المكوس
تحذير
هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.
الفصل التاسع
المكوس
اجتهاد أم قذف بالغيب؟
﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
منهم من
قلت في فصل «الديوان أن هناك وسيلتين لظهور الدولة في العالم الإسلامي، فهناك البذرة، وهذه تحدثنا عنها في فصل «دولة الناس»، ثم نمو البذرة، أي آليات النمو المالي للدولة، وهي ما تحدثنا عنها في فصل «الديوان» وسأوضحها في باقي هذا الفصل بإذن الله. كما أنني سبق وأن قلت (ولم أثبته بعد أن هناك طريقاً تصاعدياً للسمو لأن حركيات الشريعة تشد بعضها بعضاً، أو أن هناك طريقاً منحدراً آخر للفساد لأن آليات الحكم بالعقل تشد بعضها بعضاً فتسحب المجتمع للفساد. وفي هذا الفصل سأنقد بعض العلماء المعاصرين في العالم الإسلامي لأنهم حاولوا ويحاولون أثابهم الله من خلال اجتهاداتهم إخراج الأمة المسلمة من التخلف، فما كان أمامهم إلا التأثر، أو الاقتداء في أسوأ الأحوال، بمن ملك التقنية والتنظيم في المجتمعات المعاصرة غير المسلمة، فكان الأخذ . خلال أسلمة أنظمتهم كما سيأتي بإذن الله . ولنبدأ بالمثال الآتي: لنقل بأن هناك لصاً سرق مالاً ثم ورثه ابنه الذي استثمره، ثم انتقل المال إلى الحفيد والذي أصلحه الله وهداه، فأراد دفع الزكاة، فهل نقبل منه الزكاة أم نطالبه بإعادة المال لأهله؟ لأننا إن لم نحاول إرجاع الحق لمن سُرق منهم ، فإننا بأخذ الزكاة وكأننا رضينا بالأمر الواقع برغم قناعتنا بحرمة السرقة. وهذا مثال متطرف للتوضيح. لنقل الآن بأن برلماناً أو مجلس شورى أو مجلس أمة وضع قانوناً بملكية معدن ما للدولة وأن للدولة منح حق امتياز استخراج ذلك المعدن لمن ترى فيه الصلاح. ثم عند تطبيق القانون حددت الجهة الملائمة للتمتع بحق الامتياز فقامت باللازم. عندها فإن ملاك تلك الجهة سيصبحون أكثر ثراء من غيرهم لأن أبواب التمكين فتحت لهم وليس لغيرهم. وقد يستثمر هؤلاء المال الذي ربحوه من المنجم في إنشاء مصانع تفيد الأمة. وبالطبع فسينفقون جزءاً من المال في تعليم أبنائهم. وهؤلاء الأبناء بما لديهم من تعليم (كالطب مثلاً) فإنهم أكثر تمكيناً من غيرهم، وبذلك فسيحصلون على دخل مالي أكبر. وعندها قد يستثمرون مدخراتهم في أسهم الشركات وغيرها من الاستثمارات المعروفة، وهكذا يزدادون ثراء مقارنة بأبناء من يعملون في المنجم من العمال والذين لم يحظوا بالحصول على حق الامتياز لاستخراج المعدن. إن هذا الوضع قد يبدو ونظامياً في عصرنا برغم أنه مشابه لسرقة اللص للمال الذي تحدثت عنه لأن من كان له حق استخراج المعدن استفرد به لأن الآخرين منعوا منه فظهر فائض في العمالة في السوق مكن من حصل على حق الامتياز من تشغيل الآخرين بسعر منخفض.
طبيعيا
٨٥٣
٨٥٤ 🗏
لاحظ أنني هنا وضعت مثالاً نموذجياً لم أشر فيه إلى أي احتمال للتلاعب من قبل المسؤولين، فهناك ألف
طريقة وطريقة لمنح حق الامتياز للمقربين من السلاطين والمسؤولين، وليس بالضرورة لمن هم أكفأ، ولاحظ أيضاً أن من حصلوا على حق الامتياز قد أحسنوا الاستثمار ولم أقل بأنهم استخدموا ما جمعوه من مال في تمكين أكبر برشوة المسؤولين والحصول على حقوق امتياز تنقيب في مناطق أخرى هم ليسوا لها بأكفاء، ولاحظ أنني قلت بأنهم استثمروا الأرباح في تعليم أبنائهم، وفي إنشاء مصانع تفيد الأمة ولم أقل بأنهم استثمروها في نشاطات تدمر الاقتصاد المحلي كاستيرادات تُعفى من الجمارك برشوة المسؤولين. فقد يقوم مستثمر بوضع قانون قد يعرقل إنشاء مشروع مائي ليخفف من زراعة الحبوب لأنه هو الذي يستوردها من الخارج. وهكذا. أي كما وصل المال لحفيد اللص بغير حق فهو قد وصل لمعظم الناس في الوضع المعاصر بغير حق لأنه أخذ بطريقة غير عادلة بالضرورة باتباع منظومات حقوقية بشرية قاصرة تفاضل بين الناس هذا ما يحاول هذا الفصل تبيانه، بالإضافة إلى الآتي:
إن الخروج عن شرع الله في مقصوصة الحقوق يكون في الغالب من طريقين: الأول هو استحواذ الحكومات على الأموال التي تمكنها من تسخير الأفراد للحكم بغير ما أنزل الحق سبحانه وتعالى، وهذا ما ركزت عليه سابقاً وسيأتي بعض تفصيله بإذن الله. والطريق الثاني هو استحواذ الحكومات على القرارات التي كانت من حق الناس شرعاً لتصبح عرفاً وقانوناً من حق الدولة. وكما ترى فإن هذين الطريقين يوضحان فقط آليات التغيير التي حدثت، لذلك فإن ما بقي في هذا الفصل لن يضيف لك كثيراً أخي القارئ في موضوع التمكين إلا إن كنت من علماء الشريعة أو التخصصات ذات العلاقة بتاريخ الأمة الإسلامية اقتصادياً أو سياسياً، فهناك تفاصيل دقيقة مهمة لن تهم القارئ غير المتخصص. لذلك يمكنك قفز الأتي من هذا الفصل والتوجه إلى عنوان: «السياسة الشرعية» ثم إلى فصل «ابن السبيل» إن لم تكن من المهتمين بتفاصيل الكتاب.
أيهما أهم، التركيبة السياسية أم الاقتصادية؟ لعلك لاحظت أن أهم ما يشكل الحياة هو العقيدة التي يتبناها المجتمع، وهذه كما رأينا في الفصول الثلاثة السابقة تشكل ملامح الهيكل الاقتصادي للأمة، والذي يُشكل بالتالي الهيكل السياسي. فإن تغيرت المنظومة الاقتصادية عما أتت به الشريعة وتمكنت الدولة من امتلاك الأصول المنتجة كالأموال زادت سلطاتها وتمكنت من تسيير معظم شؤون الحياة. وتزداد سيطرة الدولة بزيادة ما تحصل عليه من أصول منتجة كالأراضي التي بها المعادن. ونظراً لأن الأمة الإسلامية تخلفت بسبب الخروج عن مقصوصة الحقوق، ونظراً لأن الغرب تقدم بسبب نظامه الاقتصادي السياسي، فإن العلماء المسلمين ظنوا أن هناك ما يمكن أن يستفاد منه من الغرب الرأسمالي الديمقراطي بالإضافة للتقنية، مثل فرض الضرائب أو إباحة الجمارك، وهذا ما أرفضه لأنه لا نص شرعي يدعمه. وألخص لك في الآتي مقتطفات من حوار دار مع زميل «ملتزم» لأكثر من ساعتين عن أهمية التمسك بالنص. قلت له: «لا وسيلة لنا لمعرفة الحق من الباطل إلا بالرجوع للنص. فلا علاقة لنا بالله جلت قدرته وما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من خلال النص، فالنص هو الحبل الذي يربطنا بما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب التمسك به. وهذا من إعجاز الإسلام كدين أنه ركز على النص لتنتقل التعاليم من جيل لآخر دونما أدنى تغيير. أما ما عدا النص فلا نأخذ به في مقصوصة الحقوق». بالطبع هنا قال مستنكراً: «ولكن هناك إضافات فقهية مهمة مثل ما أتى به الشاطبي رحمه الله في كتابه «الموافقات»، وغيرها كثير من إنتاج الفقهاء الذين أثروا الأمة. فمن خلال كتابات الشاطبي وغيره وبالرجوع للمقاصد الكلية للشرع ولمصالح العباد أو المصالح
المكو
100
المرسلة وما شابه من أدوات نستطيع أن نتبين ما قد يفيد الأمة المسلمة ومن ثم قد نقتبس من تلك الشعوب؛ فما الضرر من الأخذ من مجتمعات أخرى متقدمة، أو تقبل ما أتى به مثل هؤلاء العلماء الكبار الأفاضل؟». هنا قلت موضحاً ومؤكداً: «أرجو أن تلتفت بأن حديثي هو عن مقصوصة الحقوق وليس أمور الحياة الأخرى مثل الفتاوى بشأن زرع كلية مثلاً». ثم سألت: «هل أتى الدين مكتملاً أم لا؟ ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ؟». ثم أتممت مستطرداً: «فإن وافقت أن الإسلام أتى مكتملاً فلا حاجة للأخذ من أمم أخرى في قضايا الحقوق». لاحظ أنني أركز على قضايا الحقوق فقط، فلا علم لي بشيء آخر خارج دائرة الحقوق كما ذكرت لأن الطرح الذي أطرحه هو أن أي أخذ من أي أمة أخرى في قضايا الحقوق مهما كان طفيفاً سيغير موازين المسؤوليات بين الأفراد فتتراكم السلطات لدى جهة على حساب جهات أخرى وبالتالي تتسع الصلاحيات لجماعات فتنقلب الأمور. هذه نقطة مهمة ويجب الالتفات لها وهي أن ما أحاول طرحه هو التأكيد على عدم أحقيتنا كأمة مسلمة في الاقتباس من أي أمة أخرى أو حتى الأخذ برأي أي فقيه إلا إن كان تقنياً فقط وبحذر شديد. فأي اقتباس أو تأثر لا تقني سيؤدي لتغيير مقصوصة الحقوق بالضرورة. أي يجب أن تتطور عند المسلمين ثقافة أن كل ما لم يأت به الشرع فلابد وأن يكون مدمراً للمجتمعات وللكرة الأرضية، لا أن نقول أن الزمن قد تغير وأن الظروف قد تغيرت وأن الإسلام دين قابل للتأقلم مع كافة العصور فنضيف له ما ليس منه، حتى وإن كانت الإضافة من عالم مجتهد فذ لأن هذا ينافي كمال الإسلام في الحقوق. أي يجب أن تكون قناعاتنا دوماً بالعبارة الآتية التي سأثبت لك صحتها بإذن الله: حيث وجد الشرع فثم المصلحة، وليس العكس: حيث المصلحة فثم شرع الله . وهذا مبدأ مهم. فكل ما لم يأت به الشرع لابد وأن يكون شاذاً على الأمة. فالإسلام مثلاً لم يأت بأسهم الشركات وبالتالي لم يحللها ولم يحرمها؛ عندها يكون السؤال الملح هو: ما زكاتها؟ هنا أقول أنه يجب أن تكون ثقافة المسلمين ألا نبحث عن جواز الأسهم وبالتالي مقدار الزكاة لأن فيه مضرة بالتأكيد لأنه لو كان خيراً للأمة لأتى به الإسلام. فالإسلام سكت عنه لحكمة كما سترى بإذن الله. ولكنك قد تقول: «إلا أن الشركات ذات الأسهم قد انتشرت، وأن هذا بلاء قد عم وأنه يجب على العلماء إفتاء الناس. فلا يعقل أن يمتلك فرد عشرات ملايين الجنيهات في الأسهم ثم لا تؤخذ منه الزكاة وهناك في الوقت ذاته ملايين الفقراء». فأقول: لقد عم بلاء الأسهم لأننا لم نطبق الشرع، فإن طبقناه لما ظهرت الشركات ذات الأسهم، ولكان المجتع إنتاجياً ذو تركيبة مختلفة تماماً كما سترى بإذن الله، فإن أوجد الفقهاء من خلال أدوات الاجتهاد طريقاً لإخراج زكاة الأسهم فإن الوضع سيزداد سوءاً (تذكر مثال (الإيدز) لدرجة أنه لن يكون هناك فرق بين مجتمع مسلم وغير مسلم إلا من خلال المساجد والصوم في رمضان والطواف للملايين حول الكعبة. وهل هذا هو الفارق بين الإسلام والكفر؟ أي أن ثقافة «أن الإسلام دين كامل وأن كل ما ظُن أنه جديد هو مضرة في مقصوصة الحقوق» لابد وأن تنتشر وتعم بين جميع المسلمين لأن أي إضافة لابد وأن تكون باستخدام العقل القاصر. بالطبع سترفض مرة أخرى هذا المنطق وتقول: ولكن ما الضرر من الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى؟ فأجيب: إن أثبت لك أننا لسنا بحاجة لأن نأخذ أي شيء من الأمم الأخرى في كل ما هو متعلق بالحقوق أي في كل ما هو تنظيمي اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً، وأننا إن أخذنا أياً من تلك التنظيمات فإن في هذا ضياع أكيد للأمة، فلابد لك وأن توافقني، وهذا ما سأحاوله بإذن الله. وهذه النقطة كنت قد وضحتها في الفصول السابقة مراراً وكررتها هنا لأهميتها، فقد وضحتها بنوع من التفصيل في «قصور العقل» عند الحديث عن القواعد والمبادئ المستنبطة من حديث الضرر.
٨٥٦ 🗏
الأصول المنتجة
إن «الأصول المنتجة» عبارة شاع استخدامها بين المتخصصين في الاقتصاد وهي تعني كل ما من شأنه تمكين من . ملك هذه الأصول، مثل المعادن في باطن الأرض وظاهرها، ومثل الأراضي الموات والأراضي التي ليس لها مالك، ومثل المصانع التي تم استثمار الأمة فيها، ومثل شواطئ الأنهار والبحار التي يمكن استثمارها، بل وحتى حق منح الامتياز لفعل ما فقد أعطت مثلاً دولة موريتانيا لبعض الدول الأوروبية حق الصيد في المياه الإقليمية الموريتانية، وبهذا تضرر الكثير من الصياديين المحليين، بينما تقول الدولة بأنها بحاجة للسيولة النقدية، لذلك منحت تلك الشركات الأوروبية حق الصيد، وبهذا فإن الدولة التي حصلت على المزيد من المال لتزداد سطوة على الناس الذين قل دخلهم بسبب تمكن الشركات ذات المعدات المتقدمة من تحديد مواضع الأسماك وصيدها بكميات كبيرة حتى وإن أدى ذلك إلى انقراض بعض أنواع الأسماك التي لا تحرص الشركات على تلافي الصيد وقت تكاثرها، بينما الصيادون في حيرة من هذا الاستنزاف للطبيعة التي من حولهم والتي هي مصدر رزق لهم. أي أن الأصول المنتجة ليست بالضرورة أعيان كالمعادن، ولكنها قد تكون حقوق ممنوحة بأنظمة وقوانين مثل قوانين حق التعلي في البنيان أو حق فتح طريق ما. والأصول المنتجة كما هو معلوم مصدر مهم من مصادر التمكين، فمن تحكم فيها فقد تحكم في خير كثير. وقد تحدثنا عن أهمها في الفصول السابقة كملكيات المعادن وحديث الضرر، وسنأتي على أصول منتجة أخرى في فصول قادمة بإذن الله. ولكن المهم لنا الآن هو أن هذه الأصول المنتجة كما هو معلوم في جميع الحضارات (إن استثنينا الإسلام) هي ملك للأمة، والتي تمثلها مؤسسات الدولة ولها التصرف بها، والاختلافات بين الحضارات هو في عقيدة أو طريقة تحويل هذه الأصول المنتجة إلى الأفراد حتى تتم الاستفادة منها. هنا وقع قليل من الفقهاء وكثير من الباحثين في حيرة لأن الإسلام كما رأينا يقف حاجزاً بين الدولة وبين الناس ممن أرادوا الحصول على أي من هذه الأصول من خلال المبادرة والعمل. فلا يعطي الإسلام الدولة الحق في منع من وصل لهذه الأصول من امتلاكها وحتى إن كان دون إذن من السلطان وذلك حتى يزداد عدد الأفراد المتمكنين في الأمة. لهذا حار بعض الفقهاء وبالذات الذين ابتعدوا عن النصوص وأخذوا بالعقل أو بالرأي كالإمامية، فقد حاروا لأن في فتح أبواب التمكين للناس إضعاف لكيان الدولة، إذ أن مواردها المتوقعة من الأصول المنتجة ستنضب، لذلك سنبدأ بنقد موقف الإمامية بإذن الله لأنه الأكثر وضوحاً في الضياع، ثم ننقد العلمانيين المعاصرين من المسلمين لأنهم يلونهم في الضياع، ثم أخيراً نذهب للأخف وضوحاً وهم القلة من علماء أهل السنة والجماعة (والحمد لله أنهم قلة):
الإمامية
إن كتاب «اقتصادنا» للسيد محمد باقر الصدر يعتبر من الكتب التي نجحت في نقد الاشتراكية. إلا أن أفكاره بكل هذا الوعي ضد الاشتراكية تدفع المجتمع المسلم ليكون قريباً من الاشتراكية في اقتصادياته، ولكن أخلاقية إسلامية، هذا ما تستنتجه من كتابه إن تدبرته فكما ذكرت في فصل سابق فقد دعى الصدر إلى تمليك الدولة للأراضي التي فتحت عنوة إذ أنه رجح تخيير الإمام بين قسمة الأرض أو عدمها أو تأجيرها أو نحوها من قرارات تعكس المصلحة العامة والآتي هو بعض المقتطفات من كتابه:
بقيم
۹
المكو
«وقد ذكر بعض المفكرين الإسلاميين أن حادثة معاملة خيبر هذه دليل قطعي على أن من حق الدولة أن تمتلك أموال الأفراد، الأمر الذي يقرر جواز التأميم في الإسلام. لأن القاعدة العامة في الفيء تقسيمه على المقاتلين، فالاحتفاظ به للدولة دون تقسيم على مستحقيه تخويل للدولة في أن تضع يدها على حقوق رعاياها متى رأت في ذلك مصلحة تقتضيها سعادة المجموع، فصح إذن: أن للدولة حق تأميم الملكيات الخاصة. ولكن الحقيقة أن احتفاظ الدولة بالأراضي المفتوحة، وعدم تقسيمها بين المقاتلين كما تقسم سائر الغنائم ليس تطبيقاً لمبدأ التأميم، وإنما هو تطبيق لمبدأ الملكية العامة. فإن الأرض المفتوحة لم تشرع فيها الملكية الخاصة. وتقسيم الفيء: (الغنيمة) مبدأ وضعه الشارع في الغنائم المنقولة فقط. فالملكية العامة للأرض المفتوحة إذن طابع أصيل لها في التشريع الإسلامي، وليست تأميماً وتشريعاً ثانوياً، بعد تقرير مبدأ الملكية الخاصة. وعلى أي حال، فإن أكثر النصوص التي قدمناها تقرر : أن رقبة الأرض - أي نفس الأرض - ملك لمجموع الأمة، ويتولى الإمام رعايتها بوصفه ولي الأمر، ويتقاضى من المنتفعين بها خراجاً خاصاً، يقدمه المزارعون أجرة على انتفاعهم بالأرض. والأمة هي التي تملك الخراج، لأنها ما دامت تملك رقبة الأرض، فمن الطبيعي أن تمتلك منافعها وخراجها أيضاً».
٨٥٧
هنا كما ترى فإن محمد باقر الصدر لا يقبل بمبدأ تقسيم الأرض التي فتحت عنوة بين الغانمين، بل هي لمجموع الأمة. ولإثبات قوله هذا يأتي ببعض الأدلة منها مثلاً التشكيك في تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لخيبر.
فيقول في ذلك:
ولكنا نشك في صواب هذا الاعتقاد كل الشك، حتى لو افترضنا صحة الروايات التاريخية التي تحدثت عن تقسيم النبي (صلى الله عليه وسلم خيبراً على المقاتلين. لأن التاريخ العام الذي ينقل هذا، يحدثنا عن ظواهر أخرى في سيرته الرائدة، تساهم في فهم القواعد التي طبقها النبي (صلى الله عليه وسلم) على غنائم خيبر. فهناك ظاهرة احتفاظ النبي (صلى الله عليه وسلم) بجزء كبير من خيبر المصالح الدولة والأمة ...». ٢
ولكن ماذا عن آية الغنائم التي تحدثنا عنها ؟ أي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، فهذا نص جلي واضح ؟ ثم يقول في موضع آخر ملخصاً: ويمكننا أن نستخلص من هذا العرض أن كل أرض تضم إلى دار الإسلام بالجهاد، وهي عامرة بجهود بشرية سابقة على الفتح .. تطبق عليها الأحكام الشرعية الآتية: أولاً: يكون ملكاً عاماً للأمة، ولا يباح لأي فرد تملكها والاختصاص بها. ثانياً: يعتبر لكل مسلم حق في الأرض، بوصفه جزءاً من الأمة، ولا يتلقى نصيب أقربائه بالوراثة. ثالثاً: لا يجوز للأفراد إجراء عقد على نفس الأرض، من بيع وهبة ونحوها. رابعاً : يعتبر ولي الأمر هو المسؤول عن رعاية الأرض واستثمارها، وفرض الخراج عليها عند تسليمها للمزارعين. خامساً: الخراج الذي يدفعه المزارع إلى ولي الأمر، يتبع الأرض في نوع الملكية فهو ملك للأمة كالأرض نفسها. سادساً: تنقطع صلة المستأجر بالأرض عند انتهاء مدة الإجارة، ولا يجوز له احتكار الأرض بعد ذلك. سابعاً : أن الأرض الخراجية إذا زال عنها العمران وأصبحت مواتاً لا تخرج عن وصفها ملكاً عاماً، ولا يجوز للفرد تملكها عن طريق إحيائها وإعادة عمرانها من جديد. ... » . .
٨٥٨ 🗏
إن تأملت السابق أخي القارئ ستحتار في السؤال الآتي: ما الفرق الجذري بين الإسلام والاشتراكية إذاً؟ فولي الأمر أو من يقوم مقامه هو المسؤول عن هذه الأراضي ولا حق لمن يعمل فيها لا في توريثها ولا في بيعها ولا في هبتها. كما أن المسؤول عن استثمارها وتحديد قدر الخراج هو الدولة. وهل من في الدولة إلا رجال ذوو أهواء في الغالب؟ أي أن هذه النظرية في الملكية ما هي إلا نظرية تقتل جميع الهمم لدى الأفراد وكأنها اشتراكية. ولاستحالة تطبيق نظريته هذه لأن الأراضي المفتوحة والتي كانت عامرة يستحيل أن تُعرف الآن)، فهو يريد أن يعيدنا تاريخياً لمعرفة مواقع هذه الأراضي فيقول:
وعلى هذا الأساس، نصبح اليوم في مجال التطبيق بحاجة إلى معلومات تاريخية واسعة عن الأراضي الإسلامية، ومدى ،عمرانها لنستطيع أن نميز في ضوئها المواضع التي كانت عامرة وقت الفتح، عن غيرها من المواضع المغمورة، ونظراً لصعوبة توفر المعلومات الحاسمة بهذا الصدد اكتفى كثير من الفقهاء بالظن، فكل أرض يغلب على الظن أنها كانت معمورة حال الفتح الإسلامي تعتبر ملكاً
للمسلمين، ... » .
٤
ولكن إن قلت أن هذه الأراضي هي القلة، فماذا عن الأهم، أي ماذا عن الأراضي الموات، وهي أهم مصدر للأصول المنتجة من الأراضي ؟ أقول : لقد حشد مؤلف كتاب «اقتصادنا» الدليل تلو الآخر ليثبت أن ملكيتها للإمام. فيقول في مقدمة حديثه عن الأرض الميتة:
«وإذا لم تكن الأرض عامرة حين دخولها في الإسلام لا بشرياً ولا طبيعياً .. فهي ملك للإمام، – وهذا ما نصطلح عليه اسم ملكية الدولة - وليست داخلة ضمن نطاق الملكية الخاصة، وبذلك كانت تتفق مع الأرض الخراجية في عدم الخضوع لمبدأ الملكية الخاصة. ولكنها تختلف عنها مع ذلك في شكل الملكية. فالأرض العامرة حال الفتح تعتبر حين ضمها إلى حوزة الإسلام ملكاً عاماً، للأمة، والأرض الميتة تعتبر حين دخولها في دار الإسلام ملكاً للدولة».
٥
ولأن الأدلة التي أوردها ركيكة فلم استثمر أي وقت في الرد عليها بالتخصيص، إذ أنني كنت قد رددت عليها في الرد على المذهب الحنفي الذي يشابه ما ذهب إليه الإمامية في التمكين ولكن بحدة أقل بكثير. من هذه الأدلة مثلاً ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (من أعمر أرضاً فهو أحق بها. فيعلق محمد باقر الصدر على الحديث قائلاً: «لأن هذا الإذن صدر من النبي [صلى الله عليه وسلم] بوصفه حاكماً ورئيساً للدولة الإسلامية، لا باعتباره نبياً، فلا يمتد مفعوله مع الزمن، بل ينتهي بانتهاء حكمه». فمن أين أتت هذه المقولة من أن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما يؤخذ به لأنه نبي ومنها ما يترك لأنه حاكم؟ وكيف تتقابل هذه المقولة مع قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ؟ وبالطبع فإن محمد الصدر يدعم مذهبه هذا بأقوال بعض فقهاء الإمامية، مثل قول محمد بن الحسن الطوسي الذي يقول في «المبسوط»: «فأما الموات فإنها لا تغنم، وهي للإمام خاصة، فإن أحياها أحد من المسلمين كان أولى بالتصرف فيها ، ويكون للإمام طسقها». ثم يقول ملخصاً في عدة نقاط أحكام الموات كالآتي:
«أولاً: أنها تعتبر ملكاً للدولة. وثانياً : أن إحياءها من قبل الأفراد جائز مبدئياً، ما لم يمنع عنه ولي الأمر. ثالثاً: أن الفرد إذا أحيا أرضاً للدولة وعمرها، كان له فيها الحق الذي يخوله الانتفاع بها، ويمنع الآخرين من مزاحمته فيها، دون أن تصبح الأرض ملكاً خاصاً له. رابعاً: للإمام أن يتقاضى من الفرد
۹
المكو
المحيي للأرض خراجاً لأن رقبة الأرض ملكه. ويفرض هذا الخراج وفقاً للمصلحة العامة، والتوازن الاجتماعي. وللإمام أيضاً أن يعفو عن الخراج في ظروف معينة، .....
٨٥٩
ولعلك هنا أخي القارئ تسأل: إن كانت حتى الأراضي الموات ملك للسلطان، ناهيك عن أراضي الغنائم، فماذا بقي للناس ليمتلكوه إلا بعض الأراضي التي ورثوها لأنها الأراضي التي أسلم عليها أهلها أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أن كل ما دخل في دولة الإسلام إما أرض موات أو فيء أو مغنم؟ فما الفرق المهم بين الإسلام والاشتراكية إذاً إن علمنا أن النمو العمراني لابد وأن يكون على أرض تملكها الدولة لأنها ملكت جميع أنواع الأراضي وبالذات الموات؟ وبالطبع فإن الإجابة هي إن طبق ما يدعو إليه محمد باقر الصدر فسيضمحل الفارق الأساسي بين دولة الإسلام وأي دولة اشتراكية أخرى. وإن قرأت كتابه فإنك ستعجب بآرائه لأنها تظهر الإسلام وكأنه مختلف عن النظم البشرية الأخرى، لكن الواقع هو الآتي: لطالما كانت الأصول المنتجة في يد الدولة، والدولة هي أفراد ذوو أهواء، فإنها قريبة من الاشتراكية لاسيما إن علمنا أنه يعتقد بدور قوي للدولة لتوجيه التنمية. فهو يقول في کتاب «اقتصادنا» تحت عنوان: «السياسة الاقتصادية لتنمية الإنتاج»:
«هذه هي الخدمات التي قدمها الإسلام بوصفه المذهبي لتنمية الإنتاج وزيادة الثروة. وترك بعد ذلك للدولة أن تدرس الشروط الموضوعية للحياة الاقتصادية، وتحصي ما في البلاد من ثروات طبيعية، وتستوعب ما يختزنه المجتمع من طاقات، وما يعيشه من مشاكل، وتضع على ضوء ذلك كله، في الحدود المذهبية السياسة الاقتصادية التي تؤدي إلى زيادة الإنتاج ونمو الثروة، وتضمن يسر الحياة ورخاء المعيشة. وعلى هذا الأساس نعرف علاقة المذهب بالسياسة الاقتصادية، التي ترسمها الدولة وتحددها إلى مدى خمس سنوات أو سبع أو أكثر أو أقل للوصول إلى أهداف معينة في نهاية تلك المدة. فإن هذه السياسة ليست جزءاً من المذهب، ولا من وظيفة المذهب وضعها وتحديدها، لأنها تختلف باختلاف الظروف الموضوعية، ونوع الإمكانات التي يملكها المجتمع وطبيعة المشاكل والصعاب التي لابد من التغلب عليها. فالبلاد الكثيفة السكان بدرجة كبيرة مثلاً تختلف عن البلاد القليلة السكان الواسعة الأرجاء في إمكاناتها ومشاكلها وأساليب التغلب على هذه المشاكل وتعبئة تلك الإمكانات. وهكذا يكون لكل ظرف موضوعي أثره في تحديد السياسة التي يجب انتهاجها. ولهذا كان لزاماً على المذهب أن يترك رسم تفاصيل هذه السياسة إلى الدولة، لتصنع التصميم الذي يتفق مع الظروف التي تكتنفها، ويقتصر المذهب على وضع الأهداف الرئيسية للسياسة الاقتصادية،
وحدودها العامة وإطارها المذهبي الشامل، الذي يجب على الدولة التقيد به ووضع سياستها ضمنه».
۹
لعلك لاحظت مدى السيطرة القوية للدولة، فهي تضع الخطط الخمسية أو ما شابه والتي لن تتحقق إلا من
خلال السيطرة على الأصول المنتجة ثم توزيعها أي القذف بالغيب من مكان بعيد، وذلك من خلال وضع الأهداف للدولة ثم وضع الخطط لتحقيق تلك الأهداف. وهذا ما يحاول كتاب «قص الحق» إثبات استحالته بكفاءة لأن في مركزية القرارات هدر كبير وظلم أكبر لبعض الناس. ناهيك عن أن هذه القرارات المركزية هي عينها القذف بالغيب من مكان بعيد مكاناً وزماناً. أريدك أن تتأمل النص الآتي مما قاله في كتابه «اقتصادنا». فحتى المعادن، وهي من أهم الأصول المنتجة، تعتبر ملكاً للدولة في نظره. ولعلك إن كنت اقتصادياً ستسأل نفسك مرة أخرى: ما الفرق الجذري بين الإسلام والاشتراكية أو أي نظام بشري آخر؟ فهذا المنظر يقذف بالغيب من مكان بعيد جداً، إنه يريد الدولة أن تسيطر على جميع الموارد لأنه لا يثق بمقدرة الناس على تنفيذ المشروعات وبالذات
٨٦٠ 🗏
الكبرى منها. فهو يعلل بأنه إن لم يستطع فرد واحد استخراج الثروات كالنفط مثلاً فليس له الحق في ذلك، بل للدولة، فهو قد استبعد تماماً أن يقوم جماعة من الأفراد مجتمعين باستخراج المعادن، ولهذه العلة أعطى هذا الحق للدولة. ولعلك هنا تسأل: ألم ير أو يسمع بما تقوم به الشركات الخاصة والتي لا تمتلكها الدول في استخراج النفط
من بحر الشمال مثلاً؟
«إن التشريع الإسلامي بشأن توزيع الثروات الطبيعية الخام يفسح المجال بطبيعته للدولة لكي تتدخل، وتهيمن على الحياة الاقتصادية كلها، لأن تشريع الإسلام بهذا الشأن يجعل من المباشرة في العمل شرطاً أساسياً في تملك الثروة الطبيعية الخام، واكتساب الحق الخاص فيها – على قول فقهي سبق في بعض الأبنية العلوية - وهذا يعني بطبيعته عدم إمكان قيام الفرد مهما كانت إمكاناته بالمشاريع الكبرى في استثمار الطبيعة وثرواتها العامة، ما دام لا يكتسب حقه فيها إلا بالمباشرة. فيتعين على إنتاج الثروات الطبيعية الخام والصناعات الإستراتيجية أن تتم بتنظيم من السلطة الشرعية، ليتاح عن طريقها إقامة مشاريع كبرى لاستثمار تلك الثروات ووضعها في خدمة المجتمع الإسلامي. وإذا تمت للدولة الهيمنة على الصناعات الاستخراجية وإنتاج المواد الأولية الخام، كان لها بالتالي السيطرة وبصورة غير مباشرة .. على مختلف فروع الإنتاج في الحياة الاقتصادية، لأنها تتوقف غالباً على الصناعات الاستخراجية، وإنتاج المواد الأولية، فيمكن لولي الأمر أن يتدخل في مختلف تلك الفروع بصورة غير مباشرة عن طريق هيمنته على المراحل الأولى والأساسية من الإنتاج، أي إنتاج المواد الطبيعية» . ١٠
۱۰
والسؤال هو: لماذا ذهب محمد باقر الصدر لكل هذا التجميع للثروات للدولة؟ والإجابة هي بالطبع لأنه لم يقتنع أن الإسلام أتى مكتملاً، لذلك لابد من إكماله حتى يلائم جميع العصور، وكيف يكتمل إن لم يكن بالقذف من مكان بعيد؟ فهو يقول مثلاً بأن هناك فراغاً في التشريع وعلى الدولة أن تملأه، تأمل قوله:
«ولا يقتصر تدخل الدولة على مجرد تطبيق الأحكام الثابتة في الشريعة، بل يمتد إلى ملء منطقة الفراغ من التشريع، فهي تحرص من ناحية على تطبيق العناصر الثابتة من التشريع وتضع من ناحية أخرى العناصر المتحركة وفقاً للظروف..... وفي المجال التشريعي تملأ الدولة منطقة الفراغ التي تركها التشريع الإسلامي للدولة، لكي تملأها في ضوء الظروف المتطورة، بالشكل الذي يضمن الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي، ويحقق الصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية».
۱۱
إن قرأت كتاب «اقتصادنا» ستلحظ وكأن المؤلف يوجه النصوص لتستنتج أن جميع الموارد يجب أن توضع في يد إمام عادل، وأن هذا الإمام العادل سيأتي بالعدل المطلق في التوزيع إن هو ملك جميع الأموال. ولكن السؤال هو: متى سيظهر هذا الإمام؟ وهل حتى يظهر تتمزق الأمة من جراء وقوع هذه الأموال في أيدي سلاطين نهابين وهابين ليس لهم هم إلا التمتع والاستكبار والإفساد في الأرض؟ وهذه القناعة بأن العدل سيأتي يوماً ما على يد سلطان عادل إن هو ملك جميع الأصول المنتجة هو ما يرفضه كتاب «قص الحق» لأن القناعة الدفينة فيه هو أن الله سبحانه وتعالى عادل، وأن من عدله أنه أنزل للمسلمين مقصوصة من الحقوق تضع الأصول المنتجة في أيدي الناس لأن المال مصدر للتسلط، لذلك لن توضع الأصول المنتجة في يد سلطان ما. فها قد انتظرنا ألف وأربع مائة سنة، ووضعنا الآن من أسوأ الأوضاع. فكم سننتظر أيضاً؟ والظاهر فأنا لم أقرأ إلا القليل من كتب الإمامية) هو أن هذا التوجه بالثقة المفرطة في السلطان المنتظر أو في الدولة المنتظرة لدرجة لي أعناق النصوص حتى تمتلك الدولة جميع
المكون
٨٦١
الأصول المنتجة ثم تتحكم في إنفاقها هو المنتشر عند الإمامية، وهذا والله أعلم بسبب تمجيد العقل الذي بدأ في توجيه النصوص تأويلاً يلائم النظريات المعاصرة التي تنادي بسيادة الدولة على الموارد، وهو ما أشار إليه الصدر بملء الفراغ. فهو لا يقول «ما قصرت فيه الشريعة»، بل يستخدم تعابير مثل: «ملء منطقة الفراغ». لنمر سريعاً الآن على باحث آخر. لقد لخص محمود المظفر مذهب الإمامية في الموات قائلاً تحت عنوان: «القول بملكية الدولة
للموات»:
«ذكروا بأن الإمامية من الفقهاء أجمعوا - كما حكاه في الغنية والخلاف وجامع المقاصد والمسالك والتذكرة والتنقيح والكفاية والمبسوط وغيرها على القول بملكية الإمام باعتبار منصبه للأراضي الموات. وملكية الإمام بهذا الاعتبار تعني - إذا ما ترجمناها إلى مصطلحاتنا القانونية الحديثة - «الملكية الخاصة للدولة» ... واستدل هؤلاء ببعض روايات الكافي من أن الموات كلها للإمام وبصحيحه الكابلي المتقدمة التي يقول فيها: «والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى «الإمام». وبصحيحه عمر بن زيد: « كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى «الإمام». ولزوم أداء الطسق (الخراج) في هاتين الروايتين - مضافاً إلى تصريح بعضها - دليل فيما يظهر على أن الأرض الموات هي ملك للدولة أو الإمام باعتبار منصبه. ويُستدل لهؤلاء أيضاً بالجمع بين بعض الأخبار وبين آية الأنفال، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ..﴾ حيث تكفلت هذه الآية بيان ملكية الرسول [صلى الله عليه وسلم] أو من في منصبه للأنفال، ثم جاءت بعدها الأخبار فتكفلت هي بدورها ماهية تلكم الأنفال....».
۱۲
أما هو نفسه، أي محمود المظفر، كباحث فيستنتج قائلاً تحت عنوان «الرأي الراجح»: «أما نحن فنرى أن أسلم الآراء وأقربها إلى الصحة ومدلول الأخبار : هو الرأي الأول القائل بملكية الدولة للأرض الموات». أي أنه أخذ بنفس ما أجمع عليه فقهاء الإمامية مرة أخرى. فإذا كان هذا هو رأي الإمامية، فما الفرق الجوهري بين الإسلام والأنظمة البشرية الأخرى سواء كانت اشتراكية أم رأسمالية؟ ثم يدعم رأيه ببعض الأقوال ثم يستنتج بانسجام هذا الرأي مع ما تقتضيه مصالح الدول المعاصرة قائلاً:
«وأخيراً - وإن لم يكن ذلك أصيلاً في حساب الموضوعات التي تعتمد النصوص – فإن القول بالإباحة لا ينسجم أساساً في رأينا مع ما تطمح إليه كل دولة عادة من السيطرة على أراضيها وسائر ثرواتها الطبيعية، والمحافظة عليها من تصرفات الطامعين والعابثين. فالدولة التي تقدر مسؤولياتها لابد أن تضع يدها أساساً على الأراضي التي تدخل تحت لوائها، لأن الأرض هي عماد ثروة البلاد وهي عنوان سيادة الدولة واستقلالها. ولذلك جاء النص في غير قانون من قوانين الدولة الحديثة على ملكية الدولة في الأصل للأراضي الموات ونحوها من الثروات الطبيعية».
ولكن هل يكون الإحياء دون إذن الإمام؟ يجيب الباحث محمود المظفر ملخصاً ما توصل إليه باجتهاده والذي يمثل التوجه العام لمذهب الإمامية
«ومن أدلتهم هذه وأدلتهم السابقة في شرطية ،الإذن نستطيع أن نخرج إلى نتيجة سبق أن قررناها وهي: إن القول بشرطية الإذن في الإحياء يدور مع القول بالملكية للموات وجوداً وعدماً، وهذا هو الذي تقتضيه القواعد المرعية في هذا الباب كما تقتضيه تعليلاتهم السابقة، فإن الشيء المملوك أو المحاز لا يجوز التصرف فيه والاستيلاء عليه دون حصول الإذن من صاحبه، وبعكسه المباح فإن لكل
٨٦٢ 🗏
أحد أن يجوزه وأن يضمه إلى ملكه دون أن يتوقف ذلك على حصول إذن خاص فيه من أحد. لذا فنحن بعد أن انتهينا فيها [فيما] سبق من حديث إلى القول بملكية الدولة للأرض الموات، نستطيع أن نقول مطمئنين هنا بتوقف التصرف أو حيازة الأراضي الموات على إذن المالك، وهو الدولة أو الإمام كما قلنا. إذن فحصول الإذن شرط لازم للقيام بعملية الإحياء .... » . .
۱۳
ثم يدعم استنتاجه باللجوء للقوانين الحديثة التي تظهر وكأنها في صف من يقول بشرط الإذن من الإمام لإحياء الأرض. يقول تحت عنوان: «رأي القانون»:
«لذا نجد أن جملة من القوانين الحديثة التي أخذت بفكرة الإحياء نصت على شرطية الإذن، ومن تلك القوانين: القانون المدني العراقي في المادة ١١٨٦ ف ١، والقانون المدني المصري في المادة ٨٧٤ ف ٢ ومثلها نص المقانون المدني الفرنسي في المادة ۷۱۳ . كما نصت على ذلك المادة ١٢٧ من مجلة الأحكام العدلية، والمادة ١٠٣ من قانون الأراضي العثماني الملغي الذي كان أساساً تشريعياً للأراضي في كثير من
الدول العربية والإسلامية الخاضعة لسلطان الدولة العثمانية».
١٤
أي باختصار، لا فرق «جذري» بين ما يذهب إليه الإمامية وأي مجتمع معاصر وبالذات الاشتراكية منها من
حيث الحقوق التمكينية.
العلمانيون
إن العلمانيين كما هو مشاهد وملموس من أشد الأعداء على الإسلام، وبالذات ممن هم من أبناء المسلمين، هداهم الله. وظني أنهم ما فعلوا هذا إلا حرصاً منهم على الأمة لما رأوه من تخلف. لذلك، بدلاً من شرح مستفيض لأفكارهم ومدارسهم نظراً لكثرتهم، رأيت أن آخذ مثالاً لباحث واحد ببعض التفصيل ممن تخصصوا في التمكين، فهم متشابهون في منابع التفكير. والسبب في الاكتفاء بواحد هو أن (أولاً) فكرهم جميعاً يدور حول نقطتين: الأولى فلسفية عقدية، والأخرى أدلة علمية عملية. والسبب الآخر للاكتفاء بنقد علماني واحد فقط : هو أن خطر العلمانيين واضح وجلي ويمكن لأي فقيه مسلم رؤية الخلل الذي يقعون فيه عادة مثلهم مثل الإمامية، ولكن ليس كبعض علماء السنة الذين يحاولون أسلمة أنظمة الغرب الديمقراطي، فهم الأصعب نقداً لأن بعضهم يستخدمون أدلة الشريعة بوضعها في أطر نصوص كاجتهادات شرعية كما سترى بإذن الله، لذلك وجب النظر في أكبر عدد منهم. كما أن نقدهم سيكون أكثر صعوبة ولعله أكثر مللاً لك أخي القارئ إن لم تكن متخصصاً، وليس كالعلمانيين أو الإمامية، فإن نقاط ضعفهم واضحة المعالم ويسهل دحضها.
لقد اخترت أن أنقد عمل د. محمد عبد العزيز ربيع الذي لخص أفكار كثير من العلمانيين في كتابه: « «صنع المستقبل العربي: المسيرة التاريخية من القبلية إلى العولمة». وسأبدأ أولاً بنقد الفلسفة العقدية والتي يقول عنها مدافعاً
عن العلمانية:
«إن العلمانية ليست فلسفة مناوئة للدين أو أنها لا تقوم إلا على أنقاضه أو أنها ترفض فكرة الخلق والوجود الإلهي، بل قد يكون العكس هو الصحيح. إن اكتشاف قوانين الطبيعة في عصري النهضة والتنوير الأوروبيين دفع غالبية العلماء والفلاسفة في حينه إلى الاعتقاد بوجود إله خالق للكون، إلا
۹
المكو
أنه إله عزوف لا يتدخل في مسيرة الكواكب التي صنعها ولا في عمل القوانين التي وضعها ولا في حياة المخلوقات التي خلقها. وهذا يعني باختصار أن استمرار الحياة الإنسانية واستمرار علاقة الأرض بغيرها من كواكب كالشمس والقمر يحتم استمرار وجود وفعل قوانين الطبيعة القائمة، ويحتم بالتالي عدم قيام الخالق بالتدخل مجدداً لتعديل أو تغيير مجري القوانين التي أحكم صنعها. إن هذا الفهم للطبيعة وقوانينها الإلهية يجعل العلمانية موقفاً فلسفياً يلتقي مع الفلسفة الدينية تماماً فيما يتعلق بوجود الله وقدرته الخارقة على الخلق وحسن التدبير والتنظيم ويختلف معها كلياً فيما يتعلق باستعداد ذلك الإله للتدخل المستمر في شؤون الكون وحياة مخلوقاته لجانب البعض على حساب البعض الآخر. بناءً على ذلك قامت العلمانية برفض المنطق الذي يقول بأن بإمكان الإنسان التأثير في موقف الخالق ودفعه إلى التعاطف مع بعض الأقوام ونصرتهم والتآمر معهم ضد أقوام أخرى وهزيمتهم، وإرسال المطر إلى بعض الأمصار وحجبها عن أمصار مجاورة لأسباب وأهواء إلهية، وإنزال الكوارث بأقوام دون غيرهم لأنهم خالفوا أوامره، خاصة وأنهم في ذلك كانوا يسيرون نحو قدر من تصميمه وفعله. وانسجاماً مع هذا الموقف الفلسفي للخلق والفهم العلمي للطبيعة قامت العلمانية برفض قبول العديد من القصص التي جاءت في الإنجيل والتوراة ورفض المنطق الذي قامت عليه . ...».
١٥
٨٦٣
لعلك إن تفحصت الاقتباس السابق ستلحظ أن الباحث يناقض نفسه منطقياً. فهو يقول بأنه سبحانه وتعالى أتقن صنع هذا الكون ووضع له القوانين، ثم يقول أنه سبحانه وتعالى لا يريد أن يتدخل في هذه القوانين، فهو خالق «عزوف» (والعياذ بالله مما يقول). فالباحث يقبل بوجود قوانين الطبيعة من الله سبحانه وتعالى، ولا يريد أن يتقبل وجود قوانين لحكم البشر كالتي أتى بها الإسلام، بل هذه يجب أن تترك للإنسان ليفعل بها ما أراد. أليس هذا تناقضاً جلياً؟ ألا تدل الآثار للأمم السابقة التي تشير بوضوح من خلال إثباتات علمية ومن خلال أطلالهم، أنه سبحانه وتعالى عذب أقواماً من قبل ؟ ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة القصص: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ؟ ألم يبين الحق سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت بعض ألوان العذاب بقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؟ أَلم ينبه الحق جل جلاله الناس في سورة النمل بمصير الأمم السابقة بقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ، وهناك الكثير من مثل هذه التنبيهات في سور أخرى. وهناك أيضاً العديد من الآيات حول هذا المحور الذي يدور حول تعذيب الأمم التي كذبت الرسل صلوات ربي وسلامه عليهم ولم تحكم بشرع الله. فكل ما عليك هو قراءة سورة هود أو الشعراء لترى ذلك. وإن لم تؤمن بالقرآن الكريم فعليك التفكر في المستوطنات التي دمرت وأثبت العلم إتيان العذاب عليها فجأة مثل مدينة بومبيي الإيطالية التي اشتهر سكانها باللواط. أي أنه سبحانه وتعالى القدير القادر المقتدر الفعال لما يريد ليس عزوفا، بل يمهل ولا يهمل، فلكل أجل كتاب.
وماذا عن إعصار كاترينا الذي ضرب مدينة نيو أورليانز أو السونامي الذي ضرب شواطئ أندونيسيا وسيريلانكا والهند أوائل القرن الواحد والعشرين؟ ألم يكن باستطاعته سبحانه وتعالى إيقافه؟ فهل هذا عذاب يشير إلى أنه سبحانه وتعالى ليس عزوفاً والعياذ بالله ؟ أم أنها الظواهر الجغرافية التي لم يدرك البشر بعد بعلمهم القاصر موعد وقوعها؟ (وسيأتي بإذن الله في الحديث عن المنظومات الكونية في فصل «ابن السبيل» تحت عنوان: المجاعة كمثال)، لذا إن كنت علمانياً لابد من توضيح بعض النقاط دون تفصيل مع ثقتي بأنها لن تكون مقنعة لك
ΑΤΣ 🗏
بأن الله سبحانه وتعالى ليس عزوفاً، بل فعال لما يريد وفي كل لحظة، وهي: إن تيقنت أنه سبحانه وتعالى أتقن كل تفاصيل هذا الكون، فلماذا يتدخل إن كانت جميع الأجزاء تسير امتثالاً لما وضعه الحق سبحانه وتعالى؟ ولعلك تجيب سائلاً إن كنت علمانياً: لماذا لا يتدخل سبحانه وتعالى في شؤون الحياة؟ فهذا الظلم في كل مكان، وهذا مؤلم لكل إنسان! فهؤلاء الأطفال الأبرياء يموتون جوعاً ومرضاً وضرباً وترويعاً ويُستخدمون حتى في الدعارة! هنا ومع مثل هذه الأمثلة لعلك تسأل متعجباً ومستنكراً كيف يحدث كل هذا؟ ولماذا لا يتدخل الحق سبحانه وتعالى ويوقف مآسي البشر؟ ألا يدل هذا على أنه عزوف والعياذ بالله ؟ هنا أجيب إن كل هذه الآلام التي يقع فيها جميع البشر حتى وإن اجتمعت على رأس فرد واحد فهي لا شيء مع ألم غمسة للحظة لجزء من الثانية في نار جهنم. فقد جاء في سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار فيقال: اغمسوه في النار غمسة فيغمس فيها ثم يقال له: أي فلان، هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا ما أصابني نعيم قط. ويؤتى بأشد المؤمنين ضراً وبلاء، فيقال اغمسوه غمسة في الجنة، فيغمس فيها غمسة، فيقال له: أي فلان، هل أصابك ضر قط أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني قط ضر ولا بلاء » ." وفي المقابل، فقد جاء في «المستدرك» عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال: (أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟. قالوا: نعم. قال: (والذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). إن تدبرت هذين الوجهين لأدركت أننا لم نقدر الله حق قدره، فإن قدرناه لأدركنا أن كل ما يحدث لكل البشر من آلام فهي لا شيء مقابل الشرك ولو للحظة واحدة من حيث عظم الجرم في حق الله العلي العظيم الذي أوجدنا من عدم. فالإيجاد نعمة لا توزن معها الآلام مهما كثرت لأن الآلام إلى زوال، أما الإيجاد فهو دائم إن لم يشرك الناس بسبب الخلود في الجنة. وفي المقابل، فمهما تنعم الكفرة وفجروا في الأرض، فإنهم بكل هذا الفجور لا شيء في ميزان الله الذي خلق الكون بإبداع متقن، فلن يفقد سبحانه وتعالى شيئاً من ملكه بسبب فجورهم لأنه يعلم بأنه سيحاسبهم. ولأننا في امتحان حتى يميز الله الخبيث من الطيب، يجب أن نؤمن بالغيب، وهذا من أسس العقيدة الإسلامية. أي أن . عدم تدخله سبحانه وتعالى هو من أسس العقيدة حتى توجد حياة يتصارع فيها الحق مع الباطل (علماً أن المؤمنين يؤمنون بوجوده ومقدرته وتدخله حتى إن لم يروا آثار هذه التدخلات مباشرة، فهو سبحانه وتعالى السميع المجيب يسمع دعواتهم ويستجيب لكل مضطر متضرع إن أراد والأمثلة على هذا لا تعد ولا تحصى).
من عدم .
وبالنسبة لغير المسلمين الباحثين عن الحقيقة أقول: فحتى وإن تدخل الحق سبحانه وتعالى في حياة الناس في كل لحظة لدرجة أنهم يروا آثار تدخله من خلال علامات إعجازية خارقة للعادة، فحتى عندها فلن يؤمن معظم الكفرة (والله أعلم) لأنهم سيؤولون هذه التدخلات بتأويلات برغم إعجازها. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ ؟ حتى أنه سبحانه وتعالى يعزي رسوله المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه مخبراً أنه لا فائدة من إنزال المعجزات لإثبات رسالته لأن الكفرة لن يؤمنوا به حتى وإن تدخل سبحانه وتعالى من خلال علامات كإنزال الملائكة، لذلك يجب ألا يضيق صدره وألا يترك آلهتهم فهو رسول يوحى إليه. يقول الحق جلت قدرته في سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ
المكون
٨٦٥
جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، ومع كل هذا، فما الفائدة من وضع الناس في هذا الامتحان إن تجلى لهم ربهم وسمعوه أو رأوه؟ بل كما وصف سبحانه وتعالى فإن لكل أجل كتاب، أي أننا موعودون ليوم لا مفر منه، قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ . أي أنه سبحانه وتعالى ليس عزوفاً معاذ الله بل هي إرادته التي أرادها حتى يؤمن به الناس بالغيب، ولتمحيص هذا لابد وأن تظهر حلبات الصراع بين الحق والباطل، فيجتهد أصحاب الحق لنصرته وذلك من خلال تطبيق شرع الله. أي أنه سبحانه وتعالى ليس عزوفاً ولكنه يتيح لنا الفرصة تلو الفرصة وفي كل لحظة. نتآزر كمسلمين من خلال السير على أوامره لدحض الباطل. وهذا سيكون أكثر وضوحاً إن لم يتدخل سبحانه وتعالى بكسر سننه التي وضعها. إلا أن هذا لا يعني أنه العلي القدير لا يتدخل مطلقاً، بل يجيب دعوة المضطرين المتضرعين إليه بالدعاء. ألم ينصر المسلمين في غزوة بدر وهم قلة؟
حتى
وبالطبع إن كنت علمانياً فلن تقتنع بما سبق، ولن أجادل في هذا لأنه لا طائل منه في كتاب عن التمكين، فالقناعات الفلسفية يصعب تغييرها في صفحات، فهذه الإشكالية الفلسفية قد ناقشها الفلاسفة بتخبط واضح، لذلك سأترك هذه الجزئية إن كنت علمانياً وذلك لأنه إن لم يتمكن العلماء المسلمين المتخصصين من خلال الإعجاز العلمي والعددي مثلاً في القرآن الكريم من إقناع العلمانيين فهل سأتمكن أنا في عدة صفحات؟ ولكن باختصار، فهناك من الفلاسفة من ادعى أن الله سبحانه وتعالى برغم أنه رحيم إلا أنه غير قادر على التدخل في الحياة، ومنهم من قال أنه سبحانه وتعالى عزوف برغم قدرته. ومثل هذه المواقف تدفع الفلاسفة، أو بالأحرى الضالين، إلى الجدل في أفكار يصعب إثباتها وبالتالي هي لغو لا فائدة منه. فمثلاً هناك قول بأنه إن كان الله رحيماً فلابد وأن يستشعر الألم ليتدخل. فظهر السؤال: هل يتألم الحق سبحانه وتعالى؟ وهل إن تألم هو إله عظيم؟ بالله عليك: كن منصفاً، هل من وسيلة للإجابة على هذا السؤال بطريقة علمية مقنعة إلا الإيمان بالغيب؟ معاذ الله مما يقولون. وعلى العموم، فالمهم ليس اقتناعك إن كنت علمانياً بهذه الغيبيات لأنها لن تؤثر في التمكين، ولكن المهم هي الحركيات وستأتي بإذن الله . ثم يؤكد د. ربيع إلحاده قائلاً:
آلهتنا
يمكن القول أن العلمانية هي موقف فلسفي وأخلاقي في آن واحد تنطلق من إيمان بوجود خالق لهذا الكون ومصمم لقوانينه، وتجعل الإنسان نتاجاً طبيعياً لتلك القوانين وجزءاً أساسياً من مخلوقات الكون، وتضع مسؤولية الحياة على كاهل الإنسان دون غيره من مخلوقات أو قوى إلهية. وهذا يعني أن بإمكان الإنسان التحكم في مجريات حياته إلى حد كبير، وأن الحياة الدنيا وليست الحياة الآخرة هي الفرصة الأهم للإنسان من واجبه عدم التفريط بها ومن حقه استغلالها والتمتع بها. أما مسؤولية الله تجاه ما يصيب الإنسان من خير وشر، أو من نجاح وفشل، فليس لها وجود، وإن التذرع بها ليس إلا محاولة للهروب من المسؤولية الذاتية، وبالتالي موقفاً غير أخلاقي وغير علمي .
۱۸
هامش
ب) جاء في تفسير الواحدي مثلاً: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾، الآية، قال تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك، ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا﴾ المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب ليس فيه سب ، أي ضائق صدرك بأن يقولوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكُ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾ ا حتى نتبعك، وقال بعضهم: هلا أنزل عليك ملك يشهد لك ، عليك أن تنذرهم وليس بالنبوة والصدق أو تعطى كنزاً تستغني به أنت وأتباعك، فهم رسول عليك أن تأتيهم بما يقترحونَ، ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، حافظ الله صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَعَلَك تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ لكل شيء» (۱۷).
، أي لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم
٨٦٦ 🗏
ولعلك لاحظت أيضاً من الاقتباس السابق أن الباحث يرى أن للإنسان أن يحكم بما يعتقده صحيحاً ليتمتع
قدر المستطاع بهذه الحياة ويستغلها، وأن هذا هو الموقف الأخلاقي العلمي، وهذا ما نسميه نحن المسلمون بالأهواء التي ستؤدي للفساد حتماً كما سترى بإذن الله لأن عقل الإنسان قاصر. ولكن ما الذي أوقع مثل هؤلاء الباحثين في هذا النمط من التفكير ؟ إن الإجابات لا حصر لها ولا عد. فكل ضال له عقله الذي يحلل له ويُضله. ولكن في حالة هذا الباحث وجدت مصدر ضلاله من كتابه الذي يحاول فيه إثبات استحالة تمكن المسلمين العلمي والعملي إن لم يتخلوا عن أسس قيمهم الإسلامية وفي مقدمتها الإيمان بالغيب. يقول رابطاً بين طبيعة الحياة الزراعية وتقلبات الطقس ومستنتجاً بأن الدين وهم، ورافضاً ضمنياً لفكرة الحياة بعد الموت:
«فرضت متطلبات حياة الزراعة على الإنسان الممارس لتلك المهنة وعلى المجتمعات الزراعية عموماً الاعتماد على الطبيعة ذات المزاج المتقلب، والتكيف لقوى وظروف مناخية لم يكن بالإمكان التحكم بها أو التعرف على هويتها. وفي ضوء ذلك وبسببه اتجه الإنسان إلى الاعتقاد . بوجود قوی غيبية ذات قدرة غير عادية تقوم بالسيطرة على الكون والتحكم في معطيات البيئة الطبيعية ومصير الإنسان ونوعية حياته. وهذا بدوره قاد إلى اكتشاف الأديان السماوية منها وغير السماوية والإيمان بوجود آلهة تتصف بالقوة والدراية والحكمة والعدل وتستوجب الطاعة وحيث أن تصرفات الآلهة الحكيمة العادلة تجاه الإنسان ليست عبثاً فإن إمكانية بعث الإنسان من جديد بعد الموت أصبحت من المعتقدات الواسعة الانتشار. ويبدو أن معايشة الإنسان لحياة النباتات عبر فصول السنة من ناحية، وتشابه مراحل تلك الحياة مع مراحل حياة الإنسان من ناحية ثانية، وتمتع بعض النباتات بخاصية السبات خلال فصل الشتاء والعودة إلى الحياة والنمو خلال فصلي الربيع والصيف من ناحية أخرى كانت قد ساهمت في إقناع أتباع الديانات عموماً بوجود حياة بعد الموت ، ...». هنا أريدك أخي القارئ أن تتأمل الآيات الآتية في سورة الجاثية التي ترد على جميع ما سبق من مزاعم: ﴿
هَذَا بَصَئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۖ أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بَِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
الفخ العملي المحبوك
ولكن
إن الجدل السابق ليس هو المهم كما قلت لأنه في الاختلاف العقدي، وهذا خلاف يصعب حسمه. المهم لطرح هذا الكتاب هو أدلة د. ربيع العلمية العملية التي قد تقنع المثقفين لأنها تخاطب عقولهم. فهو يصف لك
المكو
٨٦٧
تطور المجتمعات من رعوية إلى ) . ثم صناعية ثم ما بعد صناعية، وهكذا حتى يثبت لك أنه يستحيل على مجتمع زراعي بدائي أن يصبع مجتمعاً صناعياً منتجاً منافساً إلا إن انتقل ليصبح مجتمعاً متقمصاً لقيم المجتمعات الصناعية، وهذا لن يحدث إلا بالتخلي عن الدين كمؤسسة ذات تأثير على الحياة. لذلك يجب أن أصف لك بعض ما قاله للوصول لاستنتاجه ولكن باختصار : يقول في ما معناه أنه بعد اكتشاف الإنسان للزراعة وممارستها بدأت القبيلة في التفسخ لأن استقرار الإنسان بالقرب من مصادر المياه والأراضي الخصبة أدى إلى ظهور العائلة المركبة أو الممتدة extended family حيث يقوم الآباء والأبناء والأحفاد بالعمل معاً في الفلاحة. ولأن المزروعات بحاجة لعناية مستمرة ولوقت طويل فإن الزراعة فرضت على الإنسان الاستقرار. هكذا ظهرت القرية الصغيرة والتي عاشت في عزلة معتمدة على نفسها في توفير احتياجاتها، لذلك تميزت الحياة في عصر الزراعة بأنها بطيئة وروتينية ودون تعقيد. ولكن في الوقت ذاته، كان هناك نوع من الاتصال التجاري بين بعض القرى الواقعة على امتداد نهر مثلاً. فكان الماء وتوزيعه كمصدر مهم بحاجة لنوع من التنظيم بين المستهلكين للمياه فظهرت الدول التي تسيطر على مناطق واسعة من خلال فرض الضرائب وحل الخلافات ومتى ما قويت هذه الدولة توسعت وفرضت سيطرتها على مساحات مجاورة، وهكذا . وبرغم ظهور الإقطاعيين في العصور اللاحقة لعصر الزراعة واستعبادهم للكثير من الفلاحين إلا أن مستويات المعيشة كانت متقاربة لأن الاعتماد الاقتصادي كان على نتاج الأرض إذ أن الصناعة لم يكن قد ظهر بعد. وبهذا لم تكن هناك طبقة متوسطة، بل طبقتين غنية وفقيرة بفجوة ملحوظة بينهما. ومع مرور الزمن وتراكم الخبرات الزراعية ظهر فائض إنتاجي زراعي مما أدى لتنشيط التجارة وإنتاج الأدوات الزراعية. وهناك إشارات تاريخية كما يقول د. ربيع إلى «فشل المجتمعات القبلية قاطبة في دخول عصر الزراعة دون التنازل عن أعرافها وتقاليدها المتوارثة، ودون تطوير قيمها ونظمها ومواقفها من العملية الإنتاجية». ٢٢ ثم يستمر واصفاً بأن من أهم التغيرات الاجتماعية التي الصناعة أحدثها عصر هو القضاء على العائلة المركبة وإحلال الأسرة محلها، بالإضافة لظهور قيم جديدة مبنية على الجد والمثابرة ذلك لأنه لأول مرة في التاريخ انتشرت ظاهرة أن العامل لا يملك ما ينتجه من عمل ولا يملك مكان العمل. فكان عليه الجد والمثابرة ليتمكن من زيادة دخله. فأصبح العامل مجرد فرد ضمن مجموعة أفراد تربطهم روابط مهنية. فظهر الإحساس بين العمال بوجود مصالح مشتركة مثل الأجور وساعات العمل، وهكذا ظهرت النقابات العمالية. ونظراً لحاجة المصانع لأعداد كبيرة من العمال وتجمع المصانع في المدن الكبرى فقد ظهرت أحياء فقيرة للعمال. وبهذا الإحساس بالظلم نجح العمال في تنظيم أنفسهم وحصلوا على حقوق مجتمعية وشرعية، هكذا كانت بداية ظهور الأحزاب السياسية.
عصر
۲۱
۲۲
أي أن حضارة الصناعة سلبت حضارة الزراعة التركيبة العائلية الممتدة لتحل محلها الأسرة الصغيرة التي تركز جل همها على الإنجاب والعمل لتلبية حاجات الأسرة الصغيرة. وبتفتت العوائل الممتدة وتغير نظام حياتها القروي الزراعي تغيرت القيم والعلاقات والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فتم إيجاد نظم مجتمعية جديدة تربط عمليات الإنتاج والتسويق والخدمات المالية والتعليمية والصحية. وبهذا فإن النموذج الصناعي للمجتمع أصبح مختلف جذرياً. وفي هذا يقول د. ربيع معللاً استحالة قيام مجتمع صناعي في العالم العربي إن لم يتغير:
«ولذلك لم يعد بالإمكان الاستفادة من دروس وتجارب تاريخ حضارة الزراعة أو استخدامها كإطار مرجعي لتحليل واقع حياة الصناعة أو التفكير في صنع مستقبلها، كما لم يعد بالإمكان أيضاً الانتقال
🗏
من حضارة الزراعة الحضارة الصناعة دون تطوير القيم السائدة، وتغيير المواقف القيمية المتعلقة
بالعمل والإنتاج، وخلق نظم مجتمعية جديدة أكثر تعقيداً وتشعباً من النظم القديمة».
۲۳
لذلك، فكما يصف، فإن هناك تشابهاً كبيراً بين الحضارات ذات النمط الواحد برغم تباعد مواقعها جغرافياً، فحياة فلاح في مصر تشبه حياة فلاح في الهند أو أمريكا اللاتينية، وحياة القبائل في الجزيرة العربية التي تبنت النمط الرعوي القبلي تشبه تلك التي في الصحراء الأفريقية، وهكذا . ٢٤ كما أن الدين كما يصف د. . ربيع يعطي كل ثقافة طابعاً أساسياً لأنه يجسد نظرة الدين الفلسفية تجاه الذات والغير والطبيعة. وفي هذا يقول ناقداً الوضع في العالم العربي واستحالة تغيره ليصبح صناعياً:
«وهذا جعل الثقافة تصبح امتداداً لعادات وتقاليد ومعقتدات تراثية ثابتة تتمتع باحترام وقدسية على درجة كبيرة من الأهمية. ولذلك أصبح من غير الممكن حدوث تحول اجتماعي حقيقي في حياة أي مجتمع زراعي دون تفكيك الأطر الثقافية السائدة وتبديل بعض عناصرها واختصار دور بعضها
الآخر، بما في ذلك الدين». ثم يقول أيضاً:
۲۵
ولما كانت حضارة الصناعة أكثر تقدماً من حضارة الزراعة وأقدر منها على تلبية احتياجات الإنسان الحياتية فإن ثقافتها العامة أصبحت أكثر ديناميكية وقدرة على العطاء والتطور. أما ثقافات الزراعة التي نمت وترعرعت ضمن أطر التقليد والفلسفات الدينية الشمولية فقد أصبحت متخلفة وغير قادرة على الإسهام في الإنجازات الثقافية للعصر الجديد»."
عصر
ثم مع ظهور العولمة المتميزة بانتشار المعرفة وتركيزها على الفرد ضعفت الروابط الاجتماعية وذلك لأن الأفراد نظراً لسهولة الاتصالات يتفاعلون مع غيرهم من نفس الحقل المعرفي من خلال المؤتمرات والندوات والمواقع الحاسوبية في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) في جميع أنحاء العالم. ونظراً لأنهم يحاولون الارتقاء بأنفسهم معرفياً فهم الأكثر قدرة على تجديد قيمهم ومعتقداتهم لذلك فهم الأقل ميلاً للتمسك بمواقفهم الفلسفية والمعتقدات القديمة كما يقول؛ أي أن الروابط المهنية تزداد حتى على حساب روابط الأسرة الصغيرة. ولأن الإنتاج الحديث أصبح بحاجة لتخصص دقيق فإن العملية الإنتاجية أصبحت تتطلب عملاً جماعياً من مجموعة من الأفراد المتخصصين كل في مجاله المختلف. لذلك ظهرت في المجتمعات الغربية المتميزة باعتمادها على المعرفة نظم مجتمعية قادرة على ربط هؤلاء الأفراد المتخصصين من خلال شتى الأنظمة. أي أن مجتمع العولمة بحاجة لنظم إدارية ومعلوماتية ومجتمعية قائمة على الاتصال الفوري. وبهذا يكون الاستنتاج أنه إن كانت العوامل البيئية هي التي أعاقت بعض المجتمعات من التحول من مجتمعات قبلية رعوية إلى مجتمعات زراعية، فإن العوامل الاجتماعية الثقافية هي أكبر معوق لتحول المجتمعات الزراعية لمجتعات صناعية. وبالطبع، فكما وضح د. ربيع فإن الدين هو الأساس وراء العوامل الاجتماعية الثقافية، أي أنها العائق الأكبر في نظره. ونظراً لأن كل حضارة أكثر تقدماً من الحضارة التي تسبقها، فمن شبه المستحيل أن ينتصر مجتمع يتبنى حضارة أقدم على مجتمع أكثر حداثة، فلا يعقل أن ينتصر مجتمع يتبنى حضارة رعوية أو زراعية على مجتمع صناعي، بل بالإضافة لذلك فهناك تبعية ثقافية حضارية بين الأمم. فالمجتمعات الزراعية أكثر اعتماداً على المجتمعات الصناعية وبحاجة له. وليس العكس. هكذا أخي القارئ فإن د. ربيع أو أي علماني آخر إن هو ناقشك كمسلم سيضعك في هذه الزاوية، أي في مأزق فكري يصعب الخروج منه.
۲۸
المكو
٨٦٩
إنه فخ علمي عملي محبوك. ثم تأمل النص الآتي الذي يحاول حبس الدين في قفص يعزله عن جميع مضامير الحياة.
يقول د. ربيع
تعتبر دعائم الإسلام الخمس الجزء الأهم من مجموعة الأوامر والنواهي الدينية التي لا يقوم الإيمان بدونها ولا يكتمل في غياب أي منها، وهي الشهادتان، أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصيام، والزكاة، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً. ورغم الأهمية القصوى لهذه الدعائم بالنسبة للمؤمن، إلا أنها جميعاً، وفيما عدا الزكاة، تتعامل أساساً مع قضايا شخصية، وتكاد تكون عديمة الصلة بالقضايا المجتمعية. وبناء على النص القرآني الكريم الذي يقول ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: ۳۸] والحديث النبوي الشريف الذي يقول: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) أصبحت أمور الدنيا ومعضلات الحياة اليومية المعقدة من اختصاص الناس وحدهم وخارجة بالتالي نصاً وشرعاً عن سلطة المؤسسة الدينية. ولما كانت أمور الدنيا ومعضلات الحياة عامة، بما في ذلك الظروف البيئية بكافة عناصرها الطبيعية والاجتماعية والتكنولوجية والإعلامية تعيش حالة من التطور والتغير المستمر، فإن تلك الأمور والقضايا أصبحت خارجة، ليس فقط عن سلطة المؤسسة الدينية، بل أيضاً عن سلطة العادة والتقليد والموروث من القيم والمواقف والفلسفات والترتيبات المجتمعية. إن من غير المشكوك فيه أن الشعوب العربية والإسلامية عامة تواجه اليوم مشكلة عويصة في التعامل مع العصر، خاصة مع نتاجه العلمي والفكري وقيمه الثقافية وتوجهاته المصلحية. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى اتجاه تلك الشعوب للتعامل مع العصر والنظر إلى إنجازاته ومجتمعاته الصناعية والمعرفية من خلال ثقافة دينية محافظة وانطلاقاً من إرث قبلي - عشائري - زراعي ذي قيم ومواقف وفلسفات قديمة تجاوزها الزمن منذ زمن. إن اتجاه التركة الثقافية العربية - الإسلامية الموروثة إلى عدم الإعتراف بانتهاء زمنها ومنطقها وصلاحيتها للتعايش مع عصر يجعلها عقبة تحول دون حدوث التغير والتقدم. وفي الواقع أصبحت «الثقافة العربية – الإسلامية» كما هلامياً يصعب تعريفه ويصعب تحديد مكوناته وحصول إجماع عليه، ويصعب تنقيحه وفرز خيره من شره، وبالتالي أصبح ذلك الكم أهم العقبات التي تعترض سبيل التحول الاجتماعي والتقدم الاقتصادي في الوطن العربي. إن التمسك الواهم بصلاحية الموروث من عناصر ثقافية قديمة يجعل من الصعب الحسم في اتجاه ثقافة العصر وعلومه وفنونه وأفكاره ومعارفه النظرية والتكنولوجية وعلاقات إنتاجه الاقتصادية وتنظيماته الاجتماعية - السياسية. وهذا من شأنه، في حالة استمراره، أن يجعل التخلف العربي الإسلامي في ميادين العلم والفكر والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة هو الحقيقة الأهم في الحياة المجتمعية ......؟
۲۹
المعرفة
ذلك سأمر
دل
إن الرد على موقف العلمانيين لابد وأن يكون من جبهات مختلفة، وعلى أيدي علماء أكفاء. ومع الآن سريعاً على جبهتين وباختصار، إذ أن الصورة لن تتضح إلا بعد الانتهاء من قراءة كامل هذا الكتاب. الجبهة
مسؤوليات
الأولى من الواضح أن هذا المؤلف العلماني لا يدرك (لذلك فهو قد يكون معذوراً)، أو أنه يتجاهل تماماً (وعندها فهو ضال والعياذ بالله أن الشريعة ليست فقط أركان الإسلام الخمسة التي ذكرها، فهذه الأركان هي . الفرد من علاقة مباشرة بينه وبين خالقه الحي القيوم؛ أما علاقة الإنسان مع الآخرين، أي التشريعات التي تبيح وتمنع تصرفات الأفراد، أي مقصوصة الحقوق فهو لم يدرك منها إلا الزكاة وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم). فهو إن نظر لأي كتاب من أمهات الكتب مثل «المغني» مثلاً، ونظر لأي باب من أبواب المعاملات مثل البيوع أو الوكالة أو الإجارة أو السلم لصعق من جهله بالإسلام.
۸۷۰ 🗏
حتى هذا الحديث الذي رجع إليه، أي قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فهو حديث كما هو معلوم جرى في واقعة تأبير النخل، وهو يعني أن للناس الحق في التصرف في شتى شؤون الحياة، ويعني أن لهم الحق حتى في الاقتباس من الأمم الأخرى ولكن فقط في المسائل التي لم يأت الإسلام بتنظيمها. فلا يجوز تحت هذا الحديث مثلاً أن يأتي فرد ويحلل الربوا لأن هناك من النصوص الواضحة ما تحرمه. فإن نظرت أخي القارئ للمسائل الحقوقية بين الأفراد، وبين الأفراد والسلطة من هذا المنظور، فلن تجد مسألة إلا وللشريعة فيها حكم بحيث أنه يستحيل على أي باحث أن يتمكن من الابتداع أو من الاقتباس من أمم أخرى في مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله. فقد أتى الإسلام مكتملاً والحمد لله في هذه المسألة التي تنظم جميع شؤون المجتمعات الاقتصادية والسياسية. أما الجبهة الثانية فهي الفخ الذي وقع فيه هذا العلماني وغيره ممن لا يؤمنون أن الحياة لن تصلح في أي مكان أو زمان دون شرع الله عز وجل، لأنهم لم يتمكنوا من رؤية العالم الإنتاجي التنموي إلا من المنظور الغربي. وهنا فهم قد لا يلامون على هذا لأن تاريخ البشرية يقف بجانبهم لأن الإسلام لم يطبق إلا لعدة عقود. وهذا هو موضوع هذا الكتاب. ففكرة أن التقدم البشري من خلال نفق محطاته حضارات متتالية من الرعي للزراعة للصناعة للعولمة وربطها بالتركيبة الاجتماعية الثقافية، وبرغم أنها فكرة قوية وتصف ما حدث تاريخياً مع يقين بأن جميع الشعوب لابد لها من المرور بهذا النفق لتصل لمجتمع ما بعد الحداثة، إلا أن هذه الفكرة خاطئة لأن الزخم الإنتاجي في الدول الغربية كما وضحت مراراً ما هو إلا بسبب التقدم المعرفي للبشر من جهة، والتمكين الجزئي من جهة أخرى. والتقدم المعرفي ماض قدماً في تراكم مستمر بغض النظر عن تخلف بعض الشعوب هل هي لحقت به أم لم تلحق، ولن يتأتى اللحاق بالدول المتقدمة تقنياً إلا بالمزيد من التمكين الذي وفرته الدول الرأسمالية الديمقراطية، إلا أن هذا التمكين هو ما ستتفوق فيه الشريعة الإسلامية على الرأسمالية والديمقراطية إن هي طبقت ولكن دون الانفلات الأخلاقي والتفكك الأسري كما يحدث في الغرب كما سترى بإذن الله . فالتمكين سيصهر المجتمعات المسلمة للمزيد من الإنتاجية ولكن مع قيم إسلامية سامية كما سأثبت لك بإذن الله العليم الحكيم. فلن تحتاج الأمة المسلمة لأن تكشف فيها المرأة عورتها حتى تنتج الطائرة، ولن تحتاج الأمة المسلمة لأن تبيح البارات، أو بالأصح الخمارات، وتبيح البنوك الربوية لتنتج القاطرة، وهكذا.
ولعل المؤلم في موقف د. ربيع هو وغيره من العلمانيين هو وصفهم للإسلام بأن ثقافته أصبحت «كماً هلامياً يصعب تعريفه ويصعب تحديد مكوناته وحصول إجماع عليه»، وبالتالي كما يقول أصبح من «أهم العقبات التي تعترض سبيل التحول الاجتماعي والتقدم الاقتصادي في الوطن «العربي». وهنا أقول: هذه مأساة الكثير من الباحثين، فهم لم يحاولوا فهم الشريعة بتفاصيلها لأن الذي يصدهم عنها كبوابة أولى هو تحريم الشريعة الإسلامية لبعض الملذات المباحة في الغرب. فمعظم العلمانيين غير راضين عن وضع المرأة إن طبقت الشريعة من حيث خروجها وبالتالي الوصول لها والتمتع بها ، أو عدم قناعتهم بحرمة المسكرات لفقدانهم فرصة التلذذ بها. هذا المنع في الشريعة لمثل هذه المستلذات وضع غشاوة على أعين الباحثين برفضهم لكل ما هو إسلامي. لذلك والله أعلم بقيت مقصوصة الحقوق في الشريعة وما تؤدي إليه من حركيات تمكينية دون تمحيص لفهم مآلاتها وما قد تؤدي إليه من عزة، وكذا علماء الشريعة المعاصرين، فبرغم حبهم للشريعة الإسلامية واعتزازهم بها إلا أنهم لأنهم لم يدركوا عظم هذه الحركيات التمكينية لم يهبوا للدفاع عنها، بل بدؤا في التنازل عن بعضها وهو موضوعنا الآتي بإذن الله.
۹
المكو
الزلات
نے
۸۷۱
له أهل
مع كثرة الطروحات المخالفة لمنهج السلف رضوان الله عليهم وكثرة الأفكار وإعجاب كل ذي رأي برأيه والتساهلات والتنازلات من العلماء والانفلات من الضوابط الشرعية لابد لنا من التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم المشهور: ... فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). ومسألة التحذير هذه من محدثات الأمور مشهورة عند الفقهاء. فقد كان صلى الله عليه وسلم يركز عليها في افتتاحياته الخطب يوم الجمعة. فقد جاء في السنن الكبرى: «عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته، يحمد الله ويثني عليه بما هو ثم يقول: (من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). فلماذا كان يحذر صلوات ربي وسلامه عليه من المحدثات في أهم منبر وأهم جمع دوري؟ بالطبع فإن المقصود بالمحدثات ليس التقنيات، لأن الأمة إن لم تأخذ بها ستهلك مقارنة بالأمم الأخرى التي ستستخدم التقنية لضرب المسلمين كما هو حادث الآن، بل المقصود بالمحدثات التنظيمات الوافدة من خارج الإسلام ومن أهمها ما هو متعلق
بالحقوق.
وهنا لعلك تتساءل: ولماذا أوّلت المقصود بالمحدثات على أنه المستجدات أو التنظيمات المتعلقة بالحقوق؟ فأجيب: كما حاولت التوضيح مراراً في السابق وبالذات في فصل «قصور العقل» فإن المقصود من «الحق» إن ذكر في النصوص الشرعية فإن هذا الذكر لا يقتصر على الأسس العقدية كالإيمان بالغيب، ولا يقتصر أيضاً على العبادات كالصلاة والصوم، بل يشمل أيضاً كل ما هو متعلق بمقصوصة الحقوق. ولذلك يكون السؤال: هل إن أتى من فرد استحداث في الحق يعتبر من المحدثات سواء ابتكره من رأسه أو استورده من حضارة أخرى؟ ولماذا التحذير الشديد من هذه المحدثات ؟ والإجابة هي لأنه صلوات ربي وسلامه عليه لا يريد للأمة أن تأخذ أي صغيرة مهما صغرت حتى وإن كانت من عالم ورع فاضل لأنها مهما صغرت ستتراكم وستؤدي للضعف والوهن والذلة كما هو حادث الآن. وما يدل على أنه كان يحذر من الزلات حتى الصغيرة منها هو قوله صلى الله عليه وسلم: وكل محدثة بدعة ، فهم لم يستثني ولكنه عمم بقوله: (وكل) سواء كانت المحدثة صغيرة أو كبيرة. ووصفها بأنها بدعة ستؤدي إلى النار. والسؤال: متى تذهب الأمة للنار ؟ والإجابة بالطبع: عندما تفسد وتفسد غيرها، وأن طريق هذا الفساد هو هذه المحدثات التي ستؤدي للخروج عن الشرع كما سترى بإذن الله. وتلحظ أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان واضحاً، فهو لم يفرق بين المحدثات ولم يوضح لنا أن منها ما هو مفيد ومنها ما هو ضار، بل وصفها جميعاً بتعميم واضح بأنها بدع مضللة لأن العقل البشري القاصر لن يستطيع التمييز بين المحدثات النافعة
هامش
.
لنا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)
.(۳۰)
جـ) الحديث بالكامل هو : عن العرباض بن سارية قال صلى ا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل علينـا فـوعـظـنـا ا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله (د) وتكملة الحديث: «ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. وكان كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير والطاعة، وإن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى جيش صبحتكم مساتكم ثم قال: (من تـرك مالاً فلأهله ومن ترك
اختلافاً كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا ديناً أو ضياعاً فإلي أو علي وأنا ولي) (٣١).
۸۷۲ 🗏
من الضارة. فهناك من المحدثات التي تظهر وكأنها نافعة إلا أن تراكم مآلاتها مع الزمن ذات ضرر شديد مثل أموال الديوان. أي أنه لا محدثة نافعة في الحقوق، فكل ما هو نافع فقد أتى به الشرع وانتهى، فلم يبق إلا الضار الذي تتخبط فيه الأمم غير المسلمة. هكذا يجب أن نفهم الحديث.
:
ولعل السؤال الجذري هو كيف تأتي المحدثات وتتجذر في الإسلام وكأنها جزء منه؟ والإجابة بالطبع من مصادر مختلفة إلا أن من أهمها الزلات فما يقدمه باقي هذا الفصل هو أمثلة متفرقة (وقد تكون مملة للقارئ غير المتخصص لبعض الزلات التي وقع فيها العلماء والسبب في سردها هو كي نتعلم كيف نصطاد هذه الزلات التي وقع فيها بعض المعاصرين من العلماء، وذلك حتى نتمكن من رد الزلات التي قد تأتي من بعض العلماء مستقبلاً. وكما هو معلوم فإن اصطياد الزلات فعل مذموم وشنيع؛ لذلك أرجو ألا تعتقد أخي القارئ بأنني بمحاولة تصيد هذه الزلات أحاول خدش مكانة هؤلاء العلماء الأفاضل. كلا، معاذ الله، بل لأن ما على المحك كما ذكرت سابقاً ليس سمعة عالم أو فقيه أو باحث فحسب، بل هو مصير أمة الإسلام. لذلك ولعظم هذا المصير، فإن كل نقد لكل عالم أو فقيه أو مؤلف لابد وأن يتضاءل أمام هذا الهدف الأهم وهو وضع الأمة على نهج الشريعة. ولعلك تسأل: ولكن لماذا التركيز على زلاتهم، فلهؤلاء الفقهاء إنجازات كبيرة؟ فأجيب: لأن الذي حدث هو أن الفقهاء المعاصرين، ناهيك عن العلمانيين ومن ساندوهم، بدؤا بالتأثر بهذه الزلات الصغيرة بالرجوع إليها، فهذا العالم مثلاً يأخذ زلة ذلك ويبني عليها زلة أخرى ولعلها أكبر، وهكذا تراكمت الزلات لدرجة أن الإسلام أصبح في مقصوصة الحقوق غربياً تماماً برغم صلاة الناس وصيامهم وقيامهم. فمجموع تراكم هذه الزلات أوجد ما يسمى مثلاً بالاقتصاد الإسلامي والتشريعات المعاصرة ومجالس الشورى ومجالس الأمة أو البرلمانات، أو القبول بالانتخابات الديمقراطية، والقبول بالضرائب والبنوك التي سُميت بالإسلامية، وما إليها من مسميات ما أنزل الله بها من سلطان. أي محاولة عصرنة الشريعة الإسلامية بإلباسها زياً معاصراً حتى تلائم تغير ظروف الزمان والمكان كما يقولون. فما
نراه اليوم من إسلام في الحقوق ليس هو الإسلام الذي أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم كما سترى بإذن الله.
إن هناك من الأحاديث النبوية ما يجعل الفرد رغماً عنه يتأمل صياغة مفرداتها ودقة معانيها كما هو معلوم، أي أنها نصوص معجزة. من هذه الأحاديث مثلاً قوله صلى الله عليه وسلم : ( إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلة عالم ومن هوى متبع ومن حكم جائر. لعل أكثر ما يلفت النظر في هذا الحديث لموضوع هذا الكتاب، أي التمكين، هو الترتيب الذي يبدأ بزلة العالم برغم عدم ظهور « ثم » التي تفيد الترتيب إذ أن هناك لفظ آخر للحديث يبدأ أيضاً بزلة العالم. فعمرو بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني أخاف على أمتى من بعدي من أعمال ثلاثة)، قالوا ما هن يا رسول الله؟ قال: زلة العالم وحكم جائر وهوى متبع). وجاء أيضاً : «... عن الشعبي عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر : هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين». ٣٤ وتلحظ هنا أن ما ذكره عمر رضي الله عنه مشابه لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. فجدال المنافق هو من الأهواء. فإن حاولنا فهم الحديثين معاً والأثر عن رضي الله عنه وآثار أخرى مشابهة، نلحظ أن الأصل، أو نقطة انطلاق قلق الرسول صلى الله عليه وسلم على زلة العالم. لماذا؟ أعتقد والله أعلم لأن العالم في العادة شخص ذو مكانة رفيعة ورجل بالتالي مطاع من قبل العامة بالذات. فهو إنسان يثق به الناس لاسيما أن العلماء الآخرين الذين هم أكثر منه علماً والذين قد ينقدون
عمر
أمته
هي
المكون
۸۷۳
قوله أو اجتهاده ليسوا بأحياء، لذلك سيؤخذ بقول هذا العالم إذ لا سبيل إلى دحض اجتهاده إلا بعالم آخر أكثر منه علماً، وهؤلاء في العادة أموات. هنا تكمن الخطورة، فكلما تقادم الزمن كلما قل مستوى العلماء، فالصحابة رضوان الله عليهم أعلم من التابعين، وهؤلاء أعلم من تابعيهم، وهكذا حتى نقف . مع الأئمة الأربعة ومن كان في عصرهم مثل الليث، ثم القلة الذين يعدون على رؤوس الأصابح مثل ابن تيمية وابن حجر وآخرون قلة جداً لدرجة أن الواحد منهم يظهر كل عدة قرون كما ظهر الألباني في وقتنا المعاصر رحمه الله. لذلك فإن كل عالم في عصره هو في الحقيقة شخص سيصعب الرد عليه إن لم يقم بذلك علماء آخرون أعلم منه، وهؤلاء في الغالب أموات (إلا أنهم أحياء من خلال آثارهم والحمد لله). هذه هي الخطورة. لذلك فإن قال عالم بقول مستحدث لم يقله أحد من قبله من العلماء فهو قد استحدث في الدين إما أمراً قد يكون مفيداً للأمة أو أنه قد استحدث زلة. وكل استحداث في الحقوق مهما صغر إنما هو في الواقع زلة لأن الإسلام أتى والحمد لله بمقصوصة الحقوق مكتملة. ثم إن وضع العلماء الآخرون من معاصريه في موضعه وقالوا بقوله أو حتى إن سكتوا على قوله ولم يردوا عليه خوفا من الوقوع في خطأ الرد على زميل اجتهد وقال باجتهاد تحتاجه الأمة كما يُعتقد إن كان في الحقوق)، عندها فإن كان ما استحدثه زلة فإنه مصدر للضياع لأن العلماء الآخرين إما وافقوه أو سكتوا، والسكوت يعني ضمناً الموافقة إن لم يتم تبيين وإعلان خطأ الزلة. وعادة ما تقوم قنوات الإعلام الحكومية بنشر ما قاله هذا العالم إن كان ما قاله يوافق أهواءهم، وفي الوقت ذاته تقوم الحكومات بإسكات أو التعتيم على كل من عارض هذه الزلات. فعندها فإن هذه الزلة تكون المصدر الحقيقي لقلق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها هي التي ستنتشر وبالتالي يُعمل بها، وهكذا
يتغير الدين.
وبالطبع فإن الزلات تختلف منها ما يؤثر في مقصوصة الحقوق مباشرة، وهو الذي يهمنا هنا، ومنها ما يؤثر في القيم. فمن الأمثلة التي شاعت مؤخراً من الزلات التي تؤثر في القيم القول بجواز تصوير النساء لوضعها في البطاقات الشخصية كالجوازات للضرورة الأمنية، والقول بأن تمثيل المرأة في المسلسلات التلفازية الدينية جائز، وأن الإنشاد الديني جائز لها أيضاً، كما أن الموسيقى الهادئة لا بأس بها. وبالنسبة لمصافحة المرأة الأجنبية فهناك من
هامش
وهو
هـ) وقد ورد التعليق الآتي عن صحة الحديث في «الترغيب يرد، وقال يونس: لا يرد: وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة والترهيب» رواه البزار والطبراني من طريق كثير بن عبد ا . الله و بعامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ، ) م، ولو واه، وقد حسنها الترمذي في مواضع وصححها في موضع، فأنكر عليه اجتمع عليهم من بين أقطارها ، أو قال : (من بأقطارها حتى يكون واحتج بها ابن خزيمة في صحيحه (۳۲). بعضهم يسبى بعضا ، و إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع
و) رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وهو ضعيف، وبقية في أمتي السيف لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى رجاله ثقات. وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن يلحق قبائل من أمتي بالمشركين حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، شر الولاة الحطمة ) (۳۳). وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم
ز) من هذه الآثار مثلاً: جاء في مسند الإمام أحمد: «عن ثوبان قال النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما أخاف على أمتي الأئمة يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل» (٣٥). المضلين)، وبه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز حـ إن معظم هذه الإجراءات الأمنية هي لحفظ أمن الدولة بالدرجة وجل زوى لي الأرض، أو قال: (إن ربي زوى لي الأرض فرأيت الأولى وليس الحفظ حقوق الناس. وكما سترى بإذن الله في الفصول مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وأنى القادمة فمع تطبيق مقصوصة الحقوق لن تكون هناك حاجة لجميع أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا هذه الهواجس الأمنية إذ أن معظم إن لم يكن جميع أفراد المجتمع
:
يهلكوا بسنة بعامة ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح سيكونون كأحرص مسؤول عن أمن الأمة بإذن الله. بيضتهم، وان ربي عز وجل قال: يا محمد إنى إذا قضيت قضاء فإنه لا
٨٧٤ 🗏
قال بأنه إن كان القلب نظيفاً فلا بأس به. ومن الأمثلة على الزلات التي تؤثر في مقصوصة الحقوق» الفوائد الربوية، فقد قيل عنها أنها من الضرورات الاقتصادية. وهذه الزلات قد ظهرت من بعض المشاهير الذين يعتقدون أنهم علماء وهم بالتأكيد ليسوا كذلك لأن زلاتهم ساطعة وقد رد عليها بعض العلماء الأجلاء الراسخين في العلم والحمد لله. ومثل هذه الزلات ستموت بعد فترة بإذن الله الجلاء ضعفها وضحالة أدلتها وخفة وزن قائلها. إلا أن المهم الأخطر، وهي الزلات التي تؤثر في مقصوصة الحقوق. فهذه يصعب صيدها وتصعب رؤية مآلاتها إلا بعد أجيال من تراكم طفيف وجذري يؤدي للضياع. ومثل هذه الزلات إن أتت من عالم كبير فإنها الطامة. تأمل ما قاله ابن تيمية مقارناً لما يحدث بين زلة الجاهل وزلة العالم ، إذ بزلة العالم يزل العالم. يقول رحمه الله :
لنا
هو
... فإن الله سبحانه كما غفر للمجتهد إذا أخطأ، غفر للجاهل إذا أخطأ ولم يمكنه التعلم. بل المفسدة التي تحصل بفعل واحد من العامة محرماً لم يعلم تحريمه ولم يمكنه معرفة تحريمه أقل بكثير من المفسدة التي تنشأ من إحلال بعض الائمة لما قد حرمه الشارع وهو لم يعلم تحريمه ولم يمكنه معرفة تحريمه. ولهذا قيل : احذروا زلة العالم ، فانه إذا زل زل بزلته عالم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للعالم من الاتباع . فإن كان هذا معفواً عنه . مع عظم. المفسدة الناشئة . فعله، فلأن يعفى عن الآخر مع . خفة مفسدة فعله أولى. نعم يفترقان من وجه آخر: وهو أن هذا اجتهد فقال باجتهاد، وله من نشر العلم وإحياء السنة ما تنغمر فيه هذه المفسدة، وقد فرق الله بينهما من هذا الوجه، فأثاب المجتهد على اجتهاده وأثاب العالم على علمه ثواباً لم يشركه فيه ذلك الجاهل. فهما مشتركان في العفو مفترقان في الثواب. ...».
٣٦
من
تلحظ من السابق بأن العالم حتى وإن زل فإنه مأجور لأنه اجتهد فأخطأ، وهذه حركية ضرورية لحث العلماء للقيام بدورهم في الرد على المستجدات ( ولكن ليس في مقصوصة الحقوق كما قلنا). ثم قارنه بالآتي مما قاله ابن القيم عن تقليد الفقهاء بعضهم لبعض ، وكنت قد وضحت هذا في الفصل السابق عند الحديث عن الإيجابيات الإشكالية، يقول رحمه الله مشيراً إلى حتمية زلة بعض الفقهاء لأنهم ليسوا بمعصومين:
«قلت: والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولابد، إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك فيأخذون الدين بالخطأ، ولابد، فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ما لم يشرع، ولابد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولابد . وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده مرفوعاً: اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته».
۳۷
أي أن ابن القيم يلقي باللوم على التقليد وذلك لأنه كما يوضح فإن الزلة حاصلة من العالم ولابد، لأنه إنسان غير معصوم. أي أنه رحمه الله يضع آلية واضحة هي التي عادة ما تؤدي إلى الخروج عن الشرع، وهي ظهور الزلات ثم قبولها ثم تقليدها والتقليد إن كثر يؤدي إلى انتشار الزلة لتصبح جزءاً أو مذهباً أو قولاً من الدين. الأضرب مثالاً توضيحياً، فكما مر بنا فإن الأرض لمن أحياها وأنها لا تملك إلا بعد العمل فيها. حتى وإن أقطع الإمام أرضاً من الموات لزيد من الناس فإن زيداً لا يملك تلك الأرض، لذلك فليس له بيعها إن لم يحيها كما مر بنا في فصل «الخيرات». ولكن المنتشر الآن هو أن السلاطين وبالذات في دول الخليج يقطعون المقربين منهم أراض بمساحات
المكو
AVO
أخذها
هو
هو
بعدم را
كبيرة تصل إلى عشرات الكيلومترات، ثم إن هذه الأراضي يتم تخطيطها وتقسيمها إلى قطع أصغر من الأراضي لتباع على العامة. وقد تُباع الأرض ممن أخذها من السلطان لآخر وآخر وهكذا حتى تصل إلى من يخططها. أو أن الذي أو وكيله يقوم بتخطيطها وبيعها. أي أن الأرض تباع دون أن تُحيا، وهذا هو المعمول به الآن وانتشر وأصبح عرفاً إذ لا إحياء أبداً. وفي هذا تعطيل للشريعة، بل نقض صريح لها. فهؤلاء الحاصلون على المال من البيع قد حصلوا عليه دون أدنى مجهود، بل فقط لأنهم من المقربين من السلطان، وفي هذا تعزيز لسلطات السلطان لأن الأراضي الموات أصبحت مصدر قوة وتسلط بإذلال الآخرين للسمع والطاعة. لقد انتشرت هذه الظاهرة وتفشت وأصبحت وكأنها جزء من الدين لدرجة أن الشيخ ابن عثيمين (وقد اخترته هنا بالذات لأنه عالم فذ وورع وهو بإذن الله من التقاة) لم يعترض على هذا الفعل لأنه انتشر بـرغـم إحساسك إن سمعته هذه م رضاه عن الإقطاعات تأمل الحوار الآتي بين الشيخ ابن عثيمين مع أحد طلابه. سأل طالب نبيه الشيخ ابن عثيمين في شريط تسجيلي سؤالاً محرجاً وكان الحوار باللهجة العامية: الطالب أحسن الله إليكم. هل للسلطان أن يقطع بعض الناس أراضي؟» الشيخ: «إيه نعم». الطالب سائلاً للتأكد: «له أن يقطعهم؟». الشيخ: «نعم». الطالب متعجباً: «بلا سبب؟». الشيخ: «بلا سبب، للتملك، ولهذا قالوا للإمام إقطاع موات لمن يحييه». الطالب موضحا: «لا، لا، وإنما بعض الأراضي التي تكون على الشوارع العامة الرئيسية والمرتفعة الثمن يهبها لبعض قرابته أو المقربين؟». الشيخ موضحاً بسؤال: «لكن اشتراها من بيت المال؟». لاحظ أن الشيخ يقصد بـ «هو» إما السلطان أو الموهوب له الأرض. الطالب: «ما اشتراها». الشيخ: «هاه». الطالب السلطان وهبها هكذا قال: يا فلان لك هذه الأرض». الشيخ يسأل للاستبيان: «لكن من قبل لمن هي؟». الطالب: «هي لبيت المال». الشيخ متعجباً: «هاه». الطالب مؤكداً: «هي لبيت المال». الشيخ سائلاً أو مستنتجاً: «موات؟ أرض موات؟». أي وكأن الشيخ يقول بأن الأرض الموهوبة لابد وأن تكون أرضاً مواتاً. فسأل الطالب وكأنه مستنكراً: لكن هذا لم يحييها». الشيخ: «نعم (بصيغة استفهام)؟». الطالب: «أقول هذا الموهوب له لم يحييها وإنما مقاطعاً: «يحييها»، أي عليه أن يحييها. . الشيخ . الطالب: «سيتربح بها، سيبيعها ويتكسب، يقسمها ويخططها ويُحرّج عليها». هنا أُحرج الشيخ وقال بصوت منخفض وبسرعة: «العلماء [للعلماء] قول: له ذلك». ثم أكمل مبيناً بصوت أكثر وضوحاً: «لكن عليه أن يتقي الله في نفسه وأن لا يلعب بالأراضي»، وهو هنا يقصد السلطان، أي ليس له الحق في التلاعب بهذه الأراضي.٣٨ هنا تلحظ أن الطالب غير مقتنع بما يراه من تلاعب في الأراضي لأن هذا أمر منتشر نشاهده ليل نهار، فجميع الأراضي في جميع المدن العربية الآن هي أملاك للدولة تهبها لمن تشاء، فلا مجال لأي إنسان أن يحيي أي أرض. أي أن الشريعة معطلة إلا فيما ندر من حالات كما في بعض القرى. وفي دول الخليج، فإن الأراضي داخل المدن في معظمها أصلاً للأمراء الذين قاموا بدورهم ببيعها، وبرغم أن هذا الأمر أصبح شائعاً برغم عدم شرعيته، إلا أن رد الشيخ ابن عثيمين كان بأن للسلطان أن يُقطع ولكن دون أن يتلاعب بهذه الصلاحية. فإن عاصرت المدن الخليجية تسأل: أين الشيخ من كل هذا الذي يحدث؟ لماذا لم يقم على المسؤولين أو حتى لماذا لم يستنكر هذا الوضع المستمر لأربعة عشر قرناً؟ بالطبع ستكون الإجابة والله أعلم أنه رجل حكيم ولا يريد إثارة الفتنة، برغم إجابته بأن هناك قولاً بأن للحاكم الإقطاع مع يقين الجميع أنه سيبيعها. فمن أين أتى هذا القول؟ إنها من زلات تراكمت من علماء سبقوه ثم
هامش
ط) معنى التحريج هو البيع بالمزاد العلني.
