية في إيجاد الأشكال إلا الانفلات بلا حساب. وقد كنت معه يوماً في حفلة عشاء ا، فسأله أحد المدعوين عن أغرب مشروع حاول أو تمكن من تصميمه. فأجاب بأن ثرياً فاحش الثراء (ولا حفاظاً . يريد فضح اسمه أمانة المهنة قد أوكل إليه مهمة تصميم قصر له. وطلب منه الثري أن يزوره في منزله لمرات عدة حتى يتمكن من فهم نمط حياته ليلائم القصر الجديد احتياجاته، فكان عليه أن يزوره في إحدى حفلاته الساهرة. ففعل. فقال بأنه رأى عجباً. فسألناه باهتمام وما ذا رأيت؟ وكلنا ندرك أن هذا المعماري يعيش في ولاية كاليفورنيا التي يعيش فيها كثير من منتجي أفلام الدعارة وهي أي كاليفورنيا، من أهم مواقع الفساد والمصدرة له في عصر العولمة. فكل انحلال خلقي إن لم يكن مصدره كاليفورنيا فإن سكانها هم أول من يتبنوه في العالم. فما الذي يمكن أن يراه هذا المهندس من عجائب تبهره ؟ فقال بأنه لا يستطيع أن يصف ما رآه من ابتكارات وإبداعات مجونية تفوق الخيال لتفجير الشهوات بطريقة عجيبة (فاحشة) بين الرجال والنساء في تلك الحفلة. فأخذ كل واحد من الحاضرين في التفكير في ماهية هذا المجون الذي لا يستطيع حتى شخص يعيش في مجتمع منحل اجتمعت فيه جميع أنماط الشذوذ الجنسي والمخدرات والمجون من وصفه. وهكذا باقي التخصصات التي ثارت على العقلانية وانفلتت دون مرجعية أخلاقية لا في الدين ولا في القيم إلا في التقيد بالقوانين التي هي من نسج خيال البشر الذي ينحلُّ جيلاً بعد جيل فتكون قوانينه منحلة جيلاً بعد جيل ولكن بدرجات متفاوتة بين التخصصات.
إلا أن هذا التوجه الذي تبناه بعض الفرنسيين بقيادة فوكو أثر في الفنون والآداب والحرف والعلوم أكاديمياً وإنتاجياً فقط أكثر من تأثيره في الحياة العملية بمؤسساتها المجتمعية المنفعية كالمؤسسات الحكومية والاقتصادية والخدمية والتي ظلت كما هي متبنية لأفكار هيغل أي متبنية للحداثة. ولضرب مثال واحد فقط : فرغم انتباه بعض الباحثين الغربيين في علم التخطيط مؤخراً إلى أن القرارات التخطيطية إنما تعكس أهواء من بيدهم السلطة وأنها ليست عقلانية، إلا أن تخصص التخطيط لازال مستمراً في نفس التوجه عملياً. فقد أثبت الباحث النرويجي بنت فلايفبجيرج Bent Flyvbjerg في دراسته لمشروع إعادة تخطيط مركز مدينة البورج Aalborg بالدنمارك أن القرارات التي اتخذت لم تتخذ بعقلانية rationality ، ولكن بعقلنة القرار rationalization. أي إعطاء القرار المتخذ مبررات تبدو وكأنها عقلانية بعد اتخاذه. وما كان اختيار ذلك المشروع للدراسة إلا لأنه حصل على جائزة أوربية عريقة في التخطيط نظراً لنجاحه. فأثبت النرويجي في دراسته أن القرارات التخطيطية اتخذت بسبب تدافع المصالح ثم بعد . ذلك تم إعطاء تلك القرارات مبرارت عقلانية، وأن النجاح المزعوم ما هو إلا لطوائف في المجتمع على حساب أخرى. فاستنتج هذا الباحث أن العقلانية تحكمها السلطة لتصبح عقلنة. لذلك بدأ عمل هذا الباحث في الانتشار لأنه قرن القرار التخطيطي بالتسلط في كتابه Rationalaty and Power، فلفت أنظار من هم في المجال الأكاديمي إلى التمييز بين العقلانية والعقلنة، وأن العقلانية التي ينتحلها الكثيرون تنقلب إلى تنفيذ المصلحة على أرض الواقع. لذلك فهيهات أن يلتفت مفكر غربي إلى ما يقوله هذا الباحث لأنه لا مخرج لهم مـن زنقتهم
الفكرية.
۲۲


٦٨ 🗏
أي أن التحررية الفكرية التي أسسها كانط زرعت مجتمعاً ذا نظام واضح الملامح في مؤسساته وقوانينه وعلاقاته بين أفراده وزيادة إنتاجيته. أي أن الحداثة انغرست عميقاً في المجتمعات وأصبحت الرأسمالية هي الحاكمة وأنجزت الكثير من التقدم المادي. لكنها مع كل هذه الإنجازات تعرضت لنقد حاول تحريرها من قيودها برفض جذورها العقلانية إلا أن هذا النقد لم يفلح إلا في دفع المجتمعات للنزوات والغرائز وازداد المجتمع ضياعاً. أي أن عصر ما بعد الحداثة هو الضياع والصراع القائم بين هذين الخطين من العقلانية (كانط)، والثورة عليها بالتحرر منها (فوكو). ولكن إلى أين؟
إن ما تم تلخيصه عن الحداثة، برغم تذبذب الوضع الحالي بين تقبل العقلانية في الحداثة ورفضها جزئياً في ما بعد الحداثة، تم أيضاً باستخدام العقل البشري وبرفض الأديان. وكما رأينا فالعقلانية تنتهي إلى مصالح وأهواء. أي من خلال الحداثة تبلورت العقول في جميع التخصصات وبالذات العلمية منها برفض الأديان. فالحداثة باتهامها لكل باحث علمي يلجأ للأديان بالتخلف، قد ساعدت على خنق الإسلام وأبعدته من ساحة الحوار الفكري. فمتى ما حاول باحث إدخال الدين في دراسة الاقتصاد أو التنمية اتهم بالتخلف. هذا هو موقف معظم الباحثين من الإسلام، فهم يرفضون الإسلام ويلجؤون للعقلانية التي هي من نسج عقول البشر. وهذه العقول التي لا تعلم الغيب قاصرة كما أشرنا. لذلك انتهت العقلانية بالمجتمعات إلى تبني المصالح والنزوات والأهواء. تدبر قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

المثال الثاني: المستقبليات

ومما زاد الوضع سوءاً لكل مسلم يحاول إدخال الإسلام في أي بحث علمي أو في أي حوار بين الأمم هي النظريات التي وضعت للتنبؤ بما يمكن أن يكون عليه العالم مستقبلاً، أو علم المستقبليات. وهذا هو المثال الثاني على أن العقلانية تدعي شيئاً ثم تنتهي بالضرورة بشيء آخر. فبرغم الفقر المدقع الذي أوجدته الحداثة، وبرغم التلوث البيئي، فقد أفرزت الحداثة عقلانية ما يسمى بـ «النظام العالمي «الجديد» لتذوب الحدود بين الدول والحضارات، أي ليزداد انتشار الحكم بغير ما أنزل الله. لذلك ظهرت عدة توجهات فلسفية للتنبؤ بما يمكن أن يكون عليه العالم في عصر «العولمة». وهذه التوجهات والتنبؤات ككتابات فوكوياما مثلاً)٢٣ رسمت الحدود الفكرية للباحثين لإيجاد فلسفة تقود المجتمعات مستقبلاً. وبما أن الإسلام دين تقليد في بعض أموره (إذ أنه يوجه معتنقيه إلى سلوكيات السلف ويحدد لهم حقوقهم من خلال الشريعة) فهو بذلك دين يؤطر دور العقل. أي أنه دين لا يطلق العقل (كانط ) ولا يثور عليه (فوكو)، ولكنه دين، وبرغم احترامه للعقل، يطلقه في مجالات (كالقياس ويقيده في مجالات أخرى (كالحقوق مثلاً). لذلك فلابد، كما يدعي المستقبليون، وأن يؤدي الإسلام بدليل حال معظم المجتمعات الإسلامية الآن من جهل وفقر ومرض. وبهذا رفضه المفكرون وفي مقدمتهم بعض من المسلمين مع الأسف الذين نادوا بإعادة النظر في المنهجية الإسلامية. فمحمد أركون مثلاً (وقد كان أستاذاً بجامعة السربون في فرنسا) يبحث عن عقل ما بعد الحداثة من خلال الاستفادة من أدوات الغرب في النقد والتحليل للفكر الإسلامي. فهو يدعو مثلاً للاستفادة من تجارب التفاعل بين دولة القانون في الغرب ومجتمعه المدني لأنها خبرة
مثلاً)
٢٤
للتخلف،


۲ قصور العقل
٦٩
تاريخية لم يتعرض لها العالم الإسلامي. ويدعو إلى إعادة قراءة الحداثة الغربية من زاوية الوضع التاريخي والفكري الخاص بالعقل الإسلامي. وبمثل هذه الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية والدينية يدعو إلى مقارنة نقائص عقل كل حضارة من خلال تجارب العقول الأخرى، وتعميم المقارنة للوصول لعقل ما بعد الحداثة. وهذا يتطلب إعمال العقل البشري في النظر في النصوص التي شكلت الحضارة الإسلامية كالقرآن الكريم والسنة المطهرة. فهو بذلك يستخدم العقل البشري (وبالذات من خلال التحليل الألسني أو اللغوي للنصوص العربية) وأدوات التحليل التاريخي والاجتماعي والأنثروبولوجي لإضاءة تلك النصوص. وبهذا يتمكن الإنسان (كما يقول أركون من بلورة علمنة جديدة تجيب مطالب الإنسان بكلا بعديها الروحي والمادي لسعادة قادمة، لا كما فعلت الحداثة الغربية بتوفيرها البعد المادي وإلغاء البعد الروحي، أو كما فعلت الحضارة الإسلامية بعدم إسرافها في البعد المادي. وسنأتي على أفكار آخرين من المسلمين الذين رفضوا الدين وذلك عند الحديث عن أسباب التخلف في هذا الفصل بإذن الله). ولكن قبل ذلك سأشرح باختصار بعض أفكار الغربيين تجاه الأديان والإسلام خصوصاً) تحت مظلة العقلانية في عصر العولمة.
لقد بدأ رفض العالم الغربي للأديان عموماً وللإسلام خصوصاً يزداد نفوراً عندما بدأ العالم أجمع يقتنع بأنه لا سبيل أمثل للحياة إلا من خلال الديمقراطية التي لم يرفضها بشدة من جذورها إلا القلة من الإسلاميين. فقد استسلمت معظم المذاهب والملل والنحل للديمقراطية والرأسمالية واقتنعت بأنها الطريق الوحيد للحياة وبالذات بعد سقوط المعسكر الشرقي، فلم يبق للغرب إلا الإسلام ليصرعه، وهذا واضح من مقالة صامويل هانتنغتون Samuel Huntington الأستاذ بجامعة هارفارد عن صدام الحضارات برغم أن بعض الغربيين يظهرون غير ذلك. تأمل قوله تعالى في الآية ١٢٠ من سورة البقرة: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِن اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾. فالآية تربط بين اتباع اليهود والنصارى من جهة الغرب)، والأهواء والعلم من جهة أخرى. فمقالة هانتنغتون يوافق عليها بعض أهل الغرب وبالذات متخذي القرارات منهم، وهي أشهر من أن توضع هنا . ولكن لابد من المرور عليها سريعاً وذلك لترى كيف أن الغرب الذي يدعي العقلانية ليس عقلانياً قط في تعامله مع العالم الإسلامي (كما أثبت إدوارد سعيد)، بل يتبع أهواءه ومصالحه. وهذا أمر أشهر من أن يطرح في هذا الكتاب، ولكن فقط للتذكير. فمما قاله هانتنغتون أن العالم قد أصبح الآن أصغر بسبب سرعة الانتقال والاتصال، وبهذا تتزايد التفاعلات بين أبناء الحضارات المختلفة، وهذه التفاعلات المتزايدة تؤدي عادة إلى تكثيف الوعي الحضاري والإحساس بالفروقات بين الحضارات. فعلى سبيل المثال (كما يقول هانتنغتون)، فقد استثارت الهجرة من شمال أفريقيا مشاعر العداء لدى الفرنسيين وزادت من حدة الترحيب بهجرة البولونيين الكاثوليك الأوروبيين «الطيبين». فعندما تؤدي عمليات التحديث والتغيير الاجتماعي بسبب العولمة إلى انتزاع الناس من هوياتهم المحلية الراسخة العريقة، فإن الدولة القومية أيضاً تضعف بوصفها أحد منابع الهوية عندها تسارع الأديان لملء الفراغ الحاصل من خلال الحركات الأصولية. ولأن الغرب بدأ يأخذ الصدارة من حيث القوة كما يقول، فهناك نوع من العودة للجذور بين صفوف أبناء الحضارات الغربية، وهذا بدوره يؤدي لنزعات لحدوث الشيء ذاته في حضارات أخرى كما هو حادث في اليابان مثلاً من تأكيد الصفة الآسيوية، وفي الهند التي تحاول لبس ثوب هندوسي، أو العالم الإسلامي الذي انتشرت فيه الأسلمة. يقول هانتنغتون مستنتجاً: «ثمة غرب في أوج قوته يواجه أطرافاً أخرى غير غربية متنامية الرغبة،


V. 🗏
والإرادة، والموارد اللازمة لصياغة العالم بطرائق وأشكال غير غربية».٢٥
كما أن هانتنغتون يعلل هذا التغير بقوله أن النخب الحاكمة في السابق في المجتمعات غير الغربية كانت مؤلفة عادة من أناس كانوا في وضع أكثر تشابكاً مع الغرب مثل خريجي أكسفورد والسوربون وساندهرست ممن استوعبوا جملة القيم الغربية، بينما السكان مشبعين بالثقافة المحلية الأصلية، أما الآن ومع العولمة فإن هذه العلاقات، كما يقول، بدأت تنقلب رأساً على عقب: «ثمة عملية ابتعاد عن الأساليب الغربية واحتضان لما هو محلي أصيل من جانب النخب تتم على قدم وساق في العديد من البلدان غير الغربية ...». ويحلل هانتنغتون الوضع موضحاً بأن السمات والفروق الثقافية أقل قابلية للتحول مقارنة بالسمات السياسية والاقتصادية، فقد يستطيع شيوعي أن يصبح ديمقراطياً في روسيا، غير أن الروسي لا يستطيع أن يصبح أستونياً، كما لا يستطيع الأذري أن يصبح أرمنياً. ففي الصراعات الطبقية والأيدولوجية كان السؤال الحاسم كما يقول هانتنغتون: في أي صف تقف؟ وكان للناس الاختيار والتغيير من حزب سياسي إلى آخر. أما في الصراع بين الحضارات فإن السؤال هو: ماذا تكون؟ وهنا يجيب هانتنغتون: «وكما نعرف فإن من شأن الإجابة الخطأ عن ذلك السؤال من البوسنة إلى القفقاس وإلى السودان، أن يعني طلقة رصاص في الرأس، يستطيع المرء أن يكون نصف فرنسي ونصف عربي وفي وقت واحد، بل وأن يحمل جنسية بلدين، غير أنه من الأصعب أن يكون الإنسان نصف كاثوليكي ونصف مسلم».
٢٦
إن هذا الذي وصفه هانتنغتون من صراع بين الحضارت لم يحدث إلا في وقت نضج فيه الفكر الغربي على مبادئ الحداثة، فأين العقل إذاً من محاولة الغرب التحكم في العالم الآخر. فهو أي) هانتنغتون يرمي باللوم على العالم غير الغربي الذي رجع لقيمه لأنه لا يعتبر قيم تلك الشعوب غير الغربية عقلانية، وبهذا ظهر الصدام مع العالم الغربي العقلاني. وهنا أقول: «شهد شاهد من أهلها»، فها هو ذا هانتنغتون يعترف بأن الغرب يستخدم قوته لفرض قيمه على العالم. أي أن الغريزة المنفعية السلطوية غلبت الاحتكام للعقل. يقول هانتنغتون: «فالقرارات المتخذة في مجلس الأمن الدولي أو في صندوق النقد الدولي التي تعكس مصالح الغرب يجري تقديمها إلى العالم كما لو كانت عاكسة لرغبات الأسرة العالمية، وعبارة «الأسرة العالمية» بالذات باتت تسمية جماعية مشذبة وملطفة ( حلت محل عبارة «العالم الحر» لإضفاء المشروعية العالمية على أفعال وتحركات لا تعكس سوى مصالح الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى، وعن طريق استخدام صندوق النقد الدولي، مع مؤسسات اقتصادية دولية أخرى، يدعم الغرب مصالحه الاقتصادية ويفرض على الدول الأخرى جملة من الخطط والسياسات الاقتصادية التي يراها مناسبة، في أي استطلاع لرأي الشعوب غير الغربية من المؤكد أن الصندوق سيفوز بتأييد وزراء المالية مع عدد قليل من الآخرين، غير أنه لن يحظى إلا بالشجب والإدانة الكاسحين من الآخرين جميعاً تقريباً، ممن سيكونون متفقين في الرأي مع جورجي آرباتوف الذي وصف رسميي صندوق النقد الدولي بـ «البلاشفة الجدد المولعين بنهب أموال الآخرين، بفرض القواعد اللاديمقراطية والشاذة على السلوك الاقتصادي والسياسي، وبخنق الحرية الاقتصادية». تمخضت السيطرة الغربية على مجلس الأمن الدولي ،وقراراته هذه السيطرة التي لا يشوبها إلا امتناع الصين عن التصويت بين الحين والآخر، عن إضفاء الشرعية الدولية على قيام الغرب باستخدام القوة لطرد العراق من التصويت ولإجهازه على أسلحة العراق المتطورة كما على قدرته على إنتاج مثل هذه الأسلحة، وتمخضت أيضاً عن الخطوة غير المسبوقة تماماً التي مكنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جعل مجلس الأمن


۲ قصور العقل
يطالب ليبيا بتسليم المتهمين بتفجير طائرة البان آم (۱۰۳) ويبادر بعد ذلك إلى فرض العقوبات حين رفضت ليبيا الامتثال للطلب. وبعد إلحاق الهزيمة بأكبر الجيوش العربية لم يتردد الغرب في إلقاء كل ثقله على سائر أرجاء العالم العربي، وهكذا فإن الغرب يقوم عملياً بتوظيف المؤسسات الدولية والقوة العسكرية والموارد الاقتصادية لإدارة العالم بما يكفل بقاء الهيمنة الغربية، وحماية المصالح الغربية وتعزيز القيم السياسية والاقتصادية الغربية. تلك على الأقل هي الطريقة التي يرى بها غير الغربيين العالم الجديد، وثمة قسط غير قليل من الحقيقة في نظرتهم، وهكذا فإن أوجه الاختلاف في السلطة والنفوذ وأشكال الصراع من أجل امتلاك القوة العسكرية والاقتصادية والمؤسساتية تشكل أحد منابع النزاع بين الغرب والحضارات الأخرى، أما الفروق في الثقافة أي في مجال القيم والمعتقدات الأساسية فتشكل مصدراً ثانياً من مصادر هذا النزاع ...».
VI
والسؤال هو: إن كان العالم الغربي عقلانياً ويؤمن بإعطاء الأقليات الحرياتها ( كالشاذين جنسياً مثلاً)، تماماً كما يحاول حماية حرية الفرد، فلماذا إذاً يحاول فرض هيمنته على من لهم قيم تختلف عن قيمه خارج حدوده؟ والإجابة هي: كما وضحت في الحديث عن الأهواء (في المثال الأول عندما فشلت الدول في الوصول لحل لأزمة التلوث)، فإن الشيء ذاته يحدث هنا (في المثال الثاني). فالعقلانية إن طبقت على أرض الواقع بين الدول فما هي إلا تحقيق للمصالح. فالدول الغربية تكون جد عقلانية داخل حدودها، أما في علاقاتها الدولية فلن تفعل ذلك. فالعالم الغربي مقتنع تماماً بقيم حضارته التي يريد فرضها على الآخرين على أن يبقى هو الأعلى. وهنا تناقض عجيب يقع فيه العالم الغربي وبحماقة: فهو يريد شعوباً متحررة ديمقراطية ولكن تحت هيمنته. فكيف يمكن لهذا الوضع أن يتحقق. إن هذا التناقض (منطقياً) لهو استكبار أحمق. فحكومات العالم الغربي منافقة. ترفع شعار الحرية للأفراد والمشاركة في الحكم وتدعم في الوقت ذاته الدكتاتوريات العربية التي زاد بعضها عن ثلاثين عاماً كدعم بن علي في تونس ومبارك في مصر وعبد الله صالح في اليمن.
وهناك استكبار آخر أخرق. يقول هانتنغتون بأن هناك في الغرب الكثير ممن يعتقدون أن الحضارة الغربية هي الحضارة الكونية التي يجب على الجميع أن يتبعها، فالأفكار الغربية المتمثلة في الفردانية والليبرالية وحقوق الإنسان والدستور والمساواة والحرية وسيادة القانون والديمقراطية والأسواق الحرة وفصل الكنسية (أو المسجد) عن الدولة، هي الطريق الأمثل للسعادة، كما يعتقد الغربيون، برغم ظهور الإثباتات من الأبحاث بعكس ذلك كما يقول هانتنغتون. ففكرة إمكانية وجود حضارة كونية شاملة هي فكرة غربية متناقضة مع خصوصية أكثرية المجتمعات الآسيوية مثلاً. فبعد عرض لمئة دراسة مقارنة للقيم في مجتمعات مختلفة توصل العرض لاستنتاج يقول إن «القيم الأكثر أهمية للغرب هي الأقل أهمية للعالم ككل»." فبرغم كثرة مثل هذه الدراسات، وبرغم انتفاض بعض الشعوب وبالذات المثقفين من أبنائها ضد قيم الحضارة الغربية (أو بالأصح الضلال الغربي كما سأثبت بإذنه تعالى)، إلا أن الغربيين لا يريدون أن يروا عالماً آخر بنظم سياسية واجتماعية تختلف عن نظمهم لقناعتهم أن الديمقراطية برأسماليتها هي النظام الأمثل. إن هذا الرفض عقلانياً لهو استكبار :أحمق فهل من ، يقتنع الإنسان العقلاني أنه وصل لنظام مجتمعي أمثل لا يقبل التغيير الجذري؟ أي أنه يريد أن يوقف عجلة التطور المجتمعي ! فأين العقل هنا ؟ أليس هذا استكباراً وغروراً؟ ولكنك قد تقول: ألا ينطبق نفس هذا المنطق على الإسلام؟ أليس من الغرور وتعطيل العقل أن نزعم أن الإسلام هو النظام المجتمعي الأمثل؟ فأجيب: هذا ما سأحاول تقصيه في هذا الكتاب. فقد تتعدد النظم المجتمعية والعقول إلا أن الحق لابد وأن يكون واحداً كما سترى


۷۲ 🗏
. وهو ما
بإذنه تعالى. ولأن الحق هو أساس النظام المجتمعي فلابد وأن يكون هناك نظام مجتمعي واحد أمثل فقط. نؤمن نحن المسلمون أنه لدينا لأنه منزل من الحق سبحانه وتعالى. فهو شيء لا نستطيع أن نصل إليه بعقولنا. لذلك
يجب علينا أن نتقصى الحق كمجتمع بشري أين ما كان ومتى ما كان. ولكنك قد تستمر قائلاً: إن هذا منطق سلفي متخلف. فأجيب: قد يكون، ولكنني سأثبت لك بإذنه تعالى في هذا الكتاب أن البشرية لن تجد منطقاً أفضل من هذا الحق الذي أتى به الإسلام لأنه ليس من صنع البشر. فالإعجازات العلمية في القرآن الكريم دليل على صحة أن القرآن الكريم كلام الله العلي القدير وبالتالي دليل على صحة ما ندعيه نحن المسلمون من جهة. ومن جهة أخرى، فإن فيما سيأتي بيانه في هذا الكتاب محاولة لإقناع كل ذي حكمة حتى وإن لم يكن مسلماً بأن مقصوصة الحقوق
التي أتت بها الشريعة، هي النظام الحق وغيره باطل لا لسبب إلا لأنها تحرر البشر من استعباد بعضهم البعض.
أخي القارئ: لقد ظهرت مقالة هانتنغتون عن صراع الحضارات (۱۹۹۳) قبل أن يزداد الوضع سوءاً بالنسبة للغرب. ولكن بعد ظهور منظمة «القاعدة» وتبنيها لعدة أعمال استشهادية ضد مصالح الغرب وبعد انتشار سمعة منظمات إسلامية مثل «حماس» و «حزب الله» ونعتها بأنها منظمات إرهابية، ظهرت أفكار غربية متعددة تحاول النظر للإسلام من زواياه المختلفة لعلها تنجح في تغيير هذا الدين الذي لا يقبل بوجود إسرائيل في قلبه ولا ينخرط مثقفوه وبالذات الإسلاميين منهم ليصبحوا حداثيين. وسأضع بين يديك بعض الأطروحات لمثل هذه الأبحاث لترى كيف أن الغرب يحاول جاهداً تجريد المسلمين من معتقداتهم ليصبحوا كالغرب المؤمن بالحداثة. فمن هذه الأطروحات أن الإسلام دين يرفض الآخر وأنه يولد الإرهاب، فالإسلام يدعو للجهاد مثلاً، والجهاد هو قتل مقدس للآخرين من غير المسلمين كما يقولون، وهذا تخلف ومرض بحاجة لنوع من العلاج. فظهرت مقالات لفتت نظر العالم لهذا الخطر القادم على الغرب، أو بالأحرى على المجتمع المدني الديمقراطي.
لننظر أخي القارئ لإحدى هذه المقالات: لقد كتب بنيامين باربر Benjamin Barber بحثاً يصور فيه حال جميع الأمم التي تحاول التمسك بهوياتها خوفاً من الضياع أمام تيار العولمة فكان أن اختار كلمة «الجهاد» مجازاً ليصف حال هذه اليقظة سواء كان السكان من المسلمين أم غيرهم كالهندوس مثلاً في مقابل كلمـة «الماكدونالد» والتي تصف حال متقبلي النظام العالمي الجديد، أو العولمة فكان عنوان بحثه الذي اشتهر هو: «الجهاد في مواجهة عالم الماكدونالد Jihad vs. Mc World». فهو يقول معرفاً الجهاد:
بتلر اسم:
«أقر أن كلمة جهاد قوية، إنها بألطف صيغها توحي بصراع ديني باسم العقيدة، بنوع من الحماس الإسلامي، أما بأقوى تجلياتها السياسية فتعني حرباً مقدسة باسم هوية حزبية محددة ميتافيزيقياً [أي غيبيا ومحمية بأسلحة التعصب، ومن ثم فإن الجهاد الذي قد لا يعني بالنسبة إلى كثيرين من المسلمين سوى نوع من الغيرة والحماس باسم دين معين يمكن عده أداة مناسبة لإشاعة النزعة الكونية (وإن لم تصل إلى مستوى النزعة المسكونية)، استمد معناه من أولئك الناشطين الذين يجعلون من ذبح «الآخر» واجباً مقدساً. إنني أستخدم العبارة ببنيتها الكفاحية للدلالة على نزعة خصوصية دوغمائية جامدة وعنيفة معروفة لدى المسيحيين مثلما هي معروفة عند المسلمين، ... » .
۲۸
ويوضح باربر أصل الصراع بين عالمي الجهاد والماكدونالد على أنه ما أطلق عليه William Batler وليم


۲ قصور العقل
أبديتي العرق والروح بين أبدية العرق العاكسة للماضي القبلي، وأبدية الروح الحالمة بالمستقبل الأممي (الكوزموبوليتي)، غير أن أبديتنا العلمانية مفسدة، فالعرق تم اختزاله إلى عنوان للسخط، والروح جرى تقزيمها وتحجيمها بما يتناسب مع الجسد المتطلب الذي باتت تقيس حاجاتها به، لم يعد العرق ولا الروح يبشراننا بأي مستقبل يخلو من الكآبة، أو يعداننا بأي كيان سياسي يتصف بشيء من الديمقراطية ولو من بعيد» . .
۲۹
۷۳
أي أن باربر ينتقد كلا المنظورين الجهادي والماكدونالدي لا لشيء إلا لخوفه على الديمقراطية العقلانية. فيقول بأن المنظور الأول للعالم على أنه عالم الجهاد هو منظور متجذر في:
«تربة العرق بالأفق المظلم لنوع من عودة قطاعات واسعة من البشرية إلى الحالة القبلية الغارقة في بحار الحروب والدماء لنوع من خطر بلقنة الدول القومية حيث تمسك هذه الثقافة بخناق تلك، ينقض هذا [هؤلاء القوم على ذاك [أولئك، تبادر هذه القبيلة بنهش تلك، يتم إطلاق الجهاد باسم المئات من العقائد المفهومة بصورة ضيقة ومشوهة ضد سائر أشكال التبعية المتبادلة، ضد جميع ألوان التعاون الإجتماعي المصطنع والتبادلية ضد التكنولوجيا، ضد الثقافة الشعبية [ثقافة البوب]، وضد الأسواق المندمجة، ضد الحداثة نفسها جنباً إلى جنب مع المستقبل الذي يحمل الحداثة في رحمه، ...».
وبالنسبة للمنظور الآخر ، أي منظور عالم المكدونالد فيقول:
«أما السيناريو الثاني فيرسم المستقبل بأقلام التلوين ذوات الألوان المشرقة، ليقدم لوحة عن زحمة قوى اقتصادية وتكنولوجية وبيئية مندفعة بقوة تطالب بالاندماج والتماثل وتسحر الناس في كل مكان بالموسيقى السريعة بالحواسيب السريعة، وبالوجبات السريعة، بالإم تي في (MTV)، والماكنتوش والماكدونالد، مقحمة الأمم والدول في حديقة عالمية عامة متجانسة، في بوتقة عالم ماكدونالد واحد مترابط بحشد من شبكات الاتصالات والمعلومات وأسباب اللهو والتسلية والتجارة. مشدوداً بين قطبي بابل وديزني لاند يتعرض الكوكب لعملية تمزق متسارعة بعنف مع عملية توحد قسرية في اللحظة نفسها بالذات».
ولكن لماذا هذا الخوف من كلا التوجهين لعلك استنتجت أن باربر قلق على الديمقراطية التي أوجدها الغرب، وما ذلك إلا (كما يقول) لأن كلاً من عالم الجهاد وعالم الماكدونالد يندفعان بقوتين متساويتين في اتجاهين
متعاكسين،
«الأول مدفوعاً بأحقاد محلية ضيقة، والآخر بأسواق كونية موحدة، الأول عاملاً على إعادة خلق حدود تحت قومية وعرقية قديمة من الداخل، والثاني دائباً على جعل الحدود القـومـيـة منفذة من الخارج، ومع ذلك فإن للجهاد وعالم الماكدونالد هذه الصفة المشتركة : كلاهما يشن حرباً على الدولة القومية ذات السيادة ويعمل من ثم، على تقويض مؤسسات الدولة القومية الديمقراطية، كل منهما يراوغ المجتمع المدني ويقلل من شأن المواطنية والديمقراطية دون أن يسعى أي منهما إلى إيجاد

*** هامش ***

جـ) ثم يلخص باربر قلقه على الديمقراطية مضيفاً: « في زحمة المجابهة أفضت ممارساتهما الناسفة لأسس الدولة إلى تقويضها، كما أن بين التجارة العالمية والانتماء العرقي الضيق تضيع فضائل الدولة الأسواق العالمية وجماعات قرابة الدم بعيدة عن خدمة الخير العام الديمقراطية وتتعرض جملة الأدوات التي مكنت هذه الدولة بها جملة وعن السعي إلى المساواة والعدالة. فالأجهزة القضائية المحايدة الأقوام والشعوب من التحول إلى أمم والوصول إلى امتلاك السلطة والمجالس التشاورية لا تضطلع بأي دور لدى عصابات القتلة السائبة السيادية باسم الحرية والمصلحة العامة للخطر . لا الجهاد ولا عالم التي تتحدث باسم الشعوب» المتحررة حديثا، ...» ا، ...» (۳۱). الماكدونالد يتطلعان إلى إعادة تأمين الفضائل المدنية والأهلية التي


٧٤ 🗏
مؤسسات ديمقراطية بديلة، لعل الخيط المشترك بينهما هو خيط اللامبالاة بالحرية المدنية. يقوم الجهاد باجتراح جماعات قائمة على الدم متجذرة في تربة الإقصاء والحقد، جماعات تحتقر الديمقراطية لصالح النزعة الأبوية الاستبدادية أو النزعة القبلية القائمة على الإجماع، أما عالم الماكدونالد فيجترح أسواقاً عالمية متجذرة في تربة الاستهلاك والربح ... » .
نے
هكذا كما ترى فإن الغرب وأتباعه يرفضون الأديان لأنها بالنسبة لهم قد تدمر المجتمعات الديمقراطية التي أنتجتها عقولهم. ولكن أين المفر ؟ فالأديان حقيقة واقعة لابد من مواجهتها. لذلك ظهرت حركة الحوار بين الأديان لتذيب ما بين الأديان من خلافات لتتحد حول مفاهيم تجمع سكان الأرض على ما هو ديمقراطي. ولكن ما هو الخيط الذي يجمع بين الأديان ؟ انظر لمكرهم للوصول لأهدافهم: لقد قالوا إنه الأخلاق. فظهرت حركة لنشر التآلف بين الأديان من خلال الأخلاق الإنسانية. يقول هانس كونغ Hans Kung، وهو الشخص المكلف بكتابة مسودة البيان الصادر عن الاجتماع الأول الذي دعى إليه مجلس برلمان أديان العالم الذي عقد في شيكاغو بين ٢٨ أغسطس و ٤ سبتمبر سنة ۱۹۹۳ والذي حضره ستة آلاف وخمس مئة شخص من معظم الأديان:
«لن يكتب للديمقراطية أي بقاء ما لم يتم اجتراح نوع من التحالف بين المؤمنين والملاحدة على قاعدة الاحترام المتبادل ... لن يكون ثمة سلام بين الحضارات في غياب السلم بين الأديان! كما لن يكون أي سلم بين الأديان دون إجراء حوار بين هذه الأديان.... ليس [لن] يكون ثمة أي نظام عالمي جديد في غياب منظومة أخلاقية كوكبية جديدة ... لا يسعني إلا أن أكرر أن المنظومة الأخلاقية الكوكبية ليست إيديولوجيا أو بنية فوقية جديدة .. المنظومة الأخلاقية الكوكبية ليست إلا الحد الأدنى من القاسم المشترك على صعيد القيم والمعايير والمواقف الأساسية الإنسانية، وبعبارة أدق يمكن أن يقال : ليست المنظومة الأخلاقية الكوكبية إلا نوعاً من الإجماع على سلسلة من القيم الإلزامية، من المعايير التي يتعذر إبطالها، ......
۳۲
لاحظ في الاقتباس السابق أنه بدأ بالديمقراطية لينتهي بالأخلاق أي أن الأخلاق المشتركة بين البشر (أو الإجماع على سلسلة من القيم الإلزامية، كما يقول هي المدخل لنشر الديمقراطية. ياله من مدخل مخادع. فبالتستر تحت الأخلاق والتي لا يستطيع أي عاقل أن يرفضها سيتم تجريد المسلمين من بعض أسس الشريعة كالجهاد مثلاً ليذوب المجتمع المسلم رويداً رويداً فيبقى الإسلام في القلوب حبيساً أو في أحسن الأحوال في المسجد طقوساً وليس كنظام مجتمعي فعال. ولقد بدأ التحرك السياسي فعلاً لإنزال هذه الأفكار إلى أرض الواقع. فيقول كونغ معللاً: ولأن العالم «موبوء أيضاً بالتطرف والعنف الدينيين اللذين يتم الوعظ بهما وممارستهما باسم الدين»، فهناك محاولات جادة لإيجاد دستور عالمي جديد، مشابه لميثاق حقوق الإنسان تتعهد فيه جميع الأمم بالالتزام به. فقد قام فريق عمل مكون من رؤساء الدول والحكومات السابقين برئاسة مستشار ألمانيا الاتحادية السابق هلموت شمیدت بتأیید بيان شيكاغو، ثم تمت مناقشة البيان في فينا في شهر مارس سنة ١٩٩٦ مع خبراء من الأديان المختلفة، ثم جرى إقراره بمدينة فانكوفر في شهر مايو ١٩٩٦؛ هكذا سُحب بعض المسلمين من خلال حفنة من دارسي الشريعة (ولا أقول رجال الدين للتنازل عن أسس معتقداتهم وذلك أن مجرد الموافقة على قيم أخلاقية عالمية يعني أن هذه الأخلاق مقدمة على كل شيء آخر بما فيها السياسة والقانون. فهناك حيثيات متتالية يذكرها هانس كونغ منها (قائلاً: «لابد للأخلاق من أن تتقدم على السياسة والقانون ، لأن الفعل السياسي مهتم بالقيم والاختيار، ومن ثم فإن على الأخلاق أن توجه وتلهم قيادتنا السياسية». أي أن على الحكام الخضوع لهذه القيم الأخلاقية الكوكبية. هكذا


۲ قصور العقل
Vo
يتم تجريد الإسلام من الحكم بما أنزل الله فإن أراد حاكم ما منع البنوك الربوية فلن يستطيع ذلك لأن الأخلاق الكوكبية المتفق عليها ستمنعه من ذلك. كيف؟
إن من الحيثيات لإيجاد نواة للمنظومة الأخلاقية الكوكبية الانطلاق من ضرورة معاملة «كل إنسان معاملة إنسانية! ذلك. يعني ا ي أن كل كائن بشري، دونما تمييز على أسس السن والجنس والعرق والبشرة واللون والقدرة البدنية أو الذهنية أو اللغة والدين ووجهة النظر السياسية أو الجذور الاجتماعية، يتمتع بكرامة ثابتة لا يمكن المساس بها». فإن أراد تاجر ما إنشاء بنك ربوي فلن يحق للدولة منعه. ولعلك لاحظت أخي القارئ أيضاً أن تقديم الأخلاق على القانون أي قانون جميع المجتمعات والمساواة بين جميع البشر، لابد وأن يعني أنه لا يحق للمسلم التفكير في الجهاد لنشر الإسلام. ألا يتعارض هذا مع ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالذات ما فعله الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قبل فتح العراق والشام من تخيير غير المسلمين بين الإسلام أو الجزية أو القتال؟ ليس هذا فحسب، بل هناك المزيد: لوضع منظومة الأخلاق الكوكبية التي يجب أن تخضع لها جميع الأديان فقد تم وضع مبدأين تنطلق منهما المعايير للأخلاق الكوكبية وهذان المبدءان هما (كما يقول هانس كونغ): «يجب التعامل مع جميع البشر بطريقة إنسانية. افعل للآخرين ما يطيب لك أن يفعله الآخرون لك». وينبغي لهذين المبدأين أن يشكلا المعيار العام الذي لا يقبل الجدل وغير المشروط بالنسبة لجميع مجالات الحياة ولجميع الأديان والعرقيات كما يقول كونغ. لهذا فقد تم تأكيد عدة توجهات كمعايير منها: «الالتزام بثقافة اللاعنف واحترام الحياة كلها بتلك الوصية القديمة قدم الزمن لا تقتل أو احترم الحياة بصيغة الإيجاب. ...». لاحظ عبارة « ... أو احترم الحياة بصيغة الإيجاب ...». أدرك أيها القارئ أنك قلت (إن لم تكن مؤمناً بأن القرآن كلام الله): هل يريد هذا المؤلف (أي جميل (أكبر) تحريض المسلمين على سفك دماء الآخرين تحت مظلة الجهاد؟ فأجيب: كما سأوضح في فصول لاحقة بإذنه تعالى فإن المسلمين إن لم يجاهدوا فإن الحكم بالإسلام لن ينتشر في الأرض ولكن الذي سينتشر هو الفساد ببعديه (التلوث البيئي والانحلال الخلقي). فإن لم تقر بأن الانحلال الخلقي كارثة لاختلاف قيمك، فمن الحكمة أن توافقني على أن التلوث البيئي كارثة قادمة لا محالة. فلابد إذاً من الجهاد لإنقاذ كوكب الأرض لأن هذا الإنقاذ لن يأتي إلا بالحكم بالشريعة، ولكن في الوقت ذاته (وهذا جد مهم) ترك الحريات للناس لاعتناق ما أرادوا من الأديان والعادات. أي لا إكراه في الدين ولكن تحت مظلة مقصوصة الحقوق لإنقاذ الأرض من فساد قادم لا محالة (وسيأتي بيانه بإذنه تعالى).
وحتى لا ينقاد العالم إلى الفوضى، كما يقولون، فقد تم وضع تقرير أعدته هيئة إدارة العالم من قبل منظمة الأمم المتحدة بعنوان: حارتنا الكوكبية. ويقول هانس كونغ بأن المقصود بإدارة العالم ليس حكمه، فهذا أمر غير واقعي، بل محاولة «تحقيق التوازن بطريقة تمكن إدارة الشؤون الكوكبية من التجاوب مع مصالح جميع الناس في مستقبل قابل للدوام، أي بطريقة تكون معها مسترشدة بالقيم الإنسانية الأساسية، وبطريقة تجعل التنظيم الكوكبي منسجماً مع تنوع العالم». ومما يحويه التقرير هو تعزيز الأمن الكوكبي وإدارة التبعية الاقتصادية المتبادلة وتقوية سيادة القانون (القانون الدولي) على النطاق الكوكبي وإصلاح الأمم المتحدة. ٣٤ أي أنهم باختصار يريدون إيجاد نظام لجميع البشر بجميع معتقداتهم للعيش معاً تحت نظام دولي يحق فيها لكل جماعة فعل ما تريد ما لم تعتد على الآخرين تعدياً مباشراً. فهم بهذا يؤكدون على حقوق الأقليات مهما كانت معتقداتهم مثل الشاذين جنسياً. أي أن


٧٦ 🗏
القانون الدولي سيحمي طوائف مثل اللوطيين والسحاقيات والمرابين. وقد لا يكون ضرر هؤلاء مباشراً على الأفراد الآخرين، ولكن مع الزمن قد تنتقل عدوى مرض هؤلاء على البعض الآخر من أفراد المجتمع. لذلك يمنعه الإسلام. أما فلا يريدون ذلك تحت شعار الحريات. ولكن أنى لهم ذلك. لماذا؟ نعود الآن إلى صامويل هانتنغتون Samuel Huntington فهو يرى في حديثه عن صدام الحضارات استحالة مثل هذا المنظور: فهو
يقول:
هم.
«تؤدي الفروق في الثقافة والدين إلى ظهور خلافات حول أمور السياسة والتخطيط، بدءاً بحقوق الإنسان ووصولاً إلى قضايا الهجرة والتجارة والأعمال ومروراً بمشكلات البيئة. يتمخض التجاور الجغرافي عن صدور مزاعم إقليمية متضاربة من البوسنة إلى مينداناو، لعل الأهم هو أن جهود الغرب الرامية إلى نشر قيمه المتمثلة بالديمقراطية والليبرالية بوصفها قيماً كونية شاملة، إلى الحفاظ على هيمنته العسكرية، وإلى تدعيم مصالحه الاقتصادية تولد ردوداً مقابلة لدى حضارات أخرى، ومع تناقص قدرتها على استنفار الدعم والتحالف بالاستناد إلى أساس الأيديولوجيا، سوف تبادر الحكومات والجماعات إلى مضاعفة مساعيها للحصول على الدعم عبر مناشدة الديانة المشتركة والهوية الحضارية. وهكذا فإن صدام الحضارات يحدث على مستويين فعلى المستوى الضيق تتصارع الجماعات الموجودة على امتداد خطوط الصدع الفاصلة بين الحضارات، بعنف غالباً، حول السيطرة على الأرض. أما على النطاق العام الموسع فإن دولاً منتمية إلى حضارات مختلفة تتنافس في ما بينها على امتلاك المؤسسات الدولية والأطراف الثالثة، وتظل عاكفة على التباري في مجال نشر قيمها السياسية والدينية الخاصة» . ٣٥
وباختصار: إن أعدت قراءة ما سبق وغيرها من كتب واضعاً في ذهنك أن العالم الغربي يحاول جاهداً (أو يتظاهر أنه يحاول جاهداً) نشر قيمه الديمقراطية داخل حدود الدول مع محاولته الهيمنة على تلك الدول لاقتنعت أن العقلانية لا يمكن أن تنتهي إلا بنظام دولي يهيمن فيه الأقوى على الأضعف، ونظام مجتمعي يهيمن فيه الأغنى على الأفقر (كما سيأتي بإذن الله. أي أن العقلانية هي أداة للمفاضلة وليست للعدل أي أنها أداة تقول شيئاً وتنتج شيئاً آخر. فالأسرة قد تكون عقلانية لتحقيق أهدافها، ولكن على مستوى الحي، إن كان لسكان الحي الحق في تقرير المصير من خلال التصويت مثلاً فإن الناتج هو تغليب مصالح الأكثرية أو الأقوى والذي قد لا يكون في صالح إحدى الأسر. وكذلك على مستوى الحي، فقد يكون سكان الحي عقلانيين لتحقيق مصالحهم، أما على مستوى المدينة فإن الأقوى هو الذي يحقق مصالحه الذي قد لا يكون في صالح سكان حي آخر. وكذلك المدن، فقد تكون المدينة من خلال حاكمها ومعاونيه عقلانية في تحقيق مصالحها ولكن بعض المدن لن تستطيع أن تحصل على ما تريد إن لم تكن قوية على مستوى الدولة. والشيء ذاته بين الدول كما مر بنا. وهكذا كل يعتقد أنه عقلاني في مستواه، إلا أنه على المستوى الأعلى منه إما أن يكون خاسراً أو لا يكون بناءً على سلطته وقوته (وهناك بحث متميز" في هذا الموضوع). ولعل أوضح مثال على هذا هو مؤسسات الدولة كالوزارات فمعظم الوزارات تعتقد باستخدام العقل أنها من الأهم، وأن ما تقدمه من خدمات هي من الأهم، ولذلك تسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من الموازنة العامة حتى وإن كان هذا على حساب قطاعات أخرى أهم. فأيهما أهم مؤسسات الكهرباء أم التعليم؟ ومن يقرر في هذه المسألة؟ إنه الأقوى. وهكذا يتراكم الخاسرون في جميع المستويات ليشكلوا جزءاً له سلبياته في المجتمع كما سيأتي. أي أن العقلانية، لا تنتج إلا خاسراً ومنتصراً لتكون التركيبة المجتمعية مكونة من مؤسسات


۲ قصور العقل
VV
متصارعة تستنهك الكثير من موارد المجتمع لحل هذه الصراعات. أما ما تفعله الشريعة فهو فصل متقن بين جميع الأطراف بقص الحقوق ليحصل كل طرف على ما يستحقه بناءً على كفاءته دون الحاجة للصراعات، بل بالفصل المتقن بينهم كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ ، (وسيأتي بيانه بإذن الله). وبرغم كل هذا الوضوح لمآسي العقلانية إلا أن الغرب يرفض الأديان تماماً. فهو لا يريد للأديان أي دور لا في التخصصات العلمية مثل دراسة القانون أو الاقتصاد، ولا في علم المستقبليات الذي يُنظر لإيجاد ما يسمى بـ «النظام العالمي
الجديد».

