الشركة
تحذير
هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.
الفصل الحادي عشر
الشركة
كفاءة أم تواكل؟ تذليل أم تسخير؟ ﴿
إِنَّ اللهَ لَا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
»
قبل الاستمرار في هذا الفصل لابد من عشرة توضيحات. وإن لم تكن أيها القارئ مسلماً، فبإمكانك القفز إلى عنوان «الأجراء» بعد قراءة التوضيحين الأول والثاني. التوضيح الأول عن المجتمع المدني: كنت قد نقدت الديمقراطية سابقاً، ولكن ماذا عن المجتمع المدني؟ تحدثنا في الفصل السابق عن أهل الحضر والوبر في قص الحقوق، ورأينا في الفصول الأولى كيف أن الشريعة تؤدي إلى تمكين الناس بوضع الثروات في أيديهم مباشرة دون وسيط. ورأينا في الفصل السابق كيف أن الشريعة توجد ميزاناً يوصل مع الزمن للاتزان بين الانتشار والازدحام في المستوطنات من خلال تحرك الأفراد في التعاملات فيما بينهم دون حدود. وسنرى في الفصل القادم بإذن الله كيف أن الشريعة تؤدي أيضاً للمزيد من الانطلاق للأفراد دون الاصطدام فيما بينهم للمزيد من العطاء. وهنا بالطبع سيبرز سؤال هو: هل سيؤدي هذا للفوضى؟ أي هل سينفلت الناس على وجه الأرض دون أدنى تنظيم؟ والإجابة هي (كما سترى في هذا الفصل بإذن الله : لأن الأفراد سيكونون أكثر عزة إن كانوا مستقلين في اتخاذ قراراتهم إن طبقت الشريعة وهذه ميزة، أتت الشريعة واستغلت هذه الميزة ووظفتها لإيجاد حياة أكثر مدنية. كيف؟ كما معلوم فإن حياة أهل الوبر تتسم بصعوبة في الحياة، وتتسم باعتماد أهلها الكبير على مواجهة هذه الصعوبات كعوائل أو كقبائل في أفضل الأحوال، ما يجعل الحياة قاسية برغم كل ما فيها من تفرغ وتأمل. وهذه نوعية من تختلف الحياة بالطبع في جوهرها عن الحياة المدنية أو عن التمدن برغم حاجة البشرية لحياة أهل الوبر في بعض عصورها كما مر بنا. فحياة أهل الحاضرة تعتمد في مواجهتها لصعوبات والمتطلبات الحياة على التكاتف والتكامل بين شتى أفراد المجتمع من خلال التبادل التجاري. ولأن الله سبحانه وتعالى كريم جواد معط واهب وهاب، فقد أراد للبشرية حياة رغدة هنيئة سعيدة ولكن بكفاح فيه تلذذ في الإنتاج لما يسعد البشر دون نكد أو تلويث. فالشريعة لا تفرض المدنية على الناس، بل هم سيذهبون إليها رغبة منهم فيها لأن حركيات الإنتاج في المجتمع ستسحبهم إليها وبلذة ومتعة في الإنتاج إن طبقت مقصوصة الحقوق. كيف؟ المجتمع المدني يعني ببساطة التواصل بين الناس كأفراد وكجماعات، ويعني اعتمادهم على بعضهم البعض في الخدمات والمنتجات فهو يعني تكاتفهم وتكاملهم للتغلب على صعوبات ومتطلبات الحياة. هذا ببساطة، إلا أن المسألة فكرياً أعقد. ونظراً لأهمية هذ المصطلح «المجتمع المدني»، لابد من شرحه سريعاً لأنه خير مؤشر على قصور العقل عموماً والغربي خصوصاً.
هو
۱۱۷۹
۱۱۸۰ 🗏
كما هو معلوم فإن أي مجتمع معاصر يحوي ثلاث جهات متباينة، هي الحكومة أو السلطة والقطاع التجاري أو السوق والشعب والذي قد ينظم نفسه في جماعات أو منظمات كتلك التطوعية كالإغاثية أو التثقيفية. وإن بحثت عن تعريف للمجتمع المدني فلن تجد تعريفاً متفقاً عليه بين الباحثين، بل وجهات نظر تدور حول العلاقات بين هذه الجهات أو القطاعات. ولعل من أهم التعريفات وآخرها ما وضعه مركز المجتمعات المدنية بمدرسة لندن للاقتصاد London School of Economics. فالتعريف يشير إلى أن المجتمع المدني هو حلبة العمل الجماعي المشترك الحر (أي دون إكراه والمتمحور حول المصالح والقيم والأهداف المشتركة لأفراد المجتمع. لهذا فإن الأشكال المؤسسية للمجتمع المدني (كما يشير التعريف) تختلف عن تلك التي للدولة أو للقطاع التجاري ذات الملامح الواضحة، ذلك أن الحدود الفاصلة بين المجتمع المدني والسلطة والسوق حدوداً ليست واضحة، بل معقدة ولا تتضح إلا بالتفاوض بين القطاعات المختلفة في المجتمع (كما يشير التعريف). فالمجتمعات المدنية عادة ما تحتضن مجموعات مختلفة من الأفراد والمؤسسات الفاعلة تتصف بتباينها في الاستقلالية والقوة السياسية والاقتصادية كالجمعيات الخيرية المسجلة والمنظمات التنموية غير الحكومية NGO والجمعيات المحلية والتجارية والمنظمات النسائية والدينية والجمعيات المهنية والنقابات العمالية والحركات الاجتماعية social movements وما
.
شابه من منظمات أو تجمعات تعكس اهتمام أو قيم الأفراد المكونة للجماعة. لاحظ أن التعريف يشير بوضوح إلى وجود صراع بين منظمات المجتمع المدني وقطاعي السوق والسلطات، إذ أن الحدود الفاصلة والصلاحيات التي تتمتع بها كل جماعة لا تتأتى إلا بالتفاوض مع الآخرين، إشارة إلى أن الصلاحيات والمسؤوليات لا تتشكل إلا بالتفاوض بناء على قوة كل جهة فتزيد أو تنقص. وفي هذا الصراع نوع من القلق المزمن كما مر بنا في الحديث عن الأمراض في فصل «القذف بالغيب».
وبالطبع سيزداد الوضع صعوبة إن حاول الباحث إيجاد تعريف مشترك لعدة مجتمعات ذات ثقافات مختلفة. فبعد دراسة أكثر من خمسين مجتمعاً أتت منظمة «التحالف العالمي لمشاركة المواطنين» أو ما يعرف بـ CIVICUS بالتعريف الآتي: المجتمع المدني هو النطاق أو الحيز خارج الأسرة والحكومة والسوق حيث يتظافر الناس لدفع مصالحهم المشتركة. وكما ترى، وبرغم وضوح هذا التعريف إلا أنه تعريف مطاط ويفترض ضمناً أن هناك سلطات للدولة والسوق ثم يترك للمجتمع المدني الفائض من صلاحيات قوى الحكومة والسوق، أي الفائض من قوى موظفي الدولة ورجال الأعمال، وهذا بالطبع سيؤدي للصراع بين قطاعات الحكومة والسوق من جهة والناس من جهة أخرى، علماً أن قطاعي السوق والحكومة في صراع مستمر آخر كما هو معلوم. أي وكأن المجتمع بفئاته المختلفة في صراع سرمدي وليستقر هذا الصراع لابد وأن يأخذ أشكالاً مختلفة من السلمية بالحوار ثم الاتفاق في أفضل الأحوال كما في الدول الغربية، أو الاختلاف ثم التقاضي، أو الاختلاف ثم التقاتل في أسوأ الأحوال كما في بعض الدول الأفريقية. ولعل الوضع يزداد سوءاً إن كانت الجماعة المدنية منقسمة إلى طوائف مختلفة كالمذهبية (سني أو شيعي) أو القبلية ( كردي أو تركي) أو السياسية (قومي أو سلفي كما في بعض الدول العربية. وهذا ما أردت الوصول إليه من خلال عرض ملامح هذه التعريفات. فالحياة المدنية إذاً بالتعريف الغربي حياة لا تخلو من الصراعات برغم عدم تصريح التعريفات لها، ذلك أن طبيعة الحياة المدنية تجذب الاختلافات بين القطاعات الثلاثة وكل قطاع قابل للانقسام أو منقسم أكثر وأكثر (تذكر ما قلناه عن التشابك المقيت في فصل«القذف بالغيب»). ولتأكيد وجود هذه الصراعات لننظر سريعاً لتاريخ المجتمع المدني فكرياً لترى تقلبات وجهات نظر المنظرين.
11 الشركة
۱۱۸۱
لعل التغيير الجذري لمفهوم المجتمع المدني حدث مرتين مرة بعد الثورة الفرنسية، وأخرى بعد سقوط الشيوعية. ولكن عموماً فإن المفهوم السائد هو أن المجتمع المدني هو المجتمع الذي يوظف السياسة من خلال القوانين للتحكم في الصراعات التي قد تقع بين المواطنين حتى لا يضر أحدهم الآخر. وقد كان هذا المفهوم مرادفاً لمفهوم المجتمع الصالح الذي لا ينفصل عن الدولة. فسقراط مثلاً ذهب إلى أن حل الصراعات المجتمعية عن طريق الحوار العام بعقلانية للوصول أو للكشف عن الحقيقة هو الأمثل. أما أفلاطون فقد ذهب إلى أن الدولة المثالية هي ذلك المجتمع العادل الذي يسخّر فيه الأفراد أنفسهم للصالح العام ويمارسون مهامهم المدنية بحكمة وشجاعة وعدالة بحيث يؤدي كل فرد منهم ما هو مناسب له من دور. لقد كان مفهوم المجتمع الصالح الذي يتسم . بالعدل والنظام محور جدل المفكرين الكلاسيكيين. أي أنهم لم يهتموا للتمييز بين الحكومة والمجتمع المدني، بقدر اعتقادهم أن الدولة تمثل شكلاً مدنياً للمجتمع، وبهذا فإن المدنية تعني تحديد الخصائص المطلوبة من المواطن الصالح. وهذا يأتي من اعتقادهم أن البشر بطبيعتهم عقلانيون لدرجة تمكنهم جميعاً كجماعة من تشكيل مجتمعهم الذين ينتمون إليه، وبهذا فإن الناس ضمنياً قادرون طوعاً على الحراك كجماعة لما فيه صالحهم وسلامتهم. لاحظ أن في هذه الفكرة إقصاء لأي تنظيم يأتي من الأديان، فالمرجع الأكبر هو العقل هنا أريدك أيها القارئ أن تتفكر في مسألة، ألا وهي: هناك مجتمع يحوي أفراداً بأهواء مختلفة وقناعات مختلفة وطاقات مختلفة، وهناك تجمعات مختلفة لهؤلاء الأفراد، وهناك مصالح تجمعهم وعداوات تفرقهم، وهناك إمكانات مكانية مختلفة، وظروف بيئية مختلفة، ومع كل هذه الاختلافات والصراعات يأتي فرد بعقله القاصر الصغير ويحاول أن ينظر (بتشديد الظاء) لهؤلاء الناس كيف يعيشون. هل رأيت الجرأة للعقل القاصر ؟ فرد مثل سقراط أو أرسطو أو أفلاطون أتى قبل آلاف السنين، ونظر من رأسه القاصر، ثم العجيب أنه أتى من بعده من مجده من المعاصرين على تنظيره برغم القناعة المعاصرة من صحة ما وصل إليه ذلك المفكر (أو بالأحرى الضال). أي أن الضلال مجد الضلال. فلماذا لا يكون الاستنتاج بضرورة البحث عن طريق آخر لصلاح المجتمعات غير التنظير القاصر. فكما هو واضح فإنه لا علاقة أبداً بين القناعات الحالمة للمفكرين الكلاسيكيين وبين واقعهم الذي اتسم بدكتاتورية الدول الكلاسيكية. فالواقع شيء والفكر شيء آخر. أليس في هذا تأكيد للضلال؟
عدم
بسبب
إلا أن هذه القناعات الحالمة للمفكرين الكلاسيكيين اختفت من الحوارات الفكرية في العصور الوسطى النظام الإقطاعي الجائر والحروب، بل حل محلها حوار عن إشكاليات وماهية الحروب العادلة. هكذا استمر الحال حتى نهاية عصر النهضة. ثم أتى التغيير المهم بعد الحروب الطاحنة التي استمرت ثلاثين سنة في أوروبا (١٦١٨ إلى ١٦٤٨م) وانتهت بمعاهدة وستفاليا Peace of Westphalia. فقد أدت هذه المعاهدة إلى ظهور نظام الدولة المستقلة ذات السيادة. لقد أقرت المعاهدة فكرة الدولة كوحدة مستقلة ذات حدود، ما أدى إلى بسط سيطرة الملوك داخلياً كل في حدوده وبالتالي إضعاف هيمنة الإقطاعيين والاستغناء عنهم في العمل العسكري. وبهذا تمكن الملوك من إنشاء قوات وطنية، وهذا تطلب إيجاد بيروقراطيات بميزانيات مالية أدت إلى سيطرة الملوك المباشرة على الرعية. هكذا سيطرت الطبقة الحاكمة على الثروات بحجة تغطية النفقات الإدارية فاتسمت أوروبا بالحاكمية المطلقة للملوك. أي أن الملك يضع الحقوق فيعطي هذا ويمنع عن ذاك دون أن يُسأل عما يفعل. فكانت الحقوق تتبع أهواء الملوك. أي أن الاستبداد في الحكم هو السمة المميزة لأوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر، فلا مجتمع
مدني.
۱۱۸۲ 🗏
ثم أتت فترة التنوير التي نازعت هذا الاستبداد. فكان من الطبعي أن يثير مفكروا عصر التنوير أسئلة جوهرية عن شرعية توريث الحكم مثلاً وعن وضع الحكومات وعن الاختلافات بين الأفراد في الحقوق وما شابه من أسئلة. مثل هذه الأسئلة أدت إلى ظهور فرضيات ورؤى عن طبيعة العقل البشري وعن مصادر السلطة السياسية والقيم الحاكمة وعن الحكم المطلق وكيفية تجاوز الحكم المطلق. لقد آمن مفكروا التنوير كأسلافهم الكلاسيكين في الخير المتجذر في العقل البشري، فهم قد عادوا التحالف بين الكنيسة والحكومة التي كانت تقف أمام التقدم الإنساني والرفاه، إذ أن أجهزة الدولة كانت تقيد حريات الأفراد من جهة، بينما كانت الكنيسة تضفي الشرعية على تصرفات الملوك من جهة أخرى. أي أن الكنيسة والحكومة اشتركتا ضد إرادة الشعب. لاحظ أن العامل المشترك بين المفكرين هو التذبذب بالانتقال من قناعة إلى أخرى. فهل هذا فكر أم أنه اضطراب؟ لتتأكد من هذا تأمل ماذا حدث بعد ذلك؟
لقد تأثر فلاسفة الغرب بالحروب الدامية التي استمرت ثلاثين سنة. فما كان منهم . إلا أن أعملوا عقولهم القاصرة فأعادوا النظر في العلاقات الاجتماعية ورأوا ضرورة اختلافها في هيكلتها عن العلاقات الطبيعية. ومن مثل هذه التأملات ظهرت نظرية العقد الاجتماعي social contract theory والتي تحدت بالطبع النظريات القائمة آنذاك. فقد نادي توماس هوبز Hobbes بالحاجة للدولة القوية للحفاظ على مدنية المجتمع. فبالنسبة لهوبز، فإن الدافع للبشر للحركة هو مصالحهم الذاتية التي قد تتعارض فيما بينها. وعندها فإن الكل قد يكون ضد الكل كما يحدث في الطبيعة أحياناً . وحتى لا يقع هذا الوضع المتسم بالعزلة والفقر والوحشية فلابد من وجود آليات للحفاظ على المجتمع مدنياً من الفوضى. أي أن الجمع بين العقلانية والمصالح الذاتية ستؤديا إلى استسلام الناس لسلطة مشتركة عليا هي الحكومة. وبالنسبة للوضع السياسي في إنجلترا، فقد كان لـ جون لوك Locke وجهة نظر مماثلة لما ذهب إليه هوبز ففي فترة الثورة المجيدة التي اتسمت بالصراع بين الحق المقدس للتاج الملكي (كما يقولون) وبين الحقوق السياسية للبرلمان، نادى لوك بصياغة نظرية عقد اجتماعي تتصف بصلاحيات محددة للحكومة في ظل مجتمع قوي. وقد كانت قناعة لوك أيضاً أن البشر يعيشون حياة غير مطمئنة كما في الطبيعة بسبب الصراعات. اتفاقاً . لهذا رأى اجتماع الناس للتوقيع على إيجاد جهة تحكمهم. وفي الوقت ذاته نادى لوك برأيه القائل بأن هذه الجهة الحاكمة قد تنقلب وتصبح جهة متنفذة إن لم توضع لها المواثيق اللازمة لهذا وضع لوك ميثاقين بالتزامات متبادلة : الميثاق الأول أو المعاهدة الأولى هي انصياع الناس للسلطات العامة المشتركة أي الحكومة التي لها سلطة سن وتطبيق القوانين. والميثاق الثاني يحدد القيود التي ستفرض على الحكومة. فليس للحكومة حق تهديد الحقوق الأساسية للناس. ومن هذه الحقوق كما ذهب لوك الحفاظ على حياة الناس وحرياتهم وملكياتهم. هذا بالإضافة أن على الدولة أن تعمل ضمن حدود القوانين المدنية والطبيعية. لاحظ أخي القارئ بأن جميع السابق هو أفكار أو قناعات وليست قوانين أو أنظمة محددة، وهذه الأفكار عندما تتحول إلى أنظمة أو قوانين، قد تجري في طريق غير ما خطط له واضعوه. أي أن كلاً من هوبز ولوك قد وضعا تصوراً لنظام يجمع الناس للعيش بسلام من خلال عقد أو ميثاق اجتماعي. لاحظ أن هذه الرؤية لم تفرق بوضوح بين الدولة وبين المجتمع المدني، بل على العكس حاولت إيجاد التعايش بينهما. وبرغم هذا القصور، إلا أنها أدت لقصور آخر ألا وهو أنها بتحديها الوضع القائم آنذاك وقناعتها بمقدرة العقل البشري ضد الأنظمة المقدسة السائدة (أو بالأصح الضالة آنذاك أدت إلى المزيد من الاعتماد على العقل البشري ما أثر في مفكري عصر التنوير.
١١ الشركة
۱۱۸۳
وفي المقابل، جادل بعض مفكري عصر التنوير بأن البشر يستطيعون تحديد مصيرهم لأنهم عقلانيين وبالتالي لا حاجة للسلطة المطلقة للسيطرة عليهم. لقد اعتقد كل من جان جاك روسو Rousseua (وهو ناقد لمفهوم المجتمع المدني وإيمانويل كانت Kant أن الناس يحبون السلام وأن الحروب هي بسبب الحكومات المستبدة في الحكم. فبالنسبة للتنويري كانت فإن في هذه الرؤية ضمان للحد من الحروب لأن مصلحة فرد حاكم لن تتمكن من الطغيان على مصلحة الجماعة. ثم أتى هيجل Hegel وغير هذا المفهوم للمجتمع المدني إلى مفهوم ليبرالي أو تحرري حديث مبني على مفهوم المجتمع التجاري بدلاً من مؤسسات الدولة القومية الحديثة آنذاك. فالمجتمع المدني بهذا المنظور هو المجتمع الذي يلبي حاجات الأفراد وملكياتهم الخاصة. أي أن المجتمع المدني ظهر في حقبة محددة لخدمة الرأسمالية، أي لخدمة حقوق الأفراد والملكيات الخاصة. ولهذا، وبالنسبة لهيجل، فإن المجتمع المدني يعكس تناقضات لقوى داخلية فالمجتمع المدني، ولأنه يخدم مصالح الرأسماليين، قد يكون نظاماً لا يحقق التساوي بين الناس. لهذا فلابد من المراقبة المستمرة للدولة للحفاظ على قيم وأخلاقيات المجتمع كإيجاد التساوي بين الناس. فالدولة بالنسبة لهيجل هي أعلى ما يعكس القيم والأخلاق. ولهذا فلابد للدولة كنظام سياسي المقدرة
والسلطة لتصحيح أخطاء المجتمع المدني.
ثم أتت رؤية تتحدى ما وضعه هيجل. فقد قام توكفيل Alexis de Tocqueville بمقارنة فرنسا المستبدة بأمريكا الديمقراطية ليصل إلى الاستنتاج بأن الموازنة بين النظام المدني والاندماج السياسي للناس وكأنه يوازن بين حرية الأفراد ومركزية السلطة. وبالتالي فإن منظور هيجل للواقع الاجتماعي تداعى أمام رؤية توكفيل التي ميزت بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. ومن هنا دخل كارل ماركس وطور فكرته بأن المجتمع المدني هو القاعدة التي تدعم قوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية المؤدية لها، أما المجتمع السياسي فهو الهيكل الأعظم لهما. لهذا فإن الرأسمالية ما هي إلا تجسيد لمصالح الطبقة البرجوازية في المجتمع المدني. وبهذا فإن الدولة كهيكل أعظم تجسد مصالح الطبقة الأقوى (البرجوازية). فالرأسمالية إذا تحافظ على هيمنة هذه الطبقة الأقوى. أي أن ماركس بهذا رفض الدور الإيجابي الذي تلعبه الدولة في منظور هيجل. فما ذهب إليه ماركس هو أن الدولة لن تستطيع أن تكون تحت سيطرة الطبقة البرجوازية لتحقيق مصالحهم. ثم أتى غرامشي Antonio Gramsci وحاول
محايدة، بل هي تغيير هذه النظرة السلبية للمجتمع المدني. فهو اعتقد بأنه لا تزامن أو لا توافق بين المجتمع المدني والهيكل الاقتصادي الاجتماعي للدولة. أي أنه وضع المجتمع المدني في التركيبة السياسية الأكبر للمجتمع. وبهذا فإن غرامشي أظهر دور المجتمع المدني كمساهم حضاري وعقائدي فاعل في الحفاظ على تجانس واستمرارية الرأسمالية. أي بدل إظهار المجتمع المدني كإشكالية كما ذهب ماركس، فإن غرامشي جادل بأن المجتمع المدني هو الساحة لإيجاد شتى الحلول للمجتمع. هنا وافقه كل من مفكري اليسار الجديد ومفكري الليبرالية الجديدة. فمفكري اليسار الجديد رؤوا أهمية دور المجتمع المدني في الدفاع عن الشعب ضد الدولة وقوى السوق بطريقة ديمقراطية. بينما مفكري الليبرالية الجديدة اعتبروا المجتمع المدني كجهة فاعلة لمجابهة كل من الشيوعية والحكومات المتسلطة. أي أن المجتمع المدني كمفهوم بدأ يأخذ دوراً فاعلاً في التنظير لجميع المجتمعات ضد تسلط الدولة وانفلات واحتكار السوق. ولكن أين الدين من كل هذا؟ أليس للكون رب يعلم الغيب فيختار للناس ما هو خير لهم؟ بالنسبة لهم كلا (والعياذ بالله). فبكل هذا الضياع بدليل تغير مواقف وقناعات وتنظير المفكرين لآلاف السنين إلا أنهم لازالو يؤمنون بالعقل القاصر. تأمل الآتي:
.
١١٨٤ 🗏
ثم أخيراً ظهرت مفاهيم ما بعد حداثية post-modern للمجتمع المدني. فأول ما ظهرت بين المعارضين السياسيين في مجتمعات الاتحاد السوفيتي المنحل وفي أوروبا الشرقية في الثمانينات من القرن الماضي. فبدأ مفهوم المجتمع المدني يأخذ محل المجتمع السياسي. ثم في التسعينات، ومع ظهور المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية الجديدة على مستوى عالمي مع انتشار قيم العولمة، بدأ مفهوم المجتمع المدني يأخذ مركزاً أساسياً في هيكلة ما بالعالم الجديد وسيأتي تبيان هذا في فصل الفصل والوصل» بإذن الله). فاتفاق واشنطن في يسمى التسعينات الذي وضع شروطاً للقروض التي يقدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للدول النامية وضع ضغوطاً على هذه الدول لتقلص من نفقاتها على حساب خصخصة الخدمات ما أدى لتغيير الهيكلة السياسية والاجتماعية في هذه الدول، وهذا بدوره أثر في الجدل حول حجم دور المجتمع المدني في الدولة. هكذا أصبح المجتمع المدني وكأنه دواء لكل داء ليحل محل الحكومة في تقديم الخدمات لدرجة أن بعض الباحثين مثل هولم Hulme) وصفوا هذه الحالة الساخرة وكأنها إيجاد للحلول السحرية بتوظيف المجتمع المدني. ثم في أواخر التسعينات ولعدم تمكن المجتمع المدني من الحراك كما هو متوقع منه، وبسبب تنامي الحركات المناهضة للعولمة، وبتحول الكثير من الدول إلى النظام الديمقراطي، ظهرت التساؤلات عن مدى دور المجتمع المدني في الديمقراطيات التي تحرر الأفراد. وهكذا عادت النظريات التي تبحث في المجتمعات المدنية فيما بعد الحداثة إلى مواقف حيادية ولكن بتمييز واضح بين دراسة مظاهر المجتمع المدني في المجتمعات الغنية وبين تلك التي تدرس الدول النامية. وفي كلتا الحالتين، فقد نظر الباحثون للمجتمع المدني على أنه مجتمع يكمل الحكومات أحياناً ويكافحها باتزان أحيان أخرى ولكن لا يحاول إلغاء دورها. هكذا كما قال وهايتز Whaites أصبحت الحكومة أو الدولة شرطاً للمجتمع المدني.
ومن الباحثين الذين اهتموا بدراسة العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي كل من جبرائيل ألموند Gabriel Almond وسيدني فيربا Sidney Verba اللذين ذهبا إلى أن دور التثقيف السياسي أمر حيوي للمجتمع الديمقراطي. فالكثير من المنظمات التي عمل بها الناس تطوعاً أوجدت عند العاملين نوعاً من الوعي والمسؤولية، وبهذا سيحسنون الاختيار عند التصويت وسيشاركون في العمل السياسي وسيحاسبون السلطات. حتى المنظمات غير السياسية في المجتمع المدني تعد حراكاً حيوياً للديمقراطيات كما جادل روبرت باتنام Putnam. فهذه المنظمات تبني الثقة والقيم الاجتماعية المشتركة بين الناس والتي ستنتقل لا محالة لعالم السياسة مما يوحد المجتمع من خلال تفهم الناس للتداخلات بين أجزاء المجتمع ومصالح أفراده. إلا أن هناك من الدراسات ما تؤكد أن هناك من الأفراد العاملين في قطاعات المجتمع المدني ممن حصلوا على نفوذ وتسلط ولكن دون أن ينتخبهم أحد أو يعينهم أحد في منصب حكومي. وهناك من الباحثين من رأى بأن المجتمعات المدنية، ولأنها مرتبطة بالديمقراطية، فلابد وأن تكون ذات صلة بالقومية والوطنية. ومن الباحثين من حاول تطبيق مفاهيم المجتمع المدني لحماية الحياة الاجتماعية من رياح العولمة التي ما فتئت تتأثر بالشركات والمؤسسات الكبرى عابرة القارات. أي هكذا أصبح المجتمع المدني وكأنه أداة يوجهها كل باحث لخدمة ما يعتقد أنه مجتمع أمثل بناءً على قناعته وتجاربه الشخصية ومقدرة عقله والذي لابد وأن يكون قاصراً من جمع وفهم جميع العوامل والظروف للمجتمع.
ثم ظهر تعبير «الاقتصاد الدستوري»، ويعني وصف وتحليل العلاقات المتداخلة بين القضايا الدستورية وكيفية عمل الاقتصاد في إطار الدستور. وأول من استخدم هذا التعبير هو الاقتصادي الأمريكي جيمس بوكانان
١١ الشركة
١١٨٥
Buchanan والذي حصل على جائزة نوبل سنة ١٩٨٦م لتطويره لهذه الفكرة. فبالنسبة له، فإن الدستور الموضوع لخدمة «عدة أجيال» يجب أن يتأقلم ليواكب القرارات الاقتصادية العملية لتحقيق التوازن بين مصالح الدولة والمجتمع المدني ضد مصالح الأفراد وحقوقهم الدستورية كالحرية الشخصية والسعادة الشخصية. فالاقتصاد الدستوري يدرس . مثلاً كيفية توزيع الثروة بطريقة ملائمة. ومنها مثلاً الإنفاق الحكومي على السلطة القضائية. وهذه مسألة كما هو معلوم متروكة بالكامل للسلطة التنفيذية في الكثير من بلدان العالم النامي ما يؤثر في موازين القوى، إذ أن السلطة القضائية قد تخضع للسلطة التنفيذية فتضيع الحقوق وبالطبع لابد من التمييز بين وسيلتين تؤديان للفساد القضائي: الدولة من خلال منحها للامتيازات للعاملين في القضاء ليمرر القضاة قرارات مسؤولي الدولة، والقطاع الخاص الذي قد يُرشي ملاكه القضاة. فإن فسد القضاء على أيدي مسؤولي السلطات، فإن القطاعات الإنتاجية في المجتمع المدني لن تتمكن من النمو بازدهار في اقتصاد حر كما هو حادث في العالم العربي مثلاً. هنا تأتي أهمية استخدام الاقتصاد الدستوري بسيادته على قوانين التنمية الاجتماعية، إذ من دون هذه السيادة سيصعب بناء هيكل للفصل الحقيقي بين السلطات داخل أي نظام في أي قانون وطني. فعند استخدام معايير الاقتصاد الدستوري في وضع الميزانية العامة للدولة، وبالإضافة للشفافية التي تضفيها للاقتصاد، سيعين هذا الاستخدام على تطبيق القانون الواضح للجميع. كما أن النظام القضائي إن تحلى بمنظومة فعالة للفصل بين المختلفين في المحاكم في المجتمع المدني وبالذات عند إسراف الدولة في الإنفاق، أو عند ضبط الإنفاق على المشروعات المعتمدة، فإن هذه الآلية ستصبح المفتاح الأهم لنجاح المجتمع المدني في أدائه كما يقـول مـؤيـدوا الاقتصاد
الدستوري.
وهي
وهناك نظرة أخرى للمجتمع المدني من خلال الديمقراطية ألا وهي أنه مجتمع أكثر مثالية إن ظهرت فيه ثلاث جهات تعمل بنزاهة : جهة تشرع وهي البرلمان، وجهة تقضي وهي السلطة القضائية، وجهة تنفذ الحكومة. وهذه النظرة كنت قد نقدتها سابقاً وكان محور النقد هو أن الجهة المشرعة إنما تُفصّل الحقوق من خلال الأنظمة وبالتالي القوانين التي تعكس مصالح الأغلبية والتي ستكون على حساب الأجيال القادمة فيظهر الفساد لا محالة كما هو حاصل. ناهيك عن أن كل تنظيم وتقنين مستحدث هو تغيير لمنظومة الحقوق. أي أن الحقوق غير
ثابتة.
قد لا أكون موفقاً بالنسبة لك أخي القارئ في العرض السابق السريع عن تاريخ المجتمع المدني وتداخله مع السياسة والاقتصاد. ولكن مع هذا قد توافقني بأن هناك اضطراباً واضحاً في الانتقال من نظرية إلى أخرى ما يدل على قصور العقل. ولعلك توافقني أيضاً على ضرورة الاستقرار لجميع الأفراد والجهات أو القوى في المجتمع في الحقوق ليعلم الناس حقوقهم، وأن هذا أمر لا يتحقق في الأنظمة المبنية على نظريات متغيرة من عقول قاصرة إذ أن المنظومات الحقوقية في تغير مستمر بناء على المفهوم السائد عن القيم والعدالة في إطار المجتمع المدني وبناء على النظرية التي يتبناها المجتمع (كما بينت ذلك الدكتورة عبير اللحام أثابها الله. ولعلك لاحظت أيضاً بأن هناك إطاراً يحوي مسارات مختلفة لجماعات مختلفة، وأهمها جماعة تقنن وتنظم وأخرى تحكم، وهم السياسيون، وجماعة تنتج، وهم ملاك القطاع الخاص كالتجار والصناع، وجماعة تحاول خدمة المجتمع المدني ويعملون تطوعاً، ومعظم الجهات والأفراد في المجتمع يعملون في هذا الإطار. فأفراد الجيش مثلاً يعملون تحت إمرة السياسيين، والعمال
١١٨٦ 🗏
خاضعون لتصرف رجال الأعمال، وهكذا. أي باختصار، فإن المجتمعات التي نبتت في تربة العقل البشري القاصر وبغض النظر عن اختلافاتها في التفاصيل تتصف دائماً بصفتين: الأولى هي عدم الاستقرار في الحقوق، فالحقوق في تغير مستمر بناء على النظرية المتبناة وبالتالي وهذه هي الصفة الثانية فلابد للناس من التكتل في جماعات متصارعة لأن الحقوق ليست مستقرة برغم عدم رؤيتنا لهذا الصراع لأنه قد يكون سلمياً برغم استنزافه لقوى المجتمع كما هو حال الغرب الآن أي التكتلات للصراع لكسب الحقوق أو الدفاع عنها. أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق فإن الأمر جد مختلف فلا تكتلات للصراعات أي لا جهات مختلفة تتصارع للمزيد من الحقوق لأن
:
الحقوق قد قصتها الشريعة وهي ثابتة لا تتغير، أي يعلمها الجميع ويدركون حدودها ، فمهما تكتل الناس فلن تتغير الحقوق لأنها منزلة من رب العالمين. لهذا فلا خيار أمام الناس منطقياً للكسب للحياة إلا العمل فرادى أو مجتمعين کشركاء في إنتاج سلعة ما أو خدمة ما ، ولأنه لا وجود لطبقة سياسية أو حقوقية أو تنظيمية. أي باختصار: المقدرة على الحياة تعني المقدرة على التكسب بالإنتاج، وهذه المنتجات هي التي تجمع الناس للحركة فيظهر المجتمع المدني المتحضر المتحرر من القيود. كيف؟
مصلحة
كما مر بنا فإن موارد الأرض أكثر من كافية، فلا حاجة للصراع عليها، وهي ليست تحت سيطرة جهة ما إن طبقت الشريعة. كما أن حركة الناس دائماً دون قيود لأنهم لن يصطدموا فيما بينهم إذ أنهم في مسارات لن تتضارب (كما سنرى في فصول «الفصل والوصل» و «الموافقات» و «الأماكن» بإذن الله)، عندها فلابد وأن يختفي النفوذ السياسي فيتحرر الأفراد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشريعة تحاول زيادة نسبة عدد الملاك كما مر بنا، ثم تحاول (وهو موضوع هذا الفصل) إيجاد الشراكات بين هؤلاء الملاك لتسعى كل شركة لإيجاد سلعة أو خدمة ما لبيعها للآخرين في المجتمع الذي سيكون في الغالب مجتمعاً مدنياً لأن الذي يجمع أفراد كل شراكة هو الشركاء في المثابرة في الإنتاج وهذا يتطلب الاستقرار المكاني في معظم الأحيان»، فيظهر المجتمع المدني فتظهر الحضارات. لا تنسى أخي القارئ أن الاستقرار يأتي بعد وقوع الناس على ما يحبون ويتقنون إنتاجه بعد الهجرة أو الترحال. أي أن الشريعة تستثمر حب الناس لمصالحهم، أي تستثمر أنانيتهم من خلال جهدهم للكسب للحياة فتظهر العلاقات التي ستسحبهم لاستحداث المجتمعات المدنية طوعاً منهم وليس فرضاً عليهم كما هو حال المجتمعات المدنية المعاصرة. أي إن طبقت الشريعة فإن هذا يعني أن كل فرد سيعيش وسيعمل سعيداً بإبداع فيما
يحب ودون قيود أو صراع لأن القيود لن تظهر والصراعات لن تظهر أيضاً. وهنا لابد من التنويه إلى مسألتين:
الأولى الانتباه لمعنى المجتمع المدني: فليس المقصود وجود سلطة من المجتمع تحكمه كما في الديمقراطية، بل المقصود هو الاستقرار المكاني لمن هاجر ووجد مكاناً ملائماً لميوله وأهوائه وإنتاجه، وبحركيات حكم تختلف عن الآليات التي تضعها الديمقراطية كما سيأتي في الفصول القادمة بإذن الله. ففي الديمقراطية نجد أن طبقة منتخبة هي التي تحقق رغبات الأكثرية وتوجد سلطة قضائية للفصل بين الناس كما ترى هي أو كما ترى الأغلبية. أما إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن جميع القرارات تقع في أيدي الناس إن استثنينا القرارات التي تنتج بسبب الخلاف بين فردين أو جماعتين أو أكثر مثل جارين أو سكان قريتين متنازعتين ،مثلاً ، فهذه قرارات لها مبادئ وضعتها الشريعة لتقص من خلالها الحقوق، فلا تقع مثل هذه القرارات في أيدي المسؤولين ليقرروا ما يعتقدون أنه الحق أو ما يعتقد الشعب بأنه الحق. أي لا سلطة لتضع الأنظمة ثم تقرر وتنفذ، بل قاض يحكم بين المتنازعين فقط بالرجوع للشريعة
١١ الشركة
۱۱۸۷
ما يؤدي للمزيد من التحرر وسيأتي بيانه في فصلي «المعرفة» و «الحكم» بإذن الله).
المحيطة
المسألة الثانية عن ظهور وأفول الحضارات فمن الذين نظروا في هذه المسألة المؤرخ المشهور أرنولد توينبي
Arnold Toynbee في القرن الماضي. وملخص ما قاله. هو أن الحضارات تقوم حيث يتحدى الناس الظروف البيئية بهم، وبالمثل، فإن الحضارات تنهار حين يفقد الناس قدرتهم على الابتكار في التعامل مع هذه الظروف. فسوء استخدام الأرض والموارد الطبيعية أسفرت عن الانهيار الاقتصادي والسياسي للحضارات إذ لا ابتكارات. فعندما يتعرض الفرد أو المجتمع لصدمة ما فإنه يفقد توازنه ( كما يقول توينبي)، ثم يستجيب للصدمة إما بالتمسك بالماضي لاستعادته تعويضاً عن واقعه المر فيصبح انطوائياً، وهذه حالة سلبية، أو يتقبل الصدمة ويعترف بها ومن ثم يحاول التغلب عليها، وهذه حالة إيجابية. لهذا نجد بعض المفكرين أو بالأحرى الضالين العرب ينعتون المجتمعات العربية على أنها مجتمعات لجأت للماضي دفاعاً عن النفس عندما اصطدمت بالحضارة الغربية كلجوئها للشريعة مثلاً، فكان موقفها سلبياً ما أدى للتخلف كما يقولون. أي أن النمو الحضاري هو بسبب الدافع الحيوي، وهي ا الطاقة الكامنة لدى الفرد أو المجتمع الذي ينطلق بغرض تحقيق الذات فمقياس النمو هو التحدي لتحقيق الذات عن طريق المبدعين أو الفئة القليلة من الملهمين.
وبغض النظر عن صحة ما ذهب إليه هذا المؤرخ (فإن تقبلنا تحليله ونظرنا لتخلف المسلمين من منظوره)، أقول لمن يتبنون طرحه من المثقفين المسلمين أو العرب (وبالتالي ينتقدون من يرجع للسلف في محاولة إخراج الأمة من هذا الوهن كما يفعل كتاب «قص الحق»)، أقول: إن ما يقوله توينبي من أن المجتمع الذي يستطيع التغلب على ظروفه المستجدة هو المجتمع الإيجابي، لهو أكثر تحققاً مع تطبيق الشريعة، ذلك أن فتح أبواب التمكين للأفراد ودون حدود تفصل بين المجتمعات سيجعل الكل فرداً إيجابياً لأنه إنما يعمل إما منفرداً أو مع آخرين كجماعات في شراكات تجمع الأفراد لتحقيق مصالحهم للكسب للحياة، ولأنهم أعزاء ولا قيود عليهم، فإن المحصلة هي بالتأكيد الإبداع لأنهم في شغل مستمر للبحث عن صالحهم بالمزيد من الابتكارات إن أرادوا الحياة، كما سترى في هذا الفصل الذي يحاول توضيح أنواع الشراكات بين الأفراد دون تدخل السلطات مما يجعلهم أكثر انطلاقاً. لهذا فإن ما يقوله بعض المثقفين العرب بالزعم من أن تخلف المسلمين هو بسبب الرجوع للشريعة لهو نقد مرفوض لأن الشريعة تُطلق الأفراد والجماعات وبالتالي المجتمع، وأن استشهاداتهم على التخلف نابعة من رصدهم لمجتمعات لم تطبق الشريعة أصلاً، فأصبحت مجتمعات سلبية في تعاملها مع مستجداتها لأنها محكومة بسلطات لا تطبق الشريعة في حقوقها، أي لا تطبق الشريعة في أمورها التمكينية والمالية. وهنا آتي للتوضيح الثاني عن العقلانية.
التوضيح الثاني: العقلانية (القمة والتحدي)
عند الحديث عن طبيعة القرار في فصل قصور العقل» قلت أن الشريعة تدعو لسلوك السبيل الثالث الذي يتلافى القرارات المندفعة تجاه الإنسان لأن مقصوصة الحقوق ثابتة. وقلت أيضاً أن الشريعة تحاول إيجاد مجتمع أفراده مندفعون في قراراتهم تجاه الأعيان ليأتي الابتكار والتمكين. كما أنني كنت دائماً أكرر بأن الشريعة تضع الحقوق بطريقة تؤدي لظهور بيئة تدفع الناس للانطلاق. وهنا سيظهر سؤال: كيف ينطلق المجتمع وعقول أفراده
۱۱۸۸ 🗏
الثالث
مقيدة كما قد يُفهم لأن الحقوق مقصوصة؟ أي هل هناك تناقض؟ والإجابة هي: تذكر أنني كنت قلت أن السبيل هو الذي يقيد الناس في تصرفاتهم تجاه الآخرين ويطلقهم تجاه الأعيان، أي أن للشريعة إستراتيجية واضحة ألا وهي الإطلاق والتقييد. كيف؟
للثالث
مهم
عند الحديث عن العقل لابد من وضع حدود له ليعمل داخله. فلا يعقل أن يأتي فيلسوف مثل أرسطو ويضع بعقله الصغير تنظيراً للمجتمع الكبير. لكن قد يأتي رجل ويحاول التنظير بعقله لتحسين العلاقة بين اثنين، فهذا أمر قد يصعب دحضه. أي أن العقل قد يعمل في مستويات، وأوضحها ثلاثة مستويات: الأول هو مستوى الفرد الواحد، والثاني هو مستوى يجمع بعض الناس ولكن ليس كلهم والثالث هو مستوى مجموع الأمة. فبالنسبة وهو ما حاول مفكروا الغرب التنظير له باستخدام عقولهم، كما حدث مع المجتمع المدني، فهذا قد أتت به الشريعة مكتملة ولا مجال للفرد أبداً التدخل فيه بعقله، فهو يقيد المفكرين. أما الأول فهو يطلق الأفراد بالطبع كما ذكرت. بقي الثاني، وهو استخدام العقل في تنظيم العلاقات مثلاً بين رجلين أو سكان حارة ما، أي أعلى من الفرد وأدنى من الأمة هذا أيضاً أتى مكتملاً في الشريعة في مبادئ مثل حديث (لا ضرر ولا ضرار)، فهو يقيد المفكرين. كما أن مجموع هذه المبادئ في المستوى الثاني تشكل المستوى الثالث. هنا قد يقفز عقلاني ويقول: أي أن الشريعة تقيد الناس لأن المستوى الثاني والثالث يتصفان بالتقييد . فتكون إجابتي: لا، لاحظ الفرق بين تقييد الناس عملياً وتقييد المنظرين فكرياً (وهذا فارق جداً). فالمبدأ الذي يعطي ملكية المعادن لمن حازها انطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)، كما مر بنا في فصل «الخيرات»، لهو مبدأ يحرر الأفراد عملياً. وأن إعمال العقل هذا النص سيؤدي بالضرورة لتقييد الأفراد، وكأن هذا النص هو في التحرر للأفراد، وكل تدخل فيه سيؤدي لتقييد الأفراد بدرجات حسب كيفية التدخل في تقنينه. فإن قلنا مثلاً: من سبق إلى من يسبق إليه مسلم فهو له إلا في معدن الذهب أو إلا في جزيرة كذا فهي حمى لكذا، فإننا بهذا قد حررنا العقل ليعمل في النص، ولكن في الواقع العملي قد قيدنا الأفراد. أي أن الحديث يؤدي لقمة التحرر. وهذا مثال واضح لتقييد العقل فكرياً، إلا أنه مبدأ في الواقع العملي يحرر الأفراد. وكذلك جميع مبادئ مقصوصة الحقوق الأخرى مثل إحياء الأرض والشراكة وهو موضوع هذا الفصل). وهذه المبادئ المنبثقة من النصوص الشرعية هي التي يجب أن تُصان ولا يسمح لفرد أن يمسها بعقله. فأي مساس بها سيؤدي إلى تغييرها فتتغير مقصوصة الحقوق وبالتالي يظهر التقييد للأفراد في الواقع العملي. أي أن تقييد الشريعة للمفكرين يؤدي لإطلاق الأفراد بالضرورة، بينما تحرر المفكرين سيؤدي لظهور الأنظمة الوضعية وبالتالي القوانين ما يؤدي لتقييد الأفراد. وستتضح هذه المسألة بالكثير من الأمثلة في فصلي «الموافقات» و «الأماكن» بإذن الله. وهذا ما حاول كتاب عمارة الأرض تبيانه مراراً في الحديث عن الحرية والضرر مثلاً. وهذا منطق يرفضه المفكرون الغربيون ولكن دون تعليل منطقي. لأضرب مثالاً مع مثقف عربي أو بالأصح غربي ببعض التفصيل حتى تتضح الصورة:
.
مع
«القمة»
كنت قد تجادلت مرة مع محمد أركون، وهو كما هو معلوم من المتأثرين بالغرب. فعندما كان كتابي باللغة الإنجليزية تحت الطبع، أي كتاب Crisis in the Built Environment: the Case of the Muslim City كان محمد أركون عضواً في اللجنة التوجيهية لمنظمة جائزة الأغا خان للعمارة الإسلامية. عندها لم يكن محمد أركون على علم بمحتوى الكتاب، فكان أول لقاء شخصي لي به في مؤتمر في دكا ببنجلادش سنة ١٩٨٥م. فعلم
١١ الشركة
۱۱۸۹
بفحوى الكتاب لأن الناشر حسن الدين خان (المسؤول الأول في مؤسسة معمار التي نشرت الكتاب) كان حريصاً على أن نتعارف لعلمه بكل من توجهات أركون التي تحرر العقول مع نصوص الشريعة وبفحوى كتابي الذي يقيد العقول أمام النصوص في مسائل العمران أي أننا متضادان فكرياً تماماً. فتجادلت مع أركون لدقائق لعدة مرات. ثم دعاني ليلة إلى غرفته. فأمضينا أكثر من ساعتين في حوار عن دور العقل، إذ أن طرحه في ذلك المؤتمر ومعظم المؤتمرات التالية دار حول فكرة التمزق أو rupture باللغة الإنجليزية. وهو طرح معروف عنه (وقد مر بنا في فصل «قصور العقل»)، ويدور حول محنة خلق القرآن والمعتزلة وأن المسلمين قيدوا العقول بعد هذه المحنة فكان التخلف. في ذات اللقاء الذي زاد عن الساعتين تقريباً كان الجدل باختصار كالآتي: كان محمد أركون شديد التأثر من زيارته لبلاد الحرمين لأنه جوبه في أفكاره من علمائها وبشدة. وهذا بالنسبة له تخلف. فهو يقول بأن حال المسلمين سيتحسن إن هم أعملوا عقولهم في النصوص بينما هم (أي علماء السعودية يرفضون ذلك. فكنت أقول له: دعنا من هذا، أنا أتحدث عن العمران، وأنت في منظمة الأغا خان التي تهتم بالعمران. فيذهب بعيداً في التاريخ ويأتي بالأمثلة غير العمرانية وأنا أقول له: لا تستشهد بالتاريخ لأنه لا يعكس تطبيق الشريعة، فالتاريخ مزيج بين أهواء الحكام ونفاق بعض العلماء وجهاد البعض الآخر وظلم الأمة، ولكن استشهد بالنصوص. فكنت أطرح عليه سؤالاً لم يستطع الإجابة عليه. وأنا أعذره في ذلك لأنه ليس مخططاً أو معمارياً. ولمدة ست سنوات متتالية كنا نتقابل في مؤتمرات وفعاليات جائزة الأغا خان للعمارة الإسلامية (إذ أنني كنت مقوماً technical reviewer لبعض المشروعات المرشحة لنيل الجائزة، وفي كل مرة أقابله نتجادل حتى أنني عندما تقابلت معه. في إسطنبول للسفر سوية إلى سمرقند حيث حفل توزيع الجوائز لدورة سنة ۱۹۹۲م جلسنا عدة مرات معاً وكان كتاب عمارة الأرض قد ظهر وكنت قد أعطيته عدة نسخ له ولمن أحب. أي أنه يعلم تماماً بفحوى الكتاب. وهكذا ولسنوات وأنا أتابع كتاباته منتظراً نقده على كتاب عمارة الأرض لأنه كتاب يقيد العقول في قضايا العمران (وهذا ضد طرحه)، إلا أن شيئاً من ذلك لم يظهر. لماذا؟ بالطبع لا أستطيع الجزم لأن الرجل قد توفاه الله، وقد انقطعت علاقتي به منذ زمن بعيد، إلا أنني أعتقد أنه إما تقديراً لعلاقتنا لم ينقد كتاب عمارة الأرض (وهذا مستبعد منه لأنه رجل علمي من جهة، ولأنه عضو نشط في منظمة تهتم بالعمران عقلانياً من جهة أخرى)، أو أنه لم يستطع الإجابة على السؤال الذي وضعته له لأنه ليس معمارياً أو مخططاً، وها أنا أضع السؤال الآن مرة أخرى «وبتحد» لكل متخصص في العمران ويؤمن بالعقلانية في كل أمور الحياة، فأقول وبالله التوفيق الآتي:
سمه ما
«إن كان الهدف هو تحرير العقول، وإن كانت الحلول العمرانية تعتمد على المقدرة الإبداعية، فإني أتحدى كل من يُطالب بإعمال العقول ضد النصوص الشرعية في قضايا العمران بأن يأتيني بنسق عمراني متكامل ذي مبادئ تدفع للإبداعية للإتيان بالحلول كما تفعل الشريعة الإسلامية. فالشريعة تدفع المجتمع وأفراده من خلال مبادئ واضحة لتحررهم من القيود أكثر من أي نظام بشري آخر سواء كان ديمقراطياً أو رأسمالياً أو اشتراكياً أو شئت، ليكون الناس أكثر إبداعاً لتظهر الحلول الأكثر ملاءمة لكل موقع وظرف وزمان. فالشريعة بهذا تفوق كل الأنظمة الأخرى في إطلاق أيدي أفراد المجتمع ليكونوا أكثر إبداعاً، أي أن نصوص الشريعة تحرر الناس ليعملوا عقولهم لتظهر الحلول العمرانية. وبهذا فلا يمكن أبداً الإتيان بمبادئ تطلق العقول في الحياة العملية أكثر من هذه النصوص. إنها نصوص وكأنها القمة في التحرير أي أن التحدي الذي أطرحه هو الآتي: أروني نظاماً عمرانياً متكاملاً هو أكثر إطلاقاً لأيدي الناس من الشريعة ليستخدموا عقولهم في أرض الواقع».
۱۱۹۰ 🗏
وبالمثل في هذا الكتاب أقول بتحدٍ : «ائتوني بمنظومة حقوقية تمنح الناس الحق في التصرف بحرية كما فعلت الشريعة بتمكين الناس دون التدخل بينهم وتقييدهم مثل مبدأ إحياء الأرض». وهنا لا حاجة لفلسفة الأمور بجمل رنانة خاوية فهي مكشوفة مفضوحة. بل التحدي هو بالإتيان بأمثلة حقوقية واضحة ضمن نظام مكتمل. فقد يأتي زيد من الناس بمثال منفرد من هذه الحضارة ومثال آخر من تلك الحضارة، إلا أنهما لن يعملا معاً بتناغم، أي لن يشكلا نظاماً متكاملاً . من نفس النبع كما تفعل الشريعة في كل قضايا العمران كما حاولت تبيان ذلك في كتاب عمارة الأرض، وبكل قضايا الحقوق كما أحاول في هذا الكتاب. وهذا التحدي ليس لمتبني أفكار أركون فقط، ولكن لما ذهب إليه العقلانيون الآخرون مثل الجابري (رحمة الله عليه بإذن الله) ولمن تبنى مواقفهم. كما هو معلوم ينقد العقل العربي بشدة بأنه عقل مقيد ومكبل وبالتالي لا إبداعي، ويأتي هذا من رصده لإنتاج الفقهاء في العالم الإسلامي وتقليدهم لبعضهم البعض، وقد يكون نقده هذا بحاجة لإعادة نظر في بعض المجالات، ولا أريد الخوض فيها، أما في مجالنا، أي في الحقوق، فما أحاول إثباته هو العكس تماماً، أي أننا بحاجة ماسة للتقليد لأننا بالتقليد نستمسك بنصوص هي «القمة» في إطلاق الناس فلا يُعلى على هذه النصوص في تحرير الناس. فإن تمسك من سلف بالتقليد لما ظهر الديوان مثلاً. فالأصل في الشريعة هو إطلاق الناس قدر المستطاع ليتحرروا من عبودية الناس وبالتالي تكون العبودية لله، وهذا لا يكون إلا بالتمسك بالتقليد الذي سيؤدي للتمسك
فالجابري
بالنصوص التي تطلق الأفراد (وسنأتي على الكثير من الأمثلة بإذن الله ومنها ما هو في هذا الفصل عن الشركات). أي أن الشريعة في الحقوق هي «القمة» لأنها الأكثر إطلاقاً للعقول والأيدي من بين جميع الأنظمة. فإن قلد الفقهاء مقصوصة الحقوق فإن المحصلة هي الحرية في الانطلاق، لأن التقليد هو تقليد لإطلاق الناس للمزيد من الإنتاج. ولكن الذي حدث هو أن بعض الفقهاء وبسبب إعمال العقل ضد النص قيدوا الناس في الواقع العملي، وهذا ما يحاول الكثير من المعاصرين فعله، أي الاجتهاد بإطلاق العقل مع النص ما يؤدي لتقييد الناس بالضرورة. هذه مسألة لن يستطيع أي متخصص في الفلسفة من الإجابة عليها، ألا وهي أن في التقليد في الشريعة استمساك بمنهج أساسه إطلاق عقول الأفراد في الواقع العملي. وستتضح هذه الفكرة أكثر في الحديث عن «المعرفة» بإذن الله. لأضرب مثالاً آخر لمفكر غربي تحدث عن ظهور وأفول الحضارات فمن المعاصرين المشهورين الذين نظروا في هذه المسألة المؤرخ الأمريكي بول كيندي Paul Kennedy الذي ألف كتابه المشهور: «ظهور وأفول القوى العظمى». وملخص نظريته هو أن المجتمعات تستطيع أن تنمو إن كان الإنفاق الحربي ضمن استطاعة المجتمع الذي يدعمه. فأي مجتمع بمطامع أو طموحات تفوق قوته الحربية سينهار بعد زمن. أي عندما تنتعش الأمة اقتصادياً فإن طموحاتها تزداد للحفاظ على هذا الانتعاش بإيجاد قوة عسكرية للحفاظ على القوة الاقتصادية في وقت السلم ومن ثم دعم هذه الآلة الحربية في وقت الحرب. أي أن المال بحاجة للدفاع عن الثروة. ولكن إن أنفقت أي أمة على القوة العسكرية من المال ما يفوق مقدرتها الاقتصادية، فإن هذا سيؤثر على مقدرتها لإيجاد الثروة، أي أن الانتعاش الاقتصادي سيتأثر سلباً وبهذا ستتراجع الأمة اقتصادياً ومن ثم تضعف عسكرياً لأنه لا مال كاف للحفاظ على القوة العسكرية. لهذا فكلما زادت أي دولة من توسعها الجغرافي (ما يتطلب نمواً عسكرياً وبالتالي دعماً مالياً لهذا النمو) فإن احتمالية أفولها أمر شبه أكيد بعد زمن كما حدث مع الإمبراطوريات العظمى مثل إمبراطورية الهبسبرغ في النمسا أو العثمانيين في تركيا. لهذا كان نقد بول كيندي لسياسة الرئيس ريجان التوسعية في
١١ الشركة
۱۱۹۱
الولايات المتحدة الأمريكية نقداً تلقاه الكثير من المثقفين الأمريكان بجدية. وهناك من اليمينيين الأمريكان من رفض طرح كيندي بأنه طرح لا ينطبق على الولايات المتحدة لأنها دولة لا تتوسع جغرافياً، ولا تلزم نفسها بأي التزامات دولية إلا إن كان ذلك يصب في مصلحتها، أي أنها تدخل في منطقة لبرهة ثم سرعان ما تخرج منها، وأنها دولة تكيف نفسها دائماً في إنفاقها العسكري في حدود مصالحها من خلال الجدل المستمر في المجتمع عن ميزانية العسكر. لهذا رأى بعض المثقفين الأمريكان بعد ظهور كتاب كيندي أنه كان بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية هزيمة الاتحاد السوفيتي دون الاستمرار في الحرب الباردة وذلك بالسماح للاتحاد السوفيتي بالتمدد في أوروبا. عندها سترتفع نفقات الاتحاد السوفيتي العسكرية للحفاظ على الجغرافية الواسعة التي احتلتها ومن ثم سرعان ما تنهار لضعف اقتصادها الذي لن يستطيع دعم الإمساك بأمن هذه المناطق الشاسعة أو من خلال ثورات سكان هذه المناطق دون تحمل الولايات المتحدة نفقات الحرب الباردة، بل استثمارها في المزيد من النهضات الاقتصادية.
.
ولكن ما علاقة كتاب بول كيندي بموضوع المجتمع المدني والعقلانية؟ كما مر بنا في الحديث عن الديوان وعن القوة الحقة، فإن العمل العسكري عبادة ويعتمد على ما يقدمه الناس من دعم، وبهذا فإن الاتزان بين الآلة العسكرية الإسلامية وبين مقدرة المجتمع الإنتاجية اتزان خالد ومستمر أبد الدهر ويتصف بقوة دائمة لأن معظم الناس تقريباً هم جنود وقت الشدائد، ومنتجون وقت الرخاء، بينما طائفة تعكف على التطوير الحربي وتعتمد على عطاءات الناس (وسيأتي بيانه بإذن الله)، وبهذا ستبقى الأمة المسلمة متفوقة دائمة على الأمم الأخرى لأنها أخذت بالشريعة وليست كالأمم الأخرى التي أخذت بالعقل، فالعقل لن يستطيع الموازنة عبر «الأجيال» بين الإنفاق العسكري المستمر ومقدرة المجتمع على إيجاد المال لدعم هذا الإنفاق، أي أن أمماً ستظهر وتنهار، ثم ستظهر أخرى وتنهار، وهكذا. أما إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن الفوقية للمؤمنين بنص القرآن الكريم، وهو التوضيح الثالث والذي بإمكانك قفزه أخي القارئ للتوضيح الرابع إن لم تكن من المتخصصين في الشريعة.
التوضيح الثالث: الفوقية
هناك وعد من الحق سبحانه وتعالى أن المؤمنين سيكونون على الدوام فوق الكفرة في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهَّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَدمَةِ ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. فالخطاب في الآية واضح أن من اتبعوا الهدى الذي جاء به عيسى عليه السلام سيكونون فوق الكفرة إلى يوم القيامة، ثم يوم القيامة يأتي الحكم فيما اختلف فيه الناس، أي أن الفوقية هي في الحياة الدنيا. كذلك الحال لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، فقد قال تعالى في سورة النساء: ﴿الذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. فهل معنى الآية أن المسلمين الذين تسلط عليهم الكفار ليسوا بمؤمنين ؟ لننظر أولاً لأبرز ما قاله علماء التفسير. جاء في أحكام القرآن لابن العربي ملخصاً مفاده:
۱۱۹۲ 🗏
«قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ، الآية ١٤١، هذا خبر والخبر من الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، ونحن نرى الكافرين يتسلطون على المؤمنين في بلادهم وأبدانهم وأموالهم وأهليهم، فقال العلماء في ذلك قولين: أحدهما: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً في الحجة، فلله الحجة البالغة. الثاني: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً في الحجة يوم القيامة. قال القاضي : أما حمله على نفي وجود الحجة من الكافر على المؤمن فذلك ضعيف لأن وجود الحجة للكافر محال، فلا يتصرف فيه الجعل بنفي ولا إثبات. وأما نفي وجود الحجة يوم القيامة فضعيف لعدم فائدة الخبر فيه وإن أوهم صدر الكلام معناه لقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَمَةِ﴾، فأخر الحكم إلى يوم القيامة وجعل الأمر في الدنيا دولة، تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة. ثم قال: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته، وإنما معناه ثلاثة أوجه: الأول: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم كما جاء في الحديث: ( ودعوت ربي ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها). الثاني: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً منه إلا أن تتواصوا بالباطل ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلكم. وهذا نفيس جداً. الثالث: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالشرع، فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع، ونزع بهذا علماؤنا في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم وبه قال أشهب والشافعي لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه، والملك بالشراء سبيل فلا يشرع ولا ينعقد بذلك. وقال ابن القاسم عن مالك وهو قول أبي حنيفة: إن معنى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، في دوام الملك لأنا نجد ابتداءه يكون له عليه، وذلك بالإرث. وصورته أن يسلم عبد كافر في يدي كافر فيلزم القضاء عليه ببيعه، فقبل الحكم ببيعه مات، فيرث العبد المسلم وارث الكافر، فهذه سبيل قد ثبتت ابتداء ويحكم عليه ببيعه. ورأى مالك في رواية أشهب والشافعي أن الحكم بملك الميراث ثابت قهراً لا قصد فيه. فإن قيل : ملك الشراء ثبت بقصد اليد، فقد أراد الكافر تملكه باختياره، قلنا: فإن الحكم بعقد بيعه وثبوت ملكه فقد تحقق فيه قصده، وجعل له سبيل اليد وهي مسألة طويلة عظيمة وقد حققناها في مسائل الخلاف، وحكمنا بالحق فيها في كتاب الإنصاف لتكملة الإشراف، فلينظر
هنالك».
إن السابق وتأويلات أخرى مشابهة قد لا تكون مقنعة، ذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، خبر، ولأن الخبر من الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن يقع خلافه، بينما نرى بوضوح على مر التاريخ أن الكافرين تسلطوا على المسلمين في بلادهم وأهليهم وأموالهم كما قال ابن العربي. والخبر هنا نفي جازم في قوله تعالى: ﴿وَلنْ﴾ . فما هو تأويل الآية إذاً؟
إن الإجابة والله أعلم تكمن في صيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فقد يكون للكافرين أو الكافر الفرد سطوة على المؤمن الفرد أو جماعة صغيرة من المؤمنين) إن سافر المؤمن لبلاد الكفر. أما المؤمنين كجماعة فلن يصيبهم ظهور من الكفار بإخبار الآية. إلا أنك قد تقول: إن للكافرين ظهور واضح على المؤمنين في فلسطين عندما استولى اليهود على القدس في القرن العشرين مثلاً، وعندما استولت القوات الأمريكية على العراق في أواخر القرن العشرين، أو حتى عندما هزم الحجاج في مكة المكرمة الخليفة عبد الله بن الزبير ومن معه من المؤمنين. ولكن هل هؤلاء الذين تم احتلالهم مؤمنين في مجموعهم، أم أن من
١١ الشركة
۱۱۹۳
بينهم
الكثير من المنافقين؟ لاحظ أن هناك تفريق واضح في خطاب الآية: هل هو للفرد أم للجماعة؟ فقد يكون هناك مؤمن أو عدد كبير من المؤمنين بين جماعة إلا أنها غير مؤمنة بالكامل. فوضعية أن يكون الجميع مؤمناً هو وضع شبه محال. فهل هذا يعني أن الآية معطلة والعياذ بالله؟
C
لقد ذكرت سابقاً بأن الجماعة تعتبر مؤمنة حتى وإن وجد بها منافقون إن هي حكمت بشرع الله. أي أن للجماعة المؤمنة شروط حتى تفوز بالصفة كجماعة في قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ومن أهم هذه الشروط تطبيق مقصوصة الحقوق (تذكر ما قلناه في فصل «القذف بالغيب عند الحديث عن أنواع الجماعات، وفي فصل «ابن السبيل» في تأويل آيتي سورة الروم والزمر). فمتى ما طبقت مقصوصة الحقوق أصبحت الجماعة من الْمُؤْمِنِينَ كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده عندها فقط تكون هي الجماعة التي لن يكون للكافرين عليها سبيلاً على الدوام. فهي جماعة منصورة باستمرار. أما إن ظهرت دولة إسلامية قوية كالعثمانيين أيام السلطان سليمان القانوني مثلاً، فهي دولة قوية آنياً ولن تستمر فعلو شأنها مؤقت كما تعلو أي أمة كافرة على أخرى. كما أن ما ذهب إليه بعض الفقهاء بأن المقصود هو الحجة، أو أن المقصود أن هذا سيقع يوم القيامة أو غير ذلك من مخارج مثل أن يرث وارث الكافر العبد المسلم، فهذه تأويلات تصطدم مع قوله تعالى: ﴿سَبِيلًا﴾. تدبر الآية مرة أخرى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. فهي واضحة في الإخبار : فأي طريق لعزة الكافرين على المؤمنين مهما صغر أو ضعف سيعتبر سبيلاً ما . والآية قطعت الطريق على أي تأويل بقوله تعالى:﴿سَبِيلًا﴾ . فالتفوق الاقتصادي سبيل، والتفوق التقني سبيل، والقوة العسكرية سبيل، وهكذا. أي أن الآية تخبرنا أنه لا طريق أبداً يؤدي لجعل الكافرين فوق المؤمنين مهما كان نوعه وصغر حجمه. . ،. وهنا يكون الاستنتاج أنه طالما كان للكافرين على جماعة مسلمة سبيلاً فهي إذاً ليست جماعة مؤمنة برغم أنها تتصف بالإسلام وبرغم أن بين هذه الجماعة الكثير من المؤمنين لأن الحكم كان بغير ما أنزل الله. وهنا نقترب من الوجه الثالث لما ذكره القاضي في الاقتباس السابق من «أن الله سبحانه وتعالى لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالشرع، فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع». فكثيرون هم مثلاً من كانوا صالحين من الحكام إلا أنهم في مسائل الفيء لم يقسموه كما أمرت آية الفيء. أي أن الشريعة لم تطبق بالكامل. وما يدعم هذا الاستنتاج هو وجود الآية بين آيات أتت قبلها وبعدها تصف الوضع بوضوح تام. تدبر الآيات. قال تعالى في سورة النساء:﴿
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ قَدِيرًا ۖ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْن وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلُوُواً أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَبِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُن اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنْ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ
١١٩٤
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذَ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ
خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَوةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَىٰ هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنًا مُّبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. 🗏
لنمر على الآيات السابقة سريعاً: فهي تبدأ بتذكير البشر بأن الله هو الغني الحميد لذلك فإن عليهم أن يتقوه ويتوكلوا عليه. وإن لم يفعلوا فقد يأت الله بقوم آخرين يريدون ثواب الآخرة، ومن صفات هؤلاء القوم أنهم مؤمنين عادلين قوامين بالقسط ولا يتبعون الأهواء في أحكامهم. فهم شهداء الله في الحق حتى وإن كان في ذلك ضرر على أنفسهم أو حتى على أقرب الناس إليهم كالوالدين لأن الله سبحانه وتعالى سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً، فالحق هو الحاكم. فلا تجوز رعاية الغني في الأحكام لغناه، ولا الإشفاق على الفقير لفقره، فالله يتولاهما، فهو سبحانه وتعالى أولى بهما منا البشر وأعلم بصلاحهما (كما قال ابن كثير)، وهذان مثالان متضادان لتوضيح أهمية العدل. وكما مر بنا في الفصول السابقة، فإن الحكم بالأهواء يخرج الأمة من مقصوصة الحقوق، وفي هذا الخروج ظلم أكيد على بعض الناس. أي أن هؤلاء المؤمنين الذين . يأتي بهم الله لا يقضون بأهوائهم، وإن لم يحكموا بأهوائهم فإن الحكم بالتالي بالتأكيد سيكون باتباع مقصوصة الحقوق لأنها هي التي تقيم العدل بين الأفراد فتعتز الأمة وتظهر، أما أولئك الذين يلووا، أي يحرفوا الشهادة واللي هو التحريف وتعمد الكذب) فإن الله العليم الحكيم خبير بأفعالهم. ومن صفات هؤلاء الذين يحكمون بشرعه أنهم يؤمنون بالله ورسوله وما أنزل من الحق في جميع الكتب. ثم تأتي الآية للتذكير بأن من الناس من يؤمن ثم يكفر ثم يؤمن ثم يكفر ثم يزداد كفراً. فمن هم هؤلاء؟ إن تأملت الوضع تاريخياً فلن تجد إلا القلة التي توحد الله كجماعة ثم تكفر كجماعة ثم تؤمن كجماعة ثم تزداد كفراً كجماعة. فالمقصود إذاً بالكفر ليس فقط نكران وحدانية الله عز وجل، بل أيضاً الحكم بغير ما أنزل الله لأنه شرك كما مر بنا في الفصول السابقة. فهؤلاء الذين يوحدون الله الواحد الأحد ثم يحكمون بغير ما أنزل مثل الحكام المعاصرين الذين يرفعون شعار الإسلام ولا يحكمون به كثيرون جداً، فهؤلاء لن يغفر الله لهم (كما تخبرنا الآية) ولن يهديهم سبيلاً لأنهم يحكمون بما أنزل الله تارة ثم يخرجون عن ذلك، ثم قد يعودون ثم يخرجون، وهكذا يتذبذبون بين قبول الإسلام كمشرع وحيد وبين الأخذ من الحضارات الأخرى في الحقوق. وهؤلاء هم
المنافقون حقاً، ومن سماتهم أنهم عادة ما يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لأنهم يبتغون عندهم ) وهذا ما يفعله المعاصرون من السلاطين والحكام مع وزرائهم وليس بالضرورة بموالاة الكفرة سياسياً، ولكن بالاستيراد من أنظمتهم وقوانينهم، وبهذا تتغير مقصوصة الحقوق. وما يؤكد هذا الاستنتاج هو تذكيره سبحانه وتعالى لنا بأن ﴿الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وكلمة جَمِيعًا هنا لابد وأن تعنى العزة في جميع المجالات سواء كانت
١١ الشركة
۱۱۹۵
اقتصادية أو سياسية أو تقنية أو علمية أو عسكرية، أي أن الله القوي العزيز سيعز هؤلاء الذين يحكمون بشرعه في جميع التخصصات والجوانب.
ثم تأتي بعد ذلك الآية التي هي مفتاح الوصول لهذه العزة بتذكيرنا منه سبحانه وتعالى أنه إن سمعنا من الكفار أي استهزاء بآيات الله، ناهيك عن تطبيقها كالحكم بغير ما أنزل الله، فلا يحق لنا الاختلاط مع هؤلاء إن هم خاضوا في أمور الدين باستهزاء لأننا إن فعلنا فسنتأثر بهم وقد نأخذ بالتالي منهم أنظمتهم وعاداتهم وقيمهم وما شابه، وعندها سنحكم بغير ما أنزل الله، وحينئذ فإن النتيجة هي أننا مثلهم لأننا قد نتأثر بما يقولون ويفعلون في أمور معاشنا برغم توحيدنا الله عز وجل. وهذا هو النفاق بعينه. ألا ترى الباحثين المعاصرين الذين يستهزؤون بالشريعة: فهل هناك استهزاء مثل القول بأن الشريعة غير قابلة للتطبيق في عصرنا الحاضر، أو أنها بحاجة للتحديث أو التطوير؟ لقد ورد هذا النهي في آية أخرى في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . فهؤلاء الذين يخوضون في آيات الله وأحكامه يجب الإعراض عنهم لأنهم بالضرورة ظالمون لأن خوضهم سيؤدي للحكم بغير ما أنزل الله، وفي هذا ظلم واقع لا محالة على طائفة من الناس لأن الحكم سيكون بالأهواء بعد الخوض. فهؤلاء الذين يدعون الإسلام ويؤدون الصلاة، وما أكثرهم في أيامنا هذه، إن لم يطبقوا شرع الله. لهذا كان التذكير بأن الله سيجمع المنافقين مع الكفار في نار جهنم. وهذه الآية التي تمنع معهم . عندما يخوضوا في آيات الله آية مهمة سنأتي عليها بإذن الله في الحديث عن المعرفة. أخي القارئ، تدبر الآيات تجد أنها بديعة في دقة وصفها ببلاغة سامية.
الاختلاط
هم من المنافقين
ثم تأتي الآية الأهم لموضوع قص الحق، فيخبرنا الحق الحكيم العليم سبحانه وتعالى، كما ذكر ابن كثير، أن المنافقين يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، أي ينتظرون زوال دولة المؤمنين، فإن كان للمؤمنين فتح من الله، أي نصر وتأييد وظفر، فعندها سيتوددون للمؤمنين بالقول بأنهم كانوا معهم. وهذا لا ينطبق والله أعلم على الفتوحات العسكرية وزوال دولة المسلمين فقط، ولكن على جميع الفتوحات سواء كانت اقتصادية أو تقنية أو علمية والتي تؤدي للعزة العسكرية والتمكن والحكم بشرع الله. أما إن حدث وانتصر غير المسلمين، أي إن كان للكافرين نصيب، وفي جميع المجالات أيضاً كما هو حالنا اليوم، فإن خطاب المنافقين عندها هو إظهارهم للاستحواذ، أي إظهار المساعدة لغير المسلمين إذ أنهم وقفوا ضد المسلمين لصالح الكفرة، كقوله تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ . أي تودد من المنافقين للكفرة ليأمنوا أنفسهم أو لإعجابهم بإنجازات الكفرة فيتفاخرون بالتقرب إليهم وما ذلك إلا لضعف إيمانهم. ألا ترى المؤتمرات التي تقام في شتى أرجاء العالم الإسلامي والتي نادت وأخذت من العالم الغربي منظوماته الاقتصادية مثلاً وطبقتها في عالمنا الإسلامي؟ ألم يستحوذ الشيطان على العلماء والسياسيين بتقديمهم الولاء الكامل لمن هم في الغرب بالتتلمذ على أيديهم وإظهار تقمصهم لأنظمة الغرب في الاقتصاد والعمران والتخطيط وما شابه من تخصصات إنسانية ؟ فإن حدث هذا، فإن التبعية هي السبيل وبالتالي المذلة بالضرورة. أما إن لم يحدث هذا الاتباع، وكان الحكم بشرع الله، فإن العزة حينئذ للمؤمنين. وعندها لن ﴿يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، أي لن يظهر الكفرة على المؤمنين في أي سبيل أي في أي مجال من المجالات سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو علمية أو تقنية أو عمرانية. لهذا أتت المناسبة في الحديث عن المنافقين وصفاتهم في سياق
١١٩٦ 🗏
مثلاً:
الآيات التالية. فهم يخادعون الله. فقيامهم للصلاة عن تكاسل وفي هذا الوصف من خلال الصلاة تأكيد على ضعف إيمانهم لأن الصلاة من أهم الفرائض ومع ذلك يتكاسلون في أدائها، فهم يراؤون الناس بإيمانهم إلا أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً. وهذه آية مرعبة، وكأنها تقول إن المؤمن هو الذي يذكر الله كثيراً. وهؤلاء قلة والله أعلم. ومن صفات المنافقين التذبذب بين المؤمنين والكفرة، ألا ترى هذا الوصف ماثلاً أمامك أخي القارئ في الباحثين فهم برغم إسلامهم إلا أنهم يستقون من الغرب العلوم الإنسانية كالاقتصاد والسياسة والعمران والتخطيط بجميع أنواعها. ثم يأتي التأكيد بالتوجيه على عدم موالاة الكفرة، وهذا ليس فقط في القتال بجانبهم أو تمني انتصارهم، بل في كل شؤون الحياة. فلا موالاة في علم الاقتصاد أو السياسة أو العمران. فإن فعلنا، أي إن واليناهم، فقد جعلنا الله الحق سبحانه وتعالى حجة علينا . لهذا أتى الوعيد بالعذاب الشديد في الدرك الأسفل من النار لكل من كان موالياً للكافرين. وأخيراً تأتي الآية المريحة التي توضح طريق الخروج من هذه الموالاة وذلك بالتوبة والإصلاح والاعتصام بما أنزل الله وبإخلاص. تأمل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه﴾. ففيها توجيه واضح على الاعتصام والإخلاص، وهذان معاً يعنيان الاستمساك بكل شعائر الدين، وهذا بالطبع يشمل مقصوصة الحقوق. أي باختصار: جميع المجتمعات الإسلامية التي حكمها الكفرة على مر التاريخ أو التي ظهر فيها الكفرة على المسلمين، ما غلبت إلا لأنها لم تطبق شرع الله. أي صدق الله : فلن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. ولكن ما علاقة ما سبق من توضيح بهذا الفصل الذي يتحدث عن الشراكة؟ إن كل حضارة ما هي إلا نتاج تطبيق منظومات الحقوق التي تحكمها والتي تتجلى أخيراً في نسقها الإنتاجي الذي يشكل نكهة حضارتها. فكما هو ظاهر فإن الرأسمالية أفرزت الشركات سواء كانت الكبيرة منها كتلك التي تصنع السيارات أو الصغيرة منها كتلك التي تقدم الخدمات المحلية كغسل الملابس. هكذا انتشر هذا النمط الشديد الإنتاج وأصبح عرفاً وكأنه السمة المميزة لهذا العصر برغم أنه لا يتوافق مع الشريعة كما سترى في هذا الفصل بإذن الله. فتقبل سكان الأرض بما فيهم المسلمين الشركات، وهذا القبول فرض نوعاً من المنظومات الحقوقية التي أبعدت المسلمين عن شرعهم، وبهذا انقطع الحبل بين المسلمين وخالقهم العظيم. أي أن قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ هي آية معطلة حالياً لأن أنظمة الحكم وأنساقها الحقوقية ليست كما أمر الحق جلت قدرته، ناهيك عن ضرورة سحب الحياة الإنتاجية للمجتمعات البشرية للفساد بسبب هذا النمط من الشركات. ولأن الصلة بين المسلمين وخالقهم انقطعت في مقصوصة الحقوق، كان لابد من ظهور الكفرة على المؤمنين كما هو واقع اليوم. ولا وسيلة للعودة إلا بتطبيق مقصوصة الحقوق. أي لن يتغير الحال إلا عندما نغير ما بأنفسنا كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾». وأن هذا التغيير للوهن والضعف ليس إلا لأن المسلمين قد تغيروا فغير الله حالهم كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةَ أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أَي أن هناك سنناً ربانية لظهور وأفول الحضارات فما من حضارة إلا ستذبل بعد ظهورها إلا الحضارة الإسلامية فهي الدائمة عزاً بإذن الله إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن الله سبحانه وتعالى لن يجعل لكل من في الأرض سبيلاً على المسلمين مهما أوتي الكفرة من قوة لأن المسلمين دائماً هم الأقوى طالما طبقوا شرع الله.
11 الشركة
۱۱۹۷
التوضيح الرابع : التموجات المتلاطمة
ولكن لماذا وضعتُ تفسير هذه الآية: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ في هذا الفصل بالذات؟ هنا نأتي للتوضيح الرابع لتوضيح الصورة الحالية للحضارات البشرية من ضياع تخيل أخي القارئ أن الحضارة المعاصرة هي نتاج تموجات متصارعة أو متلاطمة من التفاعلات بين آليات الحقوق والخيرات على الأرض. وأقول «تموجات متلاطمة» لأن التفاعل بين آليات الحقوق والخيرات له اتزان قد يكون عادلاً أو ظالماً أو وضعاً بين النقيضين أو الضدين بناء على كيفية التفاعل. فمثلاً ( وكما سترى في باقي الكتاب بإذن الله) هناك حقوق معينة لاستغلال الموارد، وهناك من جهة أخرى الابتكارات المعرفية، والاتزان بينهما يتجلى في موجة تدفع الحضارة باتجاه معين. فعلى سبيل المثال: إن كان للشركات الحكومية الحق في استخراج النادر من الموارد مثل الذهب أو النفط، فإن التقنية ستتجه بطريقة تخدم الحجم الكبير للمؤسسات التي تستخرج الثروات بأن تكون مصافي التكرير للنفط ذات استيعابيات كبيرة، وبهذا تتطور المصافي مركزياً. وستظهر شركات عظمى للتسويق لأنها تتعامل مع الدولة. أما إن كان حق الاستخراج لمؤسسات أصغر، أو حتى لأفراد، فإن التقنية ستحاول اللحاق بهم بأن تدفع المصافي باتجاه يناسب تلك الأحجام من العاملين؛ وكذلك التسويق، وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله.
وهناك اتزان آخر بين المعرفة ووعي السكان الخطورة استخدام الطاقة النووية مثلاً، وهناك اتزان ثالث بين استخدام الطاقة النفطية والتكتلات الحزبية السياسية في تبني التوجهات كما حدث بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية عندما فاز أوباما بالحكم، وهناك اتزان رابع بين السياسة الاقتصادية للدولة في إنشاء المساكن وبين كميات الخرسانة المتوافرة. وهكذا من مئات الاتزانات بين المتناقضات، وكأن الحضارة بحر جار توجهه هذه التموجات المتلاطمة، وأن هذه التموجات تُوجه باتزانات بين المتناقضات (كالأمثلة السابقة) يصرع أقواها أضعفها لوضع بين الحالين يعكس اتزانهما لتتجه منتجات المجتمعات نحو الضروريات أو الكماليات، ونحو الإتقان الضروري أو الإتقان التسويقي، ونحو الإسراف في استخدام الموارد أو الترشيد في استهلاكها، ونحو منتجات ضارة بالبيئة أو صديقة لها، ونحو منتجات جميلة أو قبيحة، ونحو منتجات ذات سعر مقبول أو سعر مرتفع، ونحو منتجات ذات تشابه فيما بينها أم فذة في ذاتها، ونحو منتجات تُنقل لشتى بقاع الأرض أو لا تستهلك إلا في موطن صناعتها، وهكذا من منتجات (سلعية وخدمية لا تعكس إلا الاتزان الناتج من الصراع بين الأصاد والموجه لتلك التموجات لتتشكل حضارة البشر.
وهذا الاتزان (والذي قد يكون فاسداً) يتجلى بالطبع في منظومة الحقوق من خلال القوانين والأنظمة. ففي العالم الغربي كانت الثورة الصناعية التي وجهت الحضارة الغربية إنتاجياً نحو إيجاد مجتمعات استهلاكية تعكس طموح أصحاب رؤوس الأموال بالتواطؤ مع متخذي القرارات أحياناً. فكان التلوث البيئي والمجتمع الاستهلاكي واتساع الفوارق المادية بين الطبقات. وبالطبع فإن هذا المسار غير صالح للبشرية لأنه سيسحبها للدمار كما هو متوقع. والمسار الصحيح هو ما وضعته الشريعة والذي سنركز فيه في هذا الفصل على الشركات كفرقان بارز الملامح بين الحق الذي أتى به الشرع والباطل الذي انتشر من خلال الشركات المعاصرة. والربط بين التوضيحين الثالث والرابع، هو أنه لا يمكن للأمة المسلمة أن تظهر على مجتمعات الكفر لنشر السعادة على وجه الأرض بإخراج المجتمعات من الانحلال الخلقي والتلوث البيئي إلا بالرجوع للصراط المستقيم والذي من أبرز معالمه ضرورة
۱۱۹۸ 🗏
تغير أنماط الإنتاج من شركات غربية السمة لا تعكس إلا الاتزان المبني على الأهواء، إلى شركات إسلامية الهوية تعكس تطبيق مقصوصة الحقوق. فقط عندها إن نحن غيرنا ما بأنفسنا من نمط إنتاجي، يغيرنا الحق سبحانه وتعالى من أمة ذليلة إلى أمة عزيزة تسحب البشر للسعادة، وهذا يسحبنا للتوضيح الخامس عن النمط الإنتاجي.
التوضيح الخامس : مفهوم الشركة
كما ذكرت في فصل «القذف بالغيب» فعندما نقول «شركة» في أيامنا هذه فإن المفهوم في الأغلب هو مؤسسة يملكها أفراد ويعمل بها آخرون غير المالكين. وهذا لن يكون إن طبقت مقصوصة الحقوق إذ أن الملاك سيكونون هم الذين يعملون في شركاتهم برغم استعانتهم بآخرين في بعض أعمالهم. أي أن معظم من يعمل في الشركات سيكونون م ن ملاكاً. وشتان بين الحالين وكما ذكرت سابقاً، فإن للرأسمالية من خلال الأسواق المالية وبنوكها وبورصاتها وأسهمها وما إليها من أدوات ومؤسسات هدف واحد ألا وهو تجميع أكبر قدر ممكن من المدخرات لتحويلها كقروض لمن أرادوا العمل والإنتاج. وبهذا ينمو المجتمع اقتصادياً بزيادة الإنتاجية. وقد يقوم عدة أشخاص بالاشتراك والاقتراض والعمل. هنا نجد أن من ينتج لا يعمل بماله في الغالب، بل قد يكون أجيراً أو يعمل بمال غيره الذي اقترضه، وهذه عادة ما تسمى بـ شركات الأشخاص». إلا أن النمط الذي انتشر كما مر بنا هو نظام «شركات الأموال» والذي يمكن تلخيصه بجملة واحدة هي: إن مآل هذه الشركات هي أن من يملكون الشركة هم غير الذين يعملون بها. فماذا كان موقف الفقهاء المعاصرين من هذا النمط الإنتاجي؟
إن آفة الشركات فشت لدرجة أن العلماء وجدوا أنفسهم في حرج من منع الناس من التعامل مع الشركات التي تتعامل بالربوا، فظهرت الفتاوى حيال المسألة. وإليك مقتطفات مما جاء مثلاً في قرار الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية رقم ٤٨٥ للضوابط التي يجب أن تُراعى في الاستثمار والمتاجرة في أسهم الشركات المساهمة.
والضوابط هي:
«أولاً: إن جواز التعامل بأسهم تلك الشركات مقيد بالحاجة، فإذا وجدت شركات مساهمة تلتزم اجتناب التعامل بالربا وتسد الحاجة فيجب الاكتفاء بها عن غيرها ممن لا يلتزم بذلك. ثانياً: ألا يتجاوز إجمالي المبلغ المقترض بالربا سواء أكان قرضاً طويل الأجل أم قرضاً قصير الأجل (٢٥٪) من إجمالي موجودات الشركة، علماً أن الاقتراض بالربا حرام مهما كان مبلغه. ثالثاً: ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج عن عنصر محرم (٥%) من إجمالي إيراد الشركة سواء أكان هذا الإيراد ناتجاً عن الاستثمار بفائدة ربوية، أم عن ممارسة نشاط محرم، أم عن تملك المحرم أم عن غير ذلك. وإذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعى في ذلك جانب الاحتياط. رابعاً: ألا يتجاوز إجمالي حجم العنصر المحرم - استثماراً كان أو تملكاً لمحـرم – نسبة (١٥٪) من إجمالي موجودات الشركة والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء».
ولعل أول سؤال يضرب النفس هو على أي أساس وضعت هذه النسب الرقمية؟ وهل الشريعة هكذا؟ ولا أريد أخي القارئ هنا أن أضيع الوقت في الرد على السابق لركاكته. فبعد قراءة هذا الفصل ستتمكن بإذن الله
١١ الشركة
۱۱۹۹
هو.
الخمر ؟
حاصل
بنفسك من معرفة القصور الجذري في مثل هذه الفتاوى التي تحاول أقلمة الإسلام لوضع فاسد أصلاً . فما ـ في الفتوى هو أنها ردة فعل على وضع لن يظهر إن طبقت الشريعة (تذكر مثال مرض الإيدز). فلن تتراكم الأموال عند الأفراد أصلاً بشكل أموال فائضة لوضعها في البنوك أو لاستثمارها في شركات تتعامل بغير شرع الله لتظهر الفتاوى، حتى وإن تراكمت عند البعض فستجد لها منافذ استثمارية مباشرة دون المرور على البنوك (وهو موضوع هذا الفصل والذي يليه بإذن الله. أما الهيئة الشرعية لشركة «دلة البركة» فقد أجازت تملك أسهم الشركات التي لا تزاول نشاطاً محرماً (مثل بيع الخمر إلا أنها تتعامل في إيداعاتها واقتراضها بالربوا شريطة احتساب النسبة الربوية وصرفها في أوجه الخير. وهنا بالطبع سيظهر سؤال مباشرة، ألا وهو: أليس الربوا أشد حرمة من بيع ومن العلماء من وضعوا في حرج لأنهم يرون أموال الناس بحاجة للاستثمار، ويرون أن النهضة الحضارية تقع في معظمها على عاتق الشركات الكبرى مثل شركات الاتصالات والكهرباء، وأن هذه الشركات بحاجة للأموال إذ لا مفر من اقتراضها إلا بالفوائد وإيداع احطياتياتها في البنوك بأخذ الفوائد، وبهذا ظهرت الحاجة للفتوى! فهذا الشيخ عبد الله بن منيع يقول: «إن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات الاستثمارية لاستثمار مدخراتهم فيما لا يستطيعون الاستقلال بالاستثمار فيه، كما أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء». فكانت الفتاوى التي قاست مسألة الإسهام بشركات تتعامل بالربوا على مسألة العرايا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويلحق بالعرايا ما كان في معناها لعـوم الحاجة إلى ذلك». ولهذا يرى هؤلاء العلماء مثل د. القرة داغي أن الإسهام في هذه الشركات يلبي حاجةً عامة للأمة، دولة وأفراداً، فتنزل منزلة الضرورة الخاصة، فيجوز الإسهام فيها وإن كانت تتعامل بالربوا إيداعاً واقتراضاً. ولا حاجة هنا للرد على هذه الفتاوى، إذ قد يقوم بها آخرون باستفاضة بإذن الله، ولكن ما أود التنويه إليه في هذه المسألة . أن هذه هو الفتاوى وُضعت لعلاج فساد ظهر بسبب عدم تطبيق مقصوصة الحقوق، فإن جاريناه بالفتاوى دون جذ الفساد من جذره، فإن الإسلام سيتغير لنظام حقوقي آخر من صنع أهواء بعض المسلمين ليوائم أهواء البشر من المنافقين، وهذا ليس بإسلام، وبالتالي سيظهر الكفرة على المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن جهة ثانية، فإن للشركات أجهزة إدارية تنفيذية وأدوات وآلات وما شابه مما وضع بعض المفكرين المسلمين في حرج أيضاً حول إمكانية التفاعل معها. فهذا أبو الأعلى المودودي من كبار المفكرين يقول ناقداً الآلة
مثلاً:
(۲) ولقد كانت هذه المغالاة في مبادئ الاقتصاد الحر غلطة عظيمة في عصر الانقلاب الصناعي خاصة، لأن الانقلاب قد جاء بتغيير أساسي في طريق الإنتاج، ذلك أن الأعمال التي كانت القوى الإنسانية والحيوانية تقوم بها من قبل، أصبحت تقوم بها الطاقة الآلية ، وكان من نتيجة ذلك أن أصبح عشرة رجال ينجزون من العمل ما كان ينجزه ألوف منهم من قبل، فمن صميم طبيعة هذا الطريق للإنتاج أنه يشغل قليلاً من الناس ويعطل منهم العدد العديد. في مثل هذا الطريق كانت الدعوة المطلقة إلى الملكية الفردية وحرية السعي والمطالبة بعدم تدخل الحكومة في سعي الأفراد مبنية، من أساسها، على الخطأ الفاحش. كيف يمكن أن يباح لفرد أو طائفة من الأفراد أن ينشئوا معملاً كبيراً لإنتاج نوع خاص من البضائع لمجرد أن بأيديهم من الوسائل والثراء ما يقدرون به على إنشائه، ثم يتركوا وشأنهم لا يأبهون، في قليل ولا كثير، لما قد يعود به عملهم هذا من التأثيرات السيئة في معيشة
۱۲۰۰ 🗏
ألوف من أهالي البلاد ممن كانوا ينتجون ذلك النوع الخاص من البضاعة نفسها في بيوتهم ومتاجرهم ومعاملهم اليدوية الصغيرة؟ وليس معنى ذلك أنه ما كان ينبغي أن تسخر طاقة الآلة في صناعة المنتجات والأدوات أصلاً، إنما المراد أنه ما كان ينبغي أن يؤذن باستعمال هذه القوة إذناً مشاعاً عاماً، وكان على الحكومة، منذ أول الأمر، أن تفكر في تهيئة الأسباب - في الوقت نفسه – لمعاش أولئك الذين جاءت هذه الصناعة الجديدة معطلة لهم ولشؤون معاشهم. فلما لم يكن الأمر كذلك، نشأت مسألة البطالة البشرية من قبل، وذلك بسبب طريق الإنتاج الميكانيكي، ومن المعلوم أن البطالة ليست مسألة واحدة، بل هي مورثة لكثير من المسائل، وهي الموجب الأكبر والسبب الأعظم لكثير من معضلات الحياة الإنسانية المادية والروحانية والخلقية والمدنية. ومن ههنا ينشأ السؤال التالي: هل لفرد أو طائفة من الأفراد أن يتصرفوا في ملكيتهم على وجه تتولد معه مثل هذه المعضلات العديدة في الحياة الاجتماعية؟ وكيف يسوغ لرجل قد أوتي حظاً من العقل أن يدعي عن مثل هذه التصرف الظالم أنه من أثرة الأفراد المتنورة التي لا تزال بنفسها تسدي العروف إلى المصلحة الجماعية وتخدمها خدمة دائمة؟ أما الرأي في مثل هذه التصرفات الفردية بأنه على الحكومة القومية أن تأخذن بها إذناً عاماً ثم تسكت عليها وتغمض عينها عن الآثار التي تصيب حياة الأمة كلها من جراء أعمال شرذمة من الناس، فهو رأي لا يقوم على أساس معقول . (۳) فلما عطل طريق الإنتاج هذا ألوفاً، بل مئات ألوف، من الناس اضطروا جميعاً أن يخرجوا من مدنهم وقراهم وحاراتهم وأزقتهم يقصدون التجار وأصحاب المعامل والمصانع ويتلمسون منهم لأنفسهم الرزق بطريق الجعالة أو المشاهرة، ، كانت النتيجة الحتمية لذلك أن اضطرهم الجوع أن يشتغلوا عند أولئك الرأسماليين بأجرة قليلة عرضوها عليهم. ثم إنهم ما وجدوا وجه المعاش كله، بل ظل عدد كبير من الرجال القادرين على العمل من غير عمل دائم. والذين أسعدهم الحظ ووجدوا لأنفسهم الشغل ما كانوا ليساوموا الرأسمالي ليتفق معهم على شروط إنسانية معقولة لأنهم هم الذين جاؤوا إليه يلتمسون منه الرزق، وإنهم لو لم يقبلوا ما عرض عليهم الرأسمالي من الشروط لما وجدوا شيئاً يمسكون به أرماقهم، ولو أنهم أصروا على شروطهم وأبوا النزول عنها، لوجد الرأسمالي ألوفاً غيرهم يتهافتون على عتبة بابه ملتمسين منه العمل ينتافسون في الوصول إليه على شروطه ......
إن نظرنا للاقتباس السابق للمودودي أثابه الله على اجتهاده سنلحظ أنه ينقد الثورة الصناعية التي أفرزت الآلة التي تعطل الكثير من الأيدي العاملة، وأن هذا التعطيل لابد وأن يواجهه المجتمع بنوع من التقنين. فهو يتساءل عن حال هؤلاء العاطلين ويطالب الدولة بتهيئة الأسباب لمعاشهم. وهنا لابد من التنبيه على أن هذه الآلات مستوردة من مجتمعات ذات نظام اقتصادي لا يفتح المجال أمام الجميع بالتساوي للوصول للخيرات كما يفعل الإسلام. فتجمعت الأموال لدى البعض كما ذكرت مراراً، فاتجه المجتمع تقنياً للإنتاج بكميات كبيرة بطريقة تعتمد على الكثير من الأجراء، فظهر الاستعباد بين طبقات المجتمع. أما إن طبقت الشريعة، فإن هذا لن يحدث ابتداءً، ولن يتمكن ثري من جلب مثل هذه الآلات لأنه لن يجد من يستأجره لتشغيل هذه الآلات إلا بسعر مرتفع لانعدام البطالة. أي لن تظهر مثل هذه الآلات ولن يظهر الاستعباد، وإن جلبت الآلات من الخارج فسيكون كل من يعمل عليها شريكاً فيها. حتى وإن ظهرت هذه الآلات فلن تظهر البطالة لأن الفائض من الأيدي العاملة سرعان ما يجد منفذاً ليُستثمر في مجال آخر. وأرجو ألا تفهم أخي القارئ من التوضيح السابق أن تطبيق الإسلام لن يؤدي لظهور الآلات، بل على العكس، ستظهر الآلات كما سترى بإذن الله وتنتشر لدرجة أنها ستصبح هي الأهم للإنتاج، إلا أن ظهورها وانتشارها سيأخذ صراطاً آخر يتوافق مع النمط الاقتصادي للمجتمع المسلم الذي
الأداة
١١ الشركة
۱۲۰۱
يتسم بزيادة نسبة الملاك، فبدل آلة ضخمة معقدة ستظهر آلات أكثر بساطة وأسرع إنتاجاً بجودة أعلى وتكلفة أقل (وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله . ولأن الآلة أوجدت البطالة كما يقول المودودي، نجده يحث على تدخل الدولة لتنظيم استخدام الآلات خوفاً على المعدمين. وفي هذا التدخل تغيير المقصوصة الحقوق لأنه يؤدي لمركزية اتخاذ القرار كما وضحت مراراً. فيقول في فصل آخر بعنوان: «تشخيص الداء وعلاجه»:
مالك وهو
«وسائل الإنتاج الأخرى: لا يفرق الإسلام بين الأدوات الاستهلاكية ووسائل الإنتاج حتى تكون الملكية الشخصية مشروعة في هذه وغير مشروعة في تلك، بل يجوز في نظره كل الجواز أن ينتج المرء أو يبيعه من غيره . وله أن يقوم بهذا العمل بنفسه أو يستأجر له غيره. ء شيئاً من مرافق الحياة ثم يـب يهيء مشروع لكل ما يستخدم لإنتاج مثل هذه الأشياء أو تهيئتها من المواد الخام أو الآلات أو المعامل. وهذا مشروع له في العصر الحاضر كما كان مشروعاً له قبل الانقلاب الصناعي. أما الصناعة أو التجارة المطلقة غير المقيدة بشيء فما كانت صحيحة قبل الانقلاب الصناعي ولا تصح الآن، وكان لا يزال من اللازم تقييدها على حسب المبدأ الإسلامي بطائفة من القواعد نذكرها فيما يأتي: ١) ينبغي ألا يسمح : بأن يستعمل في الصناعة والتجارة اختراع فني يستخدم الطاقة الآلية مكان الطاقة الإنسانية، حتى يتبين، بكل دقة، عدد من يعطلهم ويؤثر في معيشتهم من أفراد المجتمع، ثم يعمل على تهيئة الأسباب لمعيشتهم (۲) ولا شك أن التعيين الحقيقي بين المستأجرين والأجراء في الحقوق والواجبات والشروط إنما يتم باتفاق الفريقين وتراضيهما، ولكن على الحكومة أن تضع، في هذا الشأن، مجموعة من مبادئ العدل والتفاهم كالمستوى الأدنى لما يناله كل عامل من المشاهرة أو الأجرة، والحد الأطول لأوقات الشغل وما لكل عامل على الأقل من حق العلاج في حالة المرض وحق التدارك في حالة الضرر الجسدي، وحق الإحالة على المعاش في حالة عدم القابلية للعمل، وما إليها من الأمور الأخرى. (۳) ينبغي أن تلقي الحكومة على عاتقها تبعة الفصل بين المستأجرين والأجراء فيما يقوم بينهم من المشاجرات والخصومات ...» ..
تلحظ أن المودودي في الاقتباس السابق يقر بعدم تفريق الإسلام بين أدوات الاستهلاك ووسائل الإنتاج،
.
وأن الشريعة لا تقف حائلاً أمام الآلة، إلا أنه مع هذا يذهب لتقييدها. والسؤال هو: أو لا يؤدي هذا الرفض للآلة لتخلف كبير لأنه يعني ضمناً رفض التقدم التقني؟ وأي آلة ستقبل وأي آلة ستُرفض؟ ومن يقرر ذلك؟ كما أنه يريد الدولة أن تنظم العلاقة بين مالك الآلة والأجير والسؤال هو: أليست هذه العلاقة مقصوصة أصلاً في الشريعة؟ فقد قصت الحقوق بطريقة واضحة كما سيأتي بإذن الله . وأي تدخل لتنظيم العلاقة إما أن يكون باتباع الشرع، وهذا لا حاجة له لأن الشريعة أتت به، أو أن في التدخل استحداث لتنظيم جديد، وفي هذا تغيير المقصوصة الحقوق. وهذا يأتي بنا إلى التوضيح السادس الذي يدور حول تمكن الناس من استعباد بعضهم البعض.
التوضيح السادس والأهــم: التسخير أم التذليل
هذا الفصل عن الشركة، وهو موضوع مهم برغم أنه «فرع» ينبثق من العقيدة الاقتصادية للمجتمع. لأوضح هذا بمثال: إن السعودية تعد من أكثر الدول الإسلامية تمسكاً بالإسلام كما يقال، ولأنه لم يفتح فيها المجال أمام الجميع للوصول للخيرات، فقد انتهى توزيع الثروات عام ١٤٣٠هـ بوضع كان فيه ثلاثة ملايين فرد تحت خط الفقر، كما أن %٩٪ من أسر سكان المدن الرئيسة فقط هي التي يزيد دخلها عن ستة آلاف ريال، بينما أكثر من
۱۲۰۲ 🗏
ستين ألف ملياردير سعودي تزيد ثروات أحدهم عن ألف مليون ريال (وهذا الرقم الأخير لا يُصدق إلا أنه منشور). تأمل هذا التناقض الفاحش في توزيع الثروات بين قلة متنفذة وسواد لا يجد إلا القليل. فهذه آفة تؤدي إلى ظهور الشركات ذات النمط الاستعبادي لأن الأثرياء يسخّرون الفقراء للعمل لديهم، فيظهر الهدر في جميع المستويات. حتى وإن كان التوزيع أكثر عدلاً كما هو الحال في الدول الغربية المتقدمة تقنياً، فإن النمط الإنتاجي كما وضحت سابقاً سيكون مرتكزاً على النمط الغربي المؤدي للهدر والذي من أهم سماته تقسيم الناس لملاك للشركات من جهة، وأجراء عاملين من جهة أخرى. أي برغم أن مسألة أنماط الشركات «فرع» في علم الاقتصاد، إلا أنها عصب رئيس لنمط الاقتصاد في المجتمع. وشتان بين الإسلام وغيره من الأنماط الاقتصادية في الشركات والذي يتجلى في الاستعباد فكيف هو الحال في الإسلام بالنسبة للشركات؟
لننظر لآخر آية في سورة الأنعام، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءَاتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ثم قارن السابق بقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . إن من ينظر لواقع الحال ويقرأ الآيات، وبالذات آية سورة الزخرف سيقتنع من قوله تعالى: ﴿سُخْرِيًَّا﴾ أن المجتمع المسلم أو غير المسلم ذو تركيبة اقتصادية «طبقية» بنص الآية، لأن الآية تتحدث عن المعيشة وأن البعض مسخر للبعض الآخر بدليل رفع البعض فوق البعض في الحياة الدنيا في آيتي الأنعام والزخرف. وهنا قد يكون الاستنتاج، كما ذهب بعض المفسرين، على أنه لا مفر من حياة إنتاجية ذات تركيب طبقي يُسخر فيه الناس بعضهم «فوق بعض برغم أن خطاب آية الزخرف لغير المسلمين. والسؤال هو: هل هذه البعضيات للناس المسخرة بعضها فوق بعض تدور أم أنها ثابتة على الدوام كالرأسمالية. فمن هو مسخر للآخرين هل سيبقى في الإسلام، كما في النظام الرأسمالي، مسخر على الدوام، أم أن التسخير مؤقت، أي أن زيداً مسخر لعبيد اليوم، وعبيد مسخر لزيد غداً، أم أن زيد مسخر لعبيد على الدوام (وكنا قد تطرقنا لهذا في فصل «القذف بالغيب»). والإجابة باختصار هي أن التسخير في الإسلام يدور ، لذلك استخدمت تعبير «تذليل» كما مر بنا في فصل «القذف بالغيب»، أي أنه ليس بتسخير دائم بينما في النظم الرأسمالية فهو شبه ثابت، لذلك كنت قد استخدمت كلمة «تسخير». كيف؟ لننظر لتأويل آيتي سورة الزخرف أولاً: جاء في تفسير الطبري: «يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش لما جاءهم القرآن من عند الله: هذا سحر، فإن كان حقاً فهلا نزل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين مكة أو الطائف. واختلف في الرجل الذي وصفوه بأنه عظيم. فقالوا: هلاً نزل عليه هذا القرآن فقال بعضهم: هلا نزل على الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من أهل الطائف. ذكر من قال ذلك .... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جل ثناؤه مخبراً عن هؤلاء المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ، إذ كان جائزاً أن يكون بعض هؤلاء ولم يضع الله تبارك وتعالى لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. والاختلاف فيه موجود على ما بينت. وقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ، يقول تعالى ذكره: أهؤلاء القائلون لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يا محمد يقسمون رحمة ربك بين خلقه فيجعلون كرامته لمن شاؤوا وفضله لمن أرادوا؟ أم الله الذي يقسم ذلك فيعطيه من
١١ الشركة أحب ويحرمه من شاء؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك . وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾، يقول تعالى ذكره: بل نحن نقسم رحمتنا شئنا وكرامتنا بين من من خلقنا، فنجعل من شئنا رسولاً ومن أردنا صديقاً، ونتخذ من أردنا خليلاً كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون بها في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات، فجعلنا بعضهم فيها أرفع من بعض درجة، بل جعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً وهذا ملكاً وهذا مملوكاً ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: قتادة قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ ، فتلقاه ضعيف الحيلة عي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه. قال الله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا، كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى.
ثنا سعيد عن
وقوله: ﴿لَيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا﴾، يقول: ليستسخر هذا هذا في خدمته إياه، وفي عود هذا على هذا بما في يديه من فضل، يقول: جعل تعالى ذكره بعضاً لبعض سبباً في المعاش في الدنيا. وقد اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله : ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، فقال بعضهم معناه ما قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال : ثنا أسباط عن السدي في قوله: ﴿لَيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، قال: يستخدم بعضهم بعضاً في السخرة. حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، قال: هم بنو آدم جميعاً. قال: وهذا عبد هذا ورفع هذا على هذا درجة فهو يسخره بالعمل يستعمله به كما يقال سخر فلان فلاناً. وقال بعضهم: بل عنى بذلك ليملك بعضهم بعضاً. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا عبيد بن سليمان عن الضحاك في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، يعني بذلك العبيد والخدم سخر لهم. حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا ، ملكة. وقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، يقول تعالى ذكره: ورحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير لهم مما يجمعون من الأموال في الدنيا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة: ورحمة ربك خير مما يجمعون يعني الجنة».
تلحظ
۹
۱۲۰۳
من التأويلات السابقة وكأن قدر الناس (حتى تكون هناك (حياة) هو تواجدهم في طبقات اجتماعية
بعضها فوق بعض . فمثلاً ، من قول ابن زيد: «هم بنو آدم جميعاً ... وهذا عبد هذا، ورفع هذا على هذا درجة، فهو
...
يسخره بالعمل، يستعمله به، كما يقال: سخر فلان فلاناً». وهناك من قال: «بل عُني بذلك ليملك بعضهم بعضاً يعني بذلك العبيد والخدم، سخر لهم». فهل هذا صحيح؟ لتصل للإجابة بنفسك، تذكر أخي القارئ بأن الآية موجهة لغير المسلمين، فالخطاب واضح من قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، فهو خطاب موجه للمشركين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكل كافر من بعده لأن الكافر المعاصر غير مقتنع بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسول، لأنه إن اقتنع فقد صدق وبالتالي أسلم. أي أن الخطاب أزلي. فهو موجه أيضاً لكفار هذا العصر. أي أنهم ذو تركيبة طبقية بالضرورة كما تخبرنا الآية ولا حياة لهم إلا بهذه الطبقية لأنهم يحكمون بعقولهم. والآن لننظر لتأويل آخر للتأكد من مسألة الطبقية هذه. فقد جاء في «فتح القدير»:
«فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، يعني النبوة أو ما هو أعم منها
١٢٠٤
والاستفهام للإنكار. ثم بين أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا، فقال: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ولم نفوض ذلك إليهم، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء، بل الحكم لله وحده، وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم ورفع درجات بعضهم على بعض فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟ قال مقاتل: يقول أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا؟ قرأ الجمهور (معيشتهم) بالإفراد. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن (معايشهم) بالجمع . ومعنى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ، أَنه فاضل
بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم. ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض فقال : لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا، أي ليستخدم بعضهم . بعضاً، فيستخدم الغني الفقير والرئيس المرءوس والقوي الضعيف والحر العبد والعاقل من هو دونه في العقل والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجاً إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا ويصنع هذا لهذا ويعطي هذا هذا. قال السدي وابن زيد سخرنا خولنا، وخدما يسخر الأغنياء الفقراء، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض. وقال قتادة والضحاك : ليملك بعضهم بعضاً. وقيل هـو مـن السخرية التي بمعنى الاستهزاء، وهذا وإن كان مطابقا للمعنى اللغوي ولكنه بعيد من معنى القرآن ومناف لما هو مقصود
السياق».
۱۰ 🗏
تلحظ من السابق أن فكرة الطبقات الاجتماعية واردة أيضاً كما قال السدي وابن زيد: سخرنا خولنا، وخدما يسخر الأغنياء الفقراء، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض. وقال قتادة والضحاك : ليملك بعضهم بعضاً». أي أن هذه الطبقية كاستنتاج من هذه التأويلات تعتبر من ضروريات استمرار الحياة الإنتاجية في أذهان بعض الفقهاء كما يظهر من التأويلات السابقة. وللمزيد من التأكد لننظر لما جاء في تفسير أبي السعود:
ورفعنا بعضهم فوق بعض في الرزق وسائر مبادئ المعاش درجات متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة، فمن ضعيف وقوى وفقير وغني وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، ليصرف بعضهم بعضاً في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر، ولو فرضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنيئة وهو في طرف الثمام على هذه الحالة، فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين، وهو أبعد
من مناط العيوق؟ ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بأمرها؟».
تلحظ في التأويل السابق أيضاً استنتاج واضح من أن الحياة الإنتاجية تعتمد على الطبقية من قوله : «ليصرف بعضهم بعضاً في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم». ومما يزيد هذا الاستنتاج قوة هو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وأخيراً لننظر لما قاله ابن تيمية، فهو قد تكلم في مسألة العلو وقسم الناس إلى أربعة أقسام إذ يقول رحمه الله :
«فإن الناس أربعة أقسام: القسم الأول يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله. وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء هم شرار الخلق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
١١ الشركة
فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، فقال رجل: يا رسول الله، إنى أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً، أفمن الكبر ذاك؟ قال : لا ، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس). فبطر الحق دفعه وجحده، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم. وهذا حال من يريد العلو والفساد. والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو كالسراق والمجرمين من سفلة الناس. والقسم الثالث يريدون العلو بلا فساد كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس. وأما القسم الرابع فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلَّمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولا؟ وكم ممن جعل من الأعلين وهو لايريد العلو ولا الفساد؟ وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم لأن الناس من جنس واحد. فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم، ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه لأن العادل لا يحب أن يكون مقهوراً لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر. ثم إنه مع هذا لابد له فى العقل والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه. كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا﴾
منهم .
.«...
