انتقل إلى المحتوى

القذف بالحق



تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.

الفصل الأول

القَذَفُ بالحَقِّ

إنه هو السميع البصير ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ) في عصر العولمة والحاسبات الآلية والمعلوماتية وعند قراءة القرآن، وبرغم إعجازه الفكري والعلمي والبلاغي والعددي، يقف المسلم في حيرة ويسأل: أين الإسلام من كل هذا؟ القرآن قصص ووعيد بالفوز أو الهلاك في الدنيا والآخرة، وهذا كلام مكتوب؛ أما ما نمطر به من برامج عبر القنوات الفضائية وما نبهر به من قوة للغرب بحصار من خالفهم، وضرب من عاداهم وعون وتسيير أمور من والاهم، وسحب أموال من استمتع بمصنوعاتهم، فكل هذا ملموس ومدرك في معاشنا اليومي. وهكذا لابد وأن تثور في النفس شرارة الانبهار بالفكر الغربي، ومن ثم المطالبة بالديمقراطية والحرص على حرية الإنسان وحقوقه وما إليها من شعارات لتنظيم المجتمع من خلال المؤسسات الدستورية. وبالطبع لن يكون هذا إلا على حساب الابتعاد عن الإسلام، إذ أن الديمقراطية الحقة ستؤدي إلى الخروج على الإسلام لأن الحاكم هو عقول البشر من خلال الدساتير والبرلمانات؛ وبذلك يكون الإسلام ثانوياً أو إطاراً في أحسن الأحوال، ولا يؤخذ به في كل أمور الحياة. وبالتدريج تضعف العقيدة، ويضمحل الاقتناع
بريادة الشريعة في تسيير أمور المجتمعات، ويتم الخروج عن الإسلام. وهذا ما حدث، وحسبي الله ونعم الوكيل.
هنا مفترق الطريق. فالناس قسمان: مؤمن بالله وكافر به. لقد اعتدنا على نعم الله سبحانه وتعالى لدرجة أننا لا نراها. فكثرة التماس أدت إلى فقد الإحساس. فالشمس تشرق يومياً ولا نوقن أن هذه معجزة. والأكل يهضم في أمعائنا ولا ندرك أن هذا معجزة. قال لي أحد الاقتصاديين الغربيين يوماً وأنا أحدثه عن ملاءمة الشريعة الإسلامية لأيامنا هذه: «إن الشريعة أوامر لا يمكن إثبات صلاحيتها للمجتمعات المعاصرة لأنها أتت قبل عصر التنوير، فهي صالحة للمجتمعات البدائية التي تعيش يومها من قوت بهيمتها». مشيراً بذلك إلى أن قوانينهم الغربية هي من وحي منطقهم المبني على دراساتهم واستنتاجاتهم الحالية لما فيه صلاح المجتمعات المعاصرة. قال: «نحن نبحث ونحلل ونثبت. لكل شيء سبب ، فالماء نقيس غليانه ونضبط ضغطه ونحوله من حال إلى حال وهكذا كل العلوم مبنية على المشاهدة والتجربة والبرهان». مشيراً بذلك لما يعرف في علم تطور العلوم epistemology إلى العقل الأداتي أو ما يعرف بـ insturmental reason أي إخضاع العلوم الطبيعية والإنسانية للعقل قلت له: «إن مصدر كثير من الأشياء الطاقة، ومن أهم مصادرها الشمس في تقلب الليل والنهار، فكيف تدور الأرض ومن يحركها بهذا
۲۱


۲۲ 🗏
۱
الانتظام؟». سكت وقال: «إنها تدور في فلك حول الشمس ... لحدوث انفجار عند تكون الكون». قلت: «ومن أحدثه؟ وهل قست هذا الانفجار؟». قال: «لا، ولكنها نظريات وضعت وستأتي الأيام بالإثباتات التي لا نعلمها اليوم، أو قد توضع نظريات أخرى أكثر صحة منها بإيجاد وسائل قياسية متقدمة، وهكذا يتطور العلم ونقترب من الحقائق». قلت: «إن النظرية إذا تحتمل الخطأ». قال: «نعم». قلت: «ألهذا تكثر وتتجدد نظريات العلوم الإنسانية كالاقتصاد والتنمية برغم أن البشر لم يتغيروا؟»، قال: «ومن قال أن البشر لم يتغيروا، إن الظروف في تغير مستمر، لذلك ستظهر نظريات جديدة». قلت: ولكن البشر لم يتغيروا في نزواتهم وغرائزهم، فقد كانوا يغزون بعضهم بالأسلحة، أما الآن فبالاقتصاد !»، قال: «كلا بل تغيروا، وقد يكون هذا التغير غير مقبول لك أحياناً، فإذا أخذنا مثالاً اجتماعياً متطرفاً سترفضه حتماً فبإمكان الرجل الآن الإنجاب من حيواناته المنوية عن طريق زرع رحم له وتغيير هرموناته، وهذا قد وقع مع رجل بريطاني وجدت رحم في أحشائه!». قلت: «أنت إذا تؤمن بالعلم أولاً، ثم بالله ثانياً». قال: «أجل، فالإيمان بالله يبقى في القلوب ولا يسير حياتنا، فنحن علمانيون، ولذلك نتقدم بإخضاع ما حولنا لإراداتنا». قلت: ولكن مجموع إراداتكم هو تبعاً لأهوائكم التي قد تلوث الأرض وهذا نلمسه الآن». قال: «لا، لأن منا العقلاء والحكماء الذين يسيرون المجتمعات من خلال الدساتير ويحاربون التلوث و...». قلت: «ولكن هؤلاء العلماء والحكماء هم بشر وتجربتهم محاطة بعمرهم القصير ومساحة عقولهم المحدودة». قال: وهل لديك أفضل منهم؟ ألا ترى بعينك كيف أننا نزلنا على سطح القمر وربطنا أطراف الأرض». وهكذا من قلت له: «إنك تؤمن بنظريات من نسج البشر، قد تصيب وقد تخطئ، ولا تؤمن بآيات أتى بها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً وأثبت العلم صحتها الآن مثل الإعجاز العلمي في القرآن في خلق وتكون الجنين. فإن ثبت لك صحة بعض ما في القرآن الكريم، فكله إذاً صحيح وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالتالي صحيحة». وهنا قفز وقال: «القرآن كله صحيح بالنسبة لكم يا معشر المسلمين، أما سنة رسولكم فهي ليست بالضرورة صالحة لهذا العصر، فحتى الكثير منكم لا يتقبلها الآن. ألم تقرأ ما كتب عن الإسلام مؤخراً؟ فهناك من العرب المسلمين مثل الجابري وشحرور ممن يرون ضرورة إعادة النظر في تاريخكم الإسلامي من فقه وحديث لأنه أوجد عقلاً مقلداً جامداً وغير متحرك، وهذا لا يلائم عصركم». قلت: «هؤلاء بدؤا من الفلسفة ونظروا للواقع، وأنا لا أبدأ من الفلسفة، ولكن من الواقع وقد أرى ما لم يروا». قال: «إذاً فالإسلام دين غير صالح لكل زمان ومكان كما تدعي، لأنه غير قابل للتطبيق بدليل ضعف المسلمين الآن». قلت: « ولكن الشريعة لم تطبق في كل الأزمان بعد حكم الإمام علي کرم وجهه إلا في بعض الفترات، فلم يلام الإسلام؟». قال: «لم تطبق لأنها غير قابلة للتطبيق». قلت: «بل الشريعة قابلة للتطبيق إن حاول البشر». قال: «كيف؟». قلت له: «ألم يحدث خلل في الفكر الغربي العلمي مؤخراً في منهج العقل الأداتي بعد ظهور ما يسمى بنظرية الفوضى Chaos theory؟». فأجاب: «وما علاقة هذا بأنظمة المجتمع؟». فشرحت له الآتي:
سجال حتى
الله

حتمية العلم

عندما وضع نيوتن قوانين الحركة اعتقد الكثير من العلماء بحتمية العلم، وهو أن الكون مركب من قوانين مثل قوانين الحركة. أي وكأن الكون ساعة ضخمة. فكما أن الساعة لا يمكن إلا وأن تسير بدقة من خلال قوانين


القذف بالحق
۲۳
يمكن إدراكها وحسابها والتنبؤ بها مستقبلاً، فكذلك الكون يسير بدقة من خلال قوانين سيكتشفها البشر يوماً ما. وبهذا يمكن التنبؤ بالأحداث المستقبلية كهطول الأمطار، تماماً كالتنبؤ بالوقت في الساعة. فالعالم الفرنسي لابلاس المتوفي سنة ١٨٢٧م اقتنع بإمكانية التنبؤ بمستقبل الإنسان وأفعاله إن علمنا بالحالة الراهنة لكل الكون. وسميت هذه النظرية بالحتمية العلمية Scientific Determinism . إلا أن هذه الحتمية أتتها ضربة شديدة. فقد وضع العالم الألماني هيزنبرغ Heisenberg عام ١٩٢٦م نظرية عدم التحديد أو Uncertainty Principle» والتي تنص على استحالة معرفة كل من مكان وسرعة الجسيم في آن واحد. فكلما زادت دقة معرفة مكان الجسيم كلما قلت دقة معرفة سرعته، والعكس صحيح. أي أن العلم توقف عند التنبؤ بمعرفة حركة جسيم صغير particle. فإن اهتزت مقدرة العلماء على التنبؤ بحركة هذا الجسيم نظرياً، فما بالك بالكون عملياً! هكذا تم وضع حد للحتمية العلمية وأدخلت الاحتمالات إلى معظم العلوم وقد استفاد كارل بوبر Karl Popper، والذي يعد من أهم فلاسفة القرن العشرين، من مثل هذه النظريات العلمية ووضع نظرية في التطور العلمي (وسيأتي بيانها ونقدها بإذن الله) تعتمد على أساس مهم هو أن العلم ليس بنياناً من المعارف، بل فرضيات يتم دحضها. فعند ظهور نظرية آينشتاين التي تمكنت من تفسير ظواهر لم تتمكن نظرية نيوتن من تفسيرها لاحظ كارل بوبر شيئاً مهما لم يلحظه الآخرون. فقد لاحظ أن الديانة العلمانية للعلم قبل ظهور نظرية آينشتاين تدعي السلطة الكاملة. فقد اعتقد العلماء أن العلم ذاته بنيان من المعارف ولا يتألف من افتراضات، بل نظريات مثبتة كالحقائق مثل نظرية نيوتن. ولكن بعد ظهور نظرية آينشتاين ونظريات أخرى مشابهة، احتار كبار العلماء وأيقنوا أنه لا حقائق علمية، بل فرضيات من نسج خيال البشر تفسر لهم ظواهر الطبيعة، وأن هذه الفرضيات، أو النظريات، سيأتي يوم وستنهار أمام نظريات أخرى. ولا أدل على ذلك مما حدث لعلم الكيمياء مثلاً: فقبل اختراع الماء الثقيل، إن سألت أي كيميائي تجريبي (كما يقول كارل بوبر)، عن أكثر فروع الكيمياء رسوخاً، أي أقلها تعرضاً بأن يُطاح بها أو أن تصيبها كشوفات ثورية مستجدة، ففي حكم اليقين سيقول لك: إنها كيمياء الماء. فقد استخدم الماء بالفعل في تعريف إحدى الوحدات الأساسية في الفيزياء، وهي الجرام ليشكل جزءاً من نظام السنتيمتر والجرام والثانية. واستخدم الهيدروجين والأكسجين كأسس نظرية وعملية لتحديد كل الأوزان الذرية. إلا أن هذا قد زُعزع تماماً بالاكتشاف غير المتوقع للماء الثقيل. وهكذا معظم المجالات. وهنا لابد من ذكر فيزياء الكم Quantum. فقد ظهرت فيزياء الكم لتمهد الطريق لنظرية الفوضى والتي تبلورت عام ١٩٦١م على يد عالم أرصاد يدعى إدوارد لورنز Lorenz. لقد قام هذا العالم بتغذية حاسبه الآلي ببيانات عن حركة الرياح من خلال نموذج رياضي صاغه للتنبؤ بحركة الرياح للأيام المقبلة، وذلك بافتراض وجود علاقة بين حركة الرياح في الأيام المتتالية. فكانت الفرضية بأنه إن علمنا بحركة الرياح لهذا اليوم فسنعلمه ليوم غد، ثم بنفس معلومات يوم غد نتنبأ بحركة الرياح ليوم بعد غد. وهكذا وضع هذا العالم حساباته لفترة محددة. ثم قرر بعدها دراسة جزء معين من تلك الفترة التي وضعها سابقاً. ونظراً لأن السلسلة السابقة كانت مبنية على تغذية المعلومات من حاسب آلي كانت حساباته صحيحة إلى أقرب ستة أرقام عشرية، ونظراً لأن تغذية المعلومات في المرة الثانية لدراسة جزء من السلسلة كانت مبنية في صحتها لأقرب ثلاثة أرقام عشرية لأن الطابعة التي كان يستخدمها كانت لا تطبع أكثر من ثلاث أرقام عشرية وهو تقريب طفيف)، ظهر اختلاف في الحسابات بشكل كبير في الفترات المتقدمة من السلسلة الزمنية. لقد تراكمت الاختلافات شيئاً فشيئاً لدرجة أنه لم يوجد أي تشابه بين التنبؤين، وأصبحت تعرف هذه الظاهرة بـ