...
ط
٨٧٦ 🗏
قلدت فأصبحت قولاً أو مذهباً. وهذا ما حاولت في كتاب عمارة الأرض في الإسلام» توضيحه خطوة بخطوة بأنها بدأت مع ما ذهب إليه الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله، والتي كانت والله أعلم في نظري زلة. وهنا لا أريدك أخي القارئ أن تعتقد أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته رجل باستطاعة أي فرد خدش مكانته العلمية، ناهيك عن الإمام الأعظم أبي حنيفة، بل هو أي الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، عالم يشيد الجميع بعلمه وخلقه وتفانيه في خدمة الإسلام، ناهيك عن زهده وورعه ومواقفه التي سنأتي على بعض منها بإذن الله. فما حصل أن الطالب احتار كما يحتار الجميع في قبول قول شيخه الذي أخذ بقول بدأ من زلة ثم أصبح عرفاً في عصر
هنا هو
الفتن.
.
الله صلى
الله
إن قلق العلماء من زلة العالم أمر معروف لدى الفقهاء رحمهم الله ، وإليك بعض الأمثلة، فقد جاء في الموافقات وشبه العلماء زلة العالم بكسر السفينة، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير، وعن ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول عليه وسلم منه فيترك قوله ذلك ثم يمضى الأتباع» . " وجاء أيضاً: «وقد قال الغزالي إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة، وهي في نفسها صغيرة. وذكر منها أمثلة ثم قال : فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيراً في العالم أياماً متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه». وجاء في الفتاوى الكبرى: «وقال الحسن: قال أبا الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق. وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم، قل ما يخطئه أن يقول ذلك - الله حكم قسط هلك المرتابون، إن وراءكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي الأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره. قال: فإياكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق. فتلقوا الحق عمن قد جاء به، فإن على الحق ،نورا، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون ما هذه، فاحذروا زيغته ولا يصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق، وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما. وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم . عند ثلاثة: زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم. فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، تقول نصنع مثل ما يصنع فلان وننهى عما ينهى عنه فلان وإن أخطأ، فلا تقطعوا أياسكم منه فتعينوا عليه».
٤٠
كما ذكرت، فإن الزلات أنواع منها ما يؤثر في القيم، ومنها ما يؤثر في مقصوصة الحقوق. فما هي العلاقة بينهما؟ من الملاحظ في عصرنا الحالي هو أن الزلات التي تؤثر في القيم تنتشر وتطير بين الناس لأن الناس يريدونها، مثل الزلة التي قالت بتحليل مشاهدة المسلسلات التلفزيونية إن لم تُله عن الصلاة. ولعلك إن شاهدت مسلسلاً ما ترى فيه الفتيات الجميلات المتبرجات حتى وإن كان المسلسل دينياً. فإن قارن الرجل ما يراه في التلفاز بزوجته، وسيفعل لا شعورياً، وإن لم يفعل فإن الشيطان والعياذ بالله منه قد يسوس له ليفعل، فعندها فهذه المقارنة بذرة قد تؤدي للانحراف. وبهذا يصبح المسلسل عنصراً قابلاً لسحب المجتمع للفساد. فيالها من زلة. حتى وإن تراجع العالم عن زلته فإن العامة سيتمسكون بها وتنتشر بينهم من واحد لآخر لأن فيها مصلحة أو ملذة. وما أحاول توضيحه في هذا الكتاب هو الآتي: لأننا لم نطبق مقصوصة الحقوق، فإن معظم أفراد المجتمع من الغافلين. وهؤلاء الغافلون
المكو
۸۷۷
ينتظرون أية زلة ليطبقوها حتى وإن أتت ممن يدعي العلم وبالذات الزلات التي تؤدي للمزيد من التلذذ بالشهوات. أما إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن المسلمين يرتقون في إيمانهم، وبذلك فإن مثل هذه الزلات لن يلتفت لها أحد ولن يُعمل بها وستموت في أرضها. فلا خطورة منها لجلاء ركاكتها، بل مع انتشار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تطبيق مقصوصة الحقوق وسيأتي بيانه بإذن الله في فصل «البركة» فلن تظهر مثل هذه المسلسلات التلفزيونية أصلاً كما سترى بإذن الله ، ولن يتمكن مثل هؤلاء أنصاف العلماء من الاشتهار ولن يكترث أحد لزلاتهم، فالكل سيدرك أنهم من الجهلة لأن من على الساحة من العلماء المشهورين سيكونون من الراسخين في العلم. لذلك فإن الخطورة كل الخطورة والقلق كل القلق هو من الزلات التي تمس مقصوصة الحقوق، وكما ذكرت فإن مقصوصة الحقوق أتت مكتملة من الله العزيز الحكيم العليم الخبير، لذلك لن تحتمل أية إضافة.
٤١
وهناك آلية أخرى تزيد الوضع سوءاً : وهي أن هذا القلق الذي أبداه الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر ما يحدث إن تحقق وصفه صلوات ربي وسلامه عليه الذي قال فيه: إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان). وقد ورد الحديث بألفاظ مختلفة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان. ومنها أيضاً قوله أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان). فهؤلاء المنافقون عليموا اللسان عادة ما يكونون حول السلاطين أو من المقربين منهم. فقد سمعت يوماً وزيراً سابقاً للأوقاف يتحدث عن القضاء ويعد من علماء الشريعة في بلده وذو مكانة رفيعة بين المشهورين في الفضائيات»)، وأعجبت بكلامه بادئ الأمر، فلم أسمع بطلاقة لسان مثل هذا العالم ، ولا أغزر في الأدلة منه، ولا أكثر فصاحة منه، ولا أسرع بديهة منه، ولا حجة مقنعة مثل طرحه، ولا تعابير بطريقة حماسية بريئة تقنع كل سامع أنه على الحق مثل تعابير وجهه وحركات يديه وكان هذا الوزير يحاول إقناع الحاضرين بأنه حان الوقت للأمة المسلمة أن تغير منظورها للقضاء، فقد قال فيما معناه أن القاضي كان في السابق فرداً لأنه حكم بين أفراد متنازعين؛ أما الآن، فنحن بحاجة لمؤسسات لتحكم بين المؤسسات الكبيرة التي تتصارع فيما بينها في عصر العولمة. أي أنه يتقبل العولمة المعاصرة ويحاول تغيير الدين لتلائم متطلبات العصر ليتغير نظام القضاء من قاض يحكم بين المتنازعين لمؤسسات قضائية تحكم بين المؤسسات. ثم يكون السؤال: كيف ستعمل هذه المؤسسات؟ هنا بالطبع لا مفر من اللجوء للغرب المتحضر (أو بالأصح الضال الذي لديه مؤسسات قضائية مكونة من عدة قضاة متخصصين ويحكمون بعد التوصيت فيما بينهم، وهذه بيئة خصبة للعقل ليعلوا على النص. وبالطبع كما سترى بإذن الله فإن في هذا القبول خروج عن الشرع لأن المؤسسات الإنتاجية الكبيرة التي ظهرت في الأمم الرأسمالية ما ظهرت إلا لأن النظام الاقتصادي الذي أقفل أبواب التمكين على الأفراد أدى لمجتمع إنتاجي يعتمد على الشركات الكبرى (تذكر مثال الإيدز)، وهذا لن يحدث إن طبقت مقصوصة الحقوق. بل ستكون معظم وأهم المنتجات من أيدي أفراد أو مؤسسات ذات أحجام أصغر ودون التضحية أو على حساب الجودة. بعد سماع هذا المتحدث الطلق اللبق الأنيق القوي الحجة والبيان تذكرت قوله صلوات ربي وسلامه عليه يكون في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي تغترون أم علي تجترؤون، فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران) ٤٢
۸۷۸ 🗏
النقطة الأهم: الطائفةُ الحق
ولعلك هنا تسأل: وكيف حكمت أن هذا الوزير على الضلال وهو عالم شريعة وأنك أنت يا جميل على الحق؟ فأجيب: لعلك هذه المرة على حق ! لقد كان هذا السؤال يؤرقني ليل نهار كباحث يحاول التجرد من قيمه لتقصي الحق، وازداد قلقي بعد أن قرأت قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: لا تزال طائفة من أمتي
٤٣
ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) . وهناك لفظ آخر للحديث في صحيح مسلم يحوي كلمة «الحق». فعن ثوبان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». فهذه الأحاديث كما ترى وبالذات من قوله صلى الله عليه وسلم: لاتزال) تفيد بأن هناك طائفة مستمرة على الحق دون انقطاع منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولنسميها «الطائفة الحق» لتسهيل الرجوع إليها. وفي كتاب «قص الحق» طرح يفيد أن هناك زلة قد وقعت واستمرت حتى هذا اليوم. أي وكأن هناك انقطاع في الحق، وفي هذا تضاد بين الحديث وبين طرح كتاب «قص الحق». أي أن طرح كتاب «قص الحق» ليس بالضرورة صحيحاً. ثم بحثت عن الحديث أكثر فوجدته بألفاظ أخرى تدور حول القتال، أي أن الطائفة الحق ستقاتل من أجل الحق، كما جاء في صحيح مسلم مثلاً: قال صلوات ربي وسلامه عليه: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة). وفي سنن أبي داود: قال صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال). وفي مسند الإمام أحمد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يزال ناس من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله عز وجل. فمن هم هؤلاء الطائفة الحق ياترى؟ لقد تم تأويل هذه الطائفة على أنهم أهل الحديث كما جاء في سنن الترمذي. ولكن إن نظرنا إلى التاريخ الإسلامي نجد أن جميع الطوائف كانت تقاتل لقناعتها أنها هي التي على الحق.
هامش
ك
٤٥
٤٦
الطائفة
ي) وجاء في مسند الإمام أحمد : لا تزال طائفة من أمتي على الحق يقول، وذكر هذا الحديث عن النبي - ، صلى الله عليه وسلم: (لا تزال ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله عز وجل) (٤٤). طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . فقال علي هم آ أهل الحديث» ومن هذه الأحاديث مثلاً ما جاء في مسند ا الإمام أحمد أيضاً أنه (٤٨).
ك)
صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ( جاء في عمدة القارئ: «وقد جاء ذلك مبينا في حديث أبي أمامة على من ناوأهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وينزل عيسى بن مريم رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي عليه السلام). وعن أبي العلاء بن الشخير عن مطرف قال: «قال لي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم. قيل: وأين هم يا رسول
عمران إني لأحدثك بالحديث اليوم لينفعك الله عز وجل به بعد اليوم الله ؟ قال : ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس)». اعلم أن خير عباد الله تبارك وتعالى يوم القيامة الحمادون، واعلم أنه ن) وهناك حديث آخر أخرجه الترمذي: (من أحيا سنتي فقـد لن تزال طائفة من أهل الإسلام يقاتلون على الحق ظاهرين على من أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة). وجاء في الترغيب والترهيب ناوأهم حتى يقاتلوا الدجال. وأعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تمسك . قد أعمر من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه رسول عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد ) . وجاء في التعليق على الحديث: الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما رواه البيهقي من رواية الحسن بن قتيبة ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به إلا أنه قال فله أجر شهيد». وجاء في حلية
بسنتي
شاء الله أن يرتئي» (٤٧). ل) جاء في سنن الترمذي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأولياء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخاف على أمتي الأئمة المضلين : قال : وقال رسول الله صلى الله عليه المستمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد). وجاء في التعليق وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من على الحديث: «غريب من حديث عبدالعزيز عن عطاء ورواه ابن أبي يخذلهم حتى يأتي أمر الله. قال أبو عيسى وهذا حديث حسن نجيح عن ابن فارس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله وقال له صحیح سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت علي بن المديني أجر مائة شهيد» (٥٢).
المكون
۸۷۹
إن محاولة تحديد «الطائفة الحق» حتى وإن نجح فرد في معرفتها سيكون أمراً قابلاً للجدل لأن من هم ليسوا في صف تلك الطائفة سيرفضون تحديد الطائفة، فالشيعة يقولون أنهم هم ، والخوارج يقولون أنهم هم، وأهل السنة يقولون أنهم هم، وهكذا باقي الطوائف. وهناك حديث يفيد أنهم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس. وقد يفهم من حديث الطائفة الحق أيضاً أنهم جماعة تجابه ليس فقط الأعداء في الخارج، بل أيضاً تجاهـد داخل المجتمعات كما فعل ابن تيمية رحمه الله ومن معه من تلاميذ ؛ أو قد تكون جماعة تجابه غير المسلمين في الخارج: فمثلاً، كان المسلمون في بعض الفترات كما في عهد هارون الرشيد في استقرار تام داخل الدولة الإسلامية، وفي الوقت ذاته في قتال مستمر مع أعداء الأمة في الخارج، فهل يعني هذا أنها هي الطائفة الحق برغم أنه لا قتال في الداخل؟ أم أن هذه الطائفة دائمة القتال حتى مع مجتمعاتها المنحرفة في الداخل؟ وهكذا من أسئلة قد لا تنتهي لمعرفة الطائفة الحق لأنها طائفة مستمرة في كل الأزمان فيصعب تحديدها. ولكن في جميع الأحوال، سواء كانت الطائفة تقاتل باستمرار أو لا تقاتل، وسواء كانت أهل الحديث أو غيرهم، فإن هذه الأحاديث عن الطائفة الحق وضعتني في مأزق فكري لأنها تعني كيفما نظرت إليها أن الطائفة الحق لم تنقطع منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي دائمة الوجود في جميع الأزمان وليس بالضرورة في جميع الأماكن.
٤٩
ولكن في الوقت ذاته هناك أحاديث أخرى « قد» تشير لمدلول آخر كما يظهر منها لأول وهلة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء. فهذا الحديث يشير إلى أن هناك غربة للإسلام ستحدث ثم يعود الإسلام، وهذا قد يفهم منه أن الطائفة الحق قد لا تكون ظاهرة على الدوام برغم وجودها فهي قد لا تكون متمكنة من السلطة مثل أيامنا هذه. وقد ورد الحديث بألفاظ مختلفة منها ما جاء في سنن ابن ماجة: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء)." ومنها ما جاء في سنن الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي). ومن الأحاديث التي قد تشير أيضاً إلى عدم ظاهرية الطائفة الحق على الدوام قوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الطبراني والبيهقي: القائم بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد). فكيف ستفسد الأمة وهناك طائفة على الحق؟ لابد وأن تكون الإجابة هو أنها موجودة إلا أن المسلمين محكومين بغيرهم كما هو حالنا اليوم.
٥١
أخي القارئ: بعد تفكير متواصل في حديث الطائفة الحق بدأ قلقي يزداد برغم قناعتي العميقة أن طرح کتاب «قص الحق» لا يناقض فكرة أن الطائفة الحق لم تنقطع إن كان المقصود من الطائفة الحق هو طائفة مكونة من أفراد كالعلماء في مناطق مختلفة وليسوا بالضرورة جماعة متكاتفة كحزب واحد يقاتل باستمرار. فالطائفة الحق ظاهرة باستمرار ولكن الحق مرة مع هذا وأخرى مع ذاك من العلماء. فكما مر بنا فإن الشافعي رحمه الله مثلاً لم يذهب لجواز عدم قسمة الغنائم كما فعل الخليفة عمر رضي الله عنه في سواد العراق، وإنما أوّل فعل عمر عنه على أنه إنما فعل ذلك بعد أن استطاب أنفس الغانمين. مثال آخر فإن المشهور عن الإمام مالك الكراهة للنفل لأنه يرى أن قتال المجاهدين على هذا الوجه إنما هو للدنيا مما يؤثر في خلوص النيات كما مر بنا، وهكذا إن نظرت للفصول السابقة والقادمة تجد أن هناك طائفة استمرت على الحق رغم أنها لم تقاتل بالسلاح من
رضي الله
رحمه
الله
۸۸۰ 🗏
أجل الحق وبرغم أن أفرادها يصيبون الحق إن استثنينا بعض زلاتهم مثل ذهاب الإمام الأعظم أبي حنيفة لعدم جواز الإحياء إلا بإذن الإمام.
ثم بعد مدة بدأت أشعر بنوع من الراحة وذلك أنني وجدت في حديث الطائفة الحق فائدة مهمة لي وهي كالآتي: لقد ظهر لي أخيراً نص واضح وصريح يجعل القراء في حذر من الأفكار التي أطرحها. (إذ أنني طيلة التفكير في الكتاب وأثناء كتابته كنت في همّ لأنني أخالف بعض العلماء وفي الوقت ذاته لعلي بهذا الطرح للكتاب أدفع الأمة لغوغاء هي في غنى عنه). وكنت كلما ازدادت أدلتي كلما ازداد قلقاً من ظهور فتنة على يدي. وبعد هذا الحديث استقرت لدي قناعة أخرى هي: لأنني لست عالم شريعة وبالتالي ليس لي أتباع، فما أقوله لن يكون ذا وزن لدى الآخرين، وبالتالي فلن يلتفت إليه علماء الشريعة إلا إن كان حقاً. فإن كان حقاً فسيتأثر به عالم ما ويبلغه لآخر وآخر وهكذا حتى ينتشر. وفي هذا خروج بإذن الله الواحد الأحد الغافر الغفار الرحمن الرحيم من خطر الوقوع في الذنب. لذلك حرصت على إظهار هذه الأحاديث هنا للفت النظر لهذه المسألة الجذرية وهي أنني في هذا الكتاب أشير إلى وجود انقطاع في تاريخ الأمة في مقصوصة الحقوق، بينما حديث «الطائفة الحق» يشير إلى استمرارية ظهور هذه الطائفة حتى إن لم تكن في سدة الحكم . لهذا، فإن ما على المحك هو وضوح الطرح الذي أطرحه لإقناع الآخرين فإن اجتمعت لدي نصوص أخرى كثيرة بالإضافة للإقناع من خلال الرجوع للواقع المعاش ومن خلال الغرائز الإنسانية، عندها قد يجد عالم ما تأويلاً لحديث الطائفة الحق يساند كتاب «قص الحق»، أو أن طرح كتاب «قص الحق» لن ينتشر لأن حديث الطائفة الحق سيوقفه. فما العمل إذاً بالنسبة لي؟ والإجابة هي: إن المنهج بالنسبة لي الآن واضح وهو أن تخلف المسلمين مرض مزمن بلا جدال، هذه حقيقة لا مفر منها، لذلك فلابد من دراسة تحليلية للخروج من هذا التخلف، وهذا لن يحدث إلا من خلال وضع اليد على مكامن الزلل. وأنا أحاول كما حاول الآخرون لعلي أنجح في رفع هذا التخلف، فقد أحظى بالأجر بإذن الله، فإن تمكنت فلله الحمد؛ وإن أخطأت فلن يلتفت أحد من علماء الشريعة لما أقول لأنني لست عالم شريعة كما سبق وأن وضحت، وكما قيل : فإن زلة العالم يضرب بها الطبل، وزلة الجاهل يخفيها الجهل»، وفي الوقت ذاته فلن يلتفت أيضاً أحد من العلمانيين أو ممن هم في السلطات لكتاب قص الحق» لأن طرحه ضد أهوائهم. فلا قلق إذاً من الجهتين الأهم (العلماء والأمراء)، أما العامة فلأن الكتاب ممل وطويل في مادته، فلن يستمتع أحد بقراءته، أي أن کتاب «قص الحق» لن يلقى رواجاً إلا إن كان على الحق. لذلك فإن ما على المحك هو مجاهدتي في إظهار الحجج والأدلة فيما بقي من هذا الكتاب مع اطمئناني بأنني قد لفت النظر لهذه الحقيقة لحديث الطائفة الحق محذراً الناس بأنني قد أكون مخطئاً بنص الحديث وذلك حتى لا أؤثم بإذن الله الغافر الغفار اللطيف الودود. وهذا هو المهم بالنسبة لي. فبعد كتابة هذا التوضيح شعرت براحة جعلتني أتحرر من حرج نقد العلماء والباحثين حتى أوضح لهم ولغيرهم الزلل الذي وقعوا فيه سواء فيما سبق من فصول أو ما سيأتي بإذن الله . ولعلك لاحظت في الفصول السابقة أنني أنقد العلماء بوضوح وصراحة للفت الأنظار لزلاتهم لأن ما على المحك هو مصير الأمة، وليس سمعة عالم. ولكن تذكر أخي القارئ أنني دائم الاستمساك بقال الله جل جلاله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل، ودون أي إضافة بحجة تغير الزمان ومتطلباته. كما أنني أحاول أن أثبت أن في هذا الاستمساك دون أي اجتهاد في مقصوصة الحقوق عزة للأمة كما سأثبت بإذن الله. وإن فعلت أي أثبت أن الأمة ستكون أقوى وأعز وأسعد دون أية إضافة المقصوصة الحقوق أو دون أدنى اجتهاد، فعندها لعلك تقتنع أنني على الحق. وبالله التوفيق.
۵۳
۹
المكو
البيان الساحر
۸۸۱
ويعتقد أنه
لابد من التنويه أولاً أن من سيأتي نقدهم ليسوا بالضرورة من الفقهاء أو العلماء، فبعضهم من الباحثين المهتمين بعلوم الاقتصاد أو السياسة. حتى العلماء الذين كتبوا في الشريعة الآن وبالذات في ما يمس الاقتصاد ليسوا بالضرورة من الراسخين في العلم. فلأن الكل قلق على سير الأمة المسلمة بدأ البعض يقتحم حقول البحث عن الخلاص من هذا التخلف فكثرت الآراء وتعددت المذاهب بين المهتمين بالأمة المسلمة، لهذا ترى نقدي شديداً لدرجة أنك قد تشعر معها أحياناً وكأنني أصور من أنقده بأنه إما جاهل ينقل ما قاله الآخرون دون إدراك لما يفعل، بل فقط يسعى للظهور أو يؤدي عملاً جامعياً في سبيل الترقية الأكاديمية مثلاً، أو أنه ضال في نفسه . على الحق ويريد أن يسحب الآخرين لما يعتقد أنه الحق، أو أنه منافق يبث أفكاره ليخرج المسلمين عن مقصوصة الحقوق. أي أن نقدي قد يصور لك أن الباحث إما أن يكون جاهلاً أو ضالاً أو منافقاً، إلا أن الواقع قد يكون غير ذلك تماماً، فقد يكون الباحث عكس ما أظهره هنا، فقد يكون مجتهداً يحاول وبحرص شديد إنقاذ الأمة إلا أنه قد زل (بالنسبة لي). أي أنني قد أنقد عملاً لباحث ولهذا الباحث مناقب كثيرة يؤجر عليها إلا أنني لم أقع عليها، لذلك، فإن جميع النقد الآتي يجب ألا يؤثر على مكانة هؤلاء العلماء أو الباحثين برغم شدته أحياناً إلا إن كان الباحث منافقاً، وهذا ستلحظه بسرعة من كتاباته التي تشع نفاقاً. وبالطبع فإن في الآتي استثناءات واضحة، فهناك الراسخون في العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية أثابه الله، ومن أنا حتى أنقده؟ وغيره كثير ممن لا نرتقي جميعاً في هذه الأيام أو العصور اللاحقة ولا إلى حتى ذرة من علمهم وورعهم رحمهم الله جميعاً. ومع هذا، ولأن ما على المحك حرج من نقد بعض هؤلاء لأنها قد تكون زلات منهم ويجب أن توضح حتى لا تؤخذ منهم، أو قد أكون أنا الذي زللت، فالله هو العليم. لهذا لندعوا أخي القارئ بالدعاء الذي جاء في سنن أبي داود ولنقل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل
هو مصير
الأمة، فلا .
أو يجهل علي).
يسحر
لعلك قد لاحظت من النصوص التي اقتبستها من العلماء أو الباحثين أن بعضها كلام قوي ومقنع برغم أنه ليس حقاً. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. فقد جاء في صحيح البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن من البيان لسحرا). أي أن بعض من يتكلمون أو يكتبون لديهم مقدرة فائقة في التعبير البياني لدرجة أنه المتلقي. لذلك اختلف الفقهاء في تفسير الحديث، أي هل البيان الساحر إيجابي أم سلبي؟ أي هل المتحدث محق فيما يقول، لذلك تمكن من إظهار هذا الحق بطريقة تقنع المتلقي وكأنها تسحره، أم أن البيان القوي وكأنه سحر يسحر المتلقي حتى وإن لم يكن صحيحاً؟ لنبحث المسألة على عجل. جاء في غريب الحديث لابن الجوزي الآتي: «قوله إن من البيان السحرا) وهو إظهار المقصود بأبلغ لفظ . قال أبو عبيدة: معناه أنه قد يبلغ من بيان ذي الفصاحة أنه يمدح الإنسان بصدق حتى يصرف القلوب إلى قوله ثم يذمه فيصدق حتى يصرف القلوب إلى قوله، فكأنه سحر السامعين بذلك». وجاء في نفس الكتاب أيضاً : قوله إن من البيان لسحرا ) أي منه ما يصرف قلوب السامعين إلى قبول ما يسمعون وإن كان غير حق. قال الأزهري : السحر صرف الشيء عن حقيقته». وقال ابن حجر موضحاً: «قوله: (إن من البيان لسحرا)، أي منه ما يصرف قلوب السامعين، وإن كان غير حق، وكذلك السحر، فإن أريد بالحديث المدح فالمعنى أنه يستمال به القلوب ويرضى به الساخط ويستنزل به الصعب، وإن أريد به
٥٤
۸۸۲ 🗏
٥٥
الذم فالمعنى أنه يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر». وجاء في جامع العلوم والحكم: «وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار). وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا)، فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق»." وجاء في «عون
المعبود»:
«قال المنذري وقد اختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرا)، فقيل أورده مورد الذم لتشبيهه بعمل السحر لغلبة القلوب وتزيينه القبيح وتقبيحه الحسن. وإليه أشار الإمام مالك رضي الله عنه فإنه ذكر هذا الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام. قيل إن معناه أن صاحبه يكسب به من الإثم ما يكسبه الساحر بعلمه. وقيل أورده مورد المدح أي أنه تمال به القلوب ويرضى به الساخط ويذل به الصعب ويشهد له أن من الشعر لحكمة. وهذا لا ريب فيه أنه مدح، وكذلك مصراعه الذي بإزائه، وقال بعضهم في الامتلاء من الشعر، أي الشعر الذي هجى به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا القول غير مرضي فإن شطر البيت من ذلك يكون كفراً. فإذا حمل على الامتلاء منه فقد رخص في القليل منه، وهذا ليس بشيء، والمختار ما تقدم. انتهى كلام المنذري .... وقال الإمام أبو هلال العسكري: أما النبي صلى الله عليه وسلم فذم البيان أم مدحه؟ فقال بعض ذمه لأن السحر تمويه، فقال إن من البيان ما يموه الباطل حتى يتشبه بالحق، وقال بعض بل مدحه لأن البيان من الفهم والذكاء. قال أبو هلال: الصحيح أنه مدحه وتسميته إياه سحراً إنما هو على جهة التعجب منه لما ذم عمرو الزبرقان ومدحه في حالة واحدة، وصدق في مدحه وذمه فيما ذكر عجب النبي صلى الله عليه وسلم كما يعجب من السحر، فسماه سحراً من هذا الوجه. انتهى مختصرا .... وقال أبو عبيد البكري الأندلسي في شرح كتاب الأمثال للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام: الناس يتلقون هذا الحديث على أنه في مدح البيان، وأدرجوا في كتبهم هذا التأويل وتلقاه العلماء على غير ذلك، بوب مالك في الموطأ عليه: باب ما يكره من الكلام فحمله على الذم وهذا هو الصحيح في تأويله لأن الله تعالى قد السحر فساداً في قوله تعالى: مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، انتهى. قال السيوطي: وهو ظاهر صنيع أبي داود. قلت فإن كان البيان في أمر باطل فهو كذلك، وإلا فمدح لا محالة، والله أعلم».
سمی
OV
والسؤال هو: متى يكون الكلام سحراً في المسائل التي تمس الحقوق والإجابة بالطبع هي كما هو مشاهد ومعلوم أن الباحث إن وصل لقناعة عميقة في مسألة ما ستنقلب قناعته إلى عقيدة يتبناها وعندها ستتفتق قريحته فيشحذ ذهنه فيصيغ عقيدته بطريقة قوية لعلها تقنع الآخرين وبغض النظر عن صحة عقيدته. ثم تأخذ هذه العقيدة مكاناً خلفياً في فكره فتصبح هي الموجه لكل ما يستجد له من أفكار (ولعل أفضل مثال لذلك كما سترى بإذن الله هي كتابات وأقوال الشيخ يوسف القرضاوي). ولعل أهم ما تم غرسه في أذهان الباحثين هو أنه لا غنى عن الدولة لإنجاز أي مشروع أو عمل كبير ( كما ذكرت سابقاً ومراراً)، وأن الدولة كمؤسسة هي المركز الذي تنبثق منه معظم إن لم تكن جميع النشاطات والخدمات والمشروعات الكبرى. ولأن الدولة تقوم بكل هذا كان على الباحثين التفكير في ماهية هذه المشروعات والخدمات أو طريقة تنفيذ الدولة لها وكيفية تحقيق الأهداف الموصلة
المكون
۸۸۳
لها وتحديد الأولويات لها وهكذا من أسئلة تدور حول هذه العقيدة. وهنا انطلق الباحثون كما ستلحظ في تأملات وتخيلات لما يجب أن يكون عليه الحال فتفتقت قريحتهم بالبيان الساحر. أي أن معظم الباحثين كانوا يفكرون في «الیجبات» ببيان ساحر. كيف؟
اليجبات
بعنوان: «منهج
.
«اليجبات» هي جمع «يجب»، وتعني باختصار أن العلماء والباحثين يقولون: يجب ويجب ويجب، ولكن دون توضیح ' لكيفية تحقيق هذه اليجبات، أي على يد من ستتحقق هذه اليجبات؟ إن ثقافة «يجب» ظاهرة منتشرة بين الباحثين. فمعظم الباحثين لهم تأملات وتطلعات نزيهة تظهر بوضوح من خلال نصوصهم بالقول «يجب أن يكون المجتمع كذا وكذا»، ويجب على السلطان أن يفعل كذا وكذا»، أو «يجب على الناس فعل كذا وكذا»، ثم يستمرون في سرد آمالهم وتطلعاتهم للمجتمع من خلال هذه اليجبات ببيان ساحر لنأخذ المثال الآتي: هناك كتاب الاقتصاد في القرآن»، وهو كتاب جيد إذ أن المؤلف كما هو ظاهر من نصوصه رجل مخلص للإسلام ويحاول جاهداً إظهاره على أنه الدين الأمثل لإنقاذ البشرية من الضلال الاقتصادي الذي هم فيه. فيمر على جميع الموارد المهمة كالإنتاج الزراعي أو الحيواني أو البحري وما شابه ويثبت لك أنها مذكورة في القرآن الكريم. فمثلاً من قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلَ وَالْأَعْنَبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يستنتج أن خاصية التسكير أو التمليح للأغذية في مجال التصنيع الغذائي هي أداة مهمة حتى تصلح السلع لموسم غير موسمها أو مكان غير مكانها، وهذا لا يتأتى إلا بعمليات الحفظ والتعليب كما تبين الآية من قوله تعالى: ﴿سَكَرًا﴾ والتي لا تعني بالضرورة الإشارة إلى الخمر ولكن إلى الرزق الحسن من قوله تعالى: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. ثم ينتقل بعد سرد هذه المصادر المذكورة في القرآن الكريم إلى تحقيق الاستفادة من هذه المصادر من خلال المشروعات فيقول مثلاً:
«نخلص مما تقدم أن المشروع الإنتاجي هو الذي يباركه الاقتصاد الإسلامي – وقد جاء ذلك إما نصاً أو روحاً من خلال سياق الآيات ومعناها .. كان ذلك المشروع في مجال الاستثمار الزراعي واستغلال الأرض، أو في مجال الاستثمار الحيواني والثروة الحيوانية، أو في ... ولكنا الآن يجب أن نعلم أن تشكيل أي مشروع ضمن تلك المجالات - لابد وأن يرتب علاقات جديدة بين عناصر المشروع – والموازنة بين تلك العلائق، أو بمقدار النجاح في تلك التوازنات - بمقدار ما يكون الاقتصاد عادلاً وأخلاقياً
وبالتالي موافقاً لنصوص القرآن أو روح الإسلام. فيجب أن يبدأ المشروع باسم الله وفي سبيل الله وعليه يجب أن تكون هناك ضوابط وخصائص للمشروع الاقتصادي - الإسلامي – والطبيعي حتى ولو تطلب ذلك تغيير البنية الأساسية للمشاريع الرأسمالية الاحتكارية .. التي كرست وثنية المادة ووثنية الإنسان ... أما الضوابط أو الخصائص - المزايا، التي يجب أن تتوافر في المشاريع الاقتصادية الإسلامية فهي كما يأتي: أولاً : الشورى والديمقراطية المباشرة .. في اتخاذ القرارات الخاصة بأي مشروع مهما كانت درجة أهميتها - بسيطة أو عظيمة .. ثانياً: وقف التسلط الفردي على الأفراد ومن بينها تسلط رب العمل على العمال أو المنتجين عن طريق رفع الحصانة عن أي من أفراد المشروع وإخضاع كل فرد من أفراد المشروع تحت طائلة المسؤولية - أي . السلطة أرباب العمل والمدراء والمنظمين ليكون كل شيء بالتساوي بينهم وبالمشاركة الإيجابية. ثالثاً: وقف التسلط
سحب
من
ΑΛΕ 🗏
الرأسمالي وسحب السلطة والحصانة من أصحاب رؤوس الأموال بإحداث مشاريع تعزز العدل والمشاركة والمساواة بين الأفراد. رابعاً : الاستخدام الأمثل عند استخدام المواد والموارد، ... خامساً: منع الاحتكار لبعض الموارد ووضع كل شيء تحت تصرف القادرين على العمل ... سادساً: وقف هيمنة الحافز المادي على شعور الأفراد في الإنتاج واستبداله بالحافز الروحي .
.«...
.«...
تلحظ من النص السابق أنه يقول: وعليه يجب أن تكون هناك ضوابط . ثم يوضح ماهية هذه الضوابط. والسؤال هنا هو كيف يتم تحقيق هذه الضوابط أو هذا اليجب؟ وتلحظ أيضاً في النص السابق والآتي أن الباحث هو وغيره عادة ما يتمنون أو يتطلعون أن يكون الإنتاج في المجتمع كذا وكذا، أي أن لهم أماني وتطلعات. إلا أن الإشكالية هو أنهم لا يقول لنا كيف تتحقق هذه التطلعات كما ذكرت ومتى ما بقيت هذه التطلعات مبهمة دون تحديد الجهة التي تقوم بها فإن الاستنتاجات ستذهب مباشرة إلى أن الدولة هي التي يجب أن تقوم بهذا العمل. وهذه هي الزلة. وهذا ما يحاول كتاب قص الحق» توضيحه من خلال نقد هذه الأبحاث بأن هذه اليجبات لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مقصوصة الحقوق والتي لا تلقي على الدولة عمل شيء مما ذهب إليه هؤلاء الباحثون. ففي النص السابق تلحظ أن الباحث يركز على المزايا التي يجب أن تتوافر في المشاريع الاقتصادية» وذلك من خلال الشورى (في أولاً)، ومن خلال وقف التسلط الفردي (في ثانياً، ومن خلال وقف التسلط الرأسمالي وذلك باستحداث مشاريع تعزز العدل في ثالثاً). وجميع هذه التطلعات ستتحقق بالطبع من خلال الدولة إن لم يقم الباحث بتوضيح كيفية تحقيقها. وهذه هي الزلة لأن في محاولة تحقيقها من قبل الدولة استحداث لوظائف لأفراد للقيام بهذه المهمة، أي المزيد من البيروقراطية ومن ثم المزيد من التسلط في المجتمع. أما مع فتح أبواب التمكين كما تفعل الشريعة إن طبقت فإنه لن تتركز السلطات عند أفراد كما سترى بإذن الله . أي أن الباحثين يفكرون في ماهية «اليجبات» أكثر من تفكيرهم في طريقة الوصول لهذه «اليجبات» لأنهم اعتقدوا أن الوصول لهذه «اليجبات» هي من مسؤوليات الدولة أو أولي الأمر أو الأمراء ونحوهم.
ثم ينتقل الباحث في كتابه بعد العديد من التوضيحات أثابه الله على اجتهاده إلى الحقوق، فيتحدث عن الحق العام ويقسمه إلى حقوق أخرى مثل حق الوطن، وأن هذا الحق يعني الدفاع عن الوطن وحفظه من شر الأعداء. فيقول مستنتجاً من قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾:
«فإن لم يحفظ الوطن من أطماع الأعداء - وهم كثر في كل زمان - فلابد وأن خيرات البلد كلها تضيع هباءً منثوراً تتقاسمها قوى الشر والطغيان - وهو حاصل في هذا الزمان، وسيما الأمة الإسلامية أو العربية بشكل خاص، وكان الأحرى بها أن تتعظ بقوله تعالى – وتدركه جيداً .. فتدعم كيانها وتدعم جيشها حتى . تحفظ حقوقها وحقوق أولادها .. وهذا الحق هو الدفاع عن الوطن – بإعداد القوة العسكرية ...».
۵۸
ولكن السؤال هو: من يقوم بذلك؟ هل هي الدولة أم الناس؟ ومَن مِن الناس؟ إن أكملت قراءة الكتاب فلن تجد الإجابة. أي أنه كالعادة لا إجابة واضحة، وعدم الوضوح هذا يعني أن المسؤولية ملقاة تلقائياً على أجهزة الدولة. وهكذا تجد أن الباحث يمر على باقي الحقوق، مثل حقوق الدين والتي تشمل بناء المساجد والمراكز الثقافية وطبع الكتب، وهكذا من آمال وتطلعات تجدها تتجسد في اليجبات ولعلك تسأل: ولماذا أنقد كتاباً يحاول
المكو
٨٨٥
توضيح دور القرآن الكريم في الاقتصاد، فهي محاولة جيدة؟ فأجيب: إن قرأت الكتاب فلن تجد إضافة مقنعة لك كإنسان يفكر ويقارن ما في الكتاب بما في كتب الاقتصاد في العالم الغربي التي تبهرك بقوة طرحها من خلال أرقام عن الأرباح والخسائر وفرص الاستثمار. فالإضافة ليست ذات مغزى بل هي سطحية لأي عالم اقتصاد، ولعل الأسوأ هو الخطر الذي يتأتى من مثل هذه الكتب لأن هذه اليجبات هي التي قد يأتي شخص طامع في السلطة وسيصل إليها بدعوى أنه هو الذي سينفذ هذه اليجبات فيسمع له الناس فيقتنص الفرصة ليصبح
أوسع !
بسبب
هذه اليجبات.
٥٩
سلطاناً بصلاحيات
والآن لنأخذ مثالاً ثانياً : يقول الدكتور أحمد شوقي الفنجري في كتابه «الحرية السياسية في الإسلام»: «ومن واجب الدولة تأمين جميع السلع الحيوية وتولي بيعها للشعب حتى لا تترك الفقير تحت رحمة التاجر. فرسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: الناس شركاء في ثلاثة [ثلاث]: الماء والكلأ والنار)، وهذا ينطبق في عصرنا على الكهرباء والبترول والمواد التموينية وماء الزراعة وهكذا». هنا أيضاً تلحظ أن هذا الباحث يرمي بمسؤولية توفير جميع السلع الحيوية على الدولة مثل الكهرباء والمواد التموينية. وبالطبع شتان بين معنى الحديث الذي استشهد به وبين ما يرمي إليه. فالحديث يعني كما مر بنا في فصل «الخيرات» أن الناس لهم الحق في امتلاك ما حازوه من خيرات، وهذه الخيرات مودعة في الأرض من صنع الله الخالق الخلاق، فهي بحاجة لبذل مجهود من الناس لامتلاكها، وفي هذا تحريك .لهم. أما توفير الكهرباء مثلاً من الدولة فشيء آخر تماماً لأن الكهرباء ليست مودعة كالمعادن وتنتظر من يأخذها، بل هي بحاجة للأموال لاستحداثها، فمن أين تأتي الأموال للدولة إن لم تؤخذ من الناس أو من وضع اليد على الأصول المنتجة، وفي هذا خروج على مقصوصة الحقوق لأنه لا سبيل لأموال الناس إلا بالمكوس، ولا سبيل إلى الأصول المنتجة إلا بمزاحمة الناس أو حتى بمنعهم من أخذها. وكما سترى بإذن الله، ، فمع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن جميع هذه الخدمات مثل الكهرباء ستصبح في متناول الجميع بكفاءة أعلى وسعر أقل.
فلاحظ هذا الخلط.
والآن لنأخذ ثالثاً: يقول الدكتور حسن صادق حسن داعياً إلى النظر بإيجابية إلى نفقات الدولة في ورقة مقدمة لمؤتمر تحت عنوان: «الإنفاق وضوابطه في الاقتصاد الإسلامي»، وتحت عنوان فرعي: «طبيعة النفقة العامة في الفكر المالي الإسلامي»:
«إن للفكر الإسلامي موقفاً متبايناً من موقف كل من الفكر المالي التقليدي والحديث من حيث نظرته لطبيعة النفقة العامة يعمق ويوسع من الدور الوظيفي للنفقة العامة، ولا يعتبرها أداة تحطيم واستهلاك للثروة والقيم، ولا يحصر دورها في الناحية الحيادية فقط، ويتبنى لها دوراً أوسع في عملية توزيع الثروة وفي التأثير في مجريات الأمور الاقتصادية والاجتماعية، بل هي أداة للعمران والتقدم. وعليه يمكن أن نحصر طبيعة النفقة العامة في الفكر المالي الإسلامي في أمور ثلاثة: أ) النفقة العامة وسيلة لزيادة الدخل القومي ،والثروة، أي أنها إدارة للعمران والتقدم. ب) النفقة العامة تعمق دور السياسة المالية في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. ج) الإحجام عن الإنفاق إهلاك للمجتمع. أ) النفقة العامة وسيلة لزيادة الدخل القومي والثروة وأداة للعمران والتقدم: ويعني ذلك أن النفقة تعمل على حفز النشاط الاحتياجي وزيادة الإنتاج وعرض السلع وترفع من معدلات الطلب والعمالة وتحفز الحركة في السوق وتضاعف الثروة المالية المتداولة، وتضخم انسياب الأموال إلى الخزانة العامة وتزيد من بنود الإيرادات في الميزانية بالاقتطاعات التي تتم بالضرائب والقروض
🗏
والرسوم، مما يؤدي بالتالي إلى تزايد الدخل القومي والثروة والفكر المالي الإسلامي لا يرى في
الإنفاق العام عامل تحطيم للثروة وللقيم بل حافزاً لها .
.«...
7.
وهكذا يستمر الباحث لدرجة أنك إن كنت رجل اقتصاد ستحتار بين ماهية الفرق بين ما يدعو إليه على أنه نظام اقتصادي اسلامي وبين النظام الرأسمالي، فهو يرى أن للدولة الحق في فرض الضرائب ثم التوزيع مرة أخرى لإنعاش الاقتصاد. ولعل هذا ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (إن من البيان لسحراً). فإن قرأت هذا البحث لخرجت بقناعة أن هذا الباحث يحاول دفع الاقتصاد في الدول الإسلامية ليجعله اقتصاداً تسيطر عليه الدول. وكما سترى في باقي هذا الكتاب بإذن الله فإن الإسلام يقطع دابر الدول من التدخل في الاقتصاد، بل الاقتصاد في الإسلام إن طبقت مقصوصة الحقوق هو نشاطات حرة بين الناس في شتى بقاع العالم الإسلامي دون حدود فاصلة بين الأقاليم، فلا دول ولا حدود اقتصادية حتى مع الجيران الذين هم من غير المسلمين وذلك لتوفير أكبر فرصة من التبادل التجاري الحر، وليس كما يدعو إليه هذا الباحث الذي يريد للدولة السيطرة على الاقتصاد. فمجرد القبول بهذه السيطرة يعني أن للدولة حدودا . والحدود كما هو معلوم وثابت تقتل الاقتصاد كما سترى بإذن الله . والآن لنأخذ مثالاً رابعاً: يقول ابن قيم الجوزية في كتابه «الطرق الحكمية» في التسعير:
أخذ الزيادة
«وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز. فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على من [ما] يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من على عوض المثل فهو جائز، بل واجب. فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعرت لنا؟ فقال: (إن الله هو القابض والرازق [الرازق] الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال). رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها
إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل. فالتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به».
٦١
هنا كما ترى أخي القارئ، فلعل المؤلف أثابه الله وقع في زلة والله أعلم من خلال «يجب» بقوله: «فهنا يجب عليهم بيعها ...»، لأنه ذهب لجواز إلزام التجار بالبيع بقمية المثل إن أمسكوا عن بيع السلع احتكاراً. ولكن من سيقوم بهذه اليجب؟ في الأرجح هو السلطان لأن النص لا يوضح من يقوم بذلك، وفي هذا نوع من التسعير في حين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسعر كما ذكر هو (أي ابن القيم)، وهذا نص. فهو أثابه الله قد افترض أن التجار، أي أرباب السلع، قد يتحدون ويتوقفون عن بيع سلع ضرورية للناس احتكاراً حتى تزداد الأسعار. وهذا بالفعل قد حدث ولكنه حدث لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق بالكامل. وهذا بالطبع إن حدث ومن ثم إن أعطيت الدولة صلاحية التدخل في التسعير فإنه سيفتح باباً من التلاعب لا نهاية له. فكما رأينا في الفصول السابقة فإن الشريعة تجذ الأمور من جذورها، ولا تخاطر أبداً بفتح باب قد يساء استخدامه، وهنا كذلك، فإن مجرد فتح الباب للسلطان بأن له الحق في أن يرغم التجار على البيع سيكون سلاحاً في يد السلطان لفرض الأسعار بحجة أن هذا التاجر محتكر وذاك متلاعب وهكذا. وفي هذا تأثير سلبي على حركة السوق كما سترى بإذن الله ستؤدي
المكو
M^V
لمردود عكسي لتوافر السلع. ولكن إن طبقت مقصوصة الحقوق ولم يكن للسلطان الحق في التدخل فإن مجرد ارتفاع سعر سلعة ما بسبب احتكار مجموعة من التجار سيسحب الآخرين لجلب نفس السلعة أو تصنيعها كما هو معلوم. وهكذا تتحرر الأسواق إذ أن الحركيات المنبثقة عن مقصوصة الحقوق ستجعل السوق بشفافية عالية جداً يصعب معها الاحتكار كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله.
وهنا أنوه على أن النقد السابق يجب ألا يخدش مكانة ابن القيم رحمه الله فهو من أروع وأورع ما أنجبت الأمة المسلمة (والله أعلم . فما أروع كتاباته التي حتى و إن اجتمع جميع فقهاء الحاضر في مؤتمر واحد لما تمكنوا من صياغة بعض جمله الفذة التي كان لها أكبر الأثر في الكثير من المؤمنين وبالذات قصيدته النونية التي وصلت إلى ستة آلاف بيت يدافع فيها عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وكأن كلامه تنزيل من التنزيل رحمه الله وأثابه على كل كلمة كتبها أو قالها. ولكن الخطورة هو أن الآخرين سيأخذون قوله ويبنون عليها أحكاماً أو يجبات أخرى. فهذا أحمد شوقي الفنجري مثلاً يقول بانياً على ما قاله ابن القيم بجواز التسعير:
والإسلام يسمح للحكومة بتحديد الأسعار بشرط أن لا يكون في ذلك ظلم على التجار وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية في كتابه «الطرق» الحكمية في السياسة الشرعية»: «والتسعير منه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز ..» . .
٦٢
لهذا أخي القارئ كان علي أن آتي بأمثلة من الراسخين في العلم، ليس بهدف نقدهم ولكن لتبيان خطورة الزلل. وكذلك النقد الآتي لابن تيمية الذي تدلك فتاواه على عمق فهمه ووعيه بالشريعة. فهو بالنسبة لي مجاهد كبير. أثاب الله ابن القيم وابن تيمية وغفر لي هذا النقد بإذن الله، وحسبي وحسب جميع المعاصرين أن نصل إلى ذرة من علمهم وورعهم. ولكن لابد من هذا النقد المؤلم الذي ترددت كثيراً في إظهاره كما قلت وذلك للتوضيح كمثال. يقول ابن تيمية رحمه الله وأثابه وأسكنه فسيح جناته في توضيح كيفية التعامل مع الأموال السلطانية التي أخذت بغير حق (وهذا هو المثال الخامس):
...»
... نعم إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق وقد تعذر ردها إلى أصحابها ككثير من الأموال السلطانية، فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى، إذ الواجب على السلطان فى هذه الأموال إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم أن يصرفها مع التوبة إن كان هو الظالم إلى مصالح المسلمين، هذا هو قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد. وهو منقول عن غير واحد من الصحابة. وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية كما هو منصوص في موضع آخر. وإن كان غيره قد أخذها فعليه هو أن يفعل بها ذلك. وكذلك لو امتنع السلطان من ردها كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين، فان مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، المفسر لقوله: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ، وعلى قول النبي [صلى الله عليه وسلم]: (إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم)، أخرجاه في الصحيحين، وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع والمعين على الإثم والعدوان ...». تلحظ من قوله أثابه الله : «إذ الواجب على السلطان في هذه الاموال ...» أنه يوضح أن ما يجب أن يقوم به
٦٣
۸۸۸ 🗏
هو
السلطان، وهو صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين مع التوبة، هذا إن كان السلطان هو المغتصب لهذه الأموال مثل معظم الأموال السلطانية، أما إن لم يغتصبها هو فعليه أيضاً أن ينفقها في مصالح المسلمين إن تعذر إرجاعها لأصحابها المأخوذة منهم بغير حق. والسؤال هنا هو: كيف ومن سيرغم السلطان على فعل هذا المطلوب منه؟ فهذا أساس المشكل. ثم يوضح ابن تيمية أثابه الله الوضع إن امتنع السلطان من ردها وأنه يجب ألا يعان ممن حوله في تضييعها، بل الأولى إنفاقها على أصحابها وذلك من قوله : « كذلك لو امتنع السلطان من ردها كانت الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين». ويكون السؤال هنا أيضاً: هل هناك سلطان أراد فعل شيء ولم يفعله لأنه لم يتمكن من فعله ولديه الأموال وأن البطانة لم تعنه؟ فالسلطان بالطبع إن وجدت لديه الأموال سيفعل ما أراد بها لأنه سيجمع البطانة التي ستعينه على ما أراد في معظم الأحوال. وما يحاول كتاب قص الحق» توضيحه هو: لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق تجمعت الأموال لدى السلطان، فكان رد شيخ الإسلام أثابه الله هو تطلع وأمل بما يجب أن يقوم به السلطان. وكما أثبت لنا التاريخ فلن يقوم السلطان بذلك إلا فيما ندر. والشريعة لم تأت لنا بمقصوصة حقوق تجعلنا ننتظر القرون تلو القرون لانتظار هذا السلطان الرباني أو البطانة الربانية التي تحوم حوله لأنها لن توجد أصلاً إلا إن كان السلطان صالحاً، وهذا نادر الحدوث لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق كما وضحت في الفصل السابق، فأصبح المال المكدس في بيت المال بسبب الديوان والمكوس جاذباً للحثالي للوصول للحكم، وسيصلون وسيستبدون كما هو حاصل لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق.
العقل والوسطية
إن اليجبات التي تحدثنا عنها سابقاً هي بالطبع من نتاج تحريك العقل الذي قد يقع أحياناً في حيرة مع النص القرآني أو الحديث النبوي الذي قد لا يجده ملائماً للوضع الناتج من عدم تطبيق مقصوصة الحقوق. لأضرب مثالاً: عندما لا تطبق مقصوصة الحقوق ويمنع الناس من إحياء المعادن وتمتلك الدولة الأصول المنتجة وتبدأ الهجرة للمدن وتكتظ بالسكان وترتفع أسعار الأراضي، عندها يسارع الملاك لتحويل مزارعهم المتاخمة للمدن إلى أراض سكنية لأن مردود بيع الأرض أكثر من مردود الثمار فيثور المتخصصون في التخطيط بأن في هذا نوع من التعدي على سلامة البيئة، عندها يحار علماء الشريعة لأن علماء التخطيط يريدون منهم استصدار فتوى تبيح للدولة منع الناس من تحويل مزارعهم إلى أراض سكنية، بينما الشريعة تبيح ذلك، حينئذ يبدأ العقل في العمل لأن النص القرآني والحديث النبوي لن يعين الفقيه على حل هذه الاشكالية عندها يلجأ بعض العلماء والباحثين لأدوات مختلفة لمحاولة حل الاشكالية منها الوسطية. كيف؟
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . بالتأكيد أخي القارئ لابد وأنك قد سمعت الكثير من الفقهاء ومن الباحثين من غير علم الشريعة بالذات يرددون هذه الآية بالقول بأننا أمة وسطا، فنحن مثلاً لسنا باشتراكيين ولسنا برأسماليين، فنحن وسط بينهما. ثم بعد ذلك يقول العالم برأيه الوسط. والسؤال هو: : أليس في هذا تعد على الشرع؟ إن الآية واضحة. إن الذي جعلنا أمة وسطاً هو الله سبحانه وتعالى بدليل قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَكُمْ﴾ ، ولسنا نحن. فهو سبحانه العليم الحكيم الذي
المكو
۸۸۹
.«<...
جعلنا كذلك، وحتى نكون كذلك وضع لنا أحكاماً فقهية إن نحن سرنا عليها لأصبحنا أمة وسطاً، لا أن نضع نحن الأحكام بعقولنا القاصرة لنصبح أمة وسطاً. لأننا إن وضعنا الأحكام لنصبح أمة وسطاً بعقولنا القاصرة فقد شرّعنا. وكما مر بنا في فصل «قصور العقل»، قال ابن الحاجب المالكي: «قال الشافعي من استحسن فقد شرع، يعني من أثبت حكماً بأنه مستحسن عنده من غير دليل من قبل الشارع فهو الشارع لذلك الحكم لأنه لم يأخذ من الشارع، وهو كفر أو كبيرة لنأخذ بعض الأمثلة: المثال الأول : هذا باحث اسمه حيدر غيبة كتب كتاباً نقد فيه الرأسمالية والاشتراكية، ثم وضع تصور لما يمكن أن يكون عليه المجتمع الأمثل وذلك بجمع مزايا الرأسمالية والاشتراكية وتلافي سلبياتهما. وبرغم رجوع المؤلف للإسلام إلا أن النتيجة بعد هذا الجمع باستخدام العقل القاصر هي وضع نظام اقتصادي يبيح الربوا ويعطي للدولة الحق في تملك كل ما هو عام في استخدامه مثل سكك الحديد وشبكات الماء والكهرباء. فبالنسبة للربوا فإنه يرى أن البنوك لم تكن موجودة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأن المحتاجين اضطروا للاقتراض من الموسرين الذي استغلوا حال الفقراء آنذاك، فكان الاقتراض بفوائد مضاعفة. ولأن أرباح البنوك ليست أضعافاً مضاعفة وأنها ضئيلة بحيث يمكن اعتبارها أتعاباً فلا حرج إذاً من ضرورتها لمجتمع منتج من باب العمل بقاعدتي الاستحسان والمصالح المرسلة، وبالذات بالأخذ بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوْا أَضْعَفًا مُّضَعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فالربوا غير المضاعف أضعافاً مضاعفة، ليس ممنوعاً منعاً باتاً بالنسبة له، ولكنه مقبول لأنه وسط كالبنوك الربوية. فتأمل هذا الضياع الذي حلل الربوا بالرجوع للوسطية. فإن تم تحليل هذا التعامل الربوي فإن ثرياً ما يملك مئة مليون جنيه، وبحصوله على ربح يقدر بواحد في المئة سيحصل على مليون جنيه سنوياً. أو لا يكفيه هذا للعيش برغد دون عمل منتج؟ وهؤلاء هم بذرة الفساد لأنهم يبحثون عن جمع المال بقفل الأبواب أمام الآخرين من خلال التفاعل مع السلطات كما سترى بإذن الله. هؤلاء هم المتنفذون. مثال آخر يقول الدكتور رفعت السيد العوضي في كتابه «في الاقتصاد الإسلامي»:
٦٤
«الاقتصاد الوضعي من حيث محرك الاقتصاد تتنازعه فلسفتان. الفلسفة الفردية، والفلسفة الجماعية. في الفلسفة الفردية باعث الاقتصاد المصلحة الخاصة، ولذلك فإن الحرية الاقتصادية هي الوعاء الملائم للاقتصاد، وأن أكفأ دور اقتصادي للدولة هو ألا يكون لها دور. بينما الفلسفة الجماعية تقوم على النقيض من ذلك. في الاقتصاد الإسلامي فإن الفرد أحد أشخاص الاقتصاد، ولذا فإن المصلحة الخاصة معتبرة، والدولة أيضاً أحد الأشخاص، ولذا فإن المصلحة العامة معتبرة اعتباراً مباشراً».
ثم بعد هذه المقارنة التي تظهر الإسلام وكأنه وسطاً، يبدأ العقل في العمل. فيكون الاستنتاج كما يقول:
«منع المنافع العامة من أن تكون ملكاً لشخص واحد وجعلها ملكاً للدولة وحدها أمر لا شك فيه، إذ ورد في معنى الحديث: أن المسلمين شركاء في ثلاثة [ثلاث] : في الماء والنار والكلأ)، وهذا من قبيل التمثيل للأمور التي لا يجوز احتكارها إذ أن حاجة جماهير الناس إليها سواء، فلا يصح تمكين يد
واحدة من الاستيلاء عليها».
هل رأيت أخي القارئ كيف أن العقل أخطأ. فالحديث الذي يرجع إليه يقول بأن الناس شركاء في ثلاث، فهل هذا الحديث يعني أنهم لأنهم شركاء يجب أن يحرموا جميعاً منه وتأخذه الدولة لتهبه لمن تشاء؟ فلماذا انتشار
۸۹۰ 🗏
الفقر إذاً بين الناس إن كانت الدول عادلة في التوزيع ؟ بل لأن هذه الأصول المنتجة أصبحت حكراً على أفراد دون آخرین تفاوت الناس بين ثري باذخ وفقير جائع. وكما ذكرت سابقاً، فإن الحديث يعني كما مر بنـا في فصل «الخيرات» أن الناس لهم الحق في امتلاك ما حازوه من أصول منتجة، وهذه مودعة في الأرض من صنع الله الخالق الخلاق، فهي بحاجة لبذل المجهود لامتلاكها، وفي هذا تحفيز للناس على العمل. ثم عند الحديث عن توزيع الثروة في الأمة المسلمة يقول العوضي بأن الإسلام يقر الملكية العامة وأن لها ثلاث وظائف منها:
«ومن الأمور الدقيقة في تنظيم الملكية العامة في الإسلام أن هناك بعض الأموال التي لا يجوز أن تدخل الملكية الخاصة، وقد اتفق على أموال معينة تقتصر على الملكية العامة (مثل المناجم وما في حكمها)، كما اتفق على أن المبدأ الذي يحكم تنظيم هذه الأنواع هو مصلحة الجماعة الإسلامية، وهو مبدأ يفتح الباب أمام إدخال أموال أخرى لهذا المجال. وإمعان النظر في الأموال والنشاطات الاقتصادية التي أوقفت على الملكية العامة حتى الآن، نجد أنها تحمل خاصيتين ظاهرتين: أ) أنها أموال لها أهميتها في مجال الحياة الاقتصادية، بل لها خطورتها. (ب) أنها يمكن أن تدر دخولاً كبيرة لمستغليها. ومن هنا فإن منع الملكية الخاصة فيها يحمل حساً معيناً في مجال التوزيع».
70
إن قرأت النص السابق على مهل ستلحظ أن الباحث استخدم كلمة: «اتفق»! فهو يقول بأن هناك اتفاقاً بأن مصلحة الجماعة الإسلامية هي التي تحدد ما يملك وما لا يملك. وأن هذا مبدأ يفتح الباب أمام أموال أخرى حتى لا تقع في أيدي الخاصة، بل كل مال ذي أهمية في الحياة الاقتصادية ويدر دخلاً كبيراً لمستغله يجب ألا يقع في أيدي الناس عموماً، بل هو للدولة. فأين الشريعة من السابق؟ وأين الأدلة؟ إنه العقل الذي أصبح حاكماً. وكما سترى بإذن الله، فإنه إن فتحت أبواب الوصول إلى الأصول المنتجة للناس فستتوزع بينهم ولن تتكتل في يد واحدة كما يظن هذا الباحث. بالفعل: إن من البيان لسحراً). فإن قرأت كتاب هذا الباحث لسحبك لقناعة : تنتهي بتغيير مقصوصة الحقوق إن لم تكن متمكناً من قضايا الأموال في الإسلام. فهو في الاقتباس السابق مثلاً يقول: «كما اتفق على أن المبدأ الذي يحكم تنظيم ...». وعندما تقرأ هذا النص، وهو معقول جداً لأنه يصب في مصلحة الجماعة، ستقتنع بقوله دون السؤال عن الدليل عمن هم هؤلاء الذين اتفقوا وعلى أساس أي نص قرآني أو نبوي اتفقوا. مثال ثالث: يقول الدكتور محمد علي القري في كتابه «مقدمة في أصول الاقتصاد الإسلامي»:
وتعد
مسألة ا
القاعدة
التوازن بين الملكية الفردية والملكية العامة من أهم معالم الأنظمة الاقتصادية. فبينما نجد النظام الرأسمالي قائماً على التوسع في الملكية الفردية بحيث تشمل كل عناصر الإنتاج والموارد الاقتصادية نجد النظام الاشتراكي معتمداً على التوسع في الملكية العامة بحيث تضحى هي والأصل. أما النظام الإسلامي فقد تبنى جانب الوسطية، فأعطى لكل نوع القدر الذي يحقق مصلحة المجتمع فرداً وجماعة، وبطريقة تتسم بالتوازن والمرونة. وقد ظهرت فكرة الملكية العامة منذ ظهور الدولة الإسلامية الأولى على يد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وكان نواتها ممتلكات بيت المال. وبيت المال ملك الأمة يختص به ولي الأمر فيها، فهو نوع من الملكية العامة. وبينما نجد أن الناس سواء في الانتفاع بالملكيات الاجتماعية من طرق وأنهار وأوقاف ومساجد .. نجد أن الدولة تختص بالملكيات العامة باعتبارها نائباً عن مجموع الأمة، وقد توجهها لخدمة مصلحة فئة من أفراد المجتمع بصورة مباشرة (مثل إنشاء دار للأيتام). وقد تمنع منافعها عن الكل فلا يحصل عليها إلا من دفع رسماً أو ثمناً لها مثل الحصول على خدمة النقل الجوي بواسطة الخطوط التي تملكها الحكومة عن طريق دفع ثمن التذكرة.....٦٦
المكون
۸۹۱
رضي
الله عنه.
تلحظ في النص السابق أن فكرة الوسطية دفعت الباحث إلى تبني فكرة أن الإسلام يتسم بالتوازن والمرونة بين الملكيتين العامة والفردية، وهذا أمر لا جدال فيه، إلا أن هذه الفكرة دفعت الباحث أيضاً إلى تبني فكرة أخرى وهي أن بيت المال كانت له ممتلكات، ولكن دون نصوص أو توضيح لماهية هذه الممتلكات. وكما رأينا سابقاً فإن بيت المال كان خاوياً على الدوام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خليفته أبي بكر الصديق . وكما سترى في فصول قادمة بإذن الله فإن هناك خلط في أذهان الكثير من الباحثين بين ملكية الدولة والملكية العامة وما هو مشاع للجميع للأخذ منه بقدر عزائمهم، فكل ما هو ليس ملكاً للأفراد (خاصاً) من الأصول المنتجة فهو ملك للدولة كما يعتقدون. ثم يوضح الباحث كمثال أصنافاً من الملكيات العامة والتي هي للدولة بصفتها ممثلة لمجموع الأمة، فيقول أن إنشاء دار أيتام هو لمصلحة جماعة خاصة وتقوم به الدولة، وهذه مسؤولية كما هو معلوم لم يلقها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه من بعده على الدولة، بل كانت تترك للأفراد وللأوقاف. فلا وجود لنص أبداً أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض الضرائب أو المكوس أو أنه أخذ المعادن لبناء المدارس والمستشفيات. وكما وضحت في الفصول السابقة فإنه إن كانت مثل هذه المسؤوليات من واجبات الدولة لتطلب ذلك أموالاً لا يمكن أن تُجمع إلا من فرض المكوس أو الضرائب، وهذا ما يرفضه الإسلام. والأسوأ فيما ذهب إليه الباحث هو مثال النقل الجوي والذي جعله من مسؤوليات الدولة، أي وكأن دولة الإسلام دولة اشتراكية من هذا الجانب. وبالطبع ستسأل هنا ولكن من سيقوم بنقل الناس جواً؟ ستأتي الإجابة بإذن الله. ولكن تذكر فقط فإن أفضل المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية وأفضل المدارس وأفضل الطرق السريعة وأفضل شركات النقل الجوي هي مؤسسات لا حكومية وهي الأكثر كفاءة والأفضل خدمة. ولكن أرجو ألا تعتقد أنني أدفع الإسلام ليكون نموذجاً أمريكياً، كلا، بل هو نموذج ذو طابع مختلف تماماً كما سترى بإذن الله. وهنا أيضاً إن قرأت كتاب الدكتور القري لأعجبت بسلاسة أفكاره، فكتابه مقرر لطلاب الجامعة في السنوات الأولى، ويضع أهم الأسس للاقتصاد الإسلامي كما يراه هو ، فهو بذلك يغير أفكار الكثير من الخريجين ليعتقدوا جازمين أن الشريعة تدفع لاقتصاد تسوده الدولة. وهذا كما سترى بإذن الله لن يحدث إن طبقت مقصوصة الحقوق. لنأخذ مثالاً رابعاً عن الوسطية : يقول الدكتور أحمد الفنجري في الحرية:
«فحرية الفرد في المذاهب اليسارية مقيدة بمصلحة الجماعة .. وطبقاً لهذه المذاهب فإن الإنسان يصبح ترساً في عجلة تدور ولا يحق له من الحرية الشخصية إلا القدر الذي تسمح به مصلحة الشعب كله ... أما الرأسمالية فعلى العكس من ذلك ترفع شعار الحرية الفردية .. ولكنها حرية مطلقة تجعل مصلحة بعض الأفراد الأقوياء فوق مصالح الجماعة كلها .. فإن تأملنا الإسلام لوجدناه يجمع فضائل النظامين ويتلافى عيوبهما ..».
ثم بعد ذكر مقارنات يستنتج الآتي في الضرائب: «وقد أعفى الإسلام المواطن الفقير من كل أنواع الضرائب إذا لم يبلغ دخله العام (حد النصاب) أي أقل من حاجة الإنسان العادي». أي أنه لا يمانع من فرض الضرائب على
الأثرياء، فيقول في موضع آخر
ورأس المال في الإسلام مقيد بحد الغنى أو الكفاية. ويقول الإمام علي بن أبي طالب: «إن الله فرض على الأغنياء في الزكاة ما يغني فقراء المسلمين، فإن جاعوا أو عروا فبمنع الأغنياء». ويفسر هذا في
عصرنا الحديث بالضرائب التصاعدية».
٦٧
۸۹۲ 🗏
هل رأيت كيف أن المقارنة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي ثم بجعلنا أمة وسطاً باستخدام العقل القاصر انتهى بقبول الضرائب التصاعدية؟ وهناك المزيد أيضاً : فهذا الباحث يريد أن يوجد مجتمعاً مسلماً . يتمتع بحرية سياسية، وهذا بالطبع أمر مطلوب، ولكن السؤال هو: كيف تتحقق هذه الحرية؟ فما يطرحه كتاب «قص الحق» أن في تطبيق مقصوصة الحقوق توزيع للثروات بطريقة تلغي التسلط بين جميع الأفراد، وأن أي تطبيق آخر أو أي تخلي عن أي نص أو استحداث أي شيء جديد في مقصوصة الحقوق سيؤدي لتغيير ميزان الإسلام للسلطات بين الأفراد فيظهر التسلط السياسي كما سترى بإذن الله. إلا أن هذا الباحث يقول الآتي ناقداً كل معارض لكل محدثة:
هو
«هناك فريق من المسلمين يتخوف من كل شيء جديد. ويعتبرون النظام الذي لم ينزل به نص أو الذي لم يطبق على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته بدعة يجب المحاذرة منها. وهم يتصورون أن الحكم الإسلامي إذا عاد فيجب أن يكون في صورته الأولى في صدر الإسلام بدون زيادة ولا نقصان، ويؤكدون بعد ذلك على عدم النقل من النظم الغربية الحديثة. ولو أخذ بهذه النظرية لما كان هناك داع للفقه ولا الشرع ولا الاجتهاد والاستنباط والقياس، ولأصبح على المسلمين أن يواجهوا القرن العشرين بمشاكله المعقدة بنفس النظم البسيطة التي كانوا يتبعونها في القرن الأول للهجرة .. وهذا مستحيل ..».
مر
ترى هنا أخي القارئ أن الباحث وكأنه لم يسمع بحديث ( كل محدثة ضلالة) الذي . بنا. كما أنه لم يستطع تصور وجود مجتمع بمثل التعقيدات المعاصرة وأن باستطاعة هذا المجتمع العيش بمقصوصة حقوق نزلت قبل أربعة عشر قرناً. وكما ذكرت سابقاً وسأثبت بإذن الله : فإنه لا علاقة بين تعقيدات الحياة المعاصرة والإنتاجية الغزيرة. ثم يضع الباحث خلاصة فكره في هذه المسألة قائلاً بعد المقارنة بين الرأسمالية والاشتراكية: «وعلى المشرع المسلم أن يدرس كل النظم السياسية الحديثة التي جاء بها الغرب والتي نجح في تطبيقها. وأن يأخذ من هذه النظم بشجاعة ما يحقق مبادئ الإسلام وما لا يتعارض مع تعاليمه .. ويجب أن نعلم أن نظم الحكم قد أصبحت علماً يدرس في الجامعات كأي علم آخر. ..» . وهنا أقول: إن نحن أخذنا بهذه النصيحة ودرسنا واستوردنا كل ما نجح فيه الغرب لأصبحنا مثلهم مجتمعات مستهلكة تهلك الحرث والنسل. وكما سترى بإذن الله فإن نحن طبقنا مقصوصة الحقوق فسنصل للعزة والتمكين دونما أية حاجة لدراسة أي من العلوم الإنسانية التي وصل إليها الغرب مثل السياسة والاقتصاد والاجتماع.
الدولة
إن لكل عالم أو مفكر أو باحث عقيدته أو قناعته أو عقله (تأملاته) الذي يحركه للوصول لمجتمع عزيز قوي سعيد. ثم بعد هذا يأتي البحث عن الطريق لتحقيق ما في رأس هذا الباحث. وهذا الطريق بالطبع يتطلب تغيير المجتمع لتحقيق العقائد أو القناعات وإلا لما كانت هناك حاجة للتغيير. والمجتمع أفراد. إذاً لابد من تغيير سلوكيات الأفراد. ولأن الأفراد كثر ، فلا سبيل لفرض تصرفات أو سلوكيات معينة عليهم لتحقيق هذه التأملات إلا من خلال (أولاً) تحريك ضمائرهم أو تحريك الوازع الديني لديهم أو (ثانياً) من خلال إيجاد مؤسسات تجبرهم على هذه السلوكيات. لذلك نجد أن بعض الفقهاء يتجهون نحو العامة لتحريكهم من خلال الترغيب في أجر الآخرة
المكون
۸۹۳
والترهيب من عذابها وذلك بأن يصبحوا من الدعاة من خلال الكتاب المقروء أو الشريط المسموع أو المسلسل التلفزيوني المشاهد أو ما شابه من أدوات. والبعض الآخر من الباحثين (ثانياً) يتجه للتفكير في استحداث مؤسسات أو القبول باستيراد مؤسسات من مجتمعات أخرى لها المقدرة لتحقيق تغيير تصرفات الناس حتى يتراكم هذا التغيير فيغير الأمة للوصول لتلك التأملات ذات اليجبات.
هذه الثانية هي أهم بذور الدولة: ألا وهي قناعة المفكرين والباحثين وبدرجات مختلفة بأن التغيير لن يتحقق إلا على يد جهاز متمكن ويتمكن بالتالي من توجيه الناس نحو سلوكيات دون أخرى. فالأمة القوية في نظرهم مثلاً بحاجة لاقتصاد قوي، وهذا مثلاً لا يتأتى إلا بمصانع لا يقدر عليها الأفراد، وهذا بحاجة للمال، والمال إما من فرض الضرائب على الناس أو من الأصول المنتجة كالمواد الخام، لذلك يجب إيجاد هذا المال لذلك المصنع الذي سيزيد من اقتصاد الأمة. وهذا مثال واحد بسيط . مثال آخر من المفكرين من يذهب بضرورة رفع المستوى الصحي، وهذا أيضاً من وجهة نظرهم بحاجة لدولة للقيام بذلك في حق المحرومين من الفقراء، والدولة بحاجة للمال. وهكذا معظم الباحثين نجدهم لا شعورياً يتجهون إلى قبول فكرة الدولة لإيجاد مجتمع قوي عزيز. وهناك بالطبع استثناءات لهذه القاعدة وهم العلماء الراسخون في العلم الذين يوقنون أن التوكل على الله وتنفيذ ما أمر به سيؤدي لمجتمع عزيز قوي سعيد حتى وإن لم يكن ما أمر به الشرع عقلانياً في بادئ الأمر. لذلك، ولتحقيق هذه الآمال تظهر «اليجبات» التي تحدثنا عنها. أي أن معظم إن لم تكن جميع التوجهات الحالية لم تر إمكانية إيجاد مجتمع قوي عزيز إلا من خلال دولة قوية، فإن صلحت الدولة صلح المجتمع وأصبح قوياً، ولن تصلح الدولة إلا بإحدى وسيلتين: إما تبني الديمقراطية (أولاً) ومؤسساتها المدنية، وبهذا فنحن كالغرب؛ وإما بصلاح السلطان ذي الصلاحيات الواسعة (ثانياً)، لذلك فالكل ينتظر ويدعو لظهور سلطان رباني صالح قوي وذي بصيرة نافذة، وها نحن بالانتظار جيلاً بعد جيل ولم يظهر هذا السلطان بعد. فهل يعقل أن ينزل علينا الحق سبحانه وتعالى ديناً أفراده في انتظار على الدوام؟ بالطبع لا. فأين الإشكالية إذاً؟
س
كما هو مشاهد ومعلوم فإن معظم الناس يحاولون الكسب المادي والمعنوي بأقل مجهود وخسارة ممكنة، وهذا يعني أن الناس متفاوتون في مساهماتهم لإيجاد مجتمع قوي من جهة ولرغد عيشهم من جهة أخرى. أي لدينا نقيضان يقعان في طرفين فمن الناس من يعطيك القليل ويستهلك الكثير كما ذكرت سابقاً مثل ابن الوزير المدلل، فهو لا مساهمة فعلية له في عزة المجتمع وفي الوقت ذاته فهو في عيش رغد برغم سوء أخلاقه أحياناً. ومنهم من يُضطر لفعل العكس، أي يعطيك الكثير ويأخذ القليل من المجتمع مثل العامل الذي قد لا يجد ما يقتاته أحياناً برغم عمله الدؤوب المتواصل. هذه المعادلة يراها جميع أفراد المجتمع ويدركون جيداً خطورة الاقتراب من الطرف الذي يعطي أكثر مما يأخذ. وبالطبع هناك من لا يأخذون ولا يعطون مثل الفقراء العاطلين، إلا أنهم في مجموعهم ينهكون المجتمع. هذه الخطورة للاقتراب من الطرف الذي يعطي أكثر مما يأخذ تجعل الناس في سعي دؤوب بكل الطرق في معظم الأحيان للفرار للانضمام للطائفة التي تستهلك أكثر مما تعطي وهؤلاء هم الذين يُنظر إليهم بأنهم الطبقة الراقية، مثل السلاطين ومن حولهم، ومثل كبار موظفي الدولة وكبار التجار ورجال الأعمال وما شابه. وهذه
هامش
س) من الأمثلة المشهورة لبعض الأحكام التي يحار فيها الباحث فوقهما وليس من تحتهما؟ لا توجد حتى الآن في حدود علمي إجابة أحياناً هو المسح على الخفين فلماذا المسح على الخفين عند الوضوء من مقنعة، وستظهر الإجابة في المستقبل بإذن الله .
٨٩٤ 🗏
المحاولات للفرار من طرف لطرف آخر في المجتمع تجعل أفراده في صراع شبه مستمر فيما بينهم، كل يحاول أخذ مكان الآخر أو التفوق عليه فراراً من الاقتراب من الطائفة التي تعطي أكثر مما تستهلك، إذ أن الانضمام لهذه الطائفة وضع غير مريح. أي باختصار كما هو معلوم ومشاهد فإن معظم الناس يحاولون الكسب بأقل جهد وخسارة ممكنة. هذه غريزة جبل الناس عليها إلا القلة ممن يخافون الآخرة كأولئك الذين يعملون في المنظمات الخيرية. ألم يذكـرنـا الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان يحب الخير وبشدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرُ﴾ ؟
إن ما أحاول إثباته في هذا الكتاب هو أن دور الدولة كما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو الدور الوحيد الذي سيأتي لنا بالأمة العزيزة القوية دون فساد، وذلك لأن قص الحقوق بين الناس تجعلهم متقاربين جداً في تمكينهم، ومتى ما تقاربوا لم يطمع أحد منهم في العيش رغداً بتسخير الآخرين، لأنه إن حاول فسينهك لآن الآخرين مساوين له، فلا سبيل لذلك إلا بقهرهم كسرقتهم أو كقتالهم فإن تمكن من التغلب على الأول بالمكر مثلاً لن يتمكن من التغلب على الثاني لأن المجتمع لن يسمح له بذلك، وهكذا فلن يفكر أحد في المزيد من العيش الرغد إلا من خلال ما ينتجه هو بنفسه من مستهلكات عينية كالخبز أو الطائرة أو ما ينتجه من خدمة كالتعليم أو التطبيب. ولأن الكل يطمح في العيش الرغد، فإن تراكم الأفعال للأفراد والتي هي إنتاجية بالدرجة الأولى سيؤدي لقوة اقتصادية هائلة بالقليل من العمل لأن الكل يعمل ولا بيروقراطية ولا حواجز بين المنتجين ولا تسخير للآخرين، بل إبداع وعطاء وتصنيع ونقل للمنتجات، وهكذا يصبح المجتمع قوياً وعزيزاً وسعيداً. وهذا ما سأحاول إثباته في الفصول القادمة بإذن الله. أما مع «اليجبات» التي تنبعث من التأملات التي هي في رؤوس الباحثين فإن الدولة هي الوسيلة الأهم، وقد تكون الوسيلة الوحيدة لتحقيق العزة والقوة كما يعتقدون. وهنا تظهر المطاحنات بين الأفراد لأن الكل يحاول الفرار من وضع يعمل فيه أكثر مما يستهلك لأن الدولة هرم بيروقراطي ضخم يتسع للكثير من القنوات والفجوات التي يستطيع المنافقون والكذابون والدجالون والكسلة من خلال المرور في تلك القنوات والفجوات الفرار من العمل المنتج وفي الوقت ذاته التمتع بعيش فاره مع ظلم وقهر الذين ينتجون أكثر مما يستهلكون. هذه هي إشكالية الدولة التي تتيح للبعض الترف بعمل أقل، وهذا يؤدي للصراع بين الناس للفرار من وضع لوضع آخر أفضل بالتحايل والنفاق والتقرب من السلاطين وما شابه من طرق ملتوية للحصول على المتطلبات الأساسية والترفيهية للحياة. لذلك تجدني أمقت الدولة في أي تركيبة إن لم تكن كتلك التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فالدولة ما هي إلا أحكام صادرة يجب أن تنفذ، وهذا بنص القرآن الكريم يـعـد جهلاً إن كانت الأحكام بغير شرع الله. قال تعالى في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْم يُوقِنُونَ﴾ . وهنا أعتقد أننا كأمة أخطأنا بحصر لفظة «الجاهلية» على كل ما أتى قبل الإسلام فقط، والذي أعتقده، وقد سمعته أيضاً من الكثير من العلماء مثل سيد قطب رحمه الله، هو أن أي حكم بغير الإسلام هو حكم جاهلي حتى وإن كان في عصرنا الحاضر. فخطاب الآية هو لكل العصور دون حصر. . وهذا ما سأحاول إثباته في باقي هذا الكتاب بإذن الله، أي إثبات أن أي تركيبة للدولة إن لم تكن كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فهي من حكم الجاهلية. وسنبدأ بالمرور على بعض ما كتبه الباحثون عن ضرورة الدولة بصورتها المعاصرة ومن ثم حدود
صلاحياتها.
المكون
٨٩٥
هناك مختصر جيد لتعريف الدولة ومبررات ضرورتها للدكتور القري كما هو في ذهن الكثير من الباحثين مقارنا بين الدولة في الإسلام والوضع المعاصر، وإليك بعض المقتطفات إذ يقول:
«الدولة كمؤسسة اجتماعية مرت بمراحل متعددة بدأت متواضعة بسيطة ثم تطورت وتعقدت وعظم شأنها وأثرها في المجتمع. وهي كما عرفها الماوردي في الأحكام السلطانية .. «موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا». وباب تدخل الدولة في الاقتصاد باب جديد، نحتاج فيه إلى إعمال الاجتهاد والنظر في عمل الرسول صلى الله عليه وسلم والنصوص الفقهية ذات العلاقة، ولقد تبدلت صورة الدولة في العصر الحديث عنها في العصور القديمة زمن الخلافة الراشدة والدولة الإسلامية الأولى. وهذا يعني أن اجتهادات الفقهاء في التراث الفقهي المتعلقة بأمور الدولة هي موضوع نظر، لأنها ربما لا تكون مطابقة لما نحن بصدده في زمننا الحاضر إلى الحد الذي تكون فيه تلك الاجتهادات متوافقة مع حاجات العصر. فالدولة كما نعرفها اليوم هي جهاز بيروقراطي ضخم مؤثر في كل نواحي الحياة في المجتمع، لا تكاد تقوم مصالح الأفراد إلا من خلاله. ويمتلك هذا الجهاز في كل مجتمع القدرة (وليس بالضرورة الرغبة على إعادة توجيه حياة الناس وفكرهم عن طريق ما يمتلك من وسائل إعلام وإذاعة وصحافة وتلفاز وعن طريق سيطرته على مؤسسات التعليم والتوجيه والتربية والتدريب وما لديها من أجهزة للقمع مثل الشرطة والجيوش ومن حيازة للأسلحة الفتاكة والقوة المعنوية القاهرة التي تستطيع بها أن تمنع الأفراد من الحركة أو العمل أو السفر أو التجمع. ويتيح هيكل العلاقات الدولة في الوقت الحاضر إمكانية إمتداد تأثير الدولة على مواطنيها حتى خارج حدودها عن طريق الاتفاقيات المشتركة والمنظمات الدولية المتخصصة والنفوذ السياسي لبعض الدول على بعضها الآخر. وهذه صور تختلف تماماً عن «الأمير » أو «الخليفة» الذي يكون ولياً للأمر ولا تتعدى سلطاته مجال حفظ الأمن والنظام وإقامة الحدود وسك النقود، وهو وإن رغب، غير قادر على أن يؤثر في مجرى حياة الأفراد بهذه الصورة الجسيمة التي نراها اليوم .... أما اليوم فإن القوة والقدرة على التدخل «غير المحدود» متوافرة للدولة في أي مجتمع. ولذلك فقد أضحت عملية تمحيص الرأي الشرعي الذي يحدد «مقدار الحق المتاح للحاكم» في ممارسة هذا التدخل من أهم المهمات في الاقتصاد الإسلامي.... ونموذج الدولة في النظام الإسلامي هو أقرب إلى تضييق السبل وسد الذرائع إلى زيادة تحكم جهاز الحكومة في حياة الأفراد بحيث يقتصر تدخلها على حماية الحقوق وحفظ المصالح العامة والدفاع عن الوطن، ولا بأس من اتخاذ سياسات محددة لتحقيق أهداف اقتصادية مرغوبة تدخل في نطاق السياسات المالية والنقدية والتخطيط الاقتصادي».
أعتقد أنك لاحظت في النص السابق أهم المحطات التي تشير بوضوح إلى تغيير مقصوصة الحقوق. فهو يدعو للاجتهاد في الاقتصاد فيقول: «وباب تدخل الدولة في الاقتصاد باب جديد نحتاج فيه إلى إعمال الاجتهاد والنظر في عمل الرسول صلى الله عليه وسلم والنصوص الفقهية ذات العلاقة». ثم بعد الدعوة للاجتهاد يريدنا أن نعيد النظر في ما تركه السلف لنا لأن العصر قد تغير وذلك بقوله: «وهذا يعني أن اجتهادات الفقهاء في التراث الفقهي المتعلقة بأمور الدولة هي موضوع نظر، لأنها ربما لا تكون مطابقة لما نحن بصدده في زمننا الحاضر إلى الحد الذي تكون فيه تلك الاجتهادات متوافقة مع حاجات العصر». وبالطبع فإن هذه الاجتهادات لابد وأن تؤدي لتغيير مقصوصة الحقوق. فهو يقر بهذا من خلال تغيير حقوق الدولة بالقول: « ولذلك فقد أضحت عملية تمحيص الرأي الشرعي الذي يحدد «مقدار الحق المتاح للحاكم في ممارسة هذا التدخل من أهم المهمات في الاقتصاد الإسلامي» (لاحظ تركيزي على عبارة: مقدار الحق المتاح للحاكم». أي أنه قد فتح الباب على مصراعيه للقبول
٨٩٦ 🗏
بكل محدثة. فيقول في موضع آخر ملخصاً:
79
ولذلك يمكننا القول أن حدود ما هو جائز في موضوع التخطيط الاقتصادي هو قيام الدولة عن طريق مؤسساتها الاقتصادية التي تتمتع بالشريعة بتبني أهداف عامة محددة للاقتصاد الوطني أو لقطاعات معينة فيه تتعلق بمعدلات النمو أو معدلات الزيادة في الدخل أو ما إلى ذلك ...». إن كنت أخي القارئ اقتصادياً وقرأت النص السابق لعلك تسأل : ما الفرق بين الإسلام وأي دولة تتبنى اقتصاداً مركزياً مسيراً من قبل الدولة. فها هو يريد استحداث مؤسسات اقتصادية ثم يمتعها بالشرعية لتتبنى أهدافاً محددة للاقتصاد الوطني. فكيف يحدث هذا إن لم يكن بالخروج عن شرع الله كما سأثبت لك بإذن الله. وإن قرأت كتابه وسلاسة أفكاره لتيقنت أن من البيان لسحراً ، لأنه يضع الاقتصاد المسير من قبل الدولة وكأنه اقتصاد إسلامي.
إن الكتابات حول الاقتصاد في العالم الإسلامي كثيرة جداً. وبالطبع يستحيل نقدها جميعاً، لذلك سأكون انتقائياً في النقد الآتي لتوضيح صور مختلفة من النقد كأمثلة حتى نتمكن كمسلمين من رؤية أي محاولة لاستحداث يخرج عن الشرع. المثال الأول: إن قرأت كتاب إعمار الأرض في الاقتصاد الإسلامي واستثمار خيراتها بما ينفع الناس» ستلحظ مباشرة أن المؤلف يعطي الدولة دوراً مركزياً في تسيير عجلة الاقتصاد برغم ربطه الشديد بين الآيات القرآنية والقيم الإسلامية، فهو يرى أن المعادن ملك للدولة بحيث تكون منفعتها للأمة جمعاء. فإن ملكت الدولة المعادن فماذا بقي للناس إلا السمع والطاعة لمن ملك المال والذي سيتم توزيعه بأهواء السلاطين؟ وكل ما عليك فعله أخي القارئ هو مقارنة أي عاصمة عربية بأي قرية لترى كيف أن المسؤولين يستثمرون الأموال في
V.
مواطن سكناهم. فإن كان في المدينة عشرات المستشفيات، فلا وجود حتى ولو لممرض واحد في القرية. وهكذا. مثال آخر: بالطبع لا نقاش في أهمية الدولة حتى يكون للأمة المسلمة كيان . ولكن السؤال هو: أي نوع من الدول؟ فبعض الباحثين يدخلون في موضوع الدولة وضرورتها للإسلام إلا أنهم لا يواصلون التوضيح عن كيفية عمل هذه الدولة اقتصادياً. فيكون الاستنتاج عندها أن الدولة الإسلامية هي دولة كالدول الأخرى التي هي ليست اشتراكية وليست رأسمالية ولكنها إسلامية لأن من فيها مسلمين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. عندها يأتي آخرون ويبنون على هذا الاستنتاج مفهوماً معاصراً مؤسلماً للدولة. فمن الأمثلة على الكتب التي تبدأ بتوضيح ضرورة الدولة ما قاله حاكم المطيري في كتابه: «الحرية والطوفان: دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله
التاريخية». يقول المؤلف:
«وقد أكد القرآن ضرورة الدولة في آيات كثيرة كغاية وهدف، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] . وكذلك أكد ضرورة الدولة كوسيلة لغاية أخرى، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ [الحج: ٤١]، ومعلوم أن أكثر الواجبات لا يمكن أداؤه على الوجه الأكمل - بل لا يمكن أداؤه أصلاً - إلا في ظل دولة تحكم بالإسلام وتنفذ شريعته كالزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحدود ... إلخ. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ضرورة. وقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق هذه الغاية وهو في مكة، فكان يخرج إلى القبائل في المواسم يبحث عمن ينصره
....
وقد
۸۹۷
۹
المكو
كما هي -
هاجر النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه البيعة لإقامة الدولة والدين معاً، إذ لا يتصور إقامة الدين
الله دون دولة تقوم بهذه المهمة،
VI
.«...
ثم يورد الباحث أدلة أخرى لضرورة الدولة، وكما قلت فإنه لا نقاش في هذا، ولكن المهم هو كيفية عمل هذه الدولة اقتصادياً، لأن الاقتصاد سلطان، فمن ملك المال ملك النفوس ولابد هنا من لفت النظر إلى أن القرآن الكريم ولا حتى في آية واحدة أشار إلى حاجة للدولة كمؤسسة للمؤمنين، بل الخطاب هو دائماً للذين آمنوا. ففي النص السابق تجد هذا واضحاً. فالآيات التي استشهد بها هذا الباحث لا دليل منها على الدولة ككيان ذي مكان عادة الدول، بل الخطاب موجه للذين آمنوا وهؤلاء المؤمنون وبغض النظر عن مواقعهم هم الذين عليهم أن يقوموا بأمور . دينهم، عندها سيحتاجون لولي الأمر للفصل بينهم إن اختلفوا وله السمع والطاعة في حدود شرع الله، وكما سترى بإذن الله فإنه ليس له من الصلاحيات إلا القليل جداً مقارنة بالدول المعاصرة إن تم الحكم بشرع الله. ولأن الباحث اقتنع بالدولة، ولأنه لم يبحث في الجانب الاقتصادي بالشكل الكافي الذي يولد لديه القناعة بأن الدولة الإسلامية لابد وأن تكون مختلفة جذرياً عن الدول المعاصرة، فقد رأى أن الدولة بحاجة للمال، فما كان منه إلا أن قبل بالدواوين، وهي كما ذكرت سابقاً مؤسسة مستحدثة على الإسلام، فيقول أثابه الله على اجتهاده: «وقد وضع عمر رضي الله عنه] الدواوين وقد اقتبسها من فارس والروم، فوضع بذلك أسس التنظيم الإداري للدولة الإسلامية، ولم يعترض أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك؛ عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم ...». ولا حاجة لي هنا على التعليق على السابق إذ أن ذلك يتطلب إعادة كتابة الفصلين السابقين. مثال ثالث: يقول الدكتور القري في ضرورة الدولة:
۷۲
«إن الدولة في النظام الإسلامي لها قوامان، الأول أنها خلافة عليها يقع أمر حماية الدين وإقامة الحدود وتحقيق العدالة والثانية أنها أداة في يد أفراد المجتمع بمجموعهم والذين يمثلهم أهل الحل والعقد والنخبة منهم التي تتولي أمر إدارة دفة الحكم. وفي كلا المهمتين لا يمكن للحكومة أن تنهض بمهامها إلا بتوافر الموارد المالية، أما في المهام من النوع الأول، فإن نفقاتها فيه إنما تتحدد تبعاً للحاجة وليس للإيراد، ولها أن تقتطع من دخول الأفراد وثرواتهم بالعدل مـا يكفي لتحقيق الأهداف المطلوبة، ومن ذلك مثلاً : .... نفقات الجهاد في سبيل الله : يقول المولى عز وجل في كتابه الحكيم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُم ...﴾ الآية، والجهاد نوعان منه ما هو للدعوة إلى الله فهو فرض على الكفاية إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين، ومنه ما هو لدفع العدو على أرض الإسلام، فهذا فرض عين لازم على جميع المسلمين أن يشاركوا فيه بأموالهم وأنفسهم. فإعداد القوة لدفع العدو واجب على الدولة الإسلامية تنفق عليه بقدر ما يكفي للدفاع عن الحوزة وحماية البيئة ورد العدو، فإن كان لها من الموارد ما يكفي، اقتصرت عليه وإلا فإن لها أن توظف في أموال القادرين ما يفي بالحاجة إلى تجهيز الجيوش وإقامة الحصون وما سوى ذلك من عتاد الحرب، وقد ذكر الشاطبي في الاعتصام: «... إنا إذا قررنا إماماً مطاعاً مفتقراً إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند .. فللإمام إذا كان عدلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في المال إلى أن يظهر مال بيت المال ...». و . والدفاع من أول أعمال الحكومة الإسلامية، وقد قام به النبي صلى الله عليه وسلم حتى استقام له الأمر وأمن معه المسلمون في دورهم .
۷۳
.«...
وهكذا يستمر الباحث في الحديث عن الأمن الداخلي وبنفس النسق بأنه ضرورة ولا تتحقق إلا بالمال وأن للدولة أخذ المال من الناس إن لم يكن في بيت المال مال. الآن أريدك أخي القارئ أن تقارن بين هذا الذي سبق
۸۹۸ 🗏
وبين ما ذكرته سابقاً عن أن الجهاد عبادة وليس وظيفة، وكيف أن الزلة التي قال بها الشاطبي من أن الإمام إن كان عدلاً له أن يوظف أي له أن يفرض على الأغنياء ما يراه كافياً للجنود من المال حتى يظهر مال بيت المال. فقد اشترط الشاطبي أن يكون الإمام عدلاً، والسؤال هو : من سيحكم على هذا الإمام، أهم العلماء أم أهل الحل والعقد؟ وهل تمكن أحد من إيقاف السلطان بدعوى أنه غير عادل أم أن السلاطين استغلوا مثل هذه الثغرات لسحب الأموال بدعوى دعم الجند للجهاد ؟ كما أن القول بأن للإمام أن يأخذ ما يراه كافياً لهو سلاح في يد السلطان ليأخذ كما شاء حتى يقتنع أن ما أخذه كافياً للجند. فمن سيوقف السلطان عند حد معين؟ هل رأيت كيف استخدم الدكتور القري زلة الشاطبي وبنى عليها نظرية توحي بضرورة الدولة التي تأخذ الأموال للجهاد؟ فهل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟ إن من البيان لسحراً. وكما سترى، فإنه إن تم تطبيق مقصوصة الحقوق وأصبح الناس أغنياء بالضرورة لأن الكل سيعمل، فعندها إن كان الجهاد عبادة فلن تحتاج الأمة لوضع تضطر فيه لسحب المال للدفاع عن الأمة المسلمة لأن الأمة المسلمة هي العزيزة دائماً والكل يهابها. فما قال به الشاطبي وضع تخيلي لن يحدث إلا إن لم تطبق مقصوصة الحقوق. ولكنك قد تقول: إن هذا حدث على مر التاريخ وها هو يحدث الآن، فالمسلمون في ضعف لأنهم لا جيش قوي لديهم فأجيب: ها هي ذي المليارات تنفق بالمئات كل سنة لدرجة أن ميزانيات الجيوش تفوق التعليم والصحة ولازال المسلمون في ذل يوماً بعد يوم لأن الجهاد أصبح وظيفة. فالمال لن يأتي بالنصر. وهذا ما حاول القرآن الكريم توضيحه لنا كما ذكرت في الفصل السابق مراراً وتكراراً. فالمال كما سترى عامل مساعد على النصر، وفقط إن أتى من الناس، كل يدعم نفسه أو جماعته.
ستدخل الدولة
وكما رأيت، فبمثل هذه الأقوال السابقة للفقهاء وللباحثين فإن الوضع مهيأ لتدخل الدولة للمزيد من السيطرة. فالدولة تمتلك معظم الأصول المنتجة وتسيطر على الكثير من قرارات سير المجتمع في وقتنا الحاضر. أي أن مقصوصة الحقوق ليست مطبقة، وهذا أمر معروف للجميع بالطبع، فما الداعي من وضع نصوص للتذكير بهذه المسألة إذاً؟ إن النقد الآتي لما قال به بعض الفقهاء والباحثين هو لتوضيح الثغرات التي منها ومن مثلها قد تتغير مقصوصة الحقوق لمنظومة يُعتقد أنها إسلامية. لذلك لابد من نقد بعض هذه النصوص كأمثلة حتى لا تستمر
مقصوصة الحقوق متغيرة للأبد فلابد من إظهار الزلل لعل مقصوصة الحقوق تعود لحكم المسلمين مرة أخرى.