١٢٠٥
تلحظ من السابق، ومن قوله: «ثم إنه مع هذا لابد له في العقل والدين من أي يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه»، من أن وضع الناس بعضهم فوق بعض أمر وكأنه طبيعي وذلك بالاستشهاد بآيتي سورة الأنعام والزخرف. ومن التأويلات المعاصرة ما ذكره الشعراوي رحمه الله من أن الرفع ليس بدائم. فهذا مرفوع الآن ومرفوع عليه لاحقاً لاختلاف الناس في الملكات والمهارات. أي أن السؤال هو: هل هو قدر الأمة أن تكون ذات تركيبة طبقية ثابتة بعضها فوق بعض؟ أم أن هذه سمة غير المسلمين فقط ؟ وللتوضيح أقول: برغم تشابه آيتي سورة الأنعام والزخرف إلا أن هناك فارق كبير بينهما كما سترى بإذن الله. فآية سورة الزخرف تصف لنا الطبقية الثابتة كعقاب لمن لم يحكم بما أنزل الله . أي أن الطبقات لا تتغير إلا نادراً، فمن هو مرفوع عليه سيبقى على حاله في الغالب؛ بينما آية سورة الأنعام تصف حال الأمة المؤمنة والتي لا توجد فيها طبقية، بل أفراد كل مرفوع حين من الوقت ومرفوع عليه حين آخر. كيف؟ لنقرأ أولاً بتدبر الآيات التي تسبق الآية ٣٢ والتي تأتي بعدها في سورة الزخرف، قال تعالى في الآيات من ٣٠ إلى ٣٥: ﴿
وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَوةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
١٢٠٦ 🗏
جميعهم
،
وقد مررنا آنفاً على تأويل الآيتين ۳۱ و ۳۲، والآن لننظر لتأويل الآية ۳۳ ببعض التفصيل (فهي مفتاح لفهم سورة الزخرف)؛ مع المرور سريعاً على الآيات التي تليها. جاء في تفسير الطبري الآتي:«يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً﴾ ، جماعة واحدة، ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي لم يؤمن اجتماعهم عليه لو فعل ما قال جل ثناؤه وما به لم يفعله من أجله، فقال بعضهم: ذلك اجتماعهم على الكفر، وقال معنى الكلام ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الكفر فيصير كفاراً، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله: الكلام ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ، يقول الله سبحانه: لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً لجعلت للكفار لبيوتهم سقفا من فضة. حدثنا ابن بشار قال : ثنا هوذة بن خليفة قال: ثنا عوف عن الحسن في قوله: ﴿وَلُوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةَ وَاحِدَةً﴾ ، قال : لولا أن يكون الناس كفاراً أجمعون يميلون إلى الدنيا لجعل الله تبارك وتعالى الذي قال، ثم قال: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك فكيف لو فعله. حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي كفاراً كلهم. حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط عن السدي: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول كفاراً على دين واحد. وقال آخرون: اجتماعهم على طلب الدنيا وترك طلب الآخرة. وقال: معنى الكلام، ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على طلب الدنيا ورفض الآخرة. ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: لولا أن يختار الناس دنياهم على دينهم لجعلنا هذا لأهل الكفر. وقوله: ﴿لْجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾، يقول تعالى ذكره: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن في الدنيا سقفاً، يعني أعالي بيوتهم وهي السطوح فضة. كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا قتادة : سعيد عن ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِن فِضَّةٍ﴾ ، السقف أعلى البيوت. واختلف أهل العربية في تكرير اللام التي في قوله: لِمَن يَكْفُرُ»، وفي قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ ، فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنها أدخلت في البيوت على البدل، وكان بعض نحويي الكوفة يقول إن شئت جعلتها في البيوتهم مكررة كما في: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾، وإن شئت جعلت اللامين مختلفتين كأن الثانية في معنى كأنه قال: جعلنا لهم على بيوتهم سقفاً. قال: وتقول العرب للرجل في وجهه: جعلت لك لقومك الأعطية، أي جعلته من أجلك لهم. واختلفت القراء في قراءة قوله سُقْفًا، فقرأته عامة قراء أهل مكة وبعض المدنيين وعامة البصريين سَقْفًا ، بفتح السين وسكون القاف، اعتباراً منهم ذلك بقوله: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ ، وتوجيها منهم ذلك إلى أنه بلفظ واحد معناه الجمع. وقرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة سُقفَا بضم السين والقاف ووجهوها إلى أنها جمع سقيفة أو سقوف. وإذا وجهت إلى أنها جمع سقوف كانت جمع الجمع لأن السقوف جمع سقف، ثم تجمع السقوف سقفاً فيكون ذلك نظير قراءة من قرأه فرهن مقبوضة بضم الراء والهاء، وهي الجمع واحدها رهان ورهون، وواحد الرهون والرهان رهن وكذلك قراءة من قرأ: ﴿كُلُوا مِن ثُمرِهِ﴾ ، بضم والميم، ونظير قول الراجز (حتى إذا ابتلت حلاقيم الحلق). وقد زعم بعضهم أن السقف بضم السين والقاف جمع سقف، والرهن بضم الراء والهاء جمع ،رهن، فأغفل وجه الصواب في ذلك، وذلك أنه غير موجود في كلام العرب اسم على تقدير فعل بفتح الفاء وسكون العين مجموعاً على فعل، فيجعل السقف والرهن مثله. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى معروفتان في قراءة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾، يقول ومراقي ودرجاً عليها يصعدون، فيظهرون على السقف.
على
الثاء
١١ الشركة
والمعارج هي الدرج نفسها كما قال المثنى بن جندل يا رب البيت ذي المعارج. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ ، قال معارج من فضة وهي درج .... حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط عن السدي: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ ، قال : المعارج المراقي. ... حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾، قال: درج عليها
يصعدون إلى الغرف. ...
سرر
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا﴾، يقول تعالى ذكره: وجعلنا لبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً من فضة. كما حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس ﴿وَسُرُرًا﴾، قال : فضة ... وقوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾، يقول: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً وهو الذهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ... حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ ، الزخرف الذهب. قال: قد والله كانت تكره ثياب الشهرة. وذكر لنا أن نبي الله كان يقول: إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان... حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ لجعلنا هذا لأهل الكفر، يعني لبيوتهم سقفاً من فضة، وما ذكر معها والزخرف، سمى هذا الذي سمى السقف والمعارج والأبواب والسرر من الأثاث والفرش والمتاع .... والزخرف على قول ابن زيد هذا هو ما تتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والآلات. وفي نصب الزخرف وجهان: أحدهما أن يكون معناه لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومن زخرف، فلما لم يكرر عليه من نصب على إعمال الفعل فيه ذلك والمعنى فيه فكأنه قيل وزخرفاً، يجعل ذلك لهم منه. والوجه الثاني أن يكون معطوفاً على السرر، فيكون معناه لجعلنا لهم هذه الأشياء من فضة، وجعلنا لهم مع ذلك ذهباً، يكون لهم غنى يستغنون بها ولو كان التنزيل جاء بخفض الزخرف لكان: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم أمن فضة ومن زخرف، فكان الزخرف يكون معطوفاً على الفضة. وأما المعارج فإنها جمعت على مفاعل، وواحدها معراج على جمع معرج، كما يجمع المفتاح مفاتح على جمع مفتح لأنهما لغتان معرج ومفتح، ولو جمع معاريج كان صواباً كما يجمع المفتاح مفاتيح إذ كان واحده معراج.
سقفا
وقوله: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾، يقول تعالى ذكره، وما كل هذه الأشياء التي ذكرت من السقف من الفضة والمعارج والأبواب والسرر من الفضة والزخرف إلا متاع، يستمتع به أهل الدنيا في الدنيا . ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، يقول تعالى ذكره: وزين الدار الآخرة وبهاؤها عند ربك للمتقين الذين اتقوا الله فخافوا عقابه، فجدوا في طاعته وحذروا معاصيه خاصة دون غيرهم من خلق الله . كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة والآخرة عند ربك للمتقين خصوصاً غير واحد منهم أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود
۱۲
.«<...
وللمزيد من التوضيح، لنقرأ مختصراً من تأويل ابن كثير، يقول رحمه الله :
الثقفي.
«أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر عصابة من حديد فلا يشتكي شيئاً، ولصببت عليه الدنيا صباً). قال ابن عباس رضي الله عنهما: قد أنزل الله شبه ذلك في كتابه في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرَّحْمَن﴾ ، الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن
۱۲۰۷
۱۲۰۸
أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةَ وَاحِدَةً﴾، الآية، يقول لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً لجعلت لبيوت الكفار سقفاً من فضة ومعارج من فضة، وهي درج عليها يظهرون يصعدون إلى الغرف وسرر فضة. ﴿وَزُخْرُفًا﴾، وهو الذهب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: لولا أن يكون الناس كفاراً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة. قال: السقف أعالي البيوت. ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ ، قال : درج عليها يصعدون. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ ، قال : الذهب. ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال: خصوصاً. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: لولا أن يكفروا.
۱۳
.«... 🗏
إن تدبرنا الآيات بربط معانيها فإن هناك معنى آخر غير ما ذهب إليه المفسرون يبرز بوضوح كالآتي: لنبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ . فإن نظرنا للحق الذي جاء للكفرة على أنه حق مشتمل على ما هو متعلق بالمسائل العقدية (كتوحيد الألوهية مثلاً) بالإضافة للتعاملات (كتحريم الربوا مثلاً)، فإن مقصوصة الحقوق هي إذاً من الحق الذي جاء للكفرة فكفروا به، أي لم يقبلوه لأنه لا يلبي ولا يتبع أهواءهم. ولأنهم يريدون للحق أن يتبع أهواءهم، فهم تمنوا لو أن القرآن الكريم قد نزل على رجل هم يرضونه لأنه من طينتهم في الأهواء، فقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. فهم تمنوا أن لو نزل القرآن الكريم على أحد الرجلين من مكة المكرمة أو الطائف كما مر بنا سابقاً. فكان الرد باستنكار على ضلالهم بالسؤال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ . تلحظ أن الرد يشتمل على عبارة: ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ . لماذا ؟
إن عبارة: رَحْمَتَ رَبِّكَ ، عبارة مهمة فهي أحد المفاتيح لفهم ترابط معاني الآيات. كيف؟ إن ما يحدث الآن من فساد كما ذكرت مراراً هو بسبب الخروج عن شرع الله فبرغم أن البعض من الناس (معظم المتنفذين والأثرياء) يتمتعون في هذا الجو المفعم بالفساد، إلا أن الصفة السائدة على سكان الأرض هي الظلم الواقع على معظم الناس دون أي رحمة، وكأن الرحمة قد نزعت من الكرة الأرضية. وكما هو معلوم فإن خيرات الله منها ما هو مادي ملموس كالمطر النازل من السماء والثمار الخارجة من الأرض وما شابه مما سخره سبحانه وتعالى للبشر، ومنها ما هو غير مادي مثل هديه (بكسر الياء) سبحانه تعالى للبشر في طريقة التعاملات بين الناس حتى لا توظف هذه الخيرات فتصبح مصدراً للظلم. وهذا هو الشاهد بالنسبة لموضوعنا، أي ما هو غير مادي من التعاملات، أو بالأحرى مقصوصة الحقوق التي إن أتبعت لتحولت هذه الخيرات إلى رحمات من الله. فيكون السؤال من الحق سبحانه وتعالى واضحاً ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ؟ إن نظرت للآية كسؤال في إطار مقصوصة الحقوق، ترى أن السؤال واضح في كلمة (يَقْسِمُونَ). فأي قسمة هي قص للحقوق. لأن القاسم إنما يقسم الخيرات (مثل حق إحياء الأرض وحق الوصول والحصول على المعادن من باطن الأرض وتحديد مقادير المواريث وحقوق الشفعة وما شابه من حقوق) وأن ما قسم إن لم يُقسم برحمة الله فلن يكون رحمة للناس، بل ينقلب ليصبح مصدراً للظلم لأنه الأهواء. والذي يؤكد بأن المقصود بالرحمة هو رحمة دنيوية وليس بالضرورة أخروية فقط، هو سؤال الآية في طريقة الطرح الموجه للكفرة لأنهم بالطبع لن يستطيعوا قسمة رحمة الآخرة لأنها ليست بأيديهم. أما رحمة الدنيا كما وضحتها سابقاً على أنها التفاعل الأمثل بين مقصوصة الحقوق وخيرات الأرض فهي الهدف من السؤال: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ.
يتبع
و
١١ الشركة
۱۲۰۹
ثم تلحظ في الخطاب في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا﴾، والذي يأتي بعد السؤال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أنه رد على السؤال. أي أنه خطاب موجه لغير المسلمين بأنه سبحانه وتعالى بسبب كفرهم وإصرارهم على تقسيم الحقوق كيفما اشتهوا، فقد قسم سبحانه وتعالى بينهم معيشتهم بطريقة تضع بعضهم درجات فوق بعض. فلم يقل سبحانه وتعالى: ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ في الإجابة على السؤال، بل قال : ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾ لتأكيد هذا التفاوت الكبير بين الطبقات «في المعيشة» وبوضوح لا يخطئه الراصد ، لتقوم الطبقات بتسخير بعضها لبعض. أي أن التسخير نوع من العذاب، لذلك قال: ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾. لاحظ أن الحق سبحانه وتعالى نسب التسخير على أنه نتاج لفعل الناس بقوله تعالى: ﴿ليَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًَّا﴾. وبالطبع فإن هذا التسخير لن يقع إلا بعلم الله عز وجل، وأن باستطاعته سبحانه وتعالى أن يمنعه إن أراد، إلا أنه سبحانه وتعالى تركه لهم كنوع من العذاب لأنه هو الحكيم العدل سبحانه وتعالى الذي رفع ﴿بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ﴾ كعقاب ليتم التسخير كنوع من العذاب لرفضهم لشرع الله.
ثم تظهر فكرة أخرى في الآيات وهي أن هؤلاء الذين يُعذَّبون بسبب الطبقية التي هم فيها فهم دون شعورهم يعتقدون بأن هذه الطبقية أتت لهم بالخير والرفاه. وهذا ما هو حادث الآن. فالسواد الأعظم يعتقد أن الرأسمالية هي الطريق الأمثل للغزارة الإنتاجية برغم الفساد الناتج والمبني على الطبقية في الحياة الإنتاجية. فهم على قناعة بأنهم في رحمة، فيأتي الخطاب راداً من الحق سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. أَي أن ما ستأتي به مقصوصة الحقوق من رغد إن طبقت لهي رحمة من الله تفوق في خيرها كل ما يجمعون من ثروات كدور وعربات وأثاث ومقتنيات شخصية مثل الأحذية والساعات والمجوهرات البراقة. أي كل ما يجمعون من زخرف. تأمل هذا التدرج في المعاني من وضع ظاهرة ثم الرد عليها. وما يؤكد أن الخطاب موجه لأفعال الكفرة في الدنيا وليس الآخرة هو قوله تعالى: ﴿يَجْمَعُونَ﴾ . فالكفرة في الآخرة لا شيء لديهم مجموع إلا الآثام، وهذا ليس بخير برغم أن ما جمعه بعضهم من مقتنيات كثيرة جداً كما هو مشاهد بسبب الرأسمالية. إلا أن ما ستأتي به الشريعة من رحمة إن هي طبقت تفوق ما جمعوه وسيأتي بيان هذه التفصيلة بإذن الله بعد عدة صفحات). والآن لنتريث أخي القارئ في تدبر الآية ٣٣
إن أول ما يلحظه القارئ هو أن تأويل قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ، كما ذهب أكثر المفسرين يعني في الأغلب جماعة واحدة. ثم يقول الطبري جملة مهمة وهي: «ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي لم يؤمن اجتماعهم عليه لو فعل ما قال جل ثناؤه وما به لم يفعله من أجله». أي أن الاتفاق بين المفسرين على أن المقصود من الأمة الواحدة هو الجماعة الواحدة، إلا أن اختلافهم هو على ماهية السمة التي تجعل تلك الجماعة ذات صفة مشتركة والتي من بعدها لا يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعل سُقُف بيوتهم من فضة (كمثال على الإسراف) حتى لا يُفتن الآخرون. فقال بعضهم كما مر بنا آنفاً: «ذلك اجتماعهم على الكفر، وقال معنى الكلام: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الكفر فيصير جميعهم كفاراً». ومن التأويلات أيضاً قول أحد المفسرين: «لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً لجعلت للكفار لبيوتهم سقفاً من فضة». وقول آخر: «لولا أن يكون الناس كفاراً أجمعون يميلون إلى الدنيا لجعل الله تبارك وتعالى الذي قال». وقولهم: «اجتماعهم على طلب الدنيا وترك طلب الآخرة». ثم يأتي تعليق مهم للحسن إذ يقول: «والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك، فكيف لو فعله».
۱۲۱۰ 🗏
تلحظ أخي القارئ أن التوجه في التأويل هو أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأن الله سبحانه
وتعالى لن يبالي حتى وإن كان سقف بيت غير المسلم مصبوباً من فضة كناية عن النعيم الزائل لغير المسلمين حتى يزدادوا ضلالاً. وأن هذا لم يحدث لأن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يفتن المؤمنين. وما يدفع لهذا التأويل أيضاً ما ذكره ابن كثير عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر عصابة من حديد فلا يشتكي شيئاً، ولصببت عليه الدنيا صباً).
إلا أن هناك تأويلاً آخر للآية ٣٣ يظهر بوضوح إن نحن اقتنعنا بما سبق من تأويلات لكل من ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ و مَعِيشَتَهُمْ﴾» و «﴿سُخْرِيًٍّا﴾ و ﴿يَجْمَعُونَ﴾ . تذكر أخي القارئ ما قلناه في فصل «القذف بالغيب» عند الحديث عن الخطاب القرآني الموجه للجماعات ومن التداخل بين أصناف الناس وأن الشريعة توجد حلبات للصراع لتمحيص الناس لينتشر الحق، وأن هذا لن يحدث إلا من خلال إيجاد مجتمعات مسلمة تعيش كجماعات متقاربة، وكل جماعة تجاور أو بداخل جماعات أخرى وذات استقلالية اقتصادية تامة وذات استقلالية سياسية إلى حد كبير (وسيأتي تفصيله في فصل «الأماكن» بإذن الله)، وأن هذه الاستقلالية تمكن هذه الجماعات والأفراد من التحرك في الأرض والانطلاق في تسخير مواردها لما فيه عزهم ورفاههم كما مر بنا في فصل ابن السبيل» وأنه كلما صغرت هذه المجتمعات وزادت استقلاليتها كما سيأتي في فصل «الأماكن» بإذن الله كلما زادت سرعة حركتها حتى تصل إلى الفرد المحرر من كل القيود. وأن هذا يعني أن مكونات الأمة الأكبر هي جماعات صغيرة قوية ذات شوكة بحيث أن الكل سيكون فى مجموعه (ولأنه) مشكل من أجزاء قوية أقوى من أقوى كل. وأنه إن كانت الأجزاء سليمة وقوية وعزيزة فإن الكل سيكون أسلم وأقوى وأعز لأن المجموع ليس حصيلة جمع الأجزاء فحسب، بل أكثر بكثير (كما سيأتي بإذن الله). وهكذا تعتز الأمة المسلمة فتُفتح آفاق الأرض لتنتشر عبادة الله ليتحقق قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . ثم ذكرت أن الشريعة تجابه الأمم على الأرض وكأنها أمم تتكون من احتمالات ثلاثة فقط من بين سبعة حتى تظهر حلبات الصراع بين الحق والباطل: وأن الاحتمالات هي: ١) جماعات مسلمة (۲) وجماعات كافرة (۳) وجماعات منافقة تعيش بين المسلمين. والسؤال هو الآن: ما المقصود بالأمة أو الجماعة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ؟
C
إن هذه لآية عجيبة تصف حالنا اليوم تماماً. فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا عن جماعة غير متجانسة عقدياً لأن هناك كفرة بالرحمن بين جماعة مسلمة. ذلك أن في قوله تعالى: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ إشارة واضحة لوجود من يكفر بالرحمن من قوله تعالى:﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾. ثم بالتالي يكون السؤال عن هذه الجماعة الكافرة، بين مَن مِن الناس هي؟ فتكون الإجابة استنتاجاً من الآية نفسها بأنها بين جماعة مسلمة، ذلك أن نقيض الكفر هو الإسلام. أي صفة الجماعة هي وجود كفرة بين المسلمين. ولكن أيهما أكثر الكفرة أم المسلمين؟ تأتي الإجابة من الآية، فكما تشير الآية من قوله تعالى: ﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾، فإن التوجه هو أن المسلمين أكثر لأن بعض الجماعة كفرة استنتاجاً من قوله تعالى: ﴿لِمَن﴾ التمييزية. والمميز عادة هو الأقل في العدد، وإلا لما تميز. أي أن الاحتمال الثالث ما تصفه الآية، أي جماعات منافقة تعيش بين المسلمين لماذا؟ لأن الجماعة الصغيرة تكون مؤثرة في مجموع الكل إن كانت بيدها زمام الأمور كمتخذي القرارات وإلا لما ركزت عليهم الآية، والله أعلم. فهي جماعة برغم أنها مسلمة إلا أنها لا تحكم بما شرع الله. ويتأكد هذا الاستنتاج من الآتي:
هو
١١ الشركة
۱۲۱۱
ثم تظهر فكرة محورية يمكن استنتاجها ضمنياً من الآية وهي أنه سبحانه وتعالى لا يريد ظهور أمة واحدة بصفة محددة رفقاً بالمسلمين، ولو أراد لفعل. فلماذا لا يريد الحق سبحانه وتعالى ذلك؟ وما هي تلك الصفة؟ والإجابة هي: ه : هناك فكرة يريدنا الحق سبحانه وتعالى أن نستنتجها في وقتها. كيف ؟ إن قلت كمدير مدرسة: «لولا أن يكون الطلاب مجتمعين على ... (فراغ) ... لجعلت لمن يغش في الامتحان قلماً مذهباً». تلحظ أن الجملة بحاجة لكلمة أو عبارة محل ... (فراغ) ... حتى تفهم بوضوح تام. فما هي هذه الكلمة أو العبارة أو الصفة؟ كما ذهب المفسرون فإن المقصود من ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ « في تأويل هذه الآية» هو جماعة واحدة. والجماعة لا تكون جماعة إلا إن اشترك أفرادها في صفات محددة. فما هي إذاً هذه الصفات التي لا يريد الحق سبحانه وتعالى أن تعم بين الناس لتربطهم كأمة واحدة علماً أنهم جماعة غير متجانسة عقدياً لأن بينهم المؤمن والكافر وأن الكفرة هم الأقل عدداً؟ والإجابة هي: إن قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قد تكرر في القرآن الكريم في تسعة مواضع مثل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُوا فِيهِ ...﴾، ومثل قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، ومثل قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . وسنأتي على تفصيل معناها بإذن الله في فصل «الأماكن». ولكن لغرض هذا الفصل أقول: تذكر ما قلناه مراراً بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر بواح. وعادة ما يكون الحكام وأعوانهم مقارنة بتعداد سكان الأمة هم أقل في العدد. أي أن هؤلاء القلة «هم» من السلاطين وأعوانهم والذين يؤكدون الطبقية في المجتمع، وهم من يوجهون المجتمع للحكم بغير ما أنزل الله . لأن الأمة الواحدة المكونة من طبقات مسخرة فيما بينها لابد وأن تكون فاسدة لاتباع التسخير بين الطبقات للأهواء، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. أي وكأن الآية تقول : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على الفساد لجعلنا لقادة الفساد، أي لأولئك الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ثراءً كبيراً لدرجة أن أسقف منازلهم ستكون مصبوبة من الفضة. أي أن كفرهم هو بسبب السير على غير ما أنزل الله سبحانه وتعالى برغم اتصافهم بالإسلام لدرجة ظهور الثراء الكبير لدى البعض وأن هذا الاستشراء لن يقع برحمة الله. فهذه هي الصفة المشتركة بين الجميع، مسلمهم الذي لا حيلة له، ومسلمهم الذي لم يحكم بما أنزل الله (كما هي حالنا اليوم تماماً)، أو بالأصح مسلمهم وكافرهم (تذكر أننا في أول الكتاب ركزنا على أن من لم يحكم بما أنزل الله فقد كفر). فالصفة المشتركة هي سير المجتمع بالحكم بغير ما أنزل الله برغم أن أكثر الناس هم من المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة. هنا تذكر الربط مع الآية ۳۲ التي تنص على أن مثل هذا المجتمع لابد وأن يكون طبقياً في بنيته وأن بعضه مسخر للبعض الآخر. وتذكر أيضاً الربط مع ما مر بنا قبل سبع عشر صفحة في الحديث عن المنافقين الذين يحكمون بما أنزل الله تارة وبغير ما أنزل الله تارة أخرى، فهم مذبذبون كما مر بنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ
سَبِيلًا﴾.
ولكن لماذا لم تظهر كلمة «فساد» في الآية عندما نزل القرآن الكريم وتركت لنا لنستنتجها في هذا العصر؟ والإجابة والله أعلم هو أن الفساد لم يكن ظاهراً بعد حين نزل القرآن لأنه (أي الفساد) بحاجة لقرون من التراكم
۱۲۱۲ 🗏
لأهواء البشر. وبالتالي لن تفهم الآية إن نزلت بالوضوح الذي نراه الآن. فذهب التأويل لعدة قرون لما قاله المفسرون أثابهم الله، والذي كان مقبولاً حينها دون ظهور كلمة أو عبارة تشير للفساد. وما يؤكد التأويل الموضح في هذا الكتاب هو قوله تعالى: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾. فهؤلاء المنافقين الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وبسبب ظهور الطبقات التي تسخر الآخرين، فقد تكوّن لديهم الكثير من المال لدرجة أنه سبحانه وتعالى إن تركهم لأجيال كثيرة لتراكم لديهم الثراء وتعاظم لدرجة أنهم قد يصبون أسقف عقاراتهم من فضة. عندها فإن الجميع سيشكل أمة واحدة تتميز بالطبقية المفرطة التي تُسخر بعضها لبعض، إلا أن هذا الاستشراء للثراء الفاحش لن يقع برحمة الله، لهذا فلن تظهر هذه الأمة. تدبر هذا التصوير الفني الرائع: فكما مر بنا في التأويل آنفاً للسُقُف قوله:
«وقـرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة ﴿سُقُفًا﴾ بضم السين والقاف ووجهوها إلى أنها جمع سقيفة أو سقوف. وإذا وجهت إلى أنها جمع سقوف كانت جمع الجمع لأن السقوف جمع سقف، ثم تجمع السقوف سقفاً».
C
فالسقف إذا هي جمع الجمع، أي جمع سقوف. وكيف يكون جمع السقوف إلا أن كانت في الأغلب سقوفاً بعضها فوق بعض لكل عقار، وهذا هو الجمع. أما جمع الجمع فهو العديد من العقارات كل منها بأسقف متعددة ومصبوبة من الفضة. تأمل هذا التصوير عقارات متجاورة وكل عقار كقصر كبير مثلاً) أسقفه من فضة، فيكون سقف الدور السفلي أرضاً للدور العلوي، وبهذا فإن سكان الدور العلوي يدوسون سقف الدور السفلي، تعبيراً «مجازياً» عن التراكم الكبير للثراء لدرجة أنه يخزن ليداس. فحتى يطئمن الناس على ثرواتهم المتراكمة فهم عادة ما يكنزونها، وهي هنا من كثرتها، ولأنه لا مخازن تكفي لكنزها، صبت لتكون أسقفاً لتداس إذ لا حاجة لها إلا لكنز الثراء في مكان آمن تحت أنظار وأقدام هؤلاء الذين يُسخرون الآخرين في مجتمع طبقي. ولكنك قد تقول: «الناس اليوم لا يكنزون الأموال، بل يودعونها في البنوك للحصول عليها وقت الحاجة» فأجيب: القرآن الكريم كلام الله الذي لا يخضع لزمن دون آخر. وسيأتي زمان ويفقد فيه الناس الثقة بالبنوك، فيكون الملجأ الآمن هو وضعها في ما هو نفيس من معادن وتحت أنظارهم. وحتى إن لم يحدث هذا فإن في الآية تصوير فني لاستشراء الثراء لدرجة أنه قد يصل لصب الثروات كأسقف بسبب التسخير الظالم في مجتمع طبقي. ألا ترى الأثرياء يكدسون الأموال في المراحيض الذهبية المرصعة في اليخوت أو في الطائرات الخاصة التي تكلف البلايين؟
وما يؤكد أن الأسقف بعضها فوق بعض هو قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. فالمعارج كما مر بنا في التأويل هي المراقي ليصعد فيها السكان على الأسقف. ولأن المعارج أتت بصيغة الجمع، فهي إذاً طريق أو مرقى من سقف لآخر، لأنها إن كانت واحدة، فهي طريق من الأرض للسقف، والمعارج لأنها جمع فهي ثلاث مراق أو أكثر. أي أن العقارات ذات طوابق متعددة، تماماً كما هي المجتمعات المعاصرة، طبقات بعضها فوق بعض. تدبر التشبيه ما أروعه وأعمقه.
ثم تأمل قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ . فهذه آية بها تصوير فني لمنتهى الكسل لسكان هذه البيوت ومنتهى الثراء والسلطة إشارة إلى أنهم قوم لا يعملون أبداً، بل فقط يأمرون وينهون بتسخير الآخرين لخدمتهم، أي أنهم مسرفون كيف؟ كما مر بنا في التأويل السابق، فإن الأبواب والسرر من الفضة.
١١ الشركة
۱۲۱۳
والبيوت في اللغة هي المكان بالدور الأرضي والغرفة هي المكان في الدور العلوي. ففي هذا التصوير للبيوت في الدور الأرضي ذات الأبواب الفضية دلالة على الجمع بين الثراء والقوة، لأنها أبواب فضية، أي معدنية قوية تحمي ما وراءها من السرقة. فهم من كثرة أموالهم يحاولون حمايتها بهذه الأبواب المعدنية. وفي هذه البيوت ﴿سُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾. أي أن سكان هذه البيوت متكئون، كناية عن أنهم لا يعملون وأن حياتهم في معظمها في الدور الأرضي لأن السرر في البيوت التي هي في الدور الأرضي وكأن حياتهم في معظمها في الدور الأرضي، أما الأدوار العليا، فهي لأنها مصبوبة من فضة، فهي كأنها مخازن لكنز ما تراكم لديهم من مال مثل المتاع والمشغولات والمجوهرات. وكأن المبنى عبارة عن عدة أدوار الأرضي منها للسكنى والعليا كمخازن لكنز الثراء. تأمل هذا المشهد الذي يشد المتأمل لما قد يؤدي إليه الحكم بغير ما أنزل الله إن استمر» من ظلم مفسد بسبب التقسيم الطبقي (أي التسخير). أي صدق الله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
لكن الآية تقول لنا كما ذكر ابن عباس: «لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً لجعلت لبيوت الكفار سقفاً من فضة ومعارج من فضة»، أي وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا أنه إن ترك سبحانه وتعالى المجتمعات تسير كما هي على الحكم بغير ما أنزل الله فإن في هذا ثراء كبير للبعض دون البعض الآخر لدرجة تحول المباني إلى كنوز في ذاتها مما قد يؤدي لفتنة كبيرة للمسلمين بسبب هذا الثراء الفاحش. إلا أنه سبحانه وتعالى رفقاً بالناس لن يدع المجتمعات تصل إلى هذه المرحلة المتقدمة من التسخير للآخرين حتى لا يتراكم الثراء عند البعض بدرجة هائلة لأن في تراكمه مزيداً من الفساد لأن من هم أكثر مالاً وسلطة سيسخرون آخرين للعمل لديهم لتسخير آخرين، وهكذا ومع الزمن قد يستقر التركيب الطبقي التسخيري ويتجذر ليتبلد المستعبدون (بفتح الباء) ولا يستطيعون المقاوة لأنهم ألفو الذل. وفي هذا الوضع فتنة للمسلمين لأنهم يرون الفجرة في نعيم مادي، ولأنهم قد لا يستطيعون مقاومته وتغييره لأنه استقر وقوي وأصبح في مرحلة متقدمة من التجذر بدليل الثروات الهائلة التي من علاماتها صب الأسقف بالفضة. إلا أن رحمة الله الحق سبحانه وتعالى كبيرة، فهو لن يسمح لهذا أن يقع. أي لن يسمح الودود اللطيف الحليم العليم لهذا الفساد العارم أن يستشري برغم ظهور بعضه. كيف؟
هنا نأتي لعدة آيات كريمة توضح أنه من كرمه ورحمته سبحانه وتعالى فإن هذا لن يقع كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾، وكما في قوله تعالى في سورة الحج: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ولا نريد هنا الدخول في تفاصيل هاتين الآيتين البديعتين، بل التوضيح على عجالة بأن معنى الدفع هو الرد عن المراد. وكما قال الشيخ الشعرواي رحمه الله، فإن التدافع يقع بين الحق والباطل، وعندها يكون انتصار الحق سريعاً، وأن التدافع إن وقع بين الباطل والباطل فإنه سيستمر طويلاً، أما التدافع بين الحق والحق فلن يقع أبداً. فحكمة التدافع هذه هي لتنظيف الأرض من تراكم الفساد. ففي آية سورة البقرة، نجد أن دواد انتصر سريعاً ليحكم بما أنزل الله، أي إعادة المجتمعات من حكم البشر ، أي من حكم العقل القاصر إلى حكم الله الحق. وفي آية سورة الحج نجد أن التدافع يؤدي لحفظ دور العبادة لأن في هدمها إشارة واضحة على هدم الأماكن التي تربط المخلوق بالخالق. فهذه
١٢١٤ 🗏
العلمانية التي
الدور هي حارسة القيم في الوجود وتذكر الناس بالعبودية وبهذا تمنع الغرور البشري. وهذه هي آفة مجتمعاتنا أنحت دور العبادة جانباً، فكان غرور العقل البشري القاصر هو المشرع وبالتالي الحكم بغير ما أنزل الله المؤدي للفساد. فكان لابد من التدافع بين الناس لتدك طائفة فاسدة طائفة أخرى فاسدة ويستمر الدك سجالاً وطويلاً بين القوتين حتى تظهر جماعة مؤمنة حتى وإن كانت ضعيفة لينصرها الله. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة في نفس القصة (أي قصة داود عندما رأى المؤمنون كثرة جنود جالوت بأنهم قالوا: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا اللَّهِ كَم مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾. أما في سورة الحج، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي أن سنة التدافع هـذه لابد منها حتى لا يتجذر التسخير الطبقي المؤدي للفساد إلى أن تأتي طائفة مؤمنة وتنتصر حتى وإن كانت ضعيفة.
الناس
تماماً
نعود لاستكمال آيات سورة الزخرف ثم تأتي بعد ذلك الآية التي تحوي اسم السورة، أي قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفَا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وكما مر بنا في التأويل السابق، فإن قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يعني الذهب كما ذهب كثير من أهل التأويل. كما ذهبوا إلى أن المقصود هو أن هذه الأسقف والمراقي والأبواب والسرر هي أيضاً قد تكون من الذهب أو الذهب والفضة معاً. هنا أريدك أخي القارئ أن تتخيل الأسقف التي تراها في المباني المعاصرة، فمنها ما هو مصبوب بطريقة بديعة ومشغول بالجبس ومرسوم عليه. وكذلك الأبواب، فمنها ما هو حديدي ومشغول ومنقوش عليه، وكذلك المراقي، فلها ما يحمي من السقوط وهو ما يعرف بـ «الدربزين» والذي عادة ما يتباهى الناس بالرسومات الحديدية المنقوشة عليه، كما يرسمون على رؤوس الأسرة. والآن تخيل أن الأسقف مصبوبة من الفضة، فهي الأقل سعراً مقارنة بالذهب، لهذا فهي الأكبر حجماً، وتخيل الأبواب والمراقي والأسرة مصبوبة من الذهب أو من الفضة ومرصعة بنقوش مصبوبة ذهباً. ففي هذا إشارة لتراكم الثروات لدرجة أن الأسقف والأبواب والمراقي والسرر مشغولة بتداخل بديع دقیق ( كالمجوهرات النسائية بين الذهب والفضة دلالة على التشغيل الكبير للكثير من الأيدي العاملة الماهرة لشيء لا فائدة للمجتمع منه إلا النظر إليه ممن ملكوا المال والجاه والسلطان في مجتمع وكأنه يحاول تخليد التقسيم الطبقي الذي يسخر البعض باستمرار، وإلا لما تراكمت الثروات لدرجة ظهور هذا البذخ الضائع في زخارف متداخلة بإتقان ماهر بين الذهب والفضة فيما هو ثابت جامد كالسقف والباب والدرج والسرير. كما أن في الآية إشارة إلى أن الأبواب الناتجة من تفاعل وتداخل الذهب والفضة، وكأنها سبيكة معدنية قوية ستحمي ثروات ملاكها من خلفها، وفي هذا مؤشر واضح أيضاً إلى أن مثل هذا المجتمع غير آمن بسبب شعور المسخرين بالظلم لدرجة أن الأبواب صُبت من المعدن لحماية الأثرياء. تذكر ما قلته قبل ست صفحات عن الرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، وأن كل ما جمعه هؤلاء الذين سخروا الآخرين لإنتاجهم ليس برحمة برغم كثرته، فهو ليس برحمة لأن هذا المجتمع غير آمن فمن يعيش فيه برغم كثرة ماله (الدرجة وضع الأبواب المصبوبة من الذهب والفضة) سيشعر بالقلق الدائم خوفاً على نفسه من الفقراء كما هو حادث الآن في الكثير من أحياء الأثرياء الذين يعيشون داخل أسوار الحارات كما في البرازيل والهند مثلاً. وهذه ليست رحمة برغم توافر المال للأثرياء إذ أنهم في خوف مستمر وفي مجتمع مفتت إذ لا أواصر اجتماعية. وهنا تذكرت الدعاء الذي أوصانا به الرسول صلى الله عليه وسلم. فعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر
:
١١ الشركة
١٢١٥
نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب).
ولعل البديع في الآية عند سماعها هو جواز الوقف بعد قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا﴾، (وهو ما يشار إليه في القرآن الكريم بحرف الجيم الصغير المرفوع، أي أن الوقف ليس بلازم فبرغم أن الكلمة في أول الآية، وبرغم جواز الوقف، إلا أن معظم من سمعتهم من مقرئين يقفون بعد كلمة ﴿وَزُخْرُفًا﴾ لأنها تفرض نفسها عليهم في الوقف لعل المستمع المسلم يتدبر سبب هذه الوقفة. أي وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا بتبيان واضح، كما تشير باقي آيات سورة الزخرف أن الحكم بغير ما أنزل الله سيؤدي للمزيد من الإنتاجية الفارهة مع تراكم الثروات عند البعض إلا أن هذا كله زخرف لأنه مصحوب بالفساد النابع من التسخير بسبب الحكم بالأهواء. ولعلي أتفرغ يوماً أو آخرون لتفسير كامل السورة من جمالها الذي يشحن المعاني لتصب في تنبيه الناس إلى أن الحكم بغير ما أنزل الله سيؤدي للتقسيم الطبقي الذي يؤدي للمزيد من الإنتاجية الفارهة للبعض وظلم أكيد للبعض الآخر ليعم الفساد،
وهذه ليست رحمة.
ولكن قد تقول: وماذا عن آخر آية في سورة الأنعام ؟ أي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أَليس فيها تقسيم طبقي بأمر الله كما هو ظاهر من قوله تعالى: ﴿جَعَلَكُمْ﴾ ؟ فأجيب تلحظ بمقارنة آيتي الزخرف والأنعام، أن الرفع للناس في درجات في آية سورة الزخرف تأتي بعد «قسمة المعيشة»، أي في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فالتفاوت بين الدرجات هو بسبب التمكن المالي للبعض على حساب الآخرين لأن المعيشة تعتمد في تفاوتها على المقدرة المالية. لذلك فهي عقاب وعذاب. أما في آية سورة الأنعام، فإن التفاوت بين الناس هو للابتلاء لينظر الحق سبحانه وتعالى ماذا فعل هذا العبد المبتلى بالرفع. فالخطاب في آية سورة الأنعام موجه للأفراد لأن كل فرد له ابتلاؤه الخاص به. أي أن التفاوت ليس بالضرورة في المقدرة المالية، ولكن فيما آتاناه الله من نعم مثل التفاوت في الذكاء والعضلات والهمة وما شابه من ضروريات ظهور الحياة كما مر بنا في فصل «ابن السبيل». فكما ذكرت فإن التفاوت ضرورة ليتم التكاتف والتكامل بين الناس للضرب في الأرض لتسخير خيرات الأرض لمنتجات. أما ما يؤكد أن آية سورة الزخرف تخاطب الجماعة فهو وصف العقارات المتعددة الطوابق ذات الأسقف المصبوبة من الفضة إذ أن هذا لن يقع إلا باستمرارية الطبقية المالية السلطوية بين الناس لعقود عدة.
والآن لننظر لما قاله أهل التأويل في تفسير آية سورة الأنعام، يقول ابن كثير:
«يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ ، أي جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ، وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ﴾، أي فـاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن
١٢١٦ 🗏
الله
6...
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ﴾، أي ليختبركم في
والمساوئ والمنظر والأشكال والألوان . الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن والاه واتبع رسله فيما جاؤا به من خبر وطلب ......
صلى
١٤
يموت
ومن التفسيرات البديعة لهذه الآية هو ما قاله الشيخ الشعرواي رحمه الله والتي يمكن تلخيصها في الآتي: إن فكرة الخلافة قد تعني أن الإنسان خليفة للإنسان، فإنسان يخلف إنسان آخر في الزمان أو في المكان، هذا وذاك يأتي من بعده، هذا يسافر وذاك يأخذ منزله، وهكذا هي الحياة، خلفة في كل شيء. مجتمعات تخلف مجتمعات، وحضارات تخلف حضارات. وقد تعني الخلافة أيضاً خلافة الإنسان لرب الإنسان في الأرض. فالخالق سبحانه وتعالى سخر لنا ما في الكون من خلال الانفعالات، فعندما يقرر الإنسان المشي فإن أعضاء جسده «تنفعل» له لتحقق له رغبته داخل جسده دون علمه كيف حدث ذلك، وعندما يضع الفلاح البذرة تنفعل له التربة. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . وهكذا سخر لنا الحق سبحانه وتعالى ما على الأرض. وإن تأملت كل منتج لن تجد للبشر فضلاً، بل هم يستفيدون من الظواهر والخصائص التي أودعها الحق سبحانه وتعالى في الأعيان. وأنصع مثال هو الطائرة كما ذكرت : فالطائرة لا تحلق إلا بفرق الضغط الجوي بين ما تحت وما فوق الجناح. وهذا الفارق في الضغط ناتج من حركة الهواء السريعة بسبب اندفاع الطائرة للأمام وبسبب هيكل الجناح ذي الانحناء المستنبط من جناح الطير مما يزيد المسافة بين علو الجناح وسفله. فبتولد فارق الضغط ترتفع الطائرة، وهذا الضغط من خلق الله. أما النفاثات التي تدفع الطائرة للأمام بشدة فهي بسبب حرق الوقود ودوران المراوح التي تدفع الهواء الكثير بشدة من فتحة صغيرة لتدفع الطائرة للأمام. كذلك التيار الكهربائي: فهو لا ينتقل إلا لأن هناك من المواد التي خلقها الخلاق العليم والتي تقوم بذلك كالنحاس وليس الخشب. بمثل استغلال هذه الظواهر الطبيعية وبتراكم الاكتشافات والابتكارات لاستغلال هذه الظواهر (وسيأتي بيان هذا بإذن الله في فصل «المعرفة» بإذن الله ) تقدم البشر تقنياً وإنتاجياً.
وحتى تظهر الحياة وتستمر فلابد لهذه الخلافة من التكامل بين الناس، فخالف الحق سبحانه وتعالى بين أحوالهم. فكل فرد يتمتع بمواهب ومهارات مختلفة وهبها له الحق سبحانه وتعالى. أي أن كل فرد مرفوع من جهة مواهبه، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه. وبهذا فإن الناس بحاجة لبعضهم البعض. هذا طبيب بحاجة لمهندس، وذاك مهندس بحاجة الحداد، وذاك حداد بحاجة لطبيب، وهكذا. وبهذا فإن التكاتف بين الناس لا ينشأ تفضلاً بل اضطراراً. أي كل مخلوق فيه موهبة تنقص من الآخر، فيضطر كل مخلوق للتعاون مع الغير ليقطف ثمرة موهبة الآخرين من دافع الحاجة وليس التفضل. أي أن ترابط الناس هو بسبب الحاجة. كما أنه الحق سبحانه وتعالى قد وهب هذه الملكات المختلفة كابتلاء ليرى ما يعمل بها الناس وذلك حتى يكون الامتحان في هذه الدنيا اختبار إقرار لهم. فهو سبحانه وتعالى علام الغيوب، يعلم قبل خلق البشر من منهم شقي ومن منهم سعيد. إلا أن الابتلاء في هذه الدنيا هو امتحان إقرار للناس، حتى يحق العذاب على من سخط (على فقره مثلاً) أو أساء استخدام مواهبه
١١ الشركة
۱۲۱۷
ومهاراته (عضلاته أو ذكائه (مثلاً) أو سلطانه. وبهذا كما يقول الشعراوي فإن الناس متساوون برغم اختلاف وعطاء الله لهم، لأنهم في امتحان يؤدي للحياة المستمرة على الأرض. وهكذا كما يقول الطبري في تأويله:
مواهبهم
10
«يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد السريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه، ولمن ابتلي منه فيما منحه من فضله وطوله تولياً وإدباراً عنه . مع إنعامه عليه وتمكينه إياه في الأرض كما فعل بالقرون السالفة. وإنه لغفور وإنه لساتر ذنوب من ابتلي منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة واختباره إياه بأمره ونهيه، فمغط عليه فيها وتـارك فضيحته بها في موقف الحساب، رحيم بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه».
١٦
وأخيراً بعد هذا التوضيح السادس المهم الذي ينفي أن الإسلام عقدياً دين قد يؤدي إلى الطبقيات كما اعتقد البعض كما رأينا في الصفحات السابقة، كان لابد من الحرص في استخدام المصطلحات. في «التسخير» يختلف جذرياً عن «التذليل» كما ذكرت. فمقصوصة الحقوق تؤدي لتذليل الناس بعضهم لبعض كما سترى بإذن الله، بينما الرأسمالية تؤدي لتسخير الناس كطبقات بعضها فوق بعض وكأن البشر تحولوا لأعيان مسخرة. والآيات الدالة على أن التسخير يعني أن المسخر مرغم على اتباع الأوامر كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواً عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَريًّا.....﴾
واختصاراً للوقت، لا أريد هنا الخوض في الفرق بين التسخير والتذليل في القرآن الكريم، فمن الآيات ما يُشعر بتداخل بينهما برغم قناعتي العميقة بأن هناك اختلافاً جذرياً لم نعلمه بعد كما في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ . لكن سبب اختياري لـ «التذليل» لتصف تكاتف الناس في مجتمع يطبق مقصوصة الحقوق هو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فكما تشير كلمة ﴿ذُلُلًا﴾ التي تصف حركة النحلة، فإن الحركة وكأنها على صراط الله المستقيم لأنها بهدي الله سبحانه وتعالى كما تشير عبارة ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾. ثم تكون الثمرة من هذه الحركة خروج العسل والذي فيه شفاء للناس. فالثمرة (أي العسل في هذه الحالة) متقنة لأن النحلة سلكت سبل ربها. وكذلك المجتمع، سيكون إنتاجه متقن إن هو سار على مقصوصة الحقوق. ومن جهة أخرى، لأن مقصوصة الحقوق توجد تفاعلاً بين الناس مبني على التكاتف دون تسخير فيما بينهم، فإن كلمة تذليل ستعني بإذن الله سهولة الانقياد بين الناس كل فرد طيّع مع الآخرين لأن في هذه السلاسة مصلحة له وللآخرين كما سترى بإذن الله، أو كما يقول الغربيون وضع فيه فوز للطرفين a win win situtation). وهذا الاستخدام لكملة تذليل استقيتها من تأويل القرآن إذ يقول الطبري رحمه الله في «ذلولا»:
«قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، أي سهلة تستقرون عليها، والذلول المنقاد الذي يذل لك. والمصدر الذل وهو اللين والانقياد. أي لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة. وقيل أي ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفاً متماثلة لما كانت منقادة لنا. وقيل أشار إلى التمكن من الزرع والغرس وشق العيون والأنهار وحفر الآبار».
۱۲۱۸ 🗏
التوضيح السابع : التاريخي والمقدس
لأن هذا الفصل عن الشركة، ولأنه باب فقهي واسع ظهر أساساً من خلال اجتهادات الفقهاء بالرجوع للنصوص، فإن للنص مقارنة باجتهادات الفقهاء سمة تتضح من خلال ما وصفه الشيخ بسام جرار أثابه الله بالتاريخي والمقدس في التراث. فقد لخص الشيخ بسام جرار باختصار ما دار من جدل حول ما هو مقدس في الفقه وبين ما هو تاريخي آخذاً فقه الشركات كمثال والفرق بين المقدس والتاريخي كما يقول هو أن المقصود بالمقدس النصوص التي لا جدال فيها وهي القرآن الكريم والأحاديث النبوية. أما التاريخى فهى الأقوال والآراء أو الأحداث التي قام بها من سبق وبالتدريج وبمرور الزمن أخذت نوعاً من القدسية برغم أنها اجتهادات بشرية وقد لا تكون صالحة إلا لذلك الزمان. أي أن هناك خلط ماثل في الحضارات البشرية بين ما هو مقدس وما هو تاريخي. وكنت قد أثرت هذه المسألة سابقاً في الحديث عن الديوان عند الحديث عن التقليد، إلا أن ما وضعه الشيخ بسام جرار باستخدام فقه الشركات كمثال جدير بأن يوضع في هذا الفصل للفت النظر إلى أن ما قاله الفقهاء رحمهم الله برغم اختلافاتهم إلا أنها تؤدي في أغلب «الأحوال» إلى نفس الهدف: أي رفع الكفاءة في الإنتاج مع عدالة في التوزيع. يقول الشيخ بسام جرار:
«إن التراث في نظر الإسلام غير مقدس. ونحن بحاجة لتأكيد ذلك عندما يكون التراث متعلقاً بالمقدس؛ فالفقه والتفسير ، وكذلك العلوم المتعلقة بالقرآن والسنة، كل ذلك ليس بمقدس؛ لأنه من فعل البشر. ومن هنا فكل ما هو تراث قابل للمراجعة وغير متسم بالعصمة، على خلاف النص القرآني الكريم، والسنة الشريفة وما يتعلق بهما من اللغة العربية. نفي القداسة عن التراث لا يعني الاستهانة والاستخفاف به واحترام التراث هو المقدمة الضرورية لإمكانية تحقيق مراجعة حقيقية سوية. ومن هنا نجد أن القدرة على مراجعة التراث تكون لدى أولئك الذين يؤمنون بالمقدس، ويتسمون بالصدقية العلمية، والانتماء العميق لجذور الأمة وتراثها أما أولئك الذين لا يملكون مثل هذه المؤهلات فينظر الناس إليهم كأعداء، بل ويتهمونهم في نواياهم، لذا نجدهم غير قادرين على المساهمة في إحداث التغيير المرجو . مراجعة التراث لا تعني الانقلاب على التاريخي، بل تعني تعزيز الإيجابيات ونفي السلبيات. ويبقى للتراث وظيفة جمالية وأخرى نفسية وثالثة عملية. وعندما يفقد التراث قيمته العملية تبقى له قيمته الجمالية النفسية. الأصل في المقدس أن يستند إلى القناعات العقلية، ولابد أن يقوم على أساس من البرهان. وفي الوقت الذي يفقد فيه المقدس هذا الأساس لابد أن يتكئ على التاريخي، ليستمد منه الأصالة وقوة التأثير في عالم المشاعر. وهذا غالباً ما يفلح مع الغالبية العظمى من الجماهير ولكنه يبقى مهدداً من النخب التي تتميز بقدرات نقدية وإبداعية. وشيئاً فشيئاً لابد لسلطان العقل أن يحقق إنجازات تساهم في إحداث التغيير الذي يؤمل أن يكون
إيجابياً. يتجلى الخلط بين التاريخي والمقدس لدى الشيعة أكثر بكثير مما هو عند أهل السنة. وعلى
هامش
ب) جاء في «روح المعاني»: «﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ ، منقادة غير صعبة، ذلول، من الذل بالكسر، وهو سهولة الانقياد. وفي غير صعبة يسهل جداً عليكم السلوك فيها. فهو فعول للمبالغة في الكلام استعارة ، وقيل تشبيه بليغ وتقديم لكم على مفعولي الجعل، مع الذل. من ذل بالضم ويكسر ضد الصعوبة. ويستعمل المضموم فيما أن حقه التأخر عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر، فإن ما يقابل العز كما يقتضيه كلام القاموس. وقال ابن عطية: الذلول فعول حقه التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون بمعنى مفعول، أي مذلولة كركوب وحلوب انتهى. وتعقب بأن فعله المؤخر من منافع المخاطبين، تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن قاصر وإنما يعدى بالهمزة أو التضعيف، فلا يكون بمعنى المفعول لديها عند ذكره فضل تمكن» (۱۷).
واستظهر أن مذلولة خطأ. وقال بعضهم: يقولون للدابة إذا كانت
١١ الشركة
الرغم من ذلك سنقوم بانتقاء الأمثلة على هذا الخلط من تراث أهل السنة : ... أ) ... ب) ... جـ) . د) ... هـ) في فقه المعاملات القرآن والسنة والقياس ،والإجماع، هي المصادر الأساسية للتشريع في الإسلام. ومن نصوص القرآن والسنة ما هو قطعي في دلالته، لا يحتمل أكثر من معنى، ومنها ما هو ظني، يحتمل أكثر من معنى والقطعي في دلالته لا يسمح بتعدد الأقوال والاجتهادات، في حين أن الظني يوفر مساحات للاجتهاد البشري. لذلك وغيره نجد أن الكثير من مسائل الفقه الإسلامي يختلط فيها التاريخي بالمقدس، ويشمل ذلك العديد من مجالات الفقه المختلفة. ولنأخذ مثالاً على ذلك من فقه العقود : يقسم الفقهاء الشركة إلى شركة أملاك وشركة عقود. وهم يقسمون شركة العقود إلى شركة عنان، وشركة مفاوضة، وشركة أبدان، وشركة وجوه ... ثم هم بعد ذلك يشترطون شروطاً لصحة هذه الشركات. والدارس لفقه الشركات في الإسلام يدرك أن بعض تلك الشروط، التي تُشترط لصحة الشركات، هي في الحقيقة شروط اجتهادية لا تستند إلى نص من القرآن أو السنة. ثم إن تقسيم وتصنيف الشركات هو أيضاً تقسيم اجتهادي، أملته وقائع تاريخية تتعلق بمستوى تطور الواقع الاقتصادي. ولا شك أن الفقه المعاصر اليوم هو أقدر على التقسيم والتصنيف والتفصيل في أنواع الشركات وشروط صحتها وفسادها وبطلانها. وما نود أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أن الكثير من الدارسين لا يزالون يخلطون في هذه المسألة بين التاريخي والمقدس» .
۱۸
۱۲۱۹
تلحظ أخي القارئ من السابق أن احتمال ظهور اجتهادات قد تؤدي لأحكام لا تتفق مع مقصوصة الحقوق أمر جد وارد وبالذات من قوله: «والدارس لفقه الشركات في الإسلام يدرك أن بعض تلك الشروط، التي تشترط لصحة الشركات، هي في الحقيقة شروط اجتهادية لا تستند إلى نص من القرآن أو السنة». وهذا ما ستلحظه في باقي هذا الفصل. لكن في الوقت ذاته وبرغم أن بعض هذه الشروط اجتهادية ، ولأن الفقهاء كانوا حريصين في استنباط الأحكام، فإن أقوالهم برغم ظهورها مختلفة تماماً إلا أنها تكمل بعضها بعضاً في «معظم الأحيان» لأن الأصل واحد. لهذا أوردت كلام الشيخ بسام جرار هنا للتنبيه على التمييز بين التاريخي والمقدس. أي أن هذا الفصل من أصعب الفصول تأصيلاً للأحكام التي توافق الشرع. وتلافياً للزلل قدر المستطاع، لابد من التذكير مرة أخرى للفرق بين القيم والحركيات، وهو التوضيح الثامن.
التوضيح الثامن القيم : رفع مكانة العمل
كما مر بنا، فإن هناك فرق بين الحركيات والقيم. وأن هذا الكتاب يركز على الحركيات لإثبات طرحه، ومع هذا، فلابد من التذكير ببعض القيم التي يزرعها الإسلام في أفراده لدفعهم على العمل. فمن أهم هذه القيم التي تؤثر في الشركات هو أن الإسلام يحاول جاهداً كما يتضح من الآثار القادمة أن يعمل الناس بأبدانهم مباشرة للإنتاج، وبالطبع هذا لا يعني ألا يستغل الإنسان ملكاته الأخرى مثل عقله لمنتج فكري، فهذا أيضاً مجهود ذاتي يؤدي للإنتاج برغم أنه غير بدني أو يدوي، ولكن المقصود هو أن الشريعة تحاول تلافي الأعمال التي لا تؤدي لإنتاج مباشر مثل عمل أولئك الذين يشغلون الوظائف البيروقراطية كما قلنا فمن الآثار الدالة على دفع الناس للعمل لما منتج (بكسر التاء مباشرة ما رواه الطبراني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب العبد المحترف. وقد ذكر الحديث بلفظ مختلف فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب المؤمن المحترف ٢٠ وعن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أفضل؟
هو
۱۹
:
قال :
۱۲۲۰ 🗏
۲۱
قال: (عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور . كما أن الشريعة تحث على الكسب باليد تحديداً كقوله صلى الله عليه وسلم: (من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له. وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه الصلاة والسلام كان يأكل من عمل يده . ج
وكما مر بنا وسيأتي أيضاً بإذن الله في فصل «البركة»، فقد رفع الإسلام مرتبة الكسب عالياً ليصل إلى الجهاد بدليل قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . فهناك من العلماء رحمهم الله من يستشهد بهذه الآية وبقول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه كان رضي الله عنه بالرجوع لهذه الآية يفضل الكسب درجة على
۲۳
الجهاد. ٢٣
وتأتي أهمية هذا التوضيح وربطه بالتاريخي والمقدس في الآتي: كما مر بنا في فصل «ابن السبيل»، فإن أي مورد سواء كان مما يستخرج كالمعدن أو يصطاد كالسمك أو يقطف كالثمر فلابد من نقله كخام أو تصنيعه ثم نقله وبيعه أو استهلاكه في موقعه. وفي جميع الأحوال فإن الذين يقومون بذلك بالطبع إما فرد أو جماعة من الأفراد. وكلما كانت العملية أعقد كثر عدد المتشاركين في العملية فجمع الملح بالطرق البدائية بحاجة لفرد أو اثنين، واستخراج المعادن بحاجة لتظافر جهود أفراد أكثر ، وهكذا. أي أن الشركات تتطور بتطور المجتمع. فصيد السمك ينتقل من مهنة تعتمد على فرد أو اثنين إلى مهنة تعتمد بعد ظهور السفن الكبيرة على عشرات الأفراد كل متخصص في مهارة يتقنها كالمهندس الكهربائي والميكانيكي. وكما ستلحظ من هذا الفصل بإذن الله، بالإضافة للأحاديث السابقة، فإن الشريعة تدفع دائماً للعمل المنتج مباشرة من خلال الشركاء برفع البيروقراطيات المتوقعة بينهم قدر المستطاع. وهذا الرفع للبيروقراطيات هو ما تظافر عليه كل من التاريخي والمقدس من الأقوال برغم الاختلافات الأخرى بين الفقهاء. وفي هذا الإطار، لابد من التذكير مرة أخرى بالتمييز بين كلمتين، هما: التكاتف والتكامل. فالتفاعل بين الأصناف اللانهائية من الناس يؤدي كما ذكرت سابقاً إما إلى «التكاتف» أو إلى «التكامل» الذي يحتاجه البشر للإبداع والابتكار ومن ثم التصنيع للحياة. فقد يتكاتف الناس بدعم نواقص بعضهم، وهو تحاول الشريعة دفع الناس إليه، فتظهر العلاقات بين المتكاتفين على شكل شراكة متسمة بالتذليل وبغض النظر عن اختلافات الفقهاء (أي الاختلافات التاريخية).
هامش
ما
ج) هناك من الباحثين من أشار إلى أن العمل هو الأعلى درجة في وتعاملهما من حيث توزيع الناتج ، وشكل المشاركة، ونوعية القواعد الفقه الإسلامي، فالدكتور رفعت العوضي مثلاً يشير في مقارنة بين والقيود المنظمة – إن وجدت - معاملة واحدة، وفي مقابلة الاقتصاد الإسلام والنظم الرأسمالية قائلاً: «إن الرأسمالية - فيما انتهت إليه - الإسلامي بذلك، نجد أن الإسلام يعترف بهذه العوامل، ولكنه يذهب ا تقسم عوامل الإنتاج إلى عمل ورأس مال، وتجعل الأرض ضمن عنصر سريعا إلى الاختلاف بعد ذلك من حيث النظرة إلى عنصر العمل
رأس المال، والتنظيم ضمن عنصر العمل، وتجعلهما على درجة واحدة، حيث يجعله أعلى درجة، وهذا هو التصنيف المنهجي» (٢٢).
۱۲۲۱
١١ الشركة
ومن جهة أخرى كما مر بنا، فإن الناس يكملون بعضهم بعضاً أو يُدفعون لمهارات قد لا يستمتعون بالعمل بها في تكميل الآخرين كما في النظم الرأسمالية. فهناك من الناس مثلاً من دفع لدراسة الإدارة وهناك من هو مجبر على العمل كأجير لأن أبواب التمكين مغلقة أمامه. هنا تكامل بين خبرتين أو أكثر قد يضعها رجل أعمال معاً لإنتاج خدمة ما للبيع وكما ذكرت فإن التمييز هنا بين التكاتف والتكامل يكمن في العلاقة بين الأفراد. فالتكاتف علاقة تذليل بين الشركاء، أما التكامل فهو علاقة تسخيرية بين من يملكون الأصول المنتجة وبين الأُجراء.
التوضيح التاسع: الأجراء
وهنا لابد من توضيح مهم عن الإجارة. فالشريعة لن تدفع لإجارة الأفراد للأفراد كموظفين مهما كان الحال. أي أنها تدفع للتكاتف. إلا أن هذا لا يعني قط ألا يستأجر فرد الآخر لإنجاز عمل ما لمدة محددة كما في أعمال المقاولة، أو أن يعمل إنسان كأجير لإنهاء خدمة معينة مثل إصلاح عطب ما أو حفر بئر ما أو ما شابه من أعمال. وهذا تأجير لإنهاء خدمة محددة وليس تسخير فرد باستئجاره للعمل بأجر شهري أو سنوي كما هي حال المؤسسات أو الشركات المعاصرة. والفرق هو أن الأجير لعمل ما هو أجير ينتقل لتقديم خدمته من مالك لآخر مثل حافر الآبار، أو أن الناس يأتون إليه ليستأجروا مهاراته مثل الخياط. فالأجير مرتبط بالكثير من الملاك في ذات الوقت أو أنه يتعامل مع الكثير من الملاك واحداً بعد الآخر. وفي هذا عزة للأجراء لأن الآخرين بحاجة لهم وبالذات إن كان عددهم قليل نسبياً بسبب تمكن أفراد المجتمع وانصراف الكل لما يعشق من عمل أو هو أهل لإنجازه. وشتان بين هذا وبين من يعمل أجيراً مسخراً في شركة أو مؤسسة أو بقالة أو مغسلة كموظف بأجر شهري رغماً عنه في معظم الأحوال بسبب ارتفاع البطالة. كما أن الشريعة تدفع أحياناً لتأجير أدوات أو آلات الإنتاج حتى لا تقع الشراكة لأن الكفاءة قد تكون أعلى في بعض الأحيان إن استأجر فرد أدوات فرد آخر بـدل عملهما معاً كشركاء كما سيأتي بيانه بإذن الله . وهذا تمييز مهم يجب الالتفات إليه. هذه الملحوظات السابقة هي من المبادئ أو الزوايا التي ستأخذ حظاً أوفر عند النظر للنصوص للتمييز بين ما هو مقدس وما هو تاريخي. وهذه الزوايا ليست إسقاطاً على أو حشراً للنصوص. بل هي مستنتجة منها لتوظف في النظر في الاجتهادات الفقهية لأحكام الشركات.
التوضيح العاشر: الغرائز الإنسانية
ولأن الشريعة تدفع للمزيد من الإنتاج المباشر، فكما ستلحظ في هذا الفصل فإن الحق سبحانه وتعالى وضع الغرائز الإنسانية (مثل حب التملك للمزيد، ومثل تلافي الناس لتدخل الآخرين في شؤونهم) كدافع للإنسان للحركة. تدبر مثلاً قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَتَابِ﴾. ومن السنة المطهرة قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي جاء في مسند الإمام أحمد: (لو كان لابن آدم واد من ذهب التمس معه وادياً آخر، ولن يملأ فمه إلا التراب، ثم يتوب الله على من تـاب). لهذا جاءت الشريعة بالحث على الصدقات والزكاة والإيثار ومساعدة الآخرين كوسائل لكبح هذه الغرائز. ولعل أوضح مثال
۱۲۲۲ 🗏
لتجذر هذه الغرائز في النفس البشرية هو القوانين التي تفصل بين الناس. فالقانون ما وضع في الغرب إلا لفض الخلاف بين المتنازعين. ولماذا يتنازع الناس ؟ لأن كل منهم يريد أن يحصل على المزيد من الحقوق أو المال أو، أو. فإن نظرت في أي نزاع يقع تجد أن طرفاً لا يريد أن يتنازل عما يعتقد أنه حقه. لهذا يقع الخلاف. فالكثير من الحقوق العمرانية مثلاً والتي يسعى وراءها الأفراد ويترافعون من أجلها في المحاكم ما هي في الواقع في النهاية إلا أموال في معظم الأحوال. فإن حصل الفرد مثلاً على الحق في التعلي لثلاثة أدوار من السلطات، فهو إنما ارتفع سعر أرضه. ومن تمكن من الحصول على تصريح لفتح محل تجاري في شارع سكني، فهو إنما ارتفع سعر ملكه. وحتى لا تشتعل هذه الغريزة وتحيل المجتمعات إلى صراع دائم أتت الأديان لحفز الناس للحد منها من خلال التأثير في القيم وردع كل من تعدى وظلم، كقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين، وأتت المجتمعات العلمانية بالأنظمة والقوانين. فتعمل الأولى في مجتمعات والثانية في مجتمعات أخرى، ومنها ما يعمل في المجتمعين معاً. هكذا نجد أن هناك مكابح للغرائز كتلك التي تحث الناس على التسامح من جهة، وكتلك التي تحض الناس على المزيد من العطاء من جهة أخرى، فمنهم من تؤثر فيه فيتغير، ومنهم من هو مختلف بطبعه، فهو الكريم الذي يعطي أكثر مما يأخذ، وأمثال هؤلاء قلة، ويزدادون برقي المجتمع في قيمه إن مقصوصة الحقوق. أما أولئك ،العادون، فإن القوانين والروادع والعقوبات هي مصيرهم. وبرغم سلبية هذه الغرائز لأنها أنانية، إلا أن وجودها بين أفراد المجتمع دون تعد على الآخرين يعطي الناس الدافع للحركة والعمل والإنتاج لكسب المزيد إن تم ضبطه وتوجيهه. فلماذا سقطت الاشتراكية أمام الرأسمالية في الإنتاجية؟ لأن الرأسمالية كنظام لم يكبح هذه الغرائز، فترك للناس حرية العمل، ولأن الناس يريدون المزيد من الكسب فتجدهم يجدون ويجتهدون فتزداد الإنتاجية ولكن بالتلويث بسبب الإنفلات للبعض دون الآخرين.
طبقت
أصلاً
لهذا ستلحظ بأن مبادئ الشراكة التي ستأتي في هذا الفصل تدور حول توجيه هذه الغرائز والإفادة منها لما فيه خير البشر. فكما هو معلوم، وكما يقول الرأسماليون، فقد لا يوجد دافع للعمل كما المنفعة الذاتية للإنسان، وهذه غريزة، أي طمع الأفراد لتحقيق مصالحهم. فبقدر ما تضيق أمام الفرد مجالات السعي لمنفعته الذاتية تذبل همته ومن ثم مبادرته ويقل جهده وسعيه. إلا أن الإسلام مختلف، فهو يطلق الأفراد في إطار قيم سامية. لقد اعتبر الإسلام «العمل المباشر» كمصدر أهم للحصول على الثروة، وفي هذا قوة دافعة للاقتصاد وفي اتجاه متصاعد دائماً
كما سترى بإذن الله. وليس كالرأسمالية التي تعتبر مصادر أخرى مثل تأجير المال مثلاً (الربوا) كمصدر للثروة.
ومن أهم هذه الغرائز هو حب معظم الناس لما يملكون فيزدادون تفانياً في تطويره أو صيانته أو ما شابه من نشاطات. أي أن المتوقع من الملاك هو حبهم الشديد لأماكن عملهم. فهذا أمر طبعي وغريزي، فالتاجر يحب الجلوس للبيع في متجره، وإن لم يبع تجده يعيد ترتيب متجره أو تنظيفه أو ما شابه من اهتمام ممتع له؛ والصانع يحب العمل والاهتمام بمصنعه فيمكث فيه طويلاً حتى إن لم يكن هناك إنتاج، بل فقط يتأمل ويتفكر في كيفية تطوير مصنعه. هكذا تصبح الحياة الإنتاجية متعة. وهذه نعمة حُرمنا منها في هذا العصر بسبب الرأسمالية، قاتلها الله. فأذكر مثلاً أنني قابلت خياطاً أجيراً جمع بعض المال واستقل للعمل بنفسه، فلاحظت أنه يعمل ليل نهار حتى في الإجازات لأنه يستمتع بالعمل لأن المنفعة له ولأن كل زيادة في العمل هي زيادة له لا سيما أنه بحاجة للمال للإنفاق لتعليم أبنائه، وفي هذا متعة له والإسلام يستثمر هذا، لذلك تحاول مقصوصة الحقوق زيادة نسبة الملاك في
١١ الشركة
۱۲۲۳
المجتمع لتزداد نسبة السعداء. وكمثال «الآثار هذه الزيادة» تدبر قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالصحابة
فهم
إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ ا في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، برغم أنهم أتقى من غيرهم من أهل العصور اللاحقة، إلا أنهم بشر ويُحبون بالتالي ما يعملون فيه لأنه لهم، لدرجة أن البعض منهم قد يتأخر عن موعد النداء لصلاة الجمعة، فنزلت الآية الكريمة كتوجيه علماً بأنه حينها لم يكن هناك أذان أول بعد، فالأذان الأول استحدث في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه. .. هكذا يجب أن نفهم الآية: أي - حب الصحابة لما يعملون فيه لأن مقصوصة الحقوق رفعت نسبة الملاك في ظروف غير مقيدة بالأنظمة التي تثبط الناس؛ وليس كما ذهبت بعض الفرق طعناً في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بالقول أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أشغلتهم الدنيا عن الصلاة، رضوان الله عليهم بشر تشدهم الغرائز. ففي الآية رسالة قوية لأجيالنا المعاصرة بأن هناك سبباً جعل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يحبون عملهم حباً شديداً لدرجة أن بعضهم قد يُفوّت جزءاً من الخطبة التي كانت تأتي مباشرة بعد الأذان، فنزلت الآية للتحذير، والتي استنبط الفقهاء منها عدم جواز عقد أي صفقة تجارية بعد سماع الأذان. ولكن بالنسبة لموضوعنا، فإن الاستنباط هو حب الصحابة لما يعملون، سواء كانوا فرادى أو شركاء. فتأمل وقارن هذا بوضع الموظف الحكومي أو من يعمل لغيره في شركة، فهو ينتظر كل صلاة للفرار من العمل وليس بالضرورة حباً للصلاة، وينتظر إجازة نهاية الأسبوع بفارغ الصبر حتى يترك العمل. أي إن كان السؤال: لماذا نزل قوله تعالى في سورة الجمعة هل لأن القلة من الناس غير أتقياء زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والعياذ بالله، أم أن هناك سبب آخر؟ تكون الإجابة: لأن من يعملون يملكون ما يعملون فيه، وفي هذا دلالة ورمزية لحسن تطبيق الشريعة. لاحظ أن يوم الجمعة لم يكن يوم إجازة في عهد السلف، بل أصبح إجازة مع قدوم الحداثة التي تدافع عن العمال فتريد أن تريح العامل من العمل الممل لأنه لا يملك ما يعمل فيه. وهذا وضع مناف للفطرة التي فطر الله الناس عليها للعمل لعمارة الأرض بمثل هذه المبادئ سنكون أقرب للصحة في النظر في الاجتهادات للتمييز بين ما هو مقدس وما هو تاريخي. وبالطبع فمن هذه المبادئ المهمة أيضاً تلافي الغرر والجهالة وما شابه من أساسيات معلومة للفقهاء في الشريعة.
ثم يأتي السؤال: ولكن هل هذا يعني تفشي الأنانية بين الناس إن أحب كل إنسان عمله؟ وهل إن اندفع كل فرد لتحقيق مصلحة نفسه سيضيع الضعفاء وسيستأثر الأقوياء بكل ما هو متاح وتصبح الحياة وكأنها غابة يأكل فيها القوي الضعيف؟ فأجيب: لقد تحدثت عن الغرائز الإنسانية في عدة مواضع من هذا الكتاب. فبينت في فصل «القذف بالغيب» في الحديث عن «الكفاءة والعدالة» كيفية تأثر علم الاقتصاد كغيره من مضامير الحياة بالحداثة، وذكرت أن الحكم على أي فعل أو قرار اقتصادي أي) هل هو خير أم شر) كان من خلال العقل البشري وكيف أن هذا الحكم كان بعيداً عن الدين باللجوء للماديات، إذ لم يكن هناك معيار لمعرفة ما هو صواب وما هو . خطأ م أ من أفعال إلا الغرائز الإنسانية. ثم بينت كيف أن هذه النظرة المادية هي التي تبناها أكثر علماء الاقتصاد لأنهم اعتقدوا أن الخير والشر عنصران يمكن قياسهما مادياً، وبهذا فإن سعى كل فرد لتحقيق لذاته فإن هذا سيؤدي إلى أكبر قدر ممكن من السعادة لأكبر عدد ممكن من البشر لأنه يفترض وجود إنسجام تام بين المصالح العامة والمصالح الخاصة. وهكذا فإن قوى السوق، كما ظنوا وأخطؤا، ستوجد النظام والانسجام والكفاءة والعدالة، وهذا ما يعرف في علم الاقتصاد بـ «مذهب المنفعة». ثم بينت رفض بعض الاقتصاديين الذين نادوا بضرورة إدراج الأديان للحفاظ
١٢٢٤ 🗏
على القيم والأخلاقيات. وهكذا حتى ظهرت دولة الرفاهية التي نادت بتدخل الحكومات لإعادة توزيع الثروات من خلال الخدمات المجانية كالتعليم والصحة. ثم تحت عنوان: «القواعد الغريزية»، تحدثت عن استحالة تمكن النظم البشرية من التعامل مع هذه الغرائز إلا بكبتها كما في الاشتراكية ما أدى للتخلف، أو إطلاقها كما في الرأسمالية ما أدى إلى الهدر والاستعباد. ثم وضحت في فصل «ابن السبيل» في الحديث عن «الندرة النسبية» كيف أن منظور الباحثين في الاقتصاد الإسلامي وتنظيراتهم مبنية على ما يرونه من شره الناس وأطماعهم الذي لا حد له بسبب النظم البشرية التي أدت لاستشراء هذه الغرائز الأنانية.
ولعل القارئ إن لم يُركز سيحار في موقف مقصوصة الحقوق من الغرائز الإنسانية، أي هل الشريعة تكبت أم تُطلق هذه الغرائز ؟ وكيف تُكبَت وكيف تُطلق؟ وللتوضيح أقول: لعلك لاحظت أنني وضعت العبارات التبعيضية عند الحديث عن الغرائز. فمثلاً تجدني أقول بأن الغرائز الإنسانية دائمة الوجود مما قد يدفع الناس للتشاح «إلا من رحم ربك»؛ وأقول : من أهم هذه الغرائز حب «معظم» الناس لما يملكون، وهكذا دون تعميم أو جزم ولابد الآن من توضيح هذا التبعيض إن أي مجتمع مهما كان مشركاً أو ظالماً أو فاسقاً إلا ويكون فيه من الأفراد من ذوي المروءة والشهامة والكرم والجود وهؤلاء يتعالون على غرائزهم ويسخرون أموالهم أو أوقاتهم لخدمة الآخرين. بل حتى أن بعضهم قد يتنازل عن حقه للآخرين، فيتعالى الأب على . ، الانتقام بالعفو عن قاتل ابنه مثلاً حتى وإن لم يكن مسلماً. ولكن كم هي نسبة هؤلاء النخبة في المجتمع؟ وما أزعمه هو أن نسبة هؤلاء ستزداد بتطبيق مقصوصة الحقوق وبالذات بعد عدة أجيال لسمو المجتمع. أي وكأن الغرائز الإنسانية شر لابد منه، فهي أداة مدمرة إن عملت في نظام اقتصادي مجتمعي من وضع العقل البشري. وفي النقيض، فلعلك إن قرأت ما مضى عن الغرائز الإنسانية أدركت بأن هذه الغرائز ولأنها من خلق الله ، فلها حكمة كبيرة تحرك الناس لعمارة الأرض. فكيف يمكن إيجاد الاتزان بين الإطلاق والتقييد لهذه الغرائز ؟
C
حب
ستأتي الإجابة خلال هذا الفصل والفصل القادم بإذن الله. ولكن للاختصار أقول: كما مر بنا في الحديث عن الضروريات والحاجيات والكماليات في فصل «القذف بالغيب»، فمع فتح أبواب التمكين، فإن المنتجات تتقارب في مواصفاتها وجودتها بسبب تقارب الناس في الثراء. ففي مثل هذه الظروف، فإن شراهة الأفراد للمزيد من الخير لأنفسهم تضمحل لأن المزيد من المال لن يعني الشيء الكثير إذ لا منتجات فارهة إلا القليل لأنها تزداد قلة مع سمو المجتمع. وهذا ينطبق على أفعال الخير الأخرى مثل التفرغ للأعمال في المؤسسات الخيرية ومثل الهبّ لعون المحتاجين وما شابه من إيثار . وفي النقيض، فمع تزايد الفارق بين الأثرياء والفقراء في نظام اقتصادي من وضع العقل البشري القاصر وفي سوق حرة ستظهر المنتجات التي يسيل لها لعاب معظم المستهلكين فيزدادون شراهة لاستحواذ المزيد من المال والقوة وما شابه من أدوات التمكين والتسلط. أي أن النمط الاقتصادي الاجتماعي هو الذي يزيد هذه الغرائز سعيراً فتتجه لخدمة الذات أو يثبطها فتُستثمر لتوضع تحت تصرف الآخرين. ومن جهة أخرى، فإن المجتمعات بحاجة عند انطلاقها اقتصادياً لهذه الغرائز لينطلق الناس فيزداد الإنتاج، وفي الوقت ذاته، وبعد ثبوت المنظومة الإنتاجية واستقرار عطائها ليسع الكل، فإن المجتمعات بحاجة للمزيد من التضحية والعطاء للآخرين لتنتشر السعادة والعدل ليضمحل الإنفاق الخدماتي كما سيأتي بإذن الله. إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة. لهذا أقول دائماً بأن الشريعة معجزة، فمن أهم إعجازاتها الاقتصادية وضع الهدي أو المبادئ بطريقة تسخر
١١ الشركة
١٢٢٥
وتستثمر هذه الغرائز للمزيد من الإنتاجية دون أن يؤدي ذلك لقهر الآخرين (كما سترى في باقي هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة بإذن الله، ثم مع وبعد الازدهار الإنتاجي يسمو أفراد المجتمع فتأخذ هذه الغرائز مركزاً متأخراً أو موازياً لوعي أفراد المجتمع وثقافتهم وعاداتهم فتصبح هي الدافع للاقتصاد بسبب تغير الثقافة. هذا إن لم يكن المجتمع مسلماً. أما إن كان مسلماً مؤمناً بالآخرة، فإن غريزة حب الذات تمتد للآخرة ليقوم الفرد بالكثير من التضحيات والإيثار في الدنيا في سبيل الآخرين لحصد الأجر للآخرة بإذن الله، مثل التصدق على الآخرين ومعاونتهم وتسهيل مهاهم بخدمتهم وهكذا من تضحيات وإيثار وإنفاق. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الحشر مادحاً: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُ و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوَلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال تعالى في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال في سورة الإنسان: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءَ وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرََّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾.
التشغيل
۱۹
و
٪۷۰
أدرك أخي القارئ أنني أكثرت عليك من الإحصائيات عن البطالة، ولكن فقط لتذكيرك بها لأهميتها القصوى أضع بين يديك المزيد منها. تفكر في الآتي: لقد كان حوالي % من سكان فلسطين عاطلون عن العمل سنة ٢٠٠٣م بسبب الحصار اليهودي الذي عطل حركية ابن السبيل تماماً. وكان حوالي ٣٠٪ ممن تتراوح أعمارهم بين ٣٩ سنة في دولة ثرية بمواردها كالسعودية دون عمل. وكان عدد من لا عمل لهم في العالم الإسلامي إجمالاً في نفس السنة قد بلغ ٢٠ مليون فرد. أي ربع الأيدي العاملة تقريباً. أما في العالم العربي، فقد توقع المعهد العربي للتخطيط أن عدد العاطلين سيكون ۱۹ مليون عربي سنة ،۲۰۲۰م، في حين أن عدد الخبراء والعاملين المهرة والمدربين الذين هاجروا من الوطن العربي عام ٢٠٠٢م كان قد وصل ۸۰۰ ألف فرد تأمل هذا الاستنزاف. وكان دخل فرد واحد من بين كل خمسة أفراد في العالم العربي في نفس السنة يقل عن دولار واحد يومياً، بينما ما هو مستثمر من أموال عربية خارج العالم العربي وفي نفس السنة قدر بحوالي ألفي بليون دولار(. (٢). ألا يحق
للعالم الإسلامي أن يكون متخلفاً لأن هناك خلل جذري في تشغيل الناس؟٢٤
كما هو معلوم لدى الاقتصاديين، فكلما اقترب عدد العاملين من العدد الكلي للقوة العاملة كلما كان التشغيل كاملاً في أي اقتصاد. فالتشغيل الكامل، كما يعرفه الاقتصاديون، هو الوضع الذي يحصل فيه كل من أراد العمل تقريباً على عمل يقتات منه وبمعدل الأجور السائدة. أي دون بطالة تذكر. والبطالة نوعان: بطالة إجبارية، وهي وجود جماعة ترغب في العمل إلا أنها لا تجده بمعدلات أجور مرضية. وبطالة اختيارية، وهي وجود جماعة لا ترغب في العمل بمحض إرادتها. وتعد مشكلة البطالة كما هو معلوم، من أهم المشكلات الاقتصادية، حتى في حالة الانتعاش الاقتصادي، فهناك معدل من البطالة قد يرتفع إلى 5% ويعد مقبولاً عند الاقتصاديين في النظم الرأسمالية.
١٢٢٦ 🗏
ويسمى
هذا المعدل بالبطالة الاحتكاكية frictional unemployment، أي وجود البعض بلا عمل ولكن بصفة مؤقتة لأسباب لا يمكن تلافيها في المجتمعات الرأسمالية مثل انتقال بعض الموظفين أو العاملين من مواقع لأخرى، أو مثل نقصان بعض الموارد الأولية من مصادرها مما يعطل بعض المصانع، أو مثل تغير متطلبات المجتمع بسبب التطور التقني من منتج لآخر، مما يفرز أفراداً لا يملكون المهارات الملائمة للتقنية المستحدثة. وبالنسبة للبطالة الهيكلية أو ما يعرف بـ structural unemployment فهي صورة أخرى للبطالة الاحتكاكية، إلا أنها ناتجة بسبب القيود التي تفرضها الأنظمة الحاكمة، مثل القيود التي تعيق حركة انتقال العمال بين الأقاليم الجغرافية أو بين أصحاب العمل والصناعات المختلفة وبين النقابات والمهن المختلفة وهكذا. أما البطالة المقنعة وهي الأكثر انتشاراً في العالم المتخلف disguised unemployment، فهي وجود أفراد من القوى العاملة التي تعمل ولا تنتج فعلياً، مثل موظفي الأعمال البيروقراطية، أو ممن يزرعون بأيديهم في حال وجود الآلات، ومثل منظفي الأحذية في الشوارع أو الباعة المتجولين للحلوى والذي يظهر أنهم ينتجون إلا أن إنتاجهم الهزيل مربوط بهيكل المجتمع الاقتصادي الذي وضعهم في مثل هذه المواضع الهزيلة الإنتاج. فهم بالكاد يجدون ما يملأ بطونهم يوماً بيوم. وهناك بالطبع بطالة لا مفر منها في المجتمعات المعاصرة وفي فترات محددة من تطور الأمة الاقتصادي، مثل البطالة الموسمية بسبب طبيعة العمل الزراعي مثلاً والذي يؤدي لوجود فائض من الأيدي العاملة لعدة أشهر في السنة بسبب طبيعة الزراعة. وبالطبع فإن هذه الأنواع تتداخل. وكما ستستنتج بإذن الله ، فإن جميع هذه البطالات لن تقع مع تطبيق مقصوصة الحقوق.
وكما هو معلوم أيضاً في علم الاقتصاد فإن الحكومات تسعى دائماً للمحافظة على مستوى عال من التشغيل وبالذات فيما يخص البطالة الإجبارية لأنها آفة تؤدي إلى الكثير من المضار الاجتماعية، فعدم عمل الفرد الراغب في العمل وبطالته ينعكس على نفسيته وأسرته وبالتالي على المجتمع بأسره إن تزايد عدد هؤلاء العاطلين، مما يؤدي أحياناً إلى بعض الاضطرابات السياسية. ونظراً لأن الاقتصاد الكلاسيكي (آدم سميث) فشل في تحليله لمبررات الكساد الكبير في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي عندما ارتفع حجم البطالة إلى ٢٥٪ وتناقص ليصل إلى ١٥٪ خلال سبع سنوات، فإن كينز أدخل، كما مر بنا في فصل «القذف بالغيب»، مفهوماً لإيجاد التوازن الاقتصادي عند مستوى نقص التشغيل دون وجود قوى داخلية لتصحيح الوضع. ففكرة مرونة الأجور كوسيلة للتشغيل الكامل مرفوضة لدى كينز، فالكثير من الناس يرفضون العمل بأجور أقل مما اعتادوا عليه. أي أن الأجور النقدية لا تستجيب للضغوط نحو الانخفاض وهذا يؤدي للبطالة. أي أن التحليلات الاقتصادية التي تفترض المرونة في الأجور قد تخطئ في النتائج كما حدث في الكساد الكبير. وما يقوله كينز هو أن مستوى التشغيل يتحدد بمستوى الطلب الفعلي على المنتجات الذي يشتق منه الطلب على العمل. وبهذا فإن احتمال ظهور نقطة توازن في سوق المنتجات النهائية مع وضع التشغيل الكامل أمر مستحيل، ما يعني أن الانحراف عن التشغيل الكامل وضع كثير الاحتمال في الاقتصاد الحر. وهذا ما يسعى الإسلام إلى تلافيه أو الوقوع فيه. فالإسلام يؤدي للتشغيل الكامل كما ستستنتج بإذن الله. كيف؟
هامش
د) وفي هذا الإطار، لا يحق للمؤسسات مثلاً التخلص من الفائض من المنتجات للحفاظ على مستوى الأسعار كإلقاء الحبوب في المحيطات كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً.
١١ الشركة
۱۲۲۷
الحركيات: الكفاءة أم العدالة؟
تحدثنا سابقاً في فصل القذف بالغيب عن ملامح الكفاءة والعدالة. والآن للمزيد من التوضيح: إن أهم فارق بين ما يكتبه معظم المسلمين وغير المسلمين عن الاقتصاد هو أهمية دور الدين في الاقتصاد. فمن يرى إمكانية تطبيق الاقتصاد الإسلامي ويدعو له تجده يدور حول عدة مبادئ من أهمها أن المعايير السلوكية للفرد لابد وأن تتغير، وأن للزكاة دور فاعل في التكافل الاجتماعي لتمكين الفقراء، وأن تحريم الربوا سيزيل تراكم الثروات عند طبقات دون أخرى. وإن نظرنا لمثل هذه المبادئ سنلحظ أنها ذات زاويتين مختلفتين: الأولى حركيات يمكن للمجتمع فرضها على الأفراد، كأخذ الزكاة ومنع الربوا والثانية هي القيم وهي مرتبطة بتغيير سلوك الأفراد، وهذه مسألة عائمة يصعب ضبطها إلا إن أنت اختيارياً من الأفراد أنفسهم لخوفهم من الحساب في اليوم الآخر. أي إن لم يكن هذا الخوف مغروساً في أعماقهم لما تصرفوا بطريقة رشيدة كما يريد علماء الاقتصاد. لذلك كان نقد العلمانيين للإسلاميين من هذه الزاوية قوياً وذلك لأن مما يؤثر على سلوك الأفراد قيم يصعب سيطرة المجتمع عليها كقيمة أن الإسلام يعتبر الموارد الأرضية أمانة لذلك لا يحق للفرد أن يتصرف بها لرفاهية نفسه فقط، ولكن عليه أن يحاول وضع الأمانة، وبالذات الموارد المحدودة منها كما يقولون، في خدمة الجماعة من باب الأخوة). ومن هذه القيم أيضاً أن الإسلام دين يدعو إلى نمط متواضع من الحياة بحيث لا يؤدي لهدر إنتاجي يولد ضغطاً على الموارد في الكرة الأرضية. فالإسلام دين ينهي عن الإسراف والتبذير، وبذلك فهو دين، كما يقولون، يدعو إلى نمط رشيد من الحياة. وبمثل هذه القيم يحاول من يدافع عن الإسلام اقتصادياً أن يقنع الآخرين بضرورة الأخذ بأسس الاقتصاد الإسلامي، بينما يرفض العلمانيون هذه الإطروحات لأنها لا تنضبط في ظل مجتمع متحرر، ويعتبرونها ثغرة في لنأخذ مثالاً يقول الدكتور القري تحت عنوان: العدالة في توزيع الدخل ضمن النظام
الاقتصاد الإسلامي. الاقتصادي الإسلامي
«يمكن القول أن تحقق قدر أكبر من العدالة في توزيع الدخل والثروة هـو هـدف أولي للنظام الاقتصادي الإسلامي. ويعتقد عدد من الاقتصاديين، بعد استقراء النصوص الشرعية وأدلتها الجزئية، أن هذا الهدف يسبق في الأهمية هدف تحقيق الزيادة في معدل النمو الاقتصادي، أي زيادة متوسط الدخل الحقيقي في الاقتصاد ككل. وليس أدل على أهمية عنصر العدالة في التوزيع في النظام الإسلامي من أن الزكاة وهي الأداة البارعة لتحقيق العدالة في التوزيع، هي الركن الثاني من أركان الإسلام العملية، وهي جزء من الاعتقاد لا يتم إسلام المرء إلا بالالتزام بها طائعاً مختاراً. فجعل الشارع العظيم أداة تحقق العدالة في توزيع الدخل جزءا من الاعتقاد الصحيح والسلوك المقبول والعمل الصالح، فأضحت لب نظام الإسلام الاقتصادي وذروة سنام العدالة فيه».
.
٢٥
لعلك لاحظت أن حركية الزكاة، باعتقاد المؤلف وآخرين أداة تؤدي للتوزيع العادل حتى وإن كان على حساب النمو الاقتصادي. وما أحاول إثباته هو أن الشريعة تؤدي للاثنين معاً. أي توزيع عادل ونمو اقتصادي في نفس الوقت، وأن ما قاله د. القري هو وضع ينتج عندما يعمل الاقتصاد الإسلامي أو الاقتصاد المؤسلم في ظل إطار رأسمالي كما بينت في الفصول السابقة. وما سردى لهذه الأقوال إلا لأنبهك أخي القارئ للزلل الذي يقع فيه مختصوا الاقتصاد حتى تتفكر فيما يكتبون لنأخذ مثالاً آخر: إن الكثير من الباحثين يضعون تصورات مثالية دون توضيح
آلية الوصول إلى هذه التصورات. فالباحثة نعمت مشهور مثلاً تقول:
۱۲۲۸ 🗏
«إن مفهوم التوزيع في الإسلام يقوم على أساس المساواة المطلقة بين أفراد المجتمع المسلم في حق توفير الحاجات الأساسية التي تمثل مستوى الكفاية لكل فرد، وفي حق استخدام الإمكانات المادية التي سخرها الله لكل البشر. والأصل في ذلك أن الناس جميعاً متساوون في الاعتبار البشري. فعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب). غير أن المساواة الحسابية في الحقوق المعيشية تمثل الحد الأدنى الذي يعترف به الإسلام في توزيع الثروات والدخول بين أفراد المجتمع. ذلك أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الناس متفاوتون في المواهب الطبيعية والقدرات المكتسبة، مما يرتب [يترتب عليه ضرورة وجود تفاوت في عوائد النشاط الإنتاجي المختلف تبعاً للملكات الإنسانية. وقد بين الحق تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ ، وما هذا التفضيل في الرزق إلا انعكاس طبيعي لتفاوت طاقات وقدرات الأفراد في المجتمع. يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . إذن هذا التفاوت والتباين بين الأفراد نابع من رحمته سبحانه، وهو تفاوت تكامل وليس تفاوت تضاد، وراجع إلى أن الخالق سبحانه وتعالى باين بين الخلق حتى يكمل بعضهم بعضاً، وأن ينتفع كل منهم بما عند الآخر من مزايا لم تتهيأ، ولم تتوفر لديه. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ﴾نجد أن الحق خلق الذي يتفوق بعقله والذي يتفوق بيديه لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّا، العقل يسخر اليدين، هذه هي الطبيعة والمنطق، فالتسخير هنا عمل ونظام، وليس تسخير قهر وإذلال. يقول الألوسي في تفسير الآية: [«] ليستعمل بعضهم بعضاً في مصالحهم ويستخدمونها في مهنهم، وليسخروهم في أفعالهم، حتى يتعايشوا أو يترافدوا ويصلوا، لا كمال في الموسع عليه، ولا نقص في المعتد عليه». وإنما هو تقسيم على أساس التخصص وتبادل المنافع. وعلى ذلك تصبح العدالة الحقيقية في التوزيع، هي وجود التفاوت المقيد بين أفراد المجتمع، بعد تحقيق المساواة بينهم في مستوى الكفاية. ويكون هذا التفاوت تفاوتا في درجة الغنى، ومحكوما من حيث مداه بضوابط الشرع الإسلامي. فلا يصل إلى ما نشاهده في مجتمعات الفكر الوضعي من تفاوت مطلق لا يحكمه حد أدنى ولا حد ، أقصى».
٢٦
هذه
إن قارنت الاقتباس السابق بما مر بنا في تفسير سورة الزخرف آنفاً، ستستنتج أن الباحثة فهمت آية التسخير وكأنها خطاب لتوضيح حال المسلمين على أنه طبقي. فهي تقول بأن التسخير هو «عمل ونظام، وليس تسخير قهر وإذلال». وكما مر بنا فإن هذا غير صحيح بدليل قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ ، والذي يُثبت أن المجتمع غير المسلم مقسم لطبقات مسخرة بعضها لبعض قهراً، فتراكم الثراء عند البعض لدرجة كنزه. حتى وإن كان الخطاب موجهاً للمسلمين وأن هناك تسخير عمل ونظام وليس تسخير قهر، فكيف نصل كمجتمع للعدالة في التوزيع؟ كما ذكرت فإن سردي لمثل هذه الاقتباسات للفت النظر أن معظم من قرأت لهم في الاقتصاد الإسلامي لا يوضحون أو يضعون الكيفية للوصول للعدالة. فيذهب الاستنتاج ضمناً بأن هذا ما يجب أن تقوم به الدولة أو السلطان. وكما حاولت مراراً أن أوضح، فإن هذا أصل المشكل، أي الثقة بالحكومات أو السلاطين، وما أحاول إقناعك به، هو أن تطبيق مقصوصة الحقوق التي تمنع تسلط الدولة (إلا في حدود ضيقة جداً) فقط هي التي توصل للعدالة كما ستستنتج بإذن الله. لننظر لباحث ثالث: هناك مبدأ شرعي هو : الغنم بالغرم. ويقصد به كما قال صالح العناني: «تحميل الفرد من الأعباء بقدر ما
هو
يأخذ من الميزات والحقوق، بحيث تتعادل كفتا الميزان». فالإسلام كما يقول:
هو
١١ الشركة
۱۲۲۹
«يبني كيان مجتمعه على عدالة التوزيع وتكافؤ الفرص، ويأبى كل الإباء أن يتظالم المسلمون في اقتسام الغنائم دون أن تتوزع مغارمها بينهم بالعدل، كما يأبى في الوقت نفسه أن يستمرئ بعض المسلمين البطالة والكسل والقعود، فيعيش البعض عالة على جهود الآخرين».
۲۷
إن النص السابق بديع في ظاهره. ولكن السؤال الجوهري في حق النص السابق هو: : كيف تتحقق العدالة؟ هكذا نجد أن باحثي الاقتصاد الإسلامي يتشبثون باليجبات التي وضحت في فصل «المكوس») دون توضيح لآليات تحقق هذه اليجبات على أرض الواقع قناعة منهم بأنها ستأتي من تدخل الدولة. وفي النقيض، فإن من يهاجمون الإسلام يرون أنه دين لن يؤدي للازدهار الاقتصادي لأنه دين لا يدفع الناس للنظر للأرض وما عليها، بل يدفعهم للنظر للسماء كما ذكرت سابقاً. فهو بذلك لا يزرع التنافس بين فئات المجتمع كموجه لنظرياتهم وفلسفاتهم الاقتصادية والاجتماعية. فالفرد المسلم يؤمن باليوم الآخر، وهذا يؤثر في حياته وسلوكه. لذلك فإن قوة المادة لم تكن ذات تأثير كبير في تحريكه، فقد يكون زاهداً أو قنوعاً أو كسولاً. لذلك يعتقد الكثير من غير الإسلاميين أن من أهم أسباب تخلف المسلمين هو الدين الذي لا يحثهم على تراكم رأس المال (بل) الإنفاق بسخاء على الغير)، أي أنه لا يؤدي للتنافس الضروري لزيادة الإنتاجية، لأن المسلم بحكم إيمانه باليوم الآخر يرتبط سلوكه بالجماعة، وهذا قد يثبطه عن التنافس مع الآخرين لأنه ليس فردانيا individualist ومندفعاً كالفرد الغربي، وهذا أدى للتكاسل والتخلف كما يزعمون.
إن الطرح الذي يحاول هذا الكتاب توضيحه هو أن في كلا التوجهين السابقين إجحاف للنظرة الاقتصادية في الإسلام. ذلك أن الإسلام وضع من الحركيات التي انبثقت من مقصوصة الحقوق التي لا تحتاج لمـنـة فـرد على المجتمع؛ حتى وإن كان هذا الفرد ذا سلوك قويم، فسلوكيات الأفراد الاختيارية، أو التي يصعب ضبطها، مسألة يستحيل الاعتماد عليها لبناء اقتصاد قوي ولا يجب أن يبقى اقتصاد أمة رهين بسلوك الأفراد بأن يستشعروا الأمانة مثلاً وألا يسرفوا. أي أن مقصوصة الحقوق في الإسلام ستؤدي لاقتصاد قوي إن هي طبقت في جميع الأحوال رغماً عن الجميع دون الحاجة للاعتماد على سلوكيات الأفراد كما سترى بإذن الله . فمثلاً، كما مر بنا فإن هناك حركيات تفتح الآفاق للتمكين مثل تسهيل الوصول للموارد (مبادئ ابن السبيل) وجواز ملكيتها بعد حيازتها، ومثل هذه الحركيات تفرض وضعاً يسهل معه تطبيق حركيات أخرى مثل منع الربوا وبالتالي تسمو القيم كما سترى بإذن الله. كما أن اتهام الإسلام بأنه دين يفرز أفراداً كسالى، أو أن كثرة الأفراد الزاهدين في المجتمع سيؤدي لتخلفه الاقتصادي، فكرة مرفوضة دينياً، وسأدحضها لاحقاً، ولكنني لن أعتمد على دحضها كركيزة في طرح الكتاب لأن أي إنسان علماني سيرفض هذا المنطق المبني على الدين. ومن الحكمة ألا أعتمد على الدين في إقناعه بجدارة الإسلام لأنه لا يؤمن به، ولكن أعتمد على منطقه. لذلك سأبدأ بدحض منطقه.
هي
كما رأينا في فصل «القذف بالغيب»، فإن مأساة المجتمعات المعاصرة في الاقتصاد. استحالة التعامل مع كل من العدالة والكفاءة في تسيير الاقتصاد. لذلك قيدت الحريات الإنسانية لتتحرك داخل إطار ما تضعه المجتمعات من تصورات اقتصادية تحاول الوصول لأفضل توزيع للثروات (العدالة) بأعلى كفاءة ممكنة. ولكن النتيجة التي وصلنا إليها هي أنه لا حرية في الواقع لمعظم الأفراد في الاشتراكية لأنهم ليسوا أعضاء في الحزب الحاكم مثلاً؛ وحرية مقيدة ضيقة لمعظم الأفراد في الرأسمالية لأنهم لا يملكون رأس المال، لأن الحرية مربوطة
۱۲۳۰ 🗏
بالمقدرة على التحرك، والتحرك مربوط بالسلطات أو رأس المال. هنا يأتي إعجاز الإسلام في أنه وضع مقصوصة من الحقوق يمكن تمييزها إلى مجموعتين من الحركيات حركيات تؤدي لزيادة كمية العمل بتراکمه دون هدر ليزداد الإنتاج في المجتمع (وهو موضوع هذا الفصل، وحركيات تؤدي لزيادة نسبة الملاك (وهي موضوع فصول سابقة وهذا الفصل وثلاثة فصول قادمة بإذن الله، أي «الفصل والوصل» و «الأماكن» و «البركة»). فالحركيات التي تؤدي لتراكم كمية العمل هي «حل» لمأزق الكفاءة لرفع الإنتاج، والحركيات التي تؤدي لزيادة نسبة الملاك هي «حل» لمأزق العدالة في توزيع الثروات دون تثبيط الهمم. والمعجز في هاتين المجموعتين من الحركيات كما ستلحظ هو أنها تفتح أبواب التمكين لكل ذي همة دؤوب بغض النظر عن مقوماته، وتغلقه أمام كل من حاول استغلال مقوماته المالية أو السلطوية لقفل الباب أمام الآخرين. وقلت «حل»، لأنني أحاول توضيح رفعة الإسلام مقارنة بالنظم الوضعية، أما إن طبقت الشريعة ابتداءً فإن هذين المأزقين لن يوجدا أصلاً لأن مقصوصة الحقوق ستوجد مجتمعاً لا يواجه مثل هذه المآزق، فلا حاجة للحل أصلاً كما ستستنتج بإذن الله لأنه لا مشكل هنالك بحاجة للحل.
الكفاءة: تراكم العمل
إن المنتشر بين علماء الاقتصاد هو أن لأي مشروع استثماري مقومات من أهمها رأس المال واليد العاملة والموافقات من الدولة والمعرفة والتي تشمل الخبرة والتقنية وما إليها من متطلبات. ولكن إن نظرنا لجميع هذه المقومات في حياتنا المعاصرة سنلحظ أنها رأسمالية. فأهم مقوم هو رأس المال لأنه يأتي بالأرض التي يوضع فيها المشروع، ويأتي بالأيدي العاملة وبالاجهزة، ولعله يأتي أيضاً بالموافقات من الدولة كما ذكرت سابقاً. ومن جهة أخرى فإن الخيرات التي على الأرض أو ما بباطنها في النظام الرأسمالي من معادن هي من حق من ملك الأرض التي هي فيها مع دفع الضرائب المرتفعة. وهذا يؤثر على المعروض منها في السوق وبالتالي على وفرة المنتجات التي تعتمد عليها. أي أنه لا خيرات مشاعة لمن أراد العمل إلا ما ندر، بل الخيرات هي للمؤسسات التي تعمل في استخراج الثروات، والتي عادة ما تسخر الأفراد للعمل لديها، فالذي يقطع الخشب في الغابة لصالح شركة ما، لا يملك الخشب الذي يقطعه، وليس له بيعه، بل هو ملك لمن ملك حق الامتياز وأدوات الإنتاج. وإن تكونت شركة للتنقيب عن المعادن فهي عادة ما تقسم الأرباح بين مالكي الأسهم، وبين تسديد فوائد الديون الربوية بعد دفع الضريبة أو حقوق الامتياز للدولة، أي أننا مهما نظرنا في النظام الرأسمالي الإنتاجي نجد أن الأرباح تذهب لمن يملكون المال الذي أوجد أدوات الإنتاج أو للدولة، أي أن الأرباح تذهب لمن لا يعملون بأيديهم أو ليسوا في الموقع.
وهنا ملحوظة: إن ذهبت الأرباح لمن لا يعملون فإن من يعملون لن يقوموا بالعمل بهمة وحماس كما إن عملوا فيما يملكون، وبهذا تضمحل الكفاءة، ناهيك عن الهدر الذي تحدثنا عنه سابقاً. وهذا أمر غريزي بدهي، وهو من أهم المحاور التي دار حولها كتاب «عمارة الأرض». فقد حاولت في ذلك الكتاب توضيح أن الشريعة حاولت تمليك الأعيان العمرانية لمن يستخدمونها وبهذا يزداد اهتمامهم بها وتتحسن حال جميع الأعيان في العمران، وتقل الحاجة لصيانتها. وهذا المنطق ينطبق أيضاً على الإنتاج والتمكين، كيف؟
١١ الشركة
۱۲۳۱
إن جميع ما ذكر سابقاً من مقومات حتى التصاريح والموافقات أحياناً، والتي تعطيها الدولة للشركات، تأتي من المال، والمال ثروة منتجة، فهو قد أنتج سابقاً، وليس مقوماً أساسياً، فهو مقوم أساسي في الإطار الذي وضعته الرأسمالية. ولأنه أنتج سابقاً، فهو حكر لمن ملكه، وهذا الذي ملكه يستطيع أن يحصل على الأيدي العاملة والمعرفة بشرائهما، لذلك اعتبر أساسياً. فإن لم يكن المال مقوماً أساسياً كما يدعي الرأسماليون، فما هو المقوم الأساسي إذاً؟ «إنه الأرض والبحر وما يستثمر فيهما من مجهود للحصول على المعدن أو الزرع أو السمك، وهذه لا حد لها مقارنة بعدد سكان الأرض» كما مر بنا في الفصل السابق. وهذه العبارة هي من أهم عبارات هذا الفصل. كيف؟
لقد رأينا سابقاً أن مبادئ الشريعة تؤدي للتمكين. فقد رأينا في فصل «الخيرات» كيف أن الشريعة قصت الحقوق لتمكين الناس المعدمين ليصبحوا ملاكاً، فإن طبق هذا لأصبح معظم الناس في المجتمع ملاكاً سواء كان المملوك معملاً أو معهداً أو متجراً أو مزرعة. وبالإضافة لذلك، فكما رأينا في فصلي «الأراضي» و «دولة الناس»، حتى يزداد المسلمون تمكناً، لم تجعل الشريعة حق للمجتمع في أموال الناس إلا الزكاة. بل قصت الشريعة الحقوق بطريقة تضطر الأموال للذهاب للناس، وليس للدولة، وبهذا يزداد الناس ثراءً مقارنة بالدولة.
ولنقل أخي القارئ أنك لست مقتنعاً بكل ما ذكرته في الفقرة السابقة، عندها قد توافقني في المنطق إن نحن استنتجنا أن فتح الشريعة الأبواب للناس للوصول إلى الخيرات بجعلها مباحة لمن أخذها سيؤدي لوضع سيرفض فيه معظم الناس العمل كأجراء لدى الآخرين. وهذا استنتاج منطقي جد مهم لهذا الفصل. وللتوضيح أقول: لنقل بأنك إنسان معدم . معاذ الله، وأتى إليك رجل يملك أداة لجذ الحشيش، وطلب منك أن تعمل له يوماً بأداته في أرض مباحة، وما جمعته من حشيش هو له، فهل ستعمل لديه أم أنك ستحاول جذ الحشيش بسكين أو حتى بيديك لتحصل على الحشيش مباشرة من نفس الأرض المباحة؟ بالطبع ستحاول العمل لنفسك حتى تمتلك ما تجذه لتبيعه إن كنت من ذوي الهمم، لأن القليل الذي ملكته قد يباع بمال أكثر مما كان سيدفع لك كأجر يومي. وقس على ذلك كل شيء. أما إن لم يكن الفرد من ذوي الهمم فإن أجره سيكون مرتفعاً لندرة اليد العاملة لأن ذوي الهمم يعملون لأنفسهم فلا أجراء إلا القلة فتظهر الندرة. ومن جهة أخرى، فلأن الناس يستطيعون الوصول للخيرات لأنها مباحة لهم، سيجدون في الحصول على الأدوات التي تساعدهم للوصول للخيرات، حتى وإن كانت بدائية. فهذا الذي حصد الحشيش لعله يشتري بما باعه فأساً أو منشاراً. وكذلك الخشب، فلأنه من حق من قطعه، وليس من حق شركة تمتلك حق الامتياز، لأن الغابة مباحة، فقد يقطع شجرة واحدة في اليوم، ومن ثم يجزئها لقطع أصغر ليتمكن من حملها وبيعها. وبالطبع فإن سعر ما قطعه من خشب ليس كسعر خشب الشركات التي تنقل الخشب بقطع أكبر لأن لديها من المعدات وسيارات النقل العملاقة ما يعينها على استثمارها. ولكن قد يأتي زيد من التجار ويشتري منه هذا الخشب، وينقله لمناطق أبعد ليتفرغ هو لقطع الخشب. ومن ثم يتكون لديه مال يمكنه من شراء منشار آلي، فيقطع أكثر من شجرة واحدة في اليوم، وقد يقنع صديقاً له بإحضار شاحنته لنقل الخشب للسوق لبيعها بسعر أفضل بدل بيعها للتاجر زيد، أو قد يتفق مع مالك شاحنة بأن له نصف سعر بيعها إن هو نقلها معه. وهكذا تبدأ بذرة شركة صغيرة بين اثنين. وقد ينضم إليهما ثالث ليعينهم على حمل الأخشاب وبقطع أكبر لأن سعر بيعها أعلى، فتصبح الشراكة مكونة من ثلاثة أفراد. وما حصل هذا إلا لأن المجتمع لم يمنع هؤلاء من الحصول على الموارد مباشرة من مواطنها لأنها مباحة. وبالطبع، فهناك مثل هؤلاء آخرون قد يكونون أفضل حالاً لأنهم كانوا أقدم منهم في العمل أو
۱۲۳۲ 🗏
أكثر تمكيناً ابتداءً. وبهذا تظهر دورة تبدأ من المنافسة بين الأفراد ثم لتتبلور التجارب، ثم يزداد الإنتاج بتراكم الخبرة ونمو المعرفة ليتمكن الناس وستأتي حركيات تحقق هذه الدورة في فصل «المعرفة» بإذن الله. أي ستظهر المنافسة بين الشراكات الصغيرة التي يعمل بها مالكوها والتي ستكون أكثر ،همة، وبالتالي سيدفع هذا الشركات الكبرى على الخروج من السوق لأنه لا حصن لهذه الشركات إلا الأداء وليس الاحتكار أو اللواذ بالأنظمة لحماية ذواتهم من خلال الدول.
وقد وضعت هذا التصور أخي القارئ لأسحبك من وضع معاصر تسيطر عليه الشركات الكبرى إلى وضع تريده الشريعة. ولكن إن طبقت الشريعة، فإن هذه الشركات العملاقة المحتكرة لن توجد أصلاً، بل سيتكون المجتمع إنتاجياً من شراكات متعددة متنافسة وذات أحجام متقاربة كما سترى بإذن الله. وما حدث هذا إلا لأن الخيرات مباحة. وإن عدت وقرأت ما كتب في فصل «الخيرات لاستنتجت أن كل موارد الكرة الأرضية مباحة لمن عمل بها باستثناء ما وجد في الأراضي التي شغلت بعمران فعلي، كأن تكون الأرض مسكونة أو بها مصنع أو مزرعة. ونسبة هذه الأراضي بالطبع ضئيلة جداً بما لم يُعمر.