٢٤ 🗏
«أثر الفراشة butterfly effect». وهي باختصار تنص على أنه إن خفقت فراشة بجناحيها في غرب الأرض فإن تأثير الهواء الذي تدفعه هذه الخفقة سيؤدي لا محالة إلى تراكمات ستتضاعف مع الزمن، ما قد يحدث أو يسهم في إحداث ظاهرة كونية كبيرة مثل إعصار في شرق الأرض ولا يمكن لعقل بشري إدراج خفق هذه الفراشة وما شابهها من ظواهر في حسابات عقله الصغير. أي أن الكون شبكة لا نهائية من الأحداث المتراكمة المتسلسلة زمانياً ومكانياً بحيث أن كل شيء في هذا الكون يؤثر في كل شيء غيره ويتأثر بكل شيء فيه. فلم يجد علماء الفيزياء أمام هذا التعقيد إلا أن يضعوا تسمية تعكس ضيق أفقهم وهي تسمية نظرية الفوضى»، وذلك لعدم تمكنهم من التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه العالم مستقبلاً . إلا أن هذا فوضى للبشر، فقد كشفت نظرية الفوضى عن الدقة العجيبة لتراكمات هذا الكون وعدم قدرة البشر للإحاطة بهذه الدقة فكما قيل: إن جهلنا كبشر يزداد مع زيادة علمنا. فقد نظر السابقون للوردة مثلاً على أنها شيء جميل وحسب، ولكن مع تقدم العلم أتى الإدراك على أنها سلسلة من الخلايا البديعة التركيب من الأكسجين والكربون والنيتروجين وعناصر أخرى نمت من خلية واحدة؛ وعندما اكتشف العلم تفاعل رائحة الوردة في الأنف في النظام العصبي ومن ثم ما يجري في الدماغ من تفاعلات ظهرت أسئلة علمية أكبر لتفتح للبشر آفاق جهلهم.
هنا سألت ذاك الاقتصادي المخطط الذي لا يؤمن بالشريعة: «إن كان هذا في علم الفيزياء، وهو أيسر إدراكاً لأنه يخضع لقوانين الطبيعة فقط (والتي وضعها الحق سبحانه وتعالى)، فما بالنا بتصرفات الأفراد والتي لا تخضع للقوانين فحسب، بل ولأهواء الناس أيضاً؟». وضربت له المثل الآتي: «ألا يمكن أن يكون هناك طفل مصاب بمرض الربو، فأتت ريح مغبرة زادت مرضه ليلاً فأخذه والده إلى المستشفى في منتصف الليل وبهذا لم يتمكن الأب الذي يعمل مدرساً من النوم فكان مرهقاً في يومه التالي؛ ثم سمع أثناء عمله بأن قراراً قد اتخذ بنقله من قريته إلى قرية أخرى، فذهب إلى المدينة على عجل للتأكد من النبأ ومحاولة تغيير القرار قبل انتهاء ساعات الدوام، فصدم في طريقه بسبب قلة نومه) سيارة رئيس البلدية في القرية. وقد كان رئيس البلدية هذا يحاول إنشاء مصنع أحذية من جلد النعام لأنه يملك مزرعة نعام ثم أتى الورثة الذين لا يملكون الخبرة والمثابرة في إدارة المزرعة وباعوها وانتقلوا إلى المدينة؛ فأتى المالك الجديد وقرر أن يتريث في إنشاء المصنع، أي أن القرية فقدت مصدر عمل لأبنائها بسبب مرض الطفل وبهذا تأثر اقتصادها. هكذا هي الحياة، أحداث متتالية لا يمكن للفرد التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيها على الأمد البعيد». ثم بعد ذلك قلت لذاك الاقتصادي: «إذا استسلم علماء الفيزياء، فما هو موقف علماء التخطيط والاجتماع والتنمية والاقتصاد والسياسة؟ لماذا لا يستسلمون؟ فإن لم يتمكن علماء الطبيعة من التنبؤ بما سيحدث مستقبلاً، فكيف يمكن لعلماء الإنسانيات التنبؤ بما قد يحدث من تطورات اقتصادية تخضع لأهواء أصحاب رؤوس الأموال والتحالفات الإستراتيجية بين الدول وارتفاع أسعار العملات وظهور المجاعات ونحو ذلك مما لا يحصى عدده من عوامل، فكيف يمكنهم وضع الخطط الاقتصادية للمستقبل مثلاً؟». ثم أضفت: «إن لم يتمكن علماء الاقتصاد من فهم مسببات حدوث الكساد الكبير سنة ۱۹۲۹م، وهذا شيء قد مضى عليه عشرات السنين، ولديهم جميع السجلات والإحصائيات لدراسته، ومع ذلك اختلفوا، فهل لهم الحق في وضع خطط اقتصادية مستقبلية؟ فهذا الاقتصادي المعروف هايك Hayek يعزو سبب ذلك الكساد إلى توافر النقد من خلال السندات وطبع النقود مع تخفيض الفوائد ما أدى لتصاعد أسعار الأسهم، وفي المقابل، هذا ملتون فردمان Friedman يعزو السبب إلى أن الدولة لم تضخ ما يكفي من الأموال، وبانهيار بنك واحد انتشر الذعر بين الناس وكان الكساد (وسيأتي بيانه بإذن


1 القذف بالحق
۲۵
الله)». وأخيراً سكت برغم أنه لم يقتنع. وهكذا تجادلنا لأزداد قناعة بأن البشر صنفان. مؤمن بإمكانية تطبيق الشريعة وكافر بها. وهذا هو مفترق الطريق في سير البشرية بغض النظر عن ألوان الناس أو لغاتهم. قال تعالى: ( وكَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ ). إلا أن هذه القناعة لا تعني الاستسلام، ولكن تدفعنا للعمل أكثر لمحاولة إقناع من لا يؤمنون بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان لعلنا ننقذ الأرض من فساد قادم، فهذا واجب علينا، قال تعالى: ﴿ُهُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ .
وماذا عن المسلم الذي لا يسلم أمره كله لله ؟ المسلم الذي لا يؤمن بإمكانية تطبيق الشريعة في أيامنا هذه إلا في بعض الأمور كالأحوال الشخصية في القصاص والزواج ونحوهما، ولا يؤمن بصلاحية الإسلام في الاقتصاد والتنمية، فهو لا يعتقد مثلاً بأن المبدأ الذي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم في إحياء الأرض دون إذن الإمام ملائم لعصرنا؟ ومثل هؤلاء كثير، وبالذات المفكرون العرب وعلى رأسهم الجابري وأركون وشحرور وغليون. فلهم ولكل أتباعهم، ولكل ساداتهم كفلاسفة الغرب الذين يؤمنون بالعقل أمثال هابارماس وكارل بوبر (وسيأتي دحضهم في فصل «المعرفة» بإذن الله)، ولكل من لا يؤمن بصلاح الشريعة لكل زمان ومكان أقدم هذا الكتاب.

( إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

)

إذا كان هذا هو مفترق الطريق لأن الناس قسمان: مؤمن بالله وصفاته وكافر بها، وبينهما أطياف مختلفة، فما علاقة الإسلام بالاقتصاد والسياسة وعلوم الاجتماع والتنمية والموارد البشرية والعمران والتخطيط ؟ إنه في العقيدة، إنه في توحيد الألوهية. إن من صفاته سبحانه وتعالى أنه السميع البصير. وهذا هو أول مفترق للطريق في العلوم الإنسانية للمسلمين عن غيرهم. هناك في قعر المحيط الهادي وعلى عمق عشرة كيلومترات بالقرب من تشيلي سمكة تحدث صوتاً وهي تستنشق الماء، والله سبحانه وتعالى يسمعها ويسمع معها في الوقت ذاته كل أسماك المحيطات، بل ويسمع نبضات القلوب لكل الكائنات. وهناك صخرة داخل كهف في كشمير وعلى إحدى حوافها طائر يقتات نملة ويحدث فك فمه صوتاً يسمعه سبحانه وتعالى، وبل يسمع كل الأمعاء الجائعة التي تبحث عن الغذاء، ويسمع أيضاً كل حركات حبات الرمل عندما تزحف في الصحاري، وكل بلورات الجبال الثلجية عندما تذوب في القطبين وأعالي الجبال. كيف يسمع سبحانه وتعالى كل هذه التداخلات من الأصوات وفي آن واحد ؟ هذا ما لا نعلمه. ولكننا نؤمن بأنه سبحانه وتعالى يسمع كل هذه الأصوات وفي هذه اللحظة سمعاً يليق بجلاله، وفي كل لحظة مضت لملايين السنين خلت، وفي كل لحظة قادمة إلى ما شاء الله. إن مجرد تصور كثرة هذه الأصوات وتداخلاتها سيخيف من يحاول جمعها في مكان واحد وفي آن واحد. حاول أخي القارئ جمع بعض هذه الأصوات في لحظة واحدة. فإن تمكنت من تخيل شيء من ذلك لأصوات ما هو موجود من حولك في منزلك فقط، فسيقشعر بدنك خوفاً، فما بالنا بالكون! وإن لم نتمكن من ذلك فعلينا أن نؤمن بأنه سبحانه وتعالى قد سمع كل هذا. وقد سمع كل ما سيقع مستقبلاً. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ، وبالطبع فإنه سبحانه وتعالى قد سمع
رئيس البلدية عندما يحاول مستقبلاً أحد الأثرياء إقناعه باتخاذ قرار موال له، وقد سمع الموظف النزيه الذي سيولد بعد مئات السنين والذي سيرفض رشوة ليقبلها زميله في مكتب مجاور، وقد تظافر أصحاب سمع رؤوس الأموال عندما يتخذون محامياً لهم في مجتمع يتمتع بالديمقراطية للمطالبة برفض قرار بناء مطار في موقع ما
لتستنتج
خوفاً من تحول نمو المدينة بعيداً عن استثماراتهم بحشد جمع من الأبحاث العلمية التي قاموا بتمويلها سلفاً ما سيدعم دعواهم. وسمع سبحانه وتعالى همس موظف في أذن تاجر عقار علم قبل غيره بأن طريقاً ما . سيفتح ليقوم هذا بشراء أراض قبل غيره بجانب الطريق المقترح في المخطط. وسمع همس السلطان في أذن وزيره بتخفيض على العملة . بعد مئات السنين.
الفائدة
هو أيضاً سبحانه وتعالى يرى ورأى كل هذا رؤية تليق بجلاله فهو رأى أمواج هذه الأصوات التي سمعها وتردداتها، ورأى القلوب الغضة حين تنبض فزعاً عند استلام رشوتها للمرة الأولى، ويرى تلك التي تبلدت من تكرار الفزع لتعودها على الرشوة، ويرى الفراغات بين الذرات المكونة لهذه القلوب التي استغلت سلطتها لمنفعتها، ورأى ما يدور بداخل أدمغتنا من تفاعلات مع عواطفنا التي تصدر عنها الأحكام. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وهذا كله على الأرض التي هي ذرة في هذا الكون، والذي رآه ويراه وسيراه سبحانه وتعالى ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وفي آن واحد. فقد سمع، تعاظمت أسماؤه، ورأى كل ما ذكرته كأمثلة قبل خلق البشر وكتبه وقدره. وهاتان صفتان فقط من صفاته سبحانه وتعالى. فما بالنا بباقي صفاته مثل الحي والقيوم والواجد والماجد والخالق والخلاق والبارئ والمصور والبديع والنور والهادي والوارث والأول والآخر والظاهر والباطن والمحصي والمبدئ والمعيد والمغيث والرازق والرزاق والحكيم والعليم والخبير. هذا هو مفترق الطريق. إن من يؤمن بقدرته سبحانه وتعالى سيؤمن بأنه عندما أنزل الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم أنزله وهو يعلم ما سيكون في زماننا هذا؛ فهو يعلم الغيب وما سيحدث للبشر، وبالطبع فهو يعلم ما سيصلح حال سكانه، أي أنه سبحانه وتعالى أحاط بمقادير الأمور كلها بما كان وما يكون وسيكون، وهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. لذلك شرع لنا ما سيصلح حالنا وحال من سيأتي من بعدنا. ولعل آية واحدة تجمع كل ما سبق. قال تعالى في سورة غافر: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. لاحظ وضوح الآية في الربط بين القضاء بالحق وصفتي السمع والبصر. ولكن ما علاقة صفتي السمع والبصر بالقضاء بالحق ؟ إنه العلم بالغيب والله أعلم. لهذا لابد لنا من وقفة مع الحديث عن الغيب.