العقل أم التمكين

أي أن العقل لكل غربي أو علماني هو المرجع الأساس في معظم التوجهات الفلسفية المعمول بها سابقاً أو المعاصرة، أو تلك التي تبحث عن مخرج لأزمة الحداثة مستقبلاً، يا لها من خديعة وقع فيها العالم. لقد أصبح العقل البشري القاصر هو المحور وهو المحك وهو المقرر وهو العصب. إنه كل شيء. ومن لم يقبل بهذا فهو ناقص في كيانه ومرفوض في منطقه. فالمفكرون المستكبرون لا يريدون أن يروا أن الأمم ستنتهي بالعقلانية إلى المصالح الذاتية التي إن تراكمت ستدمر البشر، وهذا وضع كل مسلم مفكر في حيرة فإنجازات الحداثة من راحة للبشر
كاختراع الهواتف الذكية أمر ملموس. لذلك يكون السؤال: هل هذا الإنجاز التقني الغربي بسبب الحداثة؟ كما قلت: فمعظم ادعاءات المفكرين تصر على أن العقلانية في الحداثة هي السبب الأهم لهذه الإنجازات لدرجة أن هناك نظريات تعزو تخلف المسلمين إلى عدم إعمال عقولهم. وأنا لا أرى ذلك، والذي أعتقده هو أن «التمكين للشعوب الذي أتت به الحداثة، والذي كسبه الغرب من خلال حكمه لنفسه بعد تحرره من الكنيسة، أدى لهذه الإنجازات. فالحداثة مكونة من شقين: عقلانية بشرية من جهة، وتمكين للشعوب من جهة أخرى. وأعني بالتمكين هنا أن الناس يدركون من خلال تعاملهم في مجتمعهم الرأسمالي أن سعادتهم في نظام رأسمالي مربوطة بزيادة دخلهم لأن لكل شيء سعرا. وزيادة الدخل هذه تأتي من المثابرة على العمل وابتكار ما هو جديد أو نحوه من محفزات، ومن ثم حرية الحركة في المتاجرة بما تم إنتاجه ببيعها في مناطق أخرى ، وهذا ما اتفق الغربيون على نعته بالفرنسية: دعه يعمل دعه يمر laissez faire, laissez passer». فيقول د. محمد مثلاً: «لذلك يلاحظ أن زيادة الإنتاج والتقدم الاقتصادي والعلمي كانا قد اقترنا بحصول الفرد على حقوق وحريات وفرص جديدة تسببت في إعلاء شأنه وتعزيز إنسانيته إلى حد كبير». فالمجتمع الغربي كفل لكل من يعمل حقه إن هو جد في العمل وثابر على الابتكار؛ وكفل له أو لغيره حق المتاجرة به. وحفظ مثل هذه الحقوق هي أهم حافز للأفراد للإنجاز. أي أن إنجازات الحداثة . هي بسبب تمكين الشعوب وحفظ الحقوق التي أدت للمزيد من الكسب المادي للأفراد الذين دأبوا للمزيد من العمل والإنتاج والابتكار. وهكذا انطلقت المجتمعات الحداثية. أو على الأصح، انفلتت لمزيد من الاستهلاك والذي تراكم ليلوث الأرض ومن عليها. أي أن هذا الإنجاز المادي ليس بسبب العقلانية، ولكن بسبب حفظ حقوق الأفراد الذي أدى للتمكين. وهذا التمييز بين العقلانية والتمكين مهم لموضوع هذا الكتاب، وهو خطأ وقع فيه الكثير. فمعظم الباحثين اعتقدوا أن عقلانية الحداثة هي أهم سبب لإنجازاتها،
۳۷
ربيع


VA 🗏
ولذلك انتقدوا الإسلام في لاعقلانيته ( كما يزعمون). وهنا في هذا الكتاب كما سنرى بإذن الله) أصر على أن «التمكين» في الغرب (وبرغم أنه مبتور مقارنة بما تقدمه الشريعة) هو سبب هذه الإنجازات. وأن العقلانية تبقى فاعلة على المستوى الابتكاري، أما على أرض الواقع للفصل بين الأفراد، فهي برغم دفع شعوبها للمزيد من الإنتاج، إلا أنها المسبب للفساد لأنها تنقلب إلى مصالح وأهواء. وهذا أمر لا مفر منه للمجتمعات التي تأخذ بالحداثة. وبالطبع ستسأل: إن كان التمكين للشعوب هو من إفرازات الحداثة، وأنه رفع الإنتاجية، فلماذا لا نأخذ به كمسلمين؟ فأجيب: إن ما يطرحه هذا الكتاب هو أن الإسلام أكثر تمكيناً مما أتت به الحداثة، كما أنه أكثر تحريراً للأفراد. فما يحتاجه البشر هو مجتمعات متمكنة متحررة في حركتها. وما تقدمه الحداثة هو بعض التمكين مع الكثير من التقييد، لذلك ثار فوكو على التقييد كما وضحنا. فشتان بين مجتمعين: أحدهما، أي الإسلام، أفراده متمكنون (كما سنوضح في الفصول ۳ إلى ( وينطلقون دون تقييد حركتهم (الفصول ۹ إلى ١٧)، والآخر، أي الحداثي، أفراده متمكنون جزئياً مع تقييد في الحركة. فقد أوجدت المجتمعات الحداثية الكثير من القيود التي تثبط الهمم (الفصول ۸ و ۱۲ و ۱۸) . ولكن إنجازاتها تبهرك لأنك لم تر البديل. فلم يحكم الإسلام ليرى العالم ما يمكن أن يقدمه للبشرية من تقدم تقني وإنتاج غزير وسعادة دائمة. وإن حكم لكان حال العالم الآن في وضع مختلف. أو كما أزعم في هذا الكتاب لتمكن المسلمون في القرن السادس أو حتى الرابع الهجري من ابتكار الحاسوبات والهواتف النقالة ونحوها من منجزات، ولأصبحنا الآن في حضارة متقدمة جداً تليق بإنسانية البشر. أي أن الغرب لم يتقدم إلا اليسير، ولأن المسلمين لم يتقدموا نرى تقدم الغرب إنجازاً، فالإنسان المبدع الذي خلقه الله عز وجل، إن تفاعل مع ما أوجده الله من خيرات على الأرض بالاحتكام لمقصوصة الحقوق لأنتج الكثير وبنوعية عالية. فحذار أخي القارئ وأختي القارئة من الخلط بين العقلانية والتمكين. وهذا التمييز هو من أهم محاور وأطروحات هذا الكتاب (وسيتضح أكثر بإذنه تعالى). وقبل الاستمرار، لابد من المرور سريعاً على بعض نظريات تخلف المسلمين والتي تصر في طرحها على أن تخلف المسلمين هو بسبب رفض العقلانية البشرية !

أسباب التخلف

قدمت
لقد نُشر الكثير من الدراسات التحليلية عن أسباب تخلف المسلمين. فما حدث في الجزائر التي ملايين الشهداء يثير الدهشة، فبعد خمسين سنة من الاستقلال وبرغم كل الثروات والمعادن التي بها، وبرغم الطقس البديع والأرض الخصبة، وما إلى ذلك من عوامل العزة، فبرغم كل هذه المقومات التمكينية إلا أن شبابها الفقراء يقذفون بأنفسهم على أعتاب أوروبا التي تزجهم طرداً. فما هو الذي ينقص العالم الإسلامي ليتخلف؟ إنه سؤال محير، وللإجابة عليه ظهرت أسئلة أخرى هل التخلف بسبب الإفرازات المعاصرة أم أنه آت من الماضي؟ هل هو من عوامل داخل الأمة أم من خارجها بسبب مكر أعدائها ؟ هل هو غياب التقنية أم غياب المفاهيم الإنتاجية السامية؟ أين هي مكامن الخلل وما هي بدائل النهوض وبرغم كثرة الأسئلة إلا أن هناك إجماعاً على أنه كلما زاد تاريخ الأمة عراقة كلما كان لماضيها حضوراً مؤثراً في توجهها المستقبلي، والأمة المسلمة تكاد تكون من أعمق الشعوب حضارة. فلا يمكن تلافي أو مسح ماضيها من الذاكرة الجماعية. ومن الباحثين من يرى أن تقدم الغرب


۲ قصور العقل
۷۹
ليس إلا اقتصادياً وتقنياً، أما من الناحية الاجتماعية والنفسية والأمنية فهو في كآبة وضياع، وأن الحضارة هي محصول التقدم في جميع المجالات الأمنية والأخلاقية والاقتصادية والتقنية.
وهو
التخلف
تخلف
وبالطبع، ونظراً لاختلاف القناعات والتخصصات بين الباحثين، فقد اختلفت تفسيراتهم عن سبب المسلمين. وسأعرض لك بإيجاز أهم نظريات التخلف، فهي أكثر من أن تحصر . بل يمكن القول بأن لكل مثقف في العالم الإسلامي نظريته الخاصة به، وسأبدأ بما ذهب إليه الإسلاميون: فهم يرون أن سبب التخلف الجوهري هو الإعراض عن كتاب الله وسنة نبيه صلوات ربي وسلامه عليه. وبسبب هذا الإعراض انتشر الجهل بالدين وبالتالي انتشر الحكم بغير ما أنزل الله، فأقيمت كل الحياة بعيداً عن الإسلام فانتشر الفكر الإرجائي مثلاً كما يقولون: أن يؤمن الإنسان بقلبه ولا مكان للإيمان في تأطير العمل فيكفي أن يؤمن الإنسان أن الله عز وجل موجود، وأن الإسلام حق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعث، ثم لا يضره ما فعل، أو كما قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ومن الأسباب أيضاً (في نظرهم) في هذا الإطار ضعف عقيدة الولاء والبراء. فالدين ليس مرجعاً في من يوالونه المسلمون ويعادونه، بل هي المصالح والأهواء. ومن أسباب التخلف في نظر الإسلاميين أيضاً هيمنة علم الكلام على أبواب الاعتقاد بحجية أن العقل له الحق في أن يقول كلمته، فكان بسبب تعريب كتب الفلسفة. لهذا كان ابن تيمية رحمه الله يقول مثلاً متى ما ذكر المأمون الذي أذن بترجمة كتب الفلسفة: «عليه من الله ما يستحق». ومثل هذه الأسباب أدت إلى الجهل الذي مزق الوحدة التي تميزت بها الأمة، فظهرت الفرق كالبهائية والقديانية، فعاد المسلمون كما كانوا في الجاهلية ممزقين بفعل العصبيات. وازداد الضعف بالانبهار بالغرب ثم الاقتداء به فالضعيف يقلد القوي، فكانت الهزيمة النفسية والتبعية المطلقة. أو كما وضحها شكيب أرسلان: إن من أعظم أسباب انحطاط المسلمين فقدهم كل ثقة بأنفسهم. وهذا من أشد الأمراض الاجتماعية وأخبث الآفات الروحية، ولا يتسلط هذا الداء على أمة إلا ساقها للفناء. ومن الأسباب أيضاً ظهور البدع (كما يقول الإسلاميون)، فالبدعة هي النار التي تحرق المجتمع، أو هي الأكسجين الذي يزيد النار احتراقاً، فيزيد التخلف هشاشة. ومن الأسباب أيضاً معاناة الأمة من الخونة على مر التاريخ مثل ابن العلقمي الذي أعان التتار عند سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ. ومن أعظم الخيانات بالطبع الخيانة الفكرية. ومثال ذلك كتاب علي عبد الرازق عن «الإسلام وأصول الحكم». والذي ذهب فيه إلى فصل الدين عن الدولة. ولعل المثال الأشهر هو كتابات طه حسين التي تحث على اتباع الغرب. لذلك كان لضعف العلماء في توجيه الأمة الأثر الواضح في التخلف كما
يقول الإسلاميون.
ومن الباحثين من يرى أن التخلف بسبب التصادم بين الفكر القومي والفكر الإسلامي: فالفكر القومي لم يكن ليوجد في العالم الإسلامي ولكنه انتقل من أوروبا إلى العالم الإسلامي من خلال الأتراك، فالأتراك بحصر الحكم في جنسهم، وما إليه من قرارات مركزية، أوجدوا نوعاً من التحزب في العالم الإسلامي ضدهم، وهذا ولد الشعور بالقومية في وقت كان هذا الشعور منتشراً أيضاً في العالم الغربي، فانتشرت النزعة القومية والتي كان لابد لها وأن تصطدم مع الإسلام الذي لا يعترف بالقوميات كميزة تفرق بين البشر، فكان التمزق. ومن الأسباب للتخلف ما هو خارجي، مثل كتابات المستشرقين المضللة واجتماع كلمة الكفرة على الإسلام برغم شتاتهم. ومن الباحثين من يقبل بهذه الأسباب إلا أنه يحاول جاهداً إيجاد مخرج لهذا التخلف فالداعية عمرو خالد مثلاً من ضمن


۸۰ 🗏
ما عزاه من أسباب للتخلف هو البطالة التي قد تصل إلى ٣٠٪ في العالم العربي. ويعزو ذلك إلى التعليم الذي لا يلبي مطالب السوق وإلى عدم وجود مشروعات قومية كبيرة تمتص هذه البطالة وإلى قلة الصناعات الصغيرة والمتوسطة والتي ستوفر الكثير من المنتجات ببعض الجهد والمبادرة وما إليها من أسباب كضعف التجارة البينية بين الدول الإسلامية. لذلك نجده يحاول إيجاد وصفات معاكسة لأسباب التخلف للخروج منه فمن هذه الوصفات مثلاً قوله بأن العزة لا تكون إلا بالمبادرة ذات الإرادة العظيمة. والإرادة لا تكون إلا بإيمان شديد بفكرة ما مع أمل كبير في تحقيقها. ومتى ما تكونت الإرادة العظيمة وتوافرت الإمكانات النفسية والمادية فإن النجاح أكيد بإذن الله إن تغيرت نفوس الناس وبرامج التعليم، وهكذا من محاولات وكأنها ترمي باللوم على عموم أفراد المجتمع دون التركيز بالدرجة الأولى على الأنظمة الحاكمة. ولعله معذور فهو يحاول تلافي الاصطدام مع الحكومات ليتمكن من التحرك في مساحة أكبر للوصول لأكبر عدد من الناس.
وفي الوقت ذاته، فهناك من الباحثين من يحاول التوجه مباشرة إلى أصل المشكل بنقد النظام الحاكم من جذره. فمن أهم النظريات وأقواها لدى الإسلاميين ما بدأ ينتشر بين كثير من الباحثين من أن السبب الرئيس للوهن هو سياسي بالدرجة الأولى ويكمن في طريقة الوصول للحكم ومن ثم في تداوله، ومن أمثلة ذلك كتاب عبد الله النفيسي «عندما يحكم الإسلام»، وكتاب حاكم المطيري: الحرية أو الطوفان». وكل الذي سبق قليل من كثير من نظريات الإسلاميين التي بحثت في تخلف المسلمين. أما الطرح الذي يحاول هذا الكتاب إثباته فهو قد لا يناقض ما سبق، إلا أنه يعزوه جميعه إلى الخروج عن مقصوصة الحقوق.
وفي النقيض فإن عموم الباحثين غير الإسلاميين رأوا أن التخلف هو بسبب عدم فصل الدين عن الدولة، كما في الغرب. وبالطبع، فهؤلاء الباحثون يرحبون بالديمقراطية. وينبثق من هؤلاء من يركزون على أن السبب في التخلف هو غياب مفهوم المواطنة، فالعالم الإسلامي يميز بين المسلم والمسيحي كما يقولون؛ أما العالم الغربي، فإن الجميع فيه مواطن وبغض النظر عن الدين. فالعلمانيون لم يفرقوا بين الأفراد إلا بكفاءاتهم، وهذا التمييز في العالم الإسلامي أدى لضعف الإنتاجية. ومنهم من يرى أن التخلف هو بسبب التسلط في غياب الديمقراطية، وأنه بدأ مع الدولة الأموية، وأن حكام العالم الإسلامي تمكنوا من توظيف الدين لمصالحهم. فرجال الدين الذين يحومون حول السلطان الذي استخدمهم لتوطيد دعائم حكمه سبب رئيس في التخلف لأن رجال الدين استخدموا الدين وسيلة لتكفير هذا وتكميم فم هذا وزندقة ذاك كما يفعل الجامية اليوم. وبهذا تم استئصال كل من خالف الحاكم. حتى أن مثقفاً عربياً (أبو يعرب المرزوقي عزى التخلف إلى خلل في علم الكلام. فهو يرى أن الفلسفة تحولت من علم يبحث عن الحقيقة إلى علم يدافع عن عقيدة ما. فالمؤسسات بدل أن تعمل للدين تستعمل الدين. فهناك جواب ديني بدل السؤال الديني عند العالم ، وهذا يقتل التقدم في التأويل لأن التأويل قد خرج عن الدين. ومنهم من يرى أن التراكمات العديدة التي تداخلت من الدين والعادات وما إليها مما لا يتوافق مع التقدم العصري جعل من الدولة جهازاً مثقلاً بالبيروقراطيات التي لا تتعامل مع مشاكل الغد إلا بأفكار الأمس، أي وكأن كل دولة إسلامية عبارة عن شركة كبيرة خاسرة. ومنهم من رأى أن مشكلة المسلمين هي في تحزبهم وانقساماتهم، فما أنهك الدولة العثمانية محاولاتها المستمرة لإخماد الفتن التي أثارها الشيعة، وعدم تفرغهم (أي العثمانيون) لسحق أوروبا التي كان من الممكن أن تكون قد أسلمت إن أمنت الدولة العثمانية جانبها الشرقي. وهذا الانقسام طائفي عرقي، وهناك
مثلاً
هو


۲ قصور العقل
ΔΙ
انقاسمات مذهبية، فالاجتهادات بين العلماء مثلاً أدت إلى الاختلافات المذهبية والتي ولدت الصراعات كما يقولون. وفي النقيض، فهناك من يرى أن التعددية المذهبية ثراء للأمة إن لم تتحول إلى صدام مسلح. ومن الطروحات حول تخلف المسلمين أيضاً هو دراسة شتات الوضع السياسي في العالم العربي، كما يقول بذلك محمد جابر الأنصاري. وقد عزى باحثون آخرون التخلف إلى فشل نظام التعليم والتدريب في المدارس والجامعات على غرس حب العمل بين الطلاب والطالبات باعتباره الوسيلة الأهم لاكتشاف الذات وتنمية المواهب والمهارات الفردية، هذا بالإضافة إلى فشله في غرس حب التعلم والقراءة. فالتعليم الجامعي في العالم الإسلامي وسيلة للحصول على وظيفة وليست تجربة حياتية لاكتساب المعرفة. بدليل أن الطالب في العالم العربي قد يتخرج دون حتى إتمام قراءة كتاب واحد. فإحصائيات طباعة الكتب تعكس هذا. فقد صدر في العالم العربي سنة ١٩٩٧ حوالي ٤,٠٠٠ كتاب جديد، بينما صدر في هولندا التي يعادل سكانها ٤٪ من سكان العالم العربي . ,٤٤ كتاب. فأي الشعبين
أكثر قراءة؟
وقليل من الباحثين يرى أن التخلف بسبب اللغة: فاللغة العربية العامية أصبحت هي اللغة التي تحمل في مضامينها التجارب المعاصرة النابعة من العامة، أما المؤسسات الاقتصادية والإعلامية والدوائر الحكومية فقد تعاملت فيما بينها باللغة الفصحى، فحدث انقطاع بين اللهجتين أخل في مسيرة بلورة التجارب مما عرقل سير التقدم كما يقولون. ومن الباحثين من يعزو تخلف المسلمين نسبياً إلى انعدام «الفردانية individualism» في المجتمعات المسلمة. فالمجتمعات الغربية ما هي إلا انعكاس لمنظومة حقوق الأفراد التي وضعت بطريقة تتيح للفرد تحدي المنظومة الاجتماعية السائدة، وهذا دفع الأفراد لمزيد من الاستقلالية والاعتماد على الذات، وبالتالي الانتعاش الاقتصادي والتفوق التقني إذ أن الفرد يسعى وراء مصلحته الخاصة فيكون أكثر إبداعاً لتنافسه مع الآخرين، ما رفع من إنتاجية المجتمع. ومن المفكرين من أخذوا بنظرية المؤامرة: ومقالتهم الدائمة هي: : «وماذا نتوقع من الأعداء غير المؤامرة علينا؟». ألم يتم ضرب محمد علي باشا ليتم تفكيك مصانعه في مصر ومن ثم نقلها إلى الغرب في وقت كانت الهوة التقنية بين الغرب والعالم الإسلامي صغيرة، وأن التاريخ يعيد نفسه، فهاهم يحتلون عراق صدام حسين الذي حاول النهوض عسكرياً. ومنهم من يعزو التخلف لعوامل اقتصادية تاريخية، كالغزو التتري الذي قطع خط الحرير مع الصين التي استخدمت البوصلة بالمرور بجنوب الجزيرة العربية فماتت البصرة وبغداد اقتصادياً، فسقط العالم الإسلامي بسقوط قلبها الاقتصادي في عهد العباسيين واستمر السقوط. ومن نظريات التخلف أيضاً ما أثاره الباحثون في علم التغذية بأن شعوب دول العالم الثالث نظراً لفقرها تفتقر إلى الغذاء المناسب، إذ أنه وجد من الأبحاث أن متوسط خلايا دماغ الطفل الغربي تزيد على متوسط خلايا دماغ الطفل في بنجلادش مثلاً بحوالي ۲۰٪ ، وهذا بالطبع سيؤثر على أداء البشر في المجتمعات. ومنهم من يرى أن العقلية المسلمة عقلية شفهية وليست تدوينية، فالعقلية التدوينية ظهرت في عصر النهضة في أوروبا، وقد كان العصر العباسي تدوينياً، إلا أن العثمانيين أرجعوا العقل المسلم إلى الشفاهة مرة أخرى. ومنهم من يسأل: هل نحن أمة نقل أم أمة عقل؟ ويصرون على أننا أمة نقل، فنحن ننقل ما كتبه الأسلاف بتقديس يصعب معه نقده، لذلك فالمسلمون ليسوا أمة عقل (كما يدعون)، فكان التخلف. ومنهم من يقول بأننا أمة تؤمن بالغيبيات، وأن هذا الإيمان بغير المحسوس أجهد البحث عن الحقيقة، فالبحث العلمي الذي محص المادة وجربها وتحداها وطوعها في الغرب، لم يتأصل في الفكر الإسلامي، فكان التخلف التقني الذي جذب معه التخلف الاقتصادي. ومنهم من يرى أن التخلف سببه
هي


۸۲ 🗏
القيود على الفرد في المجتمعات المحافظة التي لا تجعله مبدعاً، أما القيم والمبادئ التي يؤمن بها الفرد (كما في الغرب) فهي أقوى من أي قيود تفرض عليه، أي أن الشعوب التي تعيش تحت تقاليد متوارثة لا تستطيع التخلص من ماضيها فتدفن مواهب شبابها ويفقدون الهمة وتخبوا طاقاتهم وتقيد مواهبهم ليحل التخلف.
وهناك نظريات ساذجة لم يستطع أصحابها التعمق في فهم مجريات الأمور فكانت استنتاجاتهم سطحية دون تحليل معمق فمن هؤلاء من يقول أن التخلف بسبب ارتفاع الكثافة السكانية. وهذا كما هو معلوم أمر مشكوك فيه إذ أن الكثافة السكانية مصدر ثراء كما سيأتي بيانه بإذن الله .. ومنهم من يقول أنه بسبب الحكم العسكري الفردي (كمصر جمال عبد الناصر (مثلاً) والاقتصاد الموجه، وبالطبع فإن التخلف كان قبل ظهور مثل هؤلاء الحكام الذين قلدوا من سبقهم مثل محمد علي باشا. ومنهم من يقول بأنه بسبب إهدار الأموال في الأسلحة. فقد أنفقت دول العالم العربي خلال عشرة سنوات في أواخر القرن العشرين ۱۳۰ مليار دولار لتصبح الأسلحة خردة في المخازن. ومنهم من يعزو التخلف إلى عدم اهتمام العامة بالعلم وتنظيم الوقت. فالغربي يقرأ في المطار والمسلم لا يفعل ذلك مثلاً. ومنهم من يقول بأن المجتمعات المسلمة لم تأخذ لا بالإسلام ولا بالعلمانية، فضاعت كما يقولون. ومنهم من يسأل حيراناً: هل الإسلام دين مدني أم لا؟٣٨
إلا أن هناك نظريات قوية قد تقنع من لم يكن واعياً لها بتبنيها، ولعل من أهمها تلك التي تخوض في التمكين، وهو جوهر موضوع هذا الكتاب، لذلك سأعطي هذه النظرية عن التخلف بعض التوضيح: كما هو معلوم فإن المجتمعات البشرية مرت كما يقول المؤرخون بعدة مراحل من التطورات فهناك عصر الصيد والرعي، ثم عصر الزراعة، ثم عصر الصناعة والآن عصر المعرفة أو هناك العصر الحجري والعصر البرونزي، وهكذا. وهناك طرح منتشر في الغرب وقد لخصه الدكتور محمد ربيع بقوله: «هنالك الكثير من الدلائل التاريخية التي تشير بوضوح بالغ إلى أنه ليس بإمكان أي مجتمع دخول مرحلة تطور تالية وعيش حياتها كاملة بقيم ونظم ومواقف وعلاقات مرحلة سابقة». أي أن العالم الإسلامي لن يتمكن من الخروج من هذا الوهن إذا لم يغير قيمه وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين أفراده لتشابه تلك التي في الغرب، أي أنه لازال في المرحلة الزراعية." فالدكتور محمد ربيع يقول ناقداً الوضع في العالم العربي لكل من الإسلاميين والقوميين:
«وحيث الفكر الديني، ولا أقول الدين، يدعو إلى العودة بالمجتمع العربي من حيث القيم والنظم والمواقف القيمية والمؤسسات إلى ما كان سائداً قبل عشرات القرون في ظل حضارة الرعي والبداوة، وإن الفكر القومي جاء متأثراً بثقافة غربية تجاوزها الغرب نفسه، وكرد فعل على حركة استعمارية فقدت مقومات وجودها، فإن الفكرين الديني والقومي أصبحا جزءاً من فكر ماضوي وتاريخ قديم فقد منطقه ومرجعيته بحكم التطور المجتمعي الإنساني الحديث».
ولإثبات ذلك يضرب د. ربيع مثالاً تاريخياً على ضرورة تغير قيم المجتمع حتى تتمكن الدول العربية من الخروج من عصر الزراعة لدخول عصر الصناعة ليتأتى التمكين قائلاً:
«أما العراق فيبدو أن قربها من الجزيرة العربية وانتقال مركز الدولة الإسلامية إليها في عهد العباسيين كان سبباً في خضوعها من حيث القيم الاجتماعية والمواقف القيمية من العملية الإنتاجية لعصر البداوة وأخلاقياتها القبلية، وبالتالي أضعف قدرتها على مواصلة مسيرة التقدم».


۲ قصور العقل
۸۳
أي أن القيم البدوية الملتصقة بعصر الصيد والرعي لم تمكن المجتمع العربي المسلم آنذاك من التجذر في العصر الزراعي الذي تطلب قيماً أخرى. ثم يضرب مثالاً آخراً من التجارب المعاصرة مدللاً على أنه لم يستطع أي مجتمع قبلي أن يدخل عصر الصناعة رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها بعض الدول كالدول الأفريقية مثلاً باستثمار الكثير من الأموال. فبرغم كل معونات التنمية ونظرياتها، وبرغم كل جهود البنك الدولي وغيره من مؤسسات دولية، إلا أن تلك المجتمعات لم تدخل عصر الزراعة بعد، ناهيك عن دخولها عصر الصناعة أو المعرفة. وسنأتي على نقد هذه المزاعم في فصول قادمة بإذنه تعالى.
٤٠
على
هذه
وكما ترى أخي القارئ، فإن استثنينا ما قاله الإسلاميون بأن سبب التخلف هو الحكم بغير ما أنزل الله، فإن جميع الآراء السابقة، وغيرها كثير، (وبالذات ما هو متعلق منها بتطور المعرفة، وسنأتي عليها في فصل «المعرفة» بإذن الله) تتداخل فيما بينها بطريقة يصعب على أي باحث عزل سبب دون آخر، لكن من الملاحظ الأسباب هو أن التي تعزو التخلف لظاهرة جغرافية أو حدث تاريخي، وبرغم تأثيرها على واقعنا، فإن إصلاحها قد خرج من أيدينا لأنها ذات وضعية خاصة مضت قد لا تتكرر مقارنة بما هو مزمن وله مضاعفات مستمرة إلى عصرنا الحاضر. ولعلك لاحظت أن معظم أسباب التخلف تلتقي حول اتهام المسلمين بإحجامهم عن إعمال عقولهم، لهذا ظهرت الكثير من الكتابات التي تحلل الفكر الإسلامي وتنتقده في نخاعه بأنه دين يؤدي لمجتمع تقليدي لا إبداعي. فهناك شبه إجماع على أن أهم سبب لتخلف المسلمين هو جمود الإسلام كدين لأنه دفع المسلمين للإحجام عن إعمال عقلهم البشري في البحث والنقد وتسيير المجتمعات. فهناك شبه إجماع في الأوساط العلمية على أن المسلمين قوم ذو عقلية لا إبداعية ولا نقدية لأنهم ترعرعوا على تقبل الأمور دون نقدها، فهم مثلاً لا ينتقدون القرآن الكريم ولا الحديث الشريف ويسلّمون لهما، فالنص عند المسلمين مقدم على العقل. وهكذا فإن عقلية المسلمين تشكلت وأصبحت قاصرة عن الإبداع. لهذا لابد من المرور سريعاً على فئة من تلك النظريات المطروحة حول تخلف المسلمين.
من أهم هذه النظريات ما رفع لواءه محمد أركون، وهي نظرية محنة خلق القرآن الكريم: ففي العصر العباسي ظهرت فلسفة المعتزلة التي تقول بأن القرآن الكريم مخلوق وليس كلام الله العلي القدير، وقد تبنى المأمون هذه النظرة وحاول تعميمها. ويستشهد محمد أركون بأن ظهور تلك الفلسفة، برغم اصطدامها . المذهب مع السني السائد، مؤشر على خصوبة الحركة الفكرية آنذاك لدرجة الخوض في ماهية القرآن الكريم مما أحدث حواراً فكرياً متحرراً في ذلك الوقت الذي كانت فيه العلوم في تقدم باهر. ولكن الذي حدث هو وقوف بعض العلماء ضد فكرة خلق القرآن الكريم وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وبعد اقتناع الخليفة المتوكل بأن القرآن الكريم كلام الله أصدر أمراً بعدم الخوض في مثل هذه المسائل. وبهذا توقفت الحركة الفكرية لأن ولي الأمر قد قيدها (كما يزعم محمد أركون). فحبست الحرية الفكرية وكبتت داخل إطار الشرع فتوقف العقل الإسلامي عن الجدل والبحث عن الحقيقة، وأصبح عقلاً تابعاً للشرع وبالتالي جامداً لا عقلاً متحدياً وباحثاً عن الجديد ومبدعاً.

*** هامش ***

سبب
د) إلا أن الواقع غير ذلك كما يذكر التاريخ: فقد تم نشر فكـر ، تخلف المسلمين لهذا ينسون أن المأمون والمعتصم والواثق قتلوا المعتزلة بالقوة على يد المأمون الذي قلد المناصب لمن قالوا بخلق وعذبوا وسجنوا الفقهاء لنشر مذهب المعتزلة. فهم لا يذكرون القرآن وحارب كل من رفض فكر المعتزلة. فهؤلاء الذين يعزون الإرهاب الفكري الذي مارسته السلطة ضد أهل السنة آنذاك ! (٤١).


ΛΕ 🗏
وفي هذا الإطار، فهناك نظرية أقوى وأشهر بين الباحثين العرب حول تخلف المسلمين وهي تدور أيضاً حول مبدأ التقليد والتي بلورها محمد عابد الجابري من المغرب العربي في كتاباته، وخلاصتها أن العقلية العربية التي لم تناقش القرآن والسنة وتقبلته وتبلورت عليه من خلال علوم الدين واللغة ترعرعت بروح التقليد وأصبحت عقلية لا إبداعية. فالعقلية العربية إذا عقلية لا تنقد ذاتها. وقد دار كثير من الباحثين في هذا الفلك مثل برهان غليون وجورج طرابيشي برغم مخالفتهم أو حتى تصادمهم مع الجابري في كثير من الآراء. ٤٣
٤٢
أما المنظور الأيديولوجي، وبرغم ضياعه كمفهوم في العالم الغربي، إلا أنه كان ما اقتنع به الكثير من المفكرين في نقدهم للمنهج الإسلامي. فالتعاريف المضطربة التي بلورها كل من ماركس ولينين وغرامشي والتوسير و مانهايم للأيديولوجيا، والتي تضع الغموض والتناقض لدى كل مفكر منهم في مصطلح «أيديولوجيا» باستخدام عقله القاصر، كانت مع الأسف جواد امتطاه الكثير ممن درسوا العالم الإسلامي مثل العروي والبيطار وغليون وحنفي واستخدموا عقولهم في المقارنة بين الحضارتين العلمانية والإسلامية لمحاولة إرشاد العالم الإسلامي لنفق الحضارة. إلا أن نظرية التخلف التي يقتنع بها الكثير من العامة تقول بأن المسلمين اهتموا فقط بالعلوم التي تربط الإنسان بربه (التوحيد) وتربط الإنسان بالإنسان (الفقه) وتربط الإنسان بالأشياء الملموسة إلى الحد الذي يفيد الإنسان. أما دراسة الأعيان لذاتها، كدراسة حيوان كالوطواط مثلاً (وهو كائن لا يرى ولكنه يستوعب محيطه بسمعه مما أدى إلى اختراع الرادار) فقد اعتبرت من العلم الذي لا ينفع وأنه مضيعة للوقت الذي قد لا يثاب عليه الإنسان. وبذلك أهدرت الكثير من مجهودات المسلمين في اختصار وشرح كتب الدين بدل توجيهها في دراسات ميدانية أو معملية (استكتشافية تدفع عجلة العلم والتقنية لدى المسلمين. وهكذا تخلف المسلمون كما يقولون. ولعل مما زاد الكثير قناعة بمسبب التخلف هو اكتساب هذا الطرح قوة على يد الأجيال المعاصرة التي درست في الغرب من خلال ربطه بعلم تقدم العلوم، أو علم الإبستمولوجيا epistemology. فالتخصصات العلمية والإنسانية في الغرب تستمد أفكارها في تقدمها العلمي من علم تطور العلوم. فقد كثرت الأفكار في ذلك التخصص عن أفضل الوسائل لدفع عجلة العلم قدماً إلى أن تبلورت في عدة نظريات، منها مثلاً نظرية كارل بوبر Karl Popper وتلميذه إمرا لاكاتوش Imre Lakatos من جهة، ونظريات توماس كون Thomas Kuhn · من جهة أخرى (وسنوضحها في فصل «المعرفة» بإذن الله. فبرغم وجود اختلافات بينهم إلا أنهم يشتركون في الفكرة الأساسية باعتماد العقل البشري ولا شيء غيره.
٤٤
وأخيراً بقي لنا علم التنمية. فلابد من المرور سريعاً على هذا العلم الذي يحاول معالجة التخلف باستخدام العقل فأقول: لأن العالم الغربي الذي حكم بعقله انتهى بفئات كبيرة من المجتمعات إلى الفقر والجهل والمرض والذي ازداد سوءاً مع العولمة ، فقد ظهر علم «التنمية» الذي تبنته الأمم المتحدة ليعالج هذه المآسي. وكأي علم آخر في العالم الغربي، فقد ظهر لعلم التنمية هذا أدوات وطرق تحليل ونظريات، وكل هذا بالطبع باستخدام العقل البشري. ويعد هذا العلم الآن أهم وأقوى توجه يوضح سبب تخلف سكان العالم الثالث عموماً، ومن بينهم المسلمون، ومن ثم يضع العلاج لهذا التخلف لذلك سنؤجل توضيح ونقد هذا العلم إلى فصل «الفصل والوصل» بإذن الله لأننا لن نتمكن من نقده إن لم نتقص مقصوصة الحقوق في الإسلام أولاً، وذلك حتى تكون المقارنة مقنعة.
ولكن لغرض التوضيح لابد من إعطاء نبذة قصيرة عن علم التنمية حتى تتسنى لك أخي القارئ المتابعة.


۲ قصور العقل
٨٥
يتلخص طرح علم التنمية في أن مشكل العالم الثالث يكمن في عدم استثمار مجتمعاته في الفرد بتمكينه، وذلك بتوسيع دائرة خياراته لأنه هو (أي الفرد) محور تركيز جهود التنمية. فالفرد في العالم الثالث لا مشاركة له في أي قرار وبالذات السياسي. فهو بذلك مهضوم الحقوق، وبهذا فهو لا إبداعي وغير منتج. أي أن العلاقة بين التنمية الإنسانية وحقوق الإنسان هي من أهم ركائز تقدم أي أمة فحقوق الإنسان تولد الفرص للفرد بالحركة، ومتى ما تحرك أنجز وأنتج. وعلى هذا فإن فقر التنمية الإنسانية أشد وطأة من الفقر المادي لأنه يحد من قدرات الأفراد والمجتمعات على الاستخدام الأمثل لمواردهم الإنسانية والمادية. وفي هذا الإطار تأتي المطالبة بالتساوي في الحقوق بين أفراد المجتمع، ومن ضمنها التساوي بين الرجل والمرأة. فدور المرأة في العالم العربي كما يقولون قد انحسر في الإنجاب، فأكثر من نصف النساء في العالم العربي لايزلن أميّات، وأن معدل وفيات الأمهات أثناء فترة الولادة هو ضعف معدلها في أمريكا اللاتينية، وأربعة أضعاف معدلها في شرق أسيا. وهذه كلها مؤشرات على عدم المساواة في المواطنة وفي الحقوق القانونية كالتصويت والانتخاب بين المرأة والرجل. لذلك كانت الاستفادة من المرأة في العالم العربي هي الأقل في العالم لعدم تساوي فرص العمل، ولهذا سيعاني الكل في المجتمع بتعطل نصفه، وما هذا إلا مثال واحد. وبالطبع فإن هذا الهضم للحقوق قد ساهم في زيادة الفقر في العالم العربي، كما يقولون. فهناك مواطن عربي واحد يعيش على دخل يقل عن دولارين يوميا من بين خمسة مواطنين. هذا بالإضافة إلى ضعف الرعاية الصحية والتعليم. لذلك فإن من أولويات التنمية الاستثمار في حرية الفرد وتعليمه. فالقصور في الحرية يضعف التنمية الإنسانية ويشكل أحد أكثر مظاهر تخلف التنمية السياسية. وفي هذا الإطار لابد من محاربة المحاباة في المجتمعات لأنها تحبط المبادرات وتحرم البشر من الجدارة والإبداع. فالحرمان واللامساواة في القدرات والفرص قد تكون أكثر وبالاً من الفقر. فلا مخرج للأمم المتخلفة إلا بتوسيع خيارات أفرادها ليتمكنوا من الحركة والإنتاج كما يقولون.٤٥ ولعلك ستلحظ بإذن الله، أن الأفكار التي ينادي بها علماء التنمية تنطلق من المنظومة الغربية للحقوق، فهي تطالب بتطبيق الديمقراطية الغربية، فهي إذاً وبطريقة غير مباشرة تنتقد العقل المسلم بالتحجر وذلك بعدم الالتفات أصلاً لوجود الشريعة والأخذ منها كينبوع للأفكار التنموية. فعلماء التنمية لم يعترفوا بالإسلام كطريق للتنمية حتى بمجرد النظر إليه، بل أخذوا مما توصلت إليه عقولهم من أبحاثهم وتجاربهم كما سنوضح بإذن الله. وسترى أن المفاهيم التنموية ما هي إلا محاولات لخدمة الرأسمالية فهي أفكار وبرغم أنها نبيلة (كالمساواة) إلا أنها وضعت لتنفذ داخل الإطار الرأسمالي. أي أنها تحاول إسعاف الرأسمالية. فهي بذلك تدعم استمرارية النظام الرأسمالي العالمي الحديث وذلك بمحاولة علاج خلله الجذري الذي يفرز الفقر باستمرار. وسترى كيف هو التمكين في الإسلام بإذنه تعالى عندها سنتمكن من المقارنة ومن نقد علم التنمية والاقتصاد في العالم الغربي.
وللتلخيص أقول: إن العقلية البشرية أصبحت هي المحك وهي المعيار على الحكم على كل شيء علمي، وأن الإسلام كدين خرج تماماً من دائرة النفوذ في التقدم العلمي وإدارة المجتمعات. وهكذا تم خنق الإسلام وإبعاده عن دائرة الحياة المعاصرة تماماً. فكل من استخدم الإسلام في بحثه أو إدارة شؤون حياته أصبح متخلفاً. وبرغم أن الإسلام دين يحث على استخدام العقل في أطر محددة كما سيأتي بإذن الله، إلا أنه دين (كما يدعي الكثير) لا يرجع في جذوره إلى العقل كالتفكير في ماهية الوجود ونحوها، ويقبل بالكثير من المسلمات الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، بهذا أصبح أي عمل علمي يتقبل الإسلام متخلفاً. وهذه حفرة وقع فيها الكثير، فهناك فرق بين


٨٦ 🗏
بحث علمي وإدارة مجتمع ما، فالعقلانية التي ينادي بها العلماء في البحث العلمي والتي تدفع العلم للأمام لم يحث عليها الإسلام فقط، بل وضع حركيات مجتمعية تؤدي إليها (كما سنرى بإذن الله). أما ما يرفضه الإسلام فهو العقلانية البشرية في إدارة المجتمع لأن العقل البشري الذي لا يعلم الغيب قاصر ولن يدرك تراكمات قرارات عقله القاصر والذي سيؤدي لمنظومة من الحقوق تخل بالاتزان المطلوب لإيجاد مجتمع .أسعد. وبهذا تكون الغالبية العظمى من أفكار الباحثين من خلال الحداثة أو الثورة عليها أو اتهام المسلمين بالتقليد أو من خلال علم تطور العلوم أو التنمية قد اتفقت على أن كبح العقل سيؤدي للتخلف. فهل هذا صحيح؟ وما هو دور العقل في الإسلام؟

مرض الإيدز

لقد وضع المسلم المفكر في مأزق. فالحداثة تدفع المجتمعات تقنياً للأبعد عن شماله، والشريعة الإسلامية التي اتهمت بالجمود تشده من يمينه والتاريخ السياسي المصبوغ بالمؤامرات والشتات يسد عليه الطريق من خلفه. ومجتمعه المسلم المتخلف الذي يعزو هذا التخلف للشريعة يقف من أمامه. فكيف يمضي هذا المسلم بمجتمعه قدماً؛ وبالذات عندما يطلب منه أقرانه من علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع تجديد الإسلام لهم. فكان لابد عليه من أن يتخذ منهجاً. فمنهم من أخذ بالشرع من جذوره، وبالطبع لم ينجز الكثير لأن الوضع السياسي لم يسانده، واتهم بأنه سلفي. ومنهم من اقتصر عمله على الدعوة لتطهير القلوب من شوائب الدنيا، واتهم بأنه تبليغي، ومنهم من حمل السلاح وجاهد الحكام واتهم بأنه إرهابي، ومنهم، ومنهم، وهكذا ظهرت التيارات والجماعات. وتعالت الدعاوي بتحديث الإسلام مما دفع بعض علماء المسلمين الغيورين إلى إعادة النظر في أحكام الشريعة بدعوى الاجتهاد، حتى في تلك الأحكام التي أتى بها نص!!! وما كان هذا إلا لكي لا يتهم الإسلام بالتخلف.
ولكن لماذا هذه المآسي التي يعيشها المسلمون؟ إن ما يصر عليه هذا الكتاب هو أنه بسبب عدم تطبيق الشريعة ما أدى لظهور آفات لم تأت الشريعة أصلاً للتعامل معها، وأن هذه الآفات ستزول إن طبقت الشريعة. لنضرب مثالاً توضيحاً: هل في الشريعة نص مباشر لعلاج مرض نقص المناعة المعروف بالإيدز Aids؟ بالطبع لا. فالسبب في انتشار هذا المرض في الغرب هو عدم منع اللواط وتفشي المخدرات. فمن الإجحاف إذا أن يُطلب من الشريعة علاج هذا المرض. وهذا مثال صارخ. وكذلك باقي الظواهر والمآسي التي تعاني منها مجتمعاتنا المعاصرة، إلا أنها ليست بهذا الوضوح لنضرب مثالاً لهذا: إن من مبادئ الشريعة إعطاء الناس الحرية في استخدام عقاراتهم إن لم يضروا بغيرهم ضرراً مباشراً. فللإنسان مثلاً أن يغير مزرعته إلى أرض سكنية، ولا يحق لكائن من كان منعه من ذلك (وسنوضحه بإذن الله). ولكن عندما تم منع إحياء الأرض بدعوى التنظيم العمراني وسلب الناس من حقهم في الإحياء، أي تغيرت مقصوصة الحقوق، لم تعد الأرض مباحة للكل وأصبحت أكثر ندرة وبالتالي صار لها سعراً مالياً مرتفعاً يفوق مردودها الزراعي. فانتشرت ظاهرة تحويل الأراضي الزراعية في المدن إلى قطع سكنية. وفي هذا بالطبع هدر لثروات الأمة. هنا قام المفكرون ورجال الدولة المسؤولون عن الإنتاج الزراعي وطالبوا المجتمع بإيجاد حل جذري، فوقع علماء الشريعة في حيرة. فكان عليهم أن يجتهدوا لإيجاد علاج لهذا الوضع برغم أنه وضع ما أتى أصلاً إلا بسبب الخروج عن الشريعة بمنع إحياء الأرض ومنع الناس من إحياء المعادن. فلم ينتشر الناس في الأرض


۲ قصور العقل
AV
حيث المعادن وتكدسوا في المدن التي بها الوظائف الحكومية فكان الازدحام (كما سيأتي بيانه في فصل «ابن السبيل» بإذن الله)، ثم ظهرت الحاجة للفتاوى والتي تصدى لها من يعتقدون أنهم علماء. فهناك من العلماء المعاصرين من يعتقد أن هذا الوضع المعاصر هو بسبب تغير الزمان ومتطلباته، وليس بسبب الخروج عن الشريعة بالدرجة الأولى. فكانت الأزمة التي تواجه كل متخصص في علم الشريعة. فلا مفر إذاً من إصدار فتوى تمنع الأفراد من حرية التصرف في العقار وإلا اتهم الإسلام بالتخلف وبالطبع، فمن المنطق ألا تصدر مثل هذه الفتاوى إلا باستخدام العقل البشري حتى وإن كانت في إطار الضوابط الشرعية. وفي هذا، كما سأثبت بإذن الله، خروج عن الشريعة لأننا نعالج الخطأ بخطأ آخر، وهذا هو واقع مجتمعاتنا اليوم وحسبنا الله ونعم الوكيل)، تماماً كمن يحاول إيجاد علاج لمرض الإيدز لأنه إن نجح فإن اللواط سينتشر وستظهر آفات سلبية اجتماعية على الأبناء الذين تربوا على أيدي هؤلاء المنحرفين مثلاً، وهكذا ينسحب المجتمع من آفة لأخرى. وهذه هي المأساة التي بسببها كتبت هذا الفصل وفصلي «الديوان» و «المكوس»، ألا وهي استخدام العقل البشري في دراسة الشريعة بفتح باب الاجتهاد بسبب تغير الظروف على البشر. فإن ظهرت فتاوى تغير مقصوصة الحقوق فهي إنما توجد وضعاً أسوأ من ذي قبل، إلا أن هذا السوء لن يظهر إلا بعد حين. لذلك أقول: لا يحق لأي عالم التنازل، بل يجب الإصرار على تطبيق الشريعة لأنها إن طبقت فإن للشريعة المقدرة على إصلاح ما أفسده الناس بحكمهم بغير ما أنزل الله كما سترى بإذنه تعالى. وحتى تقتنع بما سبق أخي القارئ أي بضرورة قفل باب الاجتهاد والعودة للنص، يجب أن ندرس أولاً مسألة دور العقل في الإسلام، ونمر سريعاً على الضوابط الشرعية، وهو موضوع باقي هذا الفصل (ملحوظة مهمة: إن قولي هنا بضرورة قفل باب الاجتهاد لا ينطبق إلا على حقوق الآدميين أو مقصوصة الحقوق، وليس على مسائل أخرى، كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى).