ولكنك قد تقول: إن الوصول إلى النحاس والنفط مثلاً مسألة ليست سهلة كقطع الخشب، فهذه مهمات تحتاج لخبرات الشركات بدليل ما نراه من حطب يباع في الأسواق، وأننا لا نرى النحاس يباع في الحراج كما يباع الحطب. فأقول: إننا لا نرى الحطب في السوق منتشراً ورخيصاً لأنه سهل الحصول عليه، بل لأن الحكومات لم تمنع، أو لم تستطع منع الناس من الحصول عليه كما منعتهم من الحصول على النحاس. ولم أختر مثال الحطب والخشب إلا لوضوحه، أما بالنسبة للوصول للموارد الأكثر صعوبة كالنفط مثلاً، فإن الناس سيرتقون بمهاراتهم. فما هي هذه الشركات الكبرى: أليست أفراداً أُجراء ذوي خبرة يعملون تحت مظلة تجمعهم؟ فلماذا لا تكون الشركات مكونة من أفراد ذوي خبرات ويملكون ما يعملون فيه ؟ وقد تقول : إن الشركات هي التي تقوم بجمع الأفراد ذوي التخصصات المختلفة لتجعل منهم فريقاً متكاملاً منتجاً تحت إدارة حكيمة. فإن قلت هذا فكأنك تقول: إن الأفراد ذوي التخصصات المختلفة التي تتكامل لن ينجذبوا لبعضهم البعض ليتكاتفوا لإيجاد هذه الشراكات. هنا سأختلف معك وأقول: إنك تفكر في إطار رأسمالي وضعي لأنك لم تذق البديل. فلا ألومك كنت ولازلت دائماً أقول: كلما تقدمت البشرية كلما كان الإسلام أكثر صلاحاً من غيره من النظم لخدمة البشر. فهاهي ذي مواقع التواصل الاجتماعي والحرفي على الشبكات العنكبوتية تجمع الناس من مواقع شتى لتخدمهم في اهتماماتهم. أي إن طبقت الشريعة، فإن الشركات العملاقة التي تقوم بآلاف المهام ستتفتت. فشركات النفط المعاصرة في النظم الرأسمالية مثلاً تقوم بالبحث عن النفط، ومن ثم حفر الآبار ومن ثم استخراج الزيت ومن ثم تكريره وبيعه. وفي هذا احتكار إفسادي للمجتمع من عدة جهات. فهل سمعت عن ظهور شركة نفط جديدة خلال عشرات السنين إلا فيما ندر (حتى حينها فهي مملوكة لدولة ما بنسب معينة)؟ بل هي نفس الشركات المسيطرة على الأسواق. فإن طبقت الشريعة، فإن المعرفة والمهارات (كما سأوضح بإذنه تعالى) لن تحبس داخل هذه الشركات، بل ستنتشر بسبب تفتت الشركات، فستظهر شراكات للبحث عن النفط، وأخريات للحفر، وثالثات لاستخراج الزيت، ورابعات لتكريره، وخامسات لنقله وسادسات لبيعه، وهكذا حتى أن كل شراكة مما سبق ستتفتت لشراكات أصغر وأصغر. ولن يحصل هذا إلا لأن الناس الذين سيعملون في هذه التخصصات لن يجدوا من سيعمل لديهم لندرة الأيدي العاملة التي
١١ الشركة
۱۲۳۳
تفضل العمل لحساب نفسها لانفتاح أبواب التمكين وعندها ستضمحل الشركات ذات البيروقراطيات غير المنتجة لأحجام تناسب مهامها بحيث يكون معظم العاملين فيها، إن لم يكن الكل، شركاء. فالشريعة لا تفرض على الشركات التفتيت لشراكات أصغر ، بل بفتح الأبواب للمعدمين ستتحجم هذه الشركات لمقاسات تلائم كل تخصص ليزداد الإنتاج كما سيأتي بإذن الله. ولعلك هنا تنقد مثال قطع الأشجار بأن فيه استهلاك للغابات إن ترك الحبل على الغارب! فأجيب: كلا، بل سيكون الحال أفضل مع تطبيق الشريعة. فالشركات المعاصرة، ولأن البطالة منتشرة، تستطيع تسخير الأفراد للمزيد من القطع فيكثر الاستهلاك، ولكن مع انعدام البطالة وانجذاب الناس للعمل فيما أكثر متعة لتمكن الناس، فإن سعر الخشب سيرتفع ما يؤدي لقلة استهلاكه فيظهر الترشيد في إعادة استخدامه. أو العكس، فإن العمل فيه لسهولة الحصول عليه سيزيد من عرضه ولكن بسعر مرتفع لندرة اليد العاملة وارتفاع أجرها فيقل استهلاكها. وأرجو ألا تعتقد أن الخشب سينضب من كثرة الاستهلاك، وسيأتي بيانه بإذن الله.
هو
التكريم
وهنا نأتي لمسألة شرعية مهمة تؤثر في دورات الخلافة في الأرض من خلال الشراكات، وهي أن الله الحق سبحانه وتعالى كرم بني آدم ومن ضروريات التكريم الشبع والأنفة والعزة. ألم يقل الكريم الجواد في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، فمن هو المكرم والمفضل، أهو زيد المؤمن أم جورج الكافر؟ إنهم جميع البشر بالطبع. ألم يقل أيضاً في سورة المؤمنون: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ؟ تدبر قوله تعالى: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ . كم فيها من التكريم والدلال، فالفلك تحمل المؤمن والكافر. وهذا التكريم يرتفع إن حكم الناس بما شرع الحق سبحانه وتعالى. إما إن حكموا بعقولهم القاصرة، فإن النتيجة هي عكس التكريم أي المهانة والذل والجوع بسبب التسخير. وهذا الذي حدث للأمة باستثناء بعض الأجيال التي حكمت بما شرع الله . فالمهانة تأتي رويداً رويداً بالحكم بغير ما أنزل الله. لذلك ترى الدول الاشتراكية الأوغل قدماً في التاريخ هي دول أفرادها أكثر مذلة، فيزداد الفرد مذلة بزيادة عمر الحاكمة لأن كل جيل تربى على يد جيل سابق ذليل، فيصبح هو أكثر مذلة لأنه نشأ في مجتمع مشبع بالذل فتتدحرج القيم للهاوية. وهكذا يزداد الذل جيلاً بعد جيل حتى يطفح الكيل فيأتي جيل جائع فيثور على السلطة.
السلطة
وعندها إن حكم بالإسلام فقد بدأ طريق العزة، وإن عاد وحكم بنظام آخر فقد سلك طريقاً آخر للمذلة. والعزة كذلك، تسمو جيلاً بعد جيل لأن كل جيل يطبق شرع الله سينتج أفراداً أعزاء لأنهم ليسوا بأجراء لدى الرأسماليين، وليسوا موظفي دولة اشتراكية أو حتى دولة معولمة، بل هم ملاك لما يعملون فيه كشركاء مع الآخرين. هذه الشراكة مع الآخرين تحرر الفرد من قيود جميع الناس إلا الاتفاق مع الشركاء. فلا أنظمة مقيدة
مع
ولا مسؤولين لأخذ التصاريح منهم ، ولا موارد منقطعة، بل حرية في العمل وانطلاق، فلا يبقى للفرد إلا الاتفاق شريكه والهمة والانطلاق للإنتاج، فيكون عزيزاً بعض الشيء. وهذه العزة البسيطة (لأنه لا فرد متسلط فوقه يقول له: افعل ولا تفعل، إلا الاتفاق مع شريكه)، تنتج فرداً عزيزاً، ثم يأتي الجيل الذي من بعده فيكون أكثر عزة من الذي قبله لأنه تربى في عزة، وهكذا يسمو المجتمع ليتعزز تكريم البشر جيلاً بعد جيل.
١٢٣٤ 🗏
وبالطبع فإن سلوكيات الأفراد في مجتمع عزيز ستختلف عن سلوكيات الأفراد في مجتمع ذليل، وهذا يؤثر في المستهلكات وبالتالي التصنيع. ففي المجتمع الرأسمالي الذي يوجد فرداً بحرية مطلقة في السلوكيات لكن دون الحق في الوصول للموارد يكثر المجرمون فتنشط المصانع التي تنتج أدوات الشرطة للوصول للمجرمين لكثرتهم ولزجهم في السجون كأجهزة الكشف عن الكذب والكلبشات. لقد أراد هؤلاء اللصوص سرقة المجوهرات التي لا فائدة فعلية منها للمجتمع إلا تضييع أوقات شريحة من الطبقة العاملة في تصميمها وصياغتها. وهكذا معظم الكماليات التي تزخر بها المحلات لتغيظ الفقراء فيزداد حقدهم لينقلب بعضهم لصوصا . أما في المجتمعات الاشتراكية فتكثر المعدات الكبيرة التي يحاول الحزب الحاكم بها تغيير النمط الإنتاجي للمجتمع مثل القاطرات الكبيرة لنقل المواد الخام من إقليم لآخر كالقطن أو الفحم الحجري. فترى الكثير من المنتجات في المجتمع الاشتراكي كبيرة ولا تعمل بدقة وبندرة في الكماليات، بينما في المجتمعات الرأسمالية تجد أن معظم الأشياء تعمل بدقة أكثر مع انتشار الكماليات. بينما الإسلام كما ذكرت فإنه يدفع الكماليات لتصبح من الضروريات بإتقان عال كما سيتضح بإذن الله. وهذه الضروريات المتقنة لكثرتها بحاجة للكثير من الأيدي العاملة التي تجتمع وتتكاتف لتنتج الكثير من المصنوعات بطريقة أتقن من خلال التمتع بالعمل لأن المنتجين شركاء أعزاء وليسوا أجراء أو موظفين أذلاء. وهذه العزة أثناء العمل تؤدي لمجتمع مكرّم لأنه يستهلك منتجات متقنة ومتوافرة للجميع أكثر مما تنتجه المجتمعات الرأسمالية لأن خيرات الأرض أكثر من حاجات الناس، وهكذا يسمو المجتمع جيلاً بعد جيل.
هم
كما أذكرك أخي القارئ كما فعلت سابقاً بألا تعتقد أن الناس سينقضون على الموارد المباحة لإنهائها من الكرة الأرضية، بل على العكس، ستكون الموارد أكثر رشداً في الاستهلاك كما سيأتي بإذن الله لسمو قيم المجتمع. كما أرجو ألا تعتقد أن المنتجات ستكون متخلفة وبدائية. كلا، بل ستكون أكثر إبداعاً وإتقاناً لأن من ينتجونها الملاك أنفسهم تحت منافسة دائمة تدفعهم للتحسين المستمر كما سيأتي في الحديث عن المعرفة بإذن الله. كما أرجو أن تلحظ بأن هذا الوضع ليس كالذي تدعو إليه الاشتراكية. فمن أحلام ماركس كما وضحها إنجلز، ظهور الصناعة بشكل تقوم فيه على شراكة العمال داخل كل معمل على شكل تعاونيات لتتجمع داخل شركة كبيرة، وأن هذا الوضع لن يتم الوصول إليه إلا بعد زوال الدولة الاشتراكية ذات القرارات المركزية في التخطيط. أي أنها مرحلة متقدمة من النضوج في المجتمع ليصل المجتمع إلى الشيوعية بعد زوال الطبقية. ولكن كما رأينا، فإن هذا محال لأن الطبقة التي تخطط ستستبد، وقد استبدت بمصالح المجتمع لصالحها أي أن ما حلم به كل من ماركس وإنجلز لم يتحقق لوجود عقبة هما أوجداها، ألا وهي الدولة المسيطرة. وهذا أمر متوقع لقصور العقل البشري. هذا بالإضافة لاختلافات جوهرية كثيرة بين الإسلام والاشتراكية كما ستلحظ بإذن الله.
أما مقارنة بالرأسمالية، فإن الإسلام كما قلت مراراً لم يغلق الأبواب على المعدمين كما أغلقتها الرأسمالية على من لا يملكون المقومات للانطلاق من الصفر. ولعل هذا أحد أهم الفوارق بين الإسلام والرأسمالية إنتاجياً، لأن الذي يغذي الإنتاج هو التدفق المستمر من الأفراد الأعزاء جيلاً بعد جيل على التصنيع والتسويق. هكذا تكون الخلائف مكرمة: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾. وسنبدأ بالنظر لبعض مبادئ المعاملات في الشريعة مثل الشركة لنرى كيف أن الشريعة تؤدي لتراكم العمل لتأتي الكفاءة بفتح الأبواب. ولأن الشريعة بحر في هذه المسألة،
فلابد من التركيز على الأهم، وإلا لاحتاج هذا لعدة مجلدات.
11 الشركة
۱۲۳۵
الشركة
۲۸
قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلْثِ﴾. وقال في سورة ص: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا)، وقال زيد فيما رواه البخاري: «كنت أنا والبراء شريكين. فكما هو واضح من الآيات، فإن الشريعة تجيز الشراكة كما استنبط الفقهاء. لا، بل كما هو واضح من الأحاديث، فإن الشريعة تدفع للشراكة. فما بالك بشركة الله الحق سبحانه وتعالى داخل فيها بنص الحديث الأول، وما بالك بشراكة يد الله فيها على الشركاء بنص الحديث الثاني؟
إن للشراكة كنهج إنتاجي تأثير عجيب على الأفراد من خلق الله الخالق الخلاق البديع. فقد أثبتت أبحات أن طلاب الثانوية مثلاً عادة ما يحصلون على نتائج أعلى عندما يتنافسون كجماعات وليس كفرادى. ذلك أن الفريق الذي يلعب معاً للفوز، تُفرز أجسام لاعبيهم مادة أُكسي توسين oxytocin الهرمونية. وهي مادة هرمونية معروفة بأنها مادة ترابطية تؤدي إلى المزيد من الترابط بين الأفراد والمزيد من الاهتمام بالآخرين والثقة بهم مع المتعة في التعامل معهم. وفي بحث آخر وجد أن أفراد فريق الهوكي مثلاً يفرزون هذه المادة فيشعر أفراد الفريق بالمسؤولية تجاه الآخرين وفي الوقت ذاته يخافون من الإخفاق في مسؤولياتهم خوفاً من المقارنة بينهم وبين الآخرين، وهذه سلبية، إلا أنها مع المتعة في التعامل مع الآخرين تزيد من إنتاجية الفريق كما لاحظ الباحثون. كما لوحظ أن هذا القلق أو هذا الشعور بالمسؤولية بين اللاعبين جماعة مقارنة باللاعب الذي يلعب بمفرده يؤدي إلى فشل بعض اللاعبين الفرادي بسبب القلق والتوتر، أما من ينجح منهم فإنه عادة ما تظهر عليه علامات الثقة الزائدة ما يؤدي لسلوكيات فظة تجاه الآخرين، وهكذا إن نجح تاجر أو صانع بمفرده فقد يتأثر سلوكه سلباً فيزداد فظاظة، أما إن كان نجاحه مع شركاء، فإنه سيكون أكثر إنسانية مع الآخرين لإدراكه أن نجاحه يعود لشركائه أيضاً، فتأمل. ٢٩
۲۹
لعلك لاحظت أخي القارئ بأنني استخدم كلمتين: «شركة » و «شراكة»؟ لماذا؟ إن الفرق بينهما في إطار مقصوصة الحقوق هو أن الشركة تدل على المؤسسة التي تنتج من اشتراك عدة أفراد لإيجاد المؤسسة التي تبدأ العمل بتسخير الآخرين، وهي ما هو منتشر في الأنظمة الرأسمالية أو تلك المتأثرة بها لأن العاملين فيها في الغالب هم من غير الملاك. فالمهم إذاً هو المؤسسة. لذلك نلحظ أن لفظ «شركة» هو الطاغي في أيامنا هذه. بينما الشراكة هي عملية الاشتراك بين اثنين أو أكثر. فهي لا تعني إذاً بالضرورة المؤسسة، بل تشير إلى آليات أو حركيات الاشتراك بين المتشاركين والذين هم في الغالب الملاك ذاتهم. إلا أن التفريق بين شركة وشراكة من حيث الحقوق ليس دائم الوضوح. وما يزيد الوضع صعوبة هو أن معظم نصوص الفقهاء تستخدم كلمة «شركة» للدلالة على التشارك أو الاشتراك أو الشراكة برغم تطبيق مقصوصة الحقوق. تذكر ما قلناه سابقاً عند الحديث عن تسمية الأسماء. هنا أيضاً يجب التنبه على أن «شركة» كما وردت في كتب الفقهاء تختلف عن الشركة اليوم من حيث الحقوق. لهذا احترت كثيراً: هل استمر في استخدام كلمة «شركة» اتباعاً للفقهاء برغم اختلاف المفهوم المعاصر لها تماماً؟ فإن فعلت سيظهر خلط كبير لأنه شتان بين الشركات المعاصرة والشركات الناتجة من تطبيق مقصوصة الحقوق. وإن
١٢٣٦ 🗏
استخدمت كلمة «شراكة» فإنني استحدث مصطلحاً لم يقل به الفقهاء !!! حتى أنني مررت على جميع الفصول السابقة وغيرت كلمة «شركة» إلى «شراكة». ثم عدت مرة أخرى لفعل العكس مؤملاً أن ما نمر به الآن من مفهوم خاطئ للشركة سيتغير وسيعود بإذن الله المفهوم الإسلامى مرة أخرى مستقبلاً إن أتى الحكم بما أنزل الله، وهو أن الشركة هي مؤسسة أو جهة يعمل بها ملاكها. أي أن كل إنسان مالك. وهذه عبارة مهمة جداً: أي أن كل إنسان يملك ما يعمل به أو فيه إما منفرداً أو شريكاً. ثم عدت فوجدت حلاً وسطاً وهو أنه إن كانت العبارة تتحدث عما نتج من تطبيق مقصوصة الحقوق، أو عن آلية أو حركية اتحاد المجهودات لإيجاد شركة، فإنني استخدم «شراكة» لأن المقصود هو أن الملاك هم العاملين في الشركة الناتجة من شراكاتهم تكاتفاً. أما إن كان الحديث عن النظم الرأسمالية، فإن التسخير بالتالي هو السمة الغالبة، عندها تجدني استخدم لفظ «شركة» لأن العاملين بها لا يملكونها برغم تكميل مهاراتهم لمهارات .بعض. أما الاقتباسات من كتب الفقهاء فتبقى بالطبع كما هي في الأصل، وهي تستخدم لفظ «شركة»، مثل شركة الأبدان وشركة المضاربة وشركة الوجوه.
كلمة
سؤال جوهري : إن قام شخص يملك أداة إنتاج كشبكة للصيد، ودفع الشبكة لرجل آخر ليصطاد على أن ما صاد بينهما بنسبة يتفقان عليها، فهل هذا جائز ؟ لقد اختلفت الأقوال ذهب الأحناف على عدم جواز ذلك، وقالوا أن السمك يعد ملكاً لمن اصطاده، وأن لمالك الشبكة الإيجار عن أداته. انظر لما قاله السرخسي:
يقسم
«وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صادتها من شيء فهو بينهما، فصاد بها سمكاً كثيراً، فجميع ذلك للذي صاد لقوله: «الصيد لمن أخذ»، ولأن الآخذ هو المكتسب دون الآلة فيكون الكسب له، وقد استعمل فيه آلة الغير بشرط العوض لصاحب الآلة، وهو مجهول فيكون له أجر مثله
على الصياد».
عندما قرأت ما قاله السرخسي احترت كثيراً . لأن ما يطلبه السرخسي «قد» يؤدي لمجتمع يثرى فيه من يعمل بيده أكثر ممن يملك أدوات الإنتاج دون عمل، لأن أدوات الإنتاج قد تبلى يوماً بعد يوم، إلا إن كانت أداته نادرة لا تتأثر بدوام الاستخدام، وهذا وضع شاذ. أما من جمع من الناس بين أدوات الإنتاج والعمل فهو الأكثر تفوقاً. ولكن في هذا ضرر على من لديه الخبرة في إدارة المشروعات مثلاً ولا يملك أدوات الإنتاج، وسبب الضرر هو أنه قد يُحرم من أدوات الإنتاج إن حاول الدخول في مشروع ذي مخاطرة كالبحث عن معدن ما. فقد لا يجني من الأرباح ما يغطي نفقات أدوات الإنتاج . فأي الأوضاع هو الأسلم للمجتمع؟ لذلك كان لابد لنا من التأني والنظر في أسس الشراكة في الإسلام، وذلك لأن فتح الشريعة لأبواب التمكين للناس لابد وأن يؤدي لمجتمع يكثر فيه الشركاء، وليس أفراداً مأجورين لدى أصحاب رؤوس الأموال كما وضحت. فالشراكة بين الناس تُعد إذاً من أهم السمات الاقتصادية للمجتمع المسلم.
إن من طبيعة الحياة البشرية أن معظم ما يستهلكه الناس لا يتم إنتاجه إلا بتظافر معارف ومهارات الكثير من الأفراد أي باشتراكهم لإنتاج أو استثمار ما بإيجاد الشراكات. وقد تم تعريف الشركة شرعاً على أنها الاختلاط، وهي عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. فالشراكة بذلك هي الاجتماع في الاستحقاق أو التصرف. وهي ثابتة بالكتاب والسنة. فالشركاء يتظافرون أو يتكاتفون» لحيازة معدن ما لإنهاء عمل ما أو لإيجاد منتج ما أو لبيع سلعة خدمة ما. وهذا التكاتف أو هذه الشراكة تذكر ما وضحناه عن الفرق بين التكاتف والتكامل) لها
ما أو لتقديم
١١ الشركة
۱۲۳۷
عدة أنماط تؤثر في كل من إتقان المنتج وهمة العاملين وسرعة تقدم البشرية معرفياً في الإنتاج. وفي الوقت ذاته، ولأن الناس ذوو همم ومهارات وخبرات ورؤوس أموال متفاوتة، فإن لكل جماعة متشاركة نمط من الشراكة أكثر ملاءمة من الأنماط الأخرى. لذلك، فإن احتمالات حدوث الشراكة بسبب تفاوت الناس في مهارات البدن والمال أخذت في الشريعة خمسة أنماط هي شركة الأبدان والعنان والمفاوضة والمضاربة والوجوه. فشركة الأبدان هي أن يشترك شخصان أو أكثر ببدنيهما، وشركة العنان هي أن يشترك اثنان أو أكثر بجزء معلوم من ماليهما وبدنيهما، وشركة المفاوضة هي بالمال والبدن، بالإضافة لضمانات أخرى بين الأفراد في تصرفاتهم. والمضاربة هي اشتراك بدنين أو أكثر بمال أحدهما، أو مالين وبدن أحدهما، وهي غالباً ما تكون في التجارة. أما شركة الوجوه فهي اشتراك بدنين بمال غيرهما. وهناك أنماط أخرى متفرعة من هذه الأنماط الرئيسة، كما سنوضح بإذنه تعالى. وقد استنبط الله حقوق الشركاء من النصوص لتتناسب مع هذه الأنماط من العقود.
الفقهاء رحمهم !
۳۱
ومن جهة أخرى، فإن الشركة عموماً نوعان: شركة الأملاك وشركة العقود. وشركة الأملاك هي أن يمتلك أكثر من شخص عيناً من غير عقد. وهي إما اختيارية أو جبرية. والاختيارية هي كأن يوهب لشخصين هبة واحدة أو أن يشتريا عقاراً واحداً. والجبرية تأتي من الميراث. وسنوضح في فصول قادمة تأثير الشريعة في الإنتاجية بقص الحقوق في شركة الأملاك . ٣٢ أما في هذا الفصل فسنركز على شركة العقود.
قبل الاستمرار، سأسرد لك أخي القارئ وباختصار بعض أهم شروط الشركة عموماً ودون تحليل، ثم نمر بعد ذلك على كل نمط ببعض التفصيل والتحليل، ثم نعود لتوضيح بعض الشروط من خلال الأمثلة، وبهذه الدورة تتضح بإذن الله كيفية دفع الشريعة للمزيد من العدالة في التوزيع والكفاءة في الإنتاج لهذا فبإمكانك أخي القارئ قفز الآتي من شروط والذهاب مباشرة إلى العنوان القادم: «شركة الأبدان»، لأن الآتي شروط عامة قد تُستنتج أكثر من خلال التفاصيل. كما أن اختلاف الفقهاء في هذه الشروط كما ستستنتج لن يؤثر جذرياً على لب موضوعنا في
قص الحق.
إن للشراكة شروطاً اختلفت من مذهب لآخر. ومن الملاحظ على الشروط في المذاهب هو أنها لا تتعارض في الغالب وإن اختلفت، بل كل شرط يغطي ثغرة لم يغطها شرط في المذهب الآخر. وما حدث هذا إلا لأن كل فقيه (والله أعلم) أبدى قلقاً على الشراكة من زاوية تختلف عن زوايا الفقيه الآخر، فوضع ما اعتقد أنه الأهم كشرط للشراكة. لهذا وجب سردها هنا باختصار. وسنعلق على الاختلافات لاحقاً إذ أن هناك شروطاً شاذة لا يجب الأخذ بها، فهي اجتهادات محضة. ولكن على العموم ستلحظ أخي القارئ التكامل بين معظم الشروط برغم ظهورها مختلفة. ولعلك ستستنتج في آخر هذا الفصل أن مذهب الحنابلة هو الذي يدفع أكثر من غيره إلى عدالة أكبر في التوزيع على مستوى الأمة، بينما المذاهب الأخرى في معظم أقوالها تسحب الشراكة لكفاءة أعلى على مستوى الأفراد. والآن لننظر للشروط.
العقد،
فبالنسبة للأحناف فإن «عقد الشركة له ركن واحد، هو الإيجاب والقبول، لأنه هو الذي يتحقق به وأما غيره من العاقدين والمال فهو خارج عن ماهية العقد، . وصفة الإيجاب أن يقول أحدهما شاركتك في كذا وكذا، ويقول الآخر: قبلت ولا فرق في ذلك بين أن يذكر له نوعاً خاصاً كأن يقول له: شاركتك في القمح أو
۱۲۳۸ 🗏
بدون
القطن، أو يذكر له شيئاً عاماً، كأن يقول له: شاركتك في عموم أنواع التجارة ... ولكن ليس لأحدهما أن يبيع إذن صاحبه لأنهما قد اشتركا في الشراء ولم يشتركا في البيع، فلا يصح لأحدهما أن يتصرف بدون إذن الآخر،
۳۳
...» . وركن شركة العقود الإيجاب والقبول فيقول أحد الطرفين: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الثاني: قبلت».٣٤ ولقد اشترط الحنفية للشركة أنواعها أمرين: الأول متعلق بالمعقود عليه، فيشترط فيه أن يكون قابلاً للوكالة بجميع فيه. «فإذا تعاهد اثنان مثلاً على أن يشتركا في الاصطياد أو الاحتطاب أو في جمع الحشائش المباحة وبيعها فإن العقد لا يصح لأن هذه الأشياء مباحة، فلا ينعقد فيها التوكيل، لأن ملكها يثبت لمن يباشرها». ولعل هذا الشرط هو أهم ما يميز مذهب الأحناف في الشركة إذ أن الخيرات هي للمباشر في العمل.
الشرط الثاني متعلق بالأرباح ، وهو أن يكون الربح جزءاً شائعاً معلوماً كالنصف أو الثلث أو نحوهما، فإذا كان الربح مجهولاً أو معيناً بعدد فإن العقد يفسد، فإذا قال أحدهما: شاركتك ولك جزء من الربح ولم يعين، أو قال: ولك عشرون ديناراً من الربح، فإنه يفسد. أما الأول فلأن الجهالة في الربح توجب النزاع، وأما الثاني فلأن تعيين عدد معين من الربح يقطع الشركة، إذ ربما لا يربح سوى هذا المبلغ فيأخذه أحد الشريكين المشروط له، ويكون الثاني شريكاً فيه فتنقطع الشركة حينئذ». والربح عادة ما يكون على قدر رأس المال، إلا إذا اتفقا على أن يأخذ أحدهما من الربح أقل من رأس ماله، أما الخسارة فيجب أن تكون بنسبة رأس المال، «فإذا اشترط على أن يكون على أحدهما أكبر من نسبة رأس ماله فسد العقد» .٣٦ لاحظ هنا ( كما هي أقوال المذاهب الأخرى أيضاً) أن شرط إشاعة الربح يؤدي للمزيد من الكفاءة «غالباً» لأن أخذ أحد الشريكين لمال بغض النظر عن الربح قد يؤدي لتكاسله كما سيأتي في الحديث عن الربح بإذن الله.
ألا
وهنا أريدك أخي القارئ وأنت تقرأ ما بقي من هذا الكتاب، أن تلحظ مبدأ مهماً (كنت قد ذكرته مراراً)، وهو أن معظم النشاطات التعاقدية كعقد شركة أو زواج أو طلاق تعتمد على الشفاهة في التعامل، وليس بالضرورة تدوين كل شيء، فالشراكة ليست كالدين (بتسكين الياء تتطلب التدوين كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾. فالشراكة تنعقد بالنية والتلفظ، وفي هذا الكثير من المرونة للأفراد للتفرغ للإنجاز وللانتقال من شريك لآخر دون قيود قانونية بيروقراطية. ولهذا آثار إيجابية كبيرة كما سترى بإذن الله. أما بالنسبة لآية سورة البقرة المذكورة آنفاً والتي توجه إلى تدوين الدين، فسيأتي بيانها في فصل قادم بإذن الله. فكما هو معلوم فإن الكثيرين (مثل محمد أركون مثلاً) ينتقدون الحضارة الإسلامية على أنها ليست حضارة تدوينية بل شفهية. وكما سيأتي بإذن الله، فهناك فرق بين تدوين كل شيء ليستنهك المجتمع بتراكم السجلات، وبين تدوين المعارف التقنية لتتراكم المعرفة في المجتمع ولكن دون تدوين التعاملات التي تربط الناس بعلاقات اقتصادية أو اجتماعية سوى الدين وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة»
بإذن الله).
وبالنسبة للمالكية، فقد وضعوا ثلاثة شروط للشراكة تتعلق بالعاقدين هي: الحرية والرشد والبلوغ، وهذه الشروط هي شروط صحة الوكالة، إذا لا يصح لشخص أن يوكل غيره أو يتوكل عن غيره إلا إن كان حراً بالغاً رشيداً. وهنا لاحظ أهمية هذا الشرط لأن فيه تراكم للحكمة، فالبائع الرشيد أهل للشراكة، وليس كغير الرشيد
الذي قد يبدد الأموال باستثمارات خاطئة. وبالطبع ستسأل : ومن يقرر من هو الرشيد؟ ستأتي الإجابة بإذن الله.
١١ الشركة
۱۲۳۹
وبالنسبة لصيغة العقد فقد اشترطوا أن تكون بما يدل على الشركة عرفاً سواء كان بالقول أو بالفعل. ومثال القول: أن يقول كل منهما اشتركنا على كذا، أو يقول أحدهما ويسكت الآخر راضياً، ... ومثال الفعل أن يخلط كل منهما ماله بمال صاحبه ويتجرا، ومتى تحققت الصيغة بالقول أو الفعل لزم عقد الشركة، وإذا أراد أحدهما أن ينفصل عن صاحبه قبل خلط المالين وامتنع الآخر فليس للأول حق الانفصال إلا إذا بيعت السلع التي اشتراها وظهر رأس المال». وهنا مسألة مهمة وهي النية. فبرغم أن المال لم يخلط بعد، إلا أن النية بالشراكة قد أحدثتها. فلا يكون الفصل إلا بعد البيع. وهذه الحركية ستؤدي للمزيد من الشراكات بين الأفراد. لذلك وجب علينا أن ننظر لأنواع رأس المال عند المالكية لأن في اتفاق أو اختلاف أجناس رؤوس الأموال تأثير على الحقوق عند فض
الشراكة.
۳۷
بالنسبة لرأس المال فإنه يصح عند المالكية بأحوال ثلاثة: الأول هو أن يكون رأس المال عيناً من أحدهما وعرض تجارة من الآخر، كأن يدفع أحدهما نقداً ويدفع الآخر سلعة من ثياب أو طعام. الحال الثاني أن يكون رأس المال عرض تجارة من الشريكين، كأن يدفع أحدهما قطناً والآخر ثياباً، أو يدفع أحدهما قطناً والآخر قطناً مثله. فلا فرق بين أن يكون رأس المال من العرض متحد الجنس أو مختلفه. «إلا أنه لا يصح أن يكون رأس المال من كل منهما طعاماً، فلا يصح أن يدفع كل واحد قمحاً أو شعيراً، وإنما جازت في صورة ما إذا كان مال أحدهما طعاماً والآخر نقداً، أو عرض تجارة تغليباً لجانب النقد وعرض التجارة على الطعام». والحال الثالث هو أن يشتركا بالنقدين الذهب والفضة، وفيه ثلاثة أمور: الأول هو أن يتحد ما يدفعه أحدهما بما يدفعه الآخر من الجنس، فلا يصح أن يخرج أحدهما ذهباً والآخر فضة.٣٨ الأمر الثاني أن يتحد المالان في الصرف والوزن والجودة، «فلا يصح أن يختلفا في الصرف كأن يصرف جنيه أحدهما بخمسة وتسعين، وجنيه الآخر بتسعين مع اتحادهما في الوزن، لأنهما إن اتفقا على الزيادة فقد تفاوتا في رأس المال، لأن أحدهما في هذه يدفع أكثر من صاحبه، ولم يحسب له ما دفعه، والتفاوت مفسد للشركة، وإن اتفقا على حسبان الزيادة ترتب على ذلك عدم اعتبار الوزن في صرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة وهو ممنوع ...... الأمر الثالث أن يكون رأس المال حاضراً، فإن اشتركا على مال غائب لم يصح . «أما إذا كان مال أحدهما حاضراً ومال الآخر غائباً، فإن كانت غيبته بعيدة بحيث لا يمكن إحضاره في مسافة يومين فإن الشركة لا تصح ....... وكمثال لنقرأ ما جاء في «المدونة الكبرى». فقد سأل سحنون قائلاً لابن القاسم: «قلت: هل تجوز الشركة بالعروض، يكون عندي ثياب وعند صاحبي حنطة أو دواب فاشتركنا في ذلك، أتجوز الشركة فيما بيننا في قول مالك أم لا؟ قال: قال مالك : نعم لا بأس بذلك. قال ابن القاسم: وتفسير ذلك عندي إذا اشتركا على قدر قيمة سلعة كل واحد منهما ويكون العمل على كل واحد منهما بقدر رأس ماله، ويكون عليه من الوضيعة بقدر رأس ماله. قلت: أرأيت إن كان رأس مالهما عرضًا من العروض وإن كان مختلفا، فلا بأس أن يشتركا به على القيمة في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: وكيف يقومان ما في أيديهما، وكيف يكونان شريكين؟ أيبيع هذا نصف ما في يديه من صاحبه بنصف ما في يدي صاحبه إذا كانت القيمة سواء، أو يقومان ولا يبيع كل واحد منهما نصف ما في يديه من صاحبه بنصف ما في يدي صاحبه؟ قال : إذا قوما ما في أيديهما وكان قيمة ما في أيديهما سواء، وأشهدا على أنهما قد تشاركا بالنصف فقد باعه نصف ما في يديه بنصف ما في يدي صاحبه إذا قوما وكان قيمتهما سواء، ثم أشهدا على الشركة. فقد باعه نصف سلعته بنصف سلعة صاحبه وإن لم
يذكر البيع، ...
١٢٤٠ 🗏
في الشركة بالمالين المتفاضلين على أن الربح والوضيعة بينهما بالسوية قلت: أرأيت إن أخرجت ألف درهم وأخرج رجل آخر ألفي درهم فاشتركنا على أن الربح بيننا والوضيعة بيننا نصفين؟ قال: قد أخبرتك أنها فاسدة عند مالك. قلت: فإن عملا على هذه الشركة فربحا؟ قال: قد أخبرتك أن الربح بينهما على قدر رءوس أموالهما عند مالك ويكون للقليل رأس المال على صاحبه من الأجرة بحال ما وصفت لك. قلت: فإن عملا فوضعا نصف رأس المال الذي في أيديهما؟ قال: الوضيعة عند مالك عليهما على قدر رءوس أموالهما لأن الفضل الذي يفضله به صاحبه على رأس ماله، إنما كان ذلك الفضل في ضمان صاحبه الذي الفضل له، ولم يضمن له شريكه من ذلك الفضل شيئا. ألا ترى أن ربح ذلك الفضل إنما هو للذي له الفضل فهذا يدلك على أن المصيبة في الفضل من الذي له الفضل. قلت : فإن ذهب رأس المال خسارة أو ركبهما ثلاثة آلاف دينار من تجارتهما بعد وضيعتهما رأس المال كله، كيف تكون هذه الوضيعة عليهما والشركة فاسدة على ما وصفت لك وقد كان شرطهما على أن الوضيعة بينهما نصفين؟ قال: أرى الدين الذي لحقهما من تجارتهما يكون عليهما على قدر رءوس أموالهما، فيكون على صاحب الألف ثلث هذا الدين ويكون على الذي كان رأس ماله ألفين ثلثا هذا الدين لأن الشركة إنما وقعت بينهما بالمال ليس بالأبدان. فما لحقهما من دين فض على المال الذي به وقعت الشركة بينهما وهو رأس أموالهما، فيكون على الذي رأس ماله ألف من الدين الذي لحق الثلث، وعلى الذي رأس ماله ألفان الثلثان. ولا يلتفت إلى الشرط الذي شرطاه بينهما لأن الشرط كان فاسدا. قال : وهذا الآخر لم أسمعه من مالك . ولكنه رأيي. مثل ما قال لي مالك من الوضيعة في رأس
المال».
۳۹
إن من الواضح من السابق أن الإمام مالك رحمه الله لا يرى بأساً في اشتراك اثنين أو أكثر إن اختلفت رؤوس أموالهم في نوعيتها. فكما قال ابن القاسم رحمه الله، فلطالما كان عمل كل واحد من الشركاء مساو لمقدار رأس ماله، فإن الشراكة جائزة. أما إن اختلفت رؤوس الأموال وشرط الشريكان أن الربح أو الخسارة بينهما بالسوية، فإن الشركة فاسدة. وإن عملا ولم يعلما أن الشركة فاسدة فخسرا، فإن الخسارة تقع عليهما بمقدار رؤوس أموالهما وبغض النظر عن الشرط لأنه شرط فاسد. ولعلك لاحظت وستلحظ أيضاً بإذن الله من أقوال المذاهب الأخرى أن مسألة التساوي أو التفاوت في رأس المال كمحدد الجواز أو فساد الشراكة، وأن مسألة تساوي أو اختلاف العروض أو النقدين كمحدد الجواز أو فساد الشراكة أمر متفاوت بين الفقهاء ولا ضابط له إلا اجتهادات كل فقيه بناء على طريقة استنباطه وفهمه. فلأن الفقيه يريد تلافي الغرر والجهالة حتى لا يقع النزاع إذا فضت الشراكة، تجده يحدد ما قد يؤدي للتنازع فيضعه كشرط لمنع الشراكة. فمثلاً ( كما مر بنا آنفا) نجد أن المالكية لا يجيزون الشراكة إن اختلف صرف جنيه كل شريك أو اختلفت العروض في ضبط قيمتها. إلا أنه مع تقادم الزمن وتقدم المعرفة فإن ضبط قيمة العروض في تقدم . لهذا فبالإمكان الآن ضبط مواصفات أنواع القطن والحديد وما شابه بدرجة عالية وبالتالي تقدير قيمتها أثماناً. أي أن شروط فقهاء السلف رضوان الله عليهم لابد وأن يعاد النظر فيها لإمكانية حصر الجهالة والغرر. ولهذا لا أريد الخوض في تقويم هذه الشروط، بل أسردها فقط للآتي: إذا كان الهدف هو زيادة العدالة فإن القاعدة أن إنتاج شريكين أكثر عدالة من إنتاج مالك وأجير معاً لأن الربح والخسارة لكليهما. فالأجير لا يخسر بينما الشريك قد يخسر. لكن في الوقت ذاته فإن مدى
يعملان
هي
عظم رأسم مال الفرد يؤثر في أدائه. فالشريك الذي لا رأس مال له إلا القليل نظراً لفقره سيكون أكثر حرصاً في الاستثمار من الشريك الثري والذي وضع جزءاً يسيراً من ماله في هذه الشراكة. فسواء كسب الثري أو خسر
١١ الشركة
١٢٤١
فالأمر قد يكون له سيان (وأرجو أن تتذكر أنه عندما أقول فقير أو غني فلا أعني بذلك الغنى الفاحش أو الفقر المدقع كما هي حال هذه الأيام، بل مع تطبيق الشريعة سيكون أجر الأجير مرتفعاً لندرة اليد العاملة كما كررت مراراً). ومن جهة أخرى فإن اجتماع فقير وغني في شراكة ما سيؤدي للمزيد من الكفاءة لأن الفقير حريص جداً وسيزداد رأس ماله إن كسبت الشركة. أما اجتماع ثري بآخر ثري فبالطبع سيكون على شراكة برأس مال أكبر وفي هذا شد لانتباههم والمزيد من الحرص لكبر رأس المال. وهكذا مهما فكرت تجد أن الشراكة أفضل من الإجارة في معظم الأحوال من حيث الحرص في العمل (أي الكفاءة) ومن حيث العدالة. لكن هناك استثناءات سنأتي عليها بإذن الله (وتتلخص في تفصيص الأعمال الإنتاجية كل يأخذ قدر مهارته إجارة كما يصر الشافعي رحمه الله). والشيء ذاته ينطبق على التساوي والتفاوت في رأس المال وفي العروض لأن العروض هي في النهاية أعيان لها ثمن تقدر في حدود معينة. فالهمة والحرص يتحددان في الأغلب بما يشارك به الفرد مقارنة بما يملك. فكلما زاد نصيب شراكة الفرد مقارنة بما يملك زاد حرصه سواء كان ذلك في الأعيان التي يشارك بها (قمح أو أثاث) أو في النقدين (ذهب أو فضة) وما في حكمهما من سيولة نقدية. نعود للمذهب المالكي: وفي جميع الأحوال، فيشترط في جعل رأس المال من عروض التجارة أن يقوم رأس المال وتعتبر الشراكة فيه بالقيمة،
«ثم إن كان عرض التجارة معدوداً أو مكيلاً أو موزوناً فتعتبر قيمته بعد بيعه وقبضه لأنه إنما يدخل في ضمان المشتري بالقبض، فتعتبر قيمته يوم ،قبضه، ومثل ذلك العرض الغائب غيبة قريبة، فإن قيمته تعتبر يوم قبضه، وأما غير ذلك فتعتبر قيمته يوم عقد الشركة. وأما الربح والخسارة فإنه يشترط فيهما أن يكونا بحسب نسبة المال فلا يصح ! أحدهما أن يأخذ أكثر من نسبة رأس ماله الذي دفعه. ومثل الربح العمل، فعلى كل منهما أن يعمل بنسبة رأس ماله فإن اشترطا التفاوت في الربح أو العمل بطلت الشركة، فإذا لم يشرعا في العمل وظهر بطلان الشركة بذلك فسخ العقد، فإذا عملا في المال واتضح
٤٠
البطلان بعد العمل قسم الربح بينهما على قدر رأس المال الذي دفعه كل منهما » . . .
والآن لنقرأ الآتي من المدونة التي توضح أهم مبادئ الشراكة في المذهب المالكي ولا حاجة للتعليق عليها فهي واضحة. لاحظ ضرورة أن يعمل كل شريك بقدر رأس ماله، فإن كان رأس مال أحد الشركاء الثلث فعليه ثلث العمل، وإن كان شريكاً في الربع فعليه ربع العمل، وهكذا. فهذا شرط مهم يميز المذهب المالكي. ولاحظ أيضاً أنه لا يجتمع عند مالك شراكة وقراض، وهذا أيضاً فارق مهم بين المذاهب
«في الشركة بالمالين يشترط أحدهما أن يعمل ولا يعمل الآخر : قلت: هل يجوز أن أخرج ألف درهم ورجل آخر ألف درهم فنشترك على أن الربح بيننا نصفين والوضيعة علينا نصفين على أن يعمل أحدنا دون صاحبه؟ قال مالك: لا تجوز هذه الشركة بينهما إلا أن يستويا في رأس المال وفي العمل. قلت: فإن أخرج أحدهما ألف درهم والآخر ألفي درهم فاشتركا على أن الربح بينهما نصفين والوضيعة بينهما نصفين، أو اشترطا أن الوضيعة والربح على قدر رءوس أموالهما على أن يعمل صاحب الألف بجميع المال وحده ويكون عليه العمل وحده ؟ قال : قال مالك: لا خير في هذه الشركة. وقال ابن القاسم: ويصنع فيها إن عمل صاحب الألف بجميع المال فربح كما وصفت لك في الشركة الفاسدة، ويأخذ صاحب الألفين رأس ماله ألفين وصاحب الألف رأس ماله ألفا، ثم يقتسمان الربح على قدر رءوس أموالهما والوضيعة على قدر رءوس أموالهما وللعامل الذي عمل في المال من الأجر بحال ما وصفت لك. قال: وأصل هذا أن الشركة لا تجوز عند مالك إلا أن يجتمعا في العمل، يتـكـافـآن فيه على قدر
١٢٤٢
رءوس
أموالهما. قلت: أرأيت صاحب الألف الذي عمل في جميع المال في ألفه وألفي شريكه على أن الربح بينهما أو على أن له ثلثي الربح، لم لا تجعله مقارضًا في الألفين اللذين أخذهما من صاحبه، وتجعل للعامل صاحب الألف ثلث الربح للألف التي هي رأس ماله وتجعله كأنه أخذ الألفين من شریکه مقارضة بالسدس لأنه شرط نصف ربح الألف فكان ثلث الربح له بألفه وسدس ربع الجميع بما عمل في رأس مال صاحبه ؟ قال : لا يجوز هذا عند مالك لأن هذا لم يأخذ الألفين على القراض إنما أخذها على شركة فاسدة، فيحمل محمل الشركة الفاسدة ولا يجتمع أيضًا عند مالك شركة وقراض. وقال مالك: لا يصلح أن يقول : أقارضك بألف على أن تخرج من عندك ألف درهم أو أقل أو أكثر على أن تخلطها بألفي هذه نعمل بهما جميعا. فكره مالك هذه. فهذا يدلك على أن مسألتك لا تكون مقارضة. قال ابن القاسم: لو أن رجلين اشتركا على أن أخرج أحدهما ربعاً والآخر ثلاثة أرباع والعمل عليهما على قدر رءوس أموالهما فتطوع صاحب الربع فاشترى بجميع المال تجارة لم يكن له في عمله
ذلك أجر.
في الشركة بالدنانير والطعام قلت: أرأيت إن كان من عند أحدهما حنطة ومن عند الآخر دراهم بعد أن تكون قيمة الحنطة والدراهم سواء، أترى بأساً أن يشتركا على ذلك ويكون العمل عليهما، النقصان والربح والعمل بالسوية في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: فإن كانت الدراهم الثلثين وقيمة الحنطة الثلث فاشتركا على أن على صاحب الدراهم ثلثي العمل وعلى صاحب الحنطة ثلث العمل والربح على قدر رءوس أموالهما، فذلك جائز في قول مالك؟ قال: نعم. قلت وكذلك إن كانت قيمة الحنطة الثلثين والدراهم الثلث فاشتركا على قدر رءوس أموالهما وعلى أن على كل واحد من العمل على قدر رأس ماله وربحه؟ قال: ذلك جائز أيضًا عند مالك. قلت: فإن كان من عند أحدهما دنانير ومن عند الآخر عروض وقيمتهما سواء أو قيمتهما مختلفة، فذلك جائز أيضًا في قول مالك بحال ما وصفت لي في الدراهم والحنطة؟ قال: نعم. قلت: وبالعروض وبالدنانير وبالدراهم جائز أيضًا في قول مالك بحال وصفت لي؟ قال: نعم. قلت: ولم جوز مالك الشركة إذا كان من عند أحدهما طعام ومن عند الآخر دراهم، والدراهم الثلثان وقيمة الطعام الثلث إذا كان العمل على قدر رءوس أموالهما والربح على ذلك؟ قال: لأن هذا لم يدخله قرض وشركة ألا ترى أن مالكًا قد جوز أن يكون من عند أحدهما ألفان ومن عند الآخر ألف على أن الربح بينهما على قدر رءوس أموالهما والعمل على قدر رءوس أموالهما ؟ فالطعام والدراهم بهذه المنزلة والعروض والدراهم بهذه المنزلة. وكذلك الطعام والعروض إذا زادت قيمة أحدهما بحال ما وصفت لك أن ذلك جائز إذا اشترطا العمل عليهما على
2.
قدر رءوس أموالهما والربح على قدر رءوس أموالهما والوضيعة على قدر رءوس أموالهما». ٤٠ 🗏
لعلك لاحظت أخي القارئ ضرورة أن يكون العمل في الشركة بقدر رأس المال في الاقتباس السابق من المذهب المالكي، وفي هذا بعض التضييق لاستحداث شراكات جديدة بين الناس، فهناك من الناس من لديه المال وليس الوقت. فمن أين أتى هذا القول؟ فهذا من التاريخي وليس المقدس. إلا أن الشافعية هم أكثر من ضيق إمكانية استحداث الشراكة. فبالنسبة لهم فإن أركان الشراكة هي الصيغة والشريكان والمال. ولكل منها شروط. فيشترط في الصيغة أن تكون واضحة لما يفيد الإذن بالتصرف من الشريك لمن يتصرف منهما أو لكليهما. ويشترط في الشريكين الرشد والبلوغ والحرية. أما رأس المال فإن له ثلاثة أمور: الأول أن يكون رأس المال مثلياً، والمراد بالمثل ما يحصره كيل أو وزن والثاني اختلاط المالين قبل العقد بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر. أما خلطهما بعد وقوع الشركة فقيل يصح، وقيل يمتنع، وعلى الثاني فإنه يلزم الشريكين إعادة الصيغة. والأمر الثالث: «يشترط اتحاد
١١ الشركة
١٢٤٣
ما يخرجه كل واحد من المال ببعضه، فلا يصح أن يخرج أحدهما ذهباً والآخر فضة، وبالعكس. ...».٤١ هذا بالإضافة لمسائل أخرى سنأتي عليها بإذن الله.
وبالنسبة للحنابلة، وهم أكثر من وسع إمكانية حدوث الشراكات فقد قسموا الشروط في الشراكة إلى ثلاثة أقسام (كما جاء في المجموع) : الأول شروط صحيحة لا يترتب عليها ضرر، ولا يتوقف عليها العقد، كما إذا اشترطا ألا يبيعا إلا بكذا، ولا يتجرا في مكان كذا الثاني شروط فاسدة لا يقتضيها العقد كاشتراط عدم فسخ الشراكة مدة سنة مثلاً أو أن لا يبيع إلا برأس المال، أو أن لا يبيع ممن اشترى منه ونحو ذلك. فهذه شروط يترتب عليها فساد العقد ولا يعمل بها. والقسم الثالث الشروط التي يتوقف عليها صحة العقد وهي أمور منها كون المال معلوماً للشركاء أو للشريكين، ومنها حضور المالين فلا تصح بمال غائب، ومنها أن يشترطا لكل واحد جزءاً من الربح معلوماً مشاعاً كالنصف والثلث ونحوهما. إلا أنه جاء في المغني (وهو كتاب أساسي في المذهب الحنبلي) أن الشروط قسمان: يقول ابن قدامة رحمه الله في شركة المضاربة مثلاً:
هي
«والشروط في المضاربة تنقسم قسمين : صحيح وفاسد. فالصحيح مثل أن يشترط على العامل أن لا يسافر بالمال، أو أن يسافر به أو لا يتجر إلا في بلد بعينه، أو نوع بعينه، أو لا يشتري إلا من رجل بعينه، فهذا كله صحيح، سواء كان النوع مما يعم وجوده أو لا يعم، أو الرجل ممن يكثر عنده المتاع أو يقل. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده، كالياقوت الأحمر ، والخيل البلق، لم يصح، لأنه يمنع مقصود
المضاربة، وهو التقليب وطلب الربح فلم يصح، كما لو اشترط أن لا يبيع ويشتري من فلان، أو أن لا يبيع إلا بمثل ما اشترى به . ...».
وقد اختلفت التقسيمات بين المذاهب للشراكات نظراً لاختلافهم في الشروط. فقد قسمها المالكية مثلاً لستة أقسام هي: مفاوضة وعنان وجبر وعمل وذمم ومضاربة، وقسمها الشافعية إلى أربعة هي: العنان والأبدان والمفاوضة والوجوه. وقسمها الحنابلة إلى خمسة هي: الأبدان والعنان والمضاربة والوجوه والمفاوضة. وبرغم هذه الاختلافات إلا أنك تلحظ قلق جميع الفقهاء على الشراكة برغم توجيه اهتمامهم وتركيزه على شرط أو ظرف دون آخر، فتظهر الأقوال مختلفة إلا أن جوهرها متقارب في الغالب. فهي جميعاً تحاول تلافي الجهالة والغرر بين الشركاء، كل فقيه من زاويته. ففي المجموع بعد ذكر شروط الشراكة مثلاً: « والشروط الخمسة المتقدمة مبنية كلها على معاني الدين ومبادئه التي تتجه إلى سد ثغرات الغرر والظلم بين المتعاملين لتؤسس علاقاتهم على بينة تقطع المنازعة والمخاطرة وعلى عدل ينفي الغبن والاستغلال».٤٣
هامش
هـ) لعلك لاحظت أخي القارئ من النصوص السابقة بأن الفقهاء ما شرطاه، ولا يستحق أحدهما على الآخر أجر عمله. وأجراها مجرى يستخدمون عبارة «الشركة فاسدة » ، فماذا تعني هذه العبارة؟ يوضح الصحيحية في جميع أحكامها. قال: لأن أحمد قال: إذا اشتركا في ابن قدامة ملخصاً: «ومتى وقعت الشركة فاسدة فإنهما يقتسمان الربح العروض، قسم الربح على ما اشترطاه. واحتج بأنه عقد يصح مع على قدر رءوس أموالهما ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجر الجهالة فيثبت المسمى في فاسده، كالنكاح. والمذهب الأول قاله عمله . نص عليه أحمد في المضاربة. واختاره القاضي. وهو مذهب أبي القاضي، وكلام أحمد محمول على الرواية الأخرى في تصحيح المضاربة حنيفة والشافعي، لأن المسمى يسقط في العقد الفاسد، كالبيع الفاسد بالعروض، لأن الأصل كون ربح مال كل واحد لمالكه لأنه نماؤه، إذا تلف المبيع في يد المشتري، إلا أن يكون مال كل واحد مهما متميزاً وإنما ترك ذلك بالعقد الصحيح، فإذا لم يكن العقد صحيحاً بقي وربحه معلوماً، فيكون له ربح ماله ولو ربح في جزء منه ربحاً الحكم على مقتضى الأصل، كما أن البيع إذا كان فاسداً لم ينقل ملك متميزاً وباقيه مختلط، كان له ما تميز من ربح ماله، وله بحصته باقي كل واحد من المبتاعين عن ماله» (٤٢).
ماله من الربح. واختار الشريف أبو جعفر أنهما يقتسمان الربح على
١٢٤٤ 🗏
الشهر
وكما هو معلوم، فإن الغرر والغبن أمر لا مفر منه في المجتمعات الرأسمالية لأنها مبنية على الاستثمار الذي
لا يكون إلا باستغلال وتسخير أولئك الذين أقفلت في وجوههم أبواب التمكين، ناهيك عن التلاعب في البورصات ببيع وشراء كل ما هو غائب (أي غير مقبوض وسيأتي بيانه في الفصل القادم بإذن الله). فشركات المجتمعات الرأسمالية، برغم ارتفاع إنتاجها المبني على الاستغلال، إلا أنها تفوح غرراً وبالتالي لا عدالة في التوزيع. والغرر هو من أهم سبل التسخير للفرد العامل الذي تعطيه الشركات مميزات شهرية مغرية لعله يجد ويجتهد ليجد نفسه آخر مفلساً لأنه مغرر به أصلاً. فما أبدع الإسلام عندما حارب الجهالة والغرر . وهذه المحاربة تؤدي لرفع الكفاءة أكثر مما قدمته الرأسمالية، لأن في الغرر والجهالة تفضيل طرف على طرف فيكسب الطرف (الرأسمالي) دونما مجهود، والمجهود يؤدي للإنتاج، فإن قل المجهود الفعلي قل الإنتاج. ألا ترى أن الإسلام يمنع القمار والربوا لأن المقامر قد يربح أو يخسر دونما مجهود منتج (بكسر (المثناه والمرابي دائم الربح . والآن لننظر لأنماط الشركات ببعض التفصيل وبعض التعليق، ثم نعود لنمر على مبادئ الشراكة في الشريعة عموماً من خلال الأمثلة. وهكذا بإذن الله بهذه الدورة تكون أهم ملامح الشراكة قد تجلت دون الدخول في الكثير من التفاصيل التي هي بحاجة لعدة
مجلدات.
شركة الأبدان
لعل أهم نمط من شركات العقود بالنسبة لموضوع التمكين للمبتدئين هو شركة الأبدان، لأن الناس سيبدأون بها حياتهم العملية إن كانوا معدمين. فمن الطبعي أن يستعين الإنسان على كسب رزقه بما حباه الله من ذكاء ومهارة وقوة، أي أن رأسماله هو بدنه. لذلك، فمعنى شركة الأبدان كما وضحها ابن قدامة هو أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم، وإن اشتركوا فيما يكسبون من المباح كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الجبال والمعادن ...». أو حتى يشتركون في استثمار مهاراتهم للكسب : فقد يجتمع حرفيان أو مهنيان أو أكثر على سبيل الشراكة ويقررا اقتسام الأرباح سواء كانا متكافئين في المهنة أو لا، فقد يجتمع مهندسا حاسب آلي أو ناشر وطباع أو طبيب وممرض. وقد أجاز الإمام رحمه الله هذه الشراكة إن لم يكن للشركاء مال، أي أنهم يشتركون بالعمل بأبدانهم، مثل الصيادين الذين يقتسمون ما رزقهم الله من البحر. وقال الإمام مالك أنها تجوز إذا كان الشركاء متفقي الصنعة ويعملون في مكان واحد، ولا تجوز إذا كانوا مختلفي الصنعة. أما أبو حنيفة فقد أجازها في الصناعة سواء اختلفت أو اتفقت، ولم يجزها في اكتساب المباح أي في الأعيان المستفادة بالعمل كالاصطياد والاحتطاب وذلك لأن الشراكة تقتضي الوكالة، ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء، بل من أخذ المباح ملكه. أما بالنسبة للشافعي رحمه الله، فإن شركة الأبدان كلها فاسدة، لأنها شركة على غير مال. ولهذا النمط من الشراكة أسماء، منها شركة الأعمال والصنائع والتقبيل.٤٤ هذا عموماً، وللتفصيل أقول:
أحمد
تذكر دائماً أخي القارئ ما ذكرناه عن الموارد والموافقات والمعرفة. وأنه لا حاجة لأي إنسان من موافقات لبدء أي شراكة وسيأتي بيانها بإذن الله في فصل «الموافقات») وأن الموارد متاحة لكل ذي همة كما مر بنا. أما
١١ الشركة
١٢٤٥
بالنسبة للمعرفة فسيأتي الحديث عنها في فصل مستقل بإذن الله. ففي ثنايا مجتمع كهذا لابد منطقياً وأن تكون ثقافة الهمة عالية فتكثر الشراكات المتناغمة بين الشركاء. كيف؟
» هي:
لنقم أخي القارئ بتقسيم الشراكات من حيث الأعمال مقارنة بربحها والمخاطرة إلى ثلاثة «أشكال» « الشكل الأول: الاشتراك في أعمال قد تأتي بربح، مثل البحث عن معدن كالتنقيب عن النفط مثلاً في منطقة لا أثر للنفط فيها، بل فقط دراسات وتوقعات، فالربح في هذه الحالة غير مضمون، ولنسمي هذا النوع من الشراكة بشراكة الاغتنام» لأن الشركاء قد يجدون النفط أو قد لا يجدونه بكميات تجارية، أي قد يغنمون وقد لا يغنمون شيئاً كالمجاهدين في سبيل الله. أو مثل إيجاد مصنع لمنتج لا يوجد حتى في الحضارات الأخرى. فهذا المنتج الجديد
هو
قد يتقبله الناس بشغف فيزداد الربح، أو قد يرفضه الناس تماماً فيخسر الشركاء كل ما بذلوه. الشكل الثاني . الوضع المعاكس، أي الشراكة فيما ربحه شبه مضمون، كحجز مياه البحر لإنتاج الملح، وهذا النوع من الشراكة يعتمد في ربحه على عزيمة الشركاء إذ أن المواد الخام ظاهرة أو أن المنتج مطلوب، لذلك سأسمي هذا الشكل من الشراكات بشراكة «الهمم». مثال معاصر : قد يُنشئ أفراد مصنعاً لصناعة دواء أكيد الاستهلاك إذ أن المخاطر غير واردة إن ظهر المنتج. الشكل الثالث: الشراكة لإتمام عمل واضح الحدود كاشتراك عدة أشخاص لطلاء منزل أو رصف طريق، وهو مشابه لما يقوم به المقاولون، ولنسميه شراكة «المقاولة». وهذا النوع من الشراكات وجد لتقديم خدمة محددة أو منتج محدد إلا أنه ينقطع بعد كل صفقة مثل المقاولة لبناء مدرسة، فهو ليس مستمراً مثل
محل لغسل الملابس (شراكة الهمم)، وليس مستمراً كمصنع لغريب الألعاب (شراكة الاغتنام).
وقد تجمع شراكة ما بين نوعين أو ثلاثة من هذه الأشكال في نظرك أخي القارئ أو في نظر أحد الشركاء. فقد يشترك سباك وكهربائي ونجار لبناء منشأة ما، وهم لا يدركون مغنمهم المستقبلي، وعليهم أن يعزموا الهمة لإنجاز أعمالهم الواضحة الملامح إن هم حصلوا على عقد لإنشاء مبنى ما، إلا أن الواضح هو أن هذا النمط من الشراكة يميل إلى ما سميناه بـ «المقاولة». فالنظرة المهمة لموضوعنا هي النظرة الاقتصادية المجتمعية مقارنة بالربح والمخاطرة والمدة الزمنية. فقد يجتمع ناشر وطباع لإيجاد دار نشر في منطقة رعوية لا يوجد بها دار للنشر قط، وهذه قد تميل إلى شراكة الاغتنام أكثر منها للهمم. ولعل من الأمثلة الناصعة اشتراك عدة أفراد بالمخاطرة بإيجاد برنامج حاسوبي يتطلب الكثير من الوقت دون إدراك منهم أبداً لمدى تقبل الناس له وبالتالي مدى نجاحه. فقد لا
يُقبل المجتمع على شراء البرنامج فتكون الخسارة أكيدة، وقد يُقدم عليه الناس فيكون الربح وفيراً لأجيال قادمة. كما أن الشراكة قد تتغير من شكل إلى آخر بتغير الظروف فقد تشترك جماعة للتنقيب عن معدن نفيس تحتاجه معظم الصناعات، أي أنها شراكة اغتنام، ثم يتضح أن ذلك المعدن منتشر جداً في تلك المنطقة على عكس ما ظن الناس، فيقبل آخرون على نفس المنطقة لاستخراج نفس المعدن، إلا أن شراكتهم ستتجه من طابع شراكة الاغتنام إلى الهمم لتوافر المعدن. وقد تظهر تقنية لقطع الأشجار الكبيرة، فتتأكد شراكة تقطيع أخشاب الغابة إلى شراكة الهمم لوضوح كمية الربح مقارنة بالعمل المستثمر. مثال :أخير قد يشترك عدة أفراد لإيجاد مصنع لإنتاج أجهزة طبية محددة بكميات كبيرة مثل صناعة الإبر أو الثرمومترات. وهذه المنتجات أكيدة التصريف لحاجة الناس
:
إليها إن كان سعرها منافساً لما يستورد من أقاليم أخرى. ولكن كم هي الكمية التي يمكن توزيعها في المناطق
المجاورة لتحديد حجم المصنع ؟ فإن فكرت أخي القارئ في مثل هذه الاحتمالات ستستنتج أن الشراكات التي
١٢٤٦ 🗏
تستحوذ من الأرض الخيرات الظاهرة (مثل حلب الأبقار بعد رعيها في المزارع) ذات مخاطر أقل (بعد النظر في الجدوى الاقتصادية) ثم تليها المصانع التي تنتج الضروريات التي كانت تستورد من بلدان أخرى (مثل قفازات الأطباء والممرضات إن لم تصنع في ذلك الإقليم ثم تليها المصانع التي تخاطر بإيجاد منتج لا ينتجه أحد أو حتى لم يفكر فيه أحد من قبل ولا حتى في الأقاليم الأخرى القريبة أو البعيدة. وهذه الأخيرة إن قبلت في المجتمع فإن ربحها أكيد وكبير ومضمون لسنوات كثيرة قادمة لأن المخاطرة لإيجادها كانت أكبر. وهذا المنطق ينطبق أيضاً على الشراكات لتقديم الخدمات، فبالطبع ستختلف المخاطرة بين من يفتتح مغسلة آلية للملابس وأخرى للسيارات بناءً على ثراء أفراد المجتمع وعلى سعر الخدمة المقدمة. ومن الملاحظ ، والخوف الناس من المخاطرة، توجه معظم الأفراد لشراكات الضروريات مثل شراكة إنتاج المأكل والملبس أو شراكة بيع منتجاتهما مثلاً. وهذه شراكات محسوبة في أرباحها وبالتالي مخاطرها، وهكذا.
إن التقسيم السابق، أي شراكة الاغتنام والهمم والمقاولة مع تداخل المخاطرة، تعين على توضيح أقوال الفقهاء وبالذات في شركة الأبدان ، والتي قد تبدو متعارضة إلا أنها في الواقع متقاربة إن نحن وضعنا في الاعتبار هذا التقسيم، ذلك لأن من يقرأ أقوال الفقهاء سيلحظ أنها تصر على تلافي اختلاف المشتركين بتوضيح شروط العقد قدر المستطاع حتى لا يدخله جهالة أو غرر، وحتى لا يظهر استعباد طرف لآخر تلافياً للتسخير. وتصر أقوالهم أيضاً على أن يأخذ كل عامل حقه وأن لا يُظلم بعمل أكثر مقابل أجر أقل، وهذا الإصرار يؤدي لوضع لا يستطيع الأفراد
التواكل فيه على بعضهم، بل الاعتماد على أعمالهم «هم بأنفسهم» لجني الأرباح، وبهذا يزداد الإنتاج كفاءة.
إن تأملت الفقرة السابقة سيظهر لك سؤال هو: كيف يمكن تثمين مجهودات الأفراد في الشراكة؟ فقد يدعي مبرمج حاسب آلي أنه يملك مهارات أعلى لأنه أحذق في التحايل على المعادلات للوصول للبرنامج المطلوب بخطوات أقل، لذلك فإن ساعات عمله لابد وأن تكون أثمن في نظره. تأمل هذا النص من المذهب الشافعي الذي ، عدم جواز شركة الأبدان في مذهبهم:
يوضح .
سبب
ودليلنا: نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الغرر، وشركة الأبدان غرر، لأنه قد يعمل أحدهما ولا يعمل الآخر، وقد يعمل أحدهما أقل من الآخر، ولأنها شركة عريت عن مشترك في المال فوجب أن تكون باطلة. أما إذا اشتركا في أعيان متميزة فوجب أن تكون باطلة إذا اشتركا في بعيرين ليؤجراهما ويشتركا في الأجرة، أو لأن المقصود من شركة الأبدان هو العمل، كان المقصود من شركة الأموال هو المال، فلما كانت الجهالة بقدر المال توجب فساد الشركة، وجب أن تكون الجهالة بالعمل توجب فساد الشركة، والعمل مجهول بكل حال، لأن كل ما يعمله كل واحد منهما غير مقدر، وقد تمر فترة فلا يعمل. ويتحرر من اعتلال هذا الاستدلال، فيرى فساد أحدهما، فإن وقوع الجهالة بجهة كل واحد منهما يمنع من صحة الشركة كما لو خلطا مالين لا يعرفان قدر ما لكل منهما هو أنهـا مفاوضة، لو كانت في الأموال بطلت بالجهالة، فوجب إذا كانت في الأعمال أن تبطل بالجهالة،
٤٥
.«...
إن النص السابق من المذهب الشافعي يصر على أن أي شراكة تكون باطلة إن دخلت فيها الجهالة بكمية العمل. وبالطبع هناك جهالة أخرى وهي تثمين ساعات العمل مقارنة بالمهارة ، وهذا أصل في رفع الكفاءة الإنتاجية. لأن التسيب في العمل هو بسبب إهمال الأفراد لعدم وضوح مسؤولياتهم إن كانت الشركة ملك لهم، وهذا نادر
11 الشركة
١٢٤٧
الحدوث، أو بسبب الإهمال المتعمد من الموظفين برغم وضوح المسؤوليات ناطة لأن الشركة ليست لمن بهم يعملون بها وهو المنتشر حالياً. ولكن إن وضحت كل هذه المبهمات وزالت الغمامة، فهل تجوز شركة الأبدان؟ بالنسبة للشافعية فهي أيضاً غير جائزة لأن ضبط هذه المسألة أمر شبه محال بالنسبة لهم. وسنعود لهذه المسألة مرة أخرى بإذن الله ولكن بعد قراءة أقوال المذاهب الأخرى، فهي أيضاً تؤدي لرفع الكفاءة، كيف؟
:
٤٦
لقد روی أبو داود والنسائي بإسنادهما عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: «اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجيء أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين»، ويضيف ابن قدامة: «ومثل هذا لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أقرهم عليه، وقال أحمد أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وسلم». إن مقولة الإمام أحمد هذه مهمة جداً، ففي إشراك النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في الغنيمة إشارة للمجتمع المسلم على جواز، أو حتى استحباب الشراكة فيما يمكن غنيمته لتتظافر الجهود للتغلب على مصاعب المخاطرة (تذكر ما قلناه سابقاً من أن عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والأحداث التي بها هي مقدرة حتى تكون نموذجًا لنا لحياتنا). لذلك أجاز الحنابلة والمالكية شركة الأبدان بالرجوع الحديث أبي عبيدة ، وأجازها الحنفية إن لم تكن في المباحات كصيد الأسماك. إلا أن الشافعية لم يجيزوها لأنها ليست شركة على مال، بل على عمل (كما قرأنا في النص السابق)، وقد يزيد وينقص العمل بين الأفراد مما قد يؤدي لظلم أحدهم كما يقولون. فقد قال الشيرازي:
«وأما شركة الأبدان، وهي الشركة على ما يكتسبان بأبدانهما فهي باطلة، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، وهذا شرط ليس في كتاب الله تعالى، فوجب أن يكون باطلاً، ولأن عمل كل واحد منهما ملك له يختص به فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله، فإن عملا وكسبا أخذ كل واحد منهما أجرة عمله، لأنها بدل عمله فاختص
بها».
ويوضح صاحب المجموع قائلاً:
«دليلنا أنها شركة على غير مال فلم تصح كما لو اختلفت الصناعات وتختلف المهارات والطاقات والقدرات بحسب الاستعداد لكل فرد على حدة، ولأن المغانم مشتركة بين القائمين بحكم الله تعالى، فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها ؟».
٤٧
وقال بعض الشافعية أيضاً رداً على حديث أبي عبيدة إن غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
٤٨
وهو
الأخذ
وكان له أن يدفعها إلى من شاء فيحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا». أي أن الشافعية ردوا دليل الجواز بحديث أبي عبيد من جهة وأكدوا على فساد شركة الأبدان وهو الغرر من جهة أخرى. إلا أن ابن قدامة
سبب
رحمه الله يدحض الوجهين موضحاً سبب إجازة شركة الأبدان في مذهبه (أي المذهب الحنبلي) بالقول: «قلنا: أما الأول، فالجواب عنه أن غنائم بدر كانت لمن أخذها من قبل أن يشرك الله تعالى بينهم، ولهذا نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ شيئاً فهو له)، فكان ذلك من قبيل المباحات؛ من سبق إلى أخذ شيء فهو له. ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبونه من الاسلاب والنفل، إلا أن الأول أصح لقوله : جاء سعد بأسيرين، ولم أجيء أنا وعمار بشيء . وأما الثاني، فإن الله تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه عليه السلام بعد أن غنموا واختلفوا في الغنائم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . والشركة كانت قبل ذلك. ويدل على صحة هذا، أنها لو كانت لرسول
١٢٤٨ 🗏
الله صلى الله عليه وسلم لم يخل : إما أن يكون قد أباحهم أخذها، فصارت كالمباحات، أو لم يبحها لهم، فكيف يشتركون في شيء لغيرهم؟ وفي هذا الخبر حجة على أبي حنيفة أيضاً لأنهم اشتركوا في مباح، وفيما ليس بصناعة، وهو يمنع ذلك. ولأن العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال، وعلى أبي حنيفة، أنهما اشتركا في مكسب مباح فصح، كما لو اشتركا في الخياطة والقصارة، ولا نسلم أن الوكالة لا تصح في المباحات، فإنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، فكذلك . يصح بغير عوض إذا تبرع أحدهما بذلك، كالتوكيل في بيع ماله».
٤٩
إن تأملت ما قاله ابن قدامة ستلحظ أنه بعد دحض أدلة مخالفيه، وباستخدام القياس (كالقول بأن العمل أحد جهتي المضاربة)، قد وصل لمذهب مخالف لما وصل إليه الشافعية، فهو يعلل بطريقة مقنعة بعض أسباب جواز شركة الأبدان. ولكن للشافعية أيضاً حججهم في إبطال شركة الأبدان، فلاحظ الآتي من المجموع:
«وأما الجواب عن استدلالهم، فاشتراك سعد وابن مسعود وعمار رضي الله عنهم فيما يغنمون فهو أن قسم الغنيمة أن الشركة فيها واقعة بالعمل دون الشرط، ألا ترى أنه لما لم يكن بين الغانمين شرط، كانت غنيمة أحدهم شركة بينهم، فأما استشهادهم بالإجماع فغير صحيح، لأن الإجماع مأخوذ من الأقوال لا من الأفعال، كما أن أبا حنيفة لم يجعل إجماع الناس على أخذ أجرة التعليم في الكتاتيب دليلاً على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ... وأما استدلالهم بأن العمل في الكسب أصل والمال فرع، فلما جازت الشركة في الفرع فأولى أن تجوز في الأصل، فالجواب عنه أن شركة الأبدان لما بطلت لجهالة العمل، وهذا معتبر في شركة الأموال لأنها تبطل بجهالة المال، فاستويا. وأما استدلالهم بالقراض، فالمستقر فيه أن العمل تبع للمال، وجهالة الجميع لا تمنع من صحة العقد إذا كان الأصل معلوماً، وليس كذلك شركة الأبدان، لأن العمل فيها هو الأصل المقصود، فبطلت لكون العمل
مجهولاً».
٥٠
أي أن لدينا وضعين يبدوان متناقضين في الأقوال، أحدهما يجيز شركة الأبدان والآخر يبطلها، ولأنهما استنتجا من القياس، فسترى بأنهما سيؤديان لرفع الإنتاجية كفاءة برغم أن الأرجح بين الفقهاء هو إجازة شركة الأبدان. فالقول الذي أخذ به الشافعية والذي تبطل فيه شركة الأبدان، وبالتالي يكون على كل واحد من العمال أن يكسب أجرة عمله لأنه يملك مهارات مختلفة عن زملائه تلافياً للغرر)، سيؤدي إلى وضع يكثر فيه التفاوض بين المتشاركين في مشروع ما حتى تتضح لهم الرؤية عن مهاراتهم ومقدراتهم ومدى حاجاتهم لبعضهم البعض من خلال العرض والطلب بين المهارات المختلفة للأفراد وهكذا تتبلور أجورهم فيما بينهم بناءً على مهاراتهم وندرتهم فيتكاتفون اضطراراً لأنهم بحاجة لبعضهم البعض فتكون حصصهم كشركاء أكثر وضوحاً تلافياً للغرر فيزداد الإنتاج كفاءة لوضوح المهام مقابل الأجر . فلا مجال أبداً للتزلف والنفاق للحصول على المزيد من الأجر. أي لا مال مطلقاً إلا مقابل عمل منتج محض. تأمل في النصين الآتيين إصرار الشافعية على ضرورة تقسيم ما حصل عليه المتشاركون بينهم بالأجرة. ففي الحاوي:
«فإذا ثبت فساد شركة الأبدان فلا يخلو أن يكون عمل كل واحد منهما متميزاً أو غير متميز، فإن كان متميزاً اختص كل واحد منهما بأجرة عمله، وإن كان العمل غير متميز كان ما حصل لهما من الكسب مقسوماً بينهما على قدر أجور أمثالهما، فيصرف إلى كل واحد منهما من الكسب بقسطه من
أجرة مثله». ٥١
11 الشركة
١٢٤٩
وفي المجموع:
«فإذا وقع عقد شركة كهذه [أي شركة الأبدان] فإن حكمه أن كل ما يحصله أحدهم من أجرة عمله وحده يختص به ولا يعطي منه شيئاً لشريكه، وما يعملان معاً يوزع عليهما أجره بنسبة عمل كل منهما. فمثلاً إذا عملا في بناء حائط أو جدار فإنه يأخذ كل منهما أجرة مثل عمله التي يستحقها في اليوم، فلو كان أحدهما يستحق في اليوم عشرة قروش والآخر عشرين قرشاً وزعت الأجرة عليهما بهذه النسبة. والله تعالى أعلم».
۵۲
ولعلك لاحظت أخي القارئ أن التوزيع يتم بنسبة الأجر بينهم، والأجر هو ما يحدده السوق لكل فرد بناء على مهارته. فإن حصلوا على عقد بألف وخمس مائة دينار، ومقدار ما يستحقه أحدهم عشرون ديناراً في اليوم والآخر عشرة لأن الأول أكثر مهارة أو ندرة، فإن المبلغ يقسم بينهما بنسبة اثنين إلى واحد، أي أن أحدهما سيأخذ ألفاً والآخر الباقي. فإن حث المجتمع الأفراد للعمل بهذا المنطق، فإن هذا سيؤدي لوضع تتقارب فيه أجور كل مهنة أو حرفة على حدة وتصبح عرفاً من خلال الاختلافات ومن ثم الاتفاقات المتكررة بين العاملين حتى تستقر، فيكون أجر النجار بمهارة ما مشابه لنجار آخر بنفس المهارة إلا أنه مختلف جذرياً عن أجر نجار بمهارات أكثر ندرة وعن أجر الحداد مثلاً، وهذا مختلف عن المساح كل بحسب ندرته ومهارته، إلا إن ظهرت مهنة مستحدثة فإنها ستكون ذات أجر مرتفع لندرتها برغم عدم حاجتها للمزيد من المهارة والإبداع وبالتالي سينجذب إليها الناس لاكتسابها ويزداد عدد العاملين بها ليقل أجرها حتى تستقر، وفي كثرتها خير للمجتمع لأن هذا سيرفع من المجتمع إنتاجياً، إذ أن كل مهارة جديدة تعني ثراء المجتمع إنتاجياً سواء بسلعة أو بخدمة جديدة. وهكذا ينتقل الأفراد من مهنة لأخرى أو يرتقون داخل نفس المهنة بالمزيد من المهارات حتى يزداد ربحهم، وبهذا تزداد الكفاءة في الأمة لأنه لا مجال للمزيد من الكسب إلا من خلال الأداء الأفضل في العمل، ومن خلال الاستزادة في المهارة أو الانتقال لعمل أكثر ندرة. وهذا التفاوض للحصول على الأجور إن دامت الشراكة واستمرت قد تتحول لأسهم. فهذا الشريك له سهمان وذاك له ثلاثة أسهم أو أربعة، وهكذا.
تتقنه
كفاءة
ولعلك هنا تتساءل: ولكن ما سبق من تحديد للمكاسب بناء على المقدرات هو مشابه تماماً لما تفرزه الأسواق الحرة في النظم الرأسمالية. أي أن ما ينتجه الفرد من عمل أصبح سلعة يحدده العرض والطلب في السوق. فأجيب: كلا. هناك فارق شديد بين الحالين. فمع تطبيق مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله في الفصل القادم وفصل «البركة»، فإن الأسواق ستكون أكثر شفافية وبالتالي تتحرك المهارات بحرية أكثر وأسرع للوقوع على ما من أعمال وليس كالنظم الرأسمالية التي تدفع الناس لسوق دون آخر فتحصرهم لتضمحل الكفاءة. فمثلاً لا يحق لجماعة من المستثمرين في الوضع المعاصر إنشاء مطار إلا بموافقات من الدولة. فتقل أعداد المطارات فتزدحم كما ترى اليوم مما يتطلب تنظيم مواقف السيارات وهذا بحاجة لأيدي عاملة في هذا المجال وإلى معدات لتخدم التنظيم، وبالتالي تظهر الحاجة لمصانع لإنتاج هذه المعدات وإلى عمال في هذه المصانع وفي مواقف السيارات. أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق، فلن توجد أصلاً مثل هذه المدن المكتظة كما وضحت في الفصل السابق. حتى وإن وجدت فيما ندر، فإن مطاراتها لن تكون بذات الازدحام لأن لأي مجموعة من الشركاء الحق في استحداث مطار جديد إن ثبت أن مطاراتهم لا تحدث ضرراً وسيأتي بيانه بإذن الله). وبهذا تتعدد المطارات في المدينة الواحدة فيخف عنها الزحام لأن المدن ليست مزدحمة أصلاً. ففي هذه الحالات، فبدل دفع المجتمع لجزء من قواه العاملة
هذا
١٢٥٠ 🗏
للعمل في مثل تلك المواقف للسيارات فلعله يدفعها لتوجيه حركة الطائرات في الجو نظراً لكثرة المطارات. أي أن ما يعرف بوظيفة مراقب جوي airtraffic controller (أو) موجه الطائرات من برج المراقبة) كوظيفة تتطلب مهارة أكثر، هي التي ستنتشر على حساب منظمي مواقف السيارات. وفي كثرة المطارات الكثير من التسهيل للحركة التي تحتاجها الأمة للانتقال كما بينت في الفصل السابق. ولكن المهم والذي من أجله وضعت هذا المثال هـو أن نسبة عدد أفراد موجهي الطائرات ترتفع مقارنة بعمال مواقف السيارات في المجتمع. وفي هذا ارتقاء واضح للمجتمع لأن الأجراء من ذوي المهارات العالية التي تتطلب أجراً أعلى هي الأكثر. لكن لاحظ أيضاً أنه بسبب فتح أبواب التمكين فإن الفارق بين هذه المهن ،مالياً، أي بين من يعمل في مواقف السيارات وبين من يعمل في توجيه الطائرات لن يكون كبيراً كالرأسمالية، بل تقارب كبير في الأجور كما وضحت لانعدام البطالة. أي أن الرأسمالية تدفع الناس لعمل دون آخر، بينما تطبيق مقصوصة الحقوق مع فتح أبواب التمكين هي التي تجذب الناس لما يحبون ولما مطلوب لمجتمع أسمى.
هو
أي أن الأفراد لن يدخلوا في مشروع شراكة إلا وهم مدركون لما يجب على كل واحد منهم عمله، ومتفقون على نصيب كل واحد منهم كإيجار من مجموع ما سيحصلون عليه. أي أن المجتمع إن أخذ بالمذهب الشافعي) دفع شركة الأبدان كنظام إنتاجي ليصبح نظاماً تأجيرياً يتقايض فيه الشركاء الأجر بينهم كل بما يتناسب مع مهارته وأدائه وندرته وذلك بالاتفاقات فيما بينهم، وبهذا ينتفي التواكل بينهم وتزداد الكفاءة في العمل. وهذا وضع أكثر ملاءمة في حال شراكة المقاولة والهمم لأن الربح سهل التنبؤ ومن ثم الحساب والقسمة. وهنا قد تقول: ولكن هذا يحدث في أي نظام رأسمالي، فعادة الناس التفاوض للحصول على أعلى قدر من المال مقابل تأجير مهاراتهم !! فأجيب: إن دفع الشريعة للمجتمع لمثل هذه المبادئ في إطار» يفتح فيه المجتمع جميع أبواب التمكين لجميع الناس سيفرز مجتمعاً لا توجد فيه بطالة كما ذكرت مراراً، وفي مثل هذه الظروف سيصبح الأجير سيداً. أي أن الكل سيد لأنه إما أجيرًا لعمل محدد أو مستأجرا (بكسر الجيم). كل في موقعه بعزة وكرامة وإبداع، وليس كما في النظم الرأسمالية التي تفرز الأجير الذليل المنهك المسخر للمستأجر لآماد بعيدة.
ولكنك قد تقول: قد يحصل حداد مبتدئ على عقد عمل لإنشاء مبنى ما، فهل يفرض عليه أن يدفع لمهندس تكييف ذي خبرة مالاً أكثر من نفسه، وهو قد حصل على عقد العمل. فأقول: لا، فالوضع هنا مختلف، لأن الحداد هو الذي حصل على عقد العمل، وهو الضامن للمشروع، لذلك له أن يقسم العمل إلى أجزاء كما يراها هو ويؤاجر الآخرين للعمل لديه، وما بقي فهو ربح له. وهذا وضع مختلف تماماً عن الشراكة. تأمل الآتي: جاء في المغني في
التقبل
«وإذا قال أحدهما : أنا أتقبل وأنت تعمل ، والأجرة بيني وبينك، صحت الشركة. وقال زفر: لا تصح، ولا يستحق العامل المسمى، وإنما له أجرة المثل. ولنا أن الضمان يستحق به الربح، بدليل شركة الأبدان، وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة، والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة».
۵۳
وهنا سيثور في ذهنك سؤال بالقول : هذه ليست شراكة بل اشتراك بين عدة أفراد لمدة مؤقتة لإنهاء عمل ما! البداية لظهور الشراكة ذات الحصص من حيث حقوق الشركاء كل بقدر مهارته وندرته. وهكذا
فأجيب: هذه
هي
١١ الشركة
١٢٥١
يتعارف الناس على مقدرات بعضهم البعض، وباستمرار مثل هذه الاتفاقات ستوجد الشراكات التي قد تستمر وقد تفسخ، وبهذا الانتقال المستمر للناس من شراكة لأخرى يتكتل الأفراد من ذوي الأمزجة المتقاربة والمهارات المتقابلة التي تتكافأ لتظهر الشراكات الأكفأ ذات الأجور المفصصة بناءً على المهارات. ولعلك تقول أن تفصيص العمل بين الشركاء ليأخذ كل شريك قدر مهارته هو في الواقع تفصيص للعمل بين أجراء قد لا يتفقون أصلاً، وبهذا لن تظهر الشراكات مطلقاً في شركة الأبدان إن طبق المذهب الشافعي، بل سيظهر أفراد لديهم مقدرة إدارية باستئجار الآخرين وهم ما يعرفون باللغة الإنجليزية بالـ enturpenures، وهذا وضع تسخيري!! فأجيب: ستظهر الشراكات وذلك لأن طبيعة الحياة الإنتاجية تفرض على العمال التكاتف متى ما فتحت أبواب التمكين لهم ولم توجد الموانع كضرورة الحصول على الموافقات. فهذا أمر منطقي، فالشراكة إما لإنتاج عين ما أو لتقديم خدمة ما. ففي حالة الإنتاج لعين ما كمعجون الأسنان مثلاً فلابد من تكاتف المهارات المختلفة ولابد للشركاء من التجمع والتفاوض لتحديد الحصص لأنهم منجذبون لما فيه مصلحتهم. وسيستمر العمل بهذه الحصص بـرضـى منهم حتى يشعر أحد الشركاء أنه أكثر مهارة وله الحق بنصيب أكبر فيجاب طلبه أو يترك. وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله. أي أن الصناعات تتفتت لأجزاء أصغر تتطلب مهارات محددة لتصبح عرفاً (وسيأتي بيانه في هذا الفصل بإذن الله). ومن جهة أخرى فلن يتمكن فرد من تأجير الآخرين إذ أن التقارب بين الناس في الدخل قد يقف عائقاً أمامه إلا إن قدم وعوداً بالدفع مستقبلاً ليعمل له الآخرون بمبالغ مغرية متى ما ربح بعد ظهور المنتج. وفي هذا صلاح للمجتمع لأن هذا المخاطر رأى ما لم يره الآخرون فيتقدم التصنيع في المجتمع. ومتى ما ظهر المصنع واستمر فقد يخرج أحد الشركاء ليوجد مصنعاً مشابهاً. وهكذا تنتشر المصانع لذلك المنتج المستحدث.
وبالنسبة لتقديم الخدمات التي تتطلب التكاتف كبناء منزل، فلابد للشركاء من التفاوض لتفصيص الحصص حتى ينتهي العمل. فالشراكة هنا تبدأ وتستمر حتى الانتهاء من الخدمة ثم تبدأ مرة أخرى. وفي مثل هذه الحالات (المقاولة)، فإن بين النقلة من خدمة لأخرى فرصة للأفراد للانتقال من عمل لآخر فتزداد الكفاءة لأن الانتقال لا ينقل المعرفة فقط، ولكن ينقل الأفراد لمكان أكثر صلاحاً لهم. وهكذا تزداد الكفاءة بانتقال الأفراد لموقع أفضل للأداء. فيفر من كان أكثر مهارة وهمة لشركاء آخرين مثله فتزداد الكفاءة.
أما بالنسبة لشراكة الاغتنام، فإن عدم جواز شركة الأبدان سيدفع من لديه فائض مالي إن أراد البحث عن المعدن أن يخاطر بالبحث في منطقة جديدة بدفع الأجور للعمال (وهذا وضع مشابه لما تقوم به الشركات حالياً ولكن دون استحواذ حقوق الامتياز للشركة، أو أن يخاطر بإيجاد مصنع لمنتج جديد. وهنا أحد احتمالين: الأول: عدم ظهور المعدن أو فشل المنتج، وعندها فلن يفقد العمال مجهودهم لأنهم حصلوا على أتعابهم. والثاني: ظهور المعدن أو نجاح المنتج، وعندها سينتشر الخبر في تلك المنطقة. ولأن المعادن في الشريعة من حق من احتازها، فقد يقوم نفس هؤلاء العمال مباشرة بما جنوه من مال بإنشاء شراكة لهم. والشراكة حينئذ ستصبح أقرب لشراكة الهمم منها للاغتنام لإمكان تحديد الأجور إن أخذ الشركاء بالمذهب الشافعي وبالطبع سيأتي آخرون سمعوا بخبر وجود المعدن في نفس المنطقة أو نجاح المصنع فتزداد المنافسة على الإنتاج ليقل السعر وتزداد المنتجات. ولكن المهم في جميع الأحوال هو أن تحديد الأجور سيؤدي إلى توضيح المهام لكل أحد منهم، وبهذا لن يتواكلوا، بل عليهم أن يثابروا لإنجاز العمل، وهكذا ترتفع الكفاءة في هذه الشراكات المفصصة لحقوق كل عامل بقدر مهارته. ومن لا
١٢٥٢ 🗏
يجتهد في العمل فسيستغني عنه الشركاء ليذهب ويبحث عن شراكة مع أفراد أقل همة، أي في مستواه. وهؤلاء عليهم أن يجدوا لمنافسة أولئك الأنشط فتشتعل المنافسة وتزداد الكفاءة، وإن لم يستطيعوا فعليهم التحول لمنتج آخر بحاجة لهمة أقل. هكذا يوضع الأفراد في المواقع الأنسب لهم في الخريطة الإنتاجية للمجتمع.
هذا
مع
و
وقد تقول بأن هذا الوضع مشابه لما تقوم به الشركات الآن فهي توضح مسؤوليات كل موظف وتطالبه بإنجاز تلك المسؤليات وتضع له المحفزات، وإن قصر فقد يفصل، بينما الشركات في تنافس مستمر فيما بينها. أقول: صحيح، ولكن الفرق بين الحالين هو أن معظم موظفي الشركات الرأسمالية مجبرون على العمل لانتشار البطالة بسبب قفل أبواب التمكين في المجتمعات الرأسمالية. لذلك، وبرغم جميع المحفزات، فإن ما يحصل عليه الموظفون (وبالذات الصغار منهم في الشركات الرأسمالية ضئيل جداً مقارنة بأرباح مالكي الشركات أو مقارنة برواتب كبار الموظفين، وفي هذا تسخير مفض للفساد، ناهيك عن الهموم والأمراض التي تحدثنا عنها في فصل «القذف بالغيب» ولفقدان العمال للهمة والإبداع في العمل لأنهم ليسوا ملاكاً. فلا إبداع ولا إتقان، فتظهر المحفزات من مدراء الشركات والتي هي في الواقع هدر (مثل إرسال الموظف المتفوق لنزهة ما أو مكافأته بإهدائه حاسب آلي جديد قد لا يكون بحاجة له. أما مع تطبيق الشريعة، ولندرة اليد العاملة . بسبب فتح أبواب التمكين، فإن أجرها سيتكافؤ أدائها. وبهذا فإن الفارق المتوقع بين أداء الشركاء في ملكية الشركة والعاملين فيها في ذلك الوقت، وبين أداء المتقاسمين للأجر كل حسب مقدرته (كما يقول المذهب الشافعي)، لن يكون ملموساً، فترتفع الكفاءة. هذا بالإضافة إلى أن الشركات في النظم الرأسمالية لها الحق في احتكار المعرفة التي ابتكرتها وبالتالي مقاضاة كل من فصل من عمله ونشر أسرار أعمال الشركة. أما في الشريعة فإن المعرفة مشاعة. وبالتالي لكل فرد يخرج من شراكة ما أن يستخدم معرفته المكتسبة في شراكة أخرى فيزداد العطاء لمجموع الأمة (كما سيأتي بيانه بإذن الله). ومن جهة أخرى (وهو الأهم)، فإن القول الذي يجيز شركة الأبدان يؤدي أيضاً للمزيد من رفع الكفاءة. ذلك لأن من طبيعة الناس إن أتيحت لهم الفرصة أن يتشاركوا سعياً لربح أكبر، وهذا أمـر معـروف. وعندما يتشاركون سيسعون للتفاني في أداء عملهم لرفع مكاسبهم لأن الربح لهم لأنهم الملاك. لنضرب مثالاً واحداً: إن كانت هناك شركة للتكييف الهوائي، فإن الشركاء سيحاولون تصنيع ممرات الهواء بقص أقل كمية ممكنة من الصفائح بتكثيف عملية الحسابات وبالحرص في القص ليقل الهدر، أما إن لم يكن العمال من الشركاء، فإن الهدر في الصفائح قد يزداد. فقد رأيت كومة من الصفائح المقصوصة بطريقة خاطئة لتكييف سوق كبير ملقى وكأنه قاعدته ۲۰ متراً في ۲۰ متراً وبارتفاع تسعة أمتار تقريباً. وقس على ذلك كل شيء كالأعمال السكرتارية وما شابه. وبهذا ترتفع الكفاءة وتقل النفقات ليزداد الربح. لعلك هنا تسأل: كيف يرتفع الأداء بطريقين مختلفين؟ فأجيب: لا تنسى أنه في الطريقة الثانية والتي تجيز شركة الأبدان فإن الذي يحدث هو تكاتف الناس من نفس المعدن. فمن سيلحظ أن شريكه أقل همة منه فسيتركه مباشرة متى ما وجد آخر بنفس الهمة. وهذا ينطبق على كل مقومات الإنتاج من ذكاء ومهارة وما شابه. ولعل في شرط الإمام مالك رحمه الله لجواز شركة الأبدان: (أي عمل الشريكان في
هامش
هرم
و) والتجارب في هذا كثيرة : فقد عملت مع مقاول لفترة من الزمن شريكه لأنه يرى ذلك بوضوح. فما كان منه إلا أن فسخ الشراكة (وكان اسمه رضا). فعندما بدأ هذا حياته العملية اشترك معه نسيب برغم كل الحرج الذي وقع فيه مع الأقارب.
له وكان أقل همة منه. فكان رضا يتأفف باستمرار من عدم
كفاءة
١١ الشركة
١٢٥٣
مكان واحد)، مبرر قوي حتى يرى الشريك مدى همة ومثابرة وإتقان شريكه فلا يُظلم. ولعل في شرط الإمام مالك أيضاً التساوي في بذل أدوات الإنتاج مبرر قوي آخر في المحافظة على أدوات الإنتاج. تأمل الآتي: ففي «المدونة الكبرى» مثلاً سأل سحنون قائلاً لابن القاسم:
« في شركة الأطباء والمعلمين قلت: هل تجوز شركة الأطباء، يشترك رجلان على أن يعملا في موضع واحد، يعالجان ويعملان، فما رزق الله فبينهما نصفين؟ قال: سألت مالكا عن المعلمين يشتركان في تعليم الصبيان على أن ما رزق الله فبينهما نصفان؟ قال: إن كانا في مجلس واحد فلا بأس به. قال: وإن تفرقا في مجلسهما فلا خير في ذلك . قال : وكذلك الأطباء عندي إذا كان ما يشتريانه من الأدوية، إن كان له رأس مال يكون بينهما جميعًا بالسوية .
في شركة الحمالين على رءوسهما أو دوابهما قلت: هل تجوز الشركة في قول مالك بين الجمالين والبغالين والحمالين على رءوسهم وجميع الأكرياء الذين يكرون الدواب؟ قال: لا يجوز ذلك. قلت: لم لا يجوز ذلك، ولم لا يجعل هذا بمنزلة الشركة في عمل الأيدي؟ قال: ألا ترى أن مالكًا لم يجوز الشركة في عمل الأيدي إلا أن يجتمعا في حانوت واحد، ويكون عملهما نوعا واحدًا: سراجين أو خياطين. ودواب هذا تعمل في ناحية، ودواب هذا تعمل في ناحية. فهذا غير جائز إلا أن يعملا في موضع واحد لا يختلفان، مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه جميعًا، ويتعاونان فيه جميعا. ألا ترى أيضًا أن الشركة لا تجوز بين أهل الصناعات إذا كانت الأداة لأحدهما دون الآخر؟ ولم يجوز الشركة بينهما أيضًا إذا كانت الأداة بعضها من هذا وبعضها من هذا إذا كانت الأداة كثيرة لها قيمة مختلفة، حتى يكونا شريكين في جميع الأداة، فتكون الأداة التي يعملان بها بينهما جميعًا ، فما ضاع منها أو تلف فمنهما جميعا، وما سلم منها فمنهما جميعًا، وإن كانت الأداة تافهة يسيرة فلا بأس أن يتطاول بها أحدهما على صاحبه، فهذا أيضًا يدلك على أن الشركة بالدواب غير جائزة، ولو استأجر الذي لا أداة له من شريكه نصف الأداة واشتركا كان ذلك جائزا على مثل الشركة في الأرض. وقد فسرت لك ذلك.
في الرجلين يشتركان على أن يحتشا أو يحتطبا على أنفسهما أو دوابهما قلت: هل يجوز للشريكين أن يشتركا على أن يحتطبا الحطب، فما احتطبا من شيء فهو بينهما نصفين؟ قال: إن كانا يعملان جميعًا معًا في موضع واحد فلا بأس بذلك وذلك جائز. وإن كانا يحتطبان كل واحد منهما على حدة، فما حطب هذا فهو بينهما وما حطب هذا فهو بينهما، فهذا لا يجوز. مثل ما قال في الخياطين يعملان، هذا في حانوت وهذا في حانوت . قلت : وكذلك إن اشتركا على أن يحتشا الحشيش أو يجمعا بقل البرية وأثمار البرية فيبيعانه، فما باعا به من شيء فهو بينهما، أو اشتركا على أنهما إذا جمعا ذلك اقتسماه بينهما؟ قال: إن كانا يعملان ذلك معا فما احتشا اقتسماه بينهما، أو ما جمعا من الثمار أو باعا من ذلك فالثمن بينهما فلا بأس بذلك. قلت: أرأيت إن اشتركا على أن يحتطبا على دوابهما أو على غلمانهما أو يحتشا عليهم أو يلقطا الحب أو الثمار أو يحملاه على الدواب فيبيعان ذلك، أتجوز هذه الشركة في قول مالك أم لا؟ قال : إذا كانا جميعًا يعملان في عمل واحد لا يفترقان فذلك جائز. وهذا بمنزلة لو عملا بأيديهما في شيء واحد. وقد قال مالك في الزرع يشتركان فيه فيأتي كل واحد منهما بثوره وبغلامه وما أشبه هذا من أداة الحرث . قال مالك : هذا جائز ، وهذا بمنزلته ...».
٥٤
ما أروع الاقتباس السابق الذي يصر على كشف عمل كل شريك ليراه باقي الشركاء كشرط لجواز الشراكة ما يرفع الكفاءة. وتأتي أهمية هذا الشرط من وجهين: إحداهما قلق الإمام مالك رحمه الله على الناس من الوقوع في الإثم. فإن ابتعد الشريكان عن بعضهما فقد لا يجتهد أحدهما ويتواكل فيأثم، أو حتى يتواكلان فيؤثمان لأن كل
١٢٥٤ 🗏
شريك غدر ولم يستثمر جهده فيقل الإنتاج. ومن جهة أخرى فمن المتوقع من الشريك المثابر أن يفسخ عقد الشراكة إن كان شريكه أقل همة أو براعة أو حرصاً منه وما يساعد على هذا الانفصال عندما يرى الشريك هزال شريكه هو الحركية الآتية: هناك حركية مهمة وضعتها الشريعة تقص الحقوق ليزداد الإنتاج في الشراكات عموماً،
00
ألا وهي حق الشريك في فسخ العقد متى أراد إلا الفسخ في التجارة). فمن الملاحظ على الشراكة المنتجة للسلعة أو الخدمة أنها تعتبر شرعاً كالبيع برغم أنها عقد، فهناك إجماع بين فقهاء «جميع المذاهب» على جواز فض الشراكة متى أراد أحد الشركاء ذلك، فلا تحدد الشراكة بمدة معلومة. فقد أفاد ابن رشد في أحكام الشركة الصحيحة أنها من العقود الجائزة لا من العقود اللازمة، أي لأحد الشريكين أن ينفصل من الشركة متى شاء، وهي عقد غير موروث». قال الشيرازي:
٥٦
«ولكل واحد من الشريكين أن يعزل نفسه عن التصرف إذا شاء، لأنه وكيل، وله أن يعزل شريكه عن التصرف في نصيبه لأنه وكيله، فيملك عزله، فإذا انعزل أحدهما لم ينعزل الآخر عن التصرف، لأنهما وكيلان، فلا ينعزل أحدهما بعزل الآخر، فإن قال أحدهما: فسخت الشركة، انعزلا جميعاً لأن الفسخ يقتضي رفع العقد من الجانبين، فانعزلا وإن ماتا أو أحدهما انفسخت الشركة، لأنه عقد جائز فبطل بالموت كالوديعة. وإن جنّا، أو أحدهما ، أو أغمي عليهما، أو على أحدهما، بطل، لأنه بالجنون والإغماء يخرج عن أن يكون من أهل التصرف، ولهذا تثبت الولاية عليه في المال، فبطل العقد كما لو مات، والله أعلم».
OV
إن أهمية حق الشريك في فسخ العقد متى أراد في جميع أنواع الشراكات وبالذات بالنسبة لمن يقولون
۵۸
أحد
بجواز شركة الأبدان هو في رفع الكفاءة، ذلك لأن الإنسان المنتج إن وقع على شريك آخر أقل همة أو ذكاءً منه فله ترك ذلك الشريك للبحث عمن هو في مستوى مقدرته وهمته. وهذا ما يفعله كل إنسان لأنه بالقرب من شریکه (کما يصر المذهب المالكي ويرى أن شريكه لا يعمل مثله أو لا يثابر مثله أو ليس في مستوى إدراكه، فيتحرك سريعاً لالغاء الشراكة حتى لا يفقد بعضاً من مجهوده. وبهذه الحركية التي قصتها الشريعة يتكتل الناس في جماعات متناسقة متكاتفة راضية عن أداء بعضها البعض لأن في هذا مصلحة لهم، وهنا ترتفع الكفاءة لوجود الانسجام التام دون الوقوع في خطر الجهالة بما يقوم به الشركاء ومتى تم التخلص من الجهالة في المهام وتكاتف المتكافئون من نفس الهمة والعزيمة وبرغم اختلاف صنائعهم، اضمحلت بينهم البيروقراطية والجدل غير المنتج. ولكنك قد تقول: سيضطر البلداء للتكتل فيما بينهم وسينخفض أداؤهم لأن الكل سيفصلهم أو حتى لن يقبلهم كشركاء أصلاً! فأقول: في بعض الأحوال نعم، وسيكون منتجهم ركيكاً ولن يقبله السوق. وعليهم إما رفعه بجذب فرد بخبرة أعلى من شراكة أخرى وبنصيب أكبر للحصول على المزيد من المعرفة التي ترفع نوعية منتجهم (إذ أن المعرفة في الإسلام مشاعة ولا يجوز احتكارها، أو أن عليهم فض الشراكة والعمل كأجراء في شراكات أخرى بمهن مساندة. أي أن هؤلاء يوضعون في المواقع التي تلائم مقدراتهم، وبهذا تزداد كفاءة مجموع الأمة إنتاجياً لأن البلداء والبلهاء ليسوا من المسؤولين كحالنا اليوم الذي ترى فيه هؤلاء البلداء في مواقع إستراتيجية في المجتمع، وما وصلوا إليها إلا بالنفاق والتزلف والطاعة العمياء أو بالوراثة ما أدى للتخلف إلا أن هؤلاء البلهاء والبلداء، إن طبقت مقصوصة الحقوق، نظراً لندرة الأيدي العاملة هم أيضاً معززون لأن لديهم ما يكفيهم مما جنوه أو لأن المجتمع سيكفلهم. إلا أن المهم هو أنهم ليسوا في مواقع مؤثرة في سير الأمة مثل الرؤساء والملوك والأمراء). وحتى
١١ الشركة
١٢٥٥
لا نخرج عن الموضوع سنترك هذه المسألة لتوضيحها في فصل «الحكم». وسنعرض لاحقاً للمزيد عن حق الشريك في فسخ العقد بإذن الله.
ومن الأقوال أيضاً في شركة الأبدان قول الإمام أبي حنيفة بجوازها في الصناعة، وعدم جوازها في المباحات، أي عدم جوازها في جمع الحطب والحشيش والمعادن الظاهرة. ولكن السؤال هو: من هذا الذي سيوافق على مشاركة آخر على أن يقوم هو بجمع المباحات واقتسام ما جمع مع آخر كشريك إن لم يكن في مستوى كفاءته وعطائه؟ فهذا وضع نادر إلا إن كان الفرد معدماً ولا يملك أداة تعينه على استحواذ المباحات، أو أنه متبرع لإعانة من شاركه. فإن كان معدماً وبحاجة لمنشار لقطع الخشب مثلاً، ومنعه المذهب الحنفي من الشراكة مع صاحب المنشار، فإن جميع ما قطع من خشب سيؤول إليه، ولصاحب المنشار أجرة المنشار، فإن هذا الوضع سيضع من يعمل في المباحات في وضع مثابر لأنه إن لم يقطع من الخشب ما يغطي نفقات المنشار فسيخسر مجهوده، وهذا بالتالي سيؤدي لرفع الكفاءة إن كان الخشب متوافراً بكميات كبيرة (أما إن لم يكن الخشب متوافراً فإن الوضع سيختلف كما سيأتي بإذن الله). أي أن جميع الأقوال السابقة ستؤدي لرفع الكفاءة. ناهيك عن أنها ستؤدي لتوزيع أعدل للموارد. فالذين يعملون بهمة في الغالب هم ممن هم بحاجة للكد لظروفهم المالية. فمتى ما كثر مالهم قلت همتهم ولعلهم سيمتلكون أداة ليؤجروها لآخرين مستقبلاً.
وقد تسأل مرة أخرى وتقول: كيف يمكن لهذه الأقوال المتضادة أن تؤدي لنفس الهدف؟ أي رفع الكفاءة مع العدالة في التوزيع !!! فأقول: هي جميعاً تؤدي لرفع الكفاءة والعدالة ولكن بدرجات مختلفة. ففي مجتمع حديث لتطبيق الشريعة فإن القول الذي يمنع شركة الأبدان هو الأكثر كفاءة لأن قيم أفراد المجتمع ليست سامية بعد وغرائزهم الإنسانية تتصف بنوع من حب الذات. ومع مرور الزمن وبتطبيق الشريعة ولانعدام التسخير وبسمو قيم الناس وبانتشار الإيثار فإن المذهب الذي يجيز شركة الأبدان هو الأكثر كفاءة لأن عزة الأفراد تجعلهم في وضع يستطيعون فيه التخير من الأعمال المعروضة عليهم بما يلائم مهاراتهم وندرتهم. ولكن الأهم هو أن جميع الأقوال تؤدي لرفع الكفاءة لأنها من نفس النبع، فهي تبدو متضادة لأنها متناقضة في التفاصيل الدقيقة، أما الإطار العام فالكل متفق عليه (أي الموارد والموافقات والمعرفة)، ولتوضيح الفكرة لأكرر المثال الذي ذكرته سابقاً والذي قد يبدو ساذجاً: فقد يختلف رجلان في لونيهما، أحدهما أبيض والآخر أسمر، فبرغم هذا الاختلاف البين، إلا أن الرجلين مقارنة بالكائنات الأخرى يتطابقان في أن لهما عقل يفكر وقلب يحن ويدين تبدعان وهكذا. وستتضح هذه المقولة أكثر وأكثر في هذا الفصل بإذن الله (تذكر ما قلناه سابقاً عن الدوائر ومراكزها في فصل «الديوان»).
إن لشركة الأبدان أنواعاً عدة، منها اتفاق الصنائع، كأن يجتمع بعض النجارين للاشتراك في إيجاد مصنع أثاث، ومنها اختلاف الصنائع، كأن يجتمع مهندس كهربائي وآخر ميكانيكي وثالث متخصص في المعادن لصناعة
المولدات الكهربائية. وبالنسبة للمذهب الحنبلي الذي أجاز شركة الأبدان، يقول ابن قدامة ملخصاً:
وتصح شركة الأبدان مع اتفاق الصنائع. فأما مع اختلافها، فقال أبو الخطاب: لا تصح. وهو قول مالك؛ لأن مقتضاها أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه، ويلزم صاحبه، ويطالب به کل واحد منهما، فإذا تقبل أحدهما شيئاً مع اختلاف صنائعهما، لم يكن الآخر أن يقوم به، فكيف يلزمه عمله أم كيف يطالب بما لا قدرة له عليه وقال القاضي: تصح الشركة، لأنهما اشتركا في مكسب
١٢٥٦ 🗏
مباح فصح، كما لو اتفقت الصنائع، ولأن الصنائع المتفقة قد يكون أحد الرجلين أحذق فيها من الآخر، فربما يتقبل أحدهما ما لا يمكن الآخر عمله، ولم يمنع ذلك صحتها، فكذلك إذا اختلفت الصناعتان. وقولهم : يلزم كل واحد منهما ما يتقبله صاحبه قال القاضي: يحتمل أن لا يلزمه ذلك، لأنهما كالوكيلين، بدليل صحتهما في المباح ولا ضمان فيها. وإن قلنا: يلزمه، أمكنه تحصيل ذلك بالأجرة، أو بمن يتبرع له بعلمه. ويدل على صحة هذا أنه لو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل، صحت الشركة، وعمل كل واحد منهما غير عمل صاحبه».
إن تأملت النص السابق وبالذات من الكلمات «يتقبله» و «تقبل» و «أتقبل » ستلحظ أن من لم يُجز شركة الأبدان مع اختلاف الصنائع كان همه تلافي أن يناط عمل الشريك لا يتمكن من القيام به، وهنا ترتفع الكفاءة لأن منع عامل من القيام بعمل هو غير مؤهل له يرفع الكفاءة. أما الذي قال بأن الشراكة تصح مع اختلاف الصنائع، واحتج لذلك بضرورة حذاقة أحد الشريكين مع اتفاق الصنائع، فقد أباح الشراكة مع ضمان من أحد الشريكين الذي يحق له أن يستأجر شخصاً آخر للقيام بالعمل إن لم يتمكن شريكه من ذلك، وهذا أيضاً سيؤدي لرفع الكفاءة لأن أحدهما ضامن ومسؤول
لكن تذكر أخي القارئ أن ما أثاره ابن قدامة آنفاً هو وضع أكثر انتشاراً في السابق لأن الشراكة الناتجة تتطلب تعاون حرف بسيطة لإنهاء عمل ما ، مثل اشتراك حداد ونجار لإنشاء مبنى (مقاولة). بينما في عصرنا الحاضر فإن هناك الكثير من المنتجات التي تتطلب التكاتف بين المهارات المختلفة المعقدة ليظهر منتج واحد (كالمكواة مثلاً). فالمصنع بحاجة لعدة مهارات، كل عالم أو عامل يؤدي ما يحسنه دون علم الزبائن. فالزبون يستطيع التعامل مع نجار أو حداد، لكن لا يستطيع ذلك مع عمال مصنع الأقلام مثلاً، بل فقط مع بائع الأقلام.