إن السؤال المركزي مع كل فقيه أو باحث هو : لماذا يريد الباحث أو حتى لماذا لا يمانع تدخل الدولة في الاقتصاد؟ والإجابة هي أن هناك تيارات فكرية تظهر كل عدة أجيال، فيتأثر الباحث بتيار عصره وينظر للإسلام إما بالموافقة أو بالرفض بمناقشة ما يثيره ذلك التيار من قضايا دون علم منه بأنه إنما يساير التيار حتى وإن رفضه بالدوران في فلكه ولكن بطريقة معاكسة. لأضرب بعض الأمثلة : المثال الأول عن الثابت والمتغير: لقد انتشرت بين الباحثين فكرة أن الإسلام عموماً يحوي ما هو ثابت وما هو متغير أو متطور. فهذا الدكتور رفعت العوضي مثلاً يقول في كتابه عن الاقتصاد الإسلامي أن من الضرورة الوقوف على الثابت والمتغير في الاقتصاد للوصول إلى نظرية عملية تخدم الأمة في الاقتصاد، فمما هو ثابت مثلاً تحريم الربوا ووجوب الزكاة، فالاقتصاد في الإسلام إذاً لابد
المكون
۸۹۹
VE
وأن يختلف عن أي نظام آخر لأن «الزكاة بطبيعتها إيراد مالي مخصص في التحصيل، وفي الإنفاق، ...». أما المتغيرات فهي كثيرة منها مثلاً المعرفة الاقتصادية والتي تتغير من شخص لآخر، ومنها كل ما يتعلق بالمؤسسات والمرافق التي يمكن أن توجد في إطار اقتصاد يسير وفق المنهج الإسلامي». وهنا ملحوظة مهمة، وهي أنك إن قرأت كتابه أو كتاب غيره ممن يتبنون نفس المنهج (أي الثابت والمتغير) ستلحظ أن الجزء المتغير الذي يقصده الباحث هو الجزء الذي لم ينص عليه الشرع، وهذا الجزء الذي لم ينص عليه الشرع فإن من المنطق أن يترك للأفراد كل له الحق في العمل به كيفما يخدم مصلحته، إلا أن هذا الباحث ينقل هذا الجزء الذي لا نص فيه ويضعه في يد الدولة. أو ذلك الجزء الثابت الذي ورد فيه نص مثل عدم التسعير، يضعه في إطار بياني ينتهي باقتصاد لا يختلف كثيراً عن أي اقتصاد وضعي. تأمل المثال الآتي: يقول في التسعير:
حتى
«تحديد الثمن في الاقتصاد الإسلامي يتضمن أيضاً ما هو ثابت وما هو متطور. إن فقه هذا الموضوع يتأسس على أن الأصل هو حرية تحديد الثمن، ثم ذكر الفقهاء حالات محددة أوجبوا فيها تدخل الدولة في الثمن. إن العنصر الاقتصادي الثابت في هذا الموضوع يتمثل في أن الثمن يعمل عليه كل من قوى السوق وقرارات الدولة. يجيء بعد هذا العنصر الثابت عناصر متطورة. ومن هذه العناصر المتطورة كيفية تدخل الدولة في العمل على الثمن، والأساليب التي تتبعها، والمؤسسات التي تؤدي هذه الوظيفة، وأيضاً منها اكتشاف الميكانيكية التي يعمل بها سوق السلع، والخدمات، في ظل حرية
السوق ودور الدولة التدخلي».
Vo
إن قرأت النص السابق لعلك تقول: إن من البيان لسحراً. هل رأيت كيف يتم التلاعب بالعبارات للوصول لتغيير مقصوصة الحقوق حتى لا يظهر الإسلام متخلفاً؟ إن الباحث في النص السابق أعطى الدولة الحق في التدخل في التحكم في الأسعار كأي نظام وضعي آخر. وقد وصل لفكرته هذه من خلال تطبيق مبدأ الثابت والمتغير، حتى هنا فهو قد قرر أن الثابت في تحديد الثمن هو قوى السوق مضافاً إليها قرارات الدولة». أما المتغير بالنسبة له فهو كيفية تدخل الدولة «والمؤسسات التي تؤدي هذه الوظيفة»، وما شابه من أدوات. ألا يكون السؤال الآن: إن وجدت مؤسسة للتدخل في السوق لتحديد الأثمان، أليس لموظفي هذه المؤسسة أهواء ومصالح؟ ألا يستثمر هؤلاء الموظفون صلاحياتهم في تفضيل بعض التجار على الآخرين ولو بطريقة يصعب الكشف عنها بخفض أسعار سلع هذا بجزء طفيف لأن أولئك التجار قدموا لهم رشوة ما؟ حتى وإن لم تتدخل الرشوة وكان القائمون على مثل هذه المؤسسات من الصادقين، فلابد لهم من استخدام عقولهم القاصرة لاتخاذ القرارات التي يعتقدون أنها سليمة. فلماذا مثلاً لا يرفعون سعر القمح بدعوى حماية الإنتاج المحلي، وبهذا يتقاعس التجار عن استيراد القمح وهكذا تتباطأ في المجتمع ظهور طرق الاستغلال الأمثل لإنتاج القمح لأن القمح كسلعة إستراتيجية محمية من الدولة. ثم تأمل النص الآتي الذي يربط العقل القاصر بالاقتصاد وتطوره. يقول الباحث:
لذلك
وفيما يتعلق بالجزء المتطور من هذا الاقتصاد، فكما ذكرت فإن التطور هنا محكوم بالثوابت، لا يصح أن يقال عن هذا الجزء المتطور أنه يخضع كله للإنسان، إذ ليس الإنسان هو مصدر المعرفة باستقلال، وإنما دوره هو أن يعمل عقله في الظاهرة الاقتصادية محكوما بالثوابت من الوحي، لذلك أقترح أن نسمي منهج البحث في هذا الجزء المتطور من الاقتصاد الإسلامي باسم المنهج الوضعي المغاير. فهو وضعي لأن الإنسان أعمل عقله في هذا النوع من المعرفة، ولكنه وهو يعمل عقله . محكوم بالتشريع الذي يحدد له ما هو أكثر من القواعد الأخلاقية في هذه المعرفة الاقتصادية، ولذلك يكون
9.. 🗏
من
مغايراً. يكون الاقتصاد الإسلامي بهذا فيه منهجان للبحث يعمل كل واحد منهما على عنصر عناصره، فالمنهج المعياري يعمل في العنصر الثابت والمنهج الوضعي المغاير يعمل على الجزء
المتطور».
V7
إن الإشكالية التي يقع فيها الباحثون عادة هي أنهم عندما يفكرون بهذه الطريقة من خلال تطويع ما لم يأت به نص على أنه متغير وأنه بالتالي خاضع لنظرياتهم، ينسون تماماً أنهم إنما يغيرون مقصوصة الحقوق بعقولهم القاصرة. فما لم يأت به نص لا يعني أبداً أنه مادة خصبة للتلاعب به، بل هو أيضاً حقوق. فإن أعطت الشريعة مثلاً للناس حق ملكية المعادن لمن حازها، وسكتت عن ذلك في حق الدولة، ولم يقم الرسول صلى الله عليه وسلم كإمام للمسلمين بحيازة المعادن ثم تمليكها للدولة، فهذا لا يعني أبداً أن للدولة الحق في ملكية المعادن لأنها إن فعلت فهي إنما تزاحم الناس، وفي هذا ليس سلب لحقوقهم فقط، ولكن ظهور التسيب في الإنتاج لأنه كما هو ثابت شتان بين كفاءة الدولة وكفاءة الشركات فلا يجوز أن يعني المتغير أو المتطور هنا أن العصر الحديث يتطلب تدخل الدول كمؤسسة كبيرة في التنقيب عن النفط مثلاً لتوضيح السابق تأمل المثال الآتي عن الثابت والمتطور.
ع
يقول نفس الباحث د. العوضي) في كتابه تحت عنوان «المسؤولية الجماعية الإسلامية في الاستثمار»:
أعني بهذا المصطلح الالتزامات التي يضعها الإسلام على الجماعة الإسلامية، ممثلة في الدولة للقيام بعمليات الاستثمار اللازمة للمجتمع والأدلة الإسلامية التي يمكن أن تساعدنا في بحث هذه الجزئية كثيرة منها: ١ - الدليل الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ النساء: ٥، وجه الدلالة في هذه الآية، هو أن الإسلام يلزم ولي الأمر أن يمنع السفيه من التصرف أو استثمار ماله، ويجعل الجماعة الإسلامية، ممثلة في ولي الأمر مسؤولة عن ذلك، ومن التفسيرات الدقيقة لهذه الآية، ما نقل عن القرطبي من أن مصطلح الضعيف مراد به الصغير، أما مصطلح السفيه الوارد في هذه الآية فمراد به الكبير. ومن التعليقات التي قيلت في ذلك وعلى ذلك يكون تفسير الآية أنها خطاب للجماعة ممثلة في أولياء أمورها بالحجر على السفيه الذي فقد أهليته للنيابة عن الجماعة في تثمير مالها وحيازته، أي فقد أهليته لوظيفته الاجتماعية. لأن استمرار تصرفه بعد السفه إفساد لمالها من حيث ملاحظة حقها الأصلي، وإضرار بها من حيث النظر الاقتصادي البحت الذي يرى أن مال الجماعة يتأثر بما ينال مال الفرد بسبب ا السفه أو سوء الاستغلال. هذا هو الدليل الأول الذي ارتبط به. أما المعنى الاقتصادي الذي نريد أن نستنتجه منها فهو : أن الإسلام يوجه الخطاب للجماعة الإسلامية، ممثلة في ولي الأمر بشأن يتعلق بالمال الخاص لبعض الأفراد في المجتمع ، وفي هذا الخطاب نجد أن الإسلام يضيف المال الخاص إلى الجماعة، وهذه الإضافة تخلق الحس لدى المسلم، وكذا لدى الدولة الإسلامية، بالمسؤولية المشتركة عن استثمار المال واستغلاله والمحافظة عليه. وإذا كان للجماعة على المال الخاص حق ومسؤولية، فإنه يترجم ذلك بلغة العصر الاقتصادية : أن للدولة الإسلامية حق التوجيه أو التخطيط لاستثمار المال. ويشمل هذا الحق بيقين مال السفيه ومن على شاكلته، ويمكن أن يشمل، استنباطاً، الحق في توجيه مال غير السفيه بحيث يكون في خدمة المجتمع من الأدلة التي أستدل بها على المعنى السابق نفسه، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا من ولي يتيماً فليتجر بماله حتى لا تأكله
هامش
ع) ولعلك تسأل: وكيف تترك هذه للأفراد، فهم لا يستطيعون من المال الذي يجب أن يكون ملكاً للجميع؟ ستأتي الإجابة بإذن الله الوصول لها في باطن الأرض، وإن وصلوا لها فهم قد احتازوا الكثير على مثل هذه الأسئلة.
01
۹
المكوس
الصدقة». يلزم الإسلام هنا باستثمار مال اليتيم. ويناظر هذا الإلزام الذي أشارت إليه الآية
السابقة».
VV
هل رأيت كيف وضع الباحثون في حرج مع النصوص؟ فهم لم يجدوا ما يربط نظريات الاقتصاد المعاصر بالشريعة التي تطلق أيدي الناس في الاستثمار. فإطلاق أيدي الناس يعني عدم تدخل الدولة، لأنه منطقياً كما سترى بإذن الله كلما تدخلت الدولة كلما ضاقت السبل الاستثمارية على الناس، إلا أن هذا لا يعني انفلات الناس
ما
لإضرار بعضهم البعض لأن نصوص الشريعة هي التي تضع الناس في مسارات لا يصطدمون فيها فيما بينهم متى انطلقوا في الإنتاج ودون الإفساد في الأرض كما سترى في فصلي «الفصل والوصل» و «الموافقات» بإذن الله. وهذا لا
يتفق مع نظريات الاقتصاد الحديثة التي ترى تدخل الدولة. فهذا الباحث حور آية واضحة تتحدث عن السفهاء. والسفهاء كما هو معلوم هم الأفراد الذي يبددون أموالهم فحورها بحيث أن المعنى يتجه ليشمل جميع أفراد الأمة وذلك من خلال ركوب فكرة من بنات أفكاره ألا وهي «الحس لدى «المسلم والذي طوره للمسؤولية المشتركة لاستثمار المال ثم استنتج قائلاً: «وإذا كان للجماعة على المال الخاص حق ومسؤولية، فإنه يترجم ذلك بلغة العصر الاقتصادية : أن للدولة الإسلامية حق التوجيه أو التخطيط لاستثمار المال». هنا ترى أخي أنه أعطى الدولة حق هو ليس لها. إنه يغير مقصوصة الحقوق، ولكنه نسي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك قط، فهو صلوات ربي وسلامه عليه لم يحاول استثمار أموال أي من أصحابه أو حتى مساعدتهم في ذلك وهم الذين لم يكونوا ليرفضوا له طلباً. فهو لم يحاول مثلاً استثمار أموال عثمان بن عفان رضي الله عنه. . ثم بعد هذا التسلسل بالمنطق ويشمل هذا الحق بيقين مال السفيه ومن على شاكلته، ويمكن أن يشمل، استنباطاً، الحق في
قائلاً:
القاصر يستنتج توجيه مال غير السفيه بحيث يكون في خدمة المجتمع». هل رأيت كيف أنه وصل لتوجيه مال «غير السفيه» من خلال الدولة لخدمة المجتمع والغريب هو أن كتاب الدكتور العوضي تم نشره سنة ١٤١٠هـ، أي بعد سقوط
الاشتراكية، فكيف لم ير ويربط تدخل الدولة بالفشل ؟ فها هو في موضع آخر يقول في الاستثمار:
حرفتهم.
«بعد غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية أو المسؤولية المشتركة توجد مجموعة أخرى من الأدلة التي أرى أنها تمثل مرحلة متقدمة في مجال توجيه أو تخطيط الاستثمار في المنهج الإسلامي، ومن هذه الأدلة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة). وينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن الله استخلفنا على عباده، لنسـد جـوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم كما ينقل عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج كما ينقل عن الإمام الماوردي: أن من مسؤولية الحاكم: عمارة البلدان، باعتماد مصالحها، وتهذيب سبلها مسالكها. تتجه هذه المجموعة من الأدلة معاً ومباشرة إلى تحديد مسؤولية ولي الأمر في عملية الاستثمار. وهذه المسؤولية تتحدد في ضرورة القيام ورعاية المسلمين، وتوفير ما يلزم لهم اقتصادياً، و اً، ويعني هذا مسؤولية ولي الأمر عن عملية الاستثمار. وهو تعبير يمكن أن يستبدل بمصطلح توجيه أو تخطيط الاستثمار. بل يستنتج من هذه الأدلة أن الإسلام يوجه ولي الأمر إلى أنه ينبغي عليه أن يكون استهدافه التنمية الاقتصادية للمجتمع الإسلامي، وليس استجلاب أو الحصول على أموال تحت أي شكل من أشكال الضرائب لتنفق في وجوه كثيرة من بينها التنمية الاقتصادية والاجتماعية» . ۷۸
VɅ
۹۰۲ 🗏
لقد قلت سابقاً أن التخطيط ثلاثة أنواع هي: التخطيط للذات والتخطيط للأعداء والتخطيط للآخرين، وقلت أن المحظور في الإسلام هو التخطيط للآخرين لأنه إما أن يكون موافقاً للشريعة، وعندها فمن الواجب أن نأخذ بالشريعة، أو أنه مخالفاً لها، وعندها لابد من رفض التخطيط. إن رجعت إلى الأدلة السابقة التي يحاول فيها الباحث إثبات منظوره من أن الإسلام يوجه ولي الأمر من أن عليه أن يخطط للاقتصاد وينميه تجد أنها لا تخدم ما ينظر له. فهو يرجع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة). فكما ترى فإن نص الحديث صريح وهو أنه إن احتجب ولي الأمر ولم يلب المحتاج وليس التدخل بالتخطيط، وشتان بين الحالين. فالشريعة تأمر السلطان بالإسراع في تلبية حاجات الناس لأنه إن تمت تلبية حاجاتهم فهم في وضع يؤهلهم للمزيد من الانطلاق في الحياة لأنهم ليسوا مقيدين بحاجاتهم. فيزداد العطاء ويزداد الإنتاج وينتعش الاقتصاد دون تدخل السلطان. وإن نظرت لما استدل به من قول الفاروق الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تجد أن نفس المنطق ينطبق على أن على الخليفة أن يلبي حاجات الناس لا أن يخطط للأمة. وبالنسبة لقول الإمام علي كرم الله وجهه في توصيته لوالي مصر بقوله: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، فإن هذه العبارة الخالدة للإمام علي كرم الله وجهه تقف ضد ما يحاول الباحث الوصول إليه. فالعبارة تأمر والي الخليفة علي كرم الله وجهه على (الأشتر مصر النخعي) بأن عليه أن يخفف من الخراج على الناس لأن بقاء الأموال في أيديهم سيكون ذا مردود أعلى على الاقتصاد لأن الناس سيعيدون استثمار الأموال التي في أيديهم للمزيد من العمل كالزراعة والتجارة والصناعة فتزداد الزكاة أو الخراج في السنوات التالية، كل سنة أكثر من التي قبلها. أي إن تم تطبيق توصية الإمام علي كرم الله وجهه، فإن الذي سيحدث هو نمو الاقتصاد بسرعة تفوق إمكانات الدولة إن هي حاولت السيطرة على الأمة اقتصادياً، وهذا ما تحاول الشريعة فعله. وكما سأثب لك بإذن الله، فإن في هذه الإستراتيجية مزيداً من السمو الأخلاقي لأفراد المجتمع في ظل الشريعة وبطريقة تخفف من الحاجة لنفقات الدولة. وكلما نقصت نفقات الدولة كلما ازداد الناس انطلاقاً لأنه لا مسؤولين يمنعون زيداً ويحابون عبيداً.
ولعلك تقول: ولكن لماذا لم أحاول تأويل قول الإمام على كرم الله وجهه وليكن نظرك في عمارة الأرض» على أنه توصية للوالي بتعمير الأرض وذلك ببناء البنية التحتية كالطرق والسدود وبهذا يستفيد الناس في تنقلاتهم ولا يتضررون من الفيضانات وما شابه من ضروريات ستزيد من تسريع عجلة الاقتصاد؟ إجابتي هي كالآتي: حتى يتمكن الوالي من بناء الطرق فهو بحاجة للمال، ولا مال له أو لبيت المال إن طبقت مقصوصة الحقوق كما رأينا في الفصول السابقة إلا القليل جداً الذي بالكاد يفي بتغطية نفقات السلطان وبضعة من مساعديه كالقضاة مثلاً. فلا مال إلا من خلال المكوس. وهنا نأتي للآلية التي تحدثت عنها من أن تجمع المال في بيت المال يجذب ضعاف النفوس للعمل للسلطان، وهؤلاء لهم أهواء ونفقات ثم الحاجة للمزيد من المال، وهكذا يظهر الانحراف الاقتصادي وتذل الأمة. لذلك قفلت الشريعة هذا الباب تماماً. أما البنية التحتية فكما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله ستكون في وضع أفضل من خلال مساهمات الأفراد المحتاجين إليها والذين هم من الأثرياء أي أن هناك ثلاثة تأويلات لقول الإمام علي كرم وجهه، ه الأول وهو ما ذكرته وهو عدم التركيز على استجلاب الخراج حتى تزداد الأموال عند الناس فيزداد الاستثمار والثاني عكس الأول: وهو التركيز على عمارة الأرض من قبل الوالي الذي لن يستطيع ذلك إلا من خلال المزيد من الخراج فتقل الأموال عند الناس فيقل الاستثمار للسنة القادمة، وهكذا في كل سنة أقل
الله
المكون
۹۰۳
وأقل حتى تصبح
الأمة ذات عمران جيد في بنيته التحتية ولكن دونما اقتصاد منتعش يُمكن الناس من
حي
الاستفادة من هذه البنية كما هي حال معظم المؤسسات في الدول الاشتراكية. أي أن الاستثمار في غير مكانه (وهذه حركية سنأتي على توضيحها بإذن الله في فصل «الأماكن»، ألا وهي نمو البنية التحتية بطريقة تدعم الاقتصاد ولا تنهكه). والتأويل الثالث يركز على كلمة «أبلغ» في قول الإمام علي كرم الله وجهه: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج»، وكأن كلمة «أبلغ » ميزان في يد السلطان ليوازن بين ما يحتاجه المجتمع من عمارة الأرض وبين ما يجب أن يستجلبه من الخراج. وهذا بالطبع تأويل مرفوض لأنه إن وازن السلطان فاعتقد أنه بحاجة للمزيد من الخراج لعمارة الأرض فهو (أولاً) إنما يُحكّم عقله القاصر لأن العمران كما قلنا يفوق عقول البشر في التنبؤ بما يحتاج له من تخطيط . وهو (ثانياً) إن اتخذ قراراً لا تدعمه الشريعة فهو إنما حكم بغير ما أنزل الله. أي أن السؤال هو: هل بإمكان السلطان اتخاذ قرار يخدم العمران ولم تأت الشريعة بهذا القرار؟ والإجابة كما سترى بإذن الله: إن الشريعة ليست بحاجة لقرار حكيم من السلطان إن طبقت مقصوصة الحقوق. لأن الحكمة تقتضي ألا يتدخل السلطان قط في قضايا العمران والتنمية، لأن في تدخله تثبيط للنمو الاقتصادي. بل يجب اتباع الشرع الذي قص لكل جماعة أو فرد حقهم أو حقه. وفي هذه النقطة الأخيرة رد أيضاً على ما نقله د. . العوضي من كلام الماوردي بأن من مسؤولية الحاكم عمارة البلدان. هكذا يستمر الباحث في سرد بضعة أدلة أخرى لدعم نظريته التي تنتهي بأمة مسلمة تطبق نظاماً اقتصادياً لا يختلف عن أي نظام رأسمالي آخر، تأمل الآتي مما كتبه
يقول الباحث:
«بناءً على ما عرضته من أدلة إسلامية، أعتقد أن هذه الأدلة تثبت وتقرر نوعاً من تدخل الدولة، وهذا التدخل هو أهم من أن يكون توجيهاً أو تخطيطاً، بمعنى أن هذا التدخل قد يقف عند المرحلة التي نسميها في الاقتصاد بالتوجيه وهي المرحلة التي تتدخل فيها الدولة في إدارة الاقتصاد القومي، ليس بطريقة مباشرة إنما بطريقة غير مباشرة. مثال ذلك: عندما يرى صانعوا القرار الاقتصادي أن هناك تضخماً، أي ارتفاعاً في الأسعار، فإنهم يحاولون علاج ذلك بأدوات السياسة النقدية، أو بأدوات السياسة المالية وهي أدوات معروفة لدارسي الاقتصاد ومن أمثلة أدوات السياسة النقدية إنقاص العرض النقدي، ومن أمثلة أدوات السياسة المالية إنقاص الإنفاق العام، ويأمل صانعوا السياسة بواسطة استخدام مثل هذه الأدوات كبح التضخم وخفض الأسعار. وهذا نوع من التدخل، ويمكن أن يمثل نوعاً من التوجيه أو التخطيط . وقد يكون التدخل الإسلامي، الذي تقرر بناء على الأدلة التي عرضتها، في مرحلة أكثر تدخلاً من المرحلة التوجيهية التي أشرت إليها، بمعنى أن التدخل قد يكون مباشراً وبخطة محددة مفصلة. مثال ذلك أن تكون الأمة الإسلامية في تخلف اقتصادي، وليس وسيلة لإخراجها من هذا التخلف إلا بخطة اقتصادية، وهنا يكون تدخل الدولة أو إدارة الاقتصاد القومي، وفق . خطة موضوعة يمكن أن تعتمد وتقر بناء على الأدلة التي عرضتها، ونحن في هذا لا نجهد الدليل الإسلامي، إننا نتساءل: ماذا يعني قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ؟ إذا كان هناك مسلمون متخلفون اقتصادياً، أليست مسؤولية الإمام هنا . أن يضع خطة اقتصادية لتنمية اقتصادهم، أي مسؤولية أخرى يمكن أن تعادل هذه المسؤولية؟».
هناك
هي
۷۹
ألم يُصب الرسول صلى الله عليه وسلم مقتلاً عندما قال: (إن من البيان لسحراً)؟ بلى لقد فعل صلوات ربي
وسلامه عليه. لعلك إن قرأت السابق ستوافق من حيث المبدأ على ما ذهب إليه الباحث لأنه يضع مشكلة واضحة
٩٠٤ 🗏
نعيشها صباح مساء، وهي التخلف الاقتصادي، ثم يطرح حلاً معقولاً بالنسبة له وهو التخطيط الاقتصادي. هنا الإشكالية، لأن مجرد قبول هذا الطرح المنطقي سيؤدي لزلات تخرج عن الشرع. كيف؟ أريدك أخي القارئ أن تتأكد من نقطة جذرية ركز عليها الإسلام وهي أنه لا حدود قومية بين المسلمين، بل جميع المناطق التي يعيش فيها المسلمون قطعة واحدة حتى وإن فصلت جغرافياً. فالخطاب القرآني واضح للذين آمنوا وليس يا أهل موريتانيا أو يا أهل اليمن أو يا أهل الصين من المسلمين. فإن اقتنعنا بأنه لا قومية إلا الإسلام وأنه لا حدود بين الأراضي من الأندلس إلى الصين، فمن هذا الذي يستطيع أن يضع خطة اقتصادية لمثل هذه الرقعة من الأرض؟ إن مجرد القبول بوضع خطة اقتصادية قومية تقربنا من الكفر والعياذ بالله لأنه حكم بغير ما أنزل الله. فكما سترى في الفصل القادم فإنه لا حدود بين الجغرافيات المختلفة للعالم الإسلامي، بل هو نسيج واحد، فكل قرية أو ضاحية لها علاقة اقتصادية حتمية مع التي تليها، وهكذا يتسلسل الاقتصاد وينساب من شبر لآخر في العالم الإسلامي، وهذا وضع يصعب السيطرة عليه اقتصادياً، وفي هذا خير كثير للأمة لأن فيه حرية لانتقال المواد الخام والسلع والأفراد بخبراتهم. بينما الخطة الاقتصادية القومية كما يقترح الباحث لا يمكن أن تطبق إلا إن كانت الدول ذات حدود فاصلة فيما بينها. فهذه الدول ذات الحدود بالخطط الاقتصادية هي من أهم أسباب التخلف. وبالنسبة لاستشهاده بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن مسؤولية الإمام في رعايته للأمة، فهذا بالطبع مطلوب ولكن تحت مقصوصة الحقوق. وإن طبقت مقصوصة الحقوق فإن مسؤوليات السلطان ليست توجيه الأمة اقتصادياً، ولكنها مسؤوليات أخرى كما سترى بإذن الله في فصل «الحكم».
ومن
الأمثلة التي يلجأ إليها الباحثون لضرورة تدخل الدولة حدوث الكوارث مثل الزلازل والفيضانات والقحط وما شابه. لأضرب مثالاً على ذلك: يقول الدكتور عبد السميع المصري في كتابه: «نظرات في الاقتصاد
الإسلامي»:
«وعندما أصابت المجاعة جزيرة العرب في عام الرمادة تكافل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ليدفعوا غائلة الجوع عن إخوانهم، وقال عمر رضي الله عنه بعد أن انتهت المجاعة: «لو أصاب الناس سنة لأدخلت على كل أهل بيت مثلهم، فإن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم». وبهذا نتبين أن حرية التملك وثبوت الملكية الفردية لا يتنافى مع حقوق الجماعة، بل إن الجماعة تعد مقصرة إذا تركت المال الفائض يزيد من الغلاء أو يتسرب إلى المصارف الآثمة لأن عليها أن تسحب هذه الأموال بالطرق المشروعة لتنفقها فيما ينفع الجماعة». ٨٠
۸۰
لتفنيد السابق أقول: إن ما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه في عام الرمادة هو جلب الغذاء من المناطق الأخرى التي لم يأتها الجفاف مثل مصر. فهو لم يفرض الضرائب على الأثرياء رضي الله عنهم أجمعين. كما أن هذا الافتراض بأنه إن حدثت كوارث فلن يهب الناس من مناطق أخرى للمساعدة طواعية (لذلك فإن الدولة هي التي ستقوم بذلك)، لهو افتراض غير صحيح لأنه مبني على مشاهدات للوضع الحالي الذي يعيق أعمال الإغاثة (تذكر مثال الإيدز). فكما أثبتت لنا الأيام، وحتى في وضعنا المعاصر الذي تجمعت فيه الأموال في أيدي مسؤولي الدول، فإن عامة الناس هم الذين عادة ما يهبون لمساعدة إخوانهم المسلمين من خلال المنظمات الإغاثية وذلك لكسب الأجر. فما بالك إن طبقت مقصوصة الحقوق وتراكمت الأموال في أيدي الناس وليس الدولة؟ وما بالك في وضع أخلاق الناس فيه سامية بسبب تقارب الدخل فيما بينهم ما يؤدي لسمو تقواهم؟ ثق أخي القارئ بأن الجميع سيهب
المكو
۹۰۵
لمعاونة الآخرين لأن الكل سيبحث عن الأجر بسبب إيمانهم بالغيب لأنهم تربوا على أيدي العلماء الربانيين الراسخين في العلم، إذ لا سلاطين لهم المقدرة على زج هؤلاء العلماء في السجون كما هو حالنا اليوم لأن العلماء هم السلاطين في الأغلب. كما أن ما يفيض من أموال لمساعدة المنكوبين سيكون كبيراً جداً لأن العالم الإسلامي كبير الكثير من الخيرات ولا حدود ولا بيروقراطيات تُبطئ من انسياب الأموال من طرف مستصح " لآخر منكوب. ولأن العالم الإسلامي كبير ولا حدود بين الجغرافيات والأقاليم، فستظهر المؤسسات الإغاثية التي ستعمل باستمرار، فتظهر معها أعراف الإغاثة وتتبلور بإذن الله لما هو أكفأ وأكفأ.
وبه
ولكن لماذا أرفض تدخل الدولة في الاقتصاد ؟ والإجابة من عدة جوانب وما يهمنا الآن هما الجانبان الآتيان: الأول هو أن تدخل الدولة سيؤدي للتشابك الذي تحدثنا عنه . سابقاً والذي حرصت الشريعة على تلافيه. والثاني هو ضرورة وقوع الأموال في أيدي أهواء من هم في هذه الأهرام البيروقراطية، أو وزارات الزير، وقد ذكرت آفاتها. إلا أن الباحثين المعاصرين نظروا بضرورة تدخل الدولة ليقع التشابك الذي تحاول الشريعة تلافيه. ففي ضرورة تدخل الدولة يقول أنور عبد الكريم معللاً:
«يعتبر تدخل الدولة في الحالة الاقتصادية، أصلاً ثابتاً من الأصول الاقتصادية في الإسلام، وذلك بهدف تحقيق العدالة ومصالح الجماعة، وعموماً فإن الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي يحق لها التدخل في الحالات التالية: -۱ تحقيق التشغيل الأمثل للموارد الاقتصادية، من خلال ترشيد الإنتاج والاستهلاك محاربة التبذير، تشجيع إنتاج السلع التي يحتاجها معظم أفراد الشعب، ضبط التوجيه نحو الإنتاج المالي، فرض تشغيل مصنع أوقفه صاحبه عن العمل إذا كان المجتمع بحاجة إلى منتجاته، حيث يدفع لصاحبه لقاء استغلال مصنعه أجور استهلاك وسائل الإنتاج، وإذا تمركز الإنتاج في حقل إنتاج معين، جاز للدولة التدخل بما يكفل حسن توزيع النشاط الإنتاجي، وذلك ضمانة لتحقيق مصالح المنتجين، ومصالح أفراد المجتمع بشكل عام . - توفير وسائل العمل للقادرين، وكفالة معيشة غير القادرين عليه، ضماناً لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأخذ ما يفيض عن حاجات الأغنياء لتوزيعها على الفقراء عند الاضطرار إلى ذلك، ضمن الضوابط الشرعية المعروفة. ٣- مراقبة التعامل في الأسواق والتدخل في سوق السلع وسوق العمل وتحديد حد أدنى للأجور، وتطبيق مقاييس الإنتاج، ومواصفات السلع والإعلان التجاري. ٤- محاربة الاحتكار، وبيع رزق المحتكر، والحجر على السفيه ونزع الملكية إذا كانت سببا في وقع الظلم على الغير، ومنع المهن المخلة بالأخلاق الإسلامية كنوادي الميسر أو حانات الليل. ٥- في حالات حدوث فائض في الإنتاج الزراعي، يحق للدولة التدخل لرفع الأسعار نظراً لأن ترك السعر متدنياً قد يؤدي إلى وقوع خسائر بالنسبة للمنتجين، وما يستتبع ذلك من وقع هجرة ريفيه ،وزراعية كما تتدخل الدولة في حالات حدوث تواطؤ في السوق من قبل البائعين بغية رفع الأسعار، فتستطيع تسعير المنتجات وذلك لتوفير حرية تفاعل العرض والطلب فتجبر البائعين على البيع بسعر السوق.
ΔΙ
إن في النص السابق الكثير مما يقنعك بضرورة تدخل الدولة إن لم تكن اقتصادياً، أما إن كنت اقتصادياً فسرعان ما تكتشف هزال ما في الاقتباس السابق. إن ما تفعله الاقتراحات السابقة هي مزيداً من التشابك بين أفراد المجتمع لدرجة أن المجتمع سيصبح اشتراكياً، وكأن الكاتب لم ير سقوط الاشتراكية ! فهو يعلل ضرورة تدخل الدولة في الحالات الآتية (وسأرد عليها واحدة تلو الأخرى بإذن الله): الحاجة لتحقيق التشغيل الأمثل للموارد الاقتصادية. وكما أثبت لنا التاريخ فإن الموارد ستكون في وضع أسوأ إن تدخلت الدولة بسيطرتها عليها. كما يزعم
٩٠٦ 🗏
الباحث أن الدولة ستشجع إنتاج السلع التي يحتاجها معظم أفراد الشعب، وهذه أيضاً سيكون الصناع والتجار أكثر سرعة ودقة لتحقيقها من الدولة. يرى الباحث أن للدولة تشغيل مصنع أوقفه صاحبه عن العمل إذا كان المجتمع بحاجة لمنتجاته، وهنا يكون السؤال: من هذا الأخرق الذي يوقف مصنعاً والمجتمع بحاجة لمنتجاته؟ يعتقد الباحث بإمكانية تدخل الدولة لتوزيع النشاط الإنتاجي وذلك لتحقيق مصالح المنتجين وأفراد المجتمع. وهنا أجيب: لقد أثبتت لنا تجارب قوى العرض والطلب في السوق أن المنتجين هم خير من يدرك ذلك. يطالب الباحث بتوفير وسائل العمل للقادرين وما إلى ذلك من عدالة اجتماعية، وهذه ستأتي مع تطبيق مقصوصة الحقوق كما سأثبت بإذن الله. ثم يريد الباحث للدولة التدخل في سوق العمل والسلع وتحديد حد أدنى للأجور، وهكذا حتى محاربة الاحتكار ونزع الملكية إن كانت ظلماً على الغير، وهكذا من تدخلات تزيد من سطوة الدولة لتقع جميع القرارات الحاسمة في الاقتصاد في أيدي أفراد لا ينتجون، فتظهر وزارات كثيرة للزير (والتي تحدثنا عنها سابقا) ملغمة ببيروقراطية لن تنتج إلا المزيد من التخلف الاقتصادي وذلك لأن كل نشاط اقتصادي لن يؤذن له إلا بعد موافقة الدولة، فيتعثر الاقتصاد كما في الدول الاشتراكية حتى يسقط ثم توضع المزيد من الخطط لمحاولة إنعاشه فيزداد تخلفاً وهكذا من سيء لأسوأ. لا أدري أين يعيش هذا المؤلف غفر الله له؟ ولكن في المقابل فهناك أبحاث وكتب ممتعة في قراءتها إلا أنها أيضاً قد ،زلت فقد تغلغل دور الدولة كمحرك أساسي للاقتصاد في عقول الباحثين، فلم ينج منه أحد. لأضرب مثالين على عجل من خيرة الأبحاث: المثال الأول: لقد ظهر مؤخراً بحث جيد للدكتوراه ثم نشر في كتاب عن الزكاة للدكتورة نعمت عبد اللطيف مشهور، إلا أنه لم يخل من الزلات أيضاً. فالباحثة تعتقد أن تدخل الدولة في تشغيل أموال الزكاة له مردود إقتصادي جيد على الأمة إذ تقول:
«وأخيراً نجد أن قيام الدولة بالاستثمار المباشر، كأحد مصارف الزكاة، يكون له أثره في رفع مستويات التشغيل، والاستهلاك، والارتفاع بمستوى النشاط الاقتصادي بما يعوض أي تراخ قد يحدث من جانب المستثمرين الأفراد، ويشيع جوا من التفاؤل والثقة على الاحتفاظ بمستوى عال من النشاط الاقتصادي، وعدم تعرضه للركو
۸۲
فبعد كل المجهود لفهم الزكاة ودوره في المجتمع المسلم رأت الباحثة أنه لا بأس من قيام الدولة بتشغيل تلك الأموال. والسؤال هو: من أين أتت هذه الفكرة برغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستثمر أموال الزكاة، بل دفعها مباشرة لمن قصت لهم من المستحقين؟ إن كنت على قناعة أخي القارئ أن الإسلام أتى مكتملاً لعلك تقتنع أن أفضل طريقة لرفع مستوى التشغيل هي وضع أموال الزكاة في أيدي مستحقيها مباشرة لأنهم ليسوا كالدول البطيئة الحركة، بل سيهبون مباشرة في الاستثمار ليتراكم عطاء أفراد المجتمع ويتحرك الاقتصاد وينطلق. وكما سيأتي سنمر على مستحقي الزكاة بإذن الله ونبين ضرورة وضعها في أيديهم وليس الدولة لأن الدولة ما هي إلا أفراد ذوو أهواء، وهؤلاء حتى وإن كانت خططهم نبيلة إلا أن تطبيقهم لنظريات الاستثمار يعني أن المال لابد وأن يجري في أيد غير أيدي ملاكها، وهذه فتنة تدعو للتلاعب بها. فمتى ما استقر نظام استثماري معين لأموال الزكاة ومهما كان نزيهاً، فإنه بعد مدة. سيصبح . عرضة للتلاعب لأنه لابد وأن يأتي يوم ويقوم فيه مسؤول ما بالتلاعب بأموال الزكاة.
المثال الثاني: لعل من الكتب الجيدة عن الاقتصاد في الإسلام كمقدمة ما ألفه الدكتور حمد الجنيدل في كتابه: «مناهج الباحثين في الاقتصاد الإسلامي». وبرغم أنه أثابه الله كان حريصاً على عرض أفكار الباحثين دون
المكون
۹۰۷
۸۳
الانزلاق إلى القبول بالاقتصاد المعاصر لإدراكه لخطورة هذا الأمر ، إلا أنه فتح بعض النوافذ التي قد يلج منها المنظرون في الاقتصاد لإعطاء الدولة مزيداً من التدخل فهو يقول مثلاً: «وليس للدولة أن تتدخل في التنمية الفردية إلا بقدر ما تقتضيه الضرورة في المشروعات اللازمة للمجتمع ويعجز الأفراد عن القيام بها ويقصرون فيها، ...». وهنا أقول: إن حكمه على وجود مشروعات يعجز عنها الأفراد هو حكم ناتج من استقراء الواقع الذي ظهرت فيه الحاجة للمشروعات الكبرى ولم تطبق فيه مقصوصة الحقوق. أما مع تحكيم شرع الله فلن توجد مشروعات كبرى يعجز عنها الأفراد. فالإسلام وضع حركيات تجمع مهارات الناس وأموالهم بطريقة تدفعهم للمزيد من المخاطرة والمزيد من الإبداع حتى في المشروعات الكبرى كما سترى في الفصول القادمة بإذن الله. ومن جهة أخرى، كما سترى في فصل «المعرفة» بإذنه تعالى، فإن المشروعات الكبرى ستتفتت لأجزاء أصغر لتلائم إمكانات الأفراد أو إمكانات جماعات صغيرة من الأفراد للقيام بها بطرق أمثل. إلا أن ما يراه الجميع الآن من تقصير الأفراد في اقتحام مجال المشروعات الكبرى هو بسبب ضعف وهزال الناس لأن الدولة القوية قصمت ظهورهم فأصبحوا من المستضعفين، هذا إن كان لهم وجود على خارطة الأمة الاقتصادية أصلاً.
الاقتصاد الإسلامي
هل رأيت أخي القارئ كيف استقر في أذهان معظم الباحثين أن للدولة الحق في التدخل؟ ولأن الوضع جديد على الأمة الإسلامية ( كل محدثة بدعة) فلابد لهذا الوضع من اسم وملامح تميزه عن الأنظمة غير الإسلامية. فإن تدخلت الدولة الآن لأصبح الاقتصاد بعد تطبيق نظريات الاقتصاد المعاصرة إما اقتصاداً رأسمالياً أو اشتراكياً أو خليط من شيء آخر، إذ أنه لا مفر من التعامل مع نظريات الاقتصاد المعاصرة. لذلك وحتى يكون الاقتصاد في دول الإسلام مميزاً ومخالفاً للاقتصاد الرأسمالي أو الاشتراكي فلابد له من محتوى مختلف واسم يميزه، فظهر مسمى «الاقتصاد الإسلامي» وانتشر بين الباحثين لدرجة أن هناك مؤشراً اقتصادياً قد ظهر في الأسواق مؤخراً وتمت تسميته بمؤشر «داوجونز للأسهم الإسلامية». أليس هذا مضحكاً؟ ولماذا هو مضحك؟ إن قال لك رجل أخرق، «زنى إسلامي» والعياذ بالله، أو «سُكر إسلامي»، فهل ستصدقه؟ بالطبع لا . إلا أن قوله أخف إثماً من هذا المسمى «داوجونز للأسهم الإسلامية» لأن الثابت هو أن السكر أو الزنى أقل إثماً من الربوا. فكما قال صلوات ربي وسلامه عليه: (الدرهم يصيبه الرجل من الربوا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام)، ولعلك هنا تستنكر بأن المؤشر الاقتصادي الإسلامي لا علاقة له بالربوا ! فأجيب: بل هو أداة من أدوات البنوك التي تعمل بالربوا، فإن لم تقتنع أقول لك: بل هو مؤشر يوضح صعود وهبوط الأسهم التي ما أتت إلا بتراكم المال لدى الكثير في إطار نظام مالي لن يعمل إلا بتفشي الربوا. فمجرد وجود مؤشر يعني أن هناك أفراداً لا ينتجون إنتاجاً فعلياً، بل يكسبون المال لأنهم لا هم لهم إلا تكثير المال من خلال الأسهم في الأسواق النقدية. وهذا كما ستستنتج وضع لا يؤدي إليه الإسلام إن طبق كما سيأتي في فصل الفصل والوصل» بإذن الله. وفي هذا كما سترى بإذن الله فساد كبير
هامش
ف) الحديث رواه الطبراني في الكبير من طريق عطاء الخراساني عن
عبد الله ولم يسمع منه، وقد ذكر الحديث في مسند ا ومصادر أخرى سنأتي عليها بإذن الله (٨٤).
الإمام أحمد
ف
۹۰۸ 🗏
يفوق فساد الزنى والسكر لأنه سيوصل لفساد مالي يؤدي لفساد متغلغل في جميع الطبقات الاجتماعية وفساد متعدد الأنواع مثل المخدرات والقتل ومنها الزنى والسكر ولكن بطريقة أبشع. لهذا يجب أن نمر سريعاً الآن على هذا المسمى المستحدث: «الاقتصاد الإسلامي». فهو من جذور الفساد برغم أنه قد يبدو نزيها في أهدافه كما صوره الباحثون أثابهم الله على اجتهاداتهم، أي أنه من المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان. فقط تذكر أخي القارئ أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار.
برغم تعدد تعريفات علم الاقتصاد عموماً (وليس علم الاقتصاد الإسلامي) إلا أنها تشترك في عدة خصائص. فهي تنحصر في محاولات تصوير الواقع الفعلي للإنتاج المادي والبحث عن السلوك الفعلي لأفراد المجتمع أثناء ممارساتهم لنشاطاتهم الاقتصادية، لذلك فإن مهمة عمل الاقتصاد عموماً تنصب (كما عرفها محمد أحمد صقر) على «تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج المادي المقبول اجتماعياً عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد وتوزيع هذا الإنتاج للوصول بالرفاهية الإنسانية إلى أفضل قدر مستطاع. إن تدبرنا أخي القارئ التعريف السابق لعلم الاقتصاد نجد أنه مشبع بالسيطرة من قبل الدولة فعبارة «تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج المادي المقبول اجتماعياً عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد» تعني أنه لا ثقة بالأفراد لفعل ما يظنون أنه في صالحهم، لهذا فإن منهم من سيخطئ، لذلك وجب تدخل الدولة حتى يأتي الاستغلال الأمثل. ثم يأتي الجزء الآخر من التعريف، وهو الأكثر انجرافاً وراء تدخل الدولة والذي يقول: «وتوزيع هذا الإنتاج للوصول بالرفاهية الإنسانية إلى أفضل قدر مستطاع». والسؤال هو: من سيقوم بهذا التوزيع؟ إن كانوا الناس أنفسهم، فما الحاجة لعلم الاقتصاد، بل المقصود أن الدولة ستقوم بذلك. أي أن هناك مؤشرات واضحة في علم الاقتصاد عموماً أن الدولة لها الحق في التدخل، عند علماء الاقتصاد وما ذكرته هنا إلا للتذكير به فماذا عن الاقتصاد الإسلامي؟
هو
وهذا أمر بديهي .
Λο
وبرغم إنكار بعض الاقتصاديين المصطلح علم الاقتصاد الإسلامي»، إلا أنه قد وجدت مجموعة من المعارف لا يمكن أن يخطؤها أي باحث على أنها من أهم سمات الاقتصاد الإسلامي. ذلك أن اجتهادات الباحثين المسلمين الغيورين أثابهم الله قد تراكمت لتعطي الاقتصاد الإسلامي نظريات وقوانين وتطبيقات تحكم المجتمع الإسلامي» وذات طابع متميز بأبعاد ثلاثة كما يقول أنور عبد الكريم : وهي: «البعد المذهبي: ويمثل القيم التي يرتكز عليها النشاط الاقتصادي. البعد النظري التحليلي: ويبدأ من التعرف على الظاهرة وصولاً إلى القوانين الاقتصادية. البعد التطبيقي ويهتم بالتطبيقات والسياسات الاقتصادية التي تتفق مع القواعد والقيم الحاكمة في المجتمع». أخي القارئ، لا ضرر بالطبع من دراسة المجتمع المسلم اقتصادياً بهدف التعلم للإفادة. أي دراسة الاقتصاد لمحاولة معاونة فرد أو جماعة لاتخاذ قرار استثماري. أما دراسة الاقتصاد بهدف وضع قرارات اقتصادية تمس حقوق الآخرين، فهنا الإشكالية التي ستخرج الأمة عن مقصوصة الحقوق. وكما ترى فإن الأبعاد الثلاثة السابقة تؤدي للخروج عن مقصوصة الحقوق. فبالنسبة للبعد المذهبي، فهذا هدف نبيل قد يحاول فيه الباحث فهم الفرق بين ما يؤدي إليه الإسلام وما تؤدي إليه النظم الأخرى من حيث الاقتصاد. ولكن الإشكالية تأتي بعد هذا الفهم، وهي «البعد النظري التحليلي» والذي يؤدي إلى القوانين الاقتصادية ومن ثم البعد التطبيقي» والذي يهتم بالتطبيقات والسياسات الاقتصادية التي تتفق مع القواعد والقيم الحاكمة في المجتمع». هنا يبدأ العقل بالعمل على حساب النص. كيف؟
المكون
۹۰۹
٨٦
إن مما يميز الاقتصاد الإسلامي عن النظم الوضعية كالرأسمالية والاشتراكية كما يقول نفس الباحث (أي أنور عبد الكريم) هو تركيزها «على الموازنة بين مصالح الأفراد والجماعات في إطار عقدي والتزام سلوكي وأخلاقي يربط بين المادة والروح وبين الحياة الفانية والأخرى الباقية». والسؤال هو: من يعلم هذا؟ لأننا إن حاولنا فهم كيفية الموازنة بين مصالح الأفراد والجماعات في إطار عقدي والتزام سلوكي فقط للفهم والقناعة فهذا أمر مقبول. ولكن الذي يحدث عادة هو أن فهم كيفية هذه الموازنة هذا) إن فهمت يؤدي عادة إلى مفاضلات بين المصالح ومن ثم اتخاذ قرارات تؤدي للخروج عن مقصوصة الحقوق. لنضرب مثالاً على ذلك: من الواضح أن في تعلیم الأبناء مصلحة قصوى إذ أنهم سيكونون أكثر إنتاجاً عند كبرهم لأنهم سيعملون وينتجون ولن ينحرفوا بسبب البطالة والفقر. ولكن التعليم بحاجة للمال، ولا مال لدى الدولة كما بينت في الفصول السابقة. فمن أين يأتي المال للدولة لتعليم الأبناء؟ فلا مفر إذاً إلا من أخذها من بيع بعض المواد الخام أو وضع المكوس (الضرائب) على الناس، أو أن على الدولة أن تستثمر أموالها وكأنها شركة كبيرة. فمن الواضح لأي مجتهد أو باحث إن فاضل بعقله القاصر بين المصالح أن يقول بجواز امتلاك الدولة للمواد الخام لبيعها لدول أخرى أو بجواز الضرائب إن كانت الموارد لا تفي بنفقات التعليم. وبالطبع سيجد هذا الباحث بعض المميزات التي تُظهر اجتهاده وكأنه إسلامياً ليُضاف إلى المعارف الأخرى التي جعلت الاقتصاد إسلامياً. ولكن أريدك أخي القارئ التفكر في الآتي وهو ما سأحاول إثباته في الفصول القادمة بإذن الله : إن مجرد قبول استحواذ الدولة على المواد الخام سيؤدي إلى ظهور وزارة للزير اسمها وزارة المعادن أو وزارة البترول والثروة المعدنية أو وزارة الثروة الوطنية أو ما شابه من أسماء. عندها (وكما هو حادث اليوم) سيظهر الآلاف من الموظفين الذين لا ينتجون إلا هماً دونما أي إنتاج ملموس على أرض الواقع. ثم تدخل الرشاوى في جميع عمليات التنقيب والبيع للمعادن، ثم تأتي المحسوبيات في توزيع هذه الثروات بين المناطق المختلفة والقطاعات المختلفة، وهكذا من هدر ليس له آخر. ثم في النهاية بالنسبة للتعليم فستوجد وزارات للتعليم ثم مناهج من وضع المتخصصين لتفرض على الناس ما يجب على أبنائهم أن يتعلموه. ثم بعد تخرج هؤلاء فإن على الدولة توظيفهم، وهكذا ننتهي بوضع مشابه لما هو عليه حالنا اليوم. أما إن لم نحاول المفاضلة بين المصالح واتبعنا الشريعة كما أتت، فإن التعليم ليس من مسؤولية الدولة، وليس للدولة منع الناس من الحصول على المعادن (هذا بالإضافة إلى حقوق أخرى كثيرة سنأتي عليها بإذن الله ، وهكذا ينتشر الثراء بين الناس الذين يحرصون على تعليم أبنائهم»، وعندها ستنتشر المؤسسات التعليمية الخاصة ذات المناهج المختلفة التي لا تقيدها أية أنظمة أو أوامر أو تعاميم لأنه لا وجود لوزارة التعليم، أو حتى أن المعلمين الخاصين سينتشرون ويعلمون الأبناء ما يمكنهم من التأهل للحصول على عمل في القطاعات الإنتاجية التي لا تعد ولا تحصى والتي تتطلب كل واحدة منها مهارات مختلفة. وما ظهرت هذه الاختلافات إلا لأن جميع من في المجتمع منتج ولشيء مختلف لأن أبواب التمكين الكثيرة المختلفة متاحة للجميع. وهكذا يزدهر ويتبلور التعليم لأن التجارب الكثيرة للأفكار التعليمية المتعددة قد جربت على أرض الواقع ثم اشتهر الأجدر منها وتم تقليده وتطويره من المعلمين الآخرين، وهكذا من أفكار وتجارب لا تقيدها أنظمة حكومية، بل حرة وتحت تطوير مستمر من المعلمين والقطاعات الإنتاجية وبجودة أعلى تسمو يوما بعد يوم، وليست كمناهج الوزارات الجامدة التي لا تتطور إلا كل عشرات السنين. أدرك أخي القارئ أنني لم أتمكن من إقناعك في هذه الأسطر، فأنت تعتقد أن الفوضى ستعم وأن الجودة ستنخفض دون سيطرة، فأجيب: لا، فما سبق هو من أهم أطروحات هذا الكتاب وستتضح لك الصورة بشكل أفضل بإذن الله.
۹۱۰ 🗏
کا
أي باختصار، يكون السؤال الآن: ما الفائدة من فهم الموازنة بين المصالح في الاقتصاد الإسلامي إن لم تترجم إلى قرارات اقتصادية؟ وهنا لابد من توضيح الآتي: إن ما أحاول إثارته كما قلت سابقا، هو أنه لا فائدة من دراسة الاقتصاد لأن هذا سيستنهك الأمة ولو بشيء ضئيل إن لم تطبق هذه الدراسات، أما إن طبقت فهي ستؤدي للخروج عن مقصوصة الحقوق، فمن الأجدر إذاً استثمار هذا المجهود المهدر في إنتاج مادي أو خدماتي ما، لأننا إن درسنا الاقتصاد، وهنا الخطورة فإننا لابد وأن نرى بعض الإيجابيات وبعض السلبيات من منظورنا بعقولنا القاصرة، عندها سيأتي من يحاول تعظيم الإيجابيات أو القضاء على السلبيات كما يراها، فيحكم بغير ما أنزل الله، لأنه إن أراد الحكم بما أنزل الله فلن يحتاج لأية دراسة، فكل ما عليه فعله هو التطبيق لشرع الله. وهنا الزلة أخي القارئ.
لتتأكد تأمل الآتي:
إن النظرية الاقتصادية الإسلامية من الناحية الفكرية، كما يقول أنور عبد الكريم، تختلف جذرياً عن النظريات الوضعية إذ أنها تكتشف من خلال عملية «استقصاء تراجعي من القمة إلى القاعدة حيث يكون دور الاقتصادي المسلم دوراً استكشافياً للنظرية، بينما النظريات الاقتصادية الوضعية تمثل حصيلة تجارب مر بها المجتمع من خلال تدرج ارتقائي. ويكون دور الاقتصادي فيها دور البناء والتكوين، وبذلك تتدرج من الأدنى إلى أخي: إن الاقتباس السابق يريك أن صاحبه ذو فكر خصب إلا أنه قد يؤدي للزلل وكذلك الآتي:
الأعلى».
AV
وتتميز النظرية الاقتصادية في الإسلام في - منطلقاتها وفرضياتها - بأنها ترتكز على أساس من الواقعية، وتكفل للأفراد كرامتهم وإنسانيتهم، وتضمن للمجتمعات توازناً واستقراراً، كما وتنفرد دون سائر النظريات الاقتصادية المادية بسمو هدفها الذي لا يقتصر على الإشباع المادي فحسب، بل يتعداه إلى الهدف التعبدي، مما يحقق تحولاً في أخلاقية الفرد إلى طاقة محركة وقوة دافعة، وبينما تتكفل العقيدة في بناء الفرد المسلم من الداخل، فإن النظرية كمنهج تضع العقيدة موضع التطبيق
والتنفيذ» .
۸۸
إن من البيان لسحراً. إن تأملت السابق لوجدت أنه كلام منطقي ومطلوب ولذلك ستعتقد أنه لابد لنا كأمة أن نسعى إلى تحقيقه. ولكن السؤال هو: كيف؟ هنا لابد من الاجتهاد. أي أن باب الاجتهاد في الاقتصاد قد فتح على مصراعيه. فيقول مثلاً نفس الباحث أنور عبد الكريم
«ومع أن النظرية الاقتصادية الإسلامية تمثل الجانب الاجتهادي على المستوى الفكري – (حيث يتسع فيها مجال الاجتهاد، ويجوز الاختلاف حولها باختلاف تقدير المصالح تبعاً لتغير الزمان والمكان) وتتسم بخاصية التطور الذي يخضع لاجتهاد المختصين ، إلا أن ما يميزها عن النظريات الاقتصادية الوضعية، أن العنصر المتطور فيها يبقى خاضعاً ومأطوراً بثوابت أصيلة، لا وجود لها في تلك النظريات. ويجدر التنويه بأنه لابد في النظرية الاقتصادية الإسلامية من توافر الشرطين الآتيين: أ) التقيد بالأصول الاقتصادية الخالدة المقررة في المذهب الاقتصادي الإسلامي. ب) استنباط معالم النظرية على ضوء الطرق الشرعية المعتمدة كالقياس والمصالح المرسلة وغيرها».
۸۹
فبعد كل هذا التنظير، وعندما حان وقت النزول إلى أرض الواقع، ذهب الباحث إلى ضرورة الاجتهاد وقال بأن هناك ثوابت، وهناك متغيرات وهذا ما تم نقده سابقاً)، وأن هذه المتغيرات تتغير بتغير الزمان والمكان، وأن وسيلة الوصول لها هي أدوات الاجتهاد كالقياس والمصالح المرسلة. وهذا ما تم نقده في الفصول السابقة. أي أن
المكو
۹۱۱
هناك دورة فكرية بدأت بالقيم الإسلامية لتنتهي بإعمال العقل القاصر في الشريعة، وبهذا فلن تُطبق مقصوصة الحقوق. كيف؟
برغم جميع التعريفات السابقة الحالمة والنزيهة للاقتصاد الإسلامي إلا أن النهاية كانت «السقوط» في النهج الغربي في التفكير وإلى حد كبير في التطبيق. فهذا الباحث نفسه أنور عبد الكريم يرى أن من أهم المرتكزات الأساسية للاقتصاد الإسلامي الملكية المزدوجة والتي تأتي تحتها الملكية الخاصة للأفراد والملكية العامة والتي يقسمها إلى ملكية الجماعة وملكية الدولة. فملكيات الجماعة كما يوضحها هي:
«كالمنتفعات العامة من الطرق والمجاري والمراعي والأنهار وكافة الثروات التي ليس للأفراد فضل بها، دل عليها الحديث النبوي الشريف: الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)، بالإضافة إلى كافة الموارد المالية المخصصة للصالح العام للمسلمين كالفيء والغنائم وغيرها».
وهنا كما ترى أخي القارئ، فبرغم أن الباحث ميز بين ملكية الدولة والملكية العامة والتي هي لعموم الناس، إلا أنه ضم إليهما الموارد المالية المخصصة للصالح العام كالغنائم والفيء. أي أنه خلط بين الطريق مثلاً والذي هو ملكية جماعية، وبين أموال الفيء المخصصة لمصالح المسلمين، وكما رأينا في الفصول السابقة، فإن أموال الفيء لجماعات محددة كاليتامى والمساكين وليس للإنفاق على الطرق. وهنا الخطورة، لأن مجرد هذا القبول بمسؤولية الدولة في الإنفاق على الطرق برغم أنها مسؤولية الجماعة من المسلمين كما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله، فإن هذا النقل للمسؤولية سيعطي الدولة الحق في فرض الضرائب لجمع المال للقيام بمثل هذه المهمات. وعندها فقد سقطنا في النهج الغربي في التفكير ومما يؤكد هذا السقوط هو توضيحه لملكية الدولة بالقول: «كالثروات من الأراضي والمعادن والبترول، والمرافق العامة حيث تديرها الدولة لصالح الجماعة».. هل رأيت الآن كيف أن الباحث وضع الأصول المنتجة ومنها المواد الخام بيد الدولة حتى تنفقها على المرافق العامة لصالح الجماعة؟ إنه بهذا لا يخرجنا من مقصوصة الحقوق فقط، بل ويسقطنا في منظومة اقتصادية أشبه ما تكون بالاشتراكية. وما هذا الذي سبق إلا مثال لباحث واحد وهناك العشرات من الباحثين الذين بقبولهم لفكرة الاقتصاد الإسلامي أسقطوا الأمة في براثن الاقتصاد الوضعي. وبالطبع فقد يصعب أحياناً رؤية مثل هذه السقطات لأن أبحاث مثل
هؤلاء الباحثين عادة ما تكون مطعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية فنفس الباحث مثلاً يقول:
«كما ويقر الإسلام تفاوت الملكية الفردية بين الناس، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ .... ونهى الشرع الإسلامي عن الإسراف والتبذير ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ .... وفي النظام الاقتصادي الإسلامي تأصيل فريد خاص للملكية الشخصية، فالمال هو مال الله وحده، فهو - تبارك وتعالى – المالك الحقيقي، بينما الإنسان مستخلف فيه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوَقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ ﴾ ، ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ . ٩١
۹۱
والآن لننظر لباحث آخر وعلى عجل فحتى يخدم الاقتصاد الإسلامي المجتمع المسلم لابد لهذا الاقتصاد من أن يتوجه لخدمة الحلال والحرام. فهذا تفكير منطقي إلا أنه سيعطي نتائج ضد مقاصده لأن الأحكام والقرارات
وضعت بأيدي البعض باستخدام العقل القاصر. فهذا باحث مثلاً (أحمد صقر) يقول:
۹۱۲ 🗏
«إن هذا الحصر لمفهوم الرفاهية ومضمونها يعطي الموارد الاقتصادية في أي وقت وتحت أي مستوى فني للإنتاج قدرة أكبر لإشباع الحاجات الإنسانية الضرورية وغيرها اللازمة لتحسين مستوى العيش الحلال والحرام، وهذا الإطار من شأنه أن يسد منافذ الشهوات والتطلعات الضارة للاستهلاك، والتي تستنزف جانبا من الموارد النافذة؛ فقد ينحصر التحريم على الإنتاج في حد ذاته، كإنتاج الخمور، وقد يمتد التحريم إلى نشاط مؤسسة بعينها، كأن تنتج إنتاجاً مباحاً، ولكنها تمارس سياسات احتكارية، أو يتم فيها التعامل بالربا». ٩٢
۹۲
فكما ترى في الاقتباس السابق، فبالقياس على تحريم صناعة الخمر فإن الباحث يرى أن التحريم قد يمتد إلى تحريم نشاط مؤسسة بعينها لأنها تمارس سياسات احتكارية. والسؤال هنا كما هو حال الأسئلة السابقة: من الذي يقرر أن هذه المؤسسة تمارس سياسات احتكارية وأن تلك لا تفعل الشيء ذاته؟ بالطبع هم المسؤولون في الدولة. ومن هذا الثقب ستتدخل الأهواء لتحريك المسؤولين لضرب هذا التاجر أو الصانع على حساب ذاك التاجر أو الصانع. وكما سترى بإذن الله، فإن الشريعة حرصت على عدم تدخل الدولة حتى تزداد شفافية الأسواق فسرعان ما تتبدد أطماع التجار لأن أبواب التمكين مفتوحة للجميع، فتضمحل فرص الاحتكار حتى وإن ظهرت لفترة وجيزة لأن في هذا ضرر أقل من استحداث نظام بيروقراطي مشبع بالأهواء ويؤثر في السوق على الدوام. وهكذا إن تفحصت كتابات الباحثين تجد الثغرات التي منها تنبعث تدخلات الدولة لتتغير مقصوصة الحقوق، أما إن طبقت الشريعة فمع التوزيع الأمثل للخيرات بين الناس فإن الحلال والحرام سيكونان أفضل تطبيقاً كما أمرت الشريعة وبأقل مجهود ممكن كما سيأتي بإذن الله . والآن لنأخذ المثال الآتي وهو من الأمثلة الأكثر انتشاراً بين الباحثين:
أثناء قراءتي أعجبت ببعض الباحثين من سعة اطلاعهم وعمق تفهمهم للنصوص. ومن هؤلاء مثلاً د. منذر قحف أثابه الله على كتاباته التي ترفض فرض الضرائب إلا في حالات محددة كما سيأتي بإذن الله). ولكن حتى هؤلاء الذين أدركوا بثاقب نظرهم عمق الإستراتيجيات الاقتصادية في الإسلام فقد كان من الصعب عليهم تصور مجتمع مسلم دون دور فعال للدولة في تلبية الخدمات وبالذات البنية التحتية. لذلك كان لابد لهم من إيجاد مخرج. فهذا منذر قحف يرى إمكانية توسع حجم قطاعات الدولة وذلك باستثمار أموالها حتى تتمكن من توفير المتطلبات المعاصرة ولكن دون فرض الضرائب. فهو استنتج (كما سيأتي بإذن الله أنه لا حق للدولة في فرض الضرائب إلا لضرورات محددة، فيبرر قائلاً:
خصص من
.....
ولا يعني عدم الاعتماد على الضرائب أو المصادرة التقليل من أهمية القطاع العام الاقتصادية، فإن ما أملاك عامة في النظام الاقتصادي الإسلامي يجعله يمثل حيزاً كبيراً من النشاط الاقتصادي ويلقي على عاتقه مسؤولية جسيمة في تنمية هذه الأملاك والعمل على استخراج إيراد دائم مستمر منها لتمويل الخزانة العامة للدولة الإسلامية . فنظام الملكية الذي شرعه الإسلام يقوم على وجود ملكية خاصة مصونة ومحمية إلى جانب ملكية عامة مصونة ومحمية أيضاً، فهو بذلك نوع من التزاوج بين الملكية العامة والخاصة، فالنظام الإسلامي قد خص الدولة بملكية قطاع واسع من الثروة الاقتصادية في البلاد، فالأملاك العامة تشمل الأراضي غير الداخلة في الإنتاج الاقتصادي والثروة المعدنية ومنابع الطاقة الكبيرة، مثل الشلالات ومساقط المياه. يضاف إلى ذلك أن مسؤولية الدولة الإسلامية في تأمين الخدمات العامة كالطرق ومياه الشرب وغير ذلك من المصالح ومسؤليتها في استثمار فوائض القطاع العام الاقتصادي وأملاكه في مصالح المسلمين تقتضيان أن
العامة،
۹۱۳
المكو
يتوس
ملحوظ » .
۹۳
القطاع وحجم الملكية العامة إلى حد أكبر مما هو مشاهد في النظام الرأسمالي بشكل
تأمل النص السابق، ستلحظ أن الباحث يؤكد على أن ما يعطي الاقتصاد الإسلامي ما يميزه من وجهة نظره، هو أن الدولة بيدها حيز من النشاط الاقتصادي. كما أن هذا الحيز جد كبير بالنسبة له برغم أنه يرفض وضع الضرائب على الناس هنا يكون السؤال: من أين إذا تأتي الأموال لأنه يرى أن على الدولة مسؤوليات جسيمة ولا ضرائب مفروضة؟ تأتي الإجابة من نفس الاقتباس السابق وهو أن الشريعة تحمي الملكية العامة وأنها خصت الدولة بملكية قطاع واسع من الثروة الاقتصادية في البلاد». فهو يؤكد هذا بالقول بأن «الأملاك العامة تشمل الأراضي غير الداخلة في الإنتاج الاقتصادي والثروة المعدنية ومنابع الطاقة الكبيرة، مثل الشلالات ومساقط المياه». وكما ذكرت سابقاً فإن ما ذهب إليه الباحث غير صحيح، فجميع السابق من الأصول المنتجة هي ليست للدولة، بل هي لمن حازها كما وضحت في الفصول السابقة. فإن تم تطبيق ما يدعو إليه هذا الباحث من وضع الأراضي غير الداخلة في الإنتاج الاقتصادي والمعادن في الأملاك العامة، فماذا بقي للناس ليأخذوه بمجهودهم الذاتي؟ لأنه إن طبقت الشريعة فمع النمو السكاني فإن الناس عادة ما يلجؤون لما هو مباح من الأصول المنتجة، فإن وقعت هذه الأصول تحت تصرف الدولة فلا مفر حينئذ من الأخذ من الدولة التي ستمنع بعض الناس وتعطي آخرين، فهذه غريزة لا مفر منها بين متخذي القرارات لأن قرار المفاضلة بين المستثمرين بأياديهم. أي أن الأخذ لم يعتمد على المجهود الذاتي للأفراد، بل على علاقاتهم وقرابتهم وجرأتهم في رشاويهم لمتخذي القرارات وما شابه من أدوات التلاعب بالمصالح، وهذا سيؤثر في الاقتصاد سلباً.
وهنا قد تقول : ولكن ماذا عن الشلالات ومساقط المياه مثلاً من الأصول المنتجة، فأنت يا جميل لم تتحدث عنها؟ فأجيب: حتى هذه ليست ملكاً للدولة، بل هي ملك لمن تمكن من استغلالها إن كانت في حجم يمكن استغلاله دون إضرار بالآخرين نظراً لكثرة أمثاله. ولكنك ستقول : وماذا عن شلالات نياجرا مثلاً، فهي وحيدة ولا يوجد مثلها في العالم ؟ فإن تمكن فرد من حيازتها فقد حاز على أصل منتج وكبير جداً ! فأجيب: ستأتي الإجابة على المعالم مثل شلالات نياجرا بإذن الله، ولكن باختصار، فمثل هذه الأصول المنتجة ليست ملكاً لأحد لأن وضع يد فرد عليها سيحجعلها حكراً له. بل هي لكل من يزورها للاستمتاع بها. وفي المقابل، فإن معظم الأصول المنتجة كالمعادن والأراضي القابلة للزراعة والسواحل القابلة للإستثمار البحري وما شابه من أصول منتجة منتشرة في كل مكان، وهي تفوق احتياجات البشر وللناس حق استغلالها لعمارة الأرض. ولأهمية هذه المسألة فقد خصصت لها فصلاً كاملاً ، وهو الفصل القادم، أي فصل «ابن السبيل». أما مساقط المياه فإن من أهم إشكاليات البشر الآن هو أن الدول تدخلت في إيجاد مشروعات ضخمة مثل إنشاء السدود المائية، وكان لهذه التدخلات تأثيرات بيئية سلبية وبالذات فيما يعرف بعلم التبيؤ أو بالإيكولوجيا البيئية environmental ecology، وإن لم تتدخل الدول لتمكن الناس مع التعامل البيئة والاستفادة منها بطريقة أمثل ودون التغيرات البيئية الحادة الحادثة، كما سترى بإذن الله. مع للإضافة للسابق، فإن الباحث (منذر قحف) يدرك تماماً أنه في إشكالية عملية، وهي أنه لأنه لا ضرائب من
جهة، ولأن هناك خدمات عامة وأن على الدولة أن تقدمها كما يعتقد هو من جهة أخرى)، فإن الإشكالية هي في تمويل هذه الخدمات، لذلك فهو يرى الحاجة إلى توسيع القطاع العام وبالذات حجم ملكيات الدولة لدرجة أن
۹
٩١٤ 🗏
ملكيات الدول الإسلامية قد تفوق نسبياً تلك التي في الدول الرأسمالية. لاحظ ما قاله في النص السابق: «يضاف إلى ذلك أن مسؤولية الدولة الإسلامية في تأمين الخدمات العامة كالطرق ومياه الشرب وغير ذلك من المصالح العامة، ومسؤليتها في استثمار فوائض القطاع العام الاقتصادي وأملاكه في مصالح المسلمين تقتضيان أن يتوسع حجم القطاع وحجم الملكية العامة إلى حد أكبر مما هو مشاهد في النظام الرأسمالي بشكل ملحوظ». أي أن الاقتصاد الإسلامي من وجهة نظره تقترب من نظم الدول الاشتراكية. فيقول مثلاً بالرجوع للماوردي: «إن إنشاء الخدمات العامة كالطرق ومسابل المياه والمساجد وصيانتها هي مسؤولية الدولة الإسلامية إذا كانت لها إيرادات من أملاك الدولة والقطاع العام الاقتصادي. فإذا لم يكن لدى الدولة ما يكفي من هذه الإيرادات كان لها فرض رسوم استعمال عادلة على المستفيدين من بعض هذه الخدمات». ١٤ وحتى يأخذ الموضوع حقه من النقد سآتي على ما نقله من الماوردي (تحت العنوان الآتي: «التقديس والتقليد») ولكن بعد التوضيح الآتي:
لنقل جدلاً أن هناك اقتصاد إسلامي وأن للدولة دور كبير فيه، فما .
الإسلامية في نظر الباحثين المعاصرين؟ يقول الدكتور منذر قحف
هي
الأهداف الاقتصادية للدولة
«الهدف الأول : ضمان حد أدنى من المعيشة. وينبغي أن نؤكد على أنه من أجل هذا الضمان للمعيشة - وهو الهدف الاقتصادي الأول - يمكن أن تصل الدولة فيما تأخذه من إجراءات إلى حد بعيد، مهما كان تأثير ذلك على إيراداتها أو على الملكية الخاصة والقطاع الخاص وغير ذلك. ضمان حد أدنى من المعيشة أمر يقع في موقع أساسي من الأهداف الاقتصادية للدولة مهما كانت إيراداتها. أما الأهداف الأخرى، نحو ضمان الديون بين الناس، ودين من لا يستطيع أن يفي بدينه فهذه تكون حسب الظروف، ولا تضمن الدولة هذه الديون في جميع الأحوال».
۹۵
ثم بعد دحض التوجهات التي تذهب لبسط الرخاء على الناس بفرض الضرائب يستنتج الباحث قائلاً: «أما الحد الأدنى أو ضمان مستوى أدنى للمعيشة فيجب على الدولة أن تقوم به، وهو هدف لها محدد مهما كانت مواردها وإيراداتها المالية، حتى لو اضطرت للضرائب والاقتراض». لاحظ أن الباحثين يضعون افتراضاً لن يحدث إن طبقت الشريعة، فهم يقولون بأن للدولة أن تفرض الضرائب إن كان هناك فقراء، وهذا الافتراض الوهمي لن يحدث إن فتحت أبواب التمكين وإن كان للناس إخراج زكاتهم كما سترى بإذن الله. فهم عندما يضعون هذه الافتراضات سيوافقهم كل إنسان لأن النبل الإنساني يدفع الناس للموافقة، وبهذا تفتح الأبواب لأخذ الضرائب الذي أغلقته الشريعة كما رأينا في الحديث عن المكوس. ولعلك هنا تقول: ولكن الفقر دائم الانتشار حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فأجيب: نعم وذلك لأن الشريعة لم تأخذ الوقت اللازم من التطبيق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يختفي الفقر. أي حتى يختفي الفقر تماماً فإن الشريعة بحاجة للتطبيق لعدة أجيال. وهذا الذي ظهر في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذ أنه أتى في وقت كانت معظم مقومات مقصوصة الحقوق قد طبقت فيه لعدة أجيال برغم تجاوزات الحكام الأمويين، وعندما أصر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز تطبيق الشريعة من جذورها تم القضاء على الفقر تماماً فاحتار الناس في توزيع الزكاة.
أما الهدف الثاني من أهداف الدولة الاقتصادية في الإسلام (كما يقول) فهو إدارة الأملاك العامة في مصالح المسلمين، وقد دحضته على هذا الهدف سابقاً وقلت بأنني سأثبت لك أخي القارئ عدم الحاجة لهذا الهدف إن
المكون
۹۱۵
طبقنا مقصوصة الحقوق، ولكنني الآن أستعرض نصاً آخر لأنه من القوة بحيث أنه قد يثبت طرحاً ليس بالضرورة صحيحاً (تذكر أن إن من البيان لسحراً): يقول منذر قحف
هو
مثلاً مسألة الأراضي .. لدينا نص واضح، كعين الشمس، إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .. بدأ مسألة احتجاز الأرض ملكاً للمسلمين. نص واضح يتحدث عنه أبو عبيد، وقد ذكر في كتب الصحاح. ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر .. احتجز جزءاً منها ملكاً للمسلمين كلهم .. ولم يوزع كل الأرض، وزع جزءاً منها وترك الجزء الآخر .. وواضح من هذا المعنى أنه ابتكار لطريقة تمويل الدولة بالإيرادات العامة - أي تخصيص مورد دائم للدولة يكون مصدراً للإيراد العام .. ثم ما تحدث . عنه الفقهاء في مسألة وما استقر عليه رأي الفقهاء المعاصرين استناداً إلى النصوص الأصلية الأولى، أيضاً - مسألة الماء العد - .. قد أعطيته الماء العد، والماء العد في القاموس معناه: الماء الكثير الذي لا يحصى، أعطيته شيئاً كثيراً، وما زالت كلمة الماء العد تستعمل بهذا المعنى في السقي ضمن المصطلحات الزراعية في بعض المناطق في البلاد الإسلامية، منها سوريا. فالماء العد الماء الكثير الذي لا يحصى .. فإذا كثر المعدن لا يمكن تملكه من قبل الأفراد. فإن معيار «الكثرة»، ومعيار التفاوت الكبير بين ما يحصل عليه من ثمره وما يبذله من جهد .. في مثل هذه الأحوال استقر عليه رأي العلماء المعاصرين استناداً لمثل هذه النصوص واستناداً لنصوص أخرى أيضاً اعتمد عليها بعض الفقهاء القدماء ومنهم المالكية أن المعادن في باطن الأرض، وفي ظاهرها، مما تتعلق بها حقوق الأمة، ليس المعدن القليل الذي هو أشبه بالركاز الصغير، لأن الركاز كنز مدفون من الجاهلية، مقدار صغير من المال، أو من معدن الملح .. فهذه يمكن أن يتملكها الأفراد كما يتملكون النبع الصغير، أو البئر يحفرونه ويأخذون منه الماء، أو حتى النهر الصغير غير المشتق من النهر الكبير .. ويمكن أن يكون مثل هذا في الملكية الخاصة لأنه لم يستوعب إلا أرضاً صغيرة على كل حال. أما ما يشبه الماء العد، الكثير، ظاهراً كان أم باطناً، من معادن، فقد استقر رأي الفقه المعاصر على أنه ملك للدولة، وملك الدولة بمعنى أنه لمصلحة الأمة بكاملها، وليس بمعنى أنه ملك للحاكم. إذن إدارة الأملاك العامة لصالح المسلمين وتنميتها وتحقيق الحد الأقصى من الإفادة منها على مستوى الجيل الحاضر، والأجيال المستقبلية، هو الهدف الأساسي الثاني من الأهداف الاقتصادية للدولة
الإسلامية».
97
تلحظ في النص السابق أن هناك دليلين استخدمهما الباحث لإثبات ضرورة تخصيص موارد دائمة للدولة لتكون مصدراً للإيراد العام. الدليل الأول هو عدم قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم جزءاً من أرض خيبر، وهذا كنت قد وضحته في الفصول السابقة باستفاضة وبينت أن الذي لم يقسم قليل جداً مقارنة بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الغزوات. وأن هذا القليل هو لنفقاته المحددة وفي حدود ضيقة ولقضاء ديون المسلمين مثلاً ولم تنفق على البنية التحتية، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يجمع الضرائب أو لم يأخذ من الأصول المنتجة لشراء بئر رومة مثلاً أو حفر الخندق حول المدينة المنورة كما مر بنا وهما أكثر ضرورة مما ذكره الباحث من إيجاد وتمويل الإيرادات العامة. بل إن دعم مثل هذه الاحتياجات الضرورية كالبنية التحتية ستأتي من الناس لأنهم أثرياء ومن خلال حثهم لفعل الخير. وكما سترى بإذن الله، فإن في هذه الإستراتيجية الاقتصادية تحجيم لدور الدولة، وبالتالي سيكثر الأثرياء، ويضمحل عدد الفقراء، وهكذا فإن جميع الخدمات التي تقوم بها الدولة في عصرنا الحالي ستتم تغطيتها وبطريقة أكفأ وأفضل من خلال الناس كالأوقاف مثلاً (وسيأتي بإذن الله).
٩١٦ 🗏
وبالنسبة لدليله الثاني وهي مسألة الماء العد، فإن الدليل قد استخدم بطريقة مغلوطة. فقد ذكرت في فصل «الخيرات» أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمال معدن الملح، فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العد (الجاري)، أمر برده، ثم بينت أن الفقهاء ذهبوا على أن من حاز من الناس منه شيئاً فهو له. وهذا وضع . مختلف جداً عن منع الناس من هذه الخيرات وحبسها للدولة. فشتان بين الحالين. أي حتى تقتنع أخي القارئ فأن علي إتمام مهمتين: الأولى أن الدولة ليس لها شرعاً أن تأخذ الأموال، وهذه قد مرت في الفصول السابقة؛ والثانية هي أن باستطاعة الناس توفير جميع الخدمات دون تدخل الدولة، وهذه ستأتي بإذن الله.
والهدف الاقتصادي الثالث من أهداف الدولة المسلمة كما يعتقد الباحثون هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي هذا يقول منذر قحف
يتحدث الماوردي عن أمر عام بالمعروف ونهي عام عن المنكر. وأمر خاص بالأمر بالمعروف ونهي خاص عن المنكر، فالأمر الخاص بالمعروف والنهي عن المنكر .. يتعلق بسلوك الأفراد الخاص. أما الأمر العام فيضرب له أمثلة منها : لو تهدم بئر قرية يشرب منها الناس ولم يكن في القرية ماء غيره، فماذا يفعلون؟ هنا يأتي الأمر العام بالمعروف والنهي العام عن المنكر. فإن المحتسب أو الدولة الإسلامية تعمر ذلك البئر ، فإن لم يكن لديها مال في بيت مال المسلمين فرضت ذلك على أغنيائهم .. فتأخذ من الأغنياء لتقيم بناء البئر أو لو انهدم سورهم، فإن كان لهم غناء عن ذلك السور كما لو أن القرية لم تكن ثغراً، فلا أهمية لذلك السور، فيمكن أن لا يبنى. أما إذا لم يكن لهم غناء عنه، ، فتبنيه الدولة، فإن لم يكن لديها مال يكفي لذلك، أخذت ذلك من الأغنياء. وهكذا الأمر العام بالمعروف، والنهي العام عن المنكر .. والماوردي يدرك أمثلة كثيرة لهذا النوع من أهداف الدولة الاقتصادية».
۹۷
(وهناك هدف رابع سيأتي دحضه بإذن الله في فصل «الأماكن» وهو الحمى). لاحظ في الاقتباس السابق أنه يرتكز أساساً كغيره من الاقتباسات على ما قاله الماوردي يرحمه الله. فالماوردي وضع فكرة ثم أخذها الباحثون وأضافوا عليها، أي أنه تم إلباس نص الماوردي نوع من التقديس لتظهر الاستنتاجات التي ستخرج الأمة عن مقصوصة الحقوق، وهو موضوعنا الآتي:
التقديس والتقليد
المقصود بالتقديس هنا هو رفع مكانة نص ما لدرجة أنه يؤخذ به كدليل شرعي برغم أنه كلام أطلقه عالم ولكن دون دليل من القرآن الكريم أو السنة المطهرة. وقبل نقد الهدف الاقتصادي الثالث وما تم اقتباسه من الماوردي أذكرك أخي القارئ بما ذكرته سابقاً عن التقليد المذهبي ودون دليل من القرآن الكريم أو السنة المطهرة. فمن هؤلاء العلماء الراسخين في العلم الذين نقدوا التقليد ابن القيم رحمه الله إذ يقول إضافة لما اقتبسته منه سابقاً:
«قال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله، وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى : فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل. وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد. فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم،
۹۱۷
۹
المكو
فمن أخذه أخذ بحظ وافر. وكيف يكون من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه؟ تالله إنها فتنة عمت فأعمت ورمت القلوب فأصمت. ربا عليها الصغير وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا. وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا. ولما عمت بها البلية وعظمت بسببها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق مظانه من لديهم مفتون ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل وبغوا له الغوائل ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور وتتساوى أقدام الخلائق في القيام الله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين».
۹۸
ثم تأمل الأمثلة التي يضربها أثابه الله لتبيان قصور العقل وضرورة التمسك بالدليلين، القرآن الكريم والحديث الشريف، وليس التمسك بالتقليد:
«كيف يمكن القياس مع الفرق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات؟ قالوا: وإذا كانت الشريعة قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال وفي قتل الصيد، وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرة والفأرة في طهارة كل منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك، وبين الماء والتراب في التطهير، بطل القياس، فإن مبدأه على هذين الحرفين وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس. والجواب أن يقال الآن حمي الوطيس وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة وأن ينصروا الله ورسوله بكل قول حق قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائناً من كان، ويردون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائناً ما كان، فهذه طريقة أهل العصبية وحمية أهل الجاهلية. ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له الذم إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهدى لرشده والله
الموفق».
۹۹
رحم الله ابن القيم على تأكيده مراراً وتكراراً على ضرورة الالتزام بالنص. لقد رجع الكثير من الباحثين إلى كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي وبنوا عليها استنتاجات لم يكن هو ليقول بها أثابه الله على اجتهاده. حتى أن بعض ما قال به هو لم يقله بالرجوع إلى دليل نصي كما ستلحظ بإذن الله، بل لأنه (أي الماوردي) رأى أن بيت المال مكتظ بالأموال، وخوفاً على الأموال من الضياع بين أيدي السلاطين فقد حمل الدولة مسؤوليات عامة هي في الشريعة من مسؤوليات السكان ( كما سأثبت لك بإذن الله)، مثل تعبيد الطرق وبناء الأسوار إن هدمت وما شابه من أعمال. أي أن لدينا نصوصاً من علماء أجلاء كأبي يوسف والماوردي والغزالي وإمام الحرمين، وبرغم أنها نصوص اجتهادية إلا أن الباحثين المعاصرين أخذوها عنهم وكأنها نصوص ذات تقديس يرقى إلى الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية والعياذ بالله تأمل المثال الآتي لهذا التقليد بالرجوع للماوردي رحمه الله.
۹۱۸ 🗏
لأن الديوان كمؤسسة كان منتشراً في كتب الفقه، فقد رجع إليه المعاصرون المهتمون بالاقتصاد الإسلامي
وكأنه مؤسسة إسلامية أتى بها الشرع وناقشوا بالتالي فكرة الضرائب من خلال الاستشهاد بما كتبه السلف والذي ما
انتشر إلا بسبب التقليد. تأمل الآتي مما كتبه منذر قحف برغم حذره. يقول في الحديث عن الإيرادات العامة العهد الراشد مستنداً لما قاله الماوردي ليصل إلى نتيجة «إمكانية » فرض الضرائب على الناس:
سبب
يلاحظ أيضاً [أي على الإيرادات العامة بعد العهد الراشد] انعدام مصدر التبرعات كبند في الإيرادات العامة، وكذلك بند الاقتراض العام. ولعل أهم . في ذلك هو كثرة الإيرادات وعدم الحاجة إلى ذلك. على أنه يلاحظ ظهور بعض الفتاوى المتعلقة بالاقتراض العام وتوظيف الوظائف المالية (أي الضرائب على الناس. فالماوردي يذكر جواز الاقتراض على بيت المال إذا كان ما يقترض له هو من نوع الديون المترتبة على بيت المال "كأرزاق الجند وثمن الكراع والسلاح" وخاف ولي الأمر الفساد في تأخير سدادها. وينقل عن الشافعي أن ولي الأمر لا ينبغي أن يدخر في بيت المال شيئاً "لأن النوائب تعين فرضها عليهم إذا حدثت أي أن له أن يفرض الضرائب المالية لسداد ما تتطلبه النوائب من نفقات. ويضيف الماوردي أن مما يستحق على بيت المال وجوه من المصالح مما يعم ضرره لو لم يقم به ولي الأمر، فإن لم يجد له المال، "كان من فروض الكفاية على كافة المسلمين حتى يقوم به من فيه كفاية كالجهاد . مما يعني جواز فرض الضرائب للقيام بهذه المصالح التي تصبح من فروض الكفاية، لو لم يكن في بيت المال ما يفي بسداد نفقاتها » . ""
۱۰۰
بعد
تلحظ مباشرة في الاقتباس السابق أن الباحث ركز على أن الماوردي رحمه الله أجاز الاقتراض على بيت المال إن كان المال لنفقات الجند والسلاح. وهذا كما وضحت في الفصل السابق في حد ذاته غير صحيح، فلا دليل نصي عند الماوردي لهذا الاستنتاج. فهل فرض الرسول صلوات ربي وسلامه عليه الضرائب على الناس؟ أم أنه حرضهم على الجهاد؟ كما مر بنا في الفصلين السابقين فإنه صلى الله عليه وسلم لم يفرض الضرائب. إن راجعت النص السابق ستلحظ أنه يقول بإمكانية فرض الضرائب عند النوائب، فهل كانت هناك نائبة نزلت بالمسلمين مثل غزوة الخندق، ومع ذلك لا وجود لأي نص أنه صلوات ربي وسلامه عليه فرض على الناس شيئاً كرهاً، بل حثهم على المشاركة في العمل، فهل إن رفض فرد المشاركة كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيجبره؟ بالتأكيد كلا. أريدك أخي القارئ أن
تتأمل الاقتباس السابق وتقارنه بالآتي للماوردي والذي رجع إليه كاتب النص السابق. يقول الماوردي:
«وأما المستحق على بيت المال فضربان: أحدهما ما كان بيت المال فيه حرزاً فاستحقاقه معتبر بالوجود، فإن كان المال موجوداً فيه كان صرفه في جهاته مستحقاً، وعدمه مسقط لاستحاقه [الاستحقاقه]. والضرب الثاني أن يكون بيت المال له مستحقاً، فهو على ضربين: أحدهما أن يكون مصرفه مستحقاً على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح، فاستحقاقه غير معتبر بالوجود، وهو من الحقوق اللازمة مع الوجود والعدم. فإن كان موجوداً عجل دفعه كالديون مع اليسار؛ وإن كان معدوماً وجب فيه على الإنظار كالديون مع الإعسار. والضرب الثاني: أن يكون مصرفه مستحقاً على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل، فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم، فإن كان موجوداً في بيت المال وجب فيه وسقط فرضه عن المسلمين، وإن كان معدوماً سقط وجوبه عن بيت المال وكان إن عم ضرره من فروض الكفاية على كافة المسلمين حتى يقوم به منهم من فيه كفاية كالجهاد، وإن كان مما لا يعم ضرره كوعورة طريق قريب يجد الناس طريقاً غيره بعيداً، أو انقطاع شرب يجد الناس غيره شرباً. فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم . سقط وجوبه عن الكافة لوجود
۹
المكو
البدل. فلو اجتمع على بيت المال حقان ضاق عنهما واتسع لأحدهما صرف فيما يصير منهما دينا فيه، فلو ضاق عن كل واحد منهما جاز لوالي [لولي] الأمر إذا خاف الفساد أن يقترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون الارتفاق، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذاً بقضائه إذا اتسع له بيت
المال. ... » .
1-1
۹۱۹
تلحظ مما قاله الماوردي رحمه الله أنه لم يقل قط بفرض الضرائب. بل وضح أنه إن كان ما يراد النفقة عليه من الضروريات ولكن لا يعم ضرره مثل إصلاح طريق وعرة ويجد الناس طريقا غيرها، فإنه لا تفرض الضرائب على الناس. كما أن الماوردي قال أيضاً أن نفقات الجند يجب الانتظار عليها لأنها «كالديون مع الإعسار» إن لم يكن في بيت المال مال، ولم يقل بفرض الضرائب. وهذا مخالف لما استنتجه الباحث (منذر قحف). فما قاله الماوردي في النفقات التي بها ضرر إن لم يقم بيت المال بدفعها هو وكان إن عم ضرره من فروض الكفاية على كافة المسلمين حتى يقوم به منهم من فيه كفاية كالجهاد». هنا لعل الباحث من هذه العبارة استنتج أن الجهاد نوعان، جهاد طلب وجهاد ،دفع، وجهاد الدفع فرض عين، لذلك فإنه بالقياس قد تفرض الضرائب على الناس. وهذا كما رأينا وسيأتي أيضاً بإذن الله ليس صحيحاً، فإن الناس مطالبون بالتلبية لنداء الجهاد لأنه فرض عين عليهم، إلا أن التلبية يجب أن تأتي من الناس. وشتان بين الحالين. ولكن في جميع الأحوال، فإنه لا يجوز الرجوع للماوردي إن لم يكن لدى الماوردي دليل. وهذا أستاذ آخر في الاقتصاد (الحسن الداودي) ، وبالرجوع لنص آخر للماوردي عن العمل العسكري، زاد الخروج عن الشريعة بالاستناد إلى كلام الماوردي وكأنه دليل شرعي، يقول الباحث: ولكن انطلاقاً من واقعنا يمكن لموارد الزكاة أن تعجز عن تغطية كل النفقات اللازمة. وهنا يتأتى الدور التكميلي الذي يجب أن تلعبه موارد الدولة في إطار السياسة المالية. وفعالية الزكاة كأداة محلية تقتضي نهج اللامركزية بمفهومها الحقيقي، وهو ما حدث فعلاً في التاريخ الإسلامي في إطار انسجام تام مع السياسة المالية العامة. وخير دليل على ذلك هو ما كتبه الماوردي في الولاية العامة عندما أظهر أن من بين مهام الوالي: «النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقرير أرزاقهم إلا أن يكون الخليفة قدرها فيدرها عليهم " و " جباية الخراج وقبض الصدقات وتقيلد العمال فيها». إن دراسة هذه الصلاحيات تظهر فعلاً مدى استقلالية "الناحية" إذ إن للوالي مثلاً تقدير الأجور مع الزيادة فيها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، أي للحفاظ على طاقتها الشرائية ولكن ليس له أن يزيد فيها هدف تحسين مستواها نظراً لما لهذا النوع من المبادرات المحلية من انعكاسات سلبية على التوازن العام الذي هو من اختصاص السياسة المالية للدولة، وما يجري على الأجور يجري كذلك على توزيع الصدقات محلياً إذ إن مستوى الفقر له محتوى محلي كما له محتوى وطني
۱۰۲
.«...
إن ما يحاول الباحث فعله في الاقتباس السابق هو إيجاد تقسيم جديد للاقتصاد الإسلامي. فهو يميز بين ما هو محلي وما هو وطني أو قومي. فبالقياس على صلاحيات الوالي التي ذكرها الماوردي في جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيها ثم ترتيب النفقة على الجيوش إن لم يقدرها الخليفة فإن في هذه الصلاحية دون الزيادة في الطاقة الشرائية حتى لا يتأثر الاقتصاد العام للدولة، منظور مفعم باللامركزية شريطة ألا يؤثر ذلك على السياسة المالية للدولة. تأمل كيف أن الباحث دخل من ثغرة صغيرة قال بها الماوردي هي أصلاً وضعت من غير دليل! ثم لاحظ كيف أوجد بعد ذلك اقتصاداً إسلامياً يتسم بصفتي المحلية والوطنية. وهذا التقسيم يعني في الغالب أن الدولة هي المسيطرة على الاقتصاد حتى يأخذ هذا التقسيم حيز التنفيذ. وكما سترى في الفصل القادم فإنه
۹۲۰ 🗏
لا حدود بين جميع المناطق الإسلامية، فلا اقتصاد محلي وآخر وطني حينئذ. أريدك أخي القارئ الآن أن تتمعن في التالي مما مما كتبه الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» لأنه أصبح من أهم النصوص التي رجع إليها الباحثون لاستقاء استنتاجاتهم، قال الماوردي رحمه الله:
«فأما الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فضربان عام وخاص فأما العام فكالبلد إذا تعطل شربه
الاجتياز بهم
أو استهدم سوره أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات، فكفوا عن معونتهم. فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم فيه ضرر أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم وبمعونة بني السبيل في فأما لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم. وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم. إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل فيهم متوجهاً إلى كافة ذوي المكنة منهم، ولا يتعين أحدهم في الأمر به. وإن شرع ذوو المكنة في عملهم وفي مراعاة بني السبيل وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ولا في بناء ما كان مهدوما، ولكن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترم والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعهم إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب ليأذن لهم في هدمه بعد تضمينه القيام بعمارته، وجاز فيما خص من المساجد في العشائر والقبائل ألا يستأذنوه، وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه فأما إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما استرم، فإن كان المقام في البلد ممكناً وكان الشرب وإن قل مقنعاً تاركهم وإياه. وإن تعذر المقام في البلد لتعطيل شربه واندحاض سوره نظر فإن كان البلد ثغراً يضر بدار الإسلام تعطيله لم يجز لولي الأمر أن يفسح في الانتقال عنه، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة به، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به وترغيب أهل المكنة في عمله. وإن لم يكن هذا البلد ثغراً مضراً بدار الأسلام كان أمره أيسر وحكمه أخف، ولم يكن هذا للمحتسب أن يأخذ أهله جبراً بعمارته لأن السلطان أحق أن يقوم به، ولو أعوزه المال فيستجده، فيقول لهم المحتسب ما استدام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه، فإن أجابوه إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم، ولم يجز أن يأخذ كل واحد منهم في عينه أن يلتزم جبرا ما لا تسمح به نفسه من قليل ولا كثير، ويقول: ليخرج كل واحد ما سهل عليه وطاب نفساً . ا به. ومن أعوزه المال أعان بالعمل حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو يلوح اجتماعها لضمان كل واحد من أهل المكنة قدراً طاب به نفساً شرع حينئذ في عمل المصلحة وأخذ كل ضامن من الجماعة بالتزام ما ضمنه. وإن كان مثل هذا الضمان لا يلزم في المعاملات الخاصة لأن حكم ما عم من المصالح موسع فكان حكم الضمان فيه أوسع. وإذا عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته، فإن قلت وشق استئذان السلطان فيها أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان».
منهم .
۱۰۳
إن قارنت الاقتباس السابق مع ما تم ذكره من أهداف الاقتصاد الإسلامي وما قاله منذر قحف عن الهدف الثالث من الأمر العام بالمعروف والنهي العام عن المنكر مثل الأمر بتعمير بئر تهدمت في قرية ما وهي المصدر الوحيد للماء، ستلحظ أن مسألة الأمر العام بالمعروف هي من المداخل الجيدة لكل من يحاول تحديث الاقتصاد الإسلامي (كما فعل منذر قحف)، وذلك لأن معايير الأمر العام بالمعروف والنهي العام عن المنكر معايير مطاطة تتغير بتغير الزمان. فسيستطيع أي باحث القول بأنه إن تهدمت المصحة فإنه لابد من إعادة بنائها، وإن لم توجد
المكون
۹۲۱
مصحة فلابد من إيجادها لضرورتها، وإن لم توجد أموال في بيت المال فعندها فلا حرج من فرض الضرائب على المقتدرين من الناس، وهكذا بالتدريج تتغير مقصوصة الحقوق من باب الأمر العام بالمعروف. وهذا ما قاله منذر قحف عندما تحدث عن البئر المتهدمة ولا ماء إلا منها، فقد قال: «هنا يأتي الأمر العام بالمعروف والنهي العام عن المنكر. فإن المحتسب أو الدولة الإسلامية تعمر ذلك البئر ، فإن لم يكن لديها مال في بيت مال المسلمين فرضت ذلك على أغنيائهم .. فتأخذ من الأغنياء لتقيم بناء البئر». وهل فرض الأموال على الأغنياء إلا نوع من أنواع الضرائب؟ هل رأيت كيف تغلغلت الضرائب إلى الاقتصاد الإسلامي من خلال تقديس نصوص من سبق؟ أما إن راجعت ما قاله الماوردي ستجد أنه جد حذر في إطلاق مثل هذه الأحكام برغم أن هذه الأحكام التي وضعها ليست مدعومة بآية قرآنية أو بحديث نبوي. فهو يقول مثلاً أنه إن لم يكن البلد ثغراً مضراً بدار الإسلام وتعطل سوره فإن على السلطان عمارته، وليس له أن يجبر السكان على ذلك، فإن لم يقم السلطان بذلك فإن على السكان القيام به أو الرحيل من البلدة. فإن أجاب السكان المحتسب للقيام بعمارة ما تهدم من السور، فعندها كما يقول الماوردي: . «كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم». ومثل هذه العبارة التكليفية هي ما يأخذها الباحثون المعاصرون كمصدر تشريعي للإضافة للاقتصاد الإسلامي. وهكذا تتغير مقصوصة الحقوق بالتقليد.