﴿ لهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ

﴾ هل رأيت مجموعة من أوراق شجرة وهي تتهادى يميناً وشمالاً؟ فالفراغات المحيطة بكل ورقة، ومن جميع الاتجاهات، تزيد وتنقص في كل جزء من الثانية بسبب حركة الرياح ونمو الشجرة وانخفاض التربة. وسبحانه وتعالى يعلم حجم هذه الفراغات المحيطة بكل ورقة، والتي تزيد وتنقص في كل جزء من الثانية لتؤثر عليها وتشدها للأعلى وللأسفل إلى لحظة سقوطها بسبب ضعفها بعد قوتها. وهذه أوراق شجرة واحدة، فما بالك بأوراق أشجار الأرض، تصور فقط غابة الأمازون والتي بها ملايين الهكتارات، وبها بلايين بلايين الأوراق والتي ستسقط


القذف بالحق
۲۷
۱۰
بعد آلاف السنين، فلم توجد بذور أشجارها بعد؛ ولأننا نؤمن بأنه سبحانه وتعالى يرى كل هذا ويسمعه في آن واحد، فنحن نؤمن بالطبع بأنه يرى المستقبل البعيد لكل الكون وبكل تفاصيله وكأنه حاضر أمامه. تأمل قوله تعالى في سورة الأنعام بعد آية قص الحق، أي بعد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾، قال عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّلِمِينَوَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِين ﴾. تصور أخي القارئ: جميع أوراق الأشجار في الكرة الأرضية ستسقط، وقد كتب عالم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى موعد ومكان سقوطها في كتاب مبين إلى يوم الدين. فمن يعلم كل هذا، ألا يعلم من سيولد من البشر وماذا سيفعل! بلى، فهو قد علم بأن طفلاً اسمه جمال عبد الناصر سيولد بعد ملايين السنين ويجد ويجتهد ويسرق الرئاسة ليصبح رئيساً ويتخذ قرارات ذات صبغة اشتراكية ستغير الاقتصاد، وهل هو شقي أم سعيد؟ ومتى سيموت؟ وهو وحده يعلم أن ثرياً اسمه صالح أو الوليد سيفكر ملياً وهو يشاهد إحدى قنوات تلفازه أثناء فطوره ويقرر إيجاد محطة أخرى للرقص والغناء في عصر ما سماه البشر بالعولمة. وهو بالطبع يعلم ويرى ذرات الغبار التي ستكسو عظام هذا في قبره. قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾ . " وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ . ١٢ ولأنه سبحانه وتعالى يرى كل شيء في المستقبل، فهو قد علم عندما أنزل القرآن الكريم على رسوله صلى الله عليه وسلم ما سيحدث لنا في أيامنا هذه وما سيحدث لأجيالنا القادمة. لذلك لم يتركنا سبحانه وتعالى للضياع، بل وضّح لنا الطريق وهدانا إليه. ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدى ﴾؟ بل وأمرنا بالرجوع إليه في أمورنا كلها لأنه هو الذي يعلم الغيب. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلَّهُ ﴾. فتأمل هذا الربط المباشر بين علم الغيب وبين إرجاع الأمر الله العليم الحكيم.
إنه الصراط المستقيم.
۱۳

مقصوصة الحقوق وقصور العقل

قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾، ولم يقل بعضه أو جزء منه، وكلمة (كُلُّه) تدخل فيها جميع شؤون الحياة بما فيها الاقتصاد والسياسة وعلوم العمران والتنمية، وقد يسأل شخص ويقول: «ولكن أين العمران والاقتصاد مثلاً من الإسلام؟ فالإسلام صلاة وزكاة وصوم ونحو ذلك، فلم نسمع للإسلام برأي حول شبكات الري وأعمدة الكهرباء وإنشاء السدود مثلاً؟ ولم نسمع للإسلام رأياً في هويات وبطاقات الأفراد والجوازات وإشارات المرور؟ ولم نسمع عن وزارات الداخلية الضرورية لأمن البلاد؟». كما قلت، فإن أول مفترق بيننا وبين غير المسلمين فكرياً هو إيماننا بأنه سبحانه وتعالى سميع بصير، وثاني مفترق هو إيماننا بعلمه للغيب، لذلك كان ثالث مفترق الرجوع إليه في كل شيء، وهذه المفترقات ستؤدي حتماً إلى المفترق الرابع وهو اعتقاد غير المسلمين بأنهم ومن خلال عقولهم سيتمكنون من إيجاد حياة أفضل للبشر، أما نحن المسلمين فنؤمن بأن هذا لا يكون إلا بشرع الله وذلك لأن المجتمع أعقد من أن يتمكن أي عقل بشري من الإلمام به كيف ذلك؟ لنأخذ مثالاً تخطيطياً لتوضيح
هو


۲۸ 🗏
قصور العقل البشري وأن له حدوداً وأنه غير قادر على إدراك مصلحته إلا لأجل قصير يدمر من خلاله الأخرى والتي قد تكون هي الأهم.
المصالح
من البدهي أن البيئة تنمو وتتغير بواسطة الأفراد والمؤسسات؛ وعند قيام هؤلاء الأفراد والمؤسسات بالبناء أو الهدم لعناصر البيئة، أو التخطيط لها فهم يتحركون داخل أطر مجتمعاتهم من أنظمة وقوانين وأعراف والتي تحدد لهم حقوقهم: أي ما الذي يحق لهم فعله وما الذي لا يحق لهم فعله. فمثلا، قد يُواجه شخص برفض البلدية أو معارضة الجيران عند تحويل منزله إلى ورشة، ورئيس البلدية قد تقيده الموازنة المالية أو معارضة السكان من إضافة منشأة في المدينة، أو قد يفرض البرلمان أنظمة تؤثر في تخطيط المدينة، أو قد تصطدم شركة مع الدولة في تحقيق أهدافها الاستثمارية، وهكذا. لذلك، فيمكننا تصور المجتمع كحلبة لأفراد ومؤسسات حكومية أو خاصة، قد يختلفون في أهدافهم وقيمهم، وبالتالي قد يتنازعون أو يتفقون، ومن ثم يُصدرون أو تُصدر لهم القوانين والأنظمة ويسيطرون على بعضهم البعض من خلال هذه القوانين والتي تتبلور على شكل حقوق، والتي من خلالها يتمكن الأفراد من معرفة ما هو مسموح لهم ومحظور عليهم فعله، وبالتالي يكتسبون حقوقاً أو يفقدونها. فعندما يتحول شارع سكني إلى تجاري، فإن من له أرض على ذلك الشارع سيزداد حقه لأنه لم يكن له الحق بفتح محل تجاري، أما الآن فقد اكتسب حقاً جديداً، وبهذا ترتفع قيمة أرضه ويزداد ثراءً وقوة. وإن وضع قانون بتحديد الإيجارات في حي ما، فإن حقوق المستأجرين سترتفع هنالك على حساب الملاك؛ وإن اتخذ قرار تنموي ببناء سد ما، فإن من له أرض مرتفعة قبل السد فسيزداد سعرها لوصول الماء إليها، ومن له أرض منخفضة ستغرقها المياه، وقد يخضع لقرارات اللجان التي ستقيم له سعر أرضه، وهكذا نرى الحقوق تزيد وتنقص، وبالتالي ترفع الناس وتضعهم، وهذا المقصود من «منظومة الحقوق» إن كانت من صنع البشر، أي حقوق الأفراد والجماعات والمؤسسات والدول.
هو
عندها
ولعل المال هو من أهم موارد الحقوق في بيئاتنا المعاصرة التي تتغذى على الرأسمالية. كيف؟ إن المال يجلب الراحة، وهذا أمر معلوم، فمن ملك مالاً سخّر الآخرين لخدمته، كأن يجلب خادماً لخدمته في منزله، هنا زادت حقوق هذا المخدوم بأن له حقاً لأن يخدمه ذلك الخادم مقابل المال. ومن ملك عقاراً بماله ازدادت حقوقه فأصبح له حق في تلك الدار التي إن سكنها وفر ماله، وإن أجرها حصل على مال يمكنه من مقتنيات أخرى. ومن درس بماله وملك شهادة عليا زاد علمه الذي قد يأتي له بوظيفة ذات حقوق أكثر كالمسؤول الكبير الذي يقرر. وقد يُذهب المال الهموم : فبالمال يتمكن الإنسان من علاج ابنه، وهنا حصل الإنسان على حق العلاج بماله. وقد يجلب المال السعادة للبعض: فبالمال يتمكن الشاب من الزواج بمن هي أذكى وأجمل، وبالطبع فإن كل هذا بتوفيق الله عز وجل. وقد يأتي المال بالمعاصي: فبالمال يتمكن المرء من شراء الملهيات كآلات العزف والغناء، وبهذا قد يتمكن من التعدي على حقوق جاره بإزعاجه، ناهيك عن شراء المال لذمم الموظفين كما هو معلوم. أي أن المال أصبح شريان الحياة. لذلك يتدافع الناس في طلبه. وهكذا أينما نظرت تجد أن المال يأتي لك بالمزيد من الحقوق. وما هذا إلا لأن مجتمعات الإنسانية قاطبة أصبحت لا تتنفس إلا الرأسمالية.
ومن جهة أخرى، فإن الحقوق تأتي بالمال. فإن وضع في الدستور نظام يعطي الدولة الحق في استغلال ثروات البلاد للصالح العام، فإن هذا سيؤدي إلى استحداث مناصب لأفراد لتنفيذ هذا النظام بناء على أسس وقواعد تضمن الصالح العام. إلا أن هذا قد يؤدي إلى ظهور مسؤولين قد يستخدمون هذه الحقوق لصالحهم. وعندها قد
يسمح


1 القذف بالحق
۲۹
بالتنقيب عن المعادن لمن دفع مالاً أكثر، لا لمن هو أكفأ. وهكذا من أكبر مسؤول لأصغر عامل. فمن يوكل إليه شبك الماء بمرافق الدولة قد يفعل ذلك لمن دفع مالاً دونما تصريح. وهكذا من أمثلة نعيشها يومياً.
لقد استخدمت كلمة «مقصوصة» للتعبير عن منظومة الحقوق الإسلامية اقتداءً بكلمة (يَقُصُّ) من الآية الكريمة: ﴿ إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ اَلْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾، ذلك أن الحقوق في الشريعة تختلف عنها في الأنظمة الوضعية؛ فالحقوق عادة ما تتفاوت بين الجماعات والأفراد بطريقة يصعب معها أن يدرك أي عقل بشري المنظومة الحقوقية الأصلح للمجتمع كما سنرى بإذن الله، بينما الإسلام هدانا لمقصوصة عجيبة الإتقان؛ فحقوق الساكن تختلف عن حقوق المار بالطريق أو حقوق الوالي؛ وحقوق الجار تختلف عن حقوق رئيس البلدية (هذا إن وجد)، وتختلف عن حقوق المدرس والتي تختلف عن حقوق الجندي أو الحاكم، وهكذا. حتى أن كل ساكن كما سنوضح تختلف حقوقه عن حقوق جاره بحكم أسبقيته في البناء أو موقعه في الطريق؛ أي وكأن كل مجموعة من الحقوق التي تخص الفرد وتجتمع تحت تصرفه، وله مزاولتها متى شاء كلها أو بالتخير منها، هي مجموعة متماسكة من الحقوق وكأنها قطعة واحدة له بذاته وتختلف عن قطع الآخرين، فهي كالثوب الذي قطع وفُصل وجُمع بخياطته ليكسو شخصاً بعينه دون غيره، فكل إنسان له قطعه من الحقوق المخصصة له من بين مجموع قطع حقوق الآخرين في المجتمع. وكأن حقوقه مجتمعة قطعاً مقصوصة له بذاته كالثوب الذي فُصل من قطع من القماش لتنضبط في الارتداء على من فصلت له؛ فياله من تشبيه عجيب متقن. فمتى ما لبس شخص ثوب غيره ظهر الاختلاف عليه جلياً، إلا أن يكون اللابس هو في نفس حجم من لبس ثوبه. وهكذا الحقوق، فهناك تشابه بين حقوق بعض الأفراد كتشابه الأحجام وهناك اختلاف في الحقوق كاختلاف بعض الأجسام؛ ومن هنا كان الإعجاز في التشبيه الذي أراده سبحانه وتعالى من كلمة ( يَقُصُّ ) في الآية. لذلك فالأجدر بنا أن نستخدم عبارة «مقصوصة الحقوق» عند الحديث عن الحقوق في الإسلام. أما عند الحديث عن الحقوق التي وضعها البشر كتلك المنبثقة من النظم الرأسمالية أو الحقوق التي أتت بها الأديان الأخرى كالبوذية، فسأستخدم عبارة «منظومة الحقوق». ولعلك تسأل: «إن الحقوق في النظم الوضعية أيضاً كذلك فحقوق الشرطي تختلف عن حقوق المدرس، بل هي في الأنظمة الرأسمالية أكثر تفصيصاً وتفصيلاً». فأقول: «لا ، أرجو منك أن تمهلني. فهذا هو جوهر الكتاب». ولضرب مثال سريع دون تفصيل، فإن حقوق سكان حارة سكنية هي نفسها لجميع السكان في الأنظمة الرأسمالية توخياً للعدل، فللجميع الحق أو المنع من التعلي لأكثر من دورين في البناء في الأحياء السكنية من الفئة كذا أو كذا. أما في الإسلام فإن المسألة مربوطة بالأسبقية في الإحياء أولاً ثم بالضرر بالآخرين ثانياً. فمن كان الأسبق في البناء وتعلى في بنيانه كان على الآخرين احترام ما بناه لأنه حاز الضرر بالأسبقية فحقوقه ليست كمن أتى من بعده كجاره. وقد تسأل مرة أخرى وتقول: «ولكن أين العدل؟» فأقول: إن للإسلام نظرة أعمق، فمجرد وجود جهاز إداري يسيطر على ما يفعله السكان للعدل بينهم كالبلديات سيؤدي لظهور طبقة سلطوية قد تحكم بأهوائها، وفي هذا ضرر شديد، بينما الشريعة تحاول الوصول لحلول دون تسلط الآخرين، وهذه الحركية، مع حركيات أخرى كثيرة ستنتهي بالعدل المطلق دون الإضرار بمن أتوا بعد من سبق، كما سنوضح بإذن الله.
هذا
وتتجلى أي منظومة من الحقوق في عالمنا المعاصر على شكل قوانين وبرامج تنموية ونحوهما من تنظيمات، وهي بالطبع تتأثر بمذاهب المجتمعات الفكرية. ففي مجتمع رأسمالي ديمقراطي للفرد الحق في الاعتراض على رئيس