والآن لنقرأ الآتي من المدونة والذي سترى فيه اشتراط الإمام مالك رحمه الله لجواز الشراكة أن أدوات الإنتاج لابد وأن تكون من الشركاء بالسوية. أما إن كانت من أحدهم فعلى الآخر أو الآخرين دفع ما يؤدي للسوية إجارة:
«قلت: أرأيت لو أن قصارين اشتركا على أن المدقة والقصارى ومتاع القصارة من عند أحدهما والحانوت من عند الآخر، على أن ما رزق الله بينهما نصفان ؟ قال : لا يعجبني هذا ولم أسمعه من مالك، إلا أني سمعت مالكًا يقول في الرجل يأتي بالدابة والآخر بالرحا فيعملان كذلك اشتركا على أن ما رزق الله بينهما نصفان أن ذلك غير جائز. فأرى مسألتك مثل هذا أنه غير جائز إذا كانت إجارتهم مختلفة. قلت: أرأيت إن اشترك قصاران، من عند أحدهما المدقة والقصارى وجميع الأداة تطاول بذلك على صاحبه على أن ما رزق الله بينهما ،نصفان أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا خير في هذه الشركة إذا كان للأداة قدر وقيمة كبيرة، لأن مالكًا قال في الرجلين يشتركان في الزرع وتكون الأرض لأحدهما لها قدر من الكراء فاشتركا على أن يلغي صاحب الأرض كراءها لصاحبه ويخرجا ما بعد ذلك من العمل والبذر بينهما بالسوية، قال : لا خير في ذلك إلا أن يخرج الذي لا أرض له نصف كراء الأرض ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية، فكذلك الشركة في العمل بالأيدي لا تصلح إلا أن تكون الأداة منهما جميعا . قلت : أرأيت إن كانت أداة العمل من عند أحدهما فاستأجر شريكه الذي لا أداة عنده نصف تلك الأداة واشتركا على أن ما رزق الله بينهما نصفان؟ قال: هذا جائز مثل الشريكين في الزرع، والأرض من عند أحدهما، على أن نصف كراء الأرض على شريكه. قلت: أرأيت إن تطاول عليه بالشيء القليل من أداة القصارة مثل المدقة والقصرية؟ قال: إن كان شيئًا يسيرًا
١١ الشركة
١٢٥٧
تافها لا قدر له في الكراء فلا أرى به بأسا، لأن مالكًا قال في الشريكين في الزرع يكون لأحدهما الأرض ولا خطب لها في الكراء، فرب بلدان لا تكون للأرض عندهم كبير كراء مثل بعض أرض المغرب وما أشبهها تكون الأرض العظيمة كراؤها الشيء اليسير . قال مالك: فلا أرى بأساً أن يلغي كراء الأرض، فلا يأخذ لها كراء إذا كان كراؤها تافها يسيرا، ويكون ما بقي بعد كراء هذه الأرض
بينهما بالسوية.
في الشركة في الزرع قلت أرأيت لو كانت الأرض من عندي والبقر من عند شريكي والبذر من عندنا جميعا والعمل علينا جميعا، أتجوز هذه الشركة أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: إذا كان كراء الأرض وكراء البقر سواء جازت الشركة بينكما. قلت: أرأيت إن كانت البقر أكثر كراء أو الأرض أكثر كراء، أتجوز هذه الشركة فيما بينهما ؟ قال : قال مالك : لا أحبها حتى يعتدلا. قال: وقد كان مالك يقول في الأرض التي لا كراء لها، مثل أرض المغرب التي لا تكرى إنما يمنحونها. قال مالك: لو أن رجلًا أخرج أرضًا من هذه الأرض فألغاها وتكافاً بعد ذلك من النفقات والبذر والعمل، لم أر بذلك بأسا. وأما كل أرض لها كراء، قال مالك : فلا يعجبني أن تقع الشركة بينهما إلا على
التكافؤ».
۵۹
إن الشرط المذكور في الاقتباس السابق لجواز شركة الأبدان يزيد الكفاءة لأن الشريك الذي لا يملك أدوات الإنتاج (وبالتالي عليه أن يتشارك فيها بدفع جزء من إيجارها سيكون أكثر حرصاً على الأدوات حتى لا تبلى لأنه شريك فيها بطريقة أو أخرى، ما يكثف الربح لأن أدوات الإنتاج وضعت في الأيدي الأكثر حرصا.
هي
نظرة عقلانية
وهنا قد تثير نفس السؤال: كيف لهذه الأقوال المختلفة أن تؤدي لهدف واعد؟ فأقول: لعلك لاحظت أخي القارئ بأن الشريعة تستحدث أطراً تحكم الناس، أو للتشبيه ( كما ذكرت مراراً : أنفاق أو قنوات ليسير داخلها الناس، ولهم الحرية في التفاعل داخل هذه القنوات، ومهما اتفق الفقهاء أو الشركاء داخل هذه القنوات أو اختلفوا فإن النتيجة مرضية. أما في العالم الغربي، فإن كل اتفاق بين الأطراف جائز مهما كان نوع الاتفاق، أي أن القنوات دائمة الاستحداث، أو حتى أنه لا قنوات وليس كالشريعة التي تجيز وترفض بعض الاتفاقات. لذلك كانت الاصطلاحات «العقد الفاسد»، أو «فسد العقد»، أو «فسد البيع» منتشرة في فقه المعاملات كالشركة والبيوع. وهذا مفترق جذري بين النظرتين للمجتمع. فالنظرة التي تبيح للناس فعل أي شيء اتفقوا عليه . تؤمن بمقدرة العقل البشري لتلافي الخلاف، وأن هذا، كما يزعمون سيسحب المجتمع لما فيه الصالح العام. ولكن الواقع هو أن في هذا سحب للمجتمعات للهدر واللاعدالة في التوزيع واللاكفاءة في الإنتاج. أما الشريعة التي تضع هذه القنوات وتوجهها، وكأنها تقول للفقهاء وللناس إن سرتم داخل هذه القنوات برغم اختلافاتكم، سلمتم وسلم المجتمع. حتى المذهب الحنبلي الذي يقبل بالاتفاقات بين الشركاء وسيأتي بيانه بإذن الله) وضع لهذه الاتفاقات حدوداً كما مر بنا في شروط الشراكة سابقاً. وبالطبع فإن لهذه الاختلافات بين المذاهب تأثير اقتصادي، فلابد وأن تكون بعض الأقوال أفضل للاقتصاد من الأقوال الأخرى (مثل عدم جواز شركة الأبدان متى ما كان المجتمع حديث عهد بالشريعة)، إلا أن هذه الاختلافات طفيفة جداً مقارنة بالإطار الأكبر الذي يحدد القنوات (ألا وهو تمكين الناس كالمبادئ التي ذكرت عن الفيء والغنائم والصدقات والوصول للخيرات). وهذا هو الحق الذي قذفه سبحانه العليم الحكيم القائل: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِِ﴾.
حدود
١٢٥٨ 🗏
ملحوظة أخيرة على شركة الأبدان نظراً لأن المذاهب اختلفت في تقسيم الشراكة لأنواع فإن التداخل بين الأنواع أمر أكيد. فشركة الأبدان هي شراكة بالعمل في معظم الأقوال، إلا أن أحد الشركاء قد يضع قليلاً من المال، ففي هذه الحالة فإن من الفقهاء من اعتبرها شركة أبدان، ومنهم من اعتبرها شركة وجوه أو عنان بحسب الحال.
فأرجو الملاحظة.
شركة الوجوه
لقد توجهت الأقوال في كتب السلف في الشراكة لمعالجة مسائل الشركة في البيوع لأنها كانت في السابق عصب الإنتاج، فالأفراد الذين يشتركون في التصنيع قلة إذ أن التصنيع بتكاتف الأفراد لم يكن سلوكاً إنتاجياً منتشراً كظاهرة كأيامنا هذه، لهذا ذهبت معظم فتاوى الفقهاء للرد على شراكات التجارة. لكننا اليوم بحاجة للنظر في المسألة من زوايا أخرى معاصرة. لذلك نلحظ أن كتب الفقه ركزت في فقه الشركات على شراكات التجارة. ومن هذه الشراكات «شركة الوجوه».
ساطعة
إن من نقاط ضعف البشر التمتع بالوجاهة إن لم يكن همهم البحث عنها. فمعظم السلاطين يستمتعون بتمجيد الناس لهم، ويقربون من يمجدهم. فقط انظر للشعر العربي لترى ما أقصد، فهو يفوح نفاقاً مدحاً في السلاطين. وهؤلاء الذين يخدمون السلاطين ويمجدونهم ما فعلوا ذلك غالباً إلا بحثاً عن المال أو الوجاهة، فهم بالتمجيد لمن فوقهم يصلون لمراكز أعلى، لهذا فهم يريدون أيضاً تمجيداً ممن تحتهم، لذلك نافقوا السلاطين ليتمكنوا. وهكذا الذين تحت هؤلاء والذين من تحتهم حتى يظهر مجتمع هرمي يفوح وجاهة ونفاقاً، ففوق كل عدد من المنافقين أو الوجهاء، منافق أو وجيه، وهكذا حتى نصل للمنافق الأكبر أي الوجيه الأكبر، أي السلطان «في معظم الأحوال». فالوجاهة في أيامنا المعاصرة تأتي للفرد بالعزة (المزيفة) والمال والسلطة والقوة. ألا ترى مجتمعاتنا كيف أن المقربين فيها من السلاطين هم الأكثر سطوة في المجتمع. فلهم المال الأكثر، والسلطة والجاه. إنهم فوق القانون، فالقانون لن يقف ضدهم، بل هو مسخر لخدمتهم. ولا نريد الإطالة في هذه المسألة، فهي في مجتمعاتنا سطوع الشمس حتى العلماء وفي جميع التخصصات، والذين يفترض أن يكونوا الأعقل والأحكم بهم بين الناس، فتجد أن بعضهم يبحث عن الجاه، فيلوي العالم لسانه ليظهر فصاحته، أو تجده يزاحم المنافقين ليراه السلطان، إنهم علماء المواكب. إن حب الجاه هذا غريزة يصعب أن ينجو منها إلا القليل. لكن الملاحظ على هذه الغريزة هو أنها عند الحكم بالأهواء تلبس من لا يستحقونها. فإن كان الحكم بالأهواء، أي بالباطل كأيامنا هذه، تلبس الوجاهة من هم ليسوا أهلاً لها. فهي تلبس ابن السلطان، وتلبس صديق ابن السلطان. وتلبس الوزير وابنة الوزير وكل من يحوم حولهما، أي حول متخذي القرارات. إلا أن هناك من الناس من يكتسب الوجاهة بمجهوده، كرجل الأعمال الثري في مجتمع مسرف أو المطرب الفاجر في مجتمع ماجن أو الراقصة الداعرة في مجتمع فاسق. هكذا نجد أن المجتمعات الضالة تمجد أيضاً الأفراد الأكثر إنجازاً. فوجهاء مجتمع فاسق هم رؤوس الفسق، ووجهاء مجتمع مؤمن هم أهل العلم، وهكذا.
إلا أن للشريعة منظور آخر. فلا تمجيد إلا بحق. فقد منعت الشريعة مثلاً الناس من الوقوف لمن قدم
١١ الشركة
١٢٥٩
للسلام عليه. ومنعت الناس من تخطي الرقاب مهما كان القادم، بل يجلس حيث انتهى به المجلس. ومنعتنا من الانحناء في السلام تعظيماً لسلطان، وحذرتنا بأنه لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، وهكذا من محفزات ونواهي وزواجر تؤدي إلى مجتمع لن ينال فيه الناس الجاه إلا بإنجاز ما. فهذا عالم أثبت مصداقيته كالإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن، وذاك تاجر كعبد الله بن المبارك فتح الله عليه فهو كريم سخي. وهكذا يتفاضل الناس بمقدار عطائهم للمجتمع. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
بهم
ولأن المجتمع الاقتصادي في أي أمة يتمحور حول تحرك المال من يد إلى أخرى، ولأن من طبيعة كثير من الناس تمجيد من لديهم المال والمقدرة على تحريك المال، فإن الإسلام تعامل مع هذه الغريزة، أي غريزة تمجيد الناس لمن بيدهم المال أو يوثق عند تحريك المال، بطريقة تؤدي للمزيد من الإنتاجية. وهكذا تصبح الوجاهة أداة إيجابية توجه لتنمية المجتمع، وليست أداة تدميرية كوضعنا الحالي. كيف ؟ إن هناك من الناس من أثبتوا مصداقيتهم وأمانتهم بين التجار والصناع من خلال العمل في مجال ما، ولأن الكل أصبح يثق بهم، فبإمكانهم اقتراض السلع من غيرهم والمتاجرة بها، أو بإمكانهم اقتراض المال لإنشاء مصنع ما لأنهم أفراد أثبتوا في سابق الأيام أمانتهم للجميع من خلال تعاملاتهم السابقة، فهم وجهاء فقد يأتي إنسان غير معروف (خمل) ويشترك مع آخر قد أثبت جدارته وأمانته بين التجار، أي وجيه ويشتركان أي أنهما أصبحا شريكين من غير رأسمال دفعاه، أو من غير صنعة تتعلق بالشركة التي أسساها. وهذه تسمى شركة الوجوه» لأن الشريكين اشتركا بجاهيهما أو جاه أحدهما. أي أنها شراكة على الذمم من غير صنعة أو من غير مال أو غير عرض أو حتى من غيرهم جميعاً. فهي إذاً شراكة تفتح الأبواب للفقراء الأقوياء على التكسب. ففي المجموع:
ز
ويقال: إن وجيهين فأكثر قد اشتركوا في شراء تجارة بثمن مؤجل لوجاهتهما ليبيعوها والربح بينهما،
أو أن يشترك وجيه وخمل على أن يشتري الخمل بماله ويبيع الوجيه بوجاهته ويبيع الخمل أيضا».
71
والذي يظهر من بعض كتب الفقه أن الشافعية والمالكية قد أبطلا هذا النمط من الشراكة، لأن الشراكة إنما تتعلق بالمال فقط أو بالمال والعمل معاً، وهما غير موجودين في هذه الشراكة. فيقول الشيرازي من المذهب
الشافعي:
«وأما شركة الوجوه، وهو أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، فهي شركة باطلة، لأن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه، وإن وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شيء بينهما، واشترى كل واحد منهما ما أذن فيه شريكه، ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه دخل في ملكهما وصارا شريكين فيه، فإذا بيع قسم الثمن بينهما لأنه بدل مالهما».
ومن المذهب المالكي جاء في المدونة:
هامش
ز) يقول ابن قدامة في شركة الوجوه: «وهو إذا اشترك بدنان بمال والذي قلنا له وجه، لكونهما اشتركا فيما يأخذان من مال غيرهما، غيرهما. وقال القاضي : معنى هذا القسم أن يدفع واحد ماله إلى اثنين ...». ومن الفقهاء من أطلق على هذا النوع من الشراكة اسم: «شركة
مضاربة فيكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما لأنهما إذا المفاليس» كالسرخسي (٦٠).
أخذ المال بجاههما فلا يكونان مشتركين بمال غيرهما وهذا محتمل.
١٢٦٠ 🗏
«كتاب الشركة في الشركة بغير مال: قلت لابن القاسم هل تجوز الشركة في قول مالك بغير مال من واحد من الشريكين، يقول أحدهما لصاحبه: هلم ،نشترك نشتري ونبيع؟ يتفاوضان في ذلك وقد فوض هذا إليه هذا، وهذا إليه هذا، فما اشترى هذا فقد فوض هذا إليه وقبل شراءه وضمن معه، وإن اشترى هذا أيضا كذلك؟ أتجوز هذه الشركة فيما بينهما ؟ قال : لا تجوز عندي لأن مالكًا قال في رجلين ليس لهما رأس مال أو لهما رأس مال قليل خرج أحدهما إلى بلد من البلدان وأقام الآخر، فقال له صاحبه: اشتر هناك وبع فما اشتريت وبعت فأنا له ضامن معك، وما اشتريت أنا وبعت فأنت له قال: قال مالك: لا تجوز هذه الشركة. وأحدهما يجهز على صاحبه، فكذلك مسألتك لا تجوز وإن كانا مقيمين . قال ابن القاسم: لأن هذا عندي يكره من هذا الوجه لأن هذا يقول له تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، فلا يجوز هذا، وإنما الشركة على الأموال، أو على الأعمال بالأبدان إذا كانت الأعمال واحدة» . ۱۲
ضامن معي.
٦٢
أما الحنابلة والأحناف فقد أجازوا شركة الوجوه مع اختلافات بينهم. هذا ما يظهر في بعض كتب الفقه التي حاولت تبسيط المسألة، لكن الواقع . هو غير ذلك إن نحن لاحظنا مسألة الوكالة. ففي النص السابق تلحظ أنه يبطل شركة الوجوه ثم بعد إدخال شروط الوكالة يجيزها. لتوضيح ذلك تأمل ما لخصه ابن
للشيرازي
قدامة:
«فأما شركة الوجوه، فهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بينهما نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً أو نحو ذلك، ويبيعان ذلك، فما قسم الله تعالى فهو بينهما، فهي جائزة، سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو قدره أو وقته أو ذكر صنف المال، أو لم يعين شيئا من ذلك بل قال : ما اشتريت من شيء فهو بيننا. وقال أحمد في رواية ابن منصور في رجلين اشتركا بغير رءوس أموالهما على أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما، فهو جائز. وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال، أو صنفاً من الثياب. وقال مالك والشافعي: يشترط ذكر شرائط الوكالة، لأن شرائط الوكالة معتبرة في ذلك من تعين الجنس وغيره من شرائط الوكالة. ولنا أنهما اشتركا في الابتياع وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فصح، وكان ما يتبايعانه بينهما، كما لو ذكر شرائط الوكالة. وقولهم: إن الوكالة لا تصح حتى يذكر قدر الثمن والنوع ممنوع على رواية لنا، وإن سلمنا ذلك فإنما يعتبر في الوكالة المفردة، أما الوكالة الداخلة في ضمن الشركة فلا يعتبر فيها ذلك بدليل المضاربة وشركة العنان، فإن في ضمنهما توكيلاً، ولا يعتبر فيها شيء من هذا، كذا ههنا. فعلى هذا إذا قال لرجل: ما اشتريت اليوم من شيء فهو بيني وبينك نصفان أو أطلق الوقت فقال: نعم، أو قال: ما اشتريت أنا من شيء فهو بيني وبينك نصفان، جاز ، وكانت شركة صحيحة لأنه أذن له في التجارة على أن يكون المبيع بينهما، وهذا معنى الشركة، ويكون توكيلاً له في شراء نصف المتاع بنصف الثمن، فيستحق الربح في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع، سواء خص ذلك بنوع من المتاع أو أطلق. وكذلك إذا قالا: ما اشتريناه أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو بيننا ، فهو شركة صحيحة، وهما في تصرفاتهما وما يجب لهما وعليهما وفي إقرارهما وخصومتهما وغير ذلك بمنزلة شريكي العنان على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وأيهما عزل صاحبه عن التصرف، انعزل لأنه وكيله .
٦٤
.«..
وبالنسبة لآراء المتأخرين من الفقهاء عموماً ، فقد جاء في المجموع الآتي بالنسبة لشركة الوجوه:
«والأرجح في كل ذلك إطلاق جواز المشاركة عند بعض المعاصرين الذين يحسبون أنهم من أهل
الترجيح، إذ يقولون : إن مادتها كلها هو كسب الإنسان هو محور الشركة بكل أنواعها فليس المال
١١ الشركة
١٢٦١
إلا ثمرة عمل صالح، وتقويماً له، وليست الوجاهة إلا ثمرة كذلك للعمل، وليس في الأصول الشرعية
التي تبيح المشاركة والتعاون على الخير ما يقيد أو يميز بعض الكسب عن بعضه».
70
نلحظ من النص قبل السابق أن هناك ثلاثة أقوال: قول أخذ به الحنابلة، وهو أن إذن كل واحد من الشركاء
للآخرين بالتصرف بالبيع والشراء يعد توكيلاً منه لشركائه في التصرف، وأن هذا جائز قياساً على شركة العنان (وسنوضحه بإذن الله)، وهذا القول أكثر ملاءمة كلما نقى المجتمع وسمى لأن أفراده أكثر أمانة وثقة فيما بينهم دون الحاجة إلى بيروقراطيات ورقية لإثبات الشراكة بل مجرد القول بأن «ما اشتريناه، أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو بيننا»، كاف لاستحداث الشراكة التي ستفسخ في أية لحظة إن قرر أحد الشركاء ذلك. فسمو القيم والأخلاق يكبح الغرائز. أما القول الذي ذهب إليه الأحناف، فهو الأقل مرونة لأنه لا يجيز الشراكة إلا إن ذكر الشريك مقدار المال الذي تتم في حدوده الشراكة ووقته وصنف السلعة مثلاً. وبرغم التقييد الذي يذهب إليه الأحناف إلا أنه مقارنة بالوضع في أيامنا المعاصرة، لهو وضع جد سلس ومرن لأنه سيوجد الشراكة بين اثنين أو أكثر بمجرد الاتفاق دون الحاجة لمكاتبات، بل مجرد الاتفاق المستمر المتجدد. ولعل فيما ذهب إليه الشافعي ومالك، وهو بشروط الوكالة قول وسط يقيد الشركاء دون الحاجة للاتفاق في كل صفقة، ودون الإطلاق الذي هو أكثر ملاءمة لمجتمع وصل لمرحلة متقدمة من السمو في القيم. فالمجتمعات المسلمة (كما سنوضح بإذنه تعالى) ترتقي فيها الأمانة جيلاً بعد جيل كلما زادت نسبة الملاك في المجتمع، وعندها ستظهر أهمية شركة الوجوه لأنها ستؤدي لسلاسة تدفق السلع بين المنتجين والمستهلكين دون عوائق كالحدود والجمارك بين الدول، وهذا يؤدي لتفرغ المسلمين لإنتاجية أكثر فأكثر ما يرفع الكفاءة في المجتمع. كيف؟
الأخذ
إن أهمية هذا النوع من الشراكة بالنسبة لموضوع التمكين هو في الآتي: مع تقادم الزمن وتقدم المعرفة الإنتاجية، فإن كمية عمل الفرد الواحد تتضاءل مقارنة بمجموع ما ينتجه البشر. فقد كانت البشرية فيما قبل التاريخ تعتمد في معيشتها على الصيد، فكان على معظم السكان أن يجدوا في طلب العيش بالعمل الدائم كل في مكانه، فكانوا يقومون بإنتاج كل ما يستهلكونه من ضروريات كما هو معلوم، ومع التقدم المعرفي في الزراعة مثلاً تضاءلت كمية العمل المطلوبة من كل فرد ليتمكن من العيش ذلك لأن إنتاج مزرعة واحدة تزيد عن استهلاك مالك المزرعة ومن يعمل معه فيها، فيذهب الفائض لتغذية آخرين يتفرغون لما هو أقل ضرورة كصناعة الأثاث مثلاً. وهكذا كما مر بنا في فصل «القذف بالغيب». أي أن ما كان في عصر ما كمالياً يصبح في العصر الذي يليه ضرورياً بتقدم المعرفة، فقد كانت الهواتف الخلوية والحاسبات الآلية والشبكة العنكبوتية من الكماليات فأصبحت من الضروريات مثلاً ، وهكذا وبسبب التقدم المعرفي والصناعي تفرغ الناس للقيام بما يهوون تاركين مشقة الإنتاج للضروريات والكماليات لطائفة تقل يوماً بعد يوم كلما تقدمت البشرية في التصنيع. وبالطبع، فكلما قل عدد العاملين في حقل الإنتاج الفعلي كلما تفرغ البشر لمزيد من الكماليات والترفيه كالرياضة والفن مثلاً. وهذا يعني أن نقاط الإنتاج ستتمركز كلما تقادم الزمن في أيدي عدد أقل من الناس كشراكات لكل شركة، إلا أنها شراكات كثيرة جداً لأن المنتجات المختلفة كثيرة جداً، فبعد أن كانت الزراعة والحياكة تتم في كل منزل لأنها من الضروريات، أصبحت في أيدي عدد أقل من المهنيين المتخصصين الذين ينتجونها بكميات كبيرة من خلال الآلات، وفي الوقت ذاته فهناك صناعات كثيرة مثل الحاسبات والهواتف والأدوية والحقائب وما إلى ذلك، وبهذا ابتعد معظم
١٢٦٢ 🗏
الناس عن مواطن الإنتاج للكثير من المنتجات. أي هكذا ستزداد أهمية التجارة التي تقوم بنقل البضائع من أماكن إنتاجها لأماكن استهلاكها. أي كلما تقادم الزمن كلما ارتفع . عدد العاملين في التجارة مقارنة بمن ينتجون، فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المرسل: (عليكم بالتجارة، فإن فيها تسعة أعشار الرزق" يتأكد صحة كلما تقدمت البشرية معرفياً وتصنيعياً وبالذات مع تطبيق مقصوصة الحقوق.
يتم
أي كلما سمى المجتمع في معرفته وتصنيعه كلما كانت هناك حاجة لحركيات مرنة تعين على نقل المنتجات بين أطراف الأمة أو العالم بكل سهولة ويسر. وفي الأنظمة المعاصرة تتم هذه العملية عن طريق ضمانات تعطيها البنوك مقابل ربح ربوي. وهو ما يسمى عادة بـ «فتح الاعتماد». وهو أشهر من أن يعرّف. أذ يأتي التاجر لبنك ويدفع له مبلغاً لفتح اعتماد مقابل ضمان البنك له لدى بنك آخر في بلد المستورد أو مباشرة مع المصنع أو التاجر في ذلك البلد. أي من خلال هذه الضمانات التي حلت محل الذمم تنتقل السلع. فما هو الحل في الشريعة؟ هنا تأتي أهمية شركة الوجوه لأنها شركة أقرب للتحقق في تجارة السلع منها في الإنتاج التصنيعي كما في شركة الأبدان. فشركة الأبدان تتطلب المشاركة الفعلية بالعمل البدني والذهني، أما شركة الوجوه، ولأنها موجهة نحو بيع السلع بعد نقلها، فهي شركة تتطلب مقداراً من الثقة بين التجار المتباعدين. وعادة ما تحديد هذه الثقة السلعة. فكلما بسعر كانت السلعة أكثر سعراً أو بكميات أكبر ، كلما تطلب ذلك مصداقية وموثوقية أعلى بين التجار والمصنعين. أي وكأن ذمة الفرد هي رأس ماله. وهنا يتجلى دور شركة الوجوه، لأن المنتجين عادة ما يدفعون منتجاتهم لتجار يبيعونها لآخرين، وهؤلاء يبيعونها لآخرين أبعد، وهكذا من شبكة من التجار الذين قد يتم تحصيل مبالغ السلع فيما بينهم بعد البيع. ولأن التجار الكبار قد أثبتوا مصداقيتهم، ولأن الإنتاج عادة ما يكون في مواطن متفرقة من الأرض بسبب حركيات قص الخيرات وابن السبيل التي تؤدي لظهور المستوطنات في مواطن متفرقة على الأرض، كانت الحاجة لنمط من الشراكة يربط الأفراد المتباعدين الذين لا يعرفون بعضهم البعض، وبالتالي قد لا يثقون ببعضهم البعض. فقد يأتي شاب بدء حياته التجارية، إلا أنه غير معروف لدى المنتجين أو التجار الرئيسيين في مناطق أخرى، لكن تاجراً معروفاً من نفس منطقة الشاب يدرك همة وأمانة هذا الشاب، فيشاركه وجاهة، ومتى ما تمكن هذا الشاب وعرفه المنتجون أو التجار الآخرون في المناطق البعيدة، فقد يفسخ الشراكة إن أراد أن يستقل، ليشارك هو آخرين ممن كان مثلهم، أي أنه أصبح وجيهاً يعين الآخرين غير الوجهاء مقابل نصيب من الربح. أي وكأن شركة الوجوه تكريم مالي لكل من سار في حياته التجارية بصفحة بيضاء من الأمانة. أي أن شركة الوجوه، كرمز للأمانة، تدفع التجار للحذر من خيانة الأمانة خوفاً على سمعتهم، لذلك فلن يشارك التاجر الأمين إلا من يثق بأمانته خوفاً على سمتعه. وهكذا ينجذب الأفراد الأكثر أمانة للتجارة، فتتكون شبكة من التجار الأمناء، وبهذا تصبح شركة الوجوه سلم للمصداقية يرتقي عليه التجار من صفقات صغيرة لصفقات أكبر، ومن تاجر خمل لتاجر وجيه. هل رأيت كيف وجهت الشريعة غريزة حب التجارة لشبكة أمينة من التجار تخدم الأمة؟
ولكن لاحظ أخي القارئ أن الفارق بين الصفقات لن يكون كبيراً إن طبقت الشريعة. ففي أيامنا هذه التي تُتبع فيها الأنظمة الرأسمالية، نرى الفارق المذهل بين الصفقات. فهناك صفقات بمئات الملايين من الدنانير أو الجنيهات، وما حدث هذا إلا لانعدام الثقة بين المنتجين والتجار القلة الذين يثقون بهم. فأصبحت شبكات التوزيع للسلع في الأمة محصورة في عدد ضئيل من كبار التجار «الحصريين» الذين يوزعون كوكلاء لعدد أكبر من تجار
١١ الشركة
١٢٦٣
أصغر، وهكذا تصبح التجارة حكراً على فئة صغيرة في المجتمع ليتمركز المال بيدها فتنتعش الرأسمالية وبالتالي التسخير البغيض. أما إن طبقت الشريعة وشركة الوجوه وإن كان للشريك الانفصال عن الوجيه متى ما أثبت مصداقيته، فإن عدد التجار الموثوق بهم سيزداد، وبهذا تتفتت الصفقات بين عدد أكبر من التجار، ويتقارب الدخل بينهم لظهور التنافس وتزداد نسبة الملاك في المجتمع. وعندها لن تعقد الصفقات في الكواليس لأنها ليست ضخمة كما هو حال أيامنا هذه. فلا صفقات كبرى تستحق المداهنة والمراوغة. ولكنك قد تسأل متعجباً: لكن صفقة لشراء أسطول من الطائرات لابد وأن تكون كبيرة ؟ فأقول: لا، لأنك تفكر في إطار الوضع الرأسمالي الحالي المبني على شراء الدول، أو شراء الشركات المحتكرة لخدمة النقل الجوي للطائرات. أما وإن طبقت الشريعة فسيختلف الأمر كما سنوضح في فصل «المدينة» بإذنه تعالى.
ملحوظات أربع الأولى : إن إباحة الشريعة لشركة الوجوه لا تعني أبداً سيطرة بعض الأفراد على السوق لوجاهتهم. ففي البيئات التي لا تطبق الشريعة نلحظ أن أسواقها عموماً مرتبطة بالوجاهة بطريقة تُغلق فيها الأبواب أمام الآخرين، فتصبح الوجاهة بهذا أداة لقفل الطريق أمام الآخرين. فقد تقوم شركة تتمتع بوجاهة طويلة عريضة متخصصة في بيع الأدوية مثلاً باحتكار بيع معظم الأدوية بطريقة لا يتمكن بها الأفراد المعدمون من الدخول للسوق إلا بالعمل كتجار تجزئة لهذه الشركات. فكما سترى في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله، فإن الشريعة وضعت من الحركيات ما يعطل سيطرة مثل هؤلاء الوجهاء على السوق. فقد جاء في صحيح البخاري مثلاً: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تَلَقَّوْا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد). قال: فقلت لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد ؟ قال: لا يكون له سِمْسَارا».
الملحوظة الثانية: إن أهمية شركة الوجوه تظهر إن نحن أخذنا في الحسبان أن النشاطات البشرية كما هو معلوم تعتمد على تراكم التجارب. فكما سيأتي بيانه بإذن الله في فصل «المعرفة»، فإن كل إنجاز ناجح سواء كان لحاماً لحديد أو بناءً لغواصة يعتمد على معرفة مسبقة مجربة قام بها آخرون. فهناك المئات من الطرق لإنجاز عمل ما بعضها أكفأ وأسهل وأقل خطوات من بعضها الآخر. فالحاسب الآلي الذي كان معقداً في تركيباته ومرتفعاً في ثمنه أصبح أقل سعراً وأسهل تركيباً لأن تراكم التجارب تدفع باتجاه السهل الممتنع. وما تفعله شركة الوجوه هي تغذية النظام الإنتاجي في المجتمع بالمعرفة من خلال استغلال تجارب هؤلاء المتمرسين حتى لا تضيع مع وفاتهم، بل تُسلب منهم من خلال الشراكة لآخرين حتى تستمر ليتطور كل من الإنتاج والتجارة.
الملحوظة الثالثة : إن علم الفرد أنه إن خاطر واشترى سلعة ما لبيعها مع شركاء آخرين متضامنين معه وأنهم سيشاركونه الخسارة إن خسر كما جاء في الاقتباس الأخير لابن قدامة، فقد يكون أكثر جرأة وإقداماً. وكلما ازدادت نسبة هؤلاء المغامرين في المجتمع الاقتصادي الكبير (إذ لا حدود بين الأقاليم) كلما ازدهرت التجارة لتزدهر الصناعة كما هو معلوم. فقد يخاطر تاجر ما بشراء ونقل بضاعة لمنطقة بعيدة ثم يتضح بأن هذه السلعة لقيت قبولاً أو حتى رغبة لدى سكان تلك المناطق، فتزدهر التجارة ويزداد الإنتاج والتصنيع لتلك السلعة.
الملحوظة الرابعة: إن شركة الوجوه قد تحدث مع شراكتي الاغتنام والمقاولة، ذلك لأن شراكة الهمم نادراً ما تحتاج لوجيه لأنها تعتمد على همة العاملين في الوصول للخيرات وقطفها من الطبيعة مباشرة. وبالنسبة لشراكة
١٢٦٤ 🗏
المقاولة، فقد يشترك مهني غير معروف مع مهني معروف لإنهاء مقاولة ما، فيقوم غير المعروف بمعظم العمل، إلا أن أصحاب العمل سيلحظون أن الذي قام بجل العمل هو الشريك الخمل، ومن ثم سرعان ما هذا يصبح المهني الخمل معروفاً إن كان فطناً، ومع إثبات أمانته سيصبح وجيهاً. وقد لاحظت هذا كثيراً بين عمال المباني، فسرعان ما
ذات
يلحظ المالك للعمل أنه برغم تعاقده مع عمرو الكهربائي، إلا أن الذي قام بالعمل هو زيد، لذلك سيذهب لزيد مباشرة في المقاولة القادمة لأن سعره قد يكون أقل نسبياً برغم كفاءته، وبهذا يكون زيد قد شق طريقه للوجاهة. إلا أن شركة الوجوه قد تستمر فترة أطول مع الشركات ذات الطابع الاغتنامي لأن التاجر الخمل بحاجة لمزيد من الوقت حتى يكتسب صفة الوجاهة مع التجار أو المنتجين الآخرين. لذلك، فمن الطبعي أن ينجذب وجيهان، كل وجيه معروف في منطقته ومجهول في أرض شريكه ، أو أن ينجذب وجيه وخمل لبعضيهما لتكوين شراكة إن ظنا أنها مغنم، وإلا لقام الوجيه بتوظيف فرد بأجر محدد إن تيقن أنه سيربح. كما أن الخمل، أو الوجيه غير المعروف في منطقة شريكه، سيحاول استغلال وجاهة شريكه للحصول على السلع دون رأس مال. فإن كان له رأس مال لما استعان بالوجيه ابتداءً، وفي هذا تمكين له سواء كان خملاً أو وجيهاً في موطنه. ومتى ما تمكن الخمل وأصبح وجيهاً من ذوي رؤوس الأموال، أو متى ما أصبح الوجيه في موطنه معروفاً لدى المنتجين في مناطق أخرى، فإن الشركة قد تنفسخ إن أراد الذي تسلق سلم الوجاهة ذلك. وهذا قد يحدث إن رأى أحد الشركاء أن الربح شبه مضمون ومستمر لخبرته باستهلاك السوق وبالأطراف المنتجة والمستهلكة، وبالفسخ تتفتت الشركة الواحدة إلى شركتين أو مؤسستين، وعندها يصير هذا الذي كان خملاً وأصبح وجيها، رجلاً أكبر سناً وأقل همة ممن هم أصغر سناً وأكثر همة منه فيصير هو الوجيه لهم، ليتسلقوا هم سلم الوجاهة كتجار جدد وما حدث هذا إلا لأن شركة الوجوه كانت مفتاحاً لأبواب الحرف والتجارة لمن هم أقل خبرة وأصغر سناً. فشركة الوجوه بهذا بوابة لعالم الإنتاج. وبهذا تنخفض الأسعار لانعدام الاحتكار بين قلة من المصنعين والتجار. أي أن شركة الوجوه، بالإضافة لدفعها للمهنيين لسوق العمل، تؤدي إلى تدفق المزيد من الحرفيين والتجار الأمناء إلى شبكة الإنتاج والتوزيع، وهذا يرفع الكفاءة لانعدام البيروقراطية والاحتكار. فتأمل كيف أن غريزة حب المال تحولت إلى حركية ترفع الكفاءة الإنتاجية ودون الإضرار بأحد.
شركة المضاربة
شركة المضاربة هي أساساً شراكة في التجارة كما ورد في كتب السلف رحمهم الله. والفرق بينها وبين شركة الوجوه هو أن شركة الوجوه لا تعتمد على رأس مال بل على الوجاهه، بينما شركة المضاربة تعتمد على رأس مال أحد الشريكين. ولشركة المضاربة أنواع منها أن يشترك بدن ومال، أو مالان وبدن صاحب أحدهما، أو بدنان بمال أحدهما. ويوضح ابن قدامة أثابه الله الأنواع الثلاثة بادئاً بشركة بدن ومال قائلاً:
«وهذه المضاربة، وتسمى قراضاً أيضاً، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة. قال تعالى: ﴿ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾. ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم. ويسميه أهل الحجاز القراض.
١١ الشركة
١٢٦٥
فأراد عمر ا
۷۰
فقيل: هو مشتق من القطع. يقال: قرض الفأر الثوب، إذا قطعه. فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح. وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة. يقال: تقارض الشاعران. إذا وازن كل واحد مهما الآخر بشعره. وههنا من العامل العمل، ومن الآخر المال، فتوازنا. وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة. ذكره ابن المنذر. وروي عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق." وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: " أن . عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنهم خرجا في جيش إلى العراق، فتسلفا من أبي موسى مالاً وابتاعا متاعاً، وقدما به إلى المدينة فباعاه، وربحا فيه، أخذ رأس المال والربح كله. فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً؟ قال: قد جعلته. وأخذا منهما نصف الربح. وهذا يدل على جواز القراض. وعن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه. وعن قتادة عن الحسن أن علياً قال : إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطا. وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما ،قارضا، ولا مخالف لهم في الصحابة، فحصل إجماعاً. ولأن بالناس حاجة إلى المضاربة، فإن الدراهم والدنانير لا تنمى إلا بالتقلب والتجارة، وليس كل من يملكها يحسن التجارة ولا كل من يحسن التجارة له رأس مال، فاحتيج إليها من الجانبين، فشرعها الله تعالى لدفع الحاجتين. فإذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ المضاربة والقراض، لأنهما لفظان موضوعان لها، أو بما يؤدي معناها، لأن المقصود المعنى فجاز بما دل عليه كلفظ التمليك في البيع». «وحكمها حكم شركة العنان في أن كل ما جاز للشريك عمله جاز للمضارب عمله، وما منع منه الشريك منع منه المضارب، وما اختلف فيه ثم فههنا مثله، وما جاز أن يكون رأس مال الشركة، جاز أن يكون رأس مال المضاربة، وما لا يجوز ثم لا يجوز ههنا ، ......
۷۱
۷۲
إن النص السابق بعد تعريف وإثبات مشروعية شركة المضاربة يبين سهولة استحداث جميع أنواع الشراكات بمجرد اللفظ. فهي تنعقد «بلفظ المضاربة والقراض» أو حتى ما يؤدي معناها لأن المقصود المعنى».
وهذه من الميزات المهمة للحقوق في الإسلام فجميع العقود، كالزواج والطلاق والبيع، تتم باللفظ كما ذكرت مراراً لأهميته، وكذلك الشراكة، سواءً كان ذلك في إيجادها أو فضها. وفي هذا تحرير للإنسان المسلم من القيود التي عادة ما تفرضها الدول بحجة حفظ الحقوق بين الناس. أي أن المجتمع، كما يسميه البعض، ذو «عقلية شفهية» كما مر بنا، فيسهل استحداث الشراكة ما يزيد من الكفاءة الإنتاجية إذ لا تعطيل هنالك من أوراق بين الدوائر الحكومية، ولا رشاو لتمرير الموافقات. وفي هذا توفير للكثير من الوقت للبدء مباشرة في الإنتاج وتلافي الكثير من البيروقراطيات المهدرة للثروات. وأرجو أن تلحظ أن شركة المضاربة ليست مقصورة على التجارة، برغم تركيز فقهاء السلف عليها ، بل يجب أن تشمل كل عمل إنتاجي كعمل الفرد بمال آخر لإنشاء مصنع ما.
ولعلك لاحظت من الحديث عن شروط الشراكة أن جميع المذاهب لا تجيز الشراكة إن كان الربح معيناً بعدد وليس جزءاً مشاعاً من الربح بنسبة محددة. وهذا سيؤدي لرفع الكفاءة الإنتاجية لأن من له نصيب معلوم عادة ما يقل أداؤه مقارنة بالآخرين الباحثين عن المزيد من الربح. تأمل النص الآتي من المذهب الحنبلي:
«ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم، وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة، أو جعل مع نصيبه دراهم، مثل أن يشترط لنفسه جزءاً وعشرة دراهم، بطلت الشركة. قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما
١٢٦٦ 🗏
لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. والجواب فيما لو قال: لك نصف الربح إلا عشرة دراهم، أو نصف الربح وعشرة دراهم، كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة. وإنما لم يصح ذلك لمعنيين، أحدهما أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها، فيأخذ من رأس المال جزءاً. وقد كثيراً، فيستضر من شرطت له الدراهم. والثاني أن حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء، لما تعذر كونها معلومة بالقدر، فإذا جعلت الأجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلوماً به. ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة ربما توانى في طلب الربح، لعدم فائدته فيه، وحصول نفعه لغيره، بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح».
يربح
۷۳
إن العبارة الاستنتاجية عن غريزة حب المال في الاقتباس السابق: «توانى في طلب الربح، لعدم فائدته فيه،
وحصول نفعه لغيره»، لهي مؤشر على أهمية جعل الربح مشاعاً حتى يثابر الشريك المضارب في العمل. لاحظ كيف
ة هي
أن الشريعة تستغل غريزة حب المال لدفع الكفاءة. وإن تصورت أن جميع المؤسسات الإنتاجية في الأمة هـ مؤسسات مبنية على الشراكة لأدركت أهمية هذه المسألة لرفع الإنتاجية لتوزيع أكثر عدلاً. فقارن هذا الوضع بحالنا المعاصر المكون من شركات يملكها أفراد ويعمل بها آخرون بأجر مقطوع، ناهيك عن أجر محدد بالإضافة للربح، وهو وضع رفضته الشريعة، برغم أنه أفضل من وضعنا المعاصر الذي لن يوضع فيه المسلمون إن هم . الشريعة. فتأمل هذا الرفض للشراكة إن لم يكن الربح مشاعاً. وهذا قول واحد بإجماع الفقهاء.
الأمة.
رحم
طبقوا
الله علماء
ومن أقسام المضاربة أن يشترك بدنان بمال أحدهما. هنا أيضاً نلحظ دفع الشريعة الأفراد للمزيد من الكفاءة في الأداء: إن اشتراك اثنين في العمل بمال أحدهما يحدث إن كان صاحب المال بحاجة لمن لديه الخبرة ليغريه ليعمل معه، وإلا لما شاركه بل قد يبحث عمن يعمل لديه بأجر. وشتان بين من يعمل بأجر وبين من هو شريك مضارب فمن يعمل بأجر ينفذ رغبات وقرارات صاحب رأس المال، أما من يعمل كشريك فهو إنسان لديه خبرة يستغلها لاستثمار رأس المال بما يراه ملائماً من خبرته، وفي هذا حد لتصرفات صاحب رأس المال الذي قد لا يكون خبيراً كالشريك المضارب، وهذا يرفع الكفاءة، فليس كل من ملك المال قادر على حسن الاستثمار، وليس كل من ملك الكثير من المال يستطيع تحريكه كله، لذلك فهو بحاجة لمن يحرك له الجزء الذي لا يستطيع استثماره. لهذا ذهبت معظم الأقوال (مثل مالك والشافعي وأصحاب الرأي لعدم جواز الشراكة إن شرط رب المال على الشريك المضارب أن يعمل معه، لأن في هذا تقييد لإطلاق يد الشريك ذي الخبرة. ومن الفقهاء من اشترط أن الشراكة لا تصح إن لم يتم تسليم المبلغ للشريك، لأن وجود المال لدى صاحب رأس المال فيه تحجيم لمقـدرة الشريك على التصرف. أما من ذهب لإجازة ذلك، فقد رأى ضرورة إطلاق التصرف للشريك المضارب في المال بجزء مشاع من الربح. فتأمل النص الآتي من توضيح ابن قدامة لاشتراك بدنين بمال أحدهما إذ يقول: «وهو أن يكون المال من أحدهما والعمل منهما، مثل أن يخرج أحدهما ألفاً ويعملا فيه معاً، والربح بينهما. فهذا جائز ونص عليه أحمد في رواية أبي الحارث. وتكون مضاربة لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره، وهذا هو حقيقة المضاربة. وقال أبو عبد الله بن حامد والقاضي وأبو الخطاب إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم وهذا مذهب مالك يصح. والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر قال : ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال
١١ الشركة
١٢٦٧
إلى العامل، ويخلي بينه وبينه لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب. فإذا شرط عليه العمل فلم يسلمه لأن يده عليه، فيخالف موضوعها. وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل من غير اشتراط. ولنا أن العمل أحد ركني المضاربة، فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود الأمرين من الآخر، كالمال . وقولهم إن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل، ممنوع، إنما تقتضي إطلاق التصرف في مال غيره بجزء مشاع من ربحه، وهذا حاصل مع اشتراكهما في العمل، ولهذا لو دفع ماله إلى اثنين مضاربة صح ، ولم يحصل تسليم المال إلى أحدهما ، ...».
تلحظ في الاقتباس السابق الاختلاف في الأقوال. فقد أجاز الحنابلة شرط عمل رب المال مع الشريك، ولم يجزه الآخرون. وهذا خلاف ستظهر أهميته في الحديث عن المبادئ والأمثلة بإذن الله . ومن أقسام شركة المضاربة أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما . هنا أيضاً تظهر أهمية إطلاق يد الشريك الذي له رأس مال في الشركة مع مال شريكه الذي لا يعمل في الشركة فبرغم الاختلاف بين الفقهاء فيما إذا كان عقداً واحداً أو أكثر، إلا أن في إطلاق يد الشريك المتصرف ليستثمر المال. فتأمل عبارة: «لأنها تمنعه من التصرف، بخلاف ما إذا كانت مع العامل، فإنها لا تمنعه من التصرف»، من النص الآتي من توضيح اشتراك مالين وبدن صاحب أحدهما. يقول ابن قدامة:
الاتفاق
بينهم
هو
بينهما،
أسهم،
فهذا يجمع شركة ومضاربة، وهو صحيح . فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم، لا ، لأحدهما ألف وللآخر ألفان، فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيها على أن يكون الربح بينهما نصفين، صح، ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحق ماله، والباقي، وهو ثلثا الربح لصاحب الألفين ثلاثة أرباعه، وللعامل ربعه، وذلك لأنه جعل له نصف الربح، فجعلناه ستة أ منها ثلاثة للعامل حصة ماله سهمان وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه، وحصة مال شریکه أربعة أسهم للعامل سهم وهو الربع فإن قيل : فكيف تجوز المضاربة ورأس المال مشاع؟ قلنا: إنما تمنع الإشاعة الجواز إذا كانت مع غير العامل، لأنها تمنعه من التصرف، بخلاف ما إذا كانت مع العامل، فإنها لا تمنعه من التصرف فلا تمنع من صحة المضاربة. فإن شرط للعامل ثلث الربح فقط فمال صاحبه بضاعة في يده، وليست بمضاربة لأن المضاربة إنما تحصل إذا كان الربح بينهما. فأما إذا قال: ربح مالك لك، وربح مالي لي، فقبل الآخر، كان إبضاعاً لا غير. وبهذا كله قال الشافعي، وقال مالك: لا يجوز أن يضم إلى القراض شركة، كما لا يجوز أن يضم إليه عقد إجارة. ولنا أنهما لم يجعلا أحد العقدين شرطاً للآخر ، فلم نمنع من جمعهما كما لو كان المال متميزاً». ٧٥
Vo
أليست الشريعة معجزة برغم الاختلاف بين الفقهاء رحمهم الله ؟ فما تفعله شركة المضاربة هو باختصار دفع من له مال ليستثمره حتى لا تأكله الزكاة. فإن لم يستطع هو الاستثمار بنفسه فسيبحث عن آخرين. وفي هذه الحالة، وحتى يهتم الشريك، فإن اجتهادات الفقهاء تضع الشريك الذي لا مال له وكأنه مالك وله مطلق التصرف كما هو واضح من الاقتباس السابق. فمثلاً: لا ضمان على المضارب إن تلف المال، «ما لم يتعد، ولو اشترط ذلك رب المال، لأن شرط الضمان في القراض «باطل» وسيأتي بيانه بإذن الله ) . ٦" وبهذا الشرط، أي بهذه الحرية في
هامش
ح) وتكملة ما جاء في النص: ... فصل: وإن شرط أن يعمل معه وقال أبو الخطاب فيه وجهان أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال غلام رب المال، صح. وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر لسيده، فصح إليه كما يصح أن يضم إليه بهيمة يحمل عليها» (٧٤). أصحابه ومنعه بعضهم. وهو قول القاضي، لأن يد الغلام كيد سيده.
١٢٦٨ 🗏
هو
التصرف يزداد الشريك المعدم (المضارب) ثقة وهمة، ولكن الأهم لتمكين الأمة أن نسبة الأفراد المسيطرين في المجتمع الاقتصادي ستزداد لأن الشريك الذي لا مال له أصبح فرداً مسيطراً. فشتان بين مجتمعين أحدهما أكثر من الآخر في نسبة الأفراد المسيطرين. فكما حاولت في كتاب «عمارة الأرض»، وكما سترى في هذا الكتاب بإذن الله، فإن في زيادة نسبة الأفراد المسيطرين خير كثير لأي أمة. فقط قارن الدول الاشتراكية بالدول الرأسمالية. فعدد المسيطرين نسبياً في الدول الاشتراكية أقل بكثير، فيقل بذلك اهتمام الناس بالإنتاج وبالعمران ويقل حماسهم وإبداعهم. ناهيك عن أن في هذا فرصة للمسيطرين لإشباع نهمهم وجشعهم (أي غرائزهم البهيمية) بالتنفذ ضد من لا سيطرة لهم فتنتشر ثقافة التعلي والاستكبار وبالتالي الظلم. أريدك أخي القارئ أن تتأمل قول ابن قدامة الآتي لترى كيفية زيادة عدد الأفراد المسيطرين في المجتمع من خلال تدبر الشروط الفاسدة، إذ يقول رحمه الله:
«والشروط الفاسدة تنقسم ثلاثة أقسام، أحدها ما ينافي مقتضى العقد، مثل أن يشترط لزوم المضاربة، أو لا يعزله مدة بعينها، أو لا يبيع إلا برأس المال أو أقل، أو لا يبيع إلا ممن اشترى منه، أو شرط أن لا يشتري أو لا يبيع، أو أن يوليه ما يختاره من السلع، أو نحو ذلك. فهذه شروط فاسدة، لأنها تفوت المقصود من المضاربة، وهو الربح، أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الأصل. والقسم الثاني ما يعدو بجهالة الربح مثل أن يشترط للمضارب جزءًا من الربح مجهولا ، أو ربح أحد الكسبين، أو أحد الألفين، أو أحد العبدين، أو ربح إحدى السفرتين، أو ما يربح في هذا الشهر، أو أن حق أحدهما في عبد يشتريه، أو يشترط لأحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه، أو يشترط جزءًا من الربح لأجنبي. فهذه شروط فاسدة لأنها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، أو إلى فواته بالكلية، ومن شرط المضاربة كون الربح معلوماً. والقسم الثالث اشتراط ما ليس من مصلحة العقد، ولا مقتضاه: مثل أن يشترط على المضارب المضاربة ببعض السلع مثل أن يلبس الثوب، ويستخدم العبد ويركب الدابة، أو يشترط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة، أو أنه متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن، أو شرط المضارب على رب المال شيئاً من ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة. وقد ذكرنا كثيراً منها في غير هذا الموضع معللاً. ومتى اشترط شرطاً فاسداً يعود بجهالة الربح فسدت المضاربة، لأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه، فأفسد العقد، كما لو جعل رأس المال خمراً أو خنزيراً. ولأن الجهالة تمنع من التسليم، فتفضي إلى التنازع والاختلاف، ولا يعلم ما يدفعه إلى المضارب، وما عدا ذلك من الشروط الفاسدة فالمنصوص عن أحمد في أظهر الروايتين عنه أن العقد ذكره عنه الأثرم وغيره، لأنه عقد يصح على مجهول، فلم تبطله الشروط الفاسدة، كالنكاح والعتاق والطلاق. وذكر القاضي أبو الخطاب رواية أخرى، أنها تفسد العقد، لأنه شرط فاسد، فأفسد العقد، كشرط دراهم معلومة، أو شرط أن يأخذ له بضاعة، والحكم في الشركة كالمضاربة سواء».
صحيح.
VV
سيأتي المزيد عن السيطرة بإذن الله . ولكن لغرض إكمال الصورة الأولية للشراكة دون تفاصيل تلحظ من الاقتباس السابق بوضوح بأن أي شرط يقيد يد المضارب يؤدي لفساد العقد. ولأن الهدف هو الربح، فإن أي تقييد قد يؤدي لخفض الربح يعتبر شرطاً فاسداً. ثم تلحظ بأن الأقوال اختلفت فيما إذا كان الشرط الفاسد يفسد العقد أو لا. وتلحظ أن الأرجح هو استمرار العقد كما ذكره الأثرم لأنه عقد على مجهول، فلم تفسده الشروط الفاسدة. لنتأمل المثال الآتي من المغني أيضًا إذ جاء فيه: «وإذا اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما والوضيعة عليهما، كان الربح بينهما والوضيعة على المال». نلحظ أن الشريعة لا تقر ما اتفق عليه الطرفان كما تفعل بعض القوانين المعاصرة التي تقر أي اتفاق وصل إليه الطرفان، بل تقر جزءًا من الاتفاق وترفض جزءًا آخر، فقد أقرت
١١ الشركة
١٢٦٩
تقسيم الربح ورفضت تقسيم الخسارة بين الشريكين، فقالت هو على رأس المال. إن هذا الذي تفعله الشريعة من توجيه للأفراد هو الذي يؤدي لمجتمع تزداد فيه نسبة المسيطرين لأنها لا تلغي الشراكات، بل تلغي الشروط التي تقيد الشريك المضارب. لأنا إن تأملنا الوضع لأدركنا أن جعل الخسارة على الشريك المضارب الذي لم يشارك برأس مال، حتى وإن كان له مال في موضع آخر، فإنه غير مسؤول عن الخسارة، فيزداد انطلاقاً ومخاطرة. هذا بالإضافة أعدل للموارد فمن له رأس مال هو الذي يخسر إن خسرت الشركة، أما المعدم فلا يخسر إلا
إلى أن في هذا توزيع مجهوده ولا يحمل دينا بالخسارة.
وبالنسبة لعلاقة شركة المضاربة مع أشكال الشراكة من حيث الربح والمخاطرة (اغتنام أو همم أو مقاولة) فإن شركة المضاربة قد تأخذ إما شكل الاغتنام أو الهمم. وبالطبع فإن المخاطرة تزداد بزيادة المسافة بين موطن المنتج ومكان البيع. فكلما زادت المسافة كلما زادت المخاطرة فتقترب الشراكة من الاغتنام. فالمخاطرة باستيراد بضاعة من الصين مثلاً ليست بمستوى مخاطرة الاستيراد من مدينة مجاورة، فإن تأكد الربح في المناطق البعيدة تغيرت الشراكة إلى الهمم. أما إن كانت المضاربة في نفس المنطقة كأن يكون المنتج يصنع في نفس المنطقة، كذلك البيع، فإن الشراكة هي بالتأكيد شراكة الهمم. وما تحاول الشريعة فعله بتأكيد السيطرة في يد الشريك هو إطلاق يده تماماً إن كانت الشراكة بالاغتنام. فكيف تصح الشراكة ويد الشريك مقيدة لأن صاحب المال في مكان بعيد لا يرى البضاعة ليوافق على شرائها ونقلها؟ فشركة المضاربة هي أساساً شراكة بالضرب في الأرض، أي بالسفر. وكلما زادت المسافة كلما احتاج الشريك المضارب للمزيد من الحرية في التصرف لتنجح الشراكة لزيادة المخاطرة. لاحظ التوضيح الآتي للتصرف في المغني (وسنأتي على المزيد من التوضيح للسيطرة بإذن الله):
«وجملته أنه متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهماً من الوضيعة فالشرط باطل. لا نعلم فيه خلافاً، والعقد صحيح. نص عليه أحمد. وهو قول أبي حنيفة ومالك. وروي عن أحمد أن العقد يفسد له، وحكي ذلك عن الشافعي، لأنه شرط فاسد، فأفسد المضاربة، كما لو شرط لأحدهما فضل دراهم. والمذهب الأول. ولنا أنه شرط لا يؤثر في جهالة الربح فلم يفسد به، كما لو شرط لزوم المضاربة. ويفارق شرط الدراهم لأنه إذا فسد الشرط ثبتت صحة كل واحد منهما من الربح
مجهولة».
VɅ
أي هكذا وباختصار فإن شركة المضاربة تؤدي للمزيد من الكفاءة والعدالة.
شركة العنان
حسب
هي اشتراك بدنين بماليهما، والربح بينهما، ولا يشترط المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الربح على قول الجمهور، ويجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً دون شريكه، ويجوز أن يتساويا في الربح، ويجوز أن يختلفا، أي - الاتفاق بينهما . " وبالطبع فهذه قد تقع بين اثنين أو أكثر. فإنشاء مصنع لتكرير النفط يتطلب الاشتراك في الكثير كالهجرة للموقع والمشاركة بمهارات البدن والخبرة والمعرفة والمال. لذلك فهي تختلف عن شركة المضاربة. فشركة أساساً التجارة بمال الغير. وشركة العنان عموماً جائزة بالإجماع، إنما الاختلاف بين المذاهب في شروطها وفي سبب تسميتها. فقيل أنها سميت بالعنان لأن الشريكين يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا
المضاربة هي
۱۲۷۰ 🗏
سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فإن عنانيهما يكونان سواء. وقال الفراء هي مشتقة. من عنّ الشيء إذا عرض، يقال عنت لي ،حاجة إذا عرضت وسميت الشركة بذلك لأن كل واحد من الشريكين عن له أن يشارك صاحبه. وقال أبو بكر الرازي بأنها سميت بذلك من العنان لأن الإنسان يأخذ عنان الدابة بإحدى يديه ويحبسه عليها، ويده الأخرى مرسلة يتصرف بها كيف شاء، كذلك هذه الشركة كل واحد من الشريكين بعض ماله مقصور عن التصرف فيه من جهة الشركة، وبعض ماله يتصرف فيه كيف شاء».٨٠
هناك إجماع على جواز شركة العنان بالنقد كالدراهم والدنانير، ولكن الخلاف هو في العروض، هل تجوز بها الشراكة أم لا؟ وهذا ينطبق أيضاً على «كل» شركة كالمضاربة وبغض النظر عن التسميات. فما ذهب إليه الجمهور عموماً هو عدم الجواز، فقد أجازه بعض المالكية وبعض الحنابلة ومنعه الجمهور. جاء في المجموع:
«واحتج الجمهور بأن الشركة تقتضي الرجوع برأس المال أو مثله عند المفاصلة بتصفية العقد أو فسخه والعروض لا مثل لها، وقد تزيد قيمة جنس العرض أو تنقص عند المفاصلة. واستدل المجوزون بأن مقصود الشركة هو التصرف في المال، وأن يكون الربح بينهم، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان. ويرجع عند المفاصلة بقيمة العرض عند العقد قياساً على الزكاة، فإن نصاب الزكاة في العروض قيمتها ، فإذا صحت قيمة النصاب عند الزكاة مع الظن فما المانع من أن تصح
هنا».
ط
هم
وتأتي أهمية عدم الجواز لسبب مهم بالنسبة لموضوع التمكين، ألا وهو سهولة فض الشراكة عند حدوث أي نزاع (كما مر بنا في شركة الأبدان. وأهمية سهولة فض النزاع بالنسبة للكفاءة تأتي من جهتين، إحداهما للفرد والأخرى للمجتمع: فبالنسبة للفرد، فشتان بين فرد مهموم مرغم على عمل قد أخطأ واشترك فيه، وبين إنسان غير مربوط بشريك لا يرتاح له ويقيده في تصرفاته. فالشراكة نعمة متى ما أفادت الشركاء، أما إن كان الشركة أكثر من ربحها فهي آفة لمن تورط فيها. وبالطبع، فكلما ازداد عدد العاملين في المجتمع بطلاقة ارتفعت الكفاءة الإنتاجية وكان التوزيع أعدل. لذلك كان للشركاء شرعاً فسخ الشراكة متى أرادوا، فقصت الشريعة الحقوق لتحقيق الفسخ بسهولة كما مر بنا. ولتأكيد هذه المسألة لأهميتها تأمل ما قاله ابن قدامة ملخصاً ومعللاً جواز أو عدم جواز الشراكة بالعروض بهدف فسخ العقد، فما أروع علمه أثابه الله (لاحظ الفرق بين الثمن والقيمة: فالثمن هو اشتراها به المالك، والقيمة ما قد تساويه العين وقت فض الشراكة في حالة الخلاف):
«فأما العروض، فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب. وحكاه عنه ابن المنذر. وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي؛ لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها، لا يجوز وقوعها على أعيانها، لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها، فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها لأن القيمة
هامش
ط) وهنا ،ملحوظة، وهي أن الزكاة علاقة بين الإنسان وربه، و به، والله غفور رحيم، أما فض الشراكة فهي علاقة بين شخصين أو أكثر وقد يختلفا وتتراكم الضغينة بينهم (۸۱) .
ما
١١ الشركة
۱۲۷۱
غير متحققة ،القدر، فيفضي إلى التنازع، وقد يقوّم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها. ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن ملكه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط، وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك. وعن أحمد رواية أخرى، أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال. قال أحمد: إذا اشتركا في العروض يقسم الربح على ما اشترطا. وقال الأثرم . سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع ؟ فقال : جائز. فظاهر هذا صحة الشركة بها . اختار هذا أبو بكر وأبو الخطاب. وهو قول مالك وابن أبي ليلى وبه قال في المضاربة طاووس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعاً، وكون ربح المالين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها، كالأثمان ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها. وقال الشافعي: إن كانت العروض من ذوات الأمثال كالحبوب والأدهان جازت الشركة بها في أحد الوجهين لأنها من ذوات الأمثال، أشبهت النقود، ويرجع . عند المفاصلة بمثلها. وإن لم تكن من ذوات الأمثال لم يجز وجهاً واحداً لأنه لا يمكن الرجوع بمثلها. ولنا أنه نوع شركة فاستوى فيها ما له مثل من العروض ومـا لا مثل له كالمضاربة، وقد سلم أن المضاربة لا تجوز بشيء من العروض، ولأنها ليست بنقد فلم تصح الشركة
بها، كالذي لا مثل له».
۸۲
وبالنسبة للمالكية فإن ابن القاسم أجاز الاشتراك في صنفين من العروض أو في عروض ودراهم أو دنانير. وقد أفاد ابن رشد أنه قيل أن مالكاً كره ذلك،
وسبب الكراهة [هو] اجتماع الشركة فيها والبيع، وذلك أن يكون العرضان مختلفين، كان كل واحد منهما باع جزءاً من عرضه بجزء من عرض صاحبه الآخر، ومالك رضي الله عنه يعتبر في العروض إذا وقعت فيها الشركة القيم وليست الأثمان. في حين أن الشافعي رضي الله عنه يقول: لا تنعقد الشركة إلا على أثمان العروض. وحكى أبو حامد الأسفراييني أن ظاهر مذهب الشافعي يشير إلى أن الشركة مثل القراض لا تجوز إلا بالدراهم والدنانير . قال : والإشاعة فيها تقوم مقام الخلط » . .
۸۳
كفاءة
لعلك لاحظت في نصوص الفقرة السابقة قلق الفقهاء على ضرورة ابتداء الشراكة بطريقة لا تؤدي إلى تعقيدات عند فض الشراكة. فقد قال الفقهاء بعدم الجواز في العروض لأنه لا مثل لها، وبعدم الجواز على قيمتها لأن القيمة إن عرفت فهي تقديرية، وأن القيمة غير متحققة القدر»، أي لا تتحول لسيولة نقدية، أما الأثمان فهي مفقودة حال العقد. د. وجميع هذا قد يفضي للتنازع بين الشركاء الذي سيؤثر في الأفراد عملياً ونفسياً ما يقلل من الإنتاج في المجتمع. وهنا بعد اجتماعي مهم فالظاهر هو أن الشراكات عندما كانت تقع كان الشركاء عادة ما يظهرون حسن النوايا متجسدة في أخلاق سامية في التعامل فيما بينهم وبالذات عند بدء الشراكة. كل يجامل ويحترم الآخر ويتطلع لإنجاز استثماري لا يريد أن يبدأه بجرح شريكه أو شركائه. هذه المجاملات قد تجعل المقدمين على شراكة ما يترددون في تحديد قيم أو أثمان عروضهم التي سيدخلون فيها شراكة. بل يبدؤون ويعملون ثم إن لم يتفقوا وظهر الخلاف المؤدي لفض الشراكة عندها يقع التشاح لهذا والله أعلم حرص الفقهاء على تلافي هذه المواقف. فالأقوال التي أباحت الشراكة بالعروض، وضعت ضوابط لذلك. فقد ربطها بعض الفقهاء قياساً على الزكاة بالرجوع لقيمة المال عند العقد متى رغب الشركاء في المفاصلة، وقد أباحها الشافعي في أحد الوجهين إن
۱۲۷۲ 🗏
كانت العروض من ذوات الأمثال. وكما وضحت فإن أهمية سهولة فض الشراكة بالنسبة للتمكين تأتي من جهتين، إحداهما للفرد والأخرى للمجتمع، وقد بينت أهميتها للفرد، أما أهميتها للمجتمع فهي من زاويتين أيضاً: الأولى في انتقال المعرفة: فمن الطبعي أن يتفاضل أي شريكين أو أكثر في معرفتهما وخبرتهما، فأحدهما أعلى من الآخر، وعند بدء الشراكة ستنساب المعرفة من الأعلم للأجهل لاختلاطهما في العمل؛ وعند فض الشراكة سيذهب الأجهل الذي تعلم إلى شركة أخرى أو يعمل بمفرده، وبهذا تذهب المعرفة لشريك آخر وثالث ورابع وهكذا تنتشر المعرفة وتصبح عرفاً وتزداد الكفاءة، وسنوضح هذه الحركية في «المعرفة» بإذن الله. والثانية في إتاحة الفرصة للأفراد للانطلاق في الشراكة. فكما سيأتي بإذن الله في الحديث عن مبادئ الشراكة فإنه من الأولى للمجتمع ألا تجهض الشراكات من البدء إن كانت شروط الفقهاء تؤدي للإجهاض وذلك حتى تزداد العدالة (وهو ما ذهب إليه الحنابلة). فهذه الشروط اجتهادية (تذكر التاريخي والمقدس)
إن في هذا القلق لضرورة فض الشراكة متى أراد الشركاء قص للحقوق برغم الاختلافات التي تظهر بين أقوال الفقهاء رحمهم الله. فلاحظ نصوص الإجابة على السؤال الآتي: هل يشترط لصحة الشراكة اتفاق المالين من الشريكين في الجنس وخلطهما ؟ ذهب مالك إلى أن من شرط مالي الشراكة أن يختلطا إما حساً، وإما حكماً، مثل أن يكونا في صندوق واحد، وأيديهما مطلقة عليهما، واشترط اشتراك التصرف في المال. وقال أبو حنيفة بأنه تصح الشراكة وإن كان مال كل واحد منهما بيده لأنه اكتفى في انعقاد الشراكة بالقول. وبالنسبة للشافعية فإن اتفاق الجنس شرط لصحة العقد حتى يختلط المالان، فلا يمكن خلطهما إن لم يكونا من نفس الصنف. جاء في شرح المجموع: «الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد من الشريكين دنانير مثل دنانير صاحبه ويخلطاها فيكونا شريكين، وجملة ذلك أن من شرط صحة شركة العنان أن يكون مالهما المشترك بينهما من جنس واحد وسكة واحدة». فلا تصح الشراكة إن كانت العملتان مختلفتين. وقال أبو حنيفة وأحمد: تصح «لأنهما إذا أرادا المفاصلة قوّما المتاع بنقد البلد، وقوما مال الآخر به، ويكون التقويم حين صرفا الثمن فيه». ي ومن المذهب المالكي جاء في «المدونة» أيضاً:
«في الشركة بالدنانير والدراهم قال ابن القاسم قال مالك: في الشريكين يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير ثم يشتركان بها أنه لا خير في ذلك. قلت: ولا تجوز الشركة في قول مالك بالدراهم من عند هذا والدنانير من عند هذا؟ قال: لا تجوز عند مالك . قلت : وأصل قول مالك في الشركة أنها لا تجوز إلا أن يكون رأس مالهما نوعا واحدا من الدراهم والدنانير؟ قال: نعم. قلت: أرأيت لو أن رجلين اشتركا جاء هذا بمائة دينار وجاء هذا بألف درهم، جهلا ذلك فعملا على هذا حتى ربحـا مـالا، كيف يصنعان في رأس مالهما ؟ قال : بلغني عن مالك أنه قال: يكون لكل واحد منهما رأس ماله. ويضرب له ربحه على قدر ربح الدنانير للعشرة أحد عشر . والدراهم مثله . والوضيعة كذلك. بلغني عن مالك في الدنانير والدراهم إذا اشتركا أنه لا خير فيه. فإن فات كان لكل واحد منهما رأس ماله ويضرب له
هامش
ي) قال ابن قدامة: «ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس، بل الشركة فيهما كالجنس الواحد ومتى تفاصلار درجع هذا بدنانيره وهذا يجوز أن يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير. نص عليه أحمد. و به بدراهمه ثم اقتسما الفضل، ... وقال القاضي: إذا أرادا المفاصلة قوّما قال الحسن وابن سيرين. وقال الشافعي: لا تصح الشركة إلا أن يتفقا المتاع بنقد البلد، وقوما مال الآخر به، ويكون التقويم حين صرفا في مال واحد، بناءً على أن خلط المالين شرط ، ولا يمكن إلا في المال الثمن فيه. ولنا أن هذه شركة صحيحة، رأس المال فيها الأثمان الواحد. ونحن لا نشترط ذلك، ولأنهما من جنس الأثمان فصحت فيكون الرجوع بجنس رأس المال، كما لو كان جنساً واحداً» (٨٤).
١١ الشركة
۱۲۷۳
الربح على رأس ماله. قلت: فإن كان المتاع قائما بعينه ؟ قال : ذلك سواء كان قائما بعينه أو لم يكن قائما بعينه. يباع ويقتسمانه. فيأخذ هذا منه بقدر ألف درهم وهذا بقدر مائة دينار. فإن كان فضل كان للعشرة دراهم درهم وللعشرة دنانير دينار. وإن كانت وضيعة فعلى هذا أيضا يكون. والذي بلغني عن مالك أنه قيل له: فإن اشتركا على هذا كيف يكون؟ قال : يكون لهذا رأس ماله من الذهب ولهذا رأس ماله من الدراهم ثم يقتسمان الربح على العشرة أحد عشر للدراهم : للعشرة دراهم درهم. ك وللدنانير : للعشرة دنانير دينار. ...».
وقد اشترط الشافعي كما رأينا خلط المالين لصحة الشراكة وسبب عدم جواز الشراكة إن لم تخلط الأموال للشافعي هو أنه في حال تلف المال دون خلط فإن «مال كل واحد منهما يتلف منه دون صاحبه، أو يزيد
٨٦
له دون صاحبه، فلم تنعقد الشركة، كما لو كان من المكيل». ويوضح المطيعي مذهب الشافعي قائلاً: «دليلنا أنهما مالان يتميز أحدهما عن الآخر فلم تصح الشركة عليهما كما لو كانا حنطة وشعيراً، أو كما لو لم تكن يدهما على المالين، ولأنا لو صححنا عقد الشركة قبل الخلط لأدى إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الآخر، لأنه قد ربح مال أحدهما دون الآخر». ويوضح ابن قدامة مذهبه المخالف:
AV
ولنا أنه عقد يقصد به الربح، فلم يشترط فيه خلط المال، كالمضاربة، ولأنه عقد على التصرف، فلم يكن من شرطه الخلط كالوكالة، وعلى مالك: فلم يكن من شرطه أن تكون أيديهما عليه كالوكالة، وقولهم: إنه يتلف من مال صاحبه أو يزيد على ملك صاحبه ممنوع، بل ما يتلف منه مالهما وزيادته لهما، لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك فكل واحد منهما في نصف مال صاحبه فيكون تلفه منهما وزيادته لهما. وقال أبو حنيفة متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صاحبه، ولنا أن الوضيعة
والضمان أحد موجبي الشركة، فتعلق بالشريكين كالربح وكما لو اختلطا».
Μ
وبهذا، فكما ترى، وبغض النظر عن الأقوال المختلفة في ابتداء الشراكة إلا أنها تنتهي إلى ضرورة فض الشراكة متى أراد الشركاء ذلك، وفي هذا تمكين للأفراد والمجتمع. كما أن المهم أيضاً هو قول ابن قدامة رحمه الله والذي يفترض أن الأفراد على علم بمصالحهم . عند إقدامهم على الشراكة، وبهذا تزداد أعداد الشراكات، وهذا النوع من الشراكات من أهم الأنواع وسيأتي المزيد عنها بإذن الله.
هامش
ك) وتكملة ما جاء في النص من المدونة: «قال سحنون وقد قال على ما في صدر الكتاب. قلت أرأيت إن أخرجت أنا ألف درهم غيره: إن عرف ما اشترى بالدنانير وعرف ما اشترى بالدراهم فليس وأخرج صاحبي مائة دينار فبعته خمسمائة درهم بخمسين دينارا لواحد منهما شركة في سلعة صاحبه إلا أن تكون رءوس أموالهما لا فاشتركنا أيجوز هذا أم لا؟ قال: لا يجوز هذا عند مالك. قلت: لم ؟ تعتدل، فيكون لصاحب القليل الرأس المال على صاحب الكثير قال: لأن هذا صرف وشركة فلا يجوز وكذلك قال لي مالك: لا يجوز الرأس المال أجرة مثله فيما أعانه به. وإن لم يعلم ذلك، وفي المال ولا خير فيه. قلت: فإن أخرج رجل خمسين دينارا وخمسمائة درهم فضل أو نقصان، قسم الفضل على قدر الدراهم من الدنانير إن كانت وأخرج صاحبه خمسين دينارًا وخمسمائة درهم فاشتركا جميعًا أتجوز الدراهم من الدنانير يوم اشتركا النصف اقتسماه على النصف. وإن هذه الشركة في قول مالك أم لا؟ قال: لا بأس بذلك عند مالك. قلت: كانت الثلث فعلى ذلك. . ويرجع ! القليل الرأس المال على الكثير الرأس ما فرق بين هذا وبين المسألة الأولى؟ قال: لأن في الأولى مع الشركة المال بأجر مثله فيما أعانه لأنه قد علم أن السلع بينهما على قدر رأس صرف. وهذه ليس فيها صرف. قلت: وكان مالك يجيز أن يشتركا من مال كل واحد منهما من صاحبه. وإنما مثل ذلك مثل الطعام إذا عند هذا ذهب وفضة ومن عند صاحبه ذهب وفضة، ذهب مثل
اشترکا به شركة فاسدة فلم يعلم به حتى اختلطا واشتريا به فإنهما ذهب هذا وفضة مثل فضة هذا ؟ قال : نعم» (٨٥).
يقتسمان الربح على قدر قيمة قمح كل واحد منهما من قمح صاحبه.
١٢٧٤
شركة المفاوضة
🗏
إن
هذا النوع من الشراكة نادر الحدوث وتفاصيله قد لا تكون مهمة لك أخي القارئ، لذلك فبإمكانك القفز إلى العنوان الآتي: «تذكير مهم». إن من تعاريف شركة المفاوضة أن يعقد الشريكان الشراكة «على أن يشتركا فيما يكتسبان بالمال والبدن ، وأن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بغصب أو بيع أو ضمان». ولعل أهم فارق بين هذه الشراكة وغيرها من الشراكات هو أن يضمن كل شريك تصرفات الشريك الآخر وأن يضيفا إلى الشركة كل ما يحصلا عليه مستقبلاً من مال يرثانه أو يوهبانه ونحوهما من مكتسبات. وقد جاء في بداية المجتهد الآتي تلخيصاً لشركة المفاوضة يقول ابن رشد:
«القول في شركة المفاوضة واختلفا في شركة المفاوضة ، فاتفق مالك وأبو حنيفة بالجملة على جوازها، وإن كان اختلفوا في بعض شروطها، وقال الشافعي: لا تجوز. ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره، وذلك واقع عندهم في جميع أنواع الممتلكات. وعمدة الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال، فإن الأرباح فروع، ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها، وأما إذا اشترط كل واحد منهما ربحاً لصاحبه في ملك نفسه فذلك من الغرر ومما لا يجوز ، وهذه صفة شركة المفاوضة. وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءاً من ماله بجزء من مال شريكه، ثم وكل واحد منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده. والشافعي يرى أن الشركة ليست هي بيعاً ووكالة». كما لخص ابن قدامة شركة المفاوضة بقوله:
۸۹
«وأما شركة المفاوضة فنوعان : أحدهما أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان، فيصح ذلك، لأن كل نوع منها يصح على انفراده، فصح في غيره. والثاني أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب وقيمة متلف وغرامة الضمان وكفالة، فهذا فاسد. وبهذا قال الشافعي. وأجازه الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة. وحكي ذلك عن مالك. وشرط أبو حنيفة لها شروطاً ، وهي أن يكونا حرين مسلمين وأن يكون مالهما في الشركة سواء، وأن يخرجا جميع ما يملكانه من جنس الشركة، وهو الدراهم والدنانير. واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة». ولأنها نوع شركة يختص باسم، فكان فيها صحيح كشركة العنان. ولنا أنه عقد لا يصح بين الكافرين ولا بين كافر ومسلم، فلم يصح بين المسلمين، كسائر العقود الفاسدة، ولأنه عقد لم يرد الشرع بمثله فلم يصح كما ذكرنا، ولأن فيه غرر، فلم يصح كبيع الغرر، وبيان غرره أنه يلزم كل واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وقد أدخلا فيه الأكساب النادرة، والخبر لا نعرفه ولا رواه أصحاب السنن، ثم ليس فيه ما يدل على أنه أراد هذا العقد، فيحتمل أنه أراد المفاوضة في الحديث، ولهذا روي فيه: «ولا تجادلوا، فإن المجادلة من الشيطان». وأما القياس فلا يصح . فإن اختصاصها باسم لا يقتضي الصحة. كبيع المنابذة والملامسة وسائر البيوع الفاسدة، وشركة العنان تصح بين الكافرين والكافر والمسلم،
بخلاف هذا» . .
إن النص السابق يشير إلى أن الحنابلة والشافعية لم يجيزوا شركة المفاوضة للغرر الأكيد الذي قد يقع فيها، وأن الأحناف والمالكية في قول قد أجازوها بشروط . ولعل شركة المفاوضة تختلف عن باقي الشركات التي
۹۱
١١ الشركة
۱۲۷۵
ذكرناها سابقاً لأنها «قد» لا تدفع الأفراد للإنتاج كشركات الأبدان والوجوه والمضاربة والعنان إلا في ظروف سنوضحها بإذن الله . فمن سمات هذه الشراكة التواكل فكل شريك قد يتواكل على الآخر في التصرف حتى في أرش الجناية والضمان والغصب وقيمة ما تلف وغرامة الضمان ونحوها من تصرفات قد تكون سالبة في حق الشريك الآخر إن تفاوت رأس المال. فمن كان رأس ماله أقل قد لا يكون مثابراً وحريصاً، وبالذات إن كان التفاوت بين رأسي المال كبيراً. فلاحظ كلمة «بعدوانه» فيما قاله الشيرازي من المذهب الشافعي:
ل
«وأما شركة المفاوضة وهو أن يعقدا الشركة على أن يشتركا فيما يكسبان بالمال والبدن، وأن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بغصب أو بيع أو ضمان فهي شركة باطلة، لحديث عائشة رضي الله عنها. ولأنها شركة معقودة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يختص بسببه فلم تصح، كما لو عقدا الشركة على ما يملكان بالإرث والهبة. ولأنها شركة معقودة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بعدوانه فلم تصح. كما لو عقدا الشركة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بالجناية، فإن عقدا الشركة على ذلك واكتسبا ،وضمنا أخذ كل واحد منهما ربح ماله وأجرة عمله، وضمن كل واحد منهما ما لزمه بغصبه وبيعه وضمانه، لأن الشرط قد سقط، وبقي الربح والضمان على ما كانا قبل الشرط. ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه، لأنه عمل في ماله ليسلم له ما شرط له، ولم يسلم فوجب أجرة عمله» .
۹۳
وبرغم توضيح العدوان الذي يرفضه النص السابق، إلا أنه يوضح للشركاء ما عليهم فعله إن هم اشتركوا خطأ و وكسبوا ثم قرروا التراجع عن هذا النمط من الشراكة. فعلى كل واحد من الشريكين أن يرجع بأجرة عمله في نصيب شريكه، وهذا مشابه لما ذكرناه في شركة الأبدان من إصرار المذهب الشافعي على تقسيم الربح كأجرة بين الشركاء وما في ذلك من رفع للكفاءة. ولعل ما وضحه النووي صاحب المجموع من أن الشراكة هي في الأصول وليس في الفروع (وهي الأرباح)، تأكيد على تلافي الضرر. فهو يقول:
«وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يجوز، ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره، وذلك واقع عندهم في جميع أنواع الممتلكات، وعمدة الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال، فإن الأرباح فروع ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها ، وأما إذا اشترط كل واحد منهما ربحاً لصاحبه في ملك نفسه من الغرر ومما لا يجوز، وهذه صفة شركة المفاوضة ، ... » . .
فذلك
٩٤
أي أن السبب الرئيس لبطلان هذه الشراكة هو أن كل شريك كفيل ووكيل وضامن للآخر في تصرفاته حتى وإن كان ذلك عدواناً كالغصب مثلاً. وسبب آخر هو الجهالة بكل ما يضاف أو ينقص من رأس المال مستقبلاً. فمن أحكام شركة المفاوضة عند الحنفية مثلاً الآتي:
...
. وإذا كان أحدهما يعمل في مال مضاربة كان ما يخصه من الربح بينه وبين شريكه شركة مفاوضة، وإذا ثبت في ذمة أحدهما دين بتجارة وشبهها كان الآخر متضامناً فيه، ويشبه التجارة الغصب والاستهلاك والوديعة الموجودة أو المستهلكة والعارية، لأنه إذا غصب أحدهما شيئاً كان
هامش
ل) وضح المطيعي في المجموع حديث عائشة هو المذكور في الصحيحين وساقه المصنف (أي الشيرازي) بلفظ : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) (۹۲).
١٢٧٦ 🗏
ضامناً له، والضمان يفيد له تملك الأصل المغصوب، فيكون كالتجارة التي ملكها بالشراء. فالدين الذي يلزم بسبب الغصب كالدين الذي يلزم بسبب التجارة، فيكون الشريكان مفاوضة متضامنين في أدائه. ومثل الغصب الوديعة ، فإذا أودع شخص عند أحد الشريكين شيئاً وأنكره أو أستهلكه كان ضامناً شريكه معه فيه، كالتجارة ومثل ذلك العارية. وكذلك إذا كفل أحدهما شخصاً في مال بإذن صاحبه فإن شريكه يكون متضامناً معه في دفع ذلك المال».
۹۵
به، «ومع ذلك
97
أما إذا كفل أحدهما شخصاً بنفسه، أو كفله بدون إذنه، فإن الشريك الآخر لا يلزم بذلك. ويخرج مما سبق ما لزم أحدهما مما لا يشبه التجارة، كدين المهر والخلع والجناية والصلح عن دم العمد والنفقة، فإن كل ذلك لا يضمن فيه الآخر. كما أن كل شيء يشتريه أحد الشريكين، كإطعام أهله وكسوتهم، يقع على الشركة، وكذلك المتعة والاستئجار للسكنى والركوب للحاجة، فكل ما يشتريه أحدهما مما يتعلق بذلك يكون خاصاً. فإن الآخر الذي لم يشتر عليه أن يؤدي ويرجع على شريكه بما يستحقه فيما دفعه من مال الشركة، ...». وهكذا كما ترى، فإن تحقق المساواة بين الشركاء أمر عسير لما فيه من الجهالة والغرر. لذلك قال الشافعي رحمه الله: «لا أعلم في الدنيا شيئاً باطلاً إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، ولا أعلم القمار إلا هذا أو أقل منه». وأما ما ورد من الحديث: «فاوضوا فإنه أعظم للبركة» وقوله: «إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة»، والذي استدل به من أجاز شركة المفاوضة فإنه لم يصح شيء منه عند الشافعية والحنابلة. أريدك أخي القارئ أن تفكر في السؤال الآتي: ألا تشبه شركة المفاوضة ما يحاول بعض علماء الشريعة فعله الآن من إباحة لشركات التأمين؟ أليست شركات التأمين ضد حوادث المرور مثلاً إلا ضمان لعدوان الآخرين؟
۹۸
ولكن هل أطلق الحنفية والمالكية إباحة شركة المفاوضة أم أنهم قيدوها بظروف محددة؟ لقد قيدوها بظروف محددة وبرغم اختلافها إلا أنها قد تؤدي لرفع الكفاءة. فهذه القيود هي ما تسحب شركة المفاوضة للجواز. كيف ؟ إن صفة شركة المفاوضة عند الإمام مالك هي أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف في حضوره وغيبته، وتكون يده كيده ولا يكون شريكه إلا بما يعقدان الشركة عليه. ولا يشترط في المفاوضة أن يتساوى المال ولا أن لا يبقي أحدهما مالاً إلا ويدخله في الشركة». " إن لشرط عدم بقاء مال عند أحد الشركاء إلا وعليه أن يدخله في الشراكة عند المالكية أهمية تتضح في تكتل الناس من نفس الدخل والمهارة كشركاء. فلا يعقل أن يشترك ثري مع فقير من نفس المهارة، أو ماهر مع آخر مبتدئ في عمله إن كان الماهر ثرياً (إن استثنينا ما ذكر في شركة الوجوه والعنان). فبهذا الشرط لا تقع شركة المفاوضة بين ثري وفقير لتفاوت ما يملكانه، ولكن تقع بين المتقاربين في الأملاك والمهارات. فعندما يجتمع الشركاء بأموال متساوية، أو مهارات متقاربة، فإن اهتمامهم بتنمية ما يملكون سيكون متقارباً وبهذا ترتفع الكفاءة والاستثناء هو اشتراك غني مع فقير يتمتع بمهارات عالية لحاجة الغني لمهارات الفقير. وبهذه المهارة التي تدير أموال الغني ترتفع الكفاءة. ومن جهة أخرى، فإن شركة المفاوضة كحركية
هامش
م) هذا اللفظ لقول الشافعي أتى في اختلاف العراقيين (أبو حنيفة عنه. ولأنها شركة تصح مع المفاضلة فلم تصح مع المساواة كالشركة في وابن أبي ليلى). وهناك لفظ آخر: «إذا لم تكن شركة المفاوضة باطلة العروض وعكسه العنان. ولأنهما عقدا الشركة على ما يملكان بالإرث فلا باطل أعرفه في الدنيا». فقه السنة: جـ ٣ ص ٣٥٢؛ وجاء في أو يقول شركة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر المجموع أن سبب رفض الشافعية لشركة المفاوضة هو أن «النبي صلى بعدوانه فلم يصح كما لو عقدا الشركة على أن يضمن كل واحد منهما الله عليه وسلم نهى عن الغرر، وهذا غرر ، والنهي يقتضي فساد المنهي ما يجب على كل واحد منهما كالجناية» (۹۷).
١١ الشركة
۱۲۷۷
إنتاجية تكون أكثر ملاءمة إن طبقت الشريعة لأجيال كثيرة. عندها سيكون الناس أعزاء وذوي قيم سامية بسبب فتح أبواب التمكين، فتتصف سلوكيات الناس بالخوف من الله عز وجل فتنتشر الأمانة والإيثار ويضمحل العدوان. أي أن بعض الغرائز الأنانية ستُحجّم. وبهذا يكون تصرف الشركاء وكأنهم فرد واحد (وسيأتي بيانه بإذن الله). فنجد أن الشريك خوفاً من الإثم يجتهد وكأنه المالك الحقيقي لجميع المال أو حتى أكثر اجتهاداً لخوفه على مال شريكه أكثر مما إن كان المال له. وهذه التكتلات للناس الجماعات ستؤثر في النظم الإنتاجية للمجتمع لأنها ستساعد على تفتيت التصنيع لأجزاء أصغر تلائم أحجام هذه الجماعات فيظهر الإبداع (كما سيأتي في الحديث عن «المعرفة» بإذن الله ن
هنا يظهر سؤال يتصل بشركة الأبدان والكفاءة: إن الشراكات الإنتاجية عادة ما تحتاج لأفراد بمهارات ومقدرات مختلفة للتكاتف في أدائها، أي أن التفاوت بين الأفراد في المهارات ضرورة لابد منها للشراكات للتكاتف، فكيف يكون الجمع بين هذين التناقضين من حيث الكفاءة؟ أي كيف يكون الجمع بين ظاهرة ارتفاع الكفاءة ءة بين الشركاء إن كانوا من مهارات متقاربة، وبين الحاجة لمهارات متفاوتة لإيجاد شراكات الإنتاج؟ إن التناقض الظاهر ينتفي إن نحن أدركنا مسألتين: الأولى هي العدوان. ففي شركة الأبدان لا يضمن الشريك عدوان شريكه، أما في شركة المفاوضة ، فعلى الشريك أن يتحمل سوء تصرفات شريكه، لذلك فإن شركة الأبدان لابد وأن تكون أكثر كفاءة في الأداء لانتفاء التواكل بين الأفراد برغم اختلافاتهم في المهارات، لأن لكل شريك مهامه المعلومة كما رأينا في شركة الأبدان. فلا عجب إن تردد كثير من الفقهاء في إباحة شركة المفاوضة التي قد تؤدي للعدوان، أما الذين أباحوها فقد قيدوها كما ترى بطريقة تؤدي لرفع الكفاءة.
والمسألة الثانية هي تداخل الشراكة مع الإجارة، ذلك أن فتح أبواب التمكين تعني ندرة العمالة بأجر زهيد، فلأن معظم الناس سيعملون لأنفسهم أو كشركاء مع غيرهم لانفتاح أبواب التمكين، ولأن معظم الناس يعتقدون أن مقدراتهم ومهاراتهم تفوق الآخرين، ويعتقدون أنهم أفذاذاً إلا أن الفرصة لم تتح لهم بعد لإثبات ذلك، فإن من أراد التكاتف مع الآخرين لإنشاء شركة ما عليه أن يقبل أحياناً بمن يعتقد هو أنهم أقل مهارة منه، وبنصيب يراه هو
هامش
ن) كما أن شركة المفاوضة قد تكون بالأبدان دون الأموال ليس له عذر من هذا فأراه ضامنًا. قال: فقلنا لمالك: فالمسافر يدفع إلى وبالأبدان والأموال معاً. جاء في المجموع: «أما إذا خلط المالين الرجل البضاعة في سفره يرفعها له فيدفعها إلى غيره؟ قال مالك: هو ببعضهما قبل العقد فلا تكون شركة مفاوضة. بل تكون من شركة ضامن. ولم يره مثل الحاضر لأن المسافر قد عرف ناحيته وأنه في العنان الجائز حتى ولو صرحا بالمفاوضة ونويا بها العنان، فإنها تصح سفر. فالشريك الذي سألتني عنه إذا نزل البلد فخاف على ما معه بعد الخلط قبل العقد. وكما تكون المفاوضة بالأموال، تكون بالأبدان فاستودعها رجلًا لأن التجار منازلهم في الغربة ما علمت إنما هي فقط وبالأموال والأبدان». وجاء في المدونة: «في أحد المتفاوضين الفنادق والمواضع التي يتخوفون فيها. فلا ضمان عليه إذا كان بهذه يبضع أو يقارض أو يستودع من مال الشركة قلت: أرأيت المتفاوضين الحال. وإن لم يكن على شيء من هذه الحال فاستودعها رأيته ضامنًا. هل يجوز لهما أن يبضع أحدهما دون صاحبه أو يقارض دون صاحبه أحد المتفاوضين يشارك رجلا من مال الشركة قلت: أرأيت لو أن في قول مالك؟ قال: نعم. إذا كانا تفاوضا كما وصفت لك قد فوض شريكين متفاوضين شارك أحدهما شریکا آخر فاوضه بمال بغير أمر هذا إلى هذا وهذا إلى هذا وقال كل واحد منهما لصاحبه اعمل شريكه، أيجوز ذلك على شريكه أم لا؟ قال: إن كان إنما يشاركه بالذي ترى قلت: وجائز له أن يستودع ؟ قال : إذا احتاج إلى أن شركة ليست بشركة مفاوضة مثل السلعة يشتركان فيها أو ما أشبه يستودع جاز ذلك. قلت: وهذا قول مالك ؟ قال : هذا رأيي. وذلك أنا ذلك، فذلك جائز لأن ذلك تجارة من التجارات. وإن كان إنما يشاركه سألنا مالكًا عن الرجل يستودع الرجل الوديعة فيستودعها غيره شركة مفاوضة حتى يكون شريكا لهم في أموالهم وتجاراتهم يقضي في فتهلك. هل عليه ضمان؟ قال : إن كان رجلًا أراد سفرًا أو كان بيته ذلك، فلا يجوز ذلك له إلا بإذن شريكه» (١٠٠). معورًا. أو ما أشبه هذا من العذر فأرى أن لا ضمان عليه. وإن كان
۱۲۷۸ 🗏
مرتفع من ربح الشركة. فهل رأيت شريكاً قد اقتنع بما يأتيه من ربح إلا من رحم ربك؟ ومتى ما اقتنع، أو اضطر أحياناً بقبول الآخرين الأقل مهارة كشركاء بربح يراه هو مرتفع، فإن في هذا دفع للشريك الأقل مهارة والآخذ الربح مرتفع للعمل بهمة، وهنا ترتفع الكفاءة ويرتقي الأداء ليصل لمستوى الشريك الأعلى. أما إن لم يقتنع من أراد استحداث الشراكة بالربح المرتفع الذي يطلبه الآخر، فإن عليه أن يستأجر ذلك الآخر للعمل لديه بأجر معلوم، وهنا أيضاً ترتفع الكفاءة لأن العمل محدد وله متطلبات والتزامات لابد للأجير من القيام بها تحت عين المؤجر، وهذا مشابه لما يقوم به موظفوا الشركات المعاصرة، إلا أن الفرق هو في العدالة في التوزيع، أي في الأجر المناسب قلة البطالة مقارنة. مع ما تفرزه الرأسمالية من بطالة تؤدي لتدني الأجور، وهنا أيضاً ترتفع الكفاءة لأن الأجر منصف. فمتى ما أعطي العامل أجراً مجزياً ارتفع الإنتاج. هل حاولت يوماً دفع مبلغ ضئيل لعامل لينجز لك عملاً ما؟ إن فعلت فستلحظ تضجره، حتى وإن لم يتحدث، فستلحظ ذلك من خلال تباطئه في إنهاء العمل وقلة إتقانه لقناعته بضآلة ما يحصل عليه من أجر مقابل أدائه، إلا أنه اضطر لذلك لانتشار البطالة. فهو على قناعة تامة بأنه يستحق أكثر مما ستدفع له، لذلك سيعطيك في الغالب أقل مما سيأخذ منك.
بسبب
ولكن لماذا أباح الإمام مالك هذا النمط من شركة المفاوضة ولم يفعل ذلك الشافعي وأحمد؟ إن السبب، والله أعلم، هو في نظرته المختلفة التي فصصت شركة المفاوضة إلى عقدي بيع ووكالة لقد وردت مقارنة لطيفة بين المذاهب عن شركة المفاوضة في المجموع تقول:
وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءاً من ماله بجزء من مال شريكه، ثم وكل كل واحد منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده، وأما الشافعي فإنه يرى أن الشركة ليست هي بيعاً ووكالة. وأما أبو حنيفة فهو هنا على أصله في أنه لا يراعي في شركة العنان إلا النقد فقط، وأما ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة من شروط هذه الشركة فإن أبا حنيفة يرى أن من شروط المفاوضة التساوي في رؤوس الأموال. وقال مالك : ليس من شرطها ذلك تشبيهاً بشركة العنان، وقال أبو حنيفة: لا يكون لأحدهما شيء إلا أن يدخل في الشركة، وعمدتهم أن اسم المفاوضة يقتضي هذين الأمرين، أعني تساوي المالين، وتعميم ملكهما».
وجاء في أضواء البيان توضيح مهم لما ذهب إليه الإمام مالك إذ يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله موضحاً:
اعلم أن شركة المفاوضة هذه في مذهب مالك لا تتضمن شيئاً من أنواع الغرر التي حرمت من أجلها شركة المفاوضة عند الشافعية ومن وافقهم لأن ما استفاده أحد الشريكين المتفاوضين من طريق أخرى كالهبة والإرث ، واكتساب مباح كاصطياد واحتطاب ونحو ذلك لا يكون شيء منه لشريكه. كما أن ما لزمه غرمه خارجاً عن الشركة كأرش جناية، وثمن مغصوب ونحو ذلك، لا شيء منه على شريكه، بل يقتصر كل ما بينهما على ما كان متعلقاً بمال الشركة فكل منهما وكيل عن صاحبه، وكفيل عليه في جميع ما يتعلق بمال الشركة، وهكذا اقتضاه العقد الذي تعاقدا عليه. فلا موجب للمنع ولا غرر في هذه الشركة عند المالكية، لأنهم لا يجعلون المتفاوضين شريكين في كل ما اكتسبا جميعا حتى يحصل الغرر بذلك، ولا متضامنين في كل ما جنيا حتى يحصل الغرر بذلك. بل هو عقد على أن كل واحد منهما نائب عن الآخر في كل التصرفات في مال الشركة وضامن عليه في كل ما يتعلق بالشركة. وهذا لا مانع منه كما ترى، وبه تعلم أن اختلاف المالكية والشافعية في شركة المفاوضة خلاف في حال لا في حقيقة».
1-1
١١ الشركة
۱۲۷۹
أي وكأن المذهبين الحنفي والمالكي يذهبان لجواز شركة المفاوضة في ظروف محددة لتلافي الغرر والجهالة، فهي تجوز عند التساوي في المال والتصرف، وهذا نادر جداً، وعندها يصبح كل واحد من الشركاء كفيلاً عن
س
شريكه في الشراء والبيع كما أنه وكيل عنه . وسبب الندرة هو أن الناس يتساوون في الدخل دوما بل يتقاربون. فماذا إن اختلف الشريكان في ماليهما مستقبلاً، كأن يرث أحدهما؟ عندها ستنفض شركة المفاوضة. جاء في
المجموع:
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي رضي الله عنهم : شركة المفاوضة صحيحة إلا أن أبا حنيفة يقول: من شرط صحتها أن يخرج كل واحد منهما جميع ما يملكه من الذهب والفضة حتى لو أن أحدهما استثنى مما يملكه درهماً لم تصح الشركة، ويكون مال أحدهما مثل مال صاحبه، ويكونان حرين بالغين مسلمين. ولا تصح بين مسلم وذمي، ولا بين ذميين، ولا بين حر وعبد، فإذا وجدت هذه الشركة تضمنت الوكالة والكفالة. فأما الوكالة فهو أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في الكسب وفيما يوهب له، وفي الكنز الذي يجده وفي جميع ما يكسبه إلا الاصطياد والاحتشاش فإنهما ينفردان. وأما الميراث فإنهما لا يشتركان فيه، فإذا ورث أحدهما نظر فيه، فإن كان عرضاً لم يضمن الشركة، وإن كان ذهباً أو فضة فما لم يقبضه فالشركة بحالها، وإن قبضه بطلت الشركة لأنه قد صار ماله أكثر من مال الآخر. وأما الكفالة فإن كل ما يلزم أحدهما بإقرار أو غصب أو ضمان أو عهدة فإن صاحبه يشاركه فيه إلا أرش الجناية». ١٠٣
أي أن الحنفية، أجازوا شركة المفاوضة على أن يكون قدر كل ما يدفعه أحدهما مساوياً للآخر في القيمة، وأن لا يكون لأحدهما من المال الذي تنعقد به الشركة شيء مدخر، بل ينبغي له أن يخرج كل ماله. ولكن ماذا إن عقد إنسان الشركة بأقل مما يملك ؟ عندها تكون الشراكة شركة عنان لا مفاوضة. وهكذا، كما تلحظ، فإن الفقهاء الذين أباحوا شركة المفاوضة يضعون من الشروط التي قد تدفع الشركة لنمط آخر للخروج من شركة المفاوضة. فبالنسبة للمذهب الحنفي مثلاً:
«ويجوز أن يملك أحدهما عقاراً أو دوراً زيادة على المال دون صاحبه أو يملك مالاً غائباً عنه كان له دين على شخص لم يقبضه، فإذا قبضه فسدت وصار عناناً، ولو كان لأحدهما وديعة من النقدين عند شخص زائدة على رأس مال المفاوضة فسدت المفاوضة ، وهذا الشرط يتعلق برأس المال» . ١٠٤
من شروط الحنفية في شركة المفاوضة أيضاً:
«وإذا كان لأحد الشريكين شيء مملوك قبل عقد الشركة فليس للآخر شيء فيه، كما إذا اشترى أحدهما جملاً بشرط الخيار ثم تعاقد مع صاحبه على شركة المفاوضة ثم أسقط خياره فإن الجمل يكون له وحده، وليس لشريكه فيه نصيب . وإذا أودع أحدهما وديعة كانت كذلك عند الآخر،
.«...
س) ومن شروط شركة المفاوضة عند الحنفية: «أن تكون الشركة عـ ولا تبطل شركة المفاوضة عند الحنفية بالشرط الفاسد، وإنما يبطل عامة في جميع التجارة، فلا يصح تخصيصها بنوع واحد كالقطن أو الشرط، «فلو اشتركا في شراء حيوان أو عرض تجارة على أن يبيعه القمح أو نحو ذلك، وهذا الشرط متعلق بالمعقود عليه». وهذا أيضاً أحدهما دون الآخر، لم تفسد الشركة ولا يعمل بالشرط. وكذلك إذا شرط يصعب على الناس القبول به (۱۰۲). اشتركا على أن يدفع أحدهما المال وحده فإن الشرط يكون فاسداً
والعقد صحيح ...» (١٠٥).
۱۲۸۰ 🗏
وهكذا نستنتج أن شركة المفاوضة لم يجزها الشافعية والحنابلة، أما من أجازوها فقد فعلوا ذلك في ظروف
محددة تزيد من كفاءة الإنتاج. حتى وإن طبقت بين الناس فهي نادرة جداً لصعوبة تحقق شروط واضعيها، ناهيك عن قناعة الناس بها، لذلك فقد تخرج الشركة من المفاوضة إلى العنان. وبالطبع فهناك فارق في حق الشريك في التصرف بين النمطين، أي بين العنان والمفاوضة. ففي العنان لا يضمن الشريك جميع تصرفات شريكه، وبالذات العدوانية منها. وجميع هذه الاستنتاجات ترفع من الكفاءة. وبالإضافة لهذه الأنماط الخمسة فقد تكون هناك أنماط أخرى بسبب تقسيمات اقترحها بعض الفقهاء، إلا أنها تفرعات من هذه الأنماط الخمسة. وبالتدقيق فيها ستلحظ أنها ستؤدي أيضاً لرفع الكفاءة. ١٠٦ والآن لنعرض لبعض خصائص الشراكة عموماً ببعض التفصيل لإثبات كفاءة وعدالة المجتمع المسلم من خلال الشراكة.
تذكير مهم
1.7
هي
كما ترى أخي القارئ فإن جميع هذه الأقوال المختلفة هي بسبب قلق الفقهاء. والسؤال هو: لماذا تركت الشريعة هذه المسائل دون توضيح نصي من القرآن الكريم أو من السنة المطهرة؟ والإجابة هي والله أعلم: مهما اختلفت أقوال الفقهاء فهي كما ذكرت مراراً في بوتقة واحدة لأن آيات الغنائم والفيء والصدقات تقص الحقوق بين السلطات والناس بطريقة تضعف من أهمية أي خلاف آخر قد يظهر لأن الإطار الأهم لا خلاف عليه، وبالمنطق نفسه، فهناك أحاديث ترسم العلاقات بين الأفراد (مثل منع الضرر والضرار ومثل أحقية الحيازة لمن سبق من الخيرات. هذا بالإضافة إلى أن معظم هذه الأقوال المختلفة تنبثق من نفس أسس الاستنباط. لذلك تجدني في هذا الفصل أسرد وأتقبل الكثير من الأقوال لأنها برغم اختلافاتها تقع داخل دائرة واحدة. ولعلي أوضح الأمر بمزيد من التفصيل في فصل «المعرفة». لكن إن أمعن الدارس النظر سيلحظ أن أقوال ابن قدامة رحمه الله (ولعله لأنه أتى من بعدهم) تفند أقوال مخالفيه بتوضيح . سبب قدامة رحمه الله) أن الشراكة عند البدء لابد وأن تكون واضحة في حصصها لجميع الشركاء سواء كان رأس المال نـقـداً معدوداً أو من العروض التي يجب أن تقوم. فلطالما عرفت الحصص ليمكن الرجوع إليها عند فض الشراكة لتلافي الخلاف جازت الشراكة. وبهذا فإن ما ذهبا إليه ابن قدامة وابن القيم رحمها الله (وسيأتي بإذن الله) يزيد من احتمالات ظهور الشراكات. وكلما زادت الشراكات في المجتمع كلما زادت الكفاءة والعدالة لأن المأجورين قلة. إلا أن المهم أيضاً هو أن الصناعات المعاصرة تتطلب الكثير من التكاتف بين الكثير من المهارات بحيث يصعب جمع عدد كبير من الأفراد بحصص متساوية لإيجاد شراكة ما . فلابد وأن تختلف رؤوس الأموال عند البدء لاختلاف المهارات وندرتها وتثمينها فيما بينها. فالمهم هو الاتفاق بين الشركاء. وكما ذكرت (وسيأتي في فصلي «الفصل والوصل» و «البركة» بإذن الله ، فمع شفافية المجتمع الاقتصادية وحرية الحركة للمهارات في سوق العمل، حتى وإن تفاوتت الحصص بين الشركاء فإن الجهالة والغرر سينتفيان بينهم بإذن الله لأن الأجور مفصصة. ومن جهة أخرى، فإن انتشار الشراكات كظاهرة إنتاجية لا قط تعني المأجورين. فهناك بعض الشراكات والتي تتطلب بعض المهارات في إنتاجها بصفة مؤقتة كمهمة صيانة الحاسب الآلي مثلاً. ولهذه المهام قد
مخالفته لهم بشكل مقنع. . فالمسألة باختصار (كما وضحها ابن
انعدام
١١ الشركة
۱۲۸۱
يقوم بعض الأفراد بتأجير أنفسهم لمدة محددة للعديد من الشراكات (كما بينت في التوضيح التاسع). إلا أن هؤلاء سيعملون بأجر أعلى لأنهم أجراء مؤقتون وليسوا بدائمين ما سيؤدي للمزيد من الكفاءة والعدالة، ذلك لأن من سيستأجرهم سيفعل لمهمة محددة كإصلاح عطب ما. وفي الوقت ذاته سيحاول المستأجر (لأنه هو المالك) عدم الوقوع فيما وقع فيه من حاجة لهذا الأجير مستقبلاً. والآن أريدك أخي القارئ أن تتمعن في قراءة الاقتباس الآتي إذ أن من الفقهاء من لم يقتنع بالشروط السابقة للشراكات لأنهم اعتبروها اجتهادات فردية لم تنبع من نص أو فعل ما أدى للتعقيد. فلا أدلة عليها ، بل هي فقط اجتهادات لا حاجة ولا داعي لها كما يقولون. أريدك أن تتأمل ما جاء في كتاب «الروضة الندية»، فما أروع ما كتب. وستستنتج بإذن الله مدى دفع الشريعة للشراكة من خلال تسهيل مفهومها دون أي تعقيد كما ذهب بعض الفقهاء. فهذا الاقتباس لصدیق حسن خان رحمه الله جداً وسنعود إليه
مراراً إذ يقول:
مهم
واعلم أن هذه الأسامي التي وقعت في كتب الفروع لأنواع من الشركة: كالمفاوضة، والعنان، والوجوه، والأبدان لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية بل اصطلاحات حادثة متجددة، ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا كما هو معنى المفاوضة المصطلح عليها، لأن للمالك أن يتصرف في ملکه كيف يشاء ما لم يستلزم ذلك التصرف محرماً مما ورد الشرع بتحريمه، وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقداً واشتراط العقد، فهذا لم يرد ما يدل على اعتباره، بل مجرد التراضي بجمع المالين والاتجار بهما كاف. وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شيء بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن كما هو معنى شركة العنان اصطلاحاً، وقد كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة ودخل فيها جماعة من الصحابة، فكانوا يشتركون في شراء شيء من الأشياء ويدفع كل واحد منهم نصيباً من قيمته ويتولى الشراء أحدهما أو كلاهما. وأما اشتراط العقد والخلط فلم يرد ما يدل على اعتباره. وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الآخر أن يستدين له مالاً ويتجر فيه ويشتركا في الربح كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحاً. ولكن لا وجه لما ذكروه من الشروط. وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملاً استؤجر عليه كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحاً. ولا معنى لاشتراط شروط في ذلك. والحاصل أن جميع هذه الأنواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي، لأن ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي ولا يتحتم اعتبار غيره. وما كان منهما من باب الوكالة أو الإجارة فيكفي فيه ما يكفي فيهما، فما هذه الأنواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها؟ وأي دليل عقلي أو نقلي ألجأهم إلى ذلك؟ فإن الأمر أيسر من هذا التهويل والتطويل، لأن حاصل ما يستفاد من شركة المفاوضة والعنان، والوجوه، أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شيء وبيعه ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن. وهذا شيء واحد واضح المعنى يفهمه العامي فضلاً عن العالم، ويفتي بجوازه المقصر فضلاً عن الكامل، وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف، وأعم من أن يكون المدفوع نقداً أو عرضاً، وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه، وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما. وهب أنهم جعلوا لكل قسم من هذه الأقسام التي هي في الأصل شيء واحد إسماً يخصه، فلا مشاحة في الاصطلاحات، لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات، وتكلفهم لتلك الشروط، وتطويل المسافة على طالب العلم وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته. وأنت لو سألت حراثاً أو بقالاً عن جواز الاشتراك في شراء الشيء وفي ربحه، لم عليه أن يقول : نعم .. ولو قلت له: هل يجوز العنان أو الوجوه أو الأبدان؟ لحار في فهم معاني هذه الألفاظ . بل قد شاهدنا كثيراً من المتبحرين في علم الفروع يلتبس عليه الكثير من تفاصيل هذه
يصعب
۱۲۸۲ 🗏
الأنواع ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها عن بعض. اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه، فربما يسهل عليه ما يهتدي به إلى ذلك. وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء العاطلة عن الدليل، وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل، فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد. بل المجتهد من قرر الصواب، وأبطل الباطل، وفحص في كل مسألة عن وجود الدلائل، ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين، فالحق لا يعرف بالرجال. ولهذا المقصد سلكنا في هذه الأبحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صفي فهمه عن التعصبات، وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات، والله المستعان».