بسبب
مثال آخر من نص الماوردي السابق: وماذا إن كانت القرية ذات موقع إستراتيجي وثغر مهم من ثغور المسلمين، فإن في ترك سورها دون صيانة خطر كبير لأن الأعداء قد يقتحمون القرية من الجهة المندحض فيها السور، ثم بعدها يتحصنون في القرية وتكون موقع قدم لهم لغزو قرى أخرى وهكذا قد تفرط المسألة. اندحاض صغير في السور. إن هذه ضرورة قصوى لذلك لا تقاس عليها مسائل الأمر العام بالمعروف لجمع الضرائب مثل بناء المصحات. إلا أن الأهم هو الآتي: إن ما أطرحه في كتاب «قص الحق» هو أن مثل هذه الفرضية لن تحدث أبداً إن طبقت مقصوصة الحقوق. وذلك لأنه مع فتح أبواب التمكين فإن قيم الناس تزداد سمواً ويزدادون إيماناً لأن الذين يحكمون الناس من السلاطين هم في العادة من الفقهاء الربانين وذلك لأن التقسيم الخطي (أو الدولي أو المناطقي أو الإقليمي أو الجهوي) كما سترى بإذن الله في العالم الإسلامي سيؤدي إلى ظهور هؤلاء العلماء الراسخين في العلم كحكام. فقط تذكر مسألة واحدة: هل اكترث المسلمون أيام الخلافة الراشدة بثقب أو هدم في سور خوفاً على أنفسهم، أم أنهم كانوا آمنين؟ تجد أن الإجابة هي أنه مع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن المسلمين لن يحتاجوا للأسوار خوفاً كالنعاج، بل هم سيهددون غير المسلمين من حولهم والذين لن يأمنوا أنفسهم من المسلمين إلا بدفع الجزية. وهكذا فلن تجد لفرض الضرائب طريق على المجتمع المسلم. أي بمثل هذه التجاوزات المتراكمة تتغير مقصوصة الحقوق من خلال مسمى: «الاقتصاد الإسلامي». ولتتأكد من هذا، لاحظ الآتي على تقديس نصوص من سبق دون الرجوع لقال الله عز وجل وقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وفعل. فمن الاقتباس السابق للماوردي يستنتج الدكتور حسن صادق حسن قائلاً:
«فعلى الأساس السابق للمحتسب أن يجمع الأموال في الحالتين الآتيتين، أ) الإنفاق على صيانة المرافق العامة الضرورية إذا لم يكن في بيت المال ما يكفي من الأموال لهذا الغرض. ب) ولإعانة بني السبيل إذا لم يكن هناك في بيت المال نصيب يفي بهذا الغرض
١٠٤
ثم يقول في موضع آخر من بحثه مستنتجاً عناصر النفقة العامة في الفكر المالي الإسلامي:
۹۲۲ 🗏
«لعل أوضح من حدد عناصر النفقة العامة في الفكر الإسلامي الإمام أبو الحسن الماوردي في كتابه المالي "الأحكام السلطانية" إذ يقول: "وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في جهته صار مضافاً إلى الخارج من بيت المال سواء خرج من حرزه أو لم يخرج لأن ما صار إلى عمال المسلمين أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جار عليه" ومن هذا النص تبين أن العامة تحقيق المصالح حق وواجب على بيت المال، فإذا وجهت الأموال العامة إلى تحقيق هذه المصالح بواسطة عمال الدولة كانت هذه الأموال نفقات عامة، وبتعبير الماوردي: "فإذا صرف في جهته صار مضافاً إلى الخارج من بيت المال" فالنفقة العامة في الفكر المالي الإسلامي إذاً تتكون من العناصر التالية: أ) استخدام المال؛ ب) أن يكون هذا المال خارجاً من أيدي عمال المسلمين؛ ج) أن يكون هذا المال من حقوق بيت المال أي من الأموال العامة؛ د أن ينفق هذا المال في تحقيق مصالح المسلمين ..... أما العنصر الرابع والأخير فهو ما يسيغه الفكر المالي الإسلامي بصفة العمومية على النفقة إذا استهدفت النفع العام والمصلحة العامة. أي إنفاق المال العام في المصالح العامة، فالهدف من الإنفاق العام هو تحقيق المصالح العامة وسد الحاجات العامة التي يعود سدها بالنفع على جميع المواطنين وليس على فرد منهم بذاته ...».
1.0
لعلك لاحظت كيف أن المسألة تدرجت ودون ذكر أي دليل من القرآن الكريم أو السنة المطهرة لتنتهي بنظام اقتصادي تحدد فيه الدولة ماهية المصلحة العامة. أليست هذه هي ما تدعيه الدول المعاصرة؟ فما الفرق بين الاقتصاد إن طبق الإسلام وبين أي نظام مالي آخر في العالم إن تدخل العقل القاصر في الحكم على تحديد المصالح؟ للإجابة تأمل الآتي : فنفس الباحث د. حسن صادق حسن) يقول بإمكانية وجود دور إيجابي للدولة من خلال
التدخل المالي كأداة تستخدم في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة. فهو يقول:
«ويقرر الإمام أبو يوسف مبدأ استخدام النفقة العامة في تحقيق الأهداف الاقتصادية بقوله إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد: رأيت أن تأمر عمال الخراج إذا أتاهم قوم من أهل خراجهم كروا لهم أن في بلادهم أنهاراً عادية قديمة وأرضين كثيرة غمره وأنهم إن استحفروا لهم تلك الأنهار، واحتفـروها وجرى الماء فيها عمت هذه الأرضين الغامرة وزاد في خراجهم، أكتب بذلك إليكم فأمرت رجلاً من أهل الخير والإصلاح يوثق بدينه وأمانته، فتوجه بذلك حتى ينظر فيه، ويسأل أهل الخبرة والبصيرة، فإذا اجتمعوا على أن في ذلك صلاحاً وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد فإنهم إن يعمروا خيراً من أن يخربوا» . " .
1.7
أريدك أن تتدبر الاقتباس السابق. فهو باستخدام نص من أبي يوسف يقلب المسائل رأساً على عقب. فما أحاول إثباته هو أن الناس كل في موقعه إن تمكنوا في حال تطبيق مقصوصة الحقوق فإنهم سيهبون للعمل لما فيه خيرهم، فقط لأنهم متمكنين ويسعون لما فيه صالحهم، أي أنهم سيحتفرون الأنهار إن كان في ذلك زيادة لهم في الغلة بزيادة الرقعة الزراعية أو زيادة كمية الماء على نفس الرقعة، وهكذا من مسائل زراعية ومسائل أدق منها لن يدركها إلا كل مالك في موقعه. وهنا ترى أن نص أبي يوسف يهيب بالخليفة بأن يقوم عمال الخراج، أي موظفو الدولة بعد مشاورة أهل الخبرة والبصارة بحفر الأنهار حتى يزداد الخراج على أن تكون النفقة من بيت المال ولا تُحمل على أهل البلد «فإنهم إن يعمروا خيراً من أن يخربوا». والسؤال هنا هو: أليست هذه هي نفس البيروقراطية التي تحاول الشريعة تلافيها كما سترى بإذن الله. فعندما يأمر الخليفة عمال الخراج بحفر بئر من مال بيت المال، ستفتح جميع الأبواب للسرقات. فقد يتخذ أهل الخبرة قراراً بحفر هذا النهر وليس ذاك، أو تعميق هذا النهر وليس
المكو
۹۲۳
ذاك بناءً على علاقات فردية أو تودد سكان قرية ما وهكذا. ثم يأتي التنفيذ الذي هو بحاجة للأموال والتي ستعطى لشركات للتنفيذ وتحت عطاءات بيروقراطية، والأهم هو السؤال: من أين ستأتي الأموال لإنهاء مثل هذه المهام؟ والإجابة هي: من المزيد من الضرائب أو المزيد من الخراج في عهد الإمام أبي يوسف، إذ أن الأراضي وبالذات أراضي السواد لم تقسم بين الغانمين ولكنها حفظت للدولة. فإن قسمت لما كان هناك مال في بيت المال إلا من المكوس. وقد ذكرت سلبيات عدم التقسيم في الفصول السابقة بأن الخراج كان في نقصان عام بعد عام. والمسألة باختصار أنه إن لم تطبق مقصوصة الحقوق واجتمعت الأموال في بيت المال فلابد من إنفاقها، فعندها فإن كل فرد يعمل فيما هو ليس له، أو يتخذ قراراً هو ليس له بالكلية مثل قرار الدولة وتنفيذها لحفر نهر لقوم في قرية ما بأموال حبيت من قرية أخرى. وهذه آفة عظمى كما سترى بإذن الله، أما مع تطبيق الشريعة، فإن كل قرار اقتصادي أو عمراني هو بيد صاحب المصلحة كما سأثبت لك بإذنه تعالى. ولعلك هنا تسأل عن المحتسب الذي ذكر سابقاً، فما هو دوره إذا إن لم يتمكن من فرض بعض الأعمال أو أخذ الأموال للقيام ببعض المهام الضرورية للمجتمع مثل رصف طريق؟ فأجيب: كل ما أطلبه هو الانتظار، إذ أن توضيح دور المحتسب سيأتي بإذن الله، ولكن باختصار فإن دوره في الأساس هو عمل منصب على تتبع القيم للأمر بالمعروف ولإنكار المنكر، وليس التدخل لتنظيم الاقتصاد أو العمران رغماً عن الناس حتى ولو تغيرت مقصوصة الحقوق كما استنتج الباحثون. وأخيراً لنأخذ المثال الآتي من البلاطنسي وأبي حامد الغزالي: فعندما تجمّع المال في بيت المال بسبب المكوس كان على الفقهاء ألا يسكتوا عن مصارفه لأنهم يرون السلاطين يتلاعبون بها كما قلت، فهبوا لإيضاح مصارف هذه الأموال لما فيه صلاح المسلمين. فتأمل الآتي من كتاب «تحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال» للحافظ البلاطنسي وهو يستشهد بقول الإمام أبي حامد الغزالي وكأنه نص شرعي للإجابة على السؤال: من يستحق الرزق، أي العطاء؟ (وبإمكانك أخي القارئ قفز هذا الاقتباس والتعليق عليه لأن فيه تكرار لبعض السابق):
«من يستحق الرزق؟ والآن فقد اعتقد الجهال أن للسلطان أن يعطي من بيت المال ما شاء لمن شاء، ويقف ما شاء على من يشاء، ويرزق ما شاء لمن يشاء، من غير تمييز بين مستحق وغيره ولا نظر في مصلحة، بل بحسب الهوى والتشهي، ويعتقدون استحباب ذلك وأنه بر وصدقة، وهو . خطأ صريح وجهل قبيح، فإن أموال بيت المال لا تباح بالإباحة. قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: لا يجوز صرف شيء من أموال بيت المال إلا إلى من فيه مصلحة عامة أو هو محتاج عاجز عن الكسب. فأما الغني الذي لا مصلحة فيه فلا يجوز صرف مال بيت المال إليه. نعم، كل من يتولى أمراً يقوم به تتعدى مصلحته إلى المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية. فيدخل فيه العلماء كلهم أعني العلوم التي تتعلق بمصالح الدين من علم الفقه والحديث والتفسير والقراءة، حتى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون، وطلبة هذه العلوم أيضاً يدخلون فيهم، فإنهم إن يكفوا لم يتمكنوا من الطلب، ويدخل فيه العمال وهم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم وهم الأجناد المرتزقة الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة وعن أهل البغي أعداء الإسلام، ويدخل فيه الكتاب والحساب والوكلاء وكل من يحتاج إليه في ترتيب ديوان الخراج، أعني العمال على الأموال الحلال لا على الحرام، فإن هذه للمصالح. والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا، وبالعلماء حراسة الدين، وبالأجناد حراسة الدنيا والدين والملك توأمان، لا يستغني أحدهما عن الآخر، والطبيب أيضاً، وإن كان لا يرتبط بعلمه أمر ديني، ولكن يرتبط به صحة الجسد، والذي يتبعه، فيجوز أن يكون له ولمن يجري مجراه في العلوم المحتاج إليها في مصلحة
وعن
ص
٩٢٤ 🗏
الأبدان أو مصلحة البلاد إدرار من هذه الأموال ليتفرغوا لمعالجة المسلمين، أعني من يعالج منهم بغير أجرة ، وليس يشترط في هؤلاء الحاجة، بل يجوز أن يعطوا من الغنى، وكذلك للسلطان أن يخص من هذا المال ذوي الخصائصة بالخلع والجوائز، فقد كان يفعل ذلك في السلف، ولكن ينبغي أن يلتفت فيه إلى المصلحة، ثم ذكر الغزالي إشكالين، أحدهما : أن السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته، وهو إما معزول أو واجب العزل، فكيف يجوز أن يأخذ من يده وهو على التحقيق ليس بسلطان،ش الثاني: أن السلطان إذا لم يعم بالعطاء كل مستحق كيف يجوز للواحد أن يأخذ منه، ثم أجاب بما حاصله : أن القياس له أن يأخذ ما يعطيه وهو حقه والباقي مظلومون. ثم قال في أخرى: وقد يحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا وأخذ من السلطان خلعة أو إدراراً على التركات والجزية لم يصر فاسقاً بمجرد أخذه، وإنما يفسق بخدمته لهم ومعاونته إياهم ودخوله عليهم وثنائه وإطنابه لهم إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال
غالباً إلا بها .
۱۰۷
.«...
تلحظ مباشرة أن الغزالي أفتى بأنه «لا يجوز صرف شيء من أموال بيت المال إلا إلى من فيه مصلحة عامة أو هو محتاج عاجز عن الكسب». وهذا بالطبع مناف لمقصوصة الحقوق، ذلك أن مصارف الأموال كما حاولت أن أثبت في الفصول السابقة محددة بالآيات الثلاث (الصدقات والغنائم والفيء)، وأنه إن كان هناك فائض عن حقوق المسمين في الآيات الثلاث، وهذا نادر جداً، فإنه عندئذ يمكن النظر في مسألة المصلحة العامة. أما إدخال المصلحة العامة بالطريقة التي نص عليها الغزالي ( في معادلة الإنفاق بهذه الأولوية التي تقدمت فيها المصلحة العامة على المسمين في الآيات الثلاث فإنه يعطي السلطان الحق في تحديد هذه المصلحة، وهذا باب من أبواب الأهواء الذي حرصت الشريعة على إقفاله من خلال تسمية المستحقين. ثم بعد ذلك وضح المؤلف أنواع المصلحة وأنها تشمل الإنفاق على كل من يتولى أمراً تتعدى مصلحته إلى المسلمين حتى وإن اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه، فله في بيت المال حق الكفاية». فهل أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم من كان له كسب من بيت المال وتعطل، مقابل عمل قام به للمسلمين؟ أم أن جل الأعمال كانت تطوعية؟ ثم أدخل المؤلف في هؤلاء الذين يستحقون الأخذ من بيت المال تحت مظلة المصلحة العامة جميع العلماء والمؤذنين وطلبة العلم. فهل دفع الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال بن رباح رضي الله عنه مالاً مقابل قيامه بالأذان؟ أو هل دفع أي شيء لأي صحابي عالم ؟ ثم أدخل المؤلف «الأجناد المرتزقة الذين يحرسون المملكة بالسيوف». وهذا كما رأينا في فصل «الديوان» يؤدي لتحول العمل العسكري من عبادة إلى وظيفة، أي أنه ابتداع. وأدخل المؤلف أيضاً الكتاب والحساب والوكلاء وكل من يُحتاج إليه في ترتيب ديوان الخراج. أي أن البيروقراطيين أصبح لهم نصيب من بيت المال. فهل حدث هذا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ثم أدخل المؤلف الأطباء. فإن تم تطوير مثل هذه المصالح العامة، فبالقياس فإن للدولة القيام بدفع مرتبات الأطباء وموظفي الدولة في الوزارات المختلفة وهكذا تظهر الدولة بمفهومها الحديث والتي لن تستطيع الدولة تحمل نفقاتها إلا من خلال مصادر دخل مستمرة مثل الضرائب أو امتلاك الأصول المنتجة، وفي هذا مزاحمة للناس. والعجيب هو أن المؤلف بعد أنه لا تُشترط الحاجة في هؤلاء الذين يأخذون المال من بيت المال،
هامش
ذلك
وضح
ص) قال المحقق: الحساب هم أرباب الدواوين. ق) قال المحقق: يعني من الأشراف والعلماء والصالحين».
ر) قال المحقق بالخلع السنية والخلع جمع خلعة، والخلعة بالكسر
ما يخلع على الإنسان وخيال المال». ش) قال المحقق: لأن الشرع قد عزله لظلمه.
المكوس
۹۲۵
بل يجوز أن يعطوا من الغنى». فهل أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم أي غنياً مالاً مقابل خدماته للمسلمين؟ ثم أخيراً أعطى المؤلف للسلطان الحق في تخصيص الأشراف من الناس بالخلع، مثل الجوائز. إن هذه لثغرة قد يدخل منها أي سلطان ليعطي من يشاء برغم أن المؤلف يقول أنه يجب أن يُلتفت فيها إلى المصلحة. فكل سلطان سيحدد بنفسه المصلحة فيمن يرى أنه يستحق مثل هذه الجوائز أو أن حاشيته التي هي من شاكلته ستحدد له ذلك. بالطبع إن تم إعطاء السلطان مثل هذه الصلاحيات فإن كرسي الحكم ذو بريق يجذب الكثير للوصول إليه حتى يتمرغوا بأموال بيت المال أو بالصلاحيات الواسعة التي تجلبها أموال بيت المال. فلا عجب إن وصل الحثالي للحكم لأنهم مثابرون. لذلك فإن الغزالي أثار إشكاليتين: الأولى مطالبته السلطان الظالم بترك المنصب لأنه معزول شرعاً بسبب ظلمه. فهل يمكن أن يحدث هذا ؟ أي هل يمكن أن يترك سلطان ورث السلطة أو سعى للسلطة كرسي الحكم؟ إن هذا الحلم. ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾. تدبر قوله تعالى: ﴿وَتَنزِعُ﴾ . ففيها تأكيد على أن الناس يتشبثون بالحكم ولا يتركونه إلا أن ينتزعه الله منهم انتزاعاً. حلم آخر: ثم يثير الغزالي إشكالية أخرى وهي أن السلطان إذا لم يعم بالعطاء كل مستحق كيف يجوز للواحد أن يأخذ منه؟»، ثم أجاب بما حاصله أن القياس له أن يأخذ ما يعطيه السلطان، وهو حقه، أما الباقي من المستحقين الذين لم يأخذوا فإنهم مظلومون. ثم يوضح ، وكأنه اشتراطاً، أن من أخذ فليس له الحق في معاونة السلطان أو الثناء عليه. وهذا حلم أيضاً لأن من يأخذون في العادة هم الذين يعينون السلطان على ضياعه ويثنون عليه.
بالإضافة للرجوع لكبار الفقهاء مثل الماوردي والغزالي، فقد رجع بعض الباحثين إلى نصوص أخرى لتطوير الاقتصاد الإسلامي كما يعتقدون . فمن هذه النصوص التي تم الرجوع إليها بنوع من التقديس كتاب ابن خلدون. فهذا د. حسن صادق حسن يتأثر بما كتبه ابن خلدون في مقدمته، فهو يعزو النفقة العامة، أي نفقات الدولة، كوسيلة لزيادة الدخل القومي والثروة، وأداة للعمران والتقدم فهو يقول بأن النفقة، أي نفقة الدولة
«تعمل على حفز النشاط الاحتياجي وزيادة الإنتاج وعرض السلع وترفع معدلات الطلب والعمالة، وتحفز الحركة في السوق وتضاعف الثروة المالية المتداولة، وتضخم انسياب الأموال إلى الخزانة العامة وتزيد من بنود الإيرادات في الميزانية بالاقتطاعات التي تتم بالضرائب والقروض والرسوم، مما يؤدي بالتالي إلى تزايد الدخل القومي والثروة والفكر المالي الإسلامي لا يرى في الإنفاق العام عامل تحطيم للثروة وللقيم بل حافزاً لها - وهو بهذا خالف موقف الفكر المالي الوضعي وهو لا يرى في الإنفاق العام عامل استهلاك الجزء من ثروة المجتمع، بل عامل حفز وإنتاج للثروة، ولذا فهو يقرر وجوب مضاعفة الإنفاق العام حتى لا يعم الكساد وتتوقف حركة النمو في القطاعات الإنتاجية المختلفة، ومن ثم ينقص العمران ويحل الخراب».
۱۰۸
ولتوثيق استنتاجه هذا فإن الباحث يرجع لنص لابن خلدون بقوله (لاحظ أنني قد نقـدت النص سابقاً في فصل «الديوان»):
«ولعل أفضل من عبر عن ذلك من المفكرين المسلمين العلامة ابن خلدون الذي عقد فصلاً في مقدمته بعنوان "نقص العطاء (النفقات العامة) نقص الجباية" يقول فيه: «في أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية، والسبب في ذلك أن الدولة والسلطان . هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران، فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم تصرفها في مصارفها قل حينئذ ما
٩٢٦
بأيدي الحاشية والحامية وانقطع أيضا ما كان يصل منهم الحاشيتهم وذويهم، وقلت نفقاتهم جملة، وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق ممن سواهم، فيقع الكساد حينئذ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك، لأن الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات ونفاق الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج، فإن الدولة كما قلناه هي السوق الأعظم، أم الأسواق كلها وأصلها ومادتها في الدخل والخرج، فإن كسدت وقلت مصارفها فأجدر بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد
منه، وأيضا فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان منهم إليه ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية، سنة الله في عباده» . " .
1.9 🗏
لاحظ أخي القارئ أن نص ابن خلدون يبتدئ بعبارة «نقص العطاء»، وقد فُسرت على أنها النفقات العامة، والعطاء كما هو معلوم الإنفاق ولكن ليس بالضرورة من خلال آليات الدول المعروفة الآن من أنظمة وقوانين، ولكنها كما تعني الكلمة أعطيات من السلطان إلى من يعملون معه أو له حتى وإن كان ذلك في المصلحة العامة. وهذا واضح من النص الذي يقول فيه ابن خلدون: «قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية، وهم معظم السواد، ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق من سواهم». ففي هذا النص إشارة إلى أن القوة الشرائية هي بأيدي من يعملون للسلطان ومن حولهم كما مر بنا في فصل «الديوان».
هكذا فمن خلال تقديس بعض النصوص وجد بعض الباحثين ضالتهم في إيجاد منافذ تمكنوا منها من وضع أحكام مستحدثة لأموال بيت المال أو إيجاد معايير تضاف إلى ما تمت تسميته بالاقتصاد الإسلامي. وكلما قرأت أكثر كلما ازددت قناعة أنه لا فرق بين أمة ذات اقتصاد إسلامي في وضعنا المعاصر وبين الأمم الأخرى كالرأسمالية اقتصادياً إلا في بعض المحرمات مثل منع مصانع النبيذ ومنع بيع الخمرة وتسويقها. حتى القيم فإنها عادة ما تنهار بتغير مقصوصة الحقوق إلى منظومات غير إسلامية لتصبح القيم غير إسلامية برغم صلاة الناس وصيامهم. وبالطبع حتى يتمكن أي نظام قائم على الدولة كمؤسسة تسيطر على الاقتصاد، فإنه لا مفر من إيجاد موارد مستمرة لتمويل نفقات الدولة كالضرائب وامتلاك المعادن، وسنبدأ بالضرائب.
الضرائب: الفقهاء
الأسماء
من الواضح أخي القارئ من السابق أنني أنقد الضرائب بشدة لأنها بالنسبة لمقصوصة الحقوق ابتداع مستحدث ما أنزل الله به من سلطان يقلب الأمور رأساً على عقب. بل «الضرائب» بالتأكيد اسم من المبتدعة التي ستؤدي للخروج عن الملة بالضرورة، فالضرائب هي المكوس بعينها، إلا أنها أعطيت أسماء مختلفة حتى لا يهاجمها من هم ضدها فتأخذ نوعاً من الشرعية من خلال اسم غير المكوس. فمن هذه الأسماء مثلاً ضرب الخراج أو توظيف الخراج أو أخذ المال من الرعية. تذكر ما قلناه سابقاً عند الحديث عن قوله تعالى في سورة النجم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾. لذلك فلابد لنا من المزيد من التقصي عن الضرائب وكيفية تسللها للفقه الإسلامي لعل فقيهاً ربانياً يتصدى للمسألة ويوضح للأمة هل هي بالفعل بدعة كما أزعم أم أنها ضرورة تلائم تغير الزمان؟
.
.
المكون
۹۲۷
إن الديوان هو من أهم جذور تسلل الضرائب إلى الفكر الاقتصادي الإسلامي وبحسن نية. كيف؟ عندما تحول العمل العسكري من عبادة إلى وظيفة بسبب الديوان، ضعفت الأمة كما أشرت في فصل «الديوان» وسيأتي تأكيده بإذن الله، ولأنها كانت ضعيفة فقد كانت الأمم الأخرى تنهشها من كل جانب. أي قد تأتي على المسلمين عصور ضعف فعندها فإن السلطان قد يحاول الاستعانة بالفقهاء حتى يجيزوا له فرض المزيد من المكوس على الناس حتى تجمع الأموال لتجهيز جيش قوي يتمكن من الدفاع عن المسلمين في تلك الناحية. هنا في مثل هذه العصور المشوبة بالضعف وجد الفقهاء أنفسهم في حيرة من طلبات السلاطين وبالذات إن كانوا عدولا، فهل يفتون بجواز المكوس لأن أموال الفيء لا تغطي تجهيز الجند ونفقاتهم ؟ أم يمنعون السلاطين من أموال الناس وتتعرض نساء وديار المسلمين للاغتصاب؟ إنها في نظرهم ضرورة ما بعدها ضرورة. فما الحل إذاً في نظرهم والإسلام حذر من المكوس تحذيراً شديداً؟ فالإسلام لم يفرض على الناس الضرائب لا في آية ولا في حديث والمسلمون في خطر؟ (ولكن تذكر أن هذه الضرورة لم تنشأ إلا لأن الشريعة لم تطبق أصلاً لأن العمل العسكري أصبح وظيفة، تذكر مثال الإيدز)، يقول الدكتور العبادي واصفاً ما حدث في الأندلس:
«حدث في الأندلس أن احتاج أمير المسلمين يوسف بن تاشفين للمال من أجل تجهيز الجيوش ومدافعة الأعداء، ولم يكن في بيت المال ما يكفي لسد نفقات ذلك؛ فجمع العلماء والقضاة، وكان منهم أبو الوليد الباجي، وسألهم في ذلك، فأفتوا بأن له أن يأخذ من المسلمين ما يفي بتلك الحاجات. ثم أرسل في طلب المعونة من المسلمين على ما هو فيه من جهاد، وذكر لهم أن جماعة من العلماء أفتوه بجواز طلب ذلك، اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه. ووصل الكتاب إلى أهل المرية، فقال أهل المرية لقاضي بلدهم، وهو أبو عبد الله بن الفراء، أن يكتب جوابه، وكان هذا القاضي من الدين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: أما . ا بعد. ، ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة، وتأخري عن ذلك، وأن أبا الوليد الباحي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي اقتضاها، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره، ولا يشك في عدله، وليس أمير المؤمنين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل، فالله سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاه عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت المال للمسلمين ينفقه عليهم؛ فلتدخل المسجد الجامع هناك بحضرة أهل العلم وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسلمين وحينئذ تستوجب ذلك، و ، والسلام».
۱۱۰
الله
عنه
أي أن الفقهاء وجدوا أنفسهم في حرج للموافقة على الضرائب. وهذا ما حدث أيضاً مع النووي رحمه الله وأثابه على وقفاته. يقول العبادي واصفاً:
«لما خرج السلطان الظاهر بيبرس إلى قتال التتار بالشام أخذ فتاوى العلماء بأنه يجوز له أخذ مال الرعية، ليستنصر به على قتال العدو، فكتب له فقهاء الشام بذلك. فقال: هل بقي أحد؟ فقيل: نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي. فطلبه فحضر. فقال: اكتب خطك . مع الفقهاء. فامتنع. فقال: ما امتناعك؟ فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقار، وليس لك مال، ثم منّ الله عليك وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مائتا جارية، لكل جارية حق من الحلي فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت المماليك بـالـبـنـود والـصـوف بدلاً عن الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية. فغضب الظاهر،
سبب
۹۲۸ 🗏
وأخرجه من دمشق. فقال الفقهاء: إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا. وقال النووي: ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء ما دام في بيت المال شيء من نقد أو متاع أو أرض أو ضياع تباع أو غير ذلك، وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله أنصاره متفقون على هذا، وبيت المال
معمور ...».
بحمد
الله
تلحظ من السابق أن هناك نوعاً من الموافقة على إجازة المكوس في الضرورة القصوى ولكن تحت أسماء مختلفة مثل «أخذ مال الرعية». ولكن ما الأداة التي بها وافق الفقهاء على فرض المكوس على الناس في مثل هذه الظروف الحرجة؟ إنها المصالح المرسلة. فهذا الإمام الغزالي رحمه الله يرى وعلى مضض جواز الضرائب في حالات محددة جداً باستخدام المصالح المرسلة، إلا أنه يستخدم كلمة «توظيف» بدل المكوس. ولكن تذكر أن المصالح المرسلة متى ما استخدمت مع الحقوق فهي من إنتاج العقل القاصر لأنها إن لم تعتمد على نص، فهي بذلك بدعة مستحدثة، وإن اعتمدت على نص فلماذا نقول عنها أنها مصلحة مرسلة، بل هي حق من الحقوق الذي أقرته الشريعة. وهي هنا بالطبع بدعة محدثة لأنه لم يثبت أبداً أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ من أموال المسلمين إلا الزكاة. يقول الدكتور العبادي أثابه الله ملخصاً ما ذهب إليه الغزالي:
«عالج الغزالي مسألة فرض ضرائب جديدة على أموال الناس، من أجل سد حاجات الجنـد والدفاع عن البلاد بتوسع في كتابه «شفاء الغليل»، وبإيجاز في كتابه «المستصفى في علم الأصول» .. بعنوان: «توظيف الخراج على الأراضي، ووجوه الارتفاقات»؛ وذلك من خلال حديثه عن المصالح المرسلة .. فذهب إلى جواز ذلك بشروطه. وفصل المسألة فقال : قلنا: الذي نراه جواز ذلك عند ظهور وجه المصلحة، وإنما النظر في بيان وجه المصلحة فنقول :أولاً : توظيف الخراج في عصرنا هذا، وكل عصر هذا خراجه ومنهاجه ظلم محض لا رخصة فيه». ثم بين وجه منعه التوظيف في عصره فقال: «فان أحاد الجند لو استوفيت جراياتهم، ووزعت على الكافة، فكفاهم برهة من الدهر، وقدراً صالحاً من الوقت، وقد تشمخوا بتنعمهم، وترفههم في العيش، وتبذيرهم في إفاضة الأموال على العمارات ووجوه التجمل على سنن الأكاسرة .. فكيف نقدر احتياجاتهم إلى توظيف خراج لإمدادهم وإرفاقهم، وكافة أغنياء الدهر فقراء بالإضافة إليهم ؟!». فالغزالي يرى أن شروط فرض الضرائب غير متوافرة في عصره، لأن من ستجمع هذه الضرائب لسد حاجاتهم يعيشون في ترف ونعيم وتبذير، فهم غير محتاجين لهذه الأموال في الواقع .. فهو يرى المنع من التوظيف في عصره، لعدم تحقق المصلحة التي تقتضيه، لما عليه أحاد الجند من غنى وترف ،وبذخ، ولكن عند تحقق المصلحة وتوافر الشروط فالحكم يختلف؛ فهو يقول بعد ذلك: «فأما لو قدرنا إماماً مطاعاً مفتقراً إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك بعد اتساع رقعته وانبساط خطته، وخلا بيت المال من المال .. فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال إلى أن يظهر مال في بيت المال» .. فهو يشترط لفرض الضرائب من الشروط هي : - أن يكون الإمام بحيث تجب طاعته. ۲- أن تكون هنالك حاجات حقيقية للدفاع عن البلاد. ٣- أن يخلو بيت المال من المال. ٤- أن يكون التوظيف بالقدر الذي يراه الحاكم كافياً إلى أن يتوافر المال في بيت المال. .. ثم بين أن للإمام اختيار الطريقة المناسبة لفرض هذه الضرائب، لتشمل أنواع المهن والصنائع والغلات، بحيث لا يخص طائفة دون طائفة، لما يؤديه ذلك من وقوع الشحناء والبغضاء بين الناس فيقول: «ثم إليه النظر في توظيف ذلك على وجوه الغلات والثمار كي لا يؤدي تخصيص بعض الناس به إلى إيغار الصدور وإيحاش القلوب» .. فعليه أن لا يخص طائفة دون طائفة بأخذ المال منهم، فيضع القواعد العامة التي تشمل وجوه الغلات والثمار. وأشار في المستصفى إلى أن الإمام إذا رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج. ويبين
جملة
۹
المكو
رفض
الغزالي بعد ذلك أنه قد اعترض على هذه المصلحة بأن حاصلها مصادرة أموال الناس، وهي أمر محظور، لذلك لم تنقل عن الخلفاء الراشدين، وإنما ابتدعها الأمراء المائلون عن سمت الشرع .. فالمصلحة هنا مصلحة غريبة لا عهد بها في الشرع. وأجاب الغزالي عن هذا الاعتراض بأنه إنما لم ينقل عن الأولين ذلك ، لأن بيت المال كان مشتملاً على المال المحتاج إليه، وقد نقل عن عمر رضي الله عنه ضرب الخراج على أرض العراق؛ فأصل الضرب ثابت بالاتفاق، وإنما اختلاف العلماء في طريقته. ثم يقول: «وإن أنكر السائل وجه المصلحة فهذا منه مغالطة لأن الإمام، وقد فرضنا أنه عادل ومحتاج، إن لم يفعل ذلك انحل النظام وسادت الفوضى، وضاعت ديار الإسلام. فإن ترددنا بين احتمال هذا الضرر العظيم، وبين تكليف الناس حماية أنفسهم بفضلات أموالهم؛ فإنه يجب أن لا يكون هناك خلاف في تعيين جانب التوظيف على الأموال .. وهذا مما يعلم قطعاً من كلي مقصود الشرع في حماية الدين والدنيا، قبل أن نلتفت إلى الشواهد الخاصة بهذه المسألة من أصول الشرع». ثم يخلص إلى تقرير أنه: «لذلك لا مجال للقول بأن هذه المصلحة غريبة لا تعضدها شواهد من الشرع، لأن الحاجة إلى الاعتقاد بالشواهد إنما تكون في اتباع المصلحة المظنونة. أما المصلحة هنا فمصلحة قطعية لا تفتقر إلى شاهد من الأصول». ويقول في المستصفى في الاستدلال على هذا أيضاً: «لأننا نعلم أنه إذا تعارض شرّان أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع . مادة الشرور». ومع ذلك فقد أطال الغزالي بسرد الشواهد القريبة والبعيدة عن الشرع التي تؤيد الأخذ بهذه المصلحة. ... » . .
۱۱۲
۹۲۹
إن راجعت الاقتباس السابق ستلحظ بوضوح أن الغزالي كان متردداً تماماً في إجازة الضرائب لأنه يرى الجنود في عصره وما هم فيه من تمرغ في أموال بيت المال، فلا يريد إعانتهم على المزيد من الترف. لذلك فهو قد تماماً. جواز الضرائب في عصره. إلا أنه افترض وضعاً قد تكون فيه الأمة في خطر ولا مال في بيت المال، فعندها ومن باب المصالح المرسلة لم يمانع فرض الضرائب على الناس برغم إدراكه أن هذا الفـرض لم يحدث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل حدث في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سواد العراق، لذلك فهو لم يمانع واجتهد بجواز الضرائب في حدود ضيقة جداً إن كانت الأمة في خطر برغم أن الأمة لم تكن في خطر في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كما أنه أثابه الله يشير إلى أن مصادرة أموال الناس بدعة «ابتدعها الأمراء المائلون عن سمت الشرع .. فالمصلحة هنا مصلحة غريبة لا عهد بها في الشرع» كما يقول. لاحظ هنا أن الإمام الغزالي افترض فرضية لن تحدث إن طبقت مقصوصة الحقوق، ألا وهي ضعف الأمة كما وضحت في الفصل قبل السابق. فسبب الضعف هو أن العمل العسكري أصبح وظيفة ويعتمد على بيت المال، وليس عبادة ويعتمد على دعم المؤمنين في الأمة إن طبقت مقصوصة الحقوق وبالذات إن علمنا أن أمة الإسلام مترامية الأطراف وتجذب الشباب من كل مكان للجهاد. أي كلما اتسعت رقعة ديار المسلمين كلما زادت قوتهم، وليس كما ذهب الغزالي إلى أن في اتساع رقعة ديار المسلمين وانبساط خطتهم حاجة للمزيد من المال. أي أن ما ذهب إليه الغزالي مشابه لما ذهب إليه كل من الأئمة النووي وأبي عبد الله الفراء وعز الدين بن عبد السلام، وهو القول بجواز الضرائب في حدود ضيقة جداً، ولكن تذكر مرة أخرى أن هذه الظروف لن تحدث أبداً إن طبقت مقصوصة الحقوق. إلا أن هذا المذهب بجواز المكوس في الضرورة القصوى أخذ مزيداً من التساهل والبلورة على
يدي الشاطبي تحت اسم مختلف ألا وهو ضرب الخراج على الناس يقول العبادي أثابه الله موضحاً:
۹۳۰ 🗏
عند
«ذکر صاحب کتاب نيل الابتهاج بتطريز الديباج عند ترجمته للإمام إبراهيم بن موسى اللخمي المشهور بالشاطبي ما يلي: «فائدة: وكان صاحب الترجمة ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس، ، ضعفهم وحاجتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع .. قال : توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة، ولا شك عندنا في جوازه، وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا الآن لكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين، سوى ما يحتاج إليه الناس، وضعف بيت المال الآن عنه؛ فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس .. وإنما النظر في القدر المحتاج إليه في ذلك، وذلك موكل إلى الإمام .... وفتوى الإمام الشاطبي هذه كانت عندما سئل فيما كان في زمانه: مـن أن خراج بناء السور في بعض مواضع الأندلس كان موظفاً على أهل الموضع، فأفتى بسوغه مستنداً فيه إلى المصلحة المرسلة، ومعتمداً على أنه إذا لم يقم بها الناس بهذه الطريقة فإنها تضيع ولا تحصل. وقد قرر الشاطبي هذه المسألة في كتابه الاعتصام بما لا يخرج عن كلام الغزالي السابق. وقد قال بعد أن عرضها: «وهذه المسألة نص عليها الغزالي في مواضع من كتبه، وتلاه في تصحيحها ابن العربي في أحكام القرآن له .. وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام، وإيقاع التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع» ........
الهوى المتبع
۱۱۳
لقد بدأ الهوى يدخل في المعادلة وبحسن نية. أي أن العقل القاصر بدأ في العمل ضد النص. تأمل في الاقتباس السابق عبارة «ضرب الخراج على الناس وكيف أنها قد دخلت الفقه الإسلامي. فمنذ متى وهناك ضرب للخراج على الناس؟ فهل ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم الخراج على الناس علماً أن وقته كان أكثر فقراً من أي عصر آخر مر من بعده على المسلمين؟ فلأن عصره صلوات ربي وسلامه عليه سنة لمن بعده، فقد يستطيع الفرد أن يجزم أن أصعب ظروف لابد وأن تكون هي ظروف فترة الرسالة أي هل كان الإسلام بحاجة للمال كما كان في زمانه صلى الله عليه وسلم (وبالذات عند حفر الخندق)؟ بالطبع لا. ومع كل هذا فهو صلى الله عليه وسلم لم يضرب الخراج على الناس قط، فقد كان يلجأ إلى الاقتراض (كما مر بنا في الفصول السابقة). أي أن هذه بدعة مستحدثة أدت إلى ضياع الأمة. كيف؟
لنفترض جدلاً أخي القارئ أن الفقهاء مانعوا المكوس وأن المسلمين قد يفقدون بعض أملاكهم للأعداء، فما الذي سيحدث؟ والإجابة والله أعلم : سيهب المسلمون وبالذات العلماء إلى حث الناس على الجهاد بالمال والنفس، وهذا بالطبع سيكون على أيدي العلماء الربانيين الذين سيصبحون السلاطين ولكن دون مكوس لأنه لا مال في بيت المال، فلا سلاطين ذوي أهواء إذاً، عندها ستستيقظ الأمة وتبدأ طريق عزتها لأن السلاطين من العلماء (وسيأتي بيان حدوث هذا إن طبقت الشريعة بإذن الله. ولكن تذكر أن افتراض فقدان المسلمين لديارهم هو افتراض لن يقع بإذن الله لأن الأمة دائماً قوية مع تطبيق مقصوصة الحقوق. أما مع إجازة المكوس في حال الضرورة القصوى كما ذهب بعض الفقهاء، فإن الذي يحدث هو المزيد من خنوع المسلمين الخنوع الداخلي) للسلاطين ذوي الأهواء، لأنهم بعد انتصارهم بأموال المكوس سيستشعرون النصر ويكرمون الجند، وعندها ولأن الجند والسلاطين تعودوا على مستوى معين من الإنفاق فإن المكوس لن تختفي بل ستستمر في إنهاك الناس فيقل إنتاجهم، وهكذا تضعف
المكون
۹۳۱
الأمة اقتصادياً، فيضعف دفع الأموال للسلاطين فيكون الجيش أضعف، وهكذا من دورات متتالية كما حدث في الأندلس. فما قاله الشاطبي من جواز أخذ المكوس لعله من أسباب سقوط الأندلس لأنه فتح للسلاطين أبواب الذرائع الشرعية لأخذ الأموال من الناس. فكل ما يحتاجه السلطان هو ثقب صغير ليوسعه. وهذا ما فعله الشاطبي بإهدائهم . هذا الثقب الذي وسعوه. فهو قد أعطى السلطان الحق في تحديد ما يحتاجه من مكوس بالقول: «وإنما النظر في القدر المحتاج إليه في ذلك، وذلك موكل إلى الإمام». وإليك الآن بعض النصوص الأخرى التي استخدم فيها الفقهاء المصالح المرسلة لإجازة الضرائب ليس للقتال، ولكن لأغراض أخرى. قال العبادي ملخصاً: «وقد بين الفقهاء أن للحاكم أن يأخذ من أموال الأغنياء ما يكفي لسد نفقات الدولة، في سهرها على المرافق العامة المختلفة والعناية بها ؛ وذلك إذا لم يكن في بيت المال ما يقوم بذلك: قال الموصلي في الاختيار لتعليل المختار: «كري الأنهار العظام على بيت المال ... لأن منفعته للعامة، فيكون في مالهم، فإن لم يكن في بيت المال شيء أجبر الناس على كريه إذا احتاج إلى الكري، إحياء لحق العامة، ودفعاً للضرر عنهم؛ لكن يخرج الإمام من يطيق العمل، ويجعل مؤنتهم على المياسير الذين لا يطيقونه». ... ونصت المادة ۱۳۲۱ من مجلة الأحكام العدلية على ما يلي: «كري النهر الذي هو غير مملوك وإصلاحه على بيت المال، فإن لم يكن سعة في بيت المال يجبر الناس على كريه». وقال في ضوابط الفقه: «وكل ما يضرب به الإمام على الرعية للمقاتلة لمصلحة الرعية يصير ديناً واجباً، وحقاً مستحقاً كالخراج ... حتى أجرة الحراسين لحفظ الطريق من اللصوص، ونصب الدروب، وأبواب السكك». ثم قال: «فعلى هذا ما يؤخذ من خوارزم من العامة لإصلاح مسناة الجيحون أو الربض ونحوه من مصالح العامة دين واجب، لا يجوز الامتناع عنه ، وليس بظلم». وفي حاشية ابن عابدين: «وما وظف الإمام ليجهز به الجيوش وفداء الأسرى، بأن احتاج إلى ذلك، ولم يكن في بيت المال شيء؛ توظف على الناس ذلك، والكفالة به جائزة اتفاقا» ...».
١١٤
تلحظ أخي القارئ أن مسألة فرض المكوس تعدت في النصوص السابقة من الضرورة القصوى من الخوف من غزو الأعداء إلى الاهتمام بالمرافق العامة متى لم توجد أموال في بيت المال. أي أن الأحكام بدأت تتبع الأهواء. والسؤال إذاً الآن هو: ألا يسحب السلاطين الأموال من بيت المال لإنفاقها فيما يظنون أنه في مصلحة الشعب لأنهم يدركون جيداً أن هناك من الفقهاء من يعطيهم الحق في ضرب الخراج على الناس وأن هذا الخراج بالنسبة لهؤلاء الفقهاء ليس بظلم كما قال في الاقتباس السابق في «ضوابط الفقه»؟ بلى سيفعلون، فسينفقون الأموال ثم تأتي الحاجة للنفقات على المزيد من الخدمات فتؤخذ المكوس، ثم قد يُنفق بعضها على الأهواء والبعض الآخر على الخدمات. وهكذا يتكون جهاز بيروقراطي للسهر على الخدمات العامة، فتتحول الأمة من أمة كل يقوم فيها بما هو له وفي صالحه، إلى أمة يقوم فيها بعض الأفراد بأعمال ليست لهم، بل هي للآخرين كما هي حال وزارات الزير. ففي الاقتباس السابق مثلاً تلحظ أنه حتى بناء أبواب السكك أصبحت من مسؤوليات الدولة التي قد تتخذها ذريعة لسحب الأموال من الناس، وهكذا تتفاقم أموال بيت المال بزيادة مسؤوليات الدولة. وعندما تكثر أموال بيت المال يصبح الوصول لسدة الحكم شهوة كل حالم في السلطة والجاه والمال فقط أريدك أن تقرأ الآتي عما حدث في مصر أيام المماليك برغم أنه قد يكون نصاً مملاً في قراءته لترى الضياع في الأمة من جراء سرقة السلطة من
هامش
ت) لقد كانت الدروب والتي هي بوابات الحارات أو بوابات السكك السكان كما تم توضيحه في كتاب «عمارة الأرض في الإسلام» في أو بوابات الطرق غير النافذة في المدن الإسلامية من مسؤوليات الفصل السابع.
۹۳۲ 🗏
يد لأخرى وكيف أن السلاطين يستخدمون مواقعهم بالإغداق على الآخرين لكسب ولائهم وذلك بتوليتهم إمارات المناطق والقرى، فتصبح كل منطقة وكأنها مزرعة لهذا الوالي الذي سرعان ما قد يثور على من ولاه ليستقل بنفسه لأن لديه من الرجال الذين يطيعونه لأنه جمع الأموال من المكوس بفرض ما شاء على من يشاء. فتتفتت الدولة إلى دويلات كما حدث في معظم العالم الإسلامي وبالذات في الأندلس. يقول صاحب «النجوم الزاهرة»:
ودمه
«وأخرج قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق على البريد إلى طرابلس، وفيه نودى بالقاهرة ومصر من أحضر السلطان الملك الظاهر برقوق إلى الأمير الكبير يلبغا الناصري إن كان عامياً خلع عليه وأعطي ألف دينار، وإن كان جندياً أعطي إمرة عشرة بالديار المصرية، وإن كان أمير عشرة أعطي طبلخـانـاه، وإن كان طبلخاناه أعطي تقدمة ألف.. أخفاه ومن بعد ذلك شنق وحل ماله للسلطان. ثم في ليلة الجمعة حملوا الأمراء المسجونون بقلعة الجبل إلى ثغر الإسكندرية ما خلا الأمير محمود الأستدار، وبقيت المماليك الظاهرية في الأبراج متفرقة بقلعة الجبل، ثم أطلق الأمير أقبغا المارديني حاجب الحجاب وأخرج من الحراقة لشفاعة صهره الأمير أحمد بن يلبغا العمري أمير مجلس فيه فرد معه أرسلان اللفاف ومحمد بن تنكر، شفع فيهما أيضاً بعض الأمراء، وفيه أيضاً نودي على الملك الظاهر برقوق وهدد من أخفاه ، فكثر الدعاء من العامة للملك الظاهر برقوق وكثر الأسف على فقده وثقلت أصحاب الناصري على الناس ونفروا منهم فصارت العامة تقول: «راح برقوق وغزلانه وجاء الناصري وتيرانه» . ثم قبض الناصري على الطواشي بهادر الشهابي مقدم المماليك كان الذي كان الملك الظاهر عزله من التقدمة ونفاه إلى طرابلس، . هذا وقد كثر فساد التركمان أصحاب الناصري بالقاهرة وأخذوا النساء من الطرقات ومن الحمامات ولم يتجاسر أحد على منعهم. وفيه قلع العسكر السلاح من عليهم ومن على خيولهم وكانوا منذ دخولهم وهم بالسلاح إلى هذا اليوم ..... ثم خلع الناصري على الأمير حسام الدين حسن الكجكني باستقراره في نيابة الكرك عوضا عن مأمور القلمطاوي، ورسم بعزل مأمور وقدومه إلى مصر أمير مائة ومقدم ألف بها، هذا بعد أن جمع الناصري الأمراء من أصحابه وشاورهم في أمر الملك الظاهر برقوق بعد القبض عليه، فاختلفت آراء الأمراء فيه، فمنهم من صوب قتله وهم الأكثر وكبيرهم منطاش، ومنهم من أشار بحبسه وهم الأقل وأكبرهم الجوباني فيما قيل. فمال الناصري إلى حبسه ' . الأمر. یریده الله تعالى. وأوصى حسام الدين الكجكني به وصايا كثيرة، حسب ما يأتي ذكره في محله، فأقام الكجكني بالقاهرة في عمل مصالحه إلى يوم تاسع عشر جمادى الآخرة، وسافر إلى محل كفالته بمدينة الكرك. وعند خروجه قدم الخبر على الناصري بأن الأمير أقبغا الصغير وأقبغا أستدار آقتمر اجتمع عليهما نحو أربعمائة مملوك من المماليك الظاهرية ليركبوا على جنتمر نائب الشام ويملكوا منه البلد، فلما بلغ جنتمر ذلك ركب بمماليكه وكبسهم على حين غفلة فلم يفلت منهم إلا اليسير وفيهم أقبغا الصغير المذكور، فسر الناصري بذلك وخلع على القاصد، ولما وصل هذا الخبر إلى مصر ركب منطاش وجماعة من أصحابه إلى الناصري وكلموه بسبب إبقاء الملك الظاهر وخوفوه عاقبة ذلك ولا زالوا به حتى وافقهم على قتله بعد أن يصل إلى الكرك ويحبس بها، واعتذر إليهم بأنه إلى الآن لم يفرق الإقطاعات والوظائف لاضطراب المملكة وأنه ثم من له ميل للظاهر في الباطن، وربما يثور بعضهم . وهذا شيء يدرك في أي وقت كان حتى قاموا عنه ونزلوا إلى دورهم. ثم أخذ الناصري في اليوم المذكور يخلع على الأمراء باستقرارهم في الإمريات والإقطاعيات فاستقر بالأمير بزلار العمري الناصري حسن في نيابة دمشق، والأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي في نيابة حلب، وبالأمير صنجق الحسنى في نيابة طرابلس وبالأمير شهاب الدين أحمد بن محمد الهيدباني في حجوبية طرابلس الكبرى. ثم في حادي عشرينه عرض الأمير الكبير يلبغا الناصري المماليك الظاهرية وأفرد من
عند قتله
۹
المكو
المستجدين مائتين وثلاثين مملوكاً لخدمة السلطان الملك المنصور حاجي الترجمة، وسبعين من المشتروات أنزلهم بالأطباق، وفرق من بقي على الأمراء .... وكانت ابنة الأتابك يلبغا العمري الخاصكي أستاذ الملك الظاهر برقوق زوجة مأمور المعزول عن نيابة الكرك هناك، فقامت للملك الظاهر برقوق بكل ما يحتاج كونه مملوك أبيها يلبغا مع أن الناصري أيضاً مملوك أبيها غير أنها حبب إليها خدمة الملك الظاهر ومدت له سماطاً يليق به واستمرت على ذلك أياماً كثيرة، وفعلت معه أفعالاً كان اعتادها أيام سلطنته، ... » .
110
۹۳۳
هل رأيت كيف يتلاعب السلاطين بالأموال والإمارات؟ إنهم ينصبون هذا أميراً ويعزلون ذاك، وكأن الإمارة جائزة لمن يتفانى في خدمة السلطان. وماذا يريد الأفراد من تعيينهم أمراء على المناطق؟ فالإمارة المفترض بها أن تكون هماً وعبئاً على كل مخلص لأنها مسؤولية. ولكن على العكس من ذلك، إنهم يسعون إليها لأن للأمير أن يفرض على أراضي وسكان المنطقة التي أمر عليها الخراج أو بالأصح المكوس ، وكأن المنطقة التي هو أمير عليها مزرعة له أو لأبيه يأخذ منها ما شاء. لذلك تجد السلاطين يوزعون الإمارة على المناطق وكأنها جوائز مقابل الولاء للسلطان. أي إن اجتمعت السلطة في يد رجل مع ثغرة في الحق أهداها له فقيه ما فإن التلاعب بالأموال أمر شبه ولعلك هنا تقول بأن السابق هو اقتباس يحكي تصرفات سلاطين الجور لا سلاطين العدل. ولعلك تستشهد
محتوم.
بأقوال مثل قول العبادي الذي يدعونا للتفريق بين وضعين مختلفين من الضرائب. فيقول العبادي مثلاً:
والواقع أنه يجب التفريق بهذا الصدد بين فرض الضرائب على الناس دون مراعاة للقيود الشرعية، وفرضها مع مراعاة القيود والشروط الشرعية. فالنوع الأول يدخل في المكوس التي نهت الشريعة عنها .. فالمكس الذي ذم في الشريعة ليس المقصود به الضرائب التي يجمعها الحاكم المسلم من الأغنياء لتنفق على مصالح معينة لمجموع الأمة إذا توافرت الشروط الشرعية المقررة؛ فهذا أمر جائز شرعاً كما أوضحنا؛ إنما المقصود به تلك الغرامات التي كانت تفرض على الناس ظلماً وعدواناً لتصرف في غير الوجوه الشرعية .. فقد أخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن عقبة بن عامر أن رسول عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة صاحب مكس). وهو حديث صححه الحاكم والسيوطي، وقال البغوي: يريد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكساً باسم العشر. وبين ابن حجر في الزواجر أن جباية المكس داخلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْر الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .. ذلك أنهم يأخذون ما لا يستحقـونـه ويـدفـعـونه لمن لا يستحقه. وأن صاحب المكس لا يدخل الجنة لأن لحمه ينبت من
الله
صلی
حرام».
الله
١١٦
لكن السؤال الأهم هنا هو : كيف يتم ضبط السلطان إن كان ممن يتبعون الأهواء ووصل للسلطة؟ هذا سؤال يجب على كل عالم شريعة التفكر فيه. فالإسلام دين لا يجيز الخروج على السلطان في بعض الأقوال إلا في ظروف محددة كما سترى في فصل «الحكم» بإذن الله. لذلك لعلك لاحظت أن التاريخ الإسلامي يسوده الصراع بين الطامعين في الحكم من نفس الطبقة أو من نفس الأسرة بينما عموم الناس لا يتدخلون لأن هناك من الفقهاء من روجوا لتحريم الخروج على السلاطين. ولأن على الرعية السمع والطاعة، فإن من لا يطيعون هم في الغالب من أقرباء أو حاشية السلطان الذين يعتقدون أنهم أحق بالمنصب، لذلك تجدهم يخرجون على السلطان، فيبقى الصراع على السلطة بين أفراد نفس الأسرة أو نفس الطبقة في معظم الأحوال بينما الرعية يترقبون كالنعاج نتائج الصراع، وهذا التبلد في الناس وضع غير صحيح كما سترى بإذن الله . ولعل السؤال هو: إن لم يبح الإسلام لنا الخروج على
٩٣٤ 🗏
السلطان، إلا إن رأينا منه ظلماً أو كفراً بواحاً (وهذا الظلم أو الكفر أمر يصعب إثباته في نظر فقهاء السلاطين المدعومين إعلامياً ما يدفع الناس للتردد في الخروج عليه)، ثم إن وصل إلى الحكم رجل يتبع الأهواء كما هي الحال في معظم الأحوال، ولديه من الثغرات مهما صغرت من الفقهاء ما يعطيه الحق في أخذ الأموال، فهل يقف هذا السلطان محترماً لأقوال الفقهاء التي لا تبيح له جمع الضرائب إلا وقت الشدائد؟ أم أنه سينفذ ما يعتقد أنه في صالح الأمة بعقله القاصر؟ بالطبع سيفعل ما يراه مناسباً. فهل رأيت سلطاناً يعتقد أن الآخرين أفهم منه؟ ألا تراهم جميعاً في أيامنا هذه وهم يستقبلون بعضهم البعض في المطارات ثم يسيرون فوق بساط أحمر ويستعرضون حرس الشرف وهم يستمعون لموسيقى السلام الوطني؟ أليست أوقات السلاطين أثمن من فعل هذه التفاهات التي تتكرر مع كل زيارة؟ حتى أن بعضهم من كبر سنه بالكاد يستطيع السير، ومع ذلك تجده يستعرض حرس الشرف!! إنه جحر ضب جد ضيق ومع ذلك تمكنوا من ولوجه بحماقة بارعة. فإن ولجوا في مثل هذا الجحر الغبي، ألا يلجون جحوراً أضيق؟ بالطبع سيفعلون وبحسن نية لأنهم يهتمون بتطوير شعوبهم، والتطوير بحاجة للمال والتخطيط، وهكذا فإن لديهم بسبب المصالح المرسلة من الذرائع ما يقنعهم أنهم على الحق فيسحبون من الأموال ما يحاولون به تطوير الأمة، وبهذا يحدث التشابك الممقوت الذي ذكرته وتظهر وزارات الزير ، وكل هذا إن كان السلطان نزيهاً. أما إن كان سلطاناً لا هم له إلا نفسه وأهله وديمومته في السلطة، فعندها فإن جزءاً كبيراً من الأموال ستنفق على ضعاف النفوس لكسب ولائهم، وتنفق على الاستخبارات والمباحث والسجون خوفاً من الشعب، وعلى الجيش الذي لا يحمي الدولة إلا من الدول المجاورة المسلمة !!! وهكذا تظهر الدول الفاسدة التي نعيش فيها الآن. وما حدث هذا إلا لأن الشعوب ساكتة رغماً عنها على ما يفعله السلاطين (فهم نعاج لا يجيدون فنون القتال)، ولأن الفقهاء لم يقاوموا السلاطين برغم عدم حكمهم بشرع الله لأن من العلماء من يعتقد بجواز حصول الحكومات على الأموال للقيام بواجباتها من باب المصالح المرسلة.
ثم لاحظ الآتي: بالنسبة لنا كمسلمين فإن أي حكم لا يتبع النص كما بينت في الفصول السابقة استنتاجاً من أقوال الفقهاء الراسخين في العلم لابد وأن يعتبر من الهوى المتبع. الآن أخي القارئ نستطيع أن نستوعب قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أبي امامة: ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله
۱۱۷
أعظم عند الله من هوى متبع ) . ١١٧ هل استشعرت خطورة الأهواء التي بالتدريج أدت إلى ضياع الأمة بالخروج عن مقصوصة الحقوق من خلال المصالح المرسلة تأمل الآيات الآتية أخي القارئ التي تصف خطورة اتباع الأهواء: قال تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ . وقال تعالى في سورة محمد: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾. وقال في سورة الفرقان: ﴿أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وقال في سورة الأنعام: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. أدرك أخي القارئ أنك لازلت لست مقتنعاً، ولكن سترى في باقي هذا الفصل بإذن الله كيف أن الأموال شيئاً فشيئاً تجمعت للدول برغم أن هذا يخالف شرع الله إن قارنته بما تم توضيحه من موارد الدولة في الفصول السابقة. وقبل الانتقال للجزء التالي أريدك أن تقرأ الاقتباس الآتي من «البداية والنهاية»، فهو عن الخليفة العباسي هارون الرشيد، فهو من أقوى الخلفاء وفي وقت ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية إلى أوجها، ومع ذلك، ومع أنه خليفة كان يغزو سنة ويحج سنة، إلا أن الأموال كانت تنفق أحياناً في غير محلها كبناء القصور وكالأعطيات على الشعراء، فإن كان
المكون
هذا حال خليفة يخاف الله (بإذن الله، فما بالك بالآخرين؟ يقول ابن كثير:
«وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوماً وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم
في
تقعقعت
استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم فقال: عش ما بدا لك سالماً ظل شاهقة القصور. تسعى عليك بما اشتهيت لدى الرواح إلى البكور. فاذا النفوس : عن ضيق حشرجة الصدور. فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور. قال: فبكى الرشيد بكاء كثيراً شديداً فقال له الفضل بن يحي: دعاك أمير المؤمنين تسر، فأحزنته. فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى. ومن وجه آخر أن الرشيد قال لأبي العتاهية: عظني بأبيات من الشعر وأوجز. فقال : لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ولو تمتعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت صائبة لكل مدرع منها ومترس. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس. قال فخر الرشيد مغشياً عليه. وقد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية وأرصد عليه من يأتيه بما يقول. فكتب مرة على جدار الحبس أما والله إن الظلم شوم وما زال المسئ هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضى وعند الله تجتمع الخصوم. قال فاستدعاه واستعجله في حل ووهبه ألف دينار وأطلقه. وقال الحسن بن أبي الفهم ثنا محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الرشيد فقال : ما خبرك ؟ فقلت: بعين الله ما تخفي البيوت فقد طال التحمل والسكوت. فقال یا فلان: مائة ألف لابن عيينة تغنيه وتغنى عقبه ولا تضر الرشيد شيئا. وقال الأصمعي كنت مع الرشيد في الحج فمررنا بواد فإذا على شفيره إمرأة حسناء بيديها قصعة وهي تسأل منها وهي تقول: طحطحتنا طحاطح الأعوام ورمتنا حوادث الأيام فأتيناكم نمد أكفا نائلات لزادكم والطعام. فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا أيها الزائرون بيت الحرام من رآني فقد رآني ورحلى فارحموا غربتي وذل مقامي. قال الأصمعي : فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها فجاء بنفسه حتى وقف عليها فسمعها فرحمها وبكى وأمر مسروراً الخادم أن يملأ قصعتها ذهباً، فملأها حتى جعلت تفيض يميناً وشمالاً. وسمع مرة الرشيد أعرابياً يحدو إبله في طريق الحج: أيها المجمع هما لأنهم أنت تقضي ولك الحمى تحم. كيف ترقيك وقد جف القلم حطت الصحة منك والسقم. فقال الرشيد لبعض خدمه : ما معك ؟ قال أربعمائة دينار. فقال ادفعها إلى هذا الأعرابي. فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه وقال متمثلاً وكنت جليس قعقاع بن عمرو ولا يشقى بقعقاع جليس. فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطى المتمثل ما معه من الذهب، فإذا معه مائتا دينار. قال أبو عبيد: إن أصل هذا المثل أن معاوية بن أبي سفيان أهديت له هدية جامات من ذهب فرقها على جلسائه، وإلى جانبه قعقاع بن عمرو وإلى جانب القعقاع أعرابي لم يفضل له منها شيء، فأطرق الأعرابي حياء فدفع إليه القعقاع الجام الذي حصل له فنهض الأعرابي وهو يقول: وكنت جليس قعقاع بن عمرو إلى آخره. وخرج الرشيد يوما من عند زبيده وهو يضحك، فقيل له: مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ فقال: دخلت اليوم إلى هذه المرأة، يعنى زبيدة، فأقبلت عندها وبت فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب، قالوا هذه ثلثمائة ألف دينار قدمت من مصر. فقالت زبيدة: هبها لي يا ابن عم؟ فقلت: هي لك. ثم ما خرجت حتى عربدت علي وقالت: أى خير رأيته منك؟ وقال الرشيد مرة للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب ولك هذا الخاتم وشراؤه ألف وستمائة دينار؟ فأنشد قول الشاعر: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم. فقال: ما قلت هذا إلا لتسلبنا الخاتم، ثم ألقاه إليه، فبعث زبيدة فاشترته منه بألف وستمائة دينار وبعثت به إلى الرشيد وقالت: إني رأيتك معجباً به فرده إلى المفضل والدنانير. وقال: ما كنا لنهب شيئاً ونرجع فيه. وقال الرشيد يوماً للعباس بن الأحنف: أي بيت قالت العرب أرق؟ فقال: قول جميل في بثينة: ألا ليتني أعمى أصم تقودني
۹۳۵
٩٣٦
بثينة لا يخفي علي كلامها فقال له الرشيد أرق منه قولك في مثل هذا طاف الهـوى في عباد الله كلهم حتى إذا مر بي من بينهم وقفا. فقال له العباس: فقولك يا أمير المؤمنين أرق من هذا كله، أما يكفيك أنك تملكني وأن الناس كلهم عبيدي. وأنك لو قطعت يدي ورجلي لقلت من الهوى أحسنت زيدي قال : فضحك الرشيد وأعجبه ذلك ومن شعر الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده من الخواص».
۱۱۸ 🗏
الجويني: إمام الحرمين
ولكن هل وافق جميع الفقهاء على فرض الخراج على الناس؟ بالطبع لا، والحمد الله. فإن هناك الكثير من الفقهاء الذين مانعوا فرض أي شيء على الناس إن لم تكن بنص من القرآن الكريم أو السنة المطهرة. حتى إن بحثت تاريخياً عن مسألة فرض الخراج على الناس تجد أنها مسألة مستحدثة على فقهاء السلف. فإن نظرت لمعظم الكتب التي وافقت على فرض الخراج تجد أنها ترجع إلى الإمامين الغزالي وشيخه الجويني وكأنهما من أوائل من تكلما في جواز فرض الخراج على الناس وأن الذي بلور المسألة هو الإمام الغزالي، ۱۱۹ فإن علمنا أن الإمام الغزالي توفي سنة ٥٠٥ للهجرة (رحمه الله)، فإن الأئمة الأربعة من قبله وكبار فقهاء السلف لم يقولوا بفرض الخراج على الناس. وإليك النص الآتي مما لخصه الجنيدل والذي يرجح فيه جواز فرض الخراج على الناس حتى يلائم الإسلام وضعنا المعاصر، مستدلاً بترجيحه بما نقله من إمام الحرمين من كتاب «غياث الأمم»، يقول الجنيدل:
والرأي الذي نرجحه أن على الإمام أن يفرض الضريبة على القادرين حالة توفر هذه الشروط التي اشترطها العلماء رحمهم الله لئلا تحصل المفسدة، وهي كما قال الإمام الغزالي مصلحة يشهد لها الشرع باعتبارها لأن حماية الأرواح أهم من ابتذال الأموال. أما من ذهب إلى المنع فقد تولى إمام الحرمين الرد باختصار عليهم في جانب الاستقراض. وقد نقل ذلك الغزالي بالحرف الواحد من كتاب شيخه، ونحن ننقل لفظ إمام الحرمين ونتبع ذلك بمناقشتهم في استدلالهم الآخر. يقول الإمام الجويني: «والمرتضى عندي: أن ذلك جبن وخور وذهول عن سنن النظر، فإن للإمام أن يأخذ من الجهات التي ذكرناها ما يراه ساداً للحاجة، ولا يلزمه الاستقراض، سواء فرض أخذه من معينيين، أو من المياسير أجمعين، والدليل عليه أنا لو فرضنا خلو الزمان عن إمام مطاع لوجب على المكلفين بفرائض الكفايات من غير أن يرتقبوا مرجعاً، فإذا وليهم إمام فكأنهم أن يدبرهم يقينا فيما كان من وظائفهم، ولولاه لأوشك أن يتخاذلوا ... والذي يوضح المقصود أنه لو استقرض لكان يؤدي ما اقترض من مال فاضل مستغنى عنه في بيت المال. وربما تمس الحاجة إليه مرة أخرى فلا يزال في رد واسترداد وما أدى إلى التسلسل فهو في وضعه لا يتحصل ... والذي يجب التعويل عليه أن كل واقعة في الإسلام تعين على ملتزمي الإسلام أن يقيموا أمر الله فيها إما بأنفسهم أو بأن يتبعوا أمر واليهم، فإذا امتثلوا أمر الله بأنفسهم فارتقى بهم رجوعاً في مالهم يشعر بأنهم مما كانوا متأصلين فيما كلفهم ربهم، وهذا ظن كاذب ... فالمسلمون هم الخاطبون والإمام في التزام الأحكام كواحد من الأنام ولكنه مستناب في تنفيذ الأحكام، فإذا نفذت فلا مطمح في رجوع، فإن درّ لبيت المال مال فحظ المسلمين منه تهيئته للحاجات في مستقبل الأوقات». أما استدلالهم بأنه لا حق سوى الزكاة فهذا دليل عليهم إذ الثابت العكسي أن في الإسلام حقاً سوى الزكاة وقد ورد ذلك في صحيح الترمذي – رحمه الله. واستدلالهم بأحاديث النبي عن المكس والعشور فهذا خاص بالمكوس والعشور الظالمة التي كان يضعها الأفراد
۹
من
المكو
الظلمة كالحجاج وغيره من فساق الأمراء دون وجه حق كما فرض الحجاج الجزية على المسلمين، ثم إن أكثر هذه الأحاديث ضعيفة. واستدلالهم بحديث لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه فإنه يجب على المسلم والحالة هذه أن تطيب نفسه لاسيما وهو منه مساهمة في دفع الضرر الجاثم على البلاد والمحيط بها ثم إنه يدفع مالاً بسيطاً ليدفع ما هو أكثر ضرراً إذ ترك صرف هذا المال البسيط يؤدي به إلى التهلكة. وقد نهى الإنسان عن الإلقاء بيده إلى التهلكة وتعريض نفسه للخطر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه كثيراً ما نجد أن الشرع يأخذ المال من المسلم وإن لم تطب نفسه وذلك الشفعة ونزع الملكية للمصلحة العامة كتوسعة شارع أو بناء مسجد أو ما شابه هذا، فليكن سبيل هذا مثل سبيل ذلك والله أعلم».
في مثل تشريع
۱۲۰
۹۳۷
لقد بين كل من العبادي والجنيدل (وغيرهم كثير) الشروط التي معها يكون للسلطان الحق في فرض الضرائب على الناس. وهي تنحصر كما رأينا في أنه يجب أن يكون الإمام عدلاً ومطاعاً وأن يكون بيت المال خاوياً وأن تكون الظروف قاهرة كأن تكون ديار المسلمين عرضة لخطر أكيد إن لم تجمع الأموال للدفاع عن المسلمين. وكما بينت، فإن هذه الشروط متى ما وضعت فهي الثقب الذي منه ستتسع حفرة نفق جواز الضرائب، لذلك فإن حكمة الشريعة عدم إيجاد هذا الثقب أصلاً، بل جذ المسألة من جذورها بقص حقوق المسلمين مالياً من خلال الآيات الثلاث كما مر بنا (الصدقات والغنائم والفيء). ولكن الذي حدث هو توسيع هذا الثقب كما سترى في الحديث عن المعاصرين بإذن الله لدرجة أن المسألة تعدت الظروف الخطرة، بل إن للسلطان فرض الضرائب لما فيه مصلحة المسلمين من خلال المصالح المرسلة. ولأهمية هذا الانحراف أو هذا الاستحداث سأناقش الآن النص المقتبس السابق من الجنيدل. فهو يبدأ النص بترجيح ما ذهب إليه إمام الحرمين والغزالي علماً أنه لم يورد أي نص شرعي ليدعم ما رجحه فهو لم يورد على هذا الاستحداث أي آية قرآنية أو أي حديث نبوي. بل فقط توفر الشروط والتي تستند أساساً على (أولاً) جواز الضرائب عند الإحساس بالخطر على المسلمين خوفاً من الأعداء، وأن يكون (ثانياً) بيت المال خاوياً. فما صحة هذين الافتراضين؟ بالنسبة للأول، فقد بينت أن الخطر على المسلمين لن يقع إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن العمل العسكري عبادة وليس وظيفة. وبالنسبة للشرط الثاني: فإن خواء بيت المال أمر إلى حد كبير بيد السلطان (بإذن الله)، لأنه يستطيع جعل بيت المال خاوياً بسوء إنفاقه، هذا إن كان السلطان فاسقاً، أما إن كان السلطان عادلاً فإن السنة هي كما رأينا إبقاء بيت المال خاوياً على الدوام. فهذا هو الوضع الطبيعي، أي ضرورة خواء بيت المال إن طبقت الشريعة، فكيف يتم استحداث حكم على وضع طبيعي خواء بيت المال)، ويُنظر إليه على أنه غير طبيعي؟ أي أن الحكم بجواز فرض الخراج على الرعية أتى بناء على وضعين أحدهما افتراضي لن يحدث، والآخر يجب أن يحدث إن طبقت مقصوصة الحقوق وكان الإمام عادلاً. أما إن لم يكن عادلاً وأنفق أموال بيت المال في الملذات، فكيف نوجد حكماً يعطيه المزيد من التسلط للحصول على المزيد من الأموال؟
إن الانحراف بدأ يأخذ مزيداً من الشدة، إذ تلحظ مما قاله الجنيدل أنه لا يجيز للإمام فرض الضرائب فحسب، بل هو يرى أن على الإمام أن يفعل ذلك بقوله: «والرأي الذي نرجحه أن على الإمام أن يفرض الضريبة على القادرين حالة توفر هذه الشروط التي اشترطها العلماء رحمهم الله لئلا تحصل المفسدة». أي أن هناك مفسدة متوقعة، وحتى لا تقع فإن على الإمام أن يضرب الخراج. ولكن لماذا لم يقل بالاستقراض كما فعل الرسول صلى الله
۹۳۸ 🗏
عليه وسلم؟ والإجابة هي: لأن إمام الحرمين لم ير ذلك. إن من البيان لسحراً. إن تأملت ما قاله الجويني تجد أنه لا دليل لديه، بل هي افتراضات متراكمة نسجها العقل. ولأهمية ما قاله الجويني فقد رجعت للنص الأصلي فنقلت الآتي والذي أرجو منك أخي القارئ أن تمر عليه سريعاً، لأنني بعد العرض الآتي كنص متصل، أقوم بنقده في مقاطع متتالية لأهميته ثم أعود لنقد ما قاله الجنيدل:
...»
.. والأمر في أخذ الأموال يجري على هذه الاحوال، فيشير على كل أغنياء في كل صقع بأن يبذلوا من المال ما يقع به الاستقلال، وليس لتفاصيل الرأي غاية ونهاية فلير الأمام في ذلك كله رأيه، وما ذكرناه ليس حصراً وضبطاً في المقال، ولكنا جئنا ضرباً للأمثال وعلى رأي الإمام بعـد عـون الله الاتكال في مضطرب .الأحوال. ومن تتمة القول في هذا أن المسلمين إذا وجدوا معاذاً واتخذوا لملماتهم ملاذاً لم يكن لهم مضادته ومرادته ومعاندته ومحادثته، فإن رأى إذا وقعت واقعة عامة وداهية مطبقة للخطة طامة، ومست الضرورات في دفاعها إلى عدة ومادة من المال تامة، ويد الإمام صافرة وبيوت الأموال شاغرة أن يتسبب إلى استيداء مال من موسري ،المؤمنين فإنه يفعل ذلك على موجب الاستصواب ما أراه وعمم أهل الاقتدار واليسار في أقاصي البلاد، ورتب على كل ناحية في تحصيل المراد ذا كفاية ودربة وسداد، وإن عسر التبليغ إلى الاستيعاب ورأى في وجه الصواب أن يخصص أقواماً ثم يجعل الناس في ذلك. فئاماً، فيستأدى عند كل ملمة من فرقة أخرى وأمة اتبع في ذلك كله أوامره واجتنب زواجره، ثم ليكن في ذلك على أكمل نظر وأسد فكر وعبر، فان اقتضى الرأي تعيين أقوام على التنصيص يعرض لهم على التخصيص ونر إلى من كثر ماله وقل عياله، وقد يتخير من خيف عليه من كثرة ماله أن يطغى، ولو ترك لفسد ولو غض من غلوائه قليلاً لأوشك أن يقتصد ويستد، وإذا لم يخل المتصدي للإمامة والاستقامة عن تحديد النظر وتسديد الفكر، ففيما ذكرناه تصريحاً أو رمزاً إليه تلويحاً له معتبر، ثم إذا قد لاحت المراشد ووضحت القاصد، فنذكر بعدها ثلاثة فصول بعد تمهيد ما سبق من الأصول: أحدها أن من الناس من ذهب إلى أن الإمام يأخذ ما يأخذه في معرض الاقتراض على بيت المال على كل حال، فإن تأتت مداره ومجالبه تعين رد ما اقترض، والمقترض يطالبه. وقال قائلون إن عمم بالاستداء مياسير البلاد والمثرين من طبقات العباد فلا مطمع في الرد والاسترداد، وإن خصص بعضاً لم يكن ذلك إلا قرضاً، ونحن نذكر ما يتعلق به كل فريق ثم نذكر مسلك التحقيق. فمن قال الإمام يستقرض استمسك بأن أقدار الواجبات مضبوطة الجهات في قواعد الدين ومذاهب المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أضاق المحاويج والفقراء استسلف من الاغنياء، وربما استعجل الزكوات، فلو كان يسوغ الأخذ من غير اقتراض لكان عليه السلام بينه ليتقدى به من بعده عند فرض الإضافة، وربما تعلق هؤلاء بأن مآخذ الأموال لو تعدت الطرق المضبوطة والمسالك الموضحة في الشريعة لانبسطت الأيدي إلى الأموال ولجر ذلك فنوناً من الخبال، ولم يثق ذو مال بماله لا في حاله ولا في مآله. وهذا خروج عن ضبط الدين وحل لعصام الإسلام عن أموال المسلمين والمرتضى عندي أن ذلك جبن وخور وذهول عن سنن النظر. فإن للإمام أن يأخذ من الجهات التي ذكرناها ما يراه ساداً للحاجة على ما قدمنا منهاجه، ولا يلزمه الاستقراض سواء فرض أخذه من معينيين أو من المياسير أجمعين. والدليل عليه أنا لو فرضنا خلو الزمان عن مطاع لوجب على المكلفين القيام بفرائض الكفايات من غير أن يرتقبوا مرجعاً، فإذا وليهم إمام فكأنهم ولوه أن يدبرهم تعييناً وتبييناً فيما كان من وظائفهم فوض، ولولاه لأوشك أن يتخاذلوا ويحمل البعض الأمر فيه على البعض، ثم تنسحب المآثم على كافتهم، والإمام القوام يدفع التخاذل والتغالب ويحمل الأعيان على التناوب فيما على الكافة والخروج عن عهدته والذي يوضح المقصد أنه لو استقرض لكان يؤدي ما اقترضه من مال فاضل مستغنى عنه في بيت المال، وربما تمس الحاجة إلى ما يقدره في الحال فاضلاً ثم
۹۳۹
۹
المكو
يقتضي ا الحال استرداد ما وفيناه على المقرض ويستدبر التدبير فلا يزال في رد واسترداد وما أدى إلى التسلسل فهو في وضعه لا يتحصل. والذي يجب التعويل عليه أن كل واقعة وقعت في الإسلام تعين على ملتزمي الإسلام أن يقيموا أمر الله فيها إما بأنفسهم إذا فقدوا من يليهم، أو بأن يتبعوا أمر واليهم، فإذا امتثلوا أمر الله بأنفسهم أو بأموالهم على تفنن أحوالهم، فارتقابهم رجوعاً في مآلهم يشعر بأنهم ما كانوا متأصلين فيما كلفهم ربهم، وهذا ظن كاذب ورأي غير صائب. فالمسلمون هم المخاطبون والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكنه مستتاب في تنفيذ الأحكام، فإذا نفذت، فلا مطمع في مرجع، فإن در لبيت المال مال فحظ المسلمين منه تهيؤه للحاجات في مستقبل الأوقات، فهذا منتهى القول في هذا الفن. وأنا أقول الآن لست أمنع الإمام من الاقتراض على بيت المال إن رأى ذلك استطابة للقلوب وتوصلاً إلى تيسير الوصول إلى المال مهما اتفقت واقعة أو هجمت هاجمة، والذي قدمته ليس تحريماً للاستقراض ولكنه تمهيد لما يسوغ للإمام أن يفعله، والأمر موكول إلى رأيه، واستصوابه في افتتاح كل أمر ومآبه، والجملة في ذلك أنه إذا ألمت ملمة واقتضي إلمامها مالاً فإن كان في بيت المال مال استمدت كفايتها من ذلك المال، وإن لم يكن في بيت المال نزلت على أموال كافة المسلمين، فإذا كفيت من أموالهم فقد انقضت وانقطعت تبعاتها وعلائقها، فإذا حدث مال تهيأ ما حدث للحوادث المستقبلة، فهذه معضلات لا يستد فيها إلا مؤيد، ولا يطبق مقصد الحق فيها إلا مسدد، فإن قيل قد ذكر الفقهاء أن من معه طعام، إذا وجد مضطراً إليه واقعاً في المخمصة مشفياً على الهلاك لم يلزمه مالك الطعام بذله من غير بدل وإحياء المهج من فروض الكفايات لعى مجرى الأوقات وقد يتعين على الإنسان في بعض الأزمان ، إذا انفرد بالانتهاء إلى مضطر أن يبذل كنه الجد ويتفرغ غاية الوسع في إنقاذه، ثم لا يجب التبرع والتطوع بالبذل، قلنا هذه المسألة عندنا فيه إذا كان للمضطر مال غائب أو حاضر ، فأما إذا كان لا يملك شيئاً فيجب سد جوعته ورد خلته من غير التزامه عوضاً ، ولا أعرف خلافاً أن سد خلات المضطربين في سني المجاعات محتوم على الموسرين، ثم لا يرجعون عليم إذا انسلوا من تحت كلا كل الفتن وفقراء المسلمين بالإضافة إلى متوسليهم كالابن الفقير في حق أبيه ليس للأب الموسر أن يلزم ابنه الاستقراض منه إلى أن يستغني يوما من الدهر ولو كان لولده مال غائب، أقرض ولده أو استقرض له أن كان مولياً عليه. والذي يكشف الغطاء فيه أن من رأى مسلماً مشرفاً على حريق أو غريق واحتاج إنقاذه إلى إنقاذ سببه وأكـداد جسده لم يجز في مقابلة سعيه طلب عوض، وما ذكره الأولون من استسلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنـد مسيس الحاجات واستعطاله الزكوات فلست أنكر جواز ذلك، ولكني أجوز الاستقراض عند اقتضاء الحال وانقطاع الأموال، ومصير الأمر إلى منتهى يغلب الظن فيه استيعاب الحوادث لما يتجدد في الاستقبال، وأما ما أدعوه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يأخذ إلا وظيفة حاقة في أوان حلولها أو يستقرض فهذا زلل عظيم، فإنه كان إذا حاول تجهيز جند أشار على المياسير من أصحابه بأن يبذلوا فضلات أموالهم والأقاصيص المأثورة المشهورة في ذلك بالغة مبلغ التواتر. وكانوا رضي الله عنهم يبادرون ارتسام مراسم الرسول عليه السلام على طواعية وطيب أنفس ويزدحمون على امتثال الأوامر حائزين به أكرم الوسائل ازدحام الهيم العطاش على المناهل، وكانت مبادئ إشاراته أنجع في قلوب الناس من سيوف أهل النجدة والبأس في أهل العناد والشراس، وما شبهوا به من أداء الأمر إلى إخلال وإفضائه إلى امتداد الأيدي إلى الأموال فلا احتفال بالأموال عند إظلال الأهوال على بيضة الإسلام، ولا يسوغ أخذ الأموال على الإهمال هزلاً من غير استفصال. فإن سئلنا الدليل فقد قدمنا ما فيه أكمل مقنع، فهذا إنجاز الغرض من هذا الفصل وهو أحد الفصول الثلاثة الموعودة بعد تمهيد
الأصول.
٩٤٠
فأما الفصل الثاني وبه يتم المقصد في بعض ما سبق: وهو أن عساكر الإسلام إذا كثروا، أعني المرتزقة المترتبين في ديوان الجنود والمعقود، وعظمت المؤن القائمة بكفايتهم، وهي جارية على استمرار الأوقات حسب توالي الحاجات التي تتقاضاها الفطن والجبلات، وكان اتساع الرقاع والأصقاع وكثرة الثغور والمراصد في البقاع لا يستقل إلا بكثرة الرجال المترصدين للقراع، وقد قسمهم الإمام على أصناف وأنواع وصففهم جيلاً جيلا ورعيلاً رعيلاً، فمنهم مندوبون أو منتدبون لنفض حريم البلاد عن المتلصصين ذوي العرامة، ومنهم متصرفون في البلاد لردع النابغين من أهل الفساد الزاغين عن منهاج السداد، ومنهم مرتبون في مرابطة الحصون والقلاع، وآخرون في المضائق والمراصد، والنجدة الكبرى محتفون بالإمام وبأمراء الأجناد في البلاد، وإذا انتهي تدبير الممالك إلى ذلك، فالغالب أن ما ينفق من أخماس الغنائم والفيء لا يقيم الأود ولا يديم العدد فإنا كما نصيب نصاب والحرب سجال وللقتال مضطرب وتباين أحال، ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزاً، والمغانم في وضع الشرع ليست مقصودة، فإن الغرض بالتجرد للجهاد إعلاء كلمة الله وحياطة الملة والمغانم ليست معمودة مقصودة، إذ لا يليق بمحاسن الشريعة أن نجعل بذل المهج والتغرير بالأرواح إلى تحصيل المغانم ذريعة، فإذا لا تقوم المملكة بتوقع الاغتنام ولا بد للإمام من الاعتصام بأوثق عصام على ممر الأيام، ووزر الإسلام مأمور بأقصى الاحتياط والحفظ في اللحظ بعد اللحظ، ولا أشبه ما يرتقب من مغنم بالإضافة إلى المؤن القارة إلا بما يقتنصه القانصون من الصيود، بالإضافة إلى النفقات الدائرة، فلو ترك الناس المكاسب معولين على الاصطياد لهلكوا وضاعوا واضطربوا وجاعوا، فهذه التشبيهات قدمتها لتوطئة أمر مقطوع به عندي قد يأباه المقلدون الذين لا تقتضيهم نفوسهم التحويم على الحقائق، فضلاً عن ورودها، وكلما ظهرت حقيقة ولاحت إلى دركها طريقة ضروا بجحودها، فأقول والله المستعان: لا بد من توظيف أموال يراها الإمام قائمة بالمؤن الراتبة أو مدانية لها، وإذا وظف الإمام على الغلات والثمرات أو ضروب الزوائد والفوائد من الجهات يسراً من كثير، سهل احتماله ووقی به أهب [أهل] الإسلام وماله، واستظهر رجاله وانتظمت قواعد الملك وأحواله، ولو عدم الناس سلطانا يكف عن زرعهم وضرعهم عادية الناجمين وتوثب الهاجمين لاحتاجوا في إقامة حراس من ذوي البأس إلى إضعاف ما رمزنما إليه، فإن استنكر ذلك غـر غبي، قلنا: أتنكر أن ما ذكرته وجه الرأي ؟ فإن أباه وادعى خلافه تركته ودعواه، ولن يفلح قط مقلد يتبع في تقليده هواه، و إن اعترف به وقد تقرر أن الاستظهار بأقصى العدد، والعدد محتوم ولا يفي به توقع مغنوم ومفهوم أنه لو استقر بنا داهية ووقع والعياذ بالله خرم في ناحية لاضطرنا في دفع البأس إلى بعض الناس لو تقدمنا بوجه رأي لظننا أن الأمور في استتابها تجري على سنن صوما بها، فإن قيل لم يكن ما ذكرتموه في زمن الخلفاء الراشدين، قلنا لما انتشرت الرعية وكثرت المؤن المعنية تسبب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى توظيف الخراج والإرفاق على أراضي العراق بأطباق واتفاق، والذي يؤثر من خلاف فيه فهو في كيفيته لا في أصله، فإن قيل: أليس مذهب إمامكم الشافعي رضي الله عنه أن الخراج المستأدى من غير أراضي العراق غير ثابت؟ قلنا: مذهبه أن الجزية المضروبة على أراضي الكفارة باسم الخراج تسقط بإسلامهم، كما تسقط الجزى الموزعة على رقابهم. وهو كما قال والذي ذكرناه أمر كلي بعيد من آحاد المسائل، ومنشأة الإيالة الكبرى مع الشهادات الباتة القاطعة من قاعدة الشريعة، فإذا مست الحاجة إلى استمداد نجدة الدين وحرمة المسلمين من الأموال ولم يقع الاجتزاء والاكتناء بما يتوقع على المغيب من جهة الكفار ، وتحقق الاضطرر في إدامة الاستظهار وإقامة حفظ الديار إلى عون من المال مطرد دار، ولو عين الإمام أقواماً من ذوي الثروة واليسار لجر ذلك حزازات في النفوس وفكراً سيئة في الضمائر والحدوس، وإذا رتب على الفضلات والثمرات والغلات قدراً قريباً كان طريقه في رعاية الجنود والرعية مقتصدة مرضية، ثم إن اتفقت مغانم واستظهر بأخماسها بيت المال
المأخذ 🗏
۹
المكو
وغلب الظن اطراد الكفاية إلى أمد مظنون ونهاية فيفض حينئذ ،وظائفه، فإنها ليست واجبات توقيفية ومقدرات شرعية، وإنما رأيناها نظراً إلى الأمور الكلية، فمهما استظهر بيت المال واكتفى، حط الإمام ما كان يقتضيه وعفا. فإن عادت مخايل حاجة أعاد الإمام مناهجه. وهذا الفصل الذي أطلت أنفاسي فيه يلتفت على أمر قدمته في الاستظهار بالادخار، فلست أرى للإمام أن يمد يده إلى أموال أهل الإسلام ليبتني في كل ناحية حرزاً ويقتني ذخيرة وكنزاً ويتأثل مفخراً وعزاء. ولكن توجه لدرور المؤمن على ممر الزمن ما سبق رسمه، فإن استغنى عنه بأموال أفاءها الله على بيت مال المسلمين، كف طلبته على الموسرين، فرحم الله امرءاً طالع هذا الفصل وأنصف وانتصف، ولم يلزمه جاده تقليده ولم يتعسف فالذي حواه هذا الفصل أقصد الطرائق أسد المسالك إلى مدارك الحقائق وقد نجز الفصل الثاني».
۱۲۱
٩٤١
لعلك لاحظت في النص السابق أنه لا دليل نصي قط لدى الجويني للذهاب لمثل هذه الأحكام. بل هو يعتمد على افتراضات منطقية بالنسبة له. أي أن العقل بدأ بالعمل برغم عدم فرض الرسول صلى الله عليه وسلم الخراج على الناس كما يقر هو في نصه، لأنه إن فعل صلى الله عليه وسلم ولو مرة واحدة لشـاع مثل هذا الخبر ولانتشر وطار لأنه من مصلحة السلاطين ولأصبح الخبر مما يقره معظم الفقهاء وبالذات المقربين من السلاطين ولأصبح أمراً مستساغاً شرعاً وكأنه العرف. ولأثبت لك أخي القارئ أن ما ذهب إليه الجويني قذف بالغيب، فقد اضطررت إلى تقسيم النص السابق إلى ستة عشر مقطعاً. كل مقطع يحوي أفكاراً متقاربة. وسأقوم بالتعليق على كل مقطع حتى نتمكن من نقد كامل النص. يقول في المقطع الأول:
... والأمر في أخذ الأموال يجري على هذه الأحوال، فيشير على كل أغنياء في كل صقع بأن يبذلوا من المال ما يقع به الاستقلال، وليس لتفاصيل الرأي غاية ونهاية، فلير الإمام في ذلك كله رأيه، وما ذكرناه ليس حصراً وضبطاً في المقال، ولكنا جئنا ضرباً للأمثال وعلى رأي الإمام بعـد عـون الله الاتكال في مضطرب الأحوال».
هنا كما ترى فإن الجويني رحمه الله تعالى يرمي بالمسؤولية على تحمل نفقات تجهيز الجند على الأغنياء في كل منطقة. وهنا إشكالية أولى وهي أن الفارق المرتفع نسبياً وليس كحالنا اليوم في الثراء بين الناس والذي رآه في عصره لم يكن ليظهر إلا لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق كما يجب. أي أنه رأى وضعاً ظهر واستفحل لأن مقصوصة الحقوق لم تطبق، ثم قرر أن هذا وضع يعطي الحق للسلطان في فرض ما يراه مناسباً على الأغنياء. فهو يقول: وليس لتفاصيل الرأي غاية ونهاية فلير الإمام في ذلك كله رأيه». أي أنه (أي الجويني) ليس بحاجة للتفصيل لكيفية أو مقدار ما يجب أن يؤخذ من الأغنياء، بل ذلك متروك للإمام ورأيه، وأن ما ذكره من أمثلة في النص هي ليست حصرية ولكنها أمثلة توضيحية. فهو يقول: «وما ذكرناه ليس حصراً وضبطاً في المقال، ولكنا جئنا ضرباً للأمثال وعلى رأي الإمام بعد عون الله الاتكال في مضطرب الأحوال». ثم بعد هذه القناعة يعطيك نصاً ليحاول فيه إقناعك أن ما ذهب إليه هو ما يجب أن يُتبع بالقول:
«ومن تتمة القول في هذا أن المسلمين إذا وجدوا معاذاً واتخذوا لملماتهم ملاذاً لم يكن لهم مضادته ومرادته ومعاندته ومحادثته، فإن رأى إذا وقعت واقعة عامة وداهية مطبقة للخطة طامة، ومست الضرورات في دفاعها إلى عدة ومادة من المال تامة، ويد الإمام صافرة وبيوت الأموال شاغرة أن يتسبب إلى استيداء مال من موسري ،المؤمنين فإنه يفعل ذلك على موجب الاستصواب ما أراه وعمم
٩٤٢ 🗏
أهل الاقتدار واليسار في أقاصي البلاد».
فكما ترى في أول النص السابق فإن الجويني لديه قناعة أنه لأنه اجتهد وأتى بفكرة ضرورية لأمان الأمة كما يعتقد فإنه لا يُستساغ لأي مسلم معاندة ومناقشة ما يدعو إليه وبالذات في حال مداهمة الخطر ديار المسلمين. فهو يقول موضحاً الخطورة على ديار المسلمين: «إذا وقعت واقعة عامة وداهية مطبقة للخطة طامة». والخطة (بكسر الخاء) كما سيأتي بيانها في فصل «الأماكن» هي المنطقة المعروفة لجماعة معينة. فإن تعرضت خطط المسلمين لداهية مطبقة واحتاج الوضع للدفاع بالضرورة، فإنه عندها لا مفر من إعداد العدة والتي تحتاج للأموال. فهذا ما يقصده بقوله: «ومست الضرورات في دفاعها إلى عدة ومادة من المال تامة». ». ثم إن هذا الوضع كما يقول سيؤدي بالإمام إلى اللجوء لأموال الأثرياء كما يرى الإمام حتى وإن كان الأثرياء في أقاصي البلاد، أي ليسوا بالقرب من مواقع الأعداء. أي للإمام اللجوء لأموال الموسرين لأن يد الإمام صافرة وبيوت الأموال شاغرة، أي لا
مال فيها. ثم يقول في المقطع الثالث موضحا ما يستطيع الإمام فعله في مثل هذه الحالات الخطرة على الأمة:
«ورتب على كل ناحية في تحصيل المراد ذا كفاية ودربة وسداد، وإن عسر التبليغ إلى الاستيعاب، ورأى في وجه الصواب أن يخصص أقواماً ثم يجعل الناس في ذلك فئاماً، فيستأدى عند كل ملمة من فرقة أخرى وأمة اتبع في ذلك كله أوامره واجتنب زواجره، ثم ليكن في ذلك على أكمل نظر وأسد فكر وعبر، فإن اقتضى الرأي تعيين أقوام على التنصيص يعرض لهم على التخصيص ونر إلى من كثر ماله وقل عياله، وقد يتخير من خيف عليه من كثرة ماله أن يطغى ولو ترك لفسد ولو غض من غلوائه قليلاً لأوشك أن يقتصد ويستد، وإذا لم يخل المتصدي للإمامة والاستقامة عن تحديد النظر وتسديد الفكر، ففيما ذكرناه تصريحاً أو رمزاً إليه تلويحاً له معتبر، ، ثم إذا قد لاحت المراشد ووضحت القاصد، فنذكر بعدها ثلاثة فصول بعد تمهيد ما سبق من الأصول».
لعلك لاحظت في النص السابق أنه يقترح طرقاً لجمع الأموال بأن يكون ذلك أولاً على النواحي المختلفة، أي على المناطق المختلفة بالقول: «ورتب [أي الإمام] على كل ناحية في تحصيل المراد ذا كفاية ودربة وسداد». فإن تعذر على الإمام هذا الوضع من تبليغ الأقوام في المناطق المختلفة فإنه قد يتوجه عندئذ (كما يقول) إلى سياسة ضريبية أخرى وهي التخصيص بضرائب معينة على أقوام معينين وذلك بالقول: «وإن عسر التبليغ إلى الاستيعاب، ورأى في وجه الصواب أن يخصص أقواماً ثم يجعل الناس في ذلك فئاماً». ثم يوضح أنه بعد مدة قد توضع الضريبة على جماعة أخرى عند حدوث ملمة أخرى. فهو يقول: «فيستأدى عند كل ملمة من فرقة أخرى وأمة». ثم يستمر مقترحاً طرقاً، أو بالأصح معايير ما أنزل الله بها من سلطان في وضع الضرائب على الرعية: فهو يقول بأنه من كثر ماله وقل عياله، فهو أولى بوضع الضرائب عليه أليس هذا ابتكاراً جديداً في الشريعة؟ لا وبل هناك طائفة أخرى يمكن أن توظف عليها الضرائب وهي: «من خيف عليه من كثرة ماله أن يطغى». ثم يوضح سبب وضع الضرائب على هذا الفرد بأنه «لو ترك لفسد ولو غض من غلوائه قليلاً لأوشك أن يقتصد ويستد». فمن أين أتى بمثل هذه المعايير لفرض الضرائب؟ أليس هناك من الأثرياء من هم من الأتقياء مثل عبد الله بن المبارك رحمه الله؟ والعكس أيضاً . صحيح، أليس هناك من الفقراء من هم مستكبرون وعاصون؟ وهل السلطان إلا بشر لا يستطيع معرفة ما في صدور الناس؟ فكيف يُعطى الإمام إذاً الصلاحية للحكم على بواطن الناس ليأخذ بعض الأموال ممن يعتقد أنه قد يفسق حتى لا يفسق؟ إن من البيان لسحراً أخي القارئ. حتى الآن لم يقدم الجويني أي دليل نصي، بل فقط قناعاته
المكو
٩٤٣
الشخصية، ثم لتوضيح ما طرحه من أفكار فإنه يستعرض المذهبين المتضادين في المسألة، فيوضح باختصار ما ذهب إليه كل من أهل السلف وأهل الرأي فيقول في المقطع الرابع:
«أحدها أن من الناس من ذهب إلى أن الإمام يأخذ ما يأخذه في معرض الاقتراض على بيت المال على
كل حال فإن تأتت مداره ومجالبه تعين رد ما اقترض والمقترض يطالبه. وقال قائلون أن . عمم بالاستداء مياسير البلاد والمثرين من طبقات العباد فلا مطمع في الرد والاسترداد، وإن خصص بعضا لم يكن ذلك إلا قرضاً، ونحن نذكر ما يتعلق به كل فريق ثم نذكر مسلك التحقيق».