--- 30 🗏
البلدية أو المشاركة في اتخاذ قرارات تؤثر في تركيب المدينة، أما في المجتمعات الاشتراكية فليس لعموم السكان الحق في الاعتراض على عضو ما في الحزب الحاكم. وعموماً، فإن منظومات الحقوق تتغير في العالم الغربي عبر الزمن ومن خلال تجارب المجتمع، أما في الإسلام فمقصوصة الحقوق ثابتة، وقد أنزلت من الحق سبحانه وتعالى القائل:﴿ إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾. ولكن ما أهمية الحقوق في الحياة؟ لنضرب مثالاً واحداً عن الشجر وقد يكون مملاً بعض الشيء، لكنه لهذا الكتاب. فأرجو
مهم .
منك أخي القارئ أن تتأنى في استيعابه، فهو ليس مقصوراً على الشجر، ولكنه مثال واحد على ما قد يحدث لكل ثروات الأمم من نفط ومعادن وأراضي )
إذا حصل سكان قرية ما على ألف شجرة، والقرية مكونة من خمسين منزلا، فأين سيغرسها السكان ومن حق من سيكون اتخاذ القرار، وأي قرار هو الأفضل ؟ فإذا غرست في الطرق العامة للقرية فسيستفيد منها المارة، وإن غرست في حديقة والي القرية فسيستفيد منها الوالي مع أهله، وإذا وزعت على أهل القرية بالتساوي فسيكون نصیب كل منزل عشرين شجرة وسيستفيد منها عموم سكان القرية في منازلهم ويحرمون منها في طرقهم العامة. وقد يتفق السكان على توزيع الأشجار على جميع فراغات القرية من منازل وشوارع وبنسب متفاوتة إن كان هذا من حقهم، مثل أن يوافق رب كل منزل على أن يغرس عشر شجرات أو أكثر في فناء داره (فناء الدار هو الملاصقة للمنزل أو العقار في الطريق والباقي في حديقته. أو قد تكون هناك طبقات اجتماعية في القرية بناءً على نفوذها السياسي كقرب بعضهم من الحاكم أو تمكن بعضهم اقتصادياً، وبهذا يتم استحواذ عدد الأشجار بنسب تعكس نفوذ السكان (ولعل دخل الدولة والمقربين من السلطة مثال لواقع مؤلم).
المنطقة
بعضها
أخي القارئ: إن كل حل عمراني سابق أو غيره لابد وأن ينتج من منظومة حقوق مختلفة، ولابد لكل حل من إيجابيات وسلبيات، وذلك لاختلاف الناس في خلفياتهم وثقافتهم وقيمهم ومتطلباتهم وأولوياتهم وجغرافية موقعهم. فتوزيع الأشجار ابتداءً لا يكون إلا بناءً على الحقوق. فمن له الحق في أخذ ماذا؟ فإن كان القرار من حق الحاكم وكان متعسفاً فقد يستأثر بالأشجار في حديقته لتمكنه من سكان القرية كما يفعل الحكام عادة مع موارد المعادن كالنفط)، أو قد يوكل أمر توزيعها لموظف لديه، وهذا قد يتبع أهواءه في اتخاذه القرار ويضع بالقرب من حانوت تاجر أغراه (ولم يسمعهما أحد من الناس)، أو قد يكون نزيهاً فيقوم باستشارة السكان الذين قد يختلفون في متطلباتهم ويحاول التقريب والتسديد بينهم. وإن كان القرار من حق السكان (كما هو الحال في الديمقراطيات) فقد يتفقون على جمعها في حديقة عامة، أو تقسيمها حسب عدد أفراد أسرهم، أو بناء على مقدرتهم للزراعة، أو بنسب تتفاوت مع مساحات أملاكهم، هذا إن لم تكن هناك نزاعات سابقة بينهم تؤدي إلى اختلافهم لوجود ضغائن لا يراها أحد من الخلق، وهكذا. أي أن لكل حالة من الحالات السابقة مترتبات: فعندما تغرس الأشجار في الطرق العامة، فقد يطلب الوالي من أهل القرية ري هذه الأشجار؛ وهذا يتطلب مجهوداً لتحديد وتوزيع نصاب كل فرد من الري. فمن يفعل ذلك؟ أو قد يفرض على السكان ضريبة للقيام بذلك. و أما في حالة غرس الأشجار في حدائق المنازل، فإن مسألة ري الأشجار ستكون على سكان المنازل بداهة، وهو حل أقل تكلفة اقتصادية، ولكن ستبقى طرق القرية من غير أشجار . وفي حالة غرس الأشجار في أفنية الدور وحدائق المنازل فإن رب كل منزل سيقوم أيضاً بري شجره وقطف ثمره في حديقته وفنائه، وفي هذه الحالة قد لا يهتم بعض السكان


القذف بالحق
بالأشجار المغروسة في أفنيتهم ما قد يؤدي إلى جفاف بعض هذه الأشجار. أي أن القرية ستفقد بعض مواردها؛ ولكي تتجنب القرية ذلك، فقد توضع بعض الأنظمه لضبط تصرفات هؤلاء الأفراد ما سيؤدي إلى ظهور طبقة من السكان مشكلة من كبار أهل القرية، وهؤلاء ستكون لهم سلطة مميزة لضبط الأفراد (كما في دول العالم الثالث)، أي ظهور طبقة جديدة تتمتع ببعض الحقوق التي أخذت من السكان. أو ربما يحدث العكس تماما، فقد يقوم السكان بتوظيف شخص لري هذه الأشجار. وقد يكون هذا المسؤول مهملاً ما يؤدي إلى تلف الأشجار في الطرق العامة؛ وقد لا يلحظ السكان ذلك لانشغالهم بأمورهم الخاصة؛ ومن ثم قد يوكل بعضهم بعضاً لمراقبة هذا المسؤول، ويتحسن الحال ولكن بتكلفة مالية أكبر وبيروقراطية مستنهكة (كما في بعض الدول الغربية)، وهكذا. هذا المثال تقصينا مسألة الري فقط، وبالطبع فإن الأشجار أكثر من ذلك، فهناك الثمر وتوزيعه والشجر وتقليمه والتربة واستصلاحها.
وفي
في كل حالة من الحالات السابقة ستوجد مضاعفات مالية واجتماعية ووظيفية وجمالية مختلفة بناء على ما يدور في نفوس السكان وما يخططون له، وما يحبونه ويكرهونه، وما يستطيعون فعله وما لا يستطيعون، وما يعلمون نتائجه وما لا يعلمون؛ وكل هذا لا يكون إلا في حدود منظومة حقوقهم: فمثلا، قد يقوم الموظف المسؤول بسرقة وبيع بعض الثمر لأهل القرى المجاورة إن كانت له سلطة (حق) البيع من الوالي، وبهذا تتأثر القرية مالياً. أو ربما يزعم أن تكلفة ري الأشجار باهظة وعلى سكان القرية زيادة الأجر إن كانت له السلطة في الجباية، وبهذا يتم توجيه جزء من دخل القرية على السقاية. أو قد يؤدي نظام ري الأشجار في الشوارع عن طريق السكان أنفسهم إلى زيادة تعارف السكان وتقاربهم لأن عليهم أن يجتمعوا ويتفقوا على وسائل ري هذه الأشجار، وبهذا يزداد الاتصال وهذا سيوثق روابطهم الاجتماعية، ولهذا آثار إيجابية أمنية؛ إلا أنه قد يؤثر سلباً في ما ينفق من وقت في الإنتاج إن كانت القرية صناعية. وفي الوقت ذاته فقد يهمل بعض السكان


۳1 بالأشجارهم التي قد تموت إن لم يكن لأحد حق فرض الري عليهم، وبهذا تفقد القرية بعض ثرواتها.ب
بينهم
إن هذا المثال ومضاعفاته ما هو إلا مثل بسيط لعين واحدة (الشجرة) لتوضيح تشابك الأمور في أي مجتمع واستحالة معرفة الحل الأمثل والتخطيط له، فما بالنا عند التفكير في جميع أفراد وأعيان البيئة مجتمعة؟ فكل شيء في العمران يؤثر في كل شيء ويتأثر به. فأي عقل هذا الذي سيستطيع أن يرى ويسمع ما سيكون بين الناس، وبالتالي سيتوقع ما سيحدث ليضع منظومة حقوق يتم من خلالها اتخاذ القرار الأمثل. فبالإضافة للأشجار فهناك كل ما هو حولك من أعيان كشبكات الماء والكهرباء والمباني، هذا في العمران؛ أما في المجتمع، فهناك موارد الأمة من ضرائب

هامش

ب) ومن حيث منظر هذه الأشجار من الناحية الجمالية، فإن كل الوظيفية فإن للأشجار ظلالاً تجذب الناس وبالذات في المناطق توزيع سينتج عنه تأثير جمالي مختلف. ومن الطبيعي فإن آراء الناس في الصحراوية، فإن غرست في وسط المدينة فقد تجذب الأطفال الحكم على هذه الحلول ستختلف فمنهم من يفضل النظر إلى والرجال ، وإن غرست داخل المنازل فقد تثري حياة أهل الدار، فبدل الأشجار وهي مصفوفة ومنتظمة، لذلك سيفضل غرسها متقاربة أن يذهب رب المنزل إلى وسط القرية فقد يفضل البقاء في حديقة بالتساوي في جميع شوارع القرية ؛ ومنهم من يفضل تباعدها بانتظام داره للقيام بما يلزم شجره. أي أن مواقع الأشجار ستؤثر في النشاطات وقد يفضل تركيزها في سوق القرية أو شوارعها الرئيسة؛ ومنهم من المختلفة في القرية وبالذات إن كانت الزراعة هي عصب اقتصاد يعتقد أن جمال الأشجار يكمن في اختلافها في التوزيع، وأن رصها القرية، وهكذا. ولكل حالة سلبياتها وإيجابياتها، وباستطاعة القارئ بانتظام كصف من الجنود وقصها بأشكال منتظمة إهانة لطبيعتها التفكير في مضاعفات اقتصادية واجتماعية أخرى لا حصر لها قد
وجمالها. فمن حق من ستكون هذه القرارات؟ أما من الناحية تختلف عما شرحته هنا نظراً لاختلاف تجربته وتقويمه للأمور.
کے


۳۲ 🗏
ومكوس، وهناك موجوداتها من أراض ومعادن، وهناك نفقاتها من تعليم وعلاج، وهناك جغرافية المدن والقرى من جبال وغيث، وهناك الضمائر الحية من المسؤولين، وهناك الوصوليون بنفاقهم ونفقاتهم، وهناك المستقبل الأبعد بكل احتمالاته من حروب وتحالفات بين الأمم، وهناك الأحزاب الحاكمة ومعارضوها وما بينهم من تصادمات، وهناك العلم وما يقدمه من اكتشافات وتقنيات وهناك المؤسسات التجارية وما تقدمه من تسهيلات، وهناك المؤسسات الحكومية وما تقدمه من مساعدات أو تعقيدات. وهكذا من مستحدثات لا يمكن أن يحيط بها إلا الله وحده الحق السميع البصير، لأنه هو الذي عنده مفاتح الغيب ويرى المستقبل حاضراً، بل وماضياً أيضاً. ولذلك، فلا يمكن لأي عقل بشري التعامل مع هذه المتغيرات واختيار الأصلح لحالنا. وكما لاحظنا، فإن الذي أثر في توزيع الأشجار في القرية هو منظومة الحقوق. والسؤال هو: ما هي أفضل منظومة للحقوق تلائم جميع النفوس للوصول لأفضل مجتمع ممكن في شتى المجالات؟ هذا ما يحاول الغرب جاداً الوصول إليه ولكنه في تخبط سرمدي. كيف؟

سورة سبأ

قال سبحانه وتعالى في آخر سبع آيات من سورة سبأ: ﴿ قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ (48) قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ (50) وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ (51) وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ (52) وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ (53) وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ﴾. ١٦ ملحوظة: إن كنت أيها القارئ ممن لا يؤمنون بأن القرآن هو كلام الله العليم الحكيم، فبإمكانك الذهاب فوراً لآخر هذا الفصل أي إلى: «وللتلخيص»، وإن كنت من علماء الشريعة، فبإمكانك المرور سريعاً على الآتي والتركيز على ما ورد بعد العنوان التالي: أي بعد: التأويل الآخر. إن معظم التفاسير لهذه الآيات اتجهت في تأويلها على أنها آيات إخبارية لما سيحدث للمشركين في الآخرة. إلا أن هناك، كما ستلحظ ، في تفسير السلف رضوان الله عليهم توجه آخر يتسم بتحذير البشر لما سيحدث لهم في هذه الدنيا (وليس في الآخرة فقط من عذاب بسبب تكذيبهم لما نزل من الحق. إلا أن هذا التوجه الآخر لم يحظ بتفصيل المفسرين عن سبب هذا العذاب الدنيوي. وما سأحاول توضيحه في ما بقي من هذا الفصل هو التوجه الثاني والذي فيه تنبيه للبشر لما سيحدث لهم إن هم حكموا بغير ما أنزل الله فقه المعاملات). ولكن قبل ذلك، لابد من توضيح الآيات السابقة ومعاني كلماتها كما شرحها المفسرون، ثم بعد ذلك أحاول تقصي الحق في تأويل هذه الآيات السبع المهمة. ونظراً لتشابه التفاسير، سنركز على ما ذكره الطبري رحمه الله إذ يقول:
«يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قُل يا محمد لمشركي قومك ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ﴾ وهو الوحي، يقول: ينزله من السماء، فيقذفه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿عَلَّامُ الغُيُوبِ ﴾ يقول : علام ما يغيب عن الأبصار، ولا مظهر لها، وما لم يكن مما هو كائن، وذلك من صفة الرب، غير أنه رفع لمجيئه بعد الخبر ، ... ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ ﴾ يقول: قل لهم يا محمد: جاء القرآن الله. وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ يقول : وما ينشىء الباطل خلقاً؛ والباطل هو فيما فسره ووحي
أهل التأويل: إبليس ﴿وَمَا يُعِيدُ ﴾ يقول : ولا يعيده حياً بعد فنائه».
۱۷


القذف بالحق
۳۳

ويقول الطبري أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيََّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾:
«يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك : إن ضللت عن الهدى، فسلكت غير طريق الحق، فإنما ضلالي عن الصواب على نفسي، يقول: فإن ضلالي عن الهدى على نفسي ضره. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ ﴾ يقول: وإن استقمت على الحق ﴿فَبِمَا يُوحِيَ إِلَيَّ رَبِّي ﴾ ، يقول : فبوحي الله الذي يوحي إلي، وتوفيقه للاستقامة على محجة الحق وطريق الهدى . وقوله ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾، يقول: إن ربي سميع لما أقول لكم، حافظ له، وهو المجازي لي على صدقي في ذلك، وذلك مني غير بعيد، فيتعذر عليه سماع ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إليه من حبل الوريد. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قريب ﴾: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولو ترى يا محمد إذ فزعوا. واختلف أهل التأويل في المعنيين بهذه الآية، فقال بعضهم : عُني بها هؤلاء المشركون الذي وصفهم تعالى ذكره بقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُريدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُكُمْ ﴾، قال: وعني بقوله: ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانِ قَرِيبٍ ﴾ عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا».
وممن ذهب إلى أن المقصود من الأخذ من مكان قريب، بأنه عذاب الدنيا ابن عباس والضحاك. وهنا يكون السؤال: كيف يكون عذاب الدنيا؟ وفي أي ظرف سيأتي ؟ لم يأخذ معظم المفسرين بهذا التوجه، بل ذهبوا لتفاسير أخرى، وقد تكون صحيحة أيضاً، فقال ابن زيد بأنهم قتلى المشركين من أهل بدر، وأنها نزلت فيهم. وقال آخرون بأنهم جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض. وقال آخرون أيضاً: «بل عني بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من القبور»، ومنهم الحسن وقتادة وابن معقل. ثم بعد سرد الأقوال يستنتج الطبري قائلاً: «والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك، وأشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبراً عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبراً لما لم يجر له ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله ﴿ فَلَا فَوْتَ ﴾ يقول: فلا سبيل حينئذ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هرباً، وينجوا من عذابنا، كما حدثنا علي، قال ... عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ ﴾ يقول: فلا نجاة، ... وعن الضحاك ، ... قال: لا هرب. وقوله: ﴿وَأُخِذُوا مِن مَّكَانِ قَرِيبٍ ﴾ يقول: وأخذهم الله بعذابه من موضع قريب، لأنهم حيث كانوا من الله قريب لا يبعدون عنه».
وفي تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيد ﴾ يقول الطبري: «وقال هؤلاء المشركون حين عاينوا عذاب الله آمنا به، يعني: آمنا بالله وكتابه ورسوله». وهذا قول مجاهد وقتادة. واختلفت قراء الأمصار في قراءة التَّنَاوُشُ، فقرأه عامة قراء المدينة : التَّناوُشُ بغير همز ، بمعنى التناول. أما عامة قراء الكوفة والبصرة فقد قرؤوه بالهمز، أي: «التناؤش»، بمعنى : «التَّنَوَّش»، وهو الإبطاء، يقال منه: تناءشت الشيء: أخذته من بعيد، ونشته (بكسر النون): أخذته من قريب. ويقال للقوم في الحرب إذا دنا بعضهم إلى بعض بالرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم». وعن مجاهد في تأويل ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ ﴾ قال: الرد. وقال ابن زيد: «هؤلاء قتلى


٣٤ 🗏
أهل بدر من قتل منهم، ... قال : التناوش التناول، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد، وقد تركوها في الدنيا، قال: وهذا بعد الموت في الآخرة». وبعد ذكر الأقوال يستنتج الطبري قائلاً:
«والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن معنى ذلك : وقالوا آمنا بالله، في حين لا ينفعهم قيل ذلك، فقال الله: ﴿وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ ، أي وأين لهم التوبة والرجعة، أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها، وإنما وصفت ذلك الموضع بالبعيد، لأنهم قالوا ذلك في القيامة، فقال الله: أنى لهم بالتوبة المقبولة، والتوبة المقبولة إنما كانت في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيداً من الآخرة، فبأية القراءتين اللتين ذكرت قرأ القارئ ، فمصيب الصواب في ذلك».
وفي تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ يقول الطبري: «وقد كفروا بما يسألونه ربهم عند نزول العذاب بهم، ومعاينتهم إياه من الإقالة له، وذلك الإيمان بالله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاءهم به من عند الله». وعن قتادة في قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾، أي الإيمان في الدنيا. وبالنسبة لتأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدِ ﴾، يقول الطبري: «وهم اليوم يقذفون بالغيب محمداً من مكان بعيد، يعني أنهم يرجمونه وما أتاهم من كتاب الله بالظنون والأوهام، فيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم شاعر، وغير ذلك». وممن ذهب لهذا القول مجاهد. وقال قتادة: «أي يرجمون بالظن، ويقولون لا بعث ولا جنة ولا نار». وقال ابن زيد: «بالقرآن».
وبالنسبة لتأويل قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ يقول الطبري: «وحيل بين هؤلاء المشركين حين فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ حينئذ من الإيمان بما كانوا به في الدنيا قبل ذلك يكفرون ولا سبيل لهم إليه». فالتأويل هنا لقوله تعالى ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ هو الإيمان بالله كما قال الحسن، وقال مجاهد: «من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا». وقال قتادة: «كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا». وقال ابن زيد: «في الدنيا التي كانوا فيها والحياة». ويلخص الطبري سبب اختيار ما ذهب إليه من أن ما مَا يَشْتَهُونَ المقصود به العودة للدنيا من الآخرة قائلاً:
«وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لأن القوم إنما تمنوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تمنوه، وقالوا آمنا به، فقال الله : وأنى لهم تناوش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل، ذلك في الدنيا. فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ خبراً عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تمنوه أولى من أن يكون خبراً غيره. وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ﴾ ، يقول فعلنا بهؤلاء المشركين، فحلنا بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بالله عند نزول سخط ومعاينتهم بأسه كما فعلنا بأشياعهم على كفرهم بالله من قبلهم من كفار الأمم، فلم نقبل منهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما لم نقبل في مثل ذلك الوقت من ضربائهم. والأشياع: جميع شيع، وشيع : جمع شيعة، فأشياع جمع الجمع .... وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِى شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾، يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين عاينوا بأس الله ، وبين الإيمان. إِنَّهُمْ كَانُوا قبل في الدنيا فِي شَكٍّ من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه، وقد أخبرهم نبيهم أنهم إن لم ينيبوا مما هم عليه مقيمون من الكفر بالله وعبادة الأوثان أن الله مهلكهم، ومحل بهم عقوبته في عاجل الدنيا، وآجل
بهم
.


1 القذف بالحق
٣٥
الآخرة قبل نزوله بهم مريب :يقول موجب لصاحبه الذي هو به ما يـ ، من مكروه، من
قولهم: قد أراب الرجل: إذا أتى ريبة وركب فاحشة، .....

التأويل الآخـــــر

۱۹
والآن لننظر للتأويل الآخر والذي ينذر البشر بأنهم إن لم يعملوا بمقصوصة الحقوق فإن العذاب في هذه الدنيا هو مصيرهم المحتوم. إن لسورة سبا محور واضح هو أن الحياة على الأرض لا يمكن لها أن تدوم بعدل وسعادة إلا باتباع شرع الله في التعاملات بين الناس، أما في التعامل مع البيئة (سواءً كان الناس مسلمين أم لم يكونوا)، فإنهم لن يعيشوا بهناء إلا إن هم حكموا بشرع الله في كل تعاملاتهم فيما بينهم، أي فقه المعاملات. أي وكأنها سورة تخبرنا أيضاً عن شروط التنمية المستدامة، أو ما هو معروف بـ sustainability. وبرغم كراهتي لهذا التعبير لأنه قد يتضمن في معانيه إمكانية انتظام حركة الأعيان في الكون بغير قدرة وإرادة الله، إلا أنني سأستخدمه نظراً لانتشاره، راجياً من القارئ الانتباه لمضمونه. كما أرجو ملاحظة أن تعبير التلوث يقصد به في هذا الكتاب تلويث الأعيان التي على الأرض من كائنات وأرض وماء وهواء، أما الانحلال فيقصد به ما تؤول إليه العلاقات الإنسانية من ظلم وبغي وقهر واستعباد وانتشار للفاحشة. أي أن التلوث هو في الأعيان أو الماديات، والانحلال هو في الناس وقيمهم. وبذلك يكون الفساد هو مجموع كل من التلوث البيئي والانحلال الخلقي. وأخيراً، أرجو ملاحظة أنني سأركز فقط على بعض الملامح المهمة في سورة سبأ لموضوعنا وسنبدأ بآخر السورة ثم نعود لأولها.
لقد لفت نظري بحث في مجلة «الإعجاز العلمي للقرآن الكريم " للدكتور عدنان محمد فقيه، أثابه الله، عن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدِ ﴾ . فقد فسر الآية بربطها بالتنبؤ بالمستقبل البعيد والذي هو ضرب من العبث بالنسبة لقدرات الإنسان؛ مثل التنبؤ بالأحوال الجوية لأسابيع قادمة، أو التنبؤ بتقلبات الأسواق المالية، أو التحالفات السياسية. وهنا أدعوك أخي القارئ أن تتأمل عمق وجمال التعبير بالقذف بالغيب. فكلمة ﴿وَيَقْذِفُونَ لا تعني بالضرورة ما ذهب إليه المفسرون على أنه الرجم بالظنون مثل تجني المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر أو شاعر ؛ بل القذف يعني أيضاً الرمي بشيء معلوم. كمن يرمي الكرة، أو يرمي بالبندقية ليصطاد طيراً، أو يرمي بالسهم نحو هدف ما. أي أن الرمي أو القذف في الغالب تجاه هدف ما، وقد يصيب الرامي وقد يخطئ الهدف. وبالطبع كلما كانت المسافة أبعد كلما كانت إصابة الهدف أصعب. فالقذف إذاً هو رمي لما سيأتي الإخبار عنه في الجملة، مثل رمي الحصاة أو رمي السهم، وهو في الآية رمي الغيب بنص قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بالْغَيْب﴾. فكيف يكون الرمي بالغيب؟
إن قرأت آخر آيات سورة سبإ مرة أخرى ابتداءً من الآية (٤٨ ستلحظ أنها تتضمن نوعين من الرمي، أحدهما ما يقذفه الله سبحانه وتعالى، وقد وصفه العليم الحكيم بأنه الحق؛ والآخر هو ما يقذفه البشر، وقد وصفه سبحانه وتعالى بأنه الغيب. قال العليم الخبير : ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَمُ الْغُيُوب ﴾. وهنا تنبيه ضمني لنا بأنه أنه لن يتمكن أحد من القذف بالحق إلا الله سبحانه وتعالى لسبب جوهري هو علام الغيوب. والسؤال يكون عندئذ: ما المقصود بالحق هنا؟ هل هو الاعتقاد بأن الله هو الإله الواحد لا شريك له، وأن وعده الحق، والإيمان


٣٦ 🗏
بيوم
الحساب ونحوها من مسائل العقيدة؟ أم أن المعنى أقرب لتخصيص الحق على أنه ما أتت به الشريعة من حقوق للفصل بين البشر في التعاملات، وهي أيضاً من أسس العقيدة (وسنوضحه بإذن الله)؟ إن المعنى في هذه الآيات التي وردت في آخر سورة سبا قد يشير تخصيصاً ، والله أعلم إلى الحقوق بين البشر. وهذا بالطبع لا ينفي أن يشمل المعنى أيضاً أسس العقيدة الأخرى. والسبب في هذا التأويل يفرض نفسه من وجهين:
الوجه الأول هو استخدام تعبير القذف للحق بربطه بعلم الغيب كيف؟ ما الذي يستطيع البشر السيطرة عليه في الكون والتحكم فيه ؟ هل يستطيعون تغيير حركة الأرض، أو حتى تغيير درجة غليان الماء؟ بالطبع لا. فجميع نواميس الكون من خلق الله، فالبشر فقط يستطيعون تسخير الأشياء بتحويلها من حال إلى حال وتصنيعها ولكن باتباع السنن أو النواميس التي ضمنها الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته؛ وبهذا، وإن فكرت ملياً، فلن تجد منظومة يستطيع البشر السيطرة عليها ومن ثم تغييرها والتخطيط لها، أي رميها للمستقبل لأنها ليست بأيديهم ليغيروها، إلا منظومات حقوقهم. لأضرب مثالاً توضيحياً: إن قرر رئيس أو برلمان في دولة ما وضع قانون يحدد فيه أسعار تأجير المساكن لحماية السكان من جشع الملاك بسبب نقصان المعروض من المساكن، وفي الوقت ذاته قرر أيضاً تخفيض الضرائب على المستثمرين خوفاً من إعراضهم عن الاستثمار ما يؤدي لنقصان المساكن المعروضة للإيجار، عندها فلن تظهر آثار هذه الأحكام إلا بعد عشرات السنين. أي هل حلت الأحكام أزمة الإسكان أم لا؟ لاحظ أن المالك الذي حدد إيجار ملكه سيشعر بالظلم لأن حقه نقص، عندها قد يُهمل عقاره فيسوء حاله (كما حدث في مصر أيام جمال عبد الناصر (مثلاً). أي وكأن البشر وضعوا قانوناً حقوقياً ورموا به هدفاً مستقبلياً بعيداً. فهل سيصيبوا الهدف أم أنهم سيخطئوه ؟ وهكذا إن فكرت في جميع الأنظمة والقوانين تجد أنها رمي بالغيب لأن عواقبها لن تظهر إلا مستقبلاً. أي أن البشر لا يملكون على الأرض من المنظومات التي يستطيعون التحكم فيها إلا تقييد التصرفات المستقبلية لبعضهم البعض. أما غير ذلك من هطول للأمطار أو تغيير الخاصيات المواد، كتغيير درجة ذوبان معدن ما فهي أمور كونية تحكمها قوانين وضعها الله سبحانه وتعالى وتقع خارج حدود سيطرة البشر. وبهذا نستشف أن المقصود بالقذف بالغيب لابد وأن يكون منظومات الحقوق البشرية . ولأن الآيات في نفس الموضوع، فقد نستطيع الاستنتاج، والله أعلم أن المقصود بالقذف بالحق هو النقيض، أي ما شرع الله من حقوق تخصيصاً.

المبدئ المعيد

والوجه الثاني لاستنتاج أن المقصود بالحق هو حقوق التعاملات بين البشر تخصيصاً يأتي من الآية التي تليها. قال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ . إن سألت أي عالم في التنمية أو الطبيعة أو التخطيط أو ما شابه من علوم تهتم بمآسي البشر من تلوث على الكرة الأرضية قائلاً: ما هي الصفة الوحيدة والأهم لإيجاد حياة مستمرة متجددة دونما تلوث على الكرة الأرضية؟ سيجيبك قائلاً: إن كارثة البشر الحالية هي في اتباعهم حياتية ذات طابع استهلاكي مترف، وهذا أدى لتلوث البيئة بسبب ما تفرزه المصانع من ملوثات من جهة، وإهمال المسؤولين من جهة ثانية، وعدم تمكن القانون الدولي والمحلي من السيطرة على عوامل التلوث من جهة ثالثة، وهكذا سيستمر في سرد المسببات التي لا تنتهي من رابعة وخامسة. إلا أن جميع هذه المسببات تجتمع تحت مظلة


القذف بالحق
۳۷
واحدة، وهي أن البيئة عندما تنتج نفسها في كل مرة ستكون في وضع أسوأ مما كانت عليه من قبل. فهي لا تستطيع إعادة نفسها كما كانت من قبل. فالمصنع الذي يستهلك المواد الخام يفرز مخلفات ملوثة للبيئة كالغازات مثلاً. وبتراكم هذه الغازات مع غيرها من ملوثات تتكون الطبقات الجوية التي ترفع حرارة مياه المحيطات، وبهذا تختفي بعض الأحياء لعدم مقدرتها على التكيف، وبالتالي تتأثر أحياء أخرى تعيش على تلك الأحياء لتؤثر في إنتاج أحياء ثالثة، وهكذا من «دورات لا تستطيع أن تعيد نفسها بعد كل بدء» وهذا سيؤدي لتلويث الأرض. لاحظ التأكيد على عبارة: «دورات لا تستطيع أن تعيد نفسها بعد كل بدء» ففي كل لحظة تمر تتلوث البيئة أكثر لأن النظام البيئي يستطيع أن يعيد نفسه كما كان بسبب سوء تصرف البشر. والنظام البيئي الناجح هو النظام الذي يبدأ ويعيد نفسه دونما تلويث أو تغيير في النظام. وهكذا من دورات يعلمها علماء التبيؤ ecology في التغذية والتحلل والتبخر والتحول وما شابه من تغييرات بيئية. أي أن أهم معيار لتلافي التلوث هو مقدرة النظام البيئي على إعادة إنتاج نفسه، أي أنه يبدأ ويعيد نفسه كما كان في كل دورة بيئية. أي أنه يبدأ ويعيد نفسه، ثم يبدأ ويعيد نفسه، ثم يبدأ ويعيد نفسه، وهكذا للأبد. فتأمل الإعجاز في هذا التعبير في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾. وهذا ينطبق أيضاً . على الانحلال الخلقي. ففي كل لحظة سيزداد البشر فسوقاً لأنهم حكموا بأهوائهم. ألم يبيحوا زواج الرجل بالرجل؟ وإن أدركت ضرورة هذه الخاصية لاستمرار الحياة في الكون لأدركت عظمة صفة الله بأنه هو المبدئ المعيد، ولأدركت لماذا كان هذان الاسمان، أي المبدئ المعيد، من أسماء الله الحسنى؟
ومما يزيد المرء يقيناً بأن تأويل الْحَقُّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ هو مقصوصة الحقوق، هو وجود لفظ ( البَاطِلُ ) في النص، ذلك لأن السياق الذي اشتمل على تضاد الباطل مع الحق ربط الباطل بعدم المقدرة على البدء والإعادة. وبهذا يزداد المعنى قوة بأن المقصود بالباطل هو منظومة حقوق من وضع البشر لأنها عكس الحق الذي هو من وضعه سبحانه وتعالى والذي وحده فقط يستطيع أن يبدئ ويعيد. وبهذا يكون تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ : قل يا محمد لجميع البشر: إن الله ربي هو الوحيد الذي يستطيع أن يضع لكم ما يصلح حالكم من حقوق مستقبلية أزلية خالدة تفصل بينكم، فهو الذي يستطيع أن يقذفها لمستقبلكم البعيد لأنه هو فقط المحيط بما سيقع في ذلك المستقبل مهما بعد، وبسبب قدرته على علم الغيب اختار لكم ما هو أصلح لحالكم. وأن هذا الذي قذفه العليم الخبير هو الحق وليس كالباطل الذي وضعه البشر والذي سيؤدي بالضرورة للتلوث البيئي والانحلال الخلقي لأنه لن يستطيع أن يبدئ ويعيد الدورات البيئية دون تلويث والعلاقات الإنسانية دون ظلم وانحراف، لذلك فهو باطل. وقد ورد هذا المعني في سور أخرى. ففي سورة النمل مثلاً يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ . ففي هاتين الآيتين ترى الربط واضحاً بين البدء والإعادة والرزق وعلم الغيب. فكيف يأتي الرزق للبشر إن لم يكن النظام البيئي سليماً ويستطيع إعادة نفسه؟ وما يزيد هذا التأويل قوة في سورة سبا ورود كلمتي القرب والبعد مرتين بالإضافة للتعبير عن القذف بالغيب. كيف؟ ثم تستمر الآيات بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِى وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾. إن ما تفعله هذه الآيات هو التأكيد على أن الحياة في هذا الكون لن تستمر دون فساد إلا


۳۸ 🗏
باتباع شرع الله؛ فالضلال المؤدي للكوارث الدنيوية أو الضياع في الآخرة مصدره ترك العمل بالوحي. وهذا واضح من حصر الهداية بالوحي في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾، والهداية بالطبع تشمل الاهتداء للقيام بما يُصلح شأن البشر في الدنيا والآخرة. وكيف يكون الصلاح في الدنيا إن كانت تصرفات البشر ستؤدي لتلويث الأرض؟ أي أن الآية تقول لنا بأن أي تصرف بشري لا يتبع وحي الله سبحانه وتعالى سيؤدي للفساد بالضرورة. وفي هذا ضلال على النفس وجناية على مجتمعها. ويتوثق هذا المعنى من قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾. وهنا توضيح لأقوى سبب حتى يكون الوحي والذي يشتمل على مقصوصة الحقوق) ذو ملامح تمكن البشر من تلافي الفساد: ألا وهو تمتع واضع الحقوق، وهو الله العليم الحكيم، بصفتي السمع والقرب. فحتى يضع أي مشرع قانونا يمنع فيه التلوث البيئي والانحلال الخلقي لابد له من أن يكون سميعاً وقريباً جداً ممن يشرع لهم، وهذه صفة لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى. وهنا تم استخدام صفة القرب بطريقة إيجابية.
ثم يستخدم سبحانه وتعالى صفة القرب هذه ليوضح فكرة أخرى ذات نتيجة سلبية مضادة فيقول: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانِ قَرِيبٍ). أي يا محمد لو ترى ما سيحدث لهم بسبب تركهم العمل بما شرعته لهم من حقوق، فسيفزعون. والخطاب هنا موجه للرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ ﴾، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يرى ما سيأتي من فزع، فإن كان المقصود بالفزع هو فزع الآخرة، لما أتى الخطاب بصيغة وَلَوْ لأنه صلى الله عليه وسلم سيرى ما سيحدث في الآخرة. أي لأن الفزع سيحدث للبشر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ولن يراه، فهو فزع واقع في هذه الحياة الدنيا للأجيال القادمة التي لا تحكم بشرع الله. بل هذا الفزع واقع لا محالة ﴿ فَلَا فَوْتَ ﴾، فلن يفلت منه البشر بسبب اتباعهم لمنظوماتهم الحقوقية وليس لمقصوصة الحقوق. وهذا الاتباع لما وضعته عقولهم من حقوق سيؤدي لتراكم الخلل في البيئة عبر عشرات، أو حتى مئات السنين، فستتلوث البيئة وستسوء العلاقات البشرية لوضع تصعب معه الحياة على الأرض. وعندها سيؤخذون مِن مَّكَانِ قريب نتيجة لأعمالهم. وهنا نلحظ دقة التعبير في اللفظين، مكان وقريب. إن معظم عذاب الله غالباً ما يأتي من مكان بعيد، كالطير الأبابيل، أو الريح الصرصر العاتية، ولكن العذاب هنا هو عذاب بأيدي البشر بسبب تراكم سوء أعمالهم. فهو قريب جداً لهم لأنه منهم، بل هو نابع من مكانهم الذين يعيشون فيه. فدخان السجائر أصبح داخل رئـات المدخنين، والبرادات التي تطلق غاز CFCs الذي يضعف طبقة الأوزن أصبح داخل مطابخنا، والسيارات التي تطلق الغازات من عوادمها أصبحت داخل حدائقنا، والمنجم الذي يلوث أصبح مكانه داخل الحي الذي يعمل فيه عماله، والمعمل الذي يلقي نفاياته في النهر أصبح ضمن المدينة، فتأمل هذا التعبير عن الأخذ من مكان قريب، وقارنه بدقة التعبير وتضاده مع قوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾. أليسا تعبيرين دقيقين متضادين إعجازياً؟
ءَامَنَّا
ثم يأتي تعبير آخر وبنفس الطريقة الفكرية في استخدام لفظ مَّكَان بَعِيد ليتكرر مرتين وبطريقة متضادة مرة أخرى لتأكيد وتوضيح عواقب الخروج عن الحقوق التي شرعها الله بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾. إن الخطاب هنا جد مخيف. فهو في صيغة الماضي تأكيداً على أن الدمار الذي سيحدثه البشر بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله آت لا محالة، وعندما يأتي سيقتنع البشر أن ما وضعوه من منظومات للحقوق (كالأخذ بالرأسمالية) هو السبب في ما حدث من فساد، وعندها سيقتنعون بأن الحكم بما


القذف بالحق
۳۹
سكان
أنزل الله هو الطريق الحق بقولهم: ﴿وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ﴾. ولكن هيهات، فقد فات الأوان لأنهم يحاولون الحصول على شيء كان يجب أن يحصلوا عليه مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ . هنا أيضاً نجد التعبير الدقيق بمزج المكان بالبعد. كيف؟ إن للبعد أنواع كثيرة: فمنها ما هو بفعل طرف كأن يقطع الإنسان صلته بأخيه، ومنها ما هو بفعل الطرفين کدولتين متحاربتين، ومنها بعد في التجانس بين الأشياء، وهكذا من أنواع للبعد لا . حصر لها، إلا أن من أشهرها وأهمها البعد الزماني والبعد المكاني. فأيهما أكثر وقعاً وتأثيراً في إيجاد الانفصام بين قطبي الشيئين الذين يبعدان عن بعضهما؟ إن البعد الزماني ،يعني كما هو معلوم، الفارق الزمني. فقد يضع المسؤولون قانونا يجبر المزارعين برش مادة لقتل حشرة معينة. وفي هذا حكم بغير ما أنزل الله لأنه تدخل في شؤون المزارعين قهراً. ثم بعد سنين يتراجعون عنه لاكتشافهم أن لهذه الحشرة فائدة للدورة البيئية؛ وعندما يكتشفون خطأهم وتظهر مضاعفات سوء حكمهم تكون إمكانية التراجع بعيدة المنال بسبب البعد بين الزمانين. أي البعد زمنياً بين وقت اتخاذ القرار بالحكم بغير ما أنزل الله ووقت ظهور نتائج الحكم. مثال آخر هو البعد الزماني بين اتخاذ القرار بجواز الإنفاق على الإجهاض من أموال الدولة، وبين اكتشاف زيادة عدد الفتيات اللاتي يقبلن على الفاحشة لدرجة أنها أصبحت عرفاً. أما البعد المكاني فوضع ذو تأثير مضاعف بسبب التنافس بين الجماعات، ذلك أن كل جماعة لا تستطيع السيطرة على قوانين جماعات بعيدة تسكن في مناطق أخرى. فإن وضع قانون خاطئ في مكان ما، فلن يستطيع المناطق الأخرى تغييره إما لضعفهم أو لعدم إدراكهم لعواقب القانون إلا بعد ظهور التلوث والانحلال كما بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية المتباعدتين مكانياً. وإن تصورت أن سكان الكرة الأرضية عبارة عن جماعات سكانية تتسابق فيما بينها اقتصادياً لأن منظومة الحقوق العالمية (الرأسمالية) بين الدول تدفعهم لذلك، وهو وضعنا الحالي (العولمة)، وفي ظروف سياسية لا تستطيع كل جماعة فيها السيطرة على تصرفات الجماعات الأخرى التي تكون تصرفاتها ملوثة للأرض أو مفسدة للإنسان، فإن الوضع سيزداد فساداً وبالذات إن حكمت كل جماعة بمنظومة تعتقد أنها صحيحة وترفضها الجماعات الأخرى. فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً لم توقع في عهد الرئيس بوش على معاهدات منع التلوث خوفاً على اقتصادها (وسنوضحه بإذن الله). وهكذا يزداد الوضع سوءاً، وبالذات إن علمنا أن البعد المكاني قد يشمل أيضاً البعد الزماني كما وضحت سابقاً؛ فالبعد المكاني، أي اختلاف المكان، قد يعني أيضاً البعد الزماني وبالذات إن تم نعته بأنه مِن مَّكَانٍ بَعِيدِ . فقد تضع دولة ما قانوناً بتعلية مداخن مصانعها لإبعاد التلوث عن مدنها ( كما فعلت إنجلترا التي لم تمنع تلك المصانع الضارة حتى لا يتباطأ اقتصادها) فظهر سوء أثر القرار بعد عشرات السنين على الدول المجاورة كفرنسا مثلاً. هنا نرى أن الضرر قد وقع على البيئات المجاورة ولا يمكن التراجع عنه. فتأمل هذا التعبير الذي يشير بوضوح إلى استحالة التراجع عن الأحكام التي اتخذها البشر وتراكمت عواقبها المفسدة لأن الأمر خرج من أيدي الجميع. فترى التعبير الدقيق في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ ، أي أنى لهم تناول ما كانوا فيه، أي أنى لهم التراجع عن فعلهم، ليصف هذا الوضع الذي يستحيل معه التراجع وقد مر بنا توضيح معنى التناوش سابقاً).
قد
إن الذي جعلني أوقن أن المقصود بالحق في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هو مقصوصة الحقوق هو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، ففي هذه الآية توضيح لسبب استحالة التناوش، أي التراجع عما تراكم من تلوث وانحلال لأن الكفار لم يصدقوا به، أي كفروا


٤٠ 🗏
بالحق من قبل لأنهم وهذا هو المهم كانوا يقذفون بالغيب من مكان بعيد. لاحظ أن قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ أتى بصيغة الماضي، بينما قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ ﴾ أتى بصيغة المضارع ما يوضح الآية. كيف؟ إن ما يحاول علماء التنمية والتخطيط والاقتصاد والاجتماع والقانون ونحوهم من تخصصات إنسانية فعله هو الوصول لأفضل مجتمع بعد رصد التجارب الإنسانية السابقة من خلال المقترحات والتنظير ثم وضع الأنظمة والقوانين. أي أنهم يحاولون أن يتنبؤا بما يمكن أن يحدث مستقبلاً ليعالجوا خلله بعد دراسة الماضي والحاضر. ولقد رأينا سابقاً شدة الربط بين استحالة التنبؤ لما يمكن أن يحدث مستقبلاً وبين علم الغيب وبالتالي ضرورة الرجوع الله سبحانه وتعالى.
إن كلمة بِالْغَيْبِ في قول تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قد تعني قذف الكفار لما قد يصيب أو قد يخطئ في المستقبل، فقد نعى سبحانه وتعالى على الكفار رجمهم أو رميهم بالغيب من بعد، وهو تشبيه بأنهم بهذا القذف من مسافة بعيدة زمانياً أو مكانياً سيكونون أكثر انحرافاً وأبعد عن الحق. فالعلماء الذين لا يحتكمون للشريعة ويرفضونها إنما هم يقذفون من الحاضر إلى المستقبل ما قد يصيب أو قد يخطئ من نظريات. وكلما زاد البعد، وبالذات الزماني، كلما زاد الخطأ. فياله من تصوير فني رائع يجسد الشطط في قذف البشر الذي سيخطئ لا محالة. أي كلما كانت الحقوق أكثر إصداراً لأحكام تبتعد عن شرع الله كلما كانت أكثر شططاً. فعندما تمنع المجتمعات الغربية القصاص وتكتفي بسجن القاتل تزداد نسبة الإجرام مثلاً، وعندما تتبنى دولة مذهباً اشتراكياً فسيقل إنتاج أفرادها، وهكذا. فالنظريات في العلوم الإنسانية التي تناقش المستقبل وتأخذ منه موقفاً مثل إصدار الأحكام هي قذف بالغيب من مكان بعيد. فياله من تشبيه معجز للقذف الذي سيخطئ لا محالة، وبالذات أنه أتى بصيغة المضارع: ﴿وَيَقْذِفُونَ ﴾ . فهم عندما يضعون القوانين الواحد تلو الآخر وباستمرار (بصيغة المضارع) قد كفروا (بصيغة الماضي) بما نزل من الحق. فبرغم الدلالات على ظهور الفساد إلا أن البشر لا يتراجعون بل ويستمرون بالحكم بغير ما أنزل الله، أي يستمرون في القذف بالغيب. فهناك أسماء لامعة بهرت الفكر العالمي في هذا المجال تحت مظلة العلم مثل ماركس وكانت وهيغل وآدم سميث وويبر وبريتو وجون لوك وجيدنز وفوكو وها بارماس وقائمة لا تنتهي بدءاً من أرسطو إلى فوكوياما الذي تنبأ بنهاية التاريخ بالرأسمالية والنيوليبرالية. وهناك النظريات مثل الماركسية والبنيوية وما بعد البنيوية والظاهراتية والتفكيكية وما إليها من مدارس تحار في التنظير للمجتمع الذي لم تفهمه بعد. فالمدارس لم تتفق على سؤال قاعدي: هل للمجتمع بنية أم لا؟ وإن كانت هناك بنية فما الذي يحددها؟ وهل تصوغ هذه البنى تصرفات الأفراد أم أن أفعال الأفراد تشكل بنية المجتمع؟ وكيف تتغير هذه البنى الاجتماعية الاقتصادية؟ وهل البنى الاقتصادية تهيكل المجتمعات أم أن المعتقدات تؤثر في تراكيب المجتمعات من خلال تصرفات الأفراد التي تنتج الطبقات المجتمعية الاقتصادية؟ وهكذا من حيرة لمن يزعمون بأنهم مفكرون. وحيرة نابعة من تجاربهم الشخصية وملحوظاتهم المحدودة بالعمر القصير لكل فرد منهم لماض سحيق وعمق اقتصادي اجتماعي متراكم لمئات السنين من خلال كتب يقرؤونها (كتب التاريخ مثلاً) ومشاهدات يومية يرصدونها وأرقام إحصائية ينتقونها ليضعوا نظريات متضاربة لا تتفق فيما بينها (قارن مثلاً بين هابرماس وفوكو). ثم يأتي من بعدهم بعض من المسلمين ليتبعوا أولئك الغاوين الذين يرمون بالغيب. فمن رواد الماركسية البنيوية ألتوسير الذي قضى معظم سنوات عمره الأخيرة في مصح عقلي بعد أن قتل زوجته؛ أما بولانتزاس فقد .. وما هذان إلا مثلان ممن انتشرت أعمالهم ورجع إليها الكثيرون وأثرت في تفكير الأكثر من منظري المجتمعات التي تؤدي في محصلتها إلى توجيه مقصوصات الحقوق إلى الضياع. تأمل قوله تعالى في وصف هؤلاء
انتحر.


القذف بالحق
٤١
الضالين في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ . " وإن أعدت قراءة الآيات مرة أخرى مركزاً على تكرار الكلمتين قريب وبعيد» مرتين، ستلحظ التناسق اللفظي المعجز في استخدام نفس الكلمة في تعبير متضاد لتوضيح مفهوم فكري تحذيري عميق.
وأخيراً تنتهي سورة سبا بقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُريبٍ ﴾. وهنا إشارة إلى قدرة الله عز وجل في قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ ﴾، أي أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يزيل التلوث الذي أحدثه البشر، إلا أنه لن يحقق لتلك الطائفة ذلك لأن فيه تحقيق الشهواتهم (والله أعلم). ولابد من وقفة هنا مع قوله تعالى: ﴿ مَا يَشْتَهُونَ ﴾: فقد فسرت كما مر بناء على أنها اشتهاء الإيمان بالله في اليوم الآخر أو اشتهاء الكفار للعودة إلى الدنيا ليتوبوا إلا أن السياق واضح، فالكفار لن يشتهوا الإيمان بالله أو العودة للدنيا للتوبة، بل يتمنون ذلك، أي أنهم مرغمون على ذلك إن كان التأويل هو الفزع في الآخرة. إما إن كان التأويل هو الفزع في الدنيا قبل الآخرة بسبب خروجهم عن شرع الله،فعندها سيستقيم المعنى لأن الله جلت قدرته بهذا الفساد الذي حل بالبشر بسبب حكمهم بأهوائهم، حال بين الكفار وبين ما يشتهون، وما يشتهونه هو الحكم بأهوائهم، لأن في الحكم بالأهواء تلذذ للكفرة بإباحة الربا مثلاً والذي يسارع في تعجيل التنمية على حساب التلوث لأن المستثمرين لا هم لهم إلا زيادة ثرائهم لتحقيق شهواتهم بالمتعة في الحياة بالفائض من المال على حساب المعدمين، وما إلى ذلك من شهوات إنسانية. فهناك فرق بين الشهوة والأمنية. فالآية نصت على الشهوة وليس الأماني. فمن لم يحكموا بشرع الله لن يتمكنوا من تحقيق أحلامهم الفساد. أي أن الفساد حائل بينهم وبين تحقيق أحلامهم بالسيطرة على الأرض ومواردها لتسخر في خدمة شهواتهم.
بسبب
وبالنسبة لقوله تعالى: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ﴾، فهنا إشارة من قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلُ﴾ أن هذا الفساد الذي يوصل البشرية لوضع تصعب فيه الحياة على الأرض قد يتكرر أكثر من مرة حتى قيام الساعة. فهناك أممم قد أفسدت من قبل ثم أتت أخرى، وأن الله سبحانه العفو الكريم سيزيل التلوث بقدرته من الأرض بعد زوال تلك الأمم التي فسقت ولوثت، لتأتي أمم أخرى قد لا تتعظ بما حدث لمن سبقها. وهكذا حتى قيام الساعة. وما يؤكد هذا المعنى هو قوله تعالى في الآية ٤١ من سورة الروم، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ففي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إشارة إلى تكرار الفساد لأنه يأتي بعد إذاقة الناس للعذاب لعلهم يرجعون، فلا يرجعون فيظهر الفساد. وهناك تأويل آخر وهو أن هؤلاء الذين حكموا بغير شرع الله قد يتراجعون عندما يرون الفساد. ولقد بدأنا نرى التلوث الذي سينتهي بالبشرية لوضع يعود فيه الناس مرة أخرى لحياة قد تكون بدائية، أي أقل تصنيعاً من حالنا اليوم بدليل الكثير من الأدلة التي تخبرنا أن من علامات الساعة تقاتل الناس بالأسلحة التقليدية. ثم يأتي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مريب﴾، ومن هذه الآية نستيقن أن المقصود بالفزع هو فزع الدنيا بسبب الفساد، وأن المقصود بالحق إذاً هو مقصوصة الحقوق التي وضعها سبحانه وتعالى لخلقه، وذلك لأن الكفرة كانوا مرتابين ولم يكونوا موقنين. وهنا تأكيد لوصف حالهم في الدنيا، فهم في ريبة من الإسلام بأنه الدين الحق في الدنيا، أما في الآخرة فلا مجال للريبة، بل يقين بأن الإسلام الذي لم يؤمنوا به هو الدين الحق.