وعادة ما يجد الباحث في كتابات السلف ما يؤشر على أن هذه الأنواع من الشراكات هي اجتهادات مستحدثة. ففي الفقه المالكي مثلاً يذكر ابن القاسم أن مالكاً رحمه الله لم يعرف شركة العنان، إذا أنها والله أعلم، لم تكن معروفة في وقته بين الفقهاء. جاء في المدونة الكبرى:
«الشركة في المفاوضة . قلت : هل يعرف مالك شركة عنان؟ قال: ما سمعت من مالك ولا رأيت أحداً من أهل الحجاز يعرفه. قال ابن القاسم: وما اشتركا فيه إن كان في جميع الأشياء فقد تفاوضا وإن كانا إنما اشتركا في أن اشتريا نوعاً واحداً من التجارة مثل الرقيق والدواب فقد تفاوضا في ذلك النوع. فأما العنان فلا يعرف، ولا نعرفه من قول مالك إلا ما وصفت لك»...
۱۰۷
الشأن الأهم :
الأمانة والأحجام والكفاءة والعدالة
إن قرأت الـ ٤٤ صفحة السابقة بتمعن ثم قارنته مع الاقتباس المهم السابق من «الروضة الندية» لابد وأن تثير السؤال الآتي: برغم دفاعك يا جميل عن الفقهاء بتبرير آرائهم المختلفة عن الشراكة إلا أن ما ذهبوا إليه متفاوت لدرجة يصعب معها جمع الأقوال المتضادة في مصلحة ظاهرة تجمع الناس وبالذات بعد قراءة ما جاء في «الروضة الندية»؟ فأجيب كالعادة بأنه لطالما وضعنا أسس التمكين الموارد والموافقات والمعرفة نصب أعيننا فإن الخلافات لن تكون مؤثرة لأن الطرق المختلفة ستؤدي لنفس الهدف (العدالة والكفاءة). لكن في الوقت ذاته، لازال السؤال قائماً: هل من وسيلة لتقصي الحق في مسألة الشراكة من بين هذه الأقوال المختلفة؟ فأجيب: لابد لنا من تقصي كيفية استغلال الشريعة للغرائز الإنسانية وتوجيهها لما فيه صالح البشر. فهذا ما يركز عليه كتاب «قص الحق». كيف؟ لنبدأ بهذا السؤال هل الأمانة ضرورة في الشراكات حتى تنجح؟ لنقرأ الآتي من «المدونة»: «قلت: أتجوز الشركة بين الشريكين ورأس مالهما سواء والربح على المال والوضيعة على أن يكون المال في يد أحدهما دون الآخر؟ قال: لا أقوم على حفظ قول مالك في هذه الساعة. وأرى إن كان هذا الذي اشترط أن يكون المال على يده هو الذي يشتري ويبيع دون صاحبه، فأرى الشركة على هذا الشرط غير جائزة لأن الشركة تكون على الأموال والأمانة أيضاً. وهذا لم يأتمن صاحبه حين اشترط أن يكون المال عنده دون صاحبه وهو الذي يشتري ويبيع دون صاحبه. وإن كانا جميعاً هما اللذان يشتريان ويبيعان غير أن أحدهما الذي يكون المال في يده دون صاحبه. فلا أرى بهذا بـأسـا وأراها شركة صحيحة» . .
۱۰۸
١١ الشركة
۱۲۸۳
إن تفكرت في أهمية الأمانة في الاقتباس السابق وبالذات قوله : « والأمانة أيضاً»، وتدبرت الحديث الذي سبق ذكره، أي قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما)، ثم إن تأملت أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا)، ستستنتج مباشرة أن للشراكة شأن عظيم في الإسلام من حيث البركة لأن الله الحق سبحانه وتعالى هو الشريك مع الشركاء الذين لا خيانة بينهم. فكيف سيكون حجم هذا التوفيق بين الشركاء إن كانوا أمناء لأن الله جلت قدرته شريك معهم؟ بالطبع ستكون الشراكة موفقة أيما توفيق. ومن هذين الحديثين نستنتج أيضاً أن الإسلام كما دفع حركياً إلى الشراكات بين الناس فهو يفعل ذلك أيضاً من حيث القيم قدر المستطاع. فخير لك من أن تكون شريكاً أميناً من أن تعمل بمفردك برأسمال وتستأجر الآخرين لأن الله الكريم الجواد المعطي الواهب الوهاب القادر القدير المقتدر الحكيم العليم شريك لك مع شركائك إن كانوا أمناء. فأنت لست وحدك، ولكن بمعية الله عز وجل. ولهذا فإن الشراكة ستكون ناجحة بالتأكيد في نظرك إن كنت مؤمنا. أريدك أن تقرأ الآتي من كلام ابن القيم وعلى مهل. فما أروعه في المقارنة بين الشراكة والإجارة. فهو نص سنعود إليه مرارا. يقول رحمه الله في «اعلام الموقعين»:
«تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: اغرسها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما، وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما ، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه ويغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجواز بالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل الدر النسل، والصواب جواز ذلك وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك. هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، حتى قال شيخ الإسلام هذه المشاركات أحل من الإجارة، قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتي الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنه رأي عين، ثم لم ينسخه ولم ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل
کله،
١٢٨٤ 🗏
عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله . والله ورسوله لم يحرم شيئاً من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا لابد له من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه، فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة». ۹.
۱۰۹
رحم الله ابن القيم ما أروع علمه . هل لاحظت الفرق الشاسع بين الشراكة والإجارة؟ أريدك أخي القارئ أن تتأمل مذهب ابن القيم دفاعاً عن أهمية الشراكات حيث يقول: «إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به». ثم إن قارنت الاقتباس السابق بما قاله صاحب الروضة الندية (صديق حسن خان في الاقتباس ما قبل قبل السابق لاستنتجت أن الشريعة تذلل جميع العقبات لاستحداث الشراكات دون تعقيد. ولكن لماذا الدفع من الشريعة للشراكات لتقع بين شركاء أمناء؟ لأن هذه الشراكات والله أعلم، تتسم بأقل قدر ممكن من البيروقراطيات بين الشركاء مع أعلى قدر ممكن من الطمأنينة. فلا أوراق ،توقع، ولا سندات تطبع، ولا أقوال تُثبت، بل الشركاء جميعاً وكأنهم «فرد واحد في التصرف». وهذه عبارة مهمة سأعيدها مرة أخرى أخى القارئ، ألا وهى إن الشريعة تقص الحقوق لشراكات يتصرف فيها الشركاء وكأنهم فرد واحد في التصرف». فهل رأيت فرداً يأخذ توقيعاً من نفسه إن أراد فعل أمر ما أو شراء شيء ما؟ كلا، بل فقط يقرر ويتوكل. وهكذا الشركاء إن أمنوا بعضهم بعضاً، فبرغم كثرتهم إلا وكأنهم شخص واحد في تصرفاتهم. حينها ستزداد الكفاءة لأن التركيز في الشراكة على الإنتاج وليس على مراقبة كيفية ظهور الإنتاج (خوفاً من أن يغش أحد الشركاء زملاءه الآخرين). فلا تظهر مثلاً الأجهزة التي على الموظف إدخال الكرت فيها لإثبات وقت قدومه ووقت خروجه من العمل، ولا سجلات لتسجيل جميع الحركات في الشركة مثل أوامر الصرف من المستودعات وما شابه من بيروقراطيات منهكة للشركاء. بل فقط التركيز على الإنتاج في بيئة مطمئنة دون بيروقراطيات فتزداد الكفاءة. وكأن الشراكة الموفقة حياة زوجية ناجحة، يثق فيها كل طرف بالآخر بمحبة ووفاء وإخلاص وتمني الخير للطرف أو الأطراف الأخرى في الشراكة.
وبالطبع ستقول: لقد وعدت يا جميل بألا تلجأ إلى القيم لإثبات طرح كتاب «قص الحق»، بل فقط التركيز على الحركيات المبنية على الغرائز، فمن سيضمن بأن الناس سيؤمنون بالحديث النبوي ولا يستغلون بالتالي الوضع بالتظاهر بالأمانة ومن ثم سرقة الشركاء؟ فقد يسرق الشركاء بعضهم البعض لدرجة انعدام الثقة وبهذا تضمحل فرص ظهور الشراكات المبنية على الأمانة. وقد تقول أيضاً: بل ستظهر الشراكات المشابهة لشركات اليوم المبنية على الاعتماد على مئات المستندات والأوراق الثبوتية كمحاضر الاجتماعات وما شابه مما تحدثنا عنه في وزارة الزير ضماناً لحقوق الشركاء !!! فأجيب: أنت على حق؛ ولكن فقط أردت التذكير بما ذكرته مراراً من أن سمو المجتمع هو بسبب حركيات تسحب بعضها بعضاً. فمع فتح الأبواب للتمكين كحركية، وبالتالي انخفاض البطالة كحركية، ومن ثم ظهور الشراكات كحركية (وحتى وإن لم يوقن الناس بأن الله الحق سبحانه وتعالى ثالث الشريكين إن كانا أمينين، فإن هذه الحركيات تؤدي لتقارب الناس في الدخل، وبالتالي تؤدي لظهور المستهلكات المتقاربة في النوعية كما ذكرت، عندها فإن جشع الناس سيقل لأنه لا مغزى لكثرة المال لأن ما هو في الأسواق من الضروريات في متناول الجميع كما وضحت سابقاً، وبهذا لن يزيد سعير الناس للمزيد من المال. أي ستنحسر الغرائز الإنسانية الأمارة بالسوء. هنا في مثل هذه الظروف لن يغش الناس بعضهم البعض وسيميلون إلى ائتمان
١١ الشركة
١٢٨٥
بعضهم البعض فتنتشر الأمانة لأنه لا دافع قوي للغش أو للسرقة. أي أن الأمانة تحصيل حاصل لأن الحركيات تؤدي إليها. أما في الأنظمة المعاصرة، فإن الحاجة للسرقة تزداد بزيادة الفارق بين الناس من حيث الثراء ليصبح الأمين مفتونا.
هو
ومن جهة أخرى، فإن هناك علاقة تأثيرية متبادلة بين كل من العناصر الخمسة الآتية: ١) الأمانة ٢) المعرفة أو المهارة (3) أحجام الشراكات أي عدد الشركاء (٤) الكفاءة (٥) العدالة. كيف؟ لنمر سريعاً على مثالين: إن صناعة قطعة من الأثاث كالكرسي البدائي مثلاً بحاجة لفرد واحد لأن المهارات التي يتطلبها ليست معقدة وبالتالي ليست بحاجة للعديد من الأفراد ذوي التخصصات الماهرة. فإن وجدت شراكة لإنتاج الكراسي، فهي شراكة قد تقع بين من يقطع الخشب ويعالجه من جهة، وبين من يشكله ويصبغه من جهة أخرى. أما إن كانت الشراكة بين عدة أفراد جميعهم يعملون في تشكيل الخشب وصبغه بعد شراء الخشب من شركة أخرى، هنا قد تتأثر الشراكة لأن بعضهم قد يكون أمهر من بعض وأكثر همة، فلا يتساوون في الإنتاج. ولأنهم بنفس المهارة فسيلحظون مباشرة من أكثر إنتاجاً من بينهم. وهذا قد ينطبق أيضاً على العلاقة بين من ينتج الخشب وبين من يشكله، فبرغم اختلاف المهارات فإن الهمة قد تختلف بين من يقطع الخشب ومن يصنع الكرسي إلا أنها بوضوح أقل. لهذا، فحتى يظهر العدل في الربح مقارنة بالإنتاج بينهم قد يستحدث الشركاء آلية بيروقراطية لحساب كميات إنتاج كل فرد منهم. لنقارن المثال السابق بآخر أكثر تعقيداً: إن إنتاج مضخة كهربائية بحاجة لعدة جهات تتمتع كل منها بمهارات مختلفة وبحاجة للتنسيق فيما بينها لإنتاجها. فهناك من يستخرج المواد الخام كالمعادن ويعالجها، وهناك من يصنع الأجزاء من تلك المعادن المعالجة، وهناك من يركبها، ناهيك عمن يصممون ومن يسوقون وما شابه من عشرات المهارات. فإن وجدت شركة لإنتاج هذه المضخة من ألفها إلى يائها، فلابد وأن تتكون من المئات من الأفراد من ذوي المهارات المختلفة. هنا ستظهر البيروقراطيات للتنسيق بين العمال. لهذا نجد أن احتمال تفتت عملية الإنتاج لشراكات أصغر أمر شبه أكيد هذه شركة تستخرج المعادن ليشتريها آخرون لصناعة قطع تحتاجها المضخة. وتلك شركة تصنع الأسلاك الكهربائية التي تحتاجها المضخة، وبالتأكيد تنتج الأسلاك أيضاً لبيعها لمصانع أخرى. وهذه جماعة تصمم المضخة وتقوم بتجميع أجزائها بعد وضع المواصفات لمن يصنع الأجزاء من شراكات أخرى وهكذا. هنا في هذا المثال، مقارنة بالمثال السابق (الكرسي)، نجد أن كل جماعة تنتج جزءاً واضحاً محدداً يساهم في إكمال المضخة الكهربائية. أي هكذا نجد أن المهارات المتشابهة أو المختلفة تلعب دوراً في دفع الشراكة تجاه الاتحاد أو التفتيت. أي أن عملية الإنتاج تخضع لجماعات كثيرة قد تعمل بشراكة كجماعة واحدة أو قد تستعين ببعضها البعض من خلال التبادلات التجارية كجماعات مختلفة. وكل شراكة تختلف في حجمها. فمنها ما مكون من اثنين، ومنها ما هو في الآلاف من الأفراد كشركات صناعة السيارات. فالمهارة إذا مبرر قوي أو دافع قوي نحو إيجاد الشراكات بأحجام مختلفة.
هو
لكن في الوقت ذاته هناك دوافع أخرى تدفع نحو اتجاه آخر لا تبرره المهارات. فقد لا يتفق منتج الأخشاب مع النجار لإيجاد شراكة لصناعة الكرسي، بل يظهر الكرسي من خلال التبادلات التجارية، فيشتري النجار الخشب الخام من منتج الخشب، وبهذا يظهر نوع من التدوين للسجلات لحفظ الحقوق بين الطرفين. بينما قد يتفق مصمم المضخة الكهربائية مع مسوقيها ومع جامعي قطعها ومع صانعي أجزائها لإيجاد الشراكة من خلال المحاصصة أو
١٢٨٦ 🗏
الأسهم
لأن الثقة
بينهم. بيع المنتج. فإن نظرنا لكل ما هو منتج من حولنا بهذا المنظور، سنرى صورة يستحيل علينا فهمها من التعقيدات التي تجمع وتفرق بين المنتجين لشتى المستهلكات والخدمات لشتى الأسباب. أي أن الشراكة إن طبقت الشريعة قد تظهر بين (۱) عدد كبير من الأفراد بمهارات مختلفة، (۲ أو بين عدد قليل بمهارات مختلفة، ٣) أو بين عدد كبير بمهارات متشابهة، ٤) أو بين عدد قليل بمهارات متشابهة. وبين هذه الأوضاع الأربعة هناك آلاف آلاف الاحتمالات بناء على حجم الشراكة وتكتلات الأفراد لكل مهارة والتي قد يجمعهم صناعي بحت في الغالب أو قد يفرقهم مزاجهم المعكر ليس إلا. فقد يتشارك خمسة من منتجي الخشب مع تسعة نجارين متحدين كشركاء، أو قد يتشارك فرد كمنتج خشب مع ستة نجارين، وهكذا يزداد الوضع تعقيداً إن نحن نظرنا للمضخة الكهربائية بهذا المنظار، ومن ثم يزداد تعقيداً أكثر وأكثر إن نحن أضفنا إليهما البرادة الكهربائية ومن ثم الطائرة والقاطرة والخبز والحليب
عالية فتنتفي الحاجة للبيروقراطيات لحساب نصيب كل فرد منهم. بل فقط تقاسم الربح بعد
سبب
والقميص والدواء وكل أنواع المقتنيات والمستهلكات والخدمات ( كخياطة الملابس) التي لا تعد ولا تحصى.
وبالطبع، فإن هذه التكتلات للأفراد العاملين في شراكات مختلفة الأحجام تؤثر في كل من الكفاءة والعدالة في التوزيع. لقد قام النظام الرأسمالي بترك تنظيم هذه الشراكات الجماعات من خلال آلية العرض والطلب في السوق والتي توجهها دراسات الجدوى الاقتصادية لتحصل على رأس المال من البنوك أو المستثمرين أنفسهم، بينما حاولت الاشتراكية تنظيم ذلك من خلال السيطرة عليها بتوجيه الدولة لها. ولاستحالة الوصول للمعادلة الأفضل بين الكفاءة والعدالة باستخدام العقل البشري، فقد تفوق النظام الرأسمالي على الاشتراكي كما هو معلوم من حيث الكفاءة، إلا أنه لم يستطع ذلك من حيث العدالة. فها هو ذا عدد الفقراء في ازدياد مع العولمة أي مع زيادة انتشار الرأسمالية. أما ما يدفع إليه الإسلام فيمكن تلخيصه لهذه المرحلة من الكتاب كالآتي (إذ سيأتي بيانها بتفصيل أكبر في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله):
كما
إن المسيرة الإنتاجية لأي مجتمع تكون أكثر إنتاجاً إن اتصفت: «بأقل قدر ممكن من الهدر مع وضع كل فرد في أفضل موقع لإتقان ما يفعله إما شريكاً أو منفرداً». وهذه العبارة أو هذه المعادلة تتحقق فقط «إن ملك كل فرد عمله إما منفرداً أو شريكاً». فقد يملك الرجل معملاً أو يتشارك مع آخرين. المهم هو أنه لا مالك خارجي هي حال شركات اليوم . وهذه الشراكات التي يملكها من يعملون بها تتحقق إن تكتل الناس في جماعات متشاركة، كل جماعة تعمل شراكة لأن الشركاء أكثر همة وحرصاً في العادة فيما يقومون به أو أن كل فرد يعمل لنفسه. ولنركز الآن على الشراكات لتلافي الهدر لابد لهذه الشراكات من العمل دون بيروقراطيات داخلية بين الأفراد المتشاركين وبأقصى تجانس وتناغم ممكن بينهم، وهذا يتحقق متى ما كانت كل شراكة بحجم يجعل أفراد الشركة في وضع يأتمن فيه بعضهم بعضاً، وفي وضع تأتمن كل شراكة الشراكات الأخرى التي تتبادل معها ما تحتاجه من أجزاء منتجة لتكمل ما تنتجه هي. وهذا لن يتحقق إلا إن تفتت العملية الإنتاجية لأي منتج أو لأي خدمة إلى «أكبر تجمع للأفراد كشركاء دون بيروقراطيات تذكر». وهذا هو الوضع الأمثل، وهذا ما تحاول الشريعة الدفع إليه.
كيف؟
لنبدأ أولاً بتوضيح المقصود من عبارة: «أكبر تجمع للأفراد كشركاء دون بيروقراطيات تذكر». ذكرت في المثالين السابقين (الكرسي والمضخة الكهربائية كيف أن الأفراد قد يتكتلون في أطياف تقع بين أربعة احتمالات
١١ الشركة
۱۲۸۷
من حيث المهارات. فكل جماعة من الأفراد تعمل شراكة بالإمكان تفتيتها الجماعات أصغر إن كان في التفتيت مزيداً من الإنتاجية للشركاء بهدر وبيروقراطية أقل. فمن يستخرجون المعادن مثلاً ويعالجونها شراكة بالاستطاعة تفتيت شركتهم لشراكات أصغر : شراكة تستخرج المعادن وشراكة أخرى تعالجه وكل شراكة أيضاً بالإمكان تفتيتها لجماعات أصغر. فالشراكة التي تستخرج المعادن بالإمكان تفتيت أعمالها لشراكة تحفر الأنفاق في المناجم كلما احتاج المنجم للمزيد من الحفر وشراكة ثانية تجمع المعادن وثالثة تنقلها لخارج المنجم، ورابعة توصلها للمستهلك الذي يعالجها، وهكذا. حتى أن كل شراكة من هذه الشركاات بالإمكان تفصيص أعمالها لشراكات أصغر تتطلب مهارات مختلفة: فالشراكة المتخصصة في نقل المعادن للمستهلك قد تتفتت لشراكات أصغر: إحداها لجمع ووضع المعادن في الناقلات، وأخرى لقيادة الناقلات وتسليم محتوياتها للمستهلك، وثالثة لصيانة الناقلات والمعدات التي ترفع المعادن من الموقع للناقلات، وهكذا لدرجة أن بعض الأعمال قد يقوم بها أشخاص منفردين
دون شراكات (إلا أنهم ليسوا موظفين لدى الآخرين بل أحرارا. أي إما شركاء أو يعملون مستقلين بأنفسهم). أي أن هناك مهام (مثل نقل (المعادن يجب أن تتم أو أعيان (مثل المسامير يجب أن تنتج. هذه المهام أو المنتجات إما أن تتفتت أو تضاف لها مهام أو منتجات أخرى يجب أن يقوم بها الشركاء. فما هو أعقد أو أكبر عين يجب أن تُنتج دون أدنى خلاف بين الشركاء بحيث أنهم متفقون ويتصرفون كفريق واحد؟ ومن يقرر ذلك؟ وما هي أعقد أو أكبر خدمة يجب أن تؤدى دون أدنى خلاف بين الشركاء بحيث أنهم متفقون ويتصرفون كفريق واحد؟ ومن يقرر ذلك؟ هذا هو «الشأن الأهم» لموضوعنا من حيث الكفاءة. للإجابة أقول: بالطبع كلما زاد التفتيت زادت الحاجة للتنظيم الخارجي بين الشراكات لتنسيق العمل لتقوم كل شراكة بواجبها ليظهر المنتج. وبالعكس كلما تجمعت المهارات لشراكات أكبر ظهرت الحاجة لبيروقراطيات داخلية لتنظيم سير العمل بين الشركاء. فشركة نفط معاصرة مثلاً لها علاقات محددة مع من هم خارج الشركة مثل الدولة والعملاء، إلا أن بيروقراطياتها الداخلية لتنظيم سير العمل بين الوظائف المهارات المختلفة لا حد لها من كثرتها. أما إن تفتت العملية الإنتاجية لشركات أصغر وأصغر ، فستضمحل بيروقراطياتها الداخلية لتحل محلها علاقات خارجية بين الشراكات الصغيرة.
وهذه هي النقطة المهمة التي توضح الإجابة للشأن الأهم ألا وهي أن هذه العلاقات بين الشراكات الصغيرة تختلف جذرياً عن تلك التي تنظم العمل في الشراكة إن كانت كبيرة، ذلك أن العلاقات بين الشراكات الصغيرة هي علاقات بين أطراف من مستوى ،واحد، أي أنها علاقات أفقية». فعلى من ينقل المعادن مثلاً من المناجم إلى المستهلكين التفاوض مع من يستخرجون المعادن لأن المستخرجين هم الملاك الذين حازوا المعادن إلا أنهم لا يملكون أدوات النقل أو لا وقت لهم للنقل. وعلى من ينقلون المعادن التفاوض مع من يصونون الناقلات إن أوكلت أعمال الصيانة لشركة أو لفرد غير الناقل. فالعلاقات بين الشراكات الصغيرة (والتي قد تصغر أحياناً لتكون فرداً واحداً) علاقات تفاوضية أو كما أسميها في هذا الكتاب علاقات أفقية)، وكل شركة بحاجة للشركة الأخرى، لهذا تظهر الحاجة بين الشراكات للتفاوض، ومتى ما تمت وتم بالتالي الوصول لاتفاق بين الشراكات فإن الاتفاق سيستمر دون بيروقراطيات لدرجة أنه سيصبح عرفاً إلى حين تغير الظروف. أي أن هناك استقراراً كبيراً سيؤدي لظهور الأعراف التي ستؤدي لسلاسة سير العمل. أما في الشركات الكبيرة، فإنه لا تفاوض، ولكن أوامر ممن
هي
۱۲۸۸ 🗏
يديرون الشركات. أي أن العلاقات بين مختلف قطاعات الإنتاج داخل الشركة الكبيرة هي «علاقات رأسية» تُفرض فيها الأنظمة والقوانين التي تدير عملية الإنتاج وبالطبع، ففي مثل هذه الظروف، تضمحل فرص الإبداع، وتضمحل فرص حصول العمال على حقوقهم كما يستحقون، وتزداد فرص تسلق المنافقين للارتقاء في السلم الوظيفي بعمل أقل، وما إلى ذلك من آفات معلومة ذكرت بعضها في فصل سابق.
ولكن في الوقت ذاته، فإن التفتيت لشراكات أصغر وأصغر لا يعني المزيد من الكفاءة، بل الكفاءة هي نتاج تجمع المهارات المختلفة لشراكات «أكبر ما تكون دون الحاجة لتنظيم داخلي»، بل فقط مجرد الأعراف بين الشركاء «تذللاً». أي أن الإشكالية هي في إيجاد تفتيت للعملية الإنتاجية لجماعات أصغر لضمان الحقوق والكفاءة في الحركة والإنتاج، ولكن في الوقت ذاته فإن هذه الجماعات الأصغر بعد تفتيتها هي شراكات كل منها أكبر ما يمكن لمنتج ما، دون بيروقراطيات داخلية، بل فقط علاقات تذللية تتصف بالأمانة. فأيهم أفضل مثلاً من حيث الكفاءة، تجمع من يصنع بطاريات السيارات كشراكة واحدة تقوم ببيع البطاريات لشراكة أخرى تجمع أجزاء السيارة المختلفة، أم جعل من يصنعون البطاريات كجزء من شراكة أكبر هي شراكة تصنيع السيارات؟ أم أن الأفضل هو تفتيت الشراكة الصانعة للبطاريات لشراكات أصغر ، كل شراكة تصنع جزءاً من البطارية، هذه تصنع الجرم الخارجي، وتلك تصنع السائل الداخلي، وثالثة تجمع الأجزاء وتُغلق الغطاء الخارجي وهكذا. إن الإجابة على هذا السؤال أمر مستحيل مهما أجريت الأبحاث إن أردنا أعلى كفاءة ممكنة. وما يزيد الوضع سوءاً هـو الوصول لأفضل توزيع عادل حتى لا يُظلم أي فرد عامل. فكيف يأتي الحل إذاً؟
استحالة
لقد رسمت لنا الشريعة الطريق بقص الحقوق لنصل إلى الحل. كيف؟ برغم أن موارد الكرة الأرضية محددة إلا أنها أكثر مما يكفي البشر كما مر بنا في الفصل السابق، ولأن الشريعة فتحت أبواب التمكين دون حكر على أحد، ولأن للفرد العمل دون أخذ الموافقات ولأن له الانتقال كابن سبيل، فإن الناتج هو فرد عزيز كريم رشيد له الحق في اختيار أي عمل يريده كما ذكرت مراراً. هذا هو الأصل فرد عزيز رغم الجميع، وربما يكون رشيداً أيضاً. فإن لم يكن رشيداً، فعلى الأقل يدرك مصلحة نفسه. وهذا الفرد يتحرك بين الأعمال ليختار منها ما يلائم مواهبه وميوله أو يقبل بما سيدفع له من المال كأجر لما يعتقد هو أنه مجز له. لذلك سيقع بإذن الله على ما يصبو إليه إما كفرد وحيد في عمله أو كشريك أو كأجير عزيز، وهذا هو المهم. ولأن الشريعة هيأت الظروف لظهور الشراكات دون فرضها على المجتمعات، فإن الشراكات ستظهر لإنتاج المنتجات لأن من مصلحة الناس التكتل والتكاتف للوصول لأعلى ربح بأقل عمل ممكن، فهذا من صميم مصلحتهم إن أتيحت لهم الفرصة، فهذه غريزة إنسانية. وبهذا فإن الشريعة تستغل مصالح الناس لدفعهم للمزيد من الإنتاج أي أن الشريعة هيأت الظروف للغرائز الإنسانية لتنمو في مسارات تؤدي للكفاءة والعدالة. لذلك سيتكتل الناس للعمل دون بيروقراطيات وبتعاون أخوي ودون رئيس ومرؤوس، بل علاقات تذللية. فهذا أمر طبعي، فمن هذا الأخرق الذي يرغب في العمل شريكاً تحت إمرة شريك آخر ؟ لهذا تجد الشركاء يتحركون لإيجاد منتج ما وإتقانه لبيعه للآخرين، فمنهم من يصنع منتجاً جاهزاً للاستهلاك مباشرة كالبنطال أو القميص، ومنهم من يرى أن الربح هو في إنتاج جزء من منتج لشراكات أخرى مثل صناعة المسامير، ومنهم من يريد العمل بمفرده بتأجير مهاراته لخدمة محددة مثل العمل كسباك. وهكذا يتجمع الأفراد في شراكات بأحجام مختلفة بطريقة يتلافون فيها البيروقراطيات لأن هذا التلافي
هو
١١ الشركة
۱۲۸۹
غريزة من صميم النفس البشرية العزيزة وعزتها تقدر بمقدار فتح أبواب التمكين لها في المجتمع. وكلما زادت عزة كلما ارتاحت للعمل دون بيروقراطيات تذكر ، بل أفراد متذللون لبعضهم البعض. هكذا يتحرك الناس بين الأعمال وبين الأفراد وبين المهارات لتظهر الشراكات ذات الأحجام المختلفة لتستقر كل شركة بحجم يلائم المنتج الصغير (قميص مثلاً) أو جزء من منتج صغير (خيط القميص (مثلاً) أو المنتج الذي يُكمل إنتاج الآخرين (مسمار مثلاً) أو خدمة لا تتسع إلا لفرد واحد في الغالب دون شراكة (سن السكاكين مثلاً) أو لإيجاد منتج معقد (طائرة مثلاً). هكذا تظهر الحضارات الأمثل لمجتمع راق.
كما أن غريزة تلافي هذه الأنفس العزيزة للبيروقراطيات الداخلية تظهر أيضاً في علاقاتها مع الجهات الأخرى المصنعة (أي علاقاتها الخارجية إن كان منتجها يُكمل منتجات الآخرين. فمن الطبعي أن يتجه صانعوا المسامير مثلاً لصناعة مسامير بأحجام مختلفة لخدمة أكبر عدد ممكن من الشراكات. فبدل صناعة مسمار ليوضع داخل آلة حلاقة مثلاً، فسيحاولون صناعة عشرات أو حتى مئات الأنواع من المسامير بمقاسات مختلفة إن تمكنوا من ذلك لأنهم لا يريدون التقيد لخدمة صانع واحد، بل أكثر من صانع لأن في هذا المزيد من التحرر وبالتالي العزة بالنسبة لهم، أو حتى إيجاد عدد محدد من المسامير ليخدم كل مسمار العديد من الأجهزة (وبهذا تظهر المعايير المؤدية للتصنيع كما سيأتي في فصل «المعرفة» بإذن الله). وبمثل هذا التفكير، تنتهي العلاقة بين صانعي المسامير وصانعي آلة الحلاقة إلى نوع من التبادل التجاري الواضح الملامح المبني على البيع والشراء فقط، ، فتنتفي الحاجة للأنظمة أو القوانين أو البيروقراطيات المقيدة مع الشراكات الأخرى، بل فقط بيع وشراء امتثالاً لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِل إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وكأن الآية تقول لنا أن أي تعامل بين الأفراد أو الشراكات المختلفة إن لم يكن بالبيع والشراء فقط فهو باطل إن لم يكن بالتراضي وسيأتي تأويل هذه الآية في الفصل القادم بإذن الله).
وهنا تذكير: فعندما أقول أحياناً: «أكبر منتج»، لا أقصد الحجم، بل أقصد الحاجة لعدد أكبر من الشركاء، فصناعة برميل الماء الكبير أقل حاجة للمهارات المختلفة من صناعة صنبور الماء. تذكير آخر: عندما أقول أكبر عدد من الشركاء دون بيروقراطيات داخلية بينهم، أو بعلاقات أفقية، فإن هذا لا يعني عدم اتفاق الشركاء على تعيين أحدهم تراضياً . منهم ليتولى إدارة شؤونهم الداخلية فيطيعونه طواعية منهم . أي أن المهم هو التكاتف برضى الشركاء تذللاً وليس التكامل بالقهر كما هي حال معظم عمال الشركات المعاصرة. نعود للموضوع: أي أن الشأن الأهم هو في وصول المجتمع إلى وضع تكون فيه الشراكات بأكبر عدد ممكن من الأفراد الأعزاء بأقل بيروقراطيات ممكنة بينهم، وهذا يؤدي في الغالب لإنتاج أعقد أو أكبر منتج ليس بالضرورة حجما). ففي صناعة الأواني مثلاً، قد يكون صانعي المسامير جزء من شراكة صانعي الأواني، بينما في صناعة الساعات، فإن صانعي المسامير قد يستقلون بشركة لهم. وقد تتطلب الظروف العكس تماماً. فكيف إذا نحدد كمجتمع هذه الأحجام الأمثل؟ والإجابة هي: لا أحد يستطيع تقرير ذلك. بل الحجم الأمثل للشراكة أو المنتج لكل شراكة سيظهر من خلال الحرية المطلقة للأفراد للانتقال من شراكة لأخرى إن كانوا أعزاء». والعزة هنا شرط مهم، لأن العزيز يأنف الأوامر، فيتلافى العمل مرؤوساً، وتكون علاقته مع زميله علاقة أفقية لا رأسية في الغالب، وهذه العلاقات الأفقية عادة ما تشوبها المودة والألفة، وعندها لن تظهر البيروقراطيات، بل فقط الاتفاقات والتي ستصبح رويداً رويداً أعرافاً. وهذا ما يبحث
۱۲۹۰ 🗏
أعلى
عنه الأعزاء حتى يقعوا عليه لينضموا إليه كشركاء أو يشكلونه كبذرة شراكة. وكما أحاول أن أثبت، فإنه لا مجال لانغراس العزة في نفوس جميع أفراد الأمة إلا بتطبيق مقصوصة الحقوق. وفي النقيض فإن الأنظمة أو العلاقات الرأسية داخل الشركة، ولأنها بين رئيس ومرؤوس، فهي في تغير دائم لأن الأهواء، أو بالأصح مصلحة من هو أو المالك، هي التي تبلور الأنظمة في الغالب وليست المصلحة المشتركة للعاملين. كما أن الشركاء إن لم يكونوا أعزاء فهم ليسوا بأحرار، وبهذا قد يُدفعون لمهنة دون أخرى كما في النظم الرأسمالية فيضمحل حماسهم وإبداعهم
وأداؤهم. ولكن كيف تتحقق الحرية المطلقة للأفراد في التحرك والاختيار من بين المهن وكيف تأتي لهم العزة؟
تأتي الإجابة من الشريعة فبالإضافة لما ذكرته من مفاتيح التمكين الموارد والموافقات والمعرفة) وهي الأهم، فإن الشريعة وضعت عدة حركيات في الشراكة لتحقيق ذلك منها (۱) الأمانة، أي اضطرار الشركاء على ائتمان بعضهم البعض إذ أنها من أسس جواز الشراكة ومنها (۲) إصرار الشريعة على إطلاق أيدي الشركاء فرادى وكأن تصرف كل فرد منبثق عن الجماعة لتخفيف البيروقراطيات حتى تنعدم وذلك بوضع حقوق بينة للتصرف لدرجة أنها أعراف يدركها الجميع ودون قوانين؛ ومنها (۳) العدالة في الربح ؛ ومنها (٤) أنها تكفل للفرد حرية الفسخ للشراكة متى أراد، وتسهل له إمكانية استحداث الشراكة ببساطة مطلقة بمجرد الاتفاق مع الآخرين. وهذه النقاط الأربع هي ما سأوضحها في باقي هذا الفصل بإذن الله وبالذات من خلال الأمثلة، بالإضافة للسابق، فهناك حركيات أخرى تزيد الفرد حرية وعزة وسنأتي عليها في الفصل القادم بإذن الله. وسنبدأ بالأمانة.
الأمانة
كما مر بنا في عدة اقتباسات سابقة، فإن من الملاحظ على الشراكة أن العلاقة بين الشركاء مبنية على الأمانة. فلا تصح الشراكة (كما يستنتج المطيعي من أقوال الفقهاء مثلاً) إلا إن كانت «يد كل شريك في كل ما يختص بأعمال الشركة وأموالها يد ،أمانة، فلا يضمن ما أتلف إلا حيث قصر أو تجاوز حدود الأمانة، وإن لم يكن ثمة تقصير أو تجاوز، فما يقع على أحدهم من ضمان في أثناء أداء عمل الشركة يلزم به كل الشركاء».١١٠ وكما مر بنا في فصل «الأموال» من تكريم المجتمع للأفراد بالأخذ بقول المزكي في حال الخلاف، فكذلك هنا نجد أن الشريك العامل له الكلمة المسموعة إن لم توجد بينة. فلاحظ ما لخصه الشيرازي من العلاقة بين الشريكين بأنها مبنية على مصداقية عالية قائلاً:
والشريك أمين فيما في يده من مال شريكه، فإن هلك المال في يده من غير تفريط لم يضمن، لأنه نائب عنه في الحفظ والتصرف فكان الهالك في يده كالهالك في يده، فإن ادعى الهلاك، فإن كان بسبب ظاهر ، لم يقبل حتى يقيم البينة عليه، فإذا أقام البينة على السبب فالقول قوله في الهلاك مع يمينه، وإن كان بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه من غير بينة، لأنه يتعذر إقامة البنية على الهلاك، فكان القول قوله مع يمينه . وإن ادعى عليه الشريك خيانة وأنكر، فالقول قوله لأن الأصل عدم الخيانة. وإن كان في يده عين وادعى شريكه أن ذلك من مال الشركة، وادعى هو أنه له، فالقول قوله مع يمينه، لأن الظاهر مما في يده أنه ملكه، فإن اشترى شيئاً فيه ربح فادعى الشريك أنه اشتراه للشركة، وادعى هو أنه اشتراه لنفسه، أو اشترى شيئاً فيه خسارة، وادعى الشريك أنه اشتراه لنفسه،
١١ الشركة
۱۲۹۱
وادعى هو أنه اشتراه للشركة ، فالقول قوله، لأنه أعرف بعقده ونيته».
ويوضح المطيعي بأن للأمانة دعامتين هما الصدق والثقة، لذلك إن «ادعى [الشريك] الهلاك بسبب ظاهر
۱۱۱
لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على السبب الظاهر لأنه يمكنه إقامة البنية عليه. وفي نفس الإطار جاء في المجموع قول المزني:
«وأيهما ادعى في يد صاحبه من شركتهما شيئاً فهو مدع، وعليه البينة، وعلى صاحبه اليمين، وهذا صحيح، إذا كان في يد أحد الشريكين مال وادعى صاحبه أن ما في يده من هذا المال هو من الشركة، وادعى صاحب اليد ملكه لنفسه، فالقول فيه قول صاحب اليد مع يمينه، إلا أن يقيم المدعي بينة، لأن الشركة لا ترفع حكم اليد في ثبوت الملك بها. قال المزني: وأيهما ادعى خيانة صاحبه فعليه البينة. أما دعواه الخيانة فغير مقنعة حتى يصفها بما يصير خائناً بها ثم يذكر قدرها، ففيم دعواها، فإذا فعل ذلك وأنكر المدعي عليه فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يقيم مدعي الخيانة بينة بما يدعيه، لأنه أمين، ولأنه بريء الذمة».
...
وهناك تفاصيل أخرى تؤيد هذه المسائل في جميع المذاهب لدرجة أنه يمكن القول أن الشراكة ما هي إلا ائتمان كل شريك لشريكه الآخر. فقط تدبر قول الشيرازي في الاقتباس قبل السابق فالقول قوله، لأنه أعرف بعقد نيته». فلا شراكة إذاً دون ائتمان الشريك. ولضرب مثال واحد، فقد استنتج الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة» الآتي:
«مبحث: إذا ادعى أحد الشركاء تلف المال ونحو ذلك : الأصل أن الشريك أمين في المال، والأمين ينبغي أن يصدق فيما يدعيه، وذلك هو الأساس الأول الذي تحت شريعتنا المطهرة على اعتباره في عقد الشركة، فمتى اختل ذلك الأساس فقد انهارت الشركة وفشل الشركاء في كل مايقولون به من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً».١١٢
ولأن الشراكة هي طريق أكيد سيطرقه الناس أو سينقادون إليه في ظل الظروف التي صاغتها حركيات الشريعة (الموارد والموافقات والمعرفة وذلك استجابة لغرائزهم الإنسانية التي تدفعهم لترك من لا يتفقون معهم من الناس، فإن الأمانة بالتأكيد ستكون هي السمة المسيطرة على العلاقات بين معظم أفراد المجتمع فتضمحل
البيروقراطيات لترتفع الكفاءة.
حدود التصرف
ومن شروط صحة الشراكة عموماً في جميع المذاهب كما جاء في المجموع:
أن يكون كل شريك أهلاً للتوكيل والتوكل، وذلك يعني أن يكون متمتعاً بالأهلية التي تمكنه من أن يكون أصيلاً في عمله للشركة ووكيلاً في آن واحد، فهو أصيل باعتبار أنه يعمل في مال نفسه، ووكيل باعتبار أنه لا يعمل في مال نفسه فحسب، بل فيه مخلوطاً بمال غيره، فهو لذلك وكيلهم، وعدا حالات مستثناة، فهذا الشرط يقتضي أن يكون الشريك أو من يمثله بالغاً عاقلاً رشيداً، وبذلك يكون قادراً على أن يزن مصلحته ويحمي نفسه، ويرعى مصالح الآخرين».
۱۱۳
۱۲۹۲ 🗏
لعل الملاحظة الأولى في الاقتباس السابق من المجموع هي عبارة: «أهلاً للتوكيل والتوكل»، والذي تدور حوله جميع المذاهب بطريقة أو بأخرى. وهذه المسألة ستؤدي للتقسيم لشراكات أصغر وأصغر لأنه منطقياً من لا يثق بالآخر لن يشاركه ولكنه قد يستأجره لأن الشريعة تصر على أن الشراكة مبنية على الثقة. ففي حال حدوث اختلاف كما مر بنا فإن المرجع هو الأخذ بقول الشريك العامل أو المتصرف. وبهذا منطقياً ستتفتت الشراكات لأصغر وأصغر حتى تصل للحجم الأكبر الذي يعكس عدداً من الأفراد تجمعهم الثقة الكبيرة المتبادلة فيما بينهم دون بيروقراطيات. لأنه إن لم توجد الثقة فلن توجد الشراكة. وهذه الحركية تدفع الأفراد (انجذاباً لغرائزهم)، للتكتل في جماعات من الشركاء «قد تكون» أكبر ما تكون في العدد ودون بيروقراطيات بينهم. وإن لم تكن أكبر ما تكون فستكون بحجم لا تتخلله المشاحات والخلافات المؤدية للبيروقراطيات. حتى أنها قد تقل لفرد واحد يملك ما يعمل فيه دون شراكة. فتأمل هذه الحركية التي كأنها السهل الممتنع » . ولكن متى ما استقر الشركاء على عدد معين، فما هي صلاحيات الفرد منهم؟ أي ما هي حدود تصرف الشريك؟ مرة أخرى اختلفت الأقوال. وسبب الاختلاف كالسابق هو قلق الفقهاء على الشركاء من الجهالة والغرر . فأطلق كل مجتهد فكره في إيجاد حدود التصرف. فبالنسبة للشافعية فقد قيدوا التصرف بين الشركاء أكثر من غيرهم وربطوه بإذن الشريك وبغض النظر عن نوعية فعله (إلى حد ما، لكن لاحظ (وهذا هو المهم) أن الإذن هو شرط للشراكة، إذ أنه لا شراكة من غير إذن، فمتى ما وقع الإذن أطلقت يد المأذون له. ففي المجموع:
«ولا يجوز لأحد الشريكين أن يتصرف في نصيب شريكه إلا بإذنه، فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف تصرفا، وإن أذن أحدهما ولم يأذن الآخر تصرف المأذون في الجميع، ولا يتصرف الآخر إلا في نصيبه، ولا يجوز لأحدهما أن يتجر في نصيب شريكه إلا في الصنف الذي يأذن فيه الشريك،
ولا أن يبيع بدون ثمن المثل ولا بثمن مؤجل ولا بغير نقد البلد إلا أن يأذن له شريكه، لأن كل واحد منهما وكيل للآخر في نصفه، فلا يملك إلا ما يملك كالوكيل .
١١٤
ولعلك هنا تسأل: ولكن ما الفرق بين إذن الشريك وبين الصلاحيات التي عادة ما تعطى للمسؤولين في الشركات المعاصرة؟ فأجيب: الصلاحيات ترسم حدود التصرف، حتى وإن كان المتصرف رئيساً تنفيذياً للشركة، فله حدود مرسومة لأنه محاسب على تصرفاته. بينما الإذن يعني إطلاق الفرد في التصرف فيما أذن له فيه. فكما مر بنا، فإن من أسس الشراكة ائتمان الشريك فهذا هو الأصل، فإن أُذن لهذا الشريك التصرف فكأنه لا حدود له في التصرف لأنه وكأنه مالك، لذلك فالقول قوله إن أساء التصرف لأن الأصل هو أنه مؤتمن وكأنه مالك لجميع عروض الشركة وليس فقط لسهمه منها. وكما ذكرت، ولأن العلاقة في التعامل أفقية، ولأن الشركاء وكأنهم في مستوى واحد إذا لا رئيس ولا مرؤوس بينهم، فإن الصفة الغالبة في التعاملات هي الاحترام والتقدير بينهم، وفي مثل هذه الأجواء يصعب على أحد الشركاء أن يضع شروطاً على شريكه في التصرف خوفاً من جرح مشاعره لأن الشروط قد تدفع الشريك لترك الشراكة في أي لحظة بل سيحافظ الشريك على شريكه قدر المستطاع، فلا يخونه بوضع الحدود له، لأن الحدود أو الشروط وكأنها تخوين فلا حاجة للتخوين بل ترك الشريك لشريك آخر إن لزم الأمر. فالتخوين عكس الثقة، فهل رأيت شرطاً يوضع على من هو أهل للثقة، إلا إن كانت الثقة مخدوشة. فكثيرون هم من يدعون أنهم يضعون الشروط من باب الاطمئنان، إلا أن الحق هو أنها وضعت لأن الثقة مخرومة، وهذه قد تحدث بين الشركاء، إلا أنها نادرة مقارنة بأنظمة الشركات المعاصرة لأنه منطقياً لا حاجة لها لأن للشريك ترك الشراكة متى
١١ الشركة
۱۲۹۳
شاء، فلا حاجة لقيود تقيده في الشراكة. بينما موظف الشركة مرغم في الغالب على العمل وتحت الشروط الموضوعة التي وكأنها تقول له: أنت غير مؤتمن. فشتان بين الحالين.
أما الحنابلة فبرغم أنهم يشترطون إذن الشريك، إلا أنهم وضعوا مجموعة من الضوابط أو المبادئ التي تطلق يد الشريك في التصرف والتي إن تدبرها الفرد وجد أنها تصب في مصلحة الشراكة، وأي فعل غير ذلك فهو بحاجة لإذن الشريك والذي من دونه لن تصح الشراكة. فالإذن شرط في الشراكة كما قلنا. لننظر في الصلاحيات بين
الشركاء كما جاء في المغني:
وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة، لأن كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمنه، وبإذنه في
في
التصرف وكله. ومن شرط صحتها أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، فإن أذن له مطلقاً جميع التجارات تصرف فيها، وإن عين له جنساً أو نوعاً أو بلداً تصرف فيه دون غيره، لأنه متصرف بالإذن، فوقف عليه كالوكيل، ويجوز لكل واحد مهما أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة، وكيف رأى المصلحة، لأن هذا عادة التجار. وله أن يقبض المبيع والثمن، ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه هو، وفيما ولي صاحبه. وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر، لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان فصار كالشراء والبيع، والمطالبة بالأجر لهما وعليهما، لأن حقوق العقد لا تختص العاقد».
115
إن تأملت الاقتباس السابق ستلحظ أخي القارئ مدى سعة سيطرة الشريك، أو مدى عظم الصلاحيات المعطاة للشريك، فقط لأنه شريك أمنه ووكله شريكه فلا تصح الشراكة إلا بالإذن في التصرف. ولكن في الوقت ذاته، فإن الحنابلة وضعوا ضوابط منطقية لابد منها حفاظاً على الشراكة حتى لا تفرط. لاحظ الآتي مما جاء في
المغني:
سفتجة
١١٦٠
«وليس له أن يكاتب الرقيق ولا يعتق على مال ولا غيره، ولا يزوج الرقيق، لأن الشركة تنعقد على التجارة، وليست هذه الأنواع تجارة، سيما تزويح العبد، فإنه محض ضرر. وليس له أن يقرض ولا يحابي لأنه تبرع وليس له التبرع وليس له أن يشارك بمال الشركة، ولا يدفعه مضاربة لأن ذلك يثبت في المال حقوقاً، ويستحق ربحه لغيره، وليس ذلك له. وليس له أن يخلط مال الشركة بماله، ولا مال غيره، لأنه يتضمن إيجاب حقوق في المال. وليس هو من التجارة المأذون فيها. ولا يأخذ بالمال ولا يعطي به سفتجة لأن في ذلك خطراً لم يؤذن فيه وليس له أن يستدين على مال الشركة، فإن فعل فذلك له، وله ربحه وعليه وضيعته. قال أحمد، في رواية صالح، في من استدان في المال بوجهه ألفاً: فهو له، وربحه له والوضيعة عليه. وقال القاضي : إذا استقرض شيئاً لزمهما، وربحه لهما، لأنه تمليك مال بمال، فهو كالصرف. ونص أحمد يخالف هذا. ولأنه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، فلم يجز كما لو ضم إليها ألفاً من ماله. ويفارق الصرف، لأنه بيع وإبدال عين بعين، فهو كبيع الثياب بالدراهم. وليس له أن يقر على مال الشركة، فإن فعل لزم في حقه دون صاحبه، سواء أقر بعين أو دين، لأن شريكه إنما أذن له في التجارة، وليس الإقرار داخلاً فيها. وإن أقر بعيب في عين ،باعها قبل إقراره، وكذلك يقبل إقرار الوكيل على موكله بالعيب. نص عليه أحمد. وكذلك إن أقر ببقية ثمن المبيع، أو بجميعه أو بأجر المنادي أو الحمال، وأشباه هذا ينبغي أن يقبل لأن هذا من توابع التجارة، فكان له ذلك، كتسليم المبيع وأداء ثمنه. وإن ردت السلعة عليه فله أن يقبلها. وله أن يعطي أرش العيب ......
بعیب
۱۱۷
١٢٩٤ 🗏
.
وإن قرأت ما ذهب إليه المذهب الحنبلي من حدود التصرف ستلحظ مباشرة أنها عامة وكأنها إطار يحدد للشريك ما يمكن له فعله وما لا يمكن له فعله وكأنها حدود مكتوبة لمصلحة الشركاء فقط» وليس لمصلحة جهة خارجية كما هي حال الأنظمة الوضعية والتي تستشف منها مباشرة أن حدود التصرف موضوعة باعتبار حقوق من هم خارج الشركة أيضاً (مثل حق الدولة في التدخل في التسلط على الملفات التي بها النفقات للحصول على الضرائب). ثم إن قارنت المذهب الحنبلي بالشافعي وبما ذكرته سابقاً من الشروط للمذاهب الأربعة، ستلحظ أن الاجتهادات المختلفة، ولأنها قلقة على مصير الشركاء حتى لا تقع الجهالة والغرر بينهم، أدت لوضع يحتم على الشركاء التصرف كجماعة واحدة وباتفاق، أي أن تصرف أحدهم (دون اعتراض الآخرين على تصرفه إن لم يكن عدواناً) تصرفاً من صميم . عمل الشركاء. كيف؟ قبل التوضيح أود فقط أخي القارئ أن أورد هنا ما ذهب إليه المذهبان المالكي والحنفي من اجتهادات حتى تكتمل لك الصورة لكل المذاهب والتي ركزت في الغالب على الشراكة في التجارة أكثر من الإنتاج الصناعي. فبإمكانك القفز للعنوان الآتي، أي إلى: المبادئ المهمة» إذ أن الآتي قد يكون مملاً لك بسبب تفاصيله إن لم تكن من علماء أو طلاب علم الشريعة جاء في المدونة من المذهب المالكي:
يعد
«أحد المتفاوضين ابتاع العبد فوجد به عيباً فقبله وأبى ذلك شريكه، قلت: أرأيت إن اشترى أحد الشريكين عبدًا من تجارتهما، فأصاب به عيبا فقبله بعد ما اشتراه المشتري بعيبه، أيجوز ذلك على الشريك أم لا؟ قال: ذلك جائز. قلت: فإن أصاب المشتري به عيبا فقبله الشريك الذي لم يشتره؟ قال: ذلك جائز. قلت: فإن قال المشتري أنا أرده أو قد رددته بعيبه وقال صاحبه قد قبلته؟ قال: ذلك جائز لأن المشتري لو رده بعيبه ثم اشتراه شريكه الآخر وقد علم بالعيب وبالرد لزم ذلك شريكه، فكذلك مسألتك. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: لا أقوم على حفظ قول مالك في هذه الساعة».
۱۱۸
وبالنسبة لشركة المفاوضة فإن لأحد الشريكين أن يتصرف في الآتي: «له أن يتبرع بشيء من مال الشركة ليؤلف به قلوب الذين يروجون تجارته، وله فعل الأشياء اليسيرة المعتادة بين الناس كإعارة آلة ونحو ذلك». «وله أن يعطي شخصاً مالاً من الشركة ليشتري له به بضاعة من بلد كذا وذلك يسمى «إبضاعاً»، وهذا من حقوق الشريكين شركة عنان أيضاً، على أن الإبضاع لا يصح إلا إذا كان مال الشركة واسعاً، إلا فلا يصح الإبضاع بدون إذن شريكه». ولأحد «المتفاوضين أن يودع مال الشركة عند من يراه أميناً لعذر يقتضي الإيداع، فإن أودع لغير عذر ضمن». وله أن يشارك في جزء معين من المال شركة مفاوضة أو شركة عنان بحيث لا يكون للشريك الجديد إلا العمل في الجزء الذي عينه، فلو عمل في كل مال الشركة بدون إذن الشريك الأول فإنه لا يصح». وله «أن يعطي بعض المال لشخص مضاربة إذا كان المال متسعاً يحتمل ذلك، وإلا فلا. يصح بدون إذن شريكه أيضاً». وله «أن يقبل من سلعة باعها هو أو شريكه إن كان في ذلك فائدة للتجارة وإلا لزمه للشريك قدر حصته». وله «أن يقبل السلعة التي بها عيب سواء اشتراها هو أو شريكه بغير إذن شريكه». ولأحد الشريكين أن يفعل كل ما سبق و إن نهى شريكه عنها وامتنع عن قبولها». وله أن يبيع بالدين بغير إذن شريكه، وليس له أن يشتري بالدين بغير إذنه، فإن فعل خُير شريكه بين القبول والرد، وفي حالة الرد يكون الثمن على المشتري خاصة، ولا فرق في ذلك بين أن تكون السلعة التي اشتراها بالدين معينة بينهما بأن قالوا له: اشتر السلعة الفلانية أو لم تكن معينة كأن قال له: كل سلعة أعجبتك فاشترها، فإذا آذنه شريكه في شراء سلعة معينة بالدين فإنه يصح، أما إذا آذنه في شراء أي سلعة بالدين فإنه لا يصح لأنها تكون من باب شركة الذمم ووهي ممنوعة عندهم». لأحد المتفاوضين أن يأخذ مالاً من
١١ الشركة
۱۲۹۵
شخص آخر غير شريكه ليتجر له فيه مضاربة، ويكون ربحه خاصاً به لا شيء منه لشريكه، بشرط أن لا يشغله العمل فيه عن العمل للشركة الأولى، أو أن يأذن له شريكه إذا كان يشغله، ومثل ذلك ما إذا أتجر أحدهما في وديعة عنده فإنه يكون له ربحها وعليه خسارتها بلا دخل لشريكه إلا إذا علم شريكه بذلك، ولم يمنعه فإنه يكون متضامناً . معه في ربحها وخسارتها»."
۱۱۹
وبالنسبة للحنفية فإن حكم تصرف الشركاء يختلف باختلاف أنماط الشركة، فتصرفهم في شركة المفاوضة على قسمين: الأول أن يتصرف كل منهم في مال الشركة بتصرفات منها أن يبيع ويشتري كل منهم «بثمن مقبوض ومؤجل، ولكل منهم أن يتعاقد عقد سلم بأن يشتري سلعة بثمن حال على أن يقبضها بعد مدة معينة». ومنها «أن لكل منهم أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها بثمن أقل حالاً لينتفع بالمال الذي يقبضه»، ومنها «أن لكل منهم أن يرهن مال الشركة مقابل دين على الشركة ...». ومنها «أن لكل واحد منهم أي يهدي بالمأكول كاللحم والخبز والفاكهة وله أن يولم بشرط أن لا يخرج عن العرف في ذلك، ...». ومنها «أن لكل منهم أن يسافر بالمال دون إذن شريكه على الصحيح، ثم إن كان السفر بإذن شريكه كان له الحق في الإنفاق على نفسه في طعامه وإدامه وكرائه من رأس المال إن لم يربح، فإن ربح حسبت النفقة من الربح». ومنها أن لكل منهم أن يدفع المال مضاربة كأن يعطي شخصاً مائة ليعمل فيها بجزء الربح، وما بقي من الربح يكون بين الشركاء، وله أن يأخذ مالاً مضاربة ليعمل فيه ولكن ربحه يكون خاصاً به». ومنها «أن لكل منهم أن يشارك الغير شركة عنان ببعض مال الشركة ويجوز عليه وعلى شركائه سواء كان ذلك إذن شريكه أم لا. وليس له أن يشارك الغير شركة مفاوضة إلا بإذن شريكه، ولا فرق في ذلك بين أن يشارك قريباً كأبيه وابنه أو بعيداً». ومنها أن لكل منهم أن يعير من مال الشركة، ولكل واحد من الشركاء أن يمنع صاحبه من عمل شيء من الأوجه التي تقدمت كلها، فإذا نهاه عن فعل واحد منها في نصيبه وخالفه كان عليه الضمان، فإذا قال له لا تسافر بمالي، فسافر وهلك المال كان عليه دفع نصيب شريكه الذي نهاه عن السفر. وليس لواحد من الشركاء أن يقرض من مال الشركة بدون إذن صاحبه، فإذا فعل ضمن نصیب شریکه، ولا
تفسد الشركة». والقسم الثاني هو تصرف أحد الشركاء فيما يقع منهم من التعاقد مع الغير وهو على وجوه أيضاً. منها «أنه إذا أقال أحدهما في بيع باعه الآخر نفذت إقالته على الشركاء. مثلاً إذا باع أحدهم سلعة بمائة فطلب المشتري إقالته منها فأقاله الشريك الذي لم يباشر بيعها نفذت إقالته، ومثل البيع السلم». ومنها «إذا باع أحد الشركاء سلعة بثمن مؤجل ثم مات فليس للشريك أن يطالب بغير ما يخصه، فإذا كان له النصف ودفعه المدين برئت ذمته، والورثة هم الذين يطالبون بنصيب الميت». ومنها «أنه يجوز لأحد الشركاء أن يؤخر ديناً لهم عند الغير حل موعده وينفذ تأخيره على الجميع سواء كان المباشر لعقد الدين أحدهم أو جميعهم». ومنها «أنه إذا اشترى أحدهم شيئاً كان شركاؤه متضامنين معه في الثمن فيؤاخذون كما يؤاخذ الذي باشر الشراء، ولكل منهم أن يقبض السلعة التي اشتراها أحدهم . وإذا وجد أحدهم عيباً في سلعة اشتراها صاحبه فله أن يردها كما لصاحبه ذلك، ......
۱۲۰
بالإضافة للسابق، فإن الحنفية يرون أن لكل واحد من الشريكين أن يوكل بالبيع والشراء والاستئجار، وللآخر أن يعزل ذلك الوكيل من ذلك. أما إذا وكله بتقاضي دين فليس للآخر إخراجه. وما عدا ذلك فإن كل التصرفات الثابتة لشريك المفاوضة تثبت لشريك العنان وكل ما يمنع منه شريك المفاوضة يمنع منه شريك العنان
١٢٩٦ 🗏
إلا الآتي: «أن شريك العنان لا يملك أن يشارك الغير بدون إذن شريكه، فإذا اشترك اثنان في شركة عنان واشترك أحدهما مع ثالث بدون إذن شريكه كان الربح بينهم جميعاً على أن يأخذ الثالث نصفه، ويقسم النصف بين الشريكين. وإذا اشترى الذي لم يشارك كان ربحه خاصاً به». ومنها «أن ليس لشريك العنان الذي لم يباشر البيع أن يرهن عيناً من مال الشركة، فإذا رهن بدين على الشركة لم يجز وضمن العين المرهونة».
۱۲۱
لاحظ في السابق أن الشريكين في تصرفهما واحد من قوله: «لكل واحد من الشريكين أن يوكل بالبيع والشراء والاستئجار، وللآخر أن يعزل ذلك الوكيل من ذلك»، فقد يوكل أحد الشريكين زيداً من الناس فيأتي الشريك الآخر ليعزله ثم يعود الأول ليوكله مرة أخرى. وكأنهما واحد ولكن بتصرفات أكثر. وبغض النظر عن جميع الآراء المختلفة فإن المهم في الشراكة هو الآتي:
المبادئ المهمة
إن ما أريد فعله الآن هو إثارة عدة قضايا تؤثر في الكفاءة والعدالة من خلال مراجعة بعض النصوص الفقهية. ولأن هذه النصوص متداخلة لأنها تعالج قضايا متشابهة، فإن التكرار بينها أمر لا مفر منه، وكذلك تكرار مناقشتي لها أمر لا مفر منه حتى تتضح لنا الصورة عن بعض المبادئ التي سار عليها الفقهاء للوصول إلى أقوالهم. ولكن قبل ذلك لابد من توضيح فكرة أن أي منتج هو مستودع لتراكم أعمال سابقة.
كما هو معلوم، فإن أي أداة أو آلة أو جهاز هو في الواقع وكأنه مستودع لمجهودات أفراد سابقين. فالحاسب الآلي مثلاً مستودع مجسد لأعمال كثيرة تظهر في جهاز واحد. فهناك من عمل ليصنع الشريحة، وهناك من عمل ليصنع الشاشة، ناهيك عن المجهود الذي بذل في ابتكار أجزائها الدقيقة وهكذا. أي أن هناك كمية من الأعمال المختزنة في هذا الجهاز أي وكأن الأعمال نوعان: عمل مباشر : وهو ما نراه حادث أمامنا مثل المزارع الذي يزرع والخياط الذي يخيط ؛ والذي يتحول بعد الانتهاء إلى عمل مودع بعد ظهور الثوب مثلاً. وعمل مودع: وهو الذي نری آثاره مثل حديقة منسقة أو مبنى قائم، أو ثوب أنيق، فلابد من عمل شاق وطويل لتنسيق الحديقة، وكذلك الثوب. وقس على ذلك كل شيء. لذلك أتت الشريعة في أحكامها بالنظر في هذين المصدرين كأساس للكسب. فمن يعمل بيده لتقديم خدمة فهو يعمل للكسب، ومن يبيع أداة فهو إنما يبيع تراكم أعمال من سبق من صناع الأداة، وليس الأداة لأن الأداة ما هي في الواقع إلا تجميع الخيرات وضعها الله سبحانه وتعالى في أرضه، فهي حيزت من الأرض مجاناً، فقام أحد أبناء بني آدم واستخرجها، وقام آخر وصقلها، وقام ثالث وصنعها، وقام رابع ونقلها وهذا الخامس يبيعها، وهكذا. أي إن قام فرد ما بشراء منتج ما فهو إنما يشترى العمل المودع فيها وليس المواد (إن طبقت الشريعة)، وإن استأجر أداة فهو إنما يستأجر العمل المودع فيها. وبهذا فإن الاستئجار نوعان: إما استئجار لعمل فرد أو عدة أفراد حالاً ( كدفع قماش للخياط لخياطته) أو استئجار لأعمال مودعة مسبقاً (كاستئجار مبنى أو شبكة صيد مثلاً). فما أهمية هذه المسألة للشراكة عموماً وشراكة الاغتنام خصوصاً؟
للتوضيح
لنأخذ الشراكة بين شخصين لصيد السمك كمثل : إن كانت هناك شراكة بين اثنين، من أحدهما العمل ومن الآخر الشبكة، فلمن يكون الصيد السمك)؟ إن نظرنا لأقوال الفقهاء نجد أنها في الغالب تقضي بأن
١١ الشركة
۱۲۹۷
الصيد للصياد وعليه دفع مثل أجر الشبكة لصاحب الشبكة. إلا أن من الفقهاء من يقول بأنها لصاحب الشبكة وعليه دفع أجر العمل للصياد. ومنهم من يقول بأن الصيد بينهما نصفين أو كما اتفقا لنضرب بعض الأمثلة: لكن لاحظ أن القول الذي يقضي بالصيد للصياد إنما هو في الواقع قول يقدم العمل (المباشر) على أدوات الإنتاج (أي العمل المودع: جاء في المبسوط (المذهب الحنفي):
و إذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صادتها من شيء فهو بينهما، فصاد بها سمكاً كثيراً، فجميع ذلك للذي صاد لقوله: «الصيد لمن أخذ»، ولأن الآخذ هو المكتسب دون الآلة فيكون الكسب له وقد استعمل فيه آلة الغير بشرط العوض لصاحب الآلة وهو مجهول، فيكون له أجر مثله على الصياد». "
۱۲۲
وبالنسبة للشافعية أيضاً، فكما جاء في الحاوي الكبير فإن الصيد للصياد:
«فصل: فأما إذا دفع إلى صياد شبكة ليصيد بها ويكون الصيد بينهما، لم يجز، وكان الصيد للصياد وعليه أجرة الشبكة. ولو دفع إلى رجل ماشية ليعلفها ممسكاً لرقابها، ثم يقتسمان ما يدرّ من درّها ونسلها، لم يجز، وكان الدرّ والنسل لرب الماشية، وللعامل أجرة مثله فأما المعلوفة، فإن كانت راعية لم يرجع بها، وإن كانت معلوفة يرجع بثمنها مع أجرته . والفرق بين صيد الشبكة ونتاج الماشية: أن حدوث النتاج من أعيانها فكان لمالكها دون عالفها، وحصول الصيد بفعل الصياد، فكان له دون مالك الشبكة». "
۱۲۳
وهناك قول للإمام أحمد بجواز قسمتها بين الشريكين. فقد جاء في شرح المقنع:
«مسألة : قال ابن عقيل وغيره: لو دفع شبكة إلى صياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين، فالصيد كله للصياد، ولصاحب الشبكة أجرة مثلها . وقياس قول أحمد صحتها، فما رزق الله، فهو بينهما على ما شرطاه، لأنها عين تنمي بالعمل، فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض، وقفيز الطحان (أن يعطى الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها ينبني على ذلك».
وفي المجموع نص يوضح المذهبين المالكي والحنبلي
١٢٤
«لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين، فقياس المذهب [المالكي] أن السمك كله للصياد، إذا قلنا: إن الآلة تؤجر بأجر معلوم، فيكون لصاحب الشبكة أجر المثل، وبهذا لا يكون صاحب الشبكة شريكاً في حصيلة الصيد. فإذا قلنا: إن الآلة لا تؤجر، وإن الصياد قد لا يجد سمكاً يحصل في شبكته فمن أين يأتي بأجر الشبكة، وليس لها أجر مثل معلوم، في حين أن أجر الصياد معلوم؟ قضينا بأن صاحب الشبكة له الصيد كله وللصياد أجر مثله على صاحب الشبكة. لأن الربح تابع للمال، وقياس مذهب أحمد أن الصيد بينهما نصفان جائز على ما شرطاه، لأنها عين تنمى بالعمل، فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض التي دفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود في خيبر أن يعملوا ف فيها على الشطر » . *
والسؤال هو: أي من الأقوال السابقة أقرب للمزيد من الكفاءة والعدالة؟ لنفصص الوضع بعض الشيء: إن الأسماك في البحار عادة ما توجد بين نقيضين إما مياه بها الكثير من السمك لوجود الشعب المرجانية مثلاً، وإما مياه رملية يندر وجود السمك فيها. والوضع لمن يصطادون كذلك، فإما وفرة في الصيادين الذين يعيشون من
۱۲۹۸ 🗏
الصيد، وإما ندرة مقارنة بالشباك. وشباك الصيد أيضاً، فإما وفرة لأن الشباك تصنع بكميات كبيرة فيتدنى سعرها فتكون في متناول معظم الصيادين، وإما ندرة في الشباك لأنها لا تصنع في تلك المنطقة أو لأن البشرية لم تتطور بعد فلا مصانع للشباك، بل الشباك تصنع بالأيدي بالكثير من العناء فتصبح نادرة مقارنة بعدد الصيادين، وبهذا فإن سعر تأجيرها سيكون مرتفعاً وبالذات إن كانت الأيدي العاملة التي تريد استئجارها كثيرة. والآن بمزج جميع
الاحتمالات السابقة سنحصل على ثمانية أوضاع هي:
(۱) وضع بندرة في الأسماك والصيادين مع وفرة في الشباك
۲) وضع بندرة في الأسماك والشباك مع وفرة في الصيادين
۳) وضع مع وفرة في الأسماك والشباك بندرة في الصيادين (٤) وضع مع وفرة في الأسماك والصيادين بندرة في الشباك ه وضع مع وفرة في الصيادين والشباك بندرة في الأسماك (٦) وضع بندرة في الصيادين والشباك مع وفرة في الأسماك وضع بندرة في الأسماك والصيادين والشباك
) وضع مع وفرة في الأسماك والصيادين والشباك.
بالنسبة للوضعين الأخيرين فإن عامل الندرة أو الوفرة لن يكون له تأثير واضح في الشراكة لأنهما وضعين متعادلين بين الصيادين والشباك، فكل صياد سيحصل في الغالب على ما يحتاجه من شباك بسعر معقول. إلا أن الوضع السابع، ونظراً لندرة الأسماك، قد يضع الصياد في حرج لأنه قد يعمل ولا يصطاد، وعندها إن أُقرت الشراكة فإنه سيخسر مجهوده فقط، أما إن كان عليه دفع أجر الشبكة فإنه سيعمل ويتعب وبالتالي قد لا يصطاد ويخسر إيجار الشبكة. وفي هذا تثبيط للمبادرة لأن الصياد سيتردد في الصيد كثيراً خوفاً من الخسارة، فتضمحل الكفاءة في الإنتاج. وبالنسبة للوضعين الخامس والسادس، فهما أيضاً وضعين متعادلين بين الصيادين والشباك، إلا أن ندرة الأسماك في الوضع الخامس ( كما في الوضع السابع) يجعل الصيادين في وضع أفضل إن أقرت الشراكة لأن الصياد إن لم يصطد فلن يدفع لمالك الشبكة شيئاً لأن مالك الشبكة شريك. أما إن كان على الصياد استئجار الشبكة، فإنه قد
يعمل ويخسر إن لم يصطد نظراً لندرة الأسماك لأن عليه دفع مثل أجر الشبكة. وفي هذا تثبيط للكفاءة.
هامش
ف) وجاء في المجموع: «إذا اشترك رجلان في اصطياد صيد لم تصح الأرض بإحياء الأجير من غير أن يخصا الأجير ملك ينتقل عنه. الشركة، وملك كل واحد منهما ما انفرد به من صيده، فلو اجتمعا على يقول السيد الصدر أن الشريعة سمحت لمالك الأرض في المزارعة صيد ملكاه جميعاً لاستواء أيديهما عليه، وكان لكل واحد منهما على ولصاحب الشجر في المساقاة ولصاحب المال في شركة المضاربة، صاحبه أجرة مثله فيترادان الفضل إن كان، وإلا تقاصا من ذلك سمحت لهؤلاء الكسب من الربح بمقدار نسبة محدودة، وحرمت مملوكاً عن شركة فاسدة، ولو لم يكن ذلك عن عقد شركة، ملكاه ولا ذلك على أدوات الإنتاج وجعلت ربحها في الإجارة، أي أن ربحها أجرة لواحد منهما على صاحبه. وهكذا لو وضعا شبكة أو شركاً ثابت. والسبب كما يقول هو أن العامل في المغارسة والمساقاة ا بينهما فوقع فيه صيد ملكاه معاً، وكان لكل واحد منهما على صاحبه والمضاربة يعمل في المادة نفسها، بينما الأداة تستخدم ولا يعمل بها. نصف حصته من الشبكة. وذلك أجرة ربع الشبكة. فلو وكل رجلاً في وقد يكون هذا الاستنتاج من الأقوال الشيعية التي لا علم لي بها. اصطياد صيد أو احتشاش حشيش جاز وملك الموكل ما حصل من ولكن كما سترى فإن هذا التفسير غير صحيح على الدوام في المذاهب الصيد والحشيش بفعل الوكيل، وهكذا لو استأجرهم لإحياء موات السنية (١٢٥).
تمت الإجارة وكان للأجراء فيما أحيوه الأجرة، وملك المستأجر
۱۲۹۹
١١ الشركة
وبالنسبة للوضعين الثالث والرابع أي وضع تتوافر فيه الأسماك، ولأن الصيد شبه مضمون، فإن ندرة
مع
سهم .
مالك
أفضل
الشباك في الوضع الرابع تضع ملاك الشباك في وضع أفضل لأن عدد الشباك أقل مقارنة بالصيادين ما يرفع أسعار الاستئجار للشباك بسبب الندرة. عندها ستظهر حركيات لإيجاد المزيد من الشباك إما بجلبها من مناطق أخرى أو بصناعتها. وحتى يصل المجتمع لتلك المرحلة من الوفرة للشباك، فإن الصياد في وضع صعب لأن جزءاً ملموساً من ثمن صيده سيذهب لمالك الشبكة لأن الأجر مرتفع ، وفي هذا تثبيط للمبادرة فيبقى جزء من السمك في الماء. أما إن أقرت الشراكة فإن الصيادين لن يستأجروا الشباك، بل سيصرون على أخذها مشاركة، وبهذا سيرتاح الصيادون ويكونون أكثر مبادرة لأن الربح مضمون والخسارة شبه معدمة. فتزداد الكفاءة في الإنتاج لأن حركية الإنتاج هي الشراكة وليست الإجارة. ولكن هل في هذا ضرر على ملاك الشباك ؟ والإجابة هي أن صاحب الشبكة له أن يشترط ربحاً أكبر كأن يأخذ الثلثين مثلاً. ففي هذه الحالة ازدادت الكفاءة بالإضافة لاستمرار آلية العرض والطلب التي ستؤشر إلى الحاجة للمزيد من الشباك وبالتدريج ستزداد أما الوضع الثالث فهو وضع تنخفض فيه أجرة الشباك لأنها متوافرة جداً مقارنة بالأيدي العاملة (الصيادين)، عندها فإن الصياد قد يقرر أن لا يدخل شراكة مع مالك الشبكة، فالقرار قراره لأنه هو السيد، بل سيستأجر الشبكة لأن السمك وفير وإيجار الشباك رخيص، وفي هذا المزيد من الكفاءة لمثابرة الصيادين وإن أراد، فقد يدخل الصياد مالك الشبكة شراكة إلا أن . الشبكة سيكون أقل لأن الشباك كثيرة. وفي مثل هذه الحالات سيتسابق ملاك الشباك لإيجاد شبكات صيد لتكون هي الأكثر ندرة ليزداد ربحهم، وبهذا تزداد الكفاءة لتقدم تقنية الشبكات جيلاً بعد جيل. بقي الوضعان الأول والثاني وهما وضعان بندرة في الأسماك. ففي الوضع الثاني والذي تندر فيه الشباك مقارنة بالصيادين فإن سعر تأجير الشبكة سيكون مرتفعاً إن أراد صياد كراء شبكة ما، وعندها سيتردد كثيراً لأن السمك نادر، وبهذا تقل الإنتاجية، لكن إن دخل شراكة مع مالك الشبكة، فإن نصيب مالك الشباك سيكون مرتفعاً في الشراكة لأن الشباك نادرة، غير أن هذا الوضع برغم أنه متعب للصياد، إلا أن السمك قد خرج من الماء ليستهلكه الناس، وبالتدريج ستزداد الشباك لأن الناس سيتوجهون لصناعتها أو استيرادها فيرتفع نصيب الصياد في الشراكة. أي أن إقرار مبدأ الشراكة في الصيد سيدفع للمزيد من الإنتاجية في هذه الحالة حتى وإن أنهك الصيادين . لحظياً. بقي الوضع الأول وهو وفرة الشباك . تأجير الشباك منخفضاً ندرة الصيادين والأسماك في هذه الحالة سيكون سعر مع لوفرة الشباك، إلا أن الصياد سيتردد كثيراً في استئجار شبكة لأن السمك قليل، فتضمحل الإنتاجية أيضاً، أما إن سمح له العمل شراكة مع مالك الشبكة، فإنه سيقترح على مالك الشبكة نصيباً أقل من الربح لأن الشباك كثيرة، فإن صاد سمكاً ربحا معاً ، وإن لم يصطد، فقد خسر عمله فقط، وبهذا تزداد الإنتاجية. أي مهما نظرنا نجد أن الشراكة هي الطريق الأمثل للمزيد من الإنتاجية في معظم الأحوال (إلا أن هناك القليل من الاستثناءات وسيأتي شرحها بإذن الله). تأمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله، فهي عبارة يجب أن تصب بماء الذهب لنفاستها، فقد قال فيما نقله ابن القيم عنه في الاقتباس السابق عن الشراكات مقارناً إياها بالإجارة
«هذه المشاركات أحل من الإجارة، قال [أي ابن تيمية]: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتي الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات».
🗏
والآن أخي القارئ سأجمع لك في الآتي ملخصاً لبعض المبادئ التي سنناقشها في الأمثلة القادمة: برغم أن الشريعة تدفع للشراكة، إلا أن من الملاحظ من أقوال الفقهاء هو أن العامل الأقرب للأصول المنتجة (وهذا جد مهم) قد يختار المشاركة أو استئجار الفرد أو الأدوات، أما الآخر الأبعد عن الأصول المنتجة فليس له ذات الخيار، بل له الإيجار للأنفس أو الآلات إن رفض الطرف الآخر الشراكة. فمثلاً ليس لصاحب الشبكة إلا إيجارها مثلاً ولا يستطيع أن يصبح شريكاً إلا إن أراد الصياد ذلك. أي أن أقوال الفقهاء تدفع للمبادرة لاستخراج الموارد من الطبيعة أولاً ثم للشراكة. فلا يمكن لصاحب الشبكة أن يشارك في الربح إن لم يرغب في ذلك العامل. وهنا قد تنتقد قائلاً: ولكن صاحب الآلة قد يرفض تأجير آلته ويصر على الشراكة مما يضطر العامل إلى القبول بالشراكة! ستأتي الإجابة بإذن الله. وهكذا فإن صاحب المادة الخام كالأخشاب (ولأنه جد وعمل وحاز على المادة الخام من الطبيعة) له بالجعالة أن يدفع نصف سعر الكرسي مثلاً لمن صنع له كرسياً من خشبه، وليس لمن يملك أدوات النجارة أن يفرض أخذ نسبة من صناعة الكرسي، بل له فقط أجر الأدوات إن أراد المالك ذلك. أي أن فرص الاكتساب من الأدوات (وهي مخزون لعمل سابق) أقل من فرص الكسب من العمل لاستخراج المواد الخام. وهذه نتيجة مهمة تدفع للمزيد من الإنتاجية لكثرة المواد الخام وستتضح من خلال الأمثلة القادمة بإذن الله.
ص
أي أن الإنسان الذي يحصل على الثروات مباشرة من الطبيعة هو الذي يستطيع أن يسخر قوى وأدوات الإنتاج الأخرى لصالح منتجه وهنا تشابه جزئي بين الإسلام والرأسمالية لأنه يحق للمالك في كلا النظامين أن يوظف مهارات الآخرين بالتأجير لتحويل المنتج من خام طبيعي لمنتج استهلاكي. ولكن الفرق الجذري (وهو الأهم للتمكين كما ذكرت مراراً) هو أن الرأسمالية تغلق الأبواب من أصولها، بينما الإسلام يفتحه لمن جد. وحتى يزداد المالك مثابرة لدفع المنتج الخام ليصبح سلعة، نجد أن الإسلام يتيح له أو لمن اشترى الخام منه) تلك الفرصة بجواز تذليل مهارات الآخرين لمنتجاته. وهذا فرق مهم بين النظرتين. ولكن في الوقت ذاته (كما سترى في الأمثلة القادمة بإذن الله)، لا يملك الفرد ما ينتجه إن كان العمل في منتج سبقه فيه إنسان آخر أقرب للأصول المنتجة. فإن حصد إنسان زرع رجل آخر فلا يملك جزءاً مما حصده بمجرد عمله، بل يبقى الزرع ملكاً للزارع المبادر وللحاصد أجر عمله. وإن غزل إنسان صوفاً يملكه راع فلا يملك الغزل بسبب عمله. فملكية ما غزل كلها للراعي لأنه هو المبادر والأقرب للأصول المنتجة وللغازل أجر عمله. ولكن بالطبع إن اتفق المالك والعامل على أن يأخذ العامل جزءاً مما غزل أجراً فهذا موقف آخر.
هي: ١)
أي أننا سنلحظ من أقوال الفقهاء بأن هناك خمسة مستويات متدرجة في قربها من الأصول المنتجة الأصول المنتجة ذاتها كالمعادن والتي تفنى جزئياً أو كلياً بالتصنيع لتظهر في المنتج؛ ٢) عين تنمى بالعمل عليها مثل السفينة أو السيارة؛ (۳) العمل ذاته الذي يتطلب المعرفة والمهارة كعمل الحداد أو النجار؛ ٤) العمل المودع والذي يتبلور في أدوات أو آلات العمل أو الإنتاج كالشبكة أو المخرطة أو الميكروسكوب أو حتى المكان كالبيت؛ ٥)
هامش
ص) الجعالة جائزة شرعاً وهي أن يلتزم الفرد أو جماعة بمكافأة فالمستأجر يملك منفعة معينة من الأجير، والأجير يملك الأجرة. أما الآخر أو الآخرين مقابل عمل يؤدونه، كأن يقول فرد من وجد الجعالة فلن يلتزم الطرفان إلا إن بدأ النجار أو الخياط العمل أو وجد حقيبتي فله كذا، أو من صنع لي كرسياً من هذا الخشب فله نصف الباحث الحقيبة. وسيأتي بيانه في فصل قادم بإذن الله. الربح. والفرق بين الإجارة والجعالة هو أن الإجارة عقد . ملزم.
١١ الشركة
۱۳۰۱
الإنسان العامل غير الماهر. وستلحظ من الأمثلة القادمة كيفية تعامل الفقهاء مع هذه المستويات وبنفس الترتيب السابق في الغالب ما يؤدي للمزيد من الكفاءة والعدالة.
منه
وماذا عن المال؟ فالمال في النظم الرأسمالية يُقرض، أي يؤجر، مقابل ربح معلوم ما يؤدي للإنتاجية من خلال إقراض من لا مال لهم لبدء العمل، وهذا هو الربوا المنهي عنه في الإسلام أي لماذا لا يعتبر المال كأداة يجوز تأجيرها في الإسلام؟ فإن تخيلنا النقد كأداة كأي أداة إنتاج، فلا يحق للمالك أن يؤجرها، أي يأخذ عليها ربحاً لأنه الربوا المنهي عنه. فيمكننا تصور المال أداة يدفعها إنسان لآخر كتأجير ليعيدها الذي استخدمها بعد مدة بالإضافة للأجر (الفائدة أو العمولة). وهذا غير جائز شرعاً. أي أن أدوات الإنتاج والنقد متعاكسان في كسبهما للربح في الإسلام، وهذا مبدأ مهم. أي أن السؤال هو: لماذا أباح الإسلام لمن يملك داراً أو منشاراً (وهو عمل مودع وليس كالأرض وسيأتي بيانه بإذن الله أن يكسب منها بتأجيرها دون عناء منه، ولم يبح لمن ملك مالاً وأقرضها (أو أجرها) أن يكسب الفائدة؟ يعلل السيد الصدر ذلك بأن أي عنصر سواء كان داراً أو محراثاً سيفقد جزءاً من العمل المكتنز فيه لأنه يبلى، فالعمل المجسد فيه يستهلك، فالمنزل قد تتآكل جدرانه وأرضياته، أما النقد المقترض فلا يُفقد ، شيء لأنه يعود كما هو . ١٣٦ إلا أن وجهة النظر هذه يمكن دحضها. فالمنزل المؤجر قد يزداد سعره لأن الأرض التي يقع عليها قد يرتفع سعرها، أو بالعكس: فإن المنزل قد يبلى ويفقد جزءاً من العمل المكتنز فيه، أي يفقد جزءاً من قيمته، وكذلك المال في أيامنا هذه، فهو مع التضخم يفقد جزءاً من قيمته لأن الألف دينار اليوم لن تكون ألفاً بعد سنة من حيث القوة الشرائية بسبب التضخم المستمر. وبالعكس فإن هناك أعياناً لا تبلى بالاستخدام المؤقت الحذر مثل القدر المعدني مثلاً. وبهذا قد يقول قائل: هل يجوز إعادة النظر في الربوا لأن التضخم يُفقد المال قوته أو قيمته الشرائية مع مرور الأيام؟ أي أن المال يبلى كما تبلى العين المؤجرة؟ والجواب هو: بالطبع لا. لماذا؟ التعليل من جانبين: الأول وهو المشهور لأن للإسلام هدف واضح برفض تأجير المال لأن المؤجر، أي مالك المال، يأخذ الربح دائماً دونما إنتاج فعلي، فهو في الربح على الدوام على حساب غيره، وأمثال هذا إن كثروا سيتحزبون للعمل لغلق أبواب التمكين كما هو مشاهد، فيظهر المجتمع المدني الطبقي الذي يسخر فيه بعضهم البعض الآخر فتظهر آفات الفساد. والتعليل الثاني هو الأهم والأكثر إقناعاً لغير المسلمين، ويتمحور حول السؤال: إن باع زيد عمارته وأجر مال البيع (أي أقرضه بالربوا) فهو كأنه يؤجر العمل المودع الذي استثمر في العمارة، فلماذا تمنعه الشريعة من ذلك؟ أقول : لا حاجة للخوض في هذه المسألة الآن حتى لا نتشتت ولأهمتها فقد ناقشتها بحمد الله في الفصل القادم بتفصيل أكبر.
أي أن الفرق المهم بين النظرتين الإسلامية والرأسمالية هي في مكانة الإنسان. ففي النظام الرأسمالي يُعد الإنسان وعمله كأي أداة إنتاج تأخذ أجرها مثلها مثل المعدات أو النقد المقترض من المصرف، فالإنسان بهذا وسيلة لزيادة الربح. أما في الإسلام فلأن الإنسان هو الغاية، ونظراً لأن الشريعة فتحت أبواب التمكين للجميع ما يؤدي لندرة اليد العاملة، فإن أجرها سيرتفع أو أن العامل سيكون في الغالب شريكاً ما يؤدي للمزيد من العدالة في التوزيع والكفاءة في الإنتاج، إلا أن هذا الهدف سيكون أدق إصابة إن اتبعنا استنباطات الفقهاء التي قدمت العمل الأقرب للأصول المنتجة بترتيب مبدع (كما ذكرت سابقاً): فمن حاز على الأصول المنتجة من الطبيعة مباشرة، أو من ملكها بالشراء أو غيره ممن حاز عليها من الطبيعة له الخيار بين الشراكة أو تذليل الآخرين، وبهذا تكثر
۱۳۰۲ 🗏
أما
المواد الخام وتنتشر (فالحصول على المواد الخام من الطبيعة عمل أساسي)، ومع انتشارها ستنتشر المنتجات بالطبع؛ ثم من كان لديه عين تنمى بالعمل عليها مثل العربة (السيارة)، ولأنها مخزون لعمل ،آخرين، له الخيار بين الشراكة أو تذليل الآخرين؛ ثم من ملك المهارة كالحداد أو مبرمج الحاسب الآلي له الخيار بين الشراكة أو تذليل الآخرين بالعمل لديه؛ وأخيراً فإن ملاك أدوات الإنتاج لهم الخيار بين الشراكة مع من لا خبرة لهم أو تذليلهم بالعمل لديهم. من ملك المال فلا مجال أمامه إلا المشاركة بالمال أو إقراضه قرضاً حسناً دون فائدة ربحية. هكذا وكما ترى بوضوح فإن الشريعة تدفع للمزيد من الإنتاجية. أي أن المال يؤدي في النظم الرأسمالية إلى إنتاج أقل واستعباد أعلى. أي كفاءة أقل دون عدالة في التوزيع لأن المال اعتبر أصل منتج، أما في الإسلام فإن عدم اعتبار المال أبداً من الأصول المنتجة سيؤدي للمزيد من الكفاءة والعدالة. هكذا رتب العلماء الأصول المنتجة في المستويات الخمسة دون اعتبار المال إلا مشاركة أو قرضاً وليس استثماراً استعبادياً. وهذا الترتيب هو المشهور من أقوال الفقهاء برغم «شذوذ بعض الأقوال». ولضرب مثال واحد الآن لتوضيح الصورة، لاحظ تقديم العمل على الأدوات في الآتي من المغني، يقول ابن قدامة:
«فإن كان لقصار أداة ولآخر بيت فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما، جاز، والأجر على ما شرطاه، لأن الشركة وقعت على عملهما، والعمل يستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله، وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والآلة. وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شيء، أو لأحدهما بيت وليس للآخر شيء على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز، لما ذكرنا». ١٣.
۱۲۷
فاتفقا
لكن على العموم، فإن الترتيب السابق لا يعلمه الناس في معظم الأحوال ولا يلتزمون به، بل يتوكلون ويتشاركون بناء على العرض والطلب فيما بينهم. فالترتيب السابق هو ما أدى إليه اجتهاد الفقهاء. فكما مر بنا في الاقتباس الذي ضرب فيه ابن القيم الكثير من الأمثلة من الشراكات، وفيما قاله صديق حسن خان من أن هذه الشروط التي وضعت للشراكة فيها ما فيها من التهويل والتطويل، فإن من المتوقع من الناس الإقدام على الشراكة إن ظنوا أن فيها مصلحة لهم دون الالتزام بأقوال الفقهاء. لكن في الوقت ذاته، ولأن أقوال الفقهاء آراء مستنبطة من الشريعة وبرغم اختلافاتها فهي تؤدي للمزيد من الكفاءة والعدالة لأن الترتيب السابق يقدم من يبادر للعمل بالرجوع للأصل على الذي يليه إلا أن الجميع يدرك بأن المال ليس بأصل منتج في حال إقراضه). أي أن لدينا وضعين أحدهما يقبل بالعرض والطلب بين الناس مع ترك الخيار لهم (كما ذهب ابن القيم)، والآخر يرتب استحقاق الشركاء، فأيهما أفضل من حيث الكفاءة والعدالة؟
هي
الجهالة
للإجابة لابد من التوضيح الآتي أولاً : كما ذكرت فإن هذه الشروط للشراكة التي وضعها الفقهاء بسبب تمسكهم بأسس الشريعة مثل تحريم الربوا وبسبب قلقهم من وقوع الخلاف بين الناس بسبب والغرر. فالتشاح بين الناس وما قد يقعوا فيه من الهم والغم والعداوة لهو من أكبر مثبطات الإنتاجية. وقد يزداد التشاح لدرجة وقوع الظلم بين الناس. لذلك حاول الفقهاء تلافي الخلاف بوضع شروط للشراكة قبل أن يقع التشاح. لنتقصى المسألة أكثر : إن الجهالة دائمة الوجود في أي مغامرة استثمارية. فالذي يضرب في الأرض بحثاً عن المعادن يجهل مقدار ما سيحصل عليه. فكل من عمل بنفسه وخسر، إنما هو فرد ظن أنه سيربح فخاطر فجهل مقدرا ربحه
١١ الشركة
۱۳۰۳
فخسر. والشريعة تدفع لهذا النوع من الاستثمار برغم أنه غير مضمون ،وواضح أي فيه جهالة واضحة إلا أنه بفضل الله في معظم الأحوال واعد بالربح الوفير، فمع زيادة المخاطرة كما هو معلوم، يزداد الربح إن أتى. ناهيك عن أن هذا العامل المخاطر متعلق بالله في معظم الأحوال لأنه يريد المزيد من التوفيق فيما هو مجهول له. وشتان في القيم بين فرد مؤمن متعلق بالله، وبين آخر يعمل فيما ربحه مضمون ناسياً ربه. لهذا فإن المجتمعات المدنية المؤدية لمجتمعات مستقرة بأفراد يعملون في شركات ربحية أو مؤسسات حكومية عادة ما تفرز أناساً لا يتوكلون على الله لأن الرزق شبه مضمون وعلى شكل مرتبات أو مهيات تؤخذ آخر كل شهر، وهذا بعكس العمل الحر إن طبقت الشريعة، وبالذات إن كان العامل صغيراً أو مبتدئا، فتجده مغامراً متعلقاً بالله متوكلا عليه في الرزق، لذا فهو في الغالب أكثر تقى وأمانة. أما العمل الحر في أيامنا هذه، فقد يفرز أفراداً من المتنفذين ومن ذوي العلاقات بالسلاطين وأعوانهم وبهذا يضمنون لدرجة عالية مكاسبهم فيقل توكلهم على الله عز وجل.
هذا مجهود
أي أن الشريعة تمنع الجهالة والغرر بين المتعاملين كالشركاء والبائعين وما شابه حتى لا يقع التشاح بين الناس فتضمحل الإنتاجية إذ أن مثل هذه الجهالة مؤلمة وتؤدي إلى تدمير المجتمع. بينما الجهالة (المؤملة للربح الوفير) هي مما يحفز الفرد للمغامرة للمزيد من الربح، وإن خسر الفرد المجازف فإن المجتمع فقد لحظياً . الفرد، وليس كالعداوة التي تقع بين أفراد المجتمع فتمزقهم وشتان بين الحالين فنحن بحاجة للمغامرين بالضرب في الأرض بحثاً عن المعادن التي نجهل مواقعها وكمياتها، ونحن بحاجة للمغامرين من المستثمرين لانشاء المصانع إذ أننا نجهل ما سيحل بمنتجاتنا إن نحن صنعناها هل ستباع أم لا. فالجهالة طريق لابد منه لكل مقدام حتى يزداد الإنتاج في الأمة، فهو إذاً محمود، وإلا لما ظهرت الخيرات ولما أبدع المنتجون. كما أن هذه الجهالة هي من أسباب
ربط المغامر بربه ليأخذ بيده لمواضع الخير. بينما الجهالة بين الشركاء منبوذة حتى لا تقع العداوة الممزقة للأمة.
لهذا، فإن قام الأفراد بالشراكة دون التقيد بالشروط التي وضعها الفقهاء (إذ أن بعضها قد يجهض الشراكات كما سترى في الأمثلة القادمة بإذن الله، بل فعلوا كما ذهب ابن القيم رحمه الله، أي توكلوا وعملوا وأنتجوا، فإن في هذا الخير الكثير لأنه يؤدي للمزيد من العدالة في توزيع الثروات من خلال الشراكات المستحدثة؛ أما إن حدث أنه تظالم بين بعض الشركاء، وهذا نادر فسرعان ما سيدركه المظلوم منهم ويرى ظلم في هذه الشراكة فيتركها مباشرة. ولكن المهم هو أن هذه الشراكات لأنها بدأت، وبرغم أن بعضها قد لا يستمر، قد شقت في المجتمع طريقاً للإنتاج من خلال المعرفة المتولدة من هذه الشراكة. فإن نجحت الشراكة زادت الأمة إنتاجاً على إنتاج (إما بإنتاج المزيد مما هو معروف أو إنتاج منتج جديد). أما من عمل شريكاً وترك فإن لديه تجربة وخبرة ينقلها معه أينما ذهب. أي أن ما دعا إليه ابن القيم رحمه الله (وهو مذهب الحنابلة) يؤدي لوضع يختلف عما كانت ستؤدي إليه أقوال فقهاء المذاهب الأخرى إن أتبعت لأن بعضها يجهض إيجاد الشراكات ابتداء من خلال الشروط. فعلى سبيل المثال، فكما مر بنا، فإن شرط الإمام مالك رحمه الله لضرورة عمل الشركاء في مكان واحد يثبط من استحداث شراكات جديدة برغم أنها ستؤدي لرفع الكفاءة إن وقعت تلك الشراكة ناهيك من أن هذا الشرط هو لزمن لم تكن فيه الاتصالات كأيامنا هذه. فقد يشترك اليوم مصمم بارع للأزياء يسكن في تونس مع خياط ماهر يسكن في سوريا، فيرسل هذا التصاميم لذاك من خلال الحاسب الآلي وكلاهما على دراية بسعر القماش وتكلفة الخياطة وما شابه من متطلبات الشراكة. فشرط الإمام مالك يمنع استحداث هذه الشراكة، إلا أنها إن وقعت وهما في نفس
١٣٠٤ 🗏
المكان فإن الكفاءة أعلى. أما إن منعت وهما متفرقان فإن الأمة فقدت فرصة إنتاجية جديدة. فقط تفكر في الآتي: هناك إحصائية تقول بأن بإمكان حوالي ۳۰ مليون أمريكي العمل من منازلهم ( في أوائل القرن الواحد والعشرين) باستخدام وسائل الاتصالات الحديثة مثل الهاتف والحاسب الآلي. فالشركات الكبرى (كشركات السيارات الأمريكية) مثلاً تتعاقد مع مصممين إيطاليين لإتمام التصاميم في إيطاليا والتي ترسل بعد ذلك لمقر الشركة بالولايات المتحدة الأمريكية بالحاسب الآلي ومن ثم تدفع الأجور لهم بالحوالات دون الحاجة للتواجد في مكان واحد. ولعل من أشهر الأمثلة في أيامنا هذه شركات البرمجة التي تتعاقد مع مبرمجين من الهند مثلاً، وهكذا، أي أن هناك تكاملاً لأفراد في مناطق متناثرة من العالم لإنتاج خدمة أو سلعة ما.
مثال آخر: لا يجيز الإمام مالك رحمه الله استحداث شراكة إن كانت أداة الإنتاج لأحدهما دون الآخر. وفي هذا كما قلت المزيد من الكفاءة لأن أحد الشريكين سيضطر مثلاً لشراء نصف أداة الآخر فيكون أكثر حرصاً على الأداة مما يرفع من الكفاءة في الشراكة. لكن إن لم يكن لدى الشريك الذي لا أداة له مال ليشارك به زميله صاحب الأداة، فإن الشراكة لن تُستحدث، فتفقد الأمة فرصة إنتاجية. وهذا ينطبق على المذاهب الأخرى، وبالذات الشافعي الذي ضيق كثيراً من فرص استحداث الشراكات. أي أن ما ذهب إليه الحنابلة من حث الناس للتشارك دون الأخذ بالشروط التي استحدثتها المذاهب الأخرى سيؤدي للمزيد من الإنتاجية على مستوى مجموع الأمة. أما ما وُضعت من شروط من بعض الفقهاء، فعلى الرغم من أنها ستؤدي للمزيد من الكفاءة على مستوى الشراكة الواحدة، إلا أنها على مستوى الأمة قد لا ترفع من الكفاءة الإنتاجية لأن عدد الشراكات المستحدثة ستقل. وبالطبع، ولأن الناس يعلمون مصالح أنفسهم، ولأن الإطار الأكبر (الموارد والموافقات والمعرفة) معلوم، فكلما زادت الشراكات كلما ارتفع الإنتاج لكثرة العقول والأيدي المنتجة باهتمام. فشتان بين المأجور والشريك في أداء العمل كما ذكرت مراراً.
أي باختصار، فإن أقوال الفقهاء هي الوصفة التي تؤدي لكفاءة أعلى إن وُجدت الشراكة على مستوى الأفراد، أما ما ذهب إليه الحنابلة فسيؤدي لزيادة عدد الشراكات وهذا سيؤدي لعدالة أكثر على مستوى الأمة بسبب غزارة الإنتاج. أي أن السؤال لازال ماثلاً: أيهما أفضل؟ والإجابة هي (والله أعلم) تأتي من السؤال الآتي: ماذا يجب أن نقدم كأمة، العدالة أم الكفاءة؟ وهل يمكن الجمع بين الاثنين؟ كنت قد ناقشت هذا السؤال في فصل «القذف بالغيب» في إطار نقد النظامين الرأسمالي والاشتراكي وقلت أن الإسلام يجمع الاثنين. وللتوضيح أقول: بالرغم من أن الرأسمالية أدت لكفاءة إنتاجية، إلا أنها فشلت في العدالة في التوزيع الجشع المتمكنين، بينما الاشتراكية التي زعمت العدالة ولم تطبقها، خسرت الكفاءة والعدالة معاً. أما الإسلام، ولأنه يفتح جميع أبواب التمكين وللجميع، سيؤدي حتماً لعدالة في التوزيع رغماً عن الجميع، هذه العدالة ستوجد أفراداً أعزاء (تذكر ما قلناه عن الأفراد الأعزاء الذين يتحركون بين الأعمال، فيعملون كشركاء أو فرادى لتزداد الكفاءة. أي يجب أن نقدم العدالة كأمة أولاً، وهذا ما يصر عليه الإسلام كما وضحت في الفصول السابقة في الحديث عن الموارد (وقد عن الموارد وسيأتي بإذن توضيح الموافقات والمعرفة لإكمال شروط التمكين). ومع انتشار العدالة في التوزيع يكثر الأفراد المالكون لما يعملون، أي يكثر المتمكنون لتقارب الناس في الدخل، ثم هؤلاء الملاك المتمكنين سيكونون أكثر حرصاً لأنهم أكثر تقى بسبب سمو المجتمع العادل فيتبعون أقوال الفقهاء التي تحرص على تجنب
تحدثت
الله
١١ الشركة
١٣٠٥
الجهالة والغرر. أي هكذا تأتي العدالة بالكفاءة، فتزداد العدالة قسطاً، ثم تزداد الكفاءة ارتفاعاً، فيزداد القسط استقامة، وهكذا من دورات لا تنتهي من سمو إنتاجي لمجتمع أنقى وأطهر ينتقل من عدالة أعدل إلى كفاءة أعلى وبالتدريج تضمحل الغرائز الأنانية ويسمو المجتمع في قيمه فيسير على الصراط المستقيم. أي أن العدالة شرط يؤدي للكفاءة، بينما الكفاءة قد لا تؤدي للعدالة كما حدث في النظم الرأسمالية. لهذا فإن ما قاله ابن القيم، أي ما ذهب إليه الحنابلة من السماح للناس بالشراكات دون التقيد بالضرورة بالشروط التي وضعها الفقهاء هي الأولى بالإتباع لمجموع الأمة، أما الأكثر ورعاً من الناس، فإن أرادوا فلهم اتباع أقوال الفقهاء لأنها تمنع احتمال وقوع التشاح مما يزيد الكفاءة على مستوى الأفراد. فمثلاً نجد أن شرط الإمام مالك (المذكور سابقا) من منع الشراكة إن كانت الأداة لأحدهما دون الآخر سيؤدي لوضع يشترك فيه الطرفان في امتلاك الأداة. ولأنهما شريكان فسيحافظان على الأداة. فالسيارة التي إن عمل فيها السائق وهي ليست له، لن تعيش كما إن كانت ملكاً له شراكة لأنه قد يذهب بها لمناطق وعرة قد تنهكها طلباً للربح، فرحلة قصيرة تأتي بربح سريع للعامل إن لم يكن شريكاً في السيارة قد تتلف العربة على المدى البعيد. وبالطبع فإن الوضع الأمثل لأي أمة هو تطبيق أقوال الفقهاء قدر المستطاع مع تلافي الأقوال الشاذة بالطبع، كتلك التي لفقهاء أهل الرأي)، أي وضع الشراكات ضمن الشروط التي وضعها الفقهاء عموماً. وإن تعذر هذا، أي تعذر تشارك المالك للسيارة والعامل عليها في ملكية السيارة مثلاً، فإن إيجاد الشراكة (كما ذهب الحنابلة) أولى من منعها لأن هذه الشراكة ستؤدي لعمل إنسان بدل أن يبقى عاطلاً، وفي توزیع أعدل للموارد سيؤدي للكفاءة، فهذا العاطل الذي تمكن سيكون شريكاً في آلات العمل بعد تمكنه أو يبدأ عمله بنفسه أو شراكة مع آخرين، وهكذا ينطلق المجتمع من العدالة إلى الكفاءة (وسيأتي توضيح كيفية الانتقال من العدالة إلى الكفاءة بإذن الله). لهذا نجد أن ما يؤدي للعدالة من أحكام أتى في نصوص واضحة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
هذا
ولعلك عندما تقرأ الأمثلة القادمة ستسأل: ما هذا الباحث الذي يقفز من قول لآخر: فمرة يقول أن هذا الرأي في صالح الكفاءة، ومرة أخرى يدعي أنه في صالح العدالة، فكيف يمكن الجمع بينهما؟ فأجيب: يندر أن تجد عملية إنتاجية تجمع بين الكفاءة والعدالة إن لم تكن شراكة فلابد وأن يسبق أحدهما الآخر. فكما سترى في مثال قادم بإذن الله، فإن دفع رجل بيته لآخر على أن يبيع فيه البر على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بينهما شراكة ثم منع الفقهاء هذه الشراكة وقالوا بأن لصاحب البر جميع الربح وعليه مثل إيجار البيت، فإن بائع البر قد يكسب أكثر من مالك المبنى إن كان الإيجار متدنياً نظراً لكثرة المباني ما يؤدي إلى زيادة عدد بائعي البر إذا كانت مهنة بيع البر مربحة، وهكذا حتى يزداد عدد بائعي البر فيقل ربح الواحد منهم. أو قد يكون العكس: فقد يكسب مالك المبنى أكثر من بائع البر إن كانت هناك ندرة في المباني. وفي هذه الحالة الثانية فسيزداد الاستثمار في تشييد مبان جديدة لتزداد في العدد حتى انخفاض الإيجار. وهكذا في جميع قطاعات الإنتاج الأخرى: تزداد المنتجات وتقل بناءً على العرض والطلب الكلي كما هو معلوم في أسس علم الاقتصاد. هذه الحركية هي التي تؤدي إلى الكفاءة لأن كل قطاع إنتاجي ينتقل من الندرة إلى الوفرة ثم الندرة ثم الوفرة، وهكذا من دورات تزداد تقارباً بين الندرة والوفرة لتقترب الدورات من التطابق بين العرض والطلب للسلع والخدمات مع تقادم تطبيق الشريعة جيلاً بعد جيل لتنتشر العدالة. أي أن هذه الحركية هي التي تؤدي للكفاءة والعدالة معاً لأن أحدهما يسبق الآخر فيلحقه الآخر. أي وكأن العدالة القدم اليمنى والكفاءة القدم اليسرى لكائن يسير قدماً (قدم تسبق قدماً أخرى)، وهكذا يزداد الإنتاج
١٣٠٦ 🗏
بالسير. لذلك قلت: إن الأولى بالاتباع هو اجتهادات الفقهاء المؤدية لرفع الكفاءة وليس الاجتهادات الشاذة) على أن لا يجهض هذا الاتباع استحداث الشراكات الجديدة المؤدية للعدالة كما قال ابن القيم رحمه الله. وإلا فما يوصل للعدالة أولى بالاتباع.
وأخيراً: إن حركية لحاق الكفاءة بالعدالة تزداد عدلاً وكفاءة مع تطبيق ما ذهب إليه الفقهاء في الترتيب المذكور سابقاً والذي يقدم الأقرب للأصول المنتجة، ذلك لأن المواد الخام ستكون بالطبع أكثر وفرة ثم الأعيان التي تنمى بالعمل عليها، فتزداد المنتجات، ثم العمل ذاته الذي يزيد مع النمو السكاني الذي يتطلب أدوات الإنتاج التي توفرها المواد الخام المنتشرة، ثم أدوات الإنتاج التي تزيد من تفاعل الأيدي العاملة مع المواد الخام وهكذا من دورات. لهذا، فإن اقتنعت أخي القارئ بما سبق، فباستطاعتك القفز للعنوان الآتي: «الميزان: الإجارة والشراكة» إذ أن قراءة الأمثلة قد تكون مملة لك برغم جمال طرح الفقهاء وجدلهم.
أمثلة
ستلحظ أخي القارئ أن الأمثلة التي تدور حولها أقوال الفقهاء في جميع المذاهب متشابهة. وسبب التشابه هو أن الأمثلة وكأنها نماذج تشتمل على جميع حالات الشراكة المحتملة في أيامهم. وسنبدأ بالمذهب الحنفي. فلهم بعض الأقوال الشاذة. ثم نمر على المذهب المالكي ثم الشافعي. وهذان المذهبان يؤديان للمزيد من الكفاءة، بينما المذهب الحنبلي يسحب المجتمع لعدالة أكبر في التوزيع وبإمكانك أخي القارئ إن اقتنعت بما مضى الاستعجال في قراءة الأمثلة لأنها قد تكون تفصيلية ومملة بعض الشئ : جاء في المبسوط للسرخسي (فقه حنفي):
«وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صادتها من شيء فهو بينهما، فصاد بها سمكاً كثيراً، فجميع ذلك للذي صاد لقوله: «الصيد لمن أخذ»، ولأن الآخذ هو المكتسب دون الآلة فيكون الكسب له وقد استعمل فيه آلة الغير بشرط العوض لصاحب الآلة وهو مجهول، فيكون له أجر مثله على الصياد. وكذلك لو دفع إليه دابة يستقي عليها الماء ويبيع عليها أو لينقل عليها الطين ليبيعه أو ما أشبه ذلك، بخلاف ما إذا أمره أن يؤاجر الدابة، فالغلة هناك لصاحب الدابة وللعامل أجر مثله. وقد تقدم بيان هذا في الإجارة إنه إذا آجر الدابة فالأجر بمقابلة منافعها، والعامل وكيل صاحبها. وإذا استعمل العامل في نقل شيء عليها وبيع ذلك فهو لنفسه، ولو دفع إلى حائك غزلًا على أن يحوكه سبعة في أربعة ثوباً وسطاً على أن الثوب بينهما نصفان فهذا فاسد، وهو في معنى قفيز الطحان. وقد بينا ما فيه من اختيار بعض المتأخرين رحمهم الله باعتبار العرف في ذلك في بعض البلدان في كتاب الإجارة، والثوب لصاحب الغزل وللحائك أجر مثله. ...».
لعل أول ملحوظة على الاقتباس السابق كما مر بنا في صيد السمك، هو تقديم المكتسب على مالك الأداة. ولمالك الأداة أجر المثل. وفي هذا مزيد من الإنتاجية إن كان السمك كثيراً لأن المكتسب سيحاول قدر المستطاع الاستفادة من الوقت المحدد لتأجير الشبكة بأكبر صيد ممكن. ولكن في الوقت ذاته، إن رفض صاحب الشبكة التأجير وأصر على الشراكة أو كان السمك نادراً، وإن أصر المذهب على رأيه، فإن الشراكة لن تقع إما لرفض مالك الشبكة أو لخوف الصياد من قلة السمك، وبهذا تفقد الأمة فرصة إنتاجية. لهذا فإن ما ذهب إليه الحنابلة هو الأولى
١١ الشركة
۱۳۰۷
و
بالاتباع في هذه الحالة. أي أن الأمثل لرفع الإنتاجية هو (أولاً) إعطاء الحق للعامل فرصة الخيار بين الشراكة أو استئجار الأداة، ومن ثم (ثانياً) إن أصر المالك للأداة الشراكة فلا يُمنع الصياد من ذلك إن رضيت نفسه بالشراكة. ثم ينتقل النص بعد ذلك لتوضيح مذهبه في دفع الدابة للعامل، ولأن الدابة عين تنمى بالعمل عليها فقد قدم مالكها على العامل، فالغلة تكون لصاحب الدابة وللعامل أجر مثل عمله. لكن إن رفض العامل العمل وأصر على الشراكة، هنا مرة أخرى فإن الأفضل إنتاجياً للأمة ليس منع الاتصال بين الطرفين (مالك الدابة والعامل)، بل إجازة الشراكة
كما ذهب الحنابلة.