ترى في النص السابق أنه يوضح الطريقتين في جمع الأموال ثم حقوق من أخذت منهم الأموال الأولى هي
أن من الفقهاء من قال أن للإمام أن يستقرض لبيت المال من الناس، ثم إن عليه بعد زوال الخطر إعادة الأموال لأصحابها. أما الرأي الآخر فهو الذي يقول بأنه إن كان الاستقراض من الأثرياء والموسرين من طبقات مختلفة فلا حق لمن أخذت منهم الأموال في مطالبة بيت المال. أما إن كان الأخذ من بعض الأفراد المحددين فإن ذلك قرض على بيت المال. لاحظ أنه يستخدم عبارة «الرد والاسترداد». فهو يقصد أخذ الأموال من الناس ثم ردها إليهم متى ما توفر مال في بيت المال، ثم مرة أخرى أخذ الأموال عند كوارث أخرى ثم ردها لأصحابها، وهكذا من دورات متتالية. وهذه الآلية هي ما يستثمرها كدليل لإثبات مذهبه كما سترى لاحقاً بإذن الله. ثم يوضح الجويني موقف أهل السلف بالقول في المقطع الخامس:
«فمن قال الإمام يستقرض استمسك بأن أقدار الواجبات مضبوطة الجهات في قواعد الدين ومذاهب المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أضاق المحاويج والفقراء استسلف من الأغنياء، وربما استعجل الزكوات، فلو كان يسوغ الأخذ من غير اقتراض لكان عليه السلام بينه ليتقدي به من بعده عند فرض الإضافة، وربما تعلق هؤلاء بأن مآخذ الأموال لو تعدت الطرق المضبوطة والمسالك الموضحة في الشريعة لانبسطت الأيدي إلى الأموال ولجر ذلك فنوناً من الخبال، ولم يثق ذو مال بماله لا في حاله ولا في مآله. وهذا خروج عن ضبط الدين وحل لعصام الإسلام عن أموال
المسلمين».
إن النص السابق غريب جداً لأن الجويني يدرك تماماً سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ألا وهي الاقتراض وليس فرض الضرائب، ومع ذلك يعطي الإمام الحق في فرض الضرائب !!!! فهو يدرك علة استمساك الفقهاء الذين قالوا أن للإمام الاقتراض فقط، والعلة هي أن جميع جهات النفقات التي هي على بيت المال مقدرة ومضبوطة في الشريعة لذلك لا حاجة لفرض الضرائب وذلك بقوله: «أن أقدار الواجبات مضبوطة الجهات في قواعد الدين ومذاهب المسلمين». ثم يوضح فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أما الاستلاف أو تعجيل الزكاة بطلبها من بعض الناس بالقول: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أضاق المحاويج والفقراء استسلف من الاغنياء، وربما استعجل الزكوات». ثم يوضح لنا أنه إن كان الأخذ من الناس لبيت المال من غير اقتراض جائز لكان صلى الله عليه وسلم هو الأولى بهذا الفعل، ولأنه لم يفعله فإن المستمسكين بسنته متعلقون بهذه السنة لأنهم يعتقدون أن في فرض الضرائب على الناس انفلات ما بعده انفلات إذ أن ذلك سيجر «فنوناً من الخبال» ذلك لأنه لن يثق أحد على ماله ولا على حاله ولا على مآله خوفاً من السلطان الذي قد يفرض ما يراه من ضرائب في أية لحظة وعلى من يشاء. وفي هذا كما يقول مبيناً مذهب من يرفضون الضرائب: «خروج عن ضبط الدين وحل لعصام الإسلام عن أموال
٩٤٤ 🗏
المسلمين». وفي هذه الأخيرة هو بالطبع محق. ولكنه مع كل هذا الإدراك لعلل التمسك بالشريعة إلا أن له مذهباً آخر يبينه في المقطع السادس، وهو من أهم المقاطع والذي رجع إليه الجنيدل لإثبات طرحه): «والمرتضى عندي أن ذلك جبن وخور وذهول عن سنن النظر. فإن للإمام أن يأخذ من الجهات التي ذكرناها ما يراه ساداً للحاجة على ما قدمنا منهاجه ولا يلزمه الاستقراض سواء فرض أخذه من معينيين أو من المياسير أجمعين. والدليل عليه أنا لو فرضنا خلو الزمان عن مطاع لوجب على المكلفين القيام بفرائض الكفايات من غير أن يرتقبوا مرجعاً، فإذا وليهم إمام فكأنهم ولوه أن يدبرهم تعـ م تعييناً وتبييناً فيما كان من وظائفهم فوض، ولولاه لأوشك أن يتخاذلوا ويحمل البعض الأمر فيه على البعض، ثم تنسحب المآثم على كافتهم، والإمام القوام يدفع التخاذل والتغالب ويحمل الأعيان على التناوب فيما على الكافة والخروج عن عهدته والذي يوضح المقصد أنه لو استقرض لكان يؤدي ما اقترضه من مال فاضل مستغنى عنه في بيت المال، وربما تمس الحاجة إلى ما يقدره في الحال فاضلاً ثم يقتضي الحال استرداد ما وفيناه على المقرض، ويستدبر التدبير فلا يزال في رد واسترداد وما أدى إلى التسلسل فهو في وضعه لا يتحصل».
تجد أن المقطع السابق أخي القارئ يبدأ بجراءة على أولئك الذين يأخذون بالدليل فقط لإصدار الأحكام. أي أنه بدأ بجرأة على أهل السلف رحمهم الله . فهو يصفهم بالجبن والخور وأنهم لا يعيشون واقعهم المبني على سنن يجب النظر فيها بالقول: «والمرتضى عندي أن ذلك جبن وخور وذهول عن سنن النظر». ثم يبين مذهبه بأن للإمام فرض الضرائب كما وضح سابقاً بأنها إما على الجميع أو على طائفة محددة، وأنه ليس عليه الاقتراض. وبالطبع فهنا عليه أن يأتي بالدليل. ولأنه لا دليل نصي لديه لجأ إلى العقل والعقل بالطبع قاصر. فما هو دليله؟ إن دليله هو الافتراض الآتي: لقد افترض الجويني أنه قد يوجد زمان لا إمام مطاع فيه. والسؤال الحتمي هنا هو: هل هذا افتراض ممكن والرسول صلى الله عليه وسلم أكد على ضرورة الإمامة حتى وإن كانوا ثلاثة في فلاة فعليهم أن يؤمروا أحدهم وسيأتي في فصل «الحكم» بإذن الله . ولكن لنمضي معه في افتراضاته ولنقل جدلاً أنه قد يأتي زمان لا إمام للناس فيه، فما الذي سيحدث؟ هنا يأتي الجويني بافتراض آخر وهو أنه عندها فإنه يجب على المكلفين، أي على الرعية، القيام بفروض الكفاية من غير مرجع إذ لا سلطان بينهم، فما بالك بما هو فرض عين (كما يرى الجويني)؟ فمن باب أولى أن عليهم القيام بتلك الفروض ، أي دفع شر الأعداء مثلاً، من غير ارتقاب مرجع كالسلطان. أي أن الناس من غير سلطان سينفقون الأموال في حال الضرورة لدفع شر الأعداء لا محالة. أي أن الإنفاق حاصل حاصل. وهذا ما يريد الوصول إليه من استنتاج حتى يبني عليه دليله كما سيأتي بإذن الله. أي وكأنه إن وليهم إمام فإنما هو الذي «يدبرهم يقيناً فيما كان من وظائفهم»، أي يدير أمورهم فيما هو يقيناً . عليهم من واجبات مالية (وظائف). وإلا فإنهم سيتخاذلون إن لم يوجد إمام لأن كل واحد من الناس سيرمي بالمسؤولية على الآخر، وهكذا «تنسحب المآثم على كافتهم أما إن كان هناك إمام قوام، أي يقوم بأعمالهم مثلاً، كما يقول، فإنه يدفع التخاذل لأن مسؤوليات القيام بأمور الدولة الضرورية محمول على «الأعيان على التناوب». وهنا لابد من التنويه على أن الجويني نسي في افتراضه هذا مسألة جد مهمة، وهي أنه إن قام الناس بالدفاع عن أنفسهم بأموالهم فإنه لا هدر تماماً مقارنة بوضع يأخذ فيه السلطان الأموال ويعطي هذا ويمنع عن هذا. أي أن تكلفة الدفاع عن الديار ستكون بأموال أقل وبكفاءة أعلى، وهذا ما تدفع إليه الشريعة. هذا بالإضافة إلى أنه نسي أيضاً أن الشريعة كما بينت في الحديث عن «القوة الحقة» في فصل «دولة الناس» تحث الناس على اكتساب مهارات القتال. وفي مثل
المكون
٩٤٥
منهم ؟
هذه الحالات فإن الحاجة للسلطان هي ليست لتجهيز الجيش مالياً بالدرجة الأولى، ولكن لتنظيم الصفوف في القتال وما إلى ذلك من متطلبات حربية كما سترى بإذن الله . ولعل السؤال هو : لماذا كل هذه الافتراضات من الجويني رحمه الله؟ والإجابة هي لأنه يريد أن يصل لنقطة مهمة لإثبات دليله بقوله: «والذي يوضح المقصد أنه لو استقرض لكان يؤدي ما اقترضه من مال فاضل مستغنى عنه في بيت المال». أي أنه يقول أن الإمام إن استقرض لبيت المال، أي أخذ من الرعية أموالاً لبيت المال، فإنه عند إعادة هذه الأموال لمن أخذت منهم فلن يستطيع الإمام إعادة شيء إلا إن كان فاضلاً عن نفقات بيت المال، وإلا من أين لبيت المال مال حتى تتم إعادة الأموال لمن تم الاقتراض ؟ فلابد وأن يكون المعاد للمقرضين فاضلاً، أي فائضاً عن حاجات بيت المال. ثم يقول: «وربما تمس الحاجة إلى ما يقدره في الحال فاضلاً، ثم يقتضي الحال استرداد ما وفيناه على المقرض، ويستدبر التدبير فلا يزال في رد واسترداد وما أدى إلى التسلسل فهو في وضعه لا يتحصل». هذا هو الدليل بالنسبة له على أن للسلطان الحق في فرض الضرائب: لأنه يقول أن الإمام قد يخطئ لأنه قدر أن هناك فائضاً مالياً ويجب دفعه للمقرضين ثم يتضح للإمام أن ما دفعه للمقرضين لسداد الدين هو في الواقع مال هو بحاجة له مرة أخرى لظهور خطر آخر. وهكذا فإن الإمام بين رد واسترداد، أي يقترض المال ثم يعيده للمقرضين ثم يقترض ويعيد وهكذا بين رد واسترداد. وهذا وضع مرفوض بالنسبة له لأن المال الذي بين الرد والاسترداد هو في الواقع مال فائض عن حاجات الناس لأنه بين الناس وبين بيت المال جيئة وذهاباً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كما استنتج سابقاً فإن هذا المال هو ما كان يجب أن ينفقه الناس شاؤا أم أبوا إن لم يكن هناك إمام يدبر أمورهم. لذلك فهو يقترح حلاً آخر والذي يوضحه في المقطع السابع بقوله (وقد استشهد الجنيدل بهذا المقطع أيضاً):
.
«والذي يجب التعويل عليه أن كل واقعة وقعت في الإسلام تعين على ملتزمي الإسلام أن يقيموا أمر الله فيها إما بأنفسهم إذا فقدوا من يليهم، أو بأن يتبعوا أمر واليهم ، فإذا امتثلوا أمر الله بأنفسهم أو بأموالهم على تفنن أحوالهم، فارتقابهم رجوعاً في مالهم يشعر بأنهم ما كانوا متأصلين فيما كلفهم ربهم، وهذا ظن كاذب ورأي غير صائب، فالمسلمون هم المخاطبون والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكنه مستتاب [مستناب] في تنفيذ الأحكام، فإذا نفذت، فلا مطمع في مرجع، فإن در لبيت المال مال فحظ المسلمين منه تهيه للحاجات في مستقبل الأوقات، فهذا منتهى القول في هذا الفن».
هنا تجد أن الجويني رحمه الله يقترح أن ما يمكن الاعتماد عليه عند كل كارثة أو عند كل خطر على المسلمين هو أن يتحمل كل مسلم مسؤولياته بإقامة أمر الله من خلال تحمل النفقات إن لم يكن للمسلمين إمام، أو باتباع أوامر الإمام إن وجد. وهنا يأتي الاستنتاج المهم بالنسبة له وهو أنه إن امتثل المسلمون لأوامر الله سبحانه وتعالى فإنهم سينفقون الأموال بالتأكيد في جميع تفنن أحوالهم، وإن لم ينفقوها فهم إنما في الواقع لا يطبقون شرع الله، أي أنهم تراجعوا عن مسؤولياتهم، أو كما يقول: «ما كانوا متأصلين فيما كلفهم ربهم». وهذا بالنسبة له ظن كاذب ورأي غير صائب». أي أنه يجب ألا يظن بالمسلمين أنهم سيتراجعون عن مسؤولياتهم، ولأنهم لن يتراجعوا عن مسؤولياتهم فهم سينفقون الأموال حتماً سواء وجد الإمام أو لم يوجد، وهذه الأموال التي ستنفق هي ما سيأخذها الإمام كضرائب. وهذا الاستنتاج واضح من جملته الأخيرة في المقطع السابق والتي يوضح فيها أن خطاب الشريعة في تحمل المسؤوليات هو في العادة لجميع المسلمين وليس للإمام فقط. فالإمام فرد بين جماعة
٩٤٦ 🗏
منهم
المسلمين برغم أنه مستأمن على تنفيذ الأحكام، فإن نفذها فهو إنما يأخذ الأموال لدرء الخطر الذي هو مسؤولية كل مسلم. وهذه الأموال التي ستؤخذ تنفق على درء الخطر ولن تعاد للناس، «فلا مطمع في مرجع» كما يقول، أما إن لم تنفق فإنه حظ المسلمين لتنفق على حاجات مستقبلية وليست كالأموال التي تعاد لمن أخذت كالقروض. هل رأيت كيف وضع الجويني الأفكار في تسلسل من نسج العقل القاصر ليصل إلى استنتاجه أن الضرائب جائزة في الشريعة؟ ولكنه نسي مسألة مهمة وهي مبدأ الرد والاستراداد التي بنى عليها مذهبه. فهو يرى أن كمية المال هذه التي هي بين رد واسترداد بين الناس والإمام هي التي يجوز أن يأخذها السلطان كضرائب لأنها فائضة عن حاجات الناس. وهنا تظهر ثلاث زلات الأولى هي أنه إن كان هذا المال الذي هو بين رد واسترداد هو مبلغ ثابت، فإن الكارثة أهون، ففي واقع الحال فإن السلطان عندما يأخذ الضرائب فإنه لن يتوقف، بل ينفقها، ثم بعد فترة يأخذ مال آخر كضرائب، أي أن المال الذي هو بين رد واستراداد ليس مبلغاً ثابتاً، بل في تزايد مع مرور الأيام. أما الزلة الثانية فهي تأويله أن ما يؤخذ من الناس هو في الواقع لأن وهذا أيضاً غير صحيح، المال بالنسبة للناس عادة ليس فقط لتوفير الضروريات والحاجيات، بل أيضاً لاستثماره لتكثير أصولهم المنتجة. فكل مبلغ يقتطع من أي إنسان سيؤثر على استثماره، وبهذا فإن الضرائب مع مرور الزمن ستؤثر سلباً في نمو إنتاجية الأمة. أي أن الاقتصاد ليس بهذه البساطة التي وضعها، فهي أعقد من ذلك وفوق عقول البشر القاصرة. أما الزلة الثالثة فهي أن السلطان ومن حوله سيزدادون سطوة بهذه الأموال مما يجعلهم في موقع أقرب لخرق الشريعة. لقد تألمت كثيراً من قراءة نص إمام الحرمين ولتبسيطه لأمور معقدة ثم استحداث حكم ما أنزل الله به من سلطان. ليس هذا فحسب، بل تأمل أيضاً ما قاله في المقطع الثامن من الاقتباس:
فاضل
عنهم.
«وأنا أقول الآن لست أمنع الإمام من الاقتراض على بيت المال إن رأى ذلك استطابة للقلوب وتوصلاً إلى تيسير الوصول إلى المال مهما اتفقت واقعة أو هجمت هاجمة، والذي قدمته ليس تحريماً للاستقراض ولكنه تمهيد لما يسوغ للامام أن يفعله، والأمر موكول إلى رأيه، واستصوابه في افتتاح كل أمر ومآبه، والجملة في ذلك أنه إذا ألمت ملمة واقتضي إلمامها مالاً فإن كان في بيت المال مال استمدت كفايتها من ذلك المال، وإن لم يكن في بيت المال نزلت على أموال كافة المسلمين، فإذا كفيت من أموالهم فقد انقضت وانقطعت تبعاتها وعلائقها، فإذا حدث مال تهيأ ما حدث للحوادث المستقبلة، فهذه معضلات لا يستد فيها إلا مؤيد، ولا يطبق مقصد الحق فيها إلا مسدد».
ترى في السابق أنه قد تولدت لدى الجويني قناعة بقوة حجته لدرجة أنه خاف من أن يتطرف الناس ويذهبوا إلى النقيض الذي استحدثه برفض الاقتراض لأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «والذي قدمته ليس تحريماً للاستقراض ولكنه تمهيد لما يسوغ للإمام أن يفعله، والأمر موكول إلى رأيه». ثم بعد ذلك يمر سريعاً على جدل من نسجه هو لإثبات ما ذهب إليه من خلال القياس على إطعام الجائع المضطر وحق الابن الفقير في مال أبيه. ولا أريد هنا الخوض في ما قدمه من أمثلة للقياس عليها إذ لا حاجة لذلك إلا إن لم تكن هناك سنة واضحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ولأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة وهي الاستقراض أو تعجيل الزكاة، فلا داعي لأي قياس لأن الحكم معروف للجميع بما فيهم الجويني الذي يدرك ذلك تماماً من خلال قوله في المقطع
التاسع:
«وما ذكره الأولون من استسلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسيس الحاجات واستعطاله
٩٤٧
۹
المكو
ومصير
الزكوات فلست أنكر جواز ذلك، ولكني أجوز الاستقراض عند اقتضاء الحال وانقطاع الأموال، الأمر إلى منتهى يغلب الظن فيه استيعاب الحوادث لما يتجدد في الاستقبال. وأما ما أدعوه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يأخذ إلا وظيفة حاقة في أوان حلولها أو يستقرض فهذا زلل عظيم، فإنه كان إذا حاول تجهيز جند أشار على المياسير من أصحابه بأن يبذلوا فضلات أموالهم والأقاصيص المأثورة المشهورة في ذلك بالغة مبلغ التواتر وكانوا رضي الله عنهم يبادرون ارتسام مراسم الرسول عليه السلام على طواعية وطيب أنفس ويزدحمون على امتثال الأوامر حائزين به أكرم الوسائل ازدحام الهيم العطاش على المناهل، وكانت مبادئ إشاراته أنجع في قلوب الناس من سيوف أهل النجدة والبأس في أهل العناد والشراس، وما شبهوا به من أداء الأمر إلى إخلال وإفضائه إلى امتداد الأيدي إلى الأموال فلا احتفال بالأموال عند إظلال الأهوال على بيضة الإسلام، ولا يسوغ أخذ الأموال على الإهمال هزلاً من غير استفصال. فإن سئلنا الدليل فقد قدمنا ما فيه أكمل مقنع، فهذا إنجاز الغرض من هذا الفصل وهو أحد الفصول الثلاثة الموعودة بعد تمهيد الأصول».
هنا من المقطع السابق يظهر سؤال ملح: لقد أقر الجويني أن الرسول صلى الله عليه وسلم استقرض الأموال ا وعجل الزكاة «عند مسيس الحاجات ولا مال في بيت المال، فلماذا لم يأخذ بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وجوز الضرائب برغم أن الظروف لم تتغير، أي أنها نفسها، فهي ضرورات تزامنت مع خواء بيت المال؟ ثم ينقد ما ذهب إليه أهل السلف بالقول: «وأما ما أدعوه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يأخذ إلا وظيفة حاقة في أوان حلولها أو يستقرض فهذا زلل عظيم. ثم يبين أنه زلل لأن الناس كانوا يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم إن هو دعاهم أن يبذلوا من أموالهم طواعية. وأن الآثار في هذا كثيرة جداً. وكأنه يشير إلى أن هذا لن يحدث في زمانه وزمان من بعده لذلك فإنه لا مفر من الضرائب. وهنا لابد من التنويه أن كل من يفكر بهذه الطريقة فهو إنما يقول بطريقة غير مباشرة أن الإسلام دين غير صالح لكل زمان ومكان. والإجابة على هذا أنه كلما زادت سلطات السلطان بتقييد أيدي الناس كما هو الحال في معظم العصور، كلما زاد زيغ الناس لقلة تقواهم، وكلما لم يكترثوا لحال المسلمين، لذلك فهم لن يهبوا للتطوع بدفع المال، أي ليس كحال الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما طبقت مقصوصة الحقوق. فكما سترى بإذن الله فإنه مع ثراء الناس وسمو قيمهم، فإنهم سيهبون للنصرة من أموالهم في كل العصور. وفي هذه الحالة فإن ما سينفق من أموال على القتال هي أموال تذهب من الناس المنفقين للمقاتلين مباشرة وليس بالضرورة عن طريق السلطان حتى لا يزداد فساداً بهذه الأموال. وسيأتي توضيح هذه الحركية بإذن الله . ثم في المقطع العاشر يحاول الجويني تثبيت مذهبه بالمزيد من الأدلة المنطقية إذ يقول:
هو
«فأما الفصل الثاني وبه يتم المقصد في بعض ما سبق: وهو أن عساكر الإسلام إذا كثروا، أعني المرتزقة المترتبين في ديوان الجنود والمعقود، وعظمت المؤن القائمة بكفايتهم، وهي جارية على استمرار الأوقات حسب توالي الحاجات التي تتقاضاها الفطن والجبلات، وكان اتساع الرقاع والأصقاع وكثرة الثغور والمراصد في البقاع لا يستقل إلا بكثرة الرجال المترصدين للقراع، وقد قسمهم الإمام على أصناف وأنواع وصففهم جيلاً جيلاً ورعيلاً رعيلاً، فمنهم مندوبون أو منتدبون لنفض حريم البلاد عن المتلصصين ذوي العرامة، ومنهم متصرفون في البلاد لردع النابغين من أهل الفساد الزاغين عن منهاج السداد، ومنهم مرتبون في مرابطة الحصون والقلاع، وآخرون في المضائق والمراصد، والنجدة الكبرى محتفون بالإمام وبأمراء الأجناد في البلاد، وإذا انتهي تدبير الممالك إلى ذلك، فالغالب أن ما ينفق من أخماس الغنائم والفيء لا يقيم الأود ولا يديم العدد فإنا كما نصيب
٩٤٨ 🗏
نصاب والحرب سجال وللقتال مضطرب وتباين أحال، ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزاً، والمغانم في وضع الشرع ليست مقصودة، فإن الغرض بالتجرد للجهاد إعلاء كلمة الله وحياطة الملة والمغانم ليست معمودة مقصودة، إذ لا يليق بمحاسن الشريعة أن نجعل بذل المهج والتغرير بالأرواح إلى تحصيل المغانم ذريعة، فإذا لا تقوم المملكة بتوقع الاغتنام ولا بد للإمام من
بعد
الإعتصام بأوثق عصام على ممر الأيام، ووزر الإسلام مأمور بأقصى الاحتياط والحفظ في اللحظ اللحظ، ولا أشبه ما يرتقب من مغنم بالإضافة إلى المؤن القارة إلا بما يقتنصه القانصون من الصيود، بالإضافة إلى النفقات الدائرة، فلو ترك الناس المكاسب معولين على الاصطياد لهلكوا وضاعوا واضطربوا وجاعوا، فهذه التشبيهات قدمتها لتوطئة أمر مقطوع به عندي قد يأباه المقلدون الذين لا تقتضيهم نفوسهم التحويم على الحقائق، فضلاً عن ،ورودها وكلما ظهرت حقيقة ولاحت إلى دركها
طريقة ضروا بجحودها».
كما ترى فإن ما يحاوله الجويني في هذا المقطع من النص تثبيت صحة مذهبه وذلك من خلال وصف حال العسكر الكُثر الذين سيحتاجون للنفقات الكثيرة لا محالة (بالنسبة له). فهو يركز على أن عساكر الإسلام، وهم المرتبون في ديوان الجند، كثيرون جداً لأن رقعة دولة الإسلام أصبحت كبيرة، ولابد من تصنيف العسكر كأولئك الذين في الحصون والمضائق وما شابه. وفي مثل هذه الحالات فإن أموال الفيء والغنائم غير كافية بالتأكيد، فهي كما يقول لا تقيم الأود ولا تديم العدد أي بلغة أخرى فإن الدين غير صالح لزمانه لأن الأموال التي قصتها الشريعة لن تكفي هذا العدد الكبير من العسكر ونفقاتهم. ولا أريد هنا التذكير والتكرار بأنه إنما يحكم على وضع أصبح فيه العمل العسكري وظيفة وليس عبادة. فهو يقول ناقداً حال الغنائم كما ينظر إليها البعض بأن الغنائم ليست مقصودة لذاتها إذ يقول: «إذ لا يليق بمحاسن الشريعة أن نجعل بذل المهج والتغرير بالأرواح إلى تحصيل المغانم ذريعة». لذلك، فكما يعتقد، فلابد للسلطان بأن لا يعوّل على الغنائم لتغطية النفقات، بل عليه الاعتصام بأوثق عصام على ممر الأيام»، وهذا لا يتأتى إلا بأخذ الضرائب. وهنا يضع تشبيهاً للسلطان الذي يعوّل على الغنائم بأنه كالإنسان الذي يعتمد على الصيد في مأكله، فإنه سيهلك لأن الصيد غير منتظم في إدراره. أي وكأنه يقول أن على السلطان أن يجد مصدراً آخر غير الغنائم، وأن هذا المصدر لتمويل العسكر يجب أن يكون مصدراً الضرائب. ثم أخيراً ينقد المقلدين والذين هم بالنسبة له أولئك الذين سيرفضون اجتهاده. ثم يقول في
ثابتاً، ألا وهو المقطع الحادي عشر مستنتجاً:
«فأقول والله المستعان: لا بد من توظيف أموال يراها الإمام قائمة بالمؤن الراتبة أو مدانية لها، وإذا وظف الإمام على الغلات والثمرات أو ضروب الزوائد والفوائد من الجهات يسراً من كثير، سهل احتماله ووقى به أهب [أهل] الإسلام وماله، واستظهر رجاله وانتظمت قواعد الملك وأحواله».
لقد وصل الجويني إلى قناعة تامة لفرض الضرائب كما ترى في النص السابق فهو يقول: «لابد من توظيف أموال ...». وأن هذا التوظيف إن كان يسيراً على كثير فإن الناس سيتحملونه، وبهذا فإن أهل الإسلام وأموالهم سيكونون في أمان. ثم لتثبيت مذهبه هذا أكثر وأكثر يحاول تصور الوضع المعاكس بالقول في المقطع الثاني عشر:
«ولو عدم الناس سلطاناً يكف عن زرعهم وضرعهم عادية الناجمين وتوثب الهاجمين لاحتاجوا في إقامة حراس من ذوي البأس إلى إضعاف ما رمزنما إليه، فان استنكر ذلك غر غبي، قلنا: أتنكر أن ما ذكرته وجه الرأي ؟ فإن أباه وادعى خلافه تركته ودعواه، ولن يفلح قط مقلد يتبع في تقليده هواه
٩٤٩
۹
المكو
وإن اعترف به وقد تقرر أن الاستظهار بأقصى العدد، والعدد محتوم ولا يفي به توقع مغنوم ومفهوم أنه لو استقر بنا داهية ووقع والعياذ بالله خرم في ناحية، لاضطرنا في دفع البأس إلى بعض الناس لو بوجه رأي لظننا أن الأمور في استتابها تجري على سنن صوما بها».
تقدمنا
إن الجويني في السابق يحاول تصوير الوضع حتى يقتنع القارئ برأيه بأنه إن لم يكن هنالك سلطان ثم تعرضت ديار المسلمين للخطر فإن الناس سيحتاجون عندها إلى حراس من ذوي البأس، وهذا الوضع المفترض بحاجة لأموال أكثر مما إن هم دفعوا اليسير من الضرائب للسلطان. أي أن الجويني هنا يضع افتراضاً آخر وهو أن الناس لن يقوموا بالدفاع عن أنفسهم، بل إن تعرضوا للخطر فإنهم سيستأجرون من يقومون بالدفاع عنهم من الأشداء من الناس، وهؤلاء بحاجة للكثير من الأموال. وهذا الافتراض بالطبع ليس صحيحاً إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن على الناس الدفاع عن أنفسهم كما وضحت في الحديث عن «القوة الحقة». والمثير للدهشة هو أنه ينتقد بشدة من يرفضون فرضياته بنعتهم بالغباء. وأن الناس تجاه فرضياته بالطبع صنفان: إما موافقون له، وإما معارضون. فبالنسبة للمعارضين فإنه يقول بأنه لن يكترث لهم لأنه لن يفلح قط مقلد يتبع في تقليده هواه». هل رأيت كيف قلب الجويني المسألة أخي القارئ. إن من البيان لسحراً. فهو يتهم من يتبع السنة بأنه . يتبع هواه لأنه رفض قول الجويني المبني على افتراضات العقل القاصر !!! أما إن اعترفت بفرضياته، وهي أن الغلبة للمسلمين ستكون بعدد أكبر من الجند وأن هذا العدد المحتوم لا تفي بنفقاته المغانم المتوقعه وذلك بقوله: «وقد تقرر أن الاستظهار بأقصى العدد، والعدد محتوم ولا يفي به توقع مغنوم ومفهوم»، فعندها فلا مفر لك من تقبل الضرائب. وهنا أطلب منك أن تتذكر مسألة مهمة وهي أن الغلبة ليست بكثرة العدد كما ذكرت سابقاً. أي أنني قد نقدت حتى الآن جميع فرضيات الجويني. أي أنه على خلاف السنة في هذه المسألة وهو يدرك ذلك، فيستدرك المسألة مرة أخرى بالقول في المقطع الثالث عشر:
«فإن قيل لم يكن ما ذكرتموه في زمن الخلفاء الراشدين، قلنا لما انتشرت الرعية وكثرت المؤن المعنية تسبب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى توظيف الخراج والإرفاق على أراضي العراق بأطباق واتفاق، والذي يؤثر من خلاف فيه فهو في كيفيته لا في أصله».
هنا ترى أنه يدرك الفارق بين ما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه وبين ما يقترحه هو (أي الجويني). فهو يقول أنه عندما كثرت الحاجة للأموال فإن الخليفة عمر رضي الله عنه فرض الخراج على الأراضي «بأطباق واتفاق». وهذا كما وضحت في فصول سابقة غير صحيح لأن ما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه كان مصدراً للخلاف بين الفقهاء. فلا اتفاق هنالك. ثم يقول إن الخلاف هو في كيفية الخراج لا في أصله، أي أنه إن وضع الخراج على الناس كما ذهب هو، فإن هذا مذهب له أصل بالرجوع لما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه لأن الأصل هو الأخذ بغض النظر هل الأخذ من الأرض التي فتحت عنوة أو من الناس. وكما هو معلوم فإن الإمام الشافعي رضي الله عنه لم يقبل بتقسيم سواد العراق وتأول فعل عمر على أنه إنما فعل ذلك بعد أن استطاب أنفس الغانمين، ولأن الإمام الجويني شافعي المذهب فإنه يتدارك ذلك قائلاً في المقطع الرابع عشر:
«فإن قيل: أليس مذهب إمامكم الشافعي رضي الله عنه أن الخراج المستأدى من غير أراضي العراق غير ثابت؟ قلنا: مذهبه أن الجزية المضروبة على أراضي الكفارة باسم الخراج تسقط بإسلامهم، كما تسقط الجزى الموزعة على رقابهم. وهو كما قال والذي ذكرناه أمر كلي بعيد
المأخذ من
آحاد
- 🗏
المسائل، ومنشأة الإيالة الكبرى مع الشهادات الباتة القاطعة من قاعدة الشريعة، فإذا مست الحاجة
معا
إلى استمداد نجدة الدين وحرمة المسلمين من الأموال ولم يقع الاجتزاء والاكتناء بما يتوقع على المغيب من جهة الكفار، وتحقق الاضطرر في إدامة الاستظهار وإقامة حفظ الديار إلى عون من المال
مطرد دار».
لقد حاولت مراراً فهم ما يحاول قوله بالضبط في النص السابق إلا أنني لم أستطع ولكن على العموم فإن ما يفهم منه عموماً هو أنه يقول أنه إذا ما طبقت أقوال الشافعي في الواقع بإسقاط الجزية عمن أسلم وإسقاط الخراج عن أرضه، فإن المال الذي سيأتي لبيت المال لابد وأن يتناقص بعد إسلام هؤلاء، وفي مثل هذه الحالات التي لا مال فيها، فإن وقعت كارثة على المسلمين وظهرت الحاجة للمال فإنه لابد من مال مطرد دار» لـ «إقامة حفظ الديار»، وهذا لا يكون إلا بالضرائب على المسلمين عموماً. ثم في المقطع الخامس عشر يقول:
«ولو عين الإمام أقواماً من ذوي الثروة واليسار لجر ذلك حزازات في النفوس وفكرا سيئة في الضمائر والحدوس، وإذا رتب على الفضلات والثمرات والغلات قدراً قريباً كان طريقه في رعاية الجنود والرعية مقتصدة مرضية، ثم إن اتفقت مغانم واستظهر بأخماسها بيت المال وغلب الظن اطراد الكفاية إلى أمد مظنون ونهاية، فيفض حينئذ وظائفه، فإنها ليست واجبات توقيفية ومقدرات شرعية، وإنما رأيناها نظراً إلى الأمور الكلية، فمهما استظهر بيت المال واكتفى حط الإمام ما كان يقتضيه وعفا. فإن عادت مخايل حاجة أعاد الإمام مناهجه».
هنا في المقطع قبل الأخير تجد أن الإمام الجويني رحمه الله يستعمل عقله مرة أخرى في تنظيم الأخذ من الناس باقتراحات أخرى: فهو يفترض أنه إن أخذ من الأغنياء فإن هذا قد يترك حزازات في نفوسهم. لذلك لابد من اللجوء لوسيلة أخرى (وهذا عكس ما كان يدعو إليه من قبل عندما اقترح أن تؤخذ الأموال ممن كثرت أموالهم خوفاً عليهم من الطغيان !!!). لذلك وحتى لا تظهر الضغائن فإنه يقترح أن تفرض الضرائب على الفائض من الثمرات والغلات وليس على جماعة من الأثرياء دون غيرهم. ثم يستدرك الجويني خطورة ما ذهب إليه من أنه قد يساء استخدامه من السلاطين وذلك بفرض الضرائب على الناس باستمرار. فهو يوضح أنه إن انتصر المسلمون مثلاً وظهرت الغنائم، ثم غلب الظن أن خمس هذه الغنائم سيغطي نفقات بيت المال لأمد معلوم، فعندها فليس للسلطان الحق في الاستمرار في فرض الضرائب لأنه (أي الجويني) لا يرى أن فرض الضرائب على المسلمين هي مما أتت به الشريعة، فهي «ليست واجبات توقيفية ومقدرات شرعية». ثم يعود بعد ذلك في الجملة الأخيرة إلى ضرورة فرض الضرائب عند الحاجة. أي وكأنه يقول أن الشريعة لم تأت مكتملة لتغطي جميع الاحتمالات، مثل الضرورة في حالات الحرب، وعندها فقط فإن للسلطان أن يخرج عن الشريعة لفرض الضرائب على الناس. إلا أن الجويني يدرك خطورة ما ذهب إليه. فهو يقول في المقطع الأخير:
«وهذا الفصل الذي أطلت أنفاسي فيه يلتفت على أمر قدمته في الاستظهار بالادخار، فلست أرى للامام أن يمد يده إلى أموال أهل الإسلام ليبتني في كل ناحية حرزا ويقتني ذخيرة وكنزاً ويتأثل مفخراً وعزاء. ولكن توجه لدرور المؤمن على ممر الزمن ما سبق رسمه، فإن استغنى عنه . بأموال أفاءها الله على بيت مال المسلمين، كف طلبته على الموسرين، فرحم الله امرءاً طالع هذا الفصل وأنصف وانتصف، ولم يلزمه جاده تقليده ولم يتعسف فالذي حواه هذا الفصل أقصد الطرائق أسد
المسالك إلى مدارك الحقائق وقد نجز الفصل الثاني».
المكون
٩٥١
هنا تلحظ في هذا النص الأخير أن الجويني يدرك تماماً أن من السلاطين من سيسيؤون استخدام فتواه بجمع المال وإنفاقه في ملذاتهم. لذلك فهو يحذر من ذلك بقوله: «فلست أرى للإمام أن يمد يده إلى أموال أهل الإسلام ليبتني في كل ناحية حرزاً ويقتني ذخيرة وكنزاً». إلا أن هذا هو الذي حدث وسيحدث، وهذا ما تحاول الشريعة جذه من جذوره والذي وقع فيه القلة من الفقهاء بحسن نية منهم بفتح أبواب الضرائب على الناس. وبعد هذا النقد لما ذهب إليه الجويني نعود لنقد الجنيدل الذي تبنى موقف الجويني. وبالطبع فإن النقد الآتي ليس على الجنيدل فقط، ولكن الجنيدل عينة لما هو منتشر الآن بين الباحثين من عدم ممانعة الضرائب.
إن رجعت لما نقلته عن الجنيدل تجد أن من الأدلة التي استخدمها لإثبات الضرائب: رده على حديث: (ليس في المال حق سوى الزكاة، بقوله أن الثابت هو العكس أن في المال حق سوى الزكاة. وهذه كنت قد دحضتها في فصل «الأموال» وبينت أنه إن كان في المال حق سوى الزكاة فهذا لا يعني أن هذا الحق يذهب للسلطان بل هي أموال من الناس إلى الناس. أما قوله بأن أكثر أحاديث المكس ضعيفة، فهو لم يقل بأن جميعها ضعيفة، أي أن هناك منها ما هو صحيح، فلماذا لم يأخذ بها؟ وبالنسبة لاحتجاجه بأن المقصود من المكوس والعـشـور هـو الضرائب الظالمة كالتي وضعها الحجاج، فالسؤال هو : ومن سيحكم على السلطان هل هو ظالم أم لا؟ فإن كان ظلم الحجاج يستطيع الجميع رؤيته، فهناك من السلاطين من هم ظلمة إلا أن هناك خلاف على درجة ظلمهم، لذلك فمن حكمة الشريعة أنها جذت هذه المسألة من جذورها حتى لا تقع الأموال في يد فرد ثم ينتظر المسلمون حظهم هل هو ظالم أم لا؟ فهذه مخاطرة عظمى للأمة، وما هكذا الإسلام. فالظلم محرم في الإسلام حتى في أدنى درجاته.
ساطعاً
ولعل حجة الجنيدل الأخيرة هي الأغرب لأنه يلجأ للعقل القاصر، وهي رده لحديث: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه، بالقول بأنه يجب على المسلم أن «تطيب نفسه في بعض الحالات لأنه إن دفع الضرائب فهو يساهم في دفع الضرر الجاثم على «البلاد وأن المسلم إنما يدفع مالا بسيطاً ليدفع ما هو أكثر ضرراً إذ ترك صرف هذا المال البسيط يؤدي به إلى التهلكة لأن الأعداء قد يلتهمون ديار الإسلام، وأن الإسلام قد نهى عن تعريض النفس للخطر وعن الإلقاء باليد إلى التهلكة وهنا يكون الرد ما هكذا تكون الأدلة بالاعتماد على المنطق، لأن المنطق يختلف من فرد لآخر. فإن كان نص الحديث واضحاً وهو أنه لا يحل مال المرء المسلم إلا بطيب نفسه، ثم يأتي هو ويقول بأنه على المسلم أن تطيب نفسه، فما هو معنى الطيبة إذاً إن كانت غصباً؟ فهذه الحجة (وهي أنه يجب أن تطيب نفس المسلم لهي حجة يستطيع أي سلطان استخدامها لفرض ما يعتقد أنه صواب بالقول بأنه لأجل المصلحة العامة يجب أن تطيب نفس زيد أو عبيد من الناس. إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم واضح وصريح، وهي أن طيبة النفس هي ميزان دقيق في نفس كل مسلم للحكم على تحليل ماله. فمن هذا الذي يستطيع تغيير هذا الميزان إلا الله ورسوله؟ أما حجته أن في دفع الأموال للحكام درء لخطر الأعداء، فكما وضحت وسترى فإن العكس تماماً هو الحاصل، وهو أن وقوع الأموال في أيدي السلاطين سيؤدي لضعف المسلمين وهزالهم. ثم تأمل وتعجب من عبارة الجنيدل الأخيرة التي اقتبستها إذ يقول:
«ومن ناحية أخرى فإنه كثيراً ما نجد أن الشرع يأخذ المال من المسلم وإن لم تطب نفسه وذلك في
الملكية للمصلحة العامة كتوسعة شارع أو بناء مسجد أو ما شابه هذا،
مثل تشريع ا الشفعة ونزع فليكن سبيل هذا مثل سبيل ذلك والله أعلم».
٩٥٢ 🗏
تجد في السابق أنه يحاول الإتيان بأمثلة على أخذ مال المسلم دون أن تطيب نفسه لإثبات موقفه لتبني فرض الضرائب. وبالطبع فلن يجد أمثلة لأن الإسلام دين ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. فلا تناقض في أحكام الإسلام. ولكن ماذا عن الأمثلة التي ذكرها؟ فأجيب فهل الشفعة أخذ مال المسلم رغماً عنه عنه أم أنها وضع مختلف تماماً؟ فهي كما هو معلوم حق الشريك أو الجار في الشراء بالسعر الذي قد يدفعه الغريب (للتفصيل على تأثير الشفعة عمرانياً انظر الفصل الثامن من كتاب «عمارة الأرض»). فالبائع سيبيع للشريك، فلا ضرر في هذا الإرغام على البائع لأنه سيأخذ حق البيع كاملاً. وهذا ليس كفرض الضرائب التي تنقص حق المسلم. وبالنسبة لمثاله الآخر عن نزع الملكية، فهذا مثال مغلوط أيضاً لأن نزع الملكية لا تجوز شرعاً كما وضحت في فصل «قصور العقل». وهذا الذي سبق لمثال جيد على تراكم الزلل من باحث لآخر. وهذا الذي حدث مع الجنيدل كباحث نفسه ما حدث مع الباحثين المعاصرين الآخرين، وهو موضوعنا الآتي:
معاصر هو
الضرائب: المعاصرون
إن قراءة الصفحات الثمان والثلاثون الآتية ليست مهمة. فهي اقتباسات مختلفة من كتابات الباحثين لتريك كيف وقع المجتمع المعاصر في شَرَك ،الضرائب أو بالأصح في براثن المكوس. فإن وقع فيه بعض الفقهاء الأوائل، فما بالك بالكثير من الفقهاء والباحثين المعاصرين ؟ لقد انقسم الباحثون حيال فرض الضرائب من باحث حذر من سوء فتح باب الضرائب إلى باحث غافل لا يرى بأساً من فرض الضرائب على الناس لأن النموذج الأمثل في ذهنه هو النموذج الغربي المعاصر، فكان أكبر همه هو التقاط كل صغيرة وكبيرة من النصوص ولي أعناقها لتتناسب مع ما في ذهنه من فرضيات مشوشة كما ستلحظ من الاقتباسات في الصفحات الآتية بإذن الله. حتى أن هناك مؤتمرات خصصت لهذا الموضوع. فمثلاً الباحث منذر قحف، وهو باحث جد حذر ومع ذلك كتب بحثاً قدمه للمؤتمر بعنوان: «نحو نظرية للضرائب في الاقتصاد الإسلامي».١٢٢ أما غير الحذرين فحدث ولا حرج. فمنهم من حاول تفسير الخراج بأنه ضريبة على الأرض واعتبر ذلك أساساً يقاس عليه إمكانية فرض الضرائب على الأراضي حتى وإن لم تفتح عنوة.١٢٣ فمن هؤلاء الحذرين أثابهم الله منذر قحف كما ذكرت، والذي قال الآتي في مؤتمر عن الاقتصاد
الإسلامي:
«إن الضريبة عندما تفرض لا تفرض لأن الإنسان غني، وإنما تفرض للحاجة إليها. لدينا حاجات تحتاج إلى فرض ضرائب ولا يجوز لنا أن نأخذها من الفقير، هذه هي النقطة الثانية .. عندما نضطر إلى أخذ أموال الناس من أجل تمويل الحاجات العامة .. فهل نأخذها من الفقير ؟! أنا ما أعلمه أن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجوز الأخذ من الفقير .. لذلك أتساءل عن مدى شرعية بعض الضرائب الموجودة في العصر الحاضر التي تسوي بين الفقير والغني .. ومنها موضوع التمويل بالعجز وموضوع التمويل بالإصدار النقدي وموضوع التمويل بالعجز ينتهي إلى أن يكون بأحد شيئين: إما أن يكون هذا العجز يسدد من خلال الاقتراض العام. داخلي أو خارجي - أو أنه يسدد بالإصدار النقدي. فلو سد العجز بالإصدار النقدي، قد يكون عليه تساؤل كبير ... لذلك .. لما يكون التمويل بالإصدار النقدي يؤدي إلى أن تفرض ضريبة متساوية على دخول الناس، أو على ثرواتهم النقدية بغض النظر عن غناهم وفقرهم، هنا أتساءل .. هل تجوز مثل هذه الضريبة ؟! » . ٤
١٢٤
المكون
٩٥٣
هل رأيت هذا الحذر والذي انتهى بنا من خلال أبحاث الآخرين بمنظومة اقتصادية وكأنها غربية. كيف؟ إليك نص آخر لنفس الباحث الحذر أثابه الله :
«إن فرض الضريبة هو آخر سهم في جعبة النظام المالي الإسلامي تأتي قبله سهام كثيرة أهمها خراج القطاع العام الاقتصادي، استنفاد الزكاة جباية وإنفاقاً وعدم كفايتها لسد حاجات مستحقيها، بيع ما يمكن بيعه من السلع والخدمات العامة لمشتريها أو المستفيدين منها لقـاء سعر مناسب، تمويل ما يمكن من المشاريع العامة وخاصة التنموية منها بمساهمات من القطاع الخاص قائمة على مبادئ
المشاركة أو المضاربة الشرعية، الاقتراض العام الاختياري أو الإجباري، التبرعات للخزانة العامة».
إن نظرت للسابق تجد أن الباحث يحاول رفض الضرائب، إلا أنه يجيزها إن لم يتوفر المال بعد عدة مراحل من تحصيل الأموال مثل خراج القطاع العام وما شابه، وجميع هذه ابتكارات لم يأت بها الشرع. فقد ركزت هنا على الضرائب، ولم أركز على عدم أحقية الدولة في استثمار أموال بيت المال أو عدم أحقية الدولة في امتلاك المعادن وما شابه من أصول منتجة مالية للدول المعاصرة. فهذا بحاجة لمئات الصفحات، بل فقط اكتفيت بأن القارئ من خلال قراءة الفصول الخمسة السابقة سيستنتج أنه لا حق للدولة في أي مال سوى ما ذكر. ولكن لنقل أن الدولة جمعت بعض الأموال من الضرائب، فمن ذا الذي سيضمن أن الدولة لن تتقيد بالإنفاق إلا على الضرورات؟ بل الذي سيحدث كما هو الحال الآن هو أن فتح باب الضرائب سيؤدي إلى إنهاك الشعب وإنفاق الأموال على الأهواء؟ هنا يتدارك الباحث هذه المسألة فيقول:
«لابد من تمحيص النفقات التي تفرض من أجلها الضريبة واستبعاد ما ليس بضروري منها. ويلاحظ أن تحديد معنى الضرورة هنا يتخذ المعنى الشرعي فلا يصح فرض الضريبة لتحويل نفقات سرفية أو غير واجبة شرعاً، الأمر الذي يقتضي ربط فرض الضريبة بالإنفاق العام ربطاً محكماً وبما يجب على الدولة أن تقوم به من وظائف في النظام الإسلامي، مع ملاحظة التفريق بين ما يجب القيام به في جميع الأحوال، وما يتعلق وجوب عمله بتوفير موارد غير ضريبية له كما أشرت إلى ذلك في مثال كفالة الديون في العهد النبوي. ولنأخذ مثالاً على ذلك : إذا لم تكف حصيلة الزكاة لسد حد الكفاف للفقراء، ولم تكن لدى الدولة مصادر غير ضريبية، جاز لها فرض الضريبة لسد حد الكفاف
١٢٥
.«...
تلحظ في السابق أن فتح أبواب فرض الضرائب اعتمد على افتراض لا يمكن أن يحدث إن طبقت الشريعة مثل عدم كفاية الزكاة لتغطية حاجات الفقراء. لكن العجيب أنه برغم فتح هذا الباحث الباب لفرض الضريبة في حدود ضيقة إلا أن هذا لم يسغ للحاضرين في المؤتمر، فهم يريدون أكثر من ذلك، إنهم يريدون نظاماً اقتصادياً إسلامياً يشبه النظام الغربي مع بعض الأسلمة. فهذا أحمد سعيد من جامعة سطيف يسأل باحثنا بنوع من ا
قائلاً:
«لكن المحاضر في القسم الأخير من بحثه وبالذات عندما يتحدث عن أهم مصدر من مصادر تمويل الميزانية المعاصرة، وهو الضرائب، لم يذكر تفاصيل كثيرة. وهنا أود أن أذكر بأن الدكتور كان يتحدث عن مصادر ميزانية الدولة في صدر الإسلام .. هذا المصدر الذي يعد من أهم مصادر تمويل الميزانية في العصر الحاضر وهو (الضرائب ) .. في الحقيقة تحدث عنه بشيء من الحذر، بل قد نراه ينكر على الملأ دورها الريادي في تطوير ميزانية الدولة الإسلامية المعاصرة. والحقيقة أن المحاضر لم
النقد
٩٥٤ 🗏
يورد أي نصوص قطعية سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية تحرم صراحة اللجوء إلى مثل هذا المصدر، وخصوصاً في حالة عجز الموارد الأخرى عن تأدية أغراضها فيما يتعلق بتمويل الميزانية .. علماً بأن المحاضر أقر ضمنياً بإمكانية اللجوء لها متى دعت الحاجة إلى ذلك .. وخصوصاً عندما يقول في مقدمة بحثه: إن الدولة لم تقم بفرض أي ضريبة، ولعل أهم سبب في ذلك هو كثرة موارد الدولة وعدم حاجتها لمثل هذه الضريبة، أي السبب في عدم لجوء النبي – صلى الله عليه وسلم – إليها هو عدم وجود حاجة إليها تبرر ،فرضها، خصوصاً إذا ما أخذنا بالمبادئ التالية كأساس لفرض الضريبة: ١- وجود حاجة عامة يلزم أداؤها ومن ثم يستوجب الإنفاق عليها. ٢- وجود وعاء ضريبي قادر على تحمل عبء الضريبة، أي ما يعرف بقدرة الأفراد في المجتمع. ٣- أن تفرض الضريبة بشكل عادل على جميع أفراد الجماعة بحيث تحمل عبء الضريبة على القادرين منهم ولو تطلب هذا الأمر إعفاء كل أفرادها بالكامل إذا كان جميعهم معدمين، أي فقراء لا يملكون القدرة على دفعها .. وهذا ما قد يكون الدافع الرئيسي الذي جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم – يميل إلى عدم فرض الضريبة على أفراد مجتمعه .. وأن يلجأ إلى بعض الميسورين من صحابته لتمويل الحاجاتِ العامة. وفي هذا المجال أود أن أسأل الدكتور المحاضر عن الحديث الشريف القائل: بأن للإمام حقاً سوى الزكاة. يمثل هذا الحديث أرضية صلبة لإقرار مبدأ فرض الضرائب».
١٢٦
يعني
الناقد
لعلك لاحظت أن الباحث يسعى جاداً إلى إيجاد دولة إسلامية وكأنها غربية مالياً وأن نقده لمنذر قحف برغم حذره مبني على أسس واهية ولا أريد سرد صفحات للرد عليها. فقد مر بنا الرد على مسائل مشابهة في مواضع مختلفة، ولعل من أهمها الحديث الذي ذكره، وقد وضحناه في فصل «الأموال» وقلنا أنه لا . قط أن للدولة حق في أموال الناس. ومن هذه الأسس الواهية أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتج للأموال لذلك لم يفرض الضرائب. هنا أسأل كما سألت سابقاً هل كان الإسلام في حاجة للأموال كما كان في حاجة له في بدء الدعوة وبالذات في غزوة الخندق؟ تأمل هذا الافتراض للوصول لما يريده الباحث !! ومن الأسس الواهية أيضاً زعم أنه إن لم يفعل الرسول صلى الله عليه أمراً اقتصادياً كفرض الضرائب، فهذا لا . الإقدام على فعله من باب أن كل شيء مباح إلا ما تم تحريمه. وكما ذكرت سابقاً فإن هذا المنطق قد ينطبق على استيراد القيم، إلا أنه لا ينطبق على الحقوق لأن أخذ مال الناس هو أخذ من حقهم، وبهذا تتغير مقصوصة الحقوق. ومن الأسس الواهية التي بنى عليها الناقد طرحه أيضاً قناعته لوجود حاجة عامة للمال، وتوفر وعاء ضريبي، وأنه بالإمكان فرض الضريبة بشكل عادل وجميع هذه النقاط واهية، فلا حاجة للدولة للمال إلا إن كانت مبنية على النموذج الغربي أو غيره من النظم البشرية المتشابكة والمبنية على وزارات الزير كما سترى بإذن الله في باقي هذا الكتاب.
يعني .
بالنسبة لنا عد
عدم
وهذا الذي سبق هو نموذج بسيط لما تعج به كتب الاقتصاد. وأريد في الآتي أن أمر سريعاً على بعض الثغرات التي من خلالها تسللت الضرائب لفكرنا الاقتصادي، فهي قد تأتي للباحث من خلال قناعته بضرورة التكافل الاجتماعي والذي لا يتأتى كما يُعتقد إلا من خلال الضرائب أو قد تأتي للباحث من خلال قناعته بضرورة توفير الدولة للخدمات العامة، وهكذا. لذلك سأمر سريعاً على بعض هذه الثغرات (وهي التكافل الاجتماعي والخراج والزكاة) كأمثلة فقط، فهناك الكثير غيرها (وبإمكانك قفزها إن لم تكن من علماء الشريعة أو الاقتصاد).
۹
المكوس
التكافل الاجتماعي
٩٥٥
إن التكافل الاجتماعي كما هو معلوم علاج للفقر والفقر كما أحاول أن أثبت ما حدث إلا لأن أبواب التمكين قد أغلقت على الكثير فزاد الثراء عند من فتحت لهم أبواب التمكين على حساب من أجبروا على الفقر. وهذا ما لم يحاول الباحثون تفهم حدة تأثيره. فهذا أنور عبد الكريم مثلاً يرى أن التكافل الاجتماعي لا يتأتى إلا من خلال ما يعبر عنه بالتوازن الاجتماعي والذي (كما يقول):
يعني تحقيق عدالة توزيع الثروة، وإعادة التوزيع كلما وقع اختلال في هذا التوازن، وذلك ليضمن لكافة أفراد المجتمع تكافؤاً في الفرص وعدلاً. ولتحقيق عدالة التوزيع شرع الإسلام بيت ما ، مال المسلمين الذي يمثل خرانة عامة لموارد الدولة، تتولى من خلالها الإنفاق على مصالح المسلمين وتتحدد موارده في: - موارد أساسية دورية سنوية، تتمثل في الزكاة والخراج والجزية والعشور. – موارد غير دورية: وتشمل الغنائم والفيء والتركات لمن لا وارث له، وكل مال لم يعرف له مستحق، إلى جانب تبرعات المسلمين. كما يجوز للدولة سن ضرائب الأمن وضرائب الكفاية، وذلك بما يكفل الموارد الكافية ويحقق التوازن المالي في موازنة الدولة. وتتحدد مقاصد الشريعة وكلياتها في تحقيق الضروريات الخمس: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، في إطار من التكافل الاجتماعي، فلا يحق لمالك فضل، إذا كان هناك من يحتاج هذا الفضل بين المسلمين، مما يحول دون تراكم الثروات في جانب وتراكم الفقر في جانب آخر من جوانب المجتمع ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾. ويحرص على تفتيت ما في أيدي الأغنياء ووجوب الإنفاق وتوجيه أفراد المجتمع نحو الإنفاق لتحقيق عدالة التوزيع ومصالح الناس. وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهم الأخسرون ورب الكعبة. فقال أبو ذر الغفاري، وهو راوي الحديث: من هم يا رسول الله؟ قال: (الأكثرون أموالاً، إلا من قال بيده هكذا وهكذا) (مشيراً بيمينه وشماله) رواه مسلم. وتهدف المقاصد أيضاً إلى تحصيل الحاجيات، كما تدعو إلى الوصول إلى التحسينات».
۱۲۷
لاحظ كيف تم تطعيم الاقتباس السابق بالآيات والأحاديث. فمن يقرأ النص السابق وعندما يرى الكلمات التي هي من صلب الشريعة مثل الفيء والغنائم والزكاة والعشور ومقاصد الشريعة فإنه سيعقتد أن النص لابد وأن يكون قريباً جداً من الشريعة إلا أن الواقع هو وكأن النص مقتبس من مبادئ اشتراكية ثم طعم بكلمات عربية. ولعلك الآن أخي القارئ تستطيع الرد على جميع ما أتى به الباحث من زلات ومن أهمها قوله مستنتجاً: «كما يجوز للدولة سن ضرائب الأمن وضرائب الكفاية، وذلك بما يكفل الموارد الكافية ويحقق التوازن المالي في موازنة الدولة». فكما ترى هنا فإن الباحث أعطى للدولة حق فرض الضرائب في جميع الأحوال وليس فقط في حالات الضرورة كدفع شر الأعداء كما ذهب الجويني. كما أنه أعطى الدولة الحق في استحداث موازنة للإنفاق، والموازنة كما هو معلوم هي توقعات مستقبلية في الإنفاق. وهذه التوقعات بحاجة للمال باستمرار والذي لا يأتي إلا من الضرائب في الغالب أو من استخراج المعادن.
وهناك من الباحثين من ذهبوا إلى أن مبدأ التضامن بين أفراد المجتمع المسلم قد يكون قاعدة لفرض الضرائب. فبالرجوع إلى المعاقل، أي الديات وإلى فداء الأسرى الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيفة الدستورية عند قدومه إلى المدينة المنورة وبالقول بأنها من النفقات اللازمة التي لا يمكن الاستغناء عنها والتي على الأفراد التضامن من أجل سدادها، ذهب منذر قحف مثلاً إلى جواز فرض الضرائب وذلك استناداً لما
🗏
۱۲۸
اجتهد به القرضاوي. ١٢٨ ألا تعتقد أخي القارئ أن هذا قياس فاسد؟
وكما ذكرت مراراً، فإن ما يراه الباحثون الآن من فقر هو بسبب سيطرة الدول على قوام الحياة، فتم غلق
أبواب التمكين على الضعفاء فزاد الفقر بينهم. وما هذه الحالة البائسة إلا عاقبة أو بالأصح عقاب لتغير مقصوصة
هو
الحقوق التي انتهت بمنظومة حقوقية ترجح كفة الدولة. وبرغم أن هذا الفقر الحادث عقاب إلا أن الباحثين يزيدون من سوء حاله بإعطاء الدولة المزيد من الحقوق بالرجوع لنصوص من سبق وكأنها نصوص مقدسة. فهذا الباحث الدكتور حسن صادق حسن لا يعتقد بأن الزكاة قد تكفي الفقراء. أي أن الإسلام أتى مقصراً في حساباته والعياذ بالله !! فهو يقول:
«إن أول مبدأ مالي في الإسلام وهو الذي يعقب المبدأ الروحي أي الإيمان بالله وبمحمد عليه الصلاة والسلام وكتبه ورسله هو محو الفقر. أي أن تتدخل الدولة لتحقيق التكافل الاجتماعي لأفراد الأمة وتلتزم بأن تضمن لكل فرد تحقيق مستوى لائق من المعيشة بحيث غدا حال العجز أو الفقر أو المرض أو الشيخوخة دون تحقيق هذا المستوى الذي تكفلت الدولة بتحقيقه. وهذا المستوى لا يضمن للفرد حاجاته المعيشية فقط من مأكل وملبس وكساء، بل إن الدولة ملزمة بأن تضمن له المستوى اللائق للمعيشة الذي يحياه أفراد المجتمع الإسلامي والذي يختلف باختلاف الزمان والمكان، ما يسميه رجال الفقه الإسلامي ( حد الكفاية) والذي يتميز عما يسمى بحد الكفاف، وهو حق مقدس تكفله الدولة لكل فرد بصرف النظر عن جنسيته أو ديانته طالما تواجد في مجتمع إسلامي. يقول الماوردي: "فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به من اسم الفقير والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى" كما يقول : "تقدير العطاء معتبر بالكفاية».
وهو
لاحظ أن الباحث قفز مباشرة إلى أن محو الفقر لا يتأتى إلا بتدخل الدولة. ولاحظ أن مقولة الماوردي قد استخدمت في غير محلها. فالماوردي لم يقل بأن على الدولة القيام بذلك بالضرورة، حتى وإن قالها، فطالما أنها تفتقد لدليل نصي فهي ليست أصلاً يُرجع إليه. لذلك يقفز الباحث في استنتاجه للآتي الذي لا يختلف في تصوير المجتمع الإسلامي مالياً حتى عن المجتمعات الاشتراكية إذ يقول:
«طاقة الدولة الإسلامية كبيرة في الحصول على الإيرادات مثل الدول في العصر الحديث، فهي ليست مقيدة بالحدود المبنية في الزكاة ما دام المجتمع الإسلامي في حاجة إلى المال، بل إن المال مال الله لدى الأفراد، فيستطيع أن يأخذ الحاكم من كل فرد ما يزيد عن حاجة نفقة معيشته ويستطيع أن يقترض من الأفراد والمؤسسات المالية للدولة».
۱۲۹
ألا تتساءل أخي القارئ هنا عن الفرق بين الإسلام وغيره من النظم؟
الخراج
لقد حاول بعض الباحثين تفسير الخراج على أنه ضريبة على الأراضي عموماً وليس فقط الأراضي المفتوحة عنوة. فقد حاول ذلك عابدين أحمد سلامه مثلاً ورد عليه د. منذر قحف أثابه الله قائلاً: «ومحاولة تفسير الخراج بأنه ضريبة على الأرض واعتبار ذلك أساساً يقاس عليه إمكان فرض ضرائب على الأرض - محاولة لا تأخذ بعين
المكون
٩٥٧
۱۳۰
الاعتبار الوقائع التاريخية ...». فيالها من زلة. ومن الزلات التي وقع فيها المعاصرون اتكالهم على اجتهاد هو في أصله مشكوك فيه. فقد رأينا في فصل «دولة «الناس» أن الأخذ بالقياس أدى إلى اجتماع العشر والخراج على الأرض كما ذهب الجمهور، وقلنا بأن هذا وضع كان يجب ألا يوجد أصلاً، إلا أن هذا الوضع العجيب كان متكأ لبعض الباحثين لفرض الضرائب، فقد قال الشيخ شلتوت وزميله السايس في كتاب «مقارنة المذاهب» بعد أن وضحا ضعف أدلة الحنفية وقوة حجج الجمهور:
«وإنك إذا تنبهت إلى أن العشر واجب ديني على المسلمين، وأن الخراج واجب اجتهادي ليكون مادة لجماعة المسلمين يسدون به حاجتهم العامة - تستطيع أن ترى لولي الأمر الحق – إذا رأى المصلحة ودعت الحاجة - أن يضرب على المسلمين وغيرهم ممن تحميهم الدولة وينتفعون بمرافقها وقوتها: ما يحقق به المصلحة ويدفع الحاجة، ولا يمنعه من فرض ذلك على المسلمين ما أوجبه الله عليهم - ديناً وجزية - من صدقات تطهرهم وتزكيهم، وأن فرض الخراج لا يعفيهم مما وجب عليهم بنص ا وصريح السنة».
۱۳۱
الكتاب
ويقول الدكتور أحمد ثابت عويضة في محاضرة له بعنوان: الإسلام وضع الأسس الحديثة للضريبة»: ينبغي لنا أن نشير إلى أن المسلمين فرقوا بين دخل الاستغلال الزراعي وبين دخل العقار، حينما ميزوا بين أحكام الخراج وبين زكاة الزروع والثمار وهي تفرقة تعتبر أساساً لضرائب النوعية في القرن العشرين، ففي كثير من البلاد توجد ضريبة مفروضة على دخل مالك العقار، على أساس ما يناله من أجر مقابل تأجير أرضه، وضريبة أخرى مفروضة على دخل الاستغلال تفرض على أساس ما يناله المستغل من إيراد إذا استغل الأرض سواء أكان مستأجراً أم مالكاً. واعتبر جمهور الفقهاء الخراج ضريبة على دخل مالك العقار. ورأوا أن زكاة الزروع والثمار ضريبة على دخل الاستغلال الزراعي. ورتبوا على ذلك: أن المسلم الذي يزرع في أرض مملوكة لذمي يؤدي زكاة الزروع كما يؤدي الذمي الخراج، وأن المسلم إذا امتلك أرضاً خراجية يؤدي العشر والخراج». ۲
۱۳۲
وقد بينت في فصل «دولة الناس أن اجتماع العشر والخراج فيه إنهاك وإهلاك للأرض وأنه أمر مستحدث، فكيف نستحدث حكماً فقهياً جديداً على حكم هو في أصله مستحدث؟ وهكذا بتقادم الزمن يزداد القذف بالغيب
جيلاً بعد جيل.
الزكاة
لعل قمة القذف بالغيب بين علماء الشريعة المعاصرين، أو قمة الخروج عن مقصوصة الحقوق بأنظمة برغم ظهورها وكأنها إسلامية إلا أنها لا تمت إلى الإسلام بصلة، هي ما فصلها الشيخ القرضاوي في كتابه «فقه الزكاة». فبرغم أن كتابه قيماً إلا أن به زلات رئيسة إن تراكمت ستفرز للمجتمع المسلم نظاماً اقتصادياً لن يختلف عما أوجده النظام الرأسمالي كثيراً. لذلك خصصت له عنواناً للرد فقط على بعض الزلات (فهي كثيرة جداً) كما سيأتي بإذن الله. ولكن في إطار الضرائب تأمل الآتي مما قاله فهو بعد سرد حقيقة مقنعة كمقدمة جيدة، يستخدمها بطريقة تقنعك أن الزكاة هي من حق الحكومة الإسلامية وذلك من خلال خمس نقاط، يقول في كتابه «فقه الزكاة» (ولكن تذكر وأنت تقرأ: إن من البيان لسحرا):
۹۵۸ 🗏
«وربما قال قائل: إن الشأن في الأديان أن توقظ الضمائر وتحيي القلوب، وتضع أمام أبصار الناس مثلاً أعلى، ثم تحاول أن تقودهم بزمام الشوق إلى مثوبة الله، أو تسوقهم بسوط الخشية من عقابه، تاركة لأصحاب السلطان أن يحددوا وينظموا ويطالبوا ويعاقبوا، فهذا من شأن السلطة السياسية، وليس من مهمة التوجيه الديني والجواب : أن هذا قد يصح في أديان أخرى، ولكن لا يصح أبداً في الإسلام، فإنه عقيدة ونظام ، وخلق وقانون، وقرآن وسلطان. ليس الإنسان مشطور في الإسلام: شطر منه للدين وشطر آخر للدنيا، وليست الحياة مقسومة بعضها لقيصر وبعضها لله. وإنما الحياة كلها والإنسان كله، والكون كله لله والواحد القهار. جاء الإسلام رسالة شاملة هادية، فجعلت من هدفها تحرير الفرد وتكريمه، وترقية المجتمع وإسعاده، وتوجيه الشعوب والحكومات إلى الحق والخير، ودعوة البشرية كلها إلى الله : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. وفي هذا الإطار جاء نظام الزكاة فلم تجعل من شؤون الفرد، بل وظيفة الحكومة الإسلامية، فوكل الإسلام جبايتها وتوزيعها على مستحقيها إلى الدولة لا إلى ضمائر الأفراد وحدها، وذلك لجملة أسباب لا يحسن بشريعة الإسلام أن تهملها : أولاً: إن كثيراً من الأفراد قد تموت ضمائرهم أو يصيبها السقم والهزال فلا ضمان للفقير إذا ترك حقه لمثل هؤلاء. ثانياً : في أخذ الفقير حقه من الحكومة لا من الشخص الغني حفظ لكرامته وصيانة لماء وجهه أن يراق بالسؤال، ورعاية لمشاعره أن يجرحها المن أو الأذى. ثالثاً : إن ترك هذا الأمر للأفراد يجعل التوزيع فوضى، فقد ينتبه أكثر من غني لإعطاء فقير واحد، على حين يُغفل عن آخر ، فلا يُفطن له أحد، وربما كان أشد فقراً. رابعا: إن صرف الزكاة ليس مقصوراً على الأفراد من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل؛ فمن الجهات التي تصرف فيها الزكاة مصالح عامة للمسلمين، لا يقدرها الأفراد، وإنما يقدرها أولو الأمر وأهل الشورى في الجماعة المسلمة كإعطاء المؤلفة قلوبهم، وإعداد العدة والعدد للجهاد في سبيل الله وتجهيز الدعاة لتبليغ رسالة الإسلام في العالمين. خامساً : إن الإسلام دين ودولة، وقرآن وسلطان. ولابد لهذا السلطان وتلك الدولة من مال تقیم به نظامها وتنفذ به مشروعاتها. ولابد لهذا المال من موارد والزكاة مورد هام دائم لبيت المال في الإسلام». ولنقد السابق أقول: إن المقدمة التي وضعها القرضاوي بالطبع جد سليمة، فلا فصل في الإسلام بين الدين والحياة، كما أنه لا فصل بين الناس والدولة ولكن ما ذهب إليه القرضاوي من أن الدولة هي التي تأخذ الزكاة سيؤدي لفصل الناس عن الدولة لأن الدولة بامتلاكها للمال تصبح جسماً متعالياً عن عموم أ م أفراد المجتمع. فكما ترى فإن مجتمعاتنا اليوم مفصولة عن دولها. ففي الجيش مثلاً، كما وضحت في الفصلين السابقين، رأينا كيف أن نفقات الجيش هي من عطايا الناس إن طبقت الشريعة، فالناس هم الذين يشكلون الجيش، فالكل يشارك بماله وبدنه، أما عندما تمتلك الدولة الأموال فإن الجيش سيكون جسماً منفصلاً عن الناس، وهذا الجسم المسمى بوزارة الدفاع هو الذي يُمكن السلطان من السيطرة على المجتمع المسلم بدل الدفاع عن الإسلام وأهله. وهذا مثال واحد بسيط، وستتأكد من صحة هذا أكثر أخي القارئ في الحديث عن تركيبة المجتمع الاجتماعية والمكانية في فصل «الأماكن». أي أن القرضاوي استخدم مقدمة صحيحة لاستنتاج مضاد. وبالنسبة لنقاطه الخمس، فالنقطة الأولى: وهي موت ضمائر عامة الناس، فإن هذا هو الذي يحدث اليوم لأن الشريعة لم تطبق. لقد قلت في فصل «الأموال» أن المجتمع يتكون من شقين: شق يتجسد فيه سلوك الناس والذي تحكمه اعتقادات الناس وقيمهم وعاداتهم، وشق يتجسد فيه النظام الذي يحكم تفاعلات الناس، وهو في الإسلام مقصوصة الحقوق ويقابله في الغرب القانون. وكلاهما يشكل الآخر ويصيغه ويؤثر عليه في جميع الأمم إلا في الإسلام إن طبقت الشريعة لأن مقصوصة الحقوق
۱۳۳
المكو
٩٥٩
ثابتة ولا تتغير. فلأن الشريعة لم تطبق فإن الباحث المعاصر سيتألم مما يراه من سلوك الأفراد من أكل لأموال الزكاة، فيكون الاستنتاج بأن إهمال الناس لابد وأن يقابله تسليم زمام الأمور للدولة. وهذا تفكير سيزيد الوضع سوءاً. فالأصل هو الرجوع لنبع المشكل للوصول للحل، ألا وهو تطبيق الشريعة التي تثمر أفراداً ذوي ضمائر حية. فعندما تقوى الدولة بأموال الزكاة فهي تكمم أفواه من هم في المساجد، فلا يتمكن صوت الحق من الانتشار في المجتمع فتموت الضمائر ، وهذا عامل واحد فقط، وهناك عوامل أخرى سنأتي عليها بإذن الله.
وبالنسبة لنقطته الثانية المتعلقة بالمنة، فهي نقطة سديدة، إلا أن ضررها أهون من نفعها، ففي دفع الزكاة للمستحقين من الناس مباشرة تخفيف على المزكين من عبئها لأنهم يرون بأعينهم أثرها على من يحبون. وفي هذا مصدر لسعادة دافع الزكاة تجعله يجد لدفع زكاة أكثر في مرات قادمة وبنفس راضية. فالمزكي عادة ما يحاول أن يدفع الزكاة لشخص يعرفه. كما أن الزكاة إن كانت من الدولة فإن المستحق قد يتمادى (كما وضحت في فصل «الأموال») في الاعتماد على الزكاة لأن الدولة بسبب بعدها لا تستطيع معرفة الحالة المالية لآخذ الزكاة. أما المزكي، ونظراً لقربه من آخذ الزكاة، فهو يستطيع أن يستشف حال آخذ الزكاة إن كان متكاسلاً ولا يبحث عن عمل، وعندها قد يوقف عنه الزكاة. وفي هذا المنطق نقد للنقطة الثالثة التي أثارها القرضاوي وهي أن الفوضى ستدب في نظام الزكاة إن تركت للأفراد في إخراجها. فهو يعتقد أن أكثر من غني سيعطون فقيراً واحداً، أما الأكثر فقراً فقد لا يصله شيء. وهذه نقطة سديدة متى ما كانت دائرة الزكاة مسلحة بمعلومات دقيقة وحديثة عن كل المستحقين. وهذا محال. لأن المستحقين للزكاة يظهرون يومياً. فزيد من الناس مثلاً قرر الترحال اليوم للعمل في منطقة أخرى، فهو ابن سبيل مستحق، وعبيد مثلاً أفلس اليوم في مشروع لم يوفق فيه فأصبح من الغارمين، وتلك أرملة أصيبت بمرض مزمن يمنعها من العمل فهي فقيرة. وأخرى توفي زوجها البارحة فأصبحت أرملة محتاجة. فكيف ستستطيع الدولة تحديث هذه المعلومات يوماً بيوم؟ وهكذا من معلومات مستحيلة إلا لمن يعيشون بين الناس لحظة بلحظة. أي أن دافع الزكاة الذي يدفع الزكاة لمن حوله ممن يعرفهم جيداً سيبادر للدفع مباشرة، وليس كموظف الزكاة الذي لن تعطيه السلطة الحق في الصرف إلا بالرجوع إليها، وشتان بين الحالين. أي أن البيروقراطية التي قتلت الدول الاشتراكية ستقتل نظام الزكاة إن تركنا أخذ الزكاة والتوزيع للدولة. لذلك قصت الشريعة الحقوق بتوزيع الزكاة في موضع الأخذ بالنسبة للأموال الظاهرة.
١٣٤
النقطة
أما نقطته الرابعة فهي مسألة جد خطيرة لأنها إن طبقت ستؤدي بالضرورة للخروج على الشريعة. فالزكاة من حقوق أصناف ثمانية سماها القرآن الكريم. وكما ذهب أهل السلف فإنها لا تصرف لأي جهة أخرى، فلا يجوز صرفها في إصلاح الطرق مثلاً كما وضح ذلك ابن قدامة، وهذا أمر معروف لدى فقهاء السلف، إلا أن القرضاوي يرى أن من «الجهات التي تصرف فيها الزكاة مصالح عامة المسلمين»، وهذه، كما يقول، لا يستطيع الأفراد تقديرها، وإنما . لأهل الشورى في الجماعة المسلمة كإعداد العدة للجهاد. وهذه النقطة هي تشترك مع الخامسة في نفس المنطق، فهو يرى أنه لابد للدول «من مال تقیم به نظامها و تنفذ به مشروعاتها. ولابد لهذا المال من موارد. والزكاة مورد هام دائم لبيت المال في الإسلام كما يقول). لعلك تستشف من نقطته الخامسة، برغم أنه لم بذلك، أنه لا يمانع من صرف الزكاة لغير مستحقيها من الناس، بل قد تذهب أموال الزكاة لبناء كيان الدولة الإداري مثلاً إن احتاجت لأموال الزكاة، فكيف ستقيم الدولة نظامها إذا إن لم تملك الموارد المالية التي تعينها على
يصرح
- 🗏
ذلك؟ ويجب ألا نلومه هنا فيما يقول لأنه لا يستطيع تصور مجتمع دون دولة بكيانها المعاصر. فمن الذي سيعبد الطرق؟ ومن الذي سينشر التعليم ويبني المستشفيات؟ لابد وأنها الدولة، وهي بحاجة للنفقات، فمن أين تأتي النفقات إن لم تكن الزكاة من أهم مصادرها؟ وهذا هو لب موضوع هذا الكتاب الذي أحاول فيه توضيح أنه إن طبقت الشريعة، فإن مسؤوليات الدولة ستضمحل وتنعدم ليصبح مجموع السكان هم الدولة، وهناك سلطان يحكم بين الناس، أي يفصل بينهم متى ما ظهر الخلاف، ويرفع راية الجهاد وما إلى ذلك من وظائف محددة لا تتطلب الكثير من الأموال لأن تركيبة المجتمع وإدارته وإنشاء وصيانة مرافقه ستكون ملقاة في مسؤولياتها على السكان بطريقة تؤدي لسمو في الأخلاق وغزارة في الإنتاج وعزة بين الأمم، كما سنوضح بإذنه تعالى.
۱۳۵
المعاصرون وأسلمة الكفر
هكذا انفرط العقد. فهذا باحث .(د. لحسن الداودي) لم يتمكن من الخروج من النظام الغربي في التفكير.
فهو يقول بعد سرد الآيات والأحاديث في حديثه عن الإيرادات في النظام المالي الإسلامي «لقد حدد الإسلام بعض إيرادات الدولة التي يمكن لأي دولة إسلامية أن تقوم عليها، وهذه الإيرادات هي الزكاة والجزية والفيء والخمس. وبإمكاننا عزل الزكاة التي تمثل نظاماً مستقلاً وغير مرتبط بوجود مجتمع إسلامي قائم بذاته، وإنما تقتضي وجود أفراد مسلمين فقط. وكون الزكاة تمر قناة الدولة يعني ) فقط الحرص على الفعالية وحسن التدبير هذه الموارد المنصوص عليها قد لا تكفي لسد حاجيات الدولة، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: (إن في المال حقاً سوى الزكاة) يتيح الفرصة لإيجاد موارد جديدة لأنه جزء لا يتجزأ من القوانين المنظمة لإيرادات الدولة».
عبر
١٣٦
إن هذا الباحث فتح الأبواب على مصاريعها لمن هم في الدولة لإيجاد موارد جديدة» من الأموال لتغطية
نفقات الدولة. فما الفرق الآن بين الإسلام وغيره من النظم ؟ لقد تغلغل الفكر الغربي في أعماق الباحثين. فيقول نفس الباحث بطريقة قد تقنعك، لأنها تتسم بالسمات الإسلامية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن على الدولة القيام بكل ما عجز عنه القطاع الخاص مهما بلغت التكلفة. فهو لم يكن ليتصور نظاماً مالياً إلا إن كان مكوناً من شقين أساسيين، هما الدولة والقطاع الخاص، وكأنه لا وجود لنظام آخر: فيقول:
«لا يمكن للدولة الإسلامية أن ترفع كلمة الله وتحكم بشرعه، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إلا إذا كانت في مقدمة الخط الأكثر تطوراً علمياً وتكنولوجياً واقتصادياً. فالدولة الإسلامية مطالبة شرعاً بإعداد العدة للوصول إلى مركز القوة ومركز القيادة والقدوة والمفروض هنا هو أن تنفق الدولة في كل المجالات الحساسة التي يعجز فيها القطاع الخاص عن سد كل الحاجيات وذلك مهما بلغت
التكلفة».
۱۳۷
تأمل هذا الزلل. ففي ظل هذا الشعار بضرورة الأمر بالمعروف تم رفع شعار آخر وهو الإنفاق مهما بلغت التكلفة في المجالات التي يعجز عنها القطاع الخاص. وقد تم رفع الشعار بكل ثقة وتأكيد كما هو ظاهر في الاقتباس. ولكن كيف تصل الدولة لأهدافها السياسية المالية إلا إن كان لديها المال. هنا يسرد الباحث بعض أدوات السياسة المالية ومنها النظام الضرائبي فيقول:
۹
المكو
«يعد النظام الضرائبي جزءاً من النظام المالي ويضم كل النصوص المتعلقة بالجباية سواء بالإباحة أو بالتحريم، وأما السياسة الضرائبية فلا أحد ينفي إمكانية لجوء الدولة إلى فرض ضرائب جديدة عند الحاجة إذ إن في المال حقاً سوى الزكاة). والواقع هنا هو الذي يحدد نوعيه هذه الضرائب وأهدافها ومن يؤديها وأين تنفق».
۱۳۸
٩٦١
ألم تسأل نفسك أخي القارئ ما هو الفرق إذاً بين الإسلام والنظم الوضعية إن فرضت الضرائب دون أدنى ما يحدده السلاطين من واقع الحال. فها هو المال يوضع تحت أيدي أناس لم يجتهدوا في الحصول عليه، أي تحت أيدي مسؤولي الدولة. ويستطرد الباحث مؤكداً:
قيود
سوی
«إذا لم تكن الزكاة كافية لضمان حد الكفاية، فإنه يصبح لزاماً على الدولة أن تفرض ضرائب جديدة لهذا الغرض شريطة ألا يكون ذلك على حساب الإنتاج، وتشجيعاً للاستثمار يمكن للدولة أن تفرض ضرائب غير مباشرة على كل المواد الاستهلاكية التي تدخل في باب التحسينات أو لأنها مستورد ولها بديل محلي. أما أن تفرض ضرائب غير مباشرة بمفهومها الحالي على كل المواد ويدفعها الفقير كما يدفعها الغني فهذا أمر قد يكون غير مقبول على مستوى السياسة المالية الإسلامية . وخلاصة القول أنه على الدولة الإسلامية أن تلجأ إلى الضرائب المباشرة أكثر من لجوئها إلى الضرائب غير المباشرة آخذة بعين الاعتبار مبدأ العدالة الاجتماعية وتشجيع الإنتاج قدر الحاجة». هل قرأت كيف تمت أسلمة علم الاقتصاد الغربي الذي يؤدي للفساد؟ ولكن عندما تمتلك الدولة الأموال فلابد للقطاع العام من دور بارز هنا أيضاً تأتي الأسلمة مرة أخرى. يقول نفس الباحث:
۱۳۹
تحدد
«إن وجود القطاع العام في الدولة الإسلامية يخضع لمبدأ المصلحة العامة، وتلك المصلحة هي حجم القطاع وتركيبه وتغيراته. فعلى سبيل المثال نجد أن القطاع الخاص في الدولة النامية لازال عاجزاً عن الاستثمار في بعض القطاعات إما لأنها تتطلب أموالاً ضخمة وإما لأن الربحية فيها غير ثابتة أو لا تتحقق إلا في المدى البعيد والمصلحة تقتضي أن تحل الدولة محل الخواص في مثل هذه الأحوال، أما عندما ينمو القطاع الخاص فعلى الدولة أن تتراجع حسب . هذا النمو شريطة ألا يكون ذلك على حساب المستهكلين. وهناك ظروف خاصة مثل حالات الأزمات تستلزم تدخل الدولة أو القطاع العام بهدف المحافظة على الاستقرار والتوازن على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. وهذا يعني بإيجاز أن وجود : القطاع الخاص وحجمه يخضعان لمتطلبات الواقع والدور المنوط بالدولة في إطار السياسة الاقتصادية. ينبني على ذلك أنه على الدولة أن تستعمل القطاع العام كأداة استقرار اقتصادي وكذلك كأداة للزيادة في حجم الاستثمارات مع الحرص على المصلحة العامة. وهذه آليات معروفة سواء على مستوى الاقتصاد الوضعي أو الإسلامي».
١٤٠
هل لاحظت كيف يثق الباحث بالقطاع العام، كما أنه يعتقد بإمكانية تحديد المصلحة العامة للتوجه نحوها. وهاتان هما ركيزتان أحاول في هذا الكتاب زعزتهما من نفسك. والظاهر هو أن باحثنا معجب بالنظام الاقتصادي في الدول الإسكندنافية، فهو بهذا يدفع الشريعة حتى تنتهي بنظام اقتصادي مشابه لتلك الدول. ففي ثنايا حديثه عن الإيرادات والنفقات يقول:
«ومن خلال المعطيات العالمية، يظهر أن الدول التي تولي أهمية كبرى للعدالة الاجتماعية هي التي تعرف أكبر ضغط جبائي، وتأتي الدول الاسكاندنافية على رأس قائمة تلك الدول. وفيما يتعلق بالدولة الإسلامية فإن وجود الزكاة والصدقات التطوعية قد ينقص من دور الدولة في إعادة التوزيع
٩٦٢ 🗏
وبالتالي ينقص من الضغط الجبائي وارتفاع هذا الضغط في هذه الحالة سيكون لصالح التدخل الاقتصادي عند الحاجة. ومن حيث المبدأ، ينحصر دور الدولة في تطبيق الشريعة والسهر على مؤسسة الزكاة. أي دون حاجة إلى تدخل في الجانب الاقتصادي. لكن قد تفرض الظروف بأن تتدخل الدولة إلى أقصى حد ممكن، وهذا ما سبق ذكره. وخلاصة القول هي أنه في إطار الحكم بشرع الله، لا حدود أو لا سقف لإيرادات الدولة ونفقاتها، فلا يمكننا الالتزام بمبدأ عدم التدخل وأن نتشبث بذلك كما هو الأمر في المذاهب الوضعية. لقد سخر لنا الله سبحانه وتعالى الكون واستخلفنا في الأرض، فلنعمر هذه الأرض عمارة صالحة وبكل الأساليب الممكنة بما في ذلك تدخل الدولة. والأفضل هو أن تسير الأمور من حسن إلى أحسن في جو من الحرية الاقتصادية ووصول المسلمين إلى هذه المرحلة، يعني وصولهم إلى درجة مرتفعة من الإيمان والوعي إذ يستطيعون حينئذ خدمة مصلحتهم الخاصة دون إغفال مصلحة الغير، ولكن في الحالة الراهنة يبقى هذا التصور مجرد بناء فكري لا علاقة له بالواقع الشيء الذي يجعل من السياسة المالية القاطرة الأساسية للسير نحو مجتمع قوي بإيمانه واقتصاده واستقلاله ولن يتحقق هذا انطلاقاً من واقع الدول الإسلامية إلا إذا ربطت مصيرها بالإسلام، عبر الزيادة في موارد الدولة بنسبة قد تفوق النسبة التي وصلت إليها الدول الاسكاندينافية، وهذا راجع إلى سببين أساسيين هما: الحاجة إلى إعادة التوزيع بصفة أكثر عدالة كأمر مسلم به الحاجة إلى تمويل البنية التحتية حتى يتسنى للخواص الاستثمار في المجالات التي يفضلونها، هذا مع العلم أن الدولة الإسلامية ستكون مجبرة هي كذلك على الاستثمار في انتظار تقوية القطاع الخاص وتطوير صيغ جديدة للتمويل تتماشى مع الواقع ومطابقة للشريعة. وهذه الأدوار المنوطة بالدولة تقتضي تركيباً معقداً سواء على مستوى الإيراد أو الإنفاق».
١٤١
هل رأيت كيف تم الخروج تماماً عن الشريعة. فجميع ما كتبه الباحث لا يحوي نصاً عن قال الله جل جلاله أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم سوى الحديث الذي وضحنا سوء فهمه في فصل سابق. فهو يتحدث عن الإسلام بطريقة عاطفية ليرصع فيها أفكاره الوضعية المغلوطة ليؤسلمها. فهو عندما يدعو لزيادة موارد الدولة وإعادة التوزيع بطريقة أكثر عدالة، فهو إنما يشير إلى معضلة أزلية في الفكر الاقتصادي الغربي كما مر بنا، أي استحالة إيجاد وسيلة للتوزيع العادل من نسج العقل البشري مع كفاءة أعلى ولا حاجة لي هنا للمزيد من النقد. فالنص السابق وكأنه نظام أسوأ حتى من النظام الرأسمالي والعياذ بالله. فهو يقول: «لا حدود أو لا سقف لإيرادات الدولة ونفقاتها». أي كأنه يريد أن ينسف مقصوصة الحقوق بإطلاق العقل دون قيود لتحديد إيرادات ونفقات الدولة وكأنه لا إسلام قط.
وهذا باحث آخر (د. حسن صادق حسن) يؤمن بأهمية تدخل الدولة في الاقتصاد ولديه قناعة بأن على الدولة أن تقتطع من الاقتصاد المحلي لتعيد استثماره في مواضع أخرى لتحريك عجلة الاقتصاد. فهو يقول مستنتجاً:
«إذن فالفكر المالي الإسلامي يرى أن النفقة العامة تقوم بدور أساسي في تحقيق تقدم وتنمية المجتمع ورفع مستوى المعيشة، فهو يراها سبباً مباشراً لإحداث الرواج الاقتصادي بما يتبعه من زيادة في المعاملات يتبعها زيادة في المعاملات يتبعها زيادة في الأرباح وارتفاع في دخل الأفراد تستطيع الدولة أن تقتطع منه كمية أكبر تقوم بإنفاقها في الدورة التالية، وهكذا تستمر العملية في حركة صعودية، يزيد الإنفاق العام فيزيد مقدار الرواج، ويرتفع مستوى الأرباح والدخول وبالتالي مستوى المعيشة ويزيد دخل الدولة وهكذا ... وفي كل مرة تبتديء من نقطة أكثر ارتفاعاً في مستوى الإنفاق العام، وبالطبع دون أن يؤدي ذلك إلى «التضخم».
١٤٢
المكون
٩٦٣
إن الذي سيحدث أخي القارئ ليس حركة صعودية» كما قال الباحث، بل ركود يتبعه ركود وهكذا من دورات لأن الموظفين في الدولة ليسوا بمنتجين إنتاجاً مباشراً للسلع أو الخدمات، بل مستهلكين كما هو معلوم، وبهذا يضمحل دخل الأمة جيلاً بعد جيل كما حدث في الاشتراكية.
عرى الإسلام
حتى العلماء المحسوبين على أنهم من الإسلاميين، فقد بدءوا في الحديث عن الضرائب الأنسب كتلك التصاعدية أو المباشرة وغير المباشرة. فهذا د. القري يقول مثلاً في الحديث عن استخدام الضريبة في تحقيق المصالح العامة للأمة»:
«وقد رأى بعض الكتاب أن ضريبة الدخل التصاعدية ربما تكون أداة مقبولة في النظام الإسلامي لتحقق التوزيع الأكثر عدالة للدخل والثروة والمجتمع، وهو هدف معتبر في النظام الاقتصادي الإسلامي، كما أن ضريبة الدخل التصاعدية اقتطاع منسجم مع المقاصد العامة للشريعة والله
١٤٣
الخلاف
أعلم». هل رأيت كيف ظهرت مصطلحات مثل: ضريبة الدخل التصاعدية وبدأت في الدخول في الاقتصاد المسمى بالإسلامي؟ فهل أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أي ضريبة غير الزكاة برغم فقر بعض المسلمين المدقع آنذاك؟ فقط تذكر حال أهل الصفة من فقر لتدرك ما أرمي إليه. وهكذا يتم نقض عرى الإسلام عروة عروة بالأخذ بالرأي. وهنا تذكرت ما جاء في «حلية الأولياء» والذي ترددت كثيراً في نقله نظراً لمكانة الإمام أبي حنيفة. فقد جاء أن يوسف بن أسباط قال: «كنت عند سفيان الثوري، فورد عليه نعي أبي حنيفة فقال: الحمد لله، كان ينقض عرى الاسلام عروة عروة».١٤٤ وبالطبع لم أذكر هذه الواقعة للتأييد ولكن لأظهر لك مدى بين مدرستين. أحداهما تأخذ بالرأي والأخرى ترفضه. فكلما تذكرت غليان أسعار الأراضي في عمراننا المعاصر أذكر ذهاب الإمام أبي حنيفة إلى أن الإحياء للأرض لا يكون إلا بإذن الإمام فأقول: لماذا قال بهذا الرأي؟ لماذا أتى بما لم يقله من قبله من سبقه ؟ ثم أتألم. وسترى في الآتي حل عقـد أخرى وذلك بدعوى الاجتهاد، ومع ذلك يجب أن ندعو ونقول: أطال الله في عمر العالم يوسف القرضاوي، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فهو قد نقض عرى جذرية كثيرة غفر الله له وبحسن نية كالإمام أبي حنيفة. أخي القارئ، تذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ذكره الحاكم في «المستدرك» عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتنتقض عرى الإسلام عروة عروة. فكلما انتقضت عروة تشبثت بالتي تليها. وأول نقضها الحكم وآخرها الصلاة ١٤٥ وهل في القول بأن الإحياء لا يكون إلا بإذن الإمام إلا نقض لحكم؟ فهو نقض لحكم شرعي ونقض أيضاً لحق هو للناس ليذهب للدولة، وفي هذا نقض لحكم حقوقي يؤثر في صميم تركيبة الحكم السياسي للأمة فينقضه، لأن الدولة إن اكتسبت حق منع الناس من الإحياء فهي قد اكتسبت المزيد من السلطة . حساب مجموع الأمة حتى يطغى السلطان. وبالمثل وكما سترى بإذن الله فإن الضرائب ستؤدي بالطبع لجمع الأموال للدولة التي عليها بالطبع أن تنفقه لما فيه الصالح العام. وهذا سيؤدي للحكم بغير ما أنزل الله بالضرورة. وسيأتي
بيانه بإذن الله، ولضرب مثالاً واحداً الآن فقط إن أرادت الدولة إنفاق المال لإنشاء ميناء حكومي مثلاً فهي
:
على
بعد
٩٦٤ 🗏
الإسلامي
إنشائه لن تسمح في الغالب كما هي العادة الآن للسفن بالرسو عليها إن لم تمتلك السفن التصاريح اللازمة التي تظهر منشأ البضاعة التي على السفينة إن كانت السفن كما هي في معظم الأحوال مخصصة لنقل البضائع. ومن مثل هذه الأوراق يتم عادة تحديد الرسوم والجمارك التي ستضرب على السفينة والبضائع حتى وإن كانت البضائع مستوردة من مدينة مسلمة في دولة أخرى، وهذه هي المكوس بعينها، وهكذا تتأثر التجارة بين مناطق العالم سلباً. ولعلك تقول مدافعاً: هذا ليس بالضرورة صحيح، فقد يأتي حاكم رباني ويقوم ببناء موانئ دون فرض المكوس عوناً للتجار ! فأجيب: هذا لن يحدث لأن المسؤولين دائمي البحث عن المصلحة من منظورهم، فهم سيستغلون أي وسيلة لاستحداث المكوس لجمع المزيد من المال للمزيد من المشروعات، وبهذا تتعاظم سلطات المسؤولين لتعاظم نفوذهم على قطاعات أكثر وأكثر. فهم سيمنعون الأفراد إن أرادوا استحداث موانئ غير حكومية حتى لا يخرج منفذ تحت سلطتهم، بل سيوجدون موانئ حكومية أخرى. وبغض النظر عن جدوى هذه المشروعات التي تقوم بها الدول والتي سيأتي نقدها لاحقاً بإذن الله، فإن الذي حدث (وهو بيت القصيد هنا) هو أن الحكم في المحصلة النهائية بغير ما أنزل الله لأن المكوس قد فرضت ولأن الإحياء لإنشاء ميناء قد منع. والآن تصور حدوث العكس، أي تمكين الناس، فسيجتمع جماعة من المستثمرين لبناء ميناء وذلك لكسب أجور تنزيل وتحميل البضائع من التجار أو من أصحاب السفن الناقلة وعندها فإن هؤلاء الملاك لهذا الميناء لن يكون لهم الحق ولن يتمكنوا من فرض الجمارك على التجار، لأنهم إن حاولوا الحصول على أي زيادة في الأجور، ناهيك عن فرض المكوس، فإن آخرين من المستثمرين سيهرعون لبناء ميناء منافس وسيتمكنون من ذلك لأن الدولة ليس لها الحق في منعهم، وبهذا نقترب أكثر وأكثر من الحكم بما أنزل الله لأنه لا مكوس مفروضة. وسنأتي على أمثلة توضيحية وبتفاصيل أكثر بإذن الله.
و
مهم من
يوسف القرضاوي
إن مكانة الشيخ يوسف القرضاوي أثابه الله على اجتهاداته وجهاده من خلال القنوات الفضائية لهي أسمى من أن تنتقد هنا. ولقد ترددت كثيراً في نقده نظراً لمكانته مقارنة بحالي علماً. إلا أن الحق يجب أن يظهر. فأنا أقر بأنني لست أهلا للمقارنة بعلمه وحفظه، ولست بالتالي أهلاً لنقده. ولكنني، وكما ذكرت مراراً، لأنني ركزت على جزئية محددة لسنوات عدة، ألا وهي التمكين فقد أكون أحق منه. ولعل ما قاله أو ذهب إليه أو أفتى به أصوب مما طرح في هذا الكتاب والله أعلم. فاحتمال أن أكون مخطئاً إن وضعنا علمه في الميزان لهو احتمال وارد جداً. لذلك أجدني متردداً في نقده. ولكن في الوقت ذاته، ولأنه عالم جليل فإن الكثير يرجعون إليه ويستندون على أقواله. ولأنه إمام مخلص بإذن الله) فإنه يحاول جاهداً إظهار الإسلام على أنه دين يلائم وضعنا المعاصر فيفتي بأقوال قد لا تتفق مع النصوص؛ وفتاواه هذه التي لا تعتمد على نص هي بالنسبة لي زلات. فلعلك لاحظت من الفصول السابقة أنه من أكثر العلماء المعاصرين الذين نقدتهم. لذلك، فإن حاولت دحض كل فتاواه الخاصة بالأموال والتمكين، فلعلي بحاجة لمئات الصفحات لكثرتها، حتى وإن فعلت فقد لا يقرأها أحد من الناس لأنها ستكون مملة جداً. فالإسلام دين سهل واضح بين ممتع، إلا أن بعض العلماء عقدوه، فلفـوا وداروا للوصول لفتاوى تلائم الوضع المعاصر الملوث بسبب الخروج عن الشريعة. لذلك أقنعت نفسي بالآتي: لا أعتقد أن هناك حاجة للرد
المكو
٩٦٥
بطريقة منتظمة على جميع المسائل التي أفتى فيها الشيخ القرضاوي أو غيره من العلماء، فهي أكثر من أن تحصر، بل أعتقد أن الفصول السابقة التي تصف الوضع المالي إن طبقت مقصوصة الحقوق، قد تكون بعد المقارنة مرجعاً مناسباً لرد مثل هذه الفتاوى التي تأخذ بالرأي. بل والأصح بالتأكيد هو أن تصحيح المسار يكون بالرجوع فقط للقرآن الكريم والسنة المطهرة دون لف أو دوران بلي أعناق النصوص لتلائم وضعنا الملوث (تذكر مثال الإيدز). ولكل ما سبق، فما كان أمامي إلا أن أختار بعض الزلات الواضحة والرد عليها كأمثلة فقط، فالزلات كثيرة كما ذكرت. وأنت أخي القارئ، لست بحاجة لقراءة الآتي، فهي تفاصيل بإمكانك قفزها مباشرة للعنوان الآتي: «السياسة الشرعية». وسأبدأ بأهم الزلات الواضحة ثم أمر سريعاً على بعض الزلات الدقيقة. وما قمت بهذا النقد إلا لضرب بعض الأمثلة لعل آخرين من الباحثين يأتون مستقبلاً بإذن الله للرد على مثل هذه الزلات فتعود الأمة بالتدريج لمقصوصة الحقوق إن شاء الله.