🗏
٤٢
أيضاً فقه
وهكذا، إن ربطت جميع هذه التأويلات ستقتنع بأن المقصود بالحق في آخر سورة سبـأ هـو المعاملات، أي مقصوصة الحقوق. وحتى تزداد قناعة انظر لأول السورة ، فهي تبدأ بعد حمد الله وأنه الذي يملك ما في السموات والأرض وأنه الحكيم الخبير، تبدأ بعلمه لما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. وكأنه سبحانه وتعالى يشترط لمن أراد أن يشرع أن يعلم بكل أجزاء الكون. قال تعالى في مطلع السورة بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ . ثم يؤكد سبحانه وتعالى أهمية علم الغيب لكل ذرة في الكون لمن أراد أن يشرع من خلال توضيح أن البشر صنفان، مؤمن بالله وكافر به بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ لَيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). وهنا شرط للإيمان بأن يوقن المرء بعلم الله سبحانه وتعالى بكل ذرات الكون وأنها في كتاب مبين وأن من آمن عليه العمل بحكم الله (كما سنوضح في الفصل القادم بإذن الله وأن له المغفرة في الآخرة بالإضافة للرزق الكريم ، وهنا أول إشارة في السورة للتنمية المستدامة، فالرزق لن يكون كريماً إذا انقطع، وسينقطع الرزق إن لم يكن دائم التجديد وفي ازدياد. أي أنه سبحانه وتعالى سيبدؤه ويعيده لتكثر المواد الخام الأولية؛ ولأن البشر يتبعون مقصوصة الحقوق وبالتالي يتفاعلون بينهم بطريقة ستزيد من الإنتاجية (كما سنوضح بإذن الله)، فستكثر المصنوعات ويزداد الخير. فالسماء لن تمطرنا بالملابس والأثاث، بل علينا أن نصنعها. وهكذا تستمر الآيات في توضيح حال الفريقين المؤمن والكافر، ولكن بطريقة تشير إلى ديمومة الخير. ولتأكيد هذا السياق تضرب لنا السورة مثالين: أحدهما حال من حكم بما أنزل الله من نعيم مقيم، وهو داود ومن بعده سليمان عليهما السلام بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرْ فِي السََّرْدِ وَاعْمَلُوا صَلِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. ثم قارن هذا التسخير الذي يسره الله لمن حكم بشرعه بما حدث لقوم سبا الذين لم يحكموا بشرع الله في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدِّلْنَهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْطِ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلِ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَزِيَ إِلَّا الْكَفُورَ﴾.

وللتلخيص

إن ما يجب علينا أن نعتقده كمسلمين هو استحالة الوصول لمجتمع نقي سليم باستخدام العقل الإنساني «في الحقوق»، وأنه لا يمكن إيجاد مجتمع منتج عزيز قوي إلا من خلال الشريعة ولا يكون ذلك إلا من خلال مقصوصة حقوق تبلور للمجتمعات ما يسوقها للسعادة والعزة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ الْغُيُوبِ﴾. فهو سبحانه وتعالى الوحيد الذي يرى المستقبل ماضياً إن أراد . وهو الوحيد المحيط بكل الغيوب لأن الغيب عنده شهادة، لذلك وصف نفسه بأنه الذي يقذف بالحق لا بالغيب. أي أنه هو وحده الذي له الحق في أن

43
يقر ويمنع ويعطي البشر الحقوق لما فيه صلاحهم من خلال مقصوصة الحقوق التي أتت بها الشريعة. أما الأفكار والفلسفات المختلفة التي وضعها المفكرون (أو بالأصح الضالون) حول إيجاد مجتمع سليم سعيد فهي تظل أوهاماً ولا مجال لتطبيقها إلا من خلال الدساتير والأنظمة والتي هي في الواقع منظوماتهم لحقوقهم، وهي رجم بالغيب من مكان بعيد، لذلك ستخطئ، كما وصفهم سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾. فتحكيم عقول البشر سيؤدي بهم إلى هلاك محتوم. فكما هو معلوم فإن الاختلاف بين البشر لا يكون إلا في الحقوق. فالاختلافات في وجهات النظر والآراء يتم امتصاصها والتغاضي عنها. أما الاختلافات في الحقوق فستؤدي إلى الاصطدام بين البشر كما في الحروب بين الأمم، أو إلى النزاع بين الأفراد كما في المحاكم، وعندها قد تحتل دولة جارتها أو قد يذهب الأفراد للمحاكم لفض النزاع. ولكن تحكيم من سيتبع ؛ وباتباع أفكار وفلسفة من؟ ففي العالم الذي لا يحكم بالإسلام، يتم اتباع أفكار ونظريات من يرجمون بالغيب من مكان بعيد، وبذلك سيكون قذفهم أكثر شططاً وسيسحبون المجتمعات إلى ضياع أكبر. وهذا المعنى ليس فقط في أواخر سورة سبأ، ولكن في مواضع أخرى من القرآن الكريم أيضاً. انظر مثلاً لتسلسل المعاني والتركيز على قوله تعالى: ﴿يَقُصُّ﴾ في سورة النمل: ﴿وَإِنََّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنََّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينِ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ . ما أروع هذه الآيات في كشف الحقيقة فهي بعد تذكير الناس بفضل الله عليهم وإنكارهم للفضل بعدم الشكر تذكرهم بأنه سبحانه وتعالى يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون من جهة، وأنه يعلم كل غائبة من الماديات من جهة أخرى، أي أنه يعلم كل شيء في السماء والأرض وأنه مكتوب عنده. ولأنه سبحانه وتعالى العليم الخبير الحكيم يعلم هاتين الغائبتين عن جميع البشر والكون، فإن القرآن الكريم بالتأكيد هو الحق لأنه يوضح مقصوصة الحقوق التي أنكرها بنو إسرائيل من قبل والتي هي هدى ورحمة للمؤمنين، وأنها لا يمكن أن تكون هدى ورحمة إلا بالقضاء بحكم الله العزيز العليم الذي يعلم كيف يفصل بين الناس، لتقول أخيراً لك أيها القارئ اذهب وتوكل على الله وتقصى الحق لأنك إن فعلت فإنك على الحق المبين. وليس كالعالم الغربي الذي يضع النظريات والفلسفات التي تبلور الحقوق ومن ثم تحكم هذه الحقوق الناس. أي أن عقل البشر هو الحاكم. أما نحن المسلمون فوجب علينا تحكيم شرع الله العليم الحكيم. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ .
وإن ركزت أخي القارئ وأنت تقرأ القرآن الكريم في كلمات الحق ستلحظ أنها تشمل في صلبها أيضاً الحكم بين الناس بما أنزل الله، أي تشتمل على مقصوصة الحقوق. فتأمل مثلاً الآية ١٨ من سورة الأنبياء. يقول جل جلاله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. فهل تشتمل كلمة

هامش

جـ) جاء في لسان العرب: «وتَقَصَّيت الأمر واسْتَقْصَيتُه واسْتَقْصى فلان في المسألة وتَقَصَّى بمعنى ... » . أي أن مستقصي ومتقصي قد تأتي بمعنى واحد. وهنا لا بد من توضيح الملحوظة الاتية: عندما تأتي مشتقات الفعل «قص» مع الحقوق فهي لابد وأن تعني البحث والرواية ونحوهما من معان فعلى سبيل المثال:«قص زيد الحق» أو «المتقصي زيد» يعنيان أن زيداً يروي أو يبحث عن الحق. أي أن هذا لا يعني مطلقاً أن زيداً يقص الحقوق ويوزعها بين البشر، فهذا تشريع، وهذا من حق الله سبحانه وتعالى وحده القائل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾ ، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ . أي أن مشتقات «قص» إن نسبت إلى الله جل جلاله فهي بالإضافة لرواية واللتوضيح تعني توزيع الحقوق؛ فلا بد من ملاحظة هذه المسألة لأهميتها (۲۲).


٤٤ 🗏

بالْحَقِّ هنا على مقصوصة الحقوق أم لا ؟

إن الآية لا تخبرنا فقط بأن الكفرة سيرون في الآخرة أن باطلهم قد دمغ، فهذا أمر مفروغ منه، ولكنها تخبرنا أيضاً عن دمغ باطلهم في الدنيا من خلال قذفه بالحق. وكيف يُقذف الحق إن لم تكن مقصوصة الحقوق هي ما يقذفه الله القوي العزيز؟ ذلك لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم تأتي معه المعجزات؛ حتى وإن أتى العذاب من الله للكفرة من خلال زلزال يضربهم مثلاً، فإنهم سينسبون ذلك العذاب لتغيرات جيولوجية كحركات الصفائح الأرضية، وقد لا يقتنعون أن هذا عذاب لهم بسبب كفرهم. ولعل في مرض نقص المناعة (الإيدز (AIDS) خير دليل على ذلك. فبرغم أنه عذاب لهم لخروجهم عن الفطرة الجنسية، إلا أنهم لا يقتنعون بذلك ولا يتوقفون عن ممارسة الشذوذ الجنسي. لذلك لابد وأن يشتمل معنى قذف الحق على الباطل ودمغه على مقصوصة الحقوق. وكذلك معظم ألفاظ الحق الأخرى في القرآن الكريم وبالذات إن اقترنت بالقص كما سيأتي في فصول قادمة بإذن الله ، ولكن لنأخذ الآن مثالاً توضيحياً : قال تعالى في الآية السابعة من السورة السابعة، أي في سورة الأعراف: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾. فقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصََّنََّ عَلَيْهِم بِعِلْم ﴾ لا تعني ذكر القصص (أي الروايات) فقط ، لأن الروايات تحتاج للذاكرة والتوثيق، وهذا علم من العلوم، ولكن إن كان المفهوم أنه سبحانه وتعالى يقص الحقوق للفصل بين الناس فهذا لا يتم إلا بعلم يفوق عقول البشر في كل الأزمان وفي كل التخصصات. ولعل ما يطمئن على هذا التوجه هو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ . فقص الحقوق لا يمكن أن يكون إلا إن كان من يقص الحق (أي الله الحق سبحانه وتعالى) دائم الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل ليعلم الغيب ويضع من الأحكام ما تلائم الحاضر والمستقبل. أي أنه ليس غائباً. لذلك وجب علينا كمسلمين أن نتقصى الحق أينما وجد، وهذا هو موضوع كتاب «قص الحق».
هو
بتصحيح
إن كتاب «قص الحق» لا يحاول أبداً إنقاذ البشر من عذاب الآخرة، وهذا ما استثمر فيه الكثير من العلماء عقائد الناس وبنهيهم عن المعاصي وحثهم على الطاعات، ولكن ما يحاول هذا الكتاب الوصول إليه هو إنقاذ البشر من الفساد القادم لا محالة إن هم حكموا بعقولهم، مؤملاً بأن هذه المحاولة لإنقاذ البشر من إفسادهم لدنياهم بأيديهم ستسحبنا جميعاً للنجاة في الدنيا والآخرة بإذن الله.
وأخيراً، ولعلك أخي القارئ إن كنت من علماء الشريعة لاحظت أن مقصوصة الحقوق هي من أساسيات توحيد الألوهية، لأن عمارة الأرض إن تمت بشرع الله فهي عبادة لأنها طاعة الله. أما من يؤمنون بأن الله خالق كل شيء، ويؤمنون بقدرته وسمعه وبصره، ولكنهم لا يحكمون شرعه فهم بطريقة أو بأخرى ينكرون توحيد الألوهية برغم إيمانهم بتوحيد الربوبية. وحتى لا يخرج هذا الكتاب عن موضوع التمكين ، فلن أخوض في هذه المسألة، بل أتركها لمن هم أهل لها من العلماء.
الله
إن ما شُرح سابقاً هو لمن آمن بالله، أما من لا يؤمن، فلن يقتنع بما سبق لأنه مرتاب في القرآن الكريم بأنه کلام عز وجل، وله أقول: إنني لم أبـن طرحي قط في هذا الكتاب على ما ورد في هذا الفصل كما ستلحظ في الفصول القادمة، ومنها الفصل القادم الذي سننظر فيه إلى جذر المشكلة بإذن الله، أي إلى العقل البشري القاصر.