ثم بعد ذلك ينتقل النص للتوضيح بأنه إن دفع من يملك قماشاً لحائك ليصنع منه أثواباً على أن يكون المنتج بينهما نصفين (أي أنها شراكة لحظية)، فإن هذا فاسد ، وأن الصحيح هو أن الأثواب لصاحب الغزل وللحائك أجره. إن هذا القول الشاذ لا يجهض فقط احتمالية ظهور شراكة بين طرفين، بل أيضاً قد يدفع الحائك لكفاءة أدنى. فإن سمح لهما بالشراكة في الثوب، فإن الحائك سيحاول أن يكون أكثر إتقاناً وإبداعاً في الحياكة حتى يكسب المزيد من بيع الثوب. لأنه كلما أبدع كلما ارتفع سعر الثوب، وهذا في صالحه. أما إن أصر المذهب بأن للحائك أجر مثل عمله فقط، هنا قد لا يقدّر مالك الغزل إبداع الحائك، وقد لا يجتهد الحائك لأن الأجر محدد. أما الثوب بعد الانتهاء من الغزل شراكة فسينزل السوق وقد يباع بسعر أقل، وكما هو معلوم فمما يحدد سعر البيع هو الإتقان في الحياكة. هكذا تزداد أو تضمحل الكفاءة. ثم ينتقل النص لمثال يثبط من ظهور الشراكات فيقول:
«وإذا دفع إلى رجل أرضاً بيضاء على أن يبني فيها كذا كذا بيتاً وسمى طولها وعرضها، وكذا كذا حجرة على أن ما بنى من ذلك فهو بينهما نصفان، وعلى أن أصل الدار بينهما نصفان، فبنى فيها كما شرط، فهو فاسد لأنه أمر بأن يجعل أرضه مساكن بآلات نفسه فيكون مشترياً بالآلات، وهي مجهولة، وقد جعل العوض نصف ما يعمل لنفسه من المساكن، وذلك فاسد . وقد قررنا في الإجارات أن هذا المعنى في الأرض يدفعها إليه ليغرسها أشجاراً على أن تكون الأرض والشجر بينهما نصفين، فهو في البناء كذلك، ثم جميع ذلك لرب الأرض وعليه للثاني قيمة ما بنى لأنه يصير قابضاً له بـ له بحكم العقد الفاسد، فإن بناء الغير له بأمره كبنائه بنفسه، فعليه ضمان القيمة لما تعذر رد العين باعتبار إنه صار وصفاً من أوصاف ملكه، وللعامل أجر مثله فيما عمل لأنه أقام العمل له، وقد ابتغى من عمله
عوضاً، فإذا لم ينل ذلك استوجب أجر المثل».
نجد في هذا المثال أن مالك الأرض اتفق مع الباني (العامل) بأن تكون الأرض والمباني المبنية عليها ملكاً لهما إما مشاعاً وإما أن تقسم الأراضي والمباني نصفين لكل منهما نصف. وفي كلتا الحالتين، فإن الهدف أولاً هو إيجاد منتج (مبنى) على الأرض، إلا أن السرخسي يرى أن هذا عقد فاسد لأن مالك الأرض قرر (كما هو ظاهر في النص) بناء المساكن بآلاته على أن يكون العمل ومواد البناء من العامل. وبهذا فإن ما سيوضع على الأرض من عمل ومواد مجهول في كمه. وأن حصة هذا الباني هي نصف الأرض والمباني، لذا فإن العقد فاسد لأن النصف كربح هو مقابل عمل مجهول للمالك. ثم يضرب مثلاً لذلك بالأرض التي يدفعها رجل لآخر ليغرسها أشجاراً على أن تكون الأرض وما عليها من أشجار بينهما نصفين، وأن هذا عقد فاسد، إذ أن ما يجب أن يكون هو أن تؤول ملكية الأرض بكاملها وما عليها من مبان لصاحب الأرض، وللثاني (أي للعامل) قيمة ما بني. ولأن المباني قد وضعت على الأرض ويصعب ردها للعامل فإن على المالك ضمان القيمة للعامل لأن مالك الأرض أصبح مالكاً للمباني أيضاً. لاحظ هنا أن
۱۳۰۸ 🗏
أحد أسباب اعتراض السرخسي هو أن العامل سيصبح مالكاً لنصف الأرض، أي شريكاً في أصل منتج. وهذا والله أعلم اعتراض شاذ لا أصل له لهذا أذكرك أخي بما ذهب إليه ابن القيم في الاقتباس السابق في هذه المسألة إذ قال:
«ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل الدر النسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك. هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، ...».
ترى في فيما قاله ابن القيم من قوله: «والصواب جواز ذلك كله جواز ذلك. فما ذهب إليه ابن القيم لا يقف عائقاً أمام ظهور المبنى، وفي هذا إضافة عمرانية للأمة. أما إن تم المنع كما ذهب السرخسي فإن المبنى قد لا يظهر وتبقى الأرض بيضاء لأن صاحب الأرض إنما أراد المشاركة لأنه في الغالب لا مال لديه لاستثمار الأرض. فإن أجهضت الشراكة فإن العامل سيتردد في البناء لأنه سيحصل على أجره من المالك بعد البناء ومن ثم تأجير العقار أو بيعه. وفي هذا مخاطرة كبيره بالنسبة للعامل. كما أن العامل سيكون أكثر همة وسرعة في البناء وإبداعاً إن ضمن أنه سيكون شريكاً في ملكية العقار. فإن أوجد العامل مبنى أفضل، فإن الإيجار أو البيع سيكون بسعر أعلى، وكلاهما (المالك والعامل) رابح. وهنا مسألة مهمة: ألا وهي إن تمت الشراكة بين الاثنين فهذا يعني زيادة نسبة الملاك في المجتمع. وهذه ظاهرة إيجابية مهمة كما ذكرت وسيأتي المزيد من التوضيح عنها بإذن الله في فصل «الأماكن». ثم ينتقل السرخسي بعد ذلك لتوضيح وضع آخر عن استثمار المباني فيقول:
«ولو دفع إليه أرضاً على أن يبني فيها دسكرة ويؤاجرها على إن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان فبناها كما أمره فأجرها فأصاب مالا فجميع ما أصاب من ذلك فهو للباني والبناء له، لأن صاحب الأرض هنا شرط البناء لنفسه فيكون الثاني عاملًا لنفسه في البناء، وإذا كان البناء ملكاً له فعليه البناء أيضاً، وإنما يستأجر البيوت للسكنى وذلك باعتبار البناء، ولهذا لو انهدم جميع البناء لم يكن على المؤاجر للمستأجر أجر بعد ذلك، فلهذا كان الأجر كله لصاحب البناء ولرب الأرض أجر مثل أرضه على الباني لأنه أجر الأرض بنصف ما يحصل من غلة البناء، وهي مجهولة، وقد استوفى منفعة الأرض بهذا العقد الفاسد، فيلزمه أجر مثلها وينقل الثاني بناءه عن أرض رب الأرض لأن الأرض باقية على ملك صاحبها، فعلى الثاني أن يفرغها ويردها على صاحبها لفساد عقد الإجارة بينهما في الأرض، ....».
والدسكرة هي البناء الكبير الذي حوله حجرات أصغر (بيوت). هنا نلحظ في هذا المثال أن المالك لم يقطع وعداً للباني أو العامل بأن يكون شريكاً، بل فقط للعامل نصف تأجير الدسكرة. وفي هذه الحالة أيضاً يقول السرخسي بأن الصواب هو أن تكون جميع غلة الإيجار للعامل (للباني)، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه. وسبب عدم إجازة هذه الشراكة هو أنه عادة ما تُستأجر المباني للسكنى ولأن المعيار المهم في تحديد الإجارة هو المبنى وجودته (وليس الأرض أيضاً، وهذا في أيام السرخسي)، ولأن المبنى من إنتاج الباني وليس مالك الأرض منعت
هامش
ق جاء في لسان العرب: «الدَّسْكَرَةُ: بناء كالقَصْرِ حوله بيوت وهرقل : أنه أذن لعظماء الروم في دسكرة له؛ الدسكرة: بناء على للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي ؛ قـ ب؛ قال الأَخطل : (في قباب هيئة القصر فيه منازل وبيوت للخدم والحشم، وليست بعربية عند دَسْكَرَة، حولها الزيتونُ قد يَنَعَا). والجمع ا الدساكِر ؛ قال محضة. والدَّسْكَرَةُ: الصَّوْمَعَةُ ؛ عن أبي عمرو ...» (۱۲۸). الليث: يكون للملوك، وهو معرّب. وفي حديث أبي سفيان
١١ الشركة
۱۳۰۹
الشراكة. وما يؤكد هذا التوجه في نظره هو أنه إن انهدم المبنى فلن يدفع المستأجر للباني أي أجر. كما أن أجرة الأرض مجهولة لأنها جزء محدد من الإيجار المجهول. لهذا فإن العقد فاسد في نظره. فما الحل إذاً؟ يجتهد السرخسي بأن على الباني أن ينقل المباني التي بناها لتعود الأرض بيضاء ملكاً لصاحبها لفساد عقد الإجارة. فهل هذا الرأي الشاذ منطق! لقد امتد الاجتهاد لدرجة الوصول إلى وضع غريب جداً يثبط الإنتاجية أحياناً! فهل من المنطق أن يُنقل البناء إلا بالنقض والخسائر المرتفعة؟ فلم يقل أي من الفقهاء المعتبرين برأي يفيد هدم ما بني إلا إن كان عدواناً (وليس شراكة)، وهذه مسألة فيها نظر. فإن كان نقل المباني ممكناً كأن تكون المباني سابقة الصب ويمكن تفكيكها لأجزاء ونقلها، فكم سيخسر المجتمع من مجهود ومال وأعيان؟ أريدك أخي القارئ أن تتذكر ما قاله ابن القيم سابقاً من أن بعض الفقهاء خلطوا الإجارة بالشراكة إذ أن ابن القيم قال الآتي ضارباً الأمثلة لعدة شراكات مباحة، بينما منعها الآخرون:
... وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه ويغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد، ...».
ثم لإكمال الصورة يقول السرخسي
«ولو كان اشترط مع ذلك أن الأرض والبناء بينهما نصفان كان ذلك كله مع ما أجرها به لرب الأرض لأنه صار مشترياً لما بنى به هنا بنصف الأرض أو أمره بأن يجعل أرضه دسكرة بآلات نفسه على أن له بعض ما يحصل بعمله، وذلك فاسد ولكنه صار قابضاً مستهلكاً بشراء فاسد فعليه قيمته يوم بنى الباني وأجر مثله فيما عمل وأجر مثله فيما أجر من الدسكرة ، لأنه في كل ذلك عامل لصاحب الأرض بأجرة مجهولة بخلاف الأول، فهناك صاحب الأرض ما شرط لنفسه شيئاً من البناء فيكون الثاني عاملًا لنفسه، وهنا أضاف البناء إلى نفسه حين شرط لنفسه نصف البناء وجعل النصف الآخر أجرة للباني، فلهذا كان البناء كله لصاحب الأرض هنا».
هنا نرى المزج بين الوضعين السابقين للاستثمار في البناء. فللعامل بالإضافة للإجارة نصف الأرض والبناء، وهذا قد يحدث إن لم تكن الأرض ذات قيمة مرتفعة وبحاجة للكثير من الاستثمار البنائي. ففي هذه الحالة يقول السرخسي بأن جميع المباني مع إيجارها هي لصاحب الأرض لأن صاحب الأرض وكأنه اشترى ما بني بنصف قيمة الأرض، وهذا في نظره عقد فاسد لأن مالك الأرض أصبح قابضاً لأعيان بشراء فاسد، لذلك فعليه دفع كل من قيمة المباني وأجر إنشاء هذه المباني وأجر ما أجر من الدسكرة. ثم يوضح السرخسي . سبب هذا الاجتهاد بالتعليل أن العامل عمل بأجرة مجهولة وهي نصف البناء بالإضافة لأجرة المباني فكان الحكم بأن البناء لصاحب الأرض، وليس كوضع لم يشترط فيه مالك الأرض لنفسه شيئاً فيكون العامل عاملاً لنفسه. وكما ترى أخي القارئ، فإن تعبنا أنا وأنت في فهم هذه التعقيدات من النصوص في التعليل للأحكام ونحن باحثون، فكيف بالناس العاملين! ولماذا كل هذا التهويل والتطويل كما قال صديق حسن خان؟ إنه كما قال ابن القيم رحمه الله الظن الذي اعتقد به بعض الفقهاء بأن الشراكة هي الإجارة، وأن العوض بالتالي مجهول ما يؤدي لفساد الشراكة. فالمسألة أبسط من كل هذا.
۱۳۱۰ 🗏
فما دخل فرد في شراكة استثمارية بدفع جزء من ملكه لآخر إلا وهو يأمل في ربح محسوب بالنسبة له. ثم ينتقل النص بعد ذلك لتوضيح صورة أخرى من الشراكة بالقول:
«وإذا دفع إلى رجل بيتاً على أن يبيع فيه البر على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان، فقبض البيت فباع فيه وأصاب مالا، فالمال كله لصاحب البر لأنه ثمن ملكه، وهو في البيع كان عاملًا لنفسه، ولرب البيت أجر مثل بيته لأنه أجر البيت بأجرة مجهولة. ولو كان رب البيت دفع إليه البيت ليؤجره ليباع فيه البر على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان، فهذا فاسد. فإن أجر البيت فالأجر لرب البيت لأن الأجر عوض منفعة البيت هنا، والعامل كالوكيل البيت في إجارته، ولكنه ابتغى عن عمله له عوضاً لم يسلم له فيستوجب أجر مثله فيما
لصاح
عمل».
۱۲۹
وهنا مثال مختلف، فالمبنى في هذا المثال موجود وملك لمالك الأرض، فدفعه لمن يبيع فيه البر شراكة، أي أن المالك شارك بعمل مودع، فقبض بائع البر المبنى فباع فيه فكسب. هنا في هذه الحالة حكم السرخسي بأنه لا شراكة بين الاثنين، ولكن الكسب كله لصاحب البر لأن المال المكتسب هو من البر والذي لا يملكه صاحب المبنى (أصل منتج)، كما أن صاحب البر هو الذي باع لهذا فإن على صاحب البر أن يدفع لصاحب المبنى مثل الإيجار لأن الإيجار مجهول. ترى في هذا المثال تقديم العمل الحاضر على العمل المودع. وهذا بالطبع سيؤدي للمزيد من الكفاءة برغم أن الشراكة قد منعت، ذلك لأن بائع البر سيجتهد قدر المستطاع لاستغلال وجوده في المبنى لبيع أكبر قدر ممكن من البر. هنا في هذا القول للسرخسي تم الفصل بين الاثنين، فتحولت العملية الإنتاجية من عقد شراكة بين اثنين إلى عقد تأجير عقار من فرد لآخر. فأيهما أفضل كإنتاجية (كفاءة) وكعدالة : وصل الاثنين (كشراكة) أو الفصل بينهما؟ وللتوضيح أقول: تذكر ما قلناه عن حجم الشراكة وتفتيت العملية الإنتاجية، فإن كانت العملية الإنتاجية لا تتم إلا بالشراكة فإن اتصال الاثنين للعمل معا هو الأفضل بالطبع. أما إن كانت العملية الإنتاجية لا تتطلب ذلك كما هي حال بائع البر في هذا المثال، فإن الفصل بينهما قد يكون الأفضل من حيث الكفاءة. أي من الأولى اتباع ما قاله السرخسي في هذه الحالة على أن لا يؤدي ذلك لإجهاض الشراكة، بل إجازتها إن أصر مالك المبنى على الشراكة ليزداد الإنتاج. والآن لننظر لبعض الأمثلة من المذهب المالكي. جاء في المدونة الكبرى:
قلت لابن القاسم: أرأيت إن اشتركنا ثلاثة نفر ، لي بيت ولصاحبى الرحا ولصاحبي الآخر البغل علي أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء، وجهلنا أن يكون هذا غير جائز ، فعملنا على هذا فأصبنا مالاً؟
بينهم
المال فقال: يقسم بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً. قلت: فإن كان مختلفاً؟ قال: يقسم المال . أثلاثاً لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه، ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت: فإن لم يصيبوا شيئا؟ قال : يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء، وهذا عندي مثل ما قال مالك في الرجلين يشتركان يأتي أحدهما بمائة درهم والآخر بخمسين درهماً على أن الربح بينهما نصفين. قال مالك: لا خير فيه. ويقتسمان الربح على قدر رؤوس أموالهما ويقام لصاحب الخمسين الزائدة عمله في خمسة وعشرين درهماً، لأن الخمسين الزائدة عملا فيها جميعاً ، فعمل صاحب الخمسين الزائدة في خمسة وعشرين منها، وعمل صاحبه في خمسة وعشرين من الخمسين الزائدة، فله أجر مثله فيما عمل. فإن لم يربحا ووضعا كانت الوضيعة عليهما على قدر رؤوس أموالهما، ويكون لصاحب الخمسين أجر عمله في الخمسة والعشرين الزائدة التي عمل فيها...».
١١ الشركة
۱۳۱۱
إن قارنا المذهبين الحنفي والمالكي نجد أن المذهب المالكي أكثر جمعاً من المذهب الحنفي للحركيات التي تؤدي للكفاءة والعدالة. ففي الاقتباس السابق من المدونة الكبرى سأل سحنون ابن القاسم عن شراكة يصعب تفتيتها لإيجاد المنتج ألا وهي اشتراك ثلاثة أشخاص أحدهم يملك البيت والثاني الرحى والثالث الدابة على أن يتقاسموا الربح من الطحن). ومن صيغة السؤال فإن هذا في المذهب المالكي غير جائز لأن السؤال هو عن كيفية تقسيم الأرباح لأن الشركاء جهلوا أن هذا غير جائز. فكانت الإجابة في تقديم عمل الأيدي على الأدوات والتي هي عمل مودع) وأن هؤلاء الثلاثة عملوا سوية فهم إذاً متساوون في رأس المال لأن رأس مالهم هو عملهم، لذا فإن الربح يجب أن يقسم بينهم بالسوية إن كان كراء الدابة والبيت والرحى متساوياً (معتدلاً) أو متقارباً. أما إن كان الكراء مختلفاً عندها فلابد وأن يرجع من له فضل كراء على الآخرين. وكما مر بنا في اقتباس سابق فإن الإمام مالك لم يجز الشراكة إن لم يستو الشركاء في أدوات الإنتاج وبالطبع إن أصر المذهب على عدم جواز الشراكة إلا إن تساوت أدوات الإنتاج في قيمتها، فإن هذا سيجهض فرصة ظهور المنتج، وكما ذكرت، فإن الأولى للأمة حينئذ الأخذ بما ذهب إليه الحنابلة.
إلا أن الملفت هو الآتي: ما الذي سيحدث إن لم يكسب العاملون شيئاً علماً أن أدواتهم مختلفة في كرائها؟ فكان الرد بأن على الشركاء أن يترادوا فيما بينهم فارق كراء الأدوات (أي مقاصة). فمن أدواته أعلى كراءً له أن يأخذ من الآخرين مقدار الفارق في الكراء. هنا تلحظ إصرار احتساب العمل المودع كرأس مال، بينما الاقتباس يقول بأن رؤوس أموالهم هو عمل أيديهم فقط. وهذا قد يؤدي لإجهاض الشراكة لأن بعض الشركاء قد يترددون في الشراكة إن علموا أنهم سيدفعون الفارق لمثل أجرة آلات الشركاء الآخرين إن لم تربح الشراكة. والسؤال هو: لماذا إثارة خلاف مستقبلي؟ فكما هو معلوم في الشراكة عموماً، فإنه لا تعويض لمجهودات أي شريك إن خسرت الشراكة، بل الخسارة تقع على رأس المال. أي أن هنا تناقضا، وهذا متوقع لأنه رأي شاذ. فالأصل كما هو معلوم أن الربح والوضيعة على رأس المال عندها فلا ظلم لمن ملك الكثير من العمل المودع (الأدوات) لأنه وكأنه رأس مال ولأنه ما دخل الفرد الشراكة إلا وهو يدرك أنه سيستفيد من الطرف أو الأطراف الأخرى التي قد تملك أدوات أقل ومهارة أكبر. وهذا يظهر من المثال الذي وضحه الاقتباس في الرجلين يشتركان أحدهما يدفع مئة والآخر خمسين درهماً على أن الربح بينهما نصفين. فلم يرض صاحب المئة بهذه الشراكة إلا لأن صاحب الخمسين أكثر خبرة أو جاهاً أو تفرغاً. وفي هذا مصلحة للطرفين. إلا أن المذهب هنا يرى أن يُقسم الربح أو الخسارة على قدر رؤوس الأموال على أن يترادوا فيما بينهم أجرة عملهم في الشراكة إذ أن صاحب الخمسين الزائدة له أن يأخذ مثل أجر عمله
هامش
منا
العمل
ر) الآتي هو جزء من ذلك الاقتباس الذي مر في شركة الأبدان نصفان أيجوز هذا في قول مالك ؟ قال : لا خير في هذه الشركة إذا كان «قلت: أرأيت لو أن قصارين اشتركا على أن المدقة والقصارى ومتاع للأداة قدر وقيمة كبيرة، لأن مالكًا قال في الرجلين يشتركان في الزرع القصارة من عند أحدهما والحانوت من عند الآخر، على أن ما رزق وتكون الأرض لأحدهما لها قدر من الكراء فاشتركا على أن يلغي الله بينهما نصفان ؟ قال : لا يعجبني هذا ولم أسمعه من مالك، إلا أني صاحب الأرض كراءها لصاحبه ويخرجـا مـا بعد ذلك . سمعت مالكًا يقول في الرجل يأتي بالدابة والآخر بالرحا فيعملان والبذر بينهما بالسوية، قال : لا خير في ذلك إلا أن يخرج الذي لا أرض كذلك اشتركا على أن ما رزق الله بينهما نصفان، أن ذلك غير جائز. له نصف كراء الأرض ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية، فأرى مسألتك مثل هذا أنه غير جائز إذا كانت إجارتهم مختلفة. فكذلك الشركة في العمل بالأيدي لا تصلح إلا أن تكون الأداة منهما قلت: أرأيت إن اشترك قصاران من عند أحدهما المدقة والقصارى جميعا...». وجميع الأداة تطاول بذلك على صاحبه على أن ما رزق الله بينهما
"
۱۳۱۲ 🗏
عن خمسة وعشرين لأنهما عملا فيها سوياً. أي لا عبرة لاتفاق الشركاء. وهنا أريدك أخي القارئ أن تتذكر أن المقارنة التي وضعها الاقتباس غير سليمة لأنه شبه إجارة الأدوات العمل المودع كالعمل الإضافي لأحد الشريكين، وهذا وضع مختلف. إلا أن هذا المذهب إن تم الإصرار عليه، وكما ذكرت قد يجهض بعض الشراكات من الظهور. بينما هناك أقوال من المذهب الحنبلي تجيز الاتفاق بين الشركاء، وفي هذا المزيد من الحث على ظهور الشراكات ما يؤدي لعدالة أوسع مع مرور الزمن وسيأتي بيانه عند النظر لأمثلة من المذهب الحنبلي بإذن الله). ثم ينتقل النص من المدونة لتوضيحات إضافية لنفس المسألة بالآتي:
... قال: وسألنا مالكاً عن الرجل يأتي بالرحا ويأتي الآخر بالدابة يعملان جميعاً على أن ما اكتسبا فهو بينهما ؟ قال مالك: لا خير في ذلك. فلما قال مالك لاخير في ذلك فسرنا ما سألتنا عنه من المسألة التي كرهها مالك . قلت : أرأيت إن اشتركوا على أن الرحا من أحدهم والبيت من آخر والدابة من آخر على أن على رب البغل العمل، فعمل على هذا ؟ قال : العمل كله لصاحب الدابة الذي عمل وعليه أجر الرحا والبيت. قلت: وإن لم يصب شيئاً؟ قال: نعم وإن لم يصب شيئاً. قلت: لم جعلت جميع العمل لهذا الذي اشترطوا عليه العمل ولم تجعل أصحابه معه شركاء في الرحا والبيت وقد أشركت بين الذين عملوا بأيديهم في المسألة الأولى ؟ قال : لأن أولئك لم يسلم بعضهم إلى بعض ما في يديه وكأن بعضهم آجر سلعة بعض على أن اشتركوا في العمل بأيديهم، وإن هذا الذي سألت عنه الذي شرط عليه العمل وحده ولم يعمل أصحابه معه أسلم إليه الرحا والبيت، فعمل بهما فهو كأنه أعطى رحاً وبيتاً وقيل له اعمل فيه على أن لك نصف ما تكسب ولنا النصف أو الثلث، فإنما هو استأجر هذه الأشياء بثلث أو بنصف ما يكسب فيها، فالإجارة فاسدة، فعليه أجر مثلها .
.«...
ترى هنا في أول النص بأن مالكاً رحمه الله لم يطمئن للشراكة بين اثنين يعملان معاً إن كان من أحدهما الرحا ومن الآخر الدابة لطحن المواد الغذائية. وكما هو معلوم فإن عملية الطحن لابد لها من هذين العنصرين في زمنهم أي الدابة والرحا أي يصعب الفصل بين فردين للعملية الإنتاجية إن كانت ملكية كل آلة لفرد مختلف، وليست كمثال بائع البر الذي سبقت مناقشته إذ يمكن الفصل بين الاثنين للإنتاج، ومع هذا فقد منعت شراكة الطحن. إلا أنه إن كان العمل على أحدهم، وهو صاحب الدابة إن اشترك ثلاثة أفراد (من أحدهم الرحا ومن الآخر البيت ومن الثالث الدابة)، فإن لصاحب الدابة جميع الغلة وعليه أن يدفع لصاحبي الرحا والبيت مثل إيجارهما حتى وإن لم يكسب شيئاً. لاحظ هنا أن العمل المباشر قدم على العمل المودع. وبالطبع فإن كانت في العملية الإنتاجية أدنى مخاطرة فإن صاحب الدابة قد لا يُقدم على العمل، وبهذا ستفقد الأمة فرصة إنتاجية. ثم عندما سئل ابن القاسم عن الفرق بين جعل صاحبي الرحا والبيت الذين عملا مع صاحب الدابة شركاء في الحالة الأولى ولم يجعلهما شركاء في الحالة الثانية، برر إجابته بأن صاحب الدابة في الحالة الثانية، ولأنه عمل منفرداً وكأنه استأجر البيت والرحا لأن الآخرين سلماه البيت والرحا (وهذه إجارة فاسدة في نظره لأنها مجهولة)، فإن عليه مثل أجرهما. وبالطبع كما ذكرت مراراً، فبرغم أن هذا القول قد يؤدي للمزيد من الكفاءة لأن صاحب الدابة سيثابر في العمل للمزيد من الإنتاج لاستغلال مدة إجارة البيت والرحا (مع احتمال تأثر البيت والرحا من كثرة أو سوء الاستخدام لأنها أعيان ليست شراكة في ملكيتها)، إلا أن عدم إجهاض الشراكة هو في صالح الأمة إن أراد الثلاثة الشراكة بأدواتهم على أن يكون العمل من أحدهم، فإن خسروا خسر العامل عمل يده، وخسر ملاك الآلات جزءاً من إيجار آلاتهم. ثم يستمر النص ليأتي على مثال ناصع الاختلاف مع المذهب الحنبلي:
١١ الشركة
۱۳۱۳
...»
... قال : : وقال مالك في الرجل يدفع إلى الرجل دابته أو سفينته يعمل عليها على نصف ما يكسب عليها. قال: ما أصاب على الدابة أو السفينة فهو له، ويعطى رب الدابة أجر مثلها، فالرحا والبيت عندى مثل الدابة التي يعمل عليها على النصف عند مالك، وإنما قسمت المال في هذه المسألة على الأبدان وجعلت الأبدان رؤوس الأموال لأن ما أخرجوا من المتاع له أجرة، فقد تكافؤا في عملهم بأيديهم، فإذا كانت إجارة ما أخرجوا من المتاع معتدلة فقد أكرى كل واحد منهم . متاعه بمتاع صاحبه، وكانت الشركة صحيحة. ألا ترى لو أن هؤلاء الثلاثة أرادوا أن يشتركوا والمتاع لأحدهم فاكتروا منه ثلثي ما في يديه الجازت شركتهم إذا اعتدلت هذه الأشياء بينهم . فكذلك إذا كان لكل واحد . منهم شيء على حدة وكراؤه معتدل أن كل واحد منهم كأنه أكرى متاعه بمتاع صاحبه، وإن كان مختلفاً أعطى من له فضل ما بقي من فضله ولم تكن الدواب رؤوس الأموال مثل الدنانير والدراهم إذا اختلفت أن يخرج هذا مائتين وهذا مائة ويكون الربح بينهما بشطرين والوضيعة كذلك فيكون الربح لرأس المال لأنه مما لا يجوز أن يؤاجر، والرجال يؤاجرون فيقسم الفضل على المال ويعطى الذين تجوز إجارتهم عمل مثلهم فيما أعانوا من له الفضل في رأس ماله كان في ذلك ربح أو وضيعة، أو لا ترى لو أن صاحب المائتين شرط على صاحب المائة العمل لكان فاسداً، فإن وقع فضل أو كانت وضيعة فعلى المال أو للمال لأنه لا يؤاجر وهو رأس المال وأعطى العامل أجر مثله فيما عمل في مال صاحب المائتين. أو لا ترى أن الذين اشتركوا بأبدانهم وأخرجوا الرحا والبيت والبغل لما شرطوا العمل على رب البغل كان الربح له والوضيعة عليه وكان عليه أجر الرحا والبيت لأن لهم أجره وصار عمله كأنه رأس المال. وهذا مذهب أصل قول مالك».
۱۳۰
إن الاختلاف في الاقتباس السابق بين المذهبين المالكي والحنبلي يتجلى بوضوح في مثال دفع الرجل دابته أو سفينته لآخر ليعمل عليها. فالمذهب المالكي لا يجيز هذه الشراكة، بل لصاحب الدابة أجر المثل، وجميع الغلة لمن عمل على الدابة، أي تقديم العمل المباشر على العمل المودع. هنا نأتي لمسألة دقيقة ومهمة: ألا وهي حركية إيجاد ميزان بين الكفاءة والعدالة. وهذا الميزان بيد الأفراد الذين يعلمون مصالحهم عن قرب. كيف؟ هنا لابد من
التوقف لشرح الآتي ثم العودة للأمثلة.
الميزان: الإجارة والشراكة
لاحظ بأنني أتحدث عن استئجار أدوات الإنتاج وليس الأفراد أي ليس إيجار فـرد كموظف. فالأفراد في هذه الأمثلة إما أنهم مشتركون في الأدوات أو يأخذون أجر أدواتهم وإن وجد إيجار للأفراد في هذه الشراكات فهو إيجار مقابل عمل معين كمقاولة وليس أجر شهري كذلك الذي يُدفع للموظفين في الشركات المعاصرة أو في الأعمال الصغيرة كعامل البقالة. وشتان بين الحالين من حيث الكفاءة والعدالة. للتوضيح لنستخدم المثال السابق: إن لم تتم إجازة الشراكة كما ذهب المالكية، فإن العامل على الدابة لن يستأجرها إلا إن كان الربح شبه مضمون، أي أنه لن يخاطر إلا في حدود، وفي هذا تخفيف للإنتاجية على مستوى الأمة. أي أن العامل سيستأجر الدابة إن تأكد أنه سيربح، وعندها فقد ينهك الدابة لأنه سيعمل عليها قدر المستطاع لاستغلال وقت عقد الإجارة. فإن أجرها لثماني ساعات فقد ينهك الدابة، وإن أجر عربة لمدة يوم مثلاً فقد يقودها بالقليل من التوقف وقد يستمر حتى وإن أظهرت أجهزتها أنها بحاجة لصيانة ما مثل ضرورة تغيير معدات المكابح. أي أن العمل على الدابة مجهول، حتى وإن
١٣١٤ 🗏
هي
وضعت شروط لضبط كمية الاستخدام وكيفيته كما حالات السيارات المعدة للتأجير، فإن استمعت لقصص التأجير من أحد موظفي شركات التأجير، لسمعت العجب مما يلاقونه من بعض الزبائن، كأولئك الذين يلقون بفضلات مشروباتهم على مقاعد السيارة المخملية. فإن فكرنا بهذه الطريقة سنستنتج أن الإجارة للأدوات أو الآلات طريق محتوم للهدر ما يستنهك موجودات الأمة بسبب إهمال المستأجرين حتى وإن كان معظم الناس من ذوي الأذواق الرفيعة في التعامل، فهناك البعض المهمل. أي أن تأجير الأدوات ليس في صالح الأمة كالشراكة فيها والتي لحفظ مقتنيات الأمة. وكلما حفظت المقتنيات كلما كثرت لأن الهالك أقل، فتراكم المقتنيات الموجودة مع ينتج من مقتنيات جديدة فيزداد العدل في التوزيع لأن عدد المقتنيات مقارنة بعدد السكان في وضع متزايد على الدوام. أما مع التأجير فإن الوضع قد يكون معاكساً لدرجة ما، إذ أن ما يُستهلك من أعيان مآله النفايات، فبنقصان عمر الموجودات ومع ظهور المنتجات الجديدة، فإن المجموع أقل مما كانت ستؤدي إليه الشراكات.
ستؤدي.
هو
ولكن في الوقت. ت ذاته، قد يقول قائل العكس تماماً: أي أن ما ذهب إليه المذهب المالكي الأفضل لأن من يستأجر الآلة سيعمل أكثر وبهمة أكثر ليستغل وجوده على رأس الآلة فترة التأجير، وبهذا فإن إنتاجه سيكون أعلى، أي أكثر كفاءة. ومع تراكم المزيد من الإنتاج على مستوى مجموع الأمة فإن مجموع ما يُنتج من أعيان جديدة أو خدمات جديدة سيفوق ما تراكم من أعيان قديمة مع أعيان مستحدثة أقل نسبياً بسبب الشراكة. أي لهذا يمكننا القول بصعوبة معرفة الطريق الأمثل للأمة أهي الشراكة أم التأجير ؟ هنا نأتي لأهمية دور الفرد الذي يرجح مصلحته في الغالب. فهو عندما يرفض التأجير ويصر على الشراكة، فهو إنما يخوض شراكة غير أكيدة في ربحها، ويريد الآخرين أن يشاركوه في المخاطرة، وقد يرفض الطرف الآخر ويصر على التأجير لأن الآلة قد تكون مرتفعة في إيجارها، وهكذا ببحث كل فرد عن مصلحته ستظهر الاتفاقات إما شراكة أو تأجيراً. هذا الظهور للاتفاقات هو الذي يؤدي في مجموعه للكفاءة والعدالة معاً، لأنه يجمع بين التأجير المؤدي لرفع الكفاءة في بعض الصفقات وبين الشراكة المؤدية لتوزيع أفضل في صفقات أخرى. أي أن القرار بدل أن يكون كبيراً بيد فقيه أو مسؤول حكومي ما، سيتفتت إلى قرارات أصغر بأيدي جميع الناس الباحثين عن مصالحهم ليتراكم من خلال العرض والطلب ليقود الأمة كحركية لما هو أسمى
وهناك وجهة نظر أخرى فقد تقول أن الشراكة قد تكون أفضل من التأجير من حيث الكفاءة في الكثير من الشراكات، لأن المهم في تلك الشراكات ليس عمل الأفراد بل الأدوات أو الآلات وقيمتها. فإن قارنت العمل في مطبخ ما شراكة (إذ أن أجر العمل مرتفع جداً مقارنة بأدوات المطبخ)، بمطبعة استأجرها فرد من آخر (علماً بأن أجهزة الطباعة مرتفعة في السعر مقارنة بعمل الأفراد)، فإن العمل شراكة في المطبعة هو الأفضل حفاظاً على الأجهزة. وهكذا يصعب اتخاذ القرار لمجموع الأمة: هل هي الشراكة أم الإجارة؟ لذلك نقول دائماً بأن ترك الخيار للأفراد لاتباع أي من المذاهب الفقهية هو الأفضل لأن هذا لن يحد من مبادرات الأفراد للعمل والإنتاج. وكما هو معلوم، فكلما كثرت المبادرات كلما زاد الإنتاج. فشتان بين مجتمعين أحدهما أفراده مبادرون كما المجتمعات الرأسمالية، والآخر مثبطون كما هي حال المجتمعات الاشتراكية والإسلام أكثر مبادرة منهما إن طبقت مقصوصة الحقوق كما سترى بإذن الله. ونقول أكثر لأن كلاً من الشراكة والإجارة داخل إطار واحد برغم
الاختلافات لطالما كان الإطار الأكبر (الموارد والموافقات والمعرفة الذي يفتح أبواب التمكين متفق عليه.
هي
حال
١١ الشركة
١٣١٥
وهنا قد تقول ناقداً أن الغرائز الأنانية قد تطغى إن تُرك الخيار للناس فتنتفي العدالة. أي أنك قد تقول كما
قال أولئك الذي نقدوا المذهب المنفعي المدعوم بالنظرة المادية الذي تحدثنا عنه في فصل «القذف بالغيب» والذي قلت فيه بأن النظرة المادية كانت مبرراً للمجتمعات الرأسمالية للتهافت على الثروة واللذة الجسدية إذ أن الكل سيستفيد من الآخر، وقلت بأن تلك النظرة تعتمد على الاستهلاكية على أنها هي الطريق لسعادة المجتمع لأنها تعكس مصالح الأفراد حيث ظهر مفهوم الإنسان الاقتصادي الذي أصبح محور علم الاقتصاد وهو ما دعاه جيفونز Jevons بـ «آلية المنفعة والمصلحة الذاتية والتي حصر آليتها فريدمان Friedman في أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة للإنسان . هي زيادة ربحه. فإن خطر لك هذا أخي القارئ أذكرك بأن هناك من الباحثين مثل توينبي Toynbee ممن دعوا إلى ضرورة إدخال الدين في المذاهب الاقتصادية لتحقيق السمو الأخلاقي والتضامن الاجتماعي. وأذكرك أيضاً بأن هناك من التكافل الاجتماعي الذي وضعته الشريعة على شكل حركيات (مثل دفع الزكاة) ما يحفظ حق الفقراء مثلاً. أي لن يحدث ما حدث في الغرب من جشع وطمع لأن الحرية للأفراد للاختيار بين الشراكة والتأجير لن تنتهي بوضع معاصر كالشركات الاحتكارية المعاصرة لأنه إن طبقت الشريعة لأجيال فإن الشراكات المبنية على التكاتف بين الشركاء هي التي ستنتشر في العالم الإسلامي لأن المنتجات بتحولها من الكماليات للضروريات (كما وضحت في فصل «القذف بالغيب» وسيأتي المزيد بإذن الله في الفصل القادم وفصل «البركة») وبزيادة جودتها بحاجة للكثير من التكاتف من الأفراد من ذوي المهارات المختلفة وبالأدوات والآلات المختلفة فتظهر الحاجة للشراكات.
لاحظ أنني سابقاً كنت قد قلت أنه مع سمو المجتمع بتطبيق مقصوصة الحقوق لأجيال فإن القيم ستسمو وتضمحل الحاجة للتأجير للأفراد إلا تأجيراً لعمل محدد. أي أن معظم إن لم يكن جميع من يعمل إنما يعمل فيما يملكه إما ١) فرداً بآلاته لإنتاج ما أو لتقديم خدمة ما (وعندها فهو يخدمهم لعمل محدد، أي مأجور مؤقتاً للعمل للآخرين) أو (۲) فرداً باستئجار آلات الغير أو (۳) شراكة بآلاتهم أو (٤) شراكة باستئجار آلات الغير. أي لا وجود لموظفين مأجورين بالشهر أو بالسنة. وهذه الاحتمالات الأربعة تزداد تأكداً مع مرور الوقت بسمو المجتمع لأن المنتجات العالية الجودة ستتفتت لأجزاء يجمع كل جزء منها أكبر قدر ممكن من الشركاء دون خلاف بينهم، فتنعدم البيروقراطيات الهادمة للكفاءة. وهكذا يسير المجتمع مع الشراكات المبنية على الأمانة والكفاءة جيلاً بعد جيل لأن الكل عزيز ويستطيع الانتقال من عمل لآخر أو من شريك لآخر فيقع على ما يحبه ويتقنه فترتفع الكفاءة والعدالة، فيظهر المجتمع المسلم الأمثل وليس المجتمع المدني المتبني للديمقراطية كمنهج حياة. نعود الآن لتوضيح ما اقتبس أخيراً من المدونة من المذهب المالكي.
عود للأمثلة
ذكرت بأن الاختلاف بين المذهبين المالكي والحنبلي يتجلى بوضوح في مثال دفع الرجل دابته أو سفينته لآخر ليعمل عليها. وقلت بأن المذهب المالكي لا يجيز هذه الشراكة وأن لصاحب الدابة أجر المثل بينما جميع الغلة لمن عمل على الدابة. وذكرت بأن هذا الرأي هو في صالح الكفاءة إن وقع التأجير إلا أنه قد يؤدي لإهدار
١٣١٦ 🗏
ور
الموارد، أي تقليل عمر الدابة أو السفينة في هذه الحالة. وقلت بأن الأفضل على مستوى الأمة هو المذهب الحنبلي الذي لا يقف في طريق ظهور الشراكة بين العامل وصاحب السفينة. لكن لاحظ بأن ابن القاسم رحمه الله (في الاقتباس السابق) ذهب إلى أن الشراكة في الرحا والبيت والدابة تقع على الأبدان لأنها هي رؤوس الأموال وأن ما أُخرج من متاع له أجرة. وبهذا فقد تكافؤا في أعمالهم، أي في رؤوس أموالهم، ولهذا فإن الشراكة صحيحة إن كانت إجارة ما استخدموه من آلات متقاربة. وهذا بخلاف مثال من عمل على السفينة أو الدابة لأن مالك السفينة لم يعمل، فليس له رأس مال في الشراكة ولهذا لن تصح الشراكة. لكن في مثال الرحا إن كان كراء ما أخرجه كل فرد من الثلاثة من متاع مختلف فإن على الشركاء المقاصة، فيأخذ من له فضل من أجر مثل المتاع من الآخر أو الآخرين وتصح الشراكة. ثم يذهب النص لتوضيح مهم جداً وهو أن رأس المال لا يؤاجر، بل لرأس المال الربح أو عليه الوضيعة، أي الخسارة. لهذا فإن من عمل في الرحا والبيت دون الآخرين كان عمله كأنه رأس ماله وعليه مثل إيجار البيت والرحا أي في هذه الحالة، تحولت الشراكة من مخاطرة بين ثلاثة إلى مخاطرة فرد واحد، وإن خسر فعليه إيجار البيت والرحا وعندها قد يصبح مديوناً، وفي هذا تثبيط لظهور الشراكات فلا تزدهر الكفاءة. والآن لنناقش بعض الأمثلة من المذهب الشافعي والذي كان أكثر تضييقاً من المذهب المالكي في ظهور الشراكات. جاء في المجموع:
العقد
«إذا كان لرجل سيارة نقل دفعها لآخر ليعمل عليها وما يرزق الله قسم بينهما نصفين أو ثلاثاً أو كيفما شرطا لم : يصح، والربح كله لرب السيارة، لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها، وللعامل أجر مثله، لأن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة. وقال أحمد وأصحابه: يصح نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن حرب وأحمد بن سعيد . وقال أبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لأنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها بيوم واحد ..
۱۳۱
لاحظ هنا أن القول السابق للمطيعي لم يجز الشراكة، بل حول احتمال ظهور الشراكة إلى عقد إجارة. فيكون الربح لمالك السيارة لأنها عين تنمى بالعمل عليها، وللسائق أجر المثل. وهذا عكس ما ذهب إليه المذهب المالكي إذ أن الربح للعامل ولمالك الدابة الأجر. ألا يؤدي ما ذهب إليه الشافعية إلى اضمحلال الكفاءة لأن العامل قد لا يجتهد لأن أجره مضمون، بينما المالك لا يدري ما الذي يحدث لسيارته لغيابه عنها لأنها تسير بعيداً عنه؟ لنأخذ مثالاً آخر: قال البويطي: «فإذا اشترك أربعة فأخرج أحدهم بغلاً والآخر حجر الرحى ومن الآخر البيت ومن الرابع العمل على أي يكون ما حصل من الأجرة بينهم على ما شرطوه، فإن هذه معاملة فاسدة، لأنها ليست شركة ولا قراضاً ولا إجارة لما بيناه في الفصل قبله».
۱۳۲
هنا ترى في الاقتباس السابق أن البويطي لم يجز هذه الشراكة برغم أن عملية الطحن لا تتم إلا بتوافر
.
البغل والرحى والمكان والعمل، وفي هذا تثبيط لظهور مثل هذه الشراكات فتتأثر الإنتاجية إذ أن فرصة اجتماع هذه الموارد عند فرد واحد أقل احتمالاً من فرصة توافرها عند عدة أفراد وبالذات إن كان المجتمع أكثر عدلاً في توزيع الموارد. وهنا تظهر مسألة مهمة، ألا وهي أنه كلما سما المجتمع في مقتنياته وكلما كان التوزيع أكثر عدلاً هذا صعوبة إيجاد مصانع خلال فرد أو اثنين، بل بتكاتف الكثير من الأفراد. فالمجتمعات الرأسمالية المتميزة بقلة الأثرياء هي التي يظهر فيها الثري المتمكن الذي يستطيع تأمين جميع موارد صناعة ما
كلما عنى
متقدمة
من
١١ الشركة
۱۳۱۷
بمفرده، فيظهر التسخير الممقوت الذي تحدثنا عنه. . ولتلافي التسخير وللحصول على إنتاجية عالية نحن بحاجة للشراكة تكاتفاً بين العديد من الأفراد. لننظر الآن للزراعة حول نفس المسألة. قال الشافعي في البويطي:
«إذا اشترك أربعة أنفس في الزراعة فأخرج أحدهما [أحدهم] البذر ومن الثاني الأرض ومن الثالث الفدان، يعني البقر التي يعمل عليها، والرابع يعمل على أن يكون الزرع بينهم، فإن هذا عقد فاسد، لأنه ليس شركة ولا قراضاً ولا إجارة، لأن الشركة لا تصح حتى يخلط الشركاء أموالهم، وهاهنا أموالهم متميزة، وفي القراض يرجع رب المال إلى رأس ماله عند المفاصلة، وههنا لا يمكن، والإجارة تفتقر إلى أجرة معلومة وعمل معلوم، فإذا ثبت هذا كانت الغلة كلها لمالك البذر لأنها عين ماله زادت، وعليه لصاحب الأرض ولصاحب الفدان أجرة مثل مالهم، وللعامل أجرة مثل عمله عليه، لأن كل واحد منهم دخل في العقد ليكون له شيء من الغلة، ولم يسلم لهم ذلك، وقد تلفت منافعهم فكان لهم
بدلها».
۱۳۳
ترى هنا توضيح للأسباب التي أدت للقول بأن هذه الشراكة في الزراعة فاسدة. فهي ليست شراكة في نظر الشافعي لأن المال لم يخلط، فهو لازال أثناء عملية الإنتاج متميزاً؛ وهو ليس قراضاً لأن عملية الإنتاج ستؤدي لاستهلاك الأرض والبقر والبذور وفقدان العامل لجهده ، وحينها لا يمكن الرجوع عن الشراكة إن أراد أحد الشركاء فسخ الشراكة؛ كما أن العقد ليس بإجارة لأن كلاً من الأجرة والعمل مجهولان. لهذا فهو يرى أن الغلة كلها لمالك البذور لأنها عين تنمى بالعمل عليها وعليه دفع أجرة مثل مال الأرض والبقر لأن أعيانهما قد تلفت جزئياً بالإضافة لدفع مثل إيجار العامل لأن العامل خسر مجهوده. لاحظ أن الشافعي قدم العين التي تنمى بالعمل عليها» على كل من العمل ذاته من العامل وعلى العمل المودع. وكما هو واضح فبالطبع قد يتردد صاحب البذور كثيراً في الإقدام واستئجار العامل والبقر والأرض لأنه إن لم يربح لأي سبب مثل تأخر هطول الأمطار فسيخسر بذوره بالإضافة لإيجار تلك الأيدي والأعيان، فتضمحل الإنتاجية. ناهيك عن أنه إن خاطر وبذر فإن العامل الذي يعمل بالأجر قد لا يجتهد كما إن كان شريكاً. لهذا فإن ما ذهب إليه الحنابلة في هذه الحالة هو الأولى بالاتباع. ففي هذه الحالة بالذات، فإن المذهب الشافعي لن يؤدي للكفاءة حتى إن نظرنا للزراعة بمفردها (تذكر ما بيناه من أن بعض الآراء تدفع للعدالة على مستوى الأمة كما يذهب الحنابلة وبعضها للكفاءة على مستوى العقد ذاته). والآن لننظر لاقتباس رابع من الفقه الشافعي وبإمكانك قفزه أخي القارئ نظراً لتعقيده)، جاء في المجموع: «وإذا اشترك أربعة في زراعة أرض على أن يكون من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر ومن الآخر بقر الحرث ومن الآخر العمل، كانت شركة فاسدة، لأن الشركة إنما تصح فيما لا يتميز إذا خلطاه، فعلى هذا يكون الزرع لصاحب اليد لأنه نماء يملكه، ويكون عليه أجرة مثل الأرض والبقر والعامل لأنهم دخلوا على عوض فاسد. قال الشافعي رضي الله عنه : فإذا أصابوا شيئاً جعل لكل واحد منهم أجرة مثله، وجعل كرأس ماله، وقسم ما حصل بينهم على قدره قال أبو العباس بن سريج: في هذا مسألتان: أحدهما إذا جاء رجل فاستأجر من كل واحد ماله ليطحنوا له طعاماً معلوماً بأجرة معلومة بينهم، بأن يقول لصاحب البيت: استأجرت منك هذا البيت ومن هذا الحجر ومن هذا البغل ومن هذا نفسه لتطحنوا لي كذا وكذا من الحنطة بكذا وكذا .درهم فقالوا: قبلنا الإجارة، فهل يصح هذا العقد ؟ فيه قولان: كالقولين في أربعة أنفس لهم أربع دواب باعوها بثمن واحد؛ وكالقولين فيمن تزوج أربع نسوة بمهر واحد، أو خالعنه بعوض واحد. فإذا قلنا: لا يصح، استحق كل واحد منهم أجرة مثل ماله على صاحب الطعام. وإن قلنا يصح، نظر، كم أجرة مثل كل واحد منهم؟ وقسم المسمى بينهم على
۱۳۱۸ 🗏
بعقد مفرد صح د في
قدر أجور مثلهم. ولو استأجر من كل واحد ملكه بأجرة معلومة على عمل معلوم أو مدة معلومة ذلك قولاً واحداً، واستحق كل واحد مـ د منهم ما يسمى له. المسألة الثانية: إذا استأجرهم الذمة مثل أن يقول: استأجرتكم لتحصلوا لي طحن هذا الطعام بمائة، صحت الإجارة قولاً واحداً. ووجب على كل واحد منهم ربع العمل واستحق ربع المسمى من غير تقسيط. فإذا طحنوا استحقوا المسمى أرباعاً، وكان لكل واحد منهم أن يرجع على شركائه بثلاثة أرباع عمله فيرجع صاحب البغل على شركائه بثلاثة أرباع أجرة بغله وكذلك صاحب البيت والرحى والعامل، لأن كل واحد منهم يستحق عليه ربع العمل. وقد عمل الجميع فسقط الربع لأجل ما استحق عليه، ورجع على شركائه بما لم يستحق عليه. فإن قال: استأجرتكم لتطحنوا لي هذا الطعام بمائة، فقالوا: قبلنا. فذكر الشيخ أبو حامد الأسفراييني في التعليق أنها على قولين كالمسألة الأولى. وذكر المحاملي في البحر وابن الصباغ: أنها لا تصح قولاً واحداً كالمسألة الثانية. فإن قال الرجل منهم: استأجرتك لتحصل لي طحن هذا الطعام بمائة . فقال : قبلت الإجارة لي ولأصحابي، أو نوى ذلك وكانوا قد أذنوا له في ذلك فالإجارة صحيحة، والمسمى بينهم أرباعاً، فإذا طحنوا رجع كل واحد منهم بثلاثة أرباع أجرة ماله على شركائه، وإن لم ينو أن يقبل له ولأصحابه لزمه العمل بنفسه، فإذا طحن الطعام بالآلة التي بينه وبين شركائه استحق المسمى وكان عليه أجرة مثل آلاتهم» . .
١٣٤
إن الاقتباس السابق امتداد للاقتباس الذي قبله والذي ناقش اشتراك أربعة أنفس في الزراعة، إلا أن فيه توضيح عما إن تمت الشراكة برغم فسادها في المذهب الشافعي واستمر العمل وظهر الزرع فكيف يُقسم الربح. يقول الشافعي بأن يأخذ كل واحد من الشركاء أجرة مثله ويعتبر هذا الذي أخذ هو رأس ماله، ثم يقسم الباقي على قدر رؤوس الأموال. هنا وضح أبو العباس بن سريج بأنه عموماً ما تظهر مسألتان لعلاج كيفية تقسيم إجارة طحن الطعام بين الشركاء في المسألة الأولى قولان وفي المسألة الثانية حالتان، والحالة الأولى فيها قول واحد، والحالة الثانية فيها قسمان، في القسم الأول قول واحد وفي القسم الثاني قولان، أي أن المجموع ستة أقوال، وهناك حالة سابعة تنفرد عن الأقوال الستة، أي أن هناك سبعة احتمالات.
في المسألة الأولى يكون إيجار طحن الطعام لكل واحد منهم على انفراد، وفي المسألة الثانية يكون الإيجار للجميع على الذمة. ففي المسألة الأولى وهي المشابهة لمن لهم أربع دواب وباعوها بثمن واحد، فإن القول الأول لا يجيز الشراكة، عندها يستحق كل واحد منهم أجرة مثل ماله أي أجرة مثل الأدوات وهي البيت والحجر والبغل والعامل. والقول الثاني يجيز الشراكة عندها يقسم المال على قدر أجرة كل واحد منهم. لاحظ هنا أن المذهب في هذا القول أجاز الشراكة. وسنأتي بإذن الله على بعض الأقوال للمتأخرين من الشافعية الذي أجازوا مثل هذه الشراكات.
وفي المسألة الثانية حالتان الأولى استئجارهم جميعاً على الذمة بالقول: «استأجرتكم لتحصلوا لي طحن هذا الطعام بمائة»، عندها فإن الإجارة تصح قولاً واحداً. وفي هذه الحالة يجب على كل واحد من الأربعة القيام بربع العمل ليستحق ربع المبلغ، وعليه إرجاع ثلاثة أرباع عمله على شركائه كأن يرجع صاحب البغل على شركائه بثلاثة أرباع أجرة بغله. وفي الحالة الثانية قوله لهم: «استأجرتكم لتطحنوا لي هذا الطعام بمائة». لاحظ الفرق بين الحالتين، ففي الأولى كانت الإجارة لتحصيل الطحن، أي بإمكانهم توكيل من شاؤوا للقيام بالطحن، وفي الثانية هم يقومون بالطحن. هنا في الحالة الثانية قال أبو حامد الأسفراييني على أنها على قولين كالمسألة الأولى. القول الأول
١١ الشركة
۱۳۱۹
أنها لا تصح قولاً واحداً، والثانية تنقسم أيضاً لقسمين بناء على النية القسم الأول: إن قال الزبون للعامل: «استأجرتك لتحصل لي طحن هذا الطعام بمائة». عندها إن قبل لنفسه ولأصحابه نيابة عنهم وكانوا قد أذنوا له في ذلك فالإجارة صحيحة، والمبلغ بينهم أرباعاً، أما إن لم ينو القبول لنفسه ولأصحابه (القسم الثاني) عندها فعليه العمل بنفسه وكأنها مقاولة، فإن استخدم في الطحن آلات الآخرين استحق المبلغ وكان عليه أجرة مثل آلاتهم. بقي الاحتمال السابع الذي يختلف عن باقي الاحتمالات وهو قيام الزبون باستئجار كل واحد من الأربعة بعقد منفرد
بأداته أو عمله بأجرة معلومة على عمل معلوم أو مدة معلومة عندها فإن العقود مع الأربعة جائزة قولاً واحداً.
إن تفكرت في السابق ستحار كيف أن الاجتهاد دون دليل نصي قد يسحب الأقوال لمواقع بعيدة عن إدراك العامة من الناس وبالذات في قضاياهم اليومية الضرورية . فهل يستطيع العامل الذي يريد الإنتاج التعامل مع جميع هذه الأقوال، أم أنه سيسأل فقيهاً ما؟ فإن سأل وقال له الفقيه إن في المسألة قولان وكل منهما يتفرع لقولين آخرين ثم أحد هذين القولين سيتفرع لقولين آخرين، فبماذا عسى هذا العامل أن يأخذ؟ لهذا كنت قد أكدت سابقاً بأن ما قاله كل من ابن القيم وصديق حسن خان أثابهما الله في الاقتباسين السابقين في غاية الأهمية. ولكن في الوقت ذاته يجب ألا ننسى ما ذكر في شركة الأبدان من أن جميع الأقوال تؤدي لرفع الكفاءة والعدالة ولكن بدرجات مختلفة. تذكر أخي القارئ كيف أن قول الشافعية الذي يمنع شركة الأبدان هو الأكثر كفاءة إن لم تكن قيم أفراد المجتمع سامية بعد وكانت غرائزهم الإنسانية تتصف بنوع من حب الذات، لأن المنع قد يؤدي لتفصيص الأجور ليأخذ كل عامل قدر عمله ومهارته وقلت بأنه مع تطبيق الشريعة ولانعدام التسخير وبسمو قيم الناس وبانتشار الإيثار فإن المذهب الحنبلي الذي يجيز شركة الأبدان هو الأكثر كفاءة لأن الشركاء يخافون الله ويعملون بهمة حتى وإن لم يكن الشركاء أو الشريك الآخر حاضراً ولأن عزة الأفراد تجعلهم في وضع يستطيعون فيه التخير من الأعمال المعروضة عليهم بما يلائم مهاراتهم وندرتهم لنأخذ الآن اقتباساً خامساً لوضع مختلف من المذهب الشافعي قال الشيرازي موضحاً:
«وإن أخذ رجل من رجل جملاً ومن آخر راوية على أن يستقي الماء ويكون الكسب بينهم، فقد قال في موضع يجوز. وقال في موضع لا يجوز، فمن أصحابنا من قال: إن كان الماء مملوكاً للسقاء فالكسب له، ويرجع عليه صاحب الجمل والراوية بأجرة المثل للجمل والراوية، لأنه استوفى منفعتهما بإجارة فاسدة فوجب عليه أجرة المثل، وإن كان الماء مباحاً فالكسب بينهم أثلاثاً لأنه استقى الماء على أن يكون الكسب بينهم، فكان الكسب بينهم، كما لو وكلاه في شراء ثوب بينهم فاشتراه، على أن يكون بينهم، وحمل القولين على هذين الحالين؛ ومنهم من قال: إن كان الماء مملوكاً للسقاء كان الكسب له، ويرجعان عليه بالأجرة لما ذكرناه، وإن كان الماء مباحاً ففيه قولان: أحدهما أنه بينهم أثلاثاً لأنه أخذه على أن يكون بينهم فدخل في ملكهم كما لو اشترى شيئاً بينهم بإذنهم. والثاني: أن الكسب للسقاء لأنه مباح اختص بحيازته فاختص بملكه كالغنيمة ويرجعان عليه بأجرة المثل لأنهما بذلا منفعة الجمل والراوية، ليسلم لهما الكسب ولم يسلم، فثبت لهما أجرة المثل»
۱۳۵
في هذا النموذج الأخير للشراكة نرى وضعاً جديداً ألا وهو أن الشراكة شراكة اغتنام أو همم، وليست مقاولة كبعض النماذج السابقة، ففي شراكات المقاولة كما في بعض الأمثلة السابقة نلحظ أن العلاقة بين الشركاء تتجدد مع كل زبون مثل الطحن، أما في الاغتنام أو الهمم فإن الشركاء عادة ما يقومون بإنتاج يعدونه للآخرين
۱۳۲۰ 🗏
لشرائه كمصنع لأحد المستهلكات مثلاً. وفي الاقتباس السابق وكأن الشركاء أوجدوا مصنعاً للماء. فإن أخذ رجل من رجل جملاً ومن آخر راوية على أن يستخرج الماء ويبيعه، فكما قال البويطي، فإن كان الماء أصلاً مملوكاً للسقاء (أي الشخص الذي يعمل ويستخرج الماء كأن يكون من بئر في أرضه فإن الكسب للسقاء وعليه لصاحب الجمل والراوية أجر المثل. أما إن كان الماء مباحاً كأن يكون من نهر مثلاً فالكسب بينهم أثلاثاً. وهناك مذهب ثالث وهو أنه إن كان الماء مباحاً ففيه قولان: أحدهما أنه يقسم بينهم أثلاثاً لأنه وكأنه اشترى شيئاً بينهم بإذنهم، والثاني أن الكسب للسقاء لأنه من مباح ويدفع للآخرين أجر المثل.
مثلاً
إن الملفت في السابق هو القول بقسمة الأرباح شراكة إن كان الأصل مباحاً. والأمثلة على هذا كثيرة، منها استخراج النحاس والرخام من الجبال وما شابه. لاحظ بأن هذا القول مخالف لما مر بنا من أن السمك لمن صاده
كما جاء في الحاوي الكبير من المذهب الشافعي لكن المهم هو أن هذا القول بقسمة ما يُنتج من حجر أو خشب أو فوسفات أو نحاس أو فضة أو نفط فيه توزيع بين عدد أكبر من الناس ما يؤدي لعدالة أكبر. والآن لننظر
للمذهب الحنبلي.
المذهب الحنبلي
ت
بعد قراءة السابق من أقوال المذاهب الثلاثة ومقارنتها بالمذهب الحنبلي لعلك الآن أخي القارئ على دراية لما ذهب إليه الحنابلة. والآن لنقرأ الاقتباس ،الآتي فهو من أنفس ما كتب عن الشراكة وضوحاً. يقول ابن قدامة: «وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا، صح. نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد. ونقل عن الأوزاعي ما يدل على
هامش
ش) الآتيه هو مثال مشابه بتفصيل أكبر: «قال في البويطي: فإن منه شيء؟ فيه وجهان: أحدهما، وهو قول الشيخ أبي حامد في التعليق، اشترك ثلاثة من أحدهم البغل ومن الآخر الراوية ومن الآخر العمل أنه يقسم بينهم بالتقسيط على قدر أجور أمثالهم. وحكي أن الشافعي على أن يستقي الماء ويكون ما رزق الله بينهم فإن هذه معاملة فاسدة رحمه الله نص عن ذلك. والثاني حكاه ابن الصباغ عن الشافعي رحمه لأنها ليست بشركة ولا قراض ولا إجارة لما بيناه، فإذا استقى الماء الله تعالى أنه يكون بينهم أثلاثاً ويرجع صاحب البغل بثلثي أجرته وباعه وحصل منه على ثمن فقد قال الشافعي رضي الله عنه في موضع على صاحبه، ويرجع صاحب الراوية بثلثي أجرته على صاحبه، يكون ثمن الماء كله للعامل، وعليه أجرة مثل البغل والراوية. وقال في ويرجع صاحب السقاء على صاحبيه بثلثي أجرته. وأما صاحبنا موضع: يكون ثمن الماء كله للسقاء وعليه أجرة البغل والراوية إذا المصنف فيذكر أنه يكون بينهم أثلاثاً وأطلق، فإن استأجرهم غيرهم كان الماء ملكاً له، مثل أن يأخذ الماء من بركة له أو مما ينبع في ملكه ليستقوا له ماء. قال أبو العباس: ففيه مسألتان كما ذكر في الطحن إن لأن الماء ملكه، وكان ثمنه ملكاً له، وعليه أجرة البغل والراوية لأنه استأجرهم إجارة معينة بأجرة واحدة ففيه قولان، وإن استأجرهم في
استوفى منفعتهما على عوض، ولم يسلم لهما الغرض. والموضع الذي ذممهم صح قولاً واحداً والله تعالى أعلم» (١٣٦). قال: يكون ثمن الماء بينهم إذا كان الماء مباحاً، لأن الثمن حصل ت الظاهر أن بعض فقهاء الشافعية المتأخرين أجازوا الشراكة بين بالعمل والبغل والراوية. ومنهم من قال: إن كان الماء ملكاً للسقاء اثنين بالعمل شراكة بالأدوات. ففي المجموع مثلاً مثال معاصر إذ فالثمن كله له وعليه أجرة البغل والراوية لما ذكرناه، وإن كان الماء يقول المطيعي: «إذا كان لرجل أرض مبنية على شكل مضرب أرز مباحاً ففيه قولان: أحدهما أن الثمن كله للسقاء لأن الماء يملك ولآخر آلات وماكينات مضرب أرز فاشتركا على أن يعملا بأدوات بالحيازة ولم توجد الحيازة إلا منه وعليه أجرة مثل البغل والراوية، هذا في مبنى هذا والكسب بينهما جاز ، والأجرة على ما شرطاه لأن لأنهم دخلوا على أن يكون لهم قسط من ثمن الماء، فإذا لم يحصل ذلك الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة، والآلة لهم استحقوا أجرة المثل. والقول الثاني أن ثمن الماء بينهم لأنه لم والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك»
يتناول الماء لنفسه، وإنما تناوله ليكون بينهم ) فكان بينهم، فصار (۱۳۷).
كالوكيل لهم . قال ابن الصباغ وهكذا لو اصطاد له ولغيره، فهل لغيره
١١ الشركة
۱۳۲۱
لا يصح
هذا. وكره ذلك الحسن والنخعي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يـ والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها، وللعامل أجرة مثله، لأن هذا ليس من أقسام الشركة، إلا أن تكون المضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة في الأعيان، وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. وقال القاضي: يتخرج أن لا يصح بناءً على أن المضاربة بالعروض لا تصح فعلى هذا إن كان أجر الدابة بعينها فالأجر لمالكها، وإن تقبل حمل شيء فحمله أو حمل عليها شيئاً مباحاً فباعه، فالأجرة والثمن له، وعليه أجرة مثلها لمالكها. ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدارهم والدنانير، وكالشجرة في المساقاة، والأرض في المزارعة. وقولهم : إنه ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا: نعم، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعروض فاسد، فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه. وذكر القاضي في موضع آخر في من استأجر دابة ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه جاز ولا أرى لهذا وجها؛ فإن الإجارة يشترط لصحتها العمل بالعوض، وتقديره المدة أو العمل، ولم يوجد، ولأن هذا عقد غير منصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، فهو كسائر العقود الفاسدة، إلا أن يريد بالإجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم. وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر. وهذا يدل على أنه قد صار في هذا مثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة. ونقل أبو داود عن أحمد في من يعطي فرسه على النصف من الغنيمة، أرجو أن لا يكون به بأس. قال إسحاق بن ابراهيم: قال أبو عبد الله : إذا كان على النصف والربع فهو جائز وبه قال الأوزاعي. ونقل أحمد بن سعيد عن أحمد في من دفع عبده إلى رجل ليكسب عليه، ويكون له ثلث ذلك أو ربعه، فجائز، والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة. وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصاناً يبيعها، وله نصف ربحها بحق عمله، جاز. نص عليه في رواية حرب. وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز، نص عليه. ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئاً من ذلك لأنه عوض مجهول وعمل مجهول، وقد ذكرنا وجه جوازه. وإن جعل له مع دراهم معلومة لم يجز، نص عليه، وعنه الجواز، والصحيح الأول. وقال أبو بكر: هذا قول قديم، وما روي غير هذا فعليه المعتمد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين؟ قال: أكرهه، لأن هذا شيء لا يعرف. والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر. قيل لأبي عبد الله : فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما ؟ قال : فليجعل له ثلثاً وعشري ثلث ونصف عشر وما شابه. وروى الأثرم عن ابن سيرين والنخعي والزهري وأيوب ويعلى بن حكيم أنهم أجازوا ذلك. وقال ابن المنذر: كره هذا كله الحسن. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : هذا كله فاسد، واختاره ابن المنذر وابن عقيل وقالوا: لو دفع شبكته إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين، فالصيد كله للصياد، ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة، وما رزق الله بينهما على ما شرطاه، لأنها عين تنمى بالعمل فيها، فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض».
ذلك در
۱۳۸
إن الاقتباس السابق بحاجة للقراءة بتأن. فهو يبدأ بمثال واضح على جواز قبول اتفاق الشركاء فيما رزق الله بينهما كيفما شرطا إن دفع رجل دابته لآخر ليعمل عليها. وهذا كما مر بنا لم يجزه المذهب المالكي. كما أن الشافعي وأصحاب الرأي ذهبوا إلى أن الربح في مثل هذه الحالات كله لرب الدابة وللعامل أجرة مثله. لاحظ أن
۱۳۲۲ 🗏
من قال بأن الربح كله لرب الدابة إنما يقدم العين التي تنمى بالعمل عليها على مجهود العامل، وللعامل أجرة مثل عمله، وفي مثل هذه الحالات فإن الكفاءة قد تتدنى لأن العامل قد لا يجتهد لأن أجره مضمون وبغض النظر عن الغلة. بينما ما ذهب إليه الحنابلة باحترام اتفاق الشركاء سيؤدي للمزيد من الكفاءة لأن نصيب العامل هو من مجموع الغلة بالإضافة لما وضحته مراراً بأن في هذا توزيع أعدل للموارد. لاحظ بأنني ذكرت سابقاً بأنه إن كان الربح كله للعامل وعليه مثل إيجار الدابة فإن الكفاءة ستزداد لأن العامل سيجتهد في استغلال وقت الإجارة (وشتان بين الحالين)، إلا أن هذا قد ينهك الدابة، بينما هنا نجد الحل الذي أخذ به ابن قدامة وكأنه وسط يجمع بين محاولة الشريك الحفاظ على الدابة بأعلى عمل ممكن للمزيد من الربح، ناهيك عن أن ما ذهب إليه ابن قدامة (أو الحنابلة عموماً) فيه احترام لاتفاق الشركاء الذي يعكس تحقيق رغباتهم ما يزيد المبادرات بين الناس فتنتشر الشراكات كأعراف إنتاجية ليزداد العيش رغداً.
ثم يتجه النص إلى تبيان سبب جواز هذه الشراكة بنقض ما ذهب إليه من قال بأن هذه ليست من أي قسم من أقسام الشراكة. لاحظ أن أقسام الشراكات أي شركة أبدان أو وجوه أو عنان أو مضاربة) والتي لجأ إليها الفقهاء الذين قالوا بعدم الجواز هي تقسيم مستحدث. فكيف يكون الرجوع إليها لإيجاد الحكم؟ فمن قاس هذه الشراكة بشركة المضاربة لإيجاد الحكم استنتج أنه لأن المضاربة بالعروض غير جائزة ، ولأن المضاربة تكون بالتجارة في الأعيان، فإن هذه الشراكة غير جائزة لأن الدابة لا يجوز بيعها ولم تخرج عن ملك مالكها. ثم يوضح ابن قدامة مذهبه معللاً بأنه لأن الدابة عين تنمى بالعمل عليها، فجازت الشراكة فيها ببعض نمائها كالشجرة في المساقاة والأرض في المزارعة، إذ أن العين نفسها باقية كما أن الدابة باقية. ثم يوضح مسألة مهمة ألا وهي أن قياس هذه الشراكة بالمضاربة لا . يصح لأن المضاربة تكون بالتصرف في رقبة المال، وهذه ليست الحالة مع الدابة، فهي باقية.
ثم يورد ابن قدامة رحمه الله مثالاً مشابهاً جداً للمثال الأول، ألا وهو استئجار رجل من آخر دابة ليعمل عليها بجزء مما يرزقه الله كالنصف أو الثلث. وأن القاضي أجاز هذه الشراكة أو الإجارة. لاحظ الفرق بين الحالتين. ففي الحالة الأولى «دفع» رجل دابته لآخر ليعمل عليها على أن يشتركا في الغلة، وفي الثانية «استأجر» رجل من آخر دابته على أن يأخذ نصيباً من الغلة. ويوضح ابن قدامة عدم جواز هذه الإجارة بالنسبة له معللاً بأن الإجارة يشترط لصحتها العمل بعوض معلوم لمدة وعمل معلومين وهذا غير متحقق في هذه الحالة. لكن إن تدبرنا المسألة عملياً سنلحظ أن كلتا الحالتين ستنتهيان برجل يأخذ دابة الآخر ويعمل عليها ثم تقسم الغلة بحسب ما اتفقا عليه، إلا أن الفرق في النية : ففي الحالة الأولى عندما دفع الرجل دابته لآخر فهو إنما أراد الشراكة، بينما في الحالة الثانية فقد تقدم العامل بعرض لاستئجار الدابة. لهذا نجد أن ابن قدامة أثابه الله يتدارك هذه المسألة بالقول: «إلا أن يريد بالإجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم»، ولهذا فهي جائزة. فهو بهذا وكأنه يسهل على الناس الذين برغم أنهم يستأجرون بعوض مجهول إلا أن فعلهم هو في الواقع الشراكة الجائزة. ثم يستدل بالجواز في المذهب بما ذهب إليه الإمام أحمد بجواز دفع الثوب بالثلث أو الربع لأن هذا أشبه بالمزارعة وبالمساقاة وليس بالمضاربة ولا بالإجارة، وأن هذا لم يجزه أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله. وكذلك من أعطى فرسه على النصف من الغنيمة ومن دفع عبده إلى رجل ليكسب عليه. ثم يوضح عدم جواز اشتراط أحد الطرفين ( كالنساج مثلاً) أن يأخذ الثوب بالثلث بالإضافة لمبلغ محدد كدرهم أو درهمين وأن هذا وضع كان الإمام أحمد رحمه الله قد كرهه. وفي هذا نقصان
١١ الشركة
۱۳۲۳
للكفاءة لأن مجرد ضمان العامل لجزء محدد من المال بالإضافة للربح قد يدفعه للتراخي في إتقان المنتج وبالذات إن كان ما يحصل عليه كبيراً أو قريباً من كامل مثل أجرته. حتى وإن أصر النساج الحصول على دراهم محددة فإنه لا يعطاه ولكن يزاد في نصيبه مثل أن يكون ثلثا وعشري ثلث وما شابه والآن لننظر لاقتباس آخر مهم لابن قدامة:
خ
ث
«فإن كان لرجل دابة ولآخر إكاف وجوالقات فاشتركا على أن يؤجراهما والأجرة بينهما نصفان، فهو فاسد؛ لأن هذه أعيان لا يصح الاشتراك فيها، فكذلك في منافعها ، إذ تقديره: آجر دابتك لتكون أجرتها بيننا، وأؤجر جوالقاتي لتكون أجرتها بيننا . وتكون الأجرة كلها لصاحب البهيمة، لأنه مالك الأصل، وللآخر أجر مثله على صاحب البهيمة؛ لأنه استوفى منافع ملكه بعقد فاسد، هذا إذا أجر الدابة بما عليها من الإكاف والجوالقات في عقد واحد. فأما لو أجر كل واحد منهما ملكه منفرداً فلكل واحد منهما أجر ملكه. وهكذا لو قال رجل لصاحبه آجر عبدي والأجر بيننا، كان الأجر لصاحبه وللآخر أجر مثله، وكذلك في جميع الأعيان».
١٤١
تذكر أخي القارئ بأننا قلنا بأن هناك أعمال إنتاجية يمكن فصلها بين الشركاء مثل بيع البر في مثال سابق إذ أن أحد الرجلين يملك مكان البيع والآخر يملك البر. هنا كذلك، فلزيد من الناس دابة ولعبيد ما يحتاجه الراكب للجلوس على الدابة (البرذعة). لكن لاحظ الفرق، فعندما يأتي الزبون لشراء البر فهو لن يرى مالك المكان، بل فقط يتعامل مع من هو في المكان أي بائع البر. أي سيصعب على الزبون أن يدفع لصاحب المكان الجزء اليسير من إيجار مكان البيع والذي هو قيمة وجود البر الذي يريد شراءه في المكان وعملية البيع في ذلك المكان.
هامش
أي أن
ث) الآتي نص آخر من المغني وستلحظ فيه أمثلة كنماذج كنا قد لو عقد مع كل واحد منهم منفرداً أو أستأجر من جميعهم، فقال: ناقشناها في عرض المذاهب الأخرى. يقول ابن قدامة رحمه الله: «فإن استأجرتكم لتطحنوا لي هذا الطعام بكذا. فالأجر بينهم أرباعاً لأن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن آخر راوية ومن آخر العمل على أن كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه بربع الأجر، ويرجع كل واحد ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول أحمد؛ فإنه نص في منهم على أصحابه بربع أجر مثله. وإن كان قال: استأجرت هذا الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها ، على أن لهما الأجرة على الصحة. الدكان والبغل والرحى وهذا الرجل بكذا وكذا لطحن كذا وكذا من وهذا مثله، لأنه دفع دابته إلى آخر يعمل عليها، والراوية عين تنمى الطعام، صح، والأجر بينهم على قدر أجر مثلهم، لكل واحد من بالعمل عليها، فهي كالبهيمة، فعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على المسمى بقدر حصته في أحد الوجهين، وفي الآخر يكون بينهم أرباعاً ما اتفقوا عليه. وهذا قول الشافعي لأنهما وكلا العامل في كسب مباح بناءً على ما إذا تزوج أربعاً بمهر واحد، أو كاتب أربعة أعبد بعوض بآلة دفعاها إليه، فأشبه ما لو دفع إليه أرضه ليزرعها. وهكذا لو واحد. وهل يكون العوض أرباعاً أو على قدر قيمتهم؟ على وجهين»
اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن آخر رحى ومن آخر بغل ومن (۱۳۹). آخر العمل، على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بينهم، صح، خـ) جاء في قاموس المحيط في معنى إكاف: «إكافُ الحِمارِ، ككتاب وكان بينهم على ما شرطوه. وقال القاضي العقد فاسد في المسألتين وغراب، ووكافهُ : بَردَعَتُه . والأكافُ : صانعه. وآكَفَ الحمار إيكافاً، جميعاً. وهو ظاهر قول الشافعي لأن هذا لا يجوز أن يكون مشاركة وأكَفَهُ تَأكيفاً: شَدَّهُ عليه. وأكفَ الإكاف تأكيفاً: اتخذه. وجاء في ولا مضاربة لكونه لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض، ولأن من لسان العرب: «والوكاف والوكاف والأكاف والإكاف: يكون للبعير شروطهما عود رأس المال سليماً، بمعنى أنه لا يستحق شيء من الربح والحمار والبغل ... والجمع وكف ؛ وأوكف الدابة، حجازية». حتى يستوفي رأس المال بكماله. والراوية ههنا تخلق [أي تبلى] «الإكاف والأكاف من المراكب: ... أكـاف الحمار وإكـافه وتنقص، ولا إجارة، لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم فتكون ووكافه، ووكافه والجمع أكف ، وقيل : في جمعه وكف ؛ ... وأكف فاسدة، فعلى هذا يكون الأجر كله في المسألة الأولى للسقاء، لأنه لما الدابةَ: وضع عليها الإكاف كأوكَفَها، أي شدَّ عليها الإكاف ...». غرف الماء في الإناء ملكه، فإذا باعه فثمنه له، لأنه عوض ملكه وفي معنى الجوالق جاء في مختار الصحاح: «والجَوَالِق وعاء، والجمع وعليه لصاحبيه أجر المثل، لأنه استعمل ملكهما بعوض لم يسلم لهما الجوالق بالفتح والجَوَالِيق أيضا، وربما قالوا الجَوَالِقاتُ، ولا يجوزه فكان لهما أجر المثل، كسائر الإجارات الفاسدة. وأما في المسألة سيبويه». وجاء في لسان العرب: «والجوالق والجوالق ، بكسر اللام الثانية، فإنهم إذا طحنوا لرجل طعاماً بأجرة نظرت في عقد الإجارة وفتحها الأخيرة عن ابن الأعرابي: وعـاء مـن الأوعية معـروف فإن كان من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فالأجر كله معرب (١٤٠).
له، وعليه لأصحابه أجر المثل، وإن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما
١٣٢٤ 🗏
يصح
الشراكة واردة برغم إمكانية الفصل بين مالك المكان ومالك البر. أما في هذا المثال الذي وضعه ابن قدامة، أي في الرجلين: أحدهما يملك الدابة والآخر ،البرذعة، فإن إمكانية أن يرى الزبون المالكين معاً أمر محتمل كأن يكونا كلاً في ناحية، فيستأجر من أحدهما الدابة ثم من الآخر البرذعة ليضعها على الدابة. هنا في هذه الحالة يقول ابن قدامة بأنهما إن اشتركا على أن يؤجرا الزبون والأجرة بينهما نصفين، فإن هذه معاملة فاسدة لأن هذه الأعيان (الدابة والبرذعة) مما لا الاشتراك فيهما، وبالتالي في منافعهما. والسبب في عدم جواز الشراكة، والله أعلم، هو لأن العملية الإنتاجية (وفي هذه الحالة الاستنفاع بركوب الدابة) ليست بحاجة أبداً للشراكة لأن الجهالة جد محتملة إذ أن المالكين وكأنهما أجرا أعيانهما ليكون كل طرف شريك في إيجار الطرف الآخر ، أو كما قال ابن قدامة: «إذ تقديره: آجر دابتك لتكون أجرتها بيننا، وأؤجر جوالقاتي لتكون أجرتها بيننا». ومن جهة أخرى، ففي هذه الحالة، وليس كمثال البر، فإن المالكين لا يعملان لإتمام العملية الإنتاجية، بل فقط يؤجران، بينما مالك البر يعمل في المكان. ومن الأمثلة المعاصرة على هذا أن يحاول مالك مسكن ما ومالك أثاث للتأجير أن يشتركا في الإجارة بحيث لا يؤجر أحدهما متاعه إلا بتأجير متاع الآخر لنفس الزبون، مما يضطر الزبون للاستئجار من الاثنين معاً. فما يقوله ابن قدامة رحمه الله . هو أنه في مثل هذه الحالات فإن العقد فاسد وبالتالي فإن الأجرة لمالك الأصل، أي مالك الدابة، وعليه دفع مثل إيجار البرذعة لصاحب البرذعة. لكن لاحظ بأنه إن استأجر مالك الدابة البرذعة ووضعها على دابته فإن له أن يؤجر الدابة بالبرذعة معاً، وكذلك إن استأجر صاحب الدار الأثاث ووضعه في داره، وهذا مختلف وضع تماماً عما إذا اتفق المالكان أن يؤاجرا أعيانهما معاً، لماذا؟
الشريعة ضد الاحتكار وضد تقييد الناس من الانطلاق لأن فيهما تثبيط للهمم فتضمحل الإنتاجية لاضمحلال مبادرات الأفراد. والآن لنتخيل سوقاً وجاء زبون لاستئجار أو لشراء سلعة ما، فقيل له إن أردت شراء السلعة (ب) فإن عليك شراء السلعة (ت) معها، وإن أردت شراء السلعة (جـ) فإن عليك شراء السلعتين (حـ) و (خ) معها، وهكذا. والاستئجار ما هو إلا بيع لمنفعة ما لوقت معلوم في مثل هذه الظروف ستتقلص فرص الزبون في الاختيار وقد يحجم عن الشراء إلا إن كان مضطراً ما يبطئ حركة السوق. ومن جهة أخرى، فقد يظهر بعض التجار المتنفذين الذين يفرضون على صغار التجار نوعاً من الضغوط حتى لا يبيعوا بضائعهم إلا من خلال محلاتهم أو بالتنسيق مع بيع بعض منتجاتهم. لهذا كان منع ربط بيع أو تأجير عين بعين أخرى حتى يزداد السوق تحرراً وبالتالي تزداد فرص الخيار للزبون. وفي هذه الحالة، أي حالة الدابة والبرذعة فإن للزبون الحرية في كراء الدابة من هذا أو ذاك والأكاف والجوالقات من ثالث أو رابع أو خامس وهكذا. فتزداد المنافسة ليتحرر السوق ما يرفع الكفاءة والعدالة في التوزيع بحفظ حقوق صغار التجار. أثاب الله ابن قدامة على هذه الملحوظة الدقيقة.
من
الربح والخسارة (الوضيعة)
إن طلب الربح كما هو معلوم بداهة هو أهم هدف يدفع الناس للمثابرة في العمل. إلا أن هناك من المحسنين القانعين من يعملون طلباً للثواب من الله عز وجل إن كانوا مكتفين بما لديهم، وهؤلاء قلة ويزدادون بسمو قيم المجتمع. لكن المنتشر بين الناس هو أن المبادرات للأفراد تنطلق بهدف الربح المادي الذي أحله الله لهم.
١١ الشركة
١٣٢٥
وفي النقيض، وكما هو معلوم أيضاً، فكلما كان الربح مضموناً كلما تراخى الناس في المثابرة. فمن يعمل بأجر شهري مضمون من السلطان أو الدولة فلن يثابر ويتفانى في العمل كمن يعمل راجياً الربح الذي يعتمد على مثابرته بالدرجة الأولى. فهل إن استيقظ الفران (الخباز) بعد طلوع الشمس وبعد إفطار الناس وفتح محله سيكسب؟ أم أن عليه الاستيقاظ والعمل قبل طلوع الشمس ؟ هذه مسألة مهمة في طلب الربح (وقد كررتها مراراً): ألا وهي أنه إن كانت الحياة بالتوكل على الله سبحانه وتعالى ثم على الأداء في العمل فإن الكفاءة ستزداد. فتصور مجتمعاً الجميع يعمل فيه دون اتكالية إلا على الله ثم على همة الأفراد ومثابرتهم. بالطبع سيكون التراكم الإنتاجي أعلى حتى من الرأسمالية، ذلك لأنه لن توجد وظائف حكومية أو خاصة تأكل من مجموع إنتاج الأمة بتكاسل موظفي الدولة أو الشركات التي يعمل بها من لا يملكونها، بل الجميع ينتج بكفاءة لأنه مالك لما يعمل فيه وبالتالي ربحه بقدر اجتهاده. وهذا ما تحاول الشريعة الدفع إليه دائماً وبالذات في الربح في الشراكة. كيف؟
هناك ثلاث خصال مهمة في الربح في الشراكة تنفرد بها الشريعة دون غيرها من الأنظمة ألا وهي: الخصلة الأولى: كما مر بنا في الفصول السابقة، فلم يظهر في السنة المطهرة أو من أقوال الفقهاء ما يشير من قريب أو بعيد بأن على الشركاء دفع أي ضريبة أو مكوس من أرباحهم لأي حاكم أو سلطان أو دولة أو مؤسسة أو جهة مهما
بلغت شراكاتهم من كثرة باستثناء الزكاة والتي تؤدي هي أيضاً للمزيد من المثابرة (كما سيأتي بيانه بإذن الله).
والخصلة الثانية: إن الشريك الذي لا رأس مال له لن يخسر إلا مجهوده. فالخسارة أو الوضيعة على رأس المال فقط. وبهذا فإن غير الأثرياء سيستمسكون بهذه الخصلة عند التعاقد مع من هم أثرى منهم حتى لا يخسروا إلا مجهودهم، وفي هذا أيضاً حد لأصحاب رؤوس الأموال من الضغط على الفقراء للمشاركة في الخسارة المادية. هكذا أصبح العرف كالآتي: لا خسارة على من خاطر وثابر وعمل، بل الخسارة على صاحب المال. هكذا يندفع الشركاء الذين يعملون في أموال غيرهم للمزيد من المخاطرة توخياً للمزيد من الربح (أما من يندفع للإهمال لأنه يعمل في مال غيره فسيفقد شريكه وسيبني سمعة بإهماله فيفقد فرص المشاركات القادمة. وبهذا العرف العملي بين الجميع یکبر وعاء العاملين وبالذات المخاطرين منهم في المجتمع فتزداد الخبرة ويتراكم الإنتاج. لاحظ عبارة: «لا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم ، وكذلك عبارة: «لم يكن على العامل شيء»، لابن قدامة في الاقتباس الآتي:
والوضيعة على قدر المال يعني الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساوياً في القدر، فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثاً، فالوضيعة أثلاثاً. لا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم. وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما. وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى، سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن وسواء كانت الوضيعة لتلف أو نقصان في الثمن عما اشتريا به أو غير ذلك. والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على العامل منها شيء، لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره، إنما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن رب الأرض ولا شجر يشارك العامل فيما يحدث من الرزع والثمر . وإن تلف الشجر أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره لم يكن على العامل شيء».
١٤٢
والخصلة الثالثة: لا يحق لأي شريك أن يشترط مبلغاً معيناً من الربح، أي مبلغاً مضموناً (كأن يكون ألف
جنيه أو دينار) مهما كانت الظروف، بل الربح مشاع دائماً كالثلث أو الربع ما يجعل الشريك في مبادرة على
١٣٢٦ 🗏
أهل
الدوام. ذلك أنه إن خُصص لأحد الشركاء مبلغاً محدداً فإنه قد يتوانى عن المثابرة في أداء العمل كما قال جمهور العلم لأن المال مضمون وبغض النظر عن الربح. وعلى هذا، إن دفع فرد مالاً لآخر مقابل ربح مضمون دون تحمل الخسارة لم يجز لأن المخاطرة شرط في دفع المال. أي أن تحديد مبلغ كربح يقلب علاقة الشراكة إلى قرض بفائدة، وهذا هو الربوا المنهي عنه؛ وفي المقابل، إن تعهد العامل عدم تحمل صاحب المال خسارة فليس له أن يعطيه شيئاً من الربح لأن هذا يعتبر قرضاً. ولكن ومع الأسف فقد ظهرت في العصور المتأخرة بعض الآراء التي نادت بجواز محدد من الربح لأحد الشريكين إذا زاد الربح عن حد معين. فأظهرت بعض البنوك رغبة في تطبيق
اشتراط مبلغ
کله
هذا الجواز. فكما هو معلوم، فإن سند الإجماع على عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لأحد الشريكين هو نص أحاديث المزارعة. وتعليل ذلك هو أنه قد لا يزيد الربح عن المبلغ المحدد لأحد الشريكين فيستأثر بالربح فتنقطع الشراكة. فمن هؤلاء الباحثين الذين ذهبوا لجواز ذلك الدكتور الصديق الضرير والدكتور غريب الجمال. إلا أن الدكتور رفيق يونس المصري أثابه الله ورفع قدره قام بالرد على ما ذهبوا إليه. وقد وضعت رده في الهامش
لأهميته.
فهو
ذ
هذه الخصال الثلاث هي ما اتفق عليها عموم الفقهاء، وهي أهم ما يدفع الأفراد للمثابرة والإنتاج، أما الآتي توضیح للاختلافات بين الفقهاء وتأثيرها في كل من الكفاءة والعدالة. فبرغم وجود خلاف واضح بين قولين (قول الحنفية والحنبلية من جهة، وقول المالكية والشافعية من جهة أخرى، إلا أن كلا القولين سيؤديان بإذن الله للمزيد من الكفاءة والعدالة لأنهما داخل إطار اقتصادي مجتمعي واحد (أي الموارد والموافقات والمعرفة).
هامش
هذا
ذ) يقول رفيق يونس المصري أثابه الله : «ونحن نرى عدم جواز ذلك لا يحق لأحدهما إلا في الحصة الشائعة)، لما تأتى هذا الشعور، وانتفى الشرط للأسباب التالية: ١ - استند المجوزون إلى تعليل ناقص، وهو إمكان وقوع تنازع أو خصام . ثم إن هذه الحالة قريبة من حالة تحديد مجرد عدم قطع الشركة، والحق أن الفقهاء الذين ذكروه لم يكونوا فائدة ثابتة لرأس المال، فهي شبيهة بها، من حيث التحديد، واستئثار يريدون استيعاب التعليل، فجاء من بعدهم فقهاء آخرون، فظنوا أحدهما بالمبلغ تقريباً، ولا تشبهها إذا لم يتحقق ربح زائد على المقدار خطأ أن هذا التعليل البشري كامل، فقالوا: إذن لو زاد الربح على حد المحدد. فالذين جوزوها تطرفوا في اختيارهم الفقهي إلى رأي يقع على معين أمكن تجويز المبلغ المحدد، ولم يكن ثمة مقتضى للفساد. ۲ - الحد، حد الشبهات. فجاء اختيارهم متوتراً قلقاً غير مريح ولا ا مع أن مبنى المشاركة (ومنها المضاربة) قائم على العدل بين مطمئن. الشركاء. وهذا العدل لا يتحقق إلا بأن تكون الشركة في الربح على ٤- إن الفقهاء عندما منعوا اختصاص أحد الشريكين بمبلغ معين لم الشيوع، فتكون بذلك شركة في المغنم والمغرم. ۳ - فلو شرطت دراهم يلتفتوا إلى الربح ، هل زاد على المبلغ المعين، أم نقص عنه. لذلك فلا معلومة، فلا يخلو الأمر من واحد من الاحتمالات التالية : (۱) أن تخسر وجه للتمييز بين الحالتين باعتبار إحداهما مشروعة، والأخرى الشركة. ٢) أن لا تربح شئياً. (۳) أن تربح أقل من المبلغ المحدد. (٤) أن ممنوعة . ه - إن الذين أجازوا هذه الحالة، فضلاً عن أنهم لم يستندوا تربح ما يساوي المبلغ المحدد (٥) أن تربح ما يزيد على المبلغ المحدد. إلى نصوص شرعية معتبرة، لم يبينوا وجه المصلحة في هذا الشرط، الاحتمالات الأربعة الأولى لا قيمة لها في بحثنا فهي غير مؤثرة، لأن حتى يكون هناك مسوغ لتجويزه، ولو بالاستناد إلى مجرد المصلحة. ٦ الشرط فيها لا يعمل، وتبقى القسمة فيها بمعزل عنه، إذ تتم على - إن هذا الشرط قد يتخذه رب المال ذريعة إلى حصوله على فائدة أساس الحصة الشائعة المتفق عليها. ربوية يستأثر بها أو يتخذه العامل الشريك المضارب) ذريعة إلى أما الاحتمال الخامس فهو الذي يجب دراسته، حيث من المحتمل أيضاً حصوله على أجر ثابت، ورأي الجمهور يمنع اجتماع الإجارة فيه أن لا يزيد الربح على المبلغ المحدد إلا بمقدار تافه: ريال واحد والشركة، فلا يصح أن أكون أجيراً له وشريكا أن معا. ٧- وأخيراً فإن مثلاً، فعند ذلك يعتبر صاحب المبلغ المحدد قد حاز من الناحية هذا الشرط يمكن أن يؤدي إلى قطع الشركة من الناحية العملية، كلما العملية على الربح كله تقريباً. فيكون الشريك الآخر قد ظلم كان فائض الربح قليلاً (الربح أعلى من المبلغ المحدد بقليل). كما أن ويخف شعوره بالظلم كلما أخذ الربح في الازدياد، إلا أن هناك على هذا الشرط، وإن لم يؤد إلى قطع الشركة تماماً، إلا أنه من المؤكد أنه كل حال، حالة قد تقع، ويشعر فيها الشريك بالظلم، عندما يكون يخل بمبدأ العدالة بين الشركاء، وهو ما قامت عليه الشركة في الإسلام، فائض الربح قليلاً تافهاً في حين أنه لو كان مركز الشريكين واحداً والله أعلم» (١٤٣).
١١ الشركة
۱۳۲۷
برغم بداهة الخصال الثلاث لكل طالب علم في الشريعة، وبرغم أننا قد مررنا على اقتباسات سابقة تطرقت
لهذه الخصال، إلا أنني سأعرض لبعض الاقتباسات مع بعض التحليل لتقصي الكفاءة ولإثبات السابق من خصال. جاء في المجموع مثلاً بأن من شروط الشركة أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة، فإن عينه أحدهم بعشرة أو نحوه، أو جعل من نصيبه شيئاً معيناً بطلت الشركة، لأن العقد يقتضي تحقيق الشركة في الربح، والتعيين يقطع الشركة لجواز ألا يحصل من الربح أو الأجر إلا القدر المعين لأحدهم، فلا تتحقق الشركة في الربح»، وأن «تكون الوضيعة، أي الخسران، بقدر حصة كل شريك في الأصل». ١٤٤ وجاء في المغنى:
«قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يقول : لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين؟ قال: أكرهه، لأن هذا شيء لا يعرف . والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر. قيل لأبي عبد الله : فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهماً؟ قال: فليجعل له ثلثاً وعشري ثلث ونصف عشر وما شابه. وروى الأثرم عن ابن سيرين والنخعي والزهري وأيوب ويعلى بن حكيم أنهم أجازوا ذلك. وقال ابن المنذر : کره هذا كله الحسن. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : هذا كله فاسد، واختاره ابن
المنذر وابن عقيل ...».
١٤٥
ولتحليل الربح في الشراكة أقول: هناك بعض الاختلافات بين الفقهاء على كيفية تقسيم الربح بسبب نظرتهم لحق الشريك في الربح: هل هو بسبب رأس المال أم العمل أم الضمان أم باثنين منهم أم بثلاثتهم؟ وقد لخص ابن رشد أثابه الله بعض هذه الاختلافات بالقول في كتابه بداية المجتهد:
«فأما الركن الثاني : وهو وجه اقتسامهما الربح، فإنهم اتفقوا [أي الفقهاء] على أنه إذا كان الربح تابعاً لرؤوس الأموال، أعني إن كان أصل مال الشركة متساويين كان الربح بينهما نصفين. واختلفوا هل يجوز أن يختلف رؤوس أموالهما ويستويان في الربح ؟ فقال مالك والشافعي: ذلك لا يجوز. وقال أهل العراق: يجوز ذلك. وعمدة من منع ذلك أن تشبيه الربح بالخسران، فكما أنه لو اشترط أحدهما جزءاً من الخسران لم يجز، كذلك إذا اشترط جزءاً من الربح خارجاً عن ماله، وربما شبهوا الربح بمنفعة العقار الذي بين الشريكين: أعني أن المنفعة بينهما تكون على نسبة أصل الشركة. وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة بالقراض، وذلك أنه لما جاز في القراض أن يكون للعامل من الربح ما اصطلحا عليه، والعامل ليس يجعل مقابله إلا عملاً فقط كان في الشركة أحرى أن يجعل للعمل جزء من المال إذا كانت الشركة مالاً من كل واحد منهما وعملا، فيكون ذلك الجزء من الربح مقابلاً لفضل عمله على عمل صاحبه، فإن الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في غير ذلك.
وأما الركن الثالث: الذي هو العمل، فإنه تابع كما قلنا عند مالك للمال فلا يعتبر بنفسه، وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال، وأظن أن من العلماء من لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما متساويين التفاتاً إلى العمل. فإنهم يرون أن العمل في الغالب مستو، فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان هنالك غبن على أحدهما في العمل، ولهذا قال ابن المنذر : أجمع العلماء على جواز الشركة التي يُخرج فيها كل واحد من الشريكين مالاً مثل مال صاحبه من نوعه أعني دراهم أو دنانير، ثم يخلطانهما حتى يصيرا مالاً واحداً لا يتميز على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من أنواع التجارة، وعلى أن ما كان من فضل فهو بينهما بنصفين، وما كان من خسارة فهو كذلك، وذلك إذا باع كل واحد منهما بحضرة صاحبه، واشتراطه هذا الشرط يدل على أن فيه خلافاً، والمشهور عند الجمهور أنه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه ..... ..
127
۱۳۲۸ 🗏
إن الاقتباس السابق واضح ويشير إلى أن الأحناف والحنابلة ذهبوا إلى أن الربح يُستحق بالمال أو العمل أو بهما معاً، فإذا عمل أحدهم [أي أحد الشركاء] أكثر من غيره أو كانت له خبرة أفضل فله أن يشترط في مقابلها نسبة زائدة من الربح، ...». أما المالكية والشافعية فلم يجيزوا ذلك. والسبب في هذا الخلاف هو قياس الربح على الخسران لمن منع تفاوت الربح عن مقدار رأس المال. فالربح وكأنه منفعة، فهو إذاً كالخسارة يتبع رأس المال. أي أن من أجاز التفاوت في الربح فقد قاس الشراكات بأنواعها على شركة القراض (أي شركة المضاربة) إذ أن للعامل ربح مقابل عمله كما في القراض، لأن الناس يتفاوتون في الخبرة والهمة والعمل. وعلى هذا فمن عمل أكثر أو كان أكثر تميزاً فله أن يشترط نصيباً أكبر من الربح. أي أن الاختلاف الجذري في الربح في الشراكة بين الفقهاء هو في اعتبار العمل، هل هو تابع للمال أم يعتبر بنفسه. فهو عند مالك والشافعي تابع للمال، وعند أبي حنيفة وأحمد يعتبر بنفسه إن تم الاتفاق بين الشركاء على ذلك. لهذا ظهر خلاف فقهي واضح فمن اعتبروا العمل تبعاً للمال، ولأن التفاوت في العمل بين الشركاء قد يكون كبيراً أحياناً وقعوا في حرج، فقد ذهب بعضهم إلى اشتراط تساوي رؤوس أموال الشركاء حتى يتساوى العمل. وذهب قلة منهم لوضع شرط حضور الشركاء عند البيع والشراء لتتساوى مساهمتهم في العمل. هذا الاشتراط لعدم استحقاق الربح من العمل سيؤدي لكفاءة أقل نسبيا على مستوى الأفراد مما ذهب إليه الحنابلة والأحناف، وفي الوقت ذاته سيؤدي لعدالة أشمل في التوزيع على مستوى الأمة. كيف؟
كنت قد قلت مراراً بأن تطبيق مقصوصة الحقوق سيقص الحقوق بطريقة تؤدي لتقارب الناس في الدخل المالي، فقد يملك الثري خمسة أضعاف الفقير في هذه القرية، أو عشرة أضعافه في تلك القرية، ولكن ليس ملايين أو بلايين الأضعاف كما هو حال المجتمعات الرأسمالية فإن طبقت الشريعة وكان الثري يملك بضعة أضعاف الفقير، وحصل أن ظهرت شراكة بينهما ، فكيف سيتمكن الثري من استثمار ماله إن لم يُعتبر العمل بنفسه كمصدر للربح ؟ أي إن كان الربح تابع للمال فقط وأراد الثري أن يشارك الآخرين لاستثمار ماله، ولأنه يملك مالاً أكثر فعليه إذا أن يعمل أضعاف ما يعمله الأقل مالاً لأن ماله أكثر. فإن دخل ثري مثلاً في ثلاث شراكات إن أراد جميع ماله: مع زيد في شراكة ومع عبيد في شراكة ثانية ومع بكر في شراكة ثالثة، فإن عليه العمل مع كل شريك منهم إن كان رأس ماله مساو لكل واحد منهم. أما إن كان رأس ماله أكثر من كل واحد منهم فعليه العمل أكثر من كل واحد منهم، أي يعمل أكثر من ثلاثتهم معاً. وهذا لن يُطاق. لذا فعليه استثمار ما فاض من ماله في مخارج أخرى بعمل أقل بالنسبة له. للتوضيح لنركز على المذهب الشافعي فقط مع وضع بعض الاقتباسات من المذهب المالكي في الهامش لنقرأ الآتي من المجموع
استثمار
١٤٧
«قال صاحب البيان وإن كان بين رجلين ألفا درهم، لكل واحد منهما ألف، فأذن أحدهما لصاحبه أن يعمل في ذلك ويكون الربح بينهما نصفين، فإن هذا ليس بشركة ولا قراض، لأن مقتضى الشركة أن يشتركا في العمل والربح، ومقتضى القراض أن للعامل نصيباً من الربح، ولم يشترط له ههنا شيئاً. انتهى. إذا ثبت هذا فعمل وربح كان الربح بينهما نصفين لأنه نماء مالهما. قال ابن الصباغ: ولا يستحق العامل لعمله في مال شريكه أجرة لأنه لم يشترط لنفسه عوضاً. فكان عمله تبرعاً». لاحظ كلمة: «تبرعاً» في آخر الاقتباس السابق، تجد أنها تتكرر في كتب الشافعية لأن منهم من لا يعتبر العمل كمصدر للربح. فكيف إن عمل أحد الشريكين في الشركة أكثر من الآخر؟ ستلحظ أنها في معظم الأحوال سواء اشترط الشريك العامل زيادة في الربح مقابل عمله الزائد أو لم يشترط، فهو يعد تبرعـاً منه. هذا وضع
١١ الشركة
۱۳۲۹
سيرفضه بالطبع الكثير من الشركاء (وبالذات من هم أقل في رأس المال أو لا مال لهم) وسيعملون على قدر رؤوس أموالهم. قد تقول بأن هناك من الناس من يقبل بالعمل لأنه مضطر لأن الشريك الآخر قد يكون وجيهاً أو لأي سبب آخر. فأجيب: إن كان وجيهاً فالشراكة شركة وجوه، عندها فإن الحكم سيأخذ مجرى آخر وسيأتي بيانه بإذن الله)، أما إن لم يكن وجيهاً، فسيعمل معه الشريك على قدر رأس المال القليل. وفي المقابل فإن من له رأس مال كبير، فعليه أن يعمل كثيراً إن أصر الشريك صاحب المال الأقل على توزيع العمل بقدر رأس المال. فإن كان للثري ثلاثة أضعاف ما للفقير في الشراكة، فإن عليه أن يعمل ثلاثة أضعاف ما يعمله الفقير. وهذا لن يطاق كما ذكرت. لقد التفت بعض فقهاء الشافعية لهذه المسألة، فهذا المطيعي يقول مثلاً موضحاً:
جرى العمل قديماً على أن يعمل كل الشركاء بالسوية تقريباً في إدارة أو تنفيذ ما اشتركوا فيه. ولذلك كان الرأي الفقهي الغالب أن يقتسم الشركاء الربح بقدر حصة الواحد منهم في رأس المال، وباعتبار المقاصة بالعمل المتساوي».
١٤٨
وهذا الشرط بأن يكون الربح تبع لرأس المال دفع بعض الفقهاء للذهاب لضرورة تساوي رأس المال حتى يتساوى العمل بين الشركاء لأنه هو السمة الغالبة بينهم في أيامهم كل يعمل قدر الآخر. لهذا جاء في بداية المجتهد
كما مر بنا قول ابن رشد:
«وأظن أن من العلماء من لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما متساويين التفاتاً إلى العمل. فإنهم يرون أن العمل في الغالب مستو، فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان هنالك غبن على أحدهما في العمل، ولهذا قال ابن المنذر : أجمع العلماء على جواز الشركة التي يخرج فيها كل واحد من الشريكين مالاً مثل مال صاحبه من نوعه ...».
لهذا ظهر سؤال فقهي : هل تصح الشراكة مع تفاضل المالين في القدر؟ باستثناء بعض أصحاب الشافعي فإن قول عامة أهل العلم أنها تصح. جاء في المغني التوضيح الآتي:
«ولا يشترط تساوي المالين في القدر. وبه قال الحسن والشعبي والنخعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال بعض أصحاب الشافعي: يشترط ذلك».
١٤٩
ويعلل الشيرازي من المذهب الشافعي جواز الشراكة بتفاضل المالين برغم إصراره على اعتبار استحقاق الربح بالمال لا بالعمل بقوله:
«لأن المقصود بالشركة أن يشتركا في ربح مالهما، وذلك يحصل مع تفاضل المالين كما يحصل مع تساويهما، وما قاله الأنماطي من قياس العمل على المال لا . يصح، لأن الاعتبار في الربح بالمال لا بالعمل، والدليل عليه أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بالمال ويشتركا في الربح، فلم يجز أن يستويا في المال ويختلفا في الربح، وليس كذلك العمل فإنه يجوز أن ينفرد أحدهما بالعمل ويشتركا في الربح، فجاز أن يستويا في العمل ويختلفا في الربح».
١٥٠
لقد تذبذبت أقوال من ذهبوا لعدم استحقاق العمل للربح. فلم يشترط بعض الشافعية ضرورة تساوي
رؤوس الأموال كما في الاقتباس السابق للشيرازي، بينما اشترط البعض الآخر ذلك . لكن منطقياً إن لم يكن رأس المال متساوياً، فلن يكون العمل متساوياً أيضاً، فقد يعمل أحدهم أكثر من الآخر، فتكون الزيادة في العمل أكثر
۱۳۳۰ 🗏
من رأس المال لأن العمل قد يتطلب ذلك، عندها فإن من عمل زيادة عن رأس ماله فإن عمله يعتبر تبرعاً منه وإلا فسد العقد إن طالب بربح مقابل عمله. لاحظ الآتي من المجموع:
«ولا يشترط التساوي في رأس المال ولا في العمل على المعتمد فيصح أن يكون رأس مال صاحبه ويكون عمله الذي يقابل زيادة نصيبه من المال تبرعاً منه لا يستحق عليه شيئاً. نعم، يشترط أن يقسم الربح والخسارة على قدر المالين سواء تساوى الشريكان في العمل أو تفاوتا، فإذا دفع أحدهما مائة ودفع الآخر خمسين لزم أن يأخذ الثاني ثلث الربح، فإن اشترط أقل من ذلك أو أكثر فسد العقد، كل واحد منهما بأجرة عمل مثله في ماله، فإذا كانا متساويين في مال صاحبه مقابل عمل الآخر في ماله ويكون ذلك مفاوضة».
ورجع
مثال آخر على التذبذب: جاء في المجموع أيضاً ناقداً قول المصنف أن الشافعي شرط التساوي في رأس المال :
«وأما اعتبار الربح بالعمل فغير صحيح، لأن عمل الشريكين في مال الشركة وحده من غير شرط في ذلك كله ولا يؤثر في الربح وهذا هو الموافق للعمل إذ الربح يقسم على حسب قدر
العقد، ويصح .
الحصة ونسبتها في رأس المال الكلي، ومن ثم يمكن أن يكثر الشركاء ويكون لهذا . اسهم ولغيره مائة ولغيره أكثر أو أقل فيكون الربح قسماً على الأسهم فتكون حصة كل شريك . حسب أسهمه. وقد
وهن المصنف في التنبيه قول الشافعي بقوله : وأن يكون مال أحدهما مثل مال الآخر في القدر، وليس
بشيء». ١٥٢
من البديهي أخي القارئ أن تلحظ أن هذا الاشتراط بضرورة تساوي رأسي أو رؤوس أموال الشركاء سيضيق من فرص ظهور الشراكات ما قد يؤدي لاضمحلال الكفاءة على مستوى الشراكات. لهذا والله أعلم تنازل عنه بعض فقهاء الشافعية لأن الناس كانوا يتشاركون على كل حال بتفاوت رؤوس أموالهم. ولنقل بأن الشراكة ظهرت بين اثنين وأن أحدهما اشترط زيادة في الربح مقابل زيادة عمله، فما هو الحل في هذه الحالة من وجهة نظر المذهب؟ لنقرأ الآتي من المجموع
«وإذا جوزنا شرط زيادة ربح لمن اختص بزيادة عمل، فلم يشترطاه ولا اشترطا توزيع الربح على قدر المالين، بل أطلقا، فذكر صاحب التقريب والشيخ أبو محمد خلافاً في أن الربح يوزع على المالين، وتكون زيادة العمل تبرعاً، أم تثبت للزيادة أجرة تخريجاً مما إذا استعمل صانعاً ولم يذكر أجرة؟ ثم إذا اشترطا زيادة ربح لمن زاد عمله هل يشترط استقلاله باليد كالقراض، أم لا كسائر الشرك؟ وجهان، وكذا لو اشترطا انفراد أحدهما بالعمل، والخلاف في جواز اشتراط زيادة الربح لمن زاد عمله، جاز فيما إذا شرط انفراد أحدهما بالتصرف، وجعل له زيادة ربح. وقيل: يجوز هنا، ولا يجوز إذا اشتركا في أصل العمل ، ! ل، لأنه لا يدري أن الربح بأي عمل حصل، والله أعلم».