إن كتاب فقه الزكاة يحوي الكثير من الزلات فهو كتاب مؤصل بطريقة بارعة وتفصيلية عن الزكاة، أو حتى يمكن القول بأنه كتاب مهم عن الأموال عموماً في الإسلام إلا أن هذا التأصيل والجهد ينتهي بفتاوى ستزيد من وضع الأمة المسلمة سوءاً لأنها تعطي السلاطين الحق في التفرد في فرض ما يرونه مناسباً من ضرائب تحت مظلة المصلحة العامة ما يغير مقصوصة الحقوق. فإن تأملت الكتاب لاقتنعت بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم والذي مر بنا: (إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلة عالم، ومن هوى متبع، ومن حكم جائر. كيف؟ لقـد وضع القرضاوي مثلاً فصلاً كاملاً (الفصل السابع لمحاولة الإجابة على السؤال الآتي: «هل تُفرض ضرائب مع الزكاة؟».
فقال في مقدمة الفصل:
«إذا كان الإسلام قد فرض الزكاة حقاً معلوماً في أموال المسلمين، وجعلها ضريبة تتولاها الحكومة المسلمة جباية وصرفاً ، فهل يجوز لهذه الحكومة أن تفرض على الأغنياء ضرائب أخرى إلى جوار الزكاة لإقامة مصالح الأمة، وتغطية النفقات العامة للدولة؟ أم تُعد الزكاة هي الفريضة المالية الوحيدة التي لا يؤخذ من المسلمين غيرها؟ ولكي يتضح هذا الأمر جلياً من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، نجعل الكلام فيه حول مباحث ثلاثة : المبحث الأول: الأدلة على جواز فرض الضرائب. المبحث الثاني: الشروط التي يجب مراعاتها في فرض الضرائب. المبحث الثالث: شبهات المانعين لفرض الضرائب والرد عليها. وها نحن نتحدث عنها على هذا الترتيب».
187
ترى أخي القارئ بوضوح أن القرضاوي يجيز فرض الضرائب من عنوانين المباحث الثلاثة. ولعل السبب كما يظهر من الكتاب هو أنه ذهب لجواز فرض الضرائب لأنه كما سترى بإذن الله يؤمن بأن هناك مستجدات على المجتمع (مثل الخدمات العامة كالتعليم مثلاً)، وأن هذه المستجدات تتطلب نفقات ولن يتمكن أحد من القيام بها إلا الدولة. وهذه النفقات لن تغطيها أموال الزكاة وحتى لا يتخلف المسلمون فقد ذهب للفتوى بجواز الضرائب. والسبب الآخر لذهابه لإجازة الضرائب هو ملاحظته للفارق الشاسع بين الفقراء والأغنياء، ولأن هذا وضع غير عادل بالنسبة له، ولأن الإسلام هو دين العدل، فلابد إذاً من إيجاد حل لهذه الإشكالية التي أتت بالنسبة له بتغير الظروف بتغير الزمان. وكما سترى بإذن الله في باقي فصول هذا الكتاب فإن هذين السببين لن يوجدا أصلاً إن طبقت مقصوصة الحقوق. أي أن ما يراه من انحراف هو بسبب عدم تطبيق مقصوصة الحقوق. فالدولة لن تحتاج للأموال للنفقات على الخدمات العامة كما ذكرت مراراً وسأثبت ذلك بإذن الله لأن الناس سيقومون بتلبية تلك
977 🗏
الخدمات بطريقة أكفأ لأن معظمهم من المستغنين، أي أن الفارق الكبير بين الأثرياء والفقراء لن يوجد أصلاً إن فتحت أبواب التمكين. أي باختصار فإن القرضاوي قد أوجد أحكاماً لأوضاع نتجت من عدم تطبيق الشريعة. وفي تطبيق المسلمين لفتاواه تعميق للضياع كما هو حادث الآن على أيدي الدول التي تأخذ الضرائب. والآن لنمر سريعاً
على المباحث.
تأمل أولاً أدلته على جواز فرض الضرائب مع الزكاة في المبحث الأول ستلحظ مباشرة أنها أدلة عقلية. فهي
كالآتي: دليله الأول هو أن التضامن الاجتماعي فريضة». وفي هذا يقول:
«ولا حاجة بنا إلى إعادة ما ذكرناه من أدلة على هذا الحكم في باب «أفي المال حق سوى الزكاة؟». وحسبنا أن نذكر أن الجميع متفقون على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة عامة بعد الزكاة وجب سدها، مهما استغرق ذلك من الأموال، حتى الذين يقولون: ليس في المال حق سوى الزكاة» يقررون ذلك في وضوح. كما يؤكد ذلك ما ذكرناه في نظرية «التكافل» ونظرية «الإخاء» في حديثنا عن الأساس النظري لفرض الزكاة، فهي تصلح أساساً لكل ما يُفرض من حقوق في المال بعد الزكاة أيضاً». ٤٧
إن النص الذي يرجع إليه القرضاوي هنا هو حديث في المال حق سوى الزكاة، والذي شُرح الالتباس في استنتاجاته في فصل «الأموال». فكما وضحت سابقاً فإن الحديث لا يعني أبداً أن للدولة الحق في أموال الناس سوى الزكاة، بل على الناس أن يعطوا راضين هم بأنفسهم للمحتاجين، لا أن يدفعوا الأموال مرغمين للدولة. وشتان بين الحالين كما وضحت في الحديث عن «العفو» في نفس الفصل. أما قوله بأن المقرين بأنه ليس في المال حق سوى الزكاة، هم أيضاً متفقون على أنه للدولة الأخذ من الناس إن نزلت بالمسلمين حاجة عامة، فهذا تلبيس لا يصح. فهو قد لبس وضع اضطراري على ظروف اعتيادية. فالضرائب التي تفرضها الدول المعاصرة لم تفرض في ظروف غير اعتيادية، بل هي مفروضة على الدوام، فكيف يتم إسقاط حكم من وضع اضطراري على وضع اعتيادي، أي غير اضطراري؟ أي هل يصح تحليل أكل الميتة لغير المضطر ؟ وبالمثل: هل يصح فرض الضرائب على الناس في غير حالات الاضطرار؟ ومن جهة أخرى فحتى إن اتفق بعض الفقهاء كما يقول بأن للسلطان الحق في فرض الضرائب على الناس عند النوائب، فلابد لاتفاقهم من دليل، لأنه لا دليل نصي ولا إجماع حدث في هذه المسألة، والأهم من هذا كما ذكرت مراراً فإن الظروف التي مر بها الرسول صلى الله عليه وسلم كما حدث في غزوة الخندق لهي الأشد، لأنه إن انهزم المسلمون فقد تكون نهاية الإسلام معاذ الله، ومع ذلك فهو لم يفرض صلوات ربي وسلامه عليه على الناس شيئاً. أي أن القرضاوي لم يأت بدليل نصي أو ظرف اضطراري فرض فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال على الناس غير الزكاة. أما استدلاله بنظرية التكافل أو الإخاء، فالإجابة هنا تنبع من السؤال: هل أتى الإسلام ناقصاً في الجوانب التي تمس التكافل والإخاء ليأتي كائن من كان ليُكمل الإسلام بتطعيمه بأفكار مستحدثة مثل فرض الضرائب حتى يتحقق التكافل؟ أخي القارئ، لا يحق لنا أن نفكر بهذه الطريقة أبداً لأن فيها اتهام للإسلام بالتقصير. فما معنى الاكتمال إذاً في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ؟ فإن لم يأت الإسلام مكتملاً في أهم عنصر اجتماعي ألا وهو التكافل، ففيم الاكتمال إذاً؟ وكما سترى بإذن الله، فمع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن التكافل سيكون كامل التحقيق بإذن الله. أما دليله الثاني على جواز فرض الضرائب بالإضافة للزكاة فهو تحت عنوان: «أن مصارف الزكاة محددة ونفقات الدولة
كثيرة». وفيه يقول:
٩٦٧
۹
المكو
«فقد عرفنا أن الزكاة ضريبة ذات صبغة خاصة وأهداف معينة: أهداف اجتماعية وأخلاقية ودينية وسياسية، كما بينا فيما سبق، وليس هدفها الهدف المالي فقط - أعني مجرد جمع المال للإنفاق على مرافق الدولة - إلا على قول من جعل سبيل الله » يشمل كل طاعة ومصلحة، وهو خلاف ما تدل عليه الآية والحديث، وخلاف ما ذهب إليه الجمهور. ومن هنا كانت مصارف الزكاة محصورة في الأصناف الثمانية التي حددها القرآن، ويجمعه صنفان: من كان محتاجاً من المسلمين كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لأنفسهم وابن السبيل، ومن يحتاج إليهم المسلمون: كالمجاهدين في سبيل الله والمؤلفة قلوبهم والعاملين عليها، والغارمين لمصلحة المجتمع . ولهذا كان للزكاة بيت مال خاص – أي ميزانية خاصة مستقلة - ولم يجوّز الفقهاء أن يُخلط مالها بأموال الموارد الأخرى، لتصرف في مصارفها الشرعية المنصوصة، وتقوم بمهمتها الأولى في إقامة التكافل الاجتماعي. ومن أجل ذلك قال أبو يوسف: لا ينبغي أن يُضم مال الخراج إلى مال الصدقات؛ لأن الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى الله. عز وجل . ولهذا أيضاً قالوا: «لا تصرف الزكاة إلى بناء الجسور، وتمهيد الطرق، وشق الأنهار، وبناء المساجد والربط والمدارس والسقايات، وسد البثوق». ولكن هذه الأمور ضرورية للدولة الإسلامية ولأي دولة، فمن أين تنفق على هذه المرافق، وإقامة هذه المصالح إذا لم يجز لها الصرف من الزكاة؟ والجواب: أنها كانت تنفق على هذه المصالح من خمس الغنائم الحربية التي يستولي عليها المسلمون من أعدائهم المحاربين، أو مما أفاء الله عليهم من أموال المشركين بغير حرب ولا قتال، وكان هذان الموردان في عهود الفتح الإسلامي الأولى يغنيان الخزانة بما لا تحتاج معه إلى فرض ضرائب على الناس غير الزكاة وبخاصة أن واجبات الدولة حينذاك كانت محدودة. أما في عصرنا - وقد نضب هذان الموردان - فلم يعد لإقامة مصالح الأمة مورد إلا فرض ضرائب أو وظائف على ذوي المال، بقدر ما يحقق المصلحة الواجب تحقيقها، وفقاً لقاعدة: «ما لا . الواجب إلا به فهو واجب». ولقد رأينا فقهاء الشافعية يقررون أن الغزاة «المرتزقة» الذين لهم سهم
سهم
يتم
في الفيء - وبعبارة أخرى: الجنود النظاميين الذين لهم راتب من الخزانة العامة - لا يجوز أن يُصرف لهم شيء من أموال الزكاة. فأما . سبيل الله» فهو للمتطوعة من المجاهدين. ولكنهم بحثوا هنا ما إذا لم يكن في الخزانة العامة شيء يُعطى منه للجنود المنتظمين، واحتاج المسلمون إلى من . يكفيهم شر الكفار، فمن أين يُعطى هؤلاء المنتظمون ما يقوم بحاجاتهم ومطالبهم؟ لقد رجح النووي وغيره من أئمة الشافعية أنه يلزمه أغنياء المسلمين إعانتهم من غير مال الزكاة».
١٤٨
يقول الاقتباس السابق باختصار أن أموال الزكاة غير كافية لتغطية المستجدات من حاجات، لذلك فلابد من إيجاد موارد أخرى للدولة ألا وهي الضرائب وهنا تظهر فرضيتان الأولى هي إما أن يكون الإسلام مقصراً معاذ الله، وبالتالي لم تفطن الشريعة لإيجاد موارد أخرى لأن الغنائم وأموال الفيء لن تستمرا؛ وإما (وهي الفرضية الثانية) أن الإسلام دين لابد وأن يتطور في منظومة حقوقه من منظومة لأخرى مع تغير الزمان. وبالطبع فإن القرضاوي وجميع فقهاء الشريعة لن يوافقوا أثابهم الله على الفرضية الأولى لأن الإسلام كما نعتقد نحن المسلمون دين مكتمل. بقيت الفرضية الثانية وهي أن الإسلام دين لابد من تطويره كل فترة وأخرى لأن ظروف الزمان في تغير. وهنا ودون الخوض في تفاصيل شرعية أريد ببساطة أن أضع تحدياً كالآتي: إن ما يزعمه القرضاوي هو أن هناك حاجات عصرية استجدت ولن تستطيع القيام بها إلا الدولة لذلك لابد من فرض الضرائب. فإن أثبت لك أخي القارئ في هذا الكتاب أن هذا غير سليم، وأنه بالإمكان إيجاد مجتمعات أكثر عزاً وأغزر إنتاجاً ودون الحاجة للجوء للضرائب، فعندها فلابد لك وأن توافقني بأنه لا حاجة للضرائب وأن ما أتى به الإسلام قبل أربعة عشر قرناً
٩٦٨ 🗏
هو ما يجب أن يتبع دون أدنى إضافة في مسائل الحقوق، فعندها لا مفر لك ولكل من قال بجواز الضرائب من موافقتي. ولبعض التفصيل لنقد الاقتباس السابق أقول:
کابن
عم
لقد بدأ الاقتباس السابق بخطأ جسيم وهو القول أن «الزكاة ضريبة». وهذا بالطبع أمر مرفوض لكل مسلم. فالضريبة مال للدولة للإنفاق كما ترى الدولة المصلحة. وهذا ما قد تتضجر منه النفوس لأن الأموال واقعة في مساحة قد تتلاعب بها أهواء المسؤولين. أما الزكاة فهي عبادة شرعها رب الكون وهي لأناس محددين، ولا مجال للهوى للتلاعب بها، فشتان بين الاثنين، لذلك فالزكاة تخرج من الناس لكونها عبادة لأنـاس هم يعرفونهم أو جار فقير أو مسافر غارم. ثم يستمر الاقتباس محقاً في إثبات أن الزكاة هي من حق أصناف ثمانية. إلا أن الاقتباس يستنتج أن ما يرد لبيت المال ليس كافياً وبالذات أن أموال الفيء هي لجميع المسلمين وذلك بالاستشهاد بقول أبي يوسف. وهنا تظهر إشكالية وهي كما حاولت أن أوضح في الفصول السابقة أن أموال الفيء والغنائم هي أيضاً لأناس محددين وليست لعموم المسلمين ممثلة في بيت المال إلا القليل جداً منها والذي كان يستثمر أيضاً في الناس مثل قضاء ديونهم ولم يكن يستثمر في خدمات أو مرافق عمرانية مثل بناء السدود والقناطر. ولكنك كالعادة قد تقول بأن الوضع اختلف ولابد من إنفاق الدولة على مثل هذه المرافق كالمستشفيات والمدارس؟ فأجيب كالعادة: كلا لم يختلف، فمثال بئر رومة مثال صارخ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرض الضرائب برغم حاجة المسلمين الماسة له، وهذا مثال عن الماء وهو من أشد الضروريات حاجة للمسلمين. فالإسلام دين واضح في هذه المسألة كما ترى: وهي أنه يُمكن الناس، فإذا تمكنوا وازدادوا ثراءاً سيقومون بكل خدماتهم كما ذكرت مراراً وتكراراً. فقط تذكر مثلاً أن أفضل جامعات العالم في الولايات المتحدة الأمريكية هي جامعات خاصة مثل هارفارد وييل، أي أنها من أموال الناس وليس الدولة، وأن أفضل صانعي الطائرات هي شركات خاصة مثل بوينغ، وأن أفضل شركات الكهرباء هي شركات خاصة، وأن أفضل الأنفاق أو الطرق السريعة هي استثمارات قامت بها شركات أو جماعات من أفراد غير الدولة مقابل رسوم يدفعها كل سائق، وهكذا ولكن لا تعتقد أنني أرمي إلى أن الإسلام دين يدفع لإيجاد مجتمع شبه رأسمالي يعج بخدمات مخصخصة، بل لشيء آخر كما سترى بإذن الله). ولعل المؤلم في الاقتباس السابق هو قوله بأن الحروب قد انتهت وأنه لا غنائم ولا فيء من المشركين بغير قتال وأن واجبات الدولة كانت محدودة، وأن جميع هذا قد تغير. أي وكأنه يقول صراحة أن الإسلام أتى ناقصاً أو أن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الغيب (ومعاذ الله هذا) فبالتالي لم يقص سبحانه وتعالى الحق بطريقة تأتي بالمال باستمرار لبيت المال لتغطية المستجدات. والسؤال المهم هنا والذي ذكرته مراراً وبطرق مختلفة: لماذا لا يكون الاستنتاج هو العكس تماماً: أي أنه إن لم يُشرع الإسلام رافداً كبيراً للمال لبيت المال فهذا يعني أنه يجب ألا يكون للدولة دور في تأمين هذه المرافق المستجدة، وأن هذه بالتالي يجب أن تترك للناس. أي وإن تركت للناس فلماذا لا نتبع الشريعة التي تمكن الناس من القيام بها؟ أما استخدامه لقاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فهو استخدام في غير محله، لأنه يجب عليه أن يثبت أن تأمين التعليم واجب على الدولة فقط، وليس واجباً على الناس، وأن بناء الطرق السريعة هو من واجبات الدولة وأن الناس لن يتمكنوا من ذلك، وهكذا مع المرافق الأخرى. ثم أخيراً يأتي على مثال الغزاة «المرتزقة» وأنه لابد من إيجاد رافد مالي لهم لأن أموال الزكاة لا تشملهم. وهذه النقطة قد رددت عليها في فصل «الديوان» وبينت أن الأصل في العمل العسكري في الشريعة أنه عبادة وليس وظيفة، فلا حاجة للدولة للأموال إذاً من هذا الجانب. وسيأتي بإذن الله في الحديث عن «الأمن» كيفية جدارة ذلك. هل لاحظت أخي القارئ كيف أن
من
المكو
979
القرضاوي في الاقتباس السابق لم يأت بأي دليل نصي. بل هي آراء من وضع العقل القاصر بالضرورة. والآن لننظر لدليله الثالث والذي وضعه تحت عنوان: «قواعد الشريعة الكلية» إذ يقول فيه:
الله
«وليس الأمر مقصوراً على قاعدة إيجاب «ما لا يتم الواجب إلا به»، فإن هناك قواعد كلية ومبادئ تشريعية عامة، أصلها علماء الإسلام أخذاً من نصوص الشريعة، ومن استقراء أحكامها الجزئية، وأصبحت بذلك أصولاً تشريعية يُحتكم إليها، ويُعول عليها، ويُهتدى بها عند التقنين أو الفتوى أو القضاء. ومن هذه القواعد: «رعاية المصالح»، «درء المفاسد مقدم على جلب المصلحة»، «تفويت أدنى المصلحتين تحصيلاً لأعلاهما»، « يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام». ولا ريب أن تحكيم هذه القواعد الشرعية لا يؤدي إلى إباحة الضرائب فحسب، بل يحتم فرضها وأخذها، تحقيقاً لمصالح الأمة والدولة، ودرءاً للمفاسد والأضرار والأخطار عنها - ما لم تكن عندها موارد أخرى كافية كالبترول - ولو تركت دولة الإسلام العصرية دون ضرائب تنفق منها، لكان من المحتم أن تزول بعد زمن يسير من قيامها، وينخر الضعف كيانها من كل ناحية، فضلاً عن الأخطار العسكرية عليها. ولهذا أفتى علماء المسلمين في عصور مختلفة بوجوب إمداد بيت المال بما يلزمه من ضرائب يفرضها الحاكم المسلم لدرء خطر أو سد حاجة. نجد أن الغزالي الشافعي – وهو من المضيقين في الأخذ بالمصالح المرسلة - يقول: «وإذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، وخيف من ذلك دخول العدو بلاد الإسلام، أو ثوران الفتنة من قبل أهل الشر، جاز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، لأنا نعلم أنه تعارض شران أو ضرران، قصد الشرع دفع أشد الضررين، وأفطم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم (أي من الأغـنـيـاء) قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام أي بلاده) من ذي شوكة (أي حاكم (قوي يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور». وقال الشاطبي المالكي: «إنا إذا قدرنا إماماً مطاعاً مفتقراً إلى تكثير الجنود لسد الثغور، وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجة الجند إلى مال يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال، ثم إليه أي إلى الإمام النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك». «وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين (أي في عهود الإسلام السابقة لاتساع بيت المال في زمانهم، بخلاف زماننا، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك بطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام، فالذين يفرون من الدواهي (أي الضرائب المفروضة عليهم لو تنقطع عنهم الشوكة، لحقهم من الأضرار ما يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها، فضلاً عن اليسير منها، فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق بهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الأول». فكلام كل من الغزالي والشاطبي في تجویز فرض الضرائب أو الوظائف على الأغنياء في الحال التي ذكروها مبني على قاعدة: «وجوب تحمل الضرر الأدنى لدفع ضرر أعلى وأشد». » . .
١٤٩
لعلك الآن أخي القارئ في وضع يمكنك مباشرة من نقد الاقتباس السابق إن رجعت لأقوال السلف رضوان عليهم أو بعد قراءة الفصول السابقة. فكما ترى فإنه لا نص لديه لإثبات ما ذهب إليه هنا إلا الأخذ بالقواعد. فهل له الأخذ بالقواعد في مثل هذه الأحكام المفصلية دون دليل نصي من القرآن الكريم أو السنة المطهرة؟ إن للفقيه أن يأخذ (والله أعلم) بالقاعدة الشرعية إن لم يكن هناك نص أو فعل عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد رأينا في الفصول السابقة كيف أن النصوص واضحة في مسائل الأموال. ومن الملاحظ أن جميع ما قيل في الاقتباس السابق يدور حول الخطر الذي قد يقع على المسلمين من الكفار أو الأشرار، أي تماماً كما قال الجويني وكنت قد
۹۷۰ 🗏
دحضت ما قاله فيما سبق. ولكن السؤال هو الآن: هل تعرض الإسلام لخطر الإبادة في عمره خلال أربعة عشر قرناً كما تعرض له في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ إن الخطر الذي تعرض له المسلمون آنذاك لم يكن خطر فقدان مساحة من الأرض أو مدينة أو قرية على أطراف العالم الإسلامي في الأندلس أو في خراسان، بل إن الخطر كان بوأد الإسلام في موطنه، أي في المدينة المنورة، من خلال تحزب جميع القبائل المشركة وبشدة وتآزر ومكر وتحالفات مع اليهود ومع ذلك لم يفرض الرسول صلى الله عليه وسلم الضرائب. فتأمل هذا الحرص الشديد من الشريعة بعدم فرض الضرائب حتى في أحلك الظروف التي خرقها هؤلاء العلماء (غفر الله لهم).
والآن لأقلب المسألة: إن القرضاوي بالرجوع للقواعد يستنتج أن الضرائب لا تباح فقط، ولكن «يحتم فرضها وأخذها كما يقول وذلك درعاً للمفاسد والسؤال هو الآن وهل ظهرت المفاسد والفقر والذل للمسلمين إلا لأن الشريعة لم تطبق فذهبت الأموال للحكومات؟ ولإثبات قوله يذكر الدول النفطية، وأنه إن لم تكن للدولة موارد كافية كالبترول مثلاً فمن أين لها المال اللازم لتثبيت كيانها إلا من الضرائب؟ وهنا أريدك أن تلحظ أن الدول غير المسلمة اكتشفت طريقة سهلت عليهم ودون أي سفك للدماء السيطرة على ديار المسلمين وذلك من خلال السيطرة على السلاطين. فها هي الدول الغربية تسيطر على الحكام المسلمين والذين بدورهم يسيطرون على الشعوب. وكيف تمكن السلاطين من السيطرة على الشعوب في الدول النفطية إلا من خلال تسلطهم على الأموال الآتية من بيع النفط. هكذا تمت السيطرة غير المسلمة الآتية من الغرب على الشعوب المسلمة، لدرجة أن الدولة التي يسكن فيها القرضاوي دولة تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية ضُربت منها ومن الدول النفطية الأخرى المجاورة كل من العراق وأفغانستان وبالتالي امكانية ضرب أي دولة قد تفكر في الوقوف أمام إسرائيل مستقبلاً. ألا يرى كل هذا القرضاوي ؟ والآن تصور أن الشريعة قد طبقت، فإن الأموال ستقع في أيدي الناس لأنه ليس للدولة أخذ النفط بل هو لمن استخرجه، وأن الناس يجيدون مهارات القتال فهل ستجرؤ دولة مثل أمريكا على وضع قواعد في دولة نفطية أم أن العلماء الربانيين سيحثون الناس على الجهاد؟ وسيأتي توضيح حدوث مثل هذا في الفصول القادمة بإذن الله. أي أن ما قاله الغزالي والشاطبي من وهن للأمة لن يقع إلا إن لم يتم الحكم بشرع وعندها سيظهر العلماء للأخذ بالقواعد الفقهية. أما قول الشاطبي بأن بيت المال كان متسعاً في عهد «الأولين» فهذا غير صحيح أيضاً، فلم تكن الأمة المسلمة في تاريخها قط أفقر مما كانت عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم تفرض الضرائب. أي يمكننا القول الآن أن قاعدة: «وجوب تحمل الضرر الأدنى لدفع ضرر أعلى وأشد»، قاعدة لا يمكن تطبيقها في حالتنا هذه، بل على العكس، فإن الضرر الأشد أي ضعف الأمة في هذه الحالة) سينتج من تحمل الناس لأضرار صغيرة بدفع الضرائب. والآن لننظر لدليله الرابع لإجازة الضرائب والذي وضعه تحت عنوان: «الجهاد بالمال وما يتطلبه من نفقات هائلة»، إذ يقول فيه:
إن الإسلام قد فرض على المسلمين الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. في مثل قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبيل اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾، ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ , ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبيل اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ... ولا شك أن الجهاد بالمال المأمور به واجب آخر غير فريضة الزكاة، ومن حق أولي
الله
۹
المكو
وبهذا
هائلة
الأمر في المسلمين أن يحددوا نصيب كل فرد قادر من عبء الجهاد بالمال. وهذا ما نقله ابن تيمية عن صاحب «غياث الأمم» كما سيأتي. ولقد أصبح التسليح ونفقات الجيوش في عصرنا مما يحتاج إلى موارد من المال، ومع هذا لم تعد القوة مقصورة على السلاح والجيوش؛ إذ لابد من القوة والتفوق في شتى جوانب الحياة العلمية والصناعية والاقتصادية، وكل هذا يفتقر إلى أمداد غزيرة من المال، ولا سبيل إلى ذلك إلا بفرض الضرائب باعتبارها نوعاً من الجهاد بالمال، ليقو الفرد أمته، ويحمي دولته، فيقوي بذلك نفسه، ويحمي دينه وماله وعرضه».
10.
۹۷۱
إن من البيان لسحرا: إن أول ملحوظة تلحظها أخي القارئ على الاقتباس السابق إن قارنته مع ما ذكر في فصل «الديوان» هو أن القرضاوي استنتج من الآيات التي ذكرها أن الإنفاق العسكري من حق ولي الأمر في تحديد «نصيب كل فرد قادر» كما يقول. وعندما تجتمع الأموال لولي الأمر فهو ينفقها على العسكر وتجهيزهم، يصبح العمل العسكري وظيفة، فهل هذا صحيح؟ إن الآيات واضحة وهي تخاطب المسلمين بالقول: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، وقد وضحت ذلك سابقاً كما قال أكثر الفقهاء بأنه نداء للجميع للهب للجهاد فيصبح العمل العسكري عبادة. فكيف يتم تأويل خطاب موجه للمؤمنين حتى يتحركوا ويتآزروا على أنه حق مالي للسلطان يفرضه على الناس؟ اقرأ الآيات أخي القارئ مرة أخرى ستلحظ أنها موجهة للمؤمنين، وليس للسلطان. ولكن ماذا عن الآية الأخيرة في الاقتباس؟ فهو قد أولها على أنه إن لم يتمكن السلطان من الأخذ من أموال الناس كضرائب فإنهم وكأنهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة وما أحاول إثباته هو العكس تماماً، أي أن الشريعة تؤدي إلى تثمير الأموال في أيدي المؤمنين الذين سيهبون للدفاع عن أوطانهم بأنفسهم وأموالهم الكثيرة. ولكن لنقل جدلاً أن السلطان بحاجة للأموال للدفاع عن الأمة، فلماذا يفتح القرضاوي أبواب الضرائب على مصاريعها لتشمل جميع احتياجات الأمة من ماء وكهرباء؟ وأين الدليل على ذلك؟ فهو قد أول أن أخذ الدولة للأموال سيؤدي إلى الإنفاق للوصول إلى «التفوق في شتى جوانب الحياة العلمية والصناعية والاقتصادية»، وهذا كما سترى بإذن الله غير صحيح، بل على العكس، فإن في أخذ الدولة للأموال كما هو حاصل الآن تخلف في شتى جوانب الحياة كما هو حالنا اليوم. وأخيراً للنظر لدليله الخامس والذي وضعه تحت عنوان: «الغُرم بالغنم»، إذ يقول فيه: «إن الأموال التي تجبى من الضرائب تُنفق في المرافق العامة التي يعود نفعها على أفراد المجتمع كافة، كالدفاع والأمن والقضاء والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والري والصرف، وغيرها من المصالح التي يستفيد منها مجموع المسلمين من قريب أو من بعيد . وإذا كان الفرد يستفيد من وجود الدولة وسيطرتها، ويتمتع بالمرافق العامة في ظل إشرافها وتنظيمها وحمايتها للأمن الداخلي والخارجي، فعليه أن يمدها بالمال اللازم لتقوم بمسؤوليتها. وكما يستفيد الفرد ويغنم من المجتمع وأوجه نشاطه المختلفة ممثلاً في الدولة، ففي مقابل هذا يجب أن يغرم ويدفع ما يخصه من ضرائب والتزامات تطبيقاً للمبدأ الذي قرره الفقهاء وهو «الغرم بالغنم»...».
١٥١
وهنا ترى في هذا الاقتباس السابق خطأ جسيم آخر وقع فيه الباحث إن مبدأ الغرم بالغنم لهو مبدأ يصح
تطبيقه على مستوى علاقة بين فردين أو جماعتين، أو فرد وجماعة، أما على مستوى دولة فإن هذا أمر محال، وهذا ما
حاولت توضيحه وفعل الكثير من الاقتصاديين في محاولة إيجاد علاقة منصفة بين الكفاءة في الأداء والعدالة في التوزيع. إن الله سبحانه وتعالى هو العدل، والإسلام دين مبين على العدل، فهل يعقل أن يأتي بتشريع لا يؤدي للعدل؟ قل لي بالله عليك، كيف سيتم أخذ الضرائب؟ تصاعدياً، أي كلما زادت الثروة كلما زادت الضريبة؟ أم
۹۷۲ 🗏
من
مباشرة بفرضها على الرؤوس بالتساوي لأن الجميع متساو في استخدام المرافق كالسير في الطرقات والتمتع بالأمن الأعداء سواء كان الفرد غنياً أو فقيراً؟ أو بوضعها على المستهلكات كالجمارك ؟ لقد حار العالم الغربي في مثل هذه المسائل ولم يجد لها حلاً عادلاً. ناهيك عن أن جميع هذه الخدمات التي تحدث عنها القرضاوي ستكون أكثر تكلفة وأقل كفاءة إن قامت بها الدول، وفي هذا هدر كبير لمجموع الأمة. ناهيك أيضاً عن أن فكرة الضرائب تتطلب أجهزة حكومية رقابية ذات مآس وتلاعبات لا . لها. ولم كل هذا؟ ليغنم الناس الخدمات التي تقدمها الدولة؟ ولم لا يقومون هم بها وكل يغنم بقدر ما يغرم كما سترى إن طبقت مقصوصة الحقوق بإذن الله. وباختصار، فإن من جميع أدلته الخمسة السابقة لم يأت القرضاوي بدليل واحد بل هي تراكمات عقلية. والعقل كما وضحت لابد وأن يكون قاصراً.
حصر
ثم بعد ذلك يوضح القرضاوي المبحث الثاني: الشروط التي تجب رعايتها في الضرائب». ولن أنقد هذه الشروط لأن الشريعة لم تأت بالضرائب أصلاً. ولكن فقط ملحوظات عابرة عليها وهي مثلاً أنها شروط يستحيل تطبيقها إلا بالكثير من النفقات التي ستأكل الكثير من المال المجموع من الضرائب. ولأنها شروط يستحيل تطبيقها، فإن الذي يحدث في الواقع العملي هو عدم الالتزام بها تذكر أن كل بدعة ضلالة فشرطه الأول هو أن الضريبة لا تجوز إلا إن كانت هناك حاجة حقيقية للمال ولا موارد أخرى. فمن الذي يقرر الآن أن هناك حاجة حقيقية أم لا؟ بالطبع إنه السلطان أو أن السلطان سيؤثر على القرار. وهل هناك سلطان يقول أنه لا حاجة للمال إلا إن كان نزيهاً؟ حتى وإن كان نزيهاً ومخلصاً فهو سيحاول النهوض بالأمة لذلك فهو بحاجة للأموال. وهذا ما لا تريده الشريعة لأن الحركيات التي تفرضها الشريعة كما سترى بإذن الله ستؤدي إلى النهوض من خلال السواد الأعظم من الناس وليس بواسطة الحكومات أو السلطان، إذ أن تجمع المال عندهم سيؤدي للركود لا محالة. وإن اقتنع السلطان بأن الطريق للنهضة يكمن في عدم جمعه للمال فهو أقرب للشرع من قناعته بجمع المال.
وشرطه الثاني أن يتم
أخذ الضرائب بالعدل، وهذا لن يحدث كما ذكرت أما شرطه الثالث فهو أن تنفق الأموال في المصالح وليس المعاصي، وهذا لن يحدث إلا نادراً كما هو واقع معاش، وشرطه الرابع والأخير فهو ضرورة موافقة أهل الشورى والرأي في الأمة. إذ لا يجوز أن ينفرد الإمام بفرض الضرائب وتحديد مقاديرها كما يقول. إلا أن الواقع غير ذلك، إذ متى ما فتح الباب للسلاطين فإنهم سيجمعون من حولهم من يجعلونهم أهل حل وعقد ليُحللوا لهم ما يشتهون كما هو حادث. فبعد أن يوضح القرضاوي وجوب الشورى من الكتاب والسنة، ثم بعد الاستنتاج بأنها ملزمة للسلطان يقول في الشرط الرابع
کا
«على أن من حق أهل الحل والعقد في الأمة أن يشترطوا على ولي الأمر أن يستشيرهم وجوباً في كل أمر هام، مثل فرض الضرائب، وأن يلتزم رأي الأغلبية. فهو إذا قبل الحكم تمت له البيعة على هذا الشرط، لم يجز له أن ينقضها، ففي الحديث: (المسلمون على شروطهم ) ، والوفاء بالعهد واجب حتم. وهذا سواء قلنا: الشورى واجبة أم مستحبة ملزمة أم معلمة. هذا والآية الكريمة لم تذكر الأمور التي تكون فيها الشورى، غير أنها ذكرت كلمة جامعة هي كلمة «الأمر» وهو يشمل كل أمر
هامش
ث) يقصد قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
73
۹ المكوس
عام يتعلق بعموم الناس، ويؤثر في مصالحهم وأحوالهم، كأمر الحروب والمعاهدات بين الدول وما شابه ذلك. ولا ريب أن فرض الضرائب على الأمة من أهم الأمور، وأبعدها أثراً في حياة الشعوب، ولهذا تنص الدول الديمقراطية المعاصرة على ألا تفرض ضريبة على الشعب إلا بموافقة ممثليه في المجالس النيابية». "
١٥٢
وهنا أريدك أخي القارئ أن تلحظ مسألة قد مرت بنا، وستتردد مراراً، وهي أن الإسلام برغم أنه دين يدور على الإيمان بالغيب كالإيمان باليوم الآخر ، وهذا أمر غير ملموس مادياً، إلا أنه في مسائل الحياة فهو دين عملي جداً يبتعد عن النظريات والتمنيات ولا يخاطر بها، لذلك نجد أنه يضع من الأحكام ما نتائجها ملموسة مادياً. فالأفكار والأحلام والتمنيات ليس لها مكان إن لم تكن قابلة للتطبيق. لذلك نجد أن الشريعة تجذ المسائل من جذورها دون أدنى مخاطرة. ولعل من أفضل الأمثلة على ذلك ما ذكره القرضاوي في الضرائب. فالقرضاوي يضع نظريات وأمنيات، أي «يجبات» يستحيل تطبيقها في الاقتباس السابق. فهو يقول بأن على السلطان أن يلتزم برأي الأغلبية في المسائل الهامة كالضرائب إن قبل الحكم قبل البيعة. والسؤال هو: أين يعيش القرضاوي؟ ألا يرى أنه لا بيعة بيد الناس إلا بالقهر لمن ورث الحكم أو لمن استولى عليه ؟ وأي سلطان هذا الذي يفي بالوعد؟ فالإسلام لا يمكن وأن يكون بهذه السذاجة ليتمنى أن يلتزم السلطان بوعوده قبل البيعة. فأي سلطان هذا الذي يلتزم إلا ما ندر؛ فالالتزام هو الوضع الشاذ إن لم تطبق مقصوصة الحقوق كما هو حالنا منذ ظهور الديوان. فكل من وصل للسلطة فعل ما أراد. وما هكذا يخاطر الإسلام بإيجاد أحكام قد تضع مصائر الأمة في يد فرد تنتظره لعله يتصرف كما يتمنى الناس ويترقبون. بل إن الإسلام كما سترى في فصل الحكم» بإذن الله يجعل السلطان مضطراً للسماع لمن يحكمهم والامتثال لمشورتهم وإلا فقد سلطته مباشرة لأنه لا مال وبالتالي لا رجال يبطشون له. وهذا لن يحدث إلا إن كان السلطان ذا شوكة ليست مبنية على الأموال التي ستجذب له المنافقين من حوله، بل ذا شوكة مبنية على السمع والطاعة من المؤمنين والذين سيزداد عددهم من حوله مع تطبيقه لمقصوصة الحقوق.
ولعل الأكثر غرابة من القرضاوي هو ذكره في الاقتباس السابق تجربة شعوب الدول الديمقراطية التي تنص على أنه لا تفرض الضرائب إلا بموافقة الممثلين في المجالس النيابية. فهل يريد لنا مجالس نيابية لتقرر وكأنهم أهل حل وعقد ما يجب عمله؟ أي إيجاد آلية تحل محل الشورى من خلال الانتخابات؟ تأتي الإجابة على هذه الأسئلة من مكان آخر وليس من كتاب «فقه الزكاة». فقد سمعته أكثر من مرة في برنامجه «الشريعة والحياة» والذي تبثه قناة الجزيرة الفضائية يحث على الديمقراطية بقبول الانتخابات. ففي أحد الحلقات مثلاً سئل عن الديمقراطية فقال فيما معناه بأن الديمقراطية لا بأس بها في هذا العصر لأنها إنما هي وسيلة لإيجاد أهل الحل والعقد. فقد كان أهل الحل والعقد معروفين في عهد الصحابة، أما الآن فإن الانتخابات هي الوسيلة لذلك كما يقول. وفي حلقة أخرى استند لآيتين لإثبات جواز التصويت في الانتخابات عندما سئل عن ذلك الاستناد الأول اقتطاعه لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ من الآية الثانية من سورة الطلاق، والاستناد الثاني هو اقتطاعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ إِذَا مَا دُعُوا من الآية ۲۸۲ من سورة البقرة. ١٥٣ والديمقراطية إن تأسلمت فهي تعني الحكم بغير ما أنزل الله حتى وإن كانت في إطار إسلامي. وذلك لأن الإسلام والديمقراطية ضدان في جذورهما ويستحيل جمعهما. فالديمقراطية تعني حكم الأغلبية، والذي يعني بالتالي فرض أنظمة كقيود يضعها أولي الأمر أو السلطان أو أعضاء البرلمان أو من شابه ممن تم انتخابهم؛ بينما الإسلام شيء آخر تماماً، فهو يعني حكم كل إنسان لنفسه وكل جماعة
٩٧٤ 🗏
لنفسها في إطار شرع الله الثابت الذي إن طبق لن نحتاج للبرلمانات أو ما شابه من مؤسسات مدنية. فهل رأيت برلماناً لا يشرع؟ فلماذا البرلمانات إذا إن كان الحكم بشرع الله إذ أن شرع الله واضح وليس بحاجة إلا للتطبيق وليس للتشريع. كما أن البرلمان يعني دولة ذات حدود، وتطبيق الشريعة يعني أمة واحدة دونما حدود بينية كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن الله.
أما المبحث الثالث في الفصل السابع من كتاب القرضاوي فهو الأشد إيلاماً وهو بعنوان: «شبهات المانعين لفرض الضرائب». فهو مؤلم لأنه قلب الحق باطلاً والله أعلم. فقد أصبحت أدلة من يمنعون الضرائب، برغم أنها أدلة نصية من الشبهات لنقرأ ما قاله ثم أناقشه. وتسهيلاً للمهمة سأعرض ما يقول أنها شبهاً ثم أسرد حججه على ا أنها شبهاً ثم أرد عليه، فيقول في المقدمة ثم في الشبهة الأولى:
«ربما ظن بعض الناس أن الزكاة تغني عن غيرها، وأنه لا يجوز فرض ضريبة بعدها، وقد يثبتون هذا، ويؤيدونه ببعض الشبهات التي نجملها فيما يلي: الشبهة الأولى: إن المشهور عن الفقهاء أن لا حق في المال سوى الزكاة، وما دامت الزكاة هي الحق الوحيد في المال، فلا يجوز أن تفرض فيه حقوق أخرى باسم الضرائب أو غيرها». ١٥٤
ثم يقول في رد الشبهة
«أما الشبهة الأولى فقد فرغنا من الرد عليها في الباب السابق. وبيّنا بالأدلة الناصعة: أن في المال حقاً بل حقوقاً سوى الزكاة. وأن هذا أمر مجمع عليه في الواقع».
001
وهنا أقول: لقد بينت في فصل «الأموال» وكررت في مواضع أخرى أن قوله صلى الله عليه وسلم: ( في المال حق سوى الزكاة لا يعني أبداً أن ذلك الحق للدولة، بل هو للمحتاجين كما دلت القرائن. فهذه شبهة لا تدعم طرحه، بل ضد ما قال به من ضرائب. ثم تأمل قول القرضاوي بأن «المشهور عن الفقهاء أن لا حق في المال سوى الزكاة»، وأن هذا الأمر المشهور هو في حد ذاته شبهة، ومن هؤلاء العلماء مثلاً الذين نقدهم من رووا الحديث مثل الإمام أحمد وأبي داود والذهبي وأسماء أخرى لامعة في عالم الفقه ستلحظها في الشبهة الثالثة من كلامه ورده عليها. والآن، أيهما أقرب للشريعة رجل اتبع ما اشتهر عند الفقهاء ولم يأت باستحداث جديد كالإمام أحمد لأنه يؤمن بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، أم رجل اعتقد أن الدين بحاجة للإكمال؟ تأكد بأن كل من أتى بجديد لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في مقصوصة الحقوق فهو إنما وكأنه يقول بأن الدين ناقص برغم أنه لا يقول ذلك، بل يقول: إن الدين قابل لمسايرة العصر. بالطبع فإن القرضاوي لأنه فقيه واجتهد فإنه سيؤجر بإذن الله. وكذلك كل من رفض الضرائب لأن كل رافض للضرائب حتى وإن لم يكن من الراسخين في العلم يستطيع أن يحاج في الآخرة بالقول: يا الله، لقد عملت بآيتك في سورة المائدة ولم أعتقد بأن الدين قد نقص في شيء جذري كالضرائب. وهذا أخي القارئ ما يريحني كثيراً وهو أنني أرفض الجديد في مقصوصة الحقوق لأن المؤشرات العلمية تدل على أن مقصوصة الحقوق إن طبقت كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الجميع سيعتز ويغنم وتقوى شوكة الأمة. أما من قال بأن الدين ناقص، فلعله إن لم يكن عالماً كالقرضاوي فهو في إشكالية لأنه اعتقد أن الدين ناقص وبحاجة للتكميل أو للتطوير. ثم يستمر القرضاوي في الشبهات فالشبهة الثانية هي بعنوان: «احترام الملكية الشخصية»، وفيها يقول:
۹
المكو
«إن الإسلام قد احترم الملكية الشخصية، وجعل كل إنسان أحق بماله، وحرم الأموال، كما حرم الدماء والأعراض، حتى جاء في الحديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد. ولا يحل أخذ مال امرئ إلا بطيب نفس منه . والضرائب - مهما يقل القائلون في تبريرها وتفسيرها - ليست إلا مصادرة لجزء من المال يؤخذ من أربابه قسراً وكرها » . ٦
١٥٦
ثم بعد ذلك يرد على هذه الشبهة قائلاً:
«إن احترام الإسلام للملكية الفردية لا ينافي تعلق الحقوق بالمال، فللفقراء والضعفاء حق في المال بمقتضى أخوتهم الإنسانية وأخوتهم الدينية، وبحكم حاجتهم وعجزهم عن الكسب بما لا دخل لهم فيه، إلى غير ذلك من الوجوه التي أثبتناها. وللجماعة حق في مال الفرد لأنه لم يكسب ماله إلا بها، وهي التي ساهمت من قريب ومن بعيد، وعن قصد وغير قصد، في تكوين ثروة الغني، وهي التي بدونها لا تتم معيشته في المدينة فالإنسان مدني بطبعه كما قالوا وقبل ذلك كله .. هناك حق الله تعالى في المال، فهو خالقه وواهبه ومسير السبيل إليه، والمال في الحقيقة ماله، والناس أمناء عليه مستخلفون فيه، وليس للأمين أو الوكيل أو المستخلف أن يستأثر بما هو مؤتمن عليه، بل يبذله ويبذل منه كلما طلب المالك منه . شيئاً يقل أو يكثر. فإذا كان في الدولة الإسلامية محتاجون لم تكفهم الزكاة، أو كانت مصلحة الجماعة وتأمينها عسكرياً واقتصادياً تتطلب مالاً لتحقيقها، أو كان دين الله ودعوته وتبليغ رسالته يحتاج إلى مال لإقامة ذلك. فإن الواجب الذي يحتمه الإسلام أن تُفرض في أموال الأغنياء ما يحقق هذه الأمور، لأن تحقيقها واجب على ولاة الأمر في المسلمين ولا يتم هذا الواجب إلا بالمال ولا مال بغير فرض الضرائب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»
١٥٧
۹۷۵
هل رأيت أخي القارئ ما يمكن أن يفعله العقل القاصر بحسن نية ؟ فإن قرأت الاقتباس السابق، فبرغم عدم اشتماله لنص واحد من القرآن الكريم أو الحديث الشريف، إلا أنك تجد أن القرضاوي استنتج بالتسلسل العقلي وجوب الضرائب وليس فقط جوازها. والواضح والعجيب هو أن الاقتباس يبدأ بوصف حال الفقراء والضعفاء وكأنه لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقراء أو ضعفاء. تذكر ما قلته في الفصل السابق عند الحديث عن المستجدات في الفتوى عندما ذكرت أنه من المهم على المفتي أن يحدد الظرف المستحدث الذي يتطلب الفتوى. تجد أنه لا ظرف مستحدث هنا يتطلب الفتوى لأنه كان هناك فقراء في عهده صلوات ربي وسلامه عليه ومع ذلك لم تفرض الشريعة شيئاً غير الزكاة. وتلحظ أن حججه هزيلة لفرض الضرائب وكلها تجتمع حول أن الدين الإسلامي قد فاتته هذه الدواعي لفرض الضرائب كالقول بالأخوة الإنسانية أو حاجة الفقراء وأن للجماعة حق في مال الفرد وأن ثراء الفرد هو بسبب مساهمة الجماعة من قريب أو بعيد وأن المال حق الله وأن الفرد مستخلف فيه وأن الزكاة قد لا تكفي الفقراء وهكذا من حجج لا يقول بها إلا اشتراكي والعياذ بالله لأن المسلم المؤمن يوقن أن الإسلام لم ينس الفقراء أبداً، بل هو دين التكافل الاجتماعي إن طبق كما نزل، وأنه إن كثر الفقراء فهو بسبب غلق أبواب التمكين على الناس وبسبب السرقات بين مسؤولي الدول الذين يريد لهم القرضاوي المزيد من المال حتى يزداد قفل الباب أمام الناس فيزداد الفقر أكثر وأكثر. ومن جهة أخرى، فإن تقليله من أهمية شأن ما فرضه الإسلام من احترام ملكيات الأفراد كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد، وأنه لا يحل أخذ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، فإن في هذا هز لكيان الأمة المسلمة، لأنك كما سترى بإذن الله فإن في هذا التقدير الذي يصل لدرجة التقديس لأموال الناس وعدم المساس بها طمأنة مهمة لكل
٩٧٦ 🗏
فرد، طمأنة تحوله من إنسان شاك في نظام أمته الاقتصادي السياسي إلى إنسان مستقر ذي عطاء دائم لأنه يثق أنه لن يفقد أي مجهود يبذله، والموثوقية مهمة لإيجاد مناخ إنتاجي غزير في المجتمع والذي حرصت عليه الشريعة والتي حاول فارضوا الضرائب التقليل من أهميتها كما يحاول القرضاوي. والآن لننظر لشبهته الأخيرة والأهم والتي يقول
فيها:
«الشبهة الثالثة - الأحاديث الواردة بذم المكس ومنع العشور : إن الأحاديث النبوية جاءت بذم المكوس والقائمين عليها، وإبعادهم بالنار، والحرمان من الجنة. فعن أبي الخير رضي الله عنه قال: «عرض مسلمة بن مخلد - وكان أميراً على مصر - على رويفع بن ثابت رضي الله عنه أن يوليه العشور، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن صاحب المكس في النار). وعن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة صاحب مكس). وهذا الحديث والذي قبله، وإن كان فيهما كلام يؤيدهما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» في قصة الغامدية، التي حملت من الزنا وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد باعترافها بعد أن وضعت وفطمت وليدها، وفي الحديث: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له). دل هذا الحديث على أن ذنب صاحب المكس أشد من ذنب أمرأة زنت وهي متزوجة وحملت من الزنا. وهذا من أشد الوعيد. كما يعضد هذه الأحاديث ما ورد في ذم العشارين» من أحاديث، إذا لم تبلغ درجة الصحة أو الحسن، فإن بعضها يقوى ببعض من ذلك ما رواه الطبري في «الكبير» بسنده عن عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إلا لبغي بفرجها أو عشار. قال ابن الأثير في «النهاية»: «المكس الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العشار». وقال البغوي: «يــريـد بـصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكساً باسم العشر ... قال المنذري: أما الآن فإنهم يأخذون مكساً باسم العشر، ومكوساً أخر ليس لها اسم، بل شيء يأخذونه حراماً وسحتاً، ويأكلونه في بطونهم ناراً، حجتهم فيه داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد». وقال المناوي في «صاحب المكس»: المراد به العشار، وهو الذي يأخذ الضريبة من الناس. ونقل عن الطيبي قوله : وفيه أن المكس من أعظم الموبقات وعده الذهبي من الكبائر. ثم قال: «فيه شبه من قاطع الطريق، وهو شر من اللص. فإن عسف الناس وجدد عليهم ضرائب فهو أظلم وأغشم ممن أنصف في مكسه ورفق برعيته. وجابي المكس وكاتبه، وآخذه من جندي وشيخ وصاحب زاوية شركاء في الوزر أكالون للسحت» أهـ. ويلحق بالأحاديث التي ذكرناها ما جاء أيضاً في رفع العشور عن أهل الإسلام. مثل ما رواه سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا معشر العرب، احمدوا الله الذي رفع عنكم العشور . وما رواه رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور . وفي بعض طرقه: (وليس على أهل الإسلام عشور . قال المناوي في شرح الحديث في «التيسير»: «إنما » تجب «العشور على اليهود والنصارى» فإذا صولحوا على العشر وقت العقد، أو على أن يدخلوا بلادنا للتجارة ويؤدوا العشر أو نحوه، لزمهم. (وليس على المسلمين عشور) غير عشر الزكاة .. وهذا أصل في تحريم أخذ المكس من المسلم. أهـ. هذه هي شبهات الذين لا يجيزون فرض ضرائب بجواز الزكاة، بعد أن بسطناها ووضحناها، وسنرد عليها فيما يلي: ...».
١٥٨
لعلك لاحظت أخي القارئ وأنت تقرأ أن القرضاوي حاول في الاقتباس السابق تضعيف بعض أحاديث المكس، وكذلك سيفعل في الاقتباس ،الآتي، فهذا سهمه الأول، إذ أن في جعبته ثلاثة سهام أو ثلاث إستراتيجيات لإيجاب الضرائب السهم الأول هو تضعيف أحاديث المكس والعشر عموماً؛ والسهم الثاني هو تحوير المقصود من
المكو
۹۷۷
المكس أو العشر بحيث أنه قد لا يعني الضرائب والسهم الثالث هو أنه حتى وإن كان المقصود بالمكس الضرائب فهي تعني الضرائب غير العادلة وليس بالضرورة ما تأخذه الدول المعاصرة إذ أنها ضرائب عادلة. وكل هذا اللف والدوران لأن لدى القرضاوي قناعة عميقة كما ذكرت والله أعلم أنه لا قيام للأمة المسلمة إلا من خلال قيام دولة ذات شوكة، وهذا لن يحدث إلا بالمال، ولأن الزكاة مال غير كاف وهو ليس للدولة بل للمسمين في آية الصدقات، ولأنه لا أموال من الغنائم أو الفيء، تجده يصارع ويجد ويجتهد لإخراج المسلمين من هذا المأزق في نظره بإيجاب الضرائب. ولكن إن كانت لديك قناعة أخي القارئ أنه بالإمكان إقامة أمة مسلمة بدولة ليست ثرية، بل بشعب ثري، فبإمكانك قفز الآتي لأن الأحاديث حتى وإن ضعفت فإنها كما قال الكثير من الفقهاء تقوي بعضها بعضاً وأن القول بأن الضرائب غير المكوس قول لم يقل به الأولون بل هو استحداث)، وإلا فأرجو متابعة التفاصيل الآتية. يقول القرضاوي في الرد على الشبهة الثالثة والتي وضعها تحت عنوان: «المكس غير الضريبة
المشروعة»:
.
ويعتدي
«فأما الأحاديث الواردة في ذم المكس ، فأكثرها لم تثبت صحته، كما رأينا. وما صح منها فليس هو نصاً في منع مطلق الضريبة. ذلك أن كلمة «المكس» لا يراد بها معنى واحـد محدد لغة أو شرعاً. في «اللسان»: المكس دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق الجاهلية. وفيه: والمكس ما يأخذه العشار. وقال ابن الأعرابي : المكس درهم كان يأخذه المصدّق (جابي الصدقة) بعد فراغه. ثم ذكر حديث: (لا يدخل صاحب مكس الجنة. وفيه أيضاً : المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وأصله الجباية. وفيه: المكس النقص والمكس انتقاص الثمن في البياعة، ومنه أخذ المكاس ... ألخ. وقال البيهقي: المكس النقصان فإذا أنقص العامل من حق أهل الزكاة فهو صاحب مكس. وعلى هذا يمكن حمل ما جاء في صاحب المكس على الموظف العامل على الزكاة، الذي يظلم في عمله على أرباب الأموال فيأخذ ، منهم ما ليس من حقه أو يغل من مال الله الذي جمعه ما ليس له، مما هو من حق الفقراء والمساكين وسائر المستحقين. وقد يدل لذلك ما جاء عن بعض الرواة من : تفسير العاشر بالذي يأخذ الصدقة على غير حقها. كما أن أبا داود أخرج الحديث في باب «في السعاية على الصدقة». كما يؤيد هذا ما ورد من أحاديث تحمل أغلظ الوعيد للعمال المعتدين في الصدقات، وقد ذكرنا طرفاً منها في فصل «العاملين عليها من مصارف الزكاة. ولهذا طلب عدد من الصحابة - كسعد بن عبادة، وأبي مسعود وعبادة بن الصامت - من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من العمل على الصدقات حين سمعوا ما فيها من التشديد فخشوا على أنفسهم أن تلفحهم النار. فاستجاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رغباتهم، وأعفاهم. وهناك محمل آخر لكلمة «المكس» الأظهر، والمراد بها: الضرائب الجائرة التي كانت تسود العالم ظهور الإسلام. كانت تؤخذ بغير حق، وتنفق في غير حق، ولا توزع أعباؤها بالعدل. لم تكن هذه الضرائب تُنفق في مصالح الشعوب، بل في مصالح الملوك والحكام وشهواتهم، وأتباعهم ، ولم تكن تؤخذ من المواطنين حسب قدرتهم على الدفع، فكثيراً ما أعفى الغني محاباة، وأرهق الفقير عدواناً. وهكذا تأوّله بعض العلماء. قال في «التبيين» من كتب الحنفية : وما ورد من ذم «العشار» محمول على من يأخذ أموال الناس ظلماً، كما يفعله الظلمة اليوم. وكذا قال في «الدر المختار» وغيره. فهذا النوع من الضرائب هو أولى ما يطلق عليه اسم «المكس» الذي جاء فيه ذلك الوعيد الشديد. وكذلك ما ورد في ذم «العشار» فهو في شأن ذلك الجابي الذي يستخدمه الظلمة سوط عذاب، لإرهاق الشعب بما ليس في طاقته من تكاليف مالية، وكثيراً ما يقاسمهم الظلم ويثري على حساب الكادحين والمظلومين. وهذا يطابق قول الذهبي في الكبائر: «المكاس من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم، فإنه يأخذ ما لا
لعله
هو
يوم
فقد
۹۷۸
يستحق، ويعطيه لمن لا يستحق». أما الضرائب التي تفرض بالشروط التي ذكرناها، لتغطي نفقات الميزانية وتسد حاجات البلاد من الإنتاج والخدمات، وتقيم مصالح الأمة العامة العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وتنهض بالشعب في جميع الميادين، حتى يتعلم كل جاهل، ويعمل كل عاطل، ويشبع كل جائع، ويأمن كل خائف، ويعالج كل مريض ... أما هذه الضرائب لهذه الأغراض المذكورة وما شابهها فلا يشك ذو بصر بالإسلام أنها جائزة، بل واجبة الآن، وللحكومة الإسلامية الحق في فرضها وأخذها من الرعية حسب المصلحة وبقدر الحاجة.
حدیث رفع العشور عن المسلمين ومعناه: وأما حديث رفع العشور عن المسلمين، فمع أنه لم يصح، الدلالة على ما قالوه. بل هو أكثر من معنى صحيح يمكن حمله عليه بدون تكلف أو
ليس صريح اعتساف.
تأويل أبي عبيد : فقد ذكر الإمام أبو عبيد الأحاديث الواردة في وعيد صاحب المكس والعاشر، وما يعضدها من الآثار، ثم قال: «وجوه هذه الأحاديث التي ذكرنا فيها العاشر وكراهة المكس والتغليظ فيه: أنه قد كان له أصل في الجاهلية، يفعله ملوك العرب والعجم جميعاً، فكانت سنتهم أن يأخذوا من التجار عشر أموالهم إذا مروا بها عليهم ... يبين ذلك ما ذكرناه من كتب النبي صلى الله عليه وسلم لمن كتب من أهل الأمصار «أنهم لا يحشرون ولا يعشرون» فعلمنا بهذا: أنه قد كان من سنة الجاهلية، مع أحاديث فيه كثيرة، فأبطل الله ذلك برسوله وبالإسلام، وجاءت فريضة الزكاة بربع العشر، من كل مائتي درهم . خمسة، فمن أخذها منهم على فرضها، فليس بعاشر، لأنه لم يأخذ العشر؛ إنما أخذ ربعه ... وهو مفسر في الحديث: «ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى». ... وكذلك الحديث الذي ذكرناه مرفوعاً، حين ذكر العاشر فقال: «الذي يأخذ الصدقة بغير حقها» ... وكذلك وجه حديث ابن عمر، حين سئل: هل علمتَ عمر أخذ العشر من المسلمين؟ فقال: لا. لم أعلمه». .. وكذلك حديث زياد بن حدير حين قال: «ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً»، إنما أراد: إنا كنا نأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر أهـ. فالمراد برفع العشور عن المسلمين إذن هو تخفيف النسبة الواجبة عليهم من العشر الذي كان يأخذه ملوك العرب والعجم في الجاهلية، إلى ربع العشر الذي فرضه الإسلام زكاة في أموال التجار . والمراد باليهود والنصارى إذن في الحديث هم أهل الحرب منهم . خاصة، كما روى أبو عبيد عن عبد الرحمن بن معقل قال: سألت زياد بن حدير : من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً. قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب، كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم». وهو ضرب من معاملة الأجانب بمثل ما تعامل به دولهم المسلمين. وهو مبدأ يتبع إلى اليوم. فأما أهل الذمة من اليهود والنصارى، فلم يكن يؤخذ منهم العشر، كأهل الحرب، ولا ربعه كالمسلمين، وإنما يؤخذ منهم نصف العشر، وقد أشكل ذلك على أبي عبيد، ولم يدر وجهه في أول الأمر. قال: حتى تدبرت حديثاً له - أي لعمر – فوجدته إنما صالحهم على ذلك صلحاً،، ا، سوى جزية الرؤوس، وخراج الأرضين. وساق هذا الحديث. ثم قال: فأرى الأخذ من تجارهم في أصل الصلح، فهو الآن حق للمسلمين عليهم. ولعل هذا التضعيف فيما يمر به ن ه تجارهم، أنهم لا يُطالبون بشيء عن مواشيهم ونقودهم المدخرة، وغير ذلك مما يطالب به المسلمون. تأويل الترمذي: وهناك تأويل آخر للعشور المذكورة في الحديث: أن المراد بها: «الجزية»، ولهذا جاء في بعض رواياته عند أبي داود: (ليس على المسلمين خراج إذا كانت الجزية أيضاً تسمى «خراج الرؤوس». قال الإمام الترمذي في «سننه»: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلمين عشور إنما يعني به جزية الرقبة. وفي الحديث ما يفسر هذا، حيث قال: «إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور». وقد استدل به على أن الذمي إذا أسلم وضعت عنه الجزية. 🗏
۹۷۹
۹
المكو
صحح
رأي المناوي ومناقشته والعجيب أن العلامة المناوي في «التيسير» بعد أن قرر أن الحديث أصل في تحريم أخذ المكس - يعني الضريبة - من المسلم، قال: ولعل الخبر لم يبلغ عمر حيث فعله (أي المكس). فقد قال المقريزي وغيره: بلغ عمر أن تجاراً من المسلمين يأتون من الهند، فيؤخذ منهم العشر، فكتب إلى أبي موسى الأشعري، وهو على البصرة: خذ من كل تاجر مر بك من المسلمين من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن تجار العهد – يعني أهل الذمة – من كل عشرين درهماً درهم» ثم وضع عمر بن عبد العزيز ذلك عن الناس. أ.هـ. يشير بهذا إلى ما جاء عنه أنه كتب إلى أحد ولاته أن يضع عن الناس المكس. وكتب إلى آخر: أن اركب إلى البيت الذي ب «رفح» الذي يقال له «بيت المكس» فأهدمه. والحق أن كلام المناوي هنا تعوزه الدقة والتحقيق والتمحيص. (أ) فقد حديث العشور أو حسنه، وليس هو بصحيح ولا حسن كما بين هو نفسه في «فيض القدير». (ب) افترض أن عمر عمل بضد ما جاء به الحديث الثابت في نظره - ولم ينبهه عليه أحد من الصحابة في عهده، رغم كثرتهم وعنايتهم بأمر دينهم وتعلقه بأمر من أمور الدولة التي لا يخفى عادة على جمهور الناس. (ج) اعتبر ما عمله عمر وأقره عليه الصحابة رضي الله عنهم أمراً منكراً بل كبيرة من الكبائر، لأنه من «المكس» الذي لا يدخل صاحبه الجنة ! وهذا يناقض ما أمرنا به من اتباع سنة الخلفاء الراشدين، ومنهم عمر بالإجماع. (د) مفهوم كلامه: أن عمر بن عبد العزيز قد وضع عن الناس مظملة بدأها عمر بن الخطاب ! والواقع التاريخي يثبت أن ابن عبد العزيز كان همه إحياء سنن الخطاب، ولذا كان يشبه به. وإنما عمل على هدم المظالم وسنن الجور التي أسسها بنو أمية – وهم آله وذووه - لأن الله ورسوله كانا أحب إليه منهم . ومن هنا يظهر لي أن الذي أزاله عمر بن عبد العزيز هو التعسف والإرهاق وتجاوز الحق الواجب، وعدم رعاية الشروط والحدود فيما يؤخذ منه، ومَن يؤخذ منه، ومتى يؤخذ، وكيف يؤخذ مما جعل الناس يشكون في سوء الجباية، وجور العاشرين أو العشارين. فهذا هو الذي أزاله خامس الراشدين رضي الله عنه. يدل لذلك ما أخرجه ابن حزم - وذكرناه من قبل – عن زريق بن حيان الدمشقي - وكان على جواز مصر – «كتب إلي عمر بن عبد العزيز: انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم، مما يديرون في التجارات من كل أربعين ديناراً ديناراً، وما نقص فبحساب ذلك». والذي يعنينا هنا أن حديث: (ليس على المسلمين عشور) لا يصلح مستنداً لمن يقول بتحريم أخذ الضرائب العادلة من المسلمين – عند حاجة الدولة المسلمة إليها - لا من ناحية ثبوته، ولا من ناحية دلالته.
فقهاء من المذاهب الأربعة يجيزون الضرائب العادلة وبعد أن فندنا الشبهات التي يتمسك بها معارضو شرعية الضرائب العادلة، يحسن بنا - لتأكيد ما بيناه في هذا الفصل – أن نذكر أن الفقه الإسلامي قد عرف ضرائب غير الزكاة، أعني ضرائب عادلة أقرها جماعة من فقهاء المذاهب المتبوعة، كما عرفوا الضرائب غير العادلة، ورتبوا عليها أحكاماً. لكنهم لم يطلقوا على هذه وتلك اسم «الضرائب» بل سماها بعض الفقهاء من المالكية: «الوظائف» أو «الخراج». وسماها بعض الحنفية: «النوائب» - جمع نائبة - وهي اسم لما ينوب الفرد من جهة السلطان، بحق أو بباطل. وسماها بعض الحنابلة: «الكلف السلطانية» أي التكاليف المالية التي يُلزم بها السلطان رعيته أو
طائفة منهم.
في الفقه الحنفي: ففي فقه الحنفية نجد المتقدمين منهم والمتأخرين قد عرضوا لهذه الضرائب العادلة وأقروا شرعيتها. فهذا العلامة ابن عابدين يذكر أن من «النوائب» ما يكون بالحق، مثل: كري النهر المشترك، وأجرة الحارس للمحلة - المسمى بديار مصر «الخفير» - وما وظف لإمام ليجهز به الجيوش، وفداء الأسارى، بأن احتاج إلى ذلك ولم يكن في بيت المال شيء، فوظف على الناس ذلك. ومعنى
۹۸۰ 🗏
«وظف عليهم» أي فرض عليهم فريضة دورية. ومن النوائب ما يكون بغير حق، قال ابن عابدين: كجبايات زمننا. قال في «القنية» من كتب الحنفية قال أبو جعفر البلخي: ما «يشربه» السلطان على الرعية مصلحة لهم، يصير ديناً واجباً، حقاً مستحقاً كالخراج. وقال مشايخنا: وكل ما «يضربه» الإمام عليهم لمصلحة لهم، فالجواب هكذا حتى أجرة الحراسين لحفظ الطريق من اللصوص ونصب الدورب، وأبواب السكك، و ، وهذا يعرف، ولا يعرّف خوف الفتنة. ثم قال : فعلى هذا، ما يؤخذ في خوارزم من العامة (الجمهور) لإصلاح مسناة «الجيحون» أو الربض ونحوه من المصالح العامة – دين واجب، لا يجوز الامتناع عنه، وليس بظلم. ولكن يعلم هذا الجواب للعمل به، وكف اللسان عن السلطان وسعاته فيه، لا للتشهير، حتى لا يتجاسر في الزيادة على القدر المستحق» أهـ. ويعني بـ «التشهير» إعلان هذه الفتوى وتعميم العلم بها. نقل ذلك ابن عابدين في «حاشيته» «رد المختار» ثم قال: وينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي لذلك. وهذا النص الذي أثبتناه هنا الدلالة على ما نقول، فهؤلاء الفقهاء مقتنعون بأن ما . يضربه السلطان من ضرائب لمصلحة الجمهور دين واجب مستحق، ومع هذا ذيّلوا هذا الحكم بقولهم: هذا أمر يعرف ولا يعرّف خوف الفتنة، يعنون أن يظل هذا الحكم في دائرة خاصة بين الفقهاء وتلاميذهم، ولا يشاع بين الحكام وأعوانهم، حتى لا يتجاسروا في الزيادة على القدر المستحق، ويرهقوا الشعب بالتكاليف المالية،
شاهد صریح
لسبب وغير سبب.
في فقه المذاهب الثلاثة وقال الشيخ المالقي من المالكية : توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة، ولا شك عندنا في جوازه، وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا لكثرة الحاجة، لما يأخذه العدو من المسلمين، سوى ما يحتاج إليه الناس وضعفت بيت المال عنه، ، فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس، وإنما النظر في المقدار المحتاج إليه من ذلك. وذلك موكول إلى الإمام. وقد نقلنا من قبل عن الإمامين – الغزالي والشاطبي - جواز فرض هذا الخراج إذا خلا بيت المال، واحتاج الإمام. وسيأتي في كلام الإمام ابن تيمية عن الكلف السلطانية والمظالم المشتركة ما يفيد إقراره لبعض ما يأخذه السلطان باعتباره من الجهاد بالمال، الواجب على الأغنياء، كما نقله عن صاحب «غياث الأمم». وبهذا نجد في كل مذهب من المذاهب الأربعة علماء، بل أئمة مرموقين أفتوا بجواز فرض الضرائب العاملة. وإن تحفظ بعضهم في إعلان ذلك وتشهيره خشية مغالاة الحكام في الأخذ، وجورهم على الشعب».
١٥٩
إن أول ملحوظة هي عنوان هذا الجزء من الرد وهو : « المكس غير الضريبة المشروعة». أي أن العنوان يقول بوضوح أن هناك ضريبة مشروعة وأنها ليست مكساً. أريدك أخي القارئ أن تلحظ أن الإسلام في أحكامه دين متقن. فهو لن يضع الناس بين رماديات أبداً، أي أن هذا لون رمادي غامق وذاك لون رمادي أفتح قليلاً أو أغمق قليلاً. أي أن الأحكام الأساسية في مقصوصة الحقوق واضحة بينة وضوح البياض والسواد. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في «جامع العلوم والحكم» (تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ؟ ١٦٠ وقد ذكر الحديث أيضاً بلفظ مختلف في «الترغيب والترهيب»: لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ١٦١ فالمسكر مثلاً مسكر سواء بشرب القليل منه أو الكثير برغم أن شفة منه لن تسكر أبداً. وكذلك لا وجود لربواً مشروع ، بل الربوا حرام سواء قل أم كثر. فالشريعة تجذ المسائل من جذورها كما قلت حتى يكون الدين بين ناصع لا لبس فيه. وبالمثل، فلا وجود لضريبة مشروعة وأخرى غير مشروعة، لأننا إن شرعنا الضريبة، يأتي السؤال : وما هي معايير الضريبة المشروعة ؟ وكم هي ؟ ومن له الحق فيها؟ ومن يقرر كيف
المكو
۹۸۱
تنفق؟ وهكذا من أسئلة لن تنتهي ! إلا بإثارة الضغائن بين الآخذ والمعطي جيلاً بعد جيل حتى تظهر في النهاية أنظمة تقنن الضرائب كما هو حال الغرب. وفي هذا كفر بواح ليس فقط لأنه حكم بغير ما أنزل الله، بل لأنه سيؤدي للفساد لأن من بيدهم أموال الضرائب سيحكمون بعقولهم، وعندها سيظهر الفساد، أي الانحلال الخلقي والتلوث البيئي كما مر بنا، وستتأكد من ذلك بإذن الله في الفصول القادمة.
ثم تلحظ في الاقتباس السابق أنه يمر سريعاً على الأحاديث بالقول: «فأما الأحاديث الواردة في ذم المكس، فأكثرها لم تثبت صحته، كما رأينا». وهو إنما يفعل ذلك لأن بعضها صحيح فهو يقول في الاقتباس الذي قبل السابق: «وعن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يدخل الجنة صاحب مكس). وهذا الحديث والذي قبله، وإن كان فيهما كلام يؤيدهما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» في قصة الغامدية». تأمل أنه لم يجزم أن الأحاديث غير صحيحة، بل قال عن حديثين: «وإن كان فيهما كلام». ولكن أين المفر من الحديث الذي رواه مسلم عن الغامدية؟ فهو حديث صحيح. وهنا أريدك أخي القارئ أن تلحظ ملحظاً مهما وهو الآتي: إن كانت هناك طائفتان، إحداهما تأخذ بحديث ضعيف، والأخرى تأخذ بضده دون نص، فمَنْ من الطائفتين أقرب للحق؟ والجواب الطبع كالآتي: إن الحديث الضعيف لا يعني أبداً أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقله. بل هناك احتمال ضعيف أنه قد قيل. وأن هذا الاحتمال حتى وإن كان ضعيفاً جداً، فإن من يتبنون العمل به أقرب للصحة ممن يرفضونه وبالذات إن كان الحديث ينهى عن فعل إن لم يقوموا به فلن يؤثموا، كالمكوس. فقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أخذ المكوس (بأحاديث ضعيفة كما قيل)، فإن لم نقل بجواز المكوس فنحن لم نرتكب إثماً أبداً، أما إن قلنا بجوازه فلعلنا نخالف الحديث. فأي الفريقين أقرب للصحة؟ ولكن تذكر أن من الأحاديث ما هو في صحيح مسلم، أي أن هناك نهي عن أخذ المكوس بحديث صحيح، هذا بالإضافة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله، وهذه سنة يجب أن تتبع. فأين المفر ؟ لذلك تجد أن القرضاوي يذهب مباشرة لسهمه الثاني ألا وهو محاولة تحوير معاني المكوس والعشور. لذلك تجده يقول في الاقتباس السابق في وصف المكوس: «وما صح منها [أي من أحاديث المكس] فليس هو نصاً في منع الضريبة. ذلك أن كلمة «المكس» لا يراد بها معنى واحد محدد لغة أو شرعاً». ثم يسرد المعاني التي قد لا تعني أن الضرائب هي المكوس بعينها. فيذهب إلى «لسان العرب» ليستخرج من بين المعاني أن المكس هي الدراهم التي تؤخذ من بائع السلع في الأسواق الجاهلية. لكنك إن قرأت «لسان العرب» أخي القارئ تجد أن ما ذكره القرضاوي هو أحد المعاني فقط، وليس المعنى المشهور وهو الجباية أو الخراج أو الضريبة بلغتنا المعاصرة. لنمر سريعاً على بعض ما قاله ابن منظور في «لسان العرب» للتأكد :
«مكس : المَكْسُ : الجباية، مَكَسَه يَمْكِسه مَكْساً و مَكَسْتُه أَمْكِسه مَكْساً.... والماكِسُ : العار. ويقال للعشار: صاحب مَكْس. والمَكْسُ : ما يأخذه العَشَار. يقال: مَكَسَ، فهو ماكس، إذا أَخذ. ابن الأعرابي: المكس درهم كان يأخذه المُصَدِّقُ بعد فراغه. وفي الحديث: لا يدخل صاحب مَكْسِ الجنة ؛ المَكْسُ الضريبة التي يأخذها الماكس وأصله الجباية. وفي حديث ابن سيرين قال لأنس: تستعملني على المكس أي على عشور الناس فأما كسهم و يماكسوني، قيل : معناه تستعملني على ما ينقص ديني لما يخاف من الزيادة والنقصان في الأخذ والترك.... قال جابر بن حني الثعلبي: أفـي كـل أسواق العراق إتاوة، وفي كل ما باع امرؤ مَكْسُ درهم ألا ينتهي .
عنا
۹۸۲ 🗏
ملوك وتَتَّقي محارمنا لا يَبُو الدَّمُ بالدّم تعاطى المُلُوكُ السّلم، ما قصدوا بنا وليس علينا قَتْلُهُم بمُحَرَّم. الإتاوَةُ: الخَراجُ والمَكْسُ : ما يأخذه العشار؛ يقول : كل من باع شيئا أخذ منه الخراج أو العشر وهذا مما آنف منه يقول : ألا . ينتهي . عنا ملوك، أي لينته عنا ملوك فإنهم إذا انتهوا لم يَبو دم بدم ولم يقتل واحد بآخر، فَيَبُو مجزوم على جواب قوله : ألا ينتهي لأنه في معنى الأمر، والبوء: القود. وقوله ما قصدوا بنا أي ما ركبوا بنا قصدا. وقد قيل في الإتاوة: إنها الرشوة، وقيل: كل ما أخذ بكره أو قسم على قوم من الجباية وغيرها إتاوة؛ وخص بعضهم به الرشوة على الماء، وجمعها أُتى نادر كأنه جمع أثوة، وفي قوله مكس درهم أي نقصان درهم بعد وجوبه. و ه. ومَكَسَ في البيع يَمْكِسُ، بالكسر ، مَكْساً ومَكِّسَ الشيءُ. نقص. و مُكس الرجل: نقص في بيع ونحوه. وتماكس البيعان: تشاحًا. وما كَسَ الرجل مُماكسة ومكاساً شاكسه. ومن دون ذلك مكاس وعكاس: وهو أن تأخذ بناصيته ويأخذ بناصيتك». ۱۲
١٦٢
وهكذا تجد أن القرضاوي من بين عشرات النصوص من التراث يختار ما يوجه المعنى ليعني كما يستنتج أن صاحب المكس ليس بالضرورة عامل الدولة كآخذ الضرائب، بل قد يعني تحديداً «عامل الزكاة الذي يظلم في عمله». حتى هنا، فإن كان القصد هو عامل الزكاة الذي أخذ زيادة على الزكاة فهو عامل عينته الدولة وأخذ الزيادة، وهذه الزيادة هي التي تجعل من آخذ الزكاة مكاساً، فلماذا لا ينطبق هذا على آخذ الضرائب؟ أليس هو موظفاً من الدولة يأخذ مالاً غير الزكاة؟ ولكنك قد تقول: إن الأموال الزائدة التي يأخذها آخذ الزكاة هي أموال لنفسه، أما عامل الضرائب فهو يأخذها للدولة للمصلحة العامة. فأجيب: إن الذي يأخذ الأموال للدولة هو ما سماه الإسلام بالعاشر، وهو أيضاً عمل منبوذ في الإسلام برغم أن المال يذهب للدولة. وقد تحدثنا عن هذا في تسمية الأسماء وفي إهدار دم العاشر. أما إن نظرت لما كتبه ابن منظور فتجد أن المعنى المشهور في وقته هو أن المكوس هي ليست الزيادات التي يأخذها الساعي فقط، بل المقصود بها كل مال أخذ بغير حق، ومنها ما يفرضه السلطان من غير الزكاة فهي من الضرائب. وكما هو معلوم، فإن ابن منظور توفي سنة ۷۱۱ هـ، أي أنه أقرب لعصر السلف من القرضاوي، فإن كان هذا هو المعنى عنده وعند الكثير من الفقهاء والمؤرخين من قبله، أي وكأن العرف عند الجميع هو أن ما يأخذه السلطان من غير الزكاة هو المكس، فلماذا يأتي القرضاوي ويحاول تغيير هذا العرف من خلال اصطياد بضعة تعاريف أو أقوال شاذة هنا وهناك مثل إدراج ابن داود لحديث المكس في باب «في السعاية على
الصدقة»؟
هناك
من
نقطة أخرى في هذا الصدد، نظراً لأن بعض الصحابة رفضوا العمل كسعاة خوفاً من الوقوع في الإثم لأن الأحاديث ما «تحمل أغلظ الوعيد للعمال المعتدين في الصدقات»، فقد أول القرضاوي هذا على أن المقصود بالمكاس قد يكون عامل الزكاة الذي لا يعدل وليس بالضرورة آخذ الضرائب وهذا استنتاج وربط غير علمي، إذ أن رفض الصحابة للعمل كعاملي زكاة يعني أن الصحابة خافوا من عدم إتقان العمل لأن فيه حقوق للناس، ولا يعني بالضرورة أنهم خافوا أن يكونوا عمال مكوس، أي عمال ضرائب. أي أن حصر أو ربط تعريف المكاس بعامل الزكاة لأن الصحابة تورعوا استنتاج غير مقبول. إلا أن القرضاوي قد يكون مدركاً بأن هذه الاستنتاجات التي وصل إليها غير مقنعة، لذلك حاول طريقاً آخر لإقناع الناس بالقول بأن هناك محمل آخر لكملة «المكس» ولعلها الأظهر: فيقول بأنها: «المراد بها الضرائب الجائرة التي كانت تسود العالم يوم ظهور الإسلام. فقد كانت تؤخذ بغير حق، وتنفق في غير حق، ولا توزع أعباؤها بالعدل» كما يقول. وفي هذا فهو أقرب للحقيقة
المكون
۹۸۳
ما
والله أعلم لأنه اعترف أن المكوس هي الضرائب. غير أنه يلجأ هنا إلى أقوال بعض الفقهاء مثل كتب الحنفية ککتاب «التبيين» و «الدر المختار» إلى أن «ما ورد من ذم العشار محمول على من يأخذ أموال الناس ظلماً». أي أنه يحاول الآن حصر العشور فيما يؤخذ من الناس ظلماً، أي وكأنه يقول لنا الآن بأن هناك نوعين من الضرائب: الضرائب الجائرة وهي ما كانت تؤخذ في الماضي وهي جائرة لأنها لم تنفق على الشعوب والضرائب العادلة وهي ستؤخذ عن طريق الدول المعاصرة وتنفق على الشعوب. وبهذا فإن العشور المنهي عنها هي ما كانت تؤخذ ظلماً. فإن لم تؤخذ ظلماً فإنها غير محرمة إذاً لأنها ليست عشوراً. أي باختصار، فإن الضرائب التي لا تنفق على الشعوب هي الأولى إذاً بأن تُعرف بالمكوس وأولى بالذم كالعشور. ولكل هذا فإنه يفتي ليس بجواز الضرائب العادلة لأنها ليست عشوراً، بل أيضاً بوجوبها كما يقول (ولكن تذكر أخي القارئ أنه لا يمكن إيجاد ضرائب عادلة لأنها إن وجدت ستؤدي للفساد كما ستتأكد بإذن الله).
ليس صريح
هو صريح
حتى
الفقهاء
ثم لتعزيز فتواه بوجوب الضرائب العادلة في أيامنا هذه فلابد له من دحض العشور. وهي محرمة بأحاديث واضحة تقول بكل صراحة أنه يجب ألا تفرض على المسلمين العشور ومن أحاديث العشور هذه استنتج كما مر بنا في فصول سابقة أنه لا مال مفروض على الناس من السلطان إلا الزكاة. فماذا سيفعل الآن القرضاوي تجاه هذه الأحاديث؟ لقد أطلق عبارة دون إثبات إذ قال : « وأما حديث رفع العشور عن المسلمين، فمع أنه لم يصح، الدلالة على ما قالوه». إن عبارة: «ليس صريح الدلالة على ما قالوه لهي عبارة مبهمة. فماذا يريد من الفقهاء الذين لم يجيزوا العشور مثل الإمام مالك أو الشافعي أو أحمد؟ فجميع هؤلاء أنكروا المكوس والعشور، فما الدلالة بالنسبة للقرضاوي، هل يريد نصاً من الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز للسلطان أخذ الأموال من الناس مطلقاً تكون صريحة الدلالة؟ وهل أحكام الشريعة تستنبط هكذا، بأنه إن لم يكن هناك الدلالة فإن للمفتي أن يفتي بما يراه حتى وإن كانت هناك قرائن ونصوصاً تشير إلى تحريم أمر ما؟ هنا قد يأتي عالم مثلاً ويقول بأنه لم يأت نص صريح الدلالة بتحريم المخدرات برغم تحريم الإسلام للمسكرات. وكمثال على الحقوق، فقد يأتي عالم ويقول بأنه لم يأت نص صريح التأجير المنتهي بالتمليك، لذلك فهو غير محرم نظراً للحاجة المعاصرة للناس له، ولأن فيه منفعة للطرفين البائع والمشتري أو المؤجر والمستأجر برغم تحريم الشريعة لكل ما هو عقدين في عقد (وستأتي الحكمة من ذلك في فصل «البركة» بإذن الله). فإن فكرنا بهذه الطريقة فنحن بحاجة للملايين من النصوص التي تعالج جميع القضايا المستجدة حتى تكون الشريعة ذات نصوص صريحة الدلالة. أي باختصار، فإن الموقف الذي يطالب بنص صريح الدلالة» للتحريم أو التحليل أمر يجب ألا يقبل في قضايا الحقوق.
نص صريح
الدلالة بتحريم
ثم يستطرد القرضاوي في تأويل حديث رفع العشور وذلك بعرض تأويلات أخرى بدأها بتأويل أبي عبيد. وإن رجعت لكتاب «الأموال» لوجدت الكثير من الآثار والتي مررنا عليها في الفصول السابقة والتي تحرم العشور وكيف أن الإسلام أحل مكانها الزكاة. فجُل كتاب الأموال» لأبي عبيد لا يُظهر من قريب أو بعيد جواز فرض أي مال على المسلمين غير الزكاة أو الخراج كما مر بنا إلا أن القرضاوي يضع آثار العشور في إطار يظهرها وكأنها مشابهة للزكاة إلا أن الكمية تختلف. لذلك فبعد سرد ما ذكره أبو عبيد، برغم وضوح ما قاله أبو عبيد، إلا أنه يستنتج أن المراد برفع العشور عن المسلمين هو «تخفيف النسبة الواجبة عليهم من العشر الذي كان يأخذه ملوك
٩٨٤ 🗏
العرب والعجم في الجاهلية، إلى ربع العشر الذي فرضه الإسلام زكاة في أموال «التجار». أي أن تأويل الزكاة على أنها عشور مخففة قد يفتح للقرضاوي باباً لفرض الضرائب لأن الزكاة مباحة، وهذا ما فعله بتأويل الزكاة على أنها وكأنها عشور مخففة، فلا بأس إذاً في نظره من زيادتها لتصبح ضرائب. وهنا مسألة مهمة قفزها القرضاوي وهي أن الفرق بين ما كان يؤخذ في الجاهلية عموماً من عشور وبين الزكاة هي أن العشور أموال للسلاطين لإنفاقها كيفما شاؤا، أما الزكاة فهي للأصناف الثمانية المحددة بآية الصدقات . أي أن الفارق بين الزكاة والعشور ليس فقط في الكمية التي خففت، بل في الأحقية أيضاً. إلا أنه لم يركز على هذا الفارق الأهم، فهذه مسألة لم يجب عليها بعد. أي إن قال قائل أن القرضاوي ربط بين معنى العشور والزكاة بنوع من التكلف والتعسف» قد لا يكون مخطئاً. ومن تأويلاته أيضاً التي لم يقلها صراحة هي: لأن العشور فرضت على غير المسلمين عموماً، ولأن أهل الذمة فرض عليهم نصف العشر مثلاً، وهذه فروض مستحدثة دون نصوص صريحة الدلالة، فلا مانع من استحداث مالي إذاً في الشريعة. فهو لم يقل السابق صراحة، إلا أنك إن قرأت الاقتباس السابق تتعجب لماذا أدرج العشور وعلاقة ذلك بأهل الذمة وما وقع فيه أبو عبيد من إشكال مؤقت (كما يقول)، إلا ليصل للاستنتاج السابق برغم أنه لم يقله صراحة. وهذا ما تلحظه أيضاً من إدراجه لتأويل الترمذي ومناقشته لرأي المناوي وحكاية بيت المكس برفح. ففي تأويله للترمذي على أن العشور قد تعني الجزية، فهو وكأنه يقول بأن العشور المنهي عن فرضها على المسلمين ليس المقصود بها الضرائب بالضرورة، بل قد تعني الجزية. فهو هنا بتوجيه معنى العشور المنهي عنها لتعني الجزية، فتح باباً لتحليل الضرائب على المسلمين لأن العشور المنهي عنها أخذت معنى آخر غير الضرائب.
رضي
وبالنسبة لمناقشته لرأي المناوي، فهو بنقده للمناوي على أنه نقد الفاروق عمر رضي الله عنه، ثم قيام الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بهدم بيت المكس، فهو يرمي باللوم على أن المناوي أخطأ في حق الخليفة عمر الله عنه. فيذكر قائمة من الحجج يوضح فيها ضعف ما قاله المناوي، وكأنه هنا أيضاً يوجه سوء الفهم عن المكس لأن الأمويين كانوا يظلمون الناس بإرهاقهم بالضرائب بدليل هدم بيت المكس، وبهذا قد يستنتج القارئ أن المكس غير العادل يجب أن يزال كما أزيل بيت المكس، وبالتالي منطقياً فهناك مكس عادل أو ضرائب عادلة. ولكن السؤال هنا: إن أخطأ عالم أو زل في فهم حادثة تاريخية ما، فهذا لن يغير ما حدث تاريخياً، ألا وهو أنه كانت هناك مكوس تؤخذ من الناس في عهد الأمويين، فأتي . عمر بن عبد العزيز أثابه الله وقام بتغيير ذلك، ومنها هدمه لبيت المكس برفح. وبهذا يكون السؤال: ما ذنب بيت المكس أن يُهدم إن قام بعض الأمويين بفرض ما هو ظلم على الناس؟ فقد كان الأولى إن كان من الضرائب ما هو عادل في الشريعة (كما يقول القرضاوي) ألا يهدم الخليفة عمر بن عبد العزيز بيت المكس، بل يخفف عن الناس الظلم فقط دون الهدم لأن بيت المكس هو مكان لجمع المال ليس إلا !! والإجابة هي أن الخليفة عمر بن عبد العزيز (وهو من الراسخين في العلم بإذن الله) يدرك جيداً أن أي مال يفرض على المسلمين سوى الزكاة إنما هو مكس مهما قل مقداره، لذلك فقد نسف بيت المكس وأزاله من الوجود لتقف الإزالة شاهدة على كل عالم يفكر في إيجاد ضرائب عادلة. أي أن عمر بن عبد العزيز الله عنه يدرك تماماً أنه لا ضرائب عادلة مهما كانت لأنه لا نص يدعمها، بل النصوص جميعاً ضد ظهورها، هدم بيت المكس أثابه الله.
و
رضي
لذلك
ثم لتأكيد استنتاجاته الشخصية، يحاول القرضاوي دعمها بأقوال بعض العلماء عن الضرائب العادلة (كما
المكو
٩٨٥
تم
يعتقد هو) التي أقرها الفقهاء غير الزكاة وأن لها أسماء مثل «الوظائف» أو «الخراج » أو «النوائب» أو «الكلف السلطانية». فيبدأ بالمذهب الحنفي. والملفت للنظر هو قوله هنا أن المتقدمين والمتأخرين من المذهب الحنفي قد أقروا شرعية الضرائب العادلة. لكن إن نظرت لما رجع إليهم من فقهاء تجد أن أهمهم ابن عابدين، وهذا كما هو معلوم عالم توفي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، أي أنه ليس من المتقدمين. أما من رجع إليهم من غيره فهم أيضاً من المذهب الحنفي، وكما مر بنا فهو المذهب الذي يأخذ بالرأي، وكنت قد نقدت هذا الموقف من وجهة نظر مقصوصة الحقوق مراراً. فلا حاجة لتكرار ذلك إلا أن الملفت للنظر هنا هو الخلط الاستنتاجي بين ما قال به الأحناف والضرائب. فإن نظرت للأمثلة التي ذكرها ابن عابدين عن النوائب ستلحظ أنها أمثلة لأموال تم تحصيلها لتدفع مقابل خدمات محددة، مثل أجرة حارس أو نصب أبواب على السكك لزيادة الأمن. وهذه خدمات يلمسونها الناس ويستفيدون منها مباشرة، فكل ما حدث هو أن السلطان أو من ينوب عنه قام بها وأخذ مقابلها مالاً من المستفيدين من الخدمة. فكيف تم تأويل هذا من قبل هؤلاء الفقهاء من المذهب الحنفي على أنها ضرائب؟ لقد ذلك كما هو واضح من الاقتباس من خلال الاعتقاد أن في هذا مصلحة للناس. أي إن قام السلطان بما فيه مصلحة للناس فله الحق في أخذ نفقاتها من الناس لأنه أصبح ديناً واجباً» كما قال أبو جعفر البلخي وأن هذا ليس بظلم. والسؤال هنا: أليس هذا ابتداع من عقل قاصر ؟ فهل أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أو أي من خلفائه أموالاً من الناس مقابل خدمات محددة؟ لماذا حث الرسول صلى الله عليه وسلم الناس على الصدقة الجارية؟ والإجابة كما سترى في فصول قادمة حتى لا يقع المال بيد السلطان بحجة تقديم هذه الخدمات. فبناء بوابة على فم الطريق يعتبر من الصدقة الجارية، وبناء مدرسة في الحي يعتبر من الصدقة الجارية، وهكذا من خدمات سيحصل عليها الناس من خلال الأوقاف ودون وقوع الأموال في أيدي السلاطين بحجة تقديم هذه الخدمات، لأنه إن وقع منها جزء ولو القليل، فإنه قد يستخدمها السلطان لتسخير ضعاف النفوس من الناس لأهوائه فيتم الخروج عن الحكم بشرع الله. والشريعة لن تخاطر بمصير أمة بهذه البساطة، لذلك منعت هذا المنبع، أي منعت أخذ السلطان للأموال من الناس لتقديم خدمات محددة كما سترى بإذن الله. ولكنك قد تقول: وماذا عن الأمثلة الأخرى مثل الدفاع عن خطر الأعداء؟ فأجيب: لقد مر بنا الرد على هذا الموقف عند الحديث عن الجويني رحمه الله وأن العمل العسكري عبادة وليس وظيفة. ولعل الملفت في الاقتباس هو قول ابن عابدين من أن هناك من النوائب ما يكون بغير حق كجبايات زمانه. فإن عاش ابن عابدين رحمه الله إلى الآن لعلم أنه ما من زمان إلا وتكون الجبايات فيه بغير حق. لذلك يمنعها الإسلام بجذها من جذورها حتى وإن كانت عادلة، لأنها إن بدأت عادلة فسرعان ما تصبح . ظالمة بعد جيل أو جيلين لأن الأهواء ستسيرها.
وبرغم ركاكة موقف بعض فقهاء المذهب الحنفي مقارنة بالمذاهب الثلاثة التي لم يقل فقهاؤها الأوائل بجواز الضرائب، إلا أن القرضاوي يستشهد ببعض هذه الأقوال كتلك التي لابن عابدين على أنها «شاهد صريح الدلالة» على ما ذهب. أي أنه ترك جميع الأحاديث التي تنهى عن المكوس والعشور وأولها على أنها نصوص ليست صريحة الدلالة، وأخذ برأي بعض الفقهاء كنصوص صريحة الدلالة إذ كما قال في الاقتباس السابق: «وهذا النص الذي أثبتناه هنا شاهد صريح الدلالة على ما نقول، فهؤلاء الفقهاء مقتنعون بأن ما يضربه السلطان من ضرائب لمصلحة الجمهور دين واجب مستحق».