طبيعة القرار

ما هو دور العقل في الإسلام؟ إن الإنسان كلما فكر أو قرأ في هذا الشأن كلما ازدادت حيرته. وذلك لأنه في البحث عن الإجابة سيستخدم عقله بلا شك، وعندما يفعل ذلك سيزداد حيرة. فكيف الخروج من الحيرة؟ إن مشكلة البشر الحقيقية والأهم هي في غرورهم بمقدرة عقولهم القاصرة. لذلك علينا ألا نستخدم عقولنا للخروج من هذه الحيرة، بل علينا أن نستعين بالإسلام. فكما أن الإسلام وضع ليد الإنسان محظورات في الاستخدام كالسرقة، ووضع للعين محظورات كمنع النظر في أعراض الغير، فقد وضع للعقل أيضاً محظورات ومباحات. فعندما يستخدم الإنسان عقله من غير وجه حق فسيخطئ. ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ٤٦ فما هو المباح إذاً، وما هو المحظور في التفكير شرعاً؟
كما قلت في الفصل الأول: إن مفترق الطريق بيننا وبين غير المسلمين هو في طريقة التفكير. فهم، أي غير المسلمين، يستخدمون عقولهم في كل شؤون حياتهم ويفسدون في الأرض. فكيف نواجههم؟ إن الإجابة هي في توجيهه سبحانه وتعالى لنا في القرآن الكريم. فلم يأمرنا سبحانه وتعالى بتعطيل عقولنا، بل على العكس، أمرنا باستخدام عقولنا في التفكر في كل مخلوقاته، أي في كل شيء، لأن كل شيء من مخلوقاته تعاظمت أسماؤه. كيف؟


ΑΛ 🗏
كما هو معلوم، فإن تراكم الخير والشر في أي مجتمع ما هو إلا نتاج لتراكم أفعال البشر. كما أن هذه الأفعال ما هي إلا نتيجة لقرارات يتخذها أصحاب الأفعال أو من يطيعونهم. وبالطبع فإن من هذه القرارات ما هو مصيري، فلن يحتاج الفرد مثلاً للكثير من التفكير لشراء ما يلبس، إلا أنه قد يتريث في اختيار مدرسة لابنه. ومثل هذه القرارات المصيرية، كشن حرب على دولة أخرى، تأتي بعد تدبر وتفكر في معظم الأحوال، أو باتباع نهج الآخرين، كالسابقين أو المعاصرين. ولكن في جميع الأحوال، فإن أي قرار يتخذ يأتي بعد إعمال العقل والقلب والمشورة والتحاليل وما شابه من أدوات اتخاذ القرار. وفي هذا الإطار، فهناك ثلاثة ميادين لدراسة القرارات. الأول . كيفية وصول العقل للقرار، والثاني هو آليات أو حركيات اتخاذ القرار في المجتمع، والثالث هو طبيعة القرار. بالنسبة للأول، أي لكيفية وصول العقل للقرار، فالمقصود به هو كيفية تأثر العقل في عمله عند اتخاذ القرار وعلاقة ذلك بالمادة والروح وما إليها من أسئلة فلسفية تتصل بالعقل ذاته والتركيز على هذه المسائل الآن سيبعدنا عن الهدف المباشر لموضوع الكتاب، ألا وهو التمكين؛ لهذا، فالذي أقترحه هو تأجيل النظر في هذه الكيفية ليشرح عند الحديث عن المعرفة بإذن الله. أما بالنسبة للميدان الثاني، أي آليات اتخاذ القرار في المجتمع، فإن المقصود به الحيز الذي يحق للفرد التحرك فيه، أو ما يحق له فعله وما هو محظور عليه. أي مقصوصة الحقوق. وهذا هو جل موضوع الفصول القادمة.
هو
وبالنسبة للميدان الثالث أي طبيعة القرارات التي يتخذها الناس وهي موضوع هذا الفصل، فيمكننا تقسيمها إلى نوعين من القرارات قرارات محافظة، وقرارات غير محافظة. فالقرارات المحافظة هي التي تنبع من عقل محافظ كاتباع نهج من سلف. مثل الاقتداء بقرار سابق معلوم العواقب فعندما يقوم تاجر مثلاً بإنشاء مخبز فإن عواقب استثماره هذا معلومة لدرجة عالية لأنه إنما يطبق استثماراً سبقه إليه الآخرون. أما القرارات غير المحافظة فهي المجهولة العواقب، وقد تمت تسميتها في الغرب بالقرارات الثورية أو التفجيرية، لأنها تثور على الوضع الراهن، كمحاولة تاجر إيجاد زي يخرج عن عرف المجتمع كسباً لربح أعلى مثلاً؛ أو أنها قرارات تفجر طاقات كامنة، كأن يقوم عالم بتحدى مادة ما بتحويلها من حال إلى حال مؤملاً في فائدة مرجوة للمجتمع من جراء التحويل. ولنضرب مثالاً توضيحياً ثالثاً لهذه القرارات الثورية أو التفجيرية : إن إقامة صالة للتزلج الرياضي في مدينة صحراوية (مثل دبي) لهو مشروع استثماري جريء وبحاجة للكثير من النفقات التي قد لا تثمر. فهل سيتقبل السكان الدخول في جو بارد لم يعتادوا عليه؟ وهل ستتقبل أجسادهم هذا التغير؟ وهل لديهم من القناعة ما يكفي لتكرار زيارة القاعة مراراً وشراء ملابس مخصصة لها؟ وهكذا من أسئلة ذات عواقب مستقبلية قد تأتي للمستثمر بالربح الكثير أو بالإفلاس. ومثل هذه الطريقة في التفكير تدفع المجتمعات للتجديد والتغيير المستمر إما للأفضل أو للأسوأ. وأقترح هنا تسمية هذا النوع من القرارات غير المحافظة بـ «القرارات المندفعة».
فكل قرار
يتم
ومن جهة أخرى، فهناك تقسيم آخر لطبيعة القرار: ألا وهو حال المفعول به، أي على من سيقع القرار. اتخاذه سيقع إما على إنسان أو على عين. فعندما تتخذ الدولة قراراً (أي تصدر قانوناً) بتحديد إيجارات المساكن في منطقة ما، فهناك أناس مستفيدون من هذا القرار وهناك متضررون . أي أن القرار قد وقع على الناس بالدرجة الأولى برغم تأثر الأعيان المستأجرة بهذا القرار (القانون). وبالنسبة للأعيان، فعندما يتخذ الفرد قراراً بحفر حفرة امتصاصية (كنيف أو بيارة) لصرف الفضلات في منزله، فإن الفعل قد وقع على أرض حديقته ولوث


۲ قصور العقل
۸۹
أرض منزله، وقد يلوث أرض جاره أيضاً. أي أن القرارات عموماً إما تقع على أناس أو أعيان. وبالإمكان أيضاً تقسيم القرارات التي تقع على الناس إلى قسمين: قسم ذو تأثير اجتماعي، مثل قرار إنسان بمقاطعة جار له، وقسم ذو تأثير تمكيني، مثل قرار شخص ما بإنشاء مصنع ما. وسنركز هنا على القرارات التمكينية. وبهذا فإن لدينا نوعين من القرارات: قرارات تقع على الناس وقرارات تقع على الأعيان.
عند دمج التقسيمين سنلحظ أن هناك أربعة احتمالات لطبيعة القرار هي قرار محافظ يقع على إنسان، وقرار محافظ يقع على عين، وقرار مندفع يقع على إنسان، وقرار مندفع يقع على عين. وعند فرز هذه الاحتمالات إلى إستراتيجيات أو سبل تسلكها الأمم سنلحظ أن هناك أربعة سبل: (١) أمة مندفعة في قراراتها تجاه الإنسان والعين وبالعكس (٢) أمة محافظة في قراراتها تجاه الإنسان والعين، ثم (۳) أمة محافظة في قراراتها تجاه الإنسان ومندفعة تجاه العين وبالعكس (٤) أمة محافظة في قراراتها تجاه العين ومندفعة تجاه الإنسان. ومن الملاحظ على شعوب العالم الغربي هو أن قراراتهم تتجه غالباً نحو الاندفاع سواء كان ذلك على الإنسان أو على العين، أي أنهم يسلكون السبيل الأول. فهم مثلاً لا يلزمون أنفسهم بالاقتداء بمن سبقهم في منظومات حقوقهم، بل ينتقلون من منظومة حقوق لأخرى، لهذا نرى تركيبة مجتمعاتهم في تغير مستمر. فهم يحاولون تحدي وضعهم القائم في استخدام المواد وتصنيعها، لذلك تكثر ابتكاراتهم التي قد تغير منظومات حياتهم أحياناً. فمن مراجعة مبيعات الأحذية الرياضية مثل أحذية نايك Nike الرياضية مثلاً، تلحظ أن مجموع المبيعات قد ارتفعت في الولايات المتحدة الأمريكية من ١,٧٨٥ مليون دولار سنة ١٩٨١ إلى ٦,٤٣٧ مليون دولار سنة ١٩٩٠م ، ذلك لأن لبس الحذاء الرياضي الأنيق أصبح رمزاً يعبر عن أن مرتديه شخص رياضي سليم الجسم والعقل. فالاحصائيات تقول بأن معدل ما يقتنيه البالغ من العمر ١٨ عاماً هو ٤ أحذية. وما كان هذا القفز إلا من خلال الإسراف في الإنفاق على الإعلانات التجارية التي تضلل الناس أحيانا. وبالطبع فإن في هذه الإحصائيات إشارة إلى تغير في طريقة الحياة، فقد انتشرت
رياضة الهرولة والمشي بين الناس وبالذات في المنتزهات، وهكذا تتغير منظومات حياتهم للأفضل أو للأسوأ. فهم يرون بأساً الآن من انتشار ظاهرة عيشهم فرادى دون أسر تظلهم لرغبتهم الشديدة في التمتع بحرياتهم الفردية، ولا يرون بأساً من انفصال الزوجين حتى وإن كان في هذا ضرر على تربية الأطفال. والأسوأ أن بعضهم الآن أباح لرجلين مثلاً الزواج والعيش كعشيقين (اللواط) مع تبني الأطفال لتنشئتهم. فما هو حال هؤلاء الأطفال النفسي يا ترى؟ وما حدث هذا الخلل الاجتماعي والتلوث البيئي إلا لأن طبيعة اتخاذ قراراتهم اتسمت بالاندفاع الذي يتصف عادة بالتسرع الذي لا يستطيع أن يرى عواقب القرارات إلا بعد عشرات السنين لانعدام القدوة بمن سبق، أي القذف بالغيب من مكان بعيد.
سبب
وهنا لابد من الربط مع ما ذكر سابقاً عن العقل والتمكين من أن التقدم التقني في العالم الغربي هو حماية حقوق الأفراد (أي التمكين) الذي أتت به الحداثة وليس الأخذ بالعقلانية. والمقصود بهذا هو أن مجتمعات العالم الغربي بالثورة على أفكار من سبق كانوا مندفعين في قراراتهم تجاه الأعيان، وبهذا أتت الاكتشافات، وكانوا مندفعين أيضا في قراراتهم تجاه أنظمة مجتمعاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مع التركيز على حماية حقوق الفرد ما جعله أكثر اندفاعا، فكان التمكين لأن ثورتهم على منظومة حقوق أسلافهم كانت موجهة نحو تحرير الفرد من تسلط الكنيسة والدولة أكثر فأكثر. وبرغم هذا التقدم العلمي الصناعي، إلا أن في هذا السبيل خطورة


۹۰ 🗏
على البشر بسبب ينتجه من تلوث وانحلال، فإن تحولت باقي شعوب العالم لتصبح شعوباً مستهلكة دون حكمة كالعالم الغربي فإن مصير الكرة الأرضية الفساد، لذلك فإن من الحكمة ترك هذا السبيل كقدوة للأمم الأخرى. ولكن المهم لنا الآن هو تأثير العقل البشري في طبيعة القرار الذي أوجد مجتمعات مندفعة في شتى المجالات، فكانت مجتمعات منتجة صناعياً، لذلك سيثور سؤال مركزي في ذهن أي قارئ ألا وهو: إن تم وصف المجتمعات أخذت بالحداثة والديمقراطية في هذا الكتاب بأنها مجتمعات مندفعة في قراراتها، وهذا وصف سلبي، وهم (أي الغربيون يصفون هذا الاندفاع بالإيجابية لأنهم يعزونه لتحررهم من الماضي بإعمال عقلهم البشري، فلابد وأن نوافقهم هنا لما ذهبوا إليه لأن واقع الحال يقف معهم، فهم الأكثر تمكناً وقوة من المسلمين في وقتنا الحالي! وإن وافقناهم في هذا فلابد بالتالي من أن نوافقهم في أن دور العقلانية البشرية في نسج الحقوق هي السبيل الأمثل للأمم! وهذا ما وقع فيه المفكرون ، ولفهم هذا المأزق الفكري لابد من توضيح الآتي:
الغربية التي
إن العالم الإسلامي سقط في واقعه المتخلف المؤلم لأنه اقترب من سلوك السبيل الثاني (أي أمة محافظة في قراراتها تجاه الإنسان والعين)، فقد كان المجتمع المسلم متحفظاً في قراراته تجاه الأعيان إلى سقوط الدولة العثمانية (كما سيأتي بياته في فصل «المعرفة» بإذن الله إذ أن أفراده كانوا في معظم الأحوال ذوي عقلية تقليدية مقلدة فلم تكثر المخترعات مقارنة بالغرب الذي أوجد الثورة الصناعية). أما بالنسبة للإنسان فقد كان متحفظاً في أمور ومندفعاً في أخرى، ومتى ما اندفع بترك نهج من سلف فقد كان هذا على حساب عموم الناس لصالح الحكام. لذلك فإن المجتمع المسلم كان، والله أعلم، أقل تقدماً في تقنيته من العالم الغربي ولكنه أكثر ثباتاً في تركيبة مجتمعه. ونظراً لهذا الفارق في التقدم التقني مقارنة بالغرب كان التوقف الاقتصادي الذي أدى للتخلف وذلك بسبب عدم تطبيق الشريعة وبالذات في الحقوق التي إن تغيرت (بسبب الاجتهادات (الفقهية كانت تميل لأهواء الحكام على حساب كبت حركة الناس مقارنة بما حدث لسكان العالم الغربي الذي كان يفعل العكس. وما سيتم توضيحه في هذا الكتاب هو أن الشريعة أرادت مجتمعاً مسلماً محافظاً في قرارته التي تقع على الناس، وفي الوقت ذاته وضعت من الحركيات ما يدفع الأفراد لاتخاذ قرارات تتحدى الأعيان لتظهر الابتكارات. أي أن الشريعة تدعو لسلوك السبيل الثالث وليس الثاني كما وقع فهي تتلافى القرارات المندفعة تجاه الإنسان، لذلك وضعت مقصوصة ثابتة من الحقوق التي يجب على الناس اتباعها، أي اتباع النص في الحقوق، فلا يحق لكائن من كان أن يأتي بمنظومة من الحقوق ويقترحها للناس للسير عليها لإدارة المجتمع . وفي هذا محافظة كبرى على تركيبة المجتمع التي تؤدي لضمان الاستقرار والاستمرار المنتج. ولعل المعجز هو أن هذه المقصوصة التي وضعتها الشريعة برغم ثباتها، إلا أنها اتسمت من داخلها بدافعيتها الشديدة للناس للتمكين وللحركة لاستغلال خيرات الأرض وتفجير طاقاتها لأقصى مدى ممكن، أي أنها تدفع الناس بشدة لتسخير المادة كما سترى في الفصول القادمة بإذنه تعالى. أي أن الشريعة تحاول إيجاد مجتمع أفراده مندفعين في قراراتهم تجاه الأعيان ليأتي الابتكار والتمكين، ومحافظين في ذات الوقت في قرارتهم تجاه الآخرين من الأفراد بالخضوع المقصوصة الحقوق التي لن تتغير أبداً (السبيل الثالث) والتي تطلق الأفراد للعمل والإنتاج بالفصل بينهم حتى لا تقع الخلافات المثبطة أو الخلافات التي تتطلب تدخل السلطات وذلك حتى يضمحل دور السلطات من خلال تخفيف خطوط التماس بين الأفراد المتمكنين. وحتى لا ينفلت المجتمع لفساد من جراء هذه الإستراتيجية في التعامل مع الأعيان، وضعت الشريعة من الحركيات ما يمنع التلوث من خلال ذات المقصوصة للحقوق. والملفت للنظر هو أن هذه الحركيات المانعة للفساد تؤدي في الوقت ذاته لدفع الناس


۲ قصور العقل
۹۱
لمزيد من الابتكارات إن طبقت الشريعة. لهذا، فإن ما سيحاول هذا الكتاب إثباته بإذن الله . هو أن من الحكمة ترك العقل البشري متى اصطدم مع نص شرعي لأن العقل البشري قاصر مقارنة بالحكمة التي تؤدي إليها الشريعة. وهنا لابد من التنويه أن العقلانية لا يمكن لها أن تصطدم مع النص، وإن فعلت فهي ليست عقلانية عقل بل عقلانية أهواء كما يفعل الغرب. ولأن الشائع هو لفظ «عقلانية» للدلالة على عقلانية البشر، أي عقلانية الأهواء، فسأستخدم كلمة « عقلانية» للتعبير عما ينتجه العقل البشري. وهذا وضع غير سليم لأن من المفترض في العقلانية أن تؤدي للحكمة. ولكن لأن العقلانية المتصفة بالأهواء هي الشائعة كتعبير في مجتمعاتنا فلابد لي من استخدام نفس التعبير ولكن بالتنبه لهذا الفارق في المعنى. وقد تسأل أخي القارئ: أليس من الإجحاف وصف العقل البشري بالأهواء؟ فأقول: عقل من سيكون المرجع؟ فعند الحديث عن العقل البشري، فهناك عقول كثيرة وبمرجعيات وقناعات مختلفة. فلكل فرد عقله الخاص به وقناعاته المبررة له وللخروج من هذا المأزق وجد العالم الغربي خلاصه في الديمقراطية التي تطبق عقل الأغلبية. فالعقلية البشرية هي دائماً عقلانية مبررة لصاحبها وأهواء للآخرين. لذلك، ولأنها قاصرة، فقد تلافت الشريعة الأخذ بها في الحقوق، وأطلقتها في التعامل مع الأعيان. أي أن الشريعة تدفع للسبيل الثالث بينما المجتمعات المسلمة سلكت تاريخياً السبيل الثاني فكان التخلف.
ولعل السبيل الرابع هو أشر الأحوال، فهو الذي لا يدفع الأفراد لتحدي الأعيان وتفجير طاقاتها، لذلك سيظل المجتمع المتبني لهذا السبيل مجتمعاً متخلفاً تقنياً. وفي الوقت ذاته نجده يقفز في حقوقه من منظومة لأخرى، أي أنه مندفع في طبيعة قراراته تجاه الإنسان، لذلك فهو مجتمع في ترد اجتماعي واقتصادي. وهذه تمثل معظم مجتمعات العالم الثالث (بما فيها العالم العربي المعاصر) التي تقفز من منظومات حقوقية لأخرى بتغير أنظمة دولها أو حكامها الذين يغيرون الأنظمة (بعثية أو اشتراكية) أو يستحدثون برامج تنموية مختلفة لا هم لها إلا سلب التمكين من الأفراد. فالقرارات التي تؤثر في حقوق الأفراد في مجتمع العالم الثالث دائمة التقلب. وأخيراً أرجو ملاحظة أن ما ذكرناه سابقاً ليس وصفاً دقيقاً لحال المجتمعات. فإن وصف مجتمع ما بأنه يتبع السبيل الثاني مثلاً فهذا لا يعني أن طبيعة قرارات جميع أفراد ذلك المجتمع كذلك. بل هي الصفة السائدة على أفراد المجتمع كما حدث في العالم الإسلامي في تاريخه الطويل إلى حين سقوط الدولة العثمانية والذي بدأت بعده معظم دول العالم الإسلامي في الخروج من السبيل الثاني والدخول في السبيل الرابع. أما السبيل الثالث، وهو ما يدعو إليه الإسلام، فقد بقي دون استطراق. والآن، ولتأكيد السابق لنرى دور العقل في السبيل الثالث.

العقل في القرآن الكريم

لقد رأينا في الجزء الأول من هذا الفصل بأن الإسلام اتهم بتعطيل العقل، فما صحة هذا القول؟ هناك كتاب لطيف عن مفهوم العقل والقلب في القرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال بعض الصحابة للشيخ الدكتور محمد علي الجوزو أثابه الله، يلخص فيه معنى العقل في الإسلام. ومما استنتجه هو أن العقل في الشعر الجاهلي أتى بمعان مختلفة منها التقييد والربط، وفي الشعر الإسلامي أتى بمعنى «المرجع الذي يعود إليه الإنسان عند تقرير الأمور»، أو بمعنى «الميزة التي تميز الكائن المدرك عن سواه مما لا يعقل ولا يعي كالأصنام، كما ورد العقل بمعنى «القوة


۹۲ 🗏
العاقلة التي تدفع الإنسان إلى الحذر والتنبه».
أما العلماء فقد عرفوا العقل لغوياً. فيقول الحارث بن أسد المحاسبي: «والعرب إنما سمت الفهم . عقلاً لأن ما فهمته فقد قيدته وضبطتهُ بعقلك كما البعير قد عُقل (أي) أنك قيدت ساقه إلى فخذيه. وقالوا: اعتقل لسان فلان، أي استمسك. ويقال: أعقل شاتك إذا حبستها. وهو أن يضع (رجله) بين (نوفها) وفخذها. ويقال: اعتقل رجل فلان إذا (صارعه)». كما سمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك. وقيل العقل هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان. وجاء في القاموس المحيط: العقل : العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين أو مطلق الأمور أو لقوة بها يكون التمييز بين القبح والحسن ولمعان مجتمعة في الذهن يكون بمقدمات يستتب بها الأغراض والمصالح لهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه».هـ وبالإضافة للعقل فهناك مرادفات أخرى مثل «اللب» الذي ورد في الشعر الجاهلي بمعنى العقل الذي يرافق صاحبه في جميع أموره ليكون حازماً . عند مواجهة الأمور الجسام. أما في الشعر الإسلامي فقد ورد اللب بمعنى العقل، والجمع أولوا الألباب أو ذوو الألباب، بمعنى أصحاب العقول الراجحة الذكية. وهناك قول بأن أولو الألباب هم العلماء بالله. والحلم أيضاً متصل بالعقل، إلا أن الحلم أرفع من العقل في بعض الأقوال. وقد شاع في الشعر الجاهلي استخدام الحلم في الفخر والمديح. وقد ورد مقابل السفه، فدل على أنه نقيض الجهل والطيش. وفي الشعر الإسلامي كان الحلم من الصفات الحميدة كالصمت في المجالس من غير بلادة مما يدل على الحكمة والتعقل، فهو بهذا ضد السفه والجهل. وقال ابن منظور بأنه الأناة والعقل. ومن الألفاظ الدالة على العقل أيضاً «النُّهى»، وهي العقول لأنها تنهى عن القبيح. ومن الألفاظ الدالة على العقل أيضاً الحجر والحجي. ولعلك لاحظت من السابق أن استخدام لفظ العقل وكأن فيه توجيه نحو التحفظ في كل ما هو قادم من قول أو فعل. فهناك ربط واضح بين التأني وكل من الأقوال والأفعال ما يؤدي إلى العقل. وهذا ما توصل إليه أيضاً الشيخ الجوزو أثابه الله. فقد لخص ما توصل إليه بعد استعراض الألفاظ المرادفة للعقل قائلاً:

*** هامش ***

هـ) وقال الحكيم الترمذي: «وقد قيل أن العقل يعقل النفس عن قلبها، والعقل، ج ألباب والب وألبب ... رجل لب ولبيب؛ لازم للأمر، متابعة الهوى كما يمنع العقال الدابة من مرتعها ومرعاها. والعقل وملبوب موصوف بالعقل ...». ويقول الحكيم الترمذي: «وأما عند اسم (غير) متبدل، وهو اسم عام، ولا يستعمل تصريف هذه الأسماء عامة أهل الأدب ومن لهم معرفة بشيء من اللغة فإن اللب هو العقل، إلا منه، ويقال عقل يعقل عقلاً فهو عاقل وذلك معقول عنه». ». أما في ولكن بينهما فرق كما بين نور الشمس ونور السراج، فكلاهما نور المعاجم فقد ورد في لسان العرب: «العقل : الحجر والنهي ضد الحمق ... والعقل يعبر به عن العلم على وجه المجاز في سعـة اللغــة، ولكن
... عقل يعقل عقلاً ومعقولاً، وهو مصدر سماعي وقال سيبويه : هو «أولوا الألباب» هم العلماء بالله» (٤٩). صفة ...». قال ابن الأنباري: «رجل عاقل وهو الجامع أمره ورأيه (ز) جاء في الدر المنثور: «وأخرج أبو الشيخ عن ضمرة رضي الله عنه مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه» . وقيل العاقل الذي يحبس قال: الحلم أرفع من العقل لأن الله عز وجل تسمى به». وجاء في شعب نفسه ويردها عن هواها أخذ من قولهم قد اعتقل لسانه إذا حبس الإيمان أيضا : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ... نا رجاء بن أبي سلمة
ومنع الكلام. والمعقول ما تعقله بقلبك، والمعقول : العقل يقال : ما له قال : الحلم أرفع من العقل وذلك لأن الله تسمى به» (٥٠). معقول، أي عقل. وهو أحد المصادر التي جاءت على مفعول ح) وجاء في البستان الحلم نقيض السفه، والعقل والأناة والتثبت في كالميسور والمعسور. ... والعقل هو التثبت في الأمور» (٤٨). الأمور وضبط النفس والطبع عن هيجان، جمعه أحلام وحلوم، وليس و) جاء في تفسير: «وأما تأويل قوله: ﴿يَأولى الألبب ، فإنه يا الحلم في الحقيقة العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل أولي العقول. والألباب جمع اللب واللب العقل». وجاء في القاموس ...» (٥١).
المحيط: «اللب بالضم: خالص كل شيء، ومن النخل الجوز ونحوها:

--- 93
ولا شك أن القرآن الكريم أضفى على هذه الألفاظ ثوباً جديداً وأعطاها أبعاداً جديدة، ... ففي حين نجد في الشعر الجاهلي وعند المحاسبي أن الأصل في كلمة عقل التقييد والربط والذهن وإمساك الشيء أو حبسه والديه، وهي تعقل الإنسان عن الثأر لقريبه وكأنه رجح جانب العقل على القود أي الثأر، إذا صح التعبير، ثم نرى ابن الأنباري وقد تأثر بالإسلام إذ يستنتج من هذه المعاني أن العقل هو الأمر والرأي، ونرى في «اللسان» أنه قد سمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه، وهو يوافق الترمذي في ذلك التفسير إذ يقول الترمذي: إن العقل يعقل النفس عن متابعة الهوى، ولكن «اللسان لا يلبث أن يظهر متأثراً بالأفكار الفلسفية عندما يقول: إن العقل هو التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان. وتظهر النزعة الفلسفية بشكل أقوى عند صاحب القاموس إذ يقول: «إن العقل هو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها ...». . وهكذا تداخلت الروح الدينية الإسلامية مع الأسلوب الفلسفي في هذه التعاريف لتؤكد مدى التفاعل مع التطور الثقافي في تلك العصور، ... هذا إلى جانب تفسيرات للعقل كثيرة منها أنه المرجع في تقرير الأمور، وأنه الحصن والملجأ والعقل والفهم والحكمة وبه تتبين الأشياء وبه يبتعد الإنسان عن الحمق والضلال والشرود .... غير أن الحلم يأتي كميزة متفوقة، ميزة خلقية عليا تدل على الحكمة والتسامح وسعة
الصدر ...».
٥٢

ومن هذا العرض السريع، وإن وضعنا السابق في إطار التحفظ أو الاندفاع في القرارات، تلحظ أخي القارئ أن العقل في العهد الجاهلي وفي أقوال بعض أهل اللغة في الإسلام لم يوجه صاحبه إلى الاندفاع في القرارات بقدر توجيهه إلى التحفظ فيها. فالعقل إما يحبس صاحبه عن الوقوع في ما لا تحمد عقباه، أو أنه العلم بشمولية عما هو كائن، أو هو صفة تعكس شخصية حاملها، وهكذا من تعاريف تبدو كأنها تحفظية في طبيعة القرار أكثر من كونها دافعيه له، فالأصل تراثياً في العقل ينجذب للتحفظ . إلا أن الإسلام أراد عقلية أخرى غير هذه. لقد أراد الإسلام للمسلم أن يتمتع بعقل يتحدى فيها الأعيان. كيف؟
هناك ملحوظتان على ورود مادة «عَقَلَ» في القرآن الكريم الأولى هي عدم ظهور الاسم «العقل» في المواضع التي قد يتوقع القارئ أنها قد تستخدم فيه، فتظهر المرادفات كالحكمة والرشد، أي وكأن القرآن يتلافى عمداً استخدام الاسم «العقل». والملحوظة الثانية . أن مادة «عقل» عندما تستخدم تأتي بصيغة الفعل المضارع (وليس الاسم) مثل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وبهذا يكون السؤال: ما الهدف من هذه المنهجية؟ وللتوضيح أقول:
هي
بالنسبة لتوضيح الملحوظة الأولى فسأعطي مثالين فقط : الأول هو تأويل كلمة «الحكمة»، فقد جاء في تفسير الطبري أن تأويل قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾، هو العقل. يقول الطبري: «ذكر من قال ذلك، حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ العقل في الدين وقرأ: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وجاء في تفسير ابن كثير:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ : ليست بالنبوة ولكنه العلم والفقه والقرآن. وقال بن وهب عن مالك: قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيراً به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا. فالحكمة الفقه في دين الله». --- 94
أما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ حُكْمَا وَعِلْمًا﴾ ، فيقول الطبري: «وقوله ﴿وَءَاتَيْنَهُ حُكْمَا وَعِلْمًا﴾، يقول تعالى ذكره أعطيناه حينئذ الفهم والعلم. كما حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال : ثنا شبل عن بن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال العقل والعلم قبل النبوة». وذكر الطبري أيضاً: «وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، قال: يعني العقل والفهم والفطنة» . ٥٤
وبالنسبة للمثال الثاني: فقد جاء في تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشدًا﴾ : «قال أبو جعفر وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى الرشد في هذا الموضع العقل وإصلاح المال لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله وحوز ما في يده عنه وإن كان فاجراً في دينه». وجاء في الدر المنثور في تفسير نفس الآية:
«وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ، قال : عقولهم حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ، يقول : الحلم. ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم﴾، قال: أحسستم. مِنْهُمْ رُشْدًا ، قال : العقل. وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، قال: جربوا عقولهم فَإِنْ ﴿ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، قال: «عقولاً وصلاحا». ٥٥
00
ففي جميع السابق، وغيرها كثير ، تلحظ عدم ظهور كلمة «العقل» أو مشتقاتها، بل تعابير أخرى. لماذا؟
وبالنسبة للملحوظة الثانية، فقد وردت مادة «عَقل» في القرآن الكريم في تسع وأربعين آية، إلا أنها لم ترد بصيغة الاسم قط، بل وردت بصيغة الفعل مثل تَعْقِلُونَ . كما أنها وردت في معظم الآيات بصيغة الفعل المضارع على سبيل الاستفهام ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أو الترجي ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أو التقرير ﴿لْقَوْمِ يَعْقِلُونَ﴾، أو النفي ﴿ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . كما أن الملاحظ على معظم الآيات أنها تأملية في خلق الله. قال رب السموات والأرض ورب العرش العظيم: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلَّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَنحَ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَنتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وقال الخلاق العظيم: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَالِكَ لَآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، وقال اللطيف الخبير: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ أَلَّيْل وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، وبعد عرض مثل هذه الآيات يستنتج الشيخ الجوزو قائلاً:
«نحن أمام حركة الطبيعة تثير النفس، وتدفعها إلى التأمل والتصور والتخيل، وهذه الحركة تبدو في ثنائية الطبيعة في الليل والنهار في الشروق والغروب في الحياة والموت، فالقرآن يشد الإنسان إلى هذه الحركة، ويدعوه إلى تتبعها، وفهم ما تنطوي عليه أسرار الخالق. ... حقاً إن القرآن ليس كتاباً علميا يبحث في الكيمياء والفيزياء ويحلل نظريات العلم، لكنه يطرح القضايا الكلية ويجعل منها
منطقاً للبحث والتقصي، ...».
٥٦
إن طريقة الاستخدام للفعل عقل في القرآن كما هو واضح تحث الناس لإعمال عقولهم، فهي تتعجب منهم بالقول: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وكأنها تترجاهم بالقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . أليس في هذا دافع لتحريك العقل وبالذات لأنها أتت بصيغة الفعل المضارع مسبوقاً بالاستفهام الإنكاري الذي يتضمن معنى التنديد والتعجب؟ كما أن بعض الآيات أتت بصيغة التنديد كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ --- 95 أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ كما في سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ؛ وأتت بحرف اللام للتأكيد كما في لفظ لَا يَنتِ في قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وهكذا بعرض مثل هذه الآيات يستنتج الشيخ الجوزو أن اعتبار هذه الإبداعات الكونية آيات «أي أدلة وبراهين يقتضي أن تكون البرهنة «عقلية » لأنها تساق إلى قوم يعقلون. فإذا كان تأمل الطبيعة ودراسة أسرارها ودقائقها، ودراسة مظاهر الحياة والموت والإنسان والحيوان والنبات يلقي ضوءاً كاشفاً على لنا أنه واسطة هذا الكشف والفاعل هو العقل لأن الذين لا يعقلون
الحقيقة، فإن الفعل «يعقلون» يوحي
هو
هم
الذين
لا يدركون هذه الحقائق، فالعقل هنا بينها، واستنباط الحقائق». أي أن البحث عن الحقيقة هو أهم ما يدفعنا إليه القرآن الكريم.
أداة الفعل يعقل، ودوره هو تتبع الظواهر وإدراك الحقائق التي تربط
وحتى عندما يستعرض القرآن الكريم أصل الإنسان وخلقه أطواراً من تراب ثم من نطفة وهكذا حتى الممات، نجده ينبه الإنسان لضرورة استخدام عقله لاستنتاج الحقيقة عن ذاته كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفَلَا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلَا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . وفي آيات أخرى يتحدى القرآن الكريم الإنسان بطريقة تحفزه لتحريك عقله بأن يخبره بتفاصيل تخلقه وهو في رحم أمه وذلك قبل أربعة عشر قرناً بطريقة إعجازية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِين ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . وإذا ما راجعت جميع آيات القرآن الكريم العلمية الإعجازية، أو التي تحث على إعمال العقل تجدها تجتمع حول ضرورة تحريك العقل لتقصي الحقيقة في الكون بالتأمل في نواميس ما خلق الله وما صور وأبدع وأتقن. وهذا الاستنتاج ينطبق حتى على القصص القرآني الذي تميز بحث الناس لرفض اتباع منهج الآباء والأجداد إن لم يكن معقولاً كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ اباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾... أي أن القرآن الكريم يحث البشر على الثورة على الجهل بتحريك العقل حتى وإن كان ذلك خروجاً على سنن من سلف. وأفضل مثال لهذا هو قصة إبراهيم عليه السلام فهي قصة تنبذ التقليد الذي يفضي للتبعية لأن فيها إلغاء للاختيار الذي فطر عليه الإنسان. فما قيمة الإنسانية إن انقادت للضلال لا لسبب إلا تقليداً لمن سبق ؟ أي أن ممارسة الإنسان لحركة البحث عن الحقيقة هي أسمى ما يمكن أن يقدمه له عقله. وإلا فهو ليس عقلاً أبداً، بل أداة للضياع. ومن هذا العرض السابق نستطيع أن نتقصى معالم حدود دور العقل في الإسلام: ألا وهو البحث عن الحقيقة في هذا الكون. فهذه هي مهمة العقل الكبرى التي ستقع تحتها مهمات أخرى.

*** هامش ***

ط
ط) تأمل قصة إبراهيم في سورة الأنبياء في قوله تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾

--- 96 ويتأكد هذا الاستنتاج أكثر عند ربط العقل بالحواس. فالقرآن يأخذ من هذا الربط موقفاً واضحاً برفض
الجهل بسبب قفل منافذه الحسية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ . فإن كانت الفاء سببية فهي تفسر معنى صُمٌّ بُكْمٌ عُمَى بأنه غلق لمنافذ المعرفة، وهذا هو الجهل الذي تم تشبيهه بالدواب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ، فبرغم أن الحيوان يسمع ويرى إلا أنه لا يفقه، فما هي قيمة الحواس إن لم يحركها العقل في البحث عن الحقيقة. تدبر قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. بل إن القرآن يصف من لا يبحثون عن الحقيقة بإعمال عقولهم بالموتى، وكأن الفرق بين الحياة والموت هو تحريك العقل بتشغيل الحواس كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. وما يؤكد هذا المعنى هو ظهور أهمية تحريك العقل من خلال الحواس في نعي الكفار لأنفسهم تحسراً يوم القيامة كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَب السَّعِيرِ﴾ . أي أن أهمية الحواس تكمن في ارتباطها بالعقل. فهي أدوات التأمل الموصل للحقيقة التي يستنبطها العقل كما في قوله تعالى: ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ؛ وفي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.
۵۸
وهناك لفظ آخر يجمع النظر والتأمل، وهو التفكر كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ وكما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِى أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ ؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي أَلَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، وكما في قوله تعالى: ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَالِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . وهناك آيات أخرى عن النوم والنحل والمودة بين الأزواج ونحوها من إبداعات الله الحقة التي تدفع الفرد للتفكر للوصول إلى الحقيقة.
ومن الآيات التي تتصل بالبحث عن الحقيقة أيضاً بإعمال العقل الآيات التي تشيد بأولي الألباب كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلِّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَاب﴾ . فمن هم أولوا الألباب؟ إنهم القانتون الذين بإعمال عقولهم أيقنوا بوعد الله ويحذرون الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ الَّيْل سَاجِدًا وَقَائِِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ . فقوله: ﴿إِنَّمَا﴾ هنا هي للحصر على أن التذكر هو صفة من أيقن فأصبح من الراسخين في العلم لذلك فهو من أولي الألباب. أي أن جميع هذه التأملات والتبصرات والتفكرات باستخدام الحواس بتحريك العقل لابد وأن تؤدي إلى حقيقة واحدة كما في قوله تعالى: --- 97 ﴿ سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . ٦٠ أي أننا إن أعملنا حواسنا وتأملنا وعقلنا سيتبين لنا الحق (وهذا استنتاج مهم). لماذا؟

تفاوت العقل

الآن لنربط الاستنتاج السابق أي أن الدور الأهم للعقل في الإسلام هو البحث عن الحقيقة)، مع ما ذكرناه من أن مادة «عقل» لم تُذكر في القرآن إلا بصيغة الفعل (الملحوظة الثانية). ولعل هنا إشارة، والله أعلم، من عدم ذكر القرآن الكريم للعقل بصيغة الاسم إلى أنه قد لا يوجد عقل ككيان قط، بل فقط كأداة. ومما يعزز هذا الاستنتاج الملحوظة الأولى التي ذكرتها سابقاً من عدم ظهور الاسم: «العقل» في القرآن الكريم، بل مرادفات له مثل الحكمة والرشد. كيف؟ لنبدأ بهذا السؤال: هل هناك عقل أم لا؟ إن كان هناك عقل، فعقل من هو؟ وما هذا السؤال إلا لأن العقول لابد وأن تختلف. فما هو معقول لك قد لا يكون معقولاً لآخر. لذلك فلن يكون هناك اتفاق بين الناس على العقل، لأن العقل ليس كالحقيقة التي «قد » يتفق عليها الناس، بل هو متفاوت من إنسان لآخر. وهنا لابد لي من بعض الأدلة لأثبت لك أخي القارئ أن العقل شيء متفاوت، وهذه مسألة مهمة ذلك لأنني إن أثبت أن العقل متفاوت فهذا يعني أن العقل كأداة متفاوت في أدائه من إنسان لآخر، أي أن جميع العقول قاصرة، ولا وجود للعقل الكامل لدى البشر. فكلما ارتقى العقل مرتبة ظهر قصور المرتبة التي قبلها، وهكذا من مراتب قاصرة بعضها فوق بعض. لذلك سأتقصى فكرة تفاوت العقل في بعض الأحاديث أولاً ثم في أقوال بعض العلماء ثانياً:
بالنسبة لتفاوت العقل في الحديث، فمن الملاحظ أن استخدام مادة العقل في الأحاديث تشير بوضوح إلى أن العقل شيء يمكن قسمته أو تضعيفه أو ما إلى ذلك من نعوت تشير إلى عدم كماله، وأن الكمال هدف قد لا يتوصل إليه. فهناك باب في صحيح البخاري بعنوان: «باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام». فمن هذا العنوان تلحظ من عبارة « والضعيف العقل»، أن هناك عقل ضعيف وعقل أقوى منه. أي أن العقل عرضة للتغير من الضعف للقوة. ومن مراجعة بعض الأحاديث ستلحظ بسرعة بأن تفاوت العقل من الضعف للقوة بين الناس هو من مصدرين، إما ذاتي، كأن يكون الإنسان مولوداً به، كأن يكون متخلفاً عقلياً، وهذا خارج دائرة بحثنا، أو أنه شيء يكتسبه الإنسان من تصرفاته. ففي صحيح البخاري مثلاً أن عمر رضي الله عنه قال: «أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل». أي أن شرب المسكر سيخامر العقل ويؤثر عليه. ففي تفسير الطبري: والخمر كل شراب خامر العقل فستره وغطى عليه، وهو من قول القائل خمرت الإناء إذا غطيته وخمر الرجل إذا دخل في «الخمر وكذلك النوم فإنه يُذهب العقل كما هو معلوم. ففي صحيح ابن حبان مثلاً: «كل من نام بزوال العقل وجب عليه الوضوء سواء اختلفت أحواله أو اتفقت لأن العلة فيه زوال العقل لا تغير الأحوال عليه ...». وبالطبع فكل ما سبق من تأثر العقل أمر معلوم بالبديهة لأنها متغيرات ملموسة تؤثر في العقل. لكن هناك تصرفات تؤثر في العقل لم يكن يعلمها الناس مثل الحجامة. فقد جاء في المستدرك على الصحيحين عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما قال نافع: قال لي ابن عمر: «أبغني حجاماً لا يكون غلاماً صغيراً ولا شيخاً كبيراً فإن الدم قد تبيغ بي، وإني سمعت رسول الله صلى
٦١


۹۸ 🗏
الله عليه وسلم يقول: (الحجامة تزيد في العقل وتزيد في الحفظ، فعلى اسم الله يوم الخميس، لا تحتجموا يوم الجمعة ولا يوم السبت ولا يوم الأحد، واحتجموا يوم الإثنين والثلاثاء، وما نزل جذام ولا برص إلا في ليلة الأربعاء). وقال الحاكم معلقاً على الحديث: «رواة هذا الحديث كلهم ثقات إلا غزال بن محمد فإنه مجهول لا أعرفه بعدالة ولا جرح، وقد صح الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله من غير سند ولا متصل».
٦٢
بالإضافة لما سبق من تدخلات مادية تؤثر في العقل فهناك من الأحاديث الضعيفة ما تحاول حث الناس للتصرف بطريقة معينة لزيادة عقولهم. فقد جاء في سنن البيهقي الكبرى عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما يستغني رجل عن مشورة، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة». فمن مثل هذه الأحاديث الضعيفة" يستشف الإنسان أن في زيادة التودد إلى الناس ومشورتهم زيادة للعقل. ولأن التودد والمشورة تزيد وتنقص بناءً على همة الفرد فكذلك العقل بالتالي سيزيد وينقص. وهناك عدة أحاديث بألفاظ مختلفة تدور حول نفس هذا المعنى منها مثلاً ما ضُعف كالحديث الذي جاء في «شعب الإيمان» عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس». في هذا الإسناد ضعف». ومنها ما جاء في فتح الباري: وحديث أبي هريرة: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس» أخرجه البزار بسند ضعيف . ٦٤
ولعلك تتساءل: لماذ أسرد هذه الأحاديث تباعاً (برغم أنها ضعفت) لأثبت مسألة تبدو بديهية، فالكل يعلم أن العقل متفاوت؟ فأقول: إني أفعل ذلك حتى تتيقن أن مسألة التفاوت في العقل وبالتالي ضرورة قصوره كان أمراً شائعاً ومقبولاً في الفكر الإسلامي لدرجة أنه لم يحاول إلا قلة تمجيده ورفع شأنه ليرتقي لمستوى يناطح الشريعة (وسيأتي دحض أقوالهم بإذن الله؛ لأن في تمجيد العقل خطورة كبيرة على الإسلام لأنه سيؤدي إلى الثقة به وبالتالي وضعه في مكانة تمكنه من مساءلة نصي القرآن والحديث، أو حتى العلو على النص كما يحاول العلمانيون باستثمار مثل هذه الأحاديث حتى وإن كانت غير صحيحة بإخراجها من معناها المقيدة به فكان لابد من جذ هذه المسألة من جذورها لخطورتها. فمن هذه الأحاديث الضعيفة أيضاً التي يستشف منها الفرد تفاوت العقل ما أخرجه الديلمي عن أنس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين». هنا نرى أن العقل قد قسم وأن الأجزاء المقسومة قابلة للتحسين إشارة إلى قصور العقل. وأخيراً ما رواه الترمذي عن أنس أن رجلاً كان في عقدته ضعف، وكان يبايع وأن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله احجر عليه. فدعاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فنهاه فقال: يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع. فقال: (إذا بايعت فقل هاء وهاء ولا خلابة » ." والشاهد من هذه الأحاديث وغيرها أن تفاوت العقل كان أمراً معروفاً عند المسلمين وأنهم لم يحاولوا قط تصور وضع يكون فيه العقل مكتملاً. حتى الحديث الذي رواه البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه والذي قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ، فلا يشير الحديث إلى العقل فقط، بل إلى الفرد وكمال عبادته وكمال تعامله . مع الآخرين وما إلى ذلك. وستتأكد هذه المسألة أكثر بعد المرور على المزيد من الأحاديث بإذنه تعالى. --- 99
الآن سنمر على بعض أقوال الفقهاء عن العقل. ولعل قراءتها ستكون مملة بعض الشيء، إلا أنني وضعتها لتأكيد نفس النقطة، ألا وهي أن شيوع فكرة نقصان العقل كان العرف السائد فكرياً بين العلماء، وأن لهذا النقصان زيادة قد تأتي من خلال بعض السلوكيات أو القناعات. لهذا فبإمكانك قفزها أخي القارئ للعنوان القادم: «الحق»). وقد رتبتها دون تعليق عليها، ولكن بقليل من التأمل باستطاعتك أخي القارئ الوصول لاستنتاجك عن علة اعتبار العقل قاصراً: جاء في الزهد لابن المبارك أن ابن أنعم قال: « لكل شيء آفة تفسده: فآفة العبادة الرياء، وآفة الحلم الذل، وآفة الحياء الضعف، وآفة العلم النسيان، وآفة العقل العجب بنفسه، وآفة الحكمة الفحش، وآفة اللب الصلف، وآفة القصد الشح، وآفة الزمانة الكبر، وآفة الجود التبذير». وجاء في شعب الإيمان أن محمد بن الأشعث الكندي قال: «إن لكل شيء دولة، حتى إن للحمق على العقل دولة، قال البيهقي رحمه الله: الدولة لمن وافقه القضاء والتقدير، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: «أنفع العقل ما عرفك نعم الله عليك وأعانك على شكرها وقام بخلاف الهوى». وعن عروة بن زبير قال: قيل لقس بن ساعدة: «ما العقل؟ قال: معرفة الانسان نفسه. قيل: فما أفضل العلم ؟ قال : وقوف المرء عند علمه». وعن الحكم بن عبد الرحمن قال: «كانت العرب تقول: العقل التجارب والحزم سوء الظن». وعن بن شبيب قال: «سئل بعض الخلفاء: أي شيء يؤيد العقل ؟ وأي شيء أشد به إضرارا ؟ قال : أما أشده تأييداً فمشاورة العلماء وتجربة الأمور وحسن التثبت وأشد به إضراراً فالاستبداد والتهاون والعجلة». وقال أبو بكر بن عياش: «العقل إمساك اللسان والتؤدة، والحمق ذرب اللسان وشدة «البيان». وعن يحيى بن سعيد عن شعبة أنه قال: «من الناس من عقله بفنائه، ومنهم من عقله معه، ومنهم من لا عقل له. فأما العقل الذي عقله معه فالذي يبصر ما يخرج منه قبل أن يتكلم، وأما الذي عقله بفنائه فالذي يبصر ما يخرج منه بعد ما يتكلم، قال: فحدثت به عبد الرحمن بن مهدي فقال: هذه يعني الذي عقله بفنائه واستحسن الكلام فقال : ليس هذا من كلام شعبة، إنه سمعه من غيره». وقال عامر بن عبد قيس: «إذا عقلك عملك عما لا ينبغي فأنت عاقل». وسئل السري عن العقل فقال: «ما قامت به الحجة على مأمور ومنهى». وعن الفضيل بن عياض أنه قال: «كان السلف يقولون: إن على كل شيء زكاة، وزكاة العقل طول الحزن». وعن حارث المحابسي أنه قال: «لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل. قيل: وما جوهر العقل؟ قال: الصبر». وعن الزهري أنه قال: «ما عبد الله بمثل العلم. قال : وقال أيوب: العقل في الدين نعم الشيء هو». وعن الأحنف بن قيس أنه قال: «العقل خير قرين والأدب خير ميراث والتوفيق خير قرين». وجاء في جامع العلوم والحكم وروي عن سليمان بن عبدالملك أنه قال: «الصمت منام العقل والنطق يقظته، ولا يتم حال إلا بحال. يعني لا بد من الصمت والكلام». وأخيراً جاء في نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن عمرو بن معد يكرب رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره». الـعـرم المنكر. وصار ذلك من ذكاوة فؤاده وحرارة رأسه والناس يتفاضلون في أصل البنية في الفطنة والكياسة والحظ من العقل والعقل على ضربين: ضرب منه يبصر أمر دنياه، وهو من نور الروح، وهو موجود في عامة ولد آدم عليه السلام إلا من كان فيه خلل أو علة، وبينهم في ذلك العقل تفاوت عظيم. وضرب منه . أمر آخرته وهو من نور الهداية والقربة وذاك موجود في الموحدين مفقود في المشركين وبين الموحدين في ذلك العقل عقلاً لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب، فإذا غلب النور وبصره في تلك الظلمة زالت الظلمة
صنعتنا
تفاوت عظيم، وسمي وأبصر فصار عقالا للجهل.
يبصر


🗏
الشمس .
القطعة

الحق

والآن لنحاول الربط بين العقل كأداة وبين الحقيقة المطلقة التي على العقل مهمة الوصول إليها: استنتجنا من فمنهم
المسافات
السابق أن العقل متفاوت بين الناس، أي أنه كأي أداة أخرى يستخدمها الناس، أي كالمنشار أو المطرقة مثلاً، من هو ماهر في استخدامه ومنهم من قد . يسيء استخدامه. فإن كان كذلك، فإن تم استخدامه كأداة ضد أي نص شرعي فلابد وأن يخطئ لا محالة لأن العقل كأداة ليس كالحقيقة التي يتفق عليها الناس لأنه يتفاوت. فموعد شروق مثلاً يومياً حقيقة فلكية مستمرة يتفق عليها جميع الناس، ودرجة غليان الماء هو ١٠٠ درجة مئوية، وهكذا من حقائق لا تعد ولا تحصى. ولكن السؤال هو: هل هذه حقائق برغم اتفاق الناس عليها؟ إن بالإمكان تسمية هذه «الحقائق» بالظواهر أو بالأحداث أو نحوها من أسماء، إلا أنها ليست حقائق. وهذه الظواهر والأحداث هي ما نبحث عنها بعقولنا عادة ونقترب من إدراكها كلما استخدمنا عقولنا كأداة لتصبح حقيقة «لنا» عندما نتفق عليها، إلا أنها ليست حقيقة وليست عقلاً أيضاً. فبالبحث العلمي نقترب من الحقائق إلا أننا لن نصل إليها. هذا ما أثبته لنا العلم في العالم الغربي. لنضرب مثالاً على ذلك: لنأخذ مسألة الدقة. فجميع الأجهزة التي تقيس ذات دقة لدرجة معينة. فعندما نرغب في الحصول على قطعة من النحاس تبلغ تسعة سنتيمترات طولاً، فسنحصل عليها في إطار توفر الأجهزة المتاحة في ذلك الوقت. ولكن هل هي تسعة سنتيمترات بالضبط. كلا، ولن نستطيع أن ندرك ذلك إلا عند تطور العلم والتقنية لإيجاد جهاز يقيس المسافات بدقة أكبر، هي أجزاء الملميترات. فقد تكون التي لدينا تسعة سنتيمترات وعشر المليمتر في طولها، إلا أننا لم ندرك تلك الزيادة إلا بظهور أداة تقيس أجزاء المليمترات. وحتى هنا، فنحن لم نصل لحقيقة طول القطعة بعد، وعند ظهور جهاز يقيس المسافات بدقة أعلى نكون قد اقتربنا أكثر، وهكذا نستمر بالتدرج إلى أجزاء أصغر وأصغر حتى نصل إلى النانومتر (أي جزء من المليون من الملي متر) لنقترب من الحقيقة، ولكننا لن نصل إليها. وما هذا إلا مثال واحد على الدقة، وهناك النظريات وما إليها من أدوات المعرفة والعقل. فهناك إجماع بين فلاسفة علم تطور العلوم epistemology أن النظريات ما هي إلا فرضيات من وضع البشر لمحاولة فهم ما يحدث من حولنا لعلنا نصل للحقيقة وأن هذه النظريات لابد وأن تتغير مستقبلاً لأن أية نظرية لن تستطيع أن تفسر جميع الظواهر الكونية المستجدة على العلم، بل فقط تفسر ما ندركه. وعندما تتوقف النظرية عن تفسير الظواهر المستجدة، ستأتي نظريات أخرى لتستوعب ما ندركه من ظواهر، وفي الوقت ذاته تصمد هذه النظريات لسنين قادمة لتفسير ظواهر أخرى. وهكذا فإن كل نظرية ستغطي على ما قبلها. فقد أتت النظرية النسبية لتفسر ظواهر لم تستطع نظرية نيوتن تفسيرها (كما ذكرنا في الحديث عن حتمية العلم في الفصل السابق)، ذلك لأنه لم يخطر على البشر في عهد نيوتن قياس سرعة الضوء مثلاً، بل فقط سرعة الأجسام المتحركة، فكان لابد من نظرية أخرى تتمكن من ذلك، ثم أتت نظرية الفيزياء الكمية لتغطي لم تتمكن النظرية النسبية من فعله. أي أننا لن نصل إلى الحقيقة المطلقة. فإن وافقتني أخي القارئ أننا لن نصل إلى الحقيقة المطلقة فماذا عن العقل؟ هل هناك عقل مطلق يستطيع فرد من الناس استحواذه أو حتى الوصول إليه؟ بالطبع فإن الإجابة منطقياً: لا؛ لأن العقل بالنسبة لنا أداة، أما الحقيقة فهي ،هدف، فإن عجزنا عن بلوغ الهدف، فلابد وأن تكون الأداة قاصرة. أي أن العقل قاصر، أي لن يتمكن الإنسان من استحواذ العقل المطلق، هذا إن وجد، لذلك يبقى السؤال: ما هو العقل إذاً؟
ما


۲ قصور العقل
101
ملحوظة أخرى: حتى يكون للعقل وجود (وليس كأداة لابد وأن يكون صحيحاً، فلا يعقل للعقل أن
يكون مخطئاً. وإن كان صحيحاً فلابد وأن يكون عقلاً واحداً، لأن الصحة لا تجتمع لاثنين في آن واحد. فقد نقول بأن زيداً أعقل من عبيد، ولكن عبيداً أعقل من بكر، وهكذا. وإن كان عقل واحد هو الصحيح، فعقل من هو هذا الذي سيُرجّح على باقي العقول؟ هنا نقف في حيرة لا مخرج منها إلا بالإجابة بأن العقل المكتمل الذي نبحث عنه لابد وأن يكون للخالق جل وعلا. لكنه سبحانه وتعالى لم يستخدم أي لفظ مشتق من مادة العقل في وصف نفسه في أي من أسمائه الحسنى، ولكنه أراد تعاظمت أسماؤه لنفسه أسماءً أخرى تشير إلى كمال إدراكه وعلمه وإحاطته بكل شيء، مثل العليم والحكيم والخبير والمحيط والواسع. والذي أعتقده هو أن كل ما يأتي من الله العليم الحكيم هو ما يمكن تصنيفه بأنه يتصف بالعقل المطلق الذي لا خطأ فيه. أما ما لدى البشر من موارد للإدراك فلا يمكن تسميتها عقلاً مطلقاً لأنها غير مكتملة من جهة، ولأنها لن توصل للحقيقة المطلقة من جهة أخرى، بل تقترب منها. ونظراً لهذا النقصان فلابد للعقل من أن يكون أداة للإنسان، وليس كينونة مستقلة، بل حتى أنه أداة قاصرة كما رأينا في تفاوت العقل. ولأنه أداة قاصرة فهو سيخطئ لا محالة إن استخدم ضد النص. ولأنه لا وجود للعقل المطلق لدى البشر، لم يذكر بصيغة الاسم في القرآن الكريم. أما ما عند الله العلي العليم فهو المكتمل والذي يمكن أن يتصف بالعقل الكامل أو المطلق. لذلك أراد سبحانه وتعالى له اسماً آخر (والله أعلم) يميزه عما لدى الخلق، نظراً لكماله وأهميته، ألا وهو «الحق». كيف؟
لماذا اختار سبحانه وتعالى لفظ «الحق» للتعبير عن العقل المطلق الذي لا نقصان فيه؟ هنا يأتي الربط مع ما استنتجناه سابقاً، والله أعلم، من أن دور العقل الأهم هو البحث عن الحقيقة. فعند البحث عن الحقيقة بإعمال العقل سيصل البشر إلى حقيقة واحدة، ألا وهي ما عبر عنها القرآن بـ «الحق». تدبر قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . ثم تأتي تحت هذه الحقيقة، أو تنبثق منها حقائق أخرى. ولأن هذه الحقائق من الله الحي القيوم، وهي لدى الله العليم العلي المتعال، فلابد لها من أن تأتينا كبشر بواسطة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. لذلك ورد لفظ «الحق» في القرآن مراراً وتكراراً للتعبير عن الكمال في كل ما هو متصف أو متصل بالعقل (كما سنوضح بإذن الله)، وورد أيضاً بصيغ تدل على أنه أمر ذو اتجاه واحد بكونه منزل من الله سبحانه وتعالى لخلقه نظراً لكماله وأن علينا القبول به والعمل به. تدبر الآيات الآتية: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ وقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مِّن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بوَكيلٍ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ
فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ؛ وقال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهناك آيات أخرى كثيرة.ي
كما أن من الملاحظ من الآيات السابقة أن اتجاه الحق فيها هو «النزول» من الله العلي الأعلى المتعال إلى خلقه نظراً لكماله. أما إعمال العقل البشري للوصول إلى الحقيقة فهو في الاتجاه المعاكس، أي من البشر تأملاً في آيات الكون للاقتراب من الحقيقة، فهي عملية ذات اتجاه واحد أيضاً إلا أنها تصاعدية». لذلك فهي حركة مستمرة أبد الدهر لكل إنسان يولد، ولذلك أنت، والله أعلم بصيغ الفعل المضارع إشارة للاستمرارية كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ﴾ ، ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ . والاستثناء الوحيد الذي أتى بصيغة الماضي هو قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ . والآية كما هو معلوم تصف حال أحد زعماء قريش الذين فكروا في ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم من وحي ثم وصلوا بتقديرهم إلى أن القرآن الكريم (والعياذ بالله) ليس بكلام الله. والتفكير في هذه الحالة بالطبع لا يوافق المنطق، بل يوافق هـوى صاحب التفكير، فهو بذلك تفكير يحوي سوء الظن والمكابرة والتكذيب. لذلك، والله أعلم، أنت بصيغة الماضي للتعبير عن أمر منه صاحبه، فهو سلبي في تفكيره وأذهب عن نفسه فرصة تجديد التفكير للوصول إلى الحقيقة. وهذه الطريقة في التفكير بالطبع تنطبق على كل من كذب من البشر. فالحركة المطلوبة بالفعل المضارع ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ قد توقفت بقوله ﴿فَكَّرَ﴾؛ فتأمل.
انتهى
وقد تسأل أخي القارئ لكن لماذا لا ينطبق هذا التأويل على الصفات الأخرى مثل السميع والبصير؟
الله
هو
البصير،
فالبشر يسمعون ويتفاوتون في السمع، إلا أن الله هو السميع؛ والناس يتفاوتون في البصر، إلا أن فلماذا لم يعط الله سبحانه وتعالى نفسه اسماً يجمع له صفة العقل كما في السميع والبصير والعليم والحكيم، كأن يكون الاسم «الأعقل» أو «العقيل»؟ فالسميع تعني أن الله قد سمع ويسمع وسيسمع كل الأصوات التي أطلقت في الماضي والحاضر والمستقبل وفي آن واحد. فلماذا لم ينطبق هذا على العقل؟
الإجابة والله أعلم كالآتي: إن وافقتني أخي القارئ أن العقل أداة، وأنه غير مكتمل إلا عند الله العليم وحده، أقول لك: إن السمع والبصر والحكمة وغيرها من الصفات هي صفات متفاوتة تختلف من فرد لآخر، أما الحق، فهو شيء واحد لا يتفاوت. فإما أن يكون حقاً أو باطلا، فإن قلنا أن زيداً أحق من عبيد، فهذا يعني . ضمناً أن زيداً على حق، وأن عبيداً بالتالي ليس على حق. وأرجو التنبه بأن هذا لا ينطبق إلا على الحقوق بين البشر، وليس على أحكام العبادات. فقد تختلف آراء الفقهاء تجاه نفس المسألة، كتحديد المسافة الأقل التي يباح معها قصر الصلاة مثلاً؛ فقد يكونون جميعاً على حق، أو قد يكون أحدهم أحق من الآخر، لأنهم اجتهدوا برغم الاختلافات

*** هامش ***

ي) ومن هذه الآيات مثلاً قوله تعالى في الآية ٥٣ من سورة الأعراف: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ﴾ وقوله تعالى في الآية ۱۰۸ من سورة يونس: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ وقوله تعالى في الآية ١٠٥ من سورة الإسراء: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وقوله تعالى في الآية ٢٩ من سورة الكهف: ﴿وَقُلَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ؛ وقال تعالى في الآية ٢٥٢ مِنَ سورة البقرة : ﴿تِلْكَ ايَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؛ وقال تعالى في الآية ٨٤ من سورة المائدة ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ ؛ وقال تعالى في الآية ه من سورة الأنعام: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ؛ وقال تعالى في الآية 1من سورة الرعد: ﴿وَالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ،

--- 103
بينهم، ومثل هذه المسائل هي التي فتحت فيه الشريعة أبوابها للاجتهاد وسيأتي بيانه بإذن الله). أما بالنسبة لحقوق الآدميين، أي مقصوصة الحقوق، ولأنها متعلقة بحقوق الأفراد، فهناك حق واحد إن أتى به نص. وهذا بالطبع لا ينطبق على الصفات الأخرى كالإبصار. فإن قلنا أن زيداً أبصر من عبيد، فهذا لا يعني أن عبيداً لا يبصر .. و. إلا أن هذا لا ينطبق على الحق، فالحق غير متفاوت، فهو قول أو مفهوم أو قصص أو فعل واحد ثابت. وكل هذا إن أتى من عند الله بنص فهو الحق، وما عدا ذلك فهو باطل ومن الآيات الآتية ستلحظ أن أي حق وضعه الله ثم أتى غيره من عند غير الله فلابد وأن يكون باطلاً. تدبر قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾؛ وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَب لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ . ومن جهة أخرى، فإن صفة السمع مثلاً تدل على أن الأصوات منتشرة، أي مشاعة، وكل فرد يأخذ منها حسب قوة سمعه. لذلك تتفاوت المخلوقات في السمع. هذا أسمع من ذاك. وكذلك البصر، هذا أبصر من ذاك، لأن الأعيان منتشرة وكل يرى منها بمقدار قوة إبصاره. أما الحق فهو واحد ومتى أخذ منع عن الآخرين. فالأرض الموات المشاعة متى أخذها فرد بالإحياء منعت من آخرين يريدون نفس الموقع. فالحق إذا واحد وغير متفاوت.
۷۰
وفي نفس السياق، فهناك آيات لها دلائل تشير للاستنتاج السابق. ففي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، إشارة إلى أن أي قضاء من عند غير الله لابد وأن يكون ضياعاً من قوله لَا يَقْضُونَ بشَيْءٍ. وفى قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، توضيح إلى أن ترك الحق ما هو إلا تكبر سيؤدي بأصحابه إلى الضلال بالضرورة لأن الله سيصرفهم عن تدبر آياته. وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ﴾ ، تأويل إلى أن في عدم الأخذ بالحق بغي في الأرض. وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ مثال تهديدي لكل من لم يحكم بالحق وكأنه يفرح ويمرح في الأرض. ثم قارن هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوََّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ، ستلحظ من المقارنة أن العمل بغير الحق الذي أنزله الله يعد استكباراً وجحوداً يستحقون عليه العذاب بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ، وبدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوَلََئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، كما أن في هذه الآية الأخيرة استنتاج إلى أن الحياة بغير الحق لابد وأن تكون بغيا سيؤدي إلى ظلم الناس، وهذا بالضبط ما حدث في
العولمة، كما سنوضح بإذن الله " تدبر أخي القارئ كلمات الظُّلُمَاتِ ) في القرآن الكريم وقارنها بـ النور ستلحظ أن الأولى دائماً بصيغة الجمع بينما الثانية بصيغة المفرد كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . يستنتج ابن القيم رحمه الله بأن هذا من إعجاز القرآن الكريم لأن طريق الحق واحد وطرق --- 104
الباطل متعددة. والآيات في هذا كثيرة مثل قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآياَتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
ومن جهة أخرى، فإن الحق كصفة (وليس كاسم من أسماء الله الحسنى)، يختلف عن باقي الصفات بأنه يتجزأ أو متعدد برغم عدم تفاوته فهناك الوعد الحق، والقول الحق، والقصص الحق والحق المبين، وغيرها من لوازم الحق التي تنبثق منه وتؤدي إليه. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ . " ،وبالطبع، يجب أن نلتفت لعدم الخلط بين ما صفة الحق مع اسم الله. فلفظ «الحق» كما هو معلوم من أسماء الله الحسنى كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاَهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
لذلك نستطيع «الآن» أن نُعرّف الحق بأنه كل ما لا يقبل الجدل أو التحدي أو التغيير أو التفاوت، بل يجب علينا القبول به والتسليم له والانقياد إليه والانصياع لأمره، مثل القول الحق والقصص الحق، لأنه أتى مكتملاً من عند الله. ولأنه مكتمل فلا يجوز للعقل البشري أن يتحداه، بل يذعن إليه ويستسلم له. لذلك كان على المسلم أن يتصف بعقلية غير اندفاعية تجاه كل ما أتى من عند الله. أما غير ذلك فهو يقع تحت البحث عن الحقيقة والتي تتطلب عقلاً باحثاً ممحصاً كما أمر سبحانه وتعالى بقوله : ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ و ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ كما مر بنا. وكيف يكون العقل باحثاً وممحصاً إن لم يكن تحداوياً ومندفعاً في طبيعته كما سترى بإذنه تعالى في فصل «المعرفة». وهذه هي طبيعة الخلائق، ألا ترى الأطفال يقلبون الأشياء ويشدونها ويلقونها إنهم يحاولون فهمها باللعب بها. وهم
يفعلون ذلك لأنها غريزة فطروا عليها، وهي نعمة من الله علينا لنزداد علماً من خلال المتعة باللعب والتجربة. وللتلخيص أقول: إن المسلم يجب عليه أن يتمتع بعقلية مندفعة تجاه كل شيء ما عدا الحق: والحق هو كل ما أتى من الله العليم الحكيم. وتأتي تحت هذا بالطبع مقصوصة الحقوق أو الحكم بما أنزل الله، لأن كل ما عدا ذلك من أحكام تفصل بين الناس هي هوى وبغي كما تستشف ذلك من قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ومن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا --- 105 اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ . أي أن السبيل الثالث لطبيعة القرار هو ما يدفع إليه الإسلام. ولهذا الاستنتاج أهمية قصوى في إدارة المجتمع، فهذه الإستراتيجية الثالثة ستؤدي بفضل الله ومنه لمجتمع مذعن وخاضع لمقصوصة الحقوق لأنها الحق من عند الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الإذعان والخضوع لمقصوصة الحقوق تحرير وإطلاق لأفراد المجتمع لأنه لا عبودية إلا الله الحق حينئذ كما سيتضح بإذنه تعالى؛ وفي الوقت ذاته، فإن المجتمع ذو أفراد منطلقين في تحد دائم مستمر للأعيان، إما بحثاً عن الحقيقة وإما للاستفادة القصوى منها بتطويعها لخدمة المجتمع، كما سيأتي بيانه بإذن
الله.

العقل في السنة

بالطبع لن نتمكن من إعطاء هذا الموضوع حقه من البحث هنا، ذلك لأن الخلاف، كما يقال، سرمدي في طبيعته بين النصيين والعقلانيين، أو بين أهل الحديث وأهل الفقه. ولعلك استنتجت أخي القارئ أن هذا الكتاب يدعوا إلى تعطيل العقل متى وجد النص. أي أنه نصي لأنه يقف مع أهل الحديث. فهل هذا صحيح؟ إنني كما سترى بإذن الله، أحاول جاهداً إقناعك بأن من الحكمة ترك العقل أمام النص نظراً لقصوره . لهذا فإن هذا الكتاب يرفض هذا التقسيم الذي انتشر بين عامة العلماء، فهذا التقسيم باطل لأن الحق واحد، والحق هو تعطيل العقل أمام النص إن ثبتت صحة النص. لتوضيح هذا لابد لنا من المرور أولاً على الأحاديث التي وردت عن العقل في السنة المطهرة. إن أول كتابين عن العقل كما هو معروف هما لداود بن المحبر (ت ٢٠٦هـ) وابن أبي الدنيا (ت ٢٨١ هـ). ولقد تعرض كتاب «فضل العقل» لابن المحبر للكثير من النقد. فقد أجمع عدد من رجال الجرح والتعديل على تكذيب الأحاديث التي وردت فيه. ومن هذه الأحاديث مثلاً: «الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له»، وقد صنفه الألباني بأنه باطل. وقال الحافظ بن حجر أن أحاديث كتاب ابن المحبر كلها موضوعة. وقال أحمد بن حنبل عنه أنه لا يدري ما الحديث. هذا بالإضافة لتضعيفات أخرى من رجال الحديث. وفي المقابل فقد قال ابن معين عن ابن المحبر: «ما زال معروفاً بالحديث يكتب الحديث، ثم تركه وصحب قوماً من المعتزلة فأفسدوه، وهو ثقة» . ك أما كتاب ابن أبي الدنيا «العقل وفضله»، فلم يطعن في صدقه أحد. وقد ورد في كتابه اثنا عشر حديثاً عن العقل. لذلك، وحتى يأخذ الموضوع حقه لابد من توضيح أهم الأحاديث التي بجلت العقل أولاً:

*** هامش ***

ك) بالنسبة للحديث فقد ذكر في كتاب «الأحاديث الضعيفة والموضوعة» للشيخ ناصر الدين الألباني وقال النسائي:«هذا حديث باطل منكر» وبالنسبة لابن المحبر فقد قال عنه «ابن المديني : ذهب حديثه؛ وقال أبو زرعة وغيره: ضعيف؛ وقال أبو حاتم ذاهب الحديث، غير ثقة. وقال الدارقطني متروك، وذهب إلى أن ابن المحبر سارق. وقال الخطيب البغدادي: حدثني محمد بن علي الصوري قال:سمعت عبد الغني بن سعيد عن الدارقطني قال:كتاب العقل وضعه أربعة، أولهم ميسرة ابن عبد ربه، ثم سرقة منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخرى، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخرى». وجاء في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» : « داود بن المحبر بن قحذم أبو سليمان حدث بمناكير في العقل وغيره حدثونا عن الحارث ابن أبي أسامة عنه, كذبه أحمد بن حنبل والبخاري رحمهما الله». ويقول الشيخ الجوزو: «فالقول إن ابن المحبر «صحب قوماً من المعتزلة فأفسدوه»، يشير إلى نقطة هامة، ربما تكون هي السبب الرئيس لرفض أحاديثه كلها، فالمعتزلة بالغوا في تقدير العقل كما قدمنا، متأثرين بالفلسفة اليونانية» (٧٥).

--- 106 لعل من أشهر الأحاديث التي مجدت العقل هو ما رواه الغزالي في الإحياء من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل. ثم قال له: أدبر. فأدبر. ثم قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك؛ بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب». وقد قال العراقي أن الحديث ذكر في معجم الطبراني الأوسط من حديث أبي أمامة وأبو نعيم من حديث عائشة بإسنادين ضعيفين. وعندما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا الحديث وغيره أفتى قائلاً: «أما الحديث الأول فهو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث. ليس هو في شيء من كتب الإسلام المعتمدة. وإنما يرويه مثل داود بن المحبر وأمثاله من المصنفين في العقل. ويذكره أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم من المتفلسفة. وقد ذكره أبو حامد في بعض كتبه، وابن العربي وابن سبعين». وقد حاول المرتضى الزبيدي تصحيح الحديث بقوله: «فهذا كما ترى سند جيد. فقول الحافظ العراقي وبالجملة فطرقه كلها ضعيفة محل تأمل. وكذا إيراد ابن الجوزي له في الموضوعات، وتبعه ابن تيمية والزركشي وغير هؤلاء. فغاية ما يقال فيه: إنه ضعيف في بعض طرقه». أما الشيخ الألباني فقد صنفه بلفظ مختلف في «السلسلة الضعيفة» بأنه باطل. وثمة قول أن تغييراً قد طرأ على نص الحديث في العبارة من: «لما خلق الله الخلق» إلى جعلها أول ما خلق الله العقل»، وبهذا تبجل العقل كما بين ابن تيمية في
فتواه.ل
وهناك حديث آخر ذكره الغزالي في الإحياء وفيه تبجيل للعقل أيضاً. فقد «روي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش وأن الملائكة قالت: يا ربنا هل خلقت شيئاً أعظم من العرش؟ قال: نعم، العقل. قالوا: وما بلغ من قدره ؟ قال: هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم بعدد الرمل؟ قالوا: لا، قال الله عز وجل: فإني خلقت العقل أصنافاً شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبة ومن أعطي وسقاً ومن أعطي أكثر من ذلك». وقال الشيخ الجوزو ناقداً بأن الحديث «تبدو فيه المغالاة والنزعة إلى تقديس العقل، وذلك بتفضيله على العرش، فإذا كان العرش ينسب إلى الله، فإنه يصبح في الشرف والقيمة والمرتبة فيما يضاف إليه أو نسب له، والذي ينسب إليه لا يجوز مقارنته بالذي ينسب إلى الإنسان وهذه أمثلة . الأحاديث التي تتجه اتجاهاً فلسفياً، والتي نميل إلى القول بضعفها لأنها أقرب إلى التأثر بالفكر الفلسفي ...».
...
من
VV
تلك
وكما تلحظ أخي القارئ أختي القارئة : فإن هذه الأحاديث الثلاثة السابقة تعرض العقل وكأنه ذو كينونة
مستقلة ذات تبجيل ومكانة قد تدفعه ليكون نداً للنص. فقد يحكم العقل بنفسه لنفسه بأن يقبل ويرفض من النص ما أراد. وكما تلحظ أيضاً فإنها أحاديث إما أنها قد كُذبت أو غيرت أو ضعفت في أحسن الأحوال. وهناك أحاديث أخرى تعرضت للنقد أيضاً إلا أن معناها لا يرتقي بالعقل لتحدي النص. ومعظم هذه الأحاديث هي من كتاب ابن المحبر. فقد ذكر الغزالي الحديث الذي يربط بين العقل والمعرفة: «اعقلوا عن ربكم ... تعرفوا ما أمرتم به وما

*** هامش ***

ل) يقول الجوزو: أما المرتضى الزبيدي، فقد أراد تصحيح الحديث فقال: «قال عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» حدثنا علي بن مسلم حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بين دينار عن الحسن يرفعه:« لما خلق الله العقل قال له: أقبل ، فأقبل، ثم قال له : أدبر، فأدبر . ثم قال : ما خلقت شيئاً أحسن منك، فبك آخذ، وبك أعطي»». ويستنتج الجوزو من نص الحديث وبالرجوع لابن تيمية أن الله سبحانه وتعالى قال «للعقل في أول أوقات خلقه، ليس فيه أن العقل أول المخلوقات، لكن المتفلسفة القائلون بقدم العالم أتباع أرسطو هم ومن سلك سبيلهم من باطنية الشيعة والمتصوفة والمتكلمة رووه: أوّل ما خلق الله العقل - بالضم - ليكون ذلك حجة لمذهبهم في أن أول المبدعات هو العقل الأول. وهذا اللفظ لم يروه به أحد من أهل الحديث، بل اللفظ المروي مع ضعفه يدل على نقيض هذا المعنى، فإنه قال: «ما خلقت خلقاً أكرم علي منك». فدل على أنه قد خلق قبله غيره، والذي يسميه الفلاسفة العقل الأول ليس قبله مخلوق عندهم» (٧٦).

--- 107
نهيتم عنه».
وهذا الربط ورد في أحاديث أخرى كثيرة ذكرها ابن المحبر في كتابه، وضعفها الحافظ العراقي، ومنها: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردي، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله»؛ ومنها: «لا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله»؛ ومنها: «لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته». وبرغم أن هذه الأحاديث، وغيرها * قد ضُعفت، وبرغم أنها تبالغ في وصف العقل ومدحه، إلا أنها لا تدفعه لتحدي النص. فهي أحاديث تحث الفرد على تحريك عقله لفهم دينه. وهناك أحاديث أخرى صنفت بأنها باطلة، منها: الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له». ومنها ما صنف بأنه موضوع مثل: «العلم خليل المؤمن والعقل دليله، والعلم ،قيمه والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق والده، واللين أخوه». ومثل «قسم الله العقل على ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه فهو العاقل، ومن لم يكن فيه فلا عقل له، حسن المعرفة بالله عز وجل، وحسن الطاعة الله عز وجل، وحسن الصبر لله عز وجل». لاحظ أخي القارئ بأنه حتى بعض هذه الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة تُظهر قصور العقل مثل الحديث الأخير الذي قسم العقل ثلاثة أجزاء، وأن كل جزء قابل للتحسين من خلال حسن معرفة الله عز وجل أو حسن طاعته أو حسن الصبر، وهذه مسائل تزيد وتنقص إشارة إلى القصور.
ن
وبالنسبة للأحاديث التي رواها ابن أبي الدنيا فهي أحاديث لم يُقدح بها، ولكن في الوقت ذاته لم يأخذ بها أهل السنة والجماعة. ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الشاهد على الله عز وجل أن لا يعثر عاقل إلا رفعه الله عز وجل. ثم لا يعثر إلا رفعه، حتى يجعل مصيره إلى الجنة». وقوله: «لا يعجبنكم إسلام أمرئ حتى تعرفوا معقود عقله». وكما ترى فإن الملاحظ على هذه الأحاديث وغيرها أنها لا تخرج العقل من كونه وسيلة لتقصي الحقيقة، بل أداة تعين المسلم على دينه برغم تمجيدها للعقل. وما يدل على أن العقل أداة هي التناقضات التي وردت في كتاب ابن أبي الدنيا. ونظراً لأهمية كتاب ابن أبي الدنيا في أيامنا هذه، لابد من المرور سريعاً على بعض ما جاء في كتاب ابن أبي الدنيا لترى التناقض (ذلك أن كثيراً من العلمانيين الذين يرفعون مقام العقل فوق النص الشرعي يلجؤون لمثل هذه الأحاديث عن العقل لاستثمارها في أهدافهم):
إن في نصوص ابن أبي الدنيا إشارة واضحة إلى أنه كان فرداً يعكس التيار المنتشر فكرياً عن العقل في زمانه برغم تمجيده للعقل، فهو لم يقفز بالعقل لتحدي النص كما هو عليه حال العلمانيين اليوم، بل كان متواضعاً (مقارنة بالضالين المعاصرين برغم تطرفه في تمجيد العقل، فمن نصوصه التي تمجد العقل الآتي: «حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني عن شيخ له قال: أتى ملك آدم عليهما السلام فقال: قد جئتك بالعقل والدين والعلم، فاختر أيهما شئت؟

*** هامش ***

م) ومن هذه الأحاديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول في العقل ويكبر الدماغ » (۷۹). الله، بم يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: بالعقل. قلت: وفي الآخرة؟ س) ومن هذه الأحاديث قوله: «ثلاث من حرمهن حرم خير الدنيا قال: بالعقل. قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟ فقال صلى الله عليه والآخرة: عقل يداري به الناس، وحلم يرد به السفيه، وورع يحجزه وسلم : يا عائشة، وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم عز وجل من العقل، عن المعاصي»؛ وهناك حديث آخر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون». «إذا بلغه عن أحد أصحابه عبارة قال: كيف عقله؟ فإن قالوا: عاقل، ومنها: «مطية المرء العقل وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم قال: ما أخلق صاحبكم أن يبلغ وإن قالوا: ليس بعاقل، قال: ما عقلاً»؛ ومنها: «لكل شيء آلة وعدة، وإن آلة المؤمن العقل؛ ولكل أخلقه أن لا يبلغ». ويقول الشيخ الجــوزو معلقاً: «هذه بعض شيء مطية، ومطية المرء العقل؛ ولكل شيء دعامة، ودعامة الدين الأحاديث التي وردت في تمجيد العقل وجعله مدار الإيمان، ومبلغ العقل؛ ولكل قوم غاية، وغاية العباد العقل» (۷۸). الرشد، وموطن المروءة، ومناط الإسلام، وأساس الخلق، وركيزة ن) ومن هذه الأحاديث الموضوعة أيضاً: «عليكم بالقرع فإنه يزيد النجاح في الحياة الدنيا وفي الآخرة».

--- 108 فاختار العقل، وقال للدين والعلم ارتفعا قالا: أمرنا أن لا نفارق العقل». ففي هذا المثال تشعر بأن القائل يرمي إلى أن العقل مقدم على الدين والعلم. مثال آخر: «عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي قال: كان يقال: العقل سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجسد وزينة كل أحد، فلا تصلح الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه». هنا أيضاً تشعر أن القائل يرمي إلى أن الحياة لن تصلح بدون العقل لأن الأمور تدور عليه، وهنا قد يعتقد فرد أن هذا يشمل أيضاً الدين الذي يدور على العقل، وليس العكس، وهكذا مع نصوص أخرى مرت بنا سابقاً (منها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع كما رأينا).
لكن في الوقت ذاته، ولأن ابن أبي الدنيا يستنشق رحيق فكر عصره، نجد من نصوصه ما تجعل العقل دون الدين، (أي أن هناك تناقضاً إن نظرنا للمسألة كما يريد العلمانيون). فقد ذكر في كتابه أن عبيد الله قال: «ما أوتي رجل بعد الإيمان بالله عز وجل خير من العقل». فنرى هنا بوضوح أن العقل أتى بعد الدين. مثال آخر: عن عروة أنه قال: «أفضل ما أعطي العباد في الدنيا العقل، وأفضل ما أعطوا في الآخرة رضوان الله عز وجل». فبرغم تقديم العقل هنا في الدنيا دون التصريح بأنه مقدم على الدين، إلا أن هذا التقديم مربوط برضوان الله عز وجل في الآخرة، أي أن العقل ضمناً قد يأتي بعد الدين. مثال ثالث: عن وهب بن منبه أنه قال: «المؤمن مفكر مذكر؛ فمن ذكر تفكر، فعلته السكينة، وقنع فلم يهتم، ورفض الشهوات، فصار حراً وألقى الحسد، فظهرت له المحبة وزهد في كل فان، فاستكمل العقل ورغب في كل شيء باق، فعقل المعرفة». نرى هنا التدرج في وصف حال كل مفكر إن كان مؤمناً كثير الذكر الله والله أعلم) لينتهي بالمعرفة التي تتأتى بالمرور على السكينة أولاً ثم القناعة ثم رفض الشهوات ثم التحرر من الكثير من الأمور التي تشد الآخرين لدرجة ترك حتى الحسد (وهذا أمر صعب المنال)، ثم الزهد في كل أمور الدنيا لأنها فانية، وعندها سيكتمل لهذا المؤمن العقل لينتهي بالمعرفة أو الحقيقة، أو كما قال: «فعقل المعرفة». نلحظ هنا كيف أن العقل كأداة حررت المؤمن وارتقت به من الانشغال بما هو دنيوي إلى الترفع عن هموم الانشغال بها. فالهدف هنا على الرغم من تمجيد دور العقل هو إناطة المسؤولية على العقل بدور يقوم به للتحرر من الدنيا لبلوغ الآخرة، وليس العكس كما يحاول العلمانيون باستخدام العقل للتحرر من الآخرة للانغماس في المزيد من الإنتاجية الاستهلاكية في الدنيا . وهذا ينطبق على جميع الأحاديث السابقة عن العقل. أي أننا نستطيع أن ننظر لجميع الأحاديث التي تمجد العقل على أنها تنظر للعقل على أنه أداة تعين على تعميق القيم الإسلامية، لا أن تكون أداة هدم لنصوص الدين. أي أنني ما أحاول الوصول إليه هو أن معظم هؤلاء الذين مجدوا العقل في التراث الإسلامي لم يكن هدفهم هدم الدين بالعقل، بل كانوا ينظرون للعقل كأداة لمزيد من التمكن من الدين. لأضرب مزيداً من الأمثلة من كتاب ابن أبي الدنيا لأهمية المسألة فعن صالح بن عبد الكريم أنه قال: «جعل الله عز وجل رأس أمور العباد العقل، ودليلهم العلم، وسائقهم العمل، ومقويهم على ذلك الصبر». فكما ترى من هذا النص، فبرغم أنه يمجد العقل بجعله «رأس أمور العباد إلا أنه يربط العقل بتعميق القيم الدينية. فالعقل مربوط بالعلم الشرعي. فالعلم آنذاك لم يكن مفرقاً لعلوم مختلفة، بل كان العالم جامعاً لكل العلوم كما هو معلوم، بما في ذلك بالطبع العلم الشرعي وهو الأهم فالعلم الشرعي هو دليل من كان العقل رأس أموره، ومن ساقه العمل الصالح من خلال الصبر. وهكذا إن تأملت جميع النصوص تجد أنها لا تحاول أبداً التعلي على النص، بل تحاول تعميق القيم الإسلامية. وبالإضافة لما سبق فإن كتاب ابن أبي الدنيا يحوي الكثير من الأقوال التي تظهر العقل على أنه


۲ قصور العقل
۱۰۹
متفاوت. فمن هذه الأقوال مثلاً: عن عامر بن عبد قيس أنه قال: «إذا عقلك عقلك عما ينبغي فأنت عاقل. قال علي: وإنما سمي العقل عقلاً من عقال الإبل». وبالطبع فإن أحجمك عقلك أحياناً أو أطلقك أحياناً أخرى، فإن العقل بالتالي متفاوت. كما أن هناك أقوالاً تظهر العقل على أنه أداة لربط الإنسان من الاندفاع. فقد سئل ورد بن محمد نصرويه، وكان قد بلغ عشرين ومئة سنة: ما العقل؟ قال: «أن يغلب حلمك جهلك وهواك». هنا نرى أن ذكر ابن أبي الدنيا لهذا القول في كتابه مؤشر على قبوله لفكرة أن من أحد تفسيرات العقل أنه أداة تغلب الحلم على الجهل والهوى. وكذلك القول الآتي: فعن أكثم بن صيفي أنه قال: «دعامة العقل الحلم، وجماع الأمر الصبر، وخير الأمور مغبة العقل، ويقال المودة والتعاهد». ففي هذا القول دليل واضح على أن العقل كأداة يعمق القيم السامية كالحلم وليس العقل أداة للتفكر لهدف التحرر من هذه القيم كما يحاول العلمانيون فعل ذلك. وكذلك جميع الأقوال الأخرى في كتاب ابن أبي الدنيا، إن تأملتها لوجدتها تشير بطريقة أو بأخرى إلى أن العقل برغم تمجيده لا يرتقي لأن يكون أداة لمساءلة النص الشرعي، بل لخدمته.

الأحاديث الصحيحة

۸۱
أما الأحاديث الصحيحة التي ذكر فيها العقل فإنها لا تعطي العقل ذات التبجيل. بل تعده أداة استيعاب وحفظ للبشر من المهالك ونحوها من معان تحفظه إنساناً رشيداً يُعمِل عقله في التحرك داخل إطار الشريعة ولا يتحداها. فمن هذه الأحاديث ما رواه مسلم مما ذكره الصحابي جابر بن عبد الله عن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم له في مرضه بقوله: «وأنا مريض لا أعقل»، ثم روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ «فعصب علي من وضوئه فعقلت». فكما ترى فإن العقل هنا أتى بمعنى الغياب عن الوعي بالتفريق بين فترتي الغيبوبة والوعي. وقد ورد العقل أيضاً في الموطأ على لسان عبد الله بن أبي حبيبة في التفريق بين فترتين أيضاً، هما حداثة السن وبلوغ الرشد بالقول: «فقلته وأنا يومئذ حديث السن ثم مكثت حتى عقلت». وقد أتى العقل أيضاً بمعنى الحفظ والتذكر. وهذا واضح من الأحاديث التي رواها البخاري في كل من قول عبد العزيز بن رقيع وهو يسأل أنس بن مالك: «قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي»، وفي قول محمود بن الربيع: «عقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي»، وفي قول عائشة رضي الله عنها: «لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين». وقد وردت عبارة: لا يعقلون) بصيغة الفعل المضارع في الحديث الذي رواه البخاري في وصفه صلوات ربي وسلامه عليه الذين تلهيهم شهوات الدنيا عن الآخرة بقوله: (وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا). والاستخدام هنا لـ (لا يعقلون) يشبه ما ندد به القرآن الكريم الكفرة بتعطيل عقولهم عن تقصي الحقيقة.
وحتى إن ورد لفظ العقل بصيغة الاسم في الأحاديث الصحيحة، فلم يُذكر بطريقة تجعله ذا كينونة مكتملة مقدسة تمكنه من مساءلة النص؛ بل أداة تعمل داخله. فمن حديث صحيح مسلم الذي يصف النساء بأنهن «ناقصات عقل ودين»، لا يمكن الاستنتاج بأن الضد مكتمل، أي أن الرجال ذوي عـقـول مكتملة مقارنة بالنساء لدرجة تمكن عقولهم معها من تحدي النص. فنص الحديث هو: عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقالت امرأة منهن


۱۱۰ 🗏
جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار ؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: (أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل؛ وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين). فمن هذا الحديث يتضح معنى نقصان الدين بأنه إنقاص النساء في العبادة مقارنة بالرجال لظروف جسدية، أما نقصان العقل في الشهادة، فهناك تفسير مفاده الآتي: إن المرأة عادة ما تتساهل في الحقائق مجاراة للآخرين من خجلها. فبسبب تساهل المرأة هذا كان احتساب شهادتها بنصف شهادة. فقد أجريت أبحاث في كندا بين غير المسلمين عن كيفية تصرف الرجال والنساء عندما يُسألون. فعند توضيح معلومة صحيحة كأن يكون ارتفاع مبنى ما خمسون طابقاً، ثم سؤال الرجل بعد مدة عن الارتفاع، نجده يصر على أنه خمسون طابقاً. أما المرأة فإن جادلها السائل بنوع من الإلحاح من أن المبنى قد لا يصل إلى خمسين طابقاً، بل أقل من ذلك، فإنها تجاريه وتوافقه تلافياً للخلاف. فالمقصود من الحديث هو إذاً، والله أعلم أن النقصان ليس بالضرورة في معنى نقيض زيادة العقل. حتى وإن كان المقصود هو النقصان المضاد للكمال، فهذا لا يعني تعظيم العقل عند الرجال ليقف نداً للنص. ويتجلى هذا من حديث مسلم الذي سأل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي اعترف أمامه بالزنا قائلاً: «أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟»، فكانت الإجابة: «ما نعلمه إلا وفي العقل». أي تام العقل وكامله، إلا أن هذا الكمال لا يرقى لدرجة مساءلة النص، بل يعني تحمل المسؤولية كما هو واضح من الحديث الذي رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل). كما أن العقل ورد في أحاديث أخرى بصيغة تدل على الثناء كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : (ثم يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وكما ورد في مسند الإمام أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال : (كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه. فبرغم تقدير العقل هنا ورفع مكانته إلا أنه لا يرقى كما ترى لأن يتحدى النص، بل هو في إطار صفة بشرية كما في قوله: (ما الجلد، أو في إطار ميزة إنسانية سامية ترفعه لمروءة البشر كما في قوله: (ومروءته عقله). ٨٢
أعقله بقرنه مع
الله
۸۳
۸۲
وبالإضافة للسابق، فقد ورد لفظ العقل في عدة أحاديث بمعان قد لا تعني العقل أو قد لا تتصل بموضوعنا. وأخيراً لنعرض لبعض أقوال الصحابة عن العقل: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ليس العاقل من عرف الخير من الشر، بل العاقل من عرف خير الشرين». وقال علي كرم وجهه «لا مال أعود من العقل، ولا فقر أضر من الجهل». وقال معاوية بن أبي سفيان: «العقل مكيال ثلثه فطنة وثلثاه تغافل». وقال معاوية لعمرو بن العاص : «ما بلغ من عقلك ؟ قال : ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه فقال معاوية : لكني ما دخلت في شيء قط أريد الخروج منه». وقيل لعمرو بن العاص : «ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظن، ومعرفة ما يكون بما قد كان».٨٤ وكما ترى، فإن هذه أقوال من عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوالهم تدور حول معان يديرون بها أمور حياتهم وفهم دينهم باستخدام عقولهم. أي أن العقل كما ورد في السنة باختصار ليس إلا أداة خادمة للمقصد الأهم في الحياة، ألا وهو فهم الشريعة والعمل بها للخروج من الدنيا لبلوغ الآخرة. وهذا المفهوم يتطابق ويخدم ما أتى به القرآن الكريم من البحث عن الحقيقة. وشتان بين هذا المفهوم وبين أن يكون العقل كياناً مقدساً والعياذ بالله أمور الحياة بتغيير الشريعة والتعلي عليها. ولكن إن كان السابق صحيحاً، فكيف خرجت الأمم الإسلامية في بعض فتواها عن الشريعة؟ أي كيف تحدى العقل النص؟
يسير


۱۱۱
۲ قصور العقل
بسبب

المعتزلة المعاصرون

هل الإنسان مسير أم أنه مخير؟ لقد شغل هذا السؤال عقول المسلمين وكان والله أعلم، أحد أسباب تخلفهم
على
الجدل والخوض فيه. إنه البوابة الخلفية التي دخلت منها الفلسفة إلى علوم المسلمين لتسحق مقدرتهم الإنتاج. كيف؟ لقد ظهرت أسئلة فلسفية لم توجد أصلاً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء من بعده. أسئلة فكرية لا تزيد في إنتاج المجتمع، بل تسحبه إلى حفرة جدلية لا مخرج منها إلا بالتعمق فيها ليزداد المجتمع جدلاً وتمزقاً. قل لي بالله عليك: هل رأيت أو سمعت عن فيلسوفين اتفقا قط؟ بالطبع لا، لأنهما إن فعلا فهم ليسا من الفلاسفة فلطالما اختلفا ، فلابد وأن يكون أحدهما على الحق أو كلاهما على ضلال. وإن كان أحدهما على
الحق، فكيف نعرفه؟
فقد
كما يقال، فإن كتب الفلسفة اليونانية المترجمة إلى العربية حركت بعض النفوس لمحاولة فك لغز التخيير والتسيير. وكيف يكون الخروج من هذا المأزق إلا من خلال العقل البشري هنا كانت البداية. لقد بدأ بعض المسلمين بتمجيد العقل باستخدام عقولهم في مراجعة نصوص الشريعة، وهذا كان بفعل التأثر بالفكر الفلسفي اليوناني. هكذا بدأت الجرأة على النص. إنه منزلق كبير وقع فيه الكثير وبحسن نية. ولعل المعتزلة منهم، استندوا على العقل وحاولوا نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى من خلال تفسيراتهم. فقد قالوا بأن الله خلق للإنسان قدرة يخلق بها أفعاله. أي أن الإنسان في نظرهم فاعل مختار وحر الإرادة. فهو يتصرف بالقدرة التي منحها الله له كما يشاء. وبذلك فالإنسان يوجه ويستغل، وبالتالي يخلق أفعاله. ولأن الحق سبحانه وتعالى خلق البشر وكلفهم، فقد أكمل لهم عقولهم حتى يتمكنوا من العمل. والقدرة لا تكون إلا قدرة على المأمور به وعلى ضده. ولهذا صار بعضهم (أي المعتزلة) إلى أن أول ما يخلقه الله يجب أن يكون عاقلاً مفكراً حتى يستطيع أن ينظر ويعتبر ويتوصل بالعقل إلى معرفة الخالق». لذلك اتهموا بوضع الحديث الذي ذكرناه سابقاً، والذي يبجل العقل: «أول ما خلق الله العقل ...». وبهذا، كما يعتقدون، فإنهم ينفون الظلم عن الله سبحانه وتعالى، وإلا فكيف يحاسب الله الناس على الشر وهو الذي أقدرهم على فعله؟ فلابد وأن يكون الشر من صنع البشر الذين لم يتمكنوا من استخدام عقولهم كما يجب، وليس من صنع الله اللطيف الودود. فالخير إذاً من الله عز وجل، والشر من الإنسان. وبهذا يكون العقل أساس المعرفة وموطن المسؤولية والاختيار. وهكذا تم تبجيل العقل وبدأ عهد من التقديس للعقل لدرجة تحدي النصوص حتى وصلوا إلى أن القرآن ليس بكلام الله عز وجل، بل خلق من خلقه. وهذا قول لم يأت به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه ولا أصحابه من بعده. وبالطبع، فإن أمة أوصاها رسولها بتلافي البدع حتى في أصغر أمورها، وتجد نفسها في دوامة بدع تمس صلب عقيدتها وبدعم من السلطة الحاكمة آنذاك (المأمون)، فلابد وأن
يثور فيها جدل يمزق وحدتها. وقد كان.
ولا أريد هنا الخوض في مسألة القدر، فموضوع بحثنا هو التمكين، ولكن للتوضيح فقط أقول: إن ما يذهب إليه أهل السنة والجماعة هو أن العقل سواء كان مستقلاً بإرادته ويخلق أفعاله، أو لم يكن، فإنه مخلوق الله، واستقلاليته لا تنفي أنه مخلوق، فإرادة الله كلية وخالقة لكل شيء. أما إرادة الإنسان فهي جزئية. وبهذا تتحقق معنى العبودية الكاملة للحق سبحانه وتعالى، لأن إرادة الإنسان الحرة ليست إرادة مطلقة، أما إرادة الله القوي العزيز فهي مطلقة، ما شاء فعل، وما لم يشأ لم يفعل. وهذه نقطة ضعف لدى المعتزلة إذ أنهم لم ينكروا أن العقل
.


۱۱۲ 🗏
و
والقدرة التي يخلق بها الإنسان أفعاله مخلوقة الله أيضاً. وفي هذا رجوع للحق جلت قدرته، وأن كل شيء مخلوق له سبحانه وتعالى، وبهذا تكون الحرية التي يدعونها حرية نسبية. أي أن منطق أهل السنة والجماعة هو الأولى بالاتباع لأنهم قالوا أن الخير والشر من الله لأن قضاءه سبحانه وتعالى سابق، وأن الإنسان يكسب عمله الذي قُدر له بإرادته وباختياره، وهذا لا يتعارض مع إرادة الله، لأن علم الله الأزلي يحيط بكل شيء، لذلك سخر طرق الهداية
٨٥
للمهتدي، وطرق الضلالة للضال». ولعل العلة تكمن، والله أعلم في قناعة الإنسان في لطف الله وطيبته. فمن اعتقد أن الله لطيف رؤوف رحيم بعباده، تجده يحسن الظن بالله وأنه سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد. بل لأن الله سبحانه وتعالى يعلم الغيب، فقد قدر الضلالة للضال. حتى وإن أسمعهم لتولوا كما قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلُّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ . ٨٦ فالإشكالية تكمن، والله أعلم، في عدم قناعة البعض بقدرة الله على علم الغيب والله المثل الأعلى، فأنت أيها الإنسان الذي تملك عقلاً في رأس لا يتجاوز في حجمه كرة صغيرة، تستطيع أن تحيط علماً بمعظم ما هو في غرفتك؟ فتصور أنه سبحانه وتعالى خلق كائناً ذا عقل رأسه كحجم الشمس أو حتى كحجم مجموعتنا الشمسية وبنفس مادة عقل البشر، وهو سبحانه الخالق الخلاق القادر على ذلك، (وإلا كيف يكون رباً؟)، ألا يستطيع هذا المخلوق ذو الرأس الضخم أن يحيط بما على الأرض علماً من خلال حسابات دقيقة لتصرفات البشر مستقبلاً. لأضرب مثلاً على ذلك: ألا يستطيع هذا المخلوق أن يحسب من التفاعلات الكيميائية داخل رأس زيد من الناس أنه سيستيقظ في الساعة كذا ثم يخرج بعد كذا وهكذا حتى تأتيه محادثة هاتفية وهو يقود عربته لعمله في اللحظة كذا فيسهو ثم تكون هناك عربة عبيد من الناس في نفس اللحظة ليحدث حادث يودي بحياة زيد أو شلل عبيد فيكتب هذا المخلوق مقدماً . موعد هلاك زيد وشلل عبيد. فما ظنك برب العالمين الذي ليس كمثله شيء :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .. أي أن هذا المخلوق ذا الدماغ الهائل يستطيع ما لا يستطيعه البشر بتحويل جميع التفاعلات اليومية لمعادلات حسابية ومن ثم يتوقع ما قد يقع. فما بالك برب العالمين القائل في سورة الأنعام: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ .
خلقه
مسألة أخيرة: حتى وإن قدر العليم الحكيم الضلال على فرد ما، فإن ذلك الفرد يستحق ذلك التقدير لأنه أتى من عند الله العليم الحكيم الودود اللطيف الرحمن الرحيم، ألم يقل سبحانه وتعالى في آخر سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتََّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. والآيات في هذا كثيرة جداً لتؤكد أن ما حكم به الله على الحق لكمال علمه وحكمته، فهو قد رفع ابراهيم عليه السلام مثلاً بعلمه وحكمته، قال تعالى في الآية ٨٣ من سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. وأعتقد بأن هذه المسألة جوهرية في كمال العقيدة وهي الإيمان بأن الله الحق في فعل أي شيء، حتى وإن حكم على كل البشر بأن يصليهم نار جهنم وفي أسفل سافلين، فهو خلقهم وله فعل ما أراد . بهم، إلا أنه رحمن رحيم ودود لطيف. لذلك نحمد الله على أسمائه الحسنى وصفاته.
هو
أي أن علينا كمسلمين أن نعتقد بقصر عقول البشر لإيقافها عند النصوص. وأن نستخدم عقولنا لنتأمل الحكمة من شرعه سبحانه وتعالى. نتفكر في الشرع ولكن لا نحاول تغييره كما حدث عند فتح باب الاجتهاد كما --- 113 سترى بإذن الله، فهذا محظور علينا. هنا، أي عند النصوص، لابد لنا من الوقوف والتسليم. ولكن الذي حدث هو أن أحكاماً قد أطلقت بفتح باب الاجتهاد فتغيرت مقصوصة الحقوق ومن ثم تم الحكم بغير ما أنزل الله فكان الضياع. ولعل من مسببات هذا التحوير للشريعة هو اعتقاد بعض الفقهاء أن الدين في أحكامه بين الناس لا يكون قابلاً لكل زمان ومكان إن لم يتغير بتغير الزمان والمكان. ولعل الأسوأ هو اعتقاد أكثر العامة، ومنهم أولي الأمر، أن الخطاب الديني في القرآن والحديث إنما هو موجه للسلف بالدرجة الأولى، وأن بعض هذه النصوص ليست بالتالي موجهة لنا لتغير الزمان تأمل الآية الآتية مثلاً: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . فكثير هم الذين يعتقدون، وبرغم عدم تصريحهم بذلك، أن هذه الآية قد تعطلت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعيش بيننا اليوم. فعندما تمنع السلطات الناس من استخراج معادن الأرض إلا بإذن منها، فقد يحاول فرد الرجوع لحكم الشريعة مستنداً إلى هذه الآية، برفع دعوى ضد السلطات في المحاكم هذا إن استطاع، أي أن شجاراً قد وقع بين الفرد وسلطته، وعندها، وبحسب نص هذه الآية، على الحاكم الرجوع لما حكمت به الشريعة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعيش بيننا اليوم، بل الشريعة هي التي تعيش معنا وأن على الجميع التسليم لما أتت به الشريعة دون أن يكون في ذلك أي حرج في النفوس؛ هنا تجد الرفض في المجتمع وبالذات من أولي الأمر وبدعم من بعض الفقهاء بحجة أن الظروف قد تغيرت. فمن الفقهاء من يميز بين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، هل قالها على أنه نبي مرسل أم قالها على أنه حاكم أو إمام للمسلمين آنذاك! فحديث إحياء الموات برغم وضوح نصه الذي يبيح للناس الإحياء دون إذن الإمام، إلا أن البعض أوله على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أطلقه إلا كحاكم وليس كنبي مرسل، لذلك فالحديث غير ملزم لنا الآن، فلا إحياء إلا بإذن الإمام. هكذا يكون التعطيل لأحكام الشريعة. وهذا عادة لا يحدث إلا في مقصوصة الحقوق ولا يحدث في الأحكام التعبدية. وحتى في الأحكام التعبدية يجب علينا التسليم في كل الأحكام حتى وإن لم ندرك الحكمة من خلفها. فعند التفكر في المسح على الخفين مثلاً، يجب علينا أن نسلم بأن المسح شُرع ليكون من فوق الخف وليس من أسفله رغم أن هذا قد لا يكون منطقياً للبعض منا، فعلينا أن نستخدم عقولنا لإدراك الحكمة من وراء الحكم، ولكن لا يحق لنا أن نخالف الحكم إن لم نتوصل بعقولنا للحكمة من وراء الحكم، فقد يتوصل إليها آخرون مستقبلاً لأن معارفهم المتراكمة ستكون أكثر منا لا محالة. وهكذا تتراكم المعرفة الإسلامية: أي تتراكم من خلال محاولة فهم المقاصد من الأحكام دون تغييرها لا أن نستنتج ونرجح المقاصد ثم نغير الأحكام لتلحق بالمقاصد كما حدث في الشرع مؤخراً (كما سترى بإذن الله). فبالنسبة للحقوق، فلابد وأن تلحق المقاصد بالأحكام، وأن يسخر العقل لإدراك حكمة الأحكام ومقاصدها هذا في العلوم الإنسانية. أما في العلوم التقنية، فإن الإبداع سيأتي بعد إطلاق العقل لأقصى مدى ممكن في الأعيان رغماً عن الجميع إن طبقت الشريعة بإيقاف العقل عند النص، لأن في إيقاف العقل عند النص إطلاق للجميع للمزيد من الإنتاج والترحال لأن النصوص الشرعية تدفع للانطلاق رغماً عن الجميع بطريقة لا يمكن أن تفعلها منظومات حقوقية أخرى. وهذا سيؤدي إلى الاكتشافات التي ستزيد الاختراعات ليأتي التمكين (وسنوضحه بإذن الله).
أي أن نهجنا في التفكير هو إطلاق وتسليم إطلاق حيث أمرنا سبحانه وتعالى في التفكر في مخلوقاته، كيف تتواجد وتعيش وتتكاثر ؟ كيف تنمو الأشياء والكائنات وتتحول وتتفاعل؟ كيف تصهر المعادن وتتغير من حال إلى حال؟ وكيف نستفيد منها؟ أي سعي حثيث للاكتشافات، وعمل دؤوب للاختراعات والتجارب والتطوير ليأتي


١١٤ 🗏
التمكين. وهذا لن يتأتى إلا بإطلاق البشر في شتى المجالات، وهذا ما تدفع إليه الشريعة كما سيأتي بإذن الله. أما الأحكام التي تربط الناس بربهم، والمعاملات التي تحكم علاقات الناس فيما بينهم (الحقوق)، فنسلم لها أمرنا: نطلق عقولنا لمحاولة فهمها، وإن لم ندرك الحكمة من أحكامها علينا أن ننتظر ونسلم لأنها فوق مستوى عقولنا، لا أن نغير ما لا ندرك حكمته. وهذا ما بدر مع ا الأسف من بعض علماء الشرع مؤخراً. فلقد ظهرت أحكام محدثة من بعض العلماء باتباع عقولهم والتي تناقض نصوصاً في الشرع ( كما حدث في نزع الملكية مثلاً).
۸۹
وأنوه هنا إلى ضعفي في الشريعة، فما سأقوله قد لا ينطبق على المسائل غير التنموية والاقتصادية والعمرانية. أخي القارئ: إن لدي يقيناً بأن كل ما أتى به الشرع هو الأمثل لكل زمان ومكان. وهذا إعجاز تشريعي أتى به الإسلام، إلا أنه تغير لوقوع بعض الفقهاء المعاصرين في منزلق فهم في تفكيرهم في الأمور المعاصرة اصطدموا مع المتطلبات الحديثة فأسرعوا للأخذ بمنطقهم البشري. ولكي لا يظهر الإسلام ديناً متخلفاً أوجدوا أحكاماً خالفت الشرع تحت مظلة الاجتهاد باستخدام عقولهم، فأسرع الحكام وهنا كانت الكارثة) بتطبيق هذه الأحكام، وبهذا ظهر خلل في المجتمع المسلم، وعندها لم تكن الشريعة مهيئة للتعامل مع هذا الخلل الذي لم تحدثه هي أصلاً (تذكر مثال مرض نقص المناعة الإيدز) مما تطلب اجتهاداً آخر، فتم تطبيقه، فظهر خلل آخر بحاجة لاجتهاد آخر. وهكذا تراكمت الاجتهادات حتى خرجت المجتمعات عن حكم الله وذلت. أي أن بعض الفقهاء نهجوا نهج المعتزلة ولكن لهدف مختلف. فالمعتزلة حرصاً منهم على نفي الظلم عن الله عز وجل، انتهوا بإعمال عقولهم إلى القول بخلق القرآن الكريم لتتمزق الأمة آنذاك. وكذلك فعل هؤلاء القلة من الفقهاء المعاصرين، فهم حرصاً منهم وبحسن نية على أن يظهر الإسلام ملائماً لعصرنا أعملوا عقولهم في نصوص الأحكام، فأصبحت فتاواهم أحكاماً طبقها السلاطين والأمثلة على هذا كثيرة كما سيأتي بإذنه تعالى. فكيف حدث هذا الخروج عن حكم الله العليم الحكيم إلى حكم عقول البشر ؟

أصول الفقه

للإجابة على السؤال السابق، علينا أولاً أن نلم ببعض المصطلحات في أصول الفقه. فأصول الفقه هي المناهج التي يلتزمها الفقيه لاستنباط الأحكام. فبالرجوع إلى كل من القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع وفتاوي الصحابة والقياس والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة والذرائع والاستصحاب (على الترتيب)، حدد الأئمة المجتهدون مناهجهم لاستنباط الأحكام. فنجد أبا حنيفة مثلاً يحد مناهج استنباطه الأساسية بالكتاب فالسنة ففتاوي الصحابة، يأخذ ما يجمعون عليه، وما يختلفون فيه يتخير من آرائهم ولا يخرج عنها، ولا يأخذ برأي التابعين لأنهم رجال مثله، ونجده يسير في القياس والاستحسان على منهاج بيّن. حتى لقد يقول عنه تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، كان أصحابه ينازعونه في القياس فإذا قال استحسن لم يلحق به أحد». ونجد المالكية يأخذون، بالإضافة إلى القرآن والسنة، بعمل أو إجماع أهل المدينة والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة. أما الشافعي فلم يأخذ بكل

هامش

ع) هناك فرق بين أصول الفقه والقواعد الفقهية. فأصول الفقه ه هي واحد يجمعها، أو إلى ضبط فقهي يربطها كقواعد الملكية. ومن كتب القوانين التي يلتزمها الفقيه ليعتصم بها من الخطأ في الاستنباط، أما القواعد كتاب الفروق للقرافي، والأشباه والنظائر لابن نجيم، وقواعد القواعد الفقهية فهي مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياس ابن رجب (۹۰).

--- 115 من عمل أهل المدينة والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة. ونجد أن الحنابلة أقرب إلى المالكية من حيث عدد الينابيع التي استقوا منها مادة الفقه». وبرغم هذه الاختلافات بين المذاهب إلا أن الجميع مجمعون على الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمقصود بالإجماع هو اتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك خلاف في من هم هؤلاء الذين ينعقد الإجماع بهم؟ أهم الأئمة الذين تلو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أم هم الأئمة في كل عصر ؟ والظاهر هو أن حجية ،الإجماع، وكما يقول أبو زهرة: هي أنها «كلها كانت في إجماع الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، ولم يكونوا قد تفرقوا في الأقاليم، فكان الإجماع ممكناً. أما في عصر التابعين وقد تفرقوا في الأقاليم، فإن الإجماع حينئذ لم يكن ميسوراً، إن لم يكن متعذراً». ف أما المقصود بالقياس فهو «بيان حكم أمر غير منصوص على حكمه بإلحاقه بأمر معلوم حكمه بالنص عليه في الكتاب والسنة» وذلك لاشتراكهما في العلة كتحريم كل ما هو مسكر قياساً على الخمر مثلاً."
أي أن هناك اختلافاً بين المذاهب في استنباط الأحكام. برغم أنها تنبع من القرآن والسنة، وبرغم أنها مبنية على مصالح العباد كما شرعها الله. فهل للعقل دور في هذا الاختلاف وفي استنباط الأحكام؟ لقد قال الشيعة بأن العقل مصدر فقهي فيما لم يرد به كتاب أو سنة. أما جمهور فقهاء السلف فلا يجعلون العقل حاكماً، «بل يردون ما لا نص فيه إلى ما فيه نص بالطرق المختلفة، إما بطريق القياس أو الاستحسان، أو الرد إلى المصالح المعتبرة شرعاً، وإن لم يشهد لها دليل خاص». أي «أن العقل عند جمهور الفقهاء ليس له أن يُشَرِّع الأحكام، ولا يضع التكليفات، وليس معنى ذلك أنه لا مجال لعمله، بل إن له عملاً ، ولكنه ينطلق في عمله حيث يطلقه الله سبحانه وتعالى». وذلك لأن الأصول المذكورة سابقاً ( كالإجماع والقياس) كلها ترجع إلى القرآن والسنة. لذا كان الشافعي رحمه الله يقول: «إن الأحكام لا تؤخذ إلا من نص أو حمل على نص». وكان يُضيق معنى الحمل على النص فيقصره على القياس. وغيره من الأئمة يوسعون معنى الحمل على النص فيدمجون فيه مصادر أخرى كالاستحسان والمصالح المرسلة." وهنا يأتي دور العقل البشري بالربط بين الأمور بالمماثلة لاستنباط الأحكام كما في القياس.٩٤ لا أن يقوم العقل كما حدث مع معظم الفقهاء المتأخرين الذين تطرقوا للمسائل المعاصرة.
بالتشريع
أرجو منك أخي القارئ أن تأخذ هذه المسألة بنوع من الحذر عند قراءتك للجزء الآتي. فهذه المسألة (أي ترك القياس لغيره) هي انزلاق كبير وقع فيه بعض العلماء لعدم إلمامهم بتكوين البيئة الاقتصادية والعمرانية أولاً، ولتحرجهم أمام من اعتقدوا بضعف الشريعة في مسايرة متطلبات العصر ثانياً، مؤدياً بهم إلى استخدام عقولهم ومنطقهم البشري من خلال توسيع باب الاستحسان لاستنباط الأحكام، وهو خلاف ما عليه جمهور أئمة المذاهب كما هو واضح . ولإثبات هذا لابد لي أولاً من المرور سريعاً على حديث الضرر كمثال توضيحي على الحكم في المسائل المعاصرة (وهو من أهم مبادئ الفصل بين الناس، وسيأتي موضحاً بإذن الله مع مبادئ أخرى في فصل
«الموافقات»).

هامش

ف) ويثير الإمام الشافعي عدة أسئلة معترضاً على إمكانية الإجماع في صلى الله عليه وسلم : « لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ومن قوله فيما رواه كل زمان. وأن سند الأجماع في الاجتهاد من السنة هو قوله صلى الله الشافعي عن عمر رضي الله عنه: ألا فمن سره بحبحة الجنة فليلزم عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»، ومن قوله الجماعة، فإن الشيطان الفذ ، وهو من الاثنين أبعد»

--- 116

مقص مهم : لاضرر ولا ضرار

۹۵
لا ضرر ولا ضرار» هو حديث مشهور عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه . وقال أبو داود عنه بأنه
ص
أحد خمسة أحاديث يدور عليها الفقه. والحديث يعني عموماً أن للفرد أن يتصرف كما أراد «إذا لم يضر بالآخرين». وقد استخدم الفقهاء والقضاة والحكام هذا الأصل للحكم على تصرفات الأفراد التمكينية ومنها العمرانية، فقد كان هذا الحديث أحد أهم المقصات للحقوق. فقد يقوم شخص ما بتغيير البيئة بشكل يضر بالجيران، ولعدم وجود الأنظمة والقوانين في ذلك الوقت وهذه من حكمة الشارع كما سنرى بإذن الله)، فقد كان هذا الحديث هو الحكم في كل قضية بيئية، وبالتالي عولجت كل قضية معالجة مستقلة، فلم يكن هناك قانون مطبق على الكل يمنع سكان حي بأكمله من التعلي أكثر من دورين مثلاً. ولكن كان كل موقع أو عقار يعالج بذاته ولذاته لا قياساً بأنظمة المنطقة التي هو بها كما هو الحال في أيامنا هذه إذ أنه لا أنظمة. أي أن كل مالك يحصل على عن حقوق الآخرين من حوله، وبهذا فحديث الضرر هو مقص يقص الحقوق. كيف؟
هذه
حقوقه التي تختلف لعلك هنا تُستثار أخي القارئ وتسأل: كيف يحق للفرد أن يتصرف كيفما أراد لأن البيئة ستصبح فوضى؟ فأقول: لاحظ أنني قلت: «إذا لم يضر بالآخرين». وهذا هو المحك أو المعيار المهم الذي وضعته الشريعة. ومعظم ما في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام يحاول توضيح فكرة أن في تصرف الأفراد دون إذن من السلطات خير كثير للمجتمع لأنه سيؤدي لمجتمع يتم قص الحقوق فيه بطريقة تؤدي إلى الجدارة في العمل والمثابرة، وليس إلى المحسوبيات والتزلف والنفاق كما هو حاصل الآن. فالمهم في أيامنا هذه هو إذن السلطات لمن أراد أن يبادر ويوجد مصنعاً أو حتى إن أراد أن يغير المالك وظيفة داره لمعمل صغير، وليس المهم هو الضرر الناجم من المنشأة كما سيتضح من باقي فصول الكتاب بإذن الله. ولكنك قد تقول: بأن الإذن من السلطات مربوط بدراسات مستفيضة تحاول المحافظة على البيئة بتلافي الضرر ، أي أنها ليست عبثاً. فأقول: هذا نظرياً، أما في الواقع العملي فإن الذي يحدث هو تغليب الأهواء والمصالح ، ففي مثل هذه الظروف التي تكون السلطات فيها هي المهيمنة فلابد وأن يساء استخدام هذه الصلاحية التي بيد السلطات بإجازة مصنع هذا ومنع مصنع ذاك كما هو معلوم. لذلك نجد أن الشريعة قد جذت هذا من جذوره كما سيأتي بإذن الله . وهنا أود لفت نظرك لمسألة منهجية هي الآتي: قد تقول أن الأصل هو تقييد تصرفات الناس كما تتجه لذلك قلة من كتب الفقه ومعظم آراء الفقهاء المعاصرين. فأقول: قد يكون هذا صحيحاً إن ثبت أن المجتمع سيكون أفضل حالاً بتقييد تصرفات الأفراد، ولكن إن أثبت لك أخي القارئ في هذا الكتاب (وسأنجح بتوفيق الله ومنه بإذنه تعالى أن الأفضل هو الأخذ بنص الحديث كما هو دون تحميله ما ليس فيه، فعندها إن كنت منصفاً فعليك أن تتراجع عن اعتقادك بأن تطبيق الحديث سيؤدي لفوضى وأنه لابد للسلطات حينئد من التراجع عن فكرة تقييد تصرفات الأفراد إلا أن تراجع السلطات لن يحدث لأن فيه مضرة لمن هم في المناصب. حتى هذا فقد وضعت له الشريعة علاجاً كما سيأتي بإذنه تعالى.

هامش

ص) قال أبو داود (ت (٢٧٥) : «الفقه يدور على خمسة أحاديث الدكتور البرنو القواعد الخمس الكبرى في كتابه الوجيز وهي: ١) الحلال بين والحرام بين. وقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار الأمور بمقاصدها ؛ (۲) ولا ضرر ولا ضرار؛ ۳) واليقين لا يزول بالشك؛ وقوله: إنما الأعمال بالنيات. وقوله: الدين النصيحة. وقوله ما نهيتكم (٤) والمشقة تجلب التيسير؛ ٥) والعادة محكمة (٩٦). ، فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما اس استطعتم»، ويوضح
عنه

--- 117 هناك اختلاف بين الفقهاء في تحديد المعنى الدقيق لكل من الضرر والضرار والفرق بينهما، وبالتالي في
استخدام الحديث في معالجة المسائل البيئية. ففي نيل الأوطار: «فقيل إن الضر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين فصاعداً. وقيل الضرار أن تضره بغير أن تنتفع، والضر أن تضره وتنتفع أنت به وقيل الضرار الجزاء على الضر والضر الابتداء». وقيل: الضرر هو ما لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة، والمقصود هو أن الضرر ما قَصَدَ الإنسان به منفعة نفسه، فكان فيه ضرر على غيره كبناء مرحاض في ملك نفسه عند جدار جاره مما قد يؤثر على
و
حائط الجار. والضرار هو ما قصد به الإضرار بغيره كفتح نافذه لا يستفيد منها ويطل منها على عورة جاره. ويقول ابن الرامي: ويحتمل أن يكون معنى الضرر أن يضر أحد الجارين جاره، ومعنى الضرار أن يضر كل واحد منهما صاحبه ... وقال القاضي ابن عبد الرفيع (تولى القضاء سنة ٦٩٩ هـ) في كتابه معين القضاة والحكام: تفسير الضرار أن تضر نفسك ليتضرر بذلك غيرك». وقال ابن حبيب (ت ۱۸۲ هـ): «هما كلمتان بمعنى واحد رددت توكيداً في المنع . منه، وقد يأخذه تصريف الإعراب، فالضرر الاسم والضرار الفعل». كما قيل عن الضرر أنه إلحاق مفسدة بالغير مطلقة، والضرار هو الثأر لمجرد الانتقام ممن أضر بالشخص مما يوسع من دائرة الضرر.
۹۸
1-1
११
...
وبرغم هذه الاختلافات في التعريف ، إلا أن هناك مفهوماً عمرانياً واضحاً يفرضه الحديث وهو أن لكل فرد الحق في التصرف في البيئة إذا انعدم الضرر دون أخذ إذن مسبق من أحد. كما أن التعريفات السابقة تشير إلى أن تفسيرات الفقهاء تتعامل مع الأفعال الضارة بالغير خارج حدود عقار المتصرف وليس داخله. أي أن حديث الضرر لا يعطي الآخرين كالجيران أو السلطة الحق في التدخل في شؤون المالك التي لا تضر بالخارج، فلا يحق لكائن من كان أن يمنع شخص من بناء غرفة في حديقة منزله إذا لم تثبت العلاقة بين هذه القرارات وضرر الجيران. فللإنسان التصرف داخل حدود ملكه إذا لم يضر بغيره دون الاستئذان المسبق من أحد؛ لا كما هو الحال في أيامنا هذه. أي أن حديث الضرر يوسع من دائرة حق الفرد في التصرف. وبذلك فالتصرفات الوحيدة التي يُمنع منها المالك هي تلك التي تؤثر في أعيان الجيران مباشرة كوضع آلة تُصدِر اهتزازاً يؤثر في حائط الجار، أو تلك التي تؤثر في الجيران أنفسهم دون أعيانهم كالنظر إلى عوراتهم من النافذة. فبذلك يكون الحديث مصدراً للسيطرة الخارجية على كل من الأعيان وتصرفات الأفراد.
هذا في العمران، أما عموماً، فإن حديث الضرر يعني لكل من أراد استثمار ما أو القيام ببحث ما أو استكشاف معدن في موقع ما الحرية المطلقة إن لم يثبت الضرر على الآخرين. سأضرب مثلاً واحداً الآن فقط: عندما كنت ممثلاً للجامعة في لجنة الأبحاث تقدم زميل للحصول على دعم مالي لإجراء بحث عن الأسماك في مياه الخليج العربي. فتمت الموافقة على البحث لأنه بحث جيد وسيثري الاقتصاد الوطني وتم اعتماد المبلغ. ثم بعد سنتين أعيدت أوراق الباحث لأعضاء اللجنة مرة أخرى بطلب لإلغاء البحث لأن الباحث لم يتمكن من الحصول على التصاريح الدائمة من خفر السواحل بوزارة الداخلية ومن الأمارة فكان عليه أن يقوم بعشرات الإجراءات الأمنية والورقية في كل مرة أراد فيها النزول للبحر بقاربه أليس في هذا مضرة على الأمة لأنها فقدت فرصة بحثية

هامش

ق) وفي لسان العرب: «فمعنى قوله لا ضرر أي لا يضر الرجل أخاه الفعل، والضرار الجزاء عليه ؛ وقيل : الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع النفع، وقوله : ولا ضرار أي لا يُضار كل واحد منهما أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع، ...» (۹۷). صاحبه، فالضرار منهما معا والضرر فعل الواحد ... والضرر ابتداء
وهو
ضد :

--- 118
لإثراء اقتصادها من باحث مهتم ؟ وإن قلت ولكن القضايا الأمنية أهم أقول لك: إن المشكل هو الاعتقاد السائد أن من هم في الدولة أكثر حرصاً من عامة الناس على الأمن، ولعل الأهم هو أن القلق الأمني في جميع العالم الإسلامي ناتج بسبب الوهن الذي فيه الأمة والذي ما كان إلا بسبب تقييد الأفراد لأن مقصوصة الحقوق قد تغيرت. أما إن طبقت الشريعة فإن العزة التي ستكون فيها الأمة ستغير مفهوم الأمن كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى. أي أن مبدأ الضرر سيطلق الأفراد للمزيد من المثابرة كما سيأتي بيانه أيضاً بإذن الله.

القواعد والمبادئ

لقد استنبط الفقهاء أثابهم الله عدة قواعد من حديث الضرر منها: «الضرر يزال»، و «الضرر لا يزال بمثله»، و «يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام» و «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»، و «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما ، و يختار أهون الشرين أو أخف الضررين»، و «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، و «الضرر يدفع بقدر الإمكان». وبالنسبة للمسائل الفقهية غير الاقتصادية والعمرانية، فالأمر واضح لدى الفقهاء في استخدام هذه القواعد، لذلك لن نخوض فيه لأنه خارج نطاق هذا الكتاب، ولكن لإعطاء فكرة سنأخذ مثلاً قاعدة «الضرر يدفع بقدر الإمكان»، فهذه القاعدة تدل على وجوب دفع الضرر قبل وقوعه وفقاً لأصل المصالح المرسلة والسياسة الشرعية كشرع الجهاد لدفع شر الأعداء، أو إيقاع العقوبة لصيانة الأمن، أو شرع الحجر على السفيه لدفع ضرر سوء تصرفاته المالية. لنأخذ مثالاً آخر: فبناءً على قاعدة «يختار أهون الشرين أو أخف الضررين» إذا ابتلعت دجاجة شخص ما لؤلؤة ثمينة لآخر، فلصاحب اللؤلؤة أن يمتلك الدجاجة بقيمتها ليذبحها. ١٠٢ أي بالإمكان معرفة حدود الضرر بالعقل البشري، لأن الضرر يقف ولا يتضاعف. فعند ذبح الدجاجة قد تنتهي المسألة، ولا سبيل لدفع شر الأعداء إلا بالجهاد، وهكذا.
مآلات
۱۰۲
أما بالنسبة للمسائل الاقتصادية والبيئية فالأمر ليس بهذا الوضوح. لأن القواعد المنبثقة من حديث الضرر مبنية على فكرة أساسية هي أن الضرر واضح وبالإمكان قياسه ومعرفة مضاعفاته بعقولنا البشرية. وهنا كان المنزلق الذي وقع فيه بعض الفقهاء المعاصرين ، لأن هذا ليس هو الحال في المسائل العمرانية والاقتصادية، فالأضرار ومضاعفاتها مبهمة كما وضحنا في مثال الشجرة. فلكل قرار أو فعل سواءً كان مضراً أو لم يكن، مضاعفات أو (جمع مآل). فمآلات الأفعال في البيئة لا تقف عند معرفة الضرر بين الجارين، ولكنها ستمتد إلى مستوى المدينة وإلى الأجيال القادمة. فكيف يمكن استخدام العقل معها ؟ فلا يعلم مآلات الأفعال إلا الله سبحانه وتعالى علام الغيوب. لذلك فرض الحكيم الخبير الأحكام المناسبة لها. لنأخذ مثالاً : إذا أراد رجل بناء رحى في داره، فقد يكون هناك ضرر واضح على جدار أحد الجيران بالاهتزاز، وعندها قد تمنعه السلطات بحجة دفع الضرر قبل وقوعه. إلا أن مآل ذلك الفعل قد يكون ذا فائدة اقتصادية على مستوى المدينة على المدى البعيد لأن إصرار الرجل على بناء الرحى في داره (دون إذن مسبق عملاً بحديث الضرر قد يكون مؤشراً على أن موضع داره هو أفضل موقع في المدينة لطحن الدقيق من حيث جلب المواد الأولية وتسويق المنتج. ومالك الرحى هو الوحيد الذي رأى هذه الإيجابية، لذلك أصر عليها. وفي هذه الحالة، فمن الأولى أن يطلب من صاحب الرحى (وهذا ما فعلته الشريعة)


۲ قصور العقل
۱۱۹
التحايل على الضرر لإزالته بدلاً من منع الرحى. وقد يستحدث صاحب الرحى طريقة لمنع انتقال الاهتزاز من داره لدار جاره. ففي إحدى النوازل مثلاً عمل رجل في داره رحى، فاشتكى جاره ضرر اهتزار جـداره من هذه الرحى. فبأي وسيلة يكتشفون الاهتزاز وضرره قال القاضي لابن الرامي في هذه النازلة من المذهب المالكي: «تأخذ طبقاً من كاغيد (ورق) وتربط أركانه بأربعة أخياط في كل ركن خيط، وتجمع أطراف الأخياط وتعلقهم من السقف الذي على الحائط الفاصل بين الدار وبين الرحى من جهة الدار ، وتعمل على الكاغيد حبة من كزبر يابس، وتقول لصاحب الرحى هز رحاك؛ فإن اهتز الكزبر على الكاغيد قيل لصاحب الرحى اقلع رحاك لأنها تضر بالجار؛ وإن كان لا يهتز الكزبر على الكاغيد قيل لصاحب الدار اترك صاحب الرحى يخدم لأنها لا تضر بك». أي أن المجتمع تمكن من إيجاد وسيلة لكشف الضرر. ومتى تم اكتشاف الضرر فقد يتمكن المالك من إزالته. فيقول ابن الرامي مثلاً في إزالة ضرر الرحى إن «الذي يريد أن يعمل في داره رحى [عليه أن] يتباعد عن حائط الجار بثمانية أشبار من حد دوران البهيمة إلى حائط الجار، ويشغل ذلك بالبناء أما ببيت أو بمخزن أو بمجاز. لابد لذلك من حائل بالبناء لأن البناء يحول بين المضرة وحائط الجار». وهناك الكثير من مثل هذه النوازل التي حاول فيها أهل البصارة أو السكان أو القضاة قياس الضرر والتحايل عليه، والتي تدل على شيوع
التحايل على الضرر .
ث
:
ت
أي أن مصالح البشري ترجيحه في المسائل الاقتصادية والعمرانية، والترجيح بين المصالح باستخدام العقل هو في الواقع قص مستحدث للحقوق. فعند المنع يؤخذ من نصيب الفرد المتصرف. وعند السماح له يزيد حقه. والشريعة من خلال حديث الضرر أوجدت مقصاً لهذه الحقوق بإعطاء الفرد المتصرف الفرصة للمضي في تصرفه دون الإضرار بغيره

هامش

الأفعال ومضارها أو مفاسدها أي مآلات (الأفعال والموازنة بينها أمر يصعب على العقل
ويعطي كل فقيه رأيه في المسألة (۱۰۳).
ر) النازلة أو case study هي حالة وقعت وتؤخذ كسابقة لأحكام ث لتأكيد ذلك لنأخذ مثالاً آخر : ففي نازلة أحدث رجل خلف بيت لاحقة. فقد يقع خلاف بين شخصين حول بناء دكة في الطريق مثلاً جاره رواء دابة صغيرة البيت هو الغرفة في الدور الأرضي في أيامنا أو عند تغيير أحد الجارين داره لفرن ويعترض الآخر عليه. عندها هذه، والرواء هو الإسطبل). فاشتكى صاحب البيت من ضرر تعرض المسألة . على الفقهاء ويتم دراسة المسألة من جميع جوانبها الرواء. فعند النظر قال أهل البصارة أنه محدث وأنه مضر فأمر القاضي بزواله، ولفعل ذلك كان لابد من خروج الدابة. فصاح صاحب الدار ش) ثم سأل ابن الرامي قائلاً: «فإن كان الحائط الساتر بين الرحى وقال بأنه ليس له غنى عنها لأن عليها معاشه. وكان الحل البنائي لدفع والدار ليس فيه خشب وإنما هو سترة لا خشب فيه فأين يعلق الضرر هو حفر أساس فينزل فيه قدر القامة خلف الحائط الذي هو الكاغيد؟ قال لي: تأخذ قصبة غليظة وتحفر لها في الحائط الفاصل بين صدر البيت، ويرفع في حقه حائطا من تحت وجه الأرض بخمسة الدار والرحى قدر نصف شبر، وتدخل طرف القصبة في الحائط أشبار، ويكون عرض الحائط شبرين، ويجعل بينه وبين ا الحائط الذي وتشدها في جهة الدار وتعلق الكاغيد في تلك القصبة وتعمل الكزبر هو مصدر البيت نصف شبر ترويحاً بين الحائطين. والترويح بين على الحائط وتقول لصاحب الرحى هز رحاك، فإن اهتز الكزبر منع الحائطين من تحت وجه الأرض بخمسة أشبار إلى منتهى السقف ... صاحب الرحى؛ وإن لم يهتز لم يمنع قلت له: فإن كان الحائط فلما فعل ذلك انقطع الضرر عن صاحب البيت». وفي نازلة مشابهة الفاصل بين الرحى والدار من أملاك صاحب الرحى ويهتز بدوران قال ابن الرامي: «وقد نزلت هذه أيضاً في موضع خراب أراد ربه أن الرحى أيمنع أم لا؟ قال إن كان لا يهتز شيء من حيطان صاحب يعمله أروى فمنعه جاره وارتفعا إلى القاضي فسألنا النظر في ذلك الدار فلا يمنع إذا كانت تهتز حيطانه ولا تهتز حيطان غيره» (١٠٤). فرأينا موضعه كبيراً يحده الشارع من الغرب والجوف، والدار من ت) جاءت هذه المقالة لابن الرامي بعد سؤاله للفقيه أبا عبد الله بن القبلة والشرق، والذي يليه من القبلة أروى فسمح له صاحب الأروى الغماز عن رجل أراد أن يعمل في داره رحى: «كم يبعد من الحائط ومنعه صاحب الدار الشرقية . فأمرناه أن يعمل بيتاً بين الدار الشرقية الذي يجاوره من دار جاره؟». فأجابه بأنه ليس له في ذلك حد، وقال: وبين الذي يريد أن يعمله أروى يكون عرض البيت تسعة أشبار «أنتم أهل المعرفة تعرفون ذلك كم يبعد الرحى عن الحائط، وهذا لا وعرض الحائط شبرين» (١٠٦). يعمل فيه حد » (١٠٥).

--- 120
بالتحايل على الضرر. إلا أن بعض دارسي الشريعة المعاصرين ظنوا أن المصالح والمفاسد المتعلقة بمسائل البيئة معروفة بالعقل وأفتوا ورجحوا ما وصل اليه عقلهم دون أي تردد، فأخذت السلطات بفتاواهم وأصدرت القوانين والأنظمة التي قيدت الناس. أي أن هناك حركية تؤدي إلى إمضاء الفعل أو منعه قد وضعتها الشريعة وقاموا هم بتعطيلها باستخدام عقولهم. كما أن لهذه الحركية فوائد كبرى من حيث حث الناس على المبادرة والإتيان بالحلول الاقتصادية والبيئية والعمرانية إلا أنها تعطلت كما سترى بإذنه تعالى). ومن الفقهاء الذين أدركوا بثاقب نظرهم أن هناك أفعالاً لا نعرف مصالحها ويجب أن نتأنى بها، العز بن عبد السلام (ت (٦٦٠) حيث يقول رحمه الله: «الأفعال ضربان: أحدهما ما خفت عنا مصالحه ومفاسده، فلا نقدم عليه حتى تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها، وهذا الذي جاءت الشريعة بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشده وصلاحه».
ومما زاد من شدة انزلاق بعض العلماء المعاصرين هو أن القواعد المستنبطة من الضرر دعمت بأصول أخرى كالاستحسان والضرورة وسد الذرائع والمصالح المرسلة عند الفقهاء من جهة، وبالعدل البيئي بمفهومه الحديث عند المهنيين من اقتصاديين ومخططين من جهة أخرى مثل أن عقارات الحي الواحد قد تخضع في الغالب لنفس الأنظمة) مما أدى إلى وضع تنازل فيه بعض الفقهاء المعاصرين والمهنيين عن الأسس الشرعية في الاقتصاد والعمران، فقد أباحوا نزع الملكية، وقالوا بضرورة إذن الإمام في الإحياء، ونادوا بوضع قيود على تصرفات الأفراد (فلا يكون للفرد استخراج معدن من باطن الأرض، كالنفط أو الفوسفات مثلاً دون إذن مسبق)، وأطلقوا يد الدولة في التسلط على تلك الحقوق لدرجة تم تقريب الشريعة فيها من بعض المبادئ الاشتراكية أو الرأسمالية في المسائل البيئية والعياذ بالله، فهناك قوانين للبناء مثلاً وفتاوى مستحدثة في مسائل الاقتصاد. وبهذا تغيرت مقصوصة الحقوق. كيف حدث
كل هذا؟
في ظل الحكم الناصري الاشتراكي في مصـ مصر والبعثي في سوريا وجدت كليات الشريعة نفسها تحت ضغوط لإبراز دور الشريعة في الحقوق وذلك لأن التضاد في الحقوق بين الإسلام والاشتراكية كان واضحاً: فالإسلام إطلاق للملكيات ولتصرفات الأفراد والاشتراكية تقييد لها. ففي هذه الفترة والله أعلم بدأ النظر في هذا التضاد إلى أن ظهر سنة ١٩٦٥م بحث للدكتوراه للدكتور فتحي الدريني ينظر في هذه الإشكالية. ثم نشر هذا البحث في كتاب بعنوان: «الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده»، ثم نشر كتاب آخر بعنوان: «نظرية التعسف في استخدام الحق». ولقد أعجبت بهذين الكتابين في أول الأمر، ولكن كلما تعمقت فيهما أدركت مدى خطورتهما على مقصوصة الحقوق. فاستشهادات الدكتور الدريني بالمسائل البيئية لم تكن بالعمق الكافي، وهذا طبيعي لأن العمران خارج تخصصه جزاه الله خيراً. فكتاباته تضع نظرية في استعمال الحق قائمة على أصول من مصادر الشريعة ومقاصدها، وقواعدها الكلية ...» بحيث يتم التوفيق، كما يقول مقدم الكتاب بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة في ضوء مقتضيات العدالة وتطورات الحياة، وبما تجعل من الحقوق وسائل لمصالح وغايات جدية، اقتصادية واجتماعية

هامش

خ) لقد كتب الفقهاء في مسألة الموازنة بين المصالح والمفاسد ثم اتخاذ وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود الحكم ووضعوا قواعد لها إذا تم العلم بمآلات الأفعال من المصالح حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن. وأن تقديم والمفاسد. يقول العز بن عبد السلام في فصل فيما تعرف به المصالح المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن. . وأن . والمفاسد وفي تفاوتهما : ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق بالعقل وذلك معظم الشرائع. إذ لا يخفي على عاقل ورود الشرع أن الحكماء على ذلك» (۱۰۷).
تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان
درء

--- 121 شرعت تلك الحقوق من أجلها » . ١٠٨ هنا بدأت مقصوصة الحقوق بالتغير. إن مجرد محاولة التوفيق «بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة في ضوء مقتضيات العدالة وتطورات الحياة ...» تتطلب إعمال العقل البشري، وهنا الكارثة. لنضرب مثالاً لذلك يقول د. الدريني:
الضرر العام الذي يلزم عن تصرف الفرد فيما منح من حق أو إباحة فإنه يمنع منه، ولو لم يقصد إلى ذلك الضرر، أو يقصر في الاحتياط؛ بل ولو كان الباعث عليه مشروعاً أو حسناً، من مثل تلقي السلع، أو إقامة مصنع في ظاهر المدينة ليساهم في الاقتصاد الوطني أو الثروة الوطنية، وهو استعمال مشروع ومعتاد لحق الملكية، ثم ينشأ حوله بعد حين حي راق للسكن، بحيث أضحى وجود المصنع مصدر قلق وإزعاج وخطر على صحتهم، أو معطلاً لانتفاعهم بالمنافع الأصلية المقصودة عادة من العقارات التي يسكنونها، فالسلوك معتاد، والتصرف في دائرة الحق، ومعتاد أيضاً، والباعث مشروع، والمصنع سابق في وجوده على الحي، ومع ذلك يمنع إذا أربى ضرره على نفعه، عملاً بالمقررات الشرعية، من أن الضرر يزال، قديماً كان أم حادثاً، ويختار أهون الشرين فهذه القواعد لا تقيم وزناً للعناصر النفسية، وإنما تنظر إلى الوقائع الخارجية». ۱۰۹
إن هذا الوضع الذي يقول عنه د. الدريني يحدث متى منع الإحياء أو قيد بموافقة السلطة. فهو وضع نتج من تطبيق الأنظمة الوضعية. أما إذا طبقت قواعد الشريعة فقد لا يحدث هذا الوضع أصلاً لأن السكان يعلمون
هو
بأن المصنع قد حاز على حق الضرر وعليهم أن يتلافوا السكن في موقع بالقرب من المصنع ابتداء. فهناك ما . معروف في الشرع «بحيازة الضرر » كما سنوضح بإذن الله. أما إذا سكن الناس بالقرب من المصنع مع علمهم بحيازة المصنع للضرر فهم الجانون على أنفسهم، فحكمهم حكم من يقوم بالجناية على نفسه، لأننا إن نقلنا كل من أراد الاستثمار ببناء مصنع، فمن هذا الذي سيستثمر مئات الملايين في مصنع سيجذب الناس لموقعه كسباً للرزق ثم يُجبر على الانتقال؟ ولأننا إن ربطنا إنشاء المصنع بموافقات الدولة فتحنا أبواب الرشاوي ونحوها من آفات. فكل مسؤول بیده قرارات تربط مصالح الناس سيصبح مستهدفاً للراشين. فمنهم النزيه الذي يفلت، ومنهم الذي يستسلم أمام ظروف الحياة الصعبة التي ما وجدت إلا بالخروج عن الشريعة. وهكذا أصبح للدولة سلطة ودور. أي أن الدولة اكتسبت حقوقاً. أي أن مقصوصة الحقوق تغيرت لأن صاحب المصنع فقد حقوقه. وهكذا فتحت الأبواب أمام السلطات لإصدار القوانين بحجة تنظيم الأمور. وبالتالي تغيرت مقصوصة الحقوق وقتلت الهمم لدى الأفراد، وتسلط الناس بعضهم على بعض وفشت الرشاوي وما إلى ذلك من أمراض سيأتي بيانها بإذن الله.
لعلك تقول بأن المصنع مضر ولابد من إزالته هنا أجيب: إن للشريعة طرقاً أخرى لإزالة ضرر المصنع، كيف؟ لأن الشريعة استثمرت السلطات في أيدى الناس كما سيأتي بيانه بإذن الله، ولم تضعها في أيدي مسؤولي الدولة، فلن يتجرأ مستثمر من إقامة مصنع قد يضر الناس لأن المستثمر يعلم جيداً أن مصنعه سيغلق إن أضر بالجيران لأن للجيران المقدرة على ذلك بأن يحاصروا مصنعه أو نحو ذلك من أفعال إن لم توقفه السلطات. فالناس أقوياء وليسوا مسلوبو الإرادة كما هو حالنا اليوم. أما عندما سُلبت المقدرة من أيدي الناس ووضعت بأيدي مسؤولي الدولة، وليس بأيدي المتضررين مباشرة، فإن حركة مسؤولي الدولة بحاجة لهمة ودفع حتى يتخذوا القرار من خلال لجان وتقارير وأوراق ثم يُتخذ القرار بالإزالة ليتحداه صاحب المصنع من خلال مرافعات محاميه وهكذا يستمر المصنع. وكل هذا بسبب تنازل بعض الفقهاء من خلال عقولهم القاصرة التي حاولت تحديث الشرع بوضع


۱۲۲ 🗏
الحق في أيدي مسؤولي الدولة الذين يمكن رشوتهم أو إقناعهم بضرورة المصنع للاقتصاد الوطني. ولأن مسؤولي الدولة لا يسكنون بالقرب من المصنع فإن الضرر قد يستمر . وهذا هو الحال في كل مكان، فهناك للأسمدة مصنع الكيميائية (شركة سافكو (مثلاً) بالقرب من مدينة الدمام ويقع بين الأحياء السكنية، والمضحك المبكي في المسألة هو أن المصنع يرمي بفضلاته الغازية التي ثبت ضررها على مكاتب ومساكن كل من جامعة الملك فيصل والكلية البحرية ومصلحة الأرصاد وحماية البيئة. وهذه الأخيرة تقف عاجزة أمام ملاك المصنع ولا تستطيع فعل شيء برغم أن حماية البيئة من صلب تخصصها. فإن فشلت في حماية صحة موظفيها، فكيف ستحمي البيئة؟ وقد عقدت الكثير من الاجتماعات لإثبات الضرر، ورفعت الكثير من الشكاوي إلا أن المصنع استمر شامخاً ضاراً بالعمران دونما أدنى مجيب فقط لأنه سبق المنشآت المحيطة به في الإنشاء، ولكن ضرره وصل حتى للمناطق البعيدة التي ظهرت قبله بسنين عديدة، ومع هذا استمر لأكثر من أربعين سنة، ثم أخيراً أغلق. فتأمل هذا المثل الذي يجسد فشل الأنظمة المعاصرة بطريقة ساخرة. أما إن طبقت الشريعة، فإن حق إيقاف المصنع سيكون في أيدي المتضررين حتى وإن لم يكونوا من المجاورين للمصنع وهذا ما حاولت توضيحه في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام»)، وعندها لن يجرؤ مستثمر ابتداءً على المخاطرة بإنشاء مثل هذه المصانع الضارة بالقرب من العمران وهكذا من حركيات سيتم شرحها بإذنه تعالى، وسيتمكن المجتمع المسلم من الحصول على بيئة غير ملوثة لأن التصنيع سيكون نظيفاً غير ملوث، كما
سيأتي بيانه بإذنه تعالى.
مثال آخر: فبالرجوع إلى قاعدة الضرر يدفع قدر الإمكان، ظهرت القوانين التي تمنع الفرد من تصرفات مستقبلية في ملكه كمنعه من تحويل منزله إلى فرن دفعاً لضرر الدخان عن الجيران. فالهدف هنا دفع الضرر قبل وقوعه لأن الدفع أسهل من الرفع. فيقول د. الدريني في هذه القاعدة: «وهذا مقصد عام يجب أن يراعى في جميع شئون الدولة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فللدولة أن تسن من القوانين ما يدفع الضرر المتوقع عن الأفراد والجماعة».١١٠ وكما سنرى بإذن الله فإن تصرف المالك دون الاستئذان من السلطة، ثم ظهور الضرر، ثم إجبار المالك على التحايل على الضرر أو منعه، ذو فائدة للعمران لأنها توسع من دائرة التجارب البيئية للأمة مؤدية بذلك إلى تطور الأعراف البنائية. ولتوضيح ما سبق لابد لنا من شرح موجز لموضوع التعسف في استخدام الحق وهو أمر كثر تداوله وقبوله بين الفقهاء المتأخرين، فبعد ظهور كتاب الدريني انهمرت الكتب الفقهية وأبحاث الدكتوراه والماجستير حول تعسف الحق والتنقيب في الشريعة عن نصوص ولي أعناقها لتقييد حقوق الأفراد مطلقة بذلك الزمام للدول للتسلط على الحقوق وتفصيلها كيفما شاءت. ولعل مسألة التعسف تكون أكثر وضوحاً في القضايا العمرانية منها في المسائل الاقتصادية. لذلك سأركز عليها الآن لتوضيح الصورة. أما الاقتصاد فله فصل مخصص.

تقييد الحق

تعسفاً،
الفرق بين التعسف والتعدي هو أن تصرف الفرد واستخدامه لحقه إذا آل إلى الإضرار بالغير يعتبر وأما التعدي فهو الفعل غير المشروع أصلاً. فتصرف الشخص في التعسف مشروع في ذاته ولكنه معيب في مآله كأن يقوم شخص بتعلية داره بشكل يقطع الهواء عن الجار، فهذا يعتبر تعسفاً إذا تضرر الجار؛ أما إذا أخرج جزء من


۲ قصور العقل
۱۲۳
111
مبناه إلى ملك جاره فإن هذا يعتبر تعدياً على ملك جاره. والتعدي يمنع باتفاق المذاهب، وبالنسبة للتعسف فالسؤال هو: ما هي حدود التعسف في المسائل العمرانية مثلاً؟
كما هو معروف فإن فكرة الحق تختلف من مذهب فكري إلى آخر وتستمد حقوقها من عقيدة ذلك المذهب. ففي المذهب الفردي كالرأسمالية والتحررية (الليبرالية) تعتبر حقوق الفرد هي الأساس باعتباره إنساناً له حقوق مطلقة سابقة للجماعة. وبذلك فإن هذه الحقوق هي أساس القانون وعلى القانون حماية هذه الحقوق وتمكين الناس من التمتع بها. فالجماعة مسخرة لخدمة الفرد لأن الفرد محور القانون وغايته، مع التركيز على التساوي في الحقوق بين الأفراد. فحرية الفرد عنصر أساس في هذا المبدأ، ولذلك لا تتدخل الدولة في نشاطات الأفراد إلا بالقدر الذي يمنع التعارض بين الأفراد لتمكين المجتمع من التقدم، حيث أن الافتراض المهيمن هو أن الصالح العام ليس إلا حصيلة لمجموع المصالح الفردية، فمتى تمت حماية مصالح الفرد تحققت مصالح المجتمع. هذا نظريا، أما في الواقع العملي فإن الإشكالية هي في تحديد الصالح العام من الذي يحدد الصالح العام وينفذه؟ لذلك فهناك سلطات تشريعية وسلطات تنفيذية. وجميع أفراد هذه السلطات ما هم إلا انعكاس لتحزبات الأفراد والجماعات الذين تجمعهم المصالح. ثم بعد ذلك تأتي مسألة تفصيص الحقوق بناءً على تحديد الصالح العام. وهذا التفصيص يفاضل بين الناس فيعطي حقوقاً ويمنع أخرى. فإن وصل بالانتخابات لمنصب عمدة المدينة من رأى أن الصالح العام هو في الموافقة على توسيع مطار قائم، فإن الحقوق ستتغير على كل من ملك عقاراً بالقرب من المطار. فمنهم من قد يستفيد بنزع ملكية أرضه، ومنهم من لا يريد ترك أرضه ويجبر على ذلك، ومنهم من يزداد الضجيج عليه. وهكذا تتغير الحقوق. أي برغم الادعاء بأن الحق في المذاهب الفردية صفة مميزة لإرادة الإنسان ومظهر لحريته، وأن الأصل فيه الإطلاق، وأن القانون بني لحمايته، نجد أن القانون دائم التغير بناءً على الأهواء التي تحركها مصالح من وصل إلى السلطة، أي أن هناك خاسراً ورابحاً على الدوام.
وعلى النقيض من هذا، فإن المذاهب التي تنادي بالتضامن الاجتماعي كالشيوعية والاشتراكية تنبثق من فكرة أن الإنسان لا يعيش إلا في وسط اجتماعي متضامن مع أفراد مجتمعه، ولذلك فالمجتمع هو الأساس؛ ولابد من قواعد تنظيمية لسلوك الأفراد فيه، وبالتالي لا وجود للحريات المطلقة للفرد ؛ وأن التضامن الاجتماعي ومصلحة الجماعة هي أساس القانون، والفرد إذا مسخر لذلك الهدف. لهذا فإن هذه المذاهب توسع من دائرة اختصاصات الدولة في الإشراف على المسائل الفردية والاجتماعية. فالدولة تضع الأهداف وترسم الطريق لبلوغ تلك الأهداف، وبذلك يصبح الفرد عاملاً لأنه مجرد عنصر تكوين مسخر لخدمة الجماعة.١١٢ فالحق في نظر المذاهب الاجتماعية أنه «منحة من الجماعة وللجماعة ، وهو وظيفة اجتماعية تنظمها الدولة التي تنوب عن المجتمع على ضوء من مصلحة الجماعة». وبهذا يفقد الفرد معظم الحقوق وتذهب جميع الصلاحيات لمؤسسات الدولة. والمؤسسات مكونة من أفراد، وبهذا يستحوذ هؤلاء الأفراد على الحقوق على أرض الواقع. فكل من هو مقرب من الحزب الحاكم تجده استأثر بالخيرات لنفسه وبهذا يفقد عموم السكان الهمة للعمل والإنتاج ويضعف المجتمع ويختل. وهذا ما حدث في الدول الشيوعية والاشتراكية ومن سار على نهجهم كالبعثيين.
هو
أما الشريعة الإسلامية فتنظر إلى الحق نظرة مختلفة، فهي تقسمه إلى قسمين (كما يقول د. الدريني)، الأول هو حق الفرد، ويشمل جميع الحقوق التي تتعلق بها مصالح الأفراد ؛ والثاني هو حق الله، وهو حق المجتمع مما


١٢٤ 🗏
يتعلق بالصالح العام، وأضيف إليه تعالى نظراً لخطره وعميم نفعه، فلا يسقط بالإسقاط وليس لأحد فيه خيرة». وقد رتب د. الدريني على هذا الأصل نتائج منها: «أنه تعالى منح الحق لحكمة هي. مصلحة قصد الشارع تحقيقها بشرعية الحق، وإلا كان المنح لغير غاية، وهو عبث ، والله تعالى منزه عن العبث». وأن يكون استعمال الحق موافقاً لقصد الله في التشريع، وإلا كان مناقضاً للشرع ومناقضة الشرع ،باطلة، فالتصرف الذي يتعسف فيه ذو الحق عن غايته ويناقض به الشرع باطل. وأن الفرد كالجماعة كلاهما يختص بحقه. أي أن الأصل في الحق التقييد، لأن الحق منحة من الشارع فهي مقيدة بما يقيده الشارع ابتداءً؛ وأن الحق ليس غاية في ذاته، بل وسيلة إلى مصلحة شُرع الحق من أجلها.١١٣
إن ما شرحته سابقاً هو ما قال به بعض الفقهاء المتأخرين وقبله الكثير من أن الأصل في الحق التقييد. وكما سنرى بإذن الله فإن الأصل في الحق ليس التقييد وليس الإطلاق، فحقوق الآدميين إما حق وإما باطل كما استنتجنا عند تعريف الحق سابقاً. فمن الملاحظ على الآيات القرآنية التي تحوي لفظ الحق أنها تشير لهذه المسألة. تدبر قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. فالحق من الله سبحانه وتعالى قصه وفصله لنا ولا يحتمل التغيير بأن يكون أصله التقييد ثم يطلقه البشر بعقولهم، أو العكس، كأن يكون أصله الإطلاق ثم يقيّدونه. فلعظم شأن الحقوق بين الناس، فقد أتتنا مفصلة. تدبر أيضاً قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِى وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾. فالحقوق، إذاً، ولعظم أمرها مسألة قامت الشريعة بقصها بدقة من خلال مبادئ لا تحتمل التغيير بالاجتهاد فهي واضحة ولها سمات مميزة (كما سنرى بإذن الله). أي أن الشريعة لا تتغير بتغير الزمان والمكان (وهذه ميزة كما سنوضح بإذن الله). إلا أن ما شرح سابقاً من تقييد الحق استخدم كمنطلق شرعي أدى في النهاية إلى الخروج عن أصول في الشريعة، لأن العقل البشري بدأ يرجح بين المصالح حتى تلك التي أتى بها نص، فكيف تم هذا؟
في ظل هذا المنظور المفعم بتقييد الحق لأن الفقهاء اعتقدوا أنه بإمكانهم إدراك حدود الضرر بعقلهم القاصر)، أتى «الربط بين الحق ومقاصد الشريعة الخلقية كالبر والإحسان والرحمة والأخوة والإيثار والتعاون والعفو من جهة، وبين الحق وروح الشريعة كالعدل والمصلحة والقصد من جهة أخرى. فمن قول الإمام الشاطبي مثلاً: «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع»، ذهب بعض الفقهاء المعاصرين (وهم قلة والحمد الله إلى الربط الذي أدى إلى اللجوء إلى بعض أصول الفقه لاستنباط الأحكام دون غيرها، كاللجوء إلى الاستحسان والضرورة وسد الذرائع، ومن ثم الأخذ بها وترك القياس. وذلك لأن الفقهاء، وكما
يقول الدريني
«أدركوا بثاقب نظرهم وما أوتوا من ملكة فقهية، أن الجري وراء ظواهر النصوص، أو العمل
التعسف
في
بمقتضى القياس يؤدي – في بعض الوقائع - إلى ما يناقض مقصد الشارع، وهذا هو التشريع (أي الاجتهاد التشريعي) لأن الحكم في الظاهر يستند إلى ظاهر من نص أو إلى قاعدة
عامة، ولكنه في الوقت نفسه يناقض روح الشريعة ومقاصدها».
١١٤
فبالنسبة لمقصوصة الحقوق من هنا بدأت الكارثة المعاصرة. إن مجرد التفكير بأن «الجري وراء ظواهر


۲ قصور العقل
١٢٥
كما سترى
النصوص» أو العمل بمقتضى القياس سيؤدي إلى ما يناقض مقصد الشرع وأنه تعسف تشريعي لهو استخدام للعقل البشري القاصر في تغيير الأحكام. ١١٥ فقد وافق بعض العلماء، وبحسن نية منهم، على منع إحياء الأرض إلا بإذن الإمام لأنهم أقنعوا بأن الإحياء دون إذن الإمام سيؤدي إلى عشوائية عمرانية (وهذا بالطبع غير صحيح بإذن الله). فبرغم وجود نصوص تجيز الإحياء دون إذن الإمام وأخذ ثلاثة من الأئمة بذلك (ماعدا الإمام أبو حنيفة)، إلا أن الإحياء منع بناءً على هذه الأصول. وبهذا أدت هذه الأصول الاستحسان والضرورة وسد الذرائع) إلى أحكام لا تتفق مع القياس، أو حتى تخالف نصوص الشريعة (كما سأوضح بإذن الله). ١١٦
117
ولعل كتاب «الموافقات» للإمام الشاطبي رحمه الله هو من أهم المراجع التي أخذ بها العلماء في الربط بين الحق ومقاصد الشريعة. فيقول الإمام الشاطبي مثلاً: «لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد، كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع منها، كما تبين فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية، فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً، والمصلحة مخالفة، فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها؛ وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع، فليس على وضع المشروعات». ويلخص الدريني تأثير هذا الربط بين الحق ومقاصد الشريعة وروحها، أو بعبارة أخرى، تأثير شرع الأحكام لمصالح العباد على إقامة التوازن بين الحقوق الفردية المتعارضة وبين الحق الفردي وحق الجماعة فيقول:
۱۱۷
«ويترتب على هذا النظر المستمد من طبيعة الحق، أن الإخلال بهذا التوازن بين المصالح الخاصة المتعارضة غير مشروع، ولا يشرع بالتالي ما يؤدي إليه، وهو الفعل، فإذا أفضى استعمال حق فردي إلى إلحاق مضرة راجحة، كان في هذا مناقضة لمقصد الشارع؛ لأنه لم يشرع الحق ليكون مصدراً لمفاسد راجحة؛ بل شرع للمصالح الراجحة، ويتناقض بالتالي مع الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد، ولو كان الفعل في الأصل مستنداً إلى حق، وهذا الحكم ينطبق على تعارض حق الفرد مع حق الجماعة من باب أولى؛ إذ من البدهي أن استعمال الحق الفردي إذا أفضى إلى الإضرار بمصلحة الجماعة كان ممنوعاً ، لأن اختلال التوازن هنا يكون أظهر، ولأن المفسدة اللاحقة بالجماعة فاحشة لا تتناسب مع ا المنفعة التي يجنيها صاحب الحق الشخصي».
۱۱۸
أخي القارئ: إذا قرأت ما كتبه د. الدريني ستلحظ ثغرات يدخل فيها العقل البشري على حساب الشرع في وضع الأحكام. فهو بناءً على الأصل العام بجلب المصالح ودرء المفاسد رجح حق الجماعة، وهكذا منع الفرد من استعمال حقه، وبهذا تغيرت مقصوصة الحقوق. ولكن كما قلنا: لأن العقول البشرية لن تتمكن من معرفة الأصلح للمجتمع فهي لن تتمكن من الترجيح بين المصالح لأنها لن تدرك ماهية المصالح كما وضحنا في مثال باني الرحى. فقد يكون تراكم حقوق الأفراد أرجح من حق الجماعة وهذا لن يدرك إلا بعد عشرات السنين، وهذا ما حاولت تبیانه مراراً وتكراراً في كتاب «عمارة الأرض». ولابد من التنويه هنا على أن ما يراه الدريني من خلل في المجتمعات والتي تتطلب ترجيح الحاكم لمصلحة الجماعة على الفرد لأن المصالح ستتضارب، لن يحدث إن طبقت الشريعة لأن أحكامه سبحانه وتعالى ستفصل بين الناس، فلن تظهر الحاجة للترجيح بين المصالح كما سيأتي بإذن الله، فهو الحق خير الفاصلين كما قال تعالى في آية قص الحق: إِنِ ﴿الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْصُ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾. فما معنى خير الفاصلين هنا؟ إنها تعني كما سيتضح في الفصول القادمة بإذنه تعالى أن للجميع الحق في التصرف دون حدوث


١٢٦ 🗏
صدامات بين المتصرفين في حقوقهم لأنهم مفصولين في مسارات لا تسحبهم للتصادم، بل تتآزر حقوقهم ليظهر الصالح العام. كما أن هناك ضوابط وضعتها الشريعة لكل متصرف وعليه أن يتعامل معها. فإحياء الأرض مثلاً لا يكون إلا باحترام حريم الأراضي الأخرى المحياة والذي كان معلوماً للجميع لدرجة أنه كان عرفاً (كما تم توضيحة في كتاب «عمارة الأرض»)، وبهذا لن يصطدم الأفراد فيما بينهم حقوقياً. أي أن استنباطات الدريني التي تتطلب تقييد حقوق الأفراد وتدخل السلطات نابعة من رصده لوضع لم تطبق فيه الشريعة.
وبالطبع لن ينجو الاقتصاد من التغيير في الحقوق. فالدول الإسلامية الحالية لا تحكم بما شرع الله في اقتصادها. وهل الاقتصاد إلا حقوق مالية؟ ومن ملك المال ملك السلطة، ومن ملك السلطة غيّر الأحداث لمصالحه. فعندما تعطي الدول حقوق امتياز التنقيب عن الثروات لشركات لتأخذ هي الدخل، فإنها ستنفق الأموال كما تراه. غير أن ما تراه ملائماً قد يكون في خدمة مصالحها أولاً. فقليل من العلماء الذين يعتقدون أن تركيب الدول المعاصرة غير إسلامي. فهم يعتقدون بفساد الدول، ولكنهم لا يعتقدون بعدم إسلاميتها في تركيبتها. لذلك ظهرت عدة محاولات لأسلمة الأنظمة المالية في الدول المعاصرة. وهي كثيرة سنأتي على بعضها لاحقاً بإذن الله، وسأقتصر هنا على عمل باحثين فقط. فالاقتصادي شابرا، على الرغم من المجهود الذي وضع في كتابه، إلا أن مأخذي عليه هو أنه حاول تلبيس القواعد الفقهية على أولويات الدولة في الاقتصاد. فبناءً على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، اقترح أن تحظى مشروعات البنى التحتية بالأولوية في التنفيذ من قبل الدولة لتساعد النمو الاقتصادي ولتوجد فرص العمل. كما اقترح أيضاً ضرورة زيادة قدرة الفقراء على زيادة الكسب وذلك بتعليمهم وتدريبهم. وبناءً على قاعدة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، يرى أن هذا المبدأ يقتضي إعطاء الأولوية للمشروعات التي من شأنها أن تساعد على إزالة الصعوبات والمعاناة الناجمة، على سبيل المثال، عن الأوضاع السائدة من سوء التغذية، والأمية، وعدم توفر المساكن والأوبئة وعدم وجود المرافق الطبية ..». ولعلك تتعاطف أخي مع ما يطرحه هذا الاقتصادي المعروف (الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية في الاقتصاد الإسلامي)، ولكن ما يدعو إليه سيعطي الدولة الحق في الإنفاق باستخدام هذه القواعد. وحتى تنفق الدولة الأموال لابد لها من جنيها. لذلك ستضع الضرائب أو تستأثر بالموارد كالمعادن لنفسها وبزيادة المال ستزداد حقوقها على حساب حقوق الناس، وهكذا تتغير مقصوصة الحقوق.
ومن القواعد المستنبطة من حديث الضرر أيضاً القاعدة التي تنص على أن «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، ومن هذه القاعدة الفقهية استنبط شابرا ضرورة توجيه استثمار الدولة نحو سكان الريف لأنهم أكثر عددا، وذلك للحد من هجرة سكان الأرياف للمدن. وبهذا يمكن للمجتمعات المسلمة أن تتلافي المشكلات الاجتماعية الناجمة عن اكتظاظ المدن. لذلك فهو يرى أولوية توفير التعليم في الأرياف للحد من الهجرة. وبهذه التصورات فإن شابرا رمى هذه المهام اقتصادياً على الدولة، إلا أنه في إطار مؤسلم. وبالطبع، فإن هذا حل أفضل من الواقع المر، إلا أنه ليس الأمثل، فالأمثل ما أتت هو به الشريعة. لأنه إن طبقت الشريعة فسيأتي التمكين للسكان في كل مكان. كما أن مسؤولي الدولة، حتى وإن توجهت أولوياتهم نحو الريف، فإنهم هم أصحاب القرارات والتي قد تُوَجّه بعد المرور على مصالح المسؤولين في الدولة. وهذا وضع تجذه الشريعة من أصوله، كما سترى بإذن


۲ قصور العقل
۱۲۷
لقد وجدت الدول الإسلامية من بعض الفقهاء ما يعينها على فرض الضرائب على السكان (كما سيأتي في فصل: المكوس بإذن الله. فقد استند شابرا مثلاً على آراء بعض الفقهاء مثل المرغيناني ويوسف القرضاوي ودعا إلى ضرورة إيجاد نظام ضريبي عادل لتتمكن الدولة من القيام بمهامها. فهو يقول بأن آراء الفقهاء الذين أجازوا الضرائب، برغم التسميات المختلفة التي تستمد من الشريعة كالعفو والخراج، لا تكون عادلة إلا إن استوفت بعض المعايير مثل أن تكون الضرائب لتمويل ما هو ضروري لمصلحة تحقق مقاصد الشرع، وأن لا تكون الضريبة فوق طاقة الناس، وأن توزع بين القادرين منهم. وهنا يأتي سؤال: أليست هذه المعايير هي ما تدعيه الدول؟ ونظراً لتغير الظروف الحالية كما يقول شابرا فمن الضرورة إذاً إعادة النظر في النظام الضريبي في الإسلام ليلائم احتياجات العصر. وقد برر د. الحصري الحاجة للضرائب من باب أننا أدرى الناس بشؤون دنيانا» واستنتج قائلاً: «فلا يكون من المخالفة للشريعة أو الأحاديث فيها أن تسن اليوم قوانين تفرض على أهل اليسار والقدرة ضرائب فوق ما هو مقرر في الكتاب أو السنة من الزكاة والعشر، فإن نصوص الشريعة ليس فيها ما يمنع من ذلك». أخي القارئ، أختي القارئة: أليس في هذا خروج على الشرع؟ فما ذنب من كافح وفتح الله عليه ؟ " وقد لا يلام الحصري لأنه يرى ثراءً فاحشاً لدى البعض. وهذا وضع لم ينتج إلا لأننا لم نطبق الشريعة أصلاً. فكان الخلل بالفارق المهول بين الأثرياء والفقراء. ولا يعالج الخلل بخلل آخر يعمق خلل النظام الاقتصادي الحاكم ليستمر الضلال، ولكل بجده من جذوره، أي بالعودة للشريعة. هكذا وضع الباحثون في حيرة، فأرادوا تصوير الإسلام على أنه صالح لكل زمان، فأوجدوا المبررات. فيقول شابرا مثلاً بأن على السكان أن يدركوا أن ما يدفعونه من ضرائب هو لهم أولاً وأخيراً مقابل ما يحصلون عليه من خدمات. ونظراً لصعوبة الحصول على الضرائب ممن يتمتعون بالخدمات مباشرة، كأن يؤخذ من كل ساكن قدر استخدام سيارته للطريق، فلا مفر من الضرائب . ۱۲۰ والسؤال هو: أليس هذا الذي يحدث في الغرب؟ وأن هذه الضرائب عندما تتجمع في أيدي المسؤولين ستصبح أداة للسيطرة! وهكذا، وباستخدام العقل تم الخروج عن الشريعة. وكما سنرى بإذن الله فإن جميع هذه المرافق المدنية ستكون ذاتية التشييد وذاتية الصيانة إن تم تطبيق الشريعة ودون الحاجة للضرائب وبطريقة أكفأ. ولعل السؤال البدهي هو: من هم الذين سيقررون الأولويات، أليسوا المسؤولين في الدولة؟ وفي هذا خروج على الشريعة لأن القرار أصبح في أيدي المسؤولين الذين يخططون كما يرون أو يهوون؛ وبهذا تتغير مقصوصة الحقوق. أدرك أخي القارئ بأن في رأسك ألف سؤال وسؤال ترفض فيه نقدي لما ذهب إليه المعاصرون لأنهم يجاهدون ويجتهدون لأسلمة الوضع المعاصر. ولكن كل ما أطلبه منك هو الانتظار. فلن تكتمل الصورة في ذهنك إلا بعد قراءة الفصول القادمة. فعلى سبيل المثال: إن دعوة شابرا للاستثمار في التعليم في الأرياف لإيقاف الهجرة ما هو إلا علاج لمرض نشأ بسبب الخروج عن الشريعة. أي وكأننا نحاول علاج مرض الإيدز ليزداد اللواط والعياذ بالله. فلم تظهر الأرياف متخلفة إلا لأن هناك مدناً تبتلع أموال الأمة لأن الحكام منعوا الناس من الضرب في الأرض والوصول للخيرات، فهل يستطيع فرد إيجاد منجم ذهب إلا بتصاريح، وهكذا وبتكدس الأموال لدى الدولة كان الازدحام في المدن لأنها هي التي يتم الاستثمار فيها، كما أن معظم الوظائف بها. فكانت المدن نقاط جذب لأهل القرى، وكان هذا على مر التاريخ مثل دمشق الأمويين وبغداد العباسيين وقاهرة الفاطميين وما يدعو إليه شابرا هو علاج لأعراض الانحراف، وليس علاجاً للانحراف ذاته، كما سيتضح بإذنه تعالى.


۱۲۸ 🗏

الاستحسان أم القياس

۱۲۲
باختصار، فإن اللجوء إلى القواعد المنبثقة من الضرر، بالإضافة إلى دعم هذه القواعد بأصول أخرى كالاستحسان وسد الذرائع أدى إلى تخلي بعض العلماء عن القياس وعن بعض النصوص. لنضرب لذلك مثلاً بالاستحسان فالاستحسان هو «طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام، وقيل الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة، وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة، وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل في الدين. قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ .١٢٢ ومن المذهب المالكي يقول ابن رشد في الاستحسان: «الاستحسان الذي يكثر استعماله، حتى يكون أعم من القياس، هو أن يكون طرحاً للقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع». ومن المذهب الحنفي يقول أبو الحسن الكرخي (ت ٣٤٠) في الاستحسان: «هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول». وبهذا كما ترى فقد ترك بعض الفقهاء القياس في بعض المسائل ولجؤا إلى الاستحسان الذي سنده المصلحة والعدل فمن تعاريف الاستحسان ما قاله السرخسي (ت ٤٨٣): «الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس». وعرفه ابن العربي (ت (٥٤٣ فقال: «الاستحسان إيثار ترك الدليل والترخيص بمخالفته، لمعارضة دليل آخر في بعض مقتضياته. وقسمه إلى أربعة أقسام: وهي ترك الدليل للعرف، وتركه للإجماع، وتركه للمصلحة، وتركه للتيسير ودفع المشقة». فبمقتضى القياس مثلاً يحق للمالك مطلق التصرف فيما هو حقه فيقول السرخسي (حنفي (المذهب) مثلاً في ساحة أصابها أحد الشريكين في القسمة وأراد أن يبني فيها أو يرفع البناء وأراد الآخر منعه وقال: إنك تسد علي الريح والشمس، يقول السرخسي فيه: «فله أن يرفع بناء ما بدا له، لأن الساحة ملكه، والساحة حق خالص له، وللإنسان أن يتصرف في ملك نفسه ما يبدو له، وليس للجار أن يمنعه من ذلك، وله أن يتخذ فيها حماماً أو تنوراً لأنه يتصرف في خالص ملكه». إلا أن متأخري الحنفية عدلوا عن مقتضى القياس إلى الأخذ بالاستحسان وقيدوا حق المالك. فقد ذكر الرازي في كتاب الاستحسان: «لو أراد أن يبني في داره تنوراً للخبز الدائم كما يكون في الدكاكين أو رحى للطحن أو مدقات للقصارين لم يجز لأنه يضر بجيرانه ضرراً فاحشاً لا يمكن التحرز منه». ولعلك تتعجب وتسأل أخي القارئ: ولكن قد يضر الناس

هامش

غ
ض
ظ
ذ) مثال آخر هو قاعدة الذرائع والذي يعتبر توثيقاً لمبدأ المصلحة (ظ) وجاء في الزيلعي: «والقياس أنه يجوز للمالك أن يتصرف في والعدل وقد توسع فيه المالكية. وأحد تعاريفها هو أنها كل مباح ملكه كيف شاء، ولو تضرر من ذلك جاره ضرراً بينـاً، ولكن «ترك تذرع به إلى مفسدة كحفر بئر خلف الباب في الظلام بحيث يقع ذلك استحساناً لأجل المصلحة » » ؛ ويقول ابن عابدين في أمر صاحب الداخل فيه. والذريعة في ا اللغة الوسيلة إلى الشيء مطلقا، السفل في بناءه: «حيث قال كما في جامع الفصولين، والحاصل أن واصطلاحاً هي الوسيلة إلى المفسدة. ويقول الشاطبي عنها بأنها أمر القياس في جنس هذه المسائل أن من تصرف في خالص ملكه لا يمنع غير ممنوع لنفسه ويخاف من ارتكابه الوقوع في الممنوع. وسد الذرائع منه ولو أضر بغيره ولكن ترك القياس في محل يضر بغيره ضرراً بينا،
هو
هي
هو منع المباحات التي يتذرع بها إلى مفاسد ومحظورات. مثال ثالث وقيل بالمنع وبه أخذ كثير من مشايخنا وعليه الفتوى» (١٢٤) . قاعدة الحيل. وهي تقديم عمل جائز في ظاهره لإبطال حكم غـ يقول ابن عابدين شارحاً هذه المسألة: «ويظهر من كلام الشارح شرعي كالواهب ماله عند رأس الحول فراراً من الزكاة (۱۲۱). الميل إلى ما مشى عليه المصنف في متنه لأنه أوفق بدفع الضرر البين ض) وقال الإمام العز بن عبد السلام: «وقد قدمنا نظائر كثيرة لما عن الجار المأمور بإكرامه، ولذا كان هو ا الاستحسان الذي مشى عليه خالف القواعد والأقيسة لما فيه من جلب المصالح العامة والخاصة مشايخ المذهب المتأخرين (صحح إلى المتأخرون) وصرحوا بأن والشريعة كلها مصالح من رب الأرباب لعباده». وكان الإمام مالك الفتوى عليه والحاصل أنهما قولان معتمدان يترجح أحدهما بما رضي الله عنه يقول بأن: «الاستحسان تسعة أعشار العلم»؛ وكان ذكرنا، والآخر بكونه أصل المذهب» (١٢٥). يقول أيضاً: «إن المغرق في القياس يكاد يفارق السنة» (١٢٣).

--- 128 بعضهم بعضاً؟ فأجيب: هذا لن يحدث، لأن من يضر بغيره يعلم جيداً أنه قد ينال نفس الضرر من جاره. وهذا واضح من تركيب المدينة الإسلامية فكما هو معلوم فإن مباني كل مدينة إسلامية متشابهة فيما بينها، ذلك لأن السكان استخدموا الأعراف التي تبلورت عبر مئات السنين للوصول لأفضل عمران يلائم ظروفهم التقنية والاقتصادية والاجتماعية. وهذه الأعراف لن تتبلور إلا إن كانت الحقوق مقصوصة كما أرادتها الشريعة كما سترى بإذن الله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نوازل الضرر هذه كانت تُحل معظمها في الموقع بين الجيران أنفسهم دون تدخل خارجي من السلطات، وما حدث هذا إلا لأن حديث الضرر يضع حق السلطة في الاعتراض أو السماح للضرر بالمضي أو الإيقاف في أيدي السكان المتضررين. لذلك، فإن كان القرار بأيدي السكان، فإن كل إنسان يقدر جاره ويحترمه ويسعى لإرضائه لأنه يعلم أن جاره هو الذي بيده الاحتجاج إن ثبت الضرر بناءً على حديث الضرر والضرار. وحديث الضرر الذي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم نص لا يمكن إغفاله. ولعل الأهم مسألة الضرر بين السكان هي حكمة الشريعة بوضع القرارات المتصلة بالضرر بأيدي السكان وليس بأيدي سلطة خارجية. وأهمية هذا المبدأ كما سترى بإذن هو في أن انتقال الحقوق من يد من هم في الموقع لمن هم خارج الموقع سيؤدي إلى تركيبة اجتماعية هرمية في تسلطها فيصبح المسؤولون هم الأهم في المجتمع، فيظهر الاستعباد، وهذا ما لا تريده الشريعة لأن له آفات مدمرة تؤدي للتخلف كما سترى بإذنه تعالى. ولكن هذا لا يعني أن السلطة في الدولة الإسلامية ليس لها الحق في التدخل بين الجيران إن حدث خلاف. فللسلطة حق في التدخل فقط إن طلب أحد السكان ذلك تظلماً. وشتان بين هذا الوضع وبين تدخل الدولة بدعوى دفع الضرر قبل وقوعه بأنظمة تغير مقصوصة الحقوق كيفما شاءت. وهذا ما حاولت توضيحه في كتاب «عمارة الأرض».
من
الله
يرحمه
الله،
ومنهم من رفضه تماماً
ولكل هذا فإن هناك من الفقهاء من تحفظ على الاستحسان كابن تيمية . كابن حزم رحمه الله ، ١٣٦ ومنهم من أنكره كالشافعي أثابه الله. فيقول ابن الحاجب المالكي: «قال الشافعي من استحسن فقد شرع، يعني من أثبت حكماً بأنه مستحسن عنده من غير دليل من قبل الشارع فهو الشارع لذلك الحكم لأنه لم يأخذ من الشارع، وهو كفر أو كبيرة ...». ۱۳ فللشافعي رضي الله عنه سنة من الأدلة | الأدلة التي تقنعك بترك الاستحسان والمصالح المرسلة. فيقول:
۱۲۷
«الأول: أن الشريعة نص وحمل على نص بالقياس، وما الاستحسان؟ أهو منهما أم غيرهما؟ فإن كان منهما فلا حاجة إلى ذكره. وإن كان خارجاً عنهما فمعنى ذلك أن الله تعالى ترك أمراً من أمور الناس من غير حكم وذلك يناقض قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ .۱۲۸ فالاستحسان الذي لا يكون قياساً ولا إعمالاً لنص يناقض تلك الآية الكريمة. الثاني: أن الآيات الكثيرة تأمر بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول، وتنهى عن اتباع الهوى، وتأمرنا عند التنازع أن نرجع إلى كتاب الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر﴾ . والاستحسان ليس كتاباً ولا سنة ولا رداً للكتاب والسنة، إنما أمر غير ذلك، فهو تزيد عليهما، فلا يقبل إلا بدليل منهما على قبوله، ولا دليل عليه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفتي باستحسانه وهو الذي كان ما ينطق عن الهوى، فقد سئل عن الرجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فلم يفت باستحسانه، بل انتظر حتى نزلت آية الظهار وكفارته. وسئل عمن يجد مع امرأته رجلاً ويتهمها فانتظر حتى نزلت آية اللعان ... ولو كان لأحد أن يفتي بذوقه الفقهي أو باستحسانه لكان سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. فامتناعه عنه : يوجب علينا أن
۱۲۹


۱۳۰ 🗏
نمتنع عن الاستحسان من غير اعتماده على نص، ولنا في رسول الله تعالى أسوة حسنة. الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استنكر على الصحابة الذين غابوا عنه وأفتوا باستحسانهم. فقد أنكر على بعض الصحابة أنهم أحرقوا مشركاً لاذ بشجرة ... ولو كان الاستحسان جائزاً ما استنكر عملهم. الدليل الخامس: أن الاستحسان لا ضابط له، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل كالقياس، فلو جاز لكل حاكم أو مفت أو مجتهد أن يستحسن من غير ضابط لكان الأمر فرطاً، ولاختلفت الأحكام في النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت، ... الدليل السادس: أنه لو كان الاستحسان جائزاً من المجتهد، وهو لا يعتمد على نص ولا حمل على النص بل يعتمد على العقل وحده،
لكان يجوز الاستحسان ممن ليس عنده علم الكتاب والسنة، لأن العقل مـتـوافـر عنـد غير العلماء بالكتاب والسنة، بل ربما كان منهم من له عقل يفوق عقول هؤلاء ...».
۱۳۰
رحم الله الإمام الشافعي. ولعلك لاحظت أنني لم أحاول التطرق لما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله حتى لا بالظاهرية برغم قوة حجته وطرحه في التمسك بالنص أحياناً ب٢ أي أن ما تم طرحه هنا ليس فكراً جديداً في جوهره (كما رأينا في قول الشافعي رحمه الله). ولكن ما أحاول لفت النظر إليه هو أن تراكمات الاقتصاد والتنمية والعمران لا يمكن أن تستوعبها عقول البشر. لذلك وجب علينا أن نتأنى في استخدام عقولنا في إصدار الأحكام وأن نأخذ بالقياس فقط. وأشدد هنا على أنني لا أعمم طرح هذا الكتاب على أحكام العبادات ونحوها مما لا يمس حقوق الآدميين. فتلك مسائل لم أتقصاها وليس لي علم بها. لذلك استخدمت مبدأ الضرر كمثال عمراني لحقوق الآدميين لأبين كيف أن هذا المبدأ الذي وضع القرارات بأيدي السكان قد انقلب وأصبح باستخدام عقول القلة من الفقهاء المعاصرين جسراً عبر به أولو الأمر من خلال القواعد المستنبطة من حديث الضرر إلى تغيير مقصوصة الحقوق التي وضعها الإسلام. وهكذا بتقدير المصلحة باستخدام العقول البشرية القاصرة وبالأخذ بالاستحسان وسد الذرائع والضرورة ونحوها من وسائل تم ترك القياس، فتغيرت مقصوصة الحقوق. فظهرت أنظمة البلديات التي تمنع الناس من أفعال أباحتها لهم الشريعة وأقطعت الأراضي لمن لا يستحقونها، ولعل الأهم هو منع الناس من استخراج ثروات أوطانهم وترك ذلك حصراً للسلطات، فتركزت الثروات في أيدي بعض الطوائف، وتفاضل الناس في معاشهم واستعبد أفراد المجتمع إخوتهم، وهكذا ظهر الاستبداد وتمكنت الدول من تكميم أفواه العلماء وخَفَتَ الحق وتخلف المجتمع. وللخروج من هذا التخلف تم تبني برامج تنموية ذات منظومات لحقوق غربية (كما سنرى في فصل: «الفصل والوصل» بإذن الله أدت بالأمم المسلمة إلى البطالة والغرق في الديون، وهكذا تدهور الحال.

هامش

ب٢) يقول ابن حزم راداً على من أخذوا بالعقل: «وما نعلم في الأرض عيب نفسه مراد لعمري ما أراد قريب» (۱۳۱). بدع السوفسطائية أشد إبطالاً لأحكام العقول من أصحاب القياس، (جـ۲ نظراً لأن بعض الفقهاء لم يركزوا على الأسبقية في الإحياء فقد فإنهم يدعون على العقل ما لا يعرفه العقل من أن الشيء إذا حرم في تغبشت الصورة عليهم وأخذ بعضهم بحديث سمرة بن جندب، فقد الشريعة وجب أن يحرم من أجله شيء آخر ليس من نوعه، ولا نص استشهد الدريني بقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم على سمرة بن الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم على تحريمه، وهذا ما لا جندب لتقييد حق الملكية. ففي سنن أبي دواد : «عن سمرة بن جندب يعرفه العقل ولا أوجب العقل قط تحريم شيء ولا إيجابه إلا بعد ورود أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع النص، ولا خلاف في شيء من العقول أنه لا فرق بين الكبش الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشقّ عليه، والخنزير. ولولا أن الله حرم هذا وأحل هذا فهم يبطلون حجج فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، فأتى النبي العقول جهاراً ويضادون حكم العقل صراحاً ثم لا يستحبون أن صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك) له، فطلب إليه النبي صلى الله علية يصفوا بذلك خصومهم. فهم كما قال الشاعر : ويأخذ عيب الناس من وسلم أن يب ، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال «فهبه له ولك
يسعه


۲ قصور العقل
ج
۱۳۱
ومن الأمثلة العمرانية على أخذ العلماء بالاستحسان منتهين بأحكام تخالف نصوصاً أو قياساً فرض حق المرور ومجرى ومسيل الماء على أرض الجار، " وفرض الارتفاق على حائط الجار ." ولعل من أشهر الأمثلة على ذلك هو منع الإحياء، ومنع الناس من الوصول للثروات (وهو موضوع الفصل القادم، أي «الخيرات»). أما في الاقتصاد، وهو لب موضوع الفصول الستة القادمة، فقد تنازلت آراء بعض الفقهاء في الصدقات والغنائم والفيء لتذهب أموال المجتمع إلى بيت المال (أو بالأحرى إلى بيت السلطان الذي جند الجند لقمع الناس وليس إلى الناس مما زاد من نفوذ رجالات الدولة على حساب عزة المجتمع، كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى. ولكن الآن سآخذ مثالاً عمرانياً واحداً ببعض التفصيل لترى كيف أن العقل القاصر قلب الموازين من مقصوصة حقوق تؤدي إلى للعزة إلى نظام حقوقي أدى لهضم حقوق العامة من الناس، وهذا المثال هو نزع الملكية:

غرور العقل : نزع الملكية كمثال

أي كلما تقادم الزمن كلما قيد الحق، وكلما أفتى بعض الفقهاء بأحكام قد تنافي النص كما سأوضح الآن. والذي أراه، والله أعلم، هو الابتعاد عن القواعد السابقة المستنبطة من حديث الضرر والأصول المستنبطة من مقاصد الشريعة كالاستحسان وذلك متى ما وجد نص واختلاف ، ١٣٤ وذلك لأن مضاعفات الضرر الاقتصادية والعمرانية تقع خارج حدود العقل البشري. فمثلاً برغم وجود قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه

هامش

كذا وكذا» أمراً رغبه فيه، فأبى، فقال: «أنت مضار»، فقال رسول الله على فعل ذلك. ففي المجموع: ولا يجوز أن يفتح كوة، ولا يسمر صلى الله عليه وسلم للأنصاري: اذهب فاقلع نخله»». وبرغم مسماراً في حائط جاره إلا بإذنه، ولا في الحائط المشترك بينه وبين غيره وضوح الضرر في هذه الحادثة وانتفاء مضاعفاتها إلا أنه صلى الله عليه إلا بإذنه، لأن ذلك يوهي الحائط ويضر به، فلا يجوز من غير إذن وسلم حاول إقناع سمرة؛ وأخيراً، وبعد محاولات عدة أصدر حكمه مالكه، ولا يجوز أن يبني على حائط جاره ولا على الحائط المشترك على تعسف سمرة في استخدام حقه. لذلك فإن استخدام هذه الحادثة شيئا من غير إذن مالكه ولا على السطحين المتلاصقين حاجزاً من غير لتقييد حق المالك وفرض حق الارتفاق عليه أمر يصعب الاستدلال إذن صاحبه لأنه حمل على ملك الغير فلم يجز من غير إذن كالحمل على به، وذلك لأن هذه الحادثة نخلة في حائط موجودة أصلاً والضرر بهيمته ، ولا يجوز أن يجري على سطحه ماء من غير إذنه، فإن صالحه أزيل عن مالك الأرض ، ولا ضرر على مالك النخلة، والأهم هو انتفاء منه على عوض جاز إذا عرف السطح الذي يجري ماؤه لأنه يختلف المضاعفات. وشتان بينها وبين إحداث مجرى في الحائط وإحداث ويتفاوت». ويقول ابن رجب في القاعدة التاسعة والتسعون: «ما ضرر على مالك الأرض، فكما هو واضح من النوازل (انظر الفصلين تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان ولا ضرر في بذله لتيسيره الثاني والخامس من «عمارة الأرض» فإن المالك لابد وأن يتضرر وكثرة وجوده أو المنافع المحتاج اليهـا يجب بذله بغير عوض في مستقبلاً، هذا إذا لم يتضرر في الحال. بالإضافة إلى تعاكس الحالتين الأظهر. ويندرج تحت ذلك مسائل : ... (ومنها) وضع الخشب على (النخلة والمجرى) من حيث حجم الأعيان المسببة للضرر وعمريهما. جدار الجار إذا لم يضر، وكذلك إجراء الماء على أرضه في إحدى فالمجرى سيستمر إلى ما شاء الله، أما النخلة فعمرها معلوم، وقد يفقد الروايتين». وبالنسبة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعن سمرة أو ورثته هذا الحق يوماً ما. كما أن الإمام مالك خالف قضاء أحدكم جاره أن يضع خشباً على جداره» فقد تم شرحه وتوضيحه في عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نازلة الضحاك بإجبار المالك الفصل التاسع من كتاب «عمارة الأرض». إلا أن بعض الفقهاء بالسماح بإجراء الماء مخافة أن يدعي المرتفق ملكية رقبة الأرض. فهو المحدثين نادوا بإلزام الفرد بالسماح لجاره بالارتفاق بحائطه. فهناك يرى عدم الإجبار. وإلى هذا ذهب أحمد في رواية عنه والحنفية. أما الكثير من الأمثلة التي ادعى فيها الجار أو أحد أحفاده ملكية الحائط الشافعية فقد قالوا بوجود حق المرور للضحاك في أرض مسلمة ابتداءً لاشتراكه في استخدامه، فالتنازع في الحائط المشترك مسألة كثر ولم يجيزوا فرض حق الارتفاق على المالك (۱۳۲). ذكرها في كتب الفقه دلالة على انتشارها. وهناك الكثير من الأمثلة د٢) وبالنسبة لفرض الارتفاق على حائط الجار كغرس الخشب في التي قام الجار فيها أو أحد أحفاده بفتح نافذة مرتفعة لإدخال الضوء حائطه. فباستثناء القليل من العلماء كأحمد بن حنبل واسحق وابن لداره من دار مالك الحائط مضراً بذلك مالك الحائط (۱۳۳). حبيب من المالكية وابن حزم ، لم ير أكثر علماء السلف إجبار المالك


۱۳۲ 🗏
الدارقطني وصححه الألباني: لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس)، وفي رواية ... إلا عن طيب نفس منه ، ١٣٥ إلا أن بعض الفقهاء المعاصرين أباحوا نزع الملكية استناداً لما تم شرحه من قواعد وأصول. فقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة نزع الملكيه الفردية للمصلحة العامة. ١٣٦ فبناءً على قاعدة «يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام» أجاز الفقهاء انتزاع ملكية عقار خاص إذا ضاق الطريق على المارة. وكما هو معروف فإن مراكز المدن تزداد حركة المرور إليها بزيادة نشاطاتهاالاقتصادية والإدارية وهذا يتطلب توسعة بعض طرقها بنزع ملكيات بعض الأفراد. فتكون المصلحة العامة في الظاهر في توسعة الطريق. ولكن الواقع قد يكون عكس ذلك على المدى البعيد. لأضرب لذلك مثلاً: هناك شخص يسكن في الغابة وبداره فئران ويريد التخلص منها، فقام بوضع قطع من الخبز من منزله إلى الغابة أملاً منه في أن تأكل الفئران قطع الخبز الواحدة تلو الأخرى ليلاً وتخرج للغابة ولا تعود إليه. ولكن الذي حدث هو أنه عندما استيقظ وجد فئران الغابة في داره! وهذا ما سيحدث بنزع الملكيات، فقد تتضاعف المآسي : فعند توسعة الشوارع بنزع الملكيات ستزداد الحركة إلى قلب المدينة وبهذا سيزداد مركز المدينة أهمية وكثافة سكانية ثم تأتي الحاجة إلى زيادة استيعاب شبكات المياه والمجاري والكهرباء ومن ثم الطرق مرة أخرى وتنزع ملكيات أخرى، وهكذا. أما إذا لم توسع الطرق فإن هذا سيؤدي إلى نوع من الاختناق وإلى الحد من نشاط مركز المدينة إلى المدى الذي يوافق ما تستوعبه من خدمات بناءً على سعة مرافقها، ما سيؤدي إلى ظهور مراكز أخرى في مناطق مجاورة لأن الاقتصاد لن يتوقف، بل سينمو في مناطق مجاورة. هذا بالإضافة إلى فوائد أخرى كتوزيع الثروات بطريقة أشمل بين السكان: فبدل أن يزداد ملاك العقارات في ذلك المركز ثراءً فسيستفيد أناس آخرون في مناطق أخرى وهكذا . والذي أراه والله أعلم ، هـ هو الالتزام بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس). والآن لنفصل المسألة.
۱۳۷
متى يكره مالك العقار على البيع شرعاً؟ قال الفقهاء بأن ذلك يحدث في ثلاث حالات: الأولى في الأخذ بالشفعة، والثانية لقضاء الدين (وهاتان خارج دائرة بحثنا)، والثالثة إن كان في البيع كرهاً، أو في نزع ملكية المالك مصلحة للجماعة والتي نحن بصددها . ١٣٧ لأن نزع ملكية فرد تعكس تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد وذلك باستخدام العقل البشري وترك القياس أو النص، فهل قدمت مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد في العقارات وإلى أي مدى؟ إن معظم فقهاء السلف قالوا بمنع نزع ملكية العقار إذا لم يكن منه ضرر مباشر على العامة كأن يكون آيلاً للسقوط. ولكن إذا ما تعلقت مصلحة الجماعة بنزع الملكية كإكراه مالك عقار ملاصق للمسجد على بيع عقاره لتوسعة المسجد، ورفض المالك ذلك، فهل للسلطة إرغام البائع على البيع لأجل مصلحة الأكثرية؟ بالرجوع إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه لا يمكن لأحد إكراه المالك على البيع. فهذا نص واضح. وهناك حديث آخر رواه مسلم في باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال : كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرض ١٣٨ كما قال صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع فيما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بالناس يوم النحر فقال: «يا أيها الناس، أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟)، قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟. قال ابن عباس رضي الله عنهما : فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي
.
كفارا


۲ قصور العقل
۱۳۳
يضرب بعضكم رقاب بعض». وجاء في مسند الإمام أحمد أنه صلوات ربي وسلامه عليه قال: (من اقتطع مال أمرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو غضبان.
۱۳۹
كما أن الشريعة منحت المالك الحق في الدفاع عن ملكه وحقوقه لدرجة الشهادة. ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قتل دون ماله فهو شهيد. وذكر النووي حديث آخر جاء فيه: "... كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه .... ١٤٠ هذه الأحاديث تمنح المسلم الحق، كل الحق في الدفاع عن عقاره ضد أي كائن، فحديث الشهادة مطلق. فإذا أتت السلطة ومنعت شخصاً من عمل يفيده، كبناء سور على سطحه أو إضافة دور علوي، وأوقفته دون إثبات الضرر على الغير، فله مخالفة تلك السلطة حتى وإن قتل وهو يدافع عن فعله ليفوز بالشهادة. فمذهب الجمهور، وكما يقول الشوكاني: «أنها تجوز مقاتلة من أراد أخذ مال إنسان من غير فرق بين القليل والكثير إذا كان الأخذ بغير حق». ويأتي استنتاجه هذا من الحديث الآتي: «عن أبي هريرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله) قال: أرأيت إن فعلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن فعلته؟ قال: (هو في النار). رواه مسلم وأحمد وفي لفظه: يا رسول الله أرأيت إن عدا على مالي؟ قال: أنشد الله. قال: فإن أبوا علي؟ قال: أنشد الله. قال: فإن أبوا علي؟ قال: (قاتل، فإن قتلت ففي الجنة، وإن قعَلتَ ففي النار) » ١٤١ ومنع الناس من التصرف في أملاكهم كتحويل غرفة في دارهم إلى حانوت أو بناء طابق إضافي في ملكهم هو إنقاص من حقهم، وهذا ظلم، والله أعلم. ١٤٢ إلا إذا ثبت أن عملهم هذا مضر بغيرهم. وشتان بين مالك في بيئة كهذه وآخر في بيئة تقيد المتصرف ابتداءً بكل أنواع الأنظمة. ولكنك قد تقول: إن الأحاديث التي أحتج بها في طرحي لا تعني منع تدخل السلطات في الحقوق ولكن تقصد تدخل الأفراد كالجيران، فالرجل يعد شهيداً إن حاول إنسان آخر أخذ ماله فقتل دفاعاً . حقه. أما إن حاولت السلطات ذلك فإن المسألة مختلفة ! هنا أقول لك الآتي: إن أثبت لك في هذا الكتاب بإذنه تعالى أن الأفضل لعزة الأمة عدم تدخل الدولة وأن التدخل بدعة اجتهادية، وأنه سيؤدي لمذلة الأمة، فعندها لابد وأن تكون منصفاً وتوافقني على أن مثل هذه التدخلات في حقوق الناس هي اعتداء سواءً كانت صادرة من أفراد أو من السلطات. فالحديث واضح ومطلق ولا يستثني السلطات. فلماذا استثنى بعض الفقهاء المعاصرين السلطات بحجة المصلحة
العامة؟ وللتوضيح أكثر أقول:
عن
هل يحق للسلطة شرعاً أخذ جزء من عقار ما للمصلحة العامة كتوسعة مسجد أو طريق؟ لقد وقعت حادثة هامة وذكرت في مصادر كثيرة وبألفاظ مختلفة تؤكد حدوثها، وقد جمعها السمهودي في كتابه «وفاء الوفا». ولأهميتها فسأذكر إحداها بالكامل. فمن هذه الروايات:
«لما كثر المسلمون في عهد عمر رضي الله عنه وضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحُجَرَ أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل، إن مسجد المسلمين قد ضاق . بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما . أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم. فقال العباس: ما كنت لأفعل. قال: فقال له عمر: اختر
حجر


١٣٤ 🗏
مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، وإما أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدّق بها على المسلمين فتوسع في مسجدهم. فقال: لا، ولا
الله
صلى
واحدة منها. فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبي بن كعب. فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة. فقال أبي : إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسـ ن رسول الله عليه وسلم. فقالا: حدثنا. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتاً أذكر فيه، فخط له هذه الخطة خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بزاوية بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياها، فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى إليه: أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتاً أذكر فيه، فأردت أن تُدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك أن لا تبنيه. قال: يا رب فمن ولدي، قال: فمن ولدك. فأخذ عمر بمجامع أبي بن كعب فقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى دخل المسجد، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر . فقال أبي : نشدت الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره، فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال آخر : أنا سمعته، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك. فقال العباس: أما إذ قلت ذلك فإني قـد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا. قال: فخط له عمر داره التي هي اليوم، وبناها من بيت مال المسلمين».
١٤٣
لقد استخدمت هذه الحادثة، والله أعلم كسابقة لدى السلف لحفظ حرمة أملاك الغير حتى وإن كانت التوسعة للمسجد النبوي (وهناك رواية بأن التوسعة كانت للمسجد الحرام)، فما بالك بالأماكن الأخرى! لنذكر مثالين: فقد كان الجانب الشمالي لمسجد البصرة منزوياً لوجود دار نافع بن الحارث. فأبى ولده بيعها. واستمر الحال هكذا حتى ولى معاوية البصرة لعبيد الله بن زياد. فقال عبيد الله لأصحابه: «إذا شخص عبد الله بن نافع إلى أقصى ضيعته فأعلموني ذلك». فلما خرج عبد الله بن نافع إلى أقصى ضيعته بعث الوالي الفعلة فهدموا من تلك الدار ما ساوی به تربیع المسجد. «فقدم ابن نافع فضج إليه من ذلك فأرضاه بأن أعطاه بكل ذراع خمسة أذرع وفتح له في الحائط خوخة (باباً صغيراً) إلى المسجد». هنا في هذا المثال نرى أن الوالي لم يجرؤ على نزع الملكية بحضور المالك. ولكنه احتال عليه وأرضاه وكان للمالك الرفض إن أراد إشارة إلى أن نزع الملكية لم يكن عرفاً قط. والمثال الآخر من الفسطاط: فعندما نزل المسلمون الفسطاط سبق قيسبة بن كلثوم الآخرين ونزل بموضع تم اختياره فيما بعد ليكون موضع الجامع العتيق، أو جامع عمرو بن العاص. ولم يتمكن عندها المسلمون من أخذ ذلك الموضع ليكون مسجدهم إلا طواعية من قيسبة الذي قال: «لقد علمتم يا معاشر المسلمين أني حزت هذا المنزل وملكته وإني أتصدق به على المسلمين ...». . ثم ارتحل ونزل في موضع آخر . ١٤٤ فكما ترى من مثل هذه النوازل فإن أخذ أملاك الناس للمصلحة العامة كان أمراً مرفوضاً إلا في حالات نادرة وبعد إرضاء المالك.
ولكن إن كان الوضع هكذا، فلماذا أفتى الفقهاء المتأخرون بجواز نزع الملكية؟ إنهم لا يلامون لأن المهنيين يدفعونهم لإصدار الفتاوى بنزع الملكيات نظراً لتغير تركيبات المدن الحالية. كما أن السلطات أيضاً تدفع الفقهاء لمثل هذه الفتاوى، وبالذات لأن المسألة ليست واضحة فقهياً، إذ أن الأراضي في السابق لم تكن كأيامنا هذه. كيف؟ أتذكر أخي القارئ عندما طرحت مثال مرض نقص المناعة المعروف بالإيدز وأن الإسلام ليس السبب في ظهوره، وأنه كيف يلام الإسلام لأنه لم يأت بالعلاج؟ هنا أيضاً مثال مشابه. فقد خلق الله الثروات في الأرض


۲ قصور العقل
۱۳۵
عنهم،
ووزعها بطريقة ستوجد مستوطنات بشرية ذات كثافات منخفضة ومتفرقة إن كان للناس الحق في الوصول لتلك الثروات بأنفسهم كما سأوضح في فصلي «الخيرات» و «ابن السبيل»). لهذا لم تكن ثمة حاجة لنزع الملكيات ولم تصدر الفتاوى بذلك. ولكن لأن الناس منعوا من حقهم في قطف الثروات بأنفسهم، ومع انتشار الرأسمالية كنظام سياسي اقتصادي يضع الثروات الوطنية في أيدي الحكومات، تكتل الناس في مراكز سكنية ضخمة رغماً . وتزاحموا في المدن بطريقة جعلت من قطع الأراضي مواقع إستراتيجية وذات أسعار مرتفعة في وقت منعت فيه السلطات الناس من إحياء الأرض. وبهذه التراكمات المخرجة عن الشريعة أصبحت الأرض سلعة. ولم تكن كذلك ولن تكون في المستقبل إن طبقت الشريعة كما سأوضح بإذنه تعالى. وهكذا تراكمت الحاجة لإيجاد فتاوى لنزع الملكيات لأن المجتمعات المسلمة خرجت عن مقصوصة الحقوق.
ونظراً لعدم وجود فتاوى من فقهاء السلف بجواز نزع الملكية، فقد أفتى العلماء المتأخرون بذلك. فلم أجد للشافعية نصاً قاطعاً بالمنع. وكذلك الأمر بالنسبة للحنابلة. فهناك رواية تقول أن الإمام أحمد سئل في الرجل يزيد في المسجد (ليس المسجد الجامع) من الطريق فقال: لا يصلى فيه. وبالنسبة للمسجد الجامع فيجوز إبدال موقع المسجد بغيره للمصلحة كما حدث في مسجد الكوفة. وجاء في فتاوي الشيخ ابن تيمية: «سئل أبو عبد الله: يحول المسجد؟ قال : إذا كان ضيقاً لا يسع أهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه». فهذه إشارات إلى منع نزع الملكية وذلك بنقل المسجد لموقع آخر بدلاً من توسعته. ومن جهة أخرى يقول ابن تيمية: «فإذا جاز جعل البقعة المحترمة المشتركة بين المسلمين [ يعني المسجد] بقعة غير محترمة للمصلحة، فلأن يجوز جعل المشتركة التي ليست محترمة كالطريق الواسع بقعة محترمة». وهنا إشارة الى جواز الأخذ من الطريق للمسجد ولكنها ليست نصاً على إكراه المالك إذا رفض البيع. أما بعض فقهاء المالكية والحنفية فقد أباحوا نزع الملكية في حالة الحاجة الماسة لمصلحة الجماعة واختلفوا في ماهية تلك المصلحة . ١٤٥ ولكن أي الآراء ستغير مقصوصة الحقوق ؟ للإجابة على هذا السؤال لنعطي أولاً فكرة سريعة عن سبب الاختلاف بين المذاهب ثم نعود لنزع الملكية.
الظاهر أن سبب اختلاف المذاهب في نزع الملكية هو الأخذ بالاستحسان وبالمصالح المرسلة في استنباط الأحكام. فقد ثبت بالنصوص الشرعية أن الشريعة قد اشتملت أحكامها على مصالح الناس. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ . ١٤٦ وهناك رأيان في كيفية الرجوع إلى هذه المصالح لاستنباط الأحكام كما ذكرنا: أحدهما هو أن هذه المصالح كلها واضحة بينة لذوي العقول فيمكن استنباط الأحكام بالاستناد للعقل بالاستحسان إذا لم يوجد نص من الشريعة تحمل عليه؛ والرأي الآخر والذي حمل لواءه الشافعي رحمه الله هو أن الشريعة نص وحمل على نص بالقياس، لذلك لا يؤخذ بالاستحسان إذا لم يُحمل على نص، وإذا حمل يكون قياساً. وقد عرف بعض الفقهاء المصالح المرسلة بأنها المصالح الملائمة لمقاصد الشريعة، ولا يشهد لها أصل خاص بالاعتبار والإلغاء. فإن كان يشهد لها أصل خاص دخلت في عموم القياس، وإلا اعتبرت مصلحة مرسلة أو استصلاحاً. والمالكية حملوا لواء المصالح المرسلة." واستدلوا على ذلك بثلاثة أدلة: أولها: أن الصحابة سلكوا ذلك المسلك كجمعهم للقرآن الكريم، وكإراقة عمر رضي الله . عنه اللبن المغشوش تأديباً للغاشين. والدليل الثاني: أن المصلحة إذا كانت ملائمة لمقاصد الشارع فإن الأخذ بها يكون موافقاً لمقاصده، وإهمالها إهمال لمقاصده، وإهمال المقاصد باطل في ذاته. والدليل الثالث: أنه إذا لم يؤخذ بالمصلحة كان المكلف في حرج وضيق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١٤٨ وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُريدُ بكُمُ الْعُسْرَ﴾ أما أدلة الذين لم يأخذوا بالمصلحة فتتلخص في أربعة كما جاءت في أصول الفقه لأبي زهرة: «أولها: أن المصلحة التي لا يشهد لها دليل خاص تكون نوعاً من التلذذ والتشهي، وما هكذا تكون الأصول الإسلامية؛ وقد قال الغزالي في بيان هذا الدليل بالنسبة للاستحسان والمصالح المرسلة: «إننا نعلم قطعاً أن العالم ليس له أن يحكم بهواء [كذا، وقد تكون بهواه] وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة، والاستحسان من غير نظر في أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد». ويقول في المصالح المرسلة: «وإن لم يشهد لها الشارع فهي كالاستحسان». الدليل الثاني: أن المصالح إن كانت معتبرة فإنها تدخل في عموم القياس، وإن كانت غير معتبرة فلا تدخل فيه، ولا يصح أن يُدعى أن هناك مصالح معتبرة ولا تدخل في نص أو قياس، لأن ذلك القول يؤدي إلى القول بقصور النصوص القرآنية والأحاديث النبوية عن بيان الشريعة بياناً كاملاً، وهذا ينافي تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم، تبليغاً كاملاً. وينا في قوله صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها». والدليل الثالث: أن الأخذ بالمصلحة من غير اعتماد على نص قد يؤدي إلى الانطلاق من أحكام الشريعة، وإيقاع الظلم بالناس باسم المصلحة، كما فعل بعض الملوك الظالمين، وقد قال في ذلك ابن تيمية: «إنه من جهة المصالح حصل في أمر الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناءً على هذا الأصل. وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع لم يعلموه، وربما قدم في المصالح المرسلة كلاماً خلاف النصوص، وكثير منها أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً، بناءً على أن الشرع لم يرد بها، ففوات واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه [وهذا ما حدث بالضبط في نزع الملكية]». الدليل الرابع أننا لو أخذنا بالمصلحة أصلاً قائماً بذاته لأدى ذلك إلى اختلاف الأحكام باختلاف البلدان، بل باختلاف الأشخاص في أمر واحد، فيكون حراماً لما فيه من مضرة في بلد من البلدان، وحلالاً لما فيه من نفع في بلد آخر، أو يكون حراماً لما فيه من مضرة بالنسبة لبعض الأشخاص، وحلالاً بالنسبة لشخص آخر، وما هكذا تكون أحكام الشريعة الخالدة التي تشمل الناس أجمعين» . .
10.
أخي القارئ: هلا قرأت السابق مرة أخرى لترى عمق ما كان يخشاه الإمام أبو زهرة رحمه الله. وبالذات مما استنتجه: «أننا لو أخذنا بالمصلحة أصلاً قائماً بذاته لأدى ذلك إلى اختلاف الأحكام باختلاف البلدان، ... وما هكذا تكون أحكام الشريعة الخالدة التي تشمل الناس أجمعين». رحمك الله يا أبا زهرة، لقد اختلفت الأحكام باختلاف الأزمان!! ويمكن إضافة مسألة خامسة (وليس دليلاً) بالنسبة لحقوق الآدميين: وهو أن المصالح في البيئة لا تدرك بالعقل البشري القاصر كما رأينا سابقاً في الحديث عن الضرر ومضاعفاته. فقد تكون المصلحة ظاهرياً في

هامش

هـ۲) اشترط الإمام مالك للأخذ بالمصلحة المرسلة شروطاً ثلاثة كما رفع حرج لازم، بحيث لو لم يؤخذ بالمصلحة المعقولة في موضعها يقول الإمام أبو زهرة: «أولها: الملائمة بين المصلحة التي تعتبر أصلاً لكان الناس في حرج، والله تعالى يقول: «ما جعل عليكم في الدين من قائماً بذاته، وبين مقاصد الشارع، فلا تنافي أصلاً من أصوله، ولا حرج». ويكمل أبو زهرة فيقول: «وهذا الأصل مختلف فيه بين فقهاء تعارض دليلاً من أدلته القطعية. بل تكون متفقة مع المصالح التي المسلمين، فالحنفية والشافعية لم يعتبروه أصلا قائما بذاته، وأدخلوه يقصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون متى ولعل الأصح : من جنسها في باب القياس فإن لم يكن للمصلحة نص يمكن ردها اليه، فإنها لیست غريبة عنها ، وإن لم يشهد لها دليل خاص. ثانيها : أن تكون ملغاة لا تعتبر، وقال مالك والحنابلة إن المصالح معتبرة يؤخذ بها ما معقولة في ذاتها جرت على الأوصاف المناسبة المعقولة التي إذا دامت مستوفية للشروط السابقة، فإنها تكون محققة لمقاصد الشارع، عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول. ثالثها: أن يكون في الأخذ بها وإن لم يكن لها نص خاص». وقد استدل كل منهم بعدة أدلة (١٤٧).


۲ قصور العقل
۱۳۷
دفع ضرر ما قبل وقوعه، ويتضح أن ذلك ليس في مصلحة المجتمع ككل على الأمد البعيد، فيقع الظلم على الناس باسم المصلحة العامة، وهذا ما حدث كما سترى بإذن الله . لذلك فمن الأولى الالتزام بالقياس في المسائل البيئية. كما ترى، فإن الذين أفاضوا في المصالح المرسلة ولديهم الكثير من النوازل هم المالكية. لذلك، سأركز الآن على المذهب المالكي لترى تردد فقهاء المالكية في نزع الملكية رغم أن مذهبهم أخذ بالمصالح المرسلة. فإن كان هذا حال من أخذ بالمصالح المرسلة من فقهاء المالكية فلابد وأن يكون الآخرون من المذاهب الأخرى أكثر بعداً في إباحة نزع الملكية. وللتوضيح أقول: إن المسائل الوحيدة التي اعتبرها بعض فقهاء المذهب المالكي ضرورة تتطلب إكراه الناس على بيع أملاكهم للصالح العام هي في حالات محددة كتوسعة المساجد الجامعة والطرق المؤدية إليها إذا ضاقت على المصلين أو لأمن جماعة المسلمين كدار تكون جزءاً من سور المدينة فخيف على المسلمين من سهولة اقتحامها. قال ابن رشد أن مالكاً وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين أخذوا بحادثة العباس السابق ذكرها، أي أنهم لم يجيزوا إكراه الملاك على البيع. إلا أنه جاء في الطرر عن أبي زيد، قال عبد الملك بإكراه السلطان لأهل بعض على بيعها إذا احتاج الناس إليها لجامعهم الذي به الخطبة والمنبر ليوسع بها، وليست المساجد التي لا يجمع فيها. وبالنسبة لأمن المسلمين فعندما سئل بعض الفقهاء: هل للإمام أن يعطي لمن له جنان أو حدائق بقرب سور البلد قيمته إذا خاف غدرة العدو من جهته أم لا؟ أجاب أحدهم:
الأملاك
للإمام أن يعطي من له جنان قرب سور البلد إذا خشي أن يطرقه العدو منه قيمته على أصول الشرع عموماً وعلى أصول مذهبنا خصوصاً، وله في مذهبنا [أي المالكي] نظائر تشهد، وله جبر مالكها على بيعه إن أبى من ذلك بعد أن ينزل له فيها قيمة عدل . هذا إذا كان العدو متوقعاً، وأما إن كان نازلاً ببلاد المسلمين فإن له هدمها عليه بغير ثمن إلا أن يكون اختلاطها وبناؤها من قبل إنشاء السور فلابد من دفع الثمن على كل حال. وهذا كله إذا ظهر ضررها بالسور ضرراً بيناً، والله تعالى
أعلم».
١٥٢
ماذا عن نزع الملكية في الأمور البيئية الأخرى (غير المسجد الجامع وأمن المسلمين) كالطريق الذي يسلكه العامة للذهاب للسوق مثلاً، فهل للسلطة إكراه المالك على البيع إذا أعاق ملكه مرور العامة؟ لعل أفضل مثل علي الحاجة القصوى للطريق كتعطله (لاحظ أن هناك فرقا بين تعطل الطريق وضيقه). لنقل أن هناك طريقاً لعامة المسلمين ولابد لهم منها وتعطلت بالغرق بماء المطر لأن جزءاً منها منخفض فلا يمكن المرور به، وبجانب الطريق أرض، فهل يجبر مالك الأرض على بيع جزء منها ليمر الناس بها؟ يقول ابن الرامي ملخصاً أقوال فقهاء
ذلك
هو
المالكية:
«فإن كانت [أي الطريق ] يستغنى عنها لوجود غيرها من غير مشقة، فلا يجبر صاحب الأرض على أن يدخل من أرضه شيئاً ولا يجبره السلطان على ذلك. واختلف إن لم توجد طريق غيرها على قولين. قال

هامش

و ٢) وقال مطرف: «وإذا كان النهر بجنب طريق عظمى من طرق وسئل الرماح عن إجبار صاحب الأرض على بيع أرضه لتزداد في المسلمين التي يسلك عليها العامة يحفرها حتى قطعها، فإن السلطان الميضآت أم لا ؟ فأجاب: «لا يجبر . قيل ولا يتخرج فيه من الخلاف ما يجبر أهل تلك الأرض التي حولها على بيع ما يوسع به الطريق منها في المساجد. فإن إقامة الجماعة سنة يقاتل عليها على الأظهر، أو على ما أحبوا أم كرهوا، ثم سئل) فإن لم ينظر السلطان فيها هل على واجب فلابد من موضع جامع. والوضوء لا فضيلة فيه في الميضآت بل الناس حرج في مرورهم على أرض الناس حتى يخرج إلى طريق كان بعض الشيوخ يرجح وضوء الدار عليه ويقول: وضوء الدار المسلمين؟ قال: نعم أراهم في حرج ولا يسلكون فيها إلا بإذنهم». يساوي ديناراً ووضوء الميضة يساوي بيضة ...»، (١٥١).


۱۳۸ 🗏
سحنون يجبر ويعطى قيمتها. وقال ابن حبيب: لا يجبر ولا يؤخذ من أرضه شيء إلا برضاه. ومن العتبية سئل سحنون عن أرض رجل ملاصقة لطريق يسلكها الناس إلى مرافقهم، والطريق على نهر، فقطع النهر تلك الطريق، هل ترى للسلطان أن يجبر صاحب هذه الأرض على إعطاء طريق فيها، ويعطيه قيمتها من بيت المال؟ فقال : إن كانت الطريق لا يستغنى عنها فإن السلطان يجبره على نحو ما ذكر. وفي كتاب ابن عبدوس وعن سحنون مثل ذلك. وفي الواضحة عن مطرف وابن الماجشون [ت ٢١٣هـ ] : لا يؤخذ من صاحب الأرض شيء من أرضه إلا برضاه وإذنه، وله أن يمنعه من ذلك إن استطاع. قال ابن حبيب قلت لهما فأين يذهب الناس ولا مندوحة لهم عن طريقهم التي قطع النهر ؟ فقالا: ينظر في ذلك إمامهم أن يحاولوا لأنفسهم، ولست أرى لأحد المرور في أرض مسلم أو يتخذ فيها طريقاً إلا بإذن ربها ، وأرى لمن سلك فيها ولو مرة واحدة أن يحلل ربها من ذلك، أو يحلله قبل، وأحب إلي أن يحلله قبل المرور. وقال ابن حبيب وسألت عن ذلك أصبغ فقال مثله».
١٥٣
أرأيت كيف تردد فقهاء المالكية في إكراه المالك على البيع وفي أكثر الظروف حاجة كتعطل الطريق وتوقف المرور به فتعطل الطريق أكثر مضرة للناس من ضيقه، ومع ذلك تردد فيه الفقهاء، وهؤلاء هم فقهاء المذهب المالكي الذين أخذوا بالمصالح المرسلة، فما بالنا بالآخرين. إلا أن الفقهاء المعاصرين لم يتورعوا عن فتح هذا الباب. فقد أجازوا نزع الملكية للمصلحة العامة. والسؤال هو: من هم هؤلاء الذين سيحددون المصلحة العامة؟ أليسوا جماعة من الناس ذوي مصالح؟ وقد يسخّرون العلماء لتحقيق تلك المصالح! لنضرب مثالاً. إذا كان هناك سد يحجز الماء فأتى أحد الناس ونظر إلى الماء المحجوز وغرف بيده من سطح البحيرة التي كونها السد ونظر إليها وقال: «هذا الماء ضعيف وتسهل السيطرة عليه، ونحن بحاجة له في الطرف الآخر من الوادي. فبدل مشقة نقل الماء لماذا لا نخرق السد من طرفنا لنحصل على الماء منه». وما علم هذا بأن القيام بأي خرق مهما كان صغره سیشرخ السد ومن ثم لن يقاوم السد بعد ذلك الضغط الشديد للماء من أسفله وينهار السد وينجرف الوادي بما فيه. وهكذا نزع الملكية. فمنع نزع الملكية تماماً . هو السد. والجواز في بعض الحالات الملحة التي نص عليها الفقهاء كتوسيع الطريق هو الخرق الصغير في السد . فمتى فتح هذا الباب الخرق في حالة السد) فلن تسهل السيطرة عليه. فلسد هذا الخرق حكمة. فالمسألة ليست إرغام مالك واحد لمصلحة الجماعة، أو مدى تضرر هذا الفرد قياساً بتضرر المارة في الطريق وأيهما أولى، ولكنها مسألة نظام اجتماعي واقتصادي متكامل. متى شُرخ هذا النظام هلك. إنها مسألة حقوق، فأي قرار لنزع ملكية عقار ما هو تغيير لمقصوصة الحقوق. ألم تر وتسمع كيف كونت اللجان لتقويم قيمة الأرض المنزوعة وكيف أدى ذلك إلى الظلم؟ وعلى النقيض، ألم تخطط المدن لتمر من أراضي بعض المقربين من أولي الأمر لتنتزع ملكيتها بمبالغ طائلة؟ ألم تُقطع للبعض أراض ثم انتزعت ملكيتها بمبالغ طائلة؟ ألم يفتح هذا النظام باب الرشاوي على مصراعيه مكوناً بذلك طبقة تعيش على أكتاف الآخرين؟ وكما ذكرنا سابقاً في مثال ساكن الغابة الذي أراد إخراج الفئران ليجدها في بيته فإن انتزاع الملكية ستزيد من نشاط مراكز المدن مؤدية إلى ثراء البعض وإنهاك البعض الآخر في المجتمع اقتصادياً، وتفويت فرص نشوء مراكز أخرى، بالإضافة إلى تبديد الثروات بإنشاء بنية تحتية أخرى أكبر لمراكز المدن فتوسعة الشوارع ستؤدي إلى زيادة حركة قلب المدينة والتي ستؤدي إلى زيادة الطلب على الماء والكهرباء والمجاري. وهكذا تظهر الحاجة لاستبدال تلك البنى التحتية بأخرى. ألم تسمع بمشروعات تحسين وسط المدينة، فأكثر المدن الإسلامية المعاصرة الكبرى مرت بمثل هذه
و
المشروعات التي غيرت شكل وسط المدينة لأنها لم تعد كافية لمتطلبات السكان فكم كلفت هذه التحسينات؟


۲ قصور العقل
۱۳۹
عجباً لأولئك العلماء الذين يفتون على عجل ! لماذا يفترضون أن الناس سيرفضون بيع أملاكهم ليفتحوا باب
انتزاع الملكية حتى يكون ذريعة في أيدي المسؤولين للوصول إلى مصالحهم. فهل هناك عاقل دفع له تعويض مناسب ورفض البيع؟ ولكن الذي حدث هو أن الدفع يأتي متأخراً وأقل مما يجب للضعفاء، أو يأتي عاجلاً وأكثر مما يجب للمقربين من متخذي القرارات فانتزاع الملكية أصبح أداة للأخذ من المستحقين أو الإغداق على غير المستحقين ولكن بطريقة تبدو وكأنها نظامية. فللشريعة حكمة في قفل هذا الباب ولنقل مثلاً بأن هناك من رفض بيع أرضه، فسيكون عقاره نشازاً في وسط الطريق وبذلك سيرضخ يوماً ما حياءً، وإن لم يفعل فسيفعل ورثته. ولنقل بأنه وورثته لم يرضوا وبقي العقار مضيقاً للطريق، فأيهما أولى: فتح باب انتزاع الملكية بسوء استخداماتها على عموم المجتمع، أم بضع عقارات هنا وهناك تضيق الطريق. وإن قيل: لماذا افترضت أن الإكراه على البيع سيساء استخدامه، فالأصل هو حسن النية بالغير. أقول: لقد أثبت لنا التاريخ يوماً بعد هذه المسألة. وهذا ما أشار إليه ابن تيمية عندما قال: «إنه من جهة المصالح حصل في أمر الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل. وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع لم يعلموه، وربما قدم في المصالح المرسلة كلاماً خلاف النصوص، وكثير منها أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً، بناء على أن الشرع لم يرد بها، ففوات واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه » . ٤. الله شيخ الإسلام: أليس هذا ما حدث بالضبط مع بعض العلماء المتأخرين؟ ألم يقع الظلم على الناس؟ لقد
و
يوم
١٥٤
سمعنا من القصص التي ظلم بها الناس ما تقشعر له الأبدان، ورأينا من الناس من أغرقوا بالتعويضات من أموال المسلمين. قال لي أحدهم: لقد أعطي رجل ذو مكانة منحة من السلطان بمليون متر يطبقها حيث يشاء في إحدى المدن، ثم تأتي السلطات لتنتزع ملكية هذه الأراضي الممنوحة له بمبالغ طائلة. وحتى أن هناك أراض نزعت ملكياتها لتقطع بعد ذلك لآخرين مقربين. تأمل أخي القارئ حكمة الشريعة في إحكام إقفال هذا الباب من قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه . رحم الله الإمام الشافعي الذي أنكر
الاستحسان.
أما بالنسبة لتلك العقارات التي تهدد الأمن، فلماذا تنتزع ملكياتها؟ ألا يمكن إخراج المالك منها فترة الخطر وإعادة ملكه له بعد زوال الخطر ولو بعد سنين؟ ومن هذا الذي سيرفض مبلغاً مجزياً عن أرضه غير الآمنة. وإن قيل بأنه قد يتآمر مع الأعداء، أقول: إن المسألة الآن ليست أخذ مال مسلم كرهاً لتحسين عمراني ونحوه، ولكنها دخلت دائرة شرعية أخرى. ملحوظة أخيرة أخي القارئ: لا تنس ما ذكرته سابقاً من أن الحاجة لنزع الملكية هي ظاهرة لتراكم الخلل في التركيبة العمرانية التي نحن فيها الآن والناتجة عن تغير مقصوصة الحقوق. فالناس الآن يمنعون من استغلال الثروات المعدنية لأن الدولة تمتلكها حصراً لها. وهكذا يتجه الناس والعمران حيث ما تستثمر السلطات الأموال. فظهرت المدن الإدارية كالعواصم والمدن التجارية التي تتركز فيها الصفقات التجارية، والمدن الصناعية التي تجلب إليها المواد الخام؛ وفي الوقت ذاته منع الناس من الإحياء فكل الأراضي مملوكة للدولة التي تمنحها لمن ترغب، وهؤلاء يقومون ببيعها لمن أراد البناء من العامة. وهكذا يتزاحم الناس وتكتظ المدن وتأتي الحاجة لتوسعة الشوارع، ويطالب المخططون ومسؤولو البلديات علماء الشريعة بفتوى جواز نزع الملكية. أما إن كان للناس استخراج الثروات، وإن عاد الإحياء للجواز دون إذن الإمام، فإن المدن ستنتشر أفقياً وتفقد الأرض قيمتها ولا تكون سلعة وتنعدم الحاجة لنزع الملكيات (وسأوضحه بتفصيل أكثر بإذن الله.


١٤٠ 🗏
100
لقد كان لي أمل أن أتمكن يوماً من حساب التكلفة التي يتحملها المجتمع من جراء إباحة نزع الملكية. ولا أعتقد بأنني سأتمكن من ذلك لكثرة الأموال التي لا يمكن جمعها لاستحالة الوقوف عليها. فهناك نفقات اللجان التي قررت نزع الملكيات، وهناك الرشاوي التي دفعها الناس لهذه اللجان محاولين رفع تعويضاتهم، وهناك ما يفرضه بعض أفراد اللجان لتطميع الملاك، وهناك ما صرف من أموال الدولة للأفراد الذين قرر المسؤولون لهم أكثر مما يجب، وهناك فقدان إنتاجية من ظلموا ممن لم يدفع لهم حقهم في آنه، وهناك تكلفة الإنشاءات التي ستقام على الأراضي التي انتزعت ملكيتها، وهناك التغييرات في شبكات البنية التحتية من جراء زيادة الكثافة الاستخدامية. فلماذا كل هذه النفقات التي كان من الأجدى أن تستثمر فيما هو أولى؟ لقد أحكمت الشريعة إغلاق هذا الباب. فعند نشوء لجان للتقويم تنشأ معها الطبقات في المجتمع. فأفراد هذه اللجان أصبحوا أناساً أكثر أهمية في المجتمع لأن مصالح آخرين أضحت في أيديهم. فدخلت الأهواء في قص الحقوق. وعلت جماعة بحكم سلطتها ونزلت أخرى. أي أن المجتمع بإباحته لنزع الملكية أتاح لطائفة من المجتمع أن تتسلط على باقيه، وتم الحكم بغير ما أنزل الله. أي أن العقلانية عندما دخلت أصول الفقه غيرت مقصوصة الحقوق لصالح السلطة. هذا هو غرور العقل الإنساني والذي أصاب حتى الشريعة. ولعل نزع الملكية هي من التدخلات العمرانية التي يحبذها الحكام. هذا ما يذكره لنا التاريخ. ففي وصف المدن الإسلامية في عهد المماليك مثلاً ظهرت خلافات بين الدولة والملاك؛ فقد نزعت بعض الملكيات دون رضى أصحابها ، برغم مخالفتها للشريعة. فمثلاً : ولتوسيع الميدان الأخضر في دمشق سنة ٦٩٠ هـ هدمت بعض المباني دون تعويض الملاك. فالمدن الإسلامية تعج بمثل هذه التعسفات للسلاطين والتي لم يرض بها الفقهاء آنذاك. إلا أن هذه التعسفات قليلة مقارنة بوضعنا الحالي. فكما رأينا ، إذا لم يتمكن الخليفة عمر رضي الله عنه من انتزاع ملكية عقار بجانب المسجد الحرام (وفي رواية بجانب المسجد النبوي)، فكيف يأتي من المتأخرين من يفعل ذلك في ما هو أقل شأناً كالطرق العامة؟ لقد أصبحت قضية نزع الملكية الآن مسألة نظامية وغير مستنكرة. فلا وجود لمدينة معاصرة دون قانون حكومي يسمح للسلطات بنزع الملكية. أخي القارئ: إن اقتنعت بما ورد عن عدم جواز نزع الملكية فبإمكانك القفز للعنوان الآتي: «الاجتهاد». أما إن لم تقتنع فأرجو أن تستمر في القراءة. لأن كثيراً من الناس يسألونني عندما أتحدث عن عدم جواز نزع الملكية فيقولون: «ماذا إن ضاق الحرم المكي أو المدني على المصلين. ألا ترى ضرورة نزع الملكية؟». فأرد بالآتي: إن الله سبحانه وتعالى أمثالاً يضربها للناس لعلهم يتعظون. فبالقرب من الحرم المكي فندق ضخم فخم ذو أجر جد مرتفع يفتح على ساحة الحرم المكي مباشرة ودون طريق يفصله عن الساحة. إن هذا الفندق (أي فندق دار التوحيد) يقف شاهداً على كل من أفتى بجواز نزع الملكية. فقد كانت هناك أسواقاً محيطة بالمسجد الحرام ثم نزعت ملكياتها مع عقارات أخرى وأعيد تخطيط المنطقة بجانب الحرم المكي ومنحت قطعة كبيرة من تلك الأراضي المنزوعة لابن السلطان لبناء فندق ضخم يقف كعقبة مرورية في تلك المنطقة التي تميزت سابقاً بالملكيات الصغيرة المخلخلة بالطرقات فيما بينها قبل انتزاع ملكياتها. كيف حدث هذا؟
لبسط المسألة سنتعرض لقصة موقع آخر بمكة المكرمة. لقد قام البعض من المتخصصين بالإيماء للعلماء بضرورة جواز نزع ملكيات العقارات الصغيرة في أواسط المدن لأن تلك العقارت الصغيرة مفتتة ولا يستفاد منها بطريقة أمثل إلا بجمعها في مساحات أكبر. لذلك أنشأت شركات استثمارية لامتلاك هذه العقارات ومنها شركة


۲ قصور العقل
١٤١
مكة للإنشاء والتعمير مثلاً. أي أن المسوغ الأساس لإنشاء هذه الشركات هو في كونها وسيلة لتحقيق هدف عمراني بالدرجة الأولى واستثماري بالدرجة الثانية. ولكن الذي حدث هو قلب المسألة: فقد تم تقديم الربح على الحل العمراني. فقد قامت شركة مكة للتعمير بامتلاك معظم العقارات التي على جبل عمر غربي المسجد الحرام والذي تبلغ مساحة أرضه ٢٣٠,٠٠٠ متراً مربعاً. ثم أعدت الشركة برنامجاً استثمارياً بمتطلبات مرتفعة للاستفادة القصوى من الموقع. فقد كان المطلوب هو محاولة بناء ما مجموع مساحته ۱,۲۰۱۱۰۰ متراً مربعاً لإيقاف ١٠,٠٠٠ سيارة وبناء ٣,٤٠٠ غرفة فندقية بخدماتها وأكثر من ١,٤٠٠ شقة سكنية، وما مساحته ١٣٥,٠٠٠ متراً مربعاً كمحلات تجارية. وهذا كما ترى منهكاً لإمكانات الموقع ذاته ويزيد لأكثر من خمسة أضعاف مساحة الموقع. ثم أتى دور التصميم وتم طرح مسابقة عمرانية لإيجاد الحلول وكنت بفضل الله أحد المشاركين في التقويم الأولي، فقد كنا أربعة محكمين، مسلم واحد، أي جميل أكبر، مع ثلاثة مسيحيين تأمل هذا الاختيار لتحكيم مسابقة تصميمية في مكة المكرمة، فما أغربه، وكأن العالم الإسلامي جف من المهندسين المسلمين) . ١٥٦ وباستثناء مشاركتين من الجامعات السعودية، كان الهدف الأساس من الحلول التي تقدمت للمسابقة هو تحقيق أهداف الشركة الربحية. وهذا مثال جيد للنظرة الرأسمالية التي تقدم الربح على كل ما عداه من المصالح حتى في أطهر بقعة. فقد قدم الربح على مصالح أهل مكة أولاً، ومصالح المسلمين من معتمرين وحجيج ثانياً. لأوضح هذا.
فبالنسبة لأهل مكة، فإن مصالحهم تتلخص في أن شركة مكة قد امتلكت الأراضي التي يملكها أفراد في جبل عمر ولكنها لم تمتلك الشوارع والساحات والممرات التي كانت على الجبل؛ والتي هي من حقوق سكان مكة المكرمة عموماً، ومن حقوق من يسكنون غرب جبل عمر خصوصاً. فلهذه الطرق حرمتها شرعاً. كيف ذلك؟
لقد تعامل الفقهاء شرعاً مع الطرقات والساحات وحواف الأنهار والبحار بنوع من الحذر واعتبروا كل ما يرتفق به المسلمون هو ملك للمسلمين وليس ملكاً لبيت مال المسلمين (لاحظ أنني قلت: «وليس ملكاً لبيت مال المسلمين» أو من يمثلها كالدولة (مثلاً سواء كان طريقاً أو حافة نهر . وهذا التمييز بين ملكية بيت مال المسلمين وملكية جماعة المسلمين، والذي رص عليه السلف، لم يأخذ به الفقهاء المتأخرون، واعتبروا كل ما هو مملوك لعموم المسلمين كالطرق وحواف الأنهار وشطوط البحار ملكاً لبيت المال، وبذلك أجازوا للسلطان التصرف في هذه الأماكن. ولقد حاول السيوطي توضيح هذا الخلط ونقل الآتى: «ومما عظمت البلوى به اعتقاد بعض العوام أن أرض النهر ملك بيت المال، وهذا أمر لا دليل عليه، وإنما هو كالمعادن الظاهرة، ولا يجوز للإمام إقطاعها ولا تمليكها، بل هو أعظم من المعادن الظاهرة في ذلك المعنى ..... وهذا التمييز يتضح أيضاً في نازلة سئل عنها شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل اشترى من وكيل بيت المال من جانب الطريق أذرعاً معلومة، وأقام حائطاً فيما اشتراه. يصح بيع الأرض المبتاعة من وكيل بيت المال التي فيها الطريق؟ وهل يفسق الشاهد الذي يشهد للأرض بأنها لبيت مال المسلمين؟ فأجاب رحمه الله :
فهل
101
سواء
كانت
«الحمد لله. لا يجوز بيع شيء من طريق المسلمين النافذ، وليس لوكيل بيت المال بيع ذلك، ، الطريق واسعة، أو ضيقة، وليس مع الشاهد علم ليس مع سائر الناس، اللهم إلا أن يشهد أن هذه لبيت المال، مثل أن تكون ملكاً لرجل، فانتقلت عنه إلى بيت المال، وأدخلت في الطريق بطريق الغصب. وأما شهادته أنها لبيت المال بمجرد كونها طريقاً، فهذا إن أراد أن الطريق المشتركة حق للمسلمين لم يسوغ ذلك بيعها ، وإن أراد أنها ملك لبيت المال يجوز بيعها كما يباع بيت المال فهذه


١٤٢ 🗏
شهادة زور، يستحق صاحبها العقوبة التي تردعه وأمثاله. وليس للحاكم أن يحكم بصحة هذا
البيع».
وهناك حديث أخرجه ابن سعد في الطبقات والطبراني عن الحكم بن الحارث السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ من طريق المسلمين شبراً جاء به يوم القيامة يحمله من سبع أرضين).١٥٨ ففي ففي الحديث إشارة إلى أن الطريق ليس ملكاً لبيت مال المسلمين، ولكنه ملكاً للمسلمين من لفظه صلى الله عليه وسلم لـ «طريق
المسلمين». وهذا التمييز بين ملكية بيت المال وملكية جماعة المسلمين مهم لمقصوصة الحقوق لأن اعتبار الطريق ملكاً لبيت المال يعطي السلطات الحق في التصرف فيه، أما اعتباره ملكاً لجماعة المسلمين فلا يعطي كائناً من كان حق التصرف في الطرقات بنقل ملكيتها أو إنقاصها أو تغيير مواضعها (وهذا ما حاول كتاب «عمارة الأرض»
إيضاحه).
١٥٩
ولهذا، وبالنسبة لأهل مكة المكرمة أو غيرهم في أي مكان فقد قصت الطرق شرعاً بحقوقها (كما سنوضح في الحديث عن «الأماكن» بإذن الله. فلسكان أهل مكة المكرمة ومن زارها الحق في الاستفادة من موقع جبل عمر بالنفاذ خلاله لا سيما أن عدد المعتمرين في ازدياد. فمن ملك عقاراً غربي جبل عمر وما حوله من أحياء له الحق في استثمار عقاره وزيادة سكانه وبالتالي المرور خلال جبل عمر للوصول للمسجد الحرام . أما إن تم بناء جبل عمر كموقع ذي ملكية واحدة كما هو مقترح من الحلول المقدمة، فإن الحلول المقدمة قد تتعامل مع الموقع ككتلة واحدة. وهذا قد حدث شرقي الحرم . فقد تم انتزاع ملكيات الأفراد هناك وتم بناء مبان حكومية وقصور ملكية بطريقة سدت المنافذ من تلك الجهة، كما سدت من جنوبي الحرم بعمائر شركة مكة للإنشاء والتعمير، وهكذا ظهرت مشكلة صعوبة الوصول للمسجد الحرام لجميع القادمين من جميع الجهات. وفي هذا مضرة أكبر من ترك هذه العقارات بأيدي أصحابها الأصليين الذين قد يستثمرون قطعهم بحلول عمرانية تخلخل مواقعهم من أدوارها السفلى كجعلها مصليات أو ممرات عبور، وكمساكن في أدوارها العليا. فالقطع الصغيرة المملوكة من أفراد لابد وأن تتخللها شوارع ذات عروض كافية لمرور المصلين للمسجد الحرام. وهذا الذي كان قبل إباحة نزع الملكيات.
السائد
هو
أما مصالح المعتمرين والحجيج فتكمن في نمط استضافتهم. فقبل نزع الملكيات كانت مساكن مكة المكرمة عبارة عن عمائر أو منازل صغيرة يملكها أصحابها. وهؤلاء يستقبلون الحجيج والمعتمرين. فقد كان النمط أن ينزل الحاج أو المعتمر ضيفاً على من يملك المسكن، حتى وإن تقاضى المالك للعقار أجراً مقابل هذه الضيافة فإن العلاقة بين الطرفين (المضيف والمضاف كانت تتسم بنوع من الإحسان والحفاوة التي تحتمها كرامة وعزة الملاك. فقد كان بعض الملاك يحتسبون الأجر من الله سبحانه وتعالى فيقدمون أفضل ما لديهم من أكل ومسكن، وكانوا يعينون الحجيج في أمور شتى كيف لا وهناك آراء تمنع تأجير البيوت بمكة المكرمة إكراماً للحجيج. ففي الأموال لأبي عبيد مثلاً: حدثنا وكيع عن عبيد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو قال: من أكل من أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم». وقد كره عطاء الكراء بمكة، كما أن عمر بن عبد العزيز كتب للناس بمكة يمنعهم من كراء البيوت.
17.
ومن صيغ المنع هذه نستشف أن البعض من الناس كانوا يؤجرون البيوت بمكة كما هو الحال الآن برغم


۲ قصور العقل
١٤٣
لخدمة
الخلاف في جوازه. لذلك، فإن لم يقدم بعض الملاك أفضل ما لديهم من مأكل ومسكن للحجيج لكسب الأجر في الآخرة، فهم بالتأكيد يفعلون ذلك لكسب السمعة لاجتذاب المعتمرين والحجيج مستقبلاً. أي أن لكل مالك مصلحة إما أخروية أو دنيوية. هكذا كان الحال سابقاً، علاقة حميمة بين الطرفين المضيف والمضاف. ثم ظهر المستثمرون فأنشؤا الفنادق التي يعمل بها الموظفون فظهرت طبقة من الملاك الذين قد لا يتسع وقتهم الحجيج. وبهذا حل الموظف الأجير مكان المالك لخدمة الحاج، وهذا الأجير مسيّر في تعامله مع ما يقتضيه من أجر، فتزداد خدمته بزيادة أجره، حتى ابتسامته فقد تعرض مقابل المال. وشتان في التعامل بين الاثنين (المالك أو الأجير مع الحاج. أي أن للحجيج في كل بقاع الأرض حقوقاً بدؤا بفقدانها بتغير أنماط ملكيات الأراضى حول المسجد الحرام من ملكيات أفراد إلى ملكيات شركات كشركة مكة للتعمير والتي يتوقع منها أن تقدم خدمات أفضل من تلك الفنادق التي لا هم لها إلا استغلال الحاج بأقل خدمة ممكنة. لقد أصبحت الاستضافة سلعة لا يقدر عليها الفقراء. وهذا نمط رأسمالي في التعامل. ولعل المسألة تزداد تعقيداً إن نحن أيقنا أنه كلما زاد حجم العقار المملوك لجهة واحدة، كلما تحولت العلاقة من إنسانية إلى مالية فأصحاب الفنادق، برغم أن فنادقهم أكبر من المنازل إلا أنهم أقرب للحاج من ملاك الفنادق الأكبر، وهؤلاء أقرب للحاج من مالكي الأسهم لشركات أكبر كشركة مكة
وهكذا.
أي أن هناك علاقة قوية بين حجم عقار ما وعدد ملاكه. فقد يشترك ألف فرد في امتلاك محل مساحته متر مربع واحد، أو بالعكس، أي قد يمتلك فرد واحد لمحل مساحته ألف متر مربع. فأي النمطين من الملكية أفضل للعقار وللملاك وللمجتمع؟ لقد أبدعت الشريعة في هذا الخصوص، وقصت الحقوق بوضع مبادئ، مثل الوراثة والشفعة، أدت لأفضل وضع موزون بين الاثنين وهذا ما حاولت توضيحه في الفصل الثامن من كتاب «عمارة الأرض»). ثم أتى هؤلاء الفقهاء وأباحوا نزع الملكية واختل هذا الاتزان بأن ملكت جماعة صغيرة (أو حتى فرد واحد مثل ابن السلطان مثلاً) عقارات كثيرة وكبيرة هنا وهناك بعد نزع الملكيات، أو أن جماعة غير متواجدة في الموقع مثل ملاك أسهم شركة مكة للتعمير أصبحوا ملاكاً بدعوى مصلحة الجماعة. وهنا أطرح عدة أسئلة: لقد افترض بعض الفقهاء المعاصرين أن المصلحة العامة هي في نزع الملكية. فما دليلهم على ذلك؟ فهل حاولوا سؤال أهل الاختصاص في العمران عن ضرورة إيجاد حلول عمرانية دون نزع الملكية ؟ فهل نضبت الحلول؟ فإن كان الهدف هو توسعة المسجد الحرام أليس من الممكن رفع السكان لمبانيهم على أعمدة ليكون الدور الأرضي ممرات ومصليات وما فوقه مصليات إن كانت هناك حاجة للمزيد ؟ هل تم حث بعض ملاك المساحات الصغيرة ودعمهم لضم ممتلكاتهم أو هل تم وضع تصورات عمرانية لعقاراتهم مهما صغرت للاستفادة من تلك المواقع لهم وللحجيج مالياً كشراكة من مؤسسات استثمارية؟ لا، لم يحدث كل هذا. فهناك ألف حل وحل عمراني
اختياراً
بدعمهم
منهم،
اللجوء لنزع الملكية.
للمسألة .
دون
عند التفكر في نزع الملكية في مكة المكرمة يظهر سؤال ملح: ألا يعلم عالم الغيب والشهادة بأنه سيأتي يوم ويكثر فيه الحجيج والمعتمرون لدرجة يضيق بها المسجد الحرام على الناس؟ فإن كان يعلم كل هذا، فلماذا وضع سبحانه وتعالى العليم الحكيم الكعبة بين هذه الجبال ؟ فهل وضعها الخبير اللطيف ليأتي الناس ليشيدوا العمائر فوقها، أم لينسفوها ليوسعوا الساحات حول المسجد الحرام أو ليستغلوا مساحة ما تم نسفه ليكون من المستغلات التي


١٤٤ 🗏
عن
تمتص دماء المعتمرين؟ لابد من حكمة لهذا الاختيار لموقع الكعبة بين هذه الجبال، فهو سبحانه وتعالى حكيم منزه العبث. فما هي هذه الحكمة يا ترى؟ لعل الإجابات هي بعدد من فكروا في المسألة. وهنا أطرح تصوري فأقول والله أعلم: مع ظهور المشروعات العملاقة حول المسجد الحرام وفوق الجبال بدأ الاختناق حول المسجد الحرام وبالذات في العشر الأواخر من رمضان. قال لي الدكتور عمر طه (وهو طبيب متخصص في مرض حساسية الصدر، الربو)، وكان ممن يقضون العشر الأواخر في مكة المكرمة، أن الوضع يزداد سوءاً عاماً بعد عام بسبب هذه المباني التي تمنع تجدد الهواء فيختنق المعتمرون بالذات ليلاً في قيام رمضان. وحتى من لا يتحسسون فقد يصابون بالربو إن هم أمضوا عدة أيام في منطقة المسجد الحرام خلال العشر الأواخر من رمضان. وهذا ما لاحظه كطبيب. إن الذي أحدث كل هذا الاختناق هو نزع الملكية الذي ذهب بالأراضي لمن بيدهم زمام الأمور والأموال ليحاولوا استثمارها في منشآت ضخمة بالقرب من المسجد الحرام ليزداد ربحهم. وحتى يتمكنوا من بناء مثل هذه العمائر الضخمة فقد ينسفون بعض هذه الجبال كما هو حادث. وقال لي مرة رئيس قسم المياه بجامعة الملك عبد العزيز بجدة بأن لهذه
الجبال وظيفة. فمياه زمزم برغم أنها تأتي من حوض وادي إبراهيم إلا أنها تتأثر بهذه الجبال التي تغذيها بالمعادن.
أما إن لم تنزع الملكيات، ولم يتمكن هؤلاء من بناء تلك المنشآت، فإن أحجام العقارات ستكون صغيرة. وعندها فإن هناك فائدة ظهرت من الأبحاث التي تمت لدراسة توسعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للمسجد الحرام، وهو أن أحجام المباني بوضعها قبل نزع الملكيات تخفف الازدحام لأن توزيعها بطريقة مفتتة بأحجام صغيرة بالشوارع الضيقة يخفف ويحد من اندفاع حشود الحجيج. فبعد رمي جمرة العقبة مثلاً أو عند القدوم لطواف الوداع فإن الحشود القادمة من منى والمهولة في أعدادها وباندفاع عظيم قد تؤدي للوفيات أحياناً، وعندها فإن هذه العقارات الصغيرة التي تتخللها الشوارع الصغيرة تعمل كمصفاة للحد من انطلاق الحشود ووصولها فجأة إلى المسجد الحرام، فتتفتت جموع الحشود الجماعات أصغر وأصغر كلما اقتربت من المسجد الحرام لأن الشوارع أضيق إلا أنها أكثر عدداً. فتكون الحركة أكثر انسياباً من وضع تكون فيه الشوارع أقل عدداً وأكثر اتساعاً.
وبالنسبة لساحات المسجد الحرام، فإن الأثرياء من العالم الإسلامي قد يحاولون شراء بعض تلك الأراضي وإيقافها كمصليات حتى تتسع ساحة المسجد الحرام، هذا إن لم يفعل ذلك الملاك الأصليون طلباً للأجر ونزولاً عند إلحاح العلماء عليهم بذلك. وهكذا تتحول المناطق المحيطة بالكعبة المشرفة شيئاً فشيئاً إلى ساحات دون أي مبان تُرى، حتى وإن رفض أحدهم وقف أرضه فبعد زمن سيجد أحد أحفاده أن مبناه وحيد ومحاط بالساحات، وهذا وضع مخجل. هكذا بالتدريج تتحول سفوح الجبال حول الكعبة المشرفة إلى مصاطب للصلاة. تذكر سفوح جبال اليمن الزراعية، فقد تصبح منطقة المسجد الحرام كذلك كل مصطبة تتصل بالأخرى بسلم أو درج كهربائي، ثم تخيل هذا المنظر المهيب، عندما يسجد الناس، ترى الملايين يرفعون من السجود مرة واحدة. لتتصور الوضع، تخيل ملعباً كبيراً لكرة القدم، وتخيل قيام جميع المتفرجين بنفس الحركات، هكذا قد يكون الحال ولكن مع الفارق في المساحة والتعداد يا له من منظر مهيب إن تخيلت أنك تقف على أعلى نقطة في أحد هذه الجبال لترى المصاطب العامرة بالمعتمرين من كل جانب، والهواء يهفهم من كل مكان إذ لا منشآت إلا خلف الجبال. أو تخيل العكس، فأنت بالقرب من الكعبة، فحيثما نظرت ترى سفوح الجبال بيضاء من زي المعتمرين. أما ما نراه اليوم من تداخل بين العمران والناس من شوارع ممتلئة بالمصلين بين البيوت والسيارات فهذا قد يحدث ولكن خلف الجبال


۲ قصور العقل
١٤٥
المطلة على الكعبة وبكثافة أقل. أي أن الاستيعابية للمسجد الحرام ستزداد فالله العليم الحكيم يعلم أن البشرية ستتقدم وأن الناس سيسافرون بسهولة ويسر، وأن عددهم سيزداد، لذلك اختار العليم الحكيم موقع الكعبة المشرفة والله أعلم لتكون بين هذه الجبال حتى يرى الجميع هذا المنظر المهيب لجموع المصلين حول الكعبة المشرفة على سفوح هذه الجبال، لا أن يحشر الناس بين العربات ويؤدون الصلاة بين أعتاب المنازل ودواليب العربات.
قال لي زميل: هل رأيت كيف نزعت الدولة ملكيات الكثير من الأراضي في مكة المكرمة لتشيد عليها المباني الحديثة بدل تلك المتهالكة؟ وهل علمت أن الشيء ذاته سيقع في المدينة المنورة؟ قلت: وأين سيذهب الملاك؟ قال: ولكن البيئة التي كانوا فيها سيئة فتعجبت من تأثير الإعلام على الناس وأجبته بالآتي: هذه البيئات التي كانوا فيها هي بالفعل لا ترتقي لاحتياجات الحجيج والمعتمرين، ولكنها سيئة لأن الملاك الأصليين فقراء بسبب عدم تطبيق الشريعة (كما سترى بإذن الله)، أو لأنهم لم يتمكنوا من استثمارها لأن الأنظمة تمنعهم، فتركوها للفقراء ككراء. وبزيادة حالها سوءاً تطلب الأمر إزالتها أحياناً، وكانت الإزالة مفروضة على الآخرين أحياناً أخرى برغم جودة مساكنهم لأن الدولة أرادت تخطيط الحي بأكمله وإعادة إنشائه. لكن إن طبقت الشريعة، لما كان هؤلاء السكان الأصليين فقراء، ولاهتموا بعقاراتهم وطرقهم لإدراكهم أن هذا في صالحهم ان استثمروه، وهكذا يظهر التنافس بين الملاك لجذب المعتمرين، وبالتدريج ستكون أطهر بقاع الأرض هي الأفضل في تقنيات البناء وحلولها لاهتمام ملاكها بها، ولما احتاجت مكة المكرمة لهذا التدمير، بل تدريجياً سنة بعد أخرى ستجد نفسها في أفضل حال لأن كل محلة ستتغير تدريجياً بتجدد بضعة عقارات. ولكانت اللمسة الإنسانية بين الملاك والحجيج التي هي سمة هذه العقارات. كما أن الشعوب الأخرى المسلمة ستتبنى تشييد وصيانة بعض الحارات ليسكن بها حجاجها. هذه حارة جاوية وتلك مغربية، وهكذا تشتعل المنافسة بين الشعوب للمساهمة في إثراء عمران مكة المكرمة، كل يساهم بأفضل ما لديه. فترى ثقافات العالم الإسلامي كلها مصغرة في مكة المكرمة وبأبهى الحلل لتصبح بالفعل مركزاً دينياً وحضارياً. أما مع وجود الحدود بين الدول ومنع انتقال المسلمين ووقوع عبء مكة على دولة واحدة، ثم بعد نزع الملكيات، فإن الملكيات إما ستؤول إلى الدولة ليسوء حالها أو إلى متنفذين يستملكونها ليزداد الفقر بين الناس وليستشري الفساد بزيادة هذه الطبقات المالكة تنفذاً وبطراً كما سترى بإذن الله.

هامش

عنها
تحدثنا
ز٢) ولكن ماذا عن أشعة الشمس وفي صلاة الظهر بالذات؟ ليس في كل فناء وآخر. وبالطبع فإن هذه الأفنية ستكون على بعد كبير من هذا التصور ما يمنع وضع مظلات خفيفة سهلة فوق رؤوس المصلين الكعبة المشرفة ، أي حيث مواقع فنادق شركة مكة للتعمير الآن مثلاً. تنصب وقت الحاجة. وماذا عن الطرق للعربات؟ هذه ستقف عند وما هذا التصور الذي أطرحه إلا مثالاً واحداً. وهناك الكثير من الطرف الآخر لسفوح الجبال المطلة على الكعبة المشرفة. وهنا تخيلت الحلول الهندسية الأخرى والتي مهما ساءت فلن تكون أسوأ من منظراً آخر، ألا وهو حاجة المعتمرين للخدمات مثل الأكل والشرب وضعنا الحالي الذي نُسفت فيه الجبال لتحل محلها العمائر الاستغلالية. ودورات المياه. وهذه حلها جد ميسور وبالذات في عصر التقدم فيالها من خسارة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. حتى التكييف، فقد الإنشائي الذي نحن فيه. تذكر بعض القرى ذات الأفنية التي هي أخبرني أحد المتخصصين الذين كانوا في الفريق المكلف بدراسة تحت الأرض في تونس والصين. فهناك قرى لا ترى مبانيها من سطح المسجد الحرام وساحاته في توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الأرض، ولكن إن زرتها فسترى حفراً مربعة بعمق دور واحد تحت الله بن عبد العزيز، وهو د. إبراهيم حبيب ) ، الله) أنه بالإمكان إيجاد الأرض، وكل حفرة هي فناء لمنزل، فإن نزلت إلى الحفرة فأنت في فناء بدائل لتكييف المسجد الحرام إن لم توجد مبـان مغلقة من خلال مفتوح ثم يتم الدخول للبيوت أو للغرف من هذا الفناء. وهكذا قد التبريد الإشعاعي radiation من تحت بلاطات الأرض بوضع تكون الخدمات، فبالنزول لفناء صغير تحت الأرض كمنطقة أنابيب للتبريد ومظلات لتحجب أشعة الشمس المباشرة وقت مرورية، سيجد المعتمر الأمكنة التي يستطيع فيها أن يجد ما يأكله الذروة، فيكون الهواء الساكن بارداً في ذاته لأن الجبال المحيطة ويشربه ويقضي حاجته، وقد تكون المسافات قدر مئات الأمتار بين تحجب الرياح فتحتفظ الساحات ببرودتها صيفاً.


187 🗏

الاجتهاد

إن من أهم نتائج هذا الجزء (أي نزع الملكية) هو أن من سمات مقصوصة الحقوق حفظ حقوق الملاك بطريقة يستحيل معها لأي فرد التعدي على هذه الحقوق. فكل عقار له استقلاليته وحرمته وسيطرة المالك التامة على ملكه مطمئنا أبد الدهر بأنها لن تسلب منه عنوة. فلا يتردد في استثمارها، ولا يفكر في رشوة آخرين للاستفادة منها. وقد رأينا في الحديث عن الضرر كيف أن الشريعة منحت للمتصرف المالك حقوقاً مكنته من إطلاق التصرف في ملكه. أي أن الشريعة حفظت ملك من مكنت له التصرف ليصبح فرداً فاعلاً في المجتمع. فكر أخي القارئ، فهل هناك نظام من وضع البشر يحفظ للناس حرمة عقاراتهم كالإسلام، ويحميهم من السلطات في أفعالهم؟ والإجابة بالنسبة لي: «لا».
ولعل من النتائج المهمة لهذا الفصل ما يتجلى من سؤالك الآتي: لم كل هذه الضجة لهذا المؤلف عن مجرد نزع ملكيات أدت لظلم بعض الأفراد على يد قلة من المسؤولين الضالين، فهذا أمر لا مفر منه في المجتمعات البشرية ويقع من البعض فقط ؟ فأجيب: إن المسألة ليست بهذه البساطة. فهل رأيت أمة عزيزة وأفرادها أذلاء؟ أو هل رأيت أمة ذليلة وأفرادها أعزاء؟ بالطبع لا. فمعظم من يفكرون في عزة الأمم المسلمة من المسؤولين يريدون تحقيق العزة بتسخير الشعوب لهدف العزة، وبهذا فهم يرسمون طريق العزة كأن يحسنون مدنها مثلاً، ويشيدون الصناعات بمعرفتهم ونحوها من سياسات وهذا المسلك يغير مقصوصة الحقوق. من هنا يأتي الاستعباد الذي يفقد الناس الهمة والمثابرة ليحدث العكس، أي لتذل الأمة. وهذا ما حاولت الشريعة تلافيه، أي تلافي الاستعباد داخل كيان المجتمع المسلم ليتحرر الأفراد فينطلقون في العطاء الذي إن تراكم عزت الأمة وازدهرت.
وهنا لابد من كلمة توضيحية عن الاجتهاد كما لاحظت أخي القارئ فإن هذا الكتاب ضد الاجتهاد. فلعلك تقول: كيف يرفض مسلم الاجتهاد في هذا العصر المليء بالمستجدات؟ وماذا عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري والذي رواه عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)؟"" أقول: هذا إن لم يكن هناك نص كما هو معلوم. أما إن كان هناك نص كما رأينا في مسألة نزع الملكية، وسترى الكثير من الأمثلة في الفصول القادمة بإذنه تعالى، فلا يحق لأحد الاجتهاد مهما تغير الزمان وتغير المكان. وسأحاول جاهداً في الفصول القادمة بحول الله وقوته أن أثبت لك أن سبب تخلف المسلمين هو الاجتهاد فيما كان فيه نص، فاختلت الحقوق بين الحاكم والمحكوم. ولكن فقط للتلخيص السريع لمسألة الاجتهاد أقول : هناك عدة أنواع من المسائل التي تتطلب الاجتهاد، منها ما هو مستجد ولحظي وقد لا يتكرر، ومنها ما هو متكرر ولكن على فترات متباعدة، ومنها ما هو دائم التكرار. فمن أمثلة المسائل التي قد لا تتكرر هو أخذ قرار بالصلح مع عدو أنهك المسلمين، ونحوها من ظروف محددة برغم أنها تهم الأمة إلا أنها قد لا تمت لمقصوصة الحقوق بصلة، وهذه التي يشملها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. وحتى مثل هذه الاجتهادات، فإن طبقت مقصوصة الحقوق فستضمحل الحاجة إليها كما سيأتي في فصل «الحكم» بإذن الله. أما أمثلة ما قد يتكرر ولكن على فترات متباعدة فهو تعيين حاكم أو قاض لإقليم ما مثلاً. فمتخذ القرار سواء كان فرداً أو جماعة بحاجة للاجتهاد للمفاضلة بين الأفراد. وبالطبع لا أستطيع الخوض في مدى حاجة الأمة لما سبق من مسائل اجتهادية، فهي خارج دائرة معرفتي


۲ قصور العقل
١٤٧
أما ما هو كثير التكرار، وهو الأهم لموضوعنا لأن في كثرة التكرار إن زلت الفتوى مضرة شديدة على الأمة)، فبالإمكان قسمته إلى أربعة أقسام الأول مرتبط بالعلاقة بين الإنسان وربه، مثل العبادات، وهذه بها مستجدات بحاجة للاجتهاد، مثل مدى مسافة قصر السفر بالسيارة لمن يعمل بعيداً عن داره ويسافر لعمله يومياً، ومثل رفض البعض لخلع الأحذية عند دخول المساجد ذات السجاد في أيامنا هذه. والثاني مرتبط بعلاقة الإنسان بربه إلا أنه ليس بالضرورة من العبادات المتكررة بالنسبة للفرد، مثل حكم أنابيب الأطفال أو حكم زرع الكلى. الثالث مرتبط بعلاقة الإنسان بإنسان آخر، وهذه كثيرة جداً في مسائل المعاملات، مثل حكم بناء درج يؤدي للسطح في منزل زيد مما قد يضر جاره عبيد، فهل يهدم الدرج أم يمنع زيد من صعود السطح أم يجبر على بناء سور في سطح منزله حتى لا يكشف فناء جاره، وفي مثل هذه المسائل تكثر الاختلافات في اجتهادات الفقهاء. وقسم رابع مرتبط بعلاقة الإنسان بالآخرين عموماً أو من يمثلهم، أي مرتبط بعلاقة الإنسان بالسلطات أو الحاكم مثل جواز إحياء الأرض دون إذن الإمام أو نزع الملكية التي تحدثنا عنه أو أخذ الزكاة: فهل للحاكم أخذ الزكاة من الناس أم للناس دفعها لمستحقيها حتى وإن طلبها الحاكم ؟ ولا أريد الخوض أبداً في القسمين الأولين، فهما خارج نطاق هذا الكتاب وهما اللذان لمن له حق الاجتهاد في المستجدات الإفتاء فيهما . وهما الحيز الذي ينطبق عليه حديث الاجتهاد، والله أعلم. أما القسمين الثالث والرابع ففيهما الإشكالية بالنسبة لي. لماذا؟
بالنسبة للقسم الثالث، وهي علاقة الإنسان بالآخر، فحتى وإن اختلفت المذاهب فإن معظم الآراء محقة برغم ظاهرها بأنها مختلفة إن لم تقحم الحاكم في المسألة، وقد وضعت الكثير من النوازل عن العمران في كتاب «عمارة الأرض» لتوضيح هذه المسألة والعلة في ذلك، والله أعلم، هو أن الحق إن تغير من زيد لعبيد عند عمرو من الفقهاء، أو تغير من عبيد لزيد عند بكر من العلماء، فإن الحق لازال بين الناس ولم ينتقل للسلطات. مثال ذلك حق الجلوس في الأسواق، هل يقدم من كان دائم الجلوس في موضع ما وعرف به أم لا؟ حتى في هذا القسم فهناك مذاهب أصلح للبيئة من مذاهب أخرى، ولأن الاختلافات بين المذاهب هي داخل حيز معين، فمهما أخطأ العلماء فإن الخطأ سينقل الحق من فرد لآخر، وبرغم الظلم على أحد الطرفين، إلا أن هذا الاجتهاد قد لا يضر الأمة الضرر الذي سيأتي من الاجتهاد في القسم الرابع، وهو الذي يربط الفرد بمجموع الأمة أو من يمثلهم، أي ولي الأمر. ومن الأمثلة على القسم الرابع حديث الضرر ونزع الملكية اللذان تحدثنا عنهما. ومن الأمثلة القادمة الفيء، فمن حق من سيكون الفيء؟ وما أحاول طرحه في هذا الكتاب هو أن جميع ما يربط الفرد بالأمة أو السلطة من حقوق تمكينية أتت بها الشريعة واضحة إلا أن الاجتهاد فيها هو الذي أدى لتخلف المسلمين. ففيها نصوص قطعية مثل قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ومثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد عندما طلب الناس منه التسعير عند غلاء الأسعار: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال . ١٦٢ في مثل هذه المسائل تدخل الفقهاء واجتهدوا واختل الاتزان بين الناس. ولعلك تقول: إن حديث عدم التسعير من سنن أبي داود قد لا يكون في قوة ما إن كان الحديث في صحيح البخاري في قطعيته، لذلك قد يضطر الحاكم للتسعير إن ساء الحال في الأسواق، لذلك تدخل الفقهاء وأفتى بعضهم بجواز التسعير (لا تنسى مثال مرض الإيدز أخي القارئ. وهكذا من ضروريات كما يعتقدون. فأجيب: قد يكون قولك


١٤٨ 🗏
صحيحاً إن لم يستطع أحد الإثبات أن الأمة ستكون في حال أفضل إن هي رفضت التسعير. أما إن أثبت لك أن الأولى لمصحلة الأمة الالتزام بالنص، أي عدم تدخل الحاكم في التسعير، فعندها فإنني في موقف أقوى لأن الحديث والمنطق قد اجتمعا. لذلك أرفض الاجتهاد في هذا القسم الرابع الذي يتم فيه ربط الإنسان مع مجتمعه أو ولي أمره، والذي يؤدي إلى علاقة دائمة الاستمرار مثل إحياء الأرض دون إذن الإمام، فالناس في إحياء دائم للأراضي كل يوم. وهنا تأتي حكمة الشريعة بوضع نصوص قاطعة (مثل منع الربا) حتى لا يتمكن حاكم من إغراء عالم ما ليفتي له بجواز ذلك. فمن بين عشرات الآلاف من العلماء على مر العصور، لابد وأن يبيع عالم ما (وهو ليس بعالم) دينه ويفتي للحاكم بما يلائم أهواءه. وقد يجد حاكم ما من يفتي له بجواز الضرائب شرعاً (وقد حدث، كما سيأتي بيانه بإذن الله)، وهكذا تتراكم الاجتهادات لتجد الأمة نفسها تحكم بدين غير الإسلام برغم حفاظها على الصلوات في المساجد وبرغم اكتظاظ المسجد الحرام بالمعتمرين وزيادتهم. فلا تظنن أن الأمة بخير والحال هذه في الاجتهاد. لذلك فمن حكمة الشريعة أنها أتت بنصوص قاطعة مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والنار والكلأ)، وما هذه النصوص إلا قفل لباب الاجتهاد، بل جد الجذور الاجتهاد في القسم الرابع بالذات. إلا أن بعض العلماء تجرؤا على النصوص فأفتوا بعقولهم القاصرة كما سترى بإذن الله ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. ولتلخيص هذا الفصل أقول: إن للإسلام طريق مرسوم واحد وواضح للعزة. فكما رأينا في أول الفصل فقد أصبحت العقلانية هي كل شيء، وبالذات في إدارة المجتمعات، ولإثبات بطلان هذه الدعوى تقصينا ملكية العلو كمثال لتوضيح الفارق الشديد بين منابع مقصوصة الحقوق في الإسلام وبين منابع منظومات الحقوق المعاصرة. ومررنا سريعاً على حكم من حكم بغير ما أنزل الله وأنه إنما يتبع الهوى ليضل الناس بغير علم. ولإثبات ذلك نظرنا للعقلانية لنثبت أنها أهواء تسيرها المصالح وليست عقلانية مجردة كما يظن الكثير ، فأخذنا مثالين لتأكيد هذا الاستنتاج هما التلوث والمستقبليات، ثم تقصينا نظريات تخلف المسلمين لنستنتج أن معظمها يتهم الإسلام بالتخلف لأنه لا يُعمل عقله في إدارة شؤون حياته، بل يتبع ما أنزل إليه من قرآن وسنة، وأن في هذا كما يزعم منتقدو الإسلام تعطيل للعقل. ثم نظرنا للعقل فوجدنا أنه ليس إلا أداة يجب إطلاقها فقط في التعامل مع كل ما لم يأتِ به نص مثل التعامل مع الأعيان، ولتوضيح هذه المسألة قسمنا عقلية الأمم إلى أربعة سبل بالنسبة لطبيعة القرار. وقلنا أن الإسلام يحث على السبيل الثالث: وهو الاندفاع تجاه الأعيان في طبيعة القرار والمحافظة تجاه الإنسان، أي تعطيل العقل أمام مقصوصة الحقوق مع تحريكه في شتى المجالات، وهذا كما سترى بإذنه تعالى سينهض بالأمة. فكما رأينا من استقصاء لفظ العقل في القرآن وبربطه بالحق، فإن الحق واحد لا يتبدل بتغير الزمان والمكان. ثم أكدنا ذلك من خلال تقصي العقل في السنة المطهرة. ورأينا ما فعله المعتزلة، وكيف أن بعض الفقهاء المعاصرين، وبحسن نية منهم، نهجوا نهجاً مشابهاً في أصول الفقه بإعمال عقولهم بالاستحسان وتقييد الحق، فتغيرت مقصوصة الحقوق، وما نزع الملكية إلا مثال واحد لهذا التغيير. وهناك أمثلة أخرى سنأتي عليها بإذنه تعالى. وجميع هذه التغييرات تراكمت وأدت لفقدان الناس لحقوقهم، فضُيقت الآفاق الإنتاجية على الناس واضمحلت هممهم فازدادت البطالة، كما سترى بإذن الله، وأتى التخلف بسبب شلل المجتمع. ومثالنا الأهم على هذا هو قتل إحياء الأرض، وهو أحد موضوعات الفصل الآتي: أي فصل ((الخيرات)).