١٥٣
كما ترى في الاقتباس السابق فإن المسألة تعقدت بسبب الإصرار على عدم استحقاق العمل للربح. لاحظ
عدم
الآتي: هناك احتمالان: أحدهما أن المذهب يجوّز شرط أحد الشريكين بزيادة في الربح مقابل زيادة العمل، ففي هذه الحالة وضعان: الأول اشتراط جزء من الربح مقابل العمل وفي هذه الحالة قولان: أحدهما أن زيادة العمل يعد تبرعاً، والآخر أن للزيادة أجرة تقدر بأجرة عامل يقوم بنفس العمل ولكن ليس ربحاً. فقد يكون الربح كبيراً أحياناً بينما مثل أجرة العامل معلومة وعادة ما تكون أقل. والوضع الآخر هو اشتراط الشريك جزء من الربح مقابل العمل، وفي هذه الحالة تظهر مسألتان الأولى انفراد أحد الشريكين بالتصرف مع جعل زيادة في الربح
١١ الشركة
۱۳۳۱
والثانية اشتراك الاثنين في العمل، وفي هذه الحالة لا يُعلم بأي عمل أتى الربح ومن أي من الشريكين. وكما ترى أخي القارئ فإن هذا القول بعدم استحقاق الربح من العمل أوجد إشكاليات فقهية يصعب الخروج منها. وقد وضعت المزيد من النصوص من المذهب الشافعي في الهامش لترى الأقوال المختلفة للاحتمالات المختلفة. وإليك مثالاً آخر: جاء في المجموع أيضاً:
«إذا كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم، لأحدهما ألف وللآخر ألفان، وعقد الشركة على أن يكون الربح بينهما نصفين، فإن شرط صاحب الألفين على نفسه شيئاً من العمل كانت الشركة فاسدة، فإذا عملا قسم الربح والخسران بينهما على قدر مالهما، ويرجع كل منهما على صاحبه بأجرة عمله في ماله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: الشركة فاسدة ولا يرجع أحدهما على الآخر بأجرة عمله في ماله، دليلنا عقد قصدا به أنه الربح في كل حال، فإذا كان فاسداً استحق أجرة عمله فيه كالقراض. فإن عمل صاحب الألف على مال الشركة عملاً أجرته ثلاثمائة، وعمل صاحب الألفين على مال الشركة عملاً أجرته مائة وخمسون، فإن صاحب الألف يستحق على صاحب الألفين مائتين ويستحق عليه صاحب الألفين خمسين فيقاصه بها ، وتبقى لصاحب الألف على صاحب الألفين مائة وخمسون ، ... » .
100
ترى في الاقتباس السابق حالة عجيبة: إن اشترط صاحب الألفين (زيد) على صاحب الألف (عبيد) أن يعمل (زيد) فإن الشركة فاسدة لأن الربح بينهما نصفين. والسبب في فساد الشركة والله أعلم في نظر المذهب هو بسبب مشاركة صاحب المال الأكثر (زيد) في العمل برغم أن الربح نصفين، فكان يجب ألا يعمل من ماله أكثر (زيد) لأن ماله أكثر، فالزيادة في الربح مقابل أن يكون العمل على من ماله أقل (عبيد)، وبهذا يتساوى الربح بين الإثنين. ولكن ما الذي سيحدث إن عمل الشريكان؟ هنا كما في الاقتباس السابق فإن الربح أو الخسارة يقسم بينهما على قدر ماليهما على أن يدفع كل منهما أجرة عمله في مال صاحبه. وهنا قد يظهر التشاح بين الشريكين لأن الاختلاف على أجرة كل فرد منهما أمر وارد. وهناك بحمد الله من أقوال الشافعية ما حاول إخراج المذهب من هذا المأزق. فإن شرط مثلاً صاحب الألفين جميع العمل على صاحب الألف وشرط نصف الربح فإن هذه الشركة لماذا ؟ صحيحة وقراض صحيح.
«لأن صاحب الألف يستحق ثلث الربح بالشركة، لأن له ثلث المال ولصاحب الألفين ثلثي الربح، فلما شرط جميع العمل على صاحب الألف وشرط له نصف الربح فقد شرط لعمله سدس الربح فجاز، كما لو قارضه على سدس الربح فإن قيل: كيف صح عقد القراض على مال مشاع؟ قلنا إنما صح لأن الإشاعة مع العامل فلا يتعذر تصرفه، وإنما لا تصح إذا كانت الإشاعة في رأس المال مع غيره، لأنه لا يتمكن من التصرف».
هامش
ظ
ض) جاء في المجموع: «وإن اختص أحدهما بزيادة عمل وشرط له شرط له الزيادة، وجهان: أحدهما الرجوع كما لو فسد القراض. زيادة ربح فوجهان: أحدهما صحة الشرط ويكون الزائد على حصة وأصحهما المنع، ويجري الوجهان فيما لو فسدت الشركة، واختص ملكه في مقابلة العمل، ويتركب العقد من شركة وقراض. وأصحهما أحدهما بأصل التصرف والعمل، هل يرجع بأجرة نصف عمله على المنع، كما لو شرط التفاوت في الخسران فإنه يلغو ويوزع الخسران الآخر، أما إذا تفاوتا في المال، فكان لأحدهما ألف وللآخر ألفان، على المال، ولا يصح جعله قراضاً ، فإن هناك يقع العمل مختصاً بمال وتفاوتا في العمل، فعمل صاحب الأكثر أكثر، بأن يساوي عمله المالك، ... وإن تفاوتا في العمل مع استواء المال فساوى عمل أحدهما مائتين، وعمل الآخر مائة، فثلثا عمله في ماله، وثلثه في مال صاحبه، مائتين والآخر مائة، فإن كان عمل من شرط له الزيادة أكثر، فنصف وعمل صاحبه بالعكس، فيكون لصاحب الأكثر ثلث المائتين على عمله مائة، ونصف عمل صاحبه خمسون فيبقى له بعد التقاص الأقل، ولصاحب الأقل ثلثا المائة على صاحب الأكثر، والتفاوت كما خمسون. وإن كان عمل صاحبه أكثر ، ففي رجوعه بخمسين على من صورنا، فثلث عمل صاحب الأقل في ماله، وثلثاه في مال صاحبه، وثلثا
۱۳۳۲ 🗏
لعلك من السابق ستستنتج بأن عدم استحقاق الربح من العمل لهو مذهب سيؤدي بالتأكيد لاضمحلال الكفاءة لأن الأثرياء سينهكون بالعمل إن أرادوا استثمار جميع أو معظم أموالهم، أو أن عليهم ألا يستثمروا إلا جزءاً يسيراً منها بخزن ما لم يستثمروه بطريقة أو بأخرى. هذا الاستنتاج صحيح نسبياً على مستوى الأفراد نظراً لتقارب الناس في الثراء، أما على مستوى الأمة، فهو ليس بالضرورة صحيح، لماذا ؟
تذكر ما قلته مراراً بأن اجتهادات الفقهاء مهما اختلفت، فلطالما كانت داخل مقصوصة الحقوق المؤدية للتمكين من خلال الموارد والموافقات والمعرفة فهي اختلافات طفيفة لن تؤثر على التركيبة الاقتصادية الأعم للأمة المسلمة. هنا أيضاً. لماذا؟ إن الثري الذي لا يستطيع استثمار جميع أمواله شراكة لأنه لن يستطيع العمل الكثير مقابل ماله الكثير إن طبق المذهب الشافعي، لابد له من استثمار المال المتبقي لديه وإلا أكلتها الزكاة. فماذا سيفعل إن لم يتمكن من العمل؟ بالطبع سيستثمرها في شراء ما يمكن أن يباع لاحقاً بسعر أعلى وأفضل مثال على هذا من أيامنا هذه هو الاستثمار في العقار لكن إن طبقت الشريعة، وكما سترى في فصل «الأماكن» بإذن الله، فإن الأراضي البيضاء لن تكون مملوكة لأحد وبالتالي ليست ذات مردود استثماري بسبب تطبيق مقص إحياء الأرض، ولن تكون العمائر السكنية ذات مردود أيضاً لأنها لن توجد إلا فيما ندر لأن معظم الناس سيسكنون في منازل رحبة يملكونها وليس شققاً بعضها فوق بعض. لهذا فإن الاستثمار لهؤلاء الأثرياء سيكون في شراء ما يمكن خزنه وبيعه من منتجات أو مصنوعات بسعر أعلى مستقبلاً لأنه لا عقارات مجدية للاستثمار ولا سندات ولا أسهم بنكية مربحة إن طبقت الشريعة وسيأتي بيان هذا في الفصل القادم بإذن الله ) . والمنتجات عموماً تُقسم إلى قسمين: ما يمكن خزنه، وهو يشمل معظم المنتجات، وما لا يمكن خزنه مثل بعض المأكولات والمشروبات. وما يمكن خزنه أيضاً يقسم إلى قسمين: ما هو مصنوع مثل الآلات والأجهزة، وما حيز من الطبيعة مثل المواد الخام والثمار. هذان القسمان الأخيران هما ما قد يذهب إليهما الأثرياء لشرائهما لخزنهما لبيعهما مستقبلاً للمزيد من الربح. هنا تظهر أهمية دور
هامش
عمل صاحب الأكثر في ماله، وثلثه في مال شريكه، فيبقى لصاحب غـ) الآتي ثلاثة نصوص من المذهب المالكي وترى فيها التشابه الى الأقل على الأكثر مائة بعد التقاص، ولو تساويا في العمل فلصاحب حد ما مع المذهب الشافعي الأول من «المدونة الكبرى»: «في الأقل ثلثا المائة على صاحب الأكثر ، ولصاحب الأكثر ثلث المائة الشريكين بالمال بالسوية يفضل أحدهما صاحبه في الربح وفي الشركة عليه، فثلث تقاص، ويبقى لصاحب الأقل ثلث المائة» (١٥٤). بالمال الغائب :قلت أرأيت إن اشتركا ورأس المال سواء وفضل ظ) ويستنتج المطيعي بعد ذكر عدة حالات للشركة من المذهب أحدهما صاحبه في الربح، أتجوز هذه الشركة في قول مالك أم لا؟ قال: الشافعي الآتي في شركة الأبدان ونستخلص مما مضى أنه يجوز عندنا لا تجوز هذه الشركة عند مالك». على أحد الوجهين اشتراك مالين وبدن صاحب أحدهما على سبيل والثاني من المدونة الكبرى أيضاً في الحديث عن شركة العروض: الشركة والمضاربة معاً بصورة يمتنع فيها الغرر ، مثل أن يشترك رجلان قلت: أرأيت أن اشتركا بسلعتيهما على أن الربح بينهما نصفين بينهما ثلاثة آلاف درهم لأحدهم ألف وللآخر ألفان، فأذن صاحب والوضيعة عليهما نصفين وعلى أن يكون رأس مال كل واحد منهما الألفين على أن يتصرف صاحب الألف على أن يكون الربح بينهما بالسوية، واشتركا في هاتين السلعتين، فلما قوما السلعتين كانت نصفين ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحق ماله والباقي، وهو إحداهما الثلثين والأخرى الثلث كيف يصنعان وكيف تقع الشركة ثلثا الربح بينهما، لصاحب الألفين ثلاثة أرباعه وللعامل ربعه، وذلك بينهما في قول مالك؟ قال : أن كانا لم يعملا وأدركت السلعتان ردتا إلى لأنه جعل له نصف الربح، فجعلاه ستة أسهم، منها ثلاثة للعامل صاحبيهما وفسخت الشركة فيما بينهما ؛ وإن فاتت السلعتان كانا على حصة ماله سهمان، وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه، وحصة مال الشركة على ما بلغته كل سلعة، ويُعطى القليل الرأس المال أجرة في شریکكه أربعة أسهم، سهم للعامل وهو الربع. وقال مالك: لا يجوز أن الزيادة التي عمل فيها مع صاحبه، وإن كانت وضيعة فضت يضم إلى القراض شركة كما لا يجوز أن يضم إليه عقد إجارة دليلنا الوضيعة على جميع المال، فما أصاب الكثير كان على صاحب الكثير، أنهما لم يجعلا أحد القدرين شرطاً للآخر فلم نمنع من جمعهما كما لو وما أصاب القليل كان على القليل الرأس المال والربح أن كان فكذلك كان المال متميزاً» (١٥٦). أيضاً لأن رأس مالهما كان على ما بلغته سلعتاهما ولم يكن على ما
١١ الشركة
۱۳۳۳
المذهبين المالكي والشافعي الذين لم يجوزا استحقاق الربح من العمل. فما لم يتمكن الأثرياء من استثماره من العمل سيذهب لشراء إما ما حيز من الطبيعة أو ما تم إنتاجه أو تصنيعه لبيعه مستقبلاً. ومعظم المواد الخام عموماً كالألمنيوم والحديد دائمة التوفر على مدار السنة وكذلك بالتالي ما يصنع منها. أي أن المجال الأمثل للاستثمار هو حيز من الطبيعة من المنتجات الموسمية التي يجب أن تخزن لتكتسب قيمة أعلى عندما تظهر ندرتها. فللزيتون مثلاً
بإذن
غ
ما
زمن ينخفض فيه سعره لوفرته وقت قطفه، وكذلك الرطب والربيان وغيرهما كثير مثل هذه المنتجات بحاجة للمعالجة والخزن لبيعها وقت ندرتها. هنا تظهر أهمية ما ذهب إليه المالكية والشافعية. فما فاض من مال ولم يُستثمر من أموال الأثرياء، وهذا قليل جداً إن طبقت الشريعة) سيذهب لمعالجة مثل هذه الندرة. وهذا سيؤدي الله للمزيد من الكفاءة على مستوى الأمة لأن خزن ونقل هذه المواد سيزيد من التشغيل للأيدي العاملة المبتدئة بأجر مرتفع (لندرة الأيدي العاملة مقابل عمل أقل للأثرياء. فالتخزين لفترات طويلة ثم النقل في وقت وجيز لا يتطلب العمل المتواصل كمن يعمل في معمل أو مزرعة مع شريك آخر. هكذا بمثل هذا الفائض المالي البسيط، سيتمكن المجتمع من توجيه الفائض المالي لشراء ما يُخزن. وفي هذا كفاءة أعلى للمجتمع عموماً بالإضافة لكسر الاحتكار الذي قد يظهر من بعض المحتكرين بزيادة عدد هؤلاء المستثمرين. بمثل هذا الفائض المالي البسيط (لأن الأثرياء قلة بسبب التمكين الناتج من تطبيق مقصوصة الحقوق فإن التوزيع سيكون أكثر عدلاً لكسر الاحتكار المتوقع.
و
وفي المقابل، فإن ما ذهب إليه الحنابلة والأحناف من جواز الربح مقابل العمل سيؤدي لكفاءة أعلى على مستوى الشراكات لأنه يحاول سحب معظم الأموال للشراكات ليزداد الإنتاج. كيف؟ لنركز على المذهب الحنبلي: إن ما قاله فقهاء المذهب الحنبلي ببساطة هو احترام اتفاق الشركاء. فلطالما كان الشركاء داخل الإطار الأكبر للشريعة في قص الحقوق المؤدية للتمكين الموارد) والموافقات والمعرفة فإن شروطهم عادة ما تعكس ظروفهم المحددة ورغباتهم من جهة، واستجابة سوق الإنتاج لمقدراتهم ومهاراتهم من جهة أخرى. فكل اتفاق أو شرط بين الشركاء ما هو إلا مؤشر يعكس ندرة كل فرد منهم وبالتالي مكانته المالية في السوق، وفي هذا رفع للكفاءة لأن
هامش
شرطا، ولا يكون على صاحب السلعة القليلة ضمان في فضل سلعة على قدر المالين ورجع كل منهما على صاحبه (بما) يثبت (له عند صاحبه على سلعته، وليس فضل سلعة صاحبه مما وقع فيه بينهما بيع الآخر من أجر عمل أو ربح). فإذا كان لأحدهما ثلث المال كعشرة، ومما يبين لك ذلك أن مالكاً قال في الرجل يأتي بمائة ويأتي رجل آخر وللآخر الثلثان كعشرين ودخلا على المناصفة في العمل والربح، بمائتين فيشتركان على أن الربح بينهما والنقصان عليهما بالسوية فصاحب الثلثين يرجع على صاحب الثلث بسدس الربح، ويرجع والعمل عليهما بالسوية. قال: قال مالك: الوضيعة على قدر رؤس صاحب الثلث على صاحب الثلثين بسدس أجرة عمله. فإن شرطا أموالهما والربح على قدر رؤس أموالهما، ويعطى صاحب المائة أجر التساوي في الربح فقط وكان العمل بقدر المالين رجع صاحب الثلثين مثله فيما أعان صاحب المائتين في فضل المائتين، ولم يجعلها سلفاً وإنما على صاحب الثلث بسدس الربح ، ولا رجوع لصاحب الثلث بشيء. أعطاه اياها على أن يشاركه ولو كانت سلفاً لكان له ربح الخمسين وإن شرطا التساوي في العمل فقط رجع صاحب الثلث بسدس أجر التي أعطاه إياها حتى يساويه في رأس المال، ولكان أيضاً ضامنا عمله ولا رجوع لصاحب الثلثين بشيء، وهكذا. (وله): أي لأحد للخمسين وتكون أيضاً شركة فاسدة لأنها شركة وسلف ....». الشريكين (التبرع ) لصاحبه بشيء من الربح أو العمل بعد العقد على وجاء في حاشية الصاوي: « (والعمل) : بينهما في مال الشركة يجب أن الصحة. فإذا عقدا على أن لصاحب ثلث المال الثلث من الربح وعليه يكون بينهما بقدر المالين والربح والخسر) يكون بينهما (بقدر ثلث العمل فالعقد وله أن يعمل بعد ذلك النصف أو أكثر. صحيح. المالين) مناصفة وغيرها. وصحت الشركة إن دخلا على ذلك أو سكتا، ولصاحب الثلثين أن يتبرع له بشيء من ربحه لأنه من باب المعروف ويقضي عليهما بذلك. وفسدت بشرط التفاوت) في ذلك عند العقد. والصلة. (و) له (الهبة) لصاحبة والسلف بأن يسلف صاحبه شيئًا ويفسخ إن اطلع على ذلك قبل العمل. فإن اطلع عليه بعده فض الربح (بعد العقد) الواقع صحيحًا لا حينه» (١٥٧).
١٣٣٤ 🗏
الكل يعمل لأنه يعلم مكانته في السوق فلا يُطالب بأكثر مما يستحق، وإن طالب فلن يحصل عليه، فتنتفي حالات ظهور التشاح بين الشركاء لوضوح الصورة لجميع الشركاء من خلال ما اتفقوا عليه، فتصفى النفوس لتسخر طاقاتها في العمل. لنقرأ الآتي من المغني بتمعن، فهو مفصل ودقيق ويبين الربح في جميع أنواع الشراكات، وهو نص متصل قسمته إلى ثلاثة أجزاء حتى أناقش كل جزء على حدة، يقول ابن قدامة في الجزء الأول:
والربح على ما اصطلحا عليه، يعني في جميع أقسام الشركة ولا خلاف في ذلك في المضاربة المحضة. قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه، أو ما يجمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء. ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله، فجاز ما يتفقان عليه من قليل وكثير ، كالأجرة في الإجارة وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة. وأما شركة العنان، وهو أن يشترك بدنان بماليهما، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر رأس المالين، لأن الربح في هذه الشركة تبع للمال، بدليل أنه يصح عقد الشركة وإطلاق الربح فلا يجوز تغييره بالشرط كالوضيعة. ولنا أن العمل مما يستحق به الربح ، فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما، كالمضاربين لرجل واحد، وذلك لأن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر، وأقوى على العمل، فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة عمله كما يشترط الربح في مقابلة عمل المضارب. يحققه أن هذه الشركة معقودة على المال والعمل جميعاً، ولكل واحد منهما حصة من الربح إذا كان مفرداً، فكذلك إذا اجتمعا، وأما حالة الإطلاق فإنه لما لم يكن بينهما شرط يقسم الربح عليه، ويتقدر به، قدرناه بالمال، لعدم الشرط، فإذا وجد الشرط، فهو الأصل، فيصير إليه، كالمضاربة يصار إلى الشرط، فإذا عدم وقالا: الربح بيننا كان بينهما نصفين. وفارق الوضيعة، فإنها لا تتعلق إلا بالمال، بدليل المضاربة. وأما شركة الأبدان فهي معقودة على العمل المجرد وهما يتفاضلان فيه مرة ويتساويان أخرى، فجاز ما اتفقا عليه من مساواة أو تفاضل كما ذكرنا في شركة العنان، بل هذه أولى، لانعقادها على العمل المجرد. ...».
تلحظ في السابق أنه بدأ بمبدأ أساسي مهم : ألا وهو احترام ما توصل إليه الشركاء في الربح بالقول: «والربح على ما اصطلحا عليه»، وذلك في جميع أنواع الشراكات أي شركة الأبدان والمضاربة والوجوه والعنان والمفاوضة). وسبب هذا القبول لاتفاق الشركاء عند الحنابلة هو إجازتهم لاستحقاق الربح بالعمل. ولأن المضارب عادة ما يستحق الربح بعمله سواء كان العمل قليلاً أو كثيراً كالأجرة في الإجارة وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة) كذا باقي الشراكات. أي لأنه لا خلاف بين الفقهاء على احترام اتفاق الشركاء في شركة المضاربة، كذا يجب أن تكون باقي الشراكات كما يقول ابن قدامة. هكذا ينتقل النص إلى شركة العنان بالتعليل أنه لأن المضارب له أن يشترط جزءاً من الربح مقابل عمله، فله أيضاً في شركة العنان أن يشترط جزءاً من الربح مقابل عمله. وبهذا «يجوز أن يجعلا [أي الشريكين] الربح على قدر المالين ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال». وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة أيضاً. إلا أن مالك والشافعي لم يقرا هذا التفاضل كما يوضح ابن قدامة. ثم يضع رحمه الله قياسين لما ذهب إليه الحنابلة: الأول هو: إن وجد مضاربين يعملان مع رجل واحد، وأحدهما أمهر (أبصر) من الآخر وأقوى على العمل، فجاز لهذا الأقوى أن يشترط زيادة في الربح مقابل مهارته وقوته. والثاني هو: أن الشركة معقودة على المال والعمل معاً، ولكل واحد منهما حصة في الربح إن كان مفرداً،
١١ الشركة
۱۳۳۵
فكذلك إن اجتمعا. لهذا فإن الربح يُستحق بالعمل في شركة العنان إن وجد شرط بين الشركاء. أما إن لم يكن بين الشركاء شرط، فعندها فقط يُقدر الربح بقدر رأس المال. والآن لنقرأ الجزء الثاني من الاقتباس:
«وأما شركة الأبدان فهي معقودة على العمل المجرد وهما يتفاضلان فيه مرة ويتساويان أخرى، فجاز ما اتفقا عليه من مساواة أو تفاضل، كما ذكرنا في شركة العنان، بل هذه أولى، لانعقادها على العمل المجرد. وأما شركة الوجوه، فكلام الخرقي بعمومه يقتضي جواز ما يتفقان عليه من مساواة أو تفاضل. وهو قياس المذهب، لأن سائر الشركات الربح فيها على ما يتفقان عليه، فكذلك هذه، ولأنها تنعقد على العمل وغيره، فجاز ما اتفقا عليه كشركة العنان. وقال القاضي: الربح بينهما على قدر ملكيهما في المشترى، لأن الربح يستحق بالضمان إذا الشركة وقعت عليه خاصة، إذ لا مال عندهما، فيشتركان على العمل، والضمان لا تفاضل فيه، فلا يجوز التفاضل في الربح. ولنا أنها شركة فيها عمل، فجاز ما اتفقا عليه في الربح كسائر الشركات. وقول القاضي: لا مال لهما يعملان فيه، قلنا: إنما يشتركان ليعملا في المستقبل فيما يأخذانه بجاههما، كما أن سائر الشركات إنما يكون العمل فيها فيما يأتي، فكذا ههنا.
.«<...
ترى في الاقتباس السابق أن حجة ابن قدامة أقوى في حال شركة الأبدان وذلك لأن شركة الأبدان عقد شراكة على العمل المجرد ودون أي رأس مال في الغالب. أي أنه لا مال يقاس عليه الربح. وبالطبع، ولأن الناس يتفاضلون عادة في مهاراتهم وقواهم فيما بينهم، لهذا لابد من إجازة ما يتفق عليه الشركاء حتى تظهر الشراكات سواء كان ذلك بالمساواة في الربح أو بالتفاضل فيما بينهم، وإلا لن تظهر شركات الأبدان إلا فيما ندر، وفي عدم الظهور هذا ضرر على الأمة إنتاجياً. وهذه أي أن شركة الأبدان شراكة على العمل المجرد حجة قوية جداً. ثم ينتقل ابن قدامة لشركة الوجوه ويقرر بأن قياس المذهب الحنبلي هو جواز ما يتفق عليه الشركاء في الربح من مساواة أو تفاضل برغم أن هذه الشراكة مبنية على الضمان والعمل إذ لا رأس مال في هذا النوع من الشراكة. ونظراً لأن الضمان لا تفاضل فيه في الغالب، فإن التفاضل قد يكون في العمل إن شرطا ذلك. لنقل مثلاً بأن زيداً وعبيداً حصلا وجاهة على كمية كبيرة من بضاعة لبيعها مجزأة ( كالحليب المجفف مثلاً)، وأن بيعها قبل انقضاء مدة صلاحيتها يتطلب منهما العمل اثنتي عشرة ساعة يومياً لمدة شهر كامل، وهذا عمل مستقبلي، فعندها قد يعمل أحدهما أربع ساعات والآخر ثماني ساعات إن اتفقا على ذلك. لهذا سيتفاضلان في الربح لأنهما تفاضلا في العمل إن اتفقا على ذلك. والآن لننظر للجزء الثالث من الاقتباس:
وأما المضاربة التي فيها شركة، وهي أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما، مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفاً، ويأذن أحدهما للآخر في التجارة بهما، فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زاد على النصف، جاز. لأنه مضارب لصاحبه في ألف، ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف. وإن شرطا له دون نصف الربح، لم يجز، لأن الربح يستحق بمال وعمل، وهذا الجـزء الـزائــد على النصف المشروط لغير العامل لا مقابل له فبطل شرطه . وإن جعلا الربح بينهما نصفين، فليس هذا شركة ولا مضاربة، لأن شركة العنان تقتضي أن يشتركا في المال والعمل والمضاربة تقتضي أن للعامل نصيباً من الربح في مقابلة عمله، ولم يجعلا له ههنا في مقابلة عمله شيئاً، وإنما جعلا الربح على قدر المالين، وعمله في نصيب صاحبه تبرع، فيكون ذلك إبضاعاً، وهو جائز إن لم يكن ذلك عوضاً عن قرض، فإن كان العامل اقترض الألف أو بعضها من صاحبه لم يجز، لأنه جعل عمله في مال صاحبه عوضاً عن قرضه، وذلك غير جائز . وأما إذا اشترك بدنان بمال أحدهما مثل أن يخرج أحدهما ألفاً ويعملان
١٣٣٦ 🗏
جميعاً فيه، فإن للعامل الذي لا مال له من الربح ما اتفقا عليه، لأنه مضارب محض، فأشبه ما لو لم يعمل معه رب المال، فحصل مما ذكرنا أن الربح بينهما على ما اصطلحا عليه في جميع أنواع الشركة، سواء ما ذكرنا في المضاربة التي فيها شركة على ما شرحنا».
١٥٨
نقرأ في الاقتباس السابق التداخل بين أنواع الشراكات. فلأن التقسيم للشراكات هو أمر مستحدث من الفقهاء، ولأن ظروف الناس وتفاعلاتهم لعقد الشراكات أوسع من تقسيمات الفقهاء، فقد ظهرت عملياً تداخلات بين الأنواع المختلفة من الشراكات. في مثل هذه الحالات فإن المذهب الحنبلي الذي يقر الاتفاق بين الشركاء هو الأمثل لأنه لا أهمية للتقسيم النظري إلى شراكات لحسم الخلاف لطالما وجد الاتفاق العملي لأنه هو الأصل الذي يرجع إليه. نلحظ هنا أن ابن قدامة رحمه الله يلفت النظر لرجل يضارب بمال الآخر ويدخل معه شريكاً في رأس المال. فهي مضاربة فيها شراكة. في هذه الحالة أيضاً فإن الربح على ما اتفقا عليه شريطة أن يزيد الربح عن النصف للشريك العامل حتى لا يُظلم الشريك العامل إذ أنه مضارب في مال شريكه وعامل في ماله. وإن اشترط الشريك غير العامل ربحاً يزيد عن النصف فإن الشراكة غير جائزة لأن النصف المشروط لغير العامل لا مقابل له من الربح، فبطل شرطه. وفي هذا حد من استغلال الأثرياء لمن هم أقل مالاً. وإن تم الاتفاق على أن يكون الربح بينهما بالتساوي برغم أن أحدهما يعمل، فإن هذه الحالة ليست بشراكة عنان ولا بمضاربة لأن العنان يعني الاشتراك في المال والعمل، وهذا لم يوجد في هذه الحالة، والمضاربة تعني أن للعامل نصيباً من الربح مقابل عمله، وهذا لم أيضاً في هذه الحالة لأن الربح قدر المالين فيكون العمل تبرعاً وهذا جائز. وإن أخرج أحدهما مالاً وعملا فيه جميعاً، فإن للعامل من الربح ما اتفقا عليه لأن العامل مضارب وكأن رب المال لم يعمل معه. وبهذا فإن ابن يستنتج بعد هذا العرض لهذه الحالات جواز ما اتفق عليه الشركاء من اقتسام للأرباح في جميع أنواع
يوجد
قدامة
الشراكات. والآن لنأخذ اقتباساً آخر من المغني لتوضيح الحد من استغلال الأثرياء لمن هم أقل مالاً:
«إذا دفع إليه ألفاً مضاربة وقال: أضف إليه ألفاً من عندك واتجر بهما، والربح بيننا، لك ثلثاه ولي ثلثه، جاز، وكان شركة وقراضاً. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح، لأن الشركة إذا وقعت على المال كان الربح تابعاً له، دون العمل. ولنا أنهما تساويا في المال، وانفرد أحدهما بالعمل، فجاز أن ينفرد بزيادة الربح، كما لو لم يكن له مال . وقولهم : إن الربح تابع للمال وحده ممنوع، بل هو تابع لهما، كما أنه حاصل بهما. فإن شرط غير العامل لنفسه ثلثي الربح لم يجز. وقال القاضي: يجوز، بناء على جواز تفاضلهما في شركة العنان. ولنا أنه اشترط لنفسه جزءاً من الربح لا مقابل له، فلم يصح، كما لو شرط مال العمال المنفرد وفارق شركة العنان لأن فيها عملاً منهما، فجاز أن يتفاضلا في الربح لتفاضلهما في العمل، بخلاف مسألتنا. وإن جعلا الربح بينهما نصفين ولم يقولا مضاربة جاز، وكان إبضاعاً كما تقدم. وإن قالا : مضاربة، فسد العقد، لما سنذكره إن شاء الله تعالى».
ربح
١٥٩
نرى في الاقتباس السابق بأن اشتراط غير العامل الربح لنفسه دون مقابل عمل لم يجزه ابن قدامة .
أن
المضاربة برغم إجازة القاضي له قياساً على شركة العنان. والسبب في عدم إجازة ابن قدامة للربح دون عمل هو هذه الشراكة ليست كشركة العنان التي يعمل فيها الشريكان اللذان قد يتفاضلا في المهارة والعمل، بل هي مكونة من شركة وقراض. وفي هذا كما ذكرت حد لاستغلال الأثرياء لمن هم أقل مالاً ما يزيد الكفاءة لأن وعاء العمل الإنتاجي سيزداد في المجتمع بسحب المزيد من الأيدي الثرية للمزيد من العمل إن أرادت تلك الأيدي الثرية
الربح.
١١ الشركة
۱۳۳۷
وهنا بالطبع ستثير سؤالاً كالعادة كيف يمكن لهذين المذهبين المتضادين (أي من يجيز استحقاق الربح مقابل العمل ومن لا يجيزه) أن يؤديا للكفاءة برغم تضادهما؟ فأقول كالعادة لطالما كانا داخل مقصوصة الحقوق من إطار عام (الموارد والموافقات والمعرفة)، فسيصلا لنفس الهدف. كيف؟ أولاً : إنهما ليسا متضادين، بل يظهران كذلك لأن الاختلاف هو في هذه التفصيلة. فهما متفقان على الإطار الأكبر والأهم، وهي الخصال الثلاث التي ذكرتها آنفاً. ثانياً: إن ما ذهب إليه الشافعية والمالكية برغم أنه قد يوجد نوعاً من التشاح بين الأفراد لأنه يفرض عليهم إيجار المثل برفض الاتفاق القائم بينهم، وبرغم أنه لا يجيز الربح مقابل العمل ما يؤدي لعمل محدد بمقدار نصيب كل فرد منهم في رأس المال وفي هذا هدر لبعض طاقات من لا يملكون من المال الكثير)، إلا أنه سيؤدي لاستثمار الفائض من أموال الأثرياء في ما يُخزن لوقت الندرة كما ذكرت. ولكن المهم هو أن تطبيق مقصوصة الحقوق سيؤدي مع تقادم الزمن لتقارب الأفراد في الدخل بسبب التمكين (الموارد والموافقات والمعرفة)، فيكون هذا المذهب ملائماً لأنه قد يدفع لتجمع الأفراد من ذوي الأطياف المتقاربة في الدخل وبالتالي في العادات والتقاليد لتكوين الشراكات المتجانسة (تذكر ما قلناه في الحديث عن الشأن الأهم أي أن فيه حركية تؤدي لتجانس الشراكات فيما بين الشركاء وليس بالضرورة فيما بين الشراكات المختلفة. ومتى ما كان التجانس أكبر بين الشركاء قلة ازدادت الكفاءة لقلة الخلاف المتوقع بينهم بسبب سوء الفهم لتقاربهم في العادات والتقاليد. وهكذا بتقادم الزمن، ولأن الناس أخذوا يتقاربون في الدخل، ولأن العامل الاقتصادي من أقوى المؤثرات في إيجاد التقارب بين الناس في العادات والتقاليد، سيظهر التجانس بين الشراكات المختلفة فيزداد الإنتاج كفاءة في مجموع الأمة باتجاه إنتاج الضروريات (وسيأتي بيانه في الفصل القادم بإذن الله). وفي المقابل، فإن ما ذهب إليه الحنابلة، سيحد من ظهور التشاح بين الشركاء لأنه يحترم الإتفاق القائم بينهم ما يؤدي أيضاً لكفاءة أعلى في مجموع الأمة لأنه سيسحب معظم رؤوس الأموال ومعظم، إن لم يكن جميع المجهودات للأفراد، للشراكات المنتجة. فهو إذاً مذهب ملائم لجميع العصور وليس كما ذهب الشافعية أكثر ملاءمة كلما مضى زمن أطول على تطبيق مقصوصة الحقوق. ونظراً لأن هذه المذاهب هي اجتهادات، فلعل ما ذهب إليه الحنابلة هو الأكثر فائدة للأمة طالما أنه اجتهاد لم يأت بإضافة فقهية (بحظر جواز اتفاق الشركاء)، بل هو مذهب أقرب في هذه المسألة تحديداً للإطلاق المثمر (أي عدم التقييد) الذي اتصفت به الشريعة. وسنأتي على الكثير من مثل هذه الأمثلة للإطلاق المثمر في الفصول القادمة بإذن الله.
الضمان
كنت في فصل «دولة الناس قد تحدثت عن التشابك، وكنت في فصل «القذف بالغيب» قد تحدثت عن التشابك المقيت. ولعلك أخي القارئ من قراءة ما مضى من كتاب «قص الحق» قد استنتجت بأن هناك من الأفراد من لا ينتجون إنتاجاً مباشراً، إلا أنهم يعيشون في رغد في المجتمعات المعاصرة لا لكفاءة في الإنتاج، بل فقط لأنهم يقعون في مواقع تمكنهم من جني الأموال لأن النظام البيروقراطي الهرمي السلطوي لمجتمعات الحداثة يمكنهم من ذلك. فشدة تشابك الشبكة المجتمعية الاقتصادية تتيح لهم فرصة استغلال الآخرين. فمصادر الثراء (اللا منتج) إذاً في مجتمعاتنا المعاصرة بسبب شدة التشابك المقيت لا . حصر لها ولا عد، فهذا الموظف في البلدية لا يمرر معاملة إلا برشوة، وذاك البنك يرهن عقارات الآخرين ويزداد ربحه إن تأخر المعوزون من دفع ديونهم، وهذه الشركة التي
۱۳۳۸ 🗏
تستأجر العمائر ثم تؤجرها للأفراد لتجني الفارق بين الأجرين دونما أية إضافة للمسكن تُذكر، وتلك المؤسسة تضارب بأموال عملائها في الأسواق المالية لتجمع لهم الأرباح دونما أي إنتاج فعلي يُذكر. وهكذا من أرباح تجنى بسبب مواقع المسؤولين والمؤسسات في تلك المواقع داخل الشبكة. فالربح ليس بالضرورة إذا بسبب إنتاج فعلي، بل الاستغلال. وهذا يدفع الناس للمزيد من التفكر والتفنن والإبداع لاختلاق الطرق واستحداث المواقع الاستغلالية للحصول على الأرباح دون إنتاج فعلي وبالذات إن كان العمل منهكاً. لقد أصبح الحصول على الربح فناً يتقنه الذين لا ينتجون إلا الهم والحزن للآخرين (وهو موضوع الفصلين القادمين بإذن الله).
بسبب
يربح دون عطاء
أما مع تطبيق الشريعة فإن مصادر الربح محددة وواضحة وتقفل الباب أمام كل من تسول له نفسه أن منتج. فهي بسبب إنتاج مباشر. فمصادر الربح عموماً هي (أولاً) من بيع ما حيز من الطبيعة من معادن وثمار ودواب؛ بالإضافة (ثانيا) للعمل في إنتاج سلعة ما وبيعها أو بتقديم خدمة للآخرين. وكل ما سبق يحدث إما بعمل الإنسان بمفرده أو شراكة. وبالنسبة للشراكة فإن مصادر الربح هي (كما ذكرت سابقاً): ١) رأس المال؛ (۲) والعمل؛ (۳) والضمان فقط. ورأس المال كما وضحت هو تراكم لأعمال سابقة. فهي كل ما يملك من أعيان تنمى بالعمل عليها كالنقد والأجهزة أو ما يؤجر كالعربات والمنازل والمحلات والعمل أيضاً معروف وهو كل مجهود يبذل لإيجاد منتج عيني كالكتاب والخبز أو كل مجهود يبذل لخدمة الناس كالتعليم والتطبيب. وقد مررنا على أهم آراء الفقهاء للمصدرين الأول والثاني بقي لنا المصدر الثالث أي الضمان ولم نتحدث عنه بعد. والضمان موضوع متشعب ومتغلغل في معظم أبواب الفقه كالبيع والإجارة والوكالة والشفعة، ومحاولة تغطية جميع جوانبه أمر محال لموضوع هذا الكتاب. لهذا سنمر عليه سريعاً في هذا الفصل إذ أنه مصدر مهم من المصادر التي يستحق عليه الناس الربح. وسنأتي عليه بتفصيل أكبر في فصل «البركة» بإذن الله . والضمان باختصار أن يضمن زيد من الناس لعبيد أن يبيعه منتجاً لا عيب فيه كان قد أنتجه منفرداً أو شراكة مع الآخرين أو ينهي له خدمة (كحياكة ثوب) باتقان مقابل مردود مالي أو عيني معلوم. جاء في المغني كما مر بنا سابقاً في شركة الأبدان: «وإذا قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل، والأجرة بيني وبينك، صحت الشركة. وقال زفر: لا تصح، ولا يستحق العامل المسمى، وإنما له أجرة المثل. ولنا أن الضمان يستحق به الربح، بدليل شركة الأبدان، وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة، والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة».
17.
نرى في الاقتباس السابق شراكة بين اثنين الأول منهما يتقبل العمل من الناس، والثاني يقوم بأداء العمل، كأن يستلم أحدهما الملابس لضمان غسلها، والثاني يغسلها. فكان الرأي لابن قدامة جواز ذلك لأن الضمان مما يُستحق به الربح. فمقابل مخاطرة الضامن بتقبل العمل فإن له نصيباً من الربح كمن تقبل المال مضاربة. وهنا نأتي لمسألة . مهمة وهي أن هناك من الناس من لا يحسن جذب الزبائن ولكنه يحسن أداء العمل. وهناك من الناس من لا يحسن تسويق منتجه، ولكنه يحسن إتقان إنتاجه فلهؤلاء أتى الجواز بهذه الشراكة بين من يسوقون ومن ينتجون. فعلى الرغم من أن المسوق الضامن لا ينتج مباشرة إلا أنه لأنه تحمل مخاطرة الضمان كان له نصيب من الربح. وفي هذا ضمأنة . لجميع الأطراف. ولعل هذا الضامن لمعرفته بالعمال يضمن العمل الواحد ثم يدفعه لأكثر من عامل لأن العمل يتطلب هذا التظافر بين عدة أفراد للحضور للعمل في مكان واحد كبناء مبنى ما أو صناعة جهاز ما. أو أن
١١ الشركة
۱۳۳۹
الضامن يأخذ أكثر من عمل لأكثر من زبون ويدفعه لأكثر من عامل كأن يأخذ الأقمشة من الزبائن ليحيكها عدد من الخياطين كل في موقعه. أي وكأنه ينسق الأعمال ويوزعها بين الزبائن والعمال. لاحظ بأن هذه شراكة بين ضامن وعامل أو ضامن وعمال، وليست إجارة من ضامن لعمال يعملون له بأجر، فالعمال يشاركون الضامن في الربح ما يزيد من عطائهم وإبداعهم. وللوقوف على الفرق بين الشراكة والإجارة لنقرأ الآتي من المغني أيضاً:
«فإن اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة، على أن يؤجراهما، فما رزقهما الله من شيء فهو بينهما، صح. فإذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم في ذمتهما، ثم حملاه على البهيمين أو غيرهما، صح، والأجرة بينهما على ما شرطاه لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتهما، ولهما أن يحملاه بأي ظهر كان، والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه. وإن أجراهما بأعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة لم تصح الشركة، ولكل واحد منهما أجرة دابته، لأنه لم يجب ضمان الحمل في ذممهما، وإنما استحق المكتري منفعة البهيمة التي استأجرها، ولهذا تنفسخ الإجارة بموت الدابة التي اكتراها، ولأن الشركة إما أن تنعقد على الضمان في ذممهما أو على عملهما، وليس هذا بواحد منهما، فإنه لم يثبت في ذممهما ضمان ولا عمل بأبدانهما ما يجب الأجر في مقابلته، ولأن الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة على
هذا الوجه لا تصح ...».
171
لاحظ في الاقتباس السابق عبارة : والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه». ولاحظ كيف أن ابن قدامة يفرق بين الشراكة والإجارة. فإن اشترك رجلان مثلاً على تأجير دابتيهما وتقاسما ما يجنياه من ربح، ح، فهو جائز، وكذلك إن تقبلا حمل بضاعة مثلاً ونقلها لمكان محدد فالشراكة جائزة لأنهما ضمنا توصيل البضاعة. أما إن أتى رجل واستأجر الدابتين للحمل ولم يكن على مالكي الدابتين ضمان ما يُنقل فإن الصفقة . صفقة تأجير ولیست شراكة لهذا فلكل واحد من الرجلين إيجار البهيمة مقابل استحقاق المكتري لمنفعة الدابة. ففي هذه الحالة، ولأنه ليس في ذمة أي من الرجلين ضمان أو عمل، فلا شراكة إذاً بينهما. والآن لننظر للاقتباس الآتي عن حدود مسؤولية الضامنين، يقول ابن قدامة رحمه الله :
هي
«فصل: والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه، من مساواة أو تفاضل لأن العمل يستحق به الربح. ويجوز تفاضلهما في العمل. فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به، ولكل واحد منهما المطالبة بالأجرة، وللمستأجر دفعها إلى كل واحد منهما، وإلى أيهما دفعها برىء منها. وإن تلفت في يد أحدهما من غير تفريط فهي من ضمانهما معاً، لأنهما كالوكيلين في المطالبة، وما يتقبله كل واحد منهما من الأعمال فهو من ضمانهما، يطالب به كل واحد منهما ويلزمه عمله، لأن هذه الشركة لا تنعقد إلا على الضمان ولا شيء فيها تنعقد عليه الشركة حال الضمان، فكأن الشركة تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه. وقال القاضي : يحتمل أن لا يلزم أحدهما ما لزم الآخر لما ذكرنا من قبل، وما يتلف بتعدي أحدهما أو تفريطه أو تحت يده على وجه يوجب الضمان عليه، فذلك عليه وحده، وإن أقر أحدهما بما في يده قبل عليه وعلى شريكه لأن اليد له فيقبل إقراره بما فيها. ولا يقبل إقراره ما في يد شريكه ولا بدين عليه، لأنه لا يد له على ذلك» . ٢)
١٦٢
تذكر ما مر بنا سابقاً عن الأمانة بين الشركاء. هذه السمة أي الأمانة، تتجسد بوضوح في الضمان. فلأن الشريكين أو الشركاء ضامنون، فهم وكأنهم طرف أو فريق أو فرد واحد مقابل الزبائن أو العملاء الآخرين. لهذا فإن لكل واحد من الشركاء المطالبة بالأجرة مقابل الخدمة أو السلعة التي قدمها الشركاء للزبون؛ وفي المقابل، فإن
١٣٤٠ 🗏
للزبون دفع الثمن إلى كل واحد منهم، وإن دفعها إلى أي منهم برىء منها. وإن تلف ما أودعه الزبون من عين كالقماش الذي استلمه أحد الشركاء ليحاك، أو تلف ما حيك، فهي في ضمان الشركاء جميعاً لأن تقبل أحد الشركاء للعمل يُدخل باقي الشركاء في الضمان « لأن هذه الشركة لا تنعقد إلا على الضمان». ونفس هذه المبادئ أيضاً في المذهب المالكي. لنقرأ الآتي من المدونة الكبرى:
«في الصانعين الشريكين بعمل أيديهما يضمن أحدهما ما دفع إلى شريكه يعمله: قلت: أرأيت لو أن قصارين اشتركا أو خياطين، أيضمن كل واحد منهما ما يقبل صاحبه؟ قال: نعم، لأن مالكًا قال: شركتهما جائزة، فأرى ضمان كل واحد منهما جائزًا على صاحبه، وصاحبه ضامن لما ضمن هذا، فأرى أن على كل واحد منهما ضمان ما ضمن صاحبه من عملهما.
الشريكين بعمل أيديهما يدفع إلى أحدهما العمل يعمله فيغيب أو يفاصل شريكه، أيلزم بما دفع إلى شریکه: قلت: أرأيت إن دفعت إلى خياط ثوبًا ليخيطه فغاب الذي دفعت إليه الثوب فأصبت شريكه، أيكون لي أن ألزمه بخياطة الثوب في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن افترقا فلقيت الذي لم أدفع إليه الثوب، أيكون لي أن ألزمه بخياطة الثوب في قول مالك؟ قال: : نعم. قلت: لم وقد افترقا؟ قال: لأن عهدتك وقعت عليهما قبل فرقتهما، فلك أن تأخذ أيهما شئت بعملك لأن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه» . .
١٦٣
لاحظ بأنه حتى إن افترق الشركاء فعليهم إنهاء العمل في الاقتباس السابق لأن الضمان عليهم. وهنا تظهر مسألة: ألا وهي آلية أو حركية التعامل والتفاعل بين الشركاء داخل الشراكة. فهم عندما يعملون معا، وبتقادم الزمن، سيدرك كل منهم عادات ومزايا ومقدرة شركائه فيكون للضمان شأن في استمرار أو انقطاع الشراكة دون المساس بحقوق الزبائن فقد يمرض أحد الشركاء فيتغيب عن العمل، أو حتى أنه قد يتمارض كسلاً، عندها لن يضيع حق الزبون، وللشريك المواظب فسخ الشراكة، وفي هذا ضمان لاستمرار الكفاءة. لنقرأ الآتي من المغني:
«فصل: وإن عمل أحدهما دون صاحبه فالكسب بينهما . قال ابن عقيل : نص عليه أحمد في رواية إسحاق بن هانيء. وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل الأبدان، فيأتي أحدهما بشيء ولا يأتي الآخر بشيء قال : نعم هذا بمنزلة حديث سعد وابن مسعود. يعني حيث اشتركوا فجاء . سعد بأسيرين وأخفق الآخران. ولأن العمل مضمون عليهما معاً، وبضمانهما له وجب الأجرة فيكون لهما كما كان الضمان عليهما ويكون العامل عوناً لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه، كمن استأجر رجلاً ليقصر له ثوباً فاستعان القصار بإنسان فقصر معه، كانت الأجرة للقصار المستأجر، كذا ها هنا، وسواء ترك العمل لمرض أو غيره. فإن طالب أحدهما الآخر أن يعمل معه أو يقيم مقامه من يعمل فله ذلك. فإن امتنع فللآخر الفسخ ويحتمل أنه متى ترك العمل من غير عذر أن لا يشارك صاحبه في أجرة ما عمله دونه، لأنه إنما شاركه ليعملا جميعاً. فإذا ترك أحدهما العمل فما وفي بما شرط على نفسه فلم يستحق ما جعل له في مقابلته. وإنما احتمل ذلك فيما إذا ترك أحدهما العمل للعذر لأنه لا يمكن
التحرز منه».
172
وكما ذكرت سابقاً من اشتداد البركة بين الشركاء إن لم يخن أحدهم أو أحدهما صاحبه، وكما ترى في الاقتباس السابق، فإن كل شراكة هي ضمان الحقوق من هم خارج الشراكة مثل الزبائن، وهي طمأنة أيضاً للشركاء لأن من يعملون في الشراكة سيتفاوتون في جلب الربح، فقد يأتي أحدهم بشيء ولا يأتي الآخرون بشيء، وفي مرات
١١ الشركة
١٣٤١
أخرى قد يحدث العكس، فقد يأتي من لم يأت بربح سابق بربح وفير سواء كان ذلك في البحث عن المعادن أو الأداء المتواصل داخل معمل أو العمل المتواصل في الفرن ، فيكون «العامل عوناً لصاحبه في حصته». وفي هذا كفاءة أعلى بين الشركاء للسير بالشراكة قدماً لأن كل فرد منهم مطمئن على سير الشراكة مؤملاً بأن الآخرين سيأتون بعمل مربح إن لم يتمكن هو من ذلك بسبب مرضه أو إن اضطر للسفر لطارئ ما وما شابه من ظروف. بهذا المبدأ يطمئن الشركاء فيكونون أكثر إنتاجاً. هكذا بإذن الله تظهر البركة. أما إن تكرر إخفاق أحد الشركاء عن الربح بسبب التكاسل أو البلادة، فإن للشريك أو الشركاء الآخرين حينئذ فسخ الشراكة. وفي هذا بركة لمجموع الأمة لأن فيه إنقاذ للمنتجين من براثن المماطلين، وهذا التكاسل أو التباطؤ في الأداء للعمل لا يراه إلا الشركاء لأنهم في احتكاك مستمر مع بعضهم البعض إذ أنهم في مستوى واحد (أي أن علاقاتهم أفقية فلا رئيس ولا مرؤوس). ولأن الشراكات أصغر في حجمها عادة من الشركات المعاصرة بسبب الإطار الأكبر: أي بسبب الموارد والموافقات والمعرفة)، ولأن حركية العمل الداخلية بين الشركاء واضحة لهم من حيث مسؤولياتهم، فإن الإنتاجية أعلى لإدراك الشركاء لمستوى إنتاج كل فرد منهم. فلا يحاول أي من الشركاء التكاسل لعلمه أنه ملاحظ من زملائه. وهذا مناقض لما يحدث في الشركات المعاصرة. فقد وُجد مثلاً موظف في شركة يابانية كان يمضي أكثر من ست ساعات يومياً في مشاهدة المناظر الداعرة على الشبكة العنكبوتية وبإنتاج متدن دون علم رؤسائه، ولم يلتفت إليه إلا بعد عدة سنوات نظراً لكبر حجم الشركة ونظراً لكثرة الموظفين ونظراً لانشغالهم بإرضاء رؤسائهم أكثر من التركيز على الإنتاج. ولعلك تقول: ولكن يمكن حالياً مع التقنية قياس أداء الموظفين من خلال إحصاء منتجاتهم! فأجيب: نعم، ولكن لهذا الإحصاء تكلفة لا حاجة لنا بها أصلاً ، ناهيك عن ضغطها النفسي على من هم تحت منظار الإحصاء من صغار الموظفين (كموظفي الهاتف الآلي) ليفر كبارهم ببلادتهم وتزلفهم لمن هم أعلى. لنقرأ الآتي من المدونة:
«قلت: أرأيت لو أن قصارين أو حدادين أو أهل الصناعات كلهم اشترك أهل نوع على أن ما رزق الله بينهما فمرض أحدهما وعمل الآخر ؟ قال : قال مالك: إذا اشتركا وكانا في حانوت فمرض أحدهما وعمل الآخر والعمل بينهما فلا بأس بذلك. وكذلك إن غاب أحدهما اليوم واليومين وما أشبهه وعمل الآخر، فالعمل بينهما لأن هذا أمر جائز بين الشركاء. قال ابن القاسم: ولكن إن مرض فتطاول به مرضه أو ما أشبهه وغاب فتطاول ذلك، فهذا يتفاحش. فإن عمل الحاضر والصحيح فأحب أن يجعل نصف العمل لشريكه الغائب أو المريض من غير شرط كان بينهما في أصل الشركة أنه من مرض منا المرض الطويل أو غاب مثل الغيبة البعيدة فما عمل الآخر فهو بينهما. فإذا لم يكن هذا الشرط وأراد العامل أن يعطي المريض أو الغائب نصف ما عمل فلا بأس بذلك. وإن كان الشرط بينهما فالشركة فاسدة. قلت: تحفظ هذا عن مالك في المرض الطويل والغيبة الطويلة؟ قال: لا، إلا أن مالكًا قال: يتعاون الشريكان في المرض والشغل، فحملت أنا ذلك على المرض الخفيف والغيبة القريبة. قلت: فإن كان هذا الشرط بينهما وأفسدت هذه الشركة بينهما كيف يصنع بما عملا؟ قال: يكون ما عملا إلى يوم مرض أو غاب بينهما على قدر عملهما، وما عمل الصحيح بعد المريض أو الحاضر بعد الغائب فذلك للعامل، ولا يكون لصاحبه فيه شيء».
170
والآن لننظر لمسألة أخرى ومهمة جداً في الضمان: ذكرت آنفاً بأن الربح بالضمان لمن يشاركون في الإنتاج بالتسويق أيضاً، وذلك بضمان منتج ما كالقميص أو خدمة ما كغسل القميص إلا أن هذا لا يعني أن كل من ضمن ربح. فلا يجوز مثلاً لإنسان حصل على عقد عمل ما بسعر معين أن يقوم بدفع العمل لآخر بسعر أقل ليحتفظ
١٣٤٢ 🗏
بالفارق لنفسه كما تفعل كثير من الشركات المعاصرة أو كما يفعل المتنفذون بالفوز بعقد عمل ما ثم توزيع هذا العمل على مقاولين آخرين (بالباطن، كما يقال)، ثم تحميل الضمان على أولئك. فإن ظفر زيد بمال عبيد مثلاً ليتاجر به مضاربة، ثم دفع زيد المال لبكر مضاربة فليس لزيد أي ربح مقابل ضمانه لمال عبيد دون تشغيله مباشرة منه. فالربح هو لمن شارك في الإنتاج. أما دفع المال لآخر مشاركة مع ضمان الأول للثاني فلا ربح فيه للأول لأنه لا مال ولا عمل من جهته، تماماً كما يفعل كثير من المسؤولين الآن بدفع الأعمال الحكومية لأقاربهم أو معارفهم أو شركائهم خلسة لننظر للاقتباس الآتي من المغني:
.
«وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافاً. ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك. فإذا دفعه إلى آخر ولم يشرط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً. وإن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح، لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح إنما يستحق بواحد منهما . وإن قال : اعمل برأيك أو بما أراك الله، جاز له دفعه مضاربة، نص عليه، لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه، ويحتمل أن لا يجوز ذلك، لأن قوله : اعمل برأيك يعني في كيفية ܖܖ܊ المضاربة والبيع والشراء وأنواع التجارة، وهذا يخرج به عن المضاربة، فلا يتناوله إذنه».
لاحظ في الاقتباس السابق الفرق بين الجواز والأحقية في الربح فإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة لآخر جاز ذلك ولكن دون ربح للأول. ولبعض التفصيل لننظر للاقتباس الآتي المهم من المغني أيضاً (رحم الله ابن
قدامة):
وليس للمضارب دفع المال إلى آخر مضاربة. نص عليه أحمد، في رواية الأثرم وحرب وعبد الله. قال: إن أذن له رب المال، وإلا فلا. وخرج القاضي وجهاً في جواز ذلك، بناء على توكيل الوكيل من غير إذن الموكل. ولا يصح هذا التخريج، وقياسه على الوكيل ممتنع لوجهين، أحدهما أنه إنما دفع إليه المال ههنا ليضارب له، وبدفعه إلى غيره مضاربة يخرج عن كونه مضارباً به، بخلاف الوكيل. الثاني: أن هذا يوجب في المال حقاً لغيره، ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه. وبهذا قال أبـو حـنـيـفـة والشافعي. ولا أعرف من غيرهم خلافهم. فإن فعل فلم يتلف المال ، ولا ظهر فيه ربح، رده إلى مالكه، ولا شيء له ولا عليه. وإن تلف أو ربح فيه، فقال الشريف أبو جعفر : هو في الضمان والتصرف كالغاصب، ولرب المال مطالبة من شاء منهما برد المال إن كان باقياً، ويرد بدله إن كان تالفاً، أو تعذر رده، فإن طالب الأول وضمنه قيمة التالف، ولم يكن الثاني علم بالحال، لم يرجع . عليه ، بشيء منه، لأنه دفعه إليه على وجه الأمانة، وإن علم بالحال رجع عليه، لأنه قبض مال غيره على سبيل العدوان، وتلف تحت يده، فاستقر ضمانه عليه، وإن ضمن الثاني مع علمه بالحال لم يرجع على الأول. وإن لم يعلم فهل يرجع على الأول ؟ على وجهين، أحدهما يرجع عليه، لأنه غره، فأشبه ما لو غره بحرية أمة. والثاني: لا يرجع، لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه. وإن ربح في المال فالربح لمالكه ولا شيء للمضارب الأول لأنه لم يوجد منه مال ولا عمل. وهل للثاني أجر مثله؟ على روايتين: إحداهما، له ذلك، لأنه عمل في مال غيره بعوض لم يسلم له، فكان له أجر مثله، كالمضاربة الفاسدة. والثانية، لا شيء له، لأنه عمل في مال غيره بغير إذنه، فلم يستحق لذلك عوضاً كالغاصب، وفارق المضاربة، لأنه عمل في ماله بإذنه. وسواء اشترى بعين المال أو في الذمة، ويحتمل أنه إذا اشترى في الذمة يكون الربح له، لأنه ربح فيما اشتراه في ذمته مما لم يقع الشراء فيه لغيره، فأشبه ما لو لم ينقد الثمن من مال رب المال . قال الشريف أبو جعفر : هذا قول أكثرهم، يعني قول مالك والشافعي وأبي حنيفة. ويحتمل أنه إن كان عالماً بالحال فلا شيء للعامل، كالغاصب، وإن جهل الحال، فله أجر مثله،
،
١١ الشركة
١٣٤٣
هو
يرجع به على المضارب الأول لأنه غره واستعمله بعوض لم يحصل له، فوجب أجره عليه، كما لو
استعمله في مال نفسه...».
١٦٧
يبدأ النص بتبيان عدم جواز دفع المضارب للمال لآخر مضاربة إلا بإذن المالك. كما أن النص يدحض ما ذهب إليه القاضي بالقياس بجواز ذلك بناء على توكيل الوكيل من غير إذن الموكل فيأتي الدحض من وجهين: الأول أن دفع المال لآخر مضاربة يخرجه من المضاربة بخلاف الوكيل والثاني والأهم هو أن هذا الدفع لآخر يوجب في المال حقاً لطرف آخر غير المضارب وبغير إذن المالك. لكن إن فعل المضارب ودفع المال لآخر فلم يربح ولم يخسر، عندها فإن المال يعود لصاحبه ولا شيء على المضارب. أما إن تلف أو ربح، فهو كما قال الشريف أبو جعفر: فإن المال في الضمان والتصرف كالغاصب». عندها فإن لرب المال مطالبة أيّ من المضارب أو الآخر برد المال إن كان المال سليماً، أو بدلاً منه إن خسرت التجارة أو الصناعة التي استخدم فيها المال مضاربة. هنا تظهر حالتان: الأولى أن الآخر لا يعلم بأن المال ليس ملكاً للأول (أي للمضارب)، والثانية أن الآخر يعلم. فإن لم يكن الآخر على علم بالحال فإن على الأول إعادة المال مع ضمان قيمة التالف. أما إن كان الآخر يعلم، فعليه ضمان قيمة التالف لأنه «قبض مال غيره على سبيل العدوان»، فتلف المال تحت يده، فضمانه عليه ويرجع للمالك مباشرة. نعود للحالة الأولى: إن لم يعلم الثاني وضمن ما تلف، فهل يُحمّل التلف على الأول؟ على وجهين: الأول يرجع عليه، أي يحمله الضمان لأنه غره، والوجه الثاني لا يحمله الضمان لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه».
هذا في حال الخسارة. أما إن ربح المال، فالربح كله لمالك المال ولا شيء للمضارب، أي لا شيء للأول «لأنه
لم يوجد منه مال ولا عمل. هنا بالطبع سيظهر السؤال هل للثاني أجر مثل عمله؟ كانت الإجابة على روايتين: إحداهما أن ذلك له لأنه عمل في مال غيره بعوض، فله أجر مثل عمله. والرواية الثانية أنه لا شيء له لأنه استثمر المال بغير إذن المالك، فهو كالغاصب الذي لا يستحق العوض، وليس كالمضاربة التي تُستثمر بإذن المالك. فإن كان الاستثمار في التجارة، فهنا احتمال أنه إذا اشترى بالذمة سلعة ما ثم باعها وكسب منها فالربح له. وهناك قول بأنه إن كان الثاني عالماً بأن المال ليس ملكاً للأول فلا شيء للعامل الثاني لأنه كالغاصب.
من كل ما سبق من احتمالات مختلفة نصل لاستنتاج مهم للكفاءة: ألا وهو أنه لا ربح إلا من إنتاج فعلي، أي من العمل أو من رأس المال الذي هو تراكم لعمل سابق أو من الضمان المباشر. ولأن الإطار الأكبر للأمة (الموارد والموافقات والمعرفة هو الحاكم، سيظهر عرف في المجتمع بأنه لا ربح إلا بهمة ومخاطرة وعمل منتج وليس من نصب واحتيال كما هي حال حياتنا المعاصرة التي أنتجت المناصب والفرص تلو الفرص لمن لا يعملون إلا أنهم في الوقت ذاته يكسبون مثل الوسطاء ومتخذي القرارات والمسؤولين المعاصرين الذين يدفعون أعمال الدولة للمقربين منهم فيشاركونهم الأرباح بحكم مناصبهم أي أنه لا مال ولا عمل من جهتهم، ومع هذا يتكسبون، وهذه من عقبات التنمية. أي أنه إن طبقت الشريعة فلا نفوذ سياسي يأتي بالأرباح كحالنا في هذه الأيام.
١٣٤٤
الفسخ
🗏
كما مر بنا، فإن في فسخ عقد الشراكة إن أراد أحد الشركاء ذلك منفعة للأمة لرفع الكفاءة من جهتين: الأولى للفرد والأخرى للمجتمع. وكما ذكرت أيضاً، فكلما ازداد عدد العاملين في المجتمع بطلاقة لأنهم خرجوا من شراكة لا يرتاحون في العمل فيها ارتفعت الكفاءة الإنتاجية وبالتالي كان التوزيع أعدل لتقارب الناس في الدخل. إضافة لهذا فهناك مبدأ شاع العمل به بين الفقهاء وقد مر بنا وهو أن تصحيح العقد أولى من فضه إن اختلف الشركاء. وفي هذا المزيد من الكفاءة للأمة بسبب حفظ الشراكات المنتجة من الفسخ. أما إن أصر أحد الشركاء على الفسخ وحتى دون إبداء الأسباب فله ذلك لأن الشراكة من العقود الجائزة، أي أنها ليست ملزمة لأي من الشركاء. وهذا مغاير لكثير من الأنظمة الوضعية لننظر لبعض الاقتباسات. لاحظ في الاقتباس الآتي قول ابن قدامة من المذهب الحنبلي: «تنفسخ بفسخ أحدهما، أيهما كان»:
والمضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما ، أيهما كان، وبموته وجنونه والحجر عليه لسفه، لأنه متصرف في مال غيره بإذنه، فهو كالوكيل، ولا فرق بين ما قبل التصرف وبعده، فإذا انفسخت والمال ناض لا ربح فيه، أخذه ربه، إن كان فيه ربح قسما الربح على ما شرطاه، ...».
١٦٨
والناض: هو الدرهم والدينار وما شابه من النقد . وجاء في المجموع من المذهب الشافعي: «وعقد الشركة جائز لكل من الشريكين فسخه متى شاء، فلو فسخه الشريكان جميعاً انعزلا عن العمل، أما إذا عزل أحدهما صاحبه فإن عزله ينفذ ويبقى هو في العمل حتى يعزله صاحبه أيضاً الفسخ الشركة بموت أحدهما أو جنونه دائماً». ١٦٩
لعل الشافعية (كما مر بنا في شركة العنان) هم أكثر المذاهب حذراً في مسألة ضرورة فسخ العقد عند اختلاف الشركاء، لذلك لم يبيحوا الشراكة إلا على الأموال كالذهب والفضة، وليس على العروض كالنبات مثلاً تلافياً لاحتمال ظهور خلاف عند الفسخ بين الشركاء فقد أتى في المجموع: قال المزني: والذي يشبه قول الشافعي رحمه الله أنه لا تجوز الشركة في العروض، ولا فيما يرجع في حال المفاضلة إلى القيم ولتغير الأثمان. وجملة ذلك أن عقد الشركة يصح على الدراهم والدنانير لأنها قيم المتلفات ومعايير الأثمان وبها تعرف قيم الأموال وما يزيد فيها من الأرباح». والسبب في هذا المنع من الشراكة على العروض هو أن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال أو بمثله»، والعروض قد لا يكون لها مثل فيرجع إليه، لأن الرجوع لقيمتها قد يفضي للتنازع لأن الشيء قد يقوم بأكثر أو أقل من قيمته. لذلك فرق الشافعية بين «ما له وبين ما لا مثل له. فأما ما لا مثل له كالنبات والحيوان وما أشبههما فلا يصح . عقد الشركة عليها ... وقال مالك: يصح عقد الشركة عليها ويكون رأس المال قيمتها». ولكن ماذا عما له مثل كالحبوب مثلاً ، فهل تصح الشراكة فيها ؟ هنا للشافعية قولان: أحدهما: «يجوز، وهو ظاهر ما نقله المزني، لأنه قال: ولا فيما يرجع حال المفاصلة إلى القيم وما له مثل لا يرجع إلى قيمته، ولأنهما مالان إذا خلطا لم يتميز أحدهما عن الآخر، فصح عقد الشركة عليهما كالدراهم والدنانير. والثاني: لا يجوز، لأن الشافعي رضي عنه قال في البويطي ولا تجوز الشركة في العروض، وما له مثل من العروض، ولأنها شركة على عروض فلم يصح كالنبات والحيوان.... وقال النووي في الروضة تجوز الشركة في النقدين قطعاً، ولا وتجوز في المتقومات قطعاً، وفي
المثليات قولان ويقال وجهان، أظهرهما الجواز ...»..
۱۷۰
الله
11 الشركة
١٣٤٥
كما قلت: فإن الشافعية كانوا الأكثر حذراً في بدء الشراكة حتى لا يقع التشاح في حال الفسخ. وفي المقابل، فإن الحنابلة برغم دفعهم لفسخ العقد متى أراد أحد الشركاء ذلك، إلا أنهم لم يذهبوا إلى منع الشراكة إن لم تكن في النقدين. وفي هذه الحالة، أي إن وقعت الشراكة على غير النقدين وطالب أحد الشركاء فسخ الشراكة، فما الذي يحدث؟ لنقرأ الآتي من المغني:
«والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشركين وجنونه والحجر عليه للسفه، وبالفسخ من أحدهما لأنها عقد جائز، فبطلت بذلك كالوكالة، وإن عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزول فلم يكن له أن يتصرف إلا في قدر نصيبه، وللعازل التصرف في الجميع، لأن المعزول لم يرجع عن إذنه. هذا إذا كان المال ناضاً، وإن كان عرضاً، فذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أنه لا ينعزل بالعزل، وله التصرف حتى ينض المال، كالمضارب إذا عزله رب المال، وينبغي أن يكون له التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى، أو التصرف بغير ما ينض به المال. وذكر أبو الخطاب أنه ينعزل مطلقاً. وهو مذهب الشافعي، ب، لأنه عقد جائز ، فأشبه الوكالة. فعلى هذا إن اتفقا على البيع أو القسمة فعلا. وإن طلب أحدهما القسمة والآخر البيع، أجيب طالب القسمة دون طالب البيع. فإن قيل: أليس إذا فسخ رب المال المضاربة، فطلب العامل البيع، أجيب إليه؟ فالجواب: أن حق العامل في الربح، ولا يظهر الربح إلا بالبيع، فاستحقه العامل لوقوف حصول حقه عليه، وفي مسألتنا ما يحصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع، فلم يجبر على البيع فصل: فإن مات أحد الشريكين وله وارث رشيد، فله أن يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف، وله المطالبة بالقسمة، فإن كان مولياً عليه قام وليه مقامه في ذلك لأنه لا يفعل إلا ما فيه المصلحة للمولى عليه، ...».
۱۷۱
كما ترى في الاقتباس السابق، وحفظاً لحقوق جميع الشركاء، فإن الشراكة لا تُفسخ برغبة أحد الشركاء إن كانت الشراكة في العروض، فللشريك الذي لم يطالب بالفسخ التصرف بالبيع حتى ينض المال إن كانت الشراكة تجارة، أي حتى تتحقق السيولة النقدية محل العروض وذلك بالبيع نقداً، وليس البيع مقابل سلعة أخرى معاوضة. وهناك قول آخر لأبي الخطاب بأنه ينعزل مطلقاً. وهذا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله. عندها إن اتفق الشركاء على بيع أو قسمة العروض فلهم ذلك. أما إذا اختلفا أو اختلفوا، أي طلب أحدهم البيع والآخر القسمة، عندها فإن طلب طالب القسمة . هو الأولى بالتحقيق لأن لكل منهما نصيبه من العروض. أي أن المذهب هو الحرص على تقديم التقسيم على استمرار الشراكة لأن في استمرارها دون رضا من أحد الشركاء تعطيل للكفاءة. لكن هنا تظهر مسألة دقيقة، وهي أنه في شركة المضاربة، إن طلب صاحب رأس المال القسمة ورفض العامل فإن له ذلك، أي تستمر الشراكة ببيع الموجودات ثم يُقسم الناض لأن حق الشريك المضارب لا يظهر إلا بالبيع، وهو قد بدأ العمل. أما إن لم تكن الشراكة مضاربة فإن لكل من الشركاء نصيب من العروض التي يمكن الرجوع إليها. فلا يجبر الشركاء على البيع لظهور الحصص، بل تتم القسمة حالاً.
وهكذا، فإن للعلاقة بين حجم الشراكات مقارنة بعدد الشركاء تأثير كبير في الكفاءة الإنتاجية يتضح من دفع الشريعة للوصول لشراكات أكبر ما تكون دون الحاجة لتنظيم داخلي يأكل من أرباح الشراكة. فعندما يدرك أحد الشركاء بأن الشراكة كبرت ووصلت لحجم تحتاج فيه لتنظيم داخلي بيروقراطي يثقل كاهل الشراكة ويمكن الاستغناء عنه فقد يترك الشراكة ليبدأ شركة أصغر حجماً تقوم بنفس الإنتاج، إلا إن كان المنتج يتطلب ذلك الحجم. وهذا ما كنت أحاول توضيحه عقارياً في الفصل الثامن من كتاب «عمارة الأرض في الإسلام» (أي فصل:
١٣٤٦ 🗏
حجم
الفريق وحجم
العين)، إذ أن في حرية الفسخ حركية تحرر الشراكات من التقيد بحجم يعيق كفاءتها الإنتاجية. فتنتفخ الشراكات وتتقلص بشكل دائم لتصل للحجم الأنسب كفاءة.
ندرة الأرض والزكاة
تذكر أخي القارئ أنني في فصل «الديوان» وضحت بأن هناك التباسين وقع فيهما بعض الفقهاء: الالتباس الأول عن ماهية المستجدات والالتباس الثاني عن ماهية مقصوصة الحقوق. وبالنسبة للالتباس الثاني، كنت قد جادلت أن الإسلام أتى مكتملاً، ولا مجال للفتوى فيه أبداً. فقد تكون الحاجة للفتوى مطلوبة في العبادات، وهي علاقة بين الإنسان والحق سبحانه وتعالى (مثل حكم الصيام في القطب الشمالي لأن النهار أو الليل طويل جداً بناء على فصول السنة)، أما الحقوق التي تربط الناس بعضهم ببعض وبالدولة بالذات، فقد أتت بها الشريعة مكتلمة لا تحتمل الاجتهاد أبداً. وكنت قد بينت في فصل «الديوان» أيضاً بأن هناك شبهة وهي الادعاء في استصدار الفتوى بأن في الأمر «سعة». وكنت قد جادلت بأن بعض الفقهاء يخطئون الاستنتاج بأن كل ما لم يأت فيه حكم فهو حيز واسع لهم للإفتاء وأنهم يعتقدون بأن في هذا رحمة للأمة، ووضحت بأن هذا غير صحيح. وكنت قد قلت بأنه إن منعنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياء أن نبحث عنها رحمة بنا بقوله: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها، فكيف نبحث عنها ونصدر لها الفتاوى ونردد أن هذه «السعة رحمة؟ أي ما لم يكن فيه حكم شرعي فلا يحق لنا بناء على هذا الحديث أن نضع له حكماً لأن الشريعة تركت للناس التخير بما يرونه ملائماً لهم العمل به، وهذا نص. وكذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾، وآيات أخرى مشابهة معلومة وقد مرت بنا. وزكاة الأرض المؤجرة مثال جيد لما سكت عنه الشرع، إلا أن الفقهاء حددوا لها مقدار الزكاة بالاجتهاد. كيف؟
۱۷۲
كلما تقادم الزمن دون تطبيق الشريعة كلما ظهرت الطبقية ذلك أن نسبة المعدمين في ازدياد بسبب تمكن المتنفذين ومن ثم قفل الأبواب أمام من أراد العمل. وكل هذا بسبب قصور العقل البشري. ومن أمثلة هذا القصور زكاة الأرض المستأجرة وبالذات مع انتشار العولمة. فمعظم الأراضي في العالم الإسلامي المعاصر هي أراض يعمل بها من لا يملكونها وذلك بسبب قتل نظام الإحياء، ولأسباب أخرى أقل أهمية. ١٧٢ ولعل ما يتبادر للأذهان مباشرة لمن له دراية بعلم الزكاة هو الآتي: لقد وضحت الشريعة زكاة الأرض التي يشترك فيها اثنان كما في المزارعة والمساقاة وغيرهما من عقود الشراكة، إلا أن الشريعة لم توضح كيفية إخراج زكاة الأرض المستأجرة: كرجل اكترى من آخر أرضاً ليزرع فيها مقابل أجر نقدي محدد (مثل ألف درهم (مثلاً)، وليس مقابل جزء من الخارج من الأرض كالنصف أو الربع. فلماذا هذا الإعراض من الشريعة عن تبيان زكاة الأرض المستأجرة؟ للإجابة أقول وبالله التوفيق:
كما هو معلوم فإن للأرض احتمالات زراعية ثلاثة هي: (۱) إما أن تكون لمالك يعمل فيها وعليه حينئذ عشر أو نصف العشر لأن الأرض أرضه والزرع زرعه (۲) وإما أن يكون المالك قد أعار أرضه لغيره ليزرعها دون مقابل، والزكاة هنا بالطبع على الزارع الذي انتفع بها من غير كراء. (۳) وإما أن يزارع المالك الأرض بنسبة محددة
١١ الشركة
١٣٤٧
مثل الربع أو الثلث حسب الاتفاق مزارعة أو مساقاة أو ما شابه، عندها فإن الزكاة على كل طرف في حصته إن بلغت النصاب أو كان له ثمر آخر وضمه إليه لحساب نصابه. هذه هي الأحوال المعروفة في الشريعة ولها أحكامها." ولكن ماذا عن تأجير الأرض (الحالة الرابعة)، فلا حكم لحساب الزكاة فيها، بل اجتهادات من الفقهاء؟ والإجابة والله أعلم باختصار هي: لأن هذا التأجير وكأنه نوع من الربوا إذ أن أحد الطرفين، وهو مالك الأرض، يكسب على الدوام مثل المرابي دون أن يخسر، بينما المزارع على الخطر، أي إما أن يكسب أو أن يخسر دون مخاطرة المالك، فلم توضح الشريعة زكاة الأرض المؤجرة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها لم تكن مما عمت به البلوى. أما إن وضعت الشريعة لها حكماً في إخراج الزكاة عندها وكأن الشريعة تعلن إباحتها وعندها ستصبح إجارة الأراضي عملاً مقبولاً شرعاً، وفي هذا مضرة على المجتمع لأن هذا القبول سيؤدي للطبقية التي تحاربها الشريعة إذ أن الملاك مع الزمن قد لا ينشغلوا بالعمل المنتج، ولكن بالتأجير المؤدي لتراكم الثروة دون عمل، وحتى يحصلوا على أرض بيضاء دون إحيائها فسيستغلون الثغرات ويتقربون للسلاطين للحصول على الأراضي لتأجيرها، فيظهر التسخير الممقوت، أي تظهر الطبقة التي لا تعمل وفي الوقت ذاته تجني الأرباح، وهذه كما ذكرت سابقاً بذرة الفساد لأنها بفراغها ستبحث عن الترف ولديها من الأموال ما تحصل به على شهواتها وملذاتها.
ولعلك هنا تتفاجأ سائلاً: ولكن ماذا عن تأجير الدور والحوانيت مثلاً؟ فأجيب: تلك أماكن ذات أعيان وهي عمل مودع وتحصل المنفعة منها مقابل عوض معلوم مثل سكنى الدار والبيع في المحل. فإن خسر التاجر فإن الخسارة ليست بسبب عدم الانتفاع من المحل، ولكن بسبب سوء تدبير التاجر. أما الأرض الزراعية، فبرغم أن سوء التدبير عامل فاعل في خسران المزارع، إلا أن الخسارة في الأغلب بسبب ظروف قاهرة وخارجة عن إرادة المزارع مثل قلة المطر أو الجفاف أو فيضان النهر أو ما شابه من مسائل تتعلق بالتربة أو المياه أو الطقس. ففي خسارة التاجر الذي لا يجيد التجارة خير للمجتمع لأن المال ينتقل من يد لا تجيد استثماره لأخرى أكثر مهارة فيزداد
هامش
ب٢) الأراضي التي يمتلكها الأفراد وتستثمر بآخرين هي عادة تنتج وسلم: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليُحرثها أخاه فإن أبى من عقد بين مالك الأرض ومن أراد استصلاحها. وتعرف في الشريعة فليمسك أرضه). بأنواع كالمزارعة والمغارسة والمخابرة والمحاقلة والمزابنة والمساقاة. أما الرأي الذي يجيز المزارعة فيعتمد على فعل الرسول صلى الله عليه ويختلف دور المستصلح من سيطرة قصوى كما في المزارعة إلى مجرد وسلم وفعل خلفائه وصحابته. فجمهور الفقهاء يرجحون فعل أن يكون مستصلح الأرض عاملاً فيها كما في المساقاة. وقد ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم ويبينون أن هذه الروايات عن النهي عن خلاف مشهور بين الفقهاء. فهناك أحاديث مفادها أن الرسول صلى المزارعة ما هي إلا نصائح منه صلوات الله وسلامه عليه. فقد روى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمزارعة. والرأي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يجيز المخابرة يعتمد على هذه الأحاديث ومنها قول رافع بن خرج إلى أرض تهتز زرعاً، فقال: (لمن هذه ؟ ) فقالوا : اكتراها فلان. خديج: «كنا نُخابـر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر فقال: أما إنه لو منحها إياه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً أن بعض عمومته أتاه فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر معلوماً». وعن حديث رافع بن خديج يقول زيد بن ثابت: «أنا كان لنا نافعاً، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع . قال : قلنا: وما أعلم بذلك منه (أي من رافع بن خديج)، وإنما سمع النبي صلى الله ذاك؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له أرض عليه وسلم رجلين قد اقتتلا فقال : إن كان هذا شأنكم فلا تكروا فليزرعها أو فليُزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام المزارع». والظاهر هو أن الاختلاف بين المذاهب الأربعة في مسمى. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله المزارعة هو في صوره المختلفة كطريقة المشاركة بين الفريقين كأن عليه وسلم يقول: (من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من الله تكون الأرض من أحدهما والبذور وآلات الحرث من الآخر وما إلى ورسوله». وهناك أحاديث أخرى تفيد أن الرسول صلى الله عليه ذلك من تفاصيل. وهناك قول لابن حزم وسيأتي بيانه في النص بمنع وسلم أوصى بأن من كانت له أرض فليزرعها بنفسه أو ليمنحها أخاه تأجير الأرض بذهب أو فضة (۱۷۳).
المسلم ليزرعها. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
١٣٤٨ 🗏
الإنتاج لمجموع الأمة. أما المزارع الجاد والمهتم فمهما فعل فقد يخسر قهراً حتى وإن كانت المياه من آبار ارتوازية لأن الطقس قد يكون حاراً أو متجمداً. أي وكأن الشريعة لم تضع . عمداً حكماً واضحاً لزكاة الأرض المؤجرة لأنها لا تريد للناس الولوج في هذه الصفقات. وهذا ما كنت قد وضحته سابقاً بأن الشريعة لم تضع عمداً أحكاماً لبعض المسائل. وبهذا فإن السؤال هو : لماذا إذا لم تحرم الشريعة تأجير الأرض بوضوح تام؟
وللإجابة لابد من الإجابة على السؤال الآتي: هل وجدت الأراضي البيضاء القابلة للتأجير أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل أباح تأجيرها؟ ثم بعد هذا السؤال يكون السؤال: كيف يخرج المؤجر الزكاة؟ بالنسبة للسؤال الأول، فكما وضحت في الهامش (ب۲) فإن في العقود التي أباحتها الشريعة كالمساقاة دلالة على وجود أراض بيضاء. ولأن الملكية في الشريعة تبدأ بالإحياء وليس الإقطاع، إذ أن الإقطاع لا يؤدي للتملك كما مر بنا، فإنه لا سبيل للتملك إلا بالإحياء أو بانتقال ملكية أرض محياة بالبيع أو الهبة أو الوراثة. أي أن هذه الأراضي البيضاء قد تكون أراض ملكت قبل الإسلام، ورفقاً بملاكها أراد الرسول صلى الله عليه وسلم إبقاء ملكيتها لهم. أي أن هذا النوع من الأراضي ليس نمطاً منتشراً برغم قلة وجوده، ولن ينتشر إن طبقت الشريعة لأن نبعها مغلق، إلا إن ملكت أرض ثم أهملت لتصبح وكأنها مواتاً. ولأنها نادرة ولم يشجع الرسول صلى الله عليه وسلم على كرائها نجد أن ابن حزم (والله أعلم) ذهب لمنع تأجيرها وجمع الكثير من الأدلة لإثبات مذهبه. فهو يقول: «مسألة: ولا تجوز إجارة الأرض أصلاً ، لا للحرث فيها، ولا للغرس فيها ، ولا للبناء فيها، ولا لشيء من الأشياء أصلاً، لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة، ولا لغير مدة مسماة، لا بدنانير، ولا بدراهم، ولا بشيء أصلاً، فمتى وقع فسخ أبداً. ولا يجوز في الأرض إلا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها، أو المغارسة كذلك فقط، فإن كان فيها بناء قل أو كثر جاز استئجار ذلك البناء وتكون الأرض تبعاً لذلك البناء غير داخلة في الإجارة أصلاً برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد حدثني أبي عن جدي ثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال : أخبرني سالم بن عبد الله بن قال: لقي عبد الله بن عمر رافع بن خديج فسأله فقال له رافع: سمعت عمي، وكانا قد شهدا بدراً، يحدثان (أهل الدار) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض. فذكر الحديث وفيه أن ابن عمر ترك كراء الأرض. قال أبو محمد : أهل بدر كلهم عدول؟ روينا من طريق ابن أبي شيبة نا وكيع عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج قال: جاء جبريل أو ملك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (خيارنا) قال: كذلك هم عندنا. قال علي: وممن روينا عنه المنع من كراء الأرض جملة: جابر بن عبد الله ورافع بن خديج وابن عمر وطاوس ومجاهد
عمر
والحسن. ...».
ومن الأدلة التي أوردها ابن حزم حديث جابر : (من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبي فليمسك أرضه) . وحديث مسلم عنه أيضاً : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض (وهناك أحاديث أخرى وضعتها في الهامش (۲). أما من المعاصرين، فقد أيد الدكتور محمود أبو السعود أثابه الله ما ذهب إليه ابن حزم (كما نقله الجنيدل). ومما أضافه الدكتور أبو السعود قوله:
«وهذا مخالف للإسلام في أحكامه الخاصة والعامة إذ لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال الإقراض بالفائدة ... ولعمري إن اشتراط كراء الأرض نظير مبلغ معين من ذهب أو فضة لهو أمعن في الخطأ،
١١ الشركة
١٣٤٩
وأضمن بالحكم بالتحريم لا بالتحليل ، وأبعد ما يكون عن منطق الإسلام وجدير ألا يكون صادراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كيف يأبى أن تؤجر الأرض بجزء مما يخرج منها ثم يرى أن يدفع المستأجر لصاحبها حصة معينة من ذهب أو فضة».
.«...
وفي المقابل، أجاز جمهور الفقهاء تأجير الأرض وأجابوا على الأحاديث الدالة على النهي عن الكراء بأنها محمولة على أحد أمرين (كما لخصها الجنيدل) الأول : «محلها إذا أجرت بما يؤدي إلى الجهالة والغرر كأن تؤجر بما على السواقي والأنهر أو بزرع قطعة معينة .». الثاني: «حمل النهي على التنزيه والإرشاد إلى العناية بإعارتها توسيعاً للناس وإحياء للأرض وعدم تركها، مستدلين بحديث روي في الصحيحين عن عمرو بن دينار». أي قول عمرو: «أخبرني ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ خرجاً معلوماً». وعزز من قال بتأجير الأرض مذهبه بما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له أرض فإنه يمنحها أخاه خير له. وقال النووي للجمع بين الأحاديث: فهذان التأويلان لابد منهما أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث وذلك لنقل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على جواز الإجارة والنهي عن الإجارة، فتكون الأحاديث الأمر فيها للندب والنهي فيها للتنزيه ، ولا يكون في ذلك وجوب ولا تحريم».
١٧٤
هنا تظهر إشكالية، فمن الواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كره التأجير، ولا أثر في الشريعة عن كيفية إخراج زكاة الأرض المؤجرة. فكيف تزكى إذاً؟ أي من سيدفع العشر أو نصفه: هل هو مالك الأرض مما يتقاضاه من إيجار ، أم المستأجر الذي ينتفع بزراعتها؟ ذهب الإمام أبو حنيفة بأن العشر على المالك لأن الأصل عنده ولأن العشر حق الأرض النامية لا حق الزرع ولأن العشر من مؤونة الأرض فأشبه الخراج، ولأن الأرض كما تستنمى (أي تُستثمر) بالزراعة فهي تستنمى بالإجارة، فكانت الأجرة مقصودة كالثمر، فكان النماء له معنى. وقد جاء في البداية للمرغناني:
.»
... وله أنها كما تستنمى بالزراعة تستنمى بالإجارة فكانت الأجرة مقصودة كالثمرة، فكان النماء له معنى مع ملكه فكان أولى بالإيجاب عليه ولزفر في الثانية وهو رواية عن أبي حنيفة أن السبب ملكها والنماء له معنى لأنه أقام المستعير مقام نفسه في الاستنماء فكان كالمؤجر. ولنا أن المستعير قام مقام المالك في الاستنماء فيقوم مقامه في العشر. بخلاف المؤجر لأنه حصل له عوض منافع
أرضه» . ٧٥
۱۷۵
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن العشر على المستأجر لأن العشر حق الزرع لا حق الأرض، وأن المالك لم يخرج له حب ولا ثمر، فكيف يزكي ثمراً لا يملكه ؟ وقد وضح ابن رشد سبب اختلافهم: هل العشر حق الأرض أو حق الزرع أو مجموعهما، إذ يقول رحمه الله في بداية المجتهد:
«وأما المسألة الثانية: وهي الأرض المستأجرة على من تجب زكاة ما تخرجه؟ فإن قوماً قالوا: الزكاة على صاحب الزرع وبه قال مالك والشافعي والثوري وابن المبارك وأبو ثور وجماعة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: الزكاة على ربّ الأرض وليس على المستأجر منه شيء. والسبب في اختلافهم: هل العشر حق الأرض، أو حق الزرع، أو حق مجموعهما؟ إلا أنه لم يقل أحد إنه حق لمجموعهما، وهو في الحقيقة حق مجموعهما؛ فلما كان عندهم أنه حق لأحد الأمرين اختلفوا في أيهما هو أولى أن ينسب إلى الموضع الذي فيه الاتفاق، وهو كون الزرع والأرض لمالك واحد، فذهب الجمهور إلى أنه للشيء
١٣٥٠ 🗏
الذي تجب فيه الزكاة، وهو الحب، وذهب أبو حنيفة إلى أنه للشيء الذي هو أصل الوجوب، وهو
الأرض».
١٧٦
وقد رجح ابن قدامة رأي الجمهور بأن العشر واجب في الزرع وأنه على مالك الزرع. فيقول موضحاً: «فصل: ومن استأجر أرضاً فزرعها فالعشر عليه دون مالك الأرض، وبهذا قال مالك والثوري وشريك وابن المبارك والشافعي وابن المنذر. وقال أبو حنيفة : هو على مالك الأرض لأنه من مؤونتها أشبه الخراج. ولنا: إنه واجب في الزرع فكان على مالكه كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة وكعشر زرعه في ملكه، ولا يصح قولهم: إنه من مؤونة الأرض، لأنه لو كان من مؤونتها لوجب فيها وإن لم تزرع كالخراج ولوجب على الذمي كالخراج ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة، ولو استعار أرضاً فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع لأنه مالكه. وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه أيضاً، لأنه ثبت على ملكه، وإن أخذه مالكها قبل حبه فالعشر عليه، وإن أخذه بعد ذلك احتمل أن يجب عليه أيضاً، لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه، فكأنه أخذه من تلك الحال، ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب، لأنه كان ملكاً له حين وجوب عشره وهو حين اشتداد حبه» . "
اشتداد
۱۷۷
إن حجج ابن قدامة رحمه الله قوية جداً في ما رجحه من أن الزكاة على صاحب الزرع. ولكن في الوقت ذاته تجد في نفسك حيرة عن منطقية فرار مالك الأرض من الزكاة. أي أن الفقهاء يحاولون من خلال القياس الوصول للحكم الأصوب في نظرهم بدل التسليم بأنه لا حاجة لإيجاد الحكم. ولعل في المثال الآتي مما ذهب إليه الرافعي وما نقده القرضاوي توضيح لما أحاول تبيانه. فقد ذهب الرافعي في الشرح الكبير إلى أنه لا فرق بين ما تنبته الأرض المملوكة والأرض المستأجرة في وجوب العشر أي يجتمع على المكتري العشر والأجرة، كما لو اكترى حانوتاً للتجارة فتجب عليه الأجرة وزكاة التجارة جميعاً. وينتقد القرضاوي هذا الرأي بأن هذا التشبيه غير مسلم ذلك أن،
زكاة التجارة تجب في كل حول فيما بقي لدى التاجر من رأس مال نام – بعد أن يكون قد دفع في أثناء الحول أجرة حانوته وغيرها من الأجور والنفقات، ولو كان عليه أجرة سنة أو أشهر لكانت ديناً عليه يطرحه مما في يديه ثم يزكي ما بقي. أما زكاة الزرع فلا يعتبر لها حول، بل تجب عند الحصاد، فليس بممكن دفع الأجرة من الزرع قبل الزكاة كما هو الشأن في أجرة الحانوت. لهذا قد يبدو من الإجحاف بالمستأجر أن يبذل في الأرض جهده وعرقه ثم يدفع أجرتها ثم يطالب بعد ذلك بالعشر ... على حين يتسلم مالك الأرض أجرته خالصة سائغة ولا يُطالب بشيء إلا أن يحول الحول على الأجرة أو بعضها. إن العدل أن يشترك الطرفان في الزكاة كل فيما استفاده، فلا يعفى المستأجر إعفاء كلياً من وجوب الزكاة - كما ذهب أبو حنيفة، ولا يعفى المالك إعفاء كلياً ويُجعل عبء الزكاة كلها على المستأجر - كما ذهب الجمهور. ولقد انتبه ابن رشد - بعقله الفلسفي – إلى أن الواجب في الأرض المزروعة: ليس حق الأرض وحدها، ولا حق الزرع فقط، ولكنه حق مجموعهما. ومعنى هذا: أن يشترك صاحب الأرض وصاحب الزرع فيما يجب من العشر أو نصفه، وهذا – فيما أرى – هو
الراجح.
۱۷۸
......
ثم يوضح القرضاوي رأيه بمثال عملي بالقول:
ونوضح ذلك بمثال: رجل يملك عشرة أفدنة أجرها ليزرعها أرزاً مثلاً، وكانت أجرة الفدان ٢٠ جنيهاً، فأخرجت الأرض ١٠٠ (مائة إردب) من الأرز، الذي يقدر ثمن الإردب منه بـ ٤ (أربعة)
١١ الشركة
١٣٥١
۱۰
جنيهات، فكيف يخرجان الزكاة؟ أما المستأجر فيطرح من الخارج ما يساوي الإيجار وهو ٥٠ (خمسون) إردباً (٥٠ × ا × ٤ = ٢٠٠ جنيه، وهو إيجار ۱۰ × ۲۰ = ۲۰۰ جنيه)، وإذا كان قد أنفق على زرعه في البذر والسماد ٤٠ (أربعين) جنيهاً أخرى (أي ما يعادل ١٠ أرادب) يكون الصافي المتبقي له ٤٠ إردباً، فإذا كان الواجب عليه نصف العشر مثلاً فهو يخرج عنه ۲ (إردبين). وأما المالك فيخرج زكاة الجنيهات المائتين التي قبضها، فإن كان عليه خراج أو ضريبة تساوي ٤٠ (أربعين) جنيها، ويكون الباقي له = ١٦٠ جنيها، فعليه إذن نصف عشرها، أي ٨ (ثمانية) جنيهات».
ويقول مستنتجاً لدعم ما ذهب إليه:
«وبهذه المساهمة العادلة من المالك والمستأجر : نكون قد أخذنا بأحسن ما قال أبو حنيفة وأحسن ما قال الجمهور، وأوجبنا على كل من الطرفين - المالك والزارع - ما هو أحق به وما هو مالك له، مع تفادي ازدواج الزكاة الواجبة، وتكررها في مال واحد، فإن القدر الذي زكى . عنه المالك قد طرح ما يعادله من نصيب المستأجر »
۱۷۹
لاحظ أن الزكاة قد أخذت من مالك الأرض كزكاة الزرع وليس الأثمان لأن الإيجار هو ۲۰۰ جنيه، وهي مال نقدي، فلماذا تُزكى كالزرع؟ أليس هذا ابتكار يدل على قصور العقل؟ مثل هذه الاجتهادات تطمئن الناس بأن فعلهم (كالتأجير للأرض لزراعتها في هذه الحالة) جائز شرعاً فتنتشر آفة تأجير الأراضي للزراعة فتظهر الطبقية الممقوتة. أي أن الفقهاء بهذه الأقوال أباحوا فعلاً كان يجب ألا يقع أصلاً. تذكر ما قلناه في قوله تعالى في سورة الزخرف التي مرت بنا في هذا الفصل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وتذكر أخي القارئ بأننا نحاول الإجابة على السؤال: لماذا لم تمنع الشريعة استئجار الأرض للزراعة؟ للإجابة لابد لنا من النظر أولاً في وضع الأراضي القابلة للزراعة إلا أن مالكها لم يستثمرها وصارت خراباً أو أنها في طريقها للخراب بالهجران أو أنها بيضاء كالموات. فبالنسبة للأرض الموات فكما مر بنا لا يحق لأحد امتلاكها دون إحياء سواء بالاحتجار أو حتى إن كانت مقطعة لأن الإقطاع لا يعني ثبوت الملكية ١٨٠ ولكن ماذا عن الأرض التي أحييت ثم تركت أو بيعت لآخر ولم يستمر الاستثمار فيها، أي أن ملكيتها قد ثبتت إلا أنها عادت بيضاء دون استثمار وكأنها موات أو
خربة؟
۱۸۰
إن ملكية الأعيان في الشريعة هي ملكية مؤبدة ما لم يكن هناك سبب ناقل للملك مثل البيع أو الوراثة. فكما هو معلوم، فقد قال جمهور الفقهاء أن الملك لا يكون مرهوناً بوقت معين عند ثبوته، أي لا يكون كملكية المنافع لفترة معلومة مثل المستأجر للمنزل أو الحانوت أو كملكية شخص لدار أو مزرعة لفترة طويلة معلومة كتسع وتسعين سنة كالملكية في بعض الدول الأوربية مثلاً لغير المواطنين. لذلك يأتي السؤال: هل يزول الملك بالإعراض عن المملوك أو إهماله ؟ اتفق جمهور الفقهاء بأن ما امتلك من الأعيان لا يقبل الإسقاط؛ كمن أطلق دابته وأخذها آخر، فإن الآخر لا يملكها؛ وكذلك الأرض المشتراه أو المعطاة، لا تزول ملكيتها بإهمال مالكها حتى وإن صارت خراباً. ولكن هناك استثناءات لهذه القاعدة. وللتوضيح أقول:
لقد لخص العبادي هذه المسألة بأن قال: «ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية في الأصح والحنبلية في الراجح وسحنون وابن الشاط من المالكية وأكثر الإمامية ... إلى أن ملكية الأعيان لا تقبل الإسقاط». وفي هذا
١٣٥٢ 🗏
بالطبع دافع كبير للناس للعمل للتملك لإدراكهم بقوة حقوقهم لأن ملكيتهم أبدية ولا تزول (وسيأتي بيان هذا بإذن الله بتفصيل أكبر في فصل «البركة». ومن المذهب الحنفي جاء في ضوابط الفقه: «كل من ملك شيئا، مسلماً كان أو ذمياً، بأي سبب كان، لا يزول ملكه بالترك، كما إذا ملك داراً أو أرضاً، ثم خربت، ومضت عليها السنون والقرون، فإنه على ملك مالكه الأول، ولا يكون مواتاً». ١٨١ وجاء في المغني: «ما ملك بشراء أو عطية فهذا لا يملك بالإحياء بغير خلاف. وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه». ١٨٢ ويقول القرافي من المذهب المالكي بأن «... الإحياء سبب فعلي تملك به المباحات من الأرض، وأسباب تملك المباحات الفعلية ضعيفة لورودها على غير ملك سابق، بخلاف أسباب الملك القولية لا يبطل الملك ببطلان أصواتها وانقطاعها لأنها ترد على مملوك غالباً، فلتأصل الملك قبلها قويت إفادتها للملك لاجتماع إفادتها مع إفادة ما قبلها ... » . . ويقول مصطفى أحمد الزرقاء: «إن ملكية العين لا تقبل التوقيت، أما ملكية المنفعة فالأصل فيها التوقيت»، ويذكر حدیث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعمر عُمرى فهي للمعمر له، ولورثته من بعده. ١٨٤ ولكن بالطبع لعدم سقوط الملكية استثناءات، منها مثلاً استثناء بعض الفقهاء لملكية الرقيق، فقد أجازوا إسقاط ملكية الرقيق بالعتق؛ كما استثنى بعضهم الوقف معتبراً إياه إسقاطاً لملكية العين. وكذلك قول بعض فقهاء الحنفية إلى أن ترك الأعيان لا تسقط ملكيتها ولكنها تعتبر إذناً للغير للانتفاع بها؛ وقول الحنابلة بأن ترك الدواب في الصحراء يعتبر مهلكة لها لذلك فتركها يعني إسقاط ملكيتها، ويستدلون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البيهقي: (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها، فسيبوها، فأخذها، فأحياها، فهي له). وهناك حديث آخر أخرجه أبو داود والدارقطني من ترك دابة بمهلك، فأحياها رجل، فهي لمن أحياها ) . ١٨٥
۱۸۳
ولكن ماذا عن الأرض المحياة، هل تسقط ملكيتها بالإهمال؟ لقد نوقشت هذه المسألة في فصل «الخيرات»، وللتذكير أقول: هناك قول بأن ما ملك بالإحياء ثم ترك حتى عاد مواتاً فهو كالذي قبله سواء. فقال مالك: «يملك هذا لعموم قوله [صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له، ولأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتاً عادت إلى الإباحة كمن أخذ ماءً من نهر ثم رده فيه». وذهب بعض الحنفية إلى قول مشابه، لأنهم اعتبروا الإحياء إثبات لملك الاستغلال وليس الرقبة. ولكن هذا الرأي يخالفه جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة، فيقول ابن قدامة: «ولنا: أن هذه الأرض يعني الأرض المحياة يعرف مالكها، فلم تملك بالإحياء كالتي ملكت بشراء أو عطية ... ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك ويقول جمهور المالكية بأن الإقطاع لا تزول ملكيته بزوال الإحياء، لأن سبب الملك ليس الإحياء ولكن الإقطاع، وهو حكم من أحكام الأئمة، وهذه تصان عن النقض، ذهبوا أيضاً إلى القول بأن ما يملك بالأسباب القولية كالبيع أقوى من الأسباب الفعلية
۱۸۷
كالإحياء، فيزول الملك بزوال الإحياء . )
۱۸۸
١٨٦
.«...
تلحظ في الفقرة السابقة من قول ابن قدامة أن الأرض المهملة التي يُعرف مالكها لا تملك بالإحياء لأن المالك معروف. ولكن ماذا إن لم يُعرف مالكها، أي هجرها وبها آثار إحياء ؟ أي أن هناك فارق بين الأرض المحياة المهملة والمعروف مالكها وتلك التي لم يعرف مالكها. لقد اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال: قال مالك: يملك بالإحياء سواء عُرف أربابه أو لم يعرفوا. وقال الشافعي بأنه لا يملك بالإحياء سواء عُرف أربابه أو لم يعرفوا. أما أبو حنيفة فقال إن عُرف أربابه لم يملك بالإحياء، وإن لم يعرفوا ملك بالإحياء بإذن الإمام. وتُجمع المذاهب
١١ الشركة
١٣٥٣
الأربعة أن ما كان عامراً من أراضي غير المسلمين فخـرب وصار مواتاً عاطلاً فهي كالموات، كالذي لم يثبت فيه
عمارة، فيجوز إحياؤه . .
وبعد هذه الخلفية لنجيب على السؤال: لماذا لم تحرم الشريعة تأجير الأراضي الزراعية؟ نحن بحاجة لبعض التركيز أخي القارئ في الفقرات الآتية: عندما يشتري فرد عقاراً ما، فما الذي يشتريه فعلياً؟ إن ما يشتريه إما (١) حيّز الأرض، أي موقعها ومساحتها أو (۲) حقوقها أو (۳) ما عليها من أعيان. أي أنه يشتري الأول مع الثاني والثالث، أو الأول مع الثاني بقليل من الثالث أو الأول مع الثالث بقليل من الثاني هذا بالتقريب، وللتوضيح أقول: إن المقصود بحقوق الأرض هو ما تتمتع به من خصائص مثل حق التعلي والاستخدام. فشتان بين عقار له التعلي لعشرة أدوار وبين آخر دورين. وكذلك الاستخدام فقد لا يحق لعقار أن يُستخدم كمحل تجاري مثلاً. وهذه الحقوق إما تحددها الأنظمة الوضعية من خلال القوانين أو التفاعلات بين الناس بالرجوع لمبدأ الضرر كحركية تفعلها مقصوصة الحقوق. وبالطبع فإن الحقوق تؤثر في السعر لأنها قد تكون قليلة أو كثيرة.
وكذلك الأعيان المستثمرة في الأرض. فشتان أيضاً بين أرض استثمر فيها البائع محطة بنزين وأخرى بها بعض الشجيرات. وبهذا فقد توجد أرض في الصحراء ويملكها فرد ولا أعيان عليها، عندها فهذه الأرض لا قيمة لها لأن موقعها غير مميز ولا أعيان عليها ومهما كانت حقوقها فإنها لن تغني من جوع. وفي النقيض، إن وجدت أرض بجانب المسجد الحرام، وهذا موقع مميز جداً، وبهذه الأرض فندق فاره كبير، أي على الأرض أعيان مستثمرة فاخرة، فهذه الأرض لابد وأن تباع بسعر مرتفع جداً وبالذات إن كان للمالك حق التعلي أو حق تغيير وظيفة المنشأة، وهكذا تستطيع التفكير في عدة احتمالات.
أمثلة أخرى تلك أرض بجانب المسجد الحرام أيضاً إلا أن قيمتها ستهبط إن كان هناك نظام يمنع التعلي لأكثر من دورين مثلاً، أو إن كان هناك نظام يمنع استخدامها كفندق أو سوق، بل فقط كمدرسة. وكذلك أرض في مدينة الدوحة مثلاً إن تحول شارعها من سكني إلى تجاري وأصبح للمالك حق فتح محلات تجارية، فإن سعر الأرض سيرتفع. وأما بالنسبة للموقع، فإن أرضاً في وسط مدينة القاهرة على شارع معروف ليست كأرض بأطرافها من حيث سعر البيع بسبب الموقع الإستراتيجي، وهكذا. أي أن الأول مع الكثير من الثاني والثالث يزيد السعر جداً، وفي النقيض، فإن الأول مع اليسير من الثاني أو الثالث يخفض السعر.
وبالنسبة لكمية الحقوق، فإن الشريعة لا تهب الحقوق للأرض بناءً على تخطيط مسبق، بل كل أرض تستحوذ حقوقها من خلال حركيات مثل الضرر والضرار. أي أن كل أرض تكتسب حقوقها بالتقادم من خلال أفعال ملاكها إن لم تضر بالآخرين. فمن حوّل داره إلى مصنع أو أنشأ مصنعاً دون إذن السلطات إن طبقت مقصوصة الحقوق، فلا حق لمن أتى من بعده أو من وافق من الجيران على منع وظيفة المصنع لأن الأرض حازت هذه الوظيفة إن لم يكن الضرر شديداً (مثل إصدار الغازات الضارة)، وهكذا. وهناك مبادئ حقوقية أخرى مثل حق
هامش
جـ٢) ومن المذهب الحنبلي يقول ابن قدامة: «ولأن سائر الأموال لا استهلك»، ويقول أبو يعلى: «ما كان عامراً فخرب فصار مواتاً عاطلاً، يزول الملك عنها بالترك بدليل سائر الأملاك إذا تركت حتى تشعثت فذلك ضربان أحدهما ما كان جاهلياً، كأرض عاد وثمود، فهو وما ذكروه يبطل بالموات إذا أحياه إنسان ثم باعه فتركه المشتري حتى كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة ...» (۱۸۹). عاد مواتا وباللقطة إذا ملكها ثم ضاعت منه، ويخالف ماء النهر فإنه
١٣٥٤ 🗏
الشفعة مثلاً. وهذه الحقوق مفصلة في كتاب عمارة الأرض في الإسلام». ولكن للاختصار، فالحقوق مرتبطة بما على الأرض من أعيان وليس بأنظمة وقوانين في مدونات المسؤولين الحكوميين، فالحقوق تتراكم بالاستحقاق من الاستثمار في الأرض، فإن وجد فندق بارتفاع عشرة أدوار، ثم سقط الفندق فللمالك حق إعادة البناء بنفس الارتفاع لأنه حاز هذا الاستخدام وهذا التعلي وليس للجيران أو السلطة منعه. وقد توجد أرض مجاورة لهذا الفندق إلا أن المالك لا يستطيع بناء فندق مشابه لأن الجيران قد يمنعوه لأن فيه ضرر محدث عليهم، وليس ضرراً حيز مسبقاً لأن صاحب الفندق كان قد سبق الآخرين في التعلي دون اعتراضهم أو الإضرار وهكذا من تفاصيل ليس هذا بهم. موضع شرحها. أي إن طبقت الشريعة، وهو ما أود الوصول إليه، فإن الحقوق تنبع من الاستثمار في الأعيان، أي أن الحقوق تُكتسب بالأفعال، بينما في وضعنا المعاصر الذي لا يحكم بالشريعة فإن الحقوق تُسقط على الأرض من السلطات، فهي تمنح من السلطات ولا تكتسب بالأفعال.
سعر
لننتقل لفكرة أخرى: الآن أريدك أخي القارئ أن تتذكر ما قلناه في الفصل السابق، أي فصل «ابن السبيل»، من حركة الناس على وجه الأرض للبحث عن الخيرات وكيف أن الخيرات تفوق احتياجات البشر. فإن طبقت مقصوصة الحقوق لانتشر الناس في الأرض، وهذا يعني قلة الأراضي ذات الموقع المتميز. لماذا؟ لنتصور أن الشريعة قد طبقت، عندها فلا ديوان هنالك، ولا أموال للدولة بالتالي هنالك، وبهذا فإن مدن العواصم مثل الرياض أو عواصم الأقاليم مثل جدة لن تكون جاذبة للسكان للبحث عن العمل لأنه لا عمل فيها لأنه لا سلطة ولا مال فيها، حتى أن بعضها لن يوجد أصلاً إلا كقرية صغيرة مثل الرياض في نجد. وأي أرض في مثل هذه المدن أو القرى ستكون ذات سعر منخفض مهما كانت حقوقها لأن موقعها ليس بمميز. ولأن الأراضي كثيرة، ولأنها تملك بالإحياء، ولأن المستوطنات كثيرة جداً لانتشار الناس في الأرض لأن الخيرات لمن حازها ولأنه لا حدود بين دول أو أقاليم، فإن . العقار سينخفض جداً ويتحدد في الغالب بما وجد عليها من أعيان. أي أن الموقع المميز كمحدد لسعر الأرض قد تدنى في العمران عموماً. أي أن الذي يحدد قيمة الأرض هو في الأغلب ما على الأرض من أعيان وبالتالي حقوق تلك الأعيان (تذكر أن الأعيان تجلب للأرض (الحقوق). وكلما زاد تطبيق الشريعة كلما نقصت الأراضي ذات الموقع المميز إلا إن كانت داخل مدينة أثبتت مع الأيام جدارة موقعها لوجود معدن نفيس فيها. عندها فمثل هذه الأراضي في العادة هي أراض مشغولة بوظائف عمرانية غير زراعية مثل مسكن أم محل أو مدرسة. وبالطبع فهناك استثناءات مثل أرض زراعية داخل أو متاخمة للعامر لأنها أرض مستثمرة في زراعة ما يغذي العامر من إنتاج نباتي أو حيواني. وهذه الأرض إن عجز عن استثمارها مالكها فقد يشارك آخرين من خلال المزارعة أو المساقاة أو ما شابه من عقود الشراكة لاستثمارها. فهذه الأرض لن تبقى دون استثمار لتُهمل لأن عليها من الأعيان ما يسحب الآخرين للمخاطرة للاستثمار فيها. أما إن لم يكن عليها أعيان فهي وكأنها موات وبالذات إن وضعت في اعتبارك أخي القارئ أقوال الفقهاء في ملكية الأرض المهملة التي ذكرتها سابقاً.
والآن لنجمع في أذهاننا جميع ما سبق من أقوال الفقهاء عن سقوط ملكية الأعيان بالإهمال، وعن تأثر أسعار العقارات بمواقعها وبما عليها من أعيان وحقوقها، وعن انتشار الناس في الأرض لقطف الخيرات (ابن السبيل)، لنستنتج أن ارتفاع أسعار الأراضي الناتج بسبب الموقع المميز أو الاحتكار بسبب منع الإحياء سيضمحل لأن معظم الأراضي ليست كتلك التي تجاور المسجد الحرام، بل أراض منتشرة بكثرة على وجه الأرض، ثم نستنتج أن
١١ الشركة
١٣٥٥
سعر
ارتفاع الأسعار بسبب الحقوق هو أيضاً وكأنه مجمد، ذلك أن الحقوق تكتسب بالأفعال إن طبقت الشريعة ولا توهب بالقوانين أو من السلاطين كما هو حالنا الآن. أي أن الذي يرفع سـ الأرض أو يخفضها هو ما على الأرض من استثمارات في الغالب. لهذا فإن الأرض التي لا استثمار فيها أو الأرض الخربة أو تلك التي أحييت ثم عادت مواتاً أو في طريقها للخراب بسبب الهجران لن تباع بسعر مرتفع لأنها قد تحيا لأن بعض المذاهب تجيز إحياؤها، ولن يستأجرها مزارع بسعر مرتفع أيضاً، ولكن بدل الشراء أو الاستئجار سيحيي العامل أرضاً أخرى لأن الأراضي كثيرة إلا إن كانت الأرض متاخمة لعامر مكتظ. وهذا نادر إن طبقت الشريعة لأن العامر المكتظ نادر أيضاً
لانتشار المستوطنات على الأرض. أي أن الأرض التي يمكن أن تزرع وهي مملوكة نادرة جداً إن طبقت الشريعة. لهذا فإن العلة في عدم وضع الشريعة لها حكماً يظهر من وجهين والله أعلم: الوجه الأول هو أن هناك معاملة واضحة لاستثمارها من خلال المزارعة أو المساقاة أو المخابرة أو المحاقلة وما شابه من صفقات تجمع الطرفان المالك والمستثمر شراكة في المخاطرة وتوضح لهم حقوقهم. وهذه العقود هي التي يجب أن تطبق إن وجدت مثل هذه الأراضي.
والوجه الثاني هو أن مثل هذه الأراضي كانت نادرة لأن الحكام لم يكونوا بعد قد استخدموا الأراضي كمصدر للسلطة. فمع تقادم الزمن قام الحكام بشراء القلوب بمنح هذه الأراضي للمقربين والمتنفذين كإقطاعات مع منع الإحياء، فأصبحت الأرض وسيلة لبسط المزيد من النفوذ إذ أنها سلعة ذات قيمة مرتفعة. ولأن هؤلاء المتنفذين عادة ما يستحلون ما يحصلون عليه بحجة أنه من ولي الأمر ومن ثم بالطبع لا يعملون، ظهرت آفة تأجير هذه الأراضي أو بيعها لمستثمرين آخرين لا يعملون. هكذا ظهر منفذ لتسرب مثل هذه الأراضي للتركيبة الاقتصادية، فأتت الشريعة بقفل هذا المنفذ بالسكوت عن زكاتها وفي الوقت ذاته دفع الناس للشراكة فيها كما في المغارسة مثلاً. أي إن كان السؤال: هل تركت الشريعة (بسكوتها عن تأجير الأراضي الزراعية) الخيار للناس في المضي في الإيجار أو الامتناع عنه ؟ ستكون الإجابة: بالطبع لم تترك الشريعة للناس حق الاختيار بين المشاركة أو تأجير الأرض، بل لأنها أباحت صفقات الشراكة مثل المزارعة فهي تدفع الناس للشراكة ليخاطر المالك بأرضه وبهذا لا تظهر الطبقة التي تكسب دون عمل أو مخاطرة. فلا خيار للناس. أما إن أصر مالك ما على الإجارة فسيعرض عنه معظم الناس لأن الشريعة لم تضع للإجارة حكماً. ولأن معظم الناس إما من الثقاة ولن يقدموا بالتالي على التأجير، أو من المرائين الذين لن يفعلوا ما قد يُظهر فسقهم، وبهذا فلن يستأجروا الأرض وبالتالي ستزداد الأرض خراباً سنة بعد أخرى حتى تعود مواتاً أو يضطر الورثة أو من بعدهم من استثمارها إما بأنفسهم أو شراكة مع آخرين حتى لا تعود مواتاً أو خراباً إن كان بها بعض المنشآت فخراب أرض هنا أو هناك أهون ضرراً على المجتمع من ظهور فرد يكسب على الدوام دون خسارة أو مخاطرة (تذكر أن مثل هذه الأراضي نادرة) لأن هذا الفرد هو بذرة لظهور طبقة تكسب دون أي مخاطرة، ما يؤدي للطبقية الممقوتة إن قُلد. هل رأيت هذه الحكمة العميقة التي لم يُلتفت إليها فوضعت لهذه الأراضي زكاة ما قد تؤدي لتغيير المجتمع المسلم بظهور الطبقية ليصبح أو بالأصح أصبح المجتمع المسلم مسلماً بصلاته وصيامه لا بحقوقه، أي أصبح مجتمعاً ذليلاً بعد اتباع مثل هذه الفتاوى برغم صلاته وصيامه وبرغم دعاء القنوت ولساعات لأئمة المسجد الحرام بأن يعز الله الإسلام والمسلمين؟ فأنى للعزة أن تأتي دون تغيير منظومة الحقوق؟ أخي القارئ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
١٣٥٦ 🗏
وباختصار، فإن الشريعة لم توضح زكاة الأرض المؤجرة حتى تدفع الناس للشراكة بدل التأجير. هنا إن
قارنت هذا الاستنتاج مع ما مر بنا في الحديث عن المستويات الخمسة في قربها من الأصول المنتجة (تحت عنوان: المبائ المهمة) ستلحظ أن مالك الأرض أقرب للأصول المنتجة من المستأجر للأرض، لهذا فلمالك الأرض المشاركة مع المزارع مزارعة أو استئجاره بالمساقاة. لكن ليس للمزارع استئجار الأرض بل فقط المشاركة أو العمل كأجير بأجر مرتفع لندرة الأيدي العاملة، فالأرض ليست عملاً مودعا. أما إن كان على الأرض منشآت مثل مبان أو مسابح أو ما شابه، فبالطبع فإن الوضع هنا مختلف لوجود العمل المودع أي في هذا الدفع للشراكة تقارب للدخل بين الناس ما يجعل المجتمع أكثر عدلاً في توزيع الثروات وهنا نصل لمأزق آخر بسبب تغير الظروف بتغير مقصوصة الحقوق، وهو موضوعنا الآتي.
زكاة الشركاء: المال المستفاد
لعل مقدار الزكاة من المحفزات المهمة لظهور الشراكات في المجتمع المسلم إن طبقت الشريعة. فإن قارن أي منصف ما تدفعه الشركات المعاصرة من ضرائب متعددة تحت شتى المسميات مع ما على الشركاء دفعه في الشريعة سيتعجب من مدى دفع الشريعة الناس للمزيد من العمل، ذلك أن العاملين عندما يدركون أن جزءاً من مجهودهم سيذهب لغيرهم رغما عنهم سيظهر عليهم التثبيط ، أما إن أدركوا أن ما ينتجونه هو لهم أو لغيرهم بإرادتهم فسيهبون للعمل بهمة عالية. ولعل السؤال الذي يتبادر للأذهان مباشرة هو كيف يحسب نصاب زكاة الشركاء، فهل يحسب مال الشركة الواحدة كنصاب واحد، أم أن كل شريك يحسب له نصابه منفرداً، وبهذا فإن وجدت شراكة بها عدد كبير من الشركاء، فهل تجمع رؤوس أموالهم واستثماراتهم وتحتسب كنصاب واحد، أم أن كل شريك له حساب نصابه منفرداً؟ أو للفرد الخيار بين أي الطريقتين لحساب النصاب؟ ظهر اختلاف لخصه ابن رشد في بداية المجتهد قائلاً:
«وأما المسألة الرابعة : فإن عند مالك وأبي حنيفة أن الشريكين ليس يجب على أحدهما زكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب، وعند الشافعي أن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد. وسبب اختلافهم: الإجماع الذي في قوله عليه الصلاة والسلام : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه إنما يخصه هذا الحكم، إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه أنه يخصه هذا الحكم كان لمالك واحد أو أكثر من مالك واحد، إلا أنه لما كان مفهوم اشتراط النصاب إنما هو الرفق، فواجب أن يكون النصاب من شرطه أن يكون لمالك واحد، الأظهر، والله أعلم. والشافعي كأنه شبه الشركة بالخلطة، ولكن تأثير الخلطة في الزكاة غير متفق عليه على ما سيأتي بعد».
وهو
۱۹۰
أي أن ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك هو أن كل واحد من الشريكين لا زكاة عليه حتى يكون لكل واحد منهما نصابه، وبالنسبة للشافعي فإن المال مشترك، لذلك فحكمه حكم المال الواحد لأنه شبه الشركة بالخلطة في الماشية. وقد بين القرضاوي ملخصاً بأنه لا عبرة بما يسمى «الشخصية الاعتبارية» أو «المعنوية» للشركة، فقد يكون الشركاء من الفقراء إلا أن مجموع ربحهم يكمل نصاباً، فكيف تؤخذ منهم الزكاة وهم ممن ترد عليهم؛ لهذا
١١ الشركة
١٣٥٧
فإن مذهب الجمهور كما قال ابن رشد: «هو الأظهر». إلا أن القرضاوي يرى أن ما ذهب إليه الشافعي في التطبيق للحكومات إذ يسهل تتبع الممتلكات من خلال إنتاج الشركات. ۹۱
هو
الأسهل
هنا لا إشكالية، فالمسألة واضحة وما ذهب إليه الجمهور هو الأحوط للفقراء والتنمية والعدالة ذلك أن زكاة الشركاء تعتبر من الأموال الباطنة التي على كل فرد أن يقوم بحسابها بنفسه شرعاً، ولا عبرة لما تعتقـده السلطات، إذ أن محاولة ضبط زكاة كل فرد من الشركاء أمر يتطلب الكثير من البيروقراطية وبالذات مع تطور المجتمعات وكثرة الشراكات المنتجة للعديد من المستهلكات كعصرنا الحالي. وهذه المحاولة لضبط الزكاة آفة كنت قد نقدتها سابقاً. ولكن الإشكالية الأهم هي في الآتي: هل على الشركاء إخراج الزكاة؟" فأجيب: إن الاختلاف السابق هو في زكاة الشركاء إن كانت الشراكة في التجارة ولكن إن كان الشركاء يعملون في إنتاج سلعة ما، فهل عليهم زكاة؟ أي هل أخذ أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصانع أو الصناع المتشاركين في صناعة . مثلاً دفع الزكاة؟ إن أهمية الإجابة على السؤال تكمن في أننا في أيامنا هذه التي تعتمد على التصنيع نستهلك مئات الآلاف من القطع المصنعة. فكل قطعة تراها أمامك من تلفاز أو عربة أو طائرة أو جهاز تصوير أو مطبعة يتكون من عشرات أو آلاف القطع المصنعة، وكل قطعة قد تكون من إنتاج شراكة ما.
سرج
كنت قد تحدثت في فصل المكوس عن المستغلات تحت عنوان معاول الهدم) وقلت بأن المستغلات لن توجد إن طبقت مقصوصة الحقوق لأنها تعكس تكدس الثروات عند طبقات دون أخرى فتستثمر في العمائر والمصانع، وكنت قلت بأنني في فصل الشركة سأوضح أن هذا لا يعني عدم ظهور المصانع، بل ستظهر ولكن بطريقة أخرى إذ المصنوعات ستتفتت لأجزاء أصغر يقوم بإنتاجها من يعملون في مصانع يملكونها، أي ليسوا عمالاً موظفين. وكان السؤال هو: كيف تزكى أموال من ينتجون هذه المستغلات؟ وكنت قد جادلت بأن المستغلات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع: الأول ما هو احتكاري بسبب تغير مقصوصة الحقوق مثل العمائر السكنية والأراضي الإستثمارية؛ والثاني ما هو تقني بسبب التراكم المعرفي كالمصانع ومراكز الأبحاث؛ والثالث ما هو خدماتي بسبب تغير الهيكل الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع.
وكنت قد قلت أيضاً بأن الأول وضع غريب ترفضه الشريعة ولن يوجد إن طبقنا مقصوصة الحقوق (وسيأتي بيانه في فصل «الأماكن» بإذن الله). وكنت قد شددت على ضرورة ألا نوجد له زكاة، لأننا إن أوجدنا له زكاة فهذا يعني قبول هذه المستغلات ما يوجد طبقة من الناس جُل ما يقومون به هو استغلال الفقراء ما يؤدي لآفات سياسية واقتصادية واجتماعية ناهيك عن تغير الشريعة. وبالنسبة للنوع الثاني، فقد جادلت بأن اجتهاد الفقهاء الحاليين في زكاتها مبني على تقبلهم للوضع الحالي للمصانع والمبنية على منظومات الحقوق الحالية الملوثة بالرأسمالية، فمعظم الشركات والمصانع الآن هي لملاك لا يعملون بها. وهذا النوع إن طبقت الشريعة كما بينت في هذا الفصل لن يظهر، بل ستكون الشراكات المنتجة ملك لمن يعملون فيها. وبالنسبة للنوع الثالث فلن يظهر كمستغلات لأن الخدمات ستأخذ خطاً آخر في الإنتاج وسيأتي بيانه في فصل الأماكن» في الحديث عن الوفورات
هامش
د٢) لاحظ أنني لم أقل : تؤخذ منهم الزكاة، وشتان بين أن تؤخذ من الناس الزكاة وأن يخرجوها هم طوعاً بأنفسهم كما مر بنا في فصل «الأموال».
١٣٥٨ 🗏
externalities بإذن الله). أي أنني سأركز الآن على النوع الثاني. لهذا فإن السؤال هو: كيف ستكون زكاة هؤلاء الذين يملكون ما يعملون فيه؟
قبل الذهاب لأقوال الفقهاء لابد من التوضيح الآتي: لم تكن الحياة في المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على الرعي والزراعة والتجارة فقط، بل كان بها حرفيون في شتى المجالات كالحدادين والنجارين والقصارين وما شابه من تخصصات إنتاجية، إلا أنه لم يصلنا أن الزكاة كانت قد فرضت على أي منهم. لماذا؟ إن تأمل الفرد في الزكاة سيلحظ بأنها مفروضة على من يقطفون منتجات الآخرين. فالتاجر يأخذ ما يصنعه الآخرون ويتاجر به، فهو لا ينتج فعلياً غير النقل والبيع. وكذلك المزارع، فهو لا ينتج فعلياً برغم كده، ولكنه يستغل التفاعل الذي أوجده الحق سبحانه وتعالى بين الماء والتربة والبذرة ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَءَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. وكذلك الراعي، فهو يستغل خاصية السوم والتكاثر التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الأنعام. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة يس ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ . وكذلك من يعملون في استخراج المعادن، فهم يقطفون ما خلق الله. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة فاطر: ﴿ألَمْ تَرَ أنْ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾، وهكذا. أما الشركاء في التصنيع، فهم يعملون بعقولهم وأيديهم. وبالطبع فإن العقول والأيادي هي أيضاً من خلق الله عز وجل ولكن هؤلاء الصناع يطوعون المادة الخام إلى منتجات، وليس كالتاجر أو عامل المنجم أو المزارع أو الراعي الذي لا يفعل ذلك، فهؤلاء فقط يقطفون. أما التصنيع فيعني التطويع بالكثير من التفكير والعمل. وهنا حاجة أكبر للإبداع والإتقان. ولأن الله الحق سبحانه وتعالى كريم جواد معط واهب وهاب، ويريد للبشر الحياة برغد وكرامة، أوجد مقصوصة من الحقوق تؤدي إلى هذا الهدف وذلك بإعفاء كل من يصنع من دفع الزكاة. ولعلك هنا تُثار وتقول: ولكن كيف يعفى هؤلاء الصناع الأثرياء من الزكاة ثم تأتي الكرامة والفقراء بحاجة للزكاة؟ فأجيب: إن قلت هذا فأنت تنظر بمنظار الوضع المعاصر الملوث بالرأسمالية لتحكم على ما يمكن أن يقع إن طبقت الشريعة. فإن طبقت مقصوصة الحقوق، وكما قلت مراراً، فإن الناس سيتقاربون في الدخل، ومنهم هؤلاء الشركاء في صناعة منتج ما والذين سيكونون متقاربين في الدخل مع الآخرين في المجتمع. وحتى يستمروا في التصنيع، ويزدادوا إبداعاً وإتقاناً لتزداد المنتجات رقياً لابد من جذبهم للمزيد من العمل وذلك بتخفيف التكاليف، أي لا زكاة عليهم (والله أعلم)
هامش
هـ٢) بالنسبة للنوع الثالث من المستغلات، وهو ما يتصف بأنه الثمار أو تربية المواشي. فمعظم شركات النقل الجماعي في دول العالم خدماتي كمن يقومون بالبناء لغرض التأجير القصير الأجل مثل الغربي، كما هو معلوم، مدعومة من قبل دولها لتكون تكاليف النقل الفنادق والشقق المفروشة مثلها مثل ما يستغل في المواصلات ضمن حدود إمكانات الناس من الاستمتاع بهذه الخدمات الحيوية كشركات تأجير السيارات وشاحنات وسفن نقل البضائع وباصات التي تعين على تقدم المجتمع. وفي تسهيل تنقل الناس كما مر بنا في نقل الأفراد وكشبكات توزيع الخدمات مثل الماء والكهرباء، فجميع فصل «ابن السبيل»، نقل للمعرفة، وهذه ضرورة لزيادة الإنتاجية، هذه الخدمات ضرورة للمستوطنات لتسريع عجلة تقدم المجتمع، وفي تسهيل نقل البضائع توفير لما هو ضروري لمعاش الناس وهذا تعفيها الشريعة والله أعلم من الزكاة لحث الناس على الإقدام عليها سيزيد من الإنتاج. وسيأتي بيان هذا في الحديث عن الوفورات بإذن
لأنه إن طبقت الشريعة فلن تكون هذه الأعمال الخدماتية ذات الله.
مردود اقتصادي كبير وشبه مضمون مثل استخراج المعادن أو زراعة
١١ الشركة
١٣٥٩
كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. عندها ستكثر المصنوعات جداً، وهذه بحاجة للتسويق. هنا تكثر الزكاة من التجار الذين سينقلون ويبيعون هذه البضائع أي حتى وإن انجذب الكثير من أفراد المجتمع للعمل في الصناعة ودون دفع الزكاة، فإن هذه المنتجات من خلال دفع التجار للزكاة، ستزيد من وعاء الزكاة.
كما أرجو ألا تعتقد أخي القارئ أن الكل سينجذب للتصنيع بسبب الإعفاء من الزكاة) على حساب منتجات دافعي الزكاة كالمزارعين والتجار. ذلك أن ما فرضت عليها الزكاة من ثمار وأنعام وتجارة ومواد خام، هي من الضروريات التي لا يستغني الناس عنها، لذلك فستحتفظ بسعرها في السوق جراء العرض والطلب، فتبقى محافظة على أسعارها وبالتالي انجذاب العاملين إليها. وفي المقابل، ولأن رقي المجتمع يعتمد أيضاً على تقدمه التصنيعي، فكلما انجذب الناس للعمل في التصنيع كلما زادت المنافسة وبالتالي الإبداع والإتقان ومن ثم التقدم التقني. لهذا فإن فرضت الزكاة على من يصنعون، فقد يقل عددهم، ولن يتقدم المجتمع «كما يجب» ودون علم أفراده بتخلفه." فقياس عجلة سير تقدم المجتمعات تقنياً عادة ما تكون خارج مقدرة أفراد المجتمع وإدراكهم لأن هذا القياس بحاجة لسنوات ولا يُرى بوضوح إلا بعد أجيال. ومع الإعفاء من الزكاة للصانعين، ومع انجذاب الناس وكثرة المنتجات، سيزداد المجتمع إنتاجاً وزكاة وبالتالي عزة وكرامة بمن الله وجوده وكرمه.
ولإثبات السابق أقول: كنت في فصل «المكوس» قد بينت أن الشريعة أعفت الأدوات وآلات العمل من الزكاة، أي أن الشركاء لا زكاة على أدواتهم التي يستخدمونها في الإنتاج. وكنت في فصل «الأموال» عند الحديث عن عروض التجارة قد تحدثت عن كسر الاحتكار بإخراج زكاة المصانع أعياناً مما يُصنع. ولم أذهب للمزيد من التوضيح بأن الأولى للمجتمع هو عدم فرض الزكاة على المنتجين إن طبقت الشريعة لأن فرض الزكاة لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك حتى لا أزيد المسألة تعقيداً في ذلك الفصل، وحتى لا أثيرك لأنك في وضع يصعب عليك فيه تقبل إعفاء المصانع من الزكاة لأنها هي الآن عصب الإنتاج في أيامنا هذه بسبب الخروج عن الشريعة، فلا يعقل أن تُعفى المصانع من الزكاة في عصرنا الذي لم يطبق الشريعة. فهي مصانع يعمل فيها الآلاف ممن لا يملكون. ولأن المسألة خلافية في نظر بعض الفقهاء، فإن بعض الملاك قد يخرجون الزكاة ورعاً كأعيان خوفاً من الإثم وعندها قد ينكسر الاحتكار لدرجة ما. ولكن إن طبقت الشريعة، وأصبحت المصانع ملك لمن يعملون فيها، فهل عليهم زكاة؟ بالطبع لا لأن هذا لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة، ولأن هذه المصانع ملك لمن يعملون بها من جهة أخرى، أي أنها مصانع لا تؤدي للغنى الفاحش برغم إتقان منتجاتها وسموها. إن وافقت معي على التحليل السابق، فقد لجأنا أنا وأنت أخي القارئ للعقل القاصر في الحكم. وهذا ما يحاول كتاب «قص الحق» دحضه. لهذا لابد من الرجوع للنص. فأقول وبالله التوفيق:
كنا في فصل «المكوس» قد تحدثنا عن زكاة المستغلات وأنها تقوّم وتزكى زكاة التجارة أو أن تزكى الغلة عند قبضها زكاة النقود وكما ذكرت فإن المستغلات لن تظهر إن طبقت الشريعة وبالذات المصانع التي يعمل بها آلاف العمال الذين لا يملكون. ولكن إن طبقت الشريعة وظهرت الصناعات المتقدمة التي تكمل بعضها بعضاً
هامش
و ٢) وهنا قد تقول بأن العالم الغربي الذي فرض شتى أنواع الضرائب أكثر تقدماً منهم تقنياً مع استنزاف أقل في العطاء جهداً ومالاً كما متقدم تقنياً جداً ! أجيب: إن المسألة نسبية. فإن طبقت الشريعة لكنا سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله.
١٣٦٠ 🗏
بظهور أفراد يملكون ويعملون معاً دون بيروقراطيات داخلية، فهل عليهم زكاة؟ إن من أشهر من درس زكاة المستغلات القرضاوي أثابه الله، إلا أنه لم يلتفت لإمكانية ظهور تصنيع يملكه من يعملون فيه، بل كان جل نقاشه عن المصانع التي يعمل بها الآلاف من العمال الذين لا يملكون لأنه الوضع المعاصر، كما أنه لم يفرق بين نوعين في إخراج الزكاة برغم تمييزه لهما: الأول : نوع يباشر الشخص فيه العمل بنفسه دون أن يرتبط برباط الخضوع لغيره كالطبيب والمهندس والمحامي والفنان وغيرهم من أصحاب المهن الحرة. والثاني يرتبط فيه الشخص بغيره بعقد إجارة مع حكومة أو شركة أو مؤسسة أو حتى فرداً، فدخله حينئذ يؤخذ كراتب أو أجر أو مكافأة. ولأنه إن طبقت الشريعة فلن يظهر النوع الثاني إلا نادراً، فلن أناقشه، بل أمر عليه سريعاً مع التركيز على النوع الأول.
النوع الثاني هو مما عمت به البلوى في أيامنا هذه، فهو يشمل معظم العاملين. لهذا، ولزيادة وعاء الزكاة، ذهب القرضاوي لفرض الزكاة على هذا النوع. ولن أضيع وقتك في دحض ما ذهب إليه من أدلة، فهي تفاصيل لا يمكن أن تُقبل إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن هذا النوع من العمال لن يوجد أصلاً. ولكن ألفت نظرك لأقوى دليل لديه وهو استشهاده بفعل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فقد روى هبيرة بن يريم قال: «كان عبد الله بن مسعود يعطينا العطاء في زبل صغار ثم يأخذ منه الزكاة». وفي رواية أخرى قال هبيرة: «كان ابن مسعود يزكي أعطياتهم من كل ألف: خمسة وعشرين». ويقول القرضاوي: فهذا الحسم أو الاقتطاع شبيه بما يسميه علماء الضريبة الآن «الحجز من المنبع وليس أخذاً لما وجب قبل العطاء في أموال أخرى حال عليها الحول». وفي نفس الإطار، ومما يستدل به القرضاوي أيضاً ما رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن ابن شهاب قال: «أول من أخذ من الأعطية معاوية بن أبي سفيان». ١٩٢ وكما هو معلوم، فقد حكم معاوية في فترة ما بعد ظهور الديوان والذي نقد في فصول سابقة. وتذكر أيضاً أخي القارئ بأننا في عدة فصول سابقة دحضنا فكرة تملك الدولة للأموال وإعطائها كأعطيات كما فعل معاوية. أما ما فعله ابن مسعود رضي الله عنه، فهو العطاء من أموال الفيء. وهذه أيضاً قد تقدت في فصول سابقة بإسهاب. لهذا أقول: من أين أتت فكرة «الحجز من المنبع» إلا إن كانت هناك قناعة بأن هناك حق للدولة في هذه الأموال؟ وهذه مسألة دحضتها مراراً في فصول سابقة.
۱۹۲
ولكن ماذا عن النوع الأول، أي من يكسبون من عمل أنفسهم (أي المهن الحرة)؟ فما هو الدليل عموماً على أخذ الزكاة من هؤلاء ؟ لم أجد دليلاً إلا استنتاج القرضاوي ومن قبله الشيخ محمد الغزالي بأنه من غير المنطق أن يدفع الفلاح الزكاة ويُعفى منها من يحصل على أكثر منه. وقد أتى استنتاج القرضاوي بالقفز بأن ما يكسبه أصحاب المهن الحرة هو «مال مستفاد». كيف؟ قال محمد أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف وعبد الرحمن حسن في محاضرات مشهورة لهم سنة ١٩٥٢م:
«أما كسب العمل والمهن الحرة فإنا لا نعرف له نظيراً في الفقه إلا في مسألة خاصة بالإجارة على مذهب أحمد رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه قال فيمن أجر داره فقبض كراها وبلغ نصاباً إنه يجب عليه الزكاة إذا استفاده، من غير شرط حول ، وإن هذه في الحقيقة تشبه كسب العمل أو هو يشبهها، فتجب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً»."
۱۹۳
ثم يتعجب القرضاوي مما وصل إليه هؤلاء الفقهاء بأنهم لم يجدوا نظيراً له في الفقه إلا مسألة الإجارة على مذهب أحمد رضي الله عنه فيقول ناقداً:
١١ الشركة
«والعجب أن يقول الأساتذة عن كسب العمل والمهن وما يجلبه من رواتب وإيراد: إنهم لا يعرفون له نظيراً في الفقه إلا فيما ورد عن أحمد في أجرة الدار. هذا مع أن أقرب شيء يُذكر هنا هو «المال ما يستفيده المسلم ويملكه ملكاً جديداً بأي وسيلة من وسائل التملك المشروع.
المستفاد» وهو
فالتكيف الفقهي الصحيح لهذا الكسب : أنه مال مستفاد . وقد ذهب إلى وجوب تزكيته في الحال جماعة من الصحابة ومن بعدهم دون اشتراط حول ....».
١٩٤
١٣٦١
هل لتعجب القرضاوي مبرر؟ أي هل يمكن أن يخفى على هؤلاء الفقهاء الأجلاء إدراك أن المال المكتسب من الأعمال الحرة هو مال مستفاد ؟ لهذا يظهر سؤال مهم: ما هو المال المستفاد؟ هل هو ما يكسبه العامل من إنتاجه أم هل هو ما يحصل عليه الفرد من تركة أو هبة أو بيع دار؟ ترى في الاقتباس السابق بأن القرضاوي عرف المال المستفاد بأنه «ما يستفيده المسلم ويملكه ملكاً جديداً بأي وسيلة من وسائل التملك المشروع». تدبر هذا التعريف، فهو ليس تعريفاً جامعاً مانعاً، بل يشمل كل شيء. ثم يستنتج مباشرة من التعريف الذي أوجده بنفسه أن التكيف الفقهي يشير إلى أن كسب الناس هو مال مستفاد . إلا أن القرضاوي لا يثبت هذا، بل فقط يطرحه كفكرة. ثم ينتقل مباشرة إلى أن جماعة من الصحابة ذهبوا لوجوب تزكية المال المستفاد وفي الحال دون اشتراط الحول. هنا قد يقتنع القارئ بأن كسب من ينتجون هو بالفعل مال مستفاد إذ وكأن هذه المقولة مسلم بها في الشريعة. ثم يدعم استنتاجه بنص آخر ليثبت مقولته بالقول:
ومن المهم جداً – بالنظر لعصرنا – أن نحقق حكم المال المستفاد ، ونصل فيه إلى رأي مقنع، لما يترتب عليه من آثار خطيرة، إذ يدخل فيه كثير من ألوان الإيراد والدخل مثل كسب العمل والمهن الحرة وإيراد رؤوس الأموال غير التجارية. فأما ما كان فيه المال المستفاد نماء لمال مزكى من قبل، كربح مال التجارة، ونتاج الماشية السائمة فهذا يُضم إلى أصله، ويعتبر حوله بحوله، وذلك لتمام الصلة بين النماء والأصل. وعلى هذا فالذي يملك نصاباً من السائمة أو من أموال التجارة، يزكي آخر الحول الأصل وفوائده جميعاً. وهذا لا كلام لنا فيه. ويقابل ذلك المال المستفاد إذا كان ثمناً لمال مزكى لم يحل عليه الحول، كما إذا باع محصول أرضه وقد زكاه بإخراج عشره أو نصف عشره. وكذلك إذا باع ماشية قد أخرج زكاتها. فما استفاده من الثمن لا يزكيه في الحال، منعاً للثنى في الصدقة، وهو ما يسمى في الضرائب «الازدواج».
وإنما الكلام في المال المستفاد الذي لا يكون نماء لمال عنده، بل استفيد بسبب مستقل كأجر على عمل، أو غلة رأس مال، أو هبة، أو نحو ذلك، سواء أكان من جنس مال عنده أم من غير جنسه. هل يُشترط في هذا المال مرور حول كامل عليه في ملك صاحبه منذ استفاده؟ أو يُضم إلى ما عنده من جنسه إن كان عنده مال من جنسه فيعتبر حوله حوله؟ أو تجب فيه الزكاة حين استفادته إذا تحققت شروط الزكاة المعتبرة من بلوغ النصاب والسلامة من الدين، والفضل عن الحوائج الأصلية؟ الحق أن كل احتمال . من . هذه الاحتمالات الثلاثة قد ذهب إليه بعض الفقهاء، وإن كان المشهور المتداول بين المشتغلين بالفقه أن مرور الحول شرط في وجوب الزكاة في كل مال مستفاد أو غير مستفاد. مستندين في ذلك إلى بعض الأحاديث التي رويت في اشتراط الحول، وتعميمهم إياها على المال المستفاد. ولهذا كان مما لابد منه ههنا بيان درجة الأحاديث الواردة في اشتراط الحول، ومبلغ ثبوتها لدى أئمة الحديث».
ثم يستعرض الأحاديث وأقوال الصحابة والفقهاء عن مدى اشتراط الحول في المال المستفاد، أي هل هو
١٣٦٢ 🗏
ز ۲
شرط أم لا؟ وبهذا تضيع القضية فيعتقد القارئ بأن المال المستفاد هو أيضاً كسب الناس من الأعمال الحرة والإنتاج الصناعي. لاحظ أنه إن طبقت الشريعة فإن عصب الإنتاج الصناعي هو المهن الحرة لأن من ينتجون صناعياً هم أناس فرادى أو شركاء أحرار يعملون لأنفسهم فرادى أو كجماعات لاحظ أيضاً أنه لأن تعريف المال المستفاد في الاقتباس «قبل السابق» كان شاملاً لكل ما يحصل عليه المسلم، فقد جاء الاقتباس «السابق» بتوضيح أنواع الزكاة عموماً كربح مال التجارة ونتاج الماشية لتوجيه القارئ أخيراً إلى أن من تعاريف المال المستفاد هو ما يكسبه الناس من أعمالهم بالقول: «وإنما الكلام في المال المستفاد الذي لا يكون نماء لمال عنده ، بل استفيد بسبب مستقل كأجر ...». وهكذا ضاعت القضية. فلم يجب القرضاوي على سؤال مهم ألا وهو: ما هو تعريف المال المستفاد حتى نرجع لعهد السلف للتقصي لمعرفة عما إذا فرضت الزكاة أم لم تفرض على المهن الخدماتية الحرة والمهن المنتجة الحرة كمن يعملون في التصنيع الذي يملكونه.
على عمل .
تلحظ من قول الشيخ عبد الوهاب خلاف وزميليه بأنهم لم يعرفوا نظيراً لكسب الأعمال والمهن الحرة في الفقه، وهذا يعني أنه لا يوجد تعريف شرعي لهذا الكسب يمكن الرجوع إليه. وفي هذا مؤشر على أن هذا الكسب لم يكن له أي شأن في الفقه، لذلك لم يوجد له الفقهاء تعريفاً شرعياً. أي وكأنه تُرك لأنه لا إشكالية فيه تتطلب الحوار بين الفقهاء ما يتطلب تعريفاً شرعياً له، وإلا لأوجدوا له تعريفاً واضحاً كما هي عادة الفقهاء بالتعريف لغة وشرعاً. ولكن ما معنى «المال المستفاد»؟
الفقه
لقد ظهرت بحمد الله مؤخراً برامج حاسوبية يستطيع الفرد من خلالها البحث عن كلمة ما في معظم كتب ، ثم من ملاحظة استخدامات الكلمة يتضح المعنى. لهذا قمت بالبحث عن المال المستفاد فوجدت أن المعنى لا يشير إلى ما استنتجه القرضاوي، بل المعني في الغالب هو المال الذي استفاده الفرد دفعة واحدة ولمرة واحدة وقد لا تتكرر مرة أخرى، أو قد تتكرر ولكن بفترات متباعدة مثل الهبة أو الميراث أو المال المستفاد من بيع جزء من الممتلكات كبيع دار مثلاً. أي يمكننا القول بأن هذا هو الذي يميل إليه معنى المال المستفاد شرعاً، هذا إن ذكر المال مجرداً دون مرجع. هذا أولاً. ثانياً: هناك معان أخرى تصفها طريقة الخطاب للفقيه. أي أن المعنى لغوياً قد يُستنبط أيضاً تحديداً مما تصفه الجملة بالقول مثلاً بأنه مال مستفاد من الأرض كالمعادن. فعبارة: «من الأرض» هنا تحدد المعنى لأنها ترجع للأرض. وكذلك المال المستفاد من الشراكة كالربح. فعبارة «من الشركة» تحدد المعنى. هذا نستنتج أن تعبير المال المستفاد هو تعبير دارج أيضاً ليعني ما استفاده الإنسان من مال، ولكن بمرجعية تحددها الجملة. ولإثبات السابق أقول:
ومن
إن تدبرنا المال الذي يحصل عليه الناس عموماً، سنلحظ بأنه يأخذ أحد أربعة أشكال: ١) فهو إما يأتي دفعة واحدة ثم لا ندري متى ستأتي دفعة أخرى، مثل الهبة والميراث والمال المستفاد من بيع عقار ما، أي أنه مال مستفاد دون انتظام، فهو مال يكتنفه الكثير من الغموض في تكراره (۲ وعكس هذا تماما المال المنتظم في وروده للفرد کآخر كل شهر، مثل المرتبات أو المكافآت أو الأعطيات أو الأرزاق وما شابه من تسميات لأجور من يعملون
هامش
(۲) وهذا بالطبع يختلف عما إن كان التعريف لما يكسبه الناس من المهن الحرة تحديداً، وبهذا قد تضيع فرصة إثبات تسمية كسب المهن الحرة بالمال المستفاد.
١١ الشركة
١٣٦٣
تسخيراً؛ (٣) وبينهما حالة ثالثة كانت منتشرة في العهود الأولى للإسلام مثل الكسب من بيع المعادن المستخرجة من الأرض أو أجور أصحاب المهن الحرة أو الصناع كالحدادين والنجارين، فهؤلاء لهم دخلهم المستقر إلا أنه متذبذب من يوم لآخر، أو حتى من شهر لآخر حسب همة الفرد وما شابه من ظروف، فبرغم غموض هذا الشكل إلا أنه شبه مكتمل الملامح، فهو ليس بغامض تماماً؛ (٤) وأخيراً الشكل الرابع وهو أيضاً متذبذب ولكن لفترات متباعدة، كالمال الذي يستفيده المزارع أو الراعي، ولعل هذا هو الأكثر غموضاً في التحديد بعد الشكل الأول. هذه هي الحالات المنتشرة عموماً بين الناس، وبالطبع هناك استثناءات إلا أنها نادرة. أي أن لدينا سمة للتمييز، وهي تدرج الغموض في التنبؤ بما سيأتي مستقبلاً. هذه هي الصفة التي تحدد المال المستفاد إن ذكر مجرداً دون مرجعية، ألا وهي أنه المال الذي حصل عليه الفرد وقد لا يحصل عليه مرة أخرى مستقبلاً، فهو يتسم بالغموض، فقد يتوقع الفرد الذي ورث أباه أنه قد يرث أمه، إلا أنه قد يتوفى قبلها. وقد يوقن الفرد أنه . سيبيع داره، إلا أنه لا يعلم متى وكم بالتحديد إلا عند البيع، وهكذا. وما أحاول إثباته هو أن المال المستفاد لا يعني ما يكسبه الناس من عمل أيديهم تصنيعاً أو خدمة، لأنه ليس بغامض برغم عدم ثبوته.
وبالإضافة للغموض، فهناك سمة أخرى تحدد معنى المال المستفاد وهي جهة إيجاد المال: فما يكسبه الفرد عموماً يأتي إما من عمل نفسه، أي أنه هو الذي أوجد المال أو الثروة، وإما من مال يأتيه من مصدر آخر مثل تركة أو هبة، فهو فقط يقطف الثمرة، فهو لم يوجد المال. وما أحاول إثباته هو أن المال المستفاد في الغالب مال مقطوف، أي ليس من إنتاج من آل إليهم. ولإثبات السابق لننظر للمعاني المحتملة للمال المستفاد: جاء في لسان العرب عن المال المستفاد: واسْتَطْرَفْت الشيء: استحدثته. وقولهم : فعلت ذلك في مُسْتَطَرفِ الأيام أي في مستأنف الأيام. واسْتَطْرَفَ الشيء وتَطَرَّفه واطَّرَفَه: استفاده. والطَّرِيفُ والطارِفُ من المال: المستحدث، .... وفي المحكم : والطَّرْفُ والطَّرِيفُ والطارفُ المال المستفاد ...».
لعل المعنى لا يتضح بوضوح من هذا التعريف لابن منظور بناء على تقسيمنا السابق للأشكال الأربعة، ولكن قد يستشعر الفرد بأن المعنى قد يتجه على أن الطارف ليس شيئاً مستمراً ، ولكنه طارئ. وكذلك الآتي من «معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم الذي لا يحدد معنى المال المستفاد: جاء تحت ثمر في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ : والثمر قيل : هو الثمار ، وقيل : هو جمعه، ويكنى به عن المال المستفاد ...». وقال ابن الأعرابي: «الريش الأكل والشرب والرياش المال المستفاد، وقيل: الريش ما بطن والرياش ما ظهر». . وكما ترى من هذه المعاني المختلفة أنه لا معنى محدد يشير بوضوح» إلى أن المال المستفاد هو كسب الناس من المهن الحرة، أي أنه ليس مالاً مستقراً أو شبه مستقر في وروده. وفي المقابل، هناك نصوص أخرى تشير «بوضوح» إلى أن المال المستفاد مال ليس مستقراً في وروده للفرد. جاء في تفسير الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى مثلاً: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾: «واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة، فقد يحل أيضاً المال المستفاد من الهبة والوصية والإرث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات فان أسباب الملك كثيرة سوى «التجارة» . هنا ترى بوضوح الإشارة إلى أن المال المستفاد قد لا يكون مستمراً ومنتظماً في حصوله للمستفيد كما هي حال الهبة والوصية والإرث. وهذا يتضح أكثر من التعريف الآتي من «تحفة الأحوذي» إذ يقول:
١٣٦٤ 🗏
باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول المراد بالمال المستفاد المال الذي حصل للرجل في أثناء الحول من هبة أو ميراث أو مثله ولا يكون من نتائج المال الأول. قوله: (أخبرنا هارون بن صالح الطلحي)، نسبة إلى طلحة جد جده، قال في التقريب صدوق قوله: (من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول): اعلم أن المال المستفاد على نوعين: أحدهما أن يكون من جنس النصاب الذي عنده، كما إذا كانت له إبل فاستفاد إبلا في أثناء الحول؛ وثانيهما أن يكون من غير جنسه كما إذا استفاد بقراً في صورة نصاب الإبل، وهذا لا ضم فيه اتفاقاً، بل يستأنف للمستفاد حساب آخر. والأول على نوعين: أحدهما أن يكون المستفاد من الأصل كالأرباح والأولاد وهذا يضم إجماعاً؛ والثاني أن يكون مستفاداً بسبب آخر كالمشتري والموروث، وهذا يضم عند أبي حنيفة ولا يضم عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل. ...».
هنا نرى في الاقتباس السابق أن المراد بالمال المستفاد هو الذي لا يكون من نتاج المال الأول، فهو إذاً مال يأتي ولا علاقة له بما عند الفرد من مال سابق، أي ليس متولداً عنه، فقد أتاه جاهزاً. فقد يكون عند الرجل دور وتأتيه دار أخرى من مصدر آخر مثل الميراث. وهذا يعني أن المال المستفاد ليس مما يكسبه الفرد من عمله، كالمال المستفاد من عمل الصانع. ثم في تعريفه للمال المستفاد على أنه نوعان: أي إما أن يكون من جنس النصاب أو لا يكون، إشارة واضحة إلى أن المال المستفاد هو إضافة جديدة إما مشابهة لما عنده سابقاً أو مختلفة عما عنده. وفي كلتا الحالتين، فإن المضاف ليس تراكماً لما يصنعه الإنسان من منتج. ثم يقسم النص النوع الأول إلى نوعين، الثاني منهما مال استفاده الفرد من جهة أخرى كالمشترى والموروث ، وليس بسبب عمله. أما الأول فهو المال المتولد من مال كان عند الإنسان كالأرباح، كأن تلد الأغنام مثلاً. وهنا أيضاً لا إشارة إلى أن المال المستفاد هو مال مكتسب من عمل حر كالحداد. ولتأكيد هذا الاستنتاج لننظر لما جاء في «العرف الشذي شرح سنن الترمذي» إذ يقول:
«باب ما جاء: لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول واعلم أن المال المستفاد على ثلاثة أنواع: أحدها: الربح الذي حصل بعد التجارة، ويضم هذا المستفاد إلى الأصل اتفاقاً. وثانيها: أن يحصل المال من غير جنس المال الذي عنده، كمن كانت عنده إبل فحصلت له الشياه ولا يضم هذا إلى ما عنده من المال اتفاقاً، ومال التجارة جنس واحد والنقدان من جنس واحد والسوائم أجناس مختلفة. وثالثها: المال الذي حصل من جنس ما عنده لا من ربح بل بوصية أو توريث أو غيرهما، هذا مختلف في الضم وعدمه. قال أبو حنيفة ومن تبعه يضم . وقال الحجازيون لا يضم...
.«<...
وهنا أيضاً نشعر أن النص لا يعني أبداً أن المال المستفاد هو مما يكسبه الناس بأيديهم. فقد حدد المال المستفاد بأنه ثلاثة أنواع: فهو إما الربح بعد التجارة، وإما مال مستحدث من غير جنس ما عند الفرد، وإما من جنس ما عنده. والمهم في هذا النص هو النوع الثالث، فهو المال الذي حصل من جنس ما عند الفرد لا من ربحه، مثل المال الذي حصل عليه الإنسان من وصية أو إرث هنا ترى بوضوح بأن المال المستفاد ليس من إنتاج الفرد العامل، وبالتالي ليس مالاً منتظماً في قدومه، كمن كانت له نخيل فحصل على أخريات إضافة لما عنده. لننظر الآن
لنص آخر. جاء في المجموع:
«لو وصى ! ، بثلث ماله ولا مال له، فهلك ماله ، ثم أفاد مالاً غيره، صحت الوصية في المال المستفاد إن اعتبر بها حال الموت على الوجه الثاني، وبطلت على الوجه الأول إن اعتبر بها حال الوصية».
۱۹۵
تلحظ من عبارة: «صحت الوصية في المال المستفاد أنها تعني بأنها مال غير منتظم في قدومه بقوله: «ثم
١١ الشركة
١٣٦٥
أفاد مالاً غيره»، فهو مال لم يوجده الفرد، بل قطفه. وهذا ما تلحظه أيضاً مما أتى في كتاب «الفقه على المذاهب
الأربعة» إذ يقول:
«نصاب الزكاة وحولان الحول عليه: ... ومن ملك نصاباً في أول الحول ثم استفاد مالاً في أثناء الحول يضم إلى أصل المال، وتجب فيه الزكاة إذا بلغ المجموع نصاباً، وكان المال المستفاد من جنس المال الذي
معه، وإنما يشترط حولان الحول في غير زكاة الزرع والثمار؛ أما زكاتهما فلا يشترط فيها ذلك. ...».
ففي قوله: «وكان المال المستفاد من جنس المال الذي معه دلالة على أن المال المستفاد هو إضافة عينية لما عند الفرد، وليست بالضرورة إضافة منتظمة، حتى وإن كانت منتظمة، فهي أعيان تأتي للفرد ليضمها لما عنده، فهو لم يوجدها، بل قطفها، وهذا يختلف تماماً عما ينتجه الفرد من عمل يده أو عقله. ويقول في موضع آخر:
«هل تجب الزكاة في عين عروض التجارة أو قيمتها ؟ (۱) الحنفية - قالوا: إن كان مالكاً لنصاب من أول الحول، ثم ربح فيه أثناء الحول، أو استفاد مالاً من طريق آخر غير التجارة، كالإرث والهبة، فإن الربح، وذلك المال المستفاد يضم كل منهما إلى النصاب في الحول، بحيث أنه يزكي الجميع متى تم الحول على النصاب ولم ينقص في آخر الحول. فالعبرة عندهم في وجوب الزكاة بوجوب النصاب في طريقة الحول كما تقدم. ...».
١٩٦
لاحظ عبارة: «وذلك المال المستفاد»، فهي تعود على الإرث والهبة. أي أنها مال مقطوف، وبهذا لا تشير إلى أنها مال منتظم في قدومه أو متولد من عمل الإنسان. فهي إذاً لا تعني كسب الإنسان من عمل يده في الصناعة. والآن لننظر لبعض الأمثلة التي تستنتج من صياغتها اللغوية معنى المال المستفاد. يقول ابن تيمية رحمه الله:
«فإن قيل: الربح في المضاربة ليس من عين الأصل؛ بل الأصل يذهب ويجيء بدله. فالمال المقسم حصل بنفس العمل؛ بخلاف الثمر والزرع فإنه من نفس الأصل. قيل: هذا الفرق فرق في الصورة، وليس له تأثير شرعي فإنا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل، ومنفعة رأس المال؛ ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة
مال هذا».
(
هنا نرى بأن المال المستفاد هو مجموع كل من منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، فطريقة الخطاب بذكر المرجعية للمال المستفاد وضحت معنى المال المستفاد تحديداً. فهي تعني مجموع الغلة من تفاعل عمل مع رأس مال من إنسان آخر. إلا أن الأهم هو أن مفهوم المال المستفاد ظهر من سياق الجملة، أي أنه ليس اصطلاحاً شرعياً، بل وضحه ابن تيمية رحمه الله على أنه تفاعل في هذه الحالة، وقد يأتي بمعنى آخر كما في السياق الآتي من المغني:
هامش
حـ٢) لننظر لاقتباس آخر بمعنى مشابه. فقد جاء في كتاب «اللباب لأن ما يأخذه ليس بربح، بل بدل عمل، فصح تقويمه، وتمامه في في شرح الكتاب»: «... الشركة على ضربين : شركة أملاك، وشركة الهداية (وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه) عقود.... (وأما شركة الصنائع وتسمى التقبل، والأعمال، والأبدان حتى أن كل واحد منهما يطالب بالعمل، ويطالب بالأجر، ويبرأ (فالخياطين والصباغان) مثلا، أو خياط وصباغ ( يشتركان على أن الدافع بالدفع إليه، وهذا ظاهر في المفاوضة، وفي غيرها استحسان. يتقبلا الأعمال ويكون الكسب الحاصل بينهما، فيجوز ذلك)؛ لأن ...». هنا نرى معنى مشابه، فالمال المستفاد في هذا الاقتباس هو . المقصود منه التحصيل، وهو ممكن بالتوكيل، لأنه لما كان وكيلا في حصل عليه الشريكان من غلة قبل خصم النفقات، أي أنه تعبير النصف أصيلاً في النصف تحققت الشركة في المال المستفاد، ولا يشترط لفظي يجمع النفقات والأرباح، فهو مجموع المال المكتسب (۱۹۷). فيه اتحاد العمل والمكان، ولو شرطا العمل نصفين والمال أثلاثا جاز،
ما
١٣٦٦ 🗏
«وقال إسحاق وابن المنذر : لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول). ولنا أنه مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب حقه حول كالزرع والثمار والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء، وهو يتكامل نماؤه دفعة واحدة، فلا يعتبر له حول كالزروع والخبر مخصوص بالزرع والثمر فيخص محل النزاع
بالقياس عليه».
نرى هنا في هذا الاقتباس بأن المال المستفاد هو بوضوح المال المكتسب من الأرض لوجود عبارة: «من الأرض» كمرجع محدد للمعنى. وكذلك الاقتباس الآتي من مغني المحتاج:
(وشرطه النصاب) ولو بالضم كما مرَّ ، (والنقد) أي الذهب والفضة المضروب وغيره كالسبائك، (على المذهب) لأنه مال مستفاد من الأرض فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً ونوعاً كالمعدن. والثاني: لا يشترطان لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( وفي الركاز الخمس ) .
۱۹۸
وهكذا حال الجمل الأخرى التي وجدتها وتحوي عبارة «المال المستفاد». أي إما أنها تشير إلى أن المال المستفاد مال غير منتظم في وروده، وإما أن صياغة الجملة تحدد المعنى المقصود من المال المستفاد. وبالطبع، فهذه النصوص ليست قرآناً ولا سنة، بل أقوال فقهاء وبالتالي يصعب الاحتجاج بها. ولكنني سقتها كأمثلة مختلفة. ولكن لنقل بأنك لم تقتنع أخي القارئ بما قلته سابقاً من أن المال المستفاد لا يعني بالضرورة كسب المهن الحرة، وبالذات إن قرأت بعض ما كتبه علماء السلف مثل ابن تيمية إذ يقول أثابه الله:
«والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين: أحدهما: أن يحتاجوا إلى صناعتهم؛ كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت، فهؤلاء يستحقون الأجرة، وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع. والثاني: أن يحتاجوا إلى الصناعة والبيع؛ فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها، وإلى من يخبزها ويبيعها خبزاً، لحاجة الناس إلى شراء الخبز من الأسواق، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة وبيعوا الدقيق والخبز بما شاؤوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضرراً عظيماً، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين، كما يجب على كل من اشترى شيئاً يقصد أن يبيعه ب ه بربح سواء عمل فيه عملاً أو لم يعمل، وسواء اشترى طعاماً أو ثباتاً أو حيواناً، وسواء كان مسافراً ينقل ذلك من بلد إلى بلد، أو كان متربصاً به يحبسه إلى وقت النفاق، أو كان مديراً يبيع دائماً ويشتري كأهـل الحوانيت، فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار، وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم، أو دخلوا طوعاً فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد
منهم بعينه، فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس»
۱۹۸
.«
وبعد قراءة السابق لعلك تتعجب بالقول: ماهو دليلك على أنه لا زكاة على كسب الناس من أعمالهم الخدمية أو التصنيعية الحرة؟ أجيب أرجو أن تدعو لي إن أخطأت. فالدليل بالنسبة لي واضح ومباشر، وهو أن عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جادلت في عدة فصول سابقة، نموذج لم يترك وضعاً محتملاً للحقوق إلا ووضحه لأهمية العلاقات الحقوقية بين الناس، وأنه لا مجال للاجتهاد في مقصوصة الحقوق. ولم يصلنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض على هؤلاء أي زكاة، وإن فعلها لعلمنا لا لسبب إلا لأن الدين أتى مكتملاً ولا مجال بالتالي لأي
١١ الشركة
١٣٦٧
تبرير لفرض الزكاة على هؤلاء. وما يدعم هذا الموقف لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً الموقف المنطقي، ذلك أن عدم أخذ الزكاة من هؤلاء، ولأنهم شريحة كبيرة في المجتمع إن طبقت الشريعة، تعني إغناءهم، وعندما يغنون، ولأن الخدمات (مثل التعليم والصحة والمرافق مثل تعبيد الطرق تقع على كاهل الناس عادة إذ لا مال للدولة، فإن في هذا دعم لموقف الناس لتحمل هذه النفقات (وسيأتي بيانه بإذن الله في فصل «الأماكن»). وبالطبع هنا ستقول: ولكن لماذا لا ينطبق منطق الإعفاء هذا على الآخرين الذين فُرضت عليه الزكاة مثل المزارعين والرعاة ومن يحوزون المعادن؟ فأجيب كما وضحت سابقاً، فهؤلاء الذين فرضت عليهم الزكاة يقطفون ما لم ينتجوه بأنفسهم فعلياً، ولأن ما ينتجوه من الضروريات» التي لن يستغني عنها الناس، فإن سعرها في السوق سيبقى جاذباً للأيدي العاملة على الدوام. أما ما يصنعه ذوو المهن الحرة، فهو ينتقل كما مر بنا في فصل سابق من الكماليات للحاجيات ثم للضروريات. وفي فرض الزكاة عليهم إيقاف لهذه الحركية الإنتاجية التي قد تبدأ بالكماليات ما يؤدي للمزيد من التخلف التقني. أما مع إعفائهم من الزكاة، ومع انجذاب الناس للتصنيع ستكثر منتجاتهم فتزداد المنافسة فتزداد المنتجات إتقاناً وتكثر حتى وإن كانت المنتجات من الكماليات فسرعان ما تصبح من الضروريات، وهكذا يكثر عدد ونشاط التجار الذين ينقلون هذه المنتجات فيزداد وعاء الزكاة جداً (وفي هذا عون للفقراء، هذا إن وجدوا أصلاً). هكذا تزداد الخيرات المتقنة التي ستصبح مع الزمن من الضروريات. وكثرة الضروريات تعني بالطبع رغد المجتمع إن وسعت الجميع وليس كمجتمعاتنا الحالية التي لا تطبق الشريعة، والتي برغم كثرة ضرورياتها وتوفرها للقلة، تتسم بفقر ملحوظ للشريحة الأكبر من الناس الذين انحصرت ضرورياتهم بالكاد في ما يغطي عوراتهم من فقرهم.
ومن جهة ثانية، ولأن الناس سيتقاربون في الدخل بسبب فتح أبواب التمكين إن طبقت الشريعة، فإن كمية إنتاجهم ستعتمد على همتهم. والسبب في هذا الربط بين كمية إنتاج الفرد وهمته هو أنه لا عمال مسخرين لديه ممن أقفلت أمامهم أبواب التمكين . أي لا أفراد مسخرين لديه ليجلدهم للمزيد من العمل القاهر لهم بسبب عوزهم ليزداد الإنتاج كماً كما هي حالنا اليوم، بل إنتاج الفرد بقدر همته في العمل وليس بقدر قوته السياسية أو المالية كحالنا اليوم الذي لم تطبق فيه الشريعة. ولكن تذكر بأن هذا لا يعني أن إنتاج مجموع الأمة سيضمحل إن طبقت الشريعة، ذلك أنه لا وجود لأفراد يعملون في أعمال بيروقراطية ذات هدر، بل الجميع ينتج كما مر بنا في فصل «القذف بالغيب». أي أن إنتاج الكثير من الناس الذين ينتجون فعلياً برغبة إن طبقت الشريعة أكثر في مجموعه من إنتاج القليل من الناس والذين ينتجون بكثرة قهراً، لأن الكثير من أفراد المجتمع لا ينتجون فعلياً كما مر بنا إن لم تطبق الشريعة، بل منشغلون في أعمال لا منتجة فعلياً كموظفي الدولة، بل وحتى من أصحاب المهن الحرة كالمحامين مثلاً (تذكر الحديث عن مصادر الهدر). ولأن الإنتاج كبير لمجموع الأمة إن طبقت الشريعة، فإن إعفاءهم من الزكاة عندها أمر مفهوم لأنهم ليسوا فاحشي الثراء برغم رغد المجتمع في عيشه لتمتعه بالكثير من المنتجات التي تحولت من الكماليات للحاجيات ثم للضروريات. وهؤلاء الصناع عادة ما ينتجون عدة قطع يومياً أو شهرياً (بناء على طبيعة المنتج) فيقومون بالتالي ببيع منتجهم بأنفسهم. أما إن تقدم التصنيع جداً وتخصص، وكان التكاتف على أوجه بين الشركاء، وتوزعت المنتجات المعقدة بين عدد أكبر من الشركاء في إنتاجها، فكان المنتجون سواء فرادى أو شركاء ينتجون منتجاً متخصصاً بكميات كبيرة (كصناعة المسامير مثلاً)، عندها، فإن هؤلاء المنتجين قد لا يستطيعون الجمع بين الصناعة والبيع، فيظهر التجار الذين يسوقون هذه المنتجات الكثيرة والذين يدفعون
١٣٦٨ 🗏
الزكاة، فيزداد وعاء الزكاة من بيعهم. فتأمل هذه الدائرة الإنتاجية المتقنة التي تؤدي لإخراج خيرات الأرض لتعم الجميع. فيا لها من شريعة تفوق عقول البشر القاصرة.
وماذا عن حول زكاة المال المستفاد كالهبة والتركة أو ما استفاده الإنسان من بيع منزل أو دكان مثلاً؟ إن ما قاله الجمهور كما هو معلوم أنه لا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول، والأدلة على هذا كثيرة. والسبب في هذا واضح والله أعلم، وهو حث الناس لاستثمار هذا المال حتى لا تأكله الزكاة. إلا أن القرضاوي ذهب لترجيح وجوب الزكاة على المال المستفاد حال قبضه سواء كان المال من عمل اليد أو مستفاد من هبة أو إرث . فلماذا فعل هذا؟ الإجابة والله أعلم تتضح من الآتي: لأنه اعتبر ما يكسبه الناس من المهن الحرة ومن مرتباتهم كموظفين مال مستفاد، وحتى تُفرض على هؤلاء الزكاة لأن عددهم كبير في أيامنا هذه، ما يزيد من وعاء الزكاة، فلابد من أن تخرج الزكاة في الحال. أي لا انتظار حتى يحول الحول . والسبب في عدم الانتظار حتى تمام الحول هو أن معظم هؤلاء العاملين عادة ما ينفقون ما يأتيهم أولاً بأول، وبهذا فلن يكتمل النصاب عند معظمهم عندما يحول الحول، أما إن جمع ما يكسبوه سنوياً بطريقة تراكمية، فعندها سيرتفع دخلهم لبلوغ النصاب، وعندها ستفرض عليهم الزكاة. وحتى تفرض الزكاة ذهب لعدم اشتراط الحول. يقول القرضاوي موضحا:
فالذي أختاره: أن المال المستفاد - كراتب الموظف وأجر العامل ودخل الطبيب والمهندس والمحامي وغيرهم من ذوي المهن الحرة وكإيراد رأس المال المستغل في غير التجارة كالسيارات والسفن والطائرات والمطابع والفنادق ودور اللهو ونحوها لا يُشترط لوجوب الزكاة فيه مرور حول، بل يزكيه حين يقبضه».
ثم يسرد القرضاوي سيلاً من التبريرات لمذهبه هذا. وإن نظرت إليها لرأيت أنها بسبب عاطفته التي تريد الخير للمسلمين لما يعانيه فقراؤهم، فظهرت التبريرات التي تحاول علاج واقع منحرف بسبب عدم تطبيق الشريعة التي أنتجت طبقات ثرية وأخرى فقيرة. وبالطبع، فإن علاجه هذا ليس جذرياً كما يحاول هذا الكتاب تبيانه، بل قد يؤدي للمزيد من الانحراف ولضرب مثال واحد، فهو يرى فائدة في طريقة جمع الزكاة إن لم يكن لها حول
بالقول:
«إن عدم اشتراط الحول للمال المستفاد: أعون على ضبط أموال الزكاة وتنظيم شأنها بالنظر للمكلف الذي تجب عليه الزكاة، وبالنظر للإدارة التي تتولى جباية الزكاة، إذ على القول باشتراط الحول: يجب على كل من يستفيد مالاً - قل أو كثر من راتب أو مكافأة أو غلة عقار له أو غير ذلك من ألوان الإيراد المختلفة – أن يحدد تاريخ ورود كل مبلغ؛ ومتى يتم حوله ليخرج زكاته في حينه، ومعنى هذا أن الفرد المسلم قد تكون عنده في العام الواحد عشرات المواقيت لمقادير ما استفاده من أموال في أزمنة مختلفة، وهذا أمر يشق ضبطه، وهو عند قيام الحكومة بجباية الزكاة: أمر عسير حصره وتنظيمه، ومن شأنه أن يعطل جباية الزكاة ويعوق سيرها».
والسؤال هو: أو لا يزيد هذا من أموال الدولة؟ بالطبع، فهذا الاقتطاع المباشر للزكاة من المنبع من أموال الناس سيزيد من أموال الدولة وبالتالي سيؤدي هذا لزيادة سلطاتها وبالتالي سيؤدي هذا للمزيد من التشابك المقيت وبالتالي للمزيد من البيروقراطية وبالتالي للمزيد من انجذاب المنافقين للعمل في الدولة وبالتالي للمزيد من الهدر والمزيد من الطبقية والمزيد من اللاعدالة والمزيد من اللاكفاءة والمزيد من الفقر وبالتالي للمزيد من الذل والهوان.
١١ الشركة
١٣٦٩
إن هذا الفهم بعدم اشتراط الحول على أموال هؤلاء الذين ينتجون أدخل القرضاوي في دوامة جدلية عن كيفية إخراج زكاتهم. وحتى تخرج الزكاة كان عليه أن يجيب عن نصاب أموال هؤلاء. ولكي يجيب على مقدار النصاب عليه أن يعلم ما هو المستوى المعيشي الأدنى لهؤلاء ومن يعولونهم، ثم ما مقدار الزكاة في كسب هؤلاء وكيف يقاس: هل هو العشر قياساً على دخل الأرض الزراعية التي تسقى بغير كلفة، أو هو نصف العشر من الغلة؟ ثم كيف يزكي المال المستفاد: أهو كل شهر أو كل سنة؟ وهكذا من أسئلة بحاجة للمزيد من المواقف الفقهية الافتراضية. وهل الشريعة بهذا التعقيد ؟ أخي القارئ: لا تنسى أن هذه الأموال المكتسبة لهؤلاء المنتجين هي من الأموال الباطنة التي حتى بافتراض أن عليها الزكاة ولم يُشترط عليها الحول (وهذا غير صحيح بالطبع) فهي متروكة للناس لإخراجها، لا أن تقتطعها السلطات من المنبع. أي أن فرضيته الخاطئة أخطأت مرة أخرى، أي وكأن ما ذهب إليه القرضاوي . خطأ مضاعف، والله أعلم. ومع هذا لابد لنا من الدعاء له بالأجر لأنه اجتهد. ومؤخراً وجدت نقداً موفقاً للدكتور رفيق يونس المصري أثابه الله لما ذهب إليه القرضاوي من عدم اشتراط الحول في المال المستفاد
۱۹۹
وأخيراً بقيت لنا مسألة معاصرة مهمة في زكاة الشركات وهي زكاة الأسهم والسندات. وقد كانت هذه المسألة محل نقاش كبير كتبت فيه مقالات وعقدت من أجله مؤتمرات ومن أهمها المؤتمر الأول للزكاة الذي أقيم في الكويت سنة ١٩٨٤م. وبالطبع وباستخدام العقل توصل الباحثون لعلاج لزكاة الأسهم والسندات. ولا أريد هنا الخوض في تفاصيل مقترحات إخراج الزكاة، ولكن أقول الآتي: إن ما يراه الباحثون المعاصرون من ظهور شركات كبيرة يعمل بها من لا يملكون، هو وضع ملوث بسبب الحكم بغير ما أنزل الله الحق سبحانه وتعالى. فكما رأينا في هذا الفصل، فإن الشركات ستأخذ طريقاً آخر في الظهور. لهذا فلن أدحض وضعاً منحرفاً من أصله. ولعلك هنا تُثار وتقول: ولكن كيف سيتمكن الناس من استخراج النفط من وسط البحر مثلاً؟ فهذه مهمة بحاجة لشركات كبرى، وهذه الشركات عادة ما تكون شركات مساهمة، فكيف تزكى أسهمها التي يملكها من لا يعملون في البحر؟ فأجيب: إن استخراج النفط ليس شراكة في التصنيع، ولكنه شراكة في قطف الخيرات. وزكاة هذا القطف معروفة كما مر بنا في الحديث عن المعادن ( في فصل «دولة الناس». أما شركات التصنيع فعادة ما تتفتت لأجزاء كما مر بنا في هذا الفصل. ولكن لنفترض جدلاً بأن هناك مجموعة من ذوي الأحوال الميسورة، ألا يمكن لهم التشارك والقيام باستئجار الآخرين من عمال وإداريين للقيام بهذه المهمة كما تفعل الشركات المعاصرة؟ بالطبع هذا ممكن. وهؤلاء زكاتهم معلومة كما مر بنا (ربع العشر ) لأنهم يستخرجون معادن مائعة. لكن لاحظ أن هذا الوضع إن وقع فإن أجر العمال سيكون مرتفعاً لندرة الأيدي العاملة، ثم هؤلاء الذين يعملون كأجراء قد يتركون العمل لاستحداث شراكات أخرى مع آخرين إن كان الربح وفيرا، إذ أن أبواب التمكين مفتوحة لمن أراد العمل، وبهذا تكثر مثل هذه الجماعات التي تعمل في استخراج الخيرات فيزداد التنافس على تصنيعها فتزداد المستهلكات وينتشر الرغد. وهذا وضع قد يحدث عند بدء تحول الأمة إلى تطبيق الشريعة. أما بعد ذلك ومع مرور الزمن بتطبيق الشريعة فإن الذي يقع هو التشارك بين الناس مضاربة في استخراج المعادن. فقد أباحت الشريعة شركة المضاربة كما مر بنا، أي أفراد يبذلون المال من جهة وآخرون يعملون من جهة أخرى. وعندها فإن زكاتهم هي زكاة المعادن. ثم يأتي بعد ذلك من يصنع هذه الخيرات، وهؤلاء المصنعون لا زكاة عليهم حتى تزداد المنافسة لتتحسن المنتجات. والتحسين عادة ما يعني قيام الآلة المصنوعة بالوظيفة المناطة بها بأقل استخدام ممكن للمعادن مثلاً وأقل استهلاك ممكن للطاقة مع دقة أعلى، وهكذا من معايير لرفع الكفاءة سعياً للربح. وهذا التوفير للمواد الخام يعني الترشيد في استهلاكه، ما
۱۳۷۰ 🗏
يعني المزيد من المنتجات بنفس كميات المواد الخام ومن ثم انخفاض أسعار كل من المنتجات والخيرات المستخرجة من الأرض، وهكذا من دورات تشع رغداً أكثر بعد كل دورة مع ترشيد في استهلاك الموارد وتقنية أعلى المنافسة التي شجعها إعفاء أصحاب المهن الحرة من الزكاة.
:
وبالطبع فإن السؤال لازال قائماً وهو لنقل بأن أحد الشركاء مضاربة بماله في شراكة كبيرة قام ببيع نصيبه أي بيع سهمه أو سهامه في الشراكة لآخرين، أليست هذه الصفقة بيع للأسهم، وهذه جائزة شرعاً؟ فما زكاة هذه الأسهم حينئذ؟ فأجيب ببساطة فإن المشتري لهذا السهم يقوم مقام المالك السابق في تحمل الزكاة في شركة المضاربة. فلا جديد في الأمر يتطلب الفتوى. فإن كانت الشراكة في استخراج المعادن فإن الزكاة على الشركاء هي ربع العشر، وإن كانت الشراكة في التصنيع فلا زكاة مفروضة. وهذه المسائل واضحة في الشريعة.
أما بالنسبة للسندات، فبالطبع لابد لنا كمسلمين أن نرفض حتى التفكير في وضع زكاة لها، ذلك أنها كما هو معلوم مبنية على الربوا المنهي عنه شرعاً. فالسند صك بمديونية محددة الفائدة تصدرها الحكومات أو الشركات أو المؤسسات. أي أن مالك السند هو مالك لدين مؤجل قد يمتد إلى أكثر من عشر سنوات أحياناً وبفوائد ربحية محددة. والذي حدث بين الفقهاء أثابهم الله، هو أنهم أوجبوا تزكية الأصل زكاة النقود بربع العشر، أما الفوائد الربوية المترتبة على الأصل فقد ذهبوا إلى عدم تزكيتها لأنها مال خبيث، لهذا لا يحق للمسلم أن ينتفع به، وسبيله في الإنفاق هو وجوه الخير والمصلحة العامة، ما عدا الشعائر الدينية كبناء المساجد وطبع المصاحف..." وبالطبع فإن الرأي الأصوب والله أعلم إن طبقت الشريعة هو محاربة هذه السندات، بدل تحريم فوائدها. فمجرد مناقشة جواز فوائدها من عدمه، قد يعني استمرار هذه الجهات التي تصدر هذه السندات بالاستمرار في استصدار هذه الصكوك مع ترك الخيار للناس لامتلاكها والاستمرار في إصدار هذه الصكوك يعني أن هناك جهات تسحب أموال الناس لاستثمارها، أي الاستمرار في ظهور مؤسسات يعمل بها من لا يملكون أي استمرار التسخير الممقوت للناس فتظهر الطبقيات في المجتمع والتي تترأسها طبقة تستثمر المال ولا تعمل. وهذا مما تحاول الشريعة محاربته كما سترى في الفصل القادم بإذن الله. فالشريعة تحاول بشتى الطرق تشجيع الناس للعمل المنتج فعلياً فرادى أو جماعات كشركاء، ومن هذه الطرق النهد، وهو موضوعنا الأخير في هذا الفصل.
النَّهْدِ
لننظر أولاً فيما يُعرف بـ «النهد» في الفقه الإسلامي، وهو اشتراك جماعة في النفقات كالأكل مثلاً، إذ أن النهد حركية تظهر الحاجة لها في مختلف الشراكات وبالذات شراكات الاغتنام: جاء في «عمدة القارئ»:
«والنهد: بفتح النون وكسرها وسكون الهاء وبدال مهملة قال الأزهري في (التهذيب): النهد إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة. يقال: تناهدوا، وقد ناهد بعضهم بعضاً. وفي (المحكم): النهد العون، وطرح نهده مع القوم أعانهم وخارجهم. وقد تناهدوا أي تخارجوا، يكون ذلك في الطعام والشراب. وقيل: النهد إخراج الرفقاء النفقة في السفر وخلطها، ويسمى بالمخارجة، وذلك جائز في جنس واحد وفي الأجناس، وإن تفاوتوا في الأكل، وليس هذا من الربا في شيء، وإنما هو من باب الإباحة. وقال ثعلب هو النهد ، بالكسر ، قال : والعرب تقول : هات نهدك، مكسورة النون. وحكى
١١ الشركة
۱۳۷۱
عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال : أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحس لأخلاقكم وأطيب
لنفوسكن. ...».
۲
إن الهدف من ذكر النهد هو توضيح أن الشريعة برغم أنها تريد للحقوق دائماً أن تكون كاملة الوضوح دون جهالة أو غرر، إلا أن هناك استثناءات لابد منها كما في النهد والنهد كما في الاقتباس السابق هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة . فقد يكون هناك عبء على المسافرين مثلاً لحساب كمية ما يأكله كل فرد منهم في السفر إن هم تشاركوا في النفقات. فهذا أمر أكيد لأن الناس يتفاوتون في الأكل وقد يقع الظلم من أحدهم على الآخرين لأنه يأكل أكثر منهم في مثل هذه الحالات لا يكون الحل بأن تحسب جميع كميات الأكل لكل واحد (بحساب عدد اللقمات مثلاً لتغطية النفقات بالعدل التام لأن في هذا الكثير من الهدر البيروقراطي من حسابات قد تؤدي للمشاحة. وليس الحل أيضاً في أن يقوم كل فرد بتجهيز طعامه بمفرده لنفسه (وبالطبع له ذلك إن أراد). بل الأفضل التغاضي عن مثل هذا التفاوت في كميات الأكل إلا أن كان الفارق كبيراً بين أقلهم أكلاً وأكثرهم أكلاً. ولكن عموماً لا يجبر من أراد الانفراد بالأكل من المشاركة. وهذه المشاركة ليست في الأكل فقط، بل الأكل مثال للمشاركة بين جماعة مسافرة أو جماعة تعمل معاً في النفقات الأخرى كالإقامة أو شراء المعدات والمستلزمات المشتركة. ولأهمية النهد لموضوع الشراكة لنقرأ ما جاء في أحكام القرآن لابن عربي:
منهم
المسألة العاشرة في تمام المعنى في الآية من قوله تعالى : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ فيه أربعة أقوال الأول: أنها نزلت في بني كنانة كان الرجل منهم يحرم على نفسه أن يأكل
عن
وحده حتى إن الرجل ليقيم على الجوع حتى يجد من يؤاكله ، وكانت هذه السيرة موروثة عندهم - إبراهيم، فإنه كان لا يأكل إلا مع غيره. الثاني: أنها نزلت في قوم من العرب كانوا إذا نزل بهم ضيف تحرجوا عن أن يأكل وحده حتى يأكلوا معه. الثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً، ويقول الرجل آكل وحدي. الرابع: أنها نزلت في المسافرين يخلطون أزودتهم فلا يأكل حتى يأتي الآخر فأبيح ذلك لهم. وهذا القول تضمن جميع ذلك فيجوز للرجل أن يأكل مع الآخر وللجماعة وإن كان أكلهم لا ينضبط، فقد يأكل الرجل قليلاً والآخر كثيراً، وقد يأكل البصير أكثر مما يأكل الأعمى، فنفى الله الحرج عن ذلك كله وأباح للجميع الاشتراك في الأكل على المعهود ما لم يكن قصداً
إلى الزيادة على ما روى ابن عمر أن النبي نهى عن القرآن في التمر إلا أن يستأذن الرجل أخاه. وهذا
٢
هامش
) وجاء في تفسير القرطبي في النهد أيضاً: «النهد والاجتماع: الرجل أكثر من غيره. وقد قيل إن تركها أشبه بالورع. وإن كانت ومقصودة فيما قاله علماؤنا في هذا الباب، إباحة الأكل جميعاً وإن الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد لأنهم لا اختلفت أحوالهم في الأكل. وقد سوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله ثم لا يدري لعل فصارت تلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله، وإذا كانوا يوما والولائم، وفي الإملاق في السفر وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا، والضيف صداقة، فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك. والنهد ما يأكل بطيب نفس مما يقدم إليه. وقال أيوب السختياني: إنما كان النهد يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه بينهم، وقد أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل فيذبح تناهدوا عن صاحب العين. وقال ابن دريد، يقال من ذلك تناهد القوم ويهيئ الطعام ثم يأتيهم ثم يسبق أيضاً إلى المنزل فيفعل مثل ذلك. الشيء بينهم، الهروي وفي حديث الحسن: أخرجوا نهدكم فإنه أعظم فقالوا إن هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا للبركة وأحسن لأخلاقكم . النهد ما تخرجه الرفقة عند المناهدة، وهو شيئا لا يتفضل بعضنا على بعض فوضعوا النهد . بينهم، و وكان الصلحاء استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره، والعرب تقول هات نهدك إذا تناهدوا تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه وإن لم بكسر النون. قال المهلب وطعام النهد لم يوضع للآكلين على أنهم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سراً دونهم ...» (۲۰۱). يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد يأكل
۱۳۷۲ 🗏
هو النهد الذي يجتمع عليه القوم وسواء كان مشترى منهم أو كان بخلطهم له فيما بينهم، فإن كان طعام ضيافة أو وليمة فلا يلزم ذلك فيه لأن كل واحد منهم يأكل من مال غيره، لا سيما ونحن نقول إن طعام الضيافة والوليمة يأكله الحاضرون على ملك صاحبه على أحد القولين، وهو الصحيح حسبما بيناه في أصول الفقه . ولذلك لم تجز التغدية والتعشية عندنا في طعام الكفارة على ما بيناه في موضعه. وقد روى البخاري في النهد حديث أبي عبيدة في جمع الزواد وكان يغديهم كل يوم تمرة تمرة، وحديث عمر في نحر الإبل ومنعه من ذلك. وجمع النبي الأزواد الجيش وبرك عليها ثم احتثى كل أحد في مزوده ووعائه من غير تسوية حتى فرغوا واشتقاقه من الخروج يقال نهد ثدي المرأة ونهد القوم لغزوهم ونهد الجماعة إذا أخرجوا طعاماً أو مالاً ثم جمعوه وأكلوا أو أنفقوا منه». ۲
۲۰۲
والنهد ليس فقط في الأكل في السفر، بل أيضاً في تحمل النفقات بين الشركاء. لنقرأ الآتي من المغني:
سمعت
«فصل : وسئل أحمد عن الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه يركب هذا عقبه وهذا عقبه، ما ، فيه بشيء وأرجو أن لا يكون به بأس. قيل له: أيما أحب إليك، يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال: يرافق، هذا أرفق يتعاونون، وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره فلا بأس بالنهد، قد تناهد الصالحون وكان الحسن إذا سافر ألقى معهم ويزيد أيضاً بعدما يلقي، ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعاً. وكان الحسن البصري يدفع إلى وكيلهم مثل واحد منهم ثم يعود فيأتي سراً بمثل ذلك يدفعه إليه
.«...
كما ذكرت في أول الحديث عن الشراكة، فبالإمكان تقسيمها إلى أشكال الاغتنام والهمم والمقاولة وذكرت أن شراكة الاغتنام هي في الغالب اشتراك الأفراد للضرب في شتى بقاع الأرض للبحث في خبايا الأرض عن الموارد وبالذات المعادن. في مثل هذه الحالات يكون للنهد أهمية لتقاسم النفقات، أو حتى يمكن القول بأن الشركاء إن اشتركوا عناناً فإنهم يتساوون في المساهمة لاستحداث الشراكة ومن ثم تخصم نفقاتهم جميعاً مما بذلوه جميعاً حتى يظهر المعدن، أو قد ينفق أحدهم على باقي الشركاء وله نصيب أكبر من الموارد إن وُجد المعدن. لكن على العموم، فإن النهد في مثل هذه الحالات (ولأن نفقاته ضئيلة مقارنة بما قد يجنيه الشركاء من ربح وفير) وكأنه حركية لإزالة حرج إمكانية ظهور الجهالة أو الغرر. فهو إذاً حركية تحرر الأفراد من التقييد والحرص الذي قد يفتعله بعض الشركاء بسبب سوء الفهم ما يقلل من فرص ظهور الشراكات. وبالطبع فإن اتفاق الشركاء سواء تناهدوا أو لم الأولى بالتطبيق. فالنهد بهذا وسيلة تسهيلية لظهور المزيد من الشراكات.
يتناهدوا هو
وأخيرا
لقد بدأت هذا الفصل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. أي أن هذا الفصل حاول أن يقول: لطالما أن النمط الإنتاجي للأمم لم يتغير من نظام الشركات أو المؤسسات الإنتاجية أو المحلات الحالية المبنية على أن العاملين هم غير الملاك، فإن الفساد نهاية محتومة لأن من يملكون ولا يعملون يتفانون في التآمر للمزيد من الربح الذي لا يكون إلا بقفل الأبواب أمام الآخرين مع هدر كبير في العملية الإنتاجية. وبالعكس، فلن تنهض الأمة المسلمة ولن يتراجع التلوث بسبب الإنتاج والاستهلاك لجميع الناس إلا إن غيرت
١١ الشركة
۱۳۷۳
البشرية نمطها الإنتاجي إلى شراكات يعمل بها من يملكون في الغالب، وهذا لن يتحقق إلا بتطبيق الشريعة. فإن نظرنا لأي تفصيلة في الشراكة بتطبيق الشريعة نجد أنها تصب في رفع الكفاءة. ومن القضايا التي لم نتطرق إليها تماماً: هل يحق للشريك السفر بالمال أم لا؟ ومتى يضمن؟ وعلى من النفقة؟ وهل له أن يخلط ماله بمال المضاربة؟ وماذا يحدث إن تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله؟ وهل للمشارك أن يشترط نفقة نفسه سنة؟ وهل له ذلك في الحضر والسفر؟ جميع مثل هذه الأسئلة التفصيلية عن شركة المضاربة لم أناقشها، وكذلك مثلها في الشراكات المنتجة صناعياً أو خدمياً لم تناقش. ولكن إن تأملت الإجابة عليها في كتب الفقه، مع ما ورد في هذا الفصل ستدرك بأن مبادئ الشراكة وكأنها قطرات المطر، فتتجمع هذه القطرات فتشكل سيلاً من الكفاءة الذي سيتدفق على البشر بالخير العميم دون تلويث وسيأتي إثبات هذا الأخير بإذن الله. بالإضافة لهذا، فقد تكون هناك أبحاث كثيرة عن الشراكة في علم الشريعة وتخصص الاقتصاد، وبالتالي فما هو معروض هنا قد يكون أقل شمولاً مما ذكر في تلك الأبحاث، ومع هذا فإن المهم هو المبادئ الأساسية والخطوط العريضة التي حاول هذا الفصل إظهارها. فهي تشير جميعاً بلا شك إلى كيفية سحب الشريعة للمجتمع للمزيد من الكفاءة والعدالة. والآتي هو بعض الملحوظات التي لم أتمكن من وضعها في ثنايا هذا الفصل عن الشراكة، لهذا جمعتها هنا متفرقة.
قال مارك أندرسون Marc Anderson وهو رجل بارز في مجال استحداث الشركات التقنية والذي أوجد شركة نت سكيب Net Scape ثم شركة لاود كلاود Loud Cloud في مقابلة له عن سبب ظهور ثم أفول بعض الشركات، قال متحدثاً عن نظرية الأفراد التافهين أنه عندما أسس الشركة كان حريصاً على اختيار الأفضل من الجادين إلا أنه لم يستطع الثبات على هذا الأمر لأنه مع زيادة أعمال الشركة ازداد عدد موظفيه فكان لابد من توظيف فرد ما للمسائل المالية، وآخر للمشتريات، وهكذا مع ازدياد نشاط الشركة وكثرة الموظفين (تذكر وزارة الزير) انضم للشركة فرد ليس بذات الجدية ما أثر في الكفاءة. ومن جهة أخرى فإن الترقيات داخل الشركة مستقبلاً (كما قال) ستؤدي لإجهاض الكفاءة لأن مديراً عاماً ما قد يحاول توظيف قريباً أو صديقاً له في الشركة لدرجة أن الشركة قد تعلن إفلاسها إن استفحل الأمر. وهنا قد تسأل ولكن الشركات الرأسمالية لازالت مستمرة! فأجيب: نعم هي مستمرة لأن منتجاتها مطلوبة، ولا منافس لها بكفاءة أعلى، فهي لاتزال تربح برغم قلة الأداء. إما إن نافستها شركات جديدة بكفاءة أعلى فستفلس وتخرج من السوق. فلا يدل استمرار الشركات على الكفاءة، ولكن على حاجة السوق المستمر للمنتجات التي تمكن بعض الشركات من الاستمرار برغم ضعف أدائها لأن أبواب التمكين مغلقة أمام الآخرين مثل احتكار المعرفة. فلأن المعرفة مثلاً محتكرة في الفكر الرأسمالي لأنها سلعة، فإن من يترك شركة لن يستطيع استخدام معرفته في شركة أخرى إن كانت المعرفة مبتكرة من تلك الشركة الأم. لهذا تستطيع الشركات الاستمرار حتى وإن كانت كفاءتها متدنية. أما إن طبقت مقصوصة الحقوق وكان للناس حق فسخ الشراكة في مجتمع يعتبر المعرفة حق مشاع " فإن الكفاءة سترتفع لأن بعض الشركاء قد يخرجون ويستقلون مع آخرين بشراكات أخرى فتزداد المنافسة ليستمر الأكفأ لأن الشركاء الأكفاء سيتكاتفون ويرفضون من هو أقل
هامش
ي٢) ولعلك هنا تسأل : ولكن إن لم تكن المعرفة حكراً لمن أوجدها فلن يتسابق الناس للمزيد من الابتكارات كإيجاد دواء جديد مثلاً! ستأتي الإجابة على مثل هذه الأسئلة في فصل المعرفة بإذن الله.
١٣٧٤ 🗏
كفاءة للعمل معهم إلا بنصيب ربحي أقل بوضعه في منصب أو مهمة تتلاءم مع مقدراته. وهكذا إن طبقت هذه الفكرة على عموم المجتمع الإنتاجي (كما تدفع الشريعة (لذلك فإن هذا يعني أن يوضع كل فرد في مكانه المطابق لكفاءته، وبهذا تكون الكفاءة أعلى ما يمكن في المجتمع. وهذا يعني أن الأثرياء نسبياً في المجتمع سيتغيرون جيلاً بعد جيل لأن من لا يستطيع استثمار ماله سيفقده لآخرين أكثر همة أو ذكاء منه (لاسيما أن الفارق بين الثري والفقير قليل مقارنة بما تفرزه الرأسمالية إن طبقت الشريعة)، أي أن الأسر الثرية قد لا تستمر لأجيال في الثراء. وبالمثل، فإن وجد سفيه وورث الكثير من المال، فلن يتفق معه الأعزاء أو الأكفاء من الناس وسيهجره شركاؤه إن وهكذا سيبقى وحيداً. أي أن نفوذ تأثيره في إنتاجية الأمة قد اضمحل. وهذه حركية ترفع الكفاءة.
تشارك معهم.
أي أن الشركات المنتشرة حالياً في العالم الإسلامي (وبالذات كتلك التي في دول الخليج) والمبنية على احتكار استيراد سلعة ما مثل شركات العوائل لن تستمر طويلاً لأن من ورثوا الشركة لن يجيدوا إدارة ما ورثوه في الغالب. لهذا فإن معظم هذه الشركات التي تملكها الأسر ستتلاشى تدريجياً إن طبقت مقصوصة الحقوق حتى وإن تم تحويلها لشركات مساهمة أو اجتمعت كلمة الأسرة لانتخاب أحدهم ممن يجيد الإدارة. أي حتى إن تحولت شركات العوائل لشركات مساهمة فإنها لن تستطيع منافسة الشركات المبنية على تكاتف المهرة الأكفاء إن فتحت أبواب التمكين بتطبيق الشريعة وبالذات في التخصصات العليا. أي أن شركات العوائل ستصبح ظاهرة نادرة لأن . تركيب هذه الشركات يتعارض جذريا مع فكرة الكفاءة. فهذه الشركات لم تنتشر في العالم (الإسلامي بالذات) إلا لأنها مبنية على الاحتكار أو إغلاق الأبواب أمام الآخرين وما يؤكد عدم استمراريتها الآتي:
صمیم
كما هو معلوم فإن العملية الإنتاجية تجمع أحياناً الناس من أطياف مختلفة من المهارات وبغض النظر عن خلفياتهم أو أعراقهم وبالذات في التخصصات العليا. فعادة ما ترى في مؤتمر طبي أو هندسي مثلاً المهتمين من خلفيات مختلفة: هذا تركي وذاك كردي، هذا سني وذاك شيعي، بل وهذا مسلم وذاك مسيحي. أي أن قيم المعرفة تجمعهم. لهذا نجد الأمريكي مثلاً لا يكترث للأصول العرقية لمن يعمل معهم لأن القيم الإنتاجية تجمعهم، وهي السعي للمزيد من المعرفة واكتساب المهارات المؤدية للمزيد من الربح وهكذا فإن طبقت مقصوصة الحقوق، فإن الهدف للمزيد من الإنتاج سيجمع الشركاء ومجرد وجود مسلم واحد بقيم إسلامية رفيعة بين غير المسلمين إن طبقت مقصوصة الحقوق قد يؤدي في الغالب لإسلامهم كما حدث بدخول أندونيسيا وغيرها للإسلام دون قتال). أي أن الناس إن تكتلوا بناء على اهتماماتهم وهممهم وذكائهم جرياً وراء مصلحتهم الربحية، سيصبحون الأكثر إنتاجاً بالشراكة فيزدادون إبداعاً وإنتاجاً فيزداد دخلهم. ولأنهم هم الأثرى فإن قيمهم العملية الإنتاجية هي التي ستنتشر في المجتمع إذ أن المعرفة مشاعة شرعاً. فكما هو معلوم فإن الأدنى عادة ما يحاول تقليد الأعلى: كالفقير الذي يحاول تقليد الغني، والجاهل الذي يحاول تقليد العالم، والضعيف الذي يحاول تقليد القوي. ولأن الأضعف إنتاجاً يودون الوصول لأولئك الأكثر إنتاجاً فسيقلدونهم وبالتالي يتحول المجتمع بأسره إلى مجتمع أكثر كفاءة في الإنتاج لأن القيم الإنتاجية الأسمى هي التي ستنتشر. ومتى انتشرت هذه القيم، فإن هذا سينشر الثقة والصدق والأمانة بين من يعملون لأن القيم الإنتاجية الأكفأ عادة ما تتصف بالأمانة والصدق والثقة بين الشركاء ودونما بيروقراطيات فتزداد المروءة في المجتمع. أي أن الربح سيؤدي للمروءة. هلا تدبرنا هذه الحركية التي حاول هذا
الفصل إظهارها؟
١١ الشركة
۱۳۷۵
رأيت مرة مناظرة بين باحثين عن شركات العوائل: أحدهما ينادي بأن المجتمعات ستكون اقتصادياً أفضل إن
هي تميزت بانتشار الأسر التي تملك الشركات، أي أنه ينادي بتقسيم المجتمع إلى أسر تملك وبالتالي تكتسب وتطور مع الزمن فن الإدارة، وأسر أخرى تعمل لها. بينما ينادي الآخر بأن يمتلك معظم أفراد المجتمع الشركات من خلال الأسهم، أي المناداة أيضاً بتحويل شركات الأسر إلى شركات مساهمة لعموم الناس للاكتتاب فيها. أي أنه ينادي بضرورة الفصل بين الملكية والإدارة لأن أبناء الملاك ليسوا بالضرورة بذات الكفاءة في الإدارة كمن أوجدوا الشركات. وما حاول هذا الفصل توضيحه هو أن كلتا الحالتين ستؤديان لاضمحلال الكفاءة لأنهما ستؤديان لوضع لن يملك فيه من يعملون بل العمال موظفون على الدوام.
عندما يكون العمال موظفين لدى الملاك، وعندما يكون التركيب هرمياً كما في «الدوائر الحكومية» أو «الشركات الكبرى»، وكلما ازدادت طبقات التركيب الهرمي ،الإداري، فإن احتمال إهمال وتسيب بعض موظفي الطبقات الدنيا دون إدراك الطبقة العليا أو رأس الهرم لهو أمر أكيد ما يؤثر في الكفاءة. كما أن الصعود الوظفي قد لا يكون إلا على حساب الصراع مع الزملاء وبالتزلف للرؤساء. وهذا لن يحدث إن طبقت مقصوصة الحقوق لأن الشراكات ستتفتت لأكبر تجمع للأفراد كشركاء دون بيروقراطيات تذكر. فالذي يقيم الفرد هو إنتاجه الملموس فقط لا غير. فإن كان الإنتاج علماً فإن الذي يقيمه الباحثون والطلاب، وإن كان الإنتاج تطبيباً فإن الذي يقيمه المرضى، وهكذا، أي أن الصعود يكون فقط بالتفاني في المنتج وليس النفاق والصراع كما هو حال الكثير من الوظائف داخل الشركات الكبرى والمؤسسات الحكومية التي تعتمد رضا الرئيس للمزيد من الترقي والكسب. أي لا مجال للصعود إلا بإتقان الإنتاج.
هم
العاملون. فلماذا الهدر ؟
وكما مر بنا في فصل «القذف بالغيب» فإن مصادر الهدر خمسة. وقد ركز هذا الفصل على المصدر الثاني، وهو الهدر داخل كل مؤسسة أو شركة إنتاجية يعمل بها من لا يملكون بسبب البيروقراطية. وبالإضافة لهذا فهناك نفقات الأفراد العاملين في الشركات المعاصرة وهي جزء من النفقات التي تتحملها الشركة. فيظهر هدر كبير من المسؤولين الذين لا يملكون الشركة، فتظهر النفقات التي لا حصر لها ولا عـد مثل تجديد الأثاث والأجهزة وعقد الندوات وورش العمل والسفر بدعوى التحديث للمعلومات وما شابه من مغالاة في النفقات التي توضع على كاهل الشركة لتخصم من الأرباح. فقد يقرر مسؤول ما تجديد أثاث الشركة لأنه سيبتلع نسبة من تكلفة البيع، وهكذا من قصص معروفة للجميع. وبالطبع فإن هذا لن يقع إن كانت الشراكات بأحجام تلائم المنتج الذي يكمل منتجات الآخرين، إذ أن الملاك وهناك هدر آخر يصعب قياسه وتصعب رؤيته، وهو الهدر الناتج بسبب القهر النفسي لهؤلاء الأجراء المسخرين ممن لا يملكون والذي يظهر من خلال المثال الآتي: عادة ما تتسابق الفنادق العالمية فيما بينها (والتي يعمل بها من لا يملكونها) لشد الزبائن بالمزيد من الابتكارات لإسعاد النزلاء. فهناك حسابات دقيقة لكل ابتكار لرفع الكفاءة لراحة النزلاء. فهذا الفندق مثلاً يضمن لك إنزال الحقائب في خمسة عشر دقيقة، إلا أن ذلك الفندق تمكن من إنزالها في تسع دقائق فقط ، لهذا سيأتي ثالث ويحاول تقليل الوقت إلى ست دقائق مستقبلاً ليكون هو الأفضل. وكل هذا السباق بين الفنادق على حساب هؤلاء العمال الذين أقفلت في وجوههم أبواب التمكين، فلا مجال لهم لكسب العيش إلا بالعمل كموظفين بأجر شهري ولكن تحت تسخير قاهر لعزتهم وكرامتهم. فعلى عامل بوابة
١٣٧٦ 🗏
فندق إنتركونتنانتال مثلاً أن يبتسم لكل نزيل عند فتح الباب له، وعليه أن يحمل له متاعه، وعليه أن يظهر بمظهر أنيق، لهذا فهو يلبس زي الفندق الموحد والذي يتطلب لبس معطف فوق القميص حتى في فصل الصيف في بعض
وهو
لك
المناطق الحارة. لهذا تجد هذا المسكين في فصل الصيف يتصبب . عرقاً يحمل الأمتعة وفي نفس الوقت يبتسم رغماً عنه، لأنه إن لم يفعل فقد يُفصل إن تكرر ذلك منه لأن هناك من يراقبه. فكيف لرجل كهذا أن يبتسم في مثل هذه الظروف وعلى الدوام؟ أي أن هذه الابتسامة بالإكراه. بل حتى لا يحق للموظف مثلاً الجدل مع الزبون لأن المفترض بالزبون أن يكون على الحق دائماً في نظر إدارة الفندق حتى إن كان النزيل سفيها. هكذا تحاول الشركات صيد زبائنها وإن كان ذلك على حساب إذلال موظفيها. فمن ملك المال ملك إهانة الآخرين. فلا عزة ولا كرامة للبشر ولكن للمال. لهذا فإن من يُرتشون أو من يحتكرون تجارة ما، وبرغم فساد معدنهم إلا أنهم يشعرون أنهم على الحق دائماً لأن الجميع من حولهم (مثل أولئك الذين في الفندق يقدرونهم ويحترمونهم لا لمعدنهم، ولكن لما معهم من مال فينحدر المجتمع في النفاق أكثر وأكثر.
ألا
ثم إن أتى فندق ثان بمثل هذه الابتسامات على وجوه بوابيه وثبت أن هذا يزيد إسعاد النازل وبالتالي يزداد النزلاء فيزداد الربح، فإن على مدير فندق ثالث إن أراد المنافسة أن يأتي بابتكار آخر بالإضافة للابتسامة والهندام، وهو الانحناء للزبون عند السلام عليه، وهكذا يزداد الذل بالتنافس بين الشركات كما جاء في تقرير أحد البرامج الاقتصادية التي أظهرت التنافس الشرس لدرجة انحناء بواب الفندق. وبالطبع فإن هذا على حساب صحة هؤلاء الموظفين ونفسياتهم. فكم من الهدر الذي يصعب قياسه نتج من جراء تدهور حالات هؤلاء الموظفين النفسية من خلال سوء معاملتهم لمن حولهم في منازلهم كالأبناء مثلاً. لكن إن طبقت مقصوصة الحقوق، ولأن أبواب التمكين مفتوحة، فإن من لا يحب التبسم في وجوه الناس فلن يعمل في الفندق، بل قد يذهب لتقطيع الصخور التي لا تنتظر منه ابتسامة، بل كد وشدة ومثابرة بهمة. هكذا ترتفع كفاءة الإنتاج.
أما من لم يجد عملاً في مثل هذه الفنادق أو المصانع (بسبب قفل أبواب التمكين لأن الشريعة لم تطبق)، فقد يعمل كماسح أحذية، أو كجامع قمامة في شركة كبرى، أو كجزاراً ليقتل الأنعام. رأيت تقريراً أمريكياً مقززاً عن الوحشية في قتل الأنعام والطيور لبيع لحومها. وكان الهدف من التقرير هو حث الناس على مقاطعة أكل اللحوم لتضطر هذه الشركات لتغير سياسات الذبح فيها. ولأن الذي يقوم بمهمة الذبح شركات كبرى يعمل بها آلاف الموظفين، ولأن العملية الإنتاجية تركز على الربح كيفما كان، فإن على الجزار أن يذبح المئات من الأبقار يومياً، وفي مثل هذه الظروف ستسلب منه الرحمة، فيصبح سريعاً وعنيفاً في القتل وليس الذبح، وكذلك التخلص من ذكور الطيور (الديكة مثلاً) التي تقتل وهي صغيرة إذ لا جدوى اقتصادية منها بعد أن تكبر مثل الدجاجة، فيتم التخلص منها برميها في جهاز يقوم بهرس وطحن الطيور دون ذبح. وبالطبع فإن كل من يرى عملية القتل هذه بكميات كبيرة سيتهم العمال بالوحشية، ويتهم أفراد ذلك المجتمع بالهمجية لأنه مجتمع غير مسلم. وهنا أقول: أليس من سكان ذلك المجتمع غير المسلم من بحث وفضح بعض أفراده ممارسات هذه الشركات وأثبت حقوقاً للحيوانات؟ بالطبع نعم برغم قساوة حكوماتهم التي ما فتئت تقتل الأبرياء من المسلمين كما في العراق وأفغانستان. ولكن مهما كان المجتمع، فإن المهم هو حال هذا الذي يذبح: فإن كان عليه ذبح مئات الأبقار يومياً فماذا عليه أن يعمل غير الإسراع في الذبح وبالتالي تضمحل الرحمة إن كان الإنتاج بهذه الكميات. أي أن الإشكالية هي أساساً في منظومة
١١ الشركة
۱۳۷۷
الحقوق التي قفلت أبواب التمكين فلا أراض ليرعى فيها من أراد العمل في الإنتاج الحيواني وبالتالي لن يكون الذبح بكميات صغيرة وبطريقة أرحم ، بل ملكيات للدول أو للشركات أو للعوائل الغنية ليصبح الذبح جماعياً، ولا تصاريح تعطى لمن حاول فتح مجزرة إلا بشق الأنفس، وعندها فإن من ملك التصريح ومن ثم تمكن وتوسع في هذه المهنة أوجد وسائل الذبح دون رحمة لأن المالك غير الذابح . وهكذا تظهر المؤسسات أو الشركات المالكة المحتكرة لعملية الذبح. لهذا ستسخر هذه المؤسسات أيدي هؤلاء العاطلين المتأزمين نفسياً للعمل لديها بشرط أن يذبح الموظف كذا وكذا بقرة في اليوم. فحتى وإن كان هذا الموظف مسلماً، وبرغم أنه سيكون أكثر رحمة من غير المسلم لأن دينه يأمره بهذا، إلا أنه قد لا يكون رحيماً كمن ملك مسلخاً صغيراً لذبح عدة بقرات يومياً سواء كان مسلماً أو لم يكن، بل أن هذا المالك للمسلخ قد يكون هو وشركاؤه ممن قاموا بتربية هذه الأنعام من صغرها في مزرعته. أي أن المسألة على الرغم من أنها نسبية، إلا أنها أساساً اختلاف بين منظومة حقوق من نسج العقل البشري القاصر وبين مقصوصة الحقوق. وشتان بين الحالين. مثال آخر: فبرغم كل النفقات والتجهيزات الهائلة للسلامة في شركة بريتيش بتروليوم BP بفرع ولاية تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن خمسة عشر شخصاً قتلوا الكثير بسبب الإهمال في أحد مصافي الشركة سنة ٢٠٠٥م. وهنا بالطبع لابد وأن نتوقع بعض الإهمال لأن هؤلاء العمال منهكون وقد لا يكترثون إن وقع حادث لأنهم ليسوا هم الخاسرين لممتلكات الشركة. فإهمال فرد واحد منهك بالعمل ودون حافز أدى لهذا القتل. فهل إن تفتت العملية الإنتاجية لشراكات أصغر بأفراد يملكون ما يعملون فيه، سيحدث مثل هذا الحادث؟ هذا ما حاول هذا الفصل توضيحه.
وجرح
وهنا في آخر هذا الفصل لابد لي من التذكير مرة أخرى على أن ليس كل ما يستهلك من منتجات وخدمات يأتي عادة من شركات كبرى، فهناك دراسات تقول بأن نسبة السلع والخدمات بالذات المنتجة من مؤسسات صغيرة قد تصل إلى سبعين في المئة مما يستهلك في بعض الدول الأوروبية مثلاً، كمحلات البقالة والجزارة والحلاقة والحياكة والمزارع الصغيرة والفنادق الصغيرة ومصانع المستهلكات السهلة التصنيع كالأكياس والحلوى. وجميع هذه المؤسسات الإنتاجية الصغيرة هي لمالك يعمل له عدة أفراد. وهي بالطبع أكثر كفاءة من الشركات الكبرى لأن المالك قريب ممن يعملون له، إلا أن هذه المؤسسات ستكون أكثر كفاءة إن كان العاملون إما شركاء أو يعملون مؤقتاً لإنهاء خدمة ما وليسوا أجراء بأجر شهري ما يؤدي لتسخيرهم لاستعبادهم). أي الالتفات إلى أن كلمة شراكة كما استخدمت في هذا الفصل لا تعني الشراكة بين الكثير من الشركاء كما هي حال الشركات المساهمة الكبرى اليوم، بل شراكة بين بضعة أفراد أحياناً، أي شخصان أو أكثر لصناعة منتج أو تقديم خدمة ما. أي أن المبادئ التي ذكرت في هذا الفصل تنطبق على المشروعات الصغيرة التي تشكل غالبية المنظومة الإنتاجية في معظم المجتمعات كما مر بنا في الأمثلة السابقة كمن يطحن الدقيق أو يبيع البر. أي أن ما في هذا الفصل يشمل جميع القطاعات الإنتاجية وفي جميع المستويات والأحجام.
ومن البدهي، ومع تطبيق الشريعة ولأن الأفراد أعزاء لأن أبواب التمكين مفتوحة لهم، فإن الناس سيرفضون العمل في الأعمال الدنيا مثل تلميع الأحذية أو جمع القمامة، بل سيرتقون للمنافسة بإيجاد شراكات جديدة، وبهذا تكثر المنتجات تنوعاً في مجتمع يتصف بندرة في الأيدي العاملة الرخيصة. وفي مجتمع كهذا سيضطر الشركاء للاعتماد على أنفسهم للقيام بالأعمال الصغيرة (مثل تنظيف مكاتبهم لأنه لا وجود لعامل نظافة إلا بسعر
۱۳۷۸ 🗏
فقد
مرتفع، وبهذا السمو تزداد الكفاءة لأن الأعمال التافهة تقل شيئاً فشيئاً حتى تختفي من المجتمع، فيقوم الشريك بعدة مهام صغيرة مساندة في نفس الوقت مثل طباعة رسالة أو حفظ ملف. وفي هذا المزيد من الكفاءة والعزة للمجتمع إذ لا أفراد بأعمال تافهة كالطباعة لأنه لا بيروقراطية، أو كالتنظيف لأنه لا عمال نظافة يجمعون النفايات إلا بأجر مرتفع ما يدفع معظم الناس لجمع نفاياتهم بأنفسهم، فيزدادوا حرصاً في التعامل مع النفايات، فتتطور الأعراف للحياة بأقل نفايات ممكنة. هكذا يظهر مجتمع أفراده لا يلوثون. وإن اعتز الجميع في المجتمع صار المجتمع عزيزاً بأسره. وهذا ما نفقده كمسلمين منذ أن تغيرت مقصوصة الحقوق، إهمال في كل شيء وعلى كل مستوى. والمسألة ليست فقط نقد كثرة الأعمال المتدنية كعمال النظافة أو كطابعي المعاريض عند الدوائر الحكومية أو كماسحي الأحذية، بل الكثير والكثير من الأعمال اللامنتجة فعلياً مثل موزعي أنابيب الغاز وعمال نقل الأثاث. فجميع هذه الأعمال يمكن للناس القيام بها إما بأنفسهم أو بالتعاون فيما بينهم. لنضرب مثالاً واحداً: يجتمع أصدقاء أو أقارب زيد من الناس لمعاونته في نقل أثاثه. فكم تزيد هذه من الروابط الاجتماعية بين الناس؟ ولكنك قد تستنكر وتقول: انظر إلى شركات النقل للأثاث كم هي راقية ومريحة وذات خبرة!!! فأجيب: إن نظرنا للمسألة من منظور الفرد المستفيد، فهي بالفعل شركات راقية مريحة لمن ملك المال. إلا أن الذي حدث هو تسخير جماعة في خدمة كان بالإمكان أن يقوم بها المستفيدون من الخدمة بأنفسهم، في حين كان بالإمكان الاستفادة من هؤلاء العمال فيما هو أكثر حيوية للمجتمع مثل استخراج المعادن وتصنيع الآلات الحاسبة والطائرات لتسع أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع. فهناك الكثير والكثير من الخدمات التعليمية والصحية الراقية وما شابه من مرافق والتي يحتاجها الكثير من الناس إلا أنهم محرومون منها بسبب هذا الترف للقلة المتنفذة (التي لا تنقل أثاثها بنفسها) على حساب الكثرة المعدمة. وقد اخترت هذا المثال عمداً لأستثيرك لتتفكر فمسألة نقل الأثاث مهمة شاقة، حتى أنا لم أنج منها. وهذا بالطبع لا يعني أنه إن طبقت الشريعة فلن تظهر مثل هذه الشركات لنقل الأثاث، بل ستظهر ولكن بطريقة أرقى وفي الوقت المناسب من عمر تطور المجتمع. ذلك أنه مع مرور الزمن ومع توفر المستهلكات والخدمات الحيوية بسبب ارتفاع أسعارها وانجذاب الناس لتلبيتها أولاً، ستظهر تالياً السلع والخدمات التكميلية (مثل شراكات نقل الأثاث ولكن بأداء أكثر إتقاناً لأن من يعملون كشركاء أكثر حرصاً على سمعتهم من الأجراء المسخرين الذين لا يملكون الشركة. وهؤلاء العاملين الأكثر إتقاناً، ولأنه لا بطالة، فإن أجورهم سترتفع لدرجة تمكنهم من توفير ما يحتاجونه من خدمات كالتعليم والصحة من أموالهم التي ربحوها في هذه الأعمال التي أصبحت وكأنها من الضروريات. أما أولئك الذين يعملون في شركات نقل الأثاث المعاصرة الملوثة بالرأسمالية، ولانتشار البطالة، فهم يعملون بأجر منخفض ما يجعلهم عالة على الآخرين في توفير الخدمات، فتأتي الدولة لوضع الضرائب لتوفيرها لهم ولأمثالهم ممن لا يستطيعون القيام بنفقاتهم. هكذا تظهر مرة أخرى السلطات التي تنفق بغير هنا وتضع هناك، تأخذ من الناس لتضعه في التعليم، فيذهب جزء منه في جيوب المتنفذين. وهذا الذي يحدث في العالم الغربي أيضاً. فهم يحسبون أنهم يستثمرون جُل أموالهم فيما هو خير لأوطانهم، إلا أن الهدر ينهش اقتصادهم من كل مكان كما مر بنا. أي أن المسألة ليست راحة فرد في نظام رأسمالي ليقع ابنه بعد جيل فريسة للبطالة، ويعيش هو بين مخاوف الإفلاس ومخاوف سرقة الآخرين له، لأن المجتمع غير آمن بانتشار الفقراء والمنحلين والمجرمين (وعليه أن يدفع من كده كضرائب لإيواء هؤلاء في السجون)، بل المسألة راحة جميع أفراد المجتمع حتى يعيش الغني منهم في راحة فعلية ينتقل فيها في كل مكان في مجتمع آمن دون هدر الأموال في نفقات
هدى
لتأخذ من
١١ الشركة
۱۳۷۹
السجون والشرطة وأجهزة كشف التزوير والمباحث والاستخبارات ومكاتب محاماة وما شابه من هدر على شتى الأصعدة. أي أن العالم الغربي ولأنه لم يدرك تدرج أهمية احتياجاته ولن يستطيع ذلك إلا إن حكم بالشريعة)، فهو في تخبط سرمدي نتج عنه توافر الترف والقلق للقلة مع الاستعباد للكثرة. ففي كل مرة أسافر فيها لدولة غربية أسأل: كم سيكون هؤلاء سعداء إن هم حكموا بالإسلام، فبلادهم جميلة، إلا أن نظامهم أوجد بينهم التعساء. فهؤلاء إن حكموا بالإسلام سيكونون أكثر أمناً ورغداً وعزاً وسعادة مع عمل أقل لأن ما ذهب في الهدر من عمل ومال كان بالإمكان أن يُستثمر في إنتاج ضروريات أخرى لتسع أفرداً أكثر، عندها تزداد النشاطات وبالتالي النفقات ذات الطابع الاجتماعي والثقافي وما شابه. فالمسألة نسبية. وهذا ما ستحاول الفصول القادمة تبيانه بإذن الله. فلا تغتر بما وصلوا إليه من رقي. فقد خلق البديع الحق سبحانه وتعالى إنساناً متعه بعقل وهمة إن تفاعل مع خيرات الأرض سيبدع وسيحيل الأرض إلى نعيم وكأنها جنة الله في أرضه. أليس هو الخالق الخلاق المعطي الواهب
الوهاب الرازق الرزاق؟
أو لا يحق لنا أخي القارئ الآن أن ندعو الله الحق سبحانه وتعالى أن يسحق كل من لم يحكم بشرعه. والآن لنذهب للفصل الثاني عشر، أي فصل «الفصل والوصل». فقد أبدعت الشريعة في وصل الناس ليتكاتفوا وليتآزروا كانت هناك حاجة لتكاتفهم لرفع الإنتاجية، وفصلت بينهم لينطلق كل فرد منهم في مساره الخاص به متى كانت هناك حاجة لتحرره للانطلاق دون قيود ليزداد الإنتاج في مجموع الأمة فتظهر الكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع بإذن الله.
متی
ما
🗏
۱۳۸۰