٩٨٦ 🗏
هذا ذيلوا
والأعجب أخي القارئ هو موقف فقهاء المذهب الحنفي والذي يؤيده القرضاوي بأن مثل هذه الأحكام (أي جواز أخذ الضرائب من الناس يجب أن تبقى سراً بين الفقهاء وطلابهم ويجب ألا يعلم بها السلاطين حتى لا يظلموا الناس. فالقرضاوي يقول في الاقتباس السابق مشيراً إلى القول أو الحكم بجواز الضرائب: «ومع . هذا الحكم بقولهم: هذا أمر يعرف ولا يعرف خوف الفتنة، يعنون أن يظل هذا الحكم في دائرة خاصة بين الفقهاء وتلاميذهم، ولا يشاع بين الحكام وأعوانهم حتى لا يتجاسروا في الزيادة على القدر المستحق، ويرهقوا الشعب بالتكاليف المالية، لسبب وغير سبب». والسؤال هو : متى كانت أحكام الشريعة سرية على البعض وعلنية على آخرين؟ أليس هذا مؤشر جيد على فساد القول بجواز أخذ الضرائب؟ أليست الشريعة واضحة ناصعة بينة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك )؟
بسبب
ثم أخيراً يبحث القرضاوي في المذاهب الثلاثة غير المذهب الحنفي لعله يجد من يـؤيـد فتواه بجواز الضرائب. فيجد الشيخ المالقي من المالكية والذي أجاز الضرائب في حال تعرض ديار المسلمين في الأندلس لخطر الأعداء. وهل هذا الظرف مثل فرض الضرائب المعاصرة التي تدر المال باستمرار على خزانة الدولة بخطر أو غير خطر؟ أي هل هو اضطرار؟ كما أن المالقي ذهب إلى ذلك من باب المصالح المرسلة، وقد بينت سابقاً بطلان هذا الاستخدام لهذه القاعدة في هذا الظرف والله أعلم) ، ووضحت أنه هذه الضرائب فقد ضعف المسلمون لأن العمل العسكري أصبح وظيفة. وهذا ينطبق أيضاً على ذهاب القرضاوي لما قاله الغزالي والشاطبي بجواز فرض الخراج إذا خلا بيت المال واحتاج الإمام. فلا حاجة لتكرار الرد، فقد مر بنا. أما بالنسبة لقوله بأن ابن تيمية أيضاً أجاز الضرائب كما نقله عن صاحب «غياث الأمم»، فقد تفاجأت بما قاله، وصعب علي تصديقه، فرجعت للنص الأصلي الذي قاله ابن تيمية، فوجدت أن المسألة ليست كما فهمها القرضاوي بجواز الضرائب، بل هي فتاوى عن كيفية التعامل مع وضع فرض فيه سلطان جائر الضرائب على جماعة كأهل قرية أو قبيلة ما (أي الكلف السلطانية): فكيف يقتسم أفراد تلك الجماعة هذا الظلم الذي وقع عليهم حتى لا يقع ظلم آخر على أحدهم فوق الظلم الأول ؟ ولتتأكد من ذلك أخي القارئ إليك النص الذي اقتطع منه القرضاوي اقتباسه والذي ظهر في عدة
كتب مثل «الفتاوى» و «المظالم المشتركة». فقد جاء في الفتاوى:
«فصل في المظالم المشتركة التي تطلب من الشركاء مثل المشتركين في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم أو رؤوسهم مثل الكلف السلطانية التي توضع عليهم كلهم، إما على عدد رؤوسهم أو عدد دوابهم أو عدد ا أشجارهم أو على قدر أموالهم كما يؤخذ منهم أكثر من الزكوات الواجبة بالشرع أو أكثر من الخراج الواجب بالشرع، أو تؤخذ منهم الكلف التي أحدثت في غير الأجناس الشرعية، كما يوضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة وغير ذلك يؤخذ منهم إذا باعوا، ويؤخذ ذلك تارة من البائعين وتارة من المشترين وإن كان قد قيل أن بعض ذلك وضع بتأويل وجوب الجهاد عليهم بأموالهم واحتياج الجهاد إلى تلك الأموال كما ذكره صاحب غياث الأمم وغيره مع ما دخل فى ذلك من الظلم الذى لا مساغ له عند العلماء. ومثل الجبايات التي يجبيها بعض الملوك من أهل بلده كل مدة ويقول أنها مساعدة له على ما يريد، ومثل ما يطلبه الولاة أحياناً من غير أن يكون راتباً إما لكونهم جيشاً قادمين يجمعون ما يجمعونه لجيشهم، وإما لكونهم يجمعون لبعض العوارض كقدوم السلطان أو حدوث ولد له ونحو ذلك، وإما أن ترمى عليهم سلع تباع منهم بأكثر من أثمانها وتسمى الحطائط ، ومثل القافلة الذين يسيرون حجاجاً أو تجاراً أو غير ذلك، فيطلب
۹۸۷
المكو
قسطه
منهم على عدد رؤوسهم أو دوابهم أو قدر أموالهم، أو يطلب مطلقاً منهم كلهم سواء كان الطالب ذا السلطان في بعض المدائن والقرى كالذين يقعدون على الجسور وأبواب المدائن فيأخذون ما يأخذونه، أو كان الآخذون قطاع طريق كالأعراب والأكراد والترك الذين يأخذون مكوساً من أبناء السبيل ولا يمكنونهم من العبور حتى يعطوهم ما يطلبون، فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل فيما يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضاً فيما يطلب منهم، بل عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بغير حق. كما عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق، فإن هذه الكلف التي أخذت منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم، وإنما يختلف حالها بالنسبة إلى الآخذ فقد يكون آخذاً بحق وقد يكون آخذاً بباطل. وأما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم، فليس لبعضهم أن يظلم بعضاً في ذلك، بل العدل واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال. والظلم لا يباح شيء منه بحال حتى أن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، والمؤمنون كانوا يعدلون الكفار بأمر الله فقال تعالى: لا يحملكم بغضكم للكفار على أن لا تعدلوا عليهم، بل أعدلوا عليهم فإنه أقرب للتقوى. وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره، بل إما أن يؤدى قسطه فيكون عادلاً واما أن يؤدى زائداً على قسطه فيعين شركاءه بما أخذ منهم فيكون محسناً. وليس له أن يمتنع عن أداء من ذلك المال امتناعاً يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم. فإن المال إذا كان يؤخذ لا محالة وامتنع بجاه أو رشوة أو غيرهما كان قد ظلم من يؤخذ منه القسط الذي يخصه، وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره، فإن هذا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه، فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره. وهذا كالوظائف السلطانية التي توضع على القرى مثل أن يوضع عليهم عشرة آلاف درهم فيطلب من له جاه بأمرة أو مشيخة أو رشوة أو غير ذلك أن لا يؤخذ منه شيء، وهم لابد لهم من أخذ جميع المال، وإذا فعل ذلك أخذ ما يخصه من سائر الشركاء فيمتنع من أداء ماينوبه ويؤخذ من سائر الشركاء، فإن هذا ظلم منه لشركائه لأن هذا لم يدفع الظلم عن نفسه إلا بظلم شركائه، وهذا لا يجوز وليس له أن يقول: أنا لم أظلمهم بل ظلمهم من أخذ ، منهم الحصتين، لأنه يقال : أولاً : هذا الطالب قد يكون مأموراً ممن فوقه أن يأخذ ذلك المال، فلا يسقط عن بعضهم نصيبه إلا أخذه من نصيب ذلك الآخر، فيكون أمره بأن لا يأخذ أمراً بالظلم. الثاني: أنه لو فرض أنه الآمر الأعلى فعليه أن يعدل بينهم فيما يطلبه منهم، وإن كان أصل الطلب ظلماً فعليه أن يعدل في هذا الظلم ولا يظلم فيه ظلماً ثانياً فيبقى ظلماً مكررا . فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين كان قد ظلم ظلماً مكرراً بخلاف ما إذا أخذ من كل قسطه، ولأن النفوس ترضى بالعدل بينها في الحرمان وفيما يؤخذ منها ظلماً ولا ترضى بأن يخص بعضها بالعطاء أو الإعفاء. ولهذا جاءت الشريعة بأن المريض له أن يوصى بثلث ماله لغير وارث ولا يخص الوارث بزيادة على حقه . من الثلث وإن كان له أن يعطيه كله للأجنبي. وكذلك في عطية الأولاد هو مأمور أن يسوى بينهم في العطاء أو الحرمان ولا يخص بعضهم بالإعطاء من غير سبب يوجب ذلك لحديث النعمان بن بشير وغيره. الثالث: أنه إذا طلب من القاهر أن لا يأخذ منه وهو يعلم أنه يضع قسطه على غيره فقد أمره بما يعلم أنه يظلم فيه غيره، وليس للإنسان أن يطلب من غيره ما يظلم فيه غيره وإن كان هو لم يأمره بالظلم كمن يولي شخصاً ويأمره أن لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم، فليس له أن يوليه، وكذلك من وكل وكيلاً وأمره أن لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم، وكذلك من طلب من غيره أن يوفيه دينه من ماله الحلال وهو يعلم أنه لا يوفيه إلا مما ظلمه من الناس ، وكذلك هذا طلب منه أن يعفيه من الظلم وهو يعلم أنه لا يعفيه إلا بظلم غيره، فليس له أن يطلب منه ذلك. الرابع: أن هذا يفضي إلى أن الضعفاء
ذلك
۹
۹۸۸ 🗏
الذين لا ناصر لهم يؤخذ منهم جميع ذلك المال، والأقوياء لا يؤخذ منهم شيء من وظائف الأملاك مع أن أملاكهم أكثر، وهذا يستلزم من الفساد والشر ما لا يعلمه إلا الله تعالى، كما هو الواقع. الخامس أن المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدوهم وجب على القادرين الاشتراك في ذلك وإن كان الكفار يأخذونه بغير حق، فلأن يشتركوا فيما يأخذه الظلمة من المسلمين أولى وأحرى».
١٦٣
إن قرأت السابق أخي القارئ تجد أن ابن تيمية لم يقر الضرائب، بل كان يسميها باستمرار الكلف السلطانية أو المظالم المشتركة، وكان همه تبيان تلافي وقوع الظلم على الظلم بين من فرضت عليهم المكوس، وليس كما استنتج القرضاوي أن ابن تيمية أقر ما يأخذه السلطان كما نقله عن صاحب غياث الأمم. ثم أخيراً يستنتج القرضاوي قائلاً: «وبهذا نجد في كل مذهب من المذاهب الأربعة علماء، بل أئمة مرموقين أفتوا بجواز فرض الضرائب العاملة». فهل فعلاً أتى القرضاوي بعلماء مرموقين أفتوا بجواز الضرائب فأين الإمام مالك أو ابن القاسم أو سحنون من المالكية، وأين الشافعي أو النووي من الشافعية وأين أحمد أو ابن قدامة من الحنابلة؟ بالطبع، فهؤلاء هم الأئمة من علماء السلف رحمهم الله، ولا يمكن أن يجد لأحد منهم ولا حتى إشارة إلى جواز الضرائب والعياذ بالله. وباختصار، فإن القرضاوي، نظراً لما رآه من تخلف المسلمين، ولما رآه من تقدم تقني وتنظيمي لدى الغرب، ولأنهم يعيشون في نظام اقتصادي سياسي يعيش على الضرائب، فلم ير بداً من إيجاب الضرائب. أي أنه رجل جريء جداً. ولأثبت لك جراءته تأمل الآتي مما قاله عن الجزية. فالجزية كلمة برغم أن القرآن الكريم أتى بها، ورضيها لنا الحق الحي القيوم سبحانه وتعالى، إلا أن القرضاوي، ولأن أهل الذمة لم يرضوا بها، يقترح تغييرها. وهل هناك جرأة أو زلة كهذه في حق الشريعة؟
القرضاوي والجزية
كما هو معلوم فإن الدول المعاصرة التي تحكم ديار المسلمين لا تفرق حالياً قط في المعاملات المالية بين المسلم وغير المسلم. هنا، وحتى يظهر الإسلام ديناً ملائماً لظروف الحاضر الجاهلي لم يتردد القرضاوي في اقتراح أخذ مقدار الزكاة من غير المسلمين كضريبة تلافياً للجزية إذ أنها تعبير يبغضه أهل الذمة. فها هو يقول:
ان أهل الكتاب لا يدفعون الجزية، ويأنفون من هذا الاسم، فهل يمكن أن يدفعوا بدلاً منها ضريبة على وفق مقادير الزكاة، وإن لم تسم باسمها؟ إن الذي رواه المؤرخون والمحدثون وفقهاء المال في الإسلام عن عمر بين الخطاب رضي الله عنه في موقفه من نصارى بني تغلب؛ يعطينا رخصة للنظر في هذا الأمر على ضوء الواقع والمصلحة العامة.... وأخرج البيهقي عن عبادة بن النعمان في حديث طويل: أن . عمر لما صالحهم (أي بني تغلب على تضعيف الصدقة قالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض (يعنون الصدقة). فقال عمر: لا، هذه فرض المسلمين. قالوا: زد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية. ففعل، فتراضي هو وهم على تضعيف
الصدقة عليهم». قائلاً: ثم يستنتج
.
«فلم لا يجوز أن تفرض ضريبة على أهل الذمة في البلاد الإسلامية في هذا العصر، تقوم مقام الجزية التي طالبهم بها النظام الإسلامي مقابل فريضتين لازمتين في أعناق المسلمين: فريضة الجهاد التي
۹
المكو
يبذلون فيها الدم، وفريضة الزكاة التي يبذلون فيها المال ؟ لم لا يجوز فرض هذه الضريبة بعد مشورة أهل الرأي من المسلمين ومنهم؟ وإن لم تعط هذه الضريبة اسم الصدقة والزكاة، كما طلب نصارى بين تغلب وأجابهم إلى ذلك. عمر. أعتقد أن . هدي عمر هنا : نبراس يضيء الطريق لمن أراد أن يتخذ من هذا الأمر قراراً على ضوء ظروف العصر ومشكلاته. ... وقـد أمـرنـا بـاتبـاع سنة الخلفاء
الراشدين».
١٦٤
۹۸۹
لاحظ أخي القارئ أن القرضاوي يريد منا مشورة أهل الرأي من أهل الذمة. فمتى كانت أحكام الشريعة تخضع لمشورتهم ؟ فإن كان لدينا شرع بنص قرآني وأحاديث نبوية فلماذا نعدل عنها تنازلاً لظروف معاصرة ما نتجت إلا لأننا خرجنا عن مقصوصة الحقوق فأصبحنا ضعفاء. فأين نذهب من قوله تعالى: ﴿قَتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾. فهل نخجل من استخدام لفظ الجزية من النصارى الذين يعيشون بيننا وقد أتى بها القرآن الكريم؟ وأين نذهب من الأحاديث المثبتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن مذاهب فقهاء السلف حيال أهل الذمة وقد تحدثنا عنها سابقاً. أنترك كل هذا حتى لا يتأثر أهل الذمة؟ تذكر مثال الإيدز أخي القارئ؟ لأننا إن وافقنا على ما اقترحه القرضاوي فإننا سنزيد من غربة الإسلام. فالهدف من الجزية ليس مالياً لدعم بيت المال بقدر ما هو حث لأهل الذمة لعلهم يسلمون فمعنى الآية واضح. فإن كان الهدف من الجزية مالياً، ثم إن أسلم أهل الذمة فإن هذا المصدر من المال سينقطع عن بيت المال برغم أن تعداد السكان في ديار المسلمين لم يتغير. أي أن التعداد السكاني لم ينقص بإسلام أهل الذمة وفي الوقت ذاته فإن النفقات المدنية المطلوبة من الدولة بالطبع لن تنقص، بينما دخل بيت المال قد نقص. فهل يمكن للإسلام أن يأتي بمثل هذا التشريع المتناقض إلا إن كان الهدف من الجزية ليس مالياً بالدرجة الأولى، بل حث لأهل الذمة لعل بعضهم يسلم؟ فالمهم ليس المال إذاً بقدر التسمية التي اختارها الحق سبحانه وتعالى، بينما يريد القرضاوي تغييرها. أليست هذه جرأة؟ ولكن تذكر أن هذا لا يعني سوء معاملتهم، بل لهم حقوق حتى في الزكاة. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ . وكما هو معلوم فقد أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فهم أهل ذمته. وإليك مثال آخر:
القرضاوي والأثمان
قلت في فصل «الأموال» أن الشريعة تصر على إخراج الزكاة من الأعيان وذلك لغلق أبواب الاحتكار إلا أن القرضاوي ذهب لغير ذلك باستخدام العقل الذي لابد وأن يكون قاصراً إن خالف الشرع. فقد ذهب هو وبعض الفقهاء من المعاصرين إلى وضع المزيد من السلطات في أيدي الحكومات نظراً لأنهم كانوا يحاولون إظهار الشريعة وكأنها ملائمة لوضعنا المعاصر (والذي هو بالطبع ملوث بأنظمة الحكم الغربية)، لذلك فقد تنازلوا عن الكثير من النصوص. فالقرضاوي مثلاً يقول في أنصبة الزكاة:
ويبدو لي - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بعض الأمور قصداً في أنصبة الزكاة
۹۹۰
ومقاديرها ولم يحددها تحديداً قطعياً، ليوسع بذلك على أولي الأمر من المسلمين، فيختاروا لأمتهم ما يناسب المكان والزمان والحال. فقد يجد ولي الأمر في بعض البلاد وبعض الأزمنة: أن البقر أعلى قيمة من الإبل، وأعظم نفعاً وأكثر دراً ونسلاً، كما في بعض أصناف البقر العالمية المعروفة في عصرنا. فيستطيع أن يحدد النصاب هنا بخمس، ويوجب فيها: شاة، وفي العشر: شاتين، وفي العشرين: أربع شياه. ثم بعد ذلك يؤخذ بما في حديث معاذ. ويترجح هذا الرأي إذا كان ملاك هذا النوع من البقر من كبار الأغنياء والموسرين. كما يمكن الأخذ بقول شهر بن حوشب في اعتبار النصاب عشراً. وأما إن كان البقر في بعض البلاد أدنى قمية وأقل نفعاً بحيث لا يعتبر ملك خمس أو عشر منه غنى يعتد به، فالمعقول أن يكون النصاب هنا: ثلاثين كما هو الرأي المشهور. وهذا يفسر لنا قول الإمام الزهري في تقدير النصاب بالثلاثين: «أن ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن»» .
170 🗏
إن رجعت لأي كتاب في فقه الزكاة من المذاهب الثلاثة التي لا تأخذ بالرأي، وتأملت إصرار الفقهاء على
و
إخراج الزكاة من جنسها وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي نصابها وقد مر بنا في «الأموال») لاقتنعت من خلال حكم الزكاة أنه لا مجال لاستخدام العقل للإتيان بما هو جديد. فقد قصت الحقوق وانتهى الأمر. إلا أنك إن نظرت إلى الاقتباس السابق تتعجب من الاستحداث. فإن توسع أولي الأمر كما قال القرضاوي في الأحكام لما يلائم ظروف المكان لكانت الزكاة في العراق تختلف عنها في مصر، وهكذا ستكون الشريعة ذات أطياف مختلفة من موطن لآخر. وهل هكذا يكون الشرع؟ فإن كانت الأبقار أغلى أو أقل ثمناً من الإبل، فما الحاجة لتغيير الأنصبة لأن المسألة نسبية بالإضافة إلى أنها تحفيزية فإن كانت الأبقار مثلاً ذات ثمن عال ونصابها ثلاثين، ففي هذا حث للأفراد للمزيد من الاستثمار في الأبقار لأن الزكاة بعيدة عنهم في نصابها. فيكثر البقر ويقل سعره. وبالتأكيد هناك حكم كثيرة لا ندركها الآن بعقولنا القاصرة، وستكتشف مع مرور الأيام جيلاً بعد جيل. أي هكذا وبمثل هذه الجرأة والأقوال يتغير الدين أريدك أخي القارئ أن تتأمل الآتي أيضاً فهو الأهم إذ أنه ينقض عروة
مهمة في الدين وبجراءة: لقد لخص القرضاوي المذاهب المختلفة حول إمكانية إخراج الزكاة أثماناً بقوله: «اختلف في ذلك الفقهاء على أقوال : فمنهم من يمنع ذلك ، ومنهم من يجيزه بلا كراهة، ومنهم من يجيزه مع الكراهة، ومنهم من يجيز في بعض الصور دون بعض. وأكثر المتشددين في منع إخراج القيمة هم الشافعية والظاهرية. ويقابلهم الحنفية، فهم يجيزون إخراجها في كل حال. وعند المالكية والحنابلة روايات وأقوال. ففي مختصر خليل»: أن دفع القيمة لا يجزئ، وقد تبع فيه ابن الحاجب وابن بشير. وقد اعترضه في «التوضيح» بأنه خلاف ما في المدونة. ونصه المشهور في إعطاء القيمة: أنه مكروه لا محرم. وفي شرح الرسالة لابن ناجي قول لأشهب وابن القاسم بأن إخراج القيمة مطلقاً جائز. وقيل بعكسه. وفي المدونة من جبره المصدق على أخذ ثمن الصدقة رجوت أن تجزيه. قال الشيوخ: لأنه حاكم، وحكم الحاكم يرفع الخلاف . أما عند الحنابلة فذكر في «المغني»: أن ظاهر مذهب أحمد: أنه لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكوات، لا زكاة الفطر، ولا زكاة المال، لأنه خلاف السنة. وروي عن أحمد القول بالجواز فيما عدا الفطرة. وقال أبو داود: سئل أحمد عن رجل
باع ثمرة نخله ؟ قال : عشره على الذي باعه. قيل له فيخرج ثمراً أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمراً،
وإن شاء أخرج من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج القيم .
.«<...
١٦٦
ثم يوضح القرضاوي سبب الخلاف بالسؤال: هل الزكاة عبادة وقربة الله تعالى أم حق مرتب في مال الأغيناء
للفقراء؟ فيرد على السؤال بالآتي:
۹
المكو
والحق أن الزكاة - كما ذكرنا في غير موضع - تحمل المعنيين، ولكن بعض الفقهاء كالشافعي وأحمد - في المشهور عنه - وبعض المالكية، وكذلك الظاهرية، غلبوا معنى العبادة والقربة في الزكاة، فحتموا على المالك إخراج العين التي جاء بها النص، ولم يجوزوا له إخراج القيمة. وغلب أبو حنيفة وأصحابه وآخرون من الأئمة الجانب الآخر: أنها حق مالي قصد به سد خلة الفقراء، فجوزوا إخراج
القيمة».
۹۹۱
لعلك لاحظت أن مذهب الجمهور هو الإصرار على إخراج الزكاة كأعيان. ولم لا؟ فهل هناك عمل للمسلم يقوم به إلا إن كان تعبداً. فلو أراد سبحانه وتعالى الغني المغني الكريم الجواد المعطي الواهب الوهاب إغناء الفقراء لفعل، ولكنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الإغناء تعبداً لاسيما أن الزكاة قرنت مع الصلاة في القرآن الكريم. وفي هذا الاقتران مؤشر قوي على أن الزكاة عبادة قبل أن تكون حقاً برغم أنها حق للفقراء. ولقد كتب الكثير من الفقهاء في هذا. وبرغم كل هذا إلا أن القرضاوي يذهب إلى جواز إخراج الزكاة أثماناً إذ يقول ملخصاً استنتاجه:
«أعتقد أننا بعد التأمل في أدلة الفريقين يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه الحنفية في هذا المقام، تسندهم
في ذلك الأخبار والآثار، كما يسندهم النظر والاعتبار
١٦٨
أي أن استنتاجه أتى من جانبين، أحدهما الأخبار والآثار والثاني النظر والاعتبار. ولترجيح مذهب الجمهور القائل بمنع الإخراج قيمة لابد لي من دحض الجانبين. بالنسبة للجانب الأول، أي الأخبار والآثار، فقد سرد القرضاوي بعض أدلة المانعين أي الجمهور، ثم أدلة المجيزين، أي الأحناف. لذلك سأسرد أدلة المانعين التي ذكرها
أولاً ثم المجوزين وأعلق عليها ثانياً. أولاً: إن أدلة من ذهبوا للمنع جد قوية كما ستلحظ. يقول القرضاوي: «استند المانعون إلى أدلة متفرقة - من النظر والأثر - نجمع شتاتها ونرتبها فيما يلي: ١- قال إمام
:
- وهو شافعي - المعتمد في الدليل لأصحابنا : أن الزكاة قربة الله تعالى، وكل ما كان الحرمين الجويني - كذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى. ولو قال إنسان لوكيله: اشتر ثوباً، وعلم الوكيل أن غرضه التجارة ووجد . سلعة, هي أنفع لموكله، لم يكن له مخالفته، وإن رآه أنفع. فما يجب الله تعالى بأمره أولى بالاتباع. وكما لا يجوز في الصلاة إقامة السجود على الخد والذقن، مقام السجود على الجبهة والأنف، والتعليل فيه بمعنى الخصوع كذا، ولعل الأصح «الخضوع»] ؛ لأن ذلك مخالفة للنص، وخروج على معنى التعبد، كذلك لا يجوز في الزكاة إخراج قمية الشاة أو البعير أو الحب أو الثمر المنصوص على وجوبه؛ لأن ذلك خروج على النص وعلى معنى التعبد. والزكاة أخت الصلاة. وبيان ذلك: أن الله سبحانه أمر بإيتاء الزكاة في كتابه أمراً مجملاً بمثل قوله: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ﴾ .. وجاءت السنة ففصلت ما أجمله القرآن، وبينت المقادير المطلوبة بمثل قوله صلى الله عليه وسلم ( في كل أربعين شاة شاة)، في كل خمسة من الإبل شاة إلخ. فصار كأن الله تعالى قال: (وآتوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة)؛ فتكون الزكاة حقاً للفقراء بهذا النص، فلا يجوز الاشتغال بالتعليل لإبطال حقه من العين. ٢- يؤكد هذا المعنى أمر آخر ذكره القاضي أبو بكر بن العربي المالكي وهو: أن التكليف والابتلاء بإخراج الزكاة ليس بنقص الأموال فقط - كما فهم أبو حنيفة - فإن هذا ذهول عن التوفية لحق التكليف في تعيين الناقص، وهو يوازي التكليف في قدر الناقص. فإن المالك يريد أن يبقى ملكه بحاله، ويخرج من غيره عنه، فإذا مالت نفسه إلى ذلك وعلقت به كان التكليف قطع تلك العلاقة التي هي بين القلب وبين ذلك الجزء من المال، فوجب إخراج ذلك الجزء بعينه. ٣- ومعنى ثالث، وهو: أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، شكراً لله على نعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب؛
۹۹۲ 🗏
ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تدفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به. ٤- وبعد ذلك قد روى أبو داود وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر وهو نص يجب الوقوف عنده، فلا يجوز تجاوزه إلى أخذ القيمة، لأنه في هذا الحال سيأخذ من الحب شيئاً غير الحب، ومن الغنم شيئاً غير الشاة ... إلخ. وهو خلاف ما أمر به الحديث».
١٦٩
لعلك لاحظت في الاقتباس السابق قوة مذهب الجمهور. أما أدلة المجوزين لإخراج القيمة بدلاً من العين ففيها استخدام للعقل والمنطق في الاستنتاج فيقول القرضاوي مؤكداً استخدام العقل وسارداً أدلة المجوزين:
«أما الذين أجازوا إخراج القيمة بدلاً عن العين، من الحنفية ومن وافقهم من الفقهاء، فشرحوا وجهة مذهبهم وبينوا مستندهم من العقل والنقل، بما نذكره فيما يلي: -١- إن الله تعالى يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ .. فهو تنصيص على أن المأخوذ مال والقيمة ،مال، فأشبهم المنصوص عليه .. أما بيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أجمله القرآن بمثل : ( في كل أربعين شاة شاة) فهو للتيسير على أرباب المواشي، لا لتقييد الواجب به؛ فإن أرباب المواشي تعز فيهم النقود، والأداء مما عندهم أيسر عليهم. وقد روى البيهقي بسنده، والبخاري معلقاً عن طاوس قال: قال معاذ باليمن: إيتوني بخميس أو لبيس أخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين في المدينة. وفي رواية: ... «إئتوني بعرض ثياب أخذه منكم مكان الذرة والشعير » .. وذلك أن أهل اليمن كانوا مشهورين بصناعة الثياب ونسجها، فدفعها أيسر عليهم، على حين كان أهل المدينة في حاجة إليها. وقد كانت أموال الزكاة تفضل عن أهل اليمن فيبعث بها معاذ إلى المدينة عاصمة الخلافة. وقول معاذ الذي اشتهر فرواه طاوس فقيه اليمن وإمامها في عصر التابعين - يدلنا على أنه لم يفهم من الحديث الآخر الذي أمره فيه الرسول بأخذ الجنس: أخذ الحب من الحب والشاة من الشاة ... أنه إلزام بأخذ العين، ولكن لأنه هو الذي يطالب به أرباب الأموال، والقيمة إنما تؤخذ باختيارهم. وإنما عين تلك الأجناس في الزكاة تسهيلاً على أرباب الأموال؛ لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي عنده، كما جاء في بعض الآثار: أنه عليه السلام جعل في الدية على أهل الحلل حللاً. ٣- وروى أحمد والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر ناقة مسنة في إبل الصدقة فغضب وقال: (قاتل الله صاحب هذه الناقة !! (يعني الساعي الذي أخذها فقال : يا رسول الله إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة. قال: (فنعم إذن)، وهذا الحديث صالح للاحتجاج به من حيث السند. ومن حيث الدلالة، فإن أخذ الناقة ببعيرين إنما يكون باعتبار القيمة ٤- إن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد خلة المحتاج، وإقامة المصالح العاملة للملة والأمة التي بها تعلو كلمة الله ، وهذا يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة، وربما يكون تحقيق ذلك بأداء القيمة أظهر وأيسر. ومهما تتنوع الحاجات فالقيمة قادرة على دفعها . ٥- ثم إنه يجوز بالإجماع العدول عن العين إلى الجنس، بأن يخرج زكاة غنمه شاة من غير غنمه، وأن يخرج عشر أرضه حباً من غير زرعه فجاز العدول أيضاً من جنس إلى جنس. وفي هذا رد على القاضي ابن العربي الذي رأى أن للشارع قصداً في تعيين الجزء الواجب إخراجه من المال لقطع العلاقة بين قلب المالك وبين ذلك الجزء المعين من ماله. ولو كان ذلك مقصوداً للشارع ما جاز له بالإجماع أن يعدل عن هذا الجزء من ماله ويخرج مثله من جنسه من مال آخر لأي مخلوق من الناس. ٦- روى سعيد بن منصور في «سننه» عن عطاء قال : كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة
والدراهم».
۱۷۰
ثم بعد ذلك يوازن القرضاوي ويرجح ما ذهب إليه الحنفية بالقول:
۹۹۳
المكو
أحمد
«أعتقد أننا بعد التأمل في أدلة الفريقين يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه الحنفية في هذا المقام، تسندهم في ذلك الأخبار والآثار، كما يسندهم النظر والاعتبار. والحقيقة أن تغليب جانب العبادة في الزكاة وقياسها على الصلاة في التقيد بما ورد من نص فيما يؤخذ - لا يتفق هو وطبيعة الزكاة التي رجح فيها مخالفو الحنفية أنفسهم والجانب الآخر : أنها حق مالي وعبادة متميزة. فأوجبوها في مال الصبي والمجنون، حيث تسقط عنه الصلاة. وكان أولى بهم أن يذكروا هنا ما قالوه هناك، وردوا به على الحنفية الذين أسقطوا الزكاة من غير المكلفين، قياساً على الصلاة. والواقع أن رأي الحنفية أليق بعصرنا وأهون على الناس، وأيسر في الحساب وخاصة إذا كانت هناك إدارة أو مؤسسة تتولى جمع الزكاة وتفريقها. فإن أخذ العين يؤدي إلى زيادة نفقات الجباية بسبب ما يحتاجه نقل الأشياء العينية من مواطنها إلى إدارة التحصيل وحراستها، والمحافظة عليها من التلف وتهيئة طعامها وشرابها وحظائرها إذا كانت من الأنعام من مؤنة وكلف كثيرة. مما ينافي مبدأ «الاقتصاد» في الجباية. وقد روى هذا الرأي عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وإليه ذهب سفيان الثوري. وروى عن مثل قولهم في غير زكاة الفطر، قال النووي وهو الظاهر من مذهب البخاري في «صحيحه». وقال ابن رشد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، ولكن قاده إلى ذلك الدليل. ، وذلك أن البخاري عقد باباً لأخذ العروض في الزكاة (وهو أخذ القيمة) مستدلاً بأثر معاذ الذي رواه عنه طاوس، حيث طلب أن يأخذ منهم الثياب في الصدقة مكان الذرة والشعير، فإن ذلك أهون عليهم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. كما استدل بأحاديث أخرى منها ما جاء في كتاب أبي بكر في صدقة الماشية إذا جاء فيه: «ومن بلغت صدقته بنت مخاض (وليست عنده) وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين» وأخذ سن بدل سن، مع إعطاء قيمة الفرق دراهم أو شياهاً يدل على أن أخذ العين ليس مطلوباً بالذات، ولكن للتيسيير على أرباب الأموال. أما ابن حزم فرد الاستدلال بحديث طاوس زاعماً أنه لا تقوم به حجة لوجوه ذكرها. أولها: أنه مرسل، لأن طاوساً لم يدرك معاذاً، ولا ولد إلا بعد موت معاذ الثاني : أنه لو صح . لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حجة إلا فيما جاء عنه عليه السلام. والثالث: أنه ليس فيه أنه قال ذلك في الزكاة. . وقد يمكن - لو صح - أن يكون قاله لأهل الجزية، وكان يأخذ منهم الذرة والشعير والعرض مكان الجزية. الرابع: أن الدليل على بطلان هذا الخبر ما فيه من قول معاذ: «خير لأهل المدينة» وحاشا لله أن يقول معاذاً هذا، فيجعل ما لم يوجبه الله تعالى خيراً مما
أوجبه».
۱۷۱
ثم يستمر القرضاوى مرجحاً وراداً قول ابن حزم في الاستدلال بحديث طاوس: «والحق أن هذه الوجوه ضعيفة : فطاوس - وإن لم يلق معاذاً - عالم بأمره خبير بسيرته، كما قال الشافعي، وقد كان طاوس إمام اليمن في عصر التابعين، فهو على دراية بأحوال معاذ وأخباره، والعهد قريب. وعمل معاذ في اليمن وأخذه القيمة دليل على أنه لا يجد في ذلك معارضة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جعل اجتهاده في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة، وعدم إنكار أحد من الصحابة عليه يدل على موافقتهم الضمنية على هذا الحكم. أما احتمال أن يكون هذا الخبر في الجزية فهو ضعيف، بل باطل كما قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المحلى، فإنه في رواية يحيى بن آدم: «مكان الصدقة». وأما الوجه الرابع فهو تعسف وتحامل من ابن حزم، فإن معنى: «خير لكم» في الخبر: «أنفع لكم» لحاجتهم إلى الثياب أكثر من الذرة والشعير. وهذا أمر واقع لا نزاع فيه. أما قوله: «لم يوجبه الله» ... ألخ ، فهذا هو موضوع النزاع، فلا يجوز الاحتجاج بنفس الدعوى. وأخذ القيمة حينئذ يكون مما أوجبه الله تعالى في شرعه».
۱۷۲
۹
٩٩٤ 🗏
لعلك لاحظت أن أدلة الجمهور أقوى من حيث النص، ولعلك لاحظت أيضاً أن محور ما ذهب إليه القرضاوي هو صعوبة إخراج الزكاة من الأعيان في وضعنا المعاصر، وهذا بناءً على ما يراه هو في أيامنا هذه التي منع الناس فيها من الترحال بين الدول والمدن، فكانت الحاجة لنقل الزكاة أو خزنها. لذلك إن دحضت هذا المنطق فإن النص، أي ما ذهب إليه الجمهور، هو الأولى بالاتباع. ولكن قبل ذلك لنمر سريعاً على أدلة من قالوا بجواز إخراج الزكاة أثماناً: إن قول الحق سبحانه وتعال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ توجيه عام أتت السنة بتوضيحه كما قال الجمهور، ولا تعني أخذ قيمة الزكاة أثماناً، فكلمة ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ في الآية تعود على ما يتم إخراج الزكاة عنه، ولا تعود على الزكاة، لذلك كان اللفظ جامعاً لكل ما يتم نماؤه. بل إن كلمة ﴿صَدَقَةً﴾ هي التي تخرج كزكاة، وهذه ليست أثماناً، ولكنها تعود على جنس الأموال. فلم أر وجه الدلالة هنا. أما القول بأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أربعين شاة شاة ما هو إلا للتيسير على أرباب المواشي لأن النقود تعز عليهم، ففي هذا تقديم للعقل على النص، وقد بينت قصر العقل في فصول سابقة. ولكن الأهم هو أن ما فعله معاذ من أخذ ثياب مكان الذرة والشعير ليس فيه استدلال على جواز إخراج الزكاة أثماناً، ولكنه استدلال على جواز أخذ عين مكان عين أخرى. وهذا وضع مختلف جداً لأن أخذ الأعيان تؤدي لكسر الاحتكار، أما أخذ الأموال فستؤدي إلى تراكم الأموال في بيت المال، وفي هذا فتح الأبواب التسابق للمنافقين ولضعاف النفوس للوصول لهذا المال، وفي هذا خطر كبير على الأمة كما وضحت. ولكنك قد تسأل: وماذا عن زكاة عروض التجارة، فهذه يجوز إخراج زكاتها أثماناً؟ فأجيب: نعم، إلا أن الشريعة اعتبرتها من الأموال الباطنة (كما مر بنا والتي للفرد إخراجها بمعرفته مباشرة للمستحقين دون المرور على بيت المال، وبهذا لا تتراكم الأموال في بيت المال وتكون مطمعاً لضعاف النفوس. فتأمل هذا الإعجاز.
أما الاستدلال بغضب الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أبصر ناقة مسنة في إبل الصدقة، ثم رضي لعلمه أن الساعي على الصدقة ارتجعها ببعيرين، فهنا أيضاً دليل على جواز إحلال عين مكان عين أخرى حتى وإن كان للقيمة اعتبار في حساب الزكاة، فالمحصلة هي إخراج عين مكان عين فكيف يكون الإستدلال بجواز أخذ الأثمان؟ أما الاستدلال بجواز العدول عن العين إلى الجنس كجواز إخراج غنم كزكاة من غير غنمه، ففي هذا استدلال على من قال بجواز إخراج الأثمان وليس استدلالاً لهم . لأن إخراج الزكاة من نفس جنس ما تجب فيه الزكاة وليس من عينها لهو تأكيد على تلافي إخراج الأثمان، وإلا لتم إخراج الأثمان. وهذا الرد ينطبق أيضاً على ما ورد في صحيح البخاري، فالأحاديث في صحيح البخاري لا تشير إلى جواز إخراج الأثمان ولكن تشير إلى جواز إخراج عين مكان عين أخرى، أو عين مقرونة ببعض الدراهم لتعويض الفرق إن لم يجد المزكي ما عليه إخراجه. وبالنسبة لفعل الخليفة عمر رضي الله عنه فهذا اجتهاد منه لزمنه، وكما وضحت في فصلي «الأراضي» و «الديوان» فإن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وما أمر به هو الأولى بالاتباع.
أما بالنسبة للجانب الثاني لما ذهب إليه القرضاوي، أي جانب النظر والاعتبار» الذي احتج به من أن رأي الحنفية أليق بعصرنا لأن أخذ العين يؤدي لزيادة نفقات الجباية بسبب الحاجة لنقل الأعيان والاهتمام بها، كالاهتمام بالأنعام، فإن هذا منطق يكون صحيحاً إن كان على الأمة نقل الزكاة من مدينة لأخرى. وكما سترى في الفصل القادم، أي فصل «ابن السبيل»، فإن هذا نادر الحدوث إن طبقت الشريعة لأن الذي ينتقل هم الناس لمواطن الزكاة وليس الأعيان من مدينة لأخرى. فإن ثبت أن منطقة ما بها موارد تدعم الحياة أكثر من مناطق أخرى لأن أبواب
المكون
۹۹۵
التمكين مفتوحة لمن أراد العمل (تذكر ما قلناه في فصل «الخيرات»)، فستكثر زكاة من يعيشون في تلك المنطقة، وبهذا ينجذب إليها الفقراء من مناطق أخرى لأن المتواجدين في نفس المنطقة هم الأولى بالزكاة كما سيأتي في فصل «ابن السبيل» بإذن الله. وبهذا تظهر حركية في الأمة تؤدي لانتقال الفقراء الدائم من المناطق الأفقر للأثرى من حيث الموارد، وعندها سيتمكن الفقراء من العمل ومن ثم الإنتاج، وبهذا يقل الفائض من الزكاة الذي هو بحاجة للخزن ، وكلما تطورت وسائل النقل كلما ازدادت سرعة انتقال الأخبار بأن منطقة كذا بها الكثير من الثروات وبالتالي الزكاة، فينجذب إليها الفقراء (الذين سيجدون فرصاً للعمل بالضرورة بسبب الانتعاش الاقتصادي) وبهذا لن تكون هناك حاجة لخزن ما يخرجه الناس من الزكاة إلا نادراً. أي كلما تقادم الزمن بالتطور في الاتصالات والمواصلات كلما كان إخراج الزكاة كأعيان مصدر مهم من مصادر التمكين للأمة لأن إخراج الزكاة كأعيان لهي حركية مهمة من حركيات تحويل الفقراء لأناس منتجين. وهناك تفصيلات أخرى ستلحظها في فصل «ابن السبيل» تدعم ما ذهب إليه الجمهور. وهذه عروة مهمة يجب أن نتمسك بها ، ولا يكون ذلك إلا بالتمسك بالنص.
۱۷۳
أخي القارئ: لقد كان تركيز النقد على القرضاوي لأنه من أكثر الفقهاء شهرة في هذا العصر، ولأنه يعد مثالاً للكثير من الفقهاء الذين نهجوا منهجه. إلا أن الوضع ليس قاتماً تماماً، فهناك من الفقهاء من يلتزم بالنص في معظم الأحوال. فهذا الشيخ ابن عثيمين مثلاً رحمه الله يرفض الجمارك المعاصرة ويقول عنها أنها مكوس، ففي تعليقه على كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية وبالذات في التعليق على قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على أداء المظلمة فهو وكيل المظلوم»، يقول ابن عثيمين أثابه الله: «أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه فهذا ليس معين على الظلم والعدوان. مثال ذلك الجمارك، المكوس عندنا، قال إنسان: أنا أريد أن أتوظف فيها من أجل التخفيف على الناس لا من أجل ظلم الناس . قلنا : لا بأس». ثم ضرب أثابه الله عدة أمثلة على التخفيف من أخذ الجمارك من الناس. وفي موضع آخر في الحديث عن المكوس على التجار المسلمين وغير المسلمين في الحديث عن ظلم الولاة والرعية يقول: «سبق أنه [أي الشيخ ابن تيمية] قسم الأموال إلى ثلاثة أقسام وذكر : كالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقاً. نقول: هذا قيد لأن التأشير على أموال الكفار نوع من المكس، يعني كون الكافر أتجر إلينا [ يؤخذ منه عشر هذا نوع من المكس، لكن هذا مما يسوغ. أما إن كان مالاً محترماً من أموال المسلمين فلا يسوغ فيه المكس إطلاقاً». ١٧٤ فتأمل هذه العبارة الواضحة الشديدة، أي قوله: «أما إن كان مالاً محترماً من أموال المسلمين فلا يسوغ فيه المكس إطلاقاً». فلا تزال الأمة بخير بإذن الله وبها من يلتزم بالنص. فالكارثة هي إعمال العقل مع النص كما ذكرت في أول الكتاب. وللمزيد من التأكيد أريدك أن تتدبر الآتي، فهي عروة أخرى إن حلت، قد تهدم مقصوصة الحقوق.
معاول الهدم : المستغلات كمثال
إن «المستغلات» كلمة اشتهرت في الفقه المعاصر، فهي لم تشتهر في فقه السلف رضوان الله عليهم. وهي مثال جيد لما شرحته مراراً عن مرض الإيدز. فإن اكتفينا بإيجاد علاج طبي لمرض الإيدز دون محاولة جذه من جذوره لمنع انتشاره، فإننا وكأننا نوافق على مسبب المرض، ألا وهو اللواط والمخدرات. كيف؟ تذكر أخي القارئ
٩٩٦ 🗏
مثال الحفيد الذي ورث مالاً من جده اللص والذي ذكر في أول هذا الفصل. وتذكر أيضاً أن مقصوصة الحقوق تفتح الأبواب لمن يهب ويعمل، فكما ستستنتج من باقي الكتاب بإذن الله، فإنه لا سبيل للحصول على المال إن طبقت الشريعة إلا بالجدارة في العمل أو كغنيمة بالجهاد في سبيل الله أو من إرث من قريب أو من الحصول عليه كزكاة أو هبة ممن حصلوا عليه باستحقاق. أما في وضعنا المعاصر الذي تلوث بمنظومات الحقوق الوضعية فإن سبل الحصول على الأموال كثيرة وملتوية وتؤدي لتمكين البعض دون الآخرين، أي كحفيد اللص. ولا أقصد هنا فقط الرشاوي أو استغلال موظف ما لموقعه لتمرير قرارات تصب في صالح جماعة يألفها، بل المقصود أيضاً جميع النزهاء الذي اجتهدوا في ادخار المال إلا أن أصله ناتج من الانحراف عن مقصوصة الحقوق، كموظف الجمارك النزيه، وكرجل الجوازات الأمين. فكما سترى بإذن الله فإن هذه الوظائف هي مستحدثات تثبط مسيرة الأمة بالإضافة لكونها تغيير المقصوصة الحقوق. ولأن هؤلاء الذين تمكنوا مالياً من خلال الأنظمة المعاصرة لديهم المال الذي يستثمرونه في تشغيل من لا مال لهم، فقد تجمع عندهم من الفائض ما يستثمرونه باكتنازه في شراء العمائر لتأجيرها أو إنشاء المصانع ونحوهما من استثمارات. هنا ظهرت دائرة اقتصادية تزيد الفقير فقراً والغني غنيّ. فالفقير الذي منع من إحياء الأرض سيبقى مستأجراً ومستأجراً ليزداد المالك للعمارة ثراءً، وهكذا بدء المال يتكدس عند طبقات على حساب طبقات أخرى. فظهر سؤال محير للفقهاء عن كيفية دفع زكاة هذه الاستثمارات (كالعمائر والمصانع) لأن الشارع لم يُجب عليها الزكاة. وبالطبع فإن الشارع لم يجب عليها الزكاة لأنه إن طبقت الشريعة فلن يوجد فائض مالي كبير عند طبقات لاستغلال طبقات أخرى، فالمجتمع الإسلامي إن طبقت مقصوصة الحقوق سيتسم كما قلت بتقارب ثراء الأفراد لأن فتح أبواب التمكين للجميع سيؤدي إلى زيادة نسبة الملاك. أي أن البلوى لن تعم المجتمع. أما مع الخروج عن مقصوصة الحقوق فقد عمت البلوى لأن النظم المعاصرة مكنت من لديهم المال من شراء الأراضي وبناء العمائر ذات الشقق الضيقة لتؤجر وليحشر فيها الناس بينما أرض الله واسعة. فكثر المال عند هؤلاء الملاك فكان لابد من إيجاد الفتاوى لأخذ الزكاة منهم.
خ
ومن الساخر أن يتم إطلاق تسمية «المستغلات» بفتح الغين على «المستغلات» بكسر الغين. فكما وضحت سابقاً، فإن كلمة «المستغلات»، بالفتح ، تعني للفقهاء المعاصرين الأموال التي لم تتخذ للتجارة، ولكنها اتخذت للنماء مثل العمائر السكنية والمصانع. أي أنها تغل لأصحابها كسباً بتأجيرها كالسيارات أو بيع ما يحصل من إنتاجها كالمصانع. والفرق بين ما يتخذ من المال للتجارة وما يتخذ للاستغلال هو أن الأول يحصل الربح فيه بانتقال العين من يد إلى يد أخرى، أما الثاني فهو ما تبقى عينه وتتجدد منفعته. ولم تكن المستغلات مما تؤخذ منه الزكاة في عهد السلف نظراً لعدم انتشار بعضها كالدور المؤجرة. فالعقارات التي تؤجر كانت نادرة لأن السكان كانوا في معظمهم ملاكاً، فالكل يملك ما يسكن، أما البعض الآخر كأدوات التصنيع، فبرغم انتشارها إلا أن الأعيان التي تتطلب شراكة في صناعتها كانت تنتج من قبل جماعة متشاركة في معمل تملكه (كما سنوضح في فصل «الشركة» بإذنه تعالى)، ولكن مع تغير مقصوصة الحقوق أتى قفل أبواب التمكين فتغير الحال، فأصبح أصحاب المصانع حالياً
هامش
خـ) فقد يظهر ثري جداً مثل عثمان بن عفان أو عبد الرحمن بن دون أن توضع عليهم الضريبة ... وهذا نموذج لكل العصور كما مر عوف رضي الله عنهما . إلا أنه فرد وليس طبقة، وكما قلت فإن وجود بنا في فصل «الديوان».
هؤلاء الأثرياء، والله أعلم، يتجلى في حكمة أنهم أمثلة للثراء الذي تم
المكوس
۹۹۷
من ذوي رؤوس الأموال الذين يوظفون المعدمين. وبدلاً من محاولة تصحيح الوضع وجذه من جذوره بتطبيق الشريعة، فقد تقبل بعض الفقهاء الوضع المستحدث على أنه من مستجدات العصر الذي لا مفر منه منه وعكفوا على إيجاد الفتاوى حتى يظهر الإسلام وكأنه ملائم لكل عصر ، فظهرت الفتاوى في زكاة المستغلات. وقد اختلفت مذاهب الفقهاء المعاصرين بين مضيقين وموسعين في إيجاب الزكاة. والآن لنمر سريعاً على تلك الأقوال المعاصرة ثم
نعلق عليها. إن من التلخيصات الجيدة لموضوع المستغلات ما كتبه عبد السميع المصري إذ يقول ملخصاً:
«أما ما استجد من أموال مستغلة في هذا العصر ولم يكن له نظائر من قبل فقد اجتهد علماء المسلمين والتقوا في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة من أنحاء العالم ووضعو بالقياس قواعد للزكاة فيها على أساس أنه لما كانت الزكاة مستحقة شرعاً في كل مال نام فمن الواجب تعميم أحكامها في كل ما تتحقق فيه العلة - كما نادى بذلك الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات – لأن ذلك يؤدي إلى المساواة العادلة بين الناس فلا تجب الزكاة في زرع من يملك بضعة أفدنة ويعفى منها من يملك عمارة ضخمة تدر عليه ربحاً كبيراً يعادل دخل عشرات الأفدنة أو من كان له رأسمال وضعه في مصنع يدر عليه فائضاً كبيراً أو من يملك الأسهم في شركات الصناعة والتجارة. إن مثل هذا الإعفاء يحول الأموال إلى جانب من أبواب الكسب دون الآخر الذي قد تكون الأمة في حاجة إليه أشد، وعلى أساس ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في فرض الزكاة فتحتسب على رأس المال أو العين ذاتها في الأموال المنقولة، أما في الأموال الثابتة فتؤخذ الزكاة من ثمراتها وغلاتها: فالمصانع: يتكون رأسمالها من آلات الصناعة ويكون الإنتاج ثمرة لعاملين أولهما الأيدي العاملة التي تدير والفكر الذي ينظم، وثانيهما رأس المال والثمرة في الأول للعمل وفي الثاني لرأس المال الذي كون المصنع وهيأ أسباب العمل، وبذلك يكون ما يخص رأس المال فيه زكاة لأنه تحقق فيه سبب وجوبها. وإذا وجبت الزكاة على صاحب المصنع فبكم تقدر ؟ وما هو وعاؤها؟ فنقول إن وعاءها هو الثمرة، وذلك لأن المصنع مال ثابت فيكون مشبهاً للشجرة والأرض، وتجب الزكاة في الغلة، وإذا كنا سنأخذها من صافي الغلات بعد كل النفقات بما فيها استهلاك الآلات يكون الواجب هو عشر صافي الربح لأن الزكاة تجب في عشر الزرع إذا خلا من النفقات. أما العمارات فقد كانت الدور كما أسلفنا لا تفرض عليها الزكاة لأنه لم يتحقق فيها سبب الوجوب لأنها كانت سكن أصحابها، أما الآن فإن العمارات صارت للاستغلال فيتحقق فيها السبب، وليس من المعقول أن تعفى من الزكاة بينما تجب الزكاة على من يملك فدانين من أرض زراعية. وتجب الزكاة في صافي غلة العمارة بمقدار العشر لأنها أموال ثابته. أما الدور التي في القرى والدور التي تستعمل للسكن الخاص والمسكن الخاص لمالك العمارة المستغلة فإنها لا تجب فيها الزكاة كأقوال الفقهاء لأن السبب لم يتحقق. وأما الأسهم: فتجب فيها الزكاة، ولكن وجوبها على ضربين حسب استعمالها، فإن كان المالك يقتنيها ليأخذ غلتها فإن الزكاة تجب في الغلات وتكون بمقدار العشر في صافيها. وإذا كان الذي يقتني الأسهم يتجر فيها فإنها تكون من عروض التجارة وتجب فيها الزكاة على أساس أنها بضائع تباع وتشترى وتكون ربع العشر من مقدار قيمتها في
نهاية العام».
۱۷۵
أخي القارئ، لم أبحث جميع أقوال المعاصرين، بل اكتفيت ببعض ما كتب وذلك لأنه إن طبقت الشريعة فلن تكون هناك حاجة لإيجاد فتاوى بخصوص ما تمت تسميته بالمستغلات لأنها لن تعم في المجتمع كبلوى بحيث تصبح ظاهرة تضع لها الشريعة تشريعاً، والله أعلم. فقد كانت هناك في عصور السلف بعض المساكن التي تؤجر ولم يكن أصحابها يخرجون عنها الزكاة إلا القلة ورعاً لأن الشريعة لم تطالبهم بها. فقد كانت لأحمد بن حنبل مثلاً
۹۹۸ 🗏
أدلة
من
دكاكين وكان يخرج عنها الزكاة. أي أن هناك تضييقاً بين فقهاء السلف لفرض الزكاة على المستغلات. ومن ذهبوا إلى التضييق (كما لخصها القرضاوي): هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم «حدد الأموال التي تجب فيها الزكاة، فلم يجعل منها ما يستغل أو ما يكرى من العقارات والدواب والآلات ونحوها، والأصل براءة الناس من التزام التكاليف، ولا يجوز الخروج عن هذا الأصل، إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ولم يوجد في مسألتنا»، أي في زكاة المستغلات. والذي يؤيد هذا هو أن فقهاء المسلمين في مختلف الأعصار والأقطار وبالذات في الصدر الأول الذين هم خير القرون لم يقولوا بوجوب الزكاة في هذه الأشياء، ولو قالوا به لنقل عنهم. بل إنهم نصوا على ما يخالف ذلك فقالوا بأنه لا زكاة في دور السكنى ولا أدوات المحترفين ولا دواب الركوب ولا أثاث المنازل ونحوها. وهكذا يكون الحكم بعدم وجوب الزكاة في المصانع إن عظم إنتاجها ونحوها من المستغلات. لكن إن تم قبض شيء من تلك الأموال وحال عليها الحول ففيها زكاة النقود . وقد ذهب لهذا الظاهرية، فقد دافع عن هذا المذهب ابن حزم وأيده الشوكاني وصديق حسن خان. ١٧٦
أما من ذهبوا إلى توسيع دائرة الزكاة من السلف لتشمل المستغلات فهم بعض المالكية والحنابلة (كما قال القرضاوي)، وإن كان غير مشهوراً عنهم، وكذلك رأي الهادوية من الزيدية. أما من المعاصرين فقد ذهب إليه كل من أبي زهرة وخلاف وعبد الرحمن حسن وآخرين. وقد بين القرضاوي تأييده لهذا المذهب وجمع أدلة من ذهبوا لهذا القول ولخصها في ثلاث نقاط. الأولى هي أن الله أوجب في كل مال حقاً معلوماً أو زكاة أو صدقة لقوله تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ ؛ ولقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: (أدوا زكاة أموالكم من غير فصل بين مال ومال. وقد رد ابن العربي على الظاهرية بأن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ هو قول عام في كل مال على اختلاف أصنافه، وتباين أسمائه، واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه في شيء فعليه الدليل.
النقطة الثانية هي
أن علة وجوب الزكاة في المال معقولة، وهي النماء كما نص عليه الفقهاء الذين يعللون الأحكام، ويعملون بالقياس، وهم كافة الفقهاء باستثناء قلة من الظاهرية والمعتزلة والشيعة. ومن هنا لم تجب الزكاة في دور السكنى وآلات الحرفة ونحوها بالإجماع. وكان القول الصحيح سقوط الزكاة عن العوامل من الإبل والبقر وعن حلي النساء المستعملة المعتادة، وعن كل مال لا ينمي بطبيعته أو بعمل الإنسان. فإذا كان النماء هو العلة في وجوب الزكاة فإن الحكم يدور معه وجوداً وعدماً، فحيث تحقق النماء في مال وجبت فيه الزكاة وإلا فلا.
والنقطة الثالثة هي أن حكمة تشريع الزكاة هي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم والمواساة لذوي الحاجة، والإسهام في حماية دين الإسلام ودولته ونشر دعوته، وهذه تجعل إيجاب الزكاة أولى وأحوط لأرباب المال أنفسهم. وهنا يثير القرضاوي سؤالاً: «فهل يكون شكر النعمة ومساعدة العاجز وتطهير النفس وتزكيتها بالبذل لازماً عقلاً وشرعاً لصاحب الزرع والثمر، غير لازم لصاحب المصنع والعمارة والسفينة والطائرة ونحوها، مما يدر من الدخل أكثر مما تدره أرض الذرة والشعير بأضعاف مضاعفة، وبجهد أقل من جهدها؟».۱۷۷
وحتى يثبت القرضاوي أن الشريعة ملائمة لكل عصر كان عليه أن يثبت أن الشريعة توجب الزكاة على المستغلات وذلك بالقياس، ولكن تذكر أن تفشي المستغلات في المجتمع المعاصر هو بسبب الانحراف في تطبيق
المكو
१११
الشريعة. وحتى لا نطيل، فسأمر على أهم أدلته وأناقشها دون التوسع في تفنيد أقواله. فهو يرد على المضيقين بثلاث نقاط : الأولى قوله:
«أما قولهم : لا زكاة إلا فيما أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة فنقول: إن عدم نص النبي صلى الله عليه وسلم على أخذ الزكاة من مال ما لا يدل على عدم وجوب الزكاة فيه، فإنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على الأموال النامية التي كانت منتشرة في المجتمع العربي في عصره، كالإبل والبقر والغنم من الحيوانات، والقمح والشعير والتمر والزبيب من الزروع والثمار والدراهم الفضية من هذا أوجب المسلمون الزكاة في أموال أخرى لم يجئ بها نص قياساً على تلك الأموال، أو عملاً بـ النص، وتطبيقاً لما قرر من حكمة فرض الزكاة».
النقود، ومع
بعموم
ثم يستشهد القرضاوي على هذه النقطة بعدة أمثلة: منها ما ذهب إليه الشافعي بمشروعية أخذ الزكاة من الذهب قياساً على الفضة. وهنا أريدك أن تلحظ أن هناك فرقاً شديداً بين الحالين، فإن تم الاستدلال بما ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه بفرض الزكاة على الأموال الورقية في عصرنا الحاضر لكان لاستشهاده نظر، أما المستغلات فهي طبقة جديدة من الاستثمارات لم توجد أصلاً في عهد السلف، لذلك لا يمكن القياس عليها لاسيما أنها نتاج انحراف عن مقصوصة الحقوق. ويستشهد القرضاوي أيضاً بأنه لم يرد نص صريح بوجوب الزكاة في عروض التجارة ومع ذلك نقل ابن المنذر الإجماع على وجوبها. وهنا أيضاً نجد أن أساس الوجوب هو الإجماع، فكيف يستشهد بشيء مجمع عليه في الماضي على شيء محدث. ومما يستشهد به القرضاوي أن عمر رضي الله عنه «أمر بأخذ الزكاة من الخيل لما تبين أن فيها ما تبلغ قيمته مبلغاً عظيماً من المال، وتبعه في ذلك أبو حنيفة ما دامت سائمة واتخذت للنماء والاستيلاد». هنا نجد أيضاً أن الاستدلال غير مبرر لأن المسألة خلافية. والأمر ينطبق أيضاً على ما استشهد به من ذهاب الزهري والحسن وأبو يوسف على وجوب الزكاة فيما يستخرج من البحر من لؤلؤ وعنبر، وقد رأينا في «دولة الناس» ذهاب الجمهور على عدم وجوب ذلك، فكيف يتم الاستشهاد بمسألة نقضها الجمهور. ولكنك قد تقول: إن القرضاوي إنما استدل بتوجه ذهب إليه العلماء حتى إن لم يكن راجحاً لتبيان إمكانية استحداث الزكاة على مستجدات واقعنا من خلال مستجدات ظهرت في عصور سابقة. فأقول: هناك فرق يتضح من الآتي: كما ذكرت في فصل «الديوان»، فإن العهد النبوي كان نموذجاً تقاس عليه جميع الأحكام إن طبقت الشريعة، وعندها ستكون الاجتهادات محصورة في العبادات والتقنيات وليس في الحقوق. وهذا يتضح من الآتي: فمما يستشهد به القرضاوي أيضاً لإثبات النقطة الأولى هو ذهاب أحمد لإيجاب «الزكاة في العسل لما ورد فيه من الأثر، وقياساً على الزرع والثمر، وأوجب الزكاة في كل معدن قياساً على الذهب والفضة، ولعموم آية: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾». وكذلك إدخال القياس في كل مذهب من المذاهب في الزكاة « في أحكام عدة كقياس الشافعية غالب قوت البلد، أو غالب قوت الشخص على ما جاء به الحديث في زكاة الفطر، من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير، وكقياسهم كل ما يقتات على الأقوات الأربعة المذكورة التي جاء بها النص في عشر الزرع والثمر ۱۷ فلعلك لاحظت أن ما سبق من قياس لأحمد والشافعي هو قياس امتدادي لحقوق معروفة مثل ظهور نباتات جديدة ذات ثمار ليست معروفة في المجتمع، وليس استحداثاً للحقوق. فالمستغلات أمر مستحدث باعتراف القرضاوي نفسه فهو يقول راداً على المضيقين في زكاة المستغلات: «وأما قولهم: إن فقهاء الإسلام في جميع أعصاره وأمصاره لم ينقل عنهم القول بذلك - فلأن بعض هذه الأموال النامية لم ينتشر في عصرهم انتشاراً تعم به البلوى،
.«
🗏
ويدفع الفقيه إلى الاجتهاد والاستنباط، وبعضها لم يكن موجوداً قط، بل هو من مستحدثات الأزمنة الأخيرة». ثم يبرر تضييق السلف وضرورة فرض الزكاة على المستغلات في عصرنا بالقول:
عدم كانت
«وأما نص الفقهاء على إعفاء الدور والآلات ونحوها من الزكاة؛ فهو عين الصواب - ولكن هذه الأشياء التي أخرجها علماؤنا من وعاء الزكاة غير ما نحن فيه، فدور السكني غير العمارات الاستغلالية، وآلات المحترف كالقدوم والمنشار ونحوهما غير الماكينات والأجهزة التي تنتج وتعمل وتدر ربحاً ودخلاً، والتي غير ظهورها وجه الحياة في العالم كله. ولهذا أطلق عليه المؤرخون اسم «الانقلاب الصناعي». ودواب الركوب غير هذه السيارات والطائرات والجواري المنشآت في البحر كالأعلام، ... فما أخطأ علماؤنا حين قرروا أن لا زكاة فيما ذكروا من الأشياء، بل طبقوا بدقة وبصر ما اشترطوه لوجوب الزكاة؛ أن يكون المال نامياً فاضلاً عن الحاجة الأصلية لصاحبه، ولهذا علل صاحب الهداية » الحكم بعدم الزكاة في الأشياء المذكورة بقوله : لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أيضاً».٧٩
ثم يستنتج القرضاوي
۱۷۹
«هذا إلى أن تعليل فقهائنا لعدم وجوب الزكاة في الدور والثياب وآلات الحرفة ونحوها بأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وبأنها غير نامية يدل - بمفهوم المخالفة - أن ما يتخذ منها للنماء ولغير الاستعمال في الحاجة الأصلية : . يصبح صالحاً لوجوب الزكاة».
۱۸۰
هنا نأتي لقضية محورية وهي أن ما يستخدمه الإنسان بنفسه لإنتاج ما، فليس عليه زكاة لأنه مشغول بالحاجة الأصلية كما وضحها صاحب «العناية» بقوله: «يعني أن الشغل بالحاجة الأصلية وعدم النماء؛ كل منهما مانع من وجوبها، وقد اجتمعا ههنا: أما كونها مشغولة بها فلأنه لا بد له من دار يسكنها، وثياب يلبسها .. ألخ، وأما النماء فلأنه إما خلقي كما في الذهب والفضة، وإما بإعداد للتجارة وليسا موجودين ههنا». لذلك، فإن المصانع ملك لأصحابها، وإن سار التصنيع على منهج مخالف لما عليه العالم الغربي الآن بحيث تتفتت عملية تصنيع المنتجات الكبيرة كالطائرات إلى أجزاء صغيرة يملكها أفراد متخصصون يتعاونون وينسقون فيما بينهم (وهذا أمر ممكن وسيأتي بيانه في فصلي «الشركة » و «المعرفة»)، فعندها يمكن القول بأن ما يملكه الأفراد من معدات مهما بلغت في تعقيدها فهي إنما وكأنها أدوات حرفية تعفى من الزكاة لأنها مشغولة بالحاجة. هذا إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله. لكن هذا «قد» لا يعني أن أصحاب المصانع لا زكاة عليهم، بل بإمكانهم إخراج الزكاة تورعاً ولكن ليس كما ذهب الفقهاء بفرض الزكاة بقياس يطوع الانحراف، لأننا إن طوعنا أحكام الشريعة لوضعنا المعاصر المنحرف بسبب الخروج عن الشريعة لانتهينا بشريعة تختلف في سماتها عن الشريعة الإسلامية من حيث الحقوق. فكيف العمل إذاً؟ سنأتي على هذا في هذا الفصل وفصل «الشركة» بإذن الله، ولكن قبل ذلك وحتى تقتنع لابد من نقد ما ذهب إليه المعاصرون الذين فرضوا الزكاة على المستغلات لترى ركاكة ما وصل إليه قياسهم. للتوضيح أقول: إن المستغلات في عصرنا الحاضر يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع: الأول: ما هو احتكاري بسبب تغير مقصوصة الحقوق مثل العمائر السكنية والأراضي الإستثمارية والثاني: ما هو تقني بسبب التراكم المعرفي كالمصانع ومراكز الأبحاث والثالث ما هو خدماتي بسبب تغير الهيكل الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع والذي تغير أيضاً بسبب تغير مقصوصة الحقوق كمؤسسات النقل الجماعي أو مؤسسات توزيع المياه.
المكون
1001
بالنسبة للأول فلا حاجة لي هنا لتوضيحه لأنه وضع غريب ترفضه الشريعة ولن يوجد إن طبقنا مقصوصة الحقوق كما سيأتي بيانه في فصل «الأماكن» بإذن الله . فإن اجتهدنا وأوجدنا له زكاة فكأنما نقبل به، والواجب هو العكس، فلابد من رفضه، بل يجب علينا أن نثقف المجتمع بضرره وذلك لجذه بمحاربة الآليات المؤدية إليه. فمضرته هو أن قبول مثل هذه المستغلات سيوجد طبقة من الناس لا تنتج إنتاجاً فعلياً ينفع المجتمع، بل سيوجد طبقة من الأفراد جُل ما يقومون به هو استغلال المعدمين ما يؤدي لآفات سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة سآتي
على بيانها بإذنه تعالى.
والنوع الثاني، أي المستغلات المعاصرة الناتجة بسبب التقدم المعرفي، فقد كان اجتهاد الفقهاء الحاليين في زكاتها مبني على تقبلهم للوضع الحالي للمصانع والمبنية علي منظومات الحقوق الحالية الملوثة بالرأسمالية. فمصانع اليوم هي إحدى نوعين: إما أنها ملك لأصحاب رؤوس أموال لا يعملون فيها في الغالب، فهي شركات ذات أسهم يملكها أناس متفرقون في كل مكان، فهم لا يفقهون ما يجري داخل المصنع، فتم ترك إدارة ذلك لمجلس الإدارة المنتخب الذي يعين إدارة تنفيذية تقود الشركة، وهذه كما رأينا في فصل «القذف بالغيب» أسوأ وصفة ممكنة في إدارة الإنتاج. فهي وصفة تؤدي للكثير من الهدر في المال والوقت والجهد مقابل القليل من الإنتاج. لذلك فإن طبقنا مقصوصة الحقوق فلن نصل لمجتمع تنتشر فيه هذه الشركات. فهي وضع مرفوض ولا يجب أن نطوع الشريعة لتتعامل معه. والنوع الثاني من المصانع ما هو مملوك لأسر قد ورثت الشركة أو المصنع من الوالد المؤسس أو من الإخوة المؤسسين. وهؤلاء أيضاً كما أثبتت بعض الأبحاث ١٨١ لا يجيدون فن إدارة ما ورثوه، لذلك فإن معظم هذه الشركات التي تملكها الأسر تتلاشى تدريجياً إلا إن تم تحويلها لشركة مساهمة أو اجتمعت كلمة الأسرة لانتخاب فرد متميز يجيد الإدارة دون تدخل باقي أفراد الأسرة. وبالطبع فإن هذا الانتخاب وحسن الإدارة هو لأمد محدد ذلك الفرد في الغالب. ولكن كلا النوعين سيصبحان ظاهرة نادرة إن طبقت الشريعة كما سترى في فصلي «الشركة» و «الفصل والوصل» بإذنه تعالى. والشريعة عادة تضع الأحكام للعام المنتشر وليس للخاص النادر في مسائل الزكاة. والسبب في هذا هو أن تطويع الشريعة أو القانون ليطبق على النوازل النادرة سينهك المجتمع أكثر مما يثريه كما رأينا في فصل «الأموال».
بعمر
وهو
۱۸۱
المستغلات:
أي أن النوعين السابقين لن ينتشرا في المجتمع المسلم إن طبقت الشريعة. بقي النوع الثالث من ما يتصف بأنه خدماتي كمن يقومون بالبناء لغرض التأجير القصير الأجل مثل الفنادق والشقق المفروشة، مثلها مثل ما يستغل في المواصلات كتأجير السيارات وشاحنات وسفن نقل البضائع وباصات نقل الأفراد: فجميع هذه الخدمات ضرورة للمستوطنات لتسريع عجلة تقدم المجتمع لذلك تعفيها الشريعة من الزكاة لحث الناس على الإقدام عليها، لأنه إن طبقت الشريعة فلن تكون هذه الأعمال الخدماتية ذات مردود اقتصادي كبير وشبه مضمون مثل استخراج المعادن أو زراعة الثمار أو تربية المواشي. فمعظم شركات النقل الجماعي في دول العالم الغربي مدعومة من قبل دولها لتكون تكاليف النقل ضمن حدود إمكانات الناس من الاستمتاع بهذه الخدمات الحيوية التي تعين على تقدم المجتمع. وفي تسهيل التنقل كما سنوضح في فصل ابن السبيل» بإذن الله، نقل للمعرفة، وهذه ضرورة لزيادة الإنتاجية، وفي تسهيل نقل البضائع توفير لما هو ضروري لمعاش الناس وهذا سيزيد من الإنتاج (ملحوظة: ولكن هذا لا يعني أن الشريعة تحاول زيادة الاستهلاكية المفضية لإنضاب الموارد وتلويث الأرض، بل
۱۰۰۲ 🗏
هناك ميزان دقيق يؤدي لتوفير ما هو ضروري لإيجاد حياة كريمة دونما تلويث بيئي كما سيأتي بإذن الله). وحتى تتيقن أخي القارئ أن ما وصل إليه العلماء المعاصرون من اجتهادات لن تلبي احتياجات الأمة، تأمل الآتي: إن اتفق العلماء المعاصرون على ضرورة إخراج الزكاة للمستغلات، فكيف تزکی؟ لقد اختلفت آراؤهم وكانت في اتجاهين: الأول أن تقوّم وتزكى زكاة التجارة والثاني أن تزكى الغلة عند قبضها زكاة النقود. بالنسبة للأول: فهو يعامل مالك العمارة أو المصنع أو السفينة معاملة مالك السلع التجارية، فتثمن العمارة أو المصنع أو السفينة كل عام بالإضافة لإيرادها وما له من ديون مرجوه ثم يتم إخراج ربع العشر كعروض التجارة. وقد تم تشييد هذا الرأي بناءً على ما ذهب إليه أبو الوفاء ابن عقيل والذي نقله ابن القيم في كتابه «بدائع الفوائد» وذلك استنباطاً مما ذهب إليه الإمام أحمد بإخراج الزكاة عن حلي الكراء. فكان الرأي بوجوبها في العقار المعد للكراء وفي كل سلعة تؤجر. قال: «و إنما خرجت ذلك على الحلي، لأنه قد ثبت من أصلنا أن الحلي لا تجب فيه الزكاة، فإذا أعد للكراء وجبت. فإذا ثبت أن الإعداد للكراء: أنشأ إيجاب الزكاة في شيء لا تجب فيه الزكاة: كان في جميع العروض لا تجب فيها الزكاة ينشئ إيجاب الزكاة».١٨٢ ثم يأتي التوضيح: «أن الذهب والفضة عينان تجب الزكاة بجنسهما وعينهما، ثم إن الصياغة والإعداد للباس والزينة والانتفاع، غلبت على إسقاط الزكاة في عينه، ثم جاء الإعداد للكراء فغلب على الاستعمال، وأنشأ إيجاب الزكاة، فصار أقوى مما قوي على إسقاط الزكاة، فأولى أن يوجب الزكاة في العقار والأواني والحيوان التي لا زكاة في جنسها » . ۱۸۳ ولكن لاحظ أخي القارئ شتان بين الحالين: فالحلي زينة ولفرض الزكاة عليها حكمة للتخفيف من انتشار ما لا يؤدي لعزة الأمة، أما الدواب المؤجرة ففيها حاجة للمجتمع ويؤدي انتشارها إلى سهولة حركة الناس المطلوبة لنقل المعرفة والسلع كما سيأتي بإذن الله. وبالطبع، فإن القرضاوي كغيره من معظم الفقهاء المعاصرين أخذوا برأي ابن عقيل، إذ يقول القرضاوي:
التي
«ونحن نقول : إن ما ذهب إليه الإمام أحمد من إسقاط الزكاة عن الذهب والفضة إذا استعملا في حلي مباح، ومن إيجابها في الحلي إذا أعد للكراء؛ مذهب قوي، يستند إلى أصل مهم في باب الزكاة وهو: أن لا زكاة في مال غير نام أو مشغول بالحاجة الأصلية، وإنما الزكاة في المال النامي، وهو الذي يدر على صاحبه كسباً ودخلاً ... وإذا طبقنا هذا على العقارات والأثاث والسيارات والسفن والطائرات والماكينات والأجهزة الصناعية المختلفة؛ اتضح لنا هذا الحكم أن لا زكاة فيها إذا كانت للاستعمال الشخصي، فإذا أعدت للكراء، وغدا من شأنها أن تجلب نماءً وربحاً، فقد غدت صالحة لوجوب الزكاة، وزكاتها في هذه الحال كزكاة عروض التجارة نصاباً ومقداراً» . ۱٤
١٨٤
وقد اعترض الشوكاني وصديق حسن خان (من المتأخرين) على ما ذهب إليه ابن عقيل وذلك بالرجوع للحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة ، وقد احتجا بأن هذا القول لم يسمع به ممن هم في
«الصدر الأول والذين هم خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فضلاً عن أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة. وقد كانوا يستأجرون ويؤجرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم ولم يخطر ببال أحدهم أن يخرج في رأس الحول ربع عشر داره أو عقاره أو دوابه، وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق، حتى كان آخر القرن الثالث من أهل المائة الثالثة؛ فقال بذلك من قال بدون دليل إلا مجرد القياس على أموال التجارة ...».
المكون
۱۰۰۳
وبالنسبة للقياس فقد ردوه قائلين: «أما القياس على أموال التجارة وزكاتها، فعلى فرض التسليم بثبوت الزكاة فيها، فقد اختل القياس بوجود الفارق وهو: أن أموال التجارة وسلعها ينتفع بعينها، فتنتقل العين من يد إلى يد بالبيع والشراء، بخلاف هذه الأشياء، فإنها باقية، وإنما يستفاد من منفعتها فحسب»
١٨٦
ظ
وفي المقابل فقد علل القرضاوي ما ذهب إليه المعاصرون مقارنة بالوضع في عهد السلف قائلاً: «وأما عدم النقل عن الصدر الأول ما يفيد إيجاب الزكاة في هذه الأشياء؛ فإنما كان لعدم شيوع الكراء والاستغلال فيها بحيث تعم به البلوى – على حد تعبير الفقهاء - ويظهر الحكم، ويتناقله الرواة، وكل عصر له مشكلاته التي تثار، ويطلب إبرام حكم في شأنها، ولم تكن هذه المستغلات من مشكلات تلك الأعصار». (تذكر أخي القارئ كما ذكرت فإن ظهور المستغلات هو بسبب عدم تطبيق الشريعة). ولكن السؤال هو : لماذا لم تؤخذ الزكاة ممن يؤجرون دورهم أو دوابهم في عهد السلف؟ فلابد وأن تكون هناك حكمة من الإعفاء. والحكمة هي، والله أعلم، أن هناك قطاعات إنتاجية معينة يجب أن تعفى لينجذب الناس إليها لأن طبيعتها لا تجذب السكان إليها. فمثلاً، زكاة القطن، فهي من غير المكيلات، وقد تعفى من الزكاة إن أخذنا بالنص، وفي هذا تشجيع لكثرة زراعتها من قبل مزارعين صغار، وهي ليست قوت. فإن تراكم إنتاج هؤلاء المزارعين الصغار على مستوى الأمة، فإن الإنتاج سيكون كثيراً جداً ما يدفع المجتمع في التفكير في إيجاد صناعات تستغل هذه الكميات. وعندما تستغل وتنتج بغزارة يزداد وعاء الزكاة من التجار الذين ينقلونها ويبيعونها.
أي باختصار، إن طبقت الشريعة فإنه لن توجد تراكمات مالية كبيرة عند بعض الأفراد حتى في عصرنا الحاضر الذي تميز بالمصانع الكبيرة مثل مصانع الطائرات والمشروبات الغازية. فمعظم الصناعات ستتفتت لأجزاء أصغر يملكها العاملون فيها ودون فقدان في الجودة، بل بجودة أعلى كما سيأتي بيانه في فصلي «الشركة» و «المعرفة» بإذنه تعالى. وكما قلت في فصل «دولة الناس»، فإن تطبيق مذهب المعاصرين من الفقهاء بإخراج العشر لهو مال قد يثبط الإنتاج لأنه مبلغ كبير، أما مع تطبيق الشريعة فإن في هذا جذب لانتعاش هذه القطاعات، ولعل خير مثال على ذلك تأجير الدور. فمتى ما طبقت الشريعة فإن الناس سينتشرون في الأرض دون حواجز بين الدول ويكثر المرتحلون الذين هم بحاجة دائمة لمسكن مؤقت لحين تأقلمهم في منطقة ما، فإن ارتاحوا لها أحيوا الأرض لسكن دائم، وإلا ارتحلوا لمناطق أخرى لطلب الرزق أو العلم، وهكذا فإن كل ما لم يأت به نص بالزكاة فإنما هو لحكمة عميقة ربما ستظهر في الأجيال القادمة أو العقود القادمة. أي أن كل فتوى لتطويع الحاضر المنحرف للشريعه لهو
هامش
ذ وبالطبع فإن ما ذهب إليه الشوكاني وصديق حسن خان لا ينطبق وجاء في الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت الأدوات أو المعدات في المصانع معدة للبيع بل للاستخدام قال: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة». وجاء في الشخصي باستخدام الأداة في المصنع للإنتاج أو التحميل على السفينة نصب الراية: قال عليه السلام: (ليس على المسلم في عبده ولا في للنقل، أما إن كانت معدة للكراء فهو ما أفتى العلماء المعاصرون فرسه صدقة، قلت: أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن عراك بن بفرض الزكاة عليه وهذا خلاف ما كان عليه السلف. مالك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (ليس علي المسلم في عبده
على مالك.
ض) جاء في سنن البيهقي الكبرى: عن ... يحيى بن يحيى قال: قرأت ولا في فرسه صدقة)، انتهى بألفاظهم الستة» (١٨٥). عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عراك بن ظ) ثم يعطي القرضاوي عدة آراء يحاول من خلالها إيضاح إمكانية مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على قياس المستغلات على أموال التجارة ولا نريد الخوض فيها ذلك لأنها المرء في عبده ولا في فرسه صدقة). رواه مسلم في الصحيح عن يحيى ليست مصحوبة بقال الله جل جلاله وقال الرسول الرسول صلى الله بن يحيى وأخرجه البخاري من حديث شعبة عن عبد الله بن دينار». عليه وسلم، بل أفكار يمكن ردها منقطياً (۱۸۷).
1-8 🗏
معول هدم إضافي للأمة. من الأمثلة الأخرى غير المستغلات مثلاً زكاة الأسهم والسندات والبنوك كمؤسسات. فكما سترى، فإن في الفتوى بجواز زكاة الأسهم وتحديد مقداره زيادة للانحراف إذ أن في انتشار مثل هذه الشركات المعاصرة التي يكتتب بها الناس فساد قادم لا محالة. أي أن أمة دون سندات وأسهم بنكية لهي أمة أعز مكانة وأغزر إنتاجاً كما سيأتي في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله.
وأخيراً، إن نظرت لكل ما سبق تجد أن الإشكالية الفكرية الأولى عند الكثير هي القناعة العميقة أنه لا قوة إلا بدولة غنية كما ذكرت مراراً، لذلك يرمون بمعظم المسؤوليات على الدولة. وهذه أيضاً عند القرضاوي كما استشفيتها من كتاباته. لنأخذه كمثال للباحثين، ولنأخذ منه مثالين آخيرين لتتأكد من قناعته بالمركزية: فهو في إطار حديثه عن الكنوز المدفونة مثلاً يقول: وقال أبو حنيفة وأحمد ومالك في رواية أخرى عنه والجمهور: مصرفه كالفيء. أي يخلط بالميزانية العامة للدولة» .۱۸۸ فترى في العبارة إلقاء مصرف الفيء في ميزانية الدولة وخلطها به. وبالطبع كما مر بنا، فإن للفيء أهله، وميزانية الدولة شيء آخر. إلا أن هذا الإلقاء بهذه البساطة حدث للقناعة العميقة التي تجعل الباحث يثق بالدولة، وهذا ما حرصت الشريعة على فصله. وعندما يقول باحث مرموق بعبارة كهذه، يأتي الآخرون ويتبنون ما قاله، وهنا تكمن الخطورة.
IM
ويقول في موضع آخر في الزكاة بأنه إن اقتطعت أموال الزكاة من الناس مباشرة كالموظفين بأخذها من مرتباتهم الشهرية، وهو ما يعرف بـ «الحجز في المنبع»، فإن في هذا حصيلة ضخمة للدولة لأنها تأتي من كل رواتب الموظفين والعمال في الحكومة والمؤسسات. وهنا أيضاً ترى تأثره بالمركزية في الجباية التي ستدفع الأمة المسلمة لكي تكون كأي أمة رأسمالية في أفضل الأحوال، أو أمة فقيرة هزيلة كما هو حادث وذات حكومات أثرى من الشعوب المنهكة إلا أنها فقيرة بين الحكومات الأخرى وكما قلت فإن الشريعة تفعل العكس، فهي تريد للناس أن يكونوا أثرياء، لأنه لا يمكن الجمع بين ثراء الحكومة وثراء الأفراد كما ذكرت مراراً . فثراء الحكومة سيؤدي لفقر الأفراد لأن الحكومة الثرية لا تحكم بما شرع الله، بل بالإهواء، وفي هذا تقييد للأفراد فيقل الإنتاج فيضعف الأفراد. وكل هذا بسبب المركزية في اتخاذ القرارات، أي بسبب تدخلات الدولة في قرارات الأفراد والتي الشريعة أيديهم فيها . فكيف حدث هذا التقييد؟ هذا هو موضوعنا الآتي.
أطلقت
السياسة الشرعية
لقد ذكرت في أول الفصل أن الخروج عن شرع الله في مقصوصة الحقوق يكون في الغالب من طريقين، الطريق الأول هو استحواذ الحكومات على الأموال، وهذا ما تم التركيز عليه سابقاً. والطريق الثاني هو استحواذ الحكومات على القرارات التي كانت من حق الناس شرعاً لتصبح قانوناً وعرفاً من حق الدولة، وهو موضوعنا الآتي:
ما من فرد يطيع الآخرين إلا لدافع أو لحافز أو لعلة أو لحاجة أو لمصلحة ما. وهذه الطاعة كما هو معلوم قد تكون للوالدين أو لشريك أو لجار أو لرئيس في العمل أو لولي الأمر وما يهمنا الآن هو إطاعة ولي الأمر. فما الذي يجعل الإنسان يطيع ولي الأمر أو السلطة ؟ إن لطاعة الناس للحكومة مصادر متعددة: فقد يكون قسراً بأن يعاقب من لا يطيع أوامر الحكومة بالتغريم أو السجن كمن يفر من أداء الضريبة بطرق غير قانونية، أي أن
هو
المكو
11.0
مصدر
مصدر الطاعة هو القانون؛ أو طواعية بأن يطيع الأفراد السلطان لأنهم يخافون العقاب في اليوم الآخر، أي أن الطاعة هو مخافة الله. وقد تكون الطاعة لمصلحة لأن الفرد يدرك (كمثال) أن في طاعته لأنظمة المرور سلامة له، أي أن مصدر الطاعة هو عقد اجتماعي معروف ومتفق عليه. وهكذا من مصادر متعددة للطاعة، وليس هذا مكان حصرها أو البحث فيها إلا أن المهم هو أن أفراد العالم الإسلامي نجدهم في سلوكياتهم إن طبقت الشريعة أفراد متحررون جداً إلا في القليل من القيود تجاه الآخرين مقارنة بأنظمة الدول الرأسمالية أو الاشتراكية أو أي نظام وضعي كما سترى بإذن الله . فالعلاقة بين المسلم والسلطان علاقة نادرة، بل جل العلاقات هي علاقات بين الناس (أي علاقات أفقية وليست رأسية، وسيأتي تبيان الفرق في فصول قادمة بإذن الله). وهذه العلاقات هي التي تشكل هيكل الأمة وتعطيه سماته الثقافية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والعمرانية. أي هويته الحضارية. أي أن طاعتهم لولي الأمر محدودة جداً لأن علاقاتهم معه محددة جداً. فللفرد مثلاً إنشاء مصنع دون أخذ إذن من الحكومة عملاً بحديث الضرر والضرار، وله إنشاء مدرسة دون موافقة وزارة التعليم لأنه لا وزارة تعليم، وله حفر بئر دون موافقة وزارة الزراعة لأنه لا وزارة زراعة وله فتح حانوت دون موافقة البلدية لأنه لا بلدية، وهكذا. وهناك أمثلة كثيرة أخرى سنأتي عليها في فصل «الموافقات» بإذن الله. أي أن السلطان أو الحكومة لا دور لها في التشكيل الحضاري للأمة مقارنة بدورها في الوقت المعاصر. ولكن فقط إن حدث خلاف بين الناس فإنهم يلجؤون للقاضي للفصل فيما بينهم. غير أن هذا لأن العلاقة بين الفرد والسلطان شبه معدومة لا . يعني للأفراد. بل هناك الكثير من المحفزات التي تشد المسلم لسلوكيات معينة ( كحسن الجوار) والتي تجعله في وضع دائم التفكير حتى يختار بين الخير والشر وسيأتي بتفصيل أكثر بإذن الله في فصل «الموافقات»). إلا أن هذه السمة الفذة للمجتمع المسلم بدأت في الضياع وذلك لأن بعض الفقهاء تنازلوا عن هذه الميزة ومكنوا السلاطين أو الحكومات من سلب الأفراد هذه الخيارات وفرض القوانين عليهم لدرجة أن المجتمعات الإسلامية بدأت تشبه المجتمعات غير الإسلامية في علاقة المسلم بمجتمعه من خلال السلطات فنقصت فرص الاختيار للناس لأن الحكومات من خلال تدخلها المستمر في شتى شؤون الحياة قيدت الحريات التي كانت الشريعة قد منحتها للناس وذلك من خلال السياسة الشرعية. أي أن أهم أداة وتحت مظلة الشريعة) أدت إلى انتقال القرارات المصيرية التمكينية من أيدي الناس العاملين إلى أيدي السلطات هي السياسة الشرعية». لذلك لابد لنا من المرور عليها. فما
هي السياسة الشرعية؟
وهي
الانفلات
السياسة الشرعية في إطار التمكين هي باختصار أداة لاستغلال السمة المتجذرة عميقاً في نفوس المسلمين، ألا استغلال مخافة الله وذلك لتقييد الأفراد بقرارات الحكومات. أي صبغ قرارات السلاطين غير الشرعية بصبغة وكأنها شرعية فيضطر الناس للانصياع لها طوعاً إن كانوا ممن يخافون الله، أو الامتثال لها كرهاً إن لم يكونوا من المؤمنين بالغيب لأن السلطان حصل على حق عقاب من لا يمتثلون لما أقرته السياسة الشرعية على أنه حق شرعي. وإليك المثال الآتي لعله يوضح مفهوم السياسة الشرعية في وضعها المعاصر والذي سنركز عليه ببعض التفصيل. فكما معلوم فقد انتشرت الأعمال التي تؤثر في الأمن بين المسلمين كالتفجيرات المتكررة وهي التي تم التعارف بين أجهزة الدول المعاصرة على أنها «إرهاب». فهبت الدول . لمحاربتها. فظهرت الحاجة لأخذ بصمات الناس، وقد يكون في هذا بعض المضايقات للناس وبعض التقييد للحريات الفردية، فهل للفرد الحق في عدم الامتثال لأوامر السلطان إن أرادت حكومة ما أخذ بصمات الناس أم ليس له ذلك، بل عليه الامتثال؟ لننظر للمقال الذي نشر في جريدة
هو
1..7 🗏
«الحياة» اللبنانية بعنوان: «السياسة الشرعية في تخزين البصمات والذي كتبه حسن بن محمد مسفر الخبير السعودي بمجمع الفقه الإسلامي الدولي في منظمة المؤتمر الإسلامي والذي يقول فيه عن جواز تخزين البصمات شرعاً
«تميزت أحكام الشريعة الإسلامية بالصلاحية الزمانية والمكانية، فلا تعرض للدول والأنظمة السياسية والجهات الأمنية عارضة أو نازلة إلا ويوجد لها حكم وعلاج شاف وإجابة نافعة وسديدة، خصوصاً أن مصادر الشرع الحنيف جعلت في الاجتهاد المصلحي سبيلاً ومخرجاً لما يكتنف المجتمعات من نوازل وقضايا ووقائع، وإطلالة القرن الواحد والعشرين بما يحمله من نقلات تطويرية وتقدم تقني، وما يصحب ذلك من الانفتاح العالمي من الخير، وما يحمله من نذر الشر والفساد والإرهاب والجرائم والقتل والترويع وجاءت الأدوات والوسائل لمساعدة الأجهزة الأمنية للوصول إلى معرفة الحقائق، والكشف عن الجرائم، تحقيقاً لمبدأ العدل وإظهار آثار إقامة الشرع وإرساء مبادئ القسط واستتباب الأمن في البلاد، وإراحة العباد من مفاسد وأخطاء المجرمين، فمن هذه الوسائل البصمات وأثرها في الحد من الجرائم التي عرفت عند فقهاء الفقه الجنائي بأنها الخطوط البارزة التي توازيها خطوط أخرى أخفض منها، والتي تتخذ صوراً وأشكالاً مختلفة على جلد وباطن أصابح اليدين والكفين، وأصابع وبواطن القدمين، خصوصاً وقد أثبتت الحقائق الجنائية العلمية استحالة تشابه بصمتين في جميع المميزات والخصائص الموجودة في كل واحدة على حدة، وهي وسائل قضائية تساعد القضاء الشرعي، وقرائن لإثبات الجرم وتحديد الهوية من باب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية القضائية والتي أشار إليها العلامة الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) رحمه الله في كتابه، وإن كانت هي ليست دلائل إثبات يتقرر وفقها إصدار عقوبة أو حد ، لكنها تظل عوامل مساعدة نحو إضاءات لمعالم الجريمة. وقد شرعت وزارة الداخلية بتوجيهات من وزيرها رجل الأمن الأول الأمير نايف بن عبد العزيز، ونائبه الأمير أحمد، ومساعده الأمير محمد بن نايف في تطبيق مشروع التخزين البصموي على جميع المواطنين السعوديين، وغني عن الإشارة أن هذه النقلة الأمنية الجديدة والمتمثلة في نظام تخزين البصمات تنتظم في سلسة التطورات في جهاز الوزارة المهم، التي يعقد المواطنون بعد الله . عز وجل آمالاً عليها في المحافظة على أمن البلاد وحماية رقاب وممتلكات العباد. وفي هذا الصدد يقول العلامة الإمام القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي المتوفي سنة ٤٥٨ هـ، في كتابه الأحكام السلطانية: «فإذا اجتمعت طائفة من أهل البغي والفساد والإفساد على قطع الطريق وأخذ الأموال وقتل النفوس وقتل السابلة والفتك والترويع، فالواجب اتخاذ الوسائل التي تقضي إلى الحد من شرهم والقضاء عليهم وتجري عليهم، أحكام ذوي الجرائم وقطاع الطرق المفسدين في الأرض، ولولي الأمر من ولاة أمور المسلمين السعي لاستتباب الأمن والمحافظة على بيضة الدولة». ومن خلال العزم والحزم من وزارة الداخلية مشكورة لتطبيق مشروع تخزين البصمات تتضح المحطات الآتية: أولاً: أن قيام الوزارة مشكورة ومأجورة في تقنين أنظمة وتشريعات في إطار أحكام الشريعة الإسلامية، هدف منها راحة المواطن والمقيم والحاج والمعتمر، ليعيش في أمن وأمان وينصرف إلى واجباته الدينية والدنيوية. ثانياً: في هذا الإنجاز الأمني والاجتماعي تسهيل المهات كثيرة ينال الراحة فيها شرائح المجتمع والزائرين والقادمين، وربطها بالأجهزة الأمنية داخلياً وخارجياً. ثالثاً: القضاء على التكدس العمالي والهاربين من الكفلاء والضاربين خيامهم في الأحياء الشعبية والشوارع الرئيسية والتجمعات العمرانية والمنشآت السكنية. رابعاً : سيتم بحول الله من خلال تطبيق المشروع الجديد للبصمات، اختفاء ظاهرة السطو والسرقة والجرائم الجنائية وتسجيله ضد مجهول، ناهيك عن التزوير وسك أختام إقامة وتصنيع الجوازات والتأشيرات. خامساً: إتاحة الفرصة للشباب والعاطلين عن العمل في إيجاد أماكن لهم، وتشغيلهم بعد الحجز والاحتكار ممن كشفت البصمات التخزينية أوضاعهم، وعرت مفاسد
۹
المكو
ضائعهم ومخططات إجرامهم، إنها وسائل تنطلق في إعادة هيكلة التخطيط للقضاء على الجرائم
والسرقات والإرهاب والسطو والترويع».
۱۸۹
۱۰۰۷
عدد
إن نظرت للاقتباس السابق ستلحظ وبسرعة مقدمة ساحرة تفيد بأن الشريعة ذات إمكانيات عالية لتواكب التطور. فمن مشكلات العصر الآن الإرهاب مثلاً، ولأنه قد ظهرت أدوات مثل تخزين البصمات وسرعة التعرف عليها فإن الشريعة بالطبع لا تمانع استخدام مثل هذه الأدوات لتسخيرها لحفظ الأمن. وهنا يأتي السؤال: لماذا إذاً مثل هذه المقالة إن كان الهدف واضحاً وفي مصلحة الجميع؟ والجواب هو لأن في أخذ بصمات الناس استحداث في الحقوق قد يرفضه بعض الفقهاء أو الناس. فبرغم أن الكاتب لم يثر هذه النقطة، إلا أنها هي جوهر القضية التي من أجلها كان لابد من كتابة المقالة التي توضح فكر من يؤيدون مثل هذه الاستحداثات على المجتمع. فبصمات كل إنسان مسألة شخصية تخصه، وبالذات بصمات النساء. وهذه يجب أن تبقى حقاً للإنسان إلا إن ارتكب خطأ، أي له سابقة، وحتى هنا فنحن بحاجة لفتوى عن جواز حفظ بصمات السارق أو المعتدي (وسأوضح لماذا الحاجة للفتوى في الفصل القادم بإذن الله). فقد كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم جمع من العرافين المهرة الذين يحفظون أثار أقدام الناس فيقومون بحفظ آثار السارقين أو المنافقين أو زعماء اليهود أو غيرهم لاقتفاء آثار تحركاتهم، إلا أنه لم يفعل صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا الذي يتحدث عنه الباحث في الاقتباس السابق هو حفظ لبصمات جميع السكان، وليس فقط المشتبه فيهم. وفي هذا خرق لخصوصية الأفراد من غير ذوي السوابق. وحتى يكون هذا الخرق شرعياً فلابد من الفتوى إذاً. ولهذا كتب الباحث هذه المقالة مستشهداً بالسياسة الشرعية. أي أن السياسة الشرعية أصبحت وسيلة لبلوغ الأهداف التي تراها الحكومات والتي عادة ما تظهر كأهداف نبيلة كما يُعلن عنها. ثم سرعان ما تلحظ أن الباحث استشهد بنص من أبي يعلى الحنبلي. لكن لاحظ أن ما قاله أبو يعلى هو عن طائفة من أهل البغي والفساد التي تقطع الطرق والذين على ولي الأمر السعي للقضاء على شرورهم، وهذا الوضع يختلف تماماً عما تحاول الدول المعاصرة القيام به الآن، ألا وهو «مشروع التخزين البصموي على جميع المواطنين». وحتى يكون الأمر مقبولاً تجد أن الباحث يسرد مزايا أو فوائد أو العلل من تحليل هذا الأخذ للبصمات لجميع المواطنين» في خمس نقاط . لندحض هذه النقاط سريعاً.
النقطة الأولى هي أن في خزن البصمات إراحة للناس عموماً ، فهل هذا صحيح؟ والإجابة بالطبع من خلال السؤال: من هذا الذي سيعيش مرتاحاً إن علم أن بصماته مخزونة في مكان ما إلا إن كان من أفراد الحكومة نفسها أو الموالين لها. فعموم الناس لن يكترثوا، هذا إن لم يتضايقوا من وجود بصماتهم في مستودع ما في مكان ما. فبعض الناس قد يشعر بقلق مستمر بأنه قد يأتي يوم ما في مستقبل الزمان ويتم استخدام هذه البصمات من الدولة كأداة للإيقاع به لأن مواقفه السياسية لم توافق توجهات الدولة. أي أن هذا الادعاء بأن في فيه راحة للمواطن والمقيم) غير صحيح. أي إما أن يتضايق بعض الناس أو لن يكترثوا إلا إن كانوا من أهل السلطة. لاحظ أن الاقتباس يركز على عبارة «المواطن والمقيم». وكما سترى في الفصل القادم بإذن الله فإن في هذا التمييز حكم بغير ما أنزل الله.
.
إلا أن المهم هو الآتي: الناس ثلاثة أنواع من حيث دوافعهم للقيام بأعمال عدوانية. النوع الأول: أفراد يفعلون ذلك لاضطرارهم وذلك بسبب فقرهم وقهر المجتمع لهم. فهم شبه مجبرين على ذلك لأن المجتمع وضعهم في هذه المذلة. وهؤلاء قد يقومون بالسرقة أو القتل مرة أخرى لأن المسبب للعدوان لم يتم رفعه، لذلك فلابد من
۱۰۰۸ 🗏
حفظ
بصماتهم كما يقول رجال الأمن. ويندرج تحت هذا أعمال الدعارة وبيع المخدرات. النوع الثاني: أفراد يعتدون خطاً أو قصداً بسبب خلاف طارئ أو سرمدي بين شركاء أو أقارب أو حتى مجرد أصدقاء، كالذي يقتل زوجته شكاً في سلوكها، أو كالذي يقتل أخاه كرهاً فيه لخلاف مالي بينهما وهكذا من أفعال إجرامية لا تمت بشكل مباشر للتركيبة الاقتصادية الأكبر للأمة، بل هي بسبب خلافات أسرية أو جوارية أو مالية. وهؤلاء مهما حاولت الدول حفظ جميع بصمات الأفراد فلن يفلح رجال الأمن في إيقاف مثل هذه الحوادث لأنها عادة ما تكون مفاجئة وتصدر من شخص لا يتوقع منه حدوث مثل هذا العدوان. أي أن الإجرام لن ينقص من هذا الباب بحفظ بصمات جميع أفراد المجتمع. والنوع الثالث : أفراد عدائيون لأنهم يمقتون السلطة ويحاولون التخلص منها بشتى أنواع التمرد باحداث الاضطرابات، أي أنهم على خلاف سياسي مع السلطات. وهم من يطلق عليهم «الإرهابيون» في أيامنا المعاصرة. وهؤلاء أفراد أسوياء أخلاقياً حتى أن بعضهم من العلماء، إلا أنهم يظنون أنهم على الحق لأنهم إنما يصارعون سلاطين يعتقدون أنهم إما خونة أو متخاذلين جبناء أو لا يحكمون بما أنزل الله.
والآن لنتصور أن مقصوصة الحقوق قد طبقت، فإن الكل سيكون في حال معنوي ومادي أفضل، وفي الوقت ذاته فإن قيم أفراد المجتمع أسمى كما سترى بإذن الله. أي أن الدافع للنوع الأول من الإجرام قد انعدم. الدافع للنوع الثاني فلا حاجة لحفظ بصمات جميع أفراد الأمة لمنعه لأنه لا يمكن إيقافه في جميع الأحوال لأنه لا يمكن التنبؤ به. أي أن المجتمع لن يحتاج لحفظ بصمات جميع السكان من هذين الدافعين إن طبقت الشريعة. بقي الدافع الثالث والذي من أجله وضعت مثل هذه الأدوات. أي أن الحكومات وبذريعة أمن العامة وأمن أعراضهم وممتلكاتهم وضعت نظاماً هو أساساً لإفادة من هم في سدة الحكم. أي أن الهدف ليس راحة المواطن بل أمن وراحة
السلاطين وأعوانهم.
غير
أما النقطة الثانية لإيجاد مثل هذا النظام في الاقتباس السابق فهي كما يدعي الباحث أن فيها «تسهيل لمهات كثيرة ينال الراحة فيها شرائح المجتمع والزائرين والقادمين، وربطها بالأجهزة الأمنية داخلياً وخارجياً». وهذا أيضاً صحيح. فمن هذا الذي سيرتاح بأخذ بصماته؟ أما إن كان القصد هو أن المردود الجماعي من فوائد حفظ البصمات سيعود على الكل بطريق غير مباشر برغم انزعاج الأفراد (تماماً كمن يقف عند إشارة المرور الحمراء، برغم أن فيه تعطيل له إلا أن المحصلة تنظيم لمصلحة الجميع)، فإن هذا المنطق أيضاً غير صحيح لسببين: الأول هو أن الفائدة المرجوة من أخذ البصمات لن تتبلور إلا بعد حفظ بصمات الناس للتحقق من أن بصماتهم لا تطابق بصمات المشكوك فيهم. وفي هذا كثير من الإزعاج لعموم الناس والسبب الثاني هو أن الجذر الأهم للإرهاب لم يحل، ألا وهو الدافعين الأول والثالث بالذات، أي الحكومات التي لا تحكم بشرع الله، فهل يعقل أن توقف البصمات شاب لا يبالي بعمره أو أنه على يقين أنه إن استشهد سيدخل الجنة وبالتالي سيقذف بنفسه ليفجرها وسط سوق أو مطعم ؟ بل إن الواقع الذي سينتشر هو عكس ما تنشده عملية جمع البصمات إذ أن هؤلاء الذين يعارضون السلطات بالقوة سيزدادون حرصاً ومهارة في إخفاء بصماتهم. أي أن الحكومات تريد جمع البصمات لملاحقة مثل هؤلاء الذين فشلوا في عمل إرهابي أو متابعة زملائهم للتضييق على تحركاتهم بمراقبتهم، إلا أنها قد تفشل لحرصهم الشديد. بالطبع فإن بعض السابق قد لا يكون مقنعاً لك أيها القارئ إن كنت علمانياً، لأنك تعتقد أنه لابد وأن يكون لجمع البصمات فائدة ما وإلا لما استخدمتها الدول المتقدمة تقنياً. فأجيب: بالطبع إن لها فوائد في الغرب لأنهم لا يريدون
المكون
10.9
تغيير نظامهم الرأسمالي، وهذا النظام يفرز الفقراء، وهؤلاء هم الذين يظهر منهم أكثر المجرمين، لذلك فإن لجمع البصمات فائدة قصوى في ظل ذلك النظام الاقتصادي الذي يرفض سكانه تغييره. أما نحن المسلمون، وكما سترى بإذن الله فإن لدينا البديل، فإن تم الحكم بما أنزل الله لما ظهر المعارضون، أي أن الدافع الثالث سينعدم أيضاً تماماً كالدافع الأول، وبهذا فلن تكون هناك حاجة أصلاً لمثل هذا العمل البيروقراطي الضخم (ولعلك هنا تسأل: ولكن عن مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه، أي أنه قد كانت هناك معارضة سياسية حتى في عصر عليهم ستأتي الإجابة بإذن الله في فصل «الحكم»). أي أن حفظ البصمات مضيعة للكثير من الموارد والمجهودات إذ أن حفظ البصمات وتعديلها يومياً . بسبب الولادات والوفيات عملية منهكة اقتصادية دونما مردود فعلي إلا لمجتمع منحرف. لاحظ الانحراف أخي القارئ من خلال الآتي:
ماذا
الله
الخلفاء رضوان
أما النقطة الثالثة التي يثيرها الاقتباس السابق لضرورة جمع بصمات جميع الناس فهي كما يقول الباحث: «القضاء على التكدس العمالي والهاربين من الكفلاء والضاربين خيامهم في الأحياء الشعبية والشوارع الرئيسية والتجمعات العمرانية والمنشآت السكنية». إن لم تكن أخي القارئ من سكان دول الخليج فقد تتعجب لهذه النقطة ولعلك تسأل: ما معنى التكدس العمالي لهؤلاء الهاربين من الكفلاء؟ إن المسألة ببساطة هي أن أكثر الدول النفطية الغنية لديها نظام عمل للوافدين من غير جنسيات دول الخليج، فكل عامل لا يحق له الدخول إلى الدولة الغنية إن أراد العمل إلا إن كان له مواطن يكفله أو مؤسسة تكفله وهو ما يعرف بالكفيل. وعادة ما يستقدم الكفيل العمالة من دول فقيرة لخدمته، كاستقدام خادمة أو سائق أو كهربائي أو سباك أو حتى طبيب. إلا أن بعض المواطنين يستغلون هذه الميزة (ولا أقول (الحق) التي منحتها لهم دولهم فيستقدمون أفراداً هم ليسوا بحاجتهم على أن يأخذوا من المستقدمين (العمال) مبلغاً مقطوعاً كل شهر مقابل ترك العامل ليعمل ما أراد تحت اسم الكفيل. وهذا ما تحاول الدول النفطية محاربته لأن عدد العمال بدأ في الازدياد مما يستنهك البنية التحتية لهذه الدول وفي الوقت ذاته فإن معظم هؤلاء العمال من طبقة غير متعلمة وقد تعمل فيما هو مشين كالدعارة أو السرقة أو صنع المسكرات أحياناً. وهذا ما يقصده الباحث بأنه من خلال البصمات تستطيع الدولة القبض على هؤلاء الذين لا يغادرون البلاد ومن ثم ترحيلهم. وكما سترى في الفصل القادم بإذن الله فإن مسألة الكفالة هذه أمر مرفوض شرعاً إن طبقت مقصوصة الحقوق. فهذا استحداث من صنع العقل البشري القاصر المبني على الحدود التي تفصل بين الدول الإسلامية. فهل يعقل أن يكفل مسلم مسلم آخر ليعطيه حق العمل؟ إن في هذا حكم واضح بغير ما أنزل الله كما سيأتي بإذن الله، ذلك فإن العلماء ساكتون عنه ويعتقدون أنه من ضرورات العصر، لا بل ويصدرون الفتاوى لتلائم هذا الوضع الفاسد (كما في الاقتباس السابق)، تماماً كمن يوجد علاجاً لمرض الإيدز بدل بذل ذات المال لمكافحة مسبب المرض. ولكنك قد تقول: إن هؤلاء الشاردين من كفلائهم يستنهكون البنية التحتية، وهم في كل مكان بأوضاع مقززة؟ فأجيب: إن أوضاعهم مقززة لأنهم مقهورون، فهم غير ممكنين فكل ربح آت من وراء عملهم يذهب لغيرهم من الكفلاء. . هم يعملون والكفلاء يربحون، وهذا ظلم إلا أن المجتمعات لا تراه لأنها تحكم بغير ما أنزل الله. أما بالنسبة لاستهلاكهم للبنية التحتية، فأجيب لأنك تعتقد أن هناك أوطاناً لجنسيات معاصرة، فلا ترى لهذا العامل الحق في التمتع بالمرافق لأنه أتى من موطن آخر، وحتى إن سكن لعشرات السنين، فإن ابنه سيظل أجنبياً، والسؤال: لم لا يحق له التمتع بنفس الحقوق؟ فما الفرق بين من كان يعيش في نفس المنطقة ومن أتى إليها بحثاً عن
ومع
عمل إن كان مسلماً؟ وللأهمية القصوى لهذا الأمر فقد خصصت له فصلاً كاملاً، وهو الفصل القادم.
۱۰۱۰ 🗏
أما بالنسبة لنقطته أو حجته الرابعة لأهمية البصمات فهو يقول: «سيتم بحول الله من خلال تطبيق المشروع الجديد للبصمات، اختفاء ظاهرة السطو والسرقة والجرائم الجنائية وتسجيله ضد مجهول، ناهيك عن التزوير وسك أختام إقامة وتصنيع الجوازات والتأشيرات». وهنا مسألتان ظهرتا بسبب الحكم بغير ما أنزل الله: المسألة الأولى هي ظاهرة السطو وهي كما ذكرت بسبب الحاجة التي ما نتجت إلا بسبب قفل أبواب التمكين والتي لم تحدث إلا بسبب الحكم بغير ما أنزل الله كما سترى بإذنه تعالى وبالنسبة للجرائم الجنائية فهي كما قلت في الدافع الثاني للجريمة: لا يمكن التنبؤ بها، وعادة ما يقع هؤلاء في أيدي رجال الأمن بعد الجريمة. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى مهدداً كل مجرم أنه سيفتضح أمره إن عاجلاً أو آجلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾. وكما هو معلوم فإنه يندر وأن تجد مجرماً إلا وقد وقع في يد العدالة إن عاجلاً أو آجلاً. فإن كان متعدياً تُحفظ بصماته لأنه قد يعود مرة أخرى إلا أن هذا لا يعني أن تحفظ بصمات جميع الناس والمسألة الثانية هي التزوير لأختام الإقامة وتصنيع الجوازات والتأشيرات، وهذه أيضاً ما ظهرت الحاجة إليها بين الناس إلا لأنهم ممنوعون من الترحال في أرض الله الواسعة التي ضيقها من يظنون أنهم ولاة أمر أي ما ظهرت الحاجة لها إلا بسبب الحكم بغير شرع الله .
وأخيراً حجته الخامسة التي يريد فيها كما يقول: «إتاحة الفرصة للشباب والعاطلين عن العمل في إيجاد أماكن لهم، وتشغيلهم بعد الحجز والاحتكار ممن كشفت البصمات التخزينية أوضاعهم، وعرت مفاسد ضائعهم ومخططات إجرامهم». حتى هنا، فإن البطالة ما هي إلا بسبب قفل أبواب التمكين بسبب الحكم بغير ما أنزل الله. فهؤلاء العاطلون يخططون للإجرام لأنهم مضطرون لذلك. فلقد خلق الله الحق سبحانه وتعالى الإنسان من عدله إنساناً سوياً جبل على الخير وتلافي الظلم، إلا أن قهر المجتمعات المنحرفة هي التي أدت لانحراف هؤلاء. فالشر
ليس إلى الله أبداً.
هكذا أخي القارئ إن تدبرت جميع الحجج تجد أنها بسبب الحكم بغير ما أنزل الله. فهذا الباحث يريد لنا أن نرضى بشيء لن يحتاج إليه المجتمع ويريد أن يجوزه شرعاً من خلال السياسة الشرعية. ناهيك عن الهدر الشديد لمثل هذا المشروع الذي يتطلب إضاعة أوقات الناس والموظفين العاملين في رفع وخزن وتوثيق وترتيب هذه البصمات لعشرات الملايين من الناس. وإن طبق الأمر على العالم الإسلامي بأسره لأن السلاطين وأعوانهم عادة ما يتعاونون فيما بينهم في مثل هذه المسائل خوفاً على أنفسهم كما هو حادث الآن فإن الهدر الناتج من حفظ وتوثيق وترتيب البصمات لمئات الملايين من الناس سيكون مكلفاً للأمة. وهذا مثال واحد ببعض التفصيل عن سوء استغلال السياسة الشرعية لتصبح أداة لتحقيق الرغبات التي لا يساندها الشرع فتتغير مقصوصة الحقوق لتصبح منظومة لا تمت للإسلام بصلة. لذلك أريدك أخي القارئ أن تتذكر دائماً عندما ترى عبارة «السياسة الشرعية» في أي كتاب أو أي فتوى وتسأل هل كانت هذه العبارة معروفة للرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه وصحابته والتابعين من بعدهم أم أنها استحداث؟ وهل لهذا الاستحداث داع؟ للإجابة لابد لنا من بعض التوضيح السريع عن ماهية السياسة الشريعة وكيف كانت في عهد السلف. ولكن قبل ذلك أريدك أن تقتنع بما قاله ابن قيم الجوزية. فهو قد كتب في «اعلام الموقعين» وتحت عنوان: «بين الرسول صلى الله عليه وسلم جميع أحكام الحياة والموت» كلاماً نفيساً كتمهيد قبل حديثه عن السياسة الشرعية إذ يقول أثابه الله :
1-11
۹
المكو
«وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علماً وعلمهم كل شئ حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض وجميع أحكام الحياة والموت. ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف، حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم. وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعـرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره. وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفى عليه. وكذلك عرفهـم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبداً. وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه. وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه. وكذلك عرفهم صلى الله عليه
وسلم من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.
لا حاجة للناس بعد رسول الله ودينه وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما ما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم. وقد كان عمر رضى الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث. فالله المستعان. وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَنًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ . وكيف يشفى ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفى ما في الصدور كتاب يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله أو عامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يعلم انتفاؤها ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
ويالله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له وما يمتنع عليه منهم؟ فوالله لأن يلقى الله عبده بكل ذنب ما خلا الإشراك خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل».
۱۹۰
۱۰۱۲ 🗏
إن السابق (وبالذات الفقرة الثانية تقول بكل بساطة، إننا لن نحتاج لشيء من مسائل الدين غير الذي أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم وسار عليه صحابته من بعده. أي أن الاقتباس السابق وبالذات الفقرة الأخيرة منه يظهر وكأنه مقدمة مفحمة لكل من حاول الإضافة للدين من أي باب ومنها السياسة الشرعية. ثم يضع ابن قيم الجوزية بعد النص السابق مباشرة نص آخر للتوضيح من خلال بعض الأمثلة بعض ما ذهب إليه الإمام أحمد من باب السياسة الشرعية:
«فصل: كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية: وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد رحمه الله في السياسة الشرعية: قال في رواية المروزي وابن منصور والمخنث ينفى لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبسه. وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمراً في نهار رمضان أو أتى شيئاً نحو هذا أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث. وقال في رواية حرب إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان. وقال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر رضى الله عنه أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وكان أشدهم قولاً فقال: إن هذا الذنب لم تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم . : ما قد علمتم أرى أن يحرقوه بالنار. فأجمع رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار. فكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضی الله عنهما بأن يحرقوا فحرقهم ثم حرقهم ابن الزبير، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك. ونص الإمام أحمد رضي الله عنه فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة. وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض. وصرحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما، فإن أبى ضرب حتى يختار. قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه فإنه يضرب حتى يؤديه. وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور».
۱۹۱
لعلك لاحظت من السابق أن السياسة الشرعية بالنسبة للإمام أحمد لم تعن أبداً تدخل الحاكم في استحداث قوانين أو ما شابه من أدوات السيطرة على المجتمع كحفظ البصمات أو جمع الأموال لبناء السدود وما شابه من مصالح افتراضية، بل هي البت في أحوال شخصية لعلها لم تدون عن عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فظهرت الحاجة لإيجاد حكم لجذها أو لعلاجها كالمتزوج من أختين ثم أسلم. أي أن السياسة الشرعية هي في حدود القيم التي تحافظ على المجتمع من الفساد، أي البت في نازلة أو حدث نادر قد وقع أو حدث عادة ما يقع بين غير المسلمين وقد يؤثر في المسلمين أو ما شابه من أحداث تؤثر سلباً في المجتمع، وليس التخطيط لشيء قادم كما هي حال السياسة الشرعية الآن بتقييد المباحات أو فرض الالتزامات، وهذا تمييز مهم. ثم بعد النص السابق يأتي مباشرة النص الآتي والذي إن تأملته لوجدت أنه يدافع عن الشافعي في السياسة الشرعية لاعتباره للقرائن، يقول ابن القيم:
«الشافعي يعتبر قرائن الأحوال وأبعد الناس من الأخذ بذلك [أي السياسة الشرعية] الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع، وقد ذكرنا منها كثيراً في غير هذا الكتاب، منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف وإن لم يرها ولم يشهد عدلان إنها امرأته بناء على القرائن، ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر ، وجواز أكلها والتصرف فيها وإن لم يشهد عدلان أن فلاناً أهدى لك كذا بناء على القرائن ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ
۹
المكو
الهبة والهدية، ومنها جواز تصرفه في بابه بقرع حلقته ودقه عليه وإن لم يستأذنه في ذلك، ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة وإن لم يستأذنه نطقاً وإن تضمن ذلك تصرفهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه، ومنها جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرح له بالإذن لفظاً، ومنها جواز شربه من الإناء وإن لم يقدمه إليه ولا يستأذنه، ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه، ومنها جواز الاستناد إلى وسادته، ومنها أخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره وإن لم يصرح بتمليكه له، ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها و إن لم يستأذنها نطقا إلى أضعاف أضعاف ذلك. وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب؟ وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة؟ وهذا باب واسع وقد تقدم التنبيه عليه مراراً ولا يستغنى عنه المفتى والحاكم».
۱۹۲
۱۰۱۳
لعلك لاحظت أن فيما ذهب إليه الشافعي نفس الملحوظة السابقة على الأمثلة من أقوال الإمام أحمد، وهي أن السياسة الشرعية إن تم الأخذ بها فهي إنما لإيجاد أحكام لنوازل مستجدة قد وقعت أو قد تحدث باستمرار في حياة الناس، وليست قرارات مستقبلية تقييدية بشأن تسيير الأمة. أي أن الأمة تسير دون تدخل السلطان، كل يعمل لكسب قوته، أو يجاهد بحثاً عن الاستشهاد، أو يدرس لطلب العلم، وهكذا، والكل مأجور بإذن الله، وخلال هذه المسيرة للكل تظهر النوازل التي تتطلب الحكم أو الفتوى، فتدخل السياسة الشرعية في الصورة. وليس كما هو مفهوم ومعمول به الآن بأن السياسة الشرعية هي كل قرار الأمة وللسلطان أخذه لما فيه المصلحة (فلا سیر يهم السلطان ولا غيره يمكن لهم إدراك ماهية المصلحة كما مر بنا، وسيأتي أيضاً بإذن الله، لأن العقل قاصر). فقد تجذر هذا المفهوم الخاطئ في الفكر المعاصر بين بعض الباحثين، فعلى سبيل المثال يقول باحث للدكتوراه (الدكتور فوزي خليل) في كتابه عن المصلحة العامة:
«ومن ثم يمكن الانتهاء إلى أن مفهوم السياسة الشرعية - باعتباره أداة في الاستدلال المصلحي على الأحكام - يمتد في إعماله ليشمل نشاط السلطات الدستورية الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية في الموضوعات أو الوقائع والمجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكل ما يجد في واقع الأمة من نوازل ومستجدات تتعلق بها مصلحة عامة تستجلب أو مفسدة عامة تُدرأ ولم يرد بخصوصها دليل معين ولم يوجد لها نظير أو شبيه تقاس عليه، فعلى أولي الأمر صانعي القرارات السياسية حينئذ استعمال السياسة الشرعية كأداة استدلالية في صنع هذه القرارات التي تحقق المصلحة العامة للأمة في هذه النوازل؛ أو تدفع الضرر العام عنها بالاستناد إلى الأصول والقواعد
الكلية في الشريعة».
۱۹۳
سلطنة السياسة الشرعية
وكما ترى من السابق فإن مفهوم السياسة الشرعية انقلب ليصبح وكأنه أداة بيد السلطان لفعل ما يعتقد أو يرى أنه المصلحة. وكما ذكرت مراراً فإن المصلحة ستظهر بتطبيق الشريعة في قضايا التمكين، لا أن تحدد سلفاً لأن العقل قاصر. وهنا يظهر سؤال مهم: كيف إذاً تسللت، أو من خلال من تسللت السياسة الشرعية لتصبح أداة في أيدي السلاطين ؟ لنراجع الآتي مما قاله .. القري معرفاً السياسة الشرعية:
د.
🗏
«السياء
اللغة هي القيام على الشيء بما يصلحه، وهي تتضمن النهي والأمر. والسياسة الشرعية اصطلاح يقصد به الإجراءات التي يتبناها ولي الأمر لتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة، وحفظ مقاصد الشريعة واتباع الشرع وتطبيق أحكامه في إدارة شؤون الدولة. وقد عرفها ابن عقيل بأنها «ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يصفه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به الوحي». وعرفها ابن نجيم بأنها «فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي». فالسياسة الشرعية إذن هي عمل ولي الأمر بالمصالح التي لم يرد من الشارع دليل لها على الخصوص، ولكنها تدخل ضمن الأصول التي شهدت لها الشريعة بالجملة. فهي إذن باب للتوسعة على الحاكم في الأمور السياسية والإدارية المستجدة. وأكثر من توسع في السياسة الشرعية من الفقهاء ابن تيمية رحمه الله في رسالته المشهورة السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، فاعتبر أنها تشمل كل التصرفات التي يقوم بها الولاة والحكام لإدارة شؤون البلاد والنهوض بأمر الدولة لحفظ الأمن وإقامة الحدود وصيانة الأموال والحقوق. وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لتحقيق أهداف تعد من المصالح العامة هو باب من أبواب السياسة الشرعية، ولذلك لزم أن نشير إلى أن تدخل الدولة فيما يعد من صميم مسؤولية ولي الأمر هو أمر لا يثار حوله أي خلاف. فالتدخل لتنفيذ الأحكام الشرعية ولمنع ممارسة المحرمات كالقمار والبغاء والمسكرات والنشاطات القائمة على الميسر والغرر والمخاطرة، والتدخل لرفع الظلم أو حفظ حقوق الأفراد كل هذه أمور لا يعد ولي الأمر ناهضاً بوظيفته على الوجه الأكمل إلا أن يكون مؤدياً لها. ولكن ما يثار حوله الإشكال غالباً هو إصدار التشريعات التي تحد من حرية العمل والنشاط الاقتصادي (وسواه) التي هي في أصلها مباحة في الشريعة».
١٩٤
كما قرأت في الاقتباس السابق فإن مفهوم السياسة الشرعية قد تغير ليصبح مجموعة القرارات أو التشريعات التي هي للسلطان أو للسلطات وذلك للوصول بالأمة لما فيه مصلحتها. فهي كما قيل: «باب للتوسعة على الحاكم في الأمور السياسية والإدارية المستجدة». وهي أيضاً الحق في إصدار التشريعات التي تحد من حرية العمل والنشاط الاقتصادي (وسواه) والتي هي في أصلها مباحة في الشريعة». أي أن الملفت للنظر والأهم هو العبارة الأخيرة من أن ما يثار حول السياسة الشرعية من إشكال هو لأنها غالباً ما تكون تشريعات تحد من حرية العمل أو أنها تشريعات ستصطدم مع الشريعة. وكما ترى أيضاً فإن الاقتباس السابق يستشهد بابن تيمية لأنه عالم مجاهد فذ وذو مكانة رفيعة في الفقه الإسلامي على أنه هو أكثر من توسع في السياسة الشرعية. فهل هذا صحيح؟ يجب أن نتأكد من المسألة أولاً أخي القارئ، ذلك لأن هناك الكثير من الكتابات التي تشير إلى أن أول من توسع في هذا العلم هو شيخ الإسلام ابن تيمية. ولقد وجدت النص الآتي من فتاواه والتي تناقض تماماً ما يقال عنه. فهو يرفض رحمه الله المصالح المرسلة وهي كما هو معلوم الأساس الذي يُعتمد عليه في السياسة الشرعية كما يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف (وسيأتي بإذن الله)، إذ دون تحديد المصالح وماهيتها لن يتمكن كائن من كان من الاجتهاد من خلال
هامش
غ
غ) يقول الدكتور فوزي خليل مستنتجاً مثلاً: «وإذن فإن السياسة لَنْ الشرعية هي السياسة العادلة، لأنها تعبر عن الشريعة وتهدف إلى تحقيق ما تضمنته المصالح. ولهذا فقد بنى ابن تيمية نظريته في إالسياسة الشرعية على قاعدة استخلصها من آية الأمراء في سورة . ولقد نظر ابن تيمية في هذه الآية فوجدها تكشف النساء، هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ ِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عن العروة الوثقى بين السياسة الشرعية والسياسة العادلة، وتتمثل
هذه العروة الوثقى في المصلحة الشرعية العامة، ...» (١٩٥).
المكوس
1015
السياسة الشريعة. فتأمل ما قاله ابن تيمية ما أروع علمه والذي يقول باختصار: إن العقل قاصر لذلك لن يدرك المصالح، وبالتالي فإن ابن تيمية يحذر من استخدام العقل أمام النص لأن مجموع النصوص قد أتتنا بإسلام مكتمل. قال رحمه الله :
«الطريق السابع : المصالح المرسلة وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها المصالح المرسلة. ومنهم من يسميها الرأى. وبعضهم يقرب إليها الاستحسان، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم، ويذوقون طعم ثمرته، وهذه مصلحة، لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفى دفع المضار. وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي، وفى الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعى، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر، وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الاصل، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه. وربما قدم على المصالح المرسلة كلاماً بخلاف النصوص. وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً بناءً على أن الشرع لم يرد بها، ففـوت واجبات ومستحبات أو وقع في محظورات ومكروهات. وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه وحجة الأول أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها. وحجة الثاني أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصاً ولا قياساً. والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين مالم يأذن به الله غالبا. وهى تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك. فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج، وهو رؤية الشيء حسناً. كما أن الاستقباح رؤيته قبيحاً. والحسن هو المصلحة، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان، والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن، لكن بين هذه فروق. والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة، لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة. وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا﴾. وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعاً وحقاً وصواباً ولم يكن كذلك، بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا ومنفعة لهم، فقد ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا. فإذا كان الإنسان يرى حسناً ما هو كان استحسانه أو استصلاحه قد يكون من هذا الباب، وهذا بخلاف الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً، فإن باب جحود الحق ومعاندته غير باب جهله والعمى عنه، والكفار فيهم هذا
سيء،
1.17 🗏
وفيهم هذا. وكذلك في أهل الاهواء من المسلمين ،القسمان فإن الناس كما أنهم في باب الفتوى والحديث يخطئون تارة ويتعمدون الكذب أخرى، فكذلك هم في أحوال الديانات، وكذلك في الأفعال، قد يفعلون ما يعلمون أنه ظلم وقد يعتقدون أنه ليس بظلم هو ظلم، فإن الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ ، فتارة يجهل وتارة يظلم، ذلك في قوة علمه
وهذا في قوة عمله».
١٩٦
رحم الله شيخ الإسلام ما أروع ما قال فإن حاولت توضيح ما قاله فلن أتمكن من وضعها في جمل واضحة كما فعل هو. لذلك وحتى تستوعب أخي القارئ أهمية وعمق ما قاله أرجو قراءة الاقتباس السابق عدة مرات. ففي كل مرة ستكتشف بعداً جديداً من طرحه. لذلك سأظهر لك الآن فقط بعض النقاط لتدرك أنه لم يكن قط السياسة الشرعية برغم أن عنوان كتابه هو «السياسة الشرعية» والذي قد يوحي بذلك. فإن راجعت الكتاب تجد أنه يركز على مجموعة الأحكام والأفعال التي على السلاطين أن يقوموا بها حتى يكون حكمهم موافقاً لشرع الله، وليس كما ظن البعض أنه وضع الأسس التي بها يتمكن السلطان من استنباط ما يحق له أن يفعله إن تغيرت الظروف، وهي بالطبع ستتغير.
مع
هو
أحد
إن أول ملحوظة على المصالح المرسلة في الاقتباس السابق هو تشبيهها بالرأي أو الاستحسان، وفي هذا إشارة واضحة على تعديها على النص. ولتوضيح ذلك يضرب ابن تيمية مثال ما يقوم به الصوفية وأمثالها من الفرق الضالة إذ أن هذه الأنواع من الانحرافات العقدية هي التي كانت منتشرة في زمانه رحمه الله. ثم يبين أن البعض الآخر من الناس يربط المصالح المرسلة بحفظ النفس والمال والعرض والعقل والدين، تماماً كما يفعل بعض المعاصرين كما مر بنا في فصل قصور العقل». فمحاولة الحفاظ على هذه المقاصد دفع البعض لإيجاد تشريعات لا نص فيها. ولنقد هذه التشريعات تجده يقول بأنه قد حصل في الدين اضطراب عظيم»، وأن كثيراً من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل». ثم يؤكد خطأ هذا التوجه بالقول: «وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه. وربما قدم على المصالح المرسلة كلاماً بخلاف النصوص. وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً بناءً على أن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستحبات أو وقع في محظورات ومكروهات. وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه». ثم تجده ينقد بوضوح قصور العقل ويبين أن ما يعتقده العقل مصلحة . أمرين لا ثالث لهما : إما أن الشرع دل عليه من حيث لا يعلم الآخذ بالمصالح المرسلة، أو أن ما اعتقده مصلحة ليس بمصلحة وإن اعتقده المجتهد مصلحة. وهذا بالضبط ما هو حاصل في أيامنا هذه. ففي السابق تجد أن نقد ابن تيمية قوي ضد الفرق المنحرفة عقدياً، وكتاباته ترد على انحرافاتهم لأن هذا كان جل اهتمامه إذ أن السلاطين برغم انحرافاتهم وظلمهم للناس لم يكونوا كما هي حال الحكومات الآن شرسة في تغيير الدين من باب السياسة الشرعية المبنية على المصالح المرسلة. لذلك فهو لم يوجه جل اهتمامه لنقد السياسة الشرعية كأداة في أيدي السلاطين، بل نقد بوضوح ما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف، ولإن عاش الآن ورأى ما تقوم به الحكومات بدعم من بعض الفقهاء بالأخذ بالسياسة الشرعية واستحداثات في الأحكام لقال بأن ما اعتقدوه مصلحة إنما هو ضلال إما لأنهم لم يعلمو المصلحة وإما لأن ما اعتقدوه مصلحة هو ليس بمصلحة. ومعظم الزلات في السياسة الشرعية هي من هذا الجانب الثاني، أي فيما اعتقده السلاطين ووزرائهم ومستشاريهم وفقهائهم مصلحة، وهو في الواقع ليس مصلحة، لأنه ما من مصلحة حقيقية إلا وقد أتى بها الشرع. وقد ضربت
المكون
۱۰۱۷
بعض الأمثلة على هذا سابقاً. وكنت قد ذكرت مراراً أن ما لم يأت به الشرع من نص إنما هو ترك عمداً حتى يكون مساحة مباحة للناس للانطلاق كما ستتأكد بإذن الله ، وليست مساحة ليأتي السلطان ويقيدها. فكل نظام أو قانون أو تشريع تضعه الدول مما لم يأت به الشرع إنما هو قيد على الناس يحد من انطلاقهم في التمكين. وتجد ابن تيمية هنا يشير باصبعه على مكمن الخلل، فهو يقول بأن هؤلاء قد زين لهم سوء عملهم، كالنصارى واليهود الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وكذلك السلطان وأعوانه من أفراد السلطة في الحكومات المعاصرة يرون ما هو سيء وكأنه حسن. وهذا ليس من باب الجحود ظلماً وعلواً ولكن في الغالب من باب الجهل. لذلك تجده يصف حال المسلمين بالقول: «وكذلك في أهل الأهواء من المسلمين القسمان، فإن الناس كما أنهم في باب الفتوى والحديث يخطئون تارة ويتعمدون الكذب أخرى، فكذلك هم في أحوال الديانات، وكذلك في الأفعال، قد يفعلون ما يعلمون أنه ظلم وقد يعتقدون أنه ليس بظلم هو ظلم». ثم يستشهد بقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ . وكذلك السياسة الشرعية في استخدامها المعاصر، فهي تؤدي للتعدي والظلم من الدولة على حقوق الناس، ومن قام بها من المسؤولين لا يرى أنها ظلم، بل يرى أنها ضرورة بسبب جهله، فهو يعتقد أنه ينظم المجتمع بالأنظمة والقوانين. وأينما نظرت في حياتنا المعاصرة تجد الشواهد أمامك التي تقيد الناس بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان. ولضرب مثال سريع، تذكر عند الحديث عن «القوة الحقة» ما تم ذكره من أن الإسلام يحث على تعلم مهارات القتال وما لها من أجر، وقارن هذا بحالنا اليوم إذ أن حمل السلاح يعتبر من المحظورات والتي تهدد أمن المجتمع والدولة كما يزعم السلاطين وأعوانهم. فلا يحق لأحد حمل السلاح إلا بتصريح، فقد رأيت وثيقتان في متحف الملك عبد العزيز بالرياض وقد عرضتا من باب الافتخار (إحداهما بتاريخ ٢٩ محرم ١٣٤٥ هـ والأخرى بتاريخ ٩ محرم ١٣٤٥ هـ بأن الدولة قد منعت بيع وحمل الأسلحة في السعودية من وقت مبكر كدليل على النضج. وهذه دولة تقول أنها تحكم بشرع الله. فما بالك بالدول الأخرى التي تجرم كل من حتى فكر في ابتكار سلاح خارج إطار الحكومة أو حتى تحدث عنه، ناهيك عن خزن الأسلحة التي لا تفسر إلا بأن حاملها لابد وأن يكون إرهابياً يريد استحداث انقلاب ضد الدولة، وما حدث هذا إلا بحسن نية من المسؤولين الذين لم يعارضوهم الفقهاء من حولهم برغم وضوح الخروج عن الشرع في هذه المسألة. هل استوعبت أخي القارئ معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؟ فها هي الأسلحة المباحة شرعاً تصبح ممنوعة في عرف الدول، أي إن لم تحرم نظرياً لأنه لن يجرؤ على قول ذلك أحد من العلماء، فهي
۱۹۷
وكأنها محرمة فعليا.
ب ۲
ولكن بغض النظر عن مواقف جميع العلماء، أي حتى وإن لم تقتنع أيها القارئ بما قاله ابن تيمية، أو حتى إن أثبت باحث ما أن ابن تيمية أو غيره من الفقهاء قبلوا السياسة الشرعية، فالمهم هو الآتي: إن ما أطرحه هنا هو أن أي استحداث عصري يتطلب حكماً شرعياً ولم يأت به الشرع في مقصوصة الحقوق، يجب أن يبقى كذلك دون حكم (أي أن الذي بيننا هو النص)، لأننا إن استحدثنا حكماً بشأنه فإننا نضيق واسعاً هو من حق الناس الذين
هامش
ب٢) يقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله مستنتجاً مثلاً: «وابن تيمية إذ بالمصالح في ذاتها، ويعتمدون على مداركهم الفقهية في تقديرها، وأما يقف من المصالح المرسلة التي لم يشهد لها دليل من الشرع بالنفي أو ابن تيمية فإنه يرى أن كل مصلحة حقيقية وليس وهمية جاء دليل من الإثبات لا يخالف الذين أثبتوها من المالكية أو الحنابلة مخالفة كبيرة الشرع باعتبارها، ثم يتوسع في معنى القياس حتى يتسع لها» (۱۹۸). لأنه في التطبيق الجزئي يفتح الباب كما يفتحون، بيد أنهم يأخذون
۱۰۱۸ 🗏
إن لم نضيق عليهم سيكونون أكثر انطلاقاً وعطاءً وستكون الأمة أكثر عزاً لأنها الأقوى اقتصاداً وبالتالي الأسمى خلقاً كما سترى بإذن الله. فإن أثبت لك أن عدم الأخذ بالسياسة الشرعية في مقصوصة الحقوق (فقط، إذ لا علم لي بمسائل أخرى) سيؤدي لمجتمع أكثر عزاً وقوة وهذا ما يحاول المسؤولون في الدول الوصول له ولكن من خلال عقولهم القاصرة) فلا مفر لك من موافقتي. أي أن الإشكالية التي تبلورها السياسة الشرعية هي في تدخلات السلاطين وحكوماتهم في تقييد المباح أو فرض أفعال على الناس رغماً عنهم ولم يأت بها الشرع. وفي هذا يثير كثير من العلماء السؤال الآتي: هل يجوز لولي الأمر تقييد المباح؟ لنقرأ الملخص الآتي مما كتبه د. القري: «هل يجوز لولي الأمر تقييد المباح؟ إن مسألة تقييد المباح هي من أهم الذرائع لتدخل الدولة، لأن جل قوانين الحكومة التي تحد من حريات الأفراد إنما تكون بإلزامهم بأمور لم تنص الشريعة على إيجابها ، أو منعهم عن أمور لم تنص الشريعة على تحريمها. والمباح هو ما لا يثاب فاعله ولا يأثم تاركه. والمسلم في ذلك بالخيار، إن شاء فعل وإن شاء ترك ولا حرج عليه. فهل يجوز لولي الأمر (أي الحكومة) أن يزيل عنه صفة التخيير فيلزم الناس بترك أمر أو فعله ويجعل المخالف عرضة للعقاب؟ في المسألة خلاف. قال بعض الفقهاء : إن كان في الأمر مصلحة عامة صح أمر ولي الأمر فيما هو مباح لأن طاعته فيما ليس فيه معصية واجبة على المسلم لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ الآية. فإذا أمر به أصبح واجباً وطاعة ولي الأمر واجبة فلا يجوز للمسلم أن يشق عصا الطاعة. ولكن هل يجوز لولي الأمر أن يقيد المباح؟ قال بعضهم : ليس له أن يحرم ما أحل الله ولا أن يحل ما حرمه الله ولا عبرة بأمر المباح نفياً أو إثباتاً. يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ويقول تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية. والمباح ليس منطقة فراغ، ولكنه حكم من أحكام الشرع الحنيف مبني على مصالح ظاهرة. ولذلك فالمباح من التصرفات كان كذلك لحكمة ومصلحة فتغيير حكم المباح إلى واجب أو محرم) فيه مناقضة لمصلحة أصلية نصت عليها أحكام الشارع. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته لأن في الأمر بالمباح أو النهي عنه تضييقاً على المسلمين. والمباح هو أمر الله للمكلف بالتخيير ، فلا يجوز لولي الأمر أن يخالف خطاب الشرع فيأمر به أو ينهى عنه. فالطلاق مباح، فهل يكون لولي الأمر الحق في منعه؟ وهل إن فعل يكون الأمر لازماً؟ والتعدد مباح فهل يجوز له منعه ؟ لا يجوز. والمباح في الشريعة باب واسع هو أوسع مما قيد بالأحكام الأخرى، ولذلك فإن حق ولي الأمر إلزام الناس بمباح أو منعهم عنه فيه تغيير أحكام وتحريم أمور مباحة في أصل الشرع لم تشهد عليه نصوص وقد لا تدل عليه مبادئ الشريعة وأحكامها العامة. فإن أمر بما فيه مشقة، قال بعض الشافعية إن الصحيح عدم وجوب امتثال أمره كأن يأمر بصدقة أو عتق ويجب التنبيه هنا إلى أن كلامنا لا يشمل الأمور التي هي من اختصاص ولي الأمر مثل إعداد الجيوش وقتال الأعداء وتعيين الأمراء والولاة والنهوض بأمر الدولة ... ألخ. لأنها من اختصاص ولاة الأمور قطعاً .... سبق أن ذكرنا أن باب تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي من الأبواب الجديدة في الفقه الإسلامي فلا يوجد نص قطعي الدلالة على معنى التدخل يمكن أن يستند عليه في تبني رأي خاص بهذا الموضوع.
۱۹۹
.«...
إن الاقتباس السابق يؤكد ما ذكرته مراراً ، ألا وهو سيطرة الظروف المعاصرة الملوثة على عقول الباحثين.
فإن نظرت لما كتبه الباحث تجد أنه في إطار الشرع تماماً من خلال سرد الأدلة المقنعة أنه لا يحق لولي الأمر تقييد
المكو
۱۰۱۹
المباح. فتجد الأدلة الواضحة والمقنعة، ثم فجأة يستثني من ذلك اختصاصات ولي الأمر مثل إعداد الجيوش والنهوض بأمر الدولة، ويستمر النص ليدخل في النشاط الاقتصادي على أنه من المستجدات التي لم يأت نص قطعي بمنعها، فيعود كغيره من الباحثين إلى إقرار تدخل الدولة في الاقتصاد، كما مر بنا سابقاً، أي أنه أجاز لولي الأمر تقييد المباح. وهذه هي كارثة السياسة الشرعية تماماً كما وصفها ابن تيمية رحمه الله، ألا وهي أن الناس لا يرون أو لا يعتقدون أن التدخلات من الدولة ظلم لأنه لا نص قطعي من منعها في التدخل بل هي من باب المصالح المرسلة. فهم فقط يرون أن تقييد المباحات في المعاملات الشخصية كمنع تعدد الزوجات مثلاً يعد تدخلاً، أو فرض الإفطار في رمضان على عمال المناجم من باب التنمية الاقتصادية يعتبر تدخلاً، وهكذا.
إلا أن الوضع بين العلماء المعاصرين ليس قاتماً، فهناك من الفقهاء من التزم بالنص، تأمل ما قاله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تعليقه على كتاب «السياسة الشرعية» لابن تيمية في سياق توضيحه للشورى وضرورة التزام السلطان بها : قال رحمه الله (وهناك بعض الكلمات العامية):
«يعني إذا أدلى كل من المستشارين برأيه للسلطان] وأحدهم قال : هذا حرام لأن الله يقول، أو هذا حرام لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول، وجب اتباعه ولا يؤخذ بقول أي واحد حتى لو كان كبيراً عظيماً في الدين والدنيا . فلو فرض أن واحداً من الرعية من هؤلاء المستشارين خالف وقال هذا حرام لقوله تعالى، وجاء إنسان وزير وقال: هذا لا بأس به، من نتبع؟ نتبع الأول. لو قال إنسان المكس حرام ولا يجوز، فقال بعض الوزراء [للسلطان]: المكس حلال تقوم عليه اقتصاد الدولة لأن الدولة ما عندها بترول ولا عندها صناعة، ما فيه إلا أموال الناس؛ أيهم نأخذ؟ الأول ولا نأخذ بقول الثاني حتى لو أتى بكل ما يرى أنه مصلحة قلنا المصلحة ما جاء في كتاب الله وسنة
رسوله».
۲۰۰
لاحظ كيف أن الشيخ ابن عثيمين أثابه الله لا يكترث لكل المصالح، بل فقط الالتزام بالنص. لذلك، وحتى يأخذ الموضوع حقه، أود أخي القارئ أن نمر سريعاً ولو على كتاب واحد فقط متخصص في السياسة الشرعية لدحض هذه الأداة التي أسيء استخدامها (والله أعلم).
عبد الوهاب خلاف
إن كتاب الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله من أهم الكتب في السياسة الشرعية وأقدمها من بين كتابات المعاصرين. فهو من أوائل من درسوا المسألة ووضعوا خطوطها العريضة . فهو يقول في مقدمة كتابه معرفاً:
«وقد استبان لنا أن كلمة السياسة الشرعية اختلف المراد بها في عبارات المسلمين: فالفقهاء أرادوا بها التوسعة على ولاة الأمر في أن يعملوا ما تقضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الدين وإن لم يقم علیه دلیل خاص. قال صاحب البحر في باب حد الزنا وظاهر كلامهم ههنا أن السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي». فالسياسة الشرعية على هذا هي العمل بالمصالح المرسلة لأن المصلحة المرسلة هي التي لم يقم من الشارع دليل على اعتبارها أو إلغائها. وغير الفقهاء أرادوا بها معنى أعم من هذا يتبادر من اللفظ ويتصل باستعماله اللغوي وهو تدبير مصالح العباد على وفق الشرع. قال المقريزي في خططه: ويقال ساس الأمر سياسة بمعنى قام به.
۱۰۲۰ 🗏
وهو سائس من قوم ساسة وسوس وسوسه القوم جعلوه يسوسهم ... » . «فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، ثم رُسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال، والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية علمها من علمها وجهلها من جهلها. وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتباً متعددة، والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها». ولما كان هذا المعنيان غير متباينين وبينهما صلة وثيقة من ناحية أن تدبير المصالح على الوجه الأكمل لا يتم إلا إذا كان ولاة الأمر في سعة من العمل بالمصالح المرسلة، وكذلك البحوث المقررة هي شعب من المعنيين، فليس يمنع أن يراد بالسياسة الشرعية معنى يعم المعنيين وينتظم جميع البحوث المقررة. وعلى هذا فعلم السياسة الشرعية علم يُبحث فيه عما تـدبـر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص. وموضوعه النظم والقوانين التي تتطلبها شؤون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس وحاجاتهم. وغايته الوصول إلى تدبير شؤون الدولة الإسلامية بنظم من دينها، والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان . . .
لقد بدأ الشيخ عبد الوهاب خلاف دراسة السياسة الشرعية سنة ١٣٤٢هـ الموافق لسنة ١٩٢٣م. وكما هو معلوم فإن هذه الفترة، أي أوائل القرن العشرين الميلادي، هي فترة تبلور الغزو الحضاري الغربي على العالم الإسلامي ومنها مصر. لذلك، والله أعلم، فإن ما كان يراه كل مفكر يحمل هم . تخلف الأمة آنذاك . هو الفارق الهائل بين حال المسلمين وحال المستعمرين من قوة وتنظيم مجتمعي. فلابد لهذا الوضع من تأثير على فكر معظم الباحثين الذين قرنوا القوة لدى الغرب بقوة الدولة التي كان لها أن تسن القوانين لتوجيه أفراد الأمة في الغرب للمزيد من الإنتاج والقوة. وهذا ما تلحظه في الاقتباس السابق إذ أنه يوسع دائرة السياسة الشرعية تعاطفاً مع الحكومة. فهو يبدأ كتابه بالبحث عن المعنى الدقيق للسياسة الشرعية ليصل إلى استنتاج أن الفقهاء أرادوا بها التوسعة على ولاة الأمر في أن يعملوا ما تقضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الدين وإن لم يقم عليه دليل خاص». ثم يستنتج أن السياسة الشرعية هي العمل بالمصالح المرسلة والتي لم يقم من الشارع دليل على اعتبارها أو إلغائها، وأرجو أن تلحظ هنا أن هذا هو موقف بعض الفقهاء وليس جميعهم، إذ أن هناك من الفقهاء مثل الشافعي ممن ذهبوا إلى أن المصالح قد أتي بها الشرع فلا حاجة للمصالح المرسلة كوسيلة لاستنباط الأحكام ثم يقول أن «غير الفقهاء» (وهذا توضيح مهم): «أرادوا بها معنى أعم من هذا يتبادر من اللفظ ويتصل باستعماله اللغوي وهو تدبير مصالح على وفق الشرع». لاحظ النقلة في التعريف التي قفزت وأدت إلى تبني «تدبير مصالح العباد». ثم بعد الاستناد على تعريف المقريزي يقول: «فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، ثم رُسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال». هنا أريدك أخي القارئ أن تتدبر كيف أنه مزج مفهوم السياسة الشرعية ونقلها من أنها إيجاد أحكام لمخالفات تقع من الناس كما ركزت سابقاً) إلى استحداث أحكام وكأنها قوانين تسن لرعاية المصالح وانتظام الأحوال كما يقول. لذلك تجده يقول بأن السياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، وهي ما قصده فقهاء السلف، وفي مقابلها السياسة الظالمة والتي تحرمها الشريعة. ولأن العلاقة بين السياستين كما يقول: «غير متباينين وبينهما صلة وثيقة» من حيث «تدبير المصالح على الوجه الأكمل» فإنه يعتقد أن السياسة الشرعية لابد وأن تكون من خلال التوسعة على ولاة الأمر في العمل بالمصالح المرسلة. ثم هو يقر بالدمج بين المعنيين، أي الدمج بين إيجاد الأحكام للمخالفات التي لا نص فيها وبين استحداث القوانين التي تسير
العباد
المكون
۱۰۲۱
مصالح العباد. وهذا واضح من قوله في الاقتباس السابق
بموا
«فليس يمنع أن يراد بالسياسة الشرعية معنى يعم المعنيين وينتظم جميع البحوث المقررة. وعلى هذا فعلم السياسة الشرعية علم يُبحث فيه عما تدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص. وموضوعه النظم والقوانين التي تتطلبها شؤون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس وحاجاتهم. وغايته الوصول إلى تدبير شؤون الدولة الإسلامية بنظم من دينها، والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان».
إن السابق أخي القارئ دمج مستحدث لمفهوم السياسة الشرعية. فهو قد نقل السياسة الشرعية من كونها أداة للسلطان ليحكم فيما وقع فيه الناس من مخالفات (مثل التعزير لفعل ما) إلى استحداث الأنظمة والقوانين، ذلك لأن في استحداث الأنظمة تقييد للمباح مثل منع اقتناء الأسلحة أو منع إحياء الموات أو منع . إنشاء مصنع ما إلا وافقات حكومية (وفي هذا تثبيط كبير لانطلاق الأمة كما سترى بإذن الله، وهذا أكثر ما تؤدي إليه الأنظمة، أي تقييد المباحات؛ أو أن في استحداث الأنظمة تحليل الحرام مثل القول بجواز الإفطار في رمضان لعمال المناجم لما في ذلك من مصلحة اقتصادية على الأمة. أي أن هناك اعتداء قد وقع كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، أو كذب على الحق سبحانه وتعالى قد وقع كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾
ولكنك قد تقول: إن كلام الشيخ خلاف رحمه الله واضح وهو أن أي استحداث لابد وأن يكون في إطار الشرع (وسيأتي اقتباس لذلك، ففي منع اقتناء الأسلحة خرق واضح للشريعة، أي أن السلاطين هم الذين أساؤوا استخدام السياسة الشرعية، فالعيب في طريقة الاستخدام وليس الأداة (أي السياسة الشرعية)! فقد يكون الاستخدام في إطار الشريعة فأجيب: إن للشريعة دائماً في مقصوصة الحقوق موقفاً واضحاً كما ذكرت مراراً وهو جذ الأمور من جذورها دون أدنى مخاطرة كما رأينا في الديوان ولضرب بعض الأمثلة من خارج مقصوصة الحقوق: فإن الشريعة حرّمت حتى سرقة بيضة لا تغني ولا تسمن من جوع، إذ أن هذا قد يسحب المرء للمزيد، وحرمت كشف ساعد المرأة برغم أن هذا قد لا يثير الرجل إلى مرحلة الزنى ولكنه قد يشده إليه. وهكذا تجد أن الشريعة تقفل هذه الأبواب وبالذات في مقصوصة الحقوق فهي تجذها جذاً. وحتى لا يدخل المجتمع في نقاش (والله أعلم) هل هذا القانون المستحدث هو من السياسة الشرعية المباحة لأن المصلحة فيه واضحة أم أنها خرق لأصول الشريعة، فقد وضعت الشريعة مقصوصة من الحقوق لا تؤدي أصلاً إلى الحاجة إلى اللجوء إلى السياسة الشرعية. ذلك لأننا إن طبقنا مقصوصة الحقوق فإن المجتمع سيستغني عن تدخل السلطان في تسيير أمور الناس، إلا إن وقع نزاع بين الناس فيقضي بينهم. وهذا ما قصد به السلف من أن الشريعة لا تمانع التوسعة على الحكام في فصل الخلاف بين الناس أو إيقاع العقاب المناسب الذي لم يأت به نص دقیق کالتعزیر ، وليس استحداث القوانين التي تحرم ما أحل الله وتحلل ما حرم الله. أي أنه يجب ألا تقع السياسة الشرعية كأداة في أيدي السلاطين لأنهم سيسيؤون استخدامها لا محالة كما أثبت لنا التاريخ وكما هو حادث الآن.
۱۰۲۲ 🗏
ومن جهة أخرى فإن حكمة الشريعة من جذ السياسة الشرعية هو أنه إن حدث جدل في المجتمع عن جدواها كأداة في أيدي السلاطين فإن كفة السلاطين هي الغالبة لأن من حولهم من الفقهاء سيجيزون لهم استخدامه. لذلك جذته الشريعة من جذوره، والله أعلم . فليس هناك أثر قط عن إثارة الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المسألة أو الإشارة إليها. فهل يعقل ألا يوجه رسول عالم الغيب والشهادة إلى استخدام مثل هذه الأداة المحورية المهمة لسير الأمة أم أنه نسيها والعياذ بالله ؟ ثم يقول الشيخ خلاف معززاً استنتاجه في موضع آخر من كتابه مستدلاً بابن عقيل وابن قيم الجوزية:
مخالفاً
«فالسياسة الشرعية هي تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين. وبعبارة أخرى، هي متابعة السلف الأول في مراعاة المصالح ومسايرة الحوادث. والمراد بالشؤون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء كانت دستورية أم مالية أم تشريعية أم قضائية أم تنفيذية، وسواء أكانت من شؤونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية. فتدبير هذه الشؤون والنظر في أسسها ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع هو السياسة الشرعية. وليس يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن من شؤون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة. وهذه أقوال بعض العلماء التي توضح هذه الوجهة: فقد نقل علاء الدين في كتابه معين الحكام عن الإمام القرافي قال: «واعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس . للشرع، بل تشهد له القواعد الشرعية من وجوه أحدها: أن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف العصر الأول ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية لقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار)، وترك هذه القوانين يؤدي إلى الضرر .. ويؤكد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج. وثانيهما: إن المصلحة المرسلة قال بها جمع من العلماء وهي المصلحة التي لم يشهد لها الشارع باعتبارها ولا بإلغائها. ويؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمطلق المصلحة « لا لتقدم شاهد بالاعتبار»، نحو كتابة المصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر، وتدوين الدواوين، وعمل السكة، واتخاذ السجن، وغير ذلك من كثير لم يتقدم فيه أمر أو نظير، وإنما فعل المطلق المصلحة. وثالثها: أن الشرع شدد في الشهادة أكثر من الرواية واشترط في الشهادة العدد والحرية لتوهم العداوة ...». ونقل ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية عن ابن عقيل قال: «السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي. ومن قال لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فقد غلط وغلط الصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن، وكفى تحريق علي الزنادقة وتحريق عثمان المصاحف ونفي عمر نصر بن حجاج». قال ابن القيم في الطرق الحكمية: «وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعاً أنها حق مطابق للواقع ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم]، وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم. والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر. فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شراً طويلاً وفساداً عريضاً فتفاقم الأمر وتعذر
۹
المكو
استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله. وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات». ٢٠٢
۲۰۲
۱۰۲۳
إن حللنا السابق نجد أنه بدأ بتوسيع دائرة التعريف لتخرج إلى تنظيم حياة الناس. فهو يبدأ بتعريف السياسة الشرعية على أنها «تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية». وأن هذا التعريف هو ما يجب أن يكون حتى «وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين». ثم يذهب أبعد وأبعد بتعريف المراد بالشؤون العامة للدولة على أنها «كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء كانت دستورية أم مالية أم تشريعية أم قضائية أم تنفيذية، وسواء أكانت من شؤونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية». وهذا التعريف بالطبع حتى وإن تم الاشتراط بأن يكون في إطار الشرع، لهو تعريف قد يضع الأمة المسلمة كأي دولة علمانية من حيث النظم المالية والإدارية ولكن بسكان يصلون ولا يسكرون. ولتأكيد استنتاجه يقول: «وليس يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن من شؤون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة». وكما ترى من العبارة السابقة فإنها عبارة تقول بكل صراحة أن العقل يستطيع أن يدرك المفاسد ويحقق المصالح برغم أنها وضعت في حدود الشريعة. وهنا التي بدأنا بها الكتاب وهي أن العقل قاصر ، وهي ما أكده ابن تيمية رحمه الله بأن العقل لن يدرك
نعود للنقطة
المصلحة.
ثم بعد ذلك يستشهد بالقرافي (وهو مالكي المذهب ويأخذ بالمصالح المرسلة والذي يصل لاستنتاجه بجواز التوسعة على الحكام من خلال السياسة الشرعية من عدة وجوه وحتى ندحض استشهاده بالقرافي لابد من إعادة النظر في هذه الوجوه: الوجه الأول هو أن الفساد قد كثر وانتشر لذلك فلابد للسلطان من أداة تعينه على كبح الفساد. وهنا كما ترى فإن ما يريده القرافي من التوسعة يهدف إلى القضاء على الفساد المنتشر، وهذا ما ظهر إلا لتغير أحوال الناس بسبب تغير نفوس السلاطين الذين لم يحكموا بشرع الله لأن ما لديهم من أموال بسبب الديوان والمكوس جمع لهم بطانة تعينهم أو قد تدفعهم للحكم بالأهواء. فعندها تتغير القيم من قمة الهرم الإداري في المجتمع وبالتالي يتغير الأفراد، وهذا ما يحاول هذا الكتاب إثباته. ولكن لنقل بأن هذا المنطق غير مقبول لك أيها القارئ، فإن ما يدعو إليه القرافي هو التوسعة على السلطان لتمكينه من إيقاف الفساد، أي إعطائه المزيد من السلطة لردع أفعال قد سبقت، مثل قطع الطريق، وليس التوسعة لتقييد مباح مثل منع الناس من إنشاء فشتان بين الحالين. وأما الوجه الثاني فهو مسألة خلافية، فلم يقل الشافعي مثلاً بالعمل بالمصالح المرسلة. وهنا
مصنع
ما،
١٠٢٤ 🗏
يستدل القرافي بأن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار» مثل كتابة المصحف. وهذه عبارة مهمة أي عبارة: «لا لتقدم شاهد بالاعتبار»، لماذا؟ يقول ابن أمير الحاج صاحب «التقرير والتحبير» في المصالح المرسلة موضحاً مزيداً من الأمثلة لما قام به الصحابة:
وهي التي لا يشهد لها أصل بالاعتبار في الشرع ولا بالإلغاء وإن كانت على سنن المصالح وتلقتها العقول بالقبول، أثبتها مالك والشافعي في قول قديم، ومنعها الحنفية وغيرهم منهم أكثر الشافعية ومتأخرو الحنابلة لعدم ما يشهد لها بالاعتبار ولعدم أصل القياس فيها كما يعرف مما تقدم في المرصد الأول من فصل العلة، فلا حاجة إلى إعادته وأما قول القرافي المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون «شاهداً بالاعتبار»، ولا يعنى بالمصلحة المرسلة إلا ذلك، ومما يؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقديم شاهد بالاعتبار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير وكذلك ترك الخلافة شورى وتدوين الدواوين وعمل السكة للمسلمين واتخاذ السجن، فعمل ذلك عمر رضي الله عنه، وهذه الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان رضي الله عنه، وتجديد أذان في الجمعة بالسوق وهو الأذان الأول، فعله عثمان ثم نقله هشام إلى المسجد، وذكر كثير جداً لمطلق المصلحة، وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى بالغياثي أموراً وجوزها وأفتى بها، والمالكية بعيدون عنها وجسر عليها وقالها للمصلحة المطلقة، وكذلك الغزالي في شفاء الغليل مع أن الإثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة انتهى فلا يخفى ما فيه لمن تتبع وحقق والله
سبحانه أعلم»."
۲۰۳
تلحظ أخي القارئ أن جميع الأمثلة على المصالح المرسلة إن استثنينا الديوان والسجن (وقد تم نقد الديوان) ليست إلا أفعالاً محددة لظرف محدد وليست قانوناً للتطبيق المستقبلي يُفرض على الأمة في حقوقها (مثل فرض قانون منع إنشاء أي مصنع إلا بموافقات)، أي أن الأمثلة ليست من مقصوصة الحقوق. فكتابة المصحف أمر لا يدخل في فرض قوانين تحلل حراماً أو تحرم حلالاً، وكذلك ولاية العهد وعمل السكة والأوقاف بإزاء المسجد وأذان الجمعة. وبالنسبة للسجن فكما سيأتي بإذن الله، فقد أصبح مع تقادم الزمن مكاناً لزج من يعادون السلطان أكثر من كونه مكاناً لحبس المجرمين. فلا جريمة إلا وقد أتى الشرع لها «بحدود» واضحة إن استثنينا القليل من المستحدثات والتي أوجد لها الفقهاء الحد المناسب بالقياس، لدرجة أنه إن طبقت الشريعة (كما سيأتي بإذن الله) فلن تكون هناك حاجة للسجن إلا فيما ندر (كربط الذي أسلم بعد سماع القرآن الكريم في المسجد)، فلم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن لمعارضيه السياسيين كالمنافقين. وكما هو معلوم فإن في استحداث السجون هدر كبير لموارد الأمة من حيث إنشائها وصيانتها والإنفاق عليها وما تحتاجه من عمالة لا تنتج منتجاً يفيد الأمة. ولكنك قد تسأل: وماذا عن ولاية العهد كشاهد بالاعتبار؟ ففي ولاية العهد خرق كبير «للحدود» لأن من سيصل للحكم قد لا يكون الأكفأ مما قد يغير مقصوصة الحقوق ! فأقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بذلك أولاً، والأهم هو أنه إن طبقت مقصوصة الحقوق مرة واحدة كما جاءت في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، ولم يتدخل الفقهاء بتغييرها من خلال المصالح المرسلة مثلاً، فإن ورّث السلطان الحكم فلن يتمتع من جاء من بعده بمسؤوليات تمكنه من تغيير مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله لأن مقدراته محددة (وهناك تفصيل سيأتي بإذن الله). ولكن ماذا عن عبارة «لا لتقدم شاهد بالاعتبار » ؟ لننظر للاقتباس الآتي من كتاب «الإحكام» للآمدي إذ يقول:
۹
المكو
نقل عن
النوع الرابع المصالح المرسلة وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها إلى معتبرة وملغاة، وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء، وبينا ما يتعلق بالقسمين الأولين ولم يبق غير القسم الثالث وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل، وهذا أوان النظر فيه. وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به وهو الحق إلا ما مالك أنه يقول به مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل النقل إن عنه صح. فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعاً، لا فيما كان من المصالح غير ضروري ولا كلي ولا وقوعه قطعي، وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين بحيث لو كففنا عنهم لغلب الكفار على دار الإسلام واستأصلوا شأفة المسلمين، ولو رمينا الترس وقتلناهم اندفعت المفسدة . عن كافة المسلمين قطعاً غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له. فهذا القتل وإن كان مناسباً في هذه الصورة والمصلحة ضرورية كلية قطعية غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة. وإذا عرف ذلك فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها و إلى ما عهد منه إلغاؤها، وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين وليس الحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار » يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى.
٢٠٤
.«...
.
١٠٢٥
لأوضح المسألة بنوع من البعد عن المصطلحات الفقهية: إن نظرت للسابق ولكتابات أخرى فمن الواضح أن الاختلاف بين الفقهاء (في العمل بالمصالح المرسلة وبالتالي في شرعية السياسة الشرعية كما وصفها المعاصرون من توسيع على السلاطين فيما لا نص فيه)، هو اختلاف يتمحور حول دور العقل: أي هل يستطيع العقل أن يحدد المصلحة أم لا؟ إلا أن كلا الطرفين يبحثان عن سابقة أو نازلة أو حدث وقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو صحابته مما يمكن أن يقاس عليه لإيجاد الحكم، وهو ما يقصده الفقهاء من استخدام التعابير مثل: «شـاهـد بالاعتبار» أو «لا لتقدم شاهد بالاعتبار » أو «لم يشهد لها أصل بالاعتبار ولا بالإلغاء» أو ما شابه من عبارات. فإن وجد شاهد فإن من لا يعتقدون أن العقل مقدم على النص (أي أن الإسلام أتى بجميع المصالح)، ينظرون لهذا الشاهد على أنه دليل قياسي للتطبيق على وضع معاصر، وهؤلاء هم أهل الحديث في الغالب. أما إن لم يوجد شاهد يعتد به (ولأن المصلحة مطلقة وواضحة فإن من يعتقدون أن الدين لم يغط جميع المصالح لاستحالة ذلك بالنسبة لهم (وأن هناك سعة لابد من تغطيتها بالاجتهاد)، فإن هؤلاء يأخذون بالمصالح المرسلة وبالتالي السياسة الشرعية دون الإصرار على إيجاد شاهد للاعتبار وبالذات إن كانت المصلحة مطلقة وواضحة، ولنقل بأن هؤلاء هم أهل التطوير أو بالأصح أهل التغيير. وهنا الإشكالية التي يصطدم فيها كتاب «قص الحق» مع الطرفين وذلك للآتي:
كالمسافة
كما ذكرت سابقاً فإن الاجتهاد يقع في ثلاث حالات : اجتهادات للنظر في علاقة الإنسان مع ربه، المطلوبة لقصر الصلاة في عهد السيارات مثلاً ، واجتهادات للنظر في علاقات الناس فيما بينهم كالبيوع في عهد الشبكة الحاسوبية العنكبوتية (الإنترنت) مثلاً، واجتهادات للنظر في علاقات الناس مع الدولة في زمن العولمة مثلاً. بالنسبة للحالة الأولى فهي خارج دائرة التمكين ومقصوصة الحقوق كما ذكرت. وبالنسبة للحالة الثانية فستأتي في باقي الكتاب وبالذات في فصلي «الفصل والوصل» و «البركة» بإذن الله . والذي يهمنا الآن هو الحالة الثالثة، أي علاقة الفرد مع الدولة: فإن نظرنا للسياسة الشرعية، نجد أنها تنصب غالباً في علاقات الأفراد مع الدولة، مثل فرض المكوس، غير أنه توجد تقنينات أو تنظيمات من الدولة على العلاقات بين الأفراد أي ليس لعلاقات بين الأفراد
١٠٢٦ 🗏
والدولة)، مثل فرض التسعير والذي هو لمصلحة المستهلك في الغالب. وكما وضحت سابقاً أيضاً، فإن مقصوصة الحقوق تتأثر دائماً بتدخلات الدولة عند فرض القوانين أو الأنظمة أو تقييد مباحات أو ما شابه من تدخلات. أي أن مقصوصة الحقوق تتأثر بالسياسة الشرعية حتماً. وفي هذه الحالة الثالثة نأتي لنوعين من القرارات التي تتخذها الدولة إن تدخلت من باب السياسة الشرعية: قرارات لحظية لعلاج أمر قد وقع أو أنه سيقع قريباً، كالذي ذكره الآمدي من مثال تترس الكفار بجماعة من المسلمين ولنطلق عليها عبارة قرارات لحظية»؛ وقرارات مستمرة، أي ليست لحظية وتأتي بعد دراسة لمحاولة تحسين حال المسلمين كالتدخل في تحديد أسعار إيجار الأماكن أو كالقول بضرورة التعليم لإيجاد نشء قوي، وهذا لا يكون إلا بالأموال، فإن لم يكن للدولة موارد مثل النفط فلا مفر من الضرائب إذ أن المصلحة في التعليم واضحة بالنسبة لمن يقولون بجواز العمل بالمصالح المرسلة. ولنطلق على هذا النوع من القرارات عبارة قرارات مستمرة». والطرح الذي يقول به كتاب «قص الحق» هو أن الشريعة كانت ولا تزال واضحة وضوح الشمس تجاه هذين النوعين من القرارات بطريقة لن تحتاج فيها الأمة حتى للنقاش حول إيجاد شاهد للاعتبار، أي استخدام السياسة الشرعية كتوسعة للحكام. كيف؟
قلت أن القرارات نوعان: قرارات لحظية وقرارات مستمرة. فبالنسبة للقرارات اللحظية والتي لم يأت بها نص ولا شاهد بالاعتبار والتي قد يحتاج فيها السلطان إلى توسعة (كما يقول أهل التغيير)، فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم بالشورى عند اتخاذ القرار. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ . والسؤال هو : لماذا أمر سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بالشورى إن كانت هناك نصوص فقهية مثل: (لا ضرر ولا ضرار أو كتلك التي عن التسعير أو ما شابه من نصوص ويمكن الرجوع إليها؟ والإجابة هي والله أعلم أن هناك أحداثاً لم يُرد لها سبحانه وتعالى أن توضع في إطار تنظيمي مما يقيد المجتمعات مستقبلاً، بل المجتمعات بحاجة لحكم مختلف في كل مرة من خلال الشورى لمثل هذه القرارات اللحظية. أي أنه سبحانه وتعالى بعلمه الغيب يعلم أن الأمثل للمجتمعات هو اتباع نمطين من اتخاذ القرار: نمط بحاجة للشورى، وهو القرارات اللحظية، ونمط بحاجة للنص أو مقيد به، وهو القرارات المستمرة أي أن كل نازلة أو حادثة تقع على المسلمين وليس لها سابقة كدليل (أي ليس لها شاهد بالاعتبار) أو أنها لا تندرج تحت نص، فيجب على السلطان أن يستشير أهل الحل والعقد في تلك النازلة أو الحادثة «بالذات» وذلك لأن كل نازلة لابد وأن تكون بالضرورة مختلفة عن الأخرى لأن الزمان والمكان أو أحدهما قد تغير، لا أن يقوم السلطان بوضع نظام أو قانون لفعل كذا في حالة كذا. أي لا حاجة للشاهد للاعتبار فيما لم يأت به نص من قرارات لحظية إلا للاستنارة والاقتداء قدر المستطاع، ولكن ليس للإلزام بالاتباع الحرفي لأن النوازل لابد وأن تكون مختلفة. أي أن الأمثلة التي كشاهد للاعتبار (مثل كتابة المصحف أو كيفية التعامل مع من تترس خلف المسلمين أو توسعة المسجد الحرام أو استحداث الأذان الأول) ليست دليلاً أو شاهداً على صحة مبدأ أو قاعدة المصالح المرسلة لأنها أتت من خلال الشورى لقضية واحدة لا تتكرر إلا في ذات الموضع وذات التاريخ، فلا يصح إسقاطها على القرارات المستمرة كدليل، مثل قرار منع استحداث المصانع إلا بموافقات السلاطات أو قرار فرض الضرائب، فمثل هذه القرارات بحاجة لنص. وإن لم يكن هناك نص فلا يحق لنا البحث في التاريخ الإسلامي عن شواهد للاعتبار لأننا إن فعلنا
استخدمت
المكو
۱۰۲۷
سحبنا الأمة للفساد والمذلة لأن مقصوصة الحقوق ستتغير. وهذا ما يحاول كتاب قص الحق» إثباته: ألا وهو أن القرارات نوعان بيد السلطان قرارات تؤدي لتنظيم أو تخطيط مستقبلي، وهي القرارات المستمرة، وهذه عرضة للأهواء إن تُركت للسلطان ، ، وهي ستزيد من صلاحياته على حساب حقوق الناس إن أخذنا بالسياسة الشرعية، لذلك فهي بحاجة لنصوص، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق)، وهذه القرارات المستمرة يجب ألا توضع إلا بالنصوص وإلا فهي من إنتاج عقل قاصر وليس من إنتاج الشريعة. أما القرارات اللحظية مثل: هل نهجم على الأعداء أم لا، وهل نوسع منطقة منى لزيادة أعداد الحجيج أم لا، فهذه بحاجة للشورى ، وهذه لن تؤثر في مقصوصة الحقوق لأنها قرارات لحظية أو مكانية. ولكن الذي حدث هو أن ما تم اتخاذه من قرارات لحظية في عهد السلف أسقطه بعض الفقهاء كتوسعة للسلاطين من خلال السياسة الشرعية على القرارات المستمرة. هذا بالنسبة لدحض من يقول أنه لابد من حادثة أو نص لتطبيق السياسة الشرعية، أما بالنسبة لدحض من قالوا بأن الدين يتغير ليلائم تغير الزمان من خلال الاستناد إلى السياسة الشرعية: فكل ما أقوله لهم هو أنه مع المزيد من الأخذ بالسياسة الشرعية فإن الإسلام من حيث الحقوق سيشبه والعياذ بالله أي نمط بشري للحكم كالرأسمالية أو الاشتراكية.
ولعل السؤال هو : لماذا لا يساير كتاب «قص الحق من يقولون بالعمل بالسياسة الشرعية إن وجدت سابقة أو شاهد بالاعتبار؟ والإجابة هي كما أحاول أن أثبت: إن أي قرار بحاجة لحكم شرعي ولم تأت الشريعة به (أي لا نص من القرآن الكريم أو السنة المطهرة حيال الحكم فلابد وأن يبقى القرار كذلك دون حكم كما أرادت الشريعة لأن في ذلك المصلحة بعينها. فكما ذكرت سابقاً في الحديث عن الوسطية مثلاً، فإن هناك مساحة أو سعة تركتها الشريعة عمداً دون أحكام ليس نسياً منه سبحانه وتعالى وليس لأنها ليست مهمة وليس لأن الإسلام لم يدركها لأن الزمن قد تقادم، بل لأن في تركها دون حكم شرعي ضرورة لانطلاق الأمة كما سيأتي بإذن الله في فصل «المعرفة». لأضرب بعض الأمثلة: لا وجود لأي نص عن حفظ آثار الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يحق للسلطات إذا حفظ بصمات أو آثار جينات أو أقدام الناس للتبع نشاطاتهم أو تحركاتهم. أمثلة أخرى: لم توجد جهة إدارية تدير شؤون المدينة كالبلديات، ولم توجد حدود لا تُعبر إلا بالجوازات، ولم توجد وزارات تمنع إنشاء المصانع إلا بموافقات، ولم توجد، ولم توجد جميع هذه المثبطات التي ما وضعت إلا تحت شعار السياسة الشرعية التي أسيء استخدامها. أي أن الشريعة من خلال مبدأ الشورى للقرارات اللحظية تحاول جذ ظهور السياسة الشرعية، وفي هذا فائدة قصوى للأمة كما سيأتي بإذن الله لأن الأعراف التي تحكم معظم التفاعلات بين الناس ستكون هي الحكم (بفتح الحاء) في معظم الأحيان، وهذه الأعراف تتبلور للأفضل إن لم تقيد السلطات أفراد المجتمع. فلا يعني عدم ظهور البلديات مثلاً أن العمران سيكون فوضى، بل سيكون أفضل جودة وأجمل منظراً كما سترى بإذن الله . الآن لنعود ونكمل ما قاله عبد الوهاب خلاف.
وبالنسبة لما نقله عبد الوهاب خلاف عن ابن عقيل، فإن تأملته لوجدت أنه يميل لعمل العقل. فابن عقيل يقول بأن السياسة ما كان معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي». والسؤال هو : من يعرف وكيف نعرف ما هو أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد إن لم يكن هناك نص في مسائل السياسة الشرعية؟ لأنه من الواضح كما ذكرت أنه قد يأتي سلطان ويقول كما قال خبراء
۱۰۲۸ 🗏
الفساد
التخطيط أنه لابد من بناء سد في منطقة كذا لتوليد الطاقة الكهربائية لأن المصلحة تتطلب إنشاء مصانع كبيرة بحاجة للكهرباء لتصدير المصنوعات لجلب المال لإنشاء المستشفيات، وهذه مصلحة واضحة لأن في عدم بناء المستشفيات مفسدة بسبب انتشار الأمراض. ومع بناء السد ستظهر بحيرة ثم تكبر فتظهر الرطوبة في منطقة صحراوية وتتأثر الكائنات وتتغير ملامح الطبيعة التي وضعها الله العليم سبحانه وتعالى. وهل هناك فساد كهذا البيئي والذي ما ظهر إلا بسبب العقل الذي اعتقد أنه يعلم الصلاح من الفساد؟ ثم إن تأملت ما قاله ابن عقيل تجد أن جميع استشهاداته مثل تحريق علي كرم الله وجهه للزنادقة هي قرارات لحظية وليست مستمرة. أي أن الإشكالية ليست فيما قاله ابن عقيل، بل في توظيف عبد الوهاب خلاف لما قاله ابن عقيل كأساس لشرعية السياسة الشرعية. ثم تأمل ما أروع ما قاله ابن القيم في «الطرق الحكمية» بأن هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام». لقد أصاب مقتلاً. فالظاهر هو أنه قد كان هناك من الفقهاء من ضيق على السلاطين في كفاحهم لأهل الفساد، ففقد السلاطين مقدرتهم على توفير الأمن، فظهرت جماعة أخرى من الفقهاء تريد أن توسع على السلطان. وهذا ما يوضحه ابن القيم بأن كلا الطرفين قد بالغ. فيقول في كتابه اعلام الموقعين موضحاً وحدة الشريعة بنوع من الاعتراض على تسمية السياسة:
صحیح
«السياسة والحقيقة والطريقة والعقل تنقسم إلى صحيحة وفاسدة وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة، كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل. بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: وفاسد. فالصحيح قسم من أقسام الشريعة، لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبنى على حرف واحد وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحـد بـعـده وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم . عنه ما جاء به. فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا . لا تحوج إلى سواها ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالتة، في هذا وهذا فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به » . .
٢٠٥
وكأن ابن القيم يقول بأن السياسة الشرعية ابتداع ولو لم تكن كذلك لقال بها أو أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن كانت هناك مصلحة، فهي مضمونة في الشريعة، وإن لم تكن هناك مصلحة فلم ولن يأت بها الشرع، لذلك فإن الشافعي رحمه الله قال : « لا سياسة إلا ما وافق الشرع» . ٢٠٦ والآن لنستعرض مزيداً من أدلة عبد الوهاب خلاف لتأكيد أن حكم القرارات اللحظية للسلف أسقطت على القرارات المستمرة في الخلف، فكانت السياسة الشرعية أداة في أيدي السلاطين. يقول خلاف مستطرداً:
«اجتهد أبو بكر فاستخلف على المسلمين عمر، واجتهد عمر فلم يستخلف واحد، وترك الأمر شورى بين ستة. فاجتهاد أحدهما غير اجتهاد صاحبه، واجتهادهما معاً غير ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يستخلف واحداً كما فعل أبو بكر ولم يترك الشورى لستة كما فعل عمر وما رمي واحد منهما بأنه خالف شرع الله لأنه توخى المصلحة، واجتهد ما استطاع. اجتهد عمر وأمضى الطلاق الثالث على من طلق زوجه ثلاثاً بكلمة واحدة، ولم يكن ليخفى عليه قول الله في كتابه
۱۰۲۹
۹
المكوس
لألاء
لاعيبهم . . ﴿
الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾ و إن الثلاث في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم] وأبي بكر وصدر من خلافته نفسه كانت تعتبر واحدة، وإن رجلاً على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم] طلق امرأته ثلاثا فبلغ الرسول [صلى الله عليه وسلم] ذلك فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهرهم)، لم يكن ليخفى عليه من ذلك شيء ولكنه رأى الناس أكثروا من هذا اللعب فألزمهم بنتائجه، ردعـاً لهم أو تقليلاً وهذا هو الذي عناه بقوله رضي الله عنه: «و إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم»، فأمضاه عليهم . ولهذا قال ابن تيمية: «إن سياسة عمر قضت بأن ألزم المطلق ثلاثاً بكلمة واحدة بالثلاث وسد عليهم باب التحليل ليزدجروا ويرتدعوا، ولو علم أن الناس يتتابعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافته أولى». واجتهد عثمان وجدد أذاناً ثانياً لفريضة الجمعة لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه قضت به المصلحة في إعلام الناس بالصلاة بعد ما تزايد عددهم وتباعدت دورهم. وجمع الناس على قراءة القرآن بحرف واحد هو ما دون في المصحف الإمام ولم یکن ليخفى عليه أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.... واجتهد علي وحرق الرافضة وما كان خفياً عليه حكم الله في قتل الكافر ولكنه رأى المصلحة في الزجر الجرم الشنيع بالعقاب وهو
التحريق. ...».
۲۰۷
تلحظ أخي القارئ أن الأمثلة هي أحكام لقرارات لا تتصل بمقصوصة الحقوق. وحتى يأخذ الموضوع
حقه، ولأن الأمثلة مشهورة لدى الفقهاء الذين يأخذون بالسياسة الشرعية، فلابد من المرور عليها سريعاً:
بينهم.
أما
فاجتهادات الخلفاء في الاستخلاف هي اجتهادات ملائمة لعصر الصحابة لانعدام التكالب على الدنيا فيما . في وضعنا الحالي، والذي تلوث بتغير مقصوصة الحقوق، فإن حرص السلاطين على توريث السلطة لأقاربهم أو لأبناء أحزابهم سيؤدي لاستمرارية الفساد والضلال، لأن السلطان الذي سيستخلف كالسلطان الحالي في فسقه أو فجوره أو ضلاله. فكل سلطان ضال (وما أكثرهم) سيورث الحكم لقريب أو لفرد من نفس الحزب، بل حتى وإن حاول تغيير هذا النمط فلن يدعه أفراد أسرته أو حزبه من الخروج عن هذا النمط. أي أن تسمية ولي العهد قد يخلد الضلال. أي أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم دون تسمية الخليفة هو الملائم لكل الأماكن وكل الأزمان. ولكنك قد تقول : بأن هذا سيؤدي للمشاحات والنزاعات ولربما الاقتتال على السلطة؟ فأجيب: إن طبقت مقصوصة الحقوق فهذا لن يحدث كما سأثبت بإذن الله لأن صلاحيات أو مسؤوليات السلطان محددة جداً بحيث لا يطمع فيها طامع لأن السلطان لا مال له إلا القليل كما مر بنا ولا سلطات له لأن مقصوصة الحقوق أعطت الناس الكثير من الحقوق ورسمتها وقصتها لهم. كما أن التوزيع الخطي سيجعل جغرافية العالم الإسلامي عبارة عن خطط (بكسر الخاء) متجاورة كل خطة بها من يدبر أمورها لرضائية الناس به لأنه هو إمام مسجدهم، أو إمام جامع حيهم، أو إمام قريتهم أو إقليمهم، وهكذا من توزيعة تجاورية وليست هرمية لأفراد من العلماء هم أولي الأمر لأن أئمة المساجد عادة ما يصبحون أولي الأمر لتقديم الناس لهم لظهور علمهم ونبوغهم فيه، أي وكأن الذي يحدد أولي الأمر السكان أنفسهم بتقديم الأعلم للإمامة وسيأتي بيانه في فصل «الأماكن» بإذن الله).
أما بالنسبة لاجتهاد الفاروق الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإمضاء الطلاق ثلاثاً بكلمة واحدة بالثلاث فكما قال ابن تيمية رحمه الله، أنه لو علم الخليفة عمر أن الناس يتتابعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافته أولى». فهذا رسول الله صلى
۱۰۳۰ 🗏
الله عليه وسلم قد وقع في عهده التلاعب بألفاظ الطلاق إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يمض الثلاث في المـرة الواحدة بثلاث طلقات. وهناك الكثير من الآثار حول محاولات من طلقوا نساءهم ثلاثاً بالتحايل على الطلاق من خلال استئجار رجل (محلل) لينكح المطلقة، أي ليُحلل لهم من طلقوهم. أي مع تطبيق الشرع بأن الطلاق مرتان يأتي حفظ الأسر وأعراض المسلمات فهناك كلام طويل بديع لابن قيم الجوزية يصف فيه حال المرأة التي وطئها محلل محترف وكيف أنها قد تتغير سلوكياً بعد تلك اللية، وكيف يكون حال الزوج في تلك اللحظات ومن بعدها ناهيك عن المحظور في الوقوع في الإثم. أما الطلاق السني بالمرتين وبعد قناعة تامة من الرجل كما حددت الشريعة، ففيه حد كبير لظهور مثل هذه المهن (المحلل) وحفظ للأسر والأعراض. فلو علم الخليفة عمر رضي الله عنه أن هذا سيحدث من بعده رضي الله عنه لما أمضى الثلاث. ومن جهة أخرى فإنه لا يتصور أبداً أن يقوم أي من الصحابة ذوي النفوس الطاهرة الأبية حتى مجرد التفكير، ناهيك عن اللجوء لمحلل. أي أن ما فعله الخليفة عمر رضي الله عنه ملائم لزمنه، إلا أن هذا ليس كالتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وبالنص القرآني ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ والذي هو صالح لكل الأزمان. وبالنسبة لاجتهاد الخليفة عثمان رضي في أذان الجمعة وجمعهم على قـرآن واحد، فهذه مسائل تعبدية ليست ذات صلة بمقصوصة الحقوق أي ليست من القرارات المستمرة. وبالنسبة لاجتهاد علي وجهه وحرقه الرافضة، فهذا مشابه للكثير من المسائل الزاجرة الرادعة لفعل مرفوض قام به فرد أو جماعة. أي أن فعلاً ما قد وقع وبحاجة لقرار عقابي، وهذا بالطبع ليس كوضع قانون مستمر يضيق واسعاً بتحريم حلال أو تقييد مباح كما هي حال السياسة الشرعية.
کرم
الله
الله عنه
وللتلخيص أقول: هكذا مع مرور الزمن ومع تنازل الفقهاء من خلال المصالح المرسلة والسياسة الشرعية ومع انتشار الفكر الحداثي وتأثيره في بعض الفقهاء، بدأت الدولة تأخذ دوراً في تشكيل المجتمع غير الدور الذي أرادته لها الشريعة. فقد بدأت الدولة في امتلاك كل ما هو عام ومشاع، مثل الطرق والساحات والمعادن في باطن الأرض وظاهرها وما شابه من ممتلكات عامة. وبدأت في إصدار جميع أنواع القوانين للسيطرة على جميع أمور الحياة. وهذا أمر معلوم ومعاش الآن للجميع ولا حاجة لإثباته. فقط اقرأ الآتي من كتاب أحد الباحثين، يقول الدكتور رفعت العوضي مثلاً:
«منع المنافع العامة من أن تكون ملكاً لشخص واحد وجعلها ملكاً للدولة وحدها أمر لا شك فيه، إذ ورد في معنى الحديث أن المسلمين شركاء في ثلاثة في الماء والنار والكلأ)، وهذا من قبيل التمثيل للأمور التي لا يجوز احتكارها، إذ أن حاجة الناس إليها سواء، فلا يصح تمكين يد واحدة من
الاستيلاء عليها».
۲۰۸
وكما مر بنا سابقاً، فإن المقصود من الحديث من أن المسلمين شركاء، يعني تمكين الناس للوصول لهذه الخيرات، لا كما يحدث الآن أن تملك الدولة هذه الخيرات بحجة أنها تمثل الأمة، ثم تصير هذه الخيرات في واقع الأمر حكراً لمن هم في سدة الحكم. ولأهمية هذه المسألة لننظر إليها ببعض التفصيل ولعل أفضل مثال على ذلك منع الناس من امتلاك المعادن باحتكار الدولة لها وبدعم من بعض الفقهاء، وهو موضوعنا الآتي.
المكون
المعادن
۱۰۳۱
يقول الدكتور القري في ملكية المعادن ملخصاً أقوال المعاصرين
يدور حول ملكية المعادن خلاف عريض في الفقه ليس هذا محل الاستطراد فيه، ولذلك فقد اخترنا ما رجحه الفقهاء المعاصرون (وهو رأي المالكية الذي يرجع ملكية المعادن كلها إلى الحكومة لا إلى الأفراد. وفي هذه الحالة تكون المناجم وآبار البترول والمحاجر ... ألخ، مصادر مهمة للإيرادات المالية للدولة في النظام الإسلامي، وهي إيرادات غير مخصصة تنفقها الحكومة في مصالح الأمة، وللتوسع في الوظائف الأساسية للدولة في النظام الإسلامي»
۲۰۹
هل تعتقد أخى القارئ أن المعادن ستنجو من ملكية الدولة في أذهان معظم الدارسين المعاصرين؟ بالطبع لا كما رأيت في الاقتباس السابق. فأين حق اليتامى والمساكين وابن السبيل في الاقتباس السابق كما قررت الشريعة في تقسيم الفيء؟ إن من يقول بعدم ملكية الدولة للمعادن اليوم سيتهم بالجنون برغم النصوص والمذاهب والأقوال التي · تحدثنا عنها في فصلي «الأراضي» و «الخيرات». فكما مر بنا فإن الوحيد من فقهاء السلف الذي ذهب للقول بأن المعادن ملك لبيت المال هو الإمام مالك رحمه الله. وقد رد ذلك فقهاء السلف كما مر بنا، ولعل من أشد الردود ما ذكره ابن حزم أثابه الله، فهو يقول:
ورأى مالك أن من ظهر في أرضه معدن فإنه يسقط ملكه عنه ويصير للسلطان، وهذا قول في غاية الفساد بلا برهان من قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا رأي له وجه، وعلى هذا إن ظهر في مسجد أن يصير ملكه للسلطان ويبطل حكمه ولو أنه الكعبة، وهذا في غاية الفساد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، فصح أن من ظهر في أرضه معدن فهو له يورث عنه ويعمل فيه ما شاء».
۲۱۰
أخي القارئ: يصعب علي التصديق أن ما ذهب إليه الإمام مالك هو القول بملكية المعادن للدولة لأنه كان من أهل الحديث، فقد تكون هذه فرية وضعها فقهاء السلاطين على لسان الإمام مالك. ومعد ذلك فقد أخذ معظم الفقهاء المعاصرين بما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله فيندر أن تجد فقيهاً الآن يحارب فكرة امتلاك الدولة للمعادن ويقر أنها لمن حازها من الناس كما حكمت الشريعة. أي أن أقوال الشافعي وأحمد ومن كان في مكانتهم من العلماء لم يكترث لها الفقهاء المعاصرون ومنهم مثلاً القرضاوي، فهو يقول:
«وهناك رأي آخر مشهور في مذهب مالك : أن ما يخرج من باطن الأرض؛ سواء أكان فلزات أم كان سوائل؛ يكون كله ملكاً لبيت مال المسلمين، فالمناجم والبترول السائل في باطن الأرض: ملك للدولة. وقد علل ذلك بأن مصلحة المسلمين أن تكون هذه الأموال لمجموعهم لا لآحادهم. لأن هذه المعادن قد يجدها شرار الناس؛ فإن تركت لهم أفسدوها، وقد يؤدي التزاحم عليها إلى التقاتل وسفك الدماء والتحاسد. فجعلت تحت سلطان ولي الأمر النائب عن المسلمين ينفق غلاتها في مصالحهم. ولعل مما يؤيد هذا ما رواه أبو عبيد عن أبيض بن حمال المازني: أنه استقطع رسول الله الله عليه وسلم الملح الذي بمأرب فقطعه له، قال: فلما ولى قيل: يا رسول الله : أتدري ما قطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد. قال: فرجعه منه. والعد الدائم الذي لا ينقطع، شبه الملح بالماء العِد لعدم انقطاعه، وحصوله بغير كد وعناء. وفسر أبو عبيد إقطاعه الملح ثم ارتجاعه منه بقوله : إنما أقطعه وهو عنده أرض موات يحييها "أبيض" ويعمرها ، فلما تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ماء عد – وهو الذي له مادة لا
صلى
۱۰۳۲ 🗏
تنقطع – مثل ماء العيون والآبار ؛ ارتجعه منه، لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكلأ والنار والماء: أن الناس جميعاً فيه شركاء، فكره أن يجعله لرجل يحوزه دون الناس. وهكذا ما كان كالبترول والحديد ونحوهما: يجب أن تحوزه الدولة ولا يحوزه فرد أو أفراد، دون الناس
۲۱۱
إن الاستنتاج الذي وقع فيه القرضاوي لعجيب. هل رأيت كيف قفز في الاستنتاج مما رواه أبو عبيد عن استقطاع أبيض بن حمال؟ فعندما استرجع الرسول صلى الله عليه وسلم الإقطاع لأنه كالماء العد، فهو، أي الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، لم يجعل ما استرجعه ملكاً لبيت المال، ولكنه جعله ملكاً لمن حازه من الناس تماماً كالكلأ والنار والماء، فكيف قفز القرضاوي واستنتج من هذا الحديث أن المعادن ملك للدولة؟ فإن كان هناك استنتاج فهو أن المعادن لمن استخرجها. كما أن ما قيل بأن الناس سيتزاحمون على المعادن ويتقاتلون عليها، فإن هذا قول لم يثبت في التاريخ الإسلامي في الواقع العملي لسبب بسيط ستتأكد منه في فصل «ابن السبيل» هو أن المعادن التي وضعها الكريم الجواد سبحانه وتعالى المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق في الأرض أكثر من طاقات البشر على استهلاكها إن تم العمل بمقصوصة الحقوق. وبالنسبة للقول بأن المعادن قد تقع في أيدي شرار الناس فهو قول أثبت لنا التاريخ عكسه، فقد ساء حال المسلمين عندما وقعت هذه الأموال في أيدي السلاطين لأنها أصبحت مادة في أيديهم تعينهم على التسلط، ولأن المال تجمع لديهم تجمع حولهم شرار الناس فظهرت البطانة الفاسدة التي حكمت المجتمعات المسلمة. فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة إلا لمن خاف ربه.
وهنا سؤال مهم: إن كانت السلطة المطلقة مفسدة مطلقة لماذا لا ينطبق هذا على عموم الناس إن هم امتلكوا المعادن بعد استخراجها وحيازتها للرد أقول: إن منح المعادن للسلطان أو الحكومة حصراً سيزيد من تسلطها، أما إن منحت لمن حازها، فإن فتح الباب سيزيد من عدد الآخذين للمعادن كما سترى في فصلي «ابن السبيل» و «الشركة»، وبزيادة عدد ملاك المعادن، وبمثل هذه الحركيات التي تقص الحقوق لمن ثابر، سيزداد عدد الملاك، وبهذا ينحسر التسلط المطغي لأن المعادن لن تصبح مصدراً للتسلط لأن الآخرين أيضاً متمكنون مالياً، أما إن وضعت المعادن في يد السلطان أو الحكومة أو من يمثلها فإن دناءة البعض لقفل أبواب التمكين في وجوههم سيدفعهم للولاء المطلق للحكومة فيأتي الطغيان الذي يخرج السلطات عن مقصوصة الحقوق فتظهر طبقة حاكمة متسلطة وأخرى فقيرة مريضة جاهلة منهكة، فيكون موقف السلطات: إما أن نحكمكم أو نقتلكم (كما هو حال الدول المعاصرة دون استثناء، كحسني مبارك والقذافي والأسد). فتأمل هذا الوضع الذي سيطرت فيه الحكومات على كل شيء حتى على المؤسسات الدينية. ولأضرب مثالين للتوضيح فكما هو معلوم فإن جامعة الأزهر هي من معاقل الشريعة، ويجب أن تبقى حرة في وجه السلطات، إلا أنها مؤسسة أصبحت مسيرة ، فقد ظهر برنامج تلفزيوني ينقد عدم استقلالية جامعة الأزهر (أيام حكم حسني مبارك مثلاً) وكيف أن الجامعة مسيرة لأهواء الدولة لأن رئيسها وأهم المسؤولين فيها يتم تعيينهم من قبل الدولة، ولأن نفقات الأزهر أصبحت بيد الدولة، فلا استقلالية للأزهر
بذلك عن الدولة.
۲۱۲
۲۱۳
مثال آخر: : لقد سيطرت الحكومات حتى على عقول المسؤولين حتى وإن كانوا من رجال الدين، فقد رأيت وزيراً للشؤون الإسلامية في دولة عربية يعطي محاضرة في التلفاز " بطريقة علمية واضحة وثابتة تقنع كل سامع بأنه على الحق. وقد أفتى في محاضرته بأنه لا جهاد في أيامنا هذه لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. وقد وصل
المكو
۱۰۳۳
لرأيه هذا من خلال عرض ما كان عليه حال المسلمين فترة ظهور الإسلام وأنه مر بثلاث مراحل. مرحلة الضعف ثم المرحلة المتوسطة ثم مرحلة التمكين . وأن بعض العلماء كابن تيمية ذهبوا إلى أن الفتيا تتغير بتغير الحال، ولأن وضعنا الحالي هو وضع ضعف مقارنة بدول الغرب فإن في رفع راية الجهاد الآن مظنة الخسران وأن في ذلك رفع لعصى الطاعة على السلطان وفي هذا تمزيق للصف. ويتدرج بالاستشهاد على ذلك بإطاعة ولي الأمر ثم بقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبَرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ وأن الصبر كل الصبر في أيامنا هذه هو إطاعة ولي الأمر لأن في عدم إطاعته تنازع سيؤدي للفشل فتنهار الأمة بضياع الأمن، فالهدف الأسمى من وجود المسلمين هو عبادة الله، وهذا لن يكون إلا في وضع آمن كما قال تعالى في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. واستشهد من الآية بأن هذا الأمن لا يأتي إلا بعد الاستخلاف ثم التمكين، وهذا بالطبع لا يكون والمؤمنون في تمزق، بل توحيد الصف أولى من الخروج حتى وإن لم يكن السلطان على ما نتمنى من الصواب. فهو يعيب على بعض العلماء المتحمسين جهلهم بفقه الأولويات، وبناء على ذلك الفقه، فإن «فقه الأزمات»، وهو عنوان المحاضرة، يتطلب إطاعة ولي الأمر، ولأن ولي الأمر لم ير أن من المناسب الآن رفع راية
الجهاد فلا جهاد إذا !!!
أنفسهم
وكما سترى بإذن الله، فإن هذا استنتاج فاسد ومع هذا فقد قال به معظم فقهاء السلاطين في الجزيرة العربية وبالذات عندما اتضحت الحاجة الماسة للجهاد بعد طغيان بشار الأسد العلوي الذي ذبح أهل السنة في الشام. فهب الشباب للجهاد، فما كان من الحكومات إلا منع الجهاد بتسخير الفقهاء. ذلك أن السلاطين يخشون على السقوط إن تسلح الشباب وتعلموا فنون القتال، وإلا ماذا يضيرهم إن ذهب الشباب المسلم لنصرة إخوانهم وأخواتهم في الشام وباستطاعتك أخي القارئ دحض هذا الرأي بكل بساطة إن تذكرت قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾. فأين يذهب هذا الفقيه ومن ذهب مذهبه من هذه الآية وبشار العلوي يقتل النساء والولدان عياناً جهاراً والكل يرى ويسمع بينما الحكومات العربية والتي يخضع لها هذا الفقيه تمنع الجهاد في سوريا علناً وتهدد وتتوعد بالسجن كل من جاهد في سبيل الله؟ وإنه والله لوضع محير من هؤلاء الذين يدعون العلم ولا يريدون المسلم أن ينصر أخاه ويرفع الظلم والذل عن أهل السنة في الشام وقد تجمعت عليهم الطوائف غير السنية من كل مكان، فلن تجد سبباً فقهياً أو دليلاً شرعياً واحداً لهذا المنع إلا خوف الحكام على أنفسهم. ولأهمية هذه المسألة فقد خصصت لها فصلاً كاملاً، ألا وهو فصل
«الحكم».
وللتلخيص أقول : وبالطبع إن كنت علمانياً فلابد وأنك تتساءل متعجباً: لقد كان تركيز هذا الفصل على العالم الإسلامي، إلا أن العالم الغربي مازال في تقدم وغزارة إنتاجية برغم أنه لا يطبق شرع الله ! فما فائدة ما سبق إن وجد بديل من حضارة أخرى ؟ فأجيب حتى الحضارة الغربية ستؤول لدمار إن لم تغير منظومة حقوقها كما وضحت وكما سيأتي في الفصول القادمة بإذن الله. وبالنسبة للعالم الإسلامي، فقط لأن الدول ملكت الأصول
١٠٣٤ 🗏
المنتجة والقرارات المصيرية في الأمة، فإن جميع المآسي التي تراها من تسلط ، وسوء إدارة بحسن نية، وفساد إداري واقتصادي بتخطيط مسبق، وسجون تعج بالمظلومين، وقلة همة وضعف إنتاج عند عموم الناس، وبلادة وعدم اكتراث من الجميع لما يصيب المسلمين وانعدام النخوة والحمية فجميع هذه الأمراض هي بسبب الخروج عن شرع الله في مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله في الفصول القادمة.
أخيراً أخي القارئ: لابد من التذكير مرة أخرى أن من تم نقدهم في هذا الفصل والفصول السابقة من الفقهاء هم أفراد أكثر مني علماً بلا شك. وهذا النقد يجب ألا يؤثر في مكانتهم. فقد يكونون هم على الحق وأنا على الباطل كما ذكرت في الحديث عن الطائفة الحق». كما لابد من التذكر مرة أخرى بأن النقد لفقيه أو عالم أو
أنه باحث لا يعني هو المنتقد بذاته، بل هو عينة لتوجه شاع بين الآخرين، وأنه ما ذكر هنا إلا كمثال لأن البحث العلمي يتطلب إثبات الطرح بتوضيح الأفكار وأصحابها. كما أن هذا النقد يجب ألا يغير صدورنا تجاه من تم نقدهم إن كنت على الحق، وفي الوقت ذاته، يجب ألا تحمل علي أخي القارئ إن لم أكن على الحق. فقد جاء في «سير أعلام النبلاء» عن يونس الصدفي أنه قال: «ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا ،موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة». وكلي أمل أن نتحرك كأمة لتغيير الوضع الحالي الذي لا يُرضي إلا الأعداء، وألا نكون كما قال الناظم:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد