انتقل إلى المحتوى

القذف بالغيب

تحذير

هذا النص ولّد باستخدام الآلة لتسهيل البحث واستعراض محتوى الكتاب وليس دقيقاً أو حرفياً
استخدم النص بحذر.

الفصل الثامن

القَذْفُ بالغَيب

شركات أم استعباد وهدر وأمراض
سيعم ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾
إن من يتدبر القرآن الكريم يجد أن هناك تحذيراً واضحاً منه سبحانه وتعالى مع التأكيد بأن البشرية إن لم تحكم بما أنزل الحق سبحانه وتعالى فإن مصيرها إلى هلاك محتوم. تدبر مثلاً قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿أمّ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ﴾ . سرعان ما تلحظ الربط بين الحق في الآية الأولى (الآية ٧٠) وبين كراهة كثير من الناس له. ثم تلحظ الربط في الآية الثانية بين أنه إن اتبع الحق أهواء هؤلاء الذين يكرهون الحق الذي أنزله العليم الحكيم فإن السموات والأرض ستفسد بمن فيها لا محالة. وهذا الاستنتاج هو من ربط الآيتين أيضاً لأن في الآية الأولى إخبار بأن أكثر الناس سيكرهون الحق، ولهذا فسيُخضعون أو سيتبعون الحق لأهوائهم، وحينئذ كما تدل الآية الثانية فإن الفساد أيضاً بدليل قوله تعالى في سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ . وهنا يظهر سؤال: إن كان الدين شعائر تعبدية فقط كالصلاة والصوم كما يقول العلمانيون مثل برهان غليون ومثله كثير) وأنه لا مكان للدين في توجيه التعاملات بين الناس فلماذا وكيف ستفسد السموات والأرض ومن فيهن لأن الفساد إنما هو نتيجة تلوثات بيئية؟ وقد تدعم السابق قائلاً بأنه قد يكون هناك بشر عابدون يصلون ويصومون إلا أنهم يلوثون كما هو حال المسلمين اليوم، وبالتدريج ستفسد الأرض ؛ وقد تؤكد هذه القناعة بالقول بأن هناك بشر لا يصلون ولا يصومون إلا أنهم قد يحافظون على البيئة دون تلويث، وبهذا فلن تتلوث الأرض ناهيك عن السموات. وفي النقيض إن كنت مؤمناً فقد تقول بأن العبادات تؤثر في السلوكيات، فمن يصلون قد لا يلوثون كمن لا يصلون لأنهم أسمى قيماً. لكن في المقابل قد ينقدك مفكر (أو بالأحرى ضال) قائلاً: إن هذا لا يعني بأن الفساد على أيدي من لا
سيعم
يصلون لأن هؤلاء يحبون الحياة وسيحاولون المحافظة على مقر حياتهم بالحفاظ على هذا المقر قدر المستطاع كما تفعل الجماعات التي تناضل من أجل حماية البيئة في الغرب. إن اقتنعنا بأي مما سبق فإن معنى الآية لن يستقيم إلا إن كان المقصود من الحق شيء آخر غير الشعائر التعبدية كالصلاة والصوم، أو غير العقائد كالإيمان بوحدانية الله جل جلاله. فما معنى الحق في الآية إذا الذي إن لم يُتبع ستفسد السموات والأرض؟
۷۱۱


۷۱۲ 🗏
كما وضحت في الفصول الأولى، فإن الحق لا يعني فقط العبادات، بل لابد وأن يعني أيضاً جميع أنواع التعاملات بين الأفراد، أي يعني مقصوصة الحقوق حتى هنا بهذا الاعتبار قد تقول بأن الآية ليست مقنعة لأن من في الغرب باستطاعتهم إيجاد قوانين من خلال الديمقراطية لحماية البيئة من التلوث، ومن ثم إيجاد آليات لضبط تطبيق القوانين، وبهذا لن تتلوث الأرض برغم أن الحق قد اتبع أهواءهم. فما معنى الآيتين في سورة المؤمنون إذاً؟
إن الديمقراطية هي أعلى ما قدمته البشرية باستخدام عقلها القاصر كما هو معلوم. والديمقراطية كما سأحاول الإثبات، طريق ذو نهاية محتومة سيسحب البشر للدمار. كيف؟ كما هو معلوم فإن الديمقراطية تختلف من موضع لآخر بمقدار الدقة والنزاهة في التطبيق. فالديمقراطية ليست فقط صناديق الاقتراع، ولكنها حرية الفرد وحرية الجماعات كالنقابات والمؤسسات كالجامعات والديمقراطية هي أيضاً استقلال القضاء وتبادل السلطة وما إلى ذلك. لذلك فهناك الكثير في العالم الإسلامي ممن يخافون من وصول الإسلاميين للسلطة لأن الشعوب الإسلامية كما يقولون لا تمتلك ثقافة الديمقراطية، وبالتالي قد يحدث كما فعل هتلر عندما وصل للحكم واستبد به. وقد وظف هذا الخوف من الحكومات في العالم الإسلامي بطريقة ماكرة لإيقاف عجلة الديمقراطية بدعم من الدول الغربية كما هو معلوم . أي أن الصراع من أجل الديمقراطية في العالم الإسلامي قد لا ينقطع بسبب انعدام بين الطرفين، أي بين السلاطين الحاليين والإسلاميين ما يؤدي إلى تخليد الاضطراب السياسي. فالإسلاميون إن كانوا بالفعل إسلاميين عليهم ألا يتخلوا عن الحكم إن هم وصلوا إليه لأن تركه لنظام حكم لا يرجع لشرع الله لهو مبدأ ضد أصل من أصول الحكم في الإسلام. إلا أن هذا ليس المهم، ولكن المهم هو أننا حتى وإن افترضنا أن الشعوب الإسلامية كانت ديمقراطية للنخاع أكثر من الأمم الأخرى، فإنها مع الدول الأخرى ستقود العالم للفساد كما يفعل الغرب الآن. فالإشكالية ليست في دقة التطبيق ولكن في النظام نفسه الذي سيؤدي للفساد لا محالة.
الثقة
كيف؟
.
إن الديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه. فهي آلية إيصال من يريده الشعب للحكم. فالديمقراطية إذاً تخدم لا محالة مصالح الأغلبية ممن يصوتون أي تخدم مصالح السكان الحاليين. ولكن ماذا عن الأجيال القادمة، فهم لا حق لهم في التصويت؟ لذلك فإن أصوات الناخبين لابد وأن تعكس مصالحهم وأهواءهم. وبذلك فإن الدمار سيلحق بمن سيأتي من البشر لأن هؤلاء المعاصرين كما أثبت لنا التاريخ البشري سيستأثرون بالخيرات لأنفسهم. فهناك علاقة رأسية تاريخية بين الأجيال من حيث الحقوق نجد أن مقصوصة الحقوق تحافظ عليها (وسيأتي بيانه بإذن الله)، بينما الديمقراطية لن تستطيع ذلك لأن هذا خلل جذري في تركيبتها كما أسلفت. فالديمقراطية لن تستطيع حماية إلا الجيل الذي يصوت الناس خلاله ويعيشون فيه لأن جميع الأنظمة والقوانين هي من وضع وإقرار من يعيشون وقت التصويت على الانتخاب أو القرار أو القانون أو النظام أو ما شابه من آليات التحكم في استهلاك خيرات الأرض. ولأن الناس عموماً يقدمون مصالحهم على مصالح من يليهم من الأجيال ولو بشيء ضئيل جداً، فلابد وأن يكون القرار في النهاية في صالح ذلك الجيل الذي صوت على القرار أو النظام. وقد تقول بأن هذا ليس بالضرورة صحيحاً لأن نشر الوعي بين الناس عن التلوث البيئي سيجعلهم يصوتون لصالح قرار يحمي الأرض من التلوث. فأجيب: إن هذا لهو حلم العصافير، كما يقال. فكما ترى فإن جماعات حماية البيئة في الغرب نجحت في نشر الوعي البيئي، إلا أن الناس عندما يصلون إلى صناديق الاقتراع سيصوتون لما فيه مصلحتهم. فإن أقدمت شركة


القذف بالغيب
۷۱۳
الكهرباء على إنشاء محطة لتوليد الطاقة في القطب الشمالي بولاية ألاسكا مثلاً مما سيلوث البيئة هنالك، فإن من يصوت على بعد آلاف الأميال على الموافقة على إنشاء المحطة في ولاية كاليفورنيا مثلاً سيصوت لصالح إنشاء المحطة إن كان في ذلك تخفيض لفاتورته للكهرباء وبالذات إن كان فقيراً. وهكذا يتراكم التلوث ولو بشيء يسير وبقبول من المصوت المستنفع. ولكنك قد تقول: انظر إلى الوعي البيئي لدى اليابانيين. فبعد الكارثة الزلزالية والتسونامي المصاحب لها في شهر مارس ۲۰۱۱م وبالتالي انفجار مجمع فوكوشيما النووي قرر الناس تخفيض استهلاك الطاقة بكل الوسائل للعيش دون هذه المفاعلات ! فأجيب: صحيح، لأن الخطر هو على هذا الجيل نفسه، أما إن رأيت
أفعالهم في صيد الحيتان والتونة بالبوارج البحرية البعيدة عن شواطئهم ودون اكتراث فستقف على ما أقصد.
أي، ولأن البيئة بالديمقراطية في كل جيل ستكون أسوأ من الجيل الذي قبله ولو بالقليل، فهي أفضل وضع لكل جيل عن الجيل الذي بعده برغم سوئه عندها سنجد أن كل جيل سيحاول قدر المستطاع امتصاص الخيرات للرغد قدر ما يستطيع، فيكيف نفسه مع معطياته التي ورثها ممن سبق ، وفي هذا التكييف التقني تكييف نفسي يبرر فيه الجيل لنفسه استغلال الخيرات مقارنة بمن سبق وهكذا تدور عجلة التدمير البيئي من جيل لآخر ولو باليسير جداً حتى يأتي وعد الله. تدبر قوله تعالى الذي شرحناه في فصل «القذف بالحق»: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَكَانِ قَرِيبٍ وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدِ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي
شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ .
.
والآن لاحظ التسلسل الآتي للآيات. لننظر أولاً إلى قوله تعالى في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلَّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَبٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ ﴾ . إن المقصود من قوله: ﴿منهما هو كتاب موسى عليه السلام وكتاب محمد صلى الله عليه وسلم كما وضحت كتب التفسير إذ أن المشركين قالوا لو أن محمداً، أو ليت محمداً صلى الله عليه وسلم أوتي كتاباً كاملاً كما أوتي موسى عليه السلام. فيذكرهم سبحانه وتعالى بأنهم كفروا بالاثنين لما جاءهم الحق. والمهم لنا هنا هو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾، يعني أن من لم يتبع هدى الله إنما هو في ضلال بلا جدال. أي أن المناهج التي يتبعها البشر مهما تعددت فإنما هي نهجان فقط من المنظور الإسلامي: ما أنزله الله، وما هو من نسج البشر. وبهذا فكل ما لم ينزله الله فهو ضلال بالتأكيد ومنها الديمقراطية. فواضعوا الديمقراطية يظنون» أنهم على الحق. إلا أنهم ليسوا على الحق من المنظور الإسلامي. تدبر قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . وكذلك قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلم إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. فالآيتان وغيرهما كثير تشيران إلى أن كل ما هو منتج حقوقي بشري إنما هو من «الظن» وليس بالحق. تدبر قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ . ألا ينادي أكثر الناس بالديمقراطية؟ إن القرآن الكريم يزخر بالآيات التي تشير بطريقة أو بأخرى إلى أن عدم اتباع الحق سيؤدي إلى الهلاك (والحق لا


٧١٤ 🗏
يكون حقاً إلا إن أتى من عند الله العليم الحكيم جل جلاله). قال تعالى في سورة النمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أَوَلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾، تلحظ أن الآيتين تشيران إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة قد زينت لهم أعمالهم أليسوا كذلك؟ فهم يتباهون بإنجازات الحداثة التي تقدس العقل، فهؤلاء لهم سوء العذاب، وهذا في هذه الدنيا وليس في الآخرة فقط، لأن الآية الثانية تعطف على سوء العذاب الخسران في الآخرة، أي أن لدينا عذابين عذاب دنيوي وآخر أخروي. فكيف يكون العذاب الدنيوي إن لم يكن من خلال التلوث البيئي والانحلال الخلقي الذي يأتي بالفساد من خلال تراكم أفعال البشر التي اتبعت الأهواء؟ فالعذاب الذي كان يأتي لمن يكذب الأنبياء قد انقطع والله أعلم، لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
أي أن الشريعة تحاول توضيح خطورة ترك الحكم بما أنزل الله لأنه سيؤدي لحكم الناس لأنفسهم في أفضل الأحوال (الديمقراطية)، وإلى الدكتاتورية المقيتة في أسوأ الأحوال. وفي أفضل الأحوال، أي في حالة الديمقراطية الحقة، فإن حكم الناس لأنفسهم مهما كان حكيماً ورشيداً سيكون باتباع الأهواء لصالح أنفسهم، وهذه بذرة الفساد لأنها قذف بالغيب كما مر بنا في فصل «القذف بالحق». وهناك آيات أخرى تشير إلى آليات حدوث هذا الفساد، أي تؤكد أن الحكم بغير ما أنزل الله سيؤدي للفساد لا محالة لأنه اتباع للأهواء وقذف بالغيب بالضرورة. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. ألا تصف هاتان الآيتان حال العالم الغربي؟ ألا تصف أيضاً حال هؤلاء العلمانيين الذين تعجبك أقوالهم الرنانة الطنانة بأنهم دعاة سلم وحب خير للجميع وأن همهم هو الحفاظ على البيئة ؟ بل هم أحياناً يُشهدون الجميع بأن قلوبهم عامرة بالإيمان بالله، فالإيمان بالنسبة لهم ليس بالضرورة تطبيق القرآن الكريم أو السنة المطهرة، بل الحكم التنويري باتباع الحداثة والعقلانية بديمقراطيتها ورأسماليتها برغم أن بعضهم يصلون ويصومون. هنا تجد أن الآيات تصف حال مثل هذا الشخص بأنه إن هو تولى سيفسد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل بالضرورة». والسؤال هو: كيف سيكون إهلاك الحرث والنسل بالضرورة » إن لم يكن بالتخريب المباشر الذي لا يقوم بها العقلاء وهم السواد الأعظم؟ الإجابة على هذا السؤال هي المفتاح لفهم هذه القضية. أي أن الحكم بغير ما أنزل الله، ومنها الديمقراطية، للفساد بالضرورة. ولكن قبل الإجابة لابد من بعض التوضيحات. وسنبدأ بما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ . قال الطبري رحمه الله موضحاً:
فقال
والسعي في كلام العرب العمل، يقال منه فلان يسعى على أهله، يعني به يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى وسعى لكندة . سعي . غير مواكل قيس فضر عدوها وبنى لها، يعني بذلك عمل لهم في المكارم. واختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق، بعضهم: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق وإخافته السبيل كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شريق. وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء المسلمين .... وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي وذلك أن العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض .... القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. اختلف أهل التأويل في وجه إهلاك هذا المنافق الذي وصفه الله بما وصفه به من صفة إهلاك الحرث والنسل، فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقا لزرع قوم من المسلمين وعقرا الحمرهم. حدثني بذلك موسى بن هارون


القذف بالغيب
قال: ثني عمرو بن حماد قال : ثنا أسباط عن السدي. وقال آخرون بما حدثنا به أبو كريب قال: ثنا عثام قال : ثنا النضر بن عربي عن مجاهد: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ الآية، قال إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد . وأما الحرث فإنه الزرع، والنسل العقب والولد وإهلاكه الزرع إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مجاهد باحتباس القطر من أجل معصيته ربه وسعيه بالإفساد في الأرض. وقد يحتمل أن يكون كان بقتله القوام به والمتعاهدين له حتى فسد فهلك. وكذلك جائز في معنى إهلاكه النسل أن يكون كان بقتله أمهاته أو آبائه التي منها يكون النسل، فيكون في قتله الآباء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائز أن يكون كما قال مجاهد، غير أن ذلك وإن كان تحتمله الآية فالذي هو أولى بظاهرها ما قاله السدي، غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية إنما نزلت في قتله حمر القوم من المسلمين وإحراقه زرعاً لهم، وذلك وإن كان جائزاً أن يكون كذلك فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه، والمراد بها كل من سلك سبيله في قتل كل ما قتل من الحيوان الذي لا يحل قتله بحال، والذي يحل قتله في بعض الأحوال إذا قتله بغير حق، بل ذلك كذلك عندي لأن الله تبارك وتعالى لم يخصص من ذلك شيئاً دون شيء، بل عمه، و ، وبالذي قلنا في عموم ذلك قال جماعة من أهل التأويل .... حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن بن جريج قال: قلت لعطاء: ويهلك الحرث والنسل، قال: الحرث الزرع، والنسل من الناس والأنعام، قال: يقتل نسل الناس والأنعام».
٧١٥
تلحظ من السابق أن الآية بالطبع ليست مقصورة في وصف من نزلت فيه، أي في الأخنس بن شريق، ولكنها سنة الله في جميع خلقه كما هو واضح من تأويل القرطبي أيضاً. وتلحظ أيضاً من التأويلين (وغيرهما) أن السعي يعني السعي على العيال، أي العمل في نفعهم، وأن الحرث أيضاً يعني كسب المال وجمعه، كما أن الحرث يعني الزرع، والنسل يعني العقب والولد بالإضافة لمعان أخرى. إلا أن القرآن الكريم كما هو معلوم دستور لنا في جميع الأزمان، لذلك فلابد لنا من فهمه لإطارنا الزمني الحالي. لهذا، فإن التأويل الآتي لا يتعارض بالطبع ما ذكره الطبري أو القرطبي أو غيرهما من المفسرين، ولكنه تأويل توضيحي لآلية ظهور الفساد بحكم العقل من خلال التمكين في عصرنا الحالي، كيف؟

هامش

ب) جاء في تفسير القرطبي: «وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى الْأَرْضِ لِيُفْسِدُ فِيهَا﴾ في هلك يهلك مثل ركن يركن وأبي يـأبـي وسلى يسلى وقلي يقلى وشبهه، قيل تولى وسعى من فعل القلب، فيجيء تولى والمعنى في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، قاله الطبرى، بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه، وسعى أي سعى بحيلته وإرادته قال غيره : ولكنها صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل عمله الدوائر على الاسلام وأهله، عن ابن جريج وغيره. وقيل هما فعل استوجب تلك اللعنة والعقوبة. قال بعض العلماء إن من يقتل حماراً أو الشخص، فيجيء تولى بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد، وسعى أي يحرق كدساً استوجب الملامة ولحقه الشين إلى يوم القيامة. وقال بقدميه فقطع الطريق وأفسدها ، عن ابن عباس وغيره، وكلا السعيين مجاهد المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك فساد. يقال سعى الرجل يسعى سعياً، أي عدا ، وكذلك إذا عمل الحرث والنسل. وقيل الحرث النساء، والنسل الأولاد، وهذا لأن النفاق وكسب، وفلان يسعى على عياله: أي يعمل في نفعهم قوله تعالى يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، قال معناه ﴿وَيُهْلِكَ﴾، ويهلك عطف على ليفسد ، وفي قراءة أبى: (وليهلك)، الزجاج، والسعى في الأرض المشي بسرعة، وهذه عبارة عن إيقاع وقرأ الحسن وقتادة ويهلك)، بالرفع، وفي رفعه أقوال يكون معطوفاً الفتنة والتضريب بين الناس والله أعلم، وفي الحديث: (إن الناس إذا على يعجبك. وقال أبو حاتم هو معطوف على سعى لأن معناه يسعى رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من ويهلك، وقال أبو إسحاق: وهو يهلك، وروى عن ابن كثير : ويهلك عنده). وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ بفتح الياء وضم الكاف. الحرث والنسل مرفوعان بيهلك، وهي قراءة ، الحرث في اللغة الشق، ومنه المحراث لما يشق به الأرض، الحسن وبن أبي إسحاق وأبى حيوة وابن محيصن . ورواه عبد الوارث والحرث كسب المال وجمعه، ...» (۲). عن أبي عمرو، وقرأ قوم : ( ويهلك) بفتح الياء واللام، ورفع الحرث لغة


٧١٦ 🗏

الخطاب القرآني والمجتمعات

للإجابة لابد وأن ننظر أولاً لأنواع المجتمعات المحتملة من حيث تطبيق الشريعة: إن أي مجتمع إما أن يكون مجتمعاً مسلماً يحكم بالشرع أو أن يكون مجتمعاً غير مسلم ولا يحكم بالشرع، فبالنسبة لنا المسلمين فإنه لا ثالث لهذين. وبالنسبة للأفراد فهناك مسلم وغير مسلم يعيش في إحدى المجتمعين. أي أن لدينا أربعة احتمالات قد يجد فيها الفرد نفسه (۱) مسلم يعيش في نظام إسلامي، (۲ أو كافر يعيش في نظام إسلامي، ٣) أو مسلم يعيش في نظام غير إسلامي، ٤) أو كافر يعيش في نظام غير إسلامي، أي يعيش في نظام من نسج عقول البشر. هذا بالنسبة لعموم الناس. أما بالنسبة للسلاطين فالوضع مختلف برغم التشابه، فهناك حالتان خامسة وسادسة: ٥) حاكم مسلم يحرص على تطبيق الشرع في إطار نظام حكم إسلامي كعمر بن عبد العزيز رحمه الله، ٦) وسلطان فاسق يحكم المسلمين ولا يكترث لتطبيق الشريعة أو حتى يحاول تغييرها لتلائم مصالحه كمعظم السلاطين والرؤساء الحاليين. أي أن هذه هي الحالات التي يجد فيها الإنسان نفسه. فيندر أن تجد مسلماً يحكم غير المسلمين (الحالة السابعة)، فقد يصل مسلم من خلال الانتخابات في دولة كافرة لسدة الحكم، أو قد يسلم بعد الوصول للحكم. ويندر أيضاً أن تجد كافراً يحكم المسلمين وهم راضون عنه، فهم سيحاولون إقصاءه (الحالة الثامنة).
أي أن الاحتمالات هي ستة. والآن سأمر سريعاً على هذه الاحتمالات دون تفصيل، إذ أن معظمها ليس الهدف لهذا الفصل: إن نظرنا للشريعة نجد أن لها توجيهاً واضحاً حيال «بعض الاحتمالات الستة. والسؤال هو: لماذا لم يأت الخطاب واضحاً لجميع الاحتمالات الستة، بل لبعضها؛ للإجابة لنستعرض الاحتمالات: إن الآيات التي تخاطب من هم في الاحتمال الأول، أي المسلمين عموماً آيات كثيرة وغالباً ما تبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ ، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى ...﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْل أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وآيات أخرى كثيرة.ج
كأخذ
وبالنسبة للاحتمال الثاني وهو وضع غير المسلم في مجتمع مسلم، فالشريعة كما هو معلوم وضعت أحكاماً لهم الجزية منهم. ولا نريد هنا الخوض في هذا الاحتمال إذ أن الخطاب الشرعي فيه واضح للمسلمين في طريقة التعامل، وكما مر بنا وباختصار فإن الشريعة تحث المسلمين على عدم الإساءة لهم مطلقاً، بل حسن

هامش

جـ) الآتي هو بعض الآيات من سورة البقرة أيضاً، وبالطبع فهناك آيات أخرى في باقي السور: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ، وقوله ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِاآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾تعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرَّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَأَكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ .....﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴾


القذف بالغيب
۷۱۷
معاملتهم، فهم أهل ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحثنا على عدم هضم حقوقهم لعلهم يسلمون فيزداد عدد الموحدين الله جل جلاله الواحد الأحد، وبذلك يزداد المسلمون قوة بضم خبراتهم ومهاراتهم ورؤوس أموالهم لحوزة المسلمين، حتى أن لهم نصيباً من الزكاة كما هو معلوم، فهم من المؤلفة قلوبهم من بين الأصناف الثمانية. والاحتمال الثالث، وهو وضع المسلم الذي يعيش بين غير المسلمين، فللشريعة أيضاً توجيه واضح فيه وهو الكراهه، أو حتى عدم الجواز في أقوال معظم فقهاء السلف وذلك لأن المسلم لا يعيش تحت حكم إسلامي ولأن المسلم التارك لوطنه للاستقرار بين غير المسلمين إن تمكن من حفظ دينه فلن يستطيع ذلك أبناؤه أو بالتأكيد فإن أحفاده سيذوبون في الغالب في تلك المجتمعات. وبالطبع فإن في عدم جواز الاستيطان في بلاد الكفر تقوية لشوكة المسلمين لأن فيه منع الخروج طاقات ومهارات المسلمين للاستفادة منها. فالمهاجرون المسلمون الذين يعيشون في الغرب الآن مثلاً هم من أكفأ الطاقات المسلمة. فبرغم اضطرارهم للهجرة خوفا على أنفسهم من السلاطين الذين يبطشون، أو سعياً لحياة أفضل، وهذا هو الشائع، فإن هذه الظروف هي بسبب عدم تطبيق الشريعة. فإن طبقت الشريعة لما تمكن السلاطين من هذا البطش، ولما ظهر الفقر والجهل الذي يدفع الكثير للهجرة. والشريعة لم تطبق إلا لأن السلاطين تمكنوا من استحواذ الخيرات وتسخيرها للبطش لأنهم ملكوا الجنود الذين يأخذون العطاءات، لأن العمل العسكري أصبح وظيفة كما وضحت سابقاً. ولعلك تسأل: ولكن الشريعة لم تطبق، فماذا يفعل هؤلاء الفارون من أوطانهم؟ فأجيب: لنسأل الله عز وجل أن يعذرهم لما هم فيه لعدم تطبيق الشريعة، أما إن طبقت فهذا لن يحدث. إلا أن هذا لا يعني إيجاد فقه خاص بهم، أي فقه الأقليات أو فقه المغتربين كما يقال، لأن في هذا تعزيز لغربة الإسلام وذلك بتطويع الشريعة لوضع خاطئ أصلاً. تذكر مثال الإيدز أخي القارئ. أي أن هذا الاحتمال لن تجد له خطاباً في الشريعة إلا بالمنع منه. وبالطبع هنا سيكون لك سؤال جد وجيه عن حال فتاة كافرة تعيش في الغرب ثم أسلمت لأنها تعرفت على شاب مسلم عرفها على الإسلام فحسن إسلامها ثم تركته لأنه لم يكن بذات الالتزام، فماذا عليها أن تفعل وهي بين أهلها الكفرة؟ (وقد سمعت عن هذا كثيراً) فهل عليها الهجرة وهي فتاة لديار المسلمين ولا قريب لها ؟ أم هل عليها المكوث مع أهلها وبالذات في أيامنا هذه التي إن هاجرت لساءت معاملتها في ديار المسلمين ولاستغلت أيما استغلال؟ بالطبع، فهناك الكثير مثل هذه الحالات الشاذة التي هي بحاجة
لفتاوى الفقهاء.
أما بالنسبة للاحتمال الرابع أي للكفرة عموماً وبالذات الذين يعيشون في نظام غير إسلامي، أي كفرة فيما بينهم، فإن الخطاب القرآني يتهددهم ويتوعدهم إن لم يسلموا، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. ويجادلهم بمنطق كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِِكَ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. ويجادلهم بمنطق علمي كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ويحاول الخطاب القرآني إقناعهم بالرجوع للحق كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ


۷۱۸ 🗏
الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، ويفضح نواياهم كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، وقوله تعالى في المنافقين: ﴿إن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرحُونَ﴾. والآيات في هذا الخطاب كثيرة جداً سواء في الكتاب أو في السنة. وهنا ملحوظة وهي أن الخطاب في هذا الاحتمال ليس بالضرورة لكفرة يعيشون في دولة أخرى مجاورة أو بعيدة عن المسلمين، بل قد يكونون جماعة تعيش بين جماعات من المسلمين في جيوب محددة كالمنافقين، فالآيات التي تخاطب الطرفين أيضاً من خلال الرسول صلى الله عليه وسلم معروفة كقوله تعالى في سورتي التوبة والتحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وبالنسبة للسلاطين (أي للاحتمالين الخامس والسادس) فإن الخطاب الشرعي أيضاً كان واضحاً بالإصرار على السلاطين للحكم بما أنزل الله ، وأن فعل غير ذلك كفر بواح كما مر بنا في الفصول السابقة، كما في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بالْعَيْنِ والأنفَ بالأنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وهنا أريدك أخي القارئ أن تتأمل الآيات السابقة وأي آيات أخرى ورد فيها التوجيه بالحكم بما أنزل الله ستلحظ أن الخطاب فيها ليس موجهاً للحاكم فقط، بل للجماعة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾»، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ ﴾ . فمن الواضح أن الخطاب ليس موجهاً للسلطان، بل للجماعة حاكمهم ومحكومهم (وستأتي أهمية هذا في فصلي الفصل والوصل» و «الموافقات» بإذن الله).
بقي لنا احتمال أخير لم أذكره ضمن الاحتمالات الستة، وهو وضع جماعة منافقة تعيش بين المسلمين. فلهؤلاء خطاب خاص بهم. فنجد أن القرآن الكريم يفضحهم كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ أَوَلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وو


القذف بالغيب
۷۱۹
وبهذا يصبح مجموع الخطابات المحتملة سبعة، إلا أن الشريعة تركز على ثلاثة منها أكثر من غيرها، فما هي ولماذا تفعل الشريعة ذلك؟ إن الإجابة تأتي من خلال التوضيح الآتي، ولعله سيكون أكثر وضوحاً في فصل «الأماكن» بإذن الله، وهو أن التقسيم السابق للاحتمالات الستة الأولى هو تقسيم منبثق من واقعنا المعاصر، أما في عهد السلف فلم يكن التقسيم إلى ستة أقسام. بل كان تقسيماً مختلفاً لأن الخطاب القرآني أتى لتقسيمة من إرادة الله جل جلاله، فظهر التقسيم الذي أرادته مقصوصة الحقوق لفترة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بدء في التغير مع حكم الخلفاء رضي الله عنهم، ثم تغير كثيراً مع الحكم الأموي ومن تلاهم من النظم الحـاكمـة ليقترب من الاحتمالات الستة المعاصرة والله أعلم. فطائفة المنافقين مثلاً كانوا ممن خاطبهم القرآن الكريم بشدة ولفت الأنظار ذلك تجد أن ذكرهم بدأ يتلاشى في كتب التراث بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس بذات كما كان في عهده صلى الله عليه وسلم برغم أن عدد المنافقين كان يزداد جيلاً بعد جيل، وبرغم زيادة مشاكلهم ليصل إلى ذروته في عصرنا الحاضر. أليسوا هم الحكام في معظم الأحوال حالياً؟ أليسوا هم من قتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سابقاً؟
إليهم، ومع الزخم
أي أننا سنحاول الآن الإجابة على السؤال: لماذا لم يأت الخطاب شاملاً للاحتمالات الستة؟ ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم الخلفاء لم يكن التقسيم كهذا نظراً لعدم تبلور وجود الدول القومية ذات الحدود. فهذا التبلور مظهر من مظاهر المجتمعات التي تبنت الحداثة من خلال دولة القانون وسيادته. ففي الحداثة لا أهمية للدين، ولكن الأهمية هي للفرد وحقوقه بغض النظر عن معتقداته. وبمثل هذه المبادئ ظهرت الدول القومية ذات الحدود البينية والتي تُعتبر الهيكل البنائي الأهم للنظام السياسي الاقتصادي الدولي المعاصر من خلال مؤسسات تقبلتها جميع المجتمعات كالقبول بالأمم المتحدة وبالإكراه أحياناً، ومن خلال أدوات مثل الجوازات ومناهج التعليم التي تختلف من بلد لآخر ونحوهما. فمع ظهور الدول ذات الحدود البينية ظهرت الاحتمالات الستة، لذلك وضعت التقسيم السابق لتلك الاحتمالات ولعل الأصح ، إن استثنينا المنافقين، هو أنها احتمالات خمسة لأنه يندر أن تجد حاكماً ربانياً الآن يحكم المسلمين. ولعلك تتعجب من تقسيمي هذا لأنه وكأنه تقبل لتقسيم معاصر ثم قراءة الشرع من خلاله. وهذا منهج خاطئ. أجيب: بالطبع إنه منهج خاطئ، ولكنني لجأت إليه لتبسيط الأفكار في هذه المرحلة من الكتاب فكما ستستنتج بإذن الله من باقي الكتاب فإن الله سبحانه وتعالى الحق الودود اللطيف المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد يريد لهذه البشرية أن تعيش بسعادة ورغد ودون فساد في الأرض، وهذا لن يحدث إلا باتباع الشريعة كما سترى بإذن الله. والشريعة لن تتبع إلا إن اقتنع بها البشر، والبشر لن يقتنعوا إلا إن رؤوا محاسن الشريعة واقتنعوا أنها الحق الذي يجب أن يتبع، وهذا لن يحدث إلا إن تمكن الناس من المقارنة بين الحق والباطل، وحينئذ سينتشر الحق والحق لن ينتشر ويعم الأرض إلا بعد صراع مع الباطل، والصراع لن يحسم إلا من خلال الأفراد الذين يقتحمون حلبات الصراع جهاداً في سبيل الله، فيتم تمحيصهم. تأمل الآيات الآتية لترى إصرار الشريعة على تمحيص النفوس من خلال تحركات الأفراد لمجاهدة الباطل. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرُ عَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في سورة آل عمران أيضاً : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ


۷۲۰ 🗏
وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ﴾ . وقال في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وقال في سورة التوبة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ . وللتذكير فقط بما مر بنا في الفصل السابق عن أن الجهاد عبادة وليس وظيفة، وأن فيه تمحيص للنفوس، تأمل قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا
لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. أي لإيجاد السعادة للبشرية ودون فساد لابد من وجود حلبات للصراع بين الحق والباطل فتظهر محاسن الحق فينتشر من خلال المقارنة. وحلبة الصراع لا تعني الاقتنال بل تعني أيضاً إظهار الحجة ضد الكفرة والمنافقين بالذات. ألم يُسلم السحرة من قوم فرعون عندما هزمهم موسى بعصاه يوم الزينة؟ فيوم الزينة كان حلبة الصراع. قال تعالى في سورة طه واصفاً قول فرعون: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ . أَلم يفرض الغلام على الملك جمع الناس، فاغتاظ الملك من ظهور الحق فحرق المؤمنين في الأخدود؟ قال تعالى في سورة البروج واصفاً: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾». ألم يصف الحق سبحانه وتعالى يوم بدر بيوم الفرقان في آية الغنائم في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وكذلك الإقناع بالحوار من خلال الاستدلال بالنتائج الإحصائية العلمية للتطبيقات الشرعية وما شابه، فهو من حلبات الصراع. ومثل هذه الحلبات لن توجد إلا من خلال تركيبة اقتصادية سياسية للمجتمعات من نتاج الخطاب القرآني، عندها سينتشر الحق. أي أن الشريعة تريد حياة على الأرض يتمكن فيها كل من أراد إظهار الحق من القيام بذلك، أي أنها تريد تجهيز المكان حتى يشتد ويتبلور الصراع، فيتم تمحيص الناس، فتقام الحجة على من لم يتبعوا الحق، وتتاح الفرصة لمن أرادوا نصر الحق ومجاهدة الباطل. وهذا ما يحاول متبعوا الأهواء التخلص منه. فهم حاولوا ويحاولون وسيحاولون دائماً إيجاد تركيبات سياسية اقتصادية للمجتمعات لا تسمح لهذا الصراع بالظهور، بل فقط ظهور مجتمعات سلطوية هرمية التركيب محكومة بأوامر البشر، أو بالأصح بالأهواء تحت مسميات القانون والنظام (تذكر تسمية الأسماء). أي أنهم يحاولون إيجاد مجتمعات تضيق فرص ظهور الصراع. ولضرب مثال واحد: فقد لبس الباطل ثوب الحق: فأنت وبرغم أنك ترى المنكر، كالبنوك الربوية التي هي في كل مكان، والتي لن يستطيع أي عالم إباحة نشاطاتها لأن تحريمها ساطع بيّن في الشريعة، ومع كل هذا فإنك لن تستطيع الإنكار. فإن حاولت مجابهتها فلن تستطيع إلا من خلال عدم التعامل معها برغم أن مرتبك الشهري يرسل إليها، وتذهب إليها وأنت مطأطئ الرأس لتأخذ مالك. وبالطبع لن تستطيع استخدام القوة لأن الفقهاء لا يريدونك أن تخرج على السلطان لأن عليك السمع والطاعة للسلطان الذي أذن للبنوك بالعمل، فكل ما إذاً الكراهة بقلبك دون إحداث أي تغيير على أرض الواقع لأن النظام الموضوع لا يتيح لك ذلك. فلا حلبة للصراع. فكيف يتم تمحيص الناس من مواقفهم تجاه الباطل إذاً؟ أي أن مواطن الصراع بين الحق والباطل قـد
تفعله
هو


القذف بالغيب
انعدمت
.
۷۲۱
. وما هكذا أراد الإسلام للساحة أن تكون بل من مراجعة الخطاب القرآني وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم كما ستستنتج من فصلي «الأماكن» و «الحكم» بإذن الله ، فإن الشريعة تحاول إيجاد حلبات الصراع هذه لينتشر الحق، وهذا لن يحدث إلا من خلال إيجاد مجتمعات مسلمة تعيش كجماعات متقاربة، وكل جماعة تجاور أو بداخل جماعات أخرى وذات استقلالية اقتصادية تامة، وذات استقلالية سياسية إلى حد كبير، تمكن هذه الجماعات من التحرك في الأرض والانطلاق في تسخير مواردها لما فيه عزهم ورفاههم والجهاد بطريقة وكأن الكرة الأرضية فتحت لهم لينشروا الحق بالدعوة سلماً أو حتى بالقوة أحياناً. أما في وضعنا المعاصر فإن المجتمعات الحديثة قد أغلقت المنافذ حتى لا تتحرك الجماعات المسلمة، بل حتى تمنع من التكوين ابتداءً. فالكل خاضع لسلطان الدولة
العلماني الذي لا يعترف بالإسلام كمرجعية برغم إدعاء بعض هذه الدول بأنها دول إسلامية من الطراز الأول.
أي أن المفترض بالأمة المسلمة أن تتكون من مجتمعات صغيرة مسلمة مستقلة (وسيأتي إثبات ذلك بإذن الله في فصل «الأماكن ») ، وكلما صغرت هذه المجتمعات وزادت استقلاليتها كلما زادت سرعة حركتها حتى تصل إلى الفرد المحرر من كل القيود. ولعلك إن كنت علمانياً هنا تستنكر وتقول متعجباً: كيف يكون الفرد محرراً من كل القيود وهو مقيد في قيمه، فهو مثلاً لا يحق له أن يزني ويسكر؟ فأجيب: إنني أتحدث عن حقوق التمكين. فإن كان السكر والزنى وما يقرب إليهما من أفعال مثل النظر إلى النساء من المحرمات في الإسلام، وفي هذا بالطبع تضييق على نزوات الرجال (كما يرى البعض)، فإن هذا لا يعني التقييد في التمكين. فمثل هذه القيود السلوكية هي التي تجعل الناس ينفرون من الإسلام، فعموم الناس يعتقدون أن الإسلام دين يقيد الأفراد. وهذا غير صحيح على مستوى التمكين. فالإسلام في حقوق التمكين يطلقهم كما سترى بإذن الله، ولكن فقط لأنه يمنع الرجال من السكر والزنى ويأمر النساء بالحجاب، فإنهم يرفضونه بالكلية لأنه يقطع دابر أهوائهم. ولكن بالإمكان قلب المسألة، فكل نظرة لامرأة بحرية هي اختراق لحقوق الآخرين. فأنت عندما تنظر لامرأة أخرى، فهي إما أخت أو ابنة لرجل آخر. وفي هذا تعد على حقوق الآخرين. ولعلك تقول : وماذا إن رضي الطرف الآخر: أي أن من الرجال من لا يمانع نظر الآخرين لزوجته، بل وحتى لا يمانع مضاجعتها؟ أقول: سيأتي بيان أن هذا لا يؤدي للفساد الخلقي فحسب، بل وحتى للتلوث البيئي لأنه باختصار: إن هؤلاء الذين لا يغارون على محارمهم ذوو نفسيات ستؤدي للإفساد في الأرض بتلويثه مادياً كما سترى بإذن الله «إن كان الحكم بغير ما أنزل الله». لاحظ أنني وضعت «إن» الشرطية (وسيأتي بيانه بعد عدة فقرات بإذن الله).
نعود للموضوع: قلت أن المفترض بالأمة المسلمة أن تتكون من مجتمعات صغيرة مسلمة مستقلة، وبهذا تزداد سرعة حركتها. وليس المقصود هنا بالحركة بالطبع الانتقال من مكان لآخر، بل الانتقال من حال إلى حال أفضل إيماناً وإنتاجاً وقوة وعزة ورفاهية. وإن تطلب هذا الانتقال الارتحال مكانياً فإن هذا سيحدث كما سترى في فصل «ابن السبيل» بإذن الله . ولا يعني هذا أبداً أن هذه المجتمعات الصغيرة ستكون ضعيفة بحيث يسهل أكل الأمة المسلمة لأنها أمة مكونة من مجتمعات مفتتة يسهل التغلب عليها كلا، بل هذا يعني أن مكونات الأمة الأكبر هي . جماعات صغيرة قوية ذات شوكة بحيث أن الكل سيكون في مجموعه ولأنه مشكل من أجزاء قوية) أقوى من أقوى كل. وما ذلك إلا لأن الأجزاء هي مجتمعات موحدة ونضرة وعاملة ومنتجة وذات إيمان لا تشوبه البدع والخرافات والاتكاليات، لأن كل جماعة مكونة أصلاً من أفراد متمكنين ذوي همم وكفاءات ومقدرات عالية بسبب


۷۲۲ 🗏
فتح الشريعة لأبواب التمكين لهم، ولأن قائدهم. هو عالم رباني يؤمهم في مسجدهم على الأغلب، وأنه لم يصل هذا الإمام لهذه القيادة إلا لأنه أهل لها لعلمه وورعه وتقواه كما سترى بإذن الله . فإن كانت الأجزاء سليمة وقوية وعزيزة فإن الكل سيكون أسلم وأقوى وأعز لأن المجموع ليس حصيلة جمع الأجزاء فحسب، بل أكثر بكثير كما سيأتي بإذن الله، وهذا ليس كحال دولنا اليوم ذات الحدود البينية وذات الأجزاء شبه المشلولة، بل والمريضة التي لا حول لها ولا قوة، فكان الكل أشد مرضاً من الأجزاء برغم بريق نياشين حكامها الأغبياء في قصورهم الفارهة. أي باختصار، فإن الشريعة تتعامل مع الأفراد على الأرض وكأنهم أمم تتكون من الاحتمالات الثلاثة فقط حتى تظهر حلبات الصراع بين الحق والباطل وهذه الاحتمالات هي: (۱) جماعات مسلمة، (۲) وجماعات كافرة، ٣) وجماعات منافقة تعيش بين المسلمين، وبهذا فإن الجماعتين الأخيرتين، أي الكافرة المستقلة والمنافقة التي تعيش بين المسلمين، ستذوبا في الجماعة المسلمة أو تُستأصلا، أو تضطر الكافرة العيش بكفرها ولكن مع دفع الجزية، وهذه الأخيرة ستأتي عليها الأجيال اللاحقة وتجابهها حتى تسلم وبالتدريج سيكون الحاكم في جميع الأحوال هو شرع الله إن طبقت الشريعة. أما إن لم تطبق، فلن يحدث هذا بالطبع.
ولكن ماذا عن الاحتمالات الباقية من السبعة، فأين ذهب خطابها؟ لنمر عليها سريعاً: بالنسبة للمسلم الذي يعيش بين غير المسلمين فقد تم منعه لهذا فلا حاجة لمخاطبته، وبالنسبة للكافر الذي يعيش بين المسلمين فقد وضحت الشريعة أحكام التعامل معه وهو مشمول في مخاطبته مع الكفرة كجماعة. وبالنسبة للحكام، فإن القرآن الكريم يخاطبهم وكأنهم أفراد. لذلك ترى والله أعلم، أن الخطاب القرآني يخاطب إما الجماعة وإما الفرد باستمرار، ولا يخاطب السلطان إلا فيما ندر لأنه فرد كأي فرد. فخطاب الجماعة كالآيات التي تبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ...﴾، وقوله تعالى في سورة الروم: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ﴾ ، وقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَنِتِينَ وَالْقَنِتَتِ ....﴾ وأما بالنسبة لخطاب الأفراد فهو كقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾، وقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. ولعلك هنا تقول: ولكن القرآن الكريم يخاطب السلطان باستمرار، فمعظم الخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو حاكم للمسلمين، والخطاب الموجه له هو بالطبع خطاب لمن يقومون مقامه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وهم السلاطين؟ ولعلك تؤكد أن الأمثلة على ذلك كثيرة مثل الآيتين السابقتين أو تلك التي تحوي كلمة وقُل كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُل الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلْتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، فماذا عن هذه الآيات


القذف بالغيب
۷۲۳
كخطاب؟ فأجيب: لعلك لاحظت أن الآيات الموجه الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم هي آيات في صلب العقيدة أو الأحكام. فهذه الآيات هي التي تضع مقصوصة الحقوق. وهذه متى ما وضعت لن تتغير أبد الدهر. أي لن يستطيع أي سلطان تغييرها، فلا حاجة لمخاطبته. أما بالنسبة للجماعة المنافقة والتي قد لا تنقرض أبداً حتى قيام الساعة، بل تزداد عندما لا تحكم الشريعة، فهي برغم نفاقها وكثرتها إلا أنها ستحتكم لشرع الله رغماً عنها لأن الحق هو الظاهر لأن المؤمنين هم ذوي اليد العليا دائما كما سترى بإذن الله إن طبقت الشريعة وظهرت حلبات الصراع، وعندها فلن تفسد الأرض برغم وجود المنافقين لأنهم مرغمون للامتثال لشرع الله.
ومن جهة أخرى، فكما ستلحظ بإذن الله من طريقة الخطاب ( هل هو للجماعة أو للفرد أو للسلطان) فإن الخطاب في تكليفاته لهذه الفئات تجانساً متناغماً . سيوجد بينهم حتى لا تصطدم مصالح هذه الفئات فتثقل حركتهم الإنتاجية في المجتمع. ولأهمية هذه المسألة فسيأتي بيانها مفصلة في فصول قادمة بإذن الله. ولكن لغرض الاستمرار في هذا الفصل أقول : متى ما خاطب الشرع السلطان أو السلطات تجده يخاطبه بصيغة لا تعطيه الحق في التصرف في أفعال الناس أو حتى التأثير عليها، بل فقط على السلطان تطبيق الشريعة التي تركز على إطلاق مبادرات الأفراد (كما سترى بإذن الله) فالسلطان لا يحكم الناس، بل ينتظر الناس الذين يطبقون الشرع بأنفسهم ليأتوا إليه إن اختلفوا ليحكم القاضي بينهم وسيأتي بإذن الله تفصيل هذا في فصل «الحكم»). فالآيات التي في سورة المائدة التي تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم أو من يقوم مقامه من السلاطين أو الحكومات، لا تقول للسلطان (احكمهم) بل تقول له: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاخَذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ﴾ ، وقوله تعالى في سورة النور: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وهكذا. والآن، وبهذه الخلفية نستطيع العودة لتأويل الآية التي بدأنا بها الفصل، أي لقوله تعالى:
له الله
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾
هو
لقد توقفت مع هذه الآية لعدة أسابيع أتدبرها، إذ أن الملفت فيها هو أنها تخاطب الفرد، بينما الفساد نتيجة حتمية لتراكم أفعال الجماعات وليس بالضرورة الفرد. لماذا؟ لاحظ أن هناك ترتيباً للأحداث يبدأ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا﴾ التي تشترط أن التولي هو السعي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾، أي أن أي تول، أي أن أي حركة أو عمل من هذا الذي يشهد الله جل جلاله على ما في قلبه ولا يحكم بالشريعة ما هو في الواقع إلا سعي سيؤدي للفساد. أكرر مرة أخرى هذه النقطة لأهميتها وهي أن أي تول إنما هو سعي، ، فهذا مفتاح لفهم الآية، لماذا؟
«<


٧٢٤ 🗏
إن ما أزعمه هو أن أي حركة للإنسان هي تول عن الشرع إن كانت في مجتمع لا يحكم بما أنزل الله، وإن كانت في مجتمع يحكم بما أنزل الله فهي «توكل» يؤجر عليه إن نوى العبد ذلك وكان مسلماً، والله أعلم. فإن تحرك الإنسان أي حركة سواء لكسب رزقه أو للهو فإن لم يكن في مجتمع يحكم بالشرع فهو تول سيؤدي للفساد. حتى وإن زار الإنسان صديقه فإنه تول. وليس المقصود هنا بأن الفاعل سيؤثم عليه، معاذ الله أن أقول هذا، ولكنه تراكم سيؤدي
للفساد لأنه تول. أما إن كان العمل لكسب الثواب وباتباع الشرع في مجتمع يحكم بالشرع فإنه توكل على الله . وللتوضيح أقول: إن المهم في حركات الأفراد ليس الفعل ذاته، ولكن المظلة المجتمعية التي يتحرك فيها الإنسان سواء كان مسلماً أو كافراً. هذه نقطة مهمة لا تنساها أخي القارئ. وهنا أريدك أن تتذكر ما قلته سابقاً من أن الاحتمالات سبعة، وأن الخطاب الشرعي يركز على ثلاثة منها: فإن تحرك المسلم في مجتمع يحكم بالشرع فإن فعله توكل بإذن الله ولن يؤدي للفساد كما سترى بإذن الله، وهذه هي الجماعة الأولى. وإن تحرك الكافر في مجتمع يحكم بالشريعة فإن حركته لن تؤدي للفساد أيضاً، وهذا هو الاحتمال الثاني، وهذا يشبه حركة المنافق. أما إن تحرك المسلم في مجتمع لا يحكم بشرع الله فإن حركته ستؤدي للفساد برغم أن المتحرك مسلم (وهذا ما حاولت الشريعة رفضه، وهو الاحتمال الثالث)، وإن تحرك الكافر في مجتمع كافر فإن حركته ستؤدي أيضاً للفساد بطريقة مضاعفة بالتأكيد، وهذه هي الجماعة الثانية أو الاحتمال الرابع. كيف؟
هناك آيات أخرى تؤكد نفس المعنى، أي تؤكد أن التولي عن الشرع هو إفساد في الأرض، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، لاحظ أن الخطاب للجماعة غير المسلمة، ومتى ما كان الخطاب للجماعة فهو يعني أيضاً أن هذه الجماعة ذات استقلالية سياسية واقتصادية عن المسلمين لأنها تستطيع المجاهرة بالتولي كالمجتمعات المعاصرة التي تحكم بالديمقراطية والتي آلت فيها العلاقات الأسرية مثلاً للتفكك بسبب اتباع الأفراد لنزواتهم من خلال التولي عن شرع الله . تأمل قوله تعالى في سورة محمد: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ، وهناك أمثلة أخرى سنأتي عليها بإذن الله). وبالطبع فإن المتولي ليس بمسلم، أما المتوكل فهو المؤمن. وليس المقصود من السابق أن كل تول يعني الإفساد دائماً. فهو يعني الإفساد إن كان تولياً عن شرع الله، وهذا لا يحدث إلا من غير المسلم أو المنافق وبالذات في نظام مجتمعي لا يحكم بشرع الله، أي أن أي فعل من غير المسلم هو تول مفض للإفساد بالضرورة إن كانت الجماعة هي الجماعة الثانية. أما إن كان التولي من كافر أو منافق ولكنه يعيش في مجتمع يحكم بشرع الله، فإن الفعل قد لا يؤدي للفساد. كيف؟
قبل الإجابة لابد من بعض التوضيح عن التولي: لقد أتت مشتقات «تول» من الجذر «ولي» في آيات عدة في إطار لا يعني الفساد لأنه ليس تول عن الشرع ولكنه بمعنى الإعراض أو الترك أو الذهاب كقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظَّلَّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ ، كما أن هذا لا يعني التولي بمعنى الاحتضان والمساندة كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِييَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ ﴾ . إلا أن الأعم في القرآن الكريم هو أن التولي إفساد إن كان تـول عن الشرع أو


۷۲۵
القذف بالغيب
كان من كافر لأنه لا يؤمن بالشرع، كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ، وآيات أخرى كثيرة.
أي أن الناس صنفان من منظور التمكين كما وضحت سابقاً. مؤمن أو كافر، وكذلك أفعالهم، متوكلة على الله جل جلاله، أو متولية عن الشرع. فجُل تحركات غير المسلمين ستؤدي للإفساد لا محالة كما تنص الآيات كقوله تعالى في سورة النحل: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾، فَالآية تقول بأن الذين كفروا سيذوقون عذاباً فوق العذاب لأنهم كانوا يفسدون، والخطاب هنا «للجماعة». وبالطبع كما وضحت الآيات الأخرى فإن هذا الإفساد بسبب التولي الذي لا يتبع شرع الله. وكذلك قوله تعالى في سورة ص: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. فَالآية تقسم الناس إلى قسمين قسم مؤمن وبالتالي سيعمل الصالحات ولن يفسد في الأرض وهم المتقون، وقسم هـو المفسد في الأرض وهم الفجار. وكذا قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ، فالآية تؤكد أن كل من لا يؤمن فهو لابد وأن يكون مفسداً. وبالطبع فإن هذا الذي لا يؤمن لن يستطيع القيام بأفعال تخالف الشرع إلا في مجتمع لا يحكم بشرع الله. أما بالنسبة لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى بِآيَتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإيْهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، فإن في الآية تبيان أن هؤلاء الذين كذبوا بما بعث به موسى عليه السلام، أي ظلموا بها ، فإن عاقبتهم كانت وخيمة لأنهم كانوا من المفسدين، وذلك لأنه إن طال الزمان بمثل هؤلاء وعاشوا فستفسد الأرض على أيديهم لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله جل جلاله. لذلك كان لابد من استئصالهم. وأخيراً تدبر قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . أي أن الآية تقسم الناس كباقي الآيات، من يعبدون الله ومن لا يعبدون الله، وأن هؤلاء الذين لا يعبدون الله سيفسدون في الأرض لا محالة. وبالطبع فإن الإفساد لن يأتي بترك الصلاة أو الصوم، ولكن بتصرفات ستؤدي لإفساد الأرض كالتلويث. كيف؟ إن التفسير السابق بالطبع لن يقنع أي علماني ولن يكترث له، فهو بالنسبة له كلام غير علمي، وهذا لن يؤثر على الطرح الآتي: ركز أخي القارئ أن الخطابات السابقة المفضية للفساد للجماعة، وفي هذه الآية في سورة البقرة، أي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ فإن الخطاب هو للفرد. لماذا؟ قلت أن أي تول هو سعي، وأن أي سعي هو بالضرورة إفساد إن لم يكن في إطار الشرع. للتوضيح أقول: (تذكر ما قلناه سابقاً بأن الفساد هو مجموع كل من التلوث البيئي والانحلال الخلقي). من الطبعي أن أي فعل بشري سيعقبه فعل آخر وثالث ورابع وهكذا تتراكم أفعال البشر لعمارة الأرض، وهذه التراكمات لأنها لم تتبع شرع الله، فهي كما تقول آية سورة البقرة: ستؤدي إلى أحد مصيرين بالضرورة: إما تلويث بيئي أو انحلال خلقي، أي إما لإهلاك الحرث أو لإهلاك النسل أو لكليهما معاً، وهذان معاً هما الفساد. وللتوضيح أقول: لأن السعيد العمل الدؤوب لما فيه صالح الساعي (وهذه غريزة منفعية في الناس ولا يمكن إنكارها)، فإن هذا السعي قد يؤدي إلى تدمير الأرض والناس ولو بشيء قليل قد لا يكترث له هذا الساعي، أو حتى لا يراه أو لا يشعر به وإلا قد
هي
هو


٧٢٦ 🗏
يتلافاه إن كانت فيه ذرة من إنسانية. لأضرب بعض الأمثلة: إن سعى رجل لكسب رزقه بالعمل في منجم ما، فإن عمله في المنجم (الذي قد لا يكترث للتلوث البيئي سيساهم في تلويث الأرض ولو بشيء يسير. ولكن لنقل بأن هذا المنجم حريص ولا يلوث وأنه ينتج القصدير مثلاً بنقاء وحرص، هنا تأتي المصانع المستهلكة للقصدير الخام التي قد تلوث البيئة ببيع منتجاتها في الأسواق، فالساعي إذاً قد ساهم في تلويث الكرة الأرضية دون أن يشعر، أي أنه ساهم في إهلاك الحرث، وإن اشترى أي مستهلك هذه المنتجات فهو قد ساهم أيضاً في إهلاك الحرث. ولكن لنقل أيضاً أن هذا المصنع حريص ولا يلوث البيئة، هنا أقول: لابد وأن يكون هناك مصنع ما يلوث البيئة كما هو حادث، عندها سيكون السؤال: فما علاقة هذا العامل في المنجم بذاك المصنع البعيد الذي يلوث؟ أجيب: إنه يعيش في مجتمع رضي بالرأسمالية والديمقراطية التي لم تتمكن من منع ذلك المصنع من التلويث فهو فرد قد رضي بنظام مجتمعي يغذي التلوث رغماً عن الجميع وبرغم رفض البعض له (أي أنه يعيش في الجماعة الثانية). حتى وإن زار عامل ما زميلاً له زيارة مسائية، فهما يروحان عن نفسيهما ليزدادا قوة للعمل في اليوم التالي. أي أنهما يزدادان سعياً للتلويث،
وهكذا.
ولكنك قد تقول: إن هناك من الأفراد من لا يرضون عن التلوث ويحاربونه؟ هنا أقول: ولكنهم يعيشون في مجتمع رأسمالي لا يفتح أبواب التمكين للجميع، لذلك سيفرز البطالة باستمرار، وفي هذا إهلاك للنسل لأن فيه استعباد لبعض البشر المتعطلين بالعمل تحت جلد السياط وسيأتي بيانه بإذن الله). ألم تسمع عن الاستعباد في مصانع الصين والهند وأمريكا اللاتينية التي يتم دفع الفتات فيها للناس الذين يعملون تحت أتعس الظروف؟ لننظر لمثال آخر: إن من يسعى في طلب رزقه ويقطع الأشجار التي تستخدم في صناعة الجرائد، فهو لم يلوث، ولكنه ساهم هو ومن يعمل في صناعة الإعلام في استهلاك المجلات مما ينقص من عدد الأشجار التي تساهم في تنقية أجواء الكرة الأرضية حتى وإن كانت لمجلات تنشر ما لا يُستحق أن يقرأ. وبهذا الفقدان لشجرة واحدة فقد هذا ساهم الساعي في تلويث الأرض، أي أنه سعى في إهلاك الحرث. ولعلك بعد كل هذا تقول: إن هذا النقد للنظام الرأسمالي نقد معروف فما الإضافة من آية سورة البقرة ؟ أي من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ؟
إن الإضافة المهمة هي اشتراط الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾، أي وكأن الآية تقول أن كل حركة لا تتبع شرع الله هي تول، أي أن كل حركة لا تتبع شرع الله هي مساهمة في إفساد الأرض، كيف؟ فكر أخي القارئ في أي عمل يقوم به أي إنسان تحت نظام مجتمعي ما فهو أحد «ثلاثة أصناف»: إما تحرك يرفض قيم ومعتقدات ذلك المجتمع، أي يرفض منظومة المجتمع الاقتصادية السياسية ويحاول التخلص منها. أو ثانياً، تحرك إمعي، أي لا يرفض ولا يؤيد منظومة ذلك المجتمع إلا أنه بقبوله بالحركة داخل ذلك المجتمع فهو يوافق ضمنياً على معتقدات ذلك المجتمع حتى وإن لم يكن مقتنعاً بها. أو ثالثاً، تحرك يساند منظومة ذلك المجتمع. بالنسبة للصنف السواد الأعظم في العالم الغربي، إن اقتنعنا أن النظام الرأسمالي الديمقراطي سيسحب الكرة الأرضية للفساد (كما سأثبت لك بإذن الله وكما أثبت ذلك الكثير من الباحثين، فإن دعم مثل هذا النظام بالحركة داخل أنظمته إنما هو تول وسعي لإهلاك الحرث والنسل (الجماعة الثانية). وهذه الحركة بالطبع ستكون بالسعي بالبيع والشراء والعمل والترحال وما إلى ذلك من جميع أنواع التولي. أي أن أي حركة لهذا الصنف من الناس هي تول
الثالث
وهم


القذف بالغيب
۷۲۷
سيساهم في تسريع الفساد بالضرورة. وبالنسبة للصنف الثاني، وهم السواد الأعظم في المجتمعات الإسلامية، فإن مجرد القبول دون مقاطعة أو رفض يضع الناس من هذا الصنف الثاني في مصاف الصنف الثالث، أي أن أية حركة أيضاً إنما هي تول يؤدي للفساد. أما الصنف الأول، والذي يرفض النظام المجتمعي الرأسمالي الحالي، فهو لا حول له ولا قوة. ولأنه يعيش رغماً عنه تحت مظلة النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي (مثلي وربما مثلك الآن في العالم العربي)، فهو أيضاً ورغماً . عنه عندما يتحرك فهو إنما يعجل بالفساد، أي أنه يتولى سعياً لنشر الفساد. فما أروع الآية، أي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ، والتي عممت بالتحديد الدقيق ما يحدث الآن. فهي آية وكأنها تصر على تبيان أن الفساد هو نتيجة لتظافر جميع التحركات من جميع الناس وبغض النظر عن قناعاتهم لأن المهم ليس القناعة ولكن تراكم التحركات أو التولي داخل نظام مجتمعي من وضع البشر . وهذه البلاغة تتجلى من خلال وصف حركة الفرد والذي يمثل كل الجماعة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى﴾. فالخطاب هو للفرد بينما الفساد هو حصيلة تراكم مصالح أفراد كثيرين جداً، أي جماعات وجماعات، وهذه هي الإضافة المهمة في الآية، والله أعلم، وذلك للآتي:
هناك من التصرفات الاعتيادية ما لا يمكن اعتبارها تول يؤدي للفساد، وبالتالي لن تلوث الأرض، مثل مزاولة فرد مع صديق له الرياضة في صالة رياضية في مجتمع ديمقراطي، أو مشاهدة شخص ما لفلم ما مع صديق له في دار للسينما، أو غيرهما من الأنشطة التي تعتبر بريئة في أعين الناس ! هنا أقول: لاحظ أن أي فعل إنما هو داخل إطار رأسمالي ديمقراطي، فالرياضة داخل صالة رياضية هي في مكان شُيد في الغالب بأموال الضرائب التي لم تُفرض شرعاً ولكن حبيت تحت نظام ضريبي وضعي. ومشاهدة الأفلام، وبغض النظر عن المناظر الإباحية، فهي إنما تُعرض داخل قاعات للعرض شُيدت باتباع أنظمة بلدية لا تحكم بشرع الله، كما أن هذه الدار قد تدفع الضرائب للدولة تحت نظام ضريبي وضعي أيضاً. ومجرد قبول الناس بالاستفادة أو بالتحرك ضمن مثل هذه الأماكن أو في أو مع مثل هذه المؤسسات فهو موافقة ضمنية على قيم ومعتقدات المجتمع التي ستسحب الأرض للفساد بغض النظر عن قناعات الناس. لذلك فإن أي حركة مهما فكرت فيها فهي تول في الإطار الديمقراطي الرأسمالي أو إطار أي نظام آخر من وضع البشر، وكل تول هو سعي، وكل سعي هو إفساد إن لم يكن بالرجوع لشرع الله. فتأمل هذا الخطاب وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى الذي ينذر بالفساد برغم أنه موجه للفرد.
والآن لننظر للآية مع الآيتين التي قبلها والتي بعدها قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ . ألا تصف أخي القارئ هذه الآيات الثلاث حال السواد الأعظم من الناس الآن سواء كانوا مسلمين علمانيين أو كفرة؟ فما أكثر الناس الذين يبهرونك بأفكارهم المبنية على المشاهدات والاستقراءات والإحصاءات في أبحاثهم ليصلوا من خلال نتائجها إلى اتخاذ قرارات اقتصادية أو عمرانية أو ما شابه مما يناقض شرع الله. فقد تعجبك أقوالهم ويشهدون الله فيما يقولونه بأنهم مخلصون في بحثهم عن الأفضل للمجتمع إلا أنهم ألد الخصام لأنهم بضلالهم وبغير اتباع شرع الله في أفعالهم متولون ساعون للفساد بالضرورة. وهؤلاء إن ناقشتهم وحاولت إقناعهم بالاحتكام للشرع، أي أمرتهم بتقوى الله، تأخذهم العزة بالإثم. فتأمل هذا الوصف الدقيق وبالذات للحكام ومن


۷۲۸ 🗏
يعمل معهم من الخبراء والمتخصصين في شتى مجالات الحياة الذين يضعون الأنظمة والقوانين ويطبقونها دون الرجوع لشرع الله برغم أنهم مسلمون فما أروع هذه الآيات الفاضحة.
أي باختصار، إن ما يجعل الآية ذات قوة بيانية في إخبارها هو أنها برغم أنها نزلت قبل أربعة عشر قرناً، وبرغم أن الخطاب الشرعي كما مر بنا هو لثلاث جماعات (وليس أفراداً) وذلك حتى تظهر حلبات الصراع لتمحيص الحق من الباطل، إلا أنها آية إخبارية تصف حال ما سيؤدي إليه الفرد الواحد لأنه سيتحرك في مظلة مجتمع لا يحكم بما شرع الله. أي وكأن الآية عندما نزلت كانت ترى ما سيحدث مستقبلاً من ظهور مجتمعات برغم أن أفراد بعضها مسلم إلا أنها جميعاً لن تحكم بشرع الله، وعندها فإن أي تول هو سعي لأن التولي حدث في إطار مجتمع لا يُحكم شرع الله. ومما يزيد الآية قوة بيانية هو حصر الفساد بأنه بإهلاك الحرث وبإهلاك النسل. لنتدبر أولاً قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ ، لماذا ركزت الآية على الحرث أولاً؟ إن الإجابة والله أعلم كالآتي: إن باستطاعة البشر التعامل مع التلوث والتغلب عليه وذلك بالعيش مثلاً داخل مبان مكيفة وبها آلات تنقي الهواء وتزوده بالأكسجين إن تطلب الأمر ذلك، وباستطاعة البشر التنقل باستخدام عربات مكيفة. وباستطاعة البشر أيضاً أن يقوموا بزراعة الخضروات داخل محميات زجاجية تمكنهم من التحكم في درجة حرارة الجو. وهكذا تستطيع التفكير في تقنيات ستؤدي لإيجاد بيئة تمكن البشر من العيش في عهد التلوث بنوع من الصعوبة والعياذ بالله. فهناك من العلماء مثلاً من يحاول إيجاد بيئات للعيش في كواكب أخرى لا تدعم الحياة قط كما هو معلوم. إلا أن الغذاء الأهم للبشر والذي يغذي السواد الأعظم من الناس هو الرز والقمح والشعير وما شابه من خيرات (حبوب) بحاجة لمساحات بمئات الآلاف أو الملايين من الأميال المربعة التي يستحيل وضعها داخل محميات زجاجية. فلابد وأن تسقى بماء السماء أو الأنهار ، حتى وإن سقيت بمياه الآبار النقية فلابد وأن تبقى مكشوفة لكبر مساحتها. فإن تلوث الجو أو ارتفعت حرارته أو انخفضت فإن غذاء البشر من هذه الخيرات في خطر. أي إن تلوثت الكرة الأرضية سيهلك هذا الحرث . وإن هلك هذا الحرث سيهلك البشر لأن ما تنتجه المحميات لن يكفي الناس أبداً، وهذا ما لا تستطيع البشرية التغلب عليه. فعندها إما أن يثور الفقراء على الأغنياء لمشاركتهم في هذا القليل من الغذاء، وإما أن يقتل الأغنياء الفقراء الغذاء بمنع عنهم، وهكذا من تخيلات لصراعات (الله أعلم بها) قد تؤدي لإهلاك النسل بعد هلاك الحرث.
فقد
ومن جهة ثانية، فإن هلاك الحرث هو المحطة الأخيرة في محطات التلوث التي لن يتمكن البشر من مجابهتها. ترتفع مناسيب البحار وتغرق بعض الجزر بسبب ذوبان الجليد، وقد تزداد الإشعاعات الضارة بالجو ويظهر السرطان على جلود بعض الناس فيتقوقع الآخرون داخل منازلهم، وقد تموت الأسماك في الأنهار بسبب تلوث مياهها فيلجأ البشر لمزارع الأسماك، وقد تتلوث مياه الشرب فيقتصد الناس في الاستهلاك ويشربون من المياه المعالجة، وهكذا. أما هلاك الحرث فهو بسبب تلوث التربة، وهي أكثر المواد انتشاراً في الأرض، وهذا التلوث يأتي بعد تراكم العديد من التلوثات (مثل هطول الأمطار المحملة بالأحماض ليهلك معها الحرث، فلا حبوب تؤكل فتظهر المجاعات لأن المحصول في السنوات القادمة سيكون أقل. ومن الطبعي فإن هذه التبريرات هي من إطار معرفتنا الحالية، وبالطبع فهناك تبريرات أخرى خافية علي. وبالتأكيد، فعندما ينتشر الفساد والعياذ بالله، فعندها فلابد وأن يكون العلماء حينئذ في وضع أفضل للوقوف على سبب تركيز الآية على الحرث قبل النسل.


۷۲۹
القذف بالغيب
التعاملات
أما المقصود بقوله تعالى: ﴿وَالنَّسْلَ﴾ فهو بالطبع الجنس البشري الذي يُهلك نفسه باستغلاله الناس في أعمال دنيئة بسبب الفقر الذي تفرزه الرأسمالية، إذ لا تليق هذه الأعمال بالإنسانية كالترويج للمخدرات أو الدعارة ونحوهما من أعمال. وللتأكيد لأضرب المثال الآتي لنقل بأن هناك موظفاً في شركة للتأمين، ولا دخل له في المخدرات أو الدعارة، فما علاقته بالسعي في إهلاك النسل؟ إن مجرد قبول الإنسان في العمل في شركة للتأمين التي تعتمد جل تعاملاتها على الربوا، إنما هو تصويت بالقبول بالنظام المجتمعي الذي يعتمد على شركات التأمين في جميع الاقتصادية، مثل التأمين على السيارات والتأمين على شحن البضائع ونحوهما. فهل قيادة الفرد للسيارة المؤمنة كقيادته للسيارة غير المؤمنة في الحذر من الوقوع في حادث ما؟ بالطبع لا، لأنه في قيادته للسيارة المؤمن عليها تأميناً شاملاً قد يكون أقل حرصاً ما قد يؤدي لحادث يعطب فيها بعض المنشآت العامة، هذا إن لم يقتل أحداً. أي أنه أهلك الحرث. أما إن قتل أحداً في طريق مخصص للمشاة فلا قصاص عليه إلا بدفع غرامات قد تتحملها عنه شركة التأمين. أي أنه أهلك النسل. ولكن إن طبقت الشريعة فهذا يقترب من القتل عمداً، والله أعلم، لأن السائق يدرك تماماً أنه يقود سيارة، والسيارة هي أداة قاتلة إن سارت بسرعة معينة وفي طريق للمشاة (وسنأتي على بيانه في فصل «المدينة» بإذن الله). إلا أن المهم هنا ليس القتل بصدم الناس، فهذا البلاء الظاهر ، ولكن المهم هو أن هذا الذي في طلب رزقه بالعمل في شركة التأمين إنما هو يعمل في مؤسسة هي جزء من منظومة اقتصادية اجتماعية تدميرية للكرة الأرضية والبشر وذلك لأن البطالة تعد عنصراً أساسياً في النظام الاقتصادي الرأسمالي حتى يتمكن المستثمرون من إنجاز استثماراتهم. أي لابد من الأيدي العاملة المستأجرة، أو لابد من الموظفين المستأجرين حتى يتمكن النظام الرأسمالي من الإنتاج الذي يعتمد على الشركات كمؤسسات إنتاجية. وهذه الأيدي العاملة أو هؤلاء الموظفون سيُستعبدون أيما استعباد كما سترى بإذن الله ، وهذا سيؤدي لإهلاك النسل لا محالة، وهذا وضع يرفضه الإسلام، إذ أن جميع مؤسسات الإنتاج إن طبقت الشريعة هى مؤسسات ذات شراكة بين العاملين المنتجين فعلياً كما سترى في فصل «الشركة» بإذن الله، وهذا يحفظ للإنسان كرامته. أي أن هذا الذي قبل بالعمل في شركة التأمين قد تولى وسعى في الأرض ليهلك النسل، فكم من الأثرياء الذين اشتروا أجزاء من أعضاء الفقراء كالكلى وبأبخس الأثمان؟ وهذا الاتحاد بين إهلاك الحرث وإهلاك النسل هو الفساد بعينه.
سعی
إن نظرت للآية مرة أخرى ستلحظ أن الإفساد في قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ قد قدم على إهلاك الحـرث والنسل. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. فلماذا هذا التقديم. علماً أنني كنت فيما سبق أردد أن الفساد إنما هو نتيجة حتمية لكل من التلوث البيئي أي لإهلاك الحرث، والانحلال الخلقي، أي لإهلاك النسل؟ وكأن الآية تعكس المسألة. وللتوضيح أقول: هناك كما هو معلوم فرق بين معنى الكلمتين: (الْفَسَادُ ولِيُفْسِدَ). فـ الْفَسَادُ ) هو وصف للحالة كما في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ . أما قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ فهو وصف للفعل الذي يقوم به الساعي. وفي هذا تأكيد على ما تحاول الآية إيضاحه من خلال قوله تعالى: ﴿وَإِذَا﴾ والتي تعني كاشتراط أن كل تول مستقبلي إنما هو سعي، وأن هذا السعي هو بالضرورة إفساد من خلال قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ﴾. فدخول حرف اللام على «يفسد» تأكيد وجزم أن سعي الساعي سيفسد الأرض بقوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ . أي أن كل تول مهما كان نوعه إنما هو إفساد في الأرض بالضرورة لأن السعي لم يكن في مجتمع يحكم بشرع الله.


۷۳۰ 🗏
وأخيراً فإن الآية تقول لنا أن هذا السعي المفسد هو ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، وليس «على» الأرض، فما الفرق بين الحالتين ؟ إن الفساد الحاصل الآن أكثره فوق الأرض فالهواء الملوث فوق الأرض مثلاً، وكذلك تغير درجات الحرارة، وبالطبع فإن المفسدين يعيشون على الأرض. فلماذا تصف الآية الإفساد بإنه في الأرض وليس «على» الأرض في هذه الآية وفي آيات أخرى كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وكذلك قوله تعالى في سورة غافر: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾. وفي هذه الآية نجد أنه سبحانه وتعالى يصف غير المسلمين بأنهم يفرحون في الأرض، والفرح عادة ما يكون فوق الأرض، أي على الأرض، أما فيها، أي داخلها كالعيش في الكهوف تحت الأرض فهو أقرب للكآبة منه للفرح، فكيف يفسد الإنسان داخل الأرض وكيف يفرح الإنسان داخلها؟ إن تأملت مصادر التلوث الحالية تجد أنها تأتي في الغالب من داخل الأرض. فالتلوث أصلاً من المصانع والمصنوعات هي من مواد خام تؤخذ من الأرض، وفي الغالب من أعماق الأرض كالنفط والمعادن وحتى أنها من أعماق عميقة أحياناً. وهذا التأويل والله أعلم يتضح من تأكيد قوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. فقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ، أي أن مصدر مرح البشرية وإن كان على الأرض إلا أن أصله من داخل الأرض ومن غير اتباع شرع الله الحق. فما يمكن الناس من الفرح والمرح هو التصنيع الذي يوفر المستهلكات بغزارة وفي الوقت ذاته يتيح للناس الكثير من الفراغ الوقتي للتمتع واللهو بمباهاة وتزين وتلذذ ولأهمية هذه المسألة أفردت لها فصلاً «ابن السبيل». ولكن لا تظنن أخي القارئ أنه إن تم تطبيق الشريعة فلن يستمتع الناس بالعيش الهني، ولن يظهر التصنيع، بل سيظهر ولكن دون تلويث كما سترى بإذن الله، لأنه باتباع مقصوصة الحقوق.
كاملاً.
هو

العزة والفساد: القيم والنظم والمعرفـــة

أي باختصار، إن أخذت المجتمعات بالديمقراطية، فإن كل جيل كما أسلفت سيُضيق على الجيل الذي يليه لأنه لم يترك له الكرة الأرضية كما استلمها من الجيل الذي قبله وهكذا يقترب كل جيل من الفساد المنتظر. ومن جهة أخرى، فإن أي حركة أو فعل سيساهم في الفساد إن لم يكن في نظام مجتمعي يتبع شرع الله. وهذا ما تحاول الآية إثباته، أي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وهنا يظهر سؤال يربط العزة بالفساد: إن من الدول ممن لم تحكم بما أنزل الله ما أضحت دولاً قوية كالروم والفرس، فإن كانت المجتمعات التي تحكم بغير ما أنزل الله ستفسد في الأرض لا محالة، فماذا عن المجتمعات السابقة القوية، كالقياصرة الروس الذين حكموا مئات السنين وكالروم الذين حكموا آلاف السنين، فلم نلمس من تلك الدول أي تلويث للأرض برغم أنها حكمت بغير ما أنزل الله إذ أنها كانت مجتمعات ذات سطوة ورفاه للإجابة: تدبر قوله تعالى في سورة الروم تحديداً: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ . إن تدبرنا الآية نجد أن فيها إثبات لما سبق بأن كل حركة بتول عن شرع الله ستؤدي للإفساد. كيف؟ إن الآية تقول: ظَهَرَ ، أي أن الفساد موجود ولا يُرى ثم سيظهر. كيف؟ إن آية سورة الروم دقيقة في وصف ما سيحدث : فالفساد سيظهر في كل من البر والبحر، أي في كل مكان، بتراكم ما ستكسبه أيدي الناس. وهنا تلحظ أن قوله تعالى: ﴿كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ تعبير دقيق عن التراكم جيلاً بعد جيل


القذف بالغيب
۷۳۱
لكل حركات الناس. كيف؟ إن الكسب قد يأخذ ثلاث معان متقاربة: الأول هو التراكم، فما يكسبه الإنسان في العادة يأتي من تراكم ما يحوزه شيئاً فشيئاً، كالعامل الذي يكسب رزقه يوماً بيوم. والمعنى الثاني هو أن الكسب في العادة يتعاظم بتقادم الزمن، كالتاجر الذي يزداد ماله بالكسب مع مرور الوقت لزيادة رأسماله، وكالعامل الذي يزداد مهارة فيرتفع أجره. أما المعنى الثالث فهو أن الكسب يأتي في العادة بعد الكد والعناء للفرد طلباً لرزقه، أي التولي في إنهاء الأعمال الدنيوية من زراعة وحرث واستخراج لمعادن وتصنيع وبيع وما إلى ذلك من نشاطات تؤدي للكسب. أي أن قوله تعالى: ﴿كَسَبَتْ﴾ يجمع بطرق بديعة بين التراكم والتعاظم من خلال الكد، أي من خلال التولي. ولعل الملاحظ هو تحديد مصدر الفساد بأنه من الأيدي. فقوله تعالى: ﴿أيدِى﴾ يعني أن مصدر الفساد الأهم هو الأيدي من خلال الكسب، وبالطبع فإن هذا يعني المنتجات عموماً، فما من منتج إلا هو من الأيدي تحديداً، وهذه المنتجات تتغير آلية إنتاجها مع مرور الزمن لتصبح بعد الثورة الصناعية من إنتاج الآلات في المصانع،
وما الآلات إلا من إنتاج أيدي الناس حتى المنتجات الفكرية فإن منتجيها بحاجة لمنتجات بحاجة للأيدي).
كما أن الآية تخاطب الجماعة، بقوله تعالى: ﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ ، أي أن كسب الناس جميعاً هو من كد أيديهم جميعاً والذي يتعاظم مع مرور الوقت بسبب تراكم تبادل الناس للآلات التي تزيد من إنتاج المصانع فيزداد الاستهلاك. وهذا الكسب إن لم يكن في إطار ما أنزله الله الحق سبحانه وتعالى فإنه سيؤدي لظهور الفساد لأنه تراكم لأعمال مكتسبة ذات صفة تعاظمية تراكمية من أيدي الناس، وكل عمل فيها هو تول تحت نظام مجتمعي لا يحكم بما أنزل الله. ولأن كل تول يؤدي للفساد فإن مجموع هذه «التوليات» ستظهر الفساد. كما أن كلمة الناس تعني الجميع مسلمهم وكافرهم، فمعنى الناس يتجلى من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فتدبر هذا الوصف بربط الآيات.
أي أن الآية تقول لنا أن آلية التدمير قد بدأت منذ آلاف السنين وأنها شيئاً فشيئاً ستظهر لا محالة، فالكرة الأرضية ضخمة ولا يمكن أن يظهر فيها الفساد من جيل واحد لأمة واحدة، ولا حتى من عدة أجيال لأمم متعددة، ولكن الفساد سيظهر من تراكم حكم الأمم بغير ما أنزل الله. لذلك فإن الدول القوية مثل الروم هم من أسس لهذا الفساد وتلاهم آخرون مثل الملوك الإنجليز والقياصرة وعائلة هبسبرغ التي حكمت أوروبا لمئات السنين وغيرهم كثير. وبرغم اقتتال مثل هذه الإمبراطوريات فيما بينها لاختلافها إلا أنها جميعاً أسست لظهور هذا الفساد لأنها لم تجمع إلا على مسألة واحدة وهي الحكم بغير ما أنزل الله. وبهذا تراكم الحكم بغير ما أنزل الله وأصبح عرفاً يصعب الخروج عليه وكأنه الحق، فتم التأسيس للفساد الذي سيظهر. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى فيهم في سورة هود: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم مِن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ والطبع، فإن العبادة هنا لا تعني الوقوف بين أيدي الأصنام فقط، ولكن الحكم بغير ما أنزل الله كما مر بنا في فصل «قصور العقل»، أي الحكم بالأهواء. قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَرَءَيْتَ مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. واتخاذ الهوى إله كما قلنا هو باتباع الأهواء، أي الحكم بغير ما أنزل الله.
ولعل ما يؤكد هذا التوجه للآية هو المعنى الدقيق لكلمة ظَهَرَ في الآية. فمعنى «ظهر» يشير إلى أن هناك شيئاً ما متكاملاً لا نراه الآن إلا أنه سيظهر، ولا يعني بالضرورة أن هناك شيئاً يتراكم ويزداد في حجمه


۷۳۲ 🗏
هو
كتراكم الأفعال الخاطئة المؤدية للفساد ثم عندما يكبر سيظهر كما قد يُفهم من السياق السابق. غير أن الفساد كما هو معلوم نتيجة حتمية لتراكم الأفعال الخاطئة، وها هو يتراكم ليظهر، فكيف يمكن الجمع بين المعنيين المتناقضين: أي إما أنه مكتمل سيظهر أو أنه مجموع لتراكمات؟ إن الإجابة لا تكون إلا إن كان المقصود من الظهور أن الحكم بغير ما أنزل الله الفساد بعينه، حتى وإن لم يؤدي إلى تلوث ملموس في القرون الماضية، إلا أن هو موجود ومكتمل منذ زمن بعيد ولم نره لأن الفساد ما هو إلا أساساً الحكم بغير ما أنزل الله والذي من أعراضه إهلاك الحرث والنسل. فالخطب الجلل إذاً هو الحكم بغير ما أنزل الله، وليس إهلاك الحرث والنسل، فهذان الأخيران هما النهاية المحتومة التي لا مفر منها لأن الأصل قد زرع منذ آلاف السنين (أي الحكم بغير ما أنزل الله)، وأن الثمرة بالتالي لابد وأن تظهر، أي إهلاك الحرث والنسل.
الفساد
وماذا عن الدول الإسلامية؟ قد تقول أخي القارئ منزعجاً، وبالذات من نقدي للدول الإسلامية في الفصل السابق، كنقدي للأمويين والعباسيين والعثمانيين: فماذا عن الدولة الأموية، كيف تتهم بأنها لم تحكم بما شرع الله، وهي التي وصلت فيها الفتوحات إلى الصين شرقاً وحدود فرنسا غرباً؟ وماذا عن الدولة العثمانية التي كانت تحمي العالم الإسلامي من شر الصفويين في الشرق والصليبيين في الغرب؟ وماذا عن جميع الإبداعات التي ظهرت على أيدي العلماء الذين دعمتهم . هذه الدول من مصنفات في الحديث والفقه مثلاً؟ وماذا عن التكافل الاجتماعي الباهر الذي وضعته هذه الدول أو الشعوب المسلمة، فهناك مثلاً وقف اسمه وقف الزبادي والذي يأخذ الخادم منه ثمن زبديته التي كسرها حتى لا يعاقبه سيده، أليس في هذا سمو إنساني للدفاع عن الخدم وهم من أضعف البشر؟ وهناك وقف قد خصص لتأكيل دابة إمام الجامع الأزهر في القاهرة، أليس في هذا دعم مجتمعي للعلم؟ وهكذا. فلماذا هذا النقد الشديد غير المبرر لهذه الدول وقد كانت دولاً قوية وعزيزة؟ ألم ينتصر المعتصم لامرأة لمجرد أنها صاحت قائلة: «وامعتصماه» ؟ ألم يؤدب هارون الرشيد نقفور ملك الروم عندما طلب منه أن يرد إليه الخراج؟ فكان رد هارون الرشيد حازماً ومهيناً، فقد كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام». فأي عزة هذه التي تمتع بها المسلمون آنذاك، فقد سار هارون الرشيد إلى أعدائه الروم حتى اصطفى ابنة ملكهم. فلماذا كل هذا
النقد ؟
عند
إن جوابي هو كالآتي: كما هو معلوم فإن أي مجتمع يتكون من عنصرين: العقائد والأخلاق والقيم التي تعتنقها الشعوب من جهة، والنظم أو الأنظمة التي تحكم هذه الشعوب من جهة أخرى، أي مقصوصة الحقوق في حالة المسلمين. ولقد مررنا سريعاً في الحديث عن مقصوصة الحقوق عن هذين العنصرين، وذكرنا أن الإسلام أتى بالاثنين من الله العليم الحكيم الخبير، فتجد أن الشريعة تبث الكثير من القيم السامية في أفراد المجتمع، مثل التحلي بالأمانة والصدق والمروءة والإيثار والتسامح والكرم والأخوة والنصرة والصبر والجهاد والاجتهاد والإتقان للعمل والترفع عن سفاسف الأمور وحفظ الفرج واللسان واحترام ممتلكات الآخرين وما إليها من قيم يعلمها كل عالم مسلم. ومن جهة أخرى، فإن مقصوصة الحقوق هي النظم التي على أفراد المجتمع التحاكم إليها. فمقدار التفاعل بين هذين العنصرين (أي القيم والنظم) هو الذي يرفع المجتمعات ويضعها. بالإضافة لهذين العنصرين فهناك عنصر ثالث ألا وهو التقدم المعرفي، ويؤثر «نسبياً في تفاعل » هذين العنصرين. لاحظ أنني قلت: يؤثر
مهم


القذف بالغيب
۷۳۳
ضحالة
«نسبياً في تفاعل» هذين العنصرين وذلك لأن الأمم عادة ما تكون متقاربة في رقيها المعرفي في نفس الحقبة الزمنية، فجميع الحضارات كانت تستخدم السيوف والرماح في عصر الرسالة، وجميع الحضارات كانت تستخدم البنادق في القرن قبل الماضي، وجميع الحضارات تقريباً تستخدم الدبابات الآن برغم أن البعض لا يصنعها ولا يمتلك الصواريخ عابرة القارات إلا أن العلوم البحتة كالرياضيات مفتوحة للجميع. فهذا العنصر، أي المعرفة، ذو تأثير متزن على القيم والنظم في حقبة زمنية واحدة، إلا أنه ذو تأثير مختلف من جيل لآخر. فمثلاً لأن القيم كانت سامية بين أفراد المجتمع في أوائل العصر الأموي لوجود الصحابة ثم التابعين، فقد كانت الأمة قوية جداً بسبب سمو قيم الأفراد حتى مع الخروج الجزئي للسلاطين عن مقصوصة الحقوق كاستحداث الديوان وبعض المكوس وحتى مع المعرفة الإنتاجية آنذاك في جميع الحضارات، ثم في الدولة العباسية التي لم تكن قيم الأفراد فيها في مستوى قيم عموم الناس في أوائل أيام الدولة الأموية إلا أن التراكم المعرفي كان لديهم أعلى مما زادهم قوة مقارنة بالأمويين، أما ما يجعلهم يتفوقون على أقرانهم من الحضارات في نفس الحقبة فهو ليس التقدم المعرفي لتقاربه النسبي بين الحضارات بقدر ما هو نظامهم الذي كان برغم خروجه عن الشرع في المسائل المالية، إلا أنه نظام مجتمعي يؤدي لقيم فاضلة تفوق الكفرة برغم أنه لا يرقى لقيم من سبقهم في عهد التابعين. فالمعرفة إذاً مسألة نسبية. أي إن اقتنعنا أن تفاعل القيم والنظم والمعرفة هو الذي يضع الأمم ويرفعها فإن هذا يعني أن الأمويين لم يكونوا أفذاذاً برغم تمكنهم من القيام بكل هذه الفتوح، بل حتى وإن حكم قوم آخرون غير الأمويين في تلك الفترة فإن المحصلة قد تكون هي نفسها أو لعلها قد تكون أفضل لانتشار القيم الإسلامية السامية بين العامة آنذاك. فقط تخيل ما كان يمكن أن يحدث في تلك الحقبة إن تم تعيين الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنه خليفة للمسلمين وقبل هو بذلك. أي أن سبب انتصار الأمة آنذاك لا يُعزى إلى قدرة الأمويين في الإدارة أو لأي تقدم معرفي ولكن لأن أفراد الأمة كانوا يتحلون بقيم سامية. فمعظم أفراد الجيوش التي أتت بالفتوحات الأولى هم صحابة أتقياء سعوا للشهادة في سبيل الله. فأنى لجيش كهذا أن يهزم؟ هكذا يمكن تحليل وضع الأمم من خلال النظر في التفاعل بين القيم والنظم والمعرفة. فقد تأتي دولة قوية ذات سطوة على العامة، أي ذات نظام حكم شديد المركزية ويجلد الناس لينتجوا المزيد من منتج محدد في ظل معرفة متقدمة كما حدث في الدول الشيوعية، إلا أن هذه الشدة سرعان ما تفقد مفعولها لأن القيم آخذة في الانهيار جيلاً بعد جيل بسبب تفشي المركزية المفرطة كنظام حاكم فينتشر قبول الرشاوي مثلاً فينهار المجتمع بانهيار القيم. أي أن أي أمة باستطاعتها النهوض في مجال محدد لفترة محددة إن كان النظام الحاكم ذو بأس على الناس وركز على ذلك المجال إلا أنه سرعان ما يبلى فها هي كوريا الشمالية تقترب من تصنيع القنبلة النووية التي تحتاج لمعرفة متقدمة برغم فقرها المدقع كالباكستان. وها هو الاتحاد السوفيتي قد أرسل السفن الفضائية برغم انعدام أبسط أسس العدل في مجتمعه وحصد رياضيوه الميداليات الذهبية في الألعاب الأولمبية. وها هو هتلر قد أسس جيشاً قوياً ودفع عجلة التصنيع الحربي بشدة في ألمانيا دونما أية حريات سياسية للأفراد. وها هي الصين تتقدم صناعياً برغم إحكام قبضتها على الحكم الذي لا يتيح لأي حزب سياسي أن يظهر. وها هو جمال عبد الناصر تمكن من بناء السد العالي برغم قهره للإسلاميين. أي أن الإنجاز لا يعني قط أن النظام

هامش

د) إن قارنت بين عوامل التمكين، وهي الموارد والموافقات والمعرفة تلحظ أن المعرفة مشتركة بين الاثنين. وتلحظ أيضاً أن عوامل والتي ذكرناها سابقاً، وبين ما يدفع للعزة من نظم وقيم ومعرفة التمكين هي من النظم. وسيأتي تفصيل هذا بإذن الله.


٧٣٤ 🗏
الحاكم هو نظام سديد على الأمد البعيد. وهذه مسألة مهمة أرجو الالتفات لها: ألا وهي ديمومة القوة والعزة، فالإسلام يقدم لنا قيماً ومنظومة (مقصوصة (الحقوق) إن تفاعلا كان المجتمع عزيزاً وقوياً وسعيـداً على الدوام ما يرتقي بالإنتاج المعرفي التقني، كما سترى بإذن الله.
المائة
ولعل من المفارقات المؤسفة هو رؤية هذين العنصرين، أي القيم والنظم، يتجليان بطريقة مؤلمة إلا أن الكثيرين قد لا يرون مفارقة هذا الإيلام برغم شعورهم به فتلك المباني والمنشآت كالقصور الفارهة والمساجد المزخرفة التي قام الحكام ببنائها كقصر الحمراء بالأندلس والتي يتباهى بها المسلمون المعاصرون ما هي إلا تجسيد لتغير مقصوصة الحقوق، أي تجسيد لنظم فاسدة. فالأموال التي صرفت من بيت المال من غير وجه حق للمقربين وللشعراء والملذات السلاطين لا ترى الآن لأنها اندثرت، ولكن الذي يرى هو هذه المنشآت. فهناك طريق بين باب زويلة وباب الفتوح بالقاهرة يعج بالمساجد الواحد بجانب الآخر بحيث أن المسافة بين المسجدين تقل عن متراً أحياناً، وكل مسجد أنفقت فيه الكثير من أموال المسلمين المأخوذة من خلال المكوس وبطريقة تبذيرية لتقف هذه المساجد وكأنها شاهد على تسلط ذاك السلطان الذي أنشأها وبالذات السلاطين الفاطميين والمماليك، وفي الوقت ذاته فإن كل مسجد يقف منبهاً الأمة وكأنه رمز تذكيري للخروج عن مقصوصة الحقوق، إلا أن هذه المساجد تعكس أيضاً الرقي المعرفي في إنتاج منشأة فهناك جامع الأقمر وجامع الأزهر، وهناك جامع السلطان برقوق وجامع السلطان قلاوون، وهناك جامع الحاكم بأمر الله وجامع الأمر بأحكام الله، وغيرهم كثير، وكأنك إن مررت بهذه الجوامع ترى قوله تعالى متجسداً: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. إِن هذه الآية تجسد بوضوح حال هذه المساجد. فما الحاجة لعمارة مسجد جديد إن كان فيه تخریب لمسجد حاضر عامر، إذ أن عدد المصلين بعد إنشاء المسجد الجديد إما أن ينقسم على مساجد أكثر، أو إما أن يسحب أكثر المصلين للمسجد الجديد الذي سيصلي فيه السلطان الذي أنشأ المسجد ؟ والمفارقة المؤلمة هي أن هذه المساجد التي صرفت عليها الأموال بغير وجه حق باتباع أنظمة لا تمت للشرع بصلة، يدخلها المصلون الذين يتحلون بالقيم الإسلامية السامية ليصلوا ويعتكفوا فيها. وكأن الوعاء الذي وجد من نظام يخالف الشرع يحتضن هؤلاء الذين يحاولون جاهدين اتباع الشرع من ذوي القيم السامية. يا لها من مفارقة فكل مسلم يصلي في هذه المساجد هو في حيرة مستمرة متسائلاً وهو ينظر للإبداع العمراني في هذه المساجد، أي أنه يرى التقدم المعرفي لإنتاج هذه المساجد فيسأل: لماذا هذا التخلف ونحن المفترض بنا أن نكون أعزاء وأقوياء لأننا نتبع شرع الله؟ ويستمر سائلاً: ألا يعكس إتقان بناء هذا المسجد وجماله عزة الإسلام؟ أي أن هذه المنشآت ما هي إلا أعراض مرض الخروج عن شرع الله برغم جمالها والتقدم المعرفي فيها.
مزيداً من العلاقة بين القيم والنظم والمعرفة في المجتمعات قد تنحل العقائد والقيم بين الناس إلا أن النظام الحاكم قد يكون موضوعاً بطريقة تعطي الجميع حرية الحركة فيزداد الإنتاج بسبب التقدم المعرفي مع الفساد كما هو حال الرأسمالية. وقد يكون المجتمع محافظاً على قيمه قدر المستطاع إلا أن النظام الحاكم يزداد فساداً جيلاً بعد جيل حتى تنهار الأمة كما هو حال معظم الدويلات الإسلامية ومنها الدولة العثمانية. أي أن وضع هارون الرشيد في العصر العباسي «قد يكون أكثر عزة وقوة وسطوة إن هو حكم بما شرع الله في المسائل المالية لأنه حينئذ


القذف بالغيب
۷۳۵
حال
سيكون المسلمون أكثر انطلاقاً دونما تقييد، ودونما مكوس مفروضة عليهم، وفي الوقت ذاته ذوي قيم سامية ومعرفة راقية بسبب انطلاق الناس في الإنتاج (كما سترى بإذن الله. وهذا ما تريده الشريعة. وهذه الأمة بهذه المواصفات لم توجد إلا في عصر الخلفاء، أي قبل سوء استخدام الديوان. أي أن القوة في السابق كما هو الدولة العثمانية لا تعني أبداً أن تلك الدولة كانت تطبق الشريعة في العنصرين القيم والنظم)، بل لأن الناس ذوو قيم سامية بفضل الله ومنه ومن ثم بفضل جهود العلماء في حقن القيم الإسلامية في الناس في كل صلاة، وفي كل خطبة جمعة، وفي كل صوم لرمضان وفي كل حج وعمرة، فإن الدولة العثمانية كانت تتمتع بوقود ينبعث من سكانها المسلمين مما مكنها من قهر أعدائها برغم أنها خرجت عن شرع الله في المسائل المالية، أي برغم خروجها عن مقصوصة الحقوق. أي ولأن الدولة العثمانية تساوت نسبياً في نظام حكمها مع غيرها من الدول التي لا تحكم بما أنزل الله، فقد تفوقت عليها لأن سكانها كانوا يتمتعون بقيم أعلى من شعوب تلك الأمم غير المسلمة بفضل مثابرة العلماء أثابهم الله على نشر الوعي الشرعي بين الناس لتسمو قيمهم. ألا يحق لي إذاً أخي القارئ أن أنقـد الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم كثير والذين لم يحكموا بما شرع الله ؟
هكذا ترى أن الآيات تحاول بطرق عدة تحذير الجنس البشري من خطورة الحكم بغير ما أنزل الله. ولقد حاولت في الفصول السابقة تبيان ضرورة الفصل بين السلطة والموارد كالأموال والأراضي والمعادن، وكنت أقول دائماً أنها إن وقعت في أيدي السلطات ستتغير مقصوصة الحقوق وسيساء استغلال هذه الأموال لا محالة (وسيأتي توضيحه بإذن الله)، وبهذا فحتى إن كانت قيم الناس عالية فإن الأمة ستنهار شيئاً فشيئاً لأن النظم الحاكمة التي لا تتبع مقصوصة الحقوق ستؤدي لانهيار القيم. وأرجو التنبه لهذه المسألة: فكثير من الباحثين يقولون بأن الشريعة قد لا تلائم أيامنا هذه لأن الناس الآن ذوو نفسيات أسوأ ممن كانوا في عهد السلف. أي وكأن الإسلام غير صالح لكل زمان ومكان. فأجيب: إن النفسيات والقيم الآن أحط لأن النظم أدت لهذا. فالإنسان الذي يولد على الفطرة فهو إنما يولد على الفطرة في كل شيء، وليس فطرة التوحيد فقط. فبعد أن يُسلمانه أو يُنصرانه أو يهودانه أبواه تتغير قيمه لتلائم النظام الذي هو فيه. فإن كان النظام رأسمالياً فسيكبر الطفل مادياً شرهاً محباً لذاته وشهواته، وإن كان النظام اشتراكياً فسيكبر الطفل مكسوراً ذليلاً لا هم له إلا الجري وراء الفتات وبأي طريقة ليشبع حتى وإن كان بالرشاوي، وهكذا. والسؤال هو: هل إن ذهب السلاطين الحاليون سيأتي من هم أفضل منهم؟ إن اقتنعت بما سبق عن القيم والنظم ستكون إجابتك بالطبع «لا». ولعلك ستستنتج بأن الإشكالية ليست في الأفراد، بل في منظومة الحقوق التي تولد الفساد ليستشري فكل سلطان قادم سيكون كسابقه إلا إن تغير النظام الحاكم كتغيير الدستور مثلاً. لذلك ستجدني في الفصل القادم بإذن الله أنقد بشدة المفكرين الإسلاميين الذين يحومون حول إيجاد دولة القانون للخروج من مأزق التخلف لأن العالم الغربي كما يعتقدون قد نجح في الخروج منه. فدولة القانون هي خروج عن شرع الله بالنسبة لي، وهذا فساد قادم لا محالة لأنه نظام لا يتبع مقصوصة الحقوق، وإلا فما الحاجة له؟ وهنا أذكرك أخي بالمثل القائل في العامية: «الأعور بين العمي مفتح». فما تراه في العالم الغربي من إنجاز هو بالفعل إنجاز لأن الأمم الأخرى وكأنها عمياء، أي أن الإنجاز الغربي الأعور (لأنه سيأتي بالفساد) هو بالفعل إنجاز مقارنة بإنجازات باقي الأمم وبالذات المسلمة التي لم تتبع شرع الله لأنها وكأنها عمياء. ولكن إن اتبعت الأمة المسلمة شرع الله في القيم والنظم فإن عور الغرب سيظهر لأن الأمة المسلمة ستكون أعز وأقوى وأغزر إنتاجاً كما


٧٣٦ 🗏
سترى بإذن الله ودون تلويث وبالطبع إن كنت علمانياً فلن تقتنع بما سبق. لذلك أريدك أن تقرأ النقد الآتي على النظم الوضعية سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، وسيكون التركيز فقط على النظم وليس القيم حتى تكون الحجة عليك أقوى إن كنت علمانياً مع ترك القيم لفصل «البركة» بإذن الله . فما سيأتي هو تفصيلات لتوضيح قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾. فكيف يكون الإفساد؟ إنه باختصار بالقذف بالغيب.

القذف بالغيب

لأن المسلم يؤمن بالغيب تجده لا شعورياً أحياناً يتجه بنظره للسماء داعياً برغم أن دعوته قد تستجاب حتى وإن لم ينظر للسماء. أي أنه يشعر أن هناك رباً بيده زمام كل شيء فيتجه إليه وينصاع لأوامره. وفي المقابل، فإن انقطاع الإنسان الغربي عن الله سبحانه وتعالى وعن الأديان وتوجيه كل اهتمامه لما على الأرض وما فيها دون النظر للسماء هيأه نفسياً في حقه بالتلذذ والحرية والاستقلالية والفردية، سواء كان الفكر الذي أنتجه رأسمالياً، وهو الاستقلالية الفردية، أو اشتراكياً، وهو الاستقلالية الطبقية. فالحرية بمعنى التحرر من الأديان صاغت نظم الغرب الاقتصادية بعيداً عن أوامر الله جل جلاله. إلا أن الحرية تعني الصراع بالضرورة إن تمسك كل إنسان بحقه حراً، لأن حرية الفرد تعني إباحة جميع التصرفات إلا التي يحظرها وجود الآخرين الذين قد يقفون مجابهة في النقيض ضـداً له. فحرية الفرد يجب أن تقف عند الإضرار بالآخرين. لذلك تظهر القوانين والأنظمة لكبح انفلات الحريات. أي بهذا تبلورت نظراتهم الإنسانية بالنقد للآخر، أو النقد الذاتي ضد الآخر. فالصراع في ذهن الفرد الغربي، والذي يمثله الصراع من أجل البقاء مع الأحياء الأخرى، أو الصراع الطبقي داخل المجتمع، أو تفسير الكون على أساس النظريات ونواقضها، أو ما شابه من تصادمات، تعبير عن الحداثة بأنها صراع. وهذه النظرة للصراع أنتجت لنا المجتمعين الرأسمالي، والذي تتصارع فيه المؤسسات الإنتاجية فيزداد الإنتاج وبالتالي الاستهلاك المفضي للتلوث، أو الاشتراكي، والذي تتصارع فيه الطبقات، لتستلم طبقة ثورية مقاليد الحكم لتنمية جميع الأمة لتفضي للفشل.
إن أكبر خدعة وقعت فيها البشرية هي الرأسمالية التي تدعي أنها تحرير للبشر لأنها ستأتي لهم بالرفاهية. والذي أعتقده كما ذكرت مراراً هو أن الرأسمالية ما هي إلا تقييد وتخلف وفساد وهموم كالاشتراكية، كما سترى بإذن الله. ولا يمكن للبشرية أن تأتي بنظام مالي سواء كان اشتراكياً أو رأسمالياً أسوأ على نفسها مما نسجته عقول العلمانيين لأنهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد. كيف؟ لنضرب مثالاً سطحياً الآن فقط لتوضيح الفرق: كما سترى في فصل «ابن السبيل» فإن حرية الانتقال للأفراد في المجتمعات المسلمة كان أمراً مكفولاً للجميع وذلك لتسخير خيرات الأرض وللتمكين، وما فعلته الحداثة هو عكس ذلك. فمن خلال القذف بالغيب أوجد العقل البشري الدول القومية ذات الحدود البينية كما في دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا سابقاً، وهذه الآفة انتقلت للمسلمين، وبهذا فإن أبواب التمكين فتحت لمن هم أقوى وأثرى وأغلقت على من هم أفقر وأضعف. والمقصود بـ «الأقوى»


القذف بالغيب
هنا هو
۷۳۷
الفرد أو الجهة التي : تمتلك القرار السياسي أو الاقتصادي أو تؤثر عليه، والمال عادة ما يأتي للثري بالقوة كما
ذكرنا. ولعلك لاحظت أنه كلما تقادم الزمن، ومع العولمة، كلما سهل انتقال رؤوس الأموال مقارنة بحبس من لا مال لهم، وفي هذا استعباد للناس وذلك لأن البنية الاقتصادية في المجتمعات الحديثة مقارنة بما كان للإسلام أن يوجده، تخدم أصحاب رؤوس الأموال أكثر من غيرهم ليزدادوا تسخيراً لمن لا مال لهم كما هو معلوم. فلا مقدرة للترحال لمن أراد الهجرة للعمل وهو فقير، فهو بحاجة لجواز سفر وتأشيرة دخول، وإن تمكن من الارتحال فلا مضيف له، وإن وجد إقامة فلا مال له ليبدأ صراعه إلا بالعمل أجيراً. وقد يكون أجره بعد هجرته أفضل مما كان يتقاضاه في موطنه، إلا أنه مقارنة بمقره الجديد لازال أجيراً. حتى وإن كان له مال فلا حق له في إيجاد مؤسسة إنتاجية لأنه لا يتمتع بحقوق جنسية البلد الذي غادر إليه والذي عادة ما يمنع الأجانب من العمل خوفاً على الثروات، كدول النفط مثلاً. وكما سأثبت بإذن الله، فإن الشريعة تفعل العكس، أي توجد من الحركيات ما يسحب الأيدي العاملة لمثل هذه المناطق بدفع الزكاة لفقراء نفس المنطقة، فينجذب إليها الأفقر من كل مكان ليعملوا أحراراً وينتجوا، وفي هذا كما سترى زيادة خير للجميع حتى للسكان الأصليين في المنطقة ذات الثروات الكثيرة. وهناك أمثلة كثيرة على سوء الأنظمة من عقول البشر سنأتي عليها بإذن الله. لذلك، وحتى نعطي الموضوع حقه، لابد لنا من دحض أسس الاقتصاد الغربي أولاً وذلك لمقارنته بالإسلام.
ولكن تذكر أخي القارئ إن الازدهار الإنتاجي الصناعي الذي يعيشه العالم ليس بالضرورة من نتاج الأنظمة الاقتصادية الوضعية، بل هو بسبب التراكم المعرفي للإنتاج ولإطلاق النظم لأيدي الناس كما مر بنا (في الحديث عن العقل والتمكين في فصل قصور العقل»، وهذا هو هدف هذا الفصل، وهو توضيح ضياع الأنظمة الاقتصادية المعاصرة الوضعية حتى تدرك أن الإنتاجية الهائلة الحادثة في عصرنا ليست بسبب الأنظمة الاقتصادية الوضعية. فلعل التخبط الذي عليه الاقتصاد المعاصر يقنعك بأن نظريات الاقتصاد شيء والتراكم المعرفي (وهو المسؤول الأول عن الغزارة الإنتاجية والتمكين (وهو المسؤول الثاني شيئان آخران. وهذه مسألة مهمة جداً لطرح هذا الكتاب ستتجلى أكثر وأكثر في ثنايا هذا الكتاب بإذن الله . فأرجو الالتفات لها. ولعلك تقول متعجباً: ولكن النظام الاقتصادي ما هو إلا تجسيد لحقوق تمكين الأفراد في أي نظام مجتمعي ؟ فأجيب: إلى حد ما فإن هذا صحيح. ولكن ما أحاول إثباته هو أن حقوق التمكين في النظام الرأسمالي برغم إطلاقها لأيدي البعض، وليس الجميع، ستؤدي دائماً لتقلبات اقتصادية وتلوث بيئي وفساد اجتماعي وقلق وأرق برغم إنتاجيتها المرتفعة. أما مع الإسلام كما سترى بإذن الله، فإن الإنتاجية ستكون أغزر وبجودة أعلى ودون تلويث ودون تقلبات وبساعات عمل أقل للجميع مع طمأنة مستمرة.
.
.
هنا لي توضيح وهو أنني احترت في وضع هذا الفصل بين الفصول، فإن وضعته هنا سيظهر نقد الرأسمالية والاشتراكية ركيكاً لأنني لم أوضح حركيات تمكين الناس في الإسلام ،بعد ، وإن أخرته فلن يظهر الفرق بينه وبين الإسلام جلياً. وبعد تردد قررت وضعه هنا لأنه فصل نقدت فيه النظم التي أنتجها العقل البشري القاصر ثم في الفصل الذي يليه بينت ما سعى له بعض علماء الأمة من تقبل لمثل هذه الأنظمة بطريقة تم تحوير الإسلام فيها ليظهر وكأنه يوجد دولاً بالمنظور الحديث وبالتالي مجتمعات بالمفهوم المعاصر. أي أني من الآن وصاعداً سأنقد في هذا الفصل كلاً من النظم التي هي من إنتاج البشر ، ومن ثم في الفصل القادم بإذن الله سأنقد الأسس الفكرية لمن


۷۳۸ 🗏
تبع
هذه
النظم من الفقهاء والمفكرين في العالم الإسلامي. ومن جهة أخرى فإننا بحاجة لفصلين لنقد ما أنتجته عقول البشر من خلال مرحلتين المرحلة الأولى، وهي موضوع هذا الفصل الذي يركز على الرأسمالية والاشتراكية من منظور قوة الدول القومية، وهو ما اعتدنا عليه؛ وفصل آخر عن المرحلة الثانية لإنتاج العقل القاصر وسميته «الفصل والوصل» ويركز على العولمة، إذ أن مفهوم الدولة القومية بدأ مع العولمة في الضعف، وهو ما لم نعتد عليه بعد برغم تغلغله في مجتمعات الغرب كما هو حادث في أوروبا الآن وسنبدأ بنبذة سريعة عن بعض ملامح سير الرأسمالية. وأريدك أخي القارئ أثناء قراءة هذه النبذة أن تركز على التخبط الفكري الذي كان ولا يزال عليه حال البشر اقتصادياً. ولأنه تخبط في الأنظمة الحاكمة بغير ما أنزل الله العليم الحكيم سبحانه وتعالى، فإنه سيؤدي لتغير منظومات الحقوق بالضرورة وبالتالي للفساد. كيف؟
الأسـ

الرأسمالية

لقد كانت الدولة هي المسيطرة على معظم النشاطات الاقتصادية وبالذات في الدول الاشتراكية. فهي المسؤولة عن توفير جميع الخدمات والسلع لعموم السكان إلا أن هذا النمط تغير فقد بدأ الاشتراكيون بمعانقة الرأسمالية بعد انهيار الإتحاد السوفيتي، وكان ذلك ببيع المؤسسات الإنتاجية التي كانت تلك الدول قد أممتها، وكان ذلك أيضاً بمحاولة استمالة شركات عالمية للعودة مرة أخرى بعد أن طردتها هكذا طارت أرقام وأوراق أسواق أسهم والسندات. لقد سيطرت على تفكير العالم الجديد بعد سقوط الاشتراكية مفاهيم جديدة كالمنافسة والانفتاح الاقتصادي والخصخصة وإلغاء القيود والأنظمة بهذا ظهرت أسئلة كثيرة محيرة عن دور الدولة. ما هو مجال ومسؤولية الدولة في الاقتصاد ؟ ما هي مسؤوليات الفرد وحدوده؟ ما هي حدود القرار الخاص وحدود القرار العام؟ إن الخط الفاصل بين هذه الحدود باتت مبهمة بين حقوق الفرد والدولة إنهم في ضياع، فكل خط فاصل سيؤدي لاستحداث أنظمة جديدة للحقوق. لقد ارتعد الاشتراكيون خوفاً بعد اصطدامهم بإنجازات الرأسمالية من غزارة في الإنتاجية مقارنة بما قدمه نظامهم الاشتراكي البائس الذي أثبت فشله بعد عقود من الممارسة على أرض الواقع. لقد اقتنعوا أن انتشار الفساد وسوء الإدارة أكثر من أن تحتمله أممهم، فلم يكن لهم خيار إلا معانقة الرأسمالية. فتحولت الكثير من الدول من نظام اقتصادي لآخر. أي أن منظومات الحقوق لديهم تغيرت. وسأمر سريعاً على بعض محطات التغييرات الاقتصادية المهمة لترى الضياع. ولكن تذكر أن كل تغيير اقتصادي سيؤدي لتغييرات في منظومات الحقوق، ولهذا عواقب كبيرة كما سترى بإذن الله، وليس كالإسلام الذي تميز بمقصوصة ثابتة للحقوق لا تتغير ويعرفها الجميع ما يؤدي لانتعاش إنتاجي كبير. فتأمل الضياع الآتي من جراء التقلبات
الاقتصادية.
لقد كانت الدول الاشتراكية تخنق السوق حيثما وجدته بالقضاء على الملكيات الخاصة واستبدالها بالتخطيط المركزي وملكية الدولة. فكان على الدولة أن تعرف كل شيء عن كل شيء. أما في الدول الرأسمالية فقد كانت الدولة تحاول السيطرة على السوق بمحاولة التعرف على ما يجري فيه قدر المستطاع ولكن دون خنق السوق. أي أن الدول كانت تقود الاقتصاد وتوجهه. ففي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت الدول هي القادرة


القذف بالغيب
۷۳۹
لأنه
يقيد
على توجيه الاستثمار لإعادة الإعمار. وفي الستينات من القرن العشرين كانت الدول تدير اقتصادها بمحاولة تلبية احتياجات السكان التي كانت محدودة. هكذا بدأ الاقتصاد الرأسمالي في السبعينيات من القرن العشرين يظهر انتصاره على النظام الاشتراكي. ولكن مع التسعينيات من نفس القرن بدأت الدول الرأسمالية تشهد تراجعاً في مسؤولياتها بعد اختفاء الاشتراكية لأن الفكر الذي بدأ يسود هو ضرورة إخفاق الدولة في تأمين الخدمات جميع لأنها إنما كانت تلعب الدور الرئيس في الاقتصاد والذي أثبتت التجارب الاقتصادية أنه طريق مسدود أيدي الشركات التي هي أكثر كفاءة وبتكلفة أقل فلم تتمكن الدول من منافسة الشركات اقتصادياً في توفير الخدمات الأفضل بسعر أقل. فكما هو معلوم فإن الخصخصة هي إرهاق للأفراد العاملين في القطاع الخاص، أما موظفوا القطاع الحكومى فهم مقارنة بالقطاع الخاص في راحة بإنتاجية أقل. أي بدأنا نرى منظومات حقوقية مالية أخرى في الظهور. فانتشرت الخصخصة كوسيلة اقتصادية للوصول لأفضل الخدمات بأقل الأسعار. ولعل المزاد الأكبر في العالم كان بيع الحكومات لمؤسساتها الإنتاجية والخدماتية للأفراد أي أن الدول بدأت بالتخلي عن مسؤولياتها تجاه الأفراد في معظم القطاعات. فقد بيعت شركات الكهرباء والنقل والهاتف ومصانع الحديد والفنادق والملاهي ومعظم ما تملكه الدولة سواء كان ذلك في الدول الاشتراكية التي تبنت الرأسمالية أو الدول الرأسمالية التي انفتحت على بعضها بعضاً. هكذا تم تحويل معظم النشاطات الاقتصادية في جميع أرجاء العالم من مسؤولية الدولة إلى القطاع الخاص، أي تغيرت منظومات الحقوق. وبهذا بدأ الجهاز التنظيمي للدولة ينقلب رأساً على عقب لأن العقيدة الاقتصادية التي بدأت تسيطر هي نبذ التحكم الحكومي مقابل الحصول على المنافسة في السوق الذي ينتج خدمات أكثر كفاءة وبأسعار أقل. إلا أن هذا لم يعن أن تفقد الحكومات دورها، فلا زال الكثير من الإنفاق الاجتماعي بيد الدولة التي تفرض الضرائب لتغطية احتياجات الناس مثل التعليم والصحة. فلن يستطيع الفكر الإنساني أن يعيش من غير مفهوم يعطي الدولة نوعاً من السيطرة، إلا أن هذا مقارنة بما كانت عليه الدول سابقاً يعني أن الدولة أصبحت أقل انشغالاً بالتخطيط للمجتمع لأنها أصبحت أقل حيازة للملكية وأقل قدرة على السيطرة بسبب اتساع حدود السوق وبانفتاح الأسواق أكثر وأكثر تمكنت رؤوس الأموال من الإنتقال بين الدول. فكانت نشاطات الشركات تنتقل من بيئة لأخرى بحثاً عن بيئة أقل تقييداً وأكثر ربحاً، أي بيئات ذات حقوق مجابهة أقل. وبهذا تشابكت الأسواق بسقوط الحدود الاقتصادية وتدفقت الأفكار بين الأسواق وما ساعد على هذا التشابك سرعة وحرية انتقال المعلومات ورؤوس الأموال باستخدام التقنيات السريعة كالحاسبات الآلية والطائرات وحتى السفن التي تنقل أثقل المنتجات. هذه التغيرات وضعت الإنسانية فكرياً في مأزق يتمثل في حيرة لا مخرج لها بين ميزانين: الأول: ميزان محير بين كفتي الثقة وسرعة الانتقال والثاني: ميزان محير بين الكفاءة والعدالة. لننظر للميزان الأول:

الميزان الأول : الثقة

لقد كان الفكر السائد هو أن النمو الاقتصادي واحتياجات الأفراد من خدمات بحاجة لإدارة مركزية كبيرة وتنسيق لا تستطيع أي جهة القيام به إلا الدولة. وكان هذا المفهوم مبنياً على أساس الثقة. الثقة من الناس في الحكومات، والثقة بين مؤسسات الحكومة ذاتها الثقة من جماهير الشعوب بأن القيادة السياسية المنتخبة من


٧٤٠ 🗏
الشعوب باستطاعتها تجميع المعلومات وإيجاد المعرفة الكافية التي تمكن الدول من استثمار ثروات الأمة لما فيه خير الشعوب مستقبلاً. فالدولة هي التي تستطيع فقط كشف الضباب المعرفي عن المستقبل البعيد المجهول. وكان هذا تحت منظار علم الاقتصاد الذي كان يستخدم خليطاً من الأدوات لتسيير الاقتصاد مثل التخطيط والسياسات الصناعية والإدارة المالية والسياسة النقدية كتبني الكينزية مثلاً والإنفاق على الأبحاث التي تتطلب صبراً طويل الأجل لتؤتي ثمارها. هكذا كانت العقيدة عند أي عالم اقتصادي، أي اليقين بحتمية إخفاق السوق في تقديم بعض الخدمات والمنتجات نظراً لاستحالة التنسيق بين المتنافسين في السوق. لذلك كان لابد للدولة من التنسيق من خلال التخطيط والسيطرة والذي تطلب خزاناً كبيراً من المعرفة. لذلك كانت قنوات التدخل من قبل الدولة باستثمار هذه المعرفة عن طريق قرارات بيروقراطية مركزية أي وكأن الدولة شركة تأمينية كبيرة، تفعل ما تشاء وتترك للسوق ما تشاء. هكذا رسمت حدود الحقوق. فقد كانت مآسي إخفاق السوق في الثلاثينيات من القرن العشرين لاتزال في ذاكرة الجميع. وهكذا عاشت الدول الرأسمالية نمواً واضحاً لثلاثة عقود حتى السبعينيات عندما قطعت دول النفط العربية إمداداتها فارتفعت أسعار النفط مضيقة بذلك على الاقتصاد عندها استيقظ العالم الرأسمالي على حقيقة أن الدولة لا تستطيع جمع المعرفة بشكل كاف لتسيير الاقتصاد. فقد قامت الأبحاث الاقتصادية بإظهار ما كان من فساد اقتصادي وتضخم لم يلحظه المجتمع بسبب التشبع الإنتاجي الذي جعل الناس في رفاهة مقارنة بالثلاثينيات (وكما ذكرت وأكرر فإن هذا التشبع الإنتاجي ليس بسبب النظام الاقتصادي، ولكن بسبب التراكم المعرفي والتمكين النسبي للناس). فقد كان التضخم في الستينيات برغم عِظَمِه لم يصل لمرحلة تؤرق الشعوب. ولكن بعد ارتفاع أسعار النفط لم تتمكن الدول من تخطي الأزمات التي كانت قد تراكمت لتفضحها أسعار النفط. فلم تفلح الأدوات القديمة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية، فلم تفلح مثلاً زيادة الأجور في إطفاء نار التضخم. فبرغم الركود الذي أعقب أزمة النفط سنة ۱۹۷۳م وما أدى إليه لارتفاع التكلفة إلا أن التضخم والبطالة بدءا بالعودة وبتسارع كبير. هكذا استيقظ العالم الغربي ليجد نفسه مع التزامات اجتماعية كبيرة فيما يسمى بدولة الرفاه. فقد ترسخ التضخم أكثر وأكثر من خلال العجز الحكومي وجمود سوق العمل وما شابه لدرجة أن الأدوات القديمة التي تسيطر على الاقتصاد مثل التحكم بالأجور والأسعار لم تعد تفلح. هكذا اهتزت ثقة الشعوب بالحكام المنتخبين لعدم تمكنهم من قيادة الأمم اقتصادياً.
أي أن الثقة بمعرفة الحكومة بدأت في الاهتزاز في أذهان الشعوب فكانت الشعوب مهيأة لتقبل نظام اقتصادي آخر. وبهذا بدأت إعادة النظر في دور الدولة في السوق: هل على الدولة الانسحاب من التحكم في السوق؟ وما هو دور الدولة إذاً؟ لقد ظهرت الحاجة لثورة اقتصادية تسير الأمم . فكانت بذورها في أن قوى السوق من عرض وطلب هي الأقدر لحل جميع المشاكل والتي طبقتها مارجريت تاتشر (رئيسة وزراء بريطانيا) على أرض الواقع بعد فوزها في الانتخابات. وبهذا ظهر حوار فكري اقتصادي في أوساط المهتمين بسير الأمم عن دور السوق: منهم من يعتقد أن فلتان السوق دون لجام يعني تعرض الحضارات للخطر، ومنهم من يرى أنه الحل مثل فريدريك هايك وملتون فردمان وسيأتي توضيحه بإذن الله في فصل «الفصل والوصل»). فالأسواق لا ترحم. فمع تزايد المنافسة حدة يرتفع المستوى المعيشي عند البعض وبخدمات أفضل وحرية أوسع، إلا أن البطالة ستزداد وستنضغط أماكن العمل وتسوء أحوال العمال وستتلوث البيئة وينعدم الأمان للموظفين المأجورين بفصلهم في أية لحظة أو بخفض أجورهم ؛ وكل هذا فقط لترتفع أسهم الشركات في الأسواق المالية. وبالطبع، فإن مواقف الناس من


٧٤١
القذف بالغيب
هو
هذه الأفكار عادة ما تعكس مصالحهم. فيندر أن ترى فقيراً يريد للسوق المزيد من التحرر، ويندر أن ترى ثرياً لا يريد التحرر. أي أن المصالح أو الأهواء هي التي تدفع الحلول من خلال الديمقراطية، فالحل المعمول به هو حل الأقوى والأكثر حضوراً عند صناديق الاقتراع. وهكذا فإن جميع الأطراف لا تثق بحلول الأطراف الأخرى. وهذا النوع الأول من فقدان الثقة بالنظام الاقتصادي والذي تسبب في تقلبات في منظومات الحقوق. لنضرب بعض الأمثلة: عندما تغير الدولة سياستها التي لا تساند العمال وتقف مع أصحاب رؤوس الأموال خوفاً من هروبها، ومن ثم تتمكن الشركات من حل النقابات فإن حقوق العمال ستتغير. وعندما تخصخص الدولة جزءاً من التعليم أو الصحة، فإن من كان له الحق في التعليم المجاني سيضطر للتكيف مع الوضع الجديد إما بالقبول بشهادات أقل من جامعات حكومية أو بالحصول على قرض مالي لتسديده بعد الانتهاء من الدراسة في الجامعات الخاصة، فيستمر في حياته المالية منهكاً لأمد بعيد. وهكذا.
أما النوع الآخر من فقدان الثقة فهو بسبب سرعة الانتقال لكل شيء؛ فالأموال تنتقل بحرية دون حدود، والموظفون ذوو المهارات العالية ينتقلون من بلد لآخر، حتى البضائع مهما كانت في ثقلها فإنها تُنقل من بلد لآخر. هذه السرعة في الانتقال (والتي هي نتيجة حتمية لا مفر لها للبشرية بسبب التقدم المعرفي) فرضت بيئة تبدد الثقة في الحكومات وبين الحكومات. فكل حكومة تخشى من فرار رؤوس الأموال لدول أخرى. ففي السابق، كان بإمكان الدول حبس رؤوس الأموال داخل حدودها، وكذلك الأفراد والمعرفة، فيندر أن تجد تاجراً يفكر في نقل عمله أو مصنعه لموقع بعيد، أما الآن فإن الشيء الوحيد الذي تستطيع الدول حبسه هو المنتجات بفرض الجمارك على المستوردات والضرائب على المنتجات، أما كل شيء غير المنتج فبالإمكان فراره لمكان آخر، بهذا ضعفت مقدرة الحكومات في السيطرة، وكان عليها أن تتنافس مع الحكومات الأخرى بتقديم المزيد من التنازلات لجذب رؤوس الأموال والمهارات. هذا التنافس بين الدول أفقد الجميع، حتى الحكومات نفسها، الثقة بالحكومات. فلن تستطيع الحكومات من الاتفاق فيما بينها مجتمعة على نظام واحد يجسد مصالحها، لذلك ظهرت النزاعات والاختلافات التي تحاول منظمة التجارة العالمية إيجاد حل لها. أي أن التقدم المعرفي الإنساني الذي أوجد سرعة الانتقال قد زعزع الثقة في الحكومات، فأصبحت الكرة الأرضية وكأنها غابة يهرب فيها كل من ظلم آخراً لموقع آخر. القوي يأكل الضعيف اقتصادياً، وهذه هي شريعة الغاب لأنه لا دولة واحدة تحكم العالم. ولكن ما معنى تزعزع الثقة؟ إنها تعني باختصار القلق المستمر للجميع والذي يدفع الجميع للمزيد من السرعة في الإنجاز والمزيد من العمل ليطمئن على حاله أنه بخير خوفاً من الخروج من السوق أو فقدان السوق للأفراد والشركات والدول. وكل هذا سيؤدي لاستمرارية تخطيط كل فرد ضد الآخرين. فتصبح الحياة برغم إنتاجيتها الغزيرة مؤلمة مؤرقة كما سيأتي بيانه بإذن الله. وكما سترى فإن الإسلام سيؤدي لإنتاجية أعلى مع ثقة بين جميع الأطراف ليهنأ الجميع بطمأنينة تمكنهم من المزيد من الإبداع. وقبل تبيان الميزان المحير الآخر والأهم (الكفاءة والعدالة) لابد من بعض التوضيحات (تذكر أخي القارئ أننا لازلنا نحاول توضيح قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾:


٧٤٢ 🗏

الثورة الصناعية

إن من يقارن المجتمعات الفقيرة المتسمة بالفوضى في كل شيء مع تمكن المجتمعات الغربية العلمانية المدججة بالأنظمة والقوانين المدنية سيستنتج أن طريق التمكن الإنتاجي لا يمكن أن يتأتي إلا من خلال الديمقراطية والتي أفرزت من خلال العقل البشري الأنظمة والقوانين. فكل شيء منظم كما يقولون. لذلك تجد الدول الإسلامية تتسابق للشرب من نبع تلك الأنظمة المدنية الغربية. ولكنك قد تقول: إن الذي وصف في الفصول السابقة عما يجب أن يكون عليه الإسلام لن ينتج مجتمعاً متمكناً بدليل ضعف المسلمين الـشـديـد المادي مقارنة بالغرب الذي أخذ بالقوانين المدنية. فالحياة في العالم الإسلامي تقليدية وذاتية الاستهلاك وليست تصديرية، فلم يظهر التراكم المعرفي والزخم الإنتاجي عند المسلمين، وكانت المجتمعات التقليدية، أي اللاحداثية، متشرنقة في
مكانها دهوراً من حيث الإنتاج نوعاً وكماً، فلماذا لم تزدهر تلك المجتمعات وازدهر الغرب؟ لنتقصى المسألة:
إن الإنتاجية البشرية التصنيعية في تاريخها الطويل كانت تتقدم ببطء شديد نوعاً وكماً حتى بداية القرن السادس عشر الميلادي. ثم بتطور صناعة النسيج في إنجلترا لقرنين وتمركز رأس المال حول الصناعة وتقبل الناس لفكرة الكسب المادي والذي كانت لا تحث عليه بعض الأديان بكل هذا قفزت الإنتاجية بالثورة الصناعية في إنجلترا. ومن هذا يستنتج الكثير بأن السبب في هذا القفز الإنتاجي هو التنافس الذي يدفع أصحاب رؤوس الأموال للمثابرة على الإنتاج ضمن إطار مجتمعي يدعم ذلك، وبهذا يكون الاستنتاج بأن الرأسمالية بالديمقراطية وبالحداثة هي النفق للتقدم فقد ظهر سؤال خاض فيه الكثير عن سبب ظهور الرأسمالية والثورة الصناعية في الغرب وليس في مكان آخر كالصين مثلاً. فمنهم من قال أن السبب هو النمو السكاني الذي تطلب أسواقاً للسلع المصاحب لتوفر الأيدي العاملة في أوروبا، إلا أن هذا الظرف حدث في الصين في القرن الثامن عشر التي لم تكن قد وصلتها الثورة الصناعية بعد .. ومنهم من قال بأن السبب هو تدفق المواد الخام من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا في القرن السادس عشر الذي أدى لحركة تجارية. إلا أن الذي استفاد من هذا التدفق هم البرتغاليون والأسبان بالدرجة الأولى، ومن المعلوم أن الرأسمالية بدأت في الظهور والانتعاش في كل من إنجلترا وهولندا والمدن الإيطالية. ومنهم من يعزو ذلك إلى جغرافية المنطقة، فالبحر الأبيض المتوسط المحيط بإيطاليا وشبكة الأنهار التي بها ساعدت على انتشار السلع وتدفقها كما هو الحال في إنجلترا، وهذا لم يتوفر في الهند أو الصين مثلاً.
ومن الآراء القوية حول سبب ظهور الرأسمالية هو مقدرة الفرد على تكوين رأس مال واستثماره أكثر وأكثر. فمع قهر العمال بأجور متدنية مقابل ساعات عمل أطول وتوظيف الأطفال وسوء ظروف العمل الصحية وغيرها تراكمت الأرباح لدى البعض فوظفت مرات ومرات في أعمال ذات أحجام أكبر. فتراكمت الخبرة في توظيف المال ما ساهم في زيادة الإنتاج لأن قاعدته قد توسعت كما يزعمون. وكما يقال فإن من يعمل لا يكسب، ومن يكسب عادة لا يعمل، بل يفكر كيف يستثمر. أما إن حدث العكس، أي لم يتراكم رأس المال (بسبب تحسن أجور العمال وظروف عملهم (مثلاً لما تجمع رأس المال ولما زاد الإنتاج لعدم اتساع القاعدة الاستثمارية. وهذا الرأي لسبب ظهور الرأسمالية سلبي كما ترى لأنه يصف موجدي الرأسمالية بالجشع، إلا أن فيبر Weber أتى وألبسها ثوباً آخر أكثر إيجابية، فهو يرى أن التفسير الأقرب لظهور الرأسمالية في إنجلترا هو العقيدة التي يتمتع بها الناس والتي تؤثر في منطقهم وقيمهم فهو يرى أن البوذية والهندوسية، وإلى حد ما النصرانية الكاثوليكية، هي


القذف بالغيب
٧٤٣
هي
معتقدات تدفع الناس للإعداد للآخرة وبهذا يهمل الناس دنياهم، وبهذا يتقبل الناس واقعهم بدل محاولة تغيير حالهم لما هو أفضل. أي أن الأديان، إن استثنينا البروتستنتية وهي عقيدة الإنجليز، تؤدي للتقاعس كما يستنتج فيبر. فالبروتستنتية (وبالذات الكالفينية Calvinism وهو المذهب اللاهوتي البروتستنتي)، كانت ثورية وبالذات في ثلاث خصال: الأولى هي أنها غيرت العقيدة الكاثوليكية ذات النداء الباطني التأملي الروحي في الأديرة إلى التركيز على فكرة النداء الباطني العملي للعالم. وبهذا فقد حملت معتنقيها مسؤولية العمل على تغيير الطبيعة لتعظيم الرب، فهي بهذا أخرجت التهذيب الذاتي الذي كان داخل الأديرة إلى حياة عامة الناس فكبرت القاعدة الإنتاجية. والخصلة الثانية هي أن عقيدتها الزاهدة المتقشفة التي منعت التبذير والإسراف أدت إلى عدم تبذير الثروة التي جمعت بالعمل الجاد في التباهي في النفقات التفاخرية، بل يجب أن تدخر لدورة أخرى من الاستثمار. والخصلة الثالثة العقيدة الحتمية أو القدرية التي أبعدت محاولة فهم أو حتى التأثير على ما يقوم به الرب لإنقاذ النفس، وهذا ما اعتبره كالفين Calvin كفراً وجرأة على الرب. وهذا المفهوم، كما يرى فيبر، أوجد قلقاً بسبب عدم تأكد الناس أو الوثوق من مصيرهم. لهذا انطلق البروتستنتيون في البحث عن علامات قاموا هم باختيارها، وكانت العلامة الأوضح بالنسبة لهم هي التطور في هذا العالم. وبهذا فقد أوجدت هذه الخصال الثلاث عقيدة حضارية ذات انجذاب روحي إلى زيادة الثروة، فبرئت الرأسمالية من خطيئة الجشع، ووضع الإخلاص في العمل والإتقان كالتعبد في الأديره. وهذه العقيدة لم توجد في الأديان الأخرى، كما يقول فيبر ، لأنها اعتبرت منافية للعقل وسخيفة، فلماذا يعمل الإنسان إن هو جمع من المال ما يزيد عن كفايته؟ فالبروتستنتية إذا جعلت من مفهوم زيادة الثروة مفهوماً ذا مغزى. وقد أمضى فيبر الكثير من عمره لمحاولة حل هذا اللغز: لماذا ظهرت الرأسمالية في أمم الغرب قبل غيرها من الأمم. إلا أن هذا الطرح، وبرغم أنه الأقوى بين أطروحات الباحثين، قد رفضه البعض. فمن الباحثين من أثبت أن رجال الأعمال الأوائل الذين نشروا الرأسمالية لم يكونوا ملتزمين بالبروتستنتية، ومنهم من قال
أن الدافع لجمع المال وتكديسه دون التمتع به لهو منطق مرفوض، فما الحكمة من ذلك؟ وهكذا تضاربت الآراء. والطرح الذي أراه هو غير ذلك. فالناس لم يتغيروا في مقدراتهم العقلية والجسدية قبل الثورة الصناعية وبعدها، فالناس لم يكونوا قروداً ثم تطوروا كما تقول نظرية التطور لداروين، فهم بذلك ليسوا أكثر ذكاءً بعد الثورة الصناعية من قبلها، ولكن الذي تغير هو التراكم المعرفي في شتى المجالات والذي أثر في فكرهم. كما أن ما يدعيه فيبر من أن الأديان الأخرى لا تدفع للعمل لأنها تحث الأفراد للإعداد للآخرة قد يكون صحيحاً مع الأديان الأخرى، إلا أنه بالطبع مرفوض من النظرة الإسلامية. فالإسلام دين يحث على العمل والعطاء الدنيوي أكثر من أي دین آخر حتى البروتستنتية، وذلك للآتي : إن الفروق بين الإسلام والبروتستنتية في هذه المسألة جذرياً مختلفة. فالبروتستنتية كما وضحنا تدعو الأفراد للتقشف والزهد في الدنيا من جهة، وتدفعهم لجمع المال من جهة أخرى. وهذه وصفة محكمة للكساد الاقتصادي كما هو معلوم، ولا أدري كيف أن المجتمع الغربي تقبل هذه المعادلة على أنها أساس للرأسمالية علماً أن جامع المال سيحاول زيادته وأنه سيستطيع ذلك إن كان أفراد المجتمع منفقين، أي مستهلكين، أما إن كان العكس، أي أن جامع المال لن يتمكن من زيادة رأسماله بيسر لأن ثقافة المجتمع هي

هامش

هـ) نسبة لكالفين اللاهوتي البروتستنتي الفرنسي (١٥٠٩-١٥٦٤) القائل بأن قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته.


٧٤٤ 🗏
التقشف، فإن الاقتصاد لن ينتعش. فكما هو مقبول عند بعض علماء الاقتصاد فإن كثرة الإنفاق من الناس هي من أسس انتعاش الاقتصاد. فقد قال كينز إن اكتناز المال يؤدي إلى تخفيض العمالة لأن حجز جزء من مال الفرد معناه إلغاء جزء من الاستهلاك. ولما كانت العمالة هي النتيجة الطبيعية للاستهلاك، فيكون نقص الاستهلاك هو المؤثر على العمالة. أي أن نقص الاستهلاك يؤدي إلى كساد الإنتاج، ثم زيادة البطالة. كما أن استغلال المال يؤدي إلى فتح أبواب الرزق للناس وازدياد الدخل القومي ورفع مستوى المعيشة». أي أن إنفاق الناس (وليس الدولة لأن الدولة لا مال لها إن طبقت الشريعة) مسألة ركيزية لأي اقتصاد حتى ينتعش. وكما سيأتي بإذن الله في فصل «الفصل والوصل» فإن الشريعة تحث الناس على الإنفاق قدر المستطاع. فقد وردت الكلمات المشتقة من «نفق» التي تحث على الإنفاق في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ ، وقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿قُل لِعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْل أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلٌ﴾ ، وقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءَاتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. وقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فقط تدبر قوله تعالى: ﴿تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ والتي تدفع الناس للإنفاق. ومن الأحاديث ما جاء في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا). وأحاديث أخرى كثيرة سنأتي عليها في فصل «الفصل والوصل بإذن الله . فمسألة الإنفاق هذه مسألة جد معروفة في الفقه الإسلامي.
الله
.
ولعل لك سؤالاً مبرراً هو : لماذا لم يتقدم المسلمون إن كانت مقصوصة حقوقهم تدفعهم لزيادة الإنفاق المؤدي لزيادة الإنتاج؟ أي لماذا تفوقت الرأسمالية؟ الإجابة هي أن الظروف المهيئة للانطلاق والتي ذكرناها سابقاً (الموارد والموافقات والمعرفة) هي ما فقدها المسلمون بعد عهد الخلفاء، ولم تحصل عليه المجتمعات اللاحداثية فكان التخلف للجميع. فأنا أعتقد أن الثورة الصناعية أتت متأخرة على البشرية، وكان من المفترض بها أن تأتي قبل ذلك بقرون إن أتيحت الفرصة لأي مجتمع وأطلقت أيدي أفراده لاستغلال الموارد ومن ثم التراكم المعرفي. إلا أن هذا لم يحدث إلا على يد الغرب. أي أن الرأسمالية لم تؤد للمزيد من التصنيع لأن نظامها الاقتصادي الاجتماعي يدعم ذلك، بل لأن الأنظمة الأخرى مثل الحضارة الإسلامية بعد الخلافة كانت تقيد الشعوب، فالرأسمالية أكثر إنتاجية من الحضارات اللاحداثية ولكنها ليست أكثر إنتاجاً من الإسلام إن طبق. ولتوضيح هذا أقول:

البيروقراطية والتشابك المقيت

لقد تحدثت عن البيروقراطية سابقاً، ولكن دون تعريف واضح فما هي البيروقراطية؟ البيروقراطية كما هو معلوم bureaucracy كلمة مكونة من مقطعين: الأول هو «بيرو»، وتعني مكتب؛ والثاني «قـراطي» وتعني حكومة، أي أنها تعني مكتب حكومي إن معظم حياتنا الآن مرتبطة بيروقراطيا بالدولة، فهوياتنا منذ الولادة هي


القذف بالغيب
V20
بيروقراطية في طبيعتها، تبدأ من شهادة الميلاد وتنتهي بشهادة الوفاة مروراً بالشهادات الدراسية ورخص القيادة وتراخيص فتح المحلات والمصانع، فهذه محطات تتمكن فيه الحكومات من السيطرة على الأفراد والبيروقراطية هي أيضاً كل ما يعني تنظيم السياسات العامة للمجتمع من خلال الدولة، فهي وسيلة تنفيذ القرارات السياسية. ومن أهم المنظرين للعالم الغربي مثلاً ماكس فيبر الذي اعتقد أن زيادة الإنتاجية تأتي من خلال استخدام الهياكل التنظيمية الكبيرة الحجم كجهاز الدولة أو الشركات الكبرى، وأن هذه الإنتاجية تكون من خلال التنظيم البيروقراطي الذي يتصف بالنموذجية والعقلانية والكفاءة بالاستناد للسلطة الشرعية. لذلك وحتى يقوم الجهاز بعمله فعليه تقسيم العمل في تسلسل هرمي بطريقة تمكن المسؤولين كل في موقعه الهرمي من التحكم في سلوك العاملين تحته والسيطرة على أدائهم. كما أن البيروقراطية تحاول تقديم الخدمات بالتساوي بين المواطنين، وما إلى
ذلك من مسائل معروفة.
داخل
ونظراً لفشل البيروقراطية في الكثير من المجالات في العالم الغربي، وبرغم ظهور تنظيرات تنادي بالتخلي عنها مثل ما عرف بالتنظيم الحيوي أو adocracy) وهذا ما يطالب به البعض عندما يتطلب العمل سرعة الإنجاز)، إلا أن البيروقراطية لاتزال هي الأداة المهيمنة في العالم الحداثي. إذ يستحيل على المجتمع السيطرة على توزيع الموارد واتخاذ القرارات على مستوى أمة إلا من خلال الأجهزة البيروقراطية. فمن النقد الموجه للبيروقراطية مثلاً أنها تؤدي إلى ما يعرف بالتحوصل، وهي ولاء العاملين في أي قطاع حكومي للقسم الذي هم فيه حتى وإن لم يكن ذلك في صالح المجتمع. فموظف وزارة التعليم عادة ما يعتقد أن التعليم أهم من الصحة والعكس صحيح. حتى الجهاز الإداري الواحد سواء كان ذلك في الحكومة أو في الشركة، فإن ولاء كل موظف عادة ما يكون لقسمه، وفي هذا هدر كبير للموارد لأنه سيؤدي للتجابهات بين الموظفين في جميع المستويات وفي جميع الدوائر لاختلاف قناعاتهم. ومن سلبيات البيروقراطية المعروفة هي أن الموظفين عادة ما يتمسكون بصلاحياتهم بشكل مجرد دون وعي منهم لأهداف تلك الصلاحيات ما يؤدي في الغالب إلى التشدد غير المبرر في الإجراءات، إذ أن الإجراءات الورقية في الغالب ما تصبح جزءاً من قيم الموظف ذاته التي لا يستطيع التغلب عليها. فإن كانت هناك مثلاً سلسلة من التواقيع المطلوبة لمعاملة ورقية ما، فإن قفز المواطن عند التوقيع موظفاً ما وذهب لمن قد يحل محله وحصل على التوقيع فإن ذاك الموظف الذي قفز، وخوفاً على نفسه من أن يُستغنى عنه، سيزداد تشدداً بضرورة مرور الجميع عليه من خلال التذمر ورفع الشكاوى ضد من وقع . عنه، ناهيك عن استخدام مثل هذه الصلاحيات في الأغراض الشخصية. ومثل هذه المسائل معروفة للجميع.
ولكن لماذا ذهبت المجتمعات لتبني البيروقراطية كنظام محوري في المجتمع؟ هناك قناعة لدى الكثير بضرورة فشل السوق في تقديم الخدمات العامة مثل إنشاء الطرق والتعليم، لذلك فإن المجتمعات بحاجة لأجهزة الحكومات التي عادة لا تعمل إلا من خلال البيروقراطية وهناك قناعة بضرورة وجود جهاز يسيطر على الاقتصاد حتى يستقر، وهناك قناعة بضرورة العدالة في المجتمعات على جميع الأصعدة سواء في توزيع الثروات أو في السيطرة على الأمن. وهكذا تجمعت القناعات. وفي هذا الكتاب أخي القارئ سأحاول بإذن الله تبديد جميع هذه القناعات. وحتى نستمر، أريد وضع التعريف الآتي للبيروقراطية لأنني سأستخدم الكلمة كرمز للتعبير عن كل عمل أو فعل أو مجهود أو استثمار لا يفيد الأمة. ولكن هذا التعريف أيضاً بحاجة لتعريف آخر. فعبارة: «لا يفيد الأمة»، عبارة


٧٤٦
يصبح 🗏
مطاطة تؤدي للكثير من الجدل. فقد يقول قائل أن في تثقيف ابن السلطان فائدة للأمة مهما بلغت التكاليف لأنه قد سلطاناً يوماً ما، وقد يقول آخر إن في إنفاق مال لوضع نظام مروري جديد استثمار في الأجيال، وقد يقول ثالث إن في التثبت من مقدرات الناس على تسديد القروض من خلال إثباتات ورقية عن ماضي هؤلاء الناس المالي حماية لأموال المجتمع من الهدر برغم أن فيه بعض الاستنزاف لأوقات الموظفين. وهكذا فإن التعريف لازال جدلياً وذا أبعاد تختلف من فرد لآخر. وكما سترى في هذا الكتاب بإذن الله، فإنه سيؤدي للتعريف الآتي: إن ما يفيد الأمة فقط ينحصر في الآتي: إما إيجاد منتج عيني من مستهلكات ملموسة مثل الخبز والكرة، وهذه قد تُقسم أيضاً إلى منتجات ضرورية ومنتجات حاجية ومنتجات تكميلية. وإما منتجات خدمية مثل التطبيب والتعليم والتنظيف والتي قد تُقسم أيضاً إلى خدمات ضرورية وحاجية وتكميلية. وللتوضيح بأمثلة: بالنسبة للمنتجات العينية فهي كل مستهلك ضروري وملموس مثل الخبز والقميص والدواء وما شابه من ضروريات وما يؤدي لإنتاجها، فالخبز بحاجة للقمح، والقمح بحاجة للماء، واستخراج الماء بحاجة للمضخات وهذه بحاجة للكهرباء، وتوليد ونقل الكهرباء أتى من تراكم المعرفة في تخصص الكهرباء، وهكذا. والقميص بحاجة للغزل والغزل لا يتم إلا بالقطن، والقطن بحاجة للنقل من المزرعة للمصنع، وهذا لا يتم إلا بالشاحنات التي لا تتحرك إلا بالوقود، وهكذا مع الدواء الذي هو بحاجة لمواد تستخلص من النباتات والحيوانات والتي تحتاج للمعرفة وتحتاج للمعامل والتي تحتاج للمعادن والأخشاب في تصنيعها. بالإضافة لهذه الضروريات فهناك الحاجيات مثل الطائرة وغسالة الملابس مثلاً، فكلاهما بحاجة للمعادن في التصنيع، والمعادن في باطن الأرض وبحاجة للحفر للإنتاج والحفر بحاجة للجرافة والتي يُستخدم الحديد في صناعتها والذي يستخرج من الأرض، وهذه الجرافة التي تخدم الأمة فيما هو ضروري تخدمه حاجي أيضاً. وبالإضافة للضروريات والحاجيات فهناك الكماليات، مثل الكرة والحقيبة، وهما بحاجة للجلود والتي تنتج من الحيوانات التي لابد من تربيتها أو صيدها، وهذا لا يتم إلا باستخدام ضروريات أو حاجيات أخرى مثل الحظائر التي بها البوابات التي تنتج باستخدام الأخشاب والمعادن. وهكذا مهما فكرت تجد أنك تدور في دائرة من المنتجات التي تتغير في مواقعها من حيث أهميتها من ضروريات إلى حاجيات أو كماليات أو بالعكس، كل يحتاج للآخر في الإنتاج. ولعلك لا توافق معي على ما ضربته من أمثلة سابقة لأنني اعتبرت هذا المنتج من الضروريات وهو بالنسبة لك قد يكون من الكماليات. وهذا لا يهم كما سترى بإذن الله، ولكن المهم هو أن الفرد يكسب عيشه من إيجاد مثل هذه المنتجات.
فيما هو
أما بالنسبة للمنتجات الخدمية فهي جميع الخدمات غير العينية مثل تنظيف مرافق المدينة والتطبيب والعلاج والتعليم ونقل الناس بشتى أنواع المواصلات وما شابه. وجميع هذه الخدمات تستهلك أعياناً بالطبع. فلا تنظيف دون معدات، ولا تعليم دون صفوف وطاولات ومعامل. وهذه الخدمات أيضاً تُقسم إلى خدمات ضرورية مثل توليد ونقل الكهرباء، وخدمات حاجية مثل نقل الطرود بالطائرات، وخدمات تكميلية مثل نشاطات المتاحف. وبالطبع هذه الخدمات قد تتغير في أهميتها من حاجية إلى تكميلية من فرد لآخر، فما يراه الفرد حاجياً قد يراه الآخر تكميلياً كجراحة التجميل مثلاً. ولكن المهم هو أن أفراد المجتمع إن لم يكونوا منشغلين «مباشرة» بإنتاج مستهلكات ضرورية أو حاجية أو تكميلية فهم منشغلون «مباشرة» بإنتاج خدمات إما ضرورية أو حاجية أو
فإن جميع
تكميلية.


القذف بالغيب
٧٤٧
لاحظ أنني قلت: «مباشرة»، فما معنى هذا القول ؟ هنا نأتي لتوضيح البيروقراطية. هناك من الأفراد من يقول أنه ينتج ما يفيد المجتمع إلا أن إنتاجه غير مباشر. مثل الكاتب في المحكمة الذي يكتب صكاك ملكيات الأراضي، فهو يقول بأنه إن لم يقم بعمله فسوف تختلط ملكيات الأراضي بين الناس ما يؤدي إلى مشاحات بين الملاك وقلاقل قد تؤدي إلى القتل أحياناً أو إلى تعطيل استثمار تلك الأراضي لعدم ثبوت ملكياتها في المحاكم. مثال آخر: إن من يعمل في شركة تأمين للعربات يدعي أن التأمين يؤدي للمزيد من الاطمئنان الذي يدفع الجميع للمزيد من الإنتاجية. مثال ثالث: إن من يعمل في المباحث يقول بأن في عمله ضرورة لتتبع من قد يزعزعون أركان الأمن في
للقضاء
تلحظ
البلاد لذلك لابد من تتبعهم ) عليهم. أخي القارئ بأن جميع الأفراد في الأمثلة السابقة لا يقدمون منتجاً عينياً أو خدمياً مباشرة، بل هي أعمال ستؤدي إلى تيسير سهولة إيجاد منتجات عينية أو خدمية كما يدعون. ولعلك لاحظت أنهم جميعاً بالتأكيد لا ينتجون مستهلكات عينية، بل خدمات يعتقدون أنها ضرورية، والسؤال هنا هو: هل يمكن إيجاد مجتمع يستغني عن جميع هذه الخدمات غير المباشرة؟ لأننا إن تمكنا من إيجاد مجتمع تركيبته الاقتصادية السياسية تؤدي لإيجاد مجتمع يستغني عن هذه الخدمات غير المباشرة فقد وفرنا الكثير من الأيدي العاملة والتي بالتالي ستعمل إما في إيجاد أعيان استهلاكية أو خدمات مباشرة، وعندها سيزداد الخير في المجتمع لازدياد نسبة المنتجات لأن من يعملون في خدمات غير مباشرة سينتجون أعياناً. فالبيروقراطية هي إذا أعمال هؤلاء
الأفراد الذي يشتغلون في قطاعات لا تنتج أعياناً استهلاكية أو خدمات مباشرة، بل خدماتهم غير مباشرة. كما أن هؤلاء قد يحتاجون لمعدات وأدوات، فإن ألغيت أعمالهم فلن تحتاج المجتمعات لإنتاج الأعيان التي يستهلكونها. مثال ساطع لذلك رجال الاستخبارات: فهم في أعمالهم التجسسية يستخدمون الكثير من الأدوات المعقدة التي إن سُخّر مصنعوها في إنتاج ما هو أجدى لمجموع الأمة من أعيان لازداد رخاء الأمة. فقط تفكر أخي القارئ فيما يمكن أن يوفره المجتمع من إلغاء هذه الخدمات غير المباشرة من خلال إلغاء أماكن عمل هؤلاء الموظفين وما يستهلكونه من معدات وأدوات، والأهم هو التخلص مما يسببونه من عوائق لمن أراد العمل والإنتاج مثل وزارات الصناعة مثلاً التي تضع العراقيل تلو العراقيل لمن أراد إنشاء مصنع إلا إن تمكن من رشوتهم فرداً فرداً في جميع المستويات من الوزير لحارس الوزارة. وهكذا جميع الوزارات الأخرى كما في المثال الآتي:

وزارة الزبير والأهرام

إن المجتمعات الحديثة المبنية على عقول البشر سواءً كانت رأسمالية أو اشتراكية تشترك في انتشار البطالة المقنعة بنسب متفاوتة، والمقصود بالبطالة المقنعة كما هو معلوم، هم الأفراد الذين برغم أدائهم لأعمالهم إلا أنهم لا ينتجون فعلياً، أي يقومون بخدمات غير مباشرة. ولتوضيح ذلك سأضرب مثالاً ساخراً، والذي برغم سذاجته إلا أنه واقع مر: يقال أن هناك ثرياً أراد أن يتكرم على حي بمدينته بوضع زير للماء ليشرب منه المارة. والزير كما هو معلوم وعاء فخاري يحفظ فيه الماء ليبرد . فاستشار مستشاريه عن أفضل وضعية للزير حتى تأتي الاستفادة القصوى منه لسكان الحي. فاستخدموا عقولهم وقالوا له: إن عليه أن يضع حارساً بجانب الزير ليراقب الماء ليملأ الزير كلما نقص. ثم قالوا له إنه بحاجة لثلاثة حراس على الأقل، كل يعمل لثماني ساعات. وحتى يضمن عدم قيام أحد


٧٤٨ 🗏
الحاسدين بوضع السم في الزير (وهذا سيلوث سمعته)، فإن عليه أن يأخذ عينة كل عدة ساعات لفحص جودة الماء، لذلك فهو بحاجة لمعمل صغير وعربة تنقل العينة إلى المعمل، وبالطبع فلابد من متخصص في الكيمياء ليعمل في هذا المعمل بالإضافة للسائق الذي ينقل العينات. كما أن زيراً واحداً لن يكفي، فقد ينكسر الزير؛ لذلك فلابد من زيرين احتياطيين على الأقل. وحتى يبقى الماء نقياً لابد من تنظيف الزير يومياً بنقله إلى موقع ما لتنظيفه، أي أنهم بحاجة لمن يقوم بتنظيف الزير ، وبهذا أصبح من يخدم الزير ستة أفراد. ولكن الأفراد هؤلاء قد يهملون، لذلك لابد من مراقب يقف على أدائهم، فقد يأتي أحد أعداء الثري ويقوم بخداع أو رشوة الحارس أو منظف الزير ويضع ما يغير طعم الماء وبذلك تسوء سمعة هذا الثري. ولكن أين سيسكن هؤلاء السبعة؟ إذاً لابد لهم من مسكن يأويهم وغذاء يطعمهم، هنا أتت الحاجة لمن ينظف لهم مسكنهم ويطبخ لهم أكلهم، وهكذا أصبحوا ثمانية. ولكن كيف تصرف الأموال على هؤلاء الثمانية، فقد يأكلون أكثر مما يجب، وعندها ظهرت الحاجة لمسؤول مالي لينظم لهم مصروفاتهم ومرتباتهم. وحتى لا يسرق هذا المسؤول التاسع أموال الثري كان لابد من إيجاد عدد من ذوي الخبرة في أسعار المشتريات ليقدروا ما يقرر صرفه من الأموال في شراء المواد الغذائية والمعملية ومواد تنظيف الزير. ولكن أين ستوضع هذه المواد والزير الاحتياطي، إنهم بحاجة لمستودع والمستودع بحاجة لحارس، والحارس بحاجة لمسكن، والمسكن بحاجة لمن يستأجره، وهنا سيحتاجون لمن يقوم بذلك، وكل هؤلاء بحاجة لمن يدير لهم أمور عملهم، فماذا يحدث إن طلب أحد هؤلاء إجازة سنوية فمن سيحل مكانه؟ إنهم بحاجة لمتخصص آخر في الكيمياء وسائق آخر وهكذا. أي أنهم بحاجة لموظف إداري ينظم المهام بينهم، فهل مستوى سكنى من يعمل في المعمل كالسائق؟ كلا، بل هناك فروقات في المخصصات والإجازات، وهذا الإداري بحاجة لمكتب، ... وهكذا ازداد عمل الموظفين حتى ظهرت مؤسسة مدنية اسمها وزارة الزير». ثم بعد أن تشكلت هذه الوزارة وقامت بأعمالها، قام الثري بزيارة الزير ليفاجأ به فارغاً مكسوراً لا ماء فيه، بل وجد حارساً يشكو له إهمال موظف التنظيف الذي لم يحضر الزير الاحتياطي عندما كسر الزير، فلما سئل موظف التنظيف عن تقصيره زعم أن مندوب المشتريات لم يؤمن عدداً كافياً من الأزيار لأنها تُكسر كل فترة وأخرى ، وعندما سئل ذاك المندوب عن تقصيره ادعى أن المدير المالي أوقف عملية الشراء لأنه تشكك في تسعيرة الأزيار المشتراه مقارنة بجودتها وأن بالإمكان شراءها من مؤسسة أخرى ذات جودة أعلى وبسعر أقل. وهكذا بقي الثري في حيرة يحاول فهم ما يجري، فأشاروا له بإيجاد جهة قانونية تراقب كل ما يجري وتحقق مع كل مهمل وتعاقبه. فقيل له أن هذه الجهة القانونية قد تسيء التصرف ولا تكون حيادية لذلك لابد من ضبط صلاحياتها، فأشاروا له بإنشاء لجنة تدرس الوضع وتضع الأنظمة لتسيير الأمور ليعرف كل مسؤول حدود صلاحياته. وعندما وضعت الصلاحيات بدء النزاع بين رؤساء الأقسام المختلفة في تفسير هذه الصلاحيات، فكان لابد من مستشار قانوني ليفسر اللوائح. وهكذا هو أداء جميع المؤسسات الحكومية.
انظر للوزارات من حولك واسأل: هل من يعملون في وزارة الزراعة الضخمة مثلاً من وزيرها لحارسها يزرعون قمحة واحدة؟ كلا، بل يقوم المزارعون بذلك. وهل من يعملون في وزارة التعليم يقومون بتدريس تلميذ واحد؟ كلا، بل يقوم المدرسون بذلك. وهل من يعملون في وزارة الصناعة ينتجون مسماراً واحداً؟ كلا، إنهم أصحاب المصانع. وبالطبع لا ننسى وزارات الدفاع. فكلما ارتفعت مرتبة المسؤول العسكري كلما كان أكثر جبناً لأنه سيفقد الكثير بفقدانه لحياته أو منصبه، فلا يتوقع من هؤلاء الدفاع عن الأوطان ناهيك عن الدفاع عن الإسلام! وهكذا هي مجتمعاتنا المبنية على العقل البشري. ولكنك قد تقول إن في هذا ضرورة، فأقول: انتظر


القذف بالغيب
٧٤٩
وسأوضحه بإذن الله. فإن سألت مدير الجامعة أو لا تكون الجامعات أفضل حالاً إن هي أخذت وظائف ومباني ومصروفات وزارة التعليم العالي وقسمته بينها ؟ لقال لك: نعم، بل ستتحرر الجامعات من قيود الوزارة لتنطلق في العطاء. وإن سألت عميد كلية مثلاً أو لا نكون أكثر إنتاجاً إن نحن استغنينا عن الجامعة هذه وقسمنا ما بها من وظائف ومكاتب ومصروفات لنستفيد منها في الأبحاث والتدريس؟ لقال لك: نعم، وسنكون أكثر إبداعاً لأننا نعلم ما نريد ونعلم كيف نحقق ما نريد دون قيود الجامعة.
ولكنك قد تقول بأن للوزارات دوراً مهماً، فهي تخطط وتوجه. فوزارة التعليم مثلاً تضع الخطط والمناهج، فهي تطبع الكتب الدراسية مثلاً. فأقول: كما سنرى بإذن الله، فإن هذا سيفقد المعلم حريته في الانطلاق بتقييده، وسيفقده فرصة الاستفادة من تجاربه وصقلها لزيادة مهارته التدريسية، وبهذا لن يتفاوت المدرسون في طرق تدريسهم ولن تتاح بالتالي للمجتمع فرصة رؤية هذه التجارب المختلفة لاختيار الأفضل منها، وبهذا لن تزداد الخبرة في المجتمع، كما أن الطلاب سيقيدون بكبح انطلاقهم المقيد بالمنهج وما إلى ذلك من مسائل سنوضحها لاحقاً بإذن الله. كما أن من يضعون المناهج هم غير المدرسين، لذلك فإن إدراكهم لما يجري في الصفوف الدراسية لن يكون شاملاً وواعياً للواقع. وكل هذا إن سلمنا بضرورة التعليم بالمناهج بتقبل الوضع الحالي، وكما سنرى بإذن الله، فإن التعليم سيأخذ صورة أخرى تماماً إن طبقت الشريعة لأنها ستؤدي لمجتمع أكثر معرفة وإدراكاً وإبداعاً بتكلفة أقل ودون مؤسسات حكومية. ناهيك عن أن الأنظمة الحالية للمجتمعات تدفع الناس في الغالب لعمل ما لا يطيقون ولا يهوون. فبعض المدرسين مثلاً وجدوا أنفسهم في سلك التدريس لأن الطرق الأخرى التي تؤدي لما يحبون كانت موصدة أمامهم، فسيرهم في الطرق المتاحة أمامهم أوصلهم لهذه المهنة المملة لهم ، وقد تكون ممتعة لآخرين وجدوا أنفسهم في مهنة أخرى مملة لهم. وهكذا أصبح المجتمع مشكلاً من أفراد وضعوا في مواضع لا تلائم قدراتهم كما سنوضح بإذن الله. مثال آخر: أليس الهدف من وزارة الزراعة إلا زيادة الإنتاج الغذائي لتأمين المجتمع بأقل ضرر عليه، كتخفيف استهلاك المياه وتأمين تصدير الفائض ونحو ذلك من مهام؟ وهذه كما ستستنتج أخي القارئ بنفسك مهام إن طبقت الشريعة لأتى الحل من المزارعين من خلال ضبط ذاتي وضعته الشريعة على العاملين ومن خلال تفاعل من يعملون في قطاع الإنتاج الزراعي والحيواني مع المجتمع الواعي لحقوقه ومصالحه.
ولكن كيف تعاظم دور الحكومات بعد أن كان قديماً منصباً على توفير الأمن بالدرجة الأولى؟ إن أحد الإجابات وأقواها هو أنها من ابتكار العالم الغربي، أي القذف بالغيب من مكان بعيد . فلما كان المستثمرون من أصحاب رؤوس الأموال لا يستطيعون تأمين البيئة الملائمة للازدهار الاقتصادي لأنها أمور تتعدى طاقاتهم وسلطاتهم، مثل تأمين أسواق خارجية وإيجاد وسيلة تعامل نقدية موحدة وتشريع وتطبيق القوانين التي تحفظ الحقوق للتجار والصناع والعمال وبناء الطرق والجسور والموانئ لنقل السلع ظهرت الحاجة للدولة للقيام بهذه المهام. ولما كانت هناك بعض المهام التي قد يستطيع الكل الحصول عليها مجاناً إن وجدت (مثل القيام بأبحاث علمية عن خطورة التدخين، فإن نتائجها قد يتناقلها العامة، ولن تستفيد المؤسسة الداعمة للبحث عن النتائج مالياً)، ظهرت القناعة بالحاجة للدولة للقيام بذلك. ولما انتشرت القناعة بين الناس أيضاً أن هناك مهام لن يتبرع للقيام بها أي جهة حتى المستفيدين منها مثل إنشاء فنار لتوجيه السفن (وهذه الخدمات عادة ما تسمى بالوفورات -external ities)، فقد أوكلت مثل هذه المهام للدول وحتى تقوم الدولة بهذه المهام لابد لها من المال، وهكذا ظهرت الدولة


٧٥٠ 🗏
التي ملكت السلطة والمال، وعندها بدأت في الاتساع كأي مؤسسة وظهر التسلط . وهذه مسألة غريزية. فتوسعت مهامها لتقوم على الأمن الداخلي وتجهيز الجيوش والأساطيل ونشر التعليم والصحة وترتيب وتنظيف المدن ونحوها من مهام معلومة الآن. أي أن نسبة مرتفعة من سكان المجتمعات الحالية يعملون في إنتاج خدمات غير مباشرة. وهذه هي البيروقراطية التي تؤدي للتشابك المقيت بين أفراد المجتمع دونما إنتاج فعلي. وكما سنرى فإن جميع مهام
الدولة باستطاعة الناس القيام بها وبطريقة أكفأ ولكن تحت تركيبة مجتمعية مختلفة نابعة من مقصوصة الحقوق. ولكن ماذا عمن يعملون في خدمات غير مباشرة ولكنها ضرورية للإنتاج العيني، مثل الحارس في مصنع الأدوية؟ ومثل عامل النظافة الذي ينظف مواقع الإنتاج كالمصانع ؟ ومثل العالم الذي يطور المعرفة الضرورية لتسهيل نقل الماء من موضع لآخر ؟ أقول: إن ما يحاول هذا الكتاب إثباته هو أننا سنوجد مجتمعاً إن نحن طبقنا مقصوصة الحقوق قد لا نحتاج فيه إلى حارس لأن الأمن مستتب، وقد لا نحتاج لعامل النظافة لأن من يعملون لن يلقوا بالنفايات في مصانعهم لأن في هذا توفير لهم لأنهم هم أنفسهم الملاك، وستقل الحاجة للعالم المتفرغ تفرغاً تاماً كأساتذة الجامعات لأن بعضاً ممن يعملون في الموقع سيصبحون علماء، لأن أعمالهم المباشرة التي يملكونها تجعلهم أكثر اهتماماً واحتكاكاً بالواقع فترتقي المعرفة (كما سيأتي بإذن الله . وكذلك جميع العلوم الأخرى، فعلم الإدارة ينتج علماؤه إنتاجاً مباشراً، ففي المنظومة العلمانية لابد من إيجاد علم يحاول استخراج أكبر قدر ممكن من الإنتاجية من العمال بتحفيزهم ، وهذا لن يحدث إن طبقت الشريعة لأن الكل سيعمل بتناغم مع الآخرين بعطاء مرتفع وإنجاز متقن لأن كل واحد منهم هو أحد الملاك لما ينتجون، فالحافز أصلاً موجود، حتى وإن وجد علماء في الإدارة مثلاً، فإن دورهم سيكون بنكهة مختلفة تماماً. أدرك أخي القارئ أن لك تساؤلات كثيرة حول هذا. فأرجو الإمهال. أي أن الشريعة ستوجد مجتمعاً إنتاجياً دون تعقيدات في العلاقات وبأقل هدر بيروقراطي ممكن حتى جميع الطاقات في الإنتاج وسيأتي بيانه بإذن الله). تذكر ما قلناه سابقاً عن التشابك المقيت الذي لا تستطيع المجتمعات المدنية الحديثة العيش من غيره. وكمثال سريع أذكر هنا ما أحب أن أسميه بـ «وجه الشيطان»، وهو البنك. فالبنك كمؤسسة ربوية هو من أهم الفوارق الاقتصادية بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات العلمانية. فقد يستحيل إيجاد مجتمع معاصر من غيره وسيأتي توضيحه في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله).
مثلاً لا
تستغل
حقاً، وهم
ولعل من أهم مساوئ التركيبة الاجتماعية المبنية على المؤسسات الحكومية اللامنتجة هي من يعملون بها. فهناك من المسؤولين من يعتقد أنه . مهم في عمله وأنه يساهم في عطاء المجتمع. لذلك تجده يحاول إظهار أهميته هذه من خلال إثبات وجوده، وكيف يثبت وجوده إن لم يوجه الآخرين بالتنظير لهم بعقله لأنه يرأسهم. وهناك من المسؤولين من هم مخلصون قلة، وهؤلاء لن يتمكنوا من فعل الكثير حتى وإن كانوا في مناصب مرتفعة لأن من حولهم إن لم يؤمنوا بأفكارهم فلن تتحقق. وهذه من آفات الدوائر الحكومية. فمعظم القرارات التي تتخذ لا تنفذ على أرض الواقع، وإن نفذت فستنفذ إما بإساءة فهمها أو بسوء استغلالها ليتم اكتشاف ذلك لاحقاً، وهكذا تبقى معظم الدراسات وتطبيقاتها حبراً على الأوراق. وهناك من الموظفين الذين لا هم لهم إلا أداء الواجب، وهم الأكثرية، وهؤلاء ينتهي اهتمامهم بعملهم بانتهاء وقت دوامهم الرسمي، وهذه مأساة لأنهم لا يتفاعلون مع مسؤولياتهم ليزدادوا إبداعاً وعطاء، بل هم جامدون ، فلا هم لهم إلا أجرهم الشهري. وحتى لا تتصادم عقول هؤلاء الموظفين ظهرت عقول تحكم بين تلك العقول. وهكذا من بيروقراطيات ورقية لا تنتج إلا آمالاً مستقبلية


القذف بالغيب
Vol
بإنجازات تافهة لا ترقى لما أنفق فيها من أموال. فالكل يعتقد أنه ينتج، وأن التخلف بسبب إهمال الآخرين وليس في النظام الهرمي. هكذا صار المجتمع المدني هرماً واحداً اسمه الدولة، وتحتها أهرام اسمها وزارات، وتحت هذه الأهرام أهرام أخرى اسمها دوائر ومن ثم أهرام أخرى اسمها ،أقسام، وهكذا. وفي كل هرم صغيراً كان أو كبيراً مسؤول هو فرعون ذلك الهرم. أي أن نصيباً جيداً من سكان المجتمعات المدنية يعملون داخل هذه الأهرام كالفراعنة. وهنا تظهر سبع آفات للمجتمع
رئيس منهم .
الآفة الأولى هي أن جميع من يعملون داخل هذه الأهرام، إن استثنينا من في رأس الهرم، وهو رئيس الدولة، هم أفراد مرؤوسون، أي ليسوا أحراراً ولكنهم مأمورون مقيدون مكبلون خنوعون أذلاء مع رؤسائهم برغم ظهور كبار الموظفين منهم وكأنهم أسود محترمون أعزاء. ألا ترى المدير الذي ترتعد له قلوب موظفيه كالنمس أدباً أمام وزيره؟ وهذا يحد من إبداعيتهم لأنه يتحركون داخل أطر عقول رؤسائهم القاصرة. ليس هذا فحسب، ولكن كل عندما يختار من يعينه على أداء المهام المناطة إليه فهو لا يختار في الغالب الأجدر، ولكنه يختار ويقرب إليه من يطيعه وينصاع إليه. وهؤلاء بالطبع لن يكونوا مبدعين ومنتجين لمصلحة العمل بقدر كونهم مطيعين تحقيقاً لرغبات رؤسائهم الذين يقربونهم، فالعلاقة متبادلة لمصلحة الطرفين على حساب العمل. ففي الجامعات مثلاً يتم في الغالب اختيار العمداء ووكلاء الكليات بناءً على الانصياع مع الكفاءة الأكاديمية، فإن كان مدير الجامعة من كلية الهندسة مثلاً فهو يعين على كلية الطب عميداً أكثر انصياعاً له من عميد يسعى بشدة لتحقيق مصالح كلية الطب، ذلك أنه إن لم يفعل، فإن في هذا تضييق على الموارد المشتركة التي قد تؤثر على كلية الهندسة، إذ أن كلية الهندسة في نظره أهم، وهكذا يكون الهدر في الموارد لأن المهم ليس مصلحة المجتمع بتجرد، ولكن تحقيق المصالح التي
يعتقد المسؤول أنها هي الأهم في نظره، وقد لا تكون كذلك في الغالب. وبالطبع فهناك استثناءات إلا أنها نادرة. والآفة الثانية هي أن المسؤولين من نفس المستوى في أدائهم لأعمالهم وبحكم احتكاكهم مع بعضهم البعض وبحكم كونهم مرؤوسين من فرد واحد قد يصطدمون فيما بينهم، وعندها قد تضيع المصلحة العامة بانقلاب الحال من البحث عن صالح العمل إلى عدم الانهزام أمام الند. ومعظم الدوائر تعج بالعداوات والتحالفات والتحزبات بين الموظفين لتضيع المصلحة التي أنشئ من أجلها ذلك الجهاز. فالتشابك الذي تحدثنا عنه سابقاً ( في فصل «الأموال») بين الموظفين يورث بينهم العداوة والبغضاء فيقل العطاء نظراً لخوف بعضهم من بعض؛ فيكون هم كل مسؤول منهم هو حماية نفسه قانونياً حتى لا يخطئ ويقع في يد زميله. وهكذا تضيع المصلحة، ناهيك عن الأحلام: فكل موظف يحلم دائماً أن يكون الرئيس التالي لدائرته، ومتى ما وصل إلى كرسي الرئاسة بدء في تصفية حساباته مع زملائه السابقين. ثم تبدأ أحلامه الجديدة في الظهور، فهو الآن يطمع في أن يصبح الرئيس على رؤساء الدوائر التي في نفس مستوى دائرته، ويطمح أن يرتقي في مظهره ليلائم منصبه الجديد، فيحلم بسيارة أفخم، ومنزل أشرح، وهكذا تتراكم الأحلام حتى يصبح بالتدريج وكأنه سوسة تأكل كل رطب وجاف لقناعته أنه إنسان ذو كفاءة متميزة وعلى المجتمع أن يدرك هذه الكفاءة ويعطيها حقها.
والآفة الثالثة .
ن هي أن كل فرد منهم سيصبح موظفا مهما على غيره ممن هم خارج الهرم. فموظف الجوازات
الذي يستكين لرئيسه سيكون أسداً مع العامة. ألا ترى الناس يصطفون في صفوف (طوابير) عند شبابيك الدوائر الحكومية أذلاء أمام موظف تافه في أدبه وعلمه يستجدونه المعروف وهو في انتفاخ دائم. إن مجرد ارتداء بدلة


٧٥٢ 🗏
رسمية حكومية، كبدلة الجندي أو موظف الجوازات أو شرطي المرور أو الأمن تنفخ لابسها ليتعدى حدوده مع الآخرين أحياناً. ولأذكر لك قصة سريعة: كنت مرة في دائرة الأحوال المدنية لإنجاز معاملة خاصة، وكان الصف (الطابور) طويلاً، فأتى شرطي ذو نجمة واحدة وقفز جميع الوقوف بدعوى أنه على عجل، ولم يتمكن أي من الواقفين من الاعتراض عليه، فقمت بذلك، فما كان منه إلا الاستنكار الشديد من جرأتي لمخاطبته والاعتراض عليه، لأنه هو القانون وأنه أعلم مني بذلك بحجة أنه يلبس زياً رسمياً، وأن اعتراضي عليه هو اعتراض على الدولة. فكر في تجاربك أخي القارئ، ستجد أنك قد تعرضت لموقف مشابه. وقد تقول بأن هذا موقف شاذ ومرفوض من ذاك العسكري المريض، إلا أنه مؤشر واضح على المرض المنتشر بين المسؤولين، برغم عدم ظهوره بوضوح على العقلاء منهم. ولا أدل على هذا من أجهزة أمن الدولة في مصر التي يستبيح أفرادها المجتمع بأسره. ألا تراهم يموتون هماً بالتقوقع في بيوتهم بعد إحالتهم للتقاعد، وما ذلك إلا لأنهم قد فقدوا مصدر جاههم في المجتمع؟ فإن كان هذا مثلاً حال الأساتذة في الجامعات الذين أحيلوا للتقاعد بعد أن تقلدوا مناصب إدارية بقرارات حكومية كعميد كلية أو رئيس قسم ثم شعروا بنوع من الكبرياء على زملائهم الذين قد يكونون أكثر منهم خبرة وعلماً، ولكن بعد فقدان المنصب يجد ذلك الفرد صعوبة في العودة لصف ،زملائه، فإن كان هذا هو حال رجال المعرفة فما بالك بالآخرين من الموظفين الخاوي الأدمغة؟ أي أن الفرد عندما يتقلد منصباً كما يقال بالعامية: «يأكل في حاله مقلباً»، فهو يعتقد بأنه أكثر نباهة أو ذكاءً أو علماً من أقرانه فيبدأ في إصدار القرارات الهزيلة معتقداً أنه . مصیب، وهكذا ينتفخ بمرور الأيام حتى يصبح فرداً يصعب ذوبانه في المجتمع بعد فقدانه للمنصب. وفي هذا هدر كبير للمجتمع وللفرد ذاته. ولكن هناك بالطبع بعض الاستثناءات، فمنهم من يتمكن من الذوبان في المجتمع مرة أخرى. أما الآفة الرابعة فهي تحوير الأنظمة للمصالح الشخصية، فكم من الأراضي منحت للمقربين، وكم من المشروعات الزراعية تأخرت شهوراً لتردد المالك في رشوة المسؤول؛ وبالعكس من ذلك، فكم من الموافقات على مشروعات استثمارية صدرت لصالح قريب مسؤول ما برغم مخالفتها للقوانين لأنها تضر البيئة. قال لي مهندس زميل: أن أميراً قام ببناء . منتجع كبير على شاطئ المدينة ودون الحصول على ترخيص. وبعد الانتهاء من جميع الإنشاء تم إيصال جميع الخدمات من ماء وكهرباء وهاتف ثم قام ببيع الوحدات السكنية بمبالغ طائلة، وكل هذا رغماً عن أنف أكبر مسؤول أخي القارئ: أدرك أنك تعلم أن هذا المثال ليس شاذاً، بل هو العرف في كل مكان.
أعمال
أما الآفة الخامسة فهي أن كبر حجم وزارات الزير ومؤسساتها يبعد المسؤولين الأهم في اتخاذ القرار عن الواقع. فكما هو معلوم فإن المسؤول كلما كبر منصبه كالوزير مثلاً، كلما كانت القرارات التي يتخذها ذات تأثير كبير، ولأن وقت هذا المسؤول محدود بيومه الذي هو أربع وعشرون ساعة كباقي الخلق، فلابد وأن يكون تركيزه في دراسة هذه القرارات واتخاذها مرتبط بآراء الآخرين والتي قد تدفعها مصالحهم لاتجاه ما، أي أنه مهما أوتي من نزاهة فإن قراره سيكون رجماً بالغيب نظراً لبعده عن الواقع الملموس.
والآفة السادسة هي أن جميع هذه المؤسسات لا تستطيع أداء عملها إلا من خلال النظام الذي يوضح صلاحيات ومسؤوليات كل موظف. والنظام لابد وأن يكون مخطئاً ولو بنسبة ضئيلة، لذلك قد لا نرى هذا الخطأ. والسبب المنطقي لهذا الخطأ هو أن النظام وضع من قبل أناس سبقوا من يستخدمون النظام. فكما هو معلوم فإن النظام يوضع ثم يقر ثم يطبق . ولأن العلم يتقدم، ولأن التجربة تتراكم فإن علم وتجربة من وضعوا النظام أقل من


القذف بالغيب
٧٥٣
دائم
حاجات من سيطبقوه، لذلك فلابد وأن يجابه الموظف بواقع يتطلب حلاً لا يقدمه النظام. فالنظام من هذا المنظور التخلف، لذلك فهو قيد على كل انطلاق إبداعي أو حل جديد وكارثة معظم الموظفين هي التزامهم بالنظام. وإن لم يلتزموا فلا وسيلة هنالك لضبط الأمور. وهذا مأزق فكري لا مخرج منه لمن يؤمنون بضرورة وزارات الزير أو حتى القطاع الخاص كالشركات.
والآفة السابعة والأهم هي استهلاكية هؤلاء الموظفين الخيرات المجتمع دونما إنتاج فعلي. فنسبة الموظفين في الدول تختلف من دولة لأخرى لترتفع في بعض الدول النفطية الصغيرة كالكويت وقطر لتشمل معظم الشعب. فهناك عاصمة عربية يشكل موظفي الدولة بها أربعة أخماس القوة العاملة من مواطنيها، بالإضافة لعمال من جنسيات أخرى ما أتوا إلا لخدمة هؤلاء الحاملين الجنسية تلك البلدان. ناهيك عن الجيوش الإسلامية التي تأكل الرز صباح مساء دونما حراك. وإن سألت أي مواطن سواء كان موظفاً حكومياً أو لم يكن عن كفاءة الدولة لانهمر حاكياً لك المئات من القصص عن تضييع الوقت والمجهود والمال في مسائل لا هدف منها إلا التقيد بالنظام المبني على عدم ا الثقة. فالكل لا يثق بالكل. ولأضرب مثالاً ساخراً قرأته في كتاب: فعندما تعطل هاتف السكرتير وحضر مهندس الشركة لإصلاح العطب طلب مبلغاً من المال (مائة ريال سعودي) لإصلاحه. فسأل أحد العاملين مسؤولاً في الإدارة المالية في دائرته عن طريقة سداد هذا المبلغ للشركة، فكانت الإجابة كالآتي: «أولاً يكتب طلب إصلاح من قبلنا إلى إدارة الصيانة لدينا، التي تقوم بدورها بإرسال فني – غير متمكن غالباً – لفصح الهاتف، وإذا تعذر إصلاحه من قبل هذا الفني نطلب تقريراً من إدارة الصيانة يفيد بعدم تمكنهم من إصلاح الجهاز، وإذا حصلنا على هذا التقرير – وأشك أنهم يعترفون بعجزهم ! - فإننا نرفعه إلى الإدارة المالية بالإدارة العامة، حيث يقوم أحد موظفي الإدارة المالية بكتابة عرض إلى مدير الإدارة المالية، وهذا بدوره سيقوم بكتابة عرض إلى المساعد المالي، والذي سيقوم هو أيضاً بكتابة عرض إلى المدير العام، ثم يكتب خطاب من المدير العام إلى الإدارة المالية بالوزارة، والتي ستقوم من قبلها هي أيضاً بكتابة عرض إلى مدير عام الإدارة المالية، وبعد النظر في مدى الحاجة الفعلية إلى إصلاح هذا الهاتف من عدمه في ظل الظروف المالية الراهنة، فإن سعادته . سيوجه بكتابة خطاب بالاعتذار عن تأمين المبلغ المطلوب؛ لأن البند لا يسمح بذلك في الوقت الراهن ! ثم يعود هذا الخطاب إلينا عبر خط السير نفسه في رحلة الذهاب».
۹
وهكذا فإن قيمة الورق والحبر والأختام التي استخدمت خلال هذه الرحلة أكثر من قيمة الإصلاح. فإن نظرت لأي وزارة تجد أن موظفيها قد تشبعوا بالقيم الورقية بجميع ما تحمله الأوراق من لوائح وأنظمة وقرارات وتعاميم ومن ثم توضيح لهذه التعاميم من تعاميم إلحاقية ومن ثم تذييل على التعاميم الإلحاقية وبعد ذلك التهميش على تذييل التعاميم الإلحاقية وهكذا من هدر عجيب غريب فظيع لا يمكن حصر ضرره على المجتمع. وشتان بين هذا الوضع وما يوصل إليه الإسلام، فكما سنوضح بإذن الله ، فإن مقصوصة الحقوق ستوجد مجتمعاً منتجاً بكامل أفراده دون الحاجة لهذه المؤسسات الحكومية والمدنية. هذه الآفات السبع هي الأهم التي لاحظتها، ولعلك أخي القارئ ستضيف عليها قائمة لا تنتهي من تجاربك. تأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم أفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه، ففيه تلخيص وصفي معجز لحال الأمة. فهل هناك في أيامنا هذه من الناس من لا يحبون المال والسلطان إلا القليل؟ فإن تمكن ووصل هؤلاء الذين يحبون المال والسلطان
ز


٧٥٤ 🗏
۱۱
لمواقع اتخاذ القرار فسيفتكون بالأمة، ذلك لأن حال كل منهم يصور تماماً حال ذئبين جائعين انفلتا على قطيع محبوس من الغنم. فذئب أول، وهو حب المال، سيفتك من جهة؛ وذئب آخر، وهو حب السلطة، سيفتك من الجهة الأخرى. وقد جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية عن الحديث قوله واصفاً: «فذم النبي [صلى الله عليه وسلم] الحرص على المال والشرف وهو الرياسة والسلطان وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم». فإن كان هذا هو وصف من يحرص على المال والسلطان حتى وإن لم يكن متولياً لمنصب من مناصب المسلمين، فما بالك بمن هم على رأس العمل من متخذي القرار. أي والله لقد أصبحت الأمة وكأنها حظائر من الأغنام يفتك بها السلاطين وأعوانهم في شتى المستويات وكأنهم ذئاب يفترسون من الغنم ما اشتهوا ويهبونه لمن أرادوا. أي أنهم أصبحوا كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «نهابين وهابين». فقد جاء في مجموع الفتاوى وصف لحال هؤلاء السلاطين. يقول ابن تيمية رحمه الله وأسكنه فسيح جناته:
ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد فلم ينظروا في عاقبة المعاد ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها، فصاروا نهابين وهابين . وهؤلاء يقولون لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويطعم، فإنه إذا تولى العفيف الذى لا يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه إن لم يضروه في نفسه وماله، وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة ان لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها ......
۱۲
هذه هي حال معظم الموظفين في جميع المستويات كل موظف إلا من رحم ربك نهاب وهاب. فكل موظف يحاول قدر المستطاع تسخير موارد مركزه لخدمة أهوائه وأهواء من يشتهي من الناس. فليس النهب هو للمال فقط، ولكن بتقديم شتى أنواع التسهيلات للبعض دون الآخرين، وهكذا يضمحل الإنتاج لأن من وهبوا المال لا ينتجون، بل فقط يرتعون ويستهلكون. ولكن ماذا عن الذين يعملون داخل أهرام أخرى تسمى الشركات، كموظفي القطاع الخاص مثل البنوك والمصانع وشركات النقل، أليسوا أكثر إنتاجاً؟

الشركات

بالطبع، إن من يعملون داخل أهرام القطاع الخاص أكثر إنتاجاً. ولكن هل هم بالفعل منتجون؟ لنأخذ البنك كمثال ، أو «وجه الشيطان» كما أحب أن أسميه : بالنسبة لي فإن البنك سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من الهدر في طاقات وإنتاج الأمة. فهو مؤسسة لا تنتج إلا ورقاً، أليس كذلك؟ وكمثال واحد، فإن للفوائد الربوية في العالم

هامش

و) وقد جاء الحديث أيضاً بلفظ مختلف في مسند أ . أبي يعلى أنه صلى الله الله بن عبد العزيز عندما زار إنجلترا كان مصحوباً بوفد استقل ست عليه وسلم قال: ما ذئبان ضاريان جائعان في غنم افترقت أحدهما في طائرات جامبو. كما أن الوفد استقل عند وصوله مطار لندن ٨٥ أولها والآخر في آخرها بأسرع فساداً من امرئ في دينه يحب شرف سيارة، وأن ٧٥ موظفاً منهم سكنوا قصر باكنجهام، بينما سكن حوالي الدنيا ومالها ) (١٠). ٤٠٠ موظفاً في أفخر فنادق لندن فتأمل هذا المثال الذي يجمع جميع
ز) وهم كثر في وقتنا المعاصر لأن التركيبة الاقتصادية السياسية أنواع الآفات السبع في موضع واحد. فماذا عسى أن يفعل هؤلاء في الحالية تفرزهم بكثرة كما سيأتي بيانه بإذن الله . ولذكر مثال واحد زيارة لمدة يومين أو ثلاثة ؟ هل هم هنالك لعقد صفقات حكومية أم على هذا الهدر : فقد قالت محطة هيئة الإذاعة البريطانية BBC يوم للتنزه بأموال الفيء؟ وهذا مثال لملك عُرف بأنه نزيه وحريص على ١٩ شوال ١٤٢٨هـ الموافق ٣١ أكتوبر ٢٠٠٧م أن ملك السعودية عبد مصلحة الوطن، فما بالك بالآخرين؟


القذف بالغيب
Voo
الإسلامي عدة أسماء محاولة من الضالين لتلافي الاسم الذي حرّمه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، أي لتلافي اسم «الربوا». فهم يسمونه بأسماء مختلفة كالفوائد والعوائد الاستثمارية وكلفة القرض والقيمة الزمنية للقرض وضريبة التأخير وجدولة الديون وبيع المستندات وشهادات الاستثمار وشهادات الخزينة، فجميع هذه معاملات تنبع من الربوا الذي حرمه سبحانه وتعالى بقوله في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلََّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوا﴾. (تذكر أخي القارئ تسمية الأسماء الذي تحدثنا عنه في الفصل السابق). وجميع السابق من أسماء هي أعراف لمعاملات بنكية أو شيطانية تؤدي للمزيد من الهدر البيروقراطي، وأنت قد لا ترى هذا الهدر لتقدم الغرب التقني الذي رفع الإنتاجية، وهذا التقدم بسبب التراكم المعرفي مع فتح بعض أبواب التمكين، وليس بسبب الموثوقية التي توجدها البنوك بين أطراف الإنتاج والتي يدعي الغرب أنها ضرورة لعملية الإنتاج، مما جعل المجتمعات المسلمة مع بعض علمائها يهبون لأسلمة البنوك. حتى وإن تمت أسلمة هذه البنوك بأن تعمل دون فوائد ربوية، فهي لا تزال مؤسسات تُجمع فيها الأموال ليستثمرها أناس لا علاقة لهم بأصحاب الأموال إلا من خلال البنوك. أي لا علاقة مباشرة بين صاحب العمل والمستثمر. وهذه العلاقة المباشرة بين صاحب رأس المال ومن يعمل بالمال ضرورة توجدها مقصوصة الحقوق وذلك لإيجاد بيئة منتجة تنتشر فيها أعراف الاستثمار الأفضل من خلال الحوار بين الطرفين كما سأوضح في فصل «الشركة» بإذن الله هذا إن وجد طرفان، لأن فتح الأبواب للعمل إن طبقت الشريعة لن ينتج أفراداً أثرياء وآخرين معدمين). غير أن هذه البنوك المؤسلمة هي بالطبع أهون الشرين فهي حل مؤقت لما يعانيه المجتمع المسلم اليوم. ولكنها ليست ما أرادته لنا الشريعة كما سترى في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله. ولعل في قبولها، برغم أنها تأسلمت، تعميق لغربة الشريعة (تذكر أخي القارئ مثال مرض الإيدز الذي ذكر سابقاً).
ولكن ماذا عن الشركات التي تُنشئ المصانع أليست هي التي تغذي البشر بالمستهلكات لنتقصى المسألة: إن الكلمات المشتقة من الشركة» أو «الشراكة» تعني اشتراك عدة أفراد في ملكية أو إنشاء مبنى أو مصنع أو مؤسسة، هذا هو المفهوم المنتشر. إلا أن هناك تمييزاً مهماً يجب أن نلتفت إليه أتى من غزو الرأسمالية لمجتمعاتنا. فعندما تقول «شركة» في أيامنا هذه فإن المفهوم في الأغلب هو مؤسسة يملكها أفراد ويعمل بها أفراد آخرون غير المالكين. وهذا لم يكن الحال في الماضي إذ أن الملاك كانوا هم الذين يعملون في شركاتهم برغم استعانتهم بآخرين في بعض أعمالهم. أي أن معظم من عمل في تلك الشركات كانوا ملاكاً. وشتان بين الحالين. كيف؟
إن للرأسمالية من خلال الأسواق المالية وبنوكها وبورصاتها وأسهمها وسنداتها وأذونات الخزانة العامة وشهادات الإيداع ومعدلات الفائدة وما إليها من أدوات ومؤسسات هدف واحد ألا وهو تجميع أكبر قدر ممكن من المدخرات لتحويلها كقروض لمن أرادوا العمل والإنتاج. وبهذا ينمو المجتمع اقتصادياً بزيادة الإنتاجية. وقد يقوم عدة أشخاص بالاشتراك والاقتراض والعمل. هنا نجد أن من ينتج لا يعمل بماله، بل يعمل بمال غيره الذي اقترضه، وهذه عادة ما تسمى بـ «شركات الأشخاص». إلا أن النمط الذي انتشر هو نظام «شركات الأموال»١٤ والذي يمكن تلخيصه بجملة واحدة هي: إن من يملكون الشركة هم غير الذين يعملون بها. كيف؟
تبدأ الشركات المساهمة بمبادرة شخص أو عدد من الأشخاص ويسمون المؤسسين الذين يضعون الفكرة الأساسية لأعمال الشركة. وبعد دراسة الموضوع وتحديد رأس المال واتخاذ كافة الإجراءات القانونية يتم ترخيص


٧٥٦ 🗏
ط
الشركة بموافقة الدولة. وتختلف القوانين من دولة لأخرى للحد الأدنى لرأس المال وما يجب أن يدفع. والمهم هنا هو أن رأس مال الشركة يقسم إلى أسهم ذات قيم متساوية على أن يقوم المؤسسون بدفع ما لا يقل عن عشرين في المائة مثلاً من رأس المال، وما لا يزيد عن خمسين في المائة إن كانت الشركة مالية كالبنوك وشركات التأمين، أو خسمة وسبعون في المائة من رأس المال في حالة الشركات الأخرى كشركات الخدمات كالنقل أو التصنيع كالأسمنت والأغذية (وبالطبع فإن هذه الأرقام تختلف من دولة لأخرى لاختلاف الأنظمة). ثم تطرح الأسهم للاكتتاب العام، أي يقوم الناس بشرائها لتحصل الشركة على السيولة اللازمة لبدء الإنتاج. وهذه الأسهم قابلة للتداول في الأسواق المالية. ثم تتم دعوة جميع المساهمين في الشركة، لتتخذ عدة قرارات من بينها انتخاب مجلس إدارة الشركة وتحديد الجهة التي ستقوم بتدقيق حسابات الشركة. وبرغم أن السلطة العليا هي لمجموع المساهمين، إلا أن السيادة الفعلية هي لمجلس الإدارة المنتخب وذلك لصعوبة اتفاق المساهمين على اتخاذ قرار ما وذلك لصعوبة جميعاً نظراً لتفرقهم في البلاد. فهم في الغالب لا يعرفون بعضهم بعضاً، وبالذات عندما يتم تداول الأسهم بالبيع والشراء وعندما يزداد حجم الشركة ببيع مزيد من الأسهم للحصول على مزيد من المال لدعم التوسع في أعمال الشركة. ومن هنا «نشأ الانفصال شبه التام بين إدارة الشركة وبين مالكيها». ومن مهام مجلس الإدارة تعيين مديراً عاماً للشركة يفوض بالإدارة العامة تحت إشراف مجلس الإدارة. ولعل ما يشجع الناس على شراء أسهم الشركات هو أن المساهمين لا يسألون عن خسارة الشركة إلا بمقدار قيمة ما يملكون من أسهم في الشركة. فمسؤولية المساهمين محدودة بمقدرار مساهمتهم برأس المال فقط . كما أن للشركة شخصية معنوية مستقلة تماماً عن مالكيها، فلا تتأثر
حضورهم .
IV
17
الشركة بوفاة أحد مالكي الأسهم أو إفلاسه أو انفصاله لهذا انتشرت الشركات في جميع المجتمعات المعاصرة.
ومما ساعد على انتشار الشركات هو طبيعة الإنتاجية المركزية التي تتطلب قيام مؤسسات ضخمة بالأعمال. فالكهرباء مثلاً عبارة عن شبكة من الخطوط السلكية التي تسيطر عليها شركة واحدة. وهذا ليس ضرورة، بل هو واقع فرضته مجتمعات الحداثة التي اتبعت أنماطاً من الملكية التي تعكس التفكير المركزي في الحلول. فبالإمكان إيجاد شبكة ذات ملكيات متعددة كما سنوضح في فصل «الأماكن» بإذن الله. ولكن على العموم، فإن هذه الشركات أيضاً أدت إلى إيجاد أفراد لا يملكون، أي أنها أهرام، ولكنها ليست حكومية. وهناك أهرام مشتركة بين الحكومات والأفراد، إذ أن بعض الحكومات تشترك في ملكيات أسهم بعض الشركات الكبرى كشركات النقل والكهرباء. أي أن معظم من يعملون في الشركات لا يملكونها، وهذا أدى إلى هدر كبير في المجتمع إلا أننا لا نراه لأن التراكم المعرفي والتقدم التقني زادا من الإنتاجية بدرجة تغطي مساوئ التخلف والضياع في نظريات الاقتصاد. لذلك اعتقد الناس أن الازدهار الإنتاجي هو بسبب الأنماط الاقتصادية التي يعيشها البشر. وبالطبع فإن هذا غير صحيح، كيف؟

الاستعباد والهدر

إن الحداثة كما قلنا هي العقلانية البشرية والعقلانية أتت بالتمكين وذلك من خلال تحكيم العقل في كل الأمور مما أفرز التمكين لأصحاب رؤوس الأموال والمبدعين والجادين من المنتجين فتكتلوا وتآزروا، وهكذا تظافرت جهودهم ولأن مصلحتهم هي ما يحركهم، فقد تبلورت الحقوق لخدمة هؤلاء المتكتلين لأنهم أكثر نشاطاً


القذف بالغيب
Vov
من غيرهم؛ ولأنهم تمكنوا من الوصول للسلطة أو التأثير عليها من خلال الديمقراطية، فأتت منظومات الحقوق موجهة لخدمة مصالحهم. أما الإسلام فهو شريعة أدت إلى التمكين. أي أن لدينا في الحداثة تمكين وعقلانية، وفي الإسلام تمكين وشريعة. فأيهما أقدر على إنتاج أعلى نوعاً وكماً؟ سأضع العبارة الآتية ثم أوضحها:
إن العقلانية ليست سبباً لتقدم الغرب علمياً وتصنيعياً، بل السبب هو تمكين الناس، وكان بالإمكان للغرب أن يكون أكثر إنتاجاً إن هو حكم بالإسلام تمكينياً ولم يأخذ بالعقلانية، فلاتزال موارد الغرب مثلاً متاحة للبعض ومحجوبة عن آخرين، وهذا يثبط الإنتاج. وفي النقيض، فإن عدم الأخذ بالعقلانية ليس سبب لتخلف المسلمين، بل تسلط السلطات على الناس هو سبب التخلف. كما أن الشريعة تطلق الأفراد للإنتاج وتطلق العقول للإبتكار ولا تؤدي في الوقت ذاته للفساد كما يفعل الغرب. فهم في الغرب يطلقون الحريات في الأفعال، وحتى لا تتصادم هذه الأفعال ظهرت المؤسسات التي جمدت العقول في الابتكارات مقارنة بالشريعة، وذلك بوضع عقول البشر في قوالب جامدة من خلال المدرسة والثكنة والمصنع، كما أن هذه المؤسسات التي أبطأت تقدم العالم الغربي ضرورة لهم لأنها إن لم توجد لضاعت مجتمعاتهم.
وللتوضيح أقول : لطالما كنت متعجباً عن سؤال محير: لماذ تحث الشريعة الناس على العبادة. علماً بأن في هذا هدر للوقت الذي قد يقلل من الإنتاجية التي تحتاجها الأمة لعزتها ؟ لنأخذ الصلاة كمثال: فأنت عندما تذهب للصلاة في المسجد تستثمر أو قد تفقد من وجهة نظرك إن كنت علمانياً ما لا يقل عن ثلاث ساعات وثلث الساعة يومياً في الصلوات الخمس ما بين وضوء ثم سير للمسجد ثم انتظار للصلاة ثم الصلاة ثم الأذكار ثم العودة. هذا إن استثنينا النوافل وقيام الليل. وهناك آيات تؤكد للمسلمين بأن الذي لا يفرط في صلاته سيأتيه رزقه. تأمل مثلاً قوله تعالى في سورة طه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. فالآية تقول بوضوح بأن من تمسك بالصلاة وأمر أهله بها فإن الله سيرزقه. فكيف يأتي الرزق؟ ومن أين إن لم يثابر أفراد المجتمع في العمل؟ فالكل يعلم أن السماء لا تمطر ذهباً فوق بيت زيد دون عبيد. مثل هذه النصوص التي تحث على العبادة كانت تحيرني لأنها تقلل من عدد ساعات العمل في مجموع
الأمة.
ولكن في المقابل هناك نصوص أخرى تحث على التكاتف والتفاني في الكثير من المسائل غير الصلوات والصوم لدرجة أنها ترتفع بالعبد لمقام مساو أو حتى أعلى من ذلك المتعبد المتنفل (أي من يقوم الليل مثلاً). مثال ذلك مثلاً حسن الخلق. فقد «روي» أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليدرك درجة الصائم القائم بالخلق الحسن وانه ليكتب جباراً وما يملك إلا أهل بيته ومثال ذلك أيضاً السعي في إنجاز أعمال الآخرين، فقد جاء في الترغيب والترهيب مثلاً: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس. فقال له ابن عباس: يا فلان، أراك مكتئباً حزينا. قال: نعم يا ابن عم رسول الله، لفلان علي حق ولاء وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه. قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟ فقال: إن أحببت. قال: فانتعل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ قال: لا ولكني سمعت

هامش

ح) فهي في الأردن مثلاً خمس مائة ألف دينار، وفي سوريا خمسون (ط) وهؤلاء عادة ما يسمون إما بالهيئة العامة للمساهمين أو بالجمعية العمومية للشركة بحسب أعراف المنطقة.
ألف ليرة (١٥).


VOɅ
۱۸ 🗏
صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، والعهد به قريب، فدمعت عيناه وهو يقول: (من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين». فمثل هذه النصوص كثيرة (وسنأتي على بعضها في فصول قادمة بإذن الله) وتدفع الناس للانطلاق في الحياة في أعمال الخير ما يزيد في إنتاج المجتمع كما سيأتي بيانه بإذن الله. ولكن بالنسبة لموضوع التمكين الآن، فإن هذه النصوص التي تحث على العبادة والذكر كالصلاة والصوم كانت محيرة بالنسبة لي لأن السؤال لازال قائماً: كيف يزدهر المجتمع إنتاجياً وأفراده مأمورون بالصلاة في المساجد وبقيام الليل وبالصوم الذي قد يضعف أبدانهم ويستنهك أوقات العمل؟ ستأتي الإجابة في ثنايا الكتاب بإذن الله، ولكن جزءاً من الإجابة
هو باختصار كالآتي:
بالنسبة للصلاة مثلاً، فعندما يجلس الفرد في مصلاه لساعات ويذكر الله قد يقول قائل: إن في هذا هدر لوقت المجتمع. إلا أن ذكره هذا سيؤدي لرفع تقواه، وعندها سينعدم ضرره على المجتمع. فكم من الأموال تصرف في العالم الغربي لحفظ الأمن من المجرمين بشتى أنواعهم ؟ ولكن هذا الذي يتعبد سيخرج لا محالة للعمل عندما يضطر لذلك لحاجته للمال برغم زهده الشديد لأن الشريعة تحث على الكسب من عمل اليد كما سيأتي بإذن الله، وأن في هذا أجر يضاهي صلوات النوافل لأن العمل عبادة.
هذه الإجابة قد تكون مقنعة لفرد يؤمن بالغيبيات (أي أنه مسلم)، أما من لا يؤمن بها، أي ليس مسلماً فإن الإجابة هي: إن افترضنا جدلاً، وفي أخفض الحالات، أن جميع أفراد المجتمع من العاملين هم من المتعبدين الذين لا يخرجون للعمل إلا إن احتاجوا لذلك، فإن مجموع إنتاج هؤلاء المضطرين دون هدر (لأن الكل ينتج مباشرة) سيكون أكثر مما ينتجه أفراد يعملون ولكن في إطار علماني وضعي مفعم بالهدر، فلا بطالة مقنعة مثل موظفي شركات التأمين وأمثالهم ممن ينظمون المجتمع إن طبقت الشريعة. وسيكون إنتاج هؤلاء الذاكرين القليل في مجموعه أكثر من مجموع إنتاج العاملين بجد ولساعات طويلة في مجتمع به الكثير من البيروقراطية. لنوضح السابق: لعدة سنوات وأنا أبحث عن إجابة لسؤال واحد ما هي نسبة العمالة من موظفين وعمال ممن لا يقومون بالإنتاج مباشرة للأعيان أو لا يعملون في إنتاج الخدمات مباشرة في المجتمع عموماً في كلا القطاعين العام والخاص؟ فلم أجد الإجابة وتساءلت: لماذا؟ أعتقد أن الإجابة هي أولاً : لأن التفكير الغربي الذي لا يمكن له أن يرى مجتمعاً منتجاً في إطار غير رأسمالي لا يمكن له أن يحاول الوقوف على مثل هذه الإحصائيات لأن الجميع مقتنع بأنه لا ازدهار مادي إلا من خلال توظيف أو استئجار العمال فالعمالة سلعة، وهذه العمالة بحاجة لإدارة، والإدارة إذاً ليست هدر بل هي ضرورة فهي في نظرهم إنتاج فعلي أي مباشر مثل مديري الشركات ومساعديهم، ومديري الدوائر ومساعديهم من سكرتيرات وما شابه من أعمال غير إنتاجية مباشرة. وثانياً : لأنه ليس من مصلحة أي متخذ للقرار أن يكشف أن الوزارات أو المؤسسات الرأسمالية كالبنوك مثلاً لا تنتج إلا ورقاً مستهلكاً لأنه على قناعة أن
عمله وظيفة مهمة لسير المجتمع مثل قناعات موظفي شركات التأمين. لذلك تقصيت المسألة من خلال الآتي:
إن العالم الغربي المادي ركز ولا يزال يركز كثيراً على العمالة وكأنها سلعة. فالعالم الرأسمالي سوق كبير للعمالة، والعالم الغربي يدرك ذلك ويدرك استحالة فهم السوق. فحتى يظهر المنتج لابد من توليفة أفضل بين العمالة


٧٥٩
القذف بالغيب
وأصحاب الأعمال كالشركات. فمن يقرر إذاً من يعمل وأين وبكم وعدد الساعات؟ فجميع هذه القرارات قرارات يستحيل على أي جهاز حكومي أن يقوم بها برغم أن بعض الدول الاشتراكية الغبية حاولت ذلك. لذلك نجد أن الباحث إيرنبرج يقول في قرارات التوظيف
وبالطبع، يمكن لهذه القرارات أن تتخد بواسطة إداريين يعملون لدى الحكومة المركزية. إن كمية المعلومات التي يحتاجها هذا الجهاز حتى يتمكن من اتخاذ ملايين القرارات المطلوبة بحكمة وأن يولد الحوافز اللازمة لضمان التنسيق بين هذه القرارات هي في الحقيقة أكبر من أن يدركها العقل. والأمر الأكثر تعقيداً وإعجازاً بالفعل هو التفكير في البديل الرئيسي لاتخاذ القرار مركزياً - ألا وهو لامركزية السوق. الملايين من المنتجين الساعين إلى تحقيق الربح يراقبون الأسعار التي يرغب الملايين من المستهلكين في دفعها للمنتجات والأجور التي يكون الملايين من العمال مستعدون لقبولها للعمل. وبمزج مفردات هذه المعلومات سوياً مع البيانات الخاصة بالتقنيات المختلفة يمكن لهؤلاء المنتجين من تحديد أين ينتجون وأي السلع ينتجون ومن يستأجرون والقدر الذي ينتجونه. ليس هناك من مسؤول واحد عن هذه القرارات، وعلى الرغم من وجود نقص في المنافسة يعوق تحقيق التخصيص الأمثل للموارد، فإن الملايين من الناس يجدون الوظائف التي تمكنهم من شراء آلاف السلع التي يرغبونها في كل سنة، فجميع القرارات الخاصة بالإنتاج والتوظيف والاستهلاك يتم اتخاذها والتنسيق بينها بواسطة الإشارات السعرية من خلال السوق. وسوق العمل هو السوق المسؤول عن توزيع العمال على الوظائف والتنسيق بين قرارات التوظيف. ففي وجود نحو (١٠٠) مليون من العمال وحوالي خمسة ملايين من أرباب الأعمال بالولايات المتحدة، تكون هناك آلاف من القرارات حول اختيار المهن والتوظيف وترك العمل والتعويض والتقنية التي يجب استخدامها والتنسيق بينها في كل
يوم».
۱۹
أي أن العالم الغربي يحاول التعامل مع هذا السوق بحذر وفقط من خلال الأنظمة والقوانين وليس بتحديد من يعمل وأين . فهناك مثلاً تشريعات للحد الأدنى للأجور وللساعات الإضافية ولضريبة الأجور ولتأمين البطالة ولزيادة سن التقاعد وللقوانين المعادية للتفرقة بين الموظفين وما شابه من تشريعات لا عد لها ولا حصر. وهناك تعريفات واضحة لكل الاحتمالات لهذه السوق. فمن أشهر هذه التعريفات مثلاً هو أن مصطلح «القوى العاملة» يطلق على جميع الأفراد العاملين بالإضافة للراغبين في العمل الذين لا يجدون ما يعملون وهم المتعطلون. وأن معدل البطالة هو النسبة بين عدد المتعطلين إلى عدد القوى العاملة الكلي. وأن هذه النسبة إن كانت بين حوالي 3 و ٤ ٪ فإن سوق العمل يعتبر في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً بأنه سوق قريب من التشغيل الكامل وأن أصحاب الأعمال سيجدون صعوبة في إيجاد الأيدي العاملة. أما عندما ترتفع النسبة إلى ٧ % أو أعلى فإن سوق العمل يوصف بأنه متراخياً، أي أن هناك وفرة من العمال وأن الوظائف تملأ بسهولة. ولعل الملحوظة الظاهرة لأول وهلة عند مقارنة سوق العمل هذه بما يمكن أن تقدمه الشريعة هو أن عقود العمل في العالم المعاصر تلزم في معظم الأحيان أصحاب الأعمال بدفع الأجور للعمال مقابل الوقت الذي يقضونه في العمل وليس عن الناتج العيني الذي ينتجونه.
يقول مؤلف كتاب «اقتصاديات العمل»:

هامش

ي) المقصود من المتعطلين هم الذين بحاجة للعمل ويبحثون عنه ولا يجدونه، أما العاطلين فهم الذي لا يعملون ولا يبحثون عن العمل کابن رجل ثري أو فرد مريض.


٧٦٠ 🗏
«فالعمال الذين يتقاضون أجوراً مرتبطة بالإنتاج أو عمولات يمثلون نسبة ضئيلة فقط من عمال الولايات المتحدة، حيث يقدر التعويض مباشرة على أساس الناتج. أما الغالبية العظمى من العمال فتتقاضى أجورها بالساعة أو الأسبوع أو الشهر. فهي تتقاضى أجوراً عن تواجدها بمكان العمل و (في حدود معينة) على تنفيذ الأوامر الصادرة لهم. ويتطلب هذا النوع من التعويض أن يعطي صاحب العمل عناية فائقة للحافز والقدرة على تحمل المسؤولية عند اختيار العامل في عملية توظيفه».
حتى مع انتشار ظاهرة العمل من المنازل مع تطور تقنية الحاسب الآلي، فإن قارنا ما سبق في الغرب بالإسلام إن طبق فإنه يندر أن تجد في العملية الإنتاجية في الإسلام من يستأجر الآخر، بل كل ينتج منتجه الذي يكمل منتج الآخرين، ليظهر المنتج الأكبر وذلك بنوع من التنسيق بين المنتجين (وسيأتي بيانه في فصل «الشركة» بإذن الله). أما إن كان هناك استئجار كعمالة ما فهو في الغالب تأجير لمهارة أو مشقة ما لإنجاز عمل محدد كبناء حائط أو ما شابه. أما تأجير الفرد بأجر شهري فإن هذه الممارسة ليست بالسائدة لوجود نظام آخر، ألا وهو نظام الرقيق، والذي حاربته الشريعة حتى يضمحل تدريجياً. وبالنسبة لتأجير الأفراد بعضهم لبعض بأجر لمدة معينة كأجر يومي أو شهري فبرغم أن الشريعة أباحته إلا أن هذه الممارسة نادرة الحدوث لأن فتح أبواب التمكين للجميع تدفع الناس للعمل لأنفسهم وليس للغير، كما سيأتي بإذن الله. أي أن التفكير الإنتاجي في الإسلام هو أن الكل يعمل لنفسه أو أنه شريك في جماعة تعمل لنفسها. أي أن الكل يركز على الإنتاج العيني وليس التواجد في مكان العمل (حتى وإن كان مكان العمل منزلاً وليس أيضاً اتباع الأنظمة والأوامر من الرؤساء للقيام بالمسؤوليات كما في الغرب أو حالنا اليوم، فهذا استعباد بالنسبة لأي حر. وهنا أسأل: ألا يؤدي هذا النظام إلى الأمراض النفسية والنفاق؟ بالطبع سيؤدي وسيأتي في هذا الفصل بإذن الله). فهذا استعباد محض، إلا أنه استعباد مقابل أجر شهري قابل للفسخ حتى يقع الفاسخ أي الأجير، عبداً في براثن شركة أخرى لأنه لا خيار له. وشتان بين هذا الاستعباد في الأنظمة المعاصرة وبين ما يقدمه الإسلام في جميع المجالات حتى التعليم كما سترى بإذن الله من حيث الجودة والكفاءة دون أي هدر وقتي أو عيني في المواد المستهلكة.
ولتوضيح مسألة الهدر هذه، إن نظرنا لأي مجتمع علماني، نجد أنه مكون بالطبع من مؤسسات حكومية (أي وزارات الزير ومؤسسات خاصة. ونلحظ أن نسبة هذه المؤسسات الحكومية للخاصة إن قلت قد تنزل إلى ١٦٪ من مجموع القوى العاملة كما في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ترتفع إلى ٢٥ كما في إنجلترا أو حتى أكثر في الدول الأخرى التي تقترب من الاشتراكية مثل فرنسا والسويد، فهذه النسبة تزداد كلما كان الشعب أقل إنتاجاً أو كانت الدولة أقرب للاشتراكية، حتى أنها قد تزيد عن النصف كما في بعض الدول العربية النفطية التي لم أجد لها إحصائيات واضحة. ففي السعودية مثلاً كان عدد العاملين سنة ٢٠٠٠م ٥,٧١٣,٠٠٠ موظفاً وعاملاً، وكان عدد من يعملون فقط في قطاعات الجيش ١,١١٦,٢٠٠ فرداً، أي بنسبة ١٩٥٤٪ من مجموع القوى العاملة. وهذا الرقم يفوق عدد العاملين في التعليم والذين كانوا ۷۱۳ ألف موظف في دولة معظمها ممن هم في سن التعليم كما هو معلوم، ويفوق أيضاً ضعف من كانوا يعملون في جميع قطاعات الصناعة الذين بلغ عددهم ٤٤٠,٧٠٠ عاملاً، أي ما نسبته فقط ٧,٧% من مجموع القوى العاملة، ناهيك عن القطاعات الاستهلاكية الأخرى مثل البيع وما شابه والتي لا تشير إلا لاستهلاكية المجتمع. فقط انظر إلى العواصم العربية مثل القاهرة وعمان ودمشق، فهي مدن لا ينتج معظم سكانها إلا ورقاً لمعاملات بيروقراطية تقتل همم الأفراد.


القذف بالغيب
...
٧٦١
نعود لمسألة الهدر: كما هو معلوم، فإن الولايات المتحدة الأمريكية بعد وصول الرئيس ريجان للحكم حاولت خصخصة معظم القطاعات بالاعتماد على القطاع الخاص قدر المستطاع في معظم الخدمات مثل توفير الماء والكهرباء والتعليم. حتى التصنيع الحربي كما هو معروف فإنه يعتمد على شركات تصنيعية خاصة. لذلك فإن التركيز على الولايات المتحدة الأمريكية أمر مقبول في أي بحث عن الكفاءة الإنتاجية لمجموع الأمة لأنه يمثل النمط الأكثر خصخصة، فهو بذلك الأقل هدراً إن كانت لديك قناعة أن القطاع الخاص أكفأ من القطاع العام. وإليك الآن بعضاً من هذه الإحصائيات عن عمالاتهم: لقد كان عدد العاملين سنة ١٩٩٦م في القطاع الحكومي 19,539,۰۰۰ عاملاً وموظفاً من مجموع العاملين الذين بلغوا ١١٩٦٢٧، أي أن نسبة العاملين في القطاع العام للمجموع هو ١٦,٣٣%، بينما بلغت نسبة المتعطلين في نفس السنة ٥. وفي عام ۱۹۹۸م نزلت نسبة القطاع العام من مجموع العمالة إلى ١٥,٨٢٪ ، أما البطالة فقد كانت ٤,٥؛ وفي عام ٢٠٠٤م ارتفعت نسبة القطاع العام إلى ١٦,٤٥% من مجموع الأيدي العاملة التي كانت ١٣١٤١٢٢٠٠ عاملاً وموظفاً، بينما كانت نسبة البطالة ٥,٤%. وإن حسبنا نسبة موظفي الدولة للعاملين في القطاع الخاص نجد أن النسبة في هذه السنة هي ١٩,٧٪. وإن فصصنا هذه الإحصائيات أكثر نجد أن عدد العاملين في الحكومة المركزية كان ۲,۷۲۸,۰۰۰ موظفا، والعاملين في الحكومات الإقليمية للولايات كان ١٣,٩٠٥,٠٠٠ موظفاً، بينما العاملين في الحكومات المحلية كان ٤,٩٨٥,٠ موظفاً، ناهيك عن العسكر. وإن نظرت إلى جدول يوضح هذه الأرقام لمدة عشرة سنوات من ١٩٩٥ إلى ٢٠٠٥ مثلاً) تجد تقارباً كبيراً بين إحصئيات الولايات المتحدة الأمريكية في شتى السنوات لتستنتج أن نسبة القطاع العام هو في حدود ١٦٪. ثم إن نظرت لنفس الجداول في المملكة المتحدة (إنجلترا) تجد أن الوضع مختلف: ففي عام ١٩٩٨م كان عدد العاملين في الدولة ٥,٦٣٠ موظفاً وعاملاً من بين ٢٦,٧٩٢,٠٠٠ فرداً عاملاً. أي بنسبة ١٩,٢٧%. وفي عام ٢٠٠٤
كانت النسبة ٢٠٣.
وحتى اختصر عليك الطريق، لا أريد أن أمطرك بأرقام عن باقي الدول الأوربية إذ لا فائدة من ذلك لأنني إن أثبت لك أن النمط الأمريكي والذي يعد هو الأكفأ، لهو نظام سيء مقارنة بالإسلام لأنه سيؤدي للهدر، فإن النظم الأخرى ذات النسب الأعلى هي أيضاً بالتأكيد أكثر سوءاً لأنها ذات نسب أكبر في القطاع العام، أي في مؤسسات وزارات الزير. فكل ما عليك فعله هو زيارة موقع ilo.org في الشبكة العنكبوتية لترى إحصائيات معظم
۲۱
الدول. ٢١
ولكن بالنسبة لوزارات الزير، فقد يسأل قائل بأنه قطاع لابد منه لأن هناك من الأعمال التي لا يمكن أن تتم إلا إن قامت بها الدولة، مثل التعليم والتطبيب وللفقراء بالذات، ومثل الأعمال الحربية وتعبيد الطرق وتوليد الكهرباء وما شابه؟ إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات الآن أمر لن يكون مقنعاً لك أخي القارئ لأنك لم تر ما يمكن أن تقدمه الشريعة، ولكن الإجابة ستأتي بإذن الله . فلن يوجد فقراء حتى تهتم بهم الدولة تعليمياً أو طبياً إن طبقت الشريعة. فلأنه لا فقراء إلا قلة نادرة فإن الكل لديه المال لعلاج وتعليم نفسه. أما القلة من الفقراء فإن نصيبهم من الزكاة والأوقاف سيزيد عن حاجتهم بإذن الله ومنه وجوده وكرمه. وبالنسبة للأعمال الحربية فكما سترى بإذن الله فهي أعمال تعبدية في الإسلام وستؤدي إلى زلزلة الأعداء. فقط تذكر أن أقوى الأسلحة الفتاكة هي من إنتاج شركات خاصة في الدول الغربية وليست من إنتاج مؤسسات الدولة فإن طبقت الشريعة فسيتنافس


٧٦٢ 🗏
الأثرياء في دعم مثل هذه الشركات بدل الأموال الطائلة لتجهيز الجيوش العربية النائمة والتي بلغت نفقاتها (في إحصائية يصعب تصديقها حوالي %۸٥٪ من مجموع دخل الأمة سنة ١٩٨٥م. أما تعبيد الطرق وتوليد الكهرباء وما شابه من مرافق وخدمات فكما سترى في فصل «الأماكن » فإن تركيبة المستوطنات المسلمة ستكون بطريقة لا مركزية ولن تحتاج لتدخلات الدولة، حتى وإن كانت التقنية لا تساعد على ذلك مثل شبكات الكهرباء، فستظهر الشركات الخاصة للقيام بذلك بأموال السكان الذين هم أكثر ثراء دون استثناءات. فالكل مقتدر تطبيق مقصوصة الحقوق بإذن الله وحاصل على خدماته دون الحاجة لمركزية الدولة.
مع
ولكنك قد تقول: بأن هناك من يعملون في القطاع العام وينتجون مباشرة مثل المدرسين في المدارس الحكومية؛ لذلك سيكون السؤال: ما هي إذا نسبة من ينتجون مباشرة في القطاع العام مقارنة بمن لا ينتجون في العالم الغربي؟ فمثلاً، ما هي نسبة من يقومون بالتدريس مباشرة في المدارس بمن هم في الإدارة المركزية أو المحلية من إداريين؟ إن الإجابة على هذا السؤال بحاجة لمسح شامل لدولة ما، وهذا ما لا أستطيع القيام به. ولكن من الاحصاءات نستطيع أن نستشف بعض الإجابات. كيف؟

مصادر الهدر

إن الهدر يغتال المجتمع الرأسمالي من خمسة مصادر. والسبب في توضيح هذه المصادر هو محاولة إيجاد قاعدة للمقارنة بين ما يمكن أن يؤدي إليه الإسلام إن طبق وبين النظام الرأسمالي الحالي، وذلك لأن النظام الرأسمالي اشتهر على أنه شديد الإنتاجية : المصدر الأول هو الذي تحدثنا عنه من خلال وزارات الزير والذي قلنا أنه إن قل سيصل إلى ١٦٪ من نسبة القوى العاملة. والمصدر الثاني هو الهدر الإداري داخل كل مؤسسة خاصة كشركات التصنيع، فهناك إحصائيات دقيقة عن القوى العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية إن تأملها الفرد سيتعجب من نسبة الإداريين من مدراء إلى صغار الموظفين في كل مهنة، ففي هذه الإحصائيات تفصيص لكل مهنة، وعدد من يعمل بها في إدارة تلك المهنة. فإن نظرنا لأحد تلك الجداول نجد أنه يبدأ بكبار المسؤولين وهم في العادة مدراء الشركات أو المؤسسات الحكومية، أو كبار الأقسام في هذه المؤسسات ومساعديهم من إداريين. فقد كان إجمالي العاملين عام ٢٠٠٠م الذين هم فوق سن ١٦ سنة ١٣١,٧٨٥,٠ فرداً،ك من بينهم ٤,٧٧,٠٠٠ مسؤول إداري. فمن بين هؤلاء الإداريين مثلاً ١٢٣ ألف مدير مشتريات، و ٨٤٨ ألف مدير إداري في سلك التعليم، و ٥٥٢ ألف . لمؤسسات عقارية، و ١,٤٤٦,٠ مدير إداري لمؤسسات التغذية، وهكذا. ومقابل هؤلاء الإداريين الكبار هنالك الكثير الكثير من الإداريين الصغار، أو ما يعرفون بـ وهم موظفي حفظ السجلات والبيانات في البنوك والمحاكم وما شابه من مؤسسات. أي موظفين لترتيب الأوراق البيروقراطية : فهنالك مثلاً ٢,٠٧١,٠٠٠ موظف في سجلات أقسام الاستعلامات عموماً، و ۱,۰۱۷,۰۰۰ موظف في سجلات الاستقبال، و ١٣٠ ألف موظف لحفظ سجلات الفنادق، و ۲۸۷ ألف موظف لحفظ ملفات نقاط بيع تذاكر المواصلات و ۱,۱۱۹,۰۰۰ موظف لترتيب السجلات المالية، و ٣٠٥ ألف موظف لاستلام الأوامر و ۳۳۸ ألف موظف لحفظ الملفات عموماً، و ٢٢٧ ألف موظف لتدوين وحفظ السجلات عموماً، و ۲,۲۶۹,۰۰۰ موظف لحفظ الملفات المالية، و ١٧٤ ألف موظف لحفظ
...
clerks
مدیر


القذف بالغيب
ألف
٧٦٣
مواعيد ساعات العمل، و ۱۹۸ ألف موظف لكتابة الفواتير، و ١٣٤ ألف موظف لإظهار الفواتير، و ٦٦١ ألف موظف لملفات الشحن، و ٤٦٠ ألف موظف لملفات المخازن و ١٠٤ ألف موظف لحفظ ملفات الإحصاء، و ٨٦٤ موظف سجلات عمومية، وهكذا. وبين هاتين الطبقتين (أي كبار وصغار الموظفين)، هناك الكثير من الإداريين والذين يظهرون في الإحصائيات مع كل مهنة. فمثلاً، مقابل ٣,٣٩٩,٠٠٠ عامل في الزراعة والغابات وفي صيد الأسماك farming, forestry & fishing occupations هناك مسؤول إداري -farm oper ators & managers في نفس هذه المهن، أي ما نسبته ۳۳,۱. أي يمكننا القول أن هنالك حوالي ٣٠٪ على الأقل في كل حقل إنتاجي ممن يعملون في الإدارة وما إليها من أعمال بيروقراطية، فهم في إنشغال دائم فيما لا ينتج إنتاجاً مباشراً، وهذا رقم متحفظ جداً لأنه قد يرتفع إلى أكثر من ٥٠% كما هو حال شركة أرامكو السعودية التي تنتج النفط مثلاً. فهناك عدة مدن متقاربة مثل الظهران والخبر والدمام والقطيف بالسعودية وبها ما يزيد عن ثلاث ملايين نسمة ممن يدعمون شركة النفط بالموظفين الإداريين ولا ينتجون فعلياً. أما العمال الحقيقيون الذين
يستخرجون النفط ويكررونه ويشحنونه فهم في مناطق بعيدة أو نائية حيث مواقع الآبار والتكرير والشحن.
هم
المسؤولون
ولكنك قد تسأل: هل سيستطيع من ينتجون مباشرة تنظيم أنفسهم؟ فهم أفراد ليسوا في مستوى علمي أو مهني يؤهلهم لإدراك ما يقع خارج مهامهم؟ وقد تبرر قولك بأن العملية الإنتاجية بالطبع لا تتم إلا من خلال مراحل متعددة، فهناك من يفكر في استحداث المنتج، وهناك من يطوره، وهناك من يسوّق له، وهناك من ينظم حركة سير المنتج في المصنع بطريقة ترفع من جودته وبخط إنتاجي أقصر وبسعر أقل، وهناك من ينظم حضور وذهاب العمال ، وهكذا من أعمال ضرورية لابد منها في كل مصنع أو مدرسة أو مزرعة. فهؤلاء الذين لا ينتجون مباشرة. فأقول: إن هذه الحقائق هي من واقع إنتاجي مبني على الفكر الغربي. فالسيارة كما سترى في فصل «المعرفة» هي في العالم العلماني من إنتاج مؤسسة واحدة كبيرة يعمل لها عشرات الآلاف من العمال والموظفين المستعبدين. أما مع تطبيق الشريعة، فلن يحتاج العمال لكل هؤلاء المسؤولين، لأنهم ليسوا عمالاً، بل هم أفراد يملكون ما يصنعون، فهم إذا ذوو مبادرات ومهارات وإدراك يمكن كل واحد منهم أو طائفة صغيرة منهم من التركيز على إنتاج عنصر واحد من أجزاء العنصر الكبير بجودة عالية وتكلفة أقل (كالماكينة أو الباب أو حتى جزء منه مثلاً). فتظهر الحاجة للتنسيق بين صناع هذه الأجزاء حتى يظهر المنتج الأكبر (السيارة مثلاً). ولأن هؤلاء المنتجين يستطيعون الحركة بحرية دون حدود الشركة المصنعة كما هو الحال الآن، ولأنهم هم الذين سيربحون من تحسين المنتج وطرق الإنتاج، ولأنهم هم الذين يقررون أي أنواع المواد من معادن وغيره سيستخدمون، ولأنهم باختصار ليسوا مستعبدين تجدهم أفضل تنظيماً فيما بينهم كما سيأتي بيانه بإذن الله. أي يمكننا القول أن ٣٠٪ من القوى العاملة في النظام المعاصر في كل تخصص هم أفراد مسؤولون عن التنظيم، أي أنهم بيروقراطيون.
وللمزيد من التوضيح لهذا المصدر الثاني للهدر أقول: لقد تحدثت لعدد من المختصين في علم الإدارة وبحثت فوجدت أن متوسط ما يستطيع الفرد «الهيمنة» عليه من أفراد أو تسييرهم أو الإشراف عليهم في معظم الأعمال يتراوح من خمسة إلى سبعة أفراد. فمثلاً، نجد أن كل ستة بنائيين يقومون ببناء حائط ما بحاجة لمعلم واحد

هامش

ك) وهناك إحصائية أخرى تفيد بأنهم كانوا ١٣٥,٢٠٨,٠٠٠ فرداً. لأنني كنت قد خصصت كلمة « سيطرة» لتوضيح العلاقة بين ل) أرجو ملاحظة أنني لم أستخدم كلمة «سيطرة»، بل «هيمنة الأعيان والأفراد، أما «هيمنة» فهي علاقة بين أفراد وأفراد.


٧٦٤ 🗏
(وهو شخص أعلى كفاءة من العمال للوقوف عليهم حتى يتموا أعمالهم دونما إهمال أو خطأ. ونجد في الدوائر الحكومية أن موظف واحد قد يستطيع بكفاءة إدارة سبعة من الموظفين. وهكذا من إحصائيات عديدة تقع بين الخمسة والسبعة أفراد لكل رئيس. كما أن هناك عامل آخر مهم، وهو أنه كلما ارتفعت منزلة المسؤول كلما قل عدد من يرأسهم. فالوزير أو الرئيس التنفيذي للشركة يتعامل مع مساعدين أو ثلاثة بالإضافة لسكرتير مكتبه الخاص، وكل مساعد أو وكيل وزارة يتعامل مع عدة مساعدين والذين يتعاملون مع عدة مدراء عامين وهكذا من مستويات أو مراتب تكون الهرم البيروقراطي لكل مؤسسة
وبالطبع فإن في كل مرتبة عدد من الموظفين الذين يتزايدون كلما نزلت المرتبة لتصل العشرات أو حتى مئات الآلاف من الموظفين كوزارات التعليم مثلاً التي تضم عشرات الآلاف من المدرسين. كما أن المستويات أو الطبقات أو المرتبات قد ترتفع لتزيد عن عشرين مستوى أو مرتبة كما في المؤسسات الكبرى كمؤسسات النفط الحكومية، أو قد تزيد عن عشرة مراتب كما في الدوائر الحكومية كالوزارات الصغيرة. وكلما كانت الدائرة أو المؤسسة ذات ملكية خاصة كلما نقصت المراتب، حتى أنها قد تنعدم في الأعمال الخاصة التي يقوم فيها الفرد مع من أبنائه أو زملائه بإدارة مصنع صغير شراكة مثلاً.
عدد
والآن لنفترض أن هناك مؤسسة خاصة وبها سبعين عاملاً تقوم بتبليط المباني، فهولاء بحاجة لعشرة عمال مهرة للوقوف عليهم، وهؤلاء العشرة بحاجة لإثنين أو المالك للهيمنة على العمال. أي أن سبعين عاملاً بحاجة إلى ١١ موظفاً إدارياً، أي أن النسبة في هذه الحالة هي %۱۳٫٥% تقريباً. أما إن تعددت المراتب لتصل إلى عشرة مراتب، فإن عشرة آلاف موظف في شركة لنظافة المدينة بحاجة إلى ١٦٦٦ موظفاً أكثر مهارة إن هيمن كل موظف على ٦ موظفين لأن العمل يتوزع في مناطق متباعدة. وهؤلاء بحاجة إلى ۲۷۷ موظفاً من مرتبة أعلى، وهؤلاء بحاجة إلى ٤٦ موظفاً من مرتبة أعلى، وهؤلاء بحاجة لسبعة موظفين من مرتبة أعلى ثم يأتي الرئيس. أي أن عشرة آلاف عامل يقومون بالعمل المباشر بحاجة لـ ۱۹۹۷ موظفاً أو إدارياً، أي الخمس تقريباً (۲۰) وفي هذه الحالة فإن الوظيفة التي أنشئت من أجلها الشركة ذات وظيفة واضحة ومحددة، وهي التنظيف. لاحظ أن النسبة تزداد مع زيادة العدد. فهي قد قفزت من ١٣٪ إلى ٢٠٪، فإن تمكن المجتمع من تفصيص أعماله الإنتاجية لمنتجات أصغر ومحددة «ودون فقدان النوعية» فإن نسبة الهدر ستقل أي كلما تعقدت أعمال المؤسسة وليس بالضرورة منتجها»، كلما ازداد عدد المراتب وكلما زادت نسبة الإداريين لتصل إلى ٣٠% كما رأينا في الإحصائيات السابقة وهذه مسألة جذرية مهمة سيأتي توضيحها بإذن الله في فصلي «الشركة» و «المعرفة». وبالإمكان تلخيصها في أن المنتجات الأكبر كالسيارة مثلاً عادة ما تتكون من منتجات أصغر (كالأبواب وزجاج النوافذ والبطارية وما شابه وتشرف شركة واحدة على إدارة إنتاجها من خلال شركات أخرى قد تكون مستقلة عنها أو تابعة لها وذلك بوضع المواصفات بناءً على التصميم ومستوى الجودة المطلوب. أما مع تمكين الناس إن طبقت مقصوصة الحقوق فإن التنسيق بين الجماعات المنتجة لهذه الأجزاء كما ذكرت هي من مسؤولية الملاك المنتجين فيما بينهم دون المرور على جماعة مركزية تملي لهم ما ينتجون. وبهذا يقل، أو حتى ينعدم الهدر بإذن الله.
والمصدر الثالث من الهدر والذي يغتال المجتمع الغربي هو الأعمال التي وقع المجتمع الغربي فيها بسبب
فشل المجتمع في تحقيق هدف ما مثال ذلك الهدر في علاج الأمراض المستعصية والتي لم تظهر إلا بسبب الانحراف


القذف بالغيب
٧٦٥
السلوكي كمرض الإيدز الذي انتشر بسبب الشذوذ الجنسي والمخدرات. فهذا الانحراف يدفع المجتمع للاستثمار في أعمال طبية معينة مما يستنهك قوى المجتمع ودونما إنتاج مجد. فكم من الوظائف أهدرت في محاربة هذه الأمراض، وبالذات النفسية منها بسبب ضغوط العمل التي يسببها استعباد الشركات للأفراد، فهناك في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً ٢٦٥ ألف فرد متخصص في علم النفس (وسيأتي بيانه بإذن الله). ومثل هذه الوظائف سيستغني عنها المسلمون إن هم حكموا بما أنزل الله. ولعل من أبرز ما فشل فيه المجتمع الغربي تحقيق الأمن الداخلي، فكثرت السجون وبالتالي ازدادت الحاجة إلى السجانين وما شابه من أعمال كازدياد عدد رجال المرور أو الشرطة أو المباحث الجنائية بسبب سوء السلوك. فقد زادت نفقات السجون على نفقات التعليم في ولاية كليفورنيا مثلاً في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وإليك بعض الأرقام: بلغ عدد العاملين في الأمن عموماً في نفس السنة (أي ٢٠٠٠م) في الولايات المتحدة الأمريكية ۲۹,۰۰۰ فرداً منهم ١١٦ ألف مخبر سري، و ٥٣ ألف رئيس إداري في الشرطة، و ٥٦٠ ألف شرطي في المناطق العامة، و ١,٠٦٠,٠٠٠ رجل شرطة وتحري، و ٣٤٤ ألف موظف لتأهيل المنحرفين، ... وهكذا. هذا بالإضافة لنفقات هؤلاء في المجتمع بما يستهلكونه من خدمات ومعدات وأماكن سواء للعمل أو للسكنى. وإليك بعض الإحصائيات من دراسة أجريت سنة ۲۰۰۸م عن تكلفة نزلاء السجون في الولايات المتحدة الأمريكية: لقد بلغ عدد المساجين ٢,٣ مليون سجين وسجينة. أي أن هناك ٧٦٢ سجين وسجينة مقابل كل ١٠٠,٠٠٠ فرد في الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن النسبة تقترب من ١٪. وفي ولاية ميتشيجان مثلاً، فإن ما أنفق على المساجين فاق ما أنفق على الجامعات. كما أن نفقات المساجين كلفت خمس الضرائب في نفس الولاية، فمن كل دولار أخذ من الضرائب أنفق عشرون سنتاً على السجون ومن بين كل ثلاثة موظفين يعملون في حكومة الولاية، عمل موظف واحد في السجون والإصلاحيات.
مغلق
وكما سترى بإذن الله فإن هذا القطاع سيضمحل في المجتمع المسلم مع تطبيق الشريعة. فهذا المصدر الثالث تماماً. فلن يظهر مرض الإيدز، ولن تنتشر الجريمة بإذن الله لأنه لا بطالة ولا تداخل بين الناس يؤدي لتضارب مصالحهم، فلا ضغائن إلا في حالات نادرة كالعائلية (وحتى هذه فلها جذرور متعلقة بأوضاع الناس النفسية المنبثقة من تعاستهم في أعمالهم وضائقاتهم المالية. وبالطبع، هناك أمثلة كثيرة أخرى سنأتي عليها من أهمها العمل العسكري والذي ظهر بسبب فشل المجتمع المسلم الذي استحدث الديوان كغيره من المجتمعات الأخرى) في الجمع بين العسكرية كمهنة وسائر الأعمال الإنتاجية الأخرى. وهذا ما تتلافاه الشريعة إن طبقت. لذلك فعادة ما ترتفع نسبة العاملين في قطاع العسكرية إلى أكثر من ١٠٪ وبالذات إن وضعنا في الحسبان من يعملون في التصنيع الحربي. فإن أضفنا هذا القطاع العسكري للقطاعات الأمنية الأخرى كالسجون والمصحات النفسية، فإن نسبة هؤلاء العاملين جميعاً ستزيد حتماً عن ۱۸٪ على أقل تقدير وبكل تحفظ.
والمصدر الرابع والأهم والأكثر شيوعاً هو الوظائف التي كان بالإمكان الاستغناء عنها تماماً لأنها نتاج التشابكات المجتمع ) أساساً. فعندما يفشل العقل البشري القاصر في الفصل بين الناس ستظهر القضايا الخلافية والتي ستحتاج لحل بين الأطراف المتنازعة، لذلك فقد كان هنالك في نفس السنة (أي ۲۰۰۰م) حوالي ٨٨١ ألف محام و ٤٥ ألف قاض في الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن المشرعين الذين يضعون الأنظمة والقوانين، ومن يعملون في مركز الدولة مثل رجال الكونجرس ومن حولهم ممن يساندونهم من مئات آلاف الموظفين الصغار. وهذا لن يحدث


רץ 🗏
في المجتمع المسلم لأن الخلافات ستكون أقل كثيراً لأن مقصوصة الحقوق ستفصل بين الناس فتضمحل النزاعات (كما سيأتي في فصلي «الفصل والوصل» و «الموافقات» بإذن الله. فكم من الآثار التي دلت على أن القاضي كان لا يعمل في عهد الخلفاء إلا فيما ندر لأنه لا منازعات بين الناس. ومن الأمثلة على هذا المصدر من الهدر تخصص التخطيط: ففي المدينة الإسلامية كما سترى ( في فصل «الأماكن» بإذن الله)، ستظهر المدن المخططة تلقائياً إن سار الناس على مقصوصة الحقوق دون تدخل خارجي، أما في الغرب، فهناك في الولايات المتحدة الأمريكية ٤٥٠ ألف متخصص في مجالات التخطيط والاجتماعيات، منهم ١٩ ألف مخطط و ٢٥ ألف عالم اجتماع. هذا بالإضافة إلى ١,٤٩٢,٠٠٠ عامل اجتماعي أو ما يعرف بـ social workers وليس العلاج النفسي بشتى مجالاته. ولأن السكان في المدينة الإسلامية يملكون شوارعهم كما سترى بإذن الله، فلن يلقوا بالقاذورات فيها، فهي ذاتية التنظيف لظهور سلوكيات لا تؤدي للقذارة، كل ينظف وراء نفسه وسيأتي بيانه بإذن الله . أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فهناك ۳,۱۲۷,۰۰۰ عاملاً فقط تم استئجارهم لتنظيف مباني الشركات والمؤسسات الحكومية، ناهيك عن تنظيف الشوارع والطرق والساحات. ولعل في اقتصاد مجتمع رأسمالي (وهو) عصب حياة المجتمع المادي) مادة خصبة للبحث العلمي والتطبيق الميداني، فلابد إذاً أن تكون هناك وفرة في المتخصصين في هذا المجال، فهناك مثلاً ١٣٩ ألف اقتصادي متخصص، وبالطبع فحول هؤلاء الكثير من المعاونين والموظفين. ومن هذه الأعمال التي لن يحتاجها المجتمع المسلم كما سترى بإذن الله التأمين، فهناك مثلاً ٥٧٧ ألف بائع لبوليصات التأمين في الولايات المتحدة الأمريكية، و ۱,۸۱۸,۰۰۰ موظف للنظر في إعادة تقويم التأمين. ومن هذه الأعمال أيضاً البنوك بطريقتها الحالية الربوية، فهناك ٤٣١ ألف موظف في شبابيك البنوك لإنهاء عمليات الزبائن السريعة، وبالطبع فإن من وراء هؤلاء مئات الآلاف من الموظفين الذين لا يحتكون بالجمهور. وهكذا من هدر. فكم نسبة هؤلاء في المجتمع؟ ألا تعتقد أنهم يصلون إلى ١٥% في المجتمع أو أكثر ؟
يصر
سأحاول في هذا الكتاب أن أثبت لك بإذن الله بأنه بالإمكان لأي مجتمع أن يستغني عن الهدر في هذه المصادر الأربعة السابقة وأنه سيسير بسلاسة إنتاجية أفضل إن هو حكم بمقصوصة الحقوق حتى وإن لم يكن مسلماً لأن مقصوصة الحقوق هي في الأغلب حركيات وليست قيماً بالدرجة الأولى. وهنا نأتي للمصدر الخامس وهو الهدر في الترف بشتى أنواعه: فهو مصدر خلافي بالتأكيد بين العقائد في ضرورته، ولعلك لا توافقني عليه إن كنت علمانيا. فهناك مهن مثل الرقص والعزف والغناء، وهذه بالنسبة للملتزمين من المسلمين لا حاجة لها، بينما . كثير من العلمانيين على ضرورتها كمادة ترفيهية وعلاجية أحياناً. والأمثلة على هذا المصدر كثيرة. وإليك بعض الأرقام: ففي الولايات المتحدة الأمريكية في نفس السنة (٢٠٠٠م) كان هنالك ٢,٤٣٩٠ مؤلف وفنان ورياضي: منهم ١٦١ ألف موسيقي، و ۱۳۹ ألف ممثل ومخرج و ۲۳۸ ألف رسام ونحات وما شابه، و ١٤٨ ألف . ٣٢ ألف مصور، و راقص وراقصة، و ٩٠ ألف رياضي محترف. بالإضافة لهؤلاء، فهناك ٩٧ ألف متخصص ممن يعملون في تخفيف الوزن dietitians، و هه ألف طبيب بيطري معظمهم لمعالجة القطط والكلاب دون الحيوانات الأخرى. وبالطبع، فإن جميع المهن التي تبحث عن الربح تسعى للإعلان عن نفسها، فهناك ١٦٥ ألف بائع إعلانات فقط. وبالطبع أيضاً فإن من وراء جميع هؤلاء ومن شابههم من عمال عدد كبير من الإداريين في الأندية والمسارح والمنتديات والملاعب. فكم نسبة هؤلاء في المجتمع؟ والكثير من هذه الوظائف بالإمكان الاستغناء عنها في المجتمع المسلم لتذليل الأفراد للأعمال الإنتاجية المباشرة.


القذف بالغيب
٧٦٧
ولعلك تقول: ولكن الدعاية مهمة، والرياضة مهمة، والترفيه مهم، والإبداع كالرسم مهم. فأجيب: كما سترى بإذن الله، فإن جميع هذه ستظهر في المجتمع المسلم، ولكن ليس في أفراد متخصصين. لنأخذ الرياضة كمثال: إن كل مسلم تقريباً سيصبح رياضياً. فالرياضة للجميع وبالذات ما يتعلق منها بالعمل الحربي لأن الشريعة أرادت لكل مسلم قادر أن يكون مجاهداً متى ما دعت الحاجة إليه، ولابد للمجاهد من التأهب من خلال الرياضة. لذلك فإن الرياضة ستأخذ خطاً آخر عما هو عليه الآن من حبس فتيات وشباب مخصصين لمزاولة التمارين في لعبة محددة يملون منها وذلك للفوز بميدالية ذهبية أو الفوز على أفراد من مدينة أو دولة أخرى ليتسلى المتفرجون على التلفاز. وهؤلاء المتفرجون ليسوا رياضيين، بل على العكس، فهم سمان بسبب ما يتلذذون بأكله من منتجات مصنعة بمواد حافظة ضارة أثناء مشاهدة هؤلاء المحترفين. فما فائدة الرياضة إذا إن كانت لا تثير إلا الطائفيه والحمية الجاهلية بين سكان الدول الإسلامية؟ وكمثال متطرف للتوضيح تذكر ما حدث بين مصر والجزائر على كرة القدم). إن للترفيه معنى آخر في المجتمع المسلم وسيأتي بيانه بإذن الله. وكذلك الحال بالنسبة للرسم وما شابه من مهارات. فكم هي نسبة هؤلاء المتخصصين في هذا المصدر الخامس ومن يساندونهم في المجتمع. ألا تعتقد أنهم يزيدون عن ١٠٪؟ ولنقل بأنك لن توافق على ما وضحته في المصدر الخامس لأنك تعتقد أن في مهنة الغناء مثلاً حاجة للمجتمع لأنه نوع من الترفيه أو حتى العلاج الضروري للنفس. ولنقل أنك (برغم أنه قد بلغت مبيعات الأغاني عام ٢٠٠٥م أكثر من ٢١ مليار دولار، وبرغم انتشار الفقر المدقع الذي يقتل يومياً أكثر من ۱۸۰ طفل) لست مقتنعاً بأن الغناء ترف، ولنقل بأنك مقتنع بأن سعر لوحة بيكاسو (المعروفة باسم دورامار (القطة) والتي بيعت في مزاد علني بـ ٩٥ مليون دولار لهو ما ظهر إلا لأن البعض لديه الفائض للتمتع بهذا الترف المبرر. أي لأنك إن كنت علمانياً ومقتنع بكل ما سبق، فلن أجادلك، ولكن إن أثبت لك بإذن الله أنه بالإمكان الحصول على مستوى معيشي أفضل وأكثر استهلاكاً بما فيها أدوات الرقص المحرمة شرعاً) وما شابه من ترفيه إن نحن اتبعنا مقصوصة الحقوق «ودون تلويث»، وهذا هو المهم أي دون تلويث)، فعندها لابد لك وأن توافقني. وهذا ما سأحاوله. كيف؟
سعر
كما مر بنا فقد بلغت نسبة القطاع العام (مثل وزارات الزير والذي يمكن للمجتمع الاستغناء عنها إن نحن طبقنا مقصوصة الحقوق) ١٦ . ولكن بين هؤلاء من هم منتجون فعلاً، مثل المدرسين والأطباء الذين يعملون في القطاع العام. ولنفترض أن نسبة هؤلاء قد ترتفع إلى الثلث. وهذه نسبة جد مرتفعة إذ أن معظم أعمال من هم في القطاع العام هي في تنظيم المجتمع والذي سيظهر أي تنظيم المجتمع إن طبقت مقصوصة الحقوق دون أي تخصيص للوظائف. فمثلاً، سيقوم القطاع الخاص بالتعليم وبطريقة أكفأ ولكن ليس كالقطاع الخاص في الغرب كما سيأتي بإذن الله . ولكن لنقل افتراضاً أنهم الثلث. أي ثلث الـ ١٦٪، أي ٥,٣%، فهؤلاء يجب إضافتهم إلى المنتجين فعلياً. أي أن الهدر في المصدر الأول أو القطاع العام هو %۱۰٫۷٪ (أي ١٦ - ٥,٣) . فإن أضفنا للسابق الهدر في المصدرين الثالث والرابع (لاحظ أنني لم أحسب المصدر الخامس)، أي ۱۰۷ + ١٨ + ١٥ فإن مجموع الهدر هو ٤٣,٧٪ من مجموع القوى العاملة. أي أن من قد ينتجون هم حتى الآن ٥٦,٣% وذلك لأن ١٠٠ – ٤٣,٧ - ٥٦,٣).
والآن لننظر للبطالة: فقد بلغت نسبة المتعطلين سنة ٢٠٠٠م ٥,٦٥٥,٠٠٠ فرداً، أي ما نسبته ٤,٢%. وبهذا قد تكون نسبة المنتجين الفعليين ٥٢١ ( أي ٥٦,٣ ٤٢) . ولكن كما ذكرت في الحديث عن المصدر الثاني، فإن ٣٠٪ من مجموع العاملين في جميع المهن هم من البيروقراطيين. وبهذا تكون نسبة من قد ينتجون ٣٦,٤٧%


🗏
(وذلك لأننا طرحنا ٣٠٪ ، أي ١٥,٦٣٪ من ٥٢,١% على أعلى تقدير. قلت: «على أعلى تقدير»، لأنني عندما نظرت إلى جدول القوى العاملة لعام ۲۰۰۰م في الولايات المتحدة الأمريكية وجدت أن نسبة المنتجين مباشرة أقل بكثير. فإن جمعنا كل المهن المنتجة مباشرة نجد أنهم أقل من ٣٦,٤٧٪. فعلى سبيل المثال هنالك ٢٣٢٦٠٠ مهندس ومساح شاملاً جميع التخصصات الهندسية من هندسة فضائية لهندسة مدنية وهندسة جينات وهندسة تعدين ونفط وهندسة نووية وزراعية وكهربائية وميكانيكية وكيميائية وبحرية وحاسب آلي وما شابه، ويساند هؤلاء ٦٩٩ ألف مبرمج للحاسب الآلي و ٤٦٨ ألف فني كهرباء و ١,٠٠٢ ألف فني من ذوي العلاقة بالهندسة، و ١٠٨ ألف فني في البيولوجيا، و ٢٧٠ ألف فني في العلوم عموماً ، و ۲۷۰ ألف فني كيميائي، وهكذا باقي التخصصات. ولكن لاحظ أن هذه الأرقام هي لمن هم في مهنة معينة بغض النظر عما يقومون به في واقع الأمر، فإحصائيات المهندسين مثلاً تشتمل أيضاً على من يعمل منهم في إدارة تلك المهن. فالإحصائيات تشتمل إذاً على البيروقراطيين في هذه المهن، وهؤلاء يجب حذفهم لأنهم لا ينتجون إنتاجاً مباشراً ، وهكذا باقي المهن الأخرى.
لقد قمت في السابق بمحاولة إقناعك بأن هناك هدر كبير في النظام الرأسمالي. فقد كان بإمكاني الرجوع إلى بعض الإحصائيات مباشرة إلا أنها قد لا تقنعك، فلدي قناعة أن حوالي %۲۰% من السكان هم فقط الذين ينتجون في أفضل الأحوال مع التقدم التقني والعولمة شاملاً الإداريين، كما ذهب لذلك كل من هانس بيترمارتين و هارالد شومان في كتابهما المشهور «فخ العولمة» والذي تُرجم لعدة لغات ولم تظهر أية كتابات تشكك في أرقامهما عن القوى العاملة المنتجة، فهما يقولان أن العولمة بسبب التطور المعرفي في الإنتاج ستؤدي إلى ظهور ٨٠٪ من السكان الذين لا يحتاجهم العالم في العملية الإنتاجية وأن الإشكالية لمن يؤمنون بالعولمة كوسيلة حياة الآن هو في كيفية امتصاص هؤلاء وجعلهم منشغلين من خلال الترفيه برغم أنهم لا ينتجون ولضرب مثال واحد فقط، فإن الزراعة كما هو معلوم مهمة لتغذية البشر، وقد كانت هي القطاع الذي يشغل معظم الناس في كل من الإنتاج الزراعي والحيواني، إلا أنها مع التقدم المعرفي تناقصت كثيراً. فقد نزلت نسبة العاملين في المزارع في الولايات المتحدة الأمريكية من ٥١% سنة ١٨٨٠م إلى ١٧ سنة ١٩٤٠م، ثم أخيراً أنخفضت إلى ٢٪ في آخر القرن الميلادي المنصرم، وذلك لأن إنتاج مساحة ملعب واحد لكرة القدم الأمريكية يكفي لإطعام ألف شخص طوال العام باستخدام
وسائل الإنتاج المعاصرة. وهكذا فإن المجتمعات مع التقدم المعرفي ستستغني عن الكثير من الأيدي العاملة."

هامش

م) وبالنسبة للطب فهناك ۷۱۹ ألف طبيب بشري، يساندهم ٣٧٤ التشغيل فهناك ٦٩ ألف مهني لتشغيل محطات المياه والصرف الصحي، ألف ممرضة و ١,٧٢٤ ألف موظف في المعامل الطبية المتخصصة، و و ٣٥ ألف فني لتشغيل محطات توليد الكهرباء، و ٨٤ ألف فني ١١٢ ألف منظف للأسنان، و ٣٤٢ ألف من الفنيين في المعامل لتشغيل صب وصياغة المكائن ، و ١٣٧ ألف فني لتشغيل أجهزة والمختبرات عموماً، بالإضافة لهؤلاء فهناك ۱,۳۸۹ ألف فني في النجارة، و ۷۸ ألف فني لتشغيل مكائن الخياطة، و ٢٩٢ فني لتشغيل تخصصات أخرى غير الهندسة والصحة عموماً. وهناك ٩٦١ ألف المطابع، و ٤٢٥ ألف فني لتغشيل آلات النسج والخياطة. وبالنسبة مدرس لمن هم ما بعد الثانوية في جميع التخصصات، و ٦٢٦ ألف للنقل فهناك ٣,٠٨٨ ألف سائق شاحنة، و ٥٣٩ ألف سائق حافلة، و للحضانة وما بعدها، و ۱۳۱۹ ألف مدرس في مراحل الثانوية، ٢٨٠ ألف سائق تاكسي، وهكذا. وبالطبع فإن الإحصائيات السابقة و ٢١٧٧ ألف مدرس للمرحلة الابتدائية و ٢٣٢ ألف موظف في تغطي في بعضها عمال المصانع لأنهم أدرجوا كفنيين لتشغيل الأجهزة، المكتبات. وفي الصيانة فهناك ٤,٦٥٢ فني لصيانة المعدات، منهم ١٢٦ إلا أن مجموع من يعملون في المصانع كان سنة . ألف فني لصيانة الطائرات و ١٨٦ ألف فني لصيانه السيارات الصغيرة إنسان. فإن جمعت هذه الأرقام وما شابهها ممن ينتجون، فلن يرتقي و ٣٤٥ ألف فني لصيانة السيارات الكبيرة والشاحنات و ٥٢٤ ألف الرقم إلى ٤٩,٣١٠,٣٥٧ وهم الـ ٣٦,٤٧٪ من مجموع القوى العاملة فني لمعدات المصانع و ۹۹۹ ألف فني للمعدات الإلكترونية و ٥٣ ألف لعام ٢٠٠٠م (أي من ١٣٥,٣٠٨,٠٠٠).
مدرس
فني لخطوط الهاتف و ٢٩٥ ألف فني لتثبيت الهواتف وصيانتها. وفي
19, 92 •, • • • pr....


القذف بالغيب
٧٦٩
بقيت لنا مسألتان لنتمكن من المقارنة بين الإسلام والنظام الرأسمالي، هما دور الإناث والسن التقاعدي. بالنسبة لدور الإناث: فإن قارنت المجتمع العلماني بالمجتمع المسلم من حيث القوى العاملة، ستقول ناقداً إن كنت علمانياً بأن نصف المجتمع في العالم الإسلامي إن طبقت الشريعة سيكون معطلاً لأنه لا يحق للمرأة الخروج للعمل. هنا أجيب: إن الشريعة لها نص واضح وجلي في هذه المسألة وهي عدم خروج المرأة من بيتها وبصفة مستمرة ( كالعمل مثلاً) إلا لضرورة. قال تعالى في سورة الأحزاب مخاطباً أمهات المؤمنين، وهن القدوة لكل المسلمات: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوْةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فهذا نص واضح جلي لا مناص منه مهما حاول هؤلاء الذين يحاولون إظهار الإسلام على أنه دين متحضر (وهو كذلك) وأن مثل هذه النصوص لا تعني عدم عمل المرأة في نظرهم. فما هي الأعمال الضرورية المستمرة للمرأة إذاً خارج منزلها والتي تتطلب التواجد بصفة مستمرة خارج المنزل إن استثنينا قضاء الحوائج مثل توصيل الأبناء للمدارس والاجتماعيات كالزيارات؟ إنهما بالطبع: التعليم والتطبيب. فالعزة لن تأتي إلا بأجيال متعلمة. فلابد إذاً من تعليم جميع أمهات المستقبل لإيجاد أجيال متعلمة. أي لابد من تعليم جميع الفتيات تعليماً وافياً لأننا لا ندري من منهن سيصبحن أمهات. أما الذكور فإن التعليم في حقهم ليس بالضرورة بمستوى فوق المتوسط كالفتيات لأن هناك من المهن للرجال ما يتطلب من التعليم حداً يفوق القراءة والكتابة بقليل مثل البناء والزراعة ومعظم أعمال التصنيع التي هي بحاجة لتدريب مهني أكثر من التعليم، وليس كالإناث الذين يتطلبن تعليماً أرقى ليصقلوا به البنات والبنين. ولكن عدم الرقي بجميع الذكور في التعليم لدرجات تقترب من الجامعية لا يعني قط أن المجتمع سيكون جاهلاً بل على العكس، سيكون الناس في حال أفضل من حيث القيم لأن الوسط الذي يعيش فيه الرجل إن طبقت الشريعة سيكون بسبب تمكن معظم الناس وسطاً تسوده القيم المثلى، هذا بالإضافة للمعرفة المتقدمة المتخصصة لأن منابع التعليم لن تكون من المدرسة أو المعهد فقط، ولكن من المجتمع من حول الفرد كما سترى في فصل «البركة» بإذن الله. كمثال على هذا، الوضوء، فلن تحتاج لمدرسين لتعليم الأبناء الوضوء، ولكن وضوء الكبار السليم سيصبح عرفاً يسير عليه الأبناء، فمن أفضل الطرق للتعليم في مثل هذه المسائل القدوة بالتفاعل بالمشاهدة والممارسة والإحساس والسماع والإبصار وليس القراءة من الكتب. وكذلك الالتزام بالنظافة واحترام النظام وعدم الكذب والشجاعة وما شابه من قيم، ومثل هذه القيم كثيرة وهي من أهم أسس الحياة، بل هي أهم من العلم المعرفي. أما في العلم المعرفي المتخصص، فكما سيأتي في فصل «المعرفة»، فإن التراكم المعرفي التقني سيكون عن طريق التجربة في المهن التي قد ينخرط فيها الأفراد من سن البلوغ، فلا يصلون سن الرشد إلا وهم واعون معرفيا بكل دقائق تخصصهم مثل تصنيع السيارات لدرجة تمكنهم من دفع عجلة التقنية قدماً لأنهم راغبون في ذلك لأنهم يملكون ما ينتجون وليسوا أجراء مستعبدين لأنهم وقعوا على تخصص يهوونه. هذا بالنسبة للتعليم (وسيأتي بيانه بإذن الله).
أما بالنسبة للتطبيب، فلابد وأن يجاهد المجتمع المسلم نفسه لإيجاد العدد الكافي من الطبيبات والممرضات لتطبيب الإناث حتى لا تقع أنظار الرجال على عورات النساء وبالذات المغلظة منها. فلن يقبل أي مؤمن بأن يكشف طبيب عورة أمه أو زوجته أو ابنته أو أخته أو حتى أية مسلمة إن كان مؤمنا. وبالإضافة للتعليم والتطبيب فإن للمرأة بالطبع أيضاً الخروج لقضاء حوائجها أو حوائج بيتها كما ذكرت. فقد جاء في صحيح
البخاري مثلاً أن


۷۷۰ 🗏
«أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربة وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوماً والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال: (أخ أخ) ليحملني خلفه. فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته. وكان أغير الناس. فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه، وعرفت غيرتك. فقال والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني».
٢٤
.
۲۳
الله عنها قالت:
وجاء في صحيح البخاري أيضاً في باب خروج النساء لحوائجهن» عن عائشة رضي «خرجت سودة بنت زمعة ليلاً فرآها عمر، فعرفها فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا. فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له وهو في حجرتي يتعشى وإن في يده لعرقا، فأنزل عليه فرفع عنه وهو يقول: (قد أذن الله لكن أن تخرجن الحوائجكن) . هذه الثلاث أي التعليم والتطبيب وقضاء الحوائج (ومنها الزيارات)، هي الأهم لخروج المرأة والله أعلم. والآن لنقل أننا نريد تبني المستوى الأمريكي في الخدمات الطبية والتعليمية ليطبق على المجتمع المسلم. فإن نظرنا إلى من يعملون في التطبيب سنة ٢٠٠٠م في الولايات المتحدة الأمريكية نجد أنهم كانوا ١٣,٩٠٤,٣٠٠ فرداً في القطاعين العام والخاص، أي ما نسبته ١٠,٥٥٪ من مجموع القوى العاملة. ونجد أن منهم ٢,٨٤١,٣٠٠ رجلاً و ۱۱,۰۶۳,۰۰۰ امرأة، أي أن الإناث أكثر، فهن يشكلن ٧٩,٥٧٪ من مجموع من يعملون في الصحة، (وهذا مبرر لأن معظم من يعملون في المستشفيات والمستوصفات هن من الإناث من فنيات مختبر وممرضات وما شابه). وبالطبع فإن هذا وضع سيرفضه بعض المسلمين. عندها فنحن بحاجة لإحصائية أخرى، ونظراً لأن نسبة تعداد الرجال مساو عموماً لتعداد النساء في المجتمعات، فإننا بحاجة لنصف نسبة من يعلم في قطاع التطبيب، أي أننا بحاجة إلى ٥,٢٧٪ من النساء للعمل في حقل التطبيب للنساء.
أما في التعليم فقد كانوا سنة ٢٠٠٠م حوالي ٢١,٠٣٩,٤٠٠ موظفاً وموظفة في القطاعين العام والخاص في الولايات المتحدة الأمريكية، أي ما نسبته %١٥,٩٦٪ من مجموع القوى العاملة (أي من ١٣١,٧٨٥,٠٠٠)، منهم ٦,٩٧٤,٩٠٠ رجلاً و ١٤٠٤٦,٥٠٠ إمرأة. أي أن الإناث أكثر ، فهن يشكلن ٦٦,٧٦. وبنفس المنطق، ففي المجتمع المسلم قد يرفض البعض تدريس الذكور للإناث أو العكس، إلا في الفصول الثلاثة أو الأربعة الأولى بعد الحضانة (إذ أن تدريس النساء للبنين الصغار ذو مردود أعلى كما يقول البعض)، لذلك فإن نسبة ما يحتاجه المجتمع المسلم في التعليم قد يرتفع إلى أكثر من النصف بقليل، أي إلى ٨,٥% تقريباً من مجموع القوى العاملة. وبهذا فإن مجموع ما يحتاجه المجتمع المسلم في حقلي التعليم والتطبيب من النساء هو ۱۳,۷۷٪ من مجموع القوى العاملة (أي ٥,٢٧ + ٨). وهذه النسبة هي ليست فقط لمن يعملون في التدريس والتطبيب مباشرة، ولكن شاملة لجميع متطلبات هذين التخصصين من باحثين وفنيين وما شابه بالإضافة للبيروقراطيين. ثم إن طرحنا من هذه النسبة الثلث من البيروقراطيين، فإن النسبة ستكون عندها ۹۱۸٪ من القوى العاملة أي ما يقارب ١٠٪ من القوى العاملة
الإناث في هذه المهنة الضرورية.
VV
هم من


القذف بالغيب
۷۷۱
أخيراً السن التقاعدي: ففي العالم الغربي المتسم بالاستعباد، نجد أن الموظف أو العامل لن يفوت في الغالب أول فرصة سانحة له للتقاعد المبكر إن اكتفى مالياً وذلك للتحرر من الاستعباد الذي هو فيه، وهذا يظهر من الإحصائيات : فهناك ملحوظة واضحة على نسب الموظفين والعمال ممن هم فوق سن ٦٥ سنة، وهو السن التقاعدي في معظم الدول والملحوظة هي التناقص الواضح في نسبة من يستمرون في العمل في العالم الغربي بعد سن التقاعد. ففي سنة ١٨٥٠م كان في الولايات المتحدة الأمريكية ٧٦,٦% ممن هم ٦٥ سنة فما فوق لازالوا يعملون. وبدأت هذه النسبة في التناقص بنسب واضحة، فقد كانت سنة ١٩٠٠م ٦٥,٤، ثم نزلت إلى %٤٧ سنة ١٩٥٠، ثم إلى ٢٤,٧% سنة ١٩٨٠م ثم أخيراً إلى ١٧,٥% سنة ٢٠٠٠م. فما هو سر هذا التناقص؟ إن من أهم ميزات الديمقراطية كما هو معلوم هو أن للناس الحق في التصويت بغض النظر عن وضعهم المالي. فبظهور نقابات العمال وبتعاظم نشاطها من خلال تنظيم أفرادها المنتمين إليها فقد حصل العمال على الكثير من المزايا رغماً عن الشركات من خلال إيصال من يحقق لهم مصالحهم إلى سدة الحكم. إلا أن هذا بدأ يتغير مع العولمة وسيأتي بيانه بإذن الله . ولكن المهم لموضوعنا الآن هو أن سبب تناقص من يعملون هو أنهم في معظهم موظفين لا يملكون ما يعملون فيه سواء كان مكان عملهم متجراً أو مصنعاً أو مزرعة، لذلك فهم لا يستمتعون بالعمل لأن الأرباح لغيرهم، فلا حافز يدفعهم للبقاء على رأس العمل، هذا أولاً. وأما ثانياً، فهو لأنهم مثقلون بالأنظمة والقوانين والأوامر ممن يستعبدونهم من الملاك أو ممن يعملون لدى الملاك مثل رؤساء الشركات، لذلك تجد هؤلاء العمال يفرون من العمل في أول فرصة سانحة لهم، أي متى ما توفر لهم من المال ما يدعمهم في ما بقي لهم من عمر . لذلك ظهرت من خلال نضال حركات النقابات العمالية المضنية مع الملاك العديد من الأنظمة التقاعدية من مؤسسات الضمان الاجتماعي وما شابه والتي ضمنت للموظف أو العامل ما يكفيه وبالكاد أحياناً بعد وصوله لسن التقاعد فبرغم أن ما يأخذه العمال جد قليل مقارنة بما لدى الملاك كما هو معلوم، إلا أنهم في مرحلة معينة مع الكبر والملل من العمل يقررون الخروج من العمل للتمتع بالحياة فراراً من الأوامر والالتزامات والمسؤوليات، حتى وإن كان ما يأخذونه من مرتب تقاعدي قليل جداً، لذلك نجد أن نسبة من يستمرون في العمل في سن ٦٥ سنة أو أكثر أخذت في النقصان بتقادم الزمن لتنخفض من ٧٦,٦% سنة ١٨٥٠م إلى ١٧,٥% سنة ٢٠٠٠م، فهؤلاء القلة ممن يعملون فوق سن ٦٥ هم إما ممن يملكون ما يعلمون به، فهم مستمتعون بالعمل في إطار أملاكهم، وهؤلاء قلة من قلة في النظام الرأسمالي وهذه هي الظاهرة الأولى؛ وإما عمال لم يتمكنوا من جمع ما يكفيهم من مال يدعمهم للبقاء دون عمل، لذلك فهم مضطرون للعمل رغماً عنهم كأجراء مستعبدين برغم كبر سنهم وهم الأكثر، وهذه هي الظاهرة الثانية. وهاتان الظاهرتان من صلب التمكين. والذي يؤكد أن هي مسألة تمكين هو النسب المتباينة بين البيض والسود في المجتمع الأمريكي. فتجد أن الفرق واضح بين السود والبيض في هذه الإحصائيات. فقد بلغ عدد من هم على رأس العمل وهم فوق سن ٦٥ سنة من السود سنة 1900م ٨٤١ مقابل ٦٤,١ من البيض وهذا الفارق في النسبة الذي يصل إلى %۲۰ لهو فارق كبير. ومع الديمقراطية بدأ هذا الفارق بالنقصان.
المسألة

۲۵
وعلى العموم، فإن هذا الإرغام على العمل بالاستعباد لمن لا يملكون من الأجراء نادر الحدوث إن طبقت الشريعة لأن الكل تقريباً يعمل فيما يملك. فالأجير ولأنه ذو أجر مرتفع لندرة مهارته التي توفرها له سوق العمل لأنه لا بطالة مع تطبيق مقصوصة الحقوق، فقد جمع هذا الأجير ما يكفيه ليتوقف عن العمل متى ما أحس أنه منهك. هذا بالإضافة إلى أنه يدرك تماماً أن المجتمع لن يتركه ملقى في الشارع دون مأوى إذ أن حقه في أموال


۷۷۲ 🗏
الصدقات والفيء والغنائم سيسد حاجته إن هو احتاج لذلك وسيأتي بيانه بإذن الله). ولهذا نجد نسبة من ينتجون لأنهم يعملون فيما يملكون إن طبقت الشريعة ستقترب من التشغيل الكامل لطاقات البشر، أي أنها ستقترب من ١٠٠٪ فوق سن ٦٥ سنة إذ لا هدر في المجتمع إلا العجزة تماماً كالمقعدين بسبب الهرم (إن استثنينا النساء الذين لا يعملون في حقول التطبيب والتعليم والأطفال. وهؤلاء الكبار في السن مخزن مهم للخبرات لينير للأجيال الطريق
الأمثل للإنتاج الأفضل كما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله . فلا بطالة إذاً لمن هم فوق ٦٥ سنة إلا ما ندر. ولكنك هنا قد تقول بأن الوضع في الديمقراطية أفضل لأننا مع تقادم الزمن لاحظنا أن نسبة من يتقاعدون في ازدياد. ففي عام ۲۰۰۰م، ولأن من يعملون فوق سن ٦٥ كانوا ١٧,٥% في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن من لا يعملون بالتالي هم في الواقع ۸۲٥. لذلك فقد تقول بأن هذه نسبة فذة لأنها تعبر عن تمكن المجتمع من تكريم كبار السن بإحالتهم للتقاعد مبكراً للتمتع بالحياة بعد ٦٥ سنة دون إنهاكهم ! فأجيب: إن كان العمل مقرفاً للفرد لأنه أجير وفي ظروف عمل لا إنسانية حتى تزداد نسبة أرباح الملاك، فبالطبع إن ما تقدمه الديمقراطية من خلال تساوي التصويت بين من يملكون ومن لا يملكون لهو حل مناسب في إطار النظام الرأسمالي والذي يتيح لهؤلاء الفرار من مثل هذه الأعمال. ولكن السؤال هو: هل هذا هو الحل الأمثل للجميع؟ فهل هؤلاء المتقاعدون سعداء؟ أجيب: إنهم يعتقدون بأنهم سعداء لأنهم لم يروا البديل. فهم قد تقاعدوا، أي فروا من سياط الملاك لينفلتوا في الحياة دونما هدف واضح في الغالب. فإن سألتك ولكن إلى أين؟ فقد تقول إن كنت ضد نظام التقاعد (وهذا نادر جداً): إنهم يقضون الأوقات أمام التلفاز وفي الملاجئ وفي المتنزهات بانتظار الموت. أما إن كنت من أنصار نظام التقاعد فقد تقول إنهم يقضون أوقاتهم مع آخرين من كبار السن في اليخوت وفي الحفلات والسهرات في متعة حرموا منها خلال عمرهم الذي أفنوه وهم يعملون لادخار المال للتقاعد، لذلك حان وقت المتعة والعمل ربما في هواياتهم. لذلك أخي القارئ لن نصل إلى نتيجة إن نحن تجادلنا عن حال هؤلاء العجزة أهم سعداء أم تعساء. هنا أقول الآتي لعلي أقنعك: إن طبق الإسلام، فإن فكرة التقاعد هذه لن تظهر في المجتمع مطلقاً. فهذه ظاهرة غربية رأسمالية محضة تدل على أن الفرد قد استهلك وغير صالح للعمل مقارنة بمن هو أقل منه، تماماً كالليمونة المعصورة التي يجب أن تلقى في سلة المهملات بعد عصرها، لذلك حان الأوان لاستبدالها بغيرها. فكان الرقم ٦٥ هو الرقم الذي يفصل بين الاستفادة من الفرد كأجير، وبين التخلي عنه ليستبدل بأجير آخر، فكانت فكرة التقاعد. ولكنك ستقول: بأن قرار التقاعد هو قرار شخصي؟ فأجيب: ليس في جميع الأحوال، فالدول والشركات هي التي تفصل الفرد من عمله لتستبدله بآخر أكثر نشاطاً وحيوية، وهذا الذي تم فصله فإن من حقه العمل في موقع آخر، ولكن بأجر أقل في معظم الأحوال لأنه سيكون أقل إنتاجاً في مجال عمل الشركة الأخرى، لذلك سيقبل بالتقاعد، إلا إن كان ذا مهارة عالية فعندها بتطبيق قانون العرض والطلب قد يحصل على عرض أفضل، وهؤلاء ندرة نادرة.
أما مع تطبيق الشريعة، فلأن الكل سيملك كما سترى بإذن الله، فإنه ما من أحد يفكر في أن يقاعد نفسه إلا فيما ندر، بل يستمر متمتعاً بعمله الذي يملكه ولو عن بعد كتوكيل ابنه مثلاً، فلن تنتشر ظاهرة التقاعد هذه في المجتمع. والعجيب أن كلمة «متقاعد» هي مجموع كلمتي: «مت» «قاعد» يا له من تعبير دقيق لحال هؤلاء المتقاعدين، ناهيك عن حالتهم النفسية. فهناك الكثير من الأفراد، وبالذات العسكريين منهم، الذين بعد تقاعدهم يصابون بالأمراض النفسية ومن ثم البدنية. وهكذا تجد أن جزءاً كبيراً من أفراد المجتمع بدل الاستمرار في الإنتاج


القذف بالغيب
۷۷۳
والعطاء، سيكون عاطلاً. فقد بلغ عدد الذين تزيد أعمارهم عن ٦٥ سنة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ٢٠٠٠م 34,991,734 فرداً، أي ما نسبته ١٢,٤٪ من مجموع سكان الولايات المتحدة الأمريكية الذي كان في تلك السنة ٢٨١٤٢١,٩٠٦ نسمة. فإن طرحنا من هذه النسبة نسبة من يعملون فوق ٦٥ سنة، أي طرحنا ١٧,٥٪ من ١٢,٤٪ من مجموع السكان، فإن من لا يعملون بسبب التقاعد وكان باستطاعتهم العمل سيكون ١٠,٢٣٪، أي
.(١٢ - ١٢ × ١٧,٥
ليت المسألة تقف عند فقدان المجتمع لعطاء هؤلاء الـ ۱۰٫۲۳٪ من السكان، ولكن هؤلاء بدل كونهم منتجين سيصبحون بعد تقاعدهم مستهلكين استهلاكاً مضاعفاً لأنهم بفراغم وإصابتهم بالأمراض النفسية ستتفاقم عليهم الأمراض البدنية، ولأنهم كانوا أجراء قد استنهكوا خلال عشرات السنوات التي عادة ما تربو عن أربعين سنة من العذاب، ولأنهم يملكون قدراً جيداً من الأموال المدخرة المودعة في البنوك في المجتمع الرأسمالي ولهم الحق في الإسراف فيه، ولأنهم لا يتخلفون عن التصويت في مجتمع ديمقراطي، فهم في موقف يجعلهم يفرض نفسه على المجتمع فيزداد استهلاكهم برغم عدم عطائهم. وفي هذا هدر إضافي للمجتمع لأن الظاهرة دائرية: وذلك لأنهم بعد تقاعدهم في كآبة مستمرة، وهذا يتطلب العلاج النفسي والذي يتفاقم مع الزمن لتظهر الأمراض البدنية ومن ثم الحاجة للمصحات المتخصصة. وهذه المصحات مكلفة وتتطلب المزيد من المال جيلاً بعد جيل لأن كل جيل أسوأ من الذي قبله نفسيا، فترتفع نفقات العلاج. أي أن على الجيل اللاحق المزيد من الإدخار، وهذا يتطلب المزيد من العمل في الحياة حتى يتم جمع الادخار اللازم لنفقات هذه المصحات والمزيد من الادخار يعني المزيد من العمل والذي ينهك الفرد أكثر وأكثر فيحتاج بعد تقاعده للمزيد من العناية والذي يتطلب المزيد من المال وبالتالي المزيد من الادخار في الجيل الذي يليه. وهكذا من دورات تعيد نفسها بطريقة أعنف في كل دائرة مما يزيد من الهدر في المجتمع جيلاً بعد جيل بسبب هؤلاء المتقاعدين. ولعلك تقول : ولكنهم سعداء بعد تقاعدهم. فأجيب: هم سعداء مقارنة بغيرهم من الفقراء أو المصابين ونحوهم لأنهم لم يروا البديل، أما في حقيقة الأمر، فبعد مرور عدة سنوات من التلذذ بالترحال بعد التقاعد مباشرة تظهر المعاناة التي لن يراها أحد لأنهم لم يتلسموا البديل إن طبق النظام الإسلامي. فمع تطبيق الإسلام فلن تظهر دور العجزة التي تنفق الأموال الطائلة، ولن تظهر السياحة للترفيه عن هؤلاء العجزة لمحاولة كسب مدخراتهم، ولن تظهر النشاطات التي تحاول امتصاص أموالهم مثل حفلات الرقص والغناء الجماعية، ولن تظهر الأمراض التي هي بحاجة للتخصصات المتقدمة في الطب النفسي. والأهم، فلن تظهر الكآبة التي تجعل كل شاب وشابة في قلق مستمر طيلة حياتهم الإنتاجية كلما رأوا عجوزاً مقعداً فيجتهدوا في الادخار. فجميع هذه النفقات السابقة للعجزة، لا أقول عنها أنها محرمة كالرقص والغناء، لأنك إن كنت علمانياً لن توافقني، ولكنني أقول عنها أن فيها استهلاك لموارد المجتمع والذي يمكن التخلص منه إن طبقت الشريعة لأن المسنين بين أحبابهم ولهم دور فاعل في التربية و في السيطرة على القرارات المهمة في الأسر لما لهم من حكمة تبلورت بسبب تراكم خبراتهم وبسبب الثروات البسيطة التي جمعوها والتي تمتعهم ببعض السلطة ومن ثم الطاعة من أبنائهم وأحفادهم إن طبقت الشريعة إلا أن هؤلاء الكبار في السن يرمون في الغرب في الملاجئ لأنه لا أبناء لهم يرعونهم. فهناك دراسة تقول بأن الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية لم يصبحوا مصدراً آمناً لآبائهم وأمهاتهم في الكبر ، لذلك فضل الكثير من الناس ادخار الأموال في العقارات والبنوك وما شابه حتى لا يضطروا للعمل فوق سن ٦٥ بدل الإنجاب، هكذا انتشرت ظاهرة استبدال الأطفال بالمدخرات في البنوك والتي عرفت بنظرية الأطفال


٧٧٤ 🗏
للبنوك babies-to-bank theory أي بدل الإنفاق على تربية الأطفال، فمن الآمن توفير تلك المصروفات المخصصة للأطفال لحين الكبر بادخارها. " ولعلك هنا تقول: ولكن ما دخل النظام الاقتصادي السياسي في هذا؟ الابن أباه في ملجأ فهو يفعل ذلك لأنه ابن عاق . فتكون إجابتي بالسؤال: ولماذا كثر العاقون إذاً في يرمي
فعندما
النظام الرأسمالي ؟ والإجابة هي: لأن النفوس تغيرت بسبب النظام الرأسمالي كما سأثبت لك بإذن الله. بالطبع إن كنت علمانياً ستقول: ما هذا الاستغفال من هذا الذي يدعي أنه يتقصى الحق بجمع كل سلبيات النظام الغربي ودونما حتى لفت النظر لأي سلبية عن النظام الإسلامي؟ فأجيب : إنك على صواب في هذا النقد. فقد جمعت بالفعل سلبيات النظام الغربي في توزيع القوى العاملة وذلك لأنه إن استمر سكان الأرض في اتباع هذه السلبيات ستفسد الأرض. أليس في هذا کاف سبب الجمع سلبيات النظام الديمقراطي الرأسمالي؟ ولكن لماذا ستفسد الأرض إن حكمنا بالديمقراطية؟ لنمر سريعاً على أهم أسس الأنظمة المختلفة للمقارنة، ولنبدأ بالاشتراكية: إن النظام الاشتراكي هو أساساً بنوع من التبسيط يهدف لإشراك الجميع في جميع الموارد المتاحة في الأمة على أن يعمل كل إنسان بقدر طاقته القصوى كما هو مفترض ويأخذ قدر حاجته. ولكن الذي حدث هو العكس، فالكل كان يعمل أقل من قدرته ويحاول الأخذ أكثر من حاجته الدنيا كما هو مفترض إن أتيحت له الفرصة، فسقط
النظام لفشله، فلا حاجة لنقده.
ليست متاحة
أما النظام الرأسمالي فهو يعني أن يعمل كل فرد قدر رغبته ليأخذ من الموارد بقدر استطاعته. إلا أن الموارد للجميع بالتساوي، فالنظام السياسي يفتح المجال لزيد دون عبيد ، وكذلك النظام الاقتصادي، فإنه يمكن بكراً الذي لديه الموارد أكثر من عمرو. ولأن الغرائز البشرية تدفع الناس للمزيد من الربح، فإن المجتمع ازداد إنتاجية بسبب التقدم المعرفي الذي تم استغلاله لاستثمار الموارد المتاحة وبغض النظر عن النتائج المدمرة، كل يحاول جاهداً استغلال الوضع لصالحه. ولأن القوى العاملة أصبحت سلعة ذات أسواق، ولأن أصحاب رؤوس الأموال عادة هم من ذوي المطامع والمطامح والأهواء، فقد تم توجيه الفائض الإنتاجي بسبب الغزارة الإنتاجية إلى المزيد من الترف جيلاً بعد جيل. وهكذا تم استثمار الفائض من الإنتاجية بسبب التراكم المعرفي في أعيان استهلاكية تعين على الترف والفساد. فكيف يمكن لطائفة من الناس أن تخترع وتصنع وتسوّق وتبيع آلة تمكن المرأة من مضاجعة نفسها؟ وكيف يمكن للمجتمع الرأسمالي أن يخترع ويصنع ويسوق لدمية تمكن الرجل من مضاجعة الدمية؟ فأي مجون هذا؟ وكيف يمكن لهذه المجتمعات أن تسكت على طباعة وتسويق ملايين الأطنان من مجلات الدعارة في وقت لا يجد فيه مئات الملايين من البشر الدواء لحماية أنفسهم من أبسط الأوبئة الفتاكة كالملاريا أو أبسط وسائل الصرف الصحي التي تقيهم الأمراض؟ بالطبع فإن الإجابة هي أن هؤلاء الذين تقتلهم الملاريا لا مال لهم، أما من يشترون تلك المجلات فلديهم من المال ما يمكنهم من التلذذ بتلك القاذورات من المجلات. ولكن هل الفتيات اللاتي رضين بالتعري أمام الكاميرات يقمن بذلك رضاً منهن، أم بسبب الحاجة؟ أي هل هن خلقن هكذا والعياذ بالله محبات للتعري لإمتاع ،الآخرين أم أن المجتمعات وضعتهن في هذه المواضع المضطرة؟ لقد رأيت في الثمانينات من القرن العشرين الميلادي تقريراً مؤلماً عن منازل الدعارة التي تقع في الطرق السريعة في الولايات المتحدة الأمريكية التي يتوقف عندها سائقي الشاحنات لقضاء شهواتهم. وكان المشرف على إحدى تلك المنازل رجل بدأ الدار مع زوجته العاهر التي كانت أول موظفة في الدار. ثم تزايد العدد من الفتيات المحتاجات. فقام


القذف بالغيب
VVO
المقدم للبرنامج بسؤال زوجة المدير والتي بالطبع لن ترفض مضاجعة أي رجل يطلبها بأمر من زوجها الذي يأخذ المال ممن سيضاجع زوجته إذ لا فرق لديه بين زوجته أو أي فتاة أخرى عاملة فهذا بالنسبة لهم أداء لعمل). قال مقدم البرنامج سائلاً: هل أنت راضية عن هذه الحياة التي يقوم فيها زوجك بقبض ثمن مضاجعتك؟ فما كان من المرأة إلا أن بكت قائلة: وهل ترضى أي امرأة بهذا الحال ؟ إننا مجبرون على هذا. أي أن هذه الطائفة من الناس مسخرة لخدمة طائفة أخرى لديها من المال الفائض الذي يغطي نزوات وأهواء الطائفة الدافعة للمال. وكذلك الطائفة التي تصور وتطبع وتسوق مجلات الدعارة تخدم الطائفة التي تملك المال. أي أن طائفة قد تم «تسخيرها»
لطائفة أخرى. وقس على هذا سائر مظاهر الانحلال والتي أنتجتها الرأسمالية. فكيف حدث هذا التسخير؟ إنه بسبب الفائض الإنتاجي في المجتمعات التي تمكنت من تغطية المتطلبات الأساسية كالمأكل والمشرب والتعليم والصحة لمن يملكون المال على حساب من لا يملكون وبتدرج متقن. فالتعليم مستويات، من ملك مالاً أكثر حصل ابنه على تعليم أفضل ورعاية صحية أعلى وملابس أفخر. ومن ملك مالاً أقل حصل على خدمات أقل. وهكذا تجد أن المجتمع الرأسمالي يتدرج في توفير السلع والخدمات بتفاوت بين الناس يتوافق مع مقدراتهم المالية لأن كل شيء سلعة. فهذا أمر معروف. إلا أن الملفت للنظر هو أن هذه التركيبة هي التي تؤدي للفساد، لأن هذا التفاوت الشديد في القوة الشرائية بين الناس والذي بدأ يزداد شدة مع العولمة (كما سيأتي في فصول قادمة بإذن الله) مصحوباً بنزوات وأهواء مالكي المال الأكثر ، كل هذا مصحوباً بالغزارة الإنتاجية بسبب التقدم المعرفي أدى لظهور مجتمع تم حبك المؤسسات الإنتاجية فيه والوظائف والأعمال بطريقة متقنة تخدم النزوات والأهواء والتلذذ والمجون بتدرج مترف بحسب القوة الشرائية، ولا تخدم الحاجات الضرورية للجميع كدواء الفقراء مثلاً. فالمستشفيات مثلاً في مستويات متباينة حتى يحصل كل فرد على ما يتمكن من شرائه من تطبيب حسب مقدرته الشرائية، وليس حسب ما يحتاجه من علاج حتى في الدول الغنية ألم يفشل الرئيس الأمريكي أوباما في تحقيق وعوده بتوفير العلاج للفقراء؟ ألم يحاربه الأثرياء المتكتلون في الحزب الجمهوري بضراوة؟ بينما لأثرياء يبددون: فهناك مستشفيات لتخفيف الوزن في المنتجعات الفارهة وباستخدام أدوية تُستخلص من أنفس العناصر كالكافيار مثلاً. وهناك من لا يجد حتى خافض الحرارة لابنه، وهكذا جميع السلع والخدمات. وهذه المؤسسات الإنتاجية التي توجه منتجاتها لمن يدفع أكثر هي التي تفسد في الأرض. فمصانع الأسلحة تزداد إتقاناً لما يقتل الناس بمسدسات كاتمة للصوت وتبيع منتجاتها لكل من يدفع المال سواء كان لصاً أو مجرماً. وكذلك مصانع العطور التي تضع العطور في زجاجات وعلب ذات تصميم بديع برغم أن الرائحة لا تتغير بشكل العلبة الخارجية، وهذه تؤدي لتراكم بسيط للفساد بسبب استهلاك الطاقات البشرية التي تعكف أياماً وليالي في تصميم مثل هذه الزجاجات والعلب ثم إتقان إنتاجها بدل إنتاج ما هو ضروري. فما أجمل قوارير وعلب العطور! إنها بالفعل جذابة. وهذا الجمال يجذب الناس لحب المال للحصول على مثل هذه العطور. ومن أحب المال، حاول الحصول عليه بأية طريقة أحياناً حتى بالطرق غير المشروعة للتلذذ بالمال والشركات المصنعة للبرادات التي تلوث الجو بغاز CFCS الذي يضعف طبقة الأوزون تبيعه لكل من رغب حتى وإن وضع في قصره عشرة برادات، فالرأسمالية تمكنه من امتلاك قصر بينما الآخرون لا مأوى لهم. وهنا قد تقول: ولكن هذا يحدث في كل مكان إن لم يتق الناس الله في مشترياتهم سواء كان المنتج ضرورياً كالخبز أو حاجياً كالساعة أو تكميلياً كالعطر أو شهوانياً كمجلة دعارة؟ فالمسألة هي مسألة سلوك وقيم وليست نظاماً اقتصادياً سياسياً يؤدي لهذا الفساد؟ فتكون إجابتي كالآتي:


٧٧٦ 🗏

الضروريات والحاجيات والكماليات

إن الإشكالية ليست في الناس في أي نظام اجتماعي، فمعظم الناس ذوي أهواء، بمقدرات متفاوتة في التحكم بها، ولكن الإشكالية في الأنظمة الاقتصادية الاجتماعية التي تشكل الناس. فكل إنسان (إلا من رحم ربك، وهم قلة) يحب التلذذ وبشهوة لأقصى قدر ممكن إن لم يتق الله عز وجل. ألم يقل سبحانه وتعالى في سورة المائدة:﴿ ... وَإِنْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ . كما أن كثيراً من المتقين يحاولون بالطرق المشروعة في مجتمعهم الاستفادة قدر المستطاع مما هو مباح لهم. فهل رأيت مسلماً يقتصد في الماء لدرجة أنه يستهلك أقل من لتر في كل وضوء تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا فيما ندر برغم ندرة الماء في المناطق الصحراوية؟ انظر إلى مساكننا، فنحن نحاول السكنى في مبان واسعة قد تستنهك أكثر دخلنا المالي. أي أن معظم الناس حتى وإن لم يكونو فاسقين، يحاولون تذليل قدراتهم وصلاحياتهم وأموالهم للاستئثار بأكثر تمكين ممكن لأنفسهم للوصول لأعلى راحة ممكنة لهم. فمن الناس من يدخر للمستقبل لبناء منزل فاره، ومنهم من ينفق ماله أولاً بأول في الحفلات والألبسة، ومنهم من يجد في العمل ويجيد اقتناص الفرص الربحية، ومنهم من يتقن الوصول للرشاوى، ومنهم ومنهم ومنهم ... وكأن كل فرد في المجتمع فريد من نوعه في طريقتة للوصول لما يتمكن من اغتنامه أو استغلاله في نظامه المجتمعي. هذه الغرائز والنزوات التي تحاول الأديان تهذيبها، أتت النظم البشرية لتزيدها سعيراً. كيف؟
C
لقد أتى النظام الرأسمالي لتمكين البعض من الناس دون البعض الآخر للوصول لهذه الأهداف لأنه فتح الباب للبعض. هذا له أن يحفر الأرض لاستخراج الأحجار لبيعها لتكسية واجهات المباني، وذاك ليس له ذلك. وهذا له إنشاء مشروع على شاطئ البحر وذاك ليس له ذلك. فالأزمة اليونانية المالية في أول هذا القرن مثلاً بينت أن ٣٧٪ من الضرائب على الموارد والتي كان من المفترض بها أن تدخل خزينة الدولة لم تدخل لأنها ذهبت لمتنفذين (وهذه هي أوروبا الديمقراطية ذات الشفافية، فما بالك بالدول الأخرى؟). هكذا يتباين الناس. وما حدث هذا التباين إلا لأن الدولة ذات سلطان لها أن تمنع وأن تعطي وما كان لها هذا السلطان إلا لأنها ملكت المال الذي يسخر لها الرجال (وما أتى المال إلا بالضرائب في الغرب وبالمكوس كالديوان في الدويلات الإسلامية). وهكذا بتفاوت السلطة والدخل بين الناس كان الفساد لأن المقدرة الشرائية تفاوتت فأصبحت الكماليات من كل من المستهلكات والخدمات من أهم الضروريات لمن ملك المال؛ وفي النقيض، لم تتوفر حتى أهم أهم الضروريات لمن لم يملك المال. أي أن الموازين انقلبت بين البشر من حيث الضروريات والحاجيات والكماليات. فما هو كمالي لفرد (كالعطر للفقير) أصبح ضرورياً لآخر (الثري)، وما هو حاجي لفرد (كالحاسب الآلي (مثلاً) أصبح ترفاً لآخر يصعب الوصول إليه لأنه فقير. وبهذا التدرج الاحتكاري الابتزازي الذي أتاحته الأنظمة البشرية ظهر الفساد من جانبين: الجانب الأول هو تمكن النظامين الديمقراطي والرأسمالي من ترسيخ جذورهما في المجتمعات. فمن خلال الفائض الإنتاجي ومن ثم الضرائب تم تسخير الناس للعمل لدى الدولة والمؤسسات التي تؤطر للنظام الديمقراطي والرأسمالي وتقنن له وتجعله وكأنه النظام الذي لا بديل له لإيجاد حياة أفضل، فتنتشر القناعة لدى الجميع إلا المفكرين من الناس بأنه لا مفر من القبول بهذه المؤسسات، ومنها مؤسسات الدولة. أما المفكرين من المنظرين الماركسيين المفلسين فلا قدرة لهم على التغلب على النظام الديمقراطي وكذلك الرأسمالي لفقرهم الفكري وضعفهم السلطوي أمام التيار الإنتاجي الجارف للرأسمالية.


القذف بالغيب
VVV
والجانب الثاني لظهور الفساد هو الهدر من خلال إطلاق العنان للأهواء فللناس أهواء، وهذه الأهواء لا
تتحقق إلا بتسخير الآخرين. فمن أراد أن يبني قصراً فارهاً لن يتمكن إلا بتسخير الآخرين لإنجاز ذلك. وهذا الذي ملك القصر سيحاول التمتع بقصره، فيقيم الحفلات المرفهة لأصدقائه الذين سينافسونه في استحداث قصور أكثر تألقاً، وبهذا يُسخر أناس آخرون لبناء القصر الآخر، وهكذا يتباهى الناس ويتفاخرون ويتنافسون فتأتي الحاجة للمزيد من التسخير للناس والذي هو بحاجة للمزيد من المال والذي لن يأتي إلا بالمزيد من التحايل لاغتنام الفرص في النظام الرأسمالي. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الحديد واصفاً حال الناس : ﴿اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَناهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ولعلك تتساءل: ولكن ليس جميع الناس ملاك للقصور، فالفقراء يقتصدون في كل شيء، فلا هدر لديهم؟ أجيب: لا لأنهم مسخرون لغيرهم أي تم تسخيرهم لخدمة غيرهم. لاحظ أنني استخدمت التعبير: «تسخير» ولم أستخدم «تذليل» وذلك لأنني خصصت استخدام «تذليل» لتعني أن طرفاً يعمل لطرف آخر لمهمة محددة ولفترة محددة، مثل السباك الذي قد يمرض ويذهب للطبيب، فيكون السباك بحاجة لخدمات الطبيب في نظام غير رأسمالي. ثم بعد مدة قد تنقلب المسألة، فقد يستدعي الطبيب السباك لإصلاح عطب في منزله. هذا هو التذليل: أي أفراد أو جماعات كل منها يخدم الآخر لعمل محدد في وقت مؤقت، فيكون كيان المجتمع واقفاً على التبادل في المنافع والسلع، وهذا يقلل من الهدر (كما سترى بإذن الله)، لأن كل طرف يعمل لنفسه ويحاول بالتالي تعظيم أرباحه بتلافي النفقات على الأعمال التي يتمكن هو من القيام بها، فقد لا يطالب الطبيب مثلاً بوضع سكرتير له ليحدد له مواعيد عمله حتى لا يتحمل هو نفقات ذلك السكرتير. ولن يطالب السباك بأدوات جديدة كل فترة وأخرى، بل يهتم بأدواته لأنه هو الذي سيدفع ثمنها إن تلفت، فيزداد حرصاً في أداء عمله.
هدر لديهم
أما «التسخير» فهو عمل طرف عند الآخر باستمرار كأجير، وفي هذا هدر كبير لأن المستأجر بالشهر مثلاً لن يحاول التوفير من ذات نفسه، كأن يكتفي المهندس بالحاسب الآلي الذي أمنته له الشركة منذ سنوات، بل قد يطالب كل فترة وأخرى بحاسب آخر أكثر سرعة، وهكذا. فهؤلاء الفقراء الأجراء عندما يعملون لدى الآخرين کمسخرین تجدهم أقل اكتراثاً لأنهم لا يملكون ما يعملون فيه، وبالتالي لن يجنوا أرباح ما يقومون به من عمل. إلا أنك إن نظرت إلى حال منازلهم تجدهم قليلي الهدر لأنهم يحاولون تعظيم الاستفادة من القليل الذي يملكونه. لذلك فإن الفرق بين معنيي التذليل والتسخير مهم لموضوع التمكين وبالتالي مقدار الهدر كما سيأتي بيانه في فصل «الشركة» بإذن الله. أي أن الديمقراطية والرأسمالية أوجدتنا مناخاً ملائماً لتُسخر الطبقات بعضها بعضاً، كل طبقة تحاول تسخير الأخرى لأكبر قدر ممكن من التمتع في دفع الغرائز لإشباع الشهوات البهيمية التي لا حد لها لأن الأهواء لا . حد لها. وفي هذا هدر كبير لأن الكل يعمل فيما لا يملك وسيأتي توضيحه بإذن الله). فكيف حارب الإسلام هذا الوضع التسخيري المؤدي للهدر الذي لا مفر منه لأن الأنفس البشرية أمارة بالسوء؟
ولعل الذي يزيد من تأثير تسريع الأهواء للفساد هي الفكرة القائلة أن سعر بيع أية سلعة هو في العادة أكبر من قيمة العمل المبذول فيها، وأن الفرق بين ما بذل فيها من مجهود إنتاجي، أي ما وضعه العمال فيها من عمل، وبين سعر البيع، هو ربح يذهب لملاك أدوات الإنتاج، وبالطبع فإن هؤلاء الملاك سيحاولون التلذذ بما ربحوه من


VVɅ 🗏
أموال، فتظهر المصنوعات الكمالية الفارهة لإشباع نهم هؤلاء الرابحين فيزدادون حرصاً على الربح أكثر وأكثر للمزيد من التلذذ أكثر وأكثر. وهكذا تنتشر المعرفة أو الخطط والأدوات للمزيد من السيطرة على العمال للمزيد من الربح فيظهر المزيد من الفساد بتسخير الطبقات المنتجة بعضها لبعض. وهنا قد يأتي أخرق ما ويقول (وقد حدث هذا معي) بأن الناس ليسوا بهذا الشره الذي وصفته؟ فأجيب بالطبع ليس الجميع بهذا الشره، ولكن الشره يتفاوت بتفاوت الناس، ولتدرك هذا فقط انزل إلى السوق وانظر للمنتجات الفارهة التي لا يستطيع الكثير من الناس اقتناءها من سيارات المرسيدس إلى مقاعد الدرجة الأولى في الطائرات إلى فنادق الخمس والست نجوم وإلى الثريات التي تصل قيمة إحداها لأضعاف أضعاف احتياجات العشرات من الأسر الفقيرة لسنوات.
من
أرجو ألا تعتقد أخي القارئ بأنني ضد التمتع بالمستهلكات. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . فأنا لا أقصد ألا توضع العطور في قوارير ذات تصميم بديع، ولا أقصد أن يمنع ﴾ الناس من السكني في مساكن فارهه، ولا أقصد النساء منع التلذذ بعشرات الآلاف من التصاميم الرائعة المريحة للأحذية والحقائب، ولكن الذي أقصده هو الآتي: عندما يموت الناس فقراً وهناك من قوارير وعلب العطور ما تكلفة الواحدة منها ما يكفي فقيراً لمدة سنة ليأكل ويشرب فهنا إشكالية إنسانية، وهكذا الأمثلة. جميع وبالطبع فإن حل هذه الإشكالية لن ينجح بفرض أنظمة ليست واقعية في التطبيق مثل الاشتراكية، وكذلك محاولة ترقيع الديمقراطية والرأسمالية بفرض الضرائب المرتفعة لتغطية نفقات متطلبات الفقراء الأساسية ستفشل أيضاً كما هو واضح. فما هو الحل إذاً؟
،
عندما تزداد الإنتاجية في المجتمعات بسبب التقدم المعرفي فإن القليل من العمل من القليل من الناس سيكفي الجميع من الضروريات إن أرادت المجتمعات ذلك. للتوضيح أقول: إن نظرنا للمجتمعات فباستطاعتنا وضعها في نقيضين إنتاجياً : مجتمع بدائي لا معرفة إنتاجية فيه، ومجتمع متقدم جداً معرفياً. ففي المجتمع البدائي نجد أن على جميع الأفراد العمل دائماً حتى يتمكنوا من تأمين الضروريات للاستمرار أحياء. فعلى كل فرد أن يصطاد ما يأكله من أنعام وطيور، وعمليه الصيد هذه تأخذ منه وقتاً طويلاً لأنه لا معرفة له بطرق الصيد ولا أدوات لديه، وعليه أن يجمع ما يأكله من خضروات لأنه لا يعرف الزراعة، وعليه أن يبحث عن كهف دافئ لأنه لا يعرف كيف يصنع غطاء يقيه البرد. حتى زينته ستكون بدائية، ناهيك عن الصابون وما شابه فهو فرد منهك ومنشغل بالعمل ليل نهار وإلا مات جوعاً، أي أن التشغيل في المجتمع البدائي هو أعلى ما يكون لانعدام المعرفة الإنتاجية. وفي النقيض يمكنك تصور مجتمع لا يعمل فيه إلا القليل الذي قد يصل إلى ١٠٪ من السكان وذلك لأن المجتمع متقدم . جداً في المعرفة الإنتاجية، فهناك مصانع تصنع أجزاء المصانع التي تصنع المستهلكات. فقد يقف فرد واحد في غرفة للمراقبة بالحاسب الآلي ويشغل مصنعاً للمكيفات المركزية التي يعمل بها عمال آليون. والمكيفات «المركزية» من الحاجيات إن لم تكن من الكماليات أي أن فرداً واحداً تمكن من إنتاج مئات المكيفات التي تكفي مئات المنازل يومياً. وهكذا جميع المنتجات. وبهذا فإن من يعملون قد يقلون إلى ١٠٪ من السكان. أي أن هناك فائضاً كبيراً في الأيدي العاملة. فما الذي سيحدث عند ظهور هذا الفائض؟ إن جميع المجتمعات في جميع العصور بالطبع ستقع في وضع بين هذين النقيضين ولكن على العموم فمع التقدم المعرفي الإنتاجي عادة ما تظهر ثلاثة


القذف بالغيب
VV9
احتمالات: الأول هو ظهور وانتشار البطالة لأن الكثير من أساسيات الحياة التي ينتجها القليل من الناس سيكفي المعظم، وفي هذا انتشار للفساد كما هو معلوم لأنه سيؤدي للاحتمال الثاني ألا وهو أن يتمكن البعض الأثرى من تسخير الآخرين الأفقر ( لتشغيلهم) الخدمتهم للمزيد من الترف، وهذا ما يحدث مع الرأسمالية كما ذكرت. والثالث هو تشغيل كامل لجميع الأيدي العاملة بحيث أن تنتقل جميع الأعيان المنتجة والخدمات مع الزمن من الكماليات إلى الحاجيات ثم إلى الضروريات لتسع جميع الأفراد وبجودة عالية، وهو ما يدفع إليه الإسلام. كيف؟ عندما تكون المعرفة الإنتاجية ضحلة في مجتمع ما فإن الجميع بالطبع منهمك في إنتاج ما هو ضروري كما في المجتمعات البدائية. ومع التقدم المعرفي، فإن ما ينتجه الفرد من غذاء نباتي مثلاً سيمكنه من تغذية أسرتين بدل أسرته هو فقط. أي أن لديه فائضاً طفيفاً يمكنه من المقايضة للحصول على سلع أخرى هو بحاجة لها، وهكذا إن تمكن المجتمع من توفير ضرورياته من مأكل ومشرب مع فائض بسيط، ومن خلال المقايضة، سيظهر فائض من الناس للتفرغ للعمل في إنتاج سلع أخرى. هذه السلع ستكون في ذلك الوقت بالنسبة لأولئك السكان من الكماليات، ولنقل أنها الأواني المنزلية كصناعة جرة للماء مثلاً. ولأن أبواب التمكين مفتوحة للجميع، فسيجد مبتكر وصانع الجرة صعوبة في توظيف آخرين للعمل لديه بأجر منخفض لأنه لا بطالة في المجتمع علماً بأن جراره هي من الكماليات والطلب عليها لازال منخفضاً. ثم مع الزمن ومع تعود الناس على الجرار وزيادة عدد السكان سيقوم باستئجار من يعينه على زيادة الإنتاج، ولأن من سيعمل لديه له المقدرة على الوصول لنفس المصادر الأولية لصناعة الجرة، فإنه سيعمل لفترة وجيزة حتى يمتلك المعرفة والمهارة ليقوم هو أيضاً بصناعة الجرار لبيعها لأن مقصوصة الحقوق تكفل له ذلك.
وهنا لابد من وقفة تذكيرية عن مقصوصة الحقوق والتمكين إن الإسلام كما مر بنا قد فتح أبواب التمكين للجميع وليس مفاضلة كما يفعل النظام البشري. تذكر أخي أن الشريعة فتحت الأبواب لكل من أحيا أرضاً، وأنها مكنت كل من استخرج معدناً من تملكه دون إذن السلطات، وأنها لم تمنع فرداً من إقامة مصنع حتى دون ترخيص كما مر بنا في الحديث عن الضرر والضرار. وأن الدولة لم تمتلك الأموال التي تمكنها من فرض ما يعتقده السلطان أو معاونوه أنه الحق، بل الحق هو ما قصه الله سبحانه وتعالى. وسنأتي بإذن الله على الكثير من فرص التمكين التي تضعها الشريعة بين يدي كل من أراد الإنتاج، فهذا هو لب موضوع هذا الكتاب. فإن فتحت الأبواب للجميع، فهل يستطيع أي فرد تسخير الآخرين للعمل لديه أخي القارئ هذه مسألة جد مهمة وسنأتي لأهميتها بتفصيل في فصلين، هما ابن السبيل» و «الشركة» بإذن الله ، فأرجو الإمهال والإقتناع حالياً بأنه مع تطبيق الشريعة فإن معظم الناس إن لم يكن الكل سيعمل لنفسه. وللاختصار ولغرض الاستمرار أقول: إن فتحت الموارد للجميع (تذكر ما مر بنا عن الموارد والموافقات والمعرفة)، «فبدل أن تعمل أخي لدى رجل ثري» إن كنت معدماً وتتلقى الأوامر منه صباح مساء، ولأنك إنسان عزيز كما خلقك الله جلت قدرته فإنك ستعمل لنفسك لأنك لن تكون معدماً، بل حباك الله بمقدرات تؤهلك للإنتاج، فهذا من عدله وفضله ومنه وجوده وكرمه وعطائه وإحسانه سبحانه وتعالى أن خلق كل البشر أعزاء قادرين على التحرك والإنتاج فتركيبة المجتمع التي نتجت دون الحكم بما شرع . عز وجل هي التي وضعت الناس ورفعتهم). لقد قلت في العبارة السابقة: «فبدل أن تعمل أخي لدى رجل ثري»، ووضعتها بين معقوفتين لأهميتها، لأنه مع تطبيق الشريعة بعد أجيال يندر أن تجد رجلاً ثرياً وآخر فقيراً لأن أبواب
الله


۷۸۰ 🗏
التمكين فتحت للجميع. فتفاوت الناس في الثراء لا يعكس إلا كفاءاتهم ومقدراتهم الذهنية والبدنية، أو الذاتية الحقة، وهذه لا تؤدي للتفاضل الكبير بين الناس لأن الفرق بينهم ليس شاسعاً. فقد يملك فرد عشرة أضعاف ما يملكه الآخر لأنه قد يكون (جدلاً) عشرة أضعاف الآخر في ذكائه وقوته الجسدية، وهذا الفارق لا يمكن الغني من تسخير الآخر الأقل مالاً للعمل له إلا بأجر مرتفع لانعدام البطالة مما يقلل الفارق بين الطرفين مرة أخرى (وسيأتي بيانه في فصل «الشركة» بإذن الله ) ، وهذا ليس كوضعنا المعاصر الذي لا يحكم بما شرع الله والذي يعكس مقدرات الأفراد المكتسبة من خلال التزلف والنفاق في المجتمعات الفاسدة، فتجد أن الفرد يملك آلاف ملايين ما يملكه الآخر ليستغله كيفما شاء لانتشار البطالة بسبب قفل أبواب التمكين.
أن
ولكنك قد تقول: وماذا عن ثراء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؟ فأجيب: لقد ظهر رضي الله عنه في عهد الرسالة، فلم تأخذ الشريعة وقتها لأجيال من التطبيق، لذلك كان هناك بعض المحتاجين الذين تمكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله الله عنه من استئجارهم رضي عنهم أجمعين للعمل لديه في قوافله التجارية. فهؤلاء من المهاجرين الذين ضاعت بعض أموالهم بالهجرة أو ممن كانوا عبيداً فاعتقوا ولا مال لهم. ففي السابق، وبرغم أ الموارد متاحة لمن حازها من أرض أو من معدن لأنها منتشرة جداً مقارنة بالسكان القلة، إلا أن موارد التمكين كانت مختلفة. فالإبل مثلاً كانت مورداً للتمكين، وكذلك المال كالذهب والورق للمتاجرة بالبضائع من الشام مثلاً. فقد تمكن التجار من الثراء على حساب الآخرين قبل الإسلام لأن نظام الرق مكنهم من تسخير الآخرين، والله أعلم. فهذه مسألة بحاجة للمزيد من البحث. لكن على العموم، إن طبقت الشريعة لأجيال ومن خلال شركات المضاربة والوجوه (وسيأتي بيانها في فصل «الشركة» بإذن الله) فلن يجد من هو في مثل موقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من الناس من يستأجره للعمل لديه بأجر زهيد، بل يعملون معه شركاء أو بأجر مرتفع جداً، فتتقسم الثروة بين الناس ويتقارب الناس في الدخل، فلا يظهر التسخير (تذكر بأن لثراء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حكمة كما مر بنا في فصل «الديوان» بأن الشريعة لم تفرض عليه الضرائب برغم ثرائه).
بعد هذا التذكير نعود للجرة: لأن أبواب التمكين مفتوحة، فإن صانعي الجرار سيزدادون من خلال العرض والطلب إلى الحد الذي يلبي رغبات السوق. ولأن الناس متقاربون في الدخل فلن يفكر صانع من إيجاد جرة ذهبية لأنه لن يتمكن من بيعها. فلا يوجد في المجتمع ثري بذاك الثراء الفاحش لشرائها، وفي الوقت ذاته لن يحاول الصانع صنع جرة بجودة رديئة لأنه لن يتمكن من بيعها لأن الفقراء قلة وبهذا ومع الزمن تصبح الجرات ذات جودات متقاربة وتصبح أيضاً من الحاجيات بعد أن كانت من الكماليات، وهكذا باقي الأواني المنزلية. ومع التقدم المعرفي بعد زمن سيظهر منتج آخر لظهور المزيد من الأيدي العاملة التي ستتمكن من التفكير في إيجاد منتج جديد، لأن ما هو ضروري من مأكل ومشرب وأواني قد تم توفيره للجميع إذ لا سعة للمجتمع لإيجاد الكثير من المنتجات الفارهة لأن المشترين الأثرياء قلة لتقارب الناس في الدخل.
ولنقل الآن بأن الفائض من الأيدي العاملة ازداد لأن أرباب الأسر تمكنوا من إيجاد طريقة لتغذية العديد من الأسر، وبهذا فإن بعض هؤلاء ممن فاضوا من العمالة قد يبتكرون سجادة للجلوس عليها مصنوعة من أصواف الأنعام، أو قد يبتكرون أي منتج آخر كمالي في تلك المرحلة من عمر المجتمع. ومرة أخرى بمرور الزمن وبالتقدم المعرفي ستنتقل هذه السجادة من كونها كمالية وذات جودة منخفضة إلى كونها حاجية وذات سماكات وأشكال


VAI
القذف بالغيب
المنتج
ورسومات مختلفة لتلبي رغبات الناس ذوي القدرات الشرائية المتقاربة، بينما الجرة لأنها أكثر ضرورة من السجادة أصبحت من الضروريات بعد أن كانت من الحاجيات، وكانت من قبل من الكماليات. وهكذا تنتقل السلع المنتجة من الكماليات لتصبح من الحاجيات ثم من الضروريات لتسع الجميع في المجتمع. ومع كل انتقال فإن الجودة ترتقي مع تنوع في التشكيلات ولكن في حدود أسعار متقاربة لأن القوة الشرائية للناس متقاربة، فتظهر السجاجيد بألوان ونقشات مختلفة بديعة إلا أن الجودة متقاربة فيما بينها لأن الصناع كُثر. وبالنسبة للارتقاء للإتقان في الجودة في الإنتاج، فنفس الفكرة، فحتى يبيع صاحب الجرة جرته لينافس المنتجين الآخرين سيزيد على جرته بعض الابتكارات من تحسينات أو كما يقال بالإنجليزية: added. value . ثم سيقلده الآخرون إن لاحظوا أن المحسن بدأ في الانتشار بين الناس دلالة على تقبل الناس له. بالطبع فإن هذا من حقهم لأن الشريعة تمنع احتكار المعرفة (وسيأتي بيانه في فصل «المعرفة» بإذن الله). وبهذا ينتقل كل منتج من مرحلة إلى أخرى أجود بدرجة طفيفة. وبالطبع، حتى وإن حاول صانع السجاجيد القفز بمنتجه لإيجاد سجادة فارهة ذات تصميم صعب التصنيع باستخدام مواد صعبة المنال كالحرير مثلاً لعل أحد من العملاء يقتنع بشرائها، فلن يفلح لأن العملاء ذوي مقدرات شرائية متقاربة. لذلك فإن العرف السائد في الإنتاج هو دفع جودة المنتجات رويداً رويداً حتى يتمكن أكبر عدد ممكن من العملاء من الشراء لتقارب الناس من الدخل، ولعل هذا يفسر لنا وجود سجاجيد بنقشات مميزة وكأنها أعراف أو أنماط تميز كل حضارة من الحضارات القديمة. ولكنك قد تقول مستنكراً: لكن هناك من السجاجيد الإيرانية والتركية الحريرية الفارهة جداً ، فماذا عنها؟ فأجيب: أجل هناك سجاجيد فارهة خارج العرف ولكنها نادرة، وما صنعت إلا لتباع أو تهدى للسلاطين أو من حولهم ممن هم من الأثرياء جداً، فلا يقاس عليها، ولكن المهم . أن هذه السجاجيد العرفية إن طبقت الشريعة لا تقارن بما هو منتشر في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة التي تعج بالآلاف من أنواع الساعات ذات الفصوص الألماسية، بينما أكثر من نصف سكان الأرض لا يستطيعون شراء إحدى تلك الساعات حتى بالادخار طول العمر. أي إن طبقت الشريعة ستظهر الساعات التي تعمل بإتقان وتقاوم شتى الظروف، فهي ساعات وظيفية لدرجة عالية. ومع التقدم المعرفي الإنتاجي وظهور المزيد من التوفير في الأيدي العاملة يأتي المزيد من الترف الذي سيسع الجميع، مثل ظهور ساعات جذابة بديعة لتكون من الضروريات عند معظم الناس ومتى ما نجحت هذه الساعة ستصبح . عرفاً يقلدها الآخرون ويضيفون إليها من ابتكاراتهم كتلك السجاجيد، وهكذا يرتقي المجتمع بانتقال المنتجات من كماليات إلى حاجيات ثم إلى ضروريات وبإنتاج متقن يسع الجميع. وهنا أؤكد لك أن المسألة ليست فقط في صناعة الجرار والسجاجيد، أي في المصنوعات البدائية، ولكن حتى الطائرات والآلات الحاسبة كما سيأتي بيانه بإذن الله في فصلي «الشركة» و «المعرفة» (أرجو أن تلحظ أنني استخدم فكرة الضروريات والحاجيات والكماليات كمنتجات وخدمات بطريقة تختلف تماماً عما ذهب إليه الفقهاء في مناقشة المقاصد كما في كتاب الشاطبي، والذي سيأتي توضيحه في فصل «الموافقات» بإذن الله). قلت أن التقدم المعرفي إنتاجياً سيؤدي إلى ظهور ثلاثة احتمالات في المجتمعات، وعادة ما ما تقع
هو
المجتمعات
في مزيج من هذه الثلاثة بناء على تركيبتها الاقتصادية. ولتوضيح المزيد من الفرق بين ما يؤدي إليه الإسلام والأنظمة الوضعية البشرية بطريقة أخرى أقول : أريدك أخي القارئ أن تحاول تذكر بعض ما مر بنا. فما سأحاوله الآن هو تربيط بعض الاستنتاجات السابقة وبالذات التي مرت بنا في هذا الفصل. وهنا خطابين، أحدهما للمؤمنين، والآخر للعلمانيين. بالنسبة للمؤمنين أقول: فكما قلت في الفصول السابقة، فإن الله سبحانه وتعالى يعلم الغيب،


۷۸۲ 🗏
لذلك فهو يعلم أن البشرية ستتقدم معرفياً فيزداد الإنتاج بالقليل من العمل. لهذا قص الحق سبحانه وتعالى الحقوق بطريقة تلائم جميع العصور، ومنها عصرنا الحالي ذو التقدم المعرفي الإنتاجي، حتى لا يظهر الفساد. فلن تؤدي مقصوصة الحقوق إلى ظهور الطبقات التي تستغل الطبقات الأخرى المعدمة بطريقة تفضي للفساد كالدعارة كما وضحت. فالكل سيعمل وينتج وسيكون راضياً بما لديه لأن ما لديه لن يكون قليلاً مقارنة بما لدى الآخرين، لأن الناس متقاربون في القوة الشرائية، وهذا سيؤدي إلى تقارب نوعيات المنتجات لتستمتع بها جميع أطياف المجتمع لانتشار «القناعة» التي تأتي من تقارب الدخل. فلن تظهر فكرة التباهي لأن منتجي سلعها لن يوجدوا أصلاً. وفكرة القناعة هذه جد مهمة لإيجاد مجتمع نظيف خال من استغلال الناس بعضهم لبعض وذلك لأن الحاجة للمزيد من المال لن تظهر لأنه لا مجال لإنفاقها لأنه لا وجود للكماليات في المجتمع (إلا) الندرة التي سرعان ما تصبح من الضروريات). فالقناعة أو الجشع ليستا غريزتين تولدان مع الطفل فقط، ولكنهما أيضاً صفتان تستشريان أو تذبلان من خلال طبيعة المنتجات بسبب الأنظمة الاقتصادية. فما الفائدة إن ملك إنسان أطناناً من الذهب وهو لا يجد من المستهلكات ما ينفقه على شراء ما يميزه عن غيره ممن لا يملكون حتى ولو جزءاً يسيراً من ذهبه؟ هكذا تنتشر القناعة في المجتمع أو يستشري الشره للمزيد من التملك من خلال المنتجات أي هل هي كمالية أو حاجية أو ضرورية لأفراد المجتمع.
لنضرب مثالاً آخر غير الجرة للتوضيح: لقد أتى عصر لم يستطع فيه المجتمع البشري من أن يوفر أي قارورة عطر لأي فرد، ثم استطاع إيجاد عطر رائحته ليست بجذابة، ثم تحسنت رائحة العطر وارتقت مع الزمن حتى وصلت إلى مرحلة شبه الكمال (مقارنة بما لدى البشر من مواد أولية، ثم بدأ المجتمع في وضعها في قوارير وعلب بدأت تزداد بمرور الزمن جمالاً وإتقاناً. وبالطبع فإن هذا التطور الإنتاجي في مراحله المتعددة هو ما يحدث لجميع المنتجات، إلا أن الفرق بين ما إن طبقنا الإسلام أو أي نظام وضعي آخر هو أن الانتقال من مرحلة إنتاجية لأخرى يحدث إن نحن طبقنا الشريعة باستمتاع معظم أفراد المجتمع بالمنتج الجديد الأرقى وليس فقط باستمتاع بعض الأثرياء كما هو الحال في الرأسمالية حيث أن المنتج الأعلى رقياً يذهب للأثرياء، بينما يعطى السابق الأقل رقياً لمن هو أقل مقدرة مالية، وبهذا تضمحل القناعة لتسابق الناس للحصول على المزيد من المال للمزيد من المتعة.
لنعود لمثال العطر للتوضيح فمع تطبيق الشريعة : (۱) إما أن تكون جميع العطور ذات قوارير وعلب متقنة لأن الفائض الإنتاجي في المجتمع وصل لمرحلة تمكن فيها معظم أفراد المجتمع من التمتع بمثل هذه القوارير، وهذا لا يكون إلا بالتشغيل الكامل لمن هم مؤهلون للعمل، (۲) و إما أن المجتمع إنتاجياً ومعرفياً لم يرتق لهذه المرحلة بعد، بل جميع العطور ذات رائحة جذابة إلا أن القوارير لم ترتق بعد في تصميمها لما هو ترفي بالنسبة للعطر لذلك المجتمع في ذلك الوقت برغم أن الجميع يعمل (۳) أو أن الوضع هو أقل رقياً، فالمجتمع لم يرتق بعد لأن يتخلى عن بعض الأيدي العاملة لإيجاد العطور أصلاً، فلا توجد العطور ولا حتى للأثرياء لأنهم قلة أو حتى لا وجود لهم لتقارب الناس في الدخل. وبين هذه الاحتمالات البارزة بالطبع احتمالات تجمع بين وضعين بنسب متفاوتة.
(
أما في النظام الذي لا يحكم بشرع الله، فالعطور المركبة من مواد مختلفة (وليس كدهن العود) والتي تتطلب مجهوداً في الابتكار ومجهوداً أكبر في جني المواد الأولية من الطبيعة لصناعتها، فهي دائمة الوجود لمن تمكن من دفع المال لأن الثري في وضع يتمكن فيه من خلال فائضه المالي شراء هذه المنتجات والتي ستدفع ثرياً آخر لتسخير


القذف بالغيب
۷۸۳
الآخرين لخدمته باستخراج الرحيق من مصادر صعبة المنال ومن أماكن بعيدة. لذلك فقد وجدت العطور الفاخرة والأواني الذهبية المرصعة بالمجوهرات والسجاجيد الحريرية منذ فجر التاريخ لأن البشر كانوا يستعبدون بعضهم البعض (كالسجاجيد الحريرية الفارهة). لاحظ القصة الآتية: كنت مرة في قصر توب كابي في إسطنبول والذي يحوي مقتنيات السلاطين العثمانيين. فقال أحد العاملين في المتحف موضحاً ومشيراً إلى مجموعة من الأواني الذهبية المرصعة بالمجوهرات والتي أهديت لأحد السلاطين من إمبراطور في الصين: «إن هذه المجموعة كادت أن تسبب حرباً بين الإمبراطوريتين، فقد صنعت ببذخ وإتقان لتهدى للسلطان العثماني، إلا أن الإمبراطور الصيني أكل فيها مرة ثم أهداها للسلطان العثماني، أي وكأن السلطان العثماني من الدرجة الثانية لأنه أكل بعد الإمبراطور الصيني. فلما علم بذلك السلطان العثماني غضب غضباً شديداً حتى أنه قرر أن يغزو إمبراطور الصين في أرضه، فنصحه القادة العسكريون أن هذا محال لبعد الصين لأن الجيش سيصل منهكا، فيجب أن ينتبه ولا تنطلي عليه مثل هذه الحيل التي قد تدمر دولته». فكم من الطاقات صرفت في مثل هذه الصناعات الترفية في تلك المجتمعات؟ وفوق هذا السلطان تسخير جيش دولته فقط ليرد الاعتبار لنفسه!
هذا
یرید
وبالنسبة للعلمانيين، أقول: إن لم تؤمن أن الله سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة يعلم الغيب، فلابد وأنك توافق على أن البشرية وصلت بنا (وليس بسبب الديمقراطية أو الرأسمالية كما وضحت سابقا) إلى مرحلة من التقدم المعرفي أدت إلى ظهور الفائض لدى البعض الذي يمكنهم من تسخير الآخرين كما وضحت. ولعلك توافق بأن في هذا ظلم لمن هم معدمون لأنهم ليسوا فقراء لأنهم لا يملكون المقدرة على الحصول على المال، ولكنهم وضعوا في مجتمع وضعهم في هذه المكانة رغما عنهم. فكم من أبناء الفقراء ممن لم تتح لهم فرصة التعليم أصبحوا سائقين عند غبي ورث المال من أبيه. فالرأسمالية نظام لا يفتح الفرص للجميع كما ذكرت مراراً. فهو نظام غير عادل. وأبسط مثال على ذلك هو أنك (معاذ الله) إن كنت موظفاً في دائرة حكومية وكنت في منصب يتيح لك إصدار ترخيص لبناء معمل بالقرب من طريق سريع، فإنك قد تمنحه لقريب أو صديق لك أو لبكر من الناس مقابل رشوة وبسرعة دون عمرو من الناس الذي قد تعرقل له استثماره وبهذه الرشوة تمكن صديقك أو بكر من مسك السوق قبل عمرو. وعندها قد تبتعث ابنك بهذه الرشوة لإكمال دراسته ليعود حاملاً لدرجة الدكتوراه من جامعة ضعيفة
في الغرب ثم تتمكن من توظيفه في مركز مرموق بواسطة معارفك ومركزك إن كنت مرتشياً. ألم تلحظ أخي القارئ أن معظم المسؤولين ذوي قرابة؟ فهل هذا لأنهم أكفأ الخلق أم لأنهم أخبث الخلق؟ بالتأكيد إن كانت قيمك إنسانية ستوافق بأن هذا الذي يحدث في الأنظمة غير الإسلامية التي تحكمنا في العالم الإسلامي أو حتى في العالم الغربي بشتى أنواعها لهو نظام غير عادل إذاً. وبالتالي فإن مستخرجات هذا النظام غير عادلة أيضاً. والآن أيها القارئ إن كنت علمانياً فأرجو أن تتأمل الآتي:

المقارنة

لتوضيح السابق لنقارن بين الوضعين الإسلامي والديمقراطى الرأسمالي من حيث الإنتاجية كماً: لنفترض أن هناك مستوطنة بها (١٠,٠٠٠) عشرة آلاف ساكن. ولنقل بأننا سنأخذ النسب التي استنبطناها من الولايات المتحدة


٧٨٤ 🗏
الأمريكية لسنة ٢٠٠٠م كنسب مسلّم بها لأنها من الأغزر إنتاجاً، وأن هذه المستوطنة تحكم بالديمقراطية ولا تطبق الشريعة الإسلامية لأن السكان ليسوا بمسلمين. نجد أن نسبة القوى العاملة هي ٤٦,٨٣% وذلك لأن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠٠٠م كان ٢٨١,٤٢١,٩٠٦ نسمة، وكان من بينهم ١٣١,٧٨٥,٠٠٠ ممن يعملون، أما الباقون فهم إما أطفال أو عجزة أو ربات منازل وما شابه ممن هم ليسوا في سوق العمل. لذلك فإن عدد من يعملون هم ٤,٦٨٣ فرداً من العشرة آلاف (أي ١٠,٠٠٠ × ٤٦,٨٣٪ ) . وكما رأينا سابقاً فإن من ينتجون إنتاجاً فعلياً للأعيان والخدمات المباشرة دون هدر في المصادر الأربعة الأولى هم ٣٦,٤٧٪ من القوى العاملة، أي ١٧٠٨ فرداً فقط (أي ٣٥٢٤,٦٨٣) ، ولنقل بأنهم قد دخلوا عالم الثورة الصناعية والمعلوماتية وأنهم شديدوا الإنتاج وأن كل فرد منهم ينتج ٤ وحدات إنتاجية سواء كانت الوحدة قميصاً واحداً أو سيارة واحدة)، وبهذا فإن مجموع ينتجوه سيكون ٦٨٣٢ وحدة إنتاجية (أي ٤ × ١٧٠٨).
ما
والآن لنقل بأن هناك مستوطنة أخرى بنفس عدد السكان إلا أنها تطبق الشريعة الإسلامية، فإن أخذنا نفس نسبة الذكور لمجموع السكان في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ۲۰۰۰م نجد أن نسبة الذكور كانت ٤٩,٠٦% (وذلك لأن عدد الذكور كان ١٣٨,٠٥٣,٥٦٣ من ٢٨١,٤٢١,٩٠٦ نسمة، وبهذا فإن نسبة الإناث هي ٥٠,٩٤٪. فإن علمنا أن عدد السكان تحت سن ١٥ سنة هو ٦٠,٢٥٣,٣٧٥ نسمة من مجموع السكان، وهم الذين لا يعملون، أي ما نسبته ٢١,٤١٪ من مجموع السكان (وبالطبع فإن هذه النسبة تشمل الذكور والإناث). فإن تقبلنا هذه النسبة علماً بأن نسبة الإناث هي الأعلى بشيء طفيف عند كبار السن، فإن نسبة الإناث ممن هم دون سن ١٥ ١٠,٩٪ من مجموع السكان (أي ٢١,٤١ × ٥٠,٩٤٪)، أما نسبة الذكور ممن هم دون سن ١٥ فهو ١٠,٥٪ من مجموع السكان (أي ٤٩,٠٦٢١١%). وبهذا تكون نسبة الذكور القادرين على العمل . %۳۸ من مجموع السكان (أي ٤٩٠٦ - ١٠,٥%).
هو
هي
وبالنسبة للنساء فقد رأينا أن نسبة العاملات في حقلي الصحة والتعليم سيكون ٩١٨٪ من مجموع القوى العاملة والذي كان ٤٦,٨٣% من مجموع السكان (وللتذكير ، فهذه النسبة إن افترضنا أننا نريد نفس المستوى الصحي والتعليمي للنساء في الولايات المتحدة الأمريكية. أي أن نسبة العاملات لمجموع السكان . هو ٤,٢٩٪ (أي 91 × ٤٦,٨٣% وهذه نسبة متدنية جداً). وبهذا فإن نسبة من سيعملون في هذه المستوطنة في ما هو إنتاج مباشر من أعيان أو خدمات هو ٤٢,٨٥% من مجموع السكان (٣٨٦ من الذكور + ٢٩ من الإناث). أي أن العاملين في هذه المستوطنة سيكونون ٤,٢٨٥ فرداً من العشرة آلاف إن هم أخذوا بمقصوصة الحقوق (أي 10,000 × ٤٢,٨٥%). فإن قام كل فرد منهم بالتعبد كالصلوات في المساجد والصوم وحضور الدروس الدينية وصلة الأرحام بالزيارات وما شابه من نشاطات تحث عليها الشريعة وكان الإنتاج لكل فرد وحدتين إنتاجيتين فقط لأنه لا يريد أن يحرق نفسه في العمل وينهكها (أي نصف ما ينتجه العامل في المستوطنة الأخرى التي لا تحكم بالشريعة)، فإن مجموع ما تنتجه المستوطنة إن اتبعت مقصوصة الحقوق هو ٨٥٧٠ وحدة برغم بطء وتيرة الحياة (أي ٤,٢٨٥ × ٢)، أي أكثر مما تنتجه المستوطنة إن لم تحكم بما أنزل الله الحق سبحانه وتعالى برغم أن كل فرد كان يعمل نصف ما يعمله قرينه في المستوطنة التي لا تحكم بما شرع الله سبحانه وتعالى وذلك لأنه لا هدر ولكن إنتاج مباشر للسلع والخدمات. وكما سترى في الفصول القادمة بإذن الله فإن التنسيق الذاتي في المجتمع إن طبقت الشريعة والتراكم


VAO
القذف بالغيب
المعرفي سيزيد الإنتاجية دون إجهاد كبير لأفراد المجتمع إلى «ربما » ست وحدات للفرد ليكون المجموع ٢٥,٧١٠ وحدة لهذه المستوطنة. أي ما يقرب أربعة أضعاف ما ينتجه أي مجتمع رأسمالي عندها فلن يتضرر الإنتاج إن قام البعض بالقيام كامل الليل، أو تفرغ بعضهم للجهاد تماماً، أو لمساعدة الآخرين أو للسفر لطلب العلم لأن ما سيقدمه لهم المجتمع من زكاة سيدعم كل هذا لاحظ أن هذا الرقم ظهر برغم أنني اعتبرت أن معظم النساء لا ينتجن، أي فقط ٤٢٩ منهم ينتجن، وهذا غير صحيح كما سترى بإذن الله.
بالطبع أيها القارئ إن كنت علمانياً فلن تصدق هذه الأرقام لأنها بالنسبة لك افتراضات، وستحاول إيجاد الكثير من الثغرات فيها وستنجح. لنضرب بعض الأمثلة، الثغرة الأولى لعلك تقول: وماذا عن العجزة الكبار جداً الذين لا يعملون تماماً، فلم يقم هذا الذي يدعي أنه يتقصى الحق بحسابهم في المجتمع المسلم؟ وماذا عن العلماء الذين تفرغوا للعلم رحمهم الله، فهو لم يحسبهم ممن لا ينتجون إنتاجاً مباشراً؟ والثغرة الثانية: قد تنتقد مستنتجاً: وكيف لهذا الذي يزعم أنه يتقصى الحق أن يتصور مجتمعاً لا تقوم فيه الدولة بمهام أساسية كتلك التي لن يتمكن الأفراد من القيام بها مثل تعبيد الطرق؟ الثغرة الثالثة: قد تقول أنني افترضت أن من أسس الفساد تسخير الطبقات الأغنى مالياً بعضها البعض، وأن هذا ليس بالضرورة صحيحاً، فقد يأتي الفساد من مصادر أخرى، فقد يجتمع الأفراد لإنشاء مصنع في منطقة بعيدة ويلقون بالملوثات في نهر قريب لهم، ولا كيان لسلطة لتوقفهم؟ وهكذا. إن هذه الثغرات التي يثيرها أي العلماني وغيرها كثير، قد لا تتمكن أخي القارئ من الإجابة عليها الآن لأنك لم تقف بعـد على سمات مقصوصة الحقوق. أي أنك لم تمتلك بعد المقدرة فكرياً على الرد على كل ثغرة إن أثارها علماني ضدك لأنك لم تنته من قراءة الكتاب، إلا أنها جميعاً ظواهر وتطبيقات لمبادئ ذات جذور. فإن علمت الجذور أمسكت بالمبادئ التي ستمكنك بإذن الله من الرد على الظواهر والتطبيقات. فالجذور هي ما يحاول هذا
عدد من
الكتاب تبيانه، لكن بالإمكان توضيح بعض هذه المبادئ الآن لعلك تأخذ فكرة عن طريقة التعامل معها فكرياً. بالنسبة للثغرة الأولى، أي بالنسبة للعلماء الذين سيتفرغون للعلم وأنني لم أقم بحسابهم كمستهلكين، بل منتجين برغم أنهم لا ينتجون إنتاجاً مباشراً للأعيان أو الخدمات (فلم أقم بحسابهم لأنه مع تطبيق الشريعة فالكل سيعمل حتى العالم)، فكما سترى في فصل «المعرفة» بإذن الله، فإن طبقت الشريعة فلا حاجة لتفرغ العلماء التام، إذ أن العلوم التي يعترف بها الإسلام هي علم الشريعة فقط، وهذه ليست بحاجة للتطوير لأنها نزلت مكتملة من خالق عليم جلت قدرته. فكل ما على المجتمع هو التطبيق. وبالنسبة للعلوم الأخرى فلن يحتاج المجتمع المسلم لأي علم من العلوم الإنسانية المعاصرة كالاقتصاد والتخطيط والسياسة وجميع العلوم الأخرى المشابهة لأن لهذه العلوم أهداف، وهي الرقي بالمجتمع للوصول لمجتمع أكثر تنظيماً وعدلاً وبالتالي أكثر إنتاجاً وصحة وعلماً ورفاهية، وهذا سيأتي مع تطبيق مقصوصة الحقوق دون الحاجة للخوض في هذه العلوم كما سترى بإذن الله، وفي هذا مزيد من تقليص الهدر وبالنسبة للعلوم التقنية والتي تؤدي لزيادة الإنتاجية، فهذه ليست بالضرورة بحاجة للمتخصصين من المتفرغين، بل ستتطور بطريقة أفضل مع تطبيق مقصوصة الحقوق لأن من سيقومون بالتطوير المعرفي الإنتاجي هم القائمون على تلك المجالات من الإنتاج، وليسوا أساتذة الجامعات والباحثين المتفرغين، بل كل منتج سيصبح مطوراً ومبتكراً كما سأثبت بإذن الله لأنه على رأس عمله، وإن احتاج فسيأتي هو ومن مثله من نفس المهنة بمن يبحث لهم عن ابتكارات لحل ما يواجهه من معطلات في الإنتاج أو ثغرات بحاجة للتطوير التقني، وهؤلاء نسبتهم


٧٨٦
صلی
الله 🗏
تكاد لا تحصى من قلتهم. أي أن أهم العلوم هو علم الشريعة والذي هو ضرورة لنشر المعرفة بالله وسنة الرسول عليه وسلم وبالمسؤوليات والقيم التي يجب أن يتمتع بها كل مسلم ومسلمة، وهذا العلم سينتشر ويعم بين الناس من خلال المتطوعين الراغبين في الأجر لأن الكل يرغب في نشر هذا العلم (وسيأتي بيانه بإذن الله). وهؤلاء المتطوعون منتجون في مجالات أخرى بالإضافة لتطوعهم، وهكذا يضمحل الهدر بسبب عدم التفرغ التام. هذا بالإضافة إلى أن اللهو في مجتمع يحكم بشرع الله سيكون من نوع آخر، فسيتجه كما سيأتي بيانه في فصل «البركة» بإذن الله إلى توجيه الطاقات لخدمة المجتمع، وفي هذا تلذذ نفسي يُشعر المؤمن بالرضائية والطمأنينة، فهو ليس لهواً هدفه استنزاف الوقت من خلال الاستهلاك للتلذذ الجسدي للفرد.
الثغرة الثانية كمثال: بالنسبة لمهام الدولة الأساسية الحالية مثل وضع البنية التحتية وتعبيد الطرق فثق أنها ستنفذ بطريقة أفضل وكفاءة أعلى كما سيأتي بيانه في فصل «الأماكن» بإذن الله. فعلى سبيل المثال: من قال بأن الفضلات يجب أن تجمع من خلال شبكات الصرف الصحي (أي بطريقة مركزية)؟ ومن قال أنها يجب أن ترسل لمكان آخر حتى تتم معالجتها؟ ألا يمكن معالجتها في موقعها في كل منزل؟ بلى وبطريقة أفضل وسعر أقل وتلويث أقل إن اتجهت التقنية لهذا الاتجاه اللامركزي. وهكذا يتم توفير الهدر في هذا القطاع وكذلك القطاعات الأخرى كما سيأتي بإذن الله.
الثغرة الثالثة كمثال : أما بالنسبة للتلويث من قبل بعض المستثمرين إن لم تكن هناك سلطة تمنعهم، فهؤلاء لن يتجرؤا ويفكروا أصلاً في إنشاء مصنع يلوث نهراً لأن رأس المال جبان دائماً، فالمستثمرون سيدركون بأنه لأي إنسان (مسلماً أو غير مسلم) الحق في الاعتراض وإيقاف مشروعهم إن ثبت الضرر ولو بشيء يسير على البيئة، وأنه إن لم يستطع المعترض ذلك سيجد من يسانده في المجتمع من المتطوعين، لأن علماء الشريعة سيحثون الناس على فعل الخير بمنع كل مستثمر من التلويث، لاسيما أن أفواه العلماء ليست مكمكمة كما هو حال مجتمعاتنا المنافقة اليوم. وهذا سيحدث لأن الشريعة تضع حقوق الاعتراض على أي منشأة ملوثة في أيدي المتضررين من المحيطين بتلك المنشأة، وهولاء سيستشعرون التلويث ويلتفتون له ويتحركون لإيقافه قبل أي جهة أخرى كالحكومات لأنهم المتضررون ولا يمكن رشوتهم. أما في مجتمعاتنا المعاصرة فإن لأي جماعة التلويث إن هي تمكنت من رشوة المسؤولين. حتى في المجتمعات الرأسمالية ذات الشفافية العالية ديمقراطياً فإن دهاليز وأروقة القوانين التي يجد فيها محاموا مصانع التلويث الثغرات للانفلات من ملاحقة القانون تخدم الأذكى من المحامين والمسؤولين المرتشين.
هم
لذلك ترى انتشار التلوث دون إيقاف.
ولعلك تسأل: ومن سيقوم بإيقاف التلويث إن ثبت في مجتمع يحكم بشرع الله ولا سلطات بمفهومها المعاصر؟ وماذا إن تمت إقامة مصنع يلوث البيئة في مكان بعيد لن يصل إليه الناس؟ فأجيب: إن هذا لن يحدث لأنك تفكر في إطار نظام رأسمالي تمكن فيه أصحاب رؤوس الأموال من تسخير الفقراء للعمل في بيئة تلوث وهي في ذاتها ملوثة. أما مع تطبيق الشريعة فلأن الكل مالك لما ينتج، أي أنه يعمل بجانب منتجه فسيحاول هو وشركاه تلافي العمل في مكان ملوث إذ أنه لا عمال بأجر ، بل شراكة في الغالب. وهل يعقل أن يفرض إنسان على نفسه العمل في مكان ملوث إلا إن اضطر لذلك؟ وهنا أقول: لن تجد إنساناً مضطراً لذلك، لذلك ستظهر تقنيات إيجاد مصانع ومناجم نقية من التلويث لأن العمال فيها هم من الملاك الشركاء ولا يريدون لأنفسهم التلويث لأن إدراكهم الثقافي


VAV
القذف بالغيب
لمساوئ التلويث عال جداً لأن الأمة المسلمة مكونة من مجتمعات ذات إدراك عال كما سترى بإذن الله. بالطبع لن تقتنع بما مضى، لأنه بالنسب لك افتراضات. فتكون إجابتي كالآتي: إن التحدي الآن هو في الإثبات. فإن أثبت لك بأن المجتمعات حتى وإن لم تكن مسلمة وأخذت بمقصوصة الحقوق ستكون في حال أفضل في هذه الدنيا إنتاجياً، فلابد لك وأن توافقني. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. فأي مجتمع يأخذ بمقصوصة الحقوق حتى وإن كان فاسقاً في سلوكه سيكون في حال أفضل من حيث الكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع للثروات ودون تلويث كما سترى بإذن الله. لذلك كنت أحاول دائماً لفت نظرك للتفريق بين القيم والحركيات. وهذه الإثباتات ستأتي بإذن الله.
هو
ومن جهة أخرى أقول: لعلك لاحظت في المقارنة أن افتراضاتي أتت من التركيز على الولايات المتحدة الأمريكية لإحصائيات سنة ۲۰٠٠م، وأنها ركزت على أن الهدر هو من المصادر الأربعة الأولى، ولم أحاول استخدام المصدر الخامس في الحسابات لاختلافنا في القيم، ولإن فعلت لازدادت نسبة الهدر ولظهر الفارق كبيراً بين ما يمكن أن يقدمه الإسلام وبين الوضع الحالي في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع هذا، فالتحدي الآن الملقى على عاتقي في إثبات إمكانية إيجاد مجتمع عالي الإنتاج مع التخلص من المصادر الأربعة الأولى للهدر، وأن المهام أو المنتجات (مثل تعبيد الطرق التي تأتي من خلال هذه المصادر بالإمكان الاستغناء عنها أو الحصول عليها من غير هذه المصادر بطريقة أكثر كفاءة، أي أقل هدراً. إضافة لهذا (وهذا قد يزعجك إن كنت علمانيا) فما سأحاول إثباته هو أن المجتمع سيكون أكثر سعادة إن هو تخلص من الهدر الناتج من المصدر الخامس، أي الترف بشتى أنواعه. فإن تمكنت من إثبات السابق باستثناء الهدر من المصدر الخامس لأنك لن توافقني عليه إن كنت علمانياً، فلابد لك من الموافقة على أن مقصوصة الحقوق هي الأفضل في جميع الأحوال.
الأملاك
وبالنسبة للثغرات في الإحصائيات، أود تذكيرك بأنني تقبلت عدة إحصائيات لا أتفق معها، منها إحصائيات سنة ٢٠٠٠م التي اشتملت على كل من عمل لنفسه في الولايات المتحدة الأمريكية، وهؤلاء في العالم الغربي معظمهم ممن يستأجرون الآخرين ليعملوا لديهم. فهم أفراد قد ترعرعوا في الترف لأضرب مثالاً: قد يرث فرد الكثير من ثم يوظف الآخرين للعمل لديه، إلا أنه هو نفسه في الحقيقة لا ينتج إلا إدارة هؤلاء وعن بعد، أما هو فيرتع في الأرض مرحاً فرحاً مستهلكاً كحال معظم الأثرياء وأبنائهم الذين أنتجتهم الرأسمالية. فقد قامت المؤسسة التي تحصر إحصاءات سوق العمل الدولية (والتي استندت على إحصائياتها في هذا الفصل والمعروفة باسم بـ ilo) بتبني ما تم الاتفاق عليه في جنيف عام ۱۹۸۲م في المؤتمر الدولي الثالث عشر لإحصاء العمالة والذي ينص على أن إحصائيات التشغيل للعمالة لابد وأن تشمل أيضاً أفراد العائلة غير المستأجرين إلا أنهم يعملون في أملاكهم. كما أنها تشمل أيضاً كل مرتبط بعمل إلا أنه لا يعمل مؤقتاً مثل المجاز أو المبتعث أو المريض أو ما شابه لطالما أنه موعود بالعودة لعمل ما. وجميع هذه أرقام مضللة تخفي الهدر الحقيقي المستشري في المجتمع. أي أن النسبة العاملة فعلياً ليست ٣٥,٢٪ كما استنتجت، بل هي أقل في الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن الوضع أكثر سوءاً من الواقع الذي تظهره الأرقام، وهي أسوأ في جميع الدول الغربية الأخرى لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأكثر كفاءة كما ذكرت لأنها لا تمتلك الكثير من البرامج التي تدعم الضمانات الاجتماعية كالدول الإسكندنافية مثلاً. كما أن الوضع أسوأ وأسوأ في الدول العربية التي لا يكاد أن يرتقي فيها المنتجون فعلياً إنتاجاً مباشراً ولا حتى إلى ١٠٪


۷۸۸ 🗏
التعليم
عام،
ودون مبالغة. فالدول العربية تعيش عالة على العالم باستهلاك ما تستورده مقابل المواد الخام التي تصدرها. ولأن السكان في تزايد مع ثبات نسبي لتلك الصادرات مقارنة بالنمو السكاني فإن الفقر والبطالة في ازدياد عاماً بعد ناهيك عن الأعمال التي يقوم بها البعض مما لا حاجة للمجتمع بها مثل تلميع الأحذية وما شابه من بطالة مقنعة. وبالنسبة للإحصائيات أود تذكيرك أيضاً أنني افترضت أن جميع النساء لا يعملن في المجتمع المسلم إلا في والصحة، تذكر أنني حذفت ٣٦,٣٦٪ من المجتمع أي نصف المجتمع وهم ٥٠٪ من الإناث مطروحاً منها ١٣,٦٤) لأنني افترضت أن النساء لن يخرجن للعمل إلا في قطاعي التعليم والتطبيب. وبهذا لم أقم بحساب وحدات إنتاجهن وإن فعلت لارتفع مجموع إنتاج المجتمع الذي يطبق شرع الله، علماً بأنهن في الواقع يعملن وبإنتاج مرتفع إن طبقت الشريعة، فهن يعملن في بيوتهن أو أحيائهن في تربية وتدريس أبنائهن، فلن تنتشر الحضانات كما في الغرب التي تستنهك المجتمع إذ أن الاستنهاك من جانبين: أحدهما في العمالة التي تنفق في التدريس، والآخر والأهم هو الجانب العاطفي المفقود للأبناء إذ أن من يقوم بتربية أبناء وبنات العاملات في الشركات والمصانع هن غير الأمهات، وفي هذا هدر كبير للأمم، لأن النمو للأطفال غير طبيعي وهذا يزيد من الهدر عند كبر هؤلاء الأطفال الذي لم ينشأوا أسوياء كغيرهم ممن تربوا على أيدي أمهاتهم، فيكون الهدر من قلة إنتاجهم من جهة، ومن أمراض بعضهم الذي يتطلب رعايات متعددة من جهة أخرى. وهذا ينطبق على التغذية، فلم أقم بحساب ما تقدمه الأمهات من أكل في المنازل مع تطبيق الشريعة، برغم أن إحصائيات الولايات المتحدة الأمريكية تعج بالعاملين في المطاعم وصناعة المعدات التي تقوم بالطهي للأعداد الكبيرة من الزبائن في المطاعم أو في أماكن العمل الجماعي أو تلك التي تباع جاهزة في الأسواق وشتان في الطعم واللذة والجودة والنضارة والمردود الصحي بين الحالين.
ولعلك لن توافق إن قلت أن هذا ينطبق على الملابس أيضاً، لأن الملابس في ذهنك عادة ما توجد بمجهود أقل إن هي أنتجت في المصانع. فأجيب: إن طبقت الشريعة لأجيال فإن التقنية لمصانع الملابس ستتغير، فهي الآن مسخرة لخدمة أصحاب رؤوس الأموال الكبار. فالمصانع مصممة بطريقة يتم فيها جمع آلاف الأيدي العاملة تحت سقف واحد لإنتاج زي موحد بتصميم محدد، وفي هذا ملل قاتل للإبداعية لكل عامل وعاملة. أما مع تطبيق الشريعة فإن الوضع سيتغير، إذن أن المعرفة المتقدمة لصنع الملابس ستقع في أيدي النساء في المنازل من خلال انتشار المعرفة التي ستوجه آلات ومعدات الخياطة لخدمة هذا الهدف، وستستمتع كل أم وكل أخت بصناعة ما يكسو ابنها أو أخاها أو أباها. هذه المتعة انقلبت فأصبحت مع الرأسمالية هماً على العمال والعاملات. فإن طبقت الشريعة ومع التقدم المعرفي الموجه لإنتاج أدوات تلائم المنازل سترى الإبداع في الملابس الذي يأتي من عموم الناس وليس من مصممي الأزياء فقط، فستصبح كل أم مصممة مبدعة أو مقلدة متقنة وهكذا ولأن الناس متقاربون في الدخل فإن الملابس ستتقارب في نوعياتها من خلال ابتكارات الملايين وتقليد الملايين الآخرين لهؤلاء الملايين من المبدعين، فتنتشر «القناعة» بين الناس لأنه لن توجد الملابس الفارهة ليقتنيها الأثرياء والتي يسيل لها لعاب السيدات. فلن يظهر التاجر الذي يحاول ترويج ملابس باذخة لأنه لن يوجد العدد الكافي من الزبائن الأثرياء لشرائها لتقارب الناس في الدخل. إلا أن هذا لا يعني قتل الإبداعية وانتشار التشابه بين المنتجات، بل ستكون المنتجات برغم تقارب جودتها ذات خيارات كثيرة ومثيرة لأن الإبداع أتى من ملايين الناس وليس من بضعة مصممين للأزياء بطريقة تقشفيه كما هو حال بناطيل «الجينز» لتعظيم أرباح شركات العولمة، أو بطريقة باذخة


القذف بالغيب
۷۸۹
فاجرة لتعظيم أرباح دور الأزياء من خلال الوصول لأموال الأثرياء الذين لم يحصلوا على تلك الأموال إلا بطرق خبيثة مهدتها لهم الرأسمالية. وما حدث هذا إلا لأن المعرفة المتطورة في الخياطة هي ملك لأصحاب رؤوس الأموال. أي أن المسألة دائرية كل يؤثر في الآخر. فكما قلت سابقاً وسيأتي بيانه في فصل «البركة» بإذن الله، فإن هناك منحدر للقيم إما بالسمو أو بالانحطاط وذو اتجاه واحد في الغالب. فإن تغلبت حركيات الحكم بما أنزل الله فإنها تشد بعضها بعضاً وعندها فإن المجتمع سيستمر سامياً يوماً بعد يوم حتى يضمحل الهدر في جميع أوجه الحياة تماماً. وفي النقيض، إن تغلبت آليات الحكم بالعقل فإنها تجر بعضها بعضاً ليستمر المجتمع في الهدر يوماً بعد يوم حتى يعم الفساد من خلال الجماعات التي تسخر الجماعات الأخرى لرفاهيتها وفجورها.
وينحسر
ولعلك تقول مستنكراً: وهل يريد هذا الذي يحاول تقصي الحق أن يرجعنا للوراء؟ هل يريدنا أن نضع في كل منزل مكينة للخياطة، وإن تكون كل ربة منزل « خياطة » ؟ فأجيب : إن قلت هذا فإنك لا تريد أن ترى أمك أو أختك أو زوجتك تحيك لك زياً. وهنا يصعب علي لومك لأنني مثلك أحب من هم حولي من الإناث ولا أريد لهم المشقة، ولكن تذكر الآتي: إن خلف كل قميص يحاك فتاة مقهورة في مصنع ما في مكان ما. فالسماء لا تمطر قمصاناً. فهذا عبء على المجتمع لابد لنا من القيام به. فالذي حدث مع الرأسمالية هو ترحيل هذا العبء من المنازل إلى المصانع ليضطر بعض الذين قهرتهم مجتمعاتهم من الفتيات للذهاب لتلك المصانع ليعملن فيها دون أن يراهن أفراد المجتمع، فالمنظر مؤلم لكل من كانت له أدنى إنسانية. هل رأيت مصنعاً للملابس في أندونيسيا وكيف أن الفتيات المسلمات بالمئات مطأطئات الرؤوس فوق المكائن بالساعات حتى لتكاد تنحني ظهورهن وتكسر رقابهن من الاستمرار في العمل؟ حتى وإن لم يكن مسلمات فهل ترض بوضع كهذا كإنسان؟ أرجو ألا تسيء الفهم . فأنا لا أقصد أن تقوم كل أم بحياكة ملابس أبنائها العشرة، لا سيما أن الإسلام يحث على الإنجاب، فهذا ثقل كبير على الأم. ولكن الذي أقصده هو الآتي: كما ستستنتج في فصلي «الشركة » و «المعرفة»، فإن الحياكة للملابس في البدء ستكون بالطبع في المنازل لعدم وجود المصانع، ثم مع التقدم التقني للحياكة أو غيرها من النشاطات الإنتاجية ستظهر المصانع لتنتقل مشقة إنتاج ما يستر الناس من المنازل إلى المصانع ولكنها مصانع يعمل بها مالكوها الشركاء، فتكون بأحجام تؤدي لتفاعل أغزر إنتاجاً بأماكن عمل أكثر إنسانية، وبحوافز دافعة للمزيد من الابتكار والإنتاج لأن العاملين هم الملاك الذين سيحاولون دائماً التطوير للمزيد من الراحة مقابل المزيد من الإنتاج. فلا يعني تطبيق الشريعة أبداً أن تكون المستهلكات من إنتاج المنازل، لا بل كما سترى بإذن الله، فإن أماكن الإنتاج تتغير بالتقدم المعرفي التقني باستمرار، فقد تكون في المنزل ثم تخرج منه ثم تعود إليه . وكمثال على ذلك الطاقة، فقد كان مصدر الطاقة في المنزل، مثل الطبخ على الحطب، ثم ظهرت مؤسسات أو شركات توليد الكهرباء خارج المدينة فتمكن الناس من أخذ الطاقة اللازمة للطهي بالكهرباء من تلك الشركات وها هي الآن الابتكارات تحاول توليد الطاقة في المنزل من خلال الخلايا الشمسية مثلاً. أي أن توليد الطاقة خرج من المنزل ثم عاد إليه.
ولكنك قد تقول : إن هذا الوصف لتوليد الطاقة هو ما أنتجته تجارب وابتكارات المجتمعات الرأسمالية الغربية، فأين الإسلام وما علاقته بكل هذا؟ فأجيب: نعم إن إنتاج الكهرباء بكميات تجارية هائلة هو من ابتكار الغرب. ولكن تذكر ما حاولت سابقاً توضيحه من التركيز على التفريق بين التمكين والعقلانية، وأن التقدم الغربي الحاصل هو ليس بسبب العقلانية التي تؤدي للحكم بغير ما أنزل الله ، ولكن بسبب التمكين النسبي لبعض الأفراد


۷۹۰ 🗏
في الشعوب الرأسمالية والذي ضمنته الشريعة لكل فرد أي إن طبقت الشريعة ستكون مراحل تغير مصادر الطاقة في رقيها من جيل لآخر أسرع مما مرت به على يد الرأسمالية، وبطريقة تجعلها تتلافى أو حتى تقفز مرحلة التوليد المركزي للطاقة على أيدي شركات كبرى تستأجر الناس كعمال. فمثلاً، لدي قناعة أن تقنية توليد الطاقة في الموقع وبطريقة اقتصادية كانت ستظهر قبل مئات السنين إن نحن طبقنا مقصوصة .الحقوق إلا أن هذا لم يحدث وبدأت بوادره في العصور المتأخرة لأن العالم الغربي بدأ يدرك مقدار الهدر في الطاقة بسبب نقلها من موقع لآخر بعد توليدها، وبدأ يدرك مخاطر التلويث بسبب التوليد المركزي للطاقة. أخي القارئ مثل هذه القضايا ستكون أكثر وضوحاً في ثنايا الفصول القادمة بإذن الله.

حتمية مصدر الفساد

ولعلك تسأل: وما علاقة الهدر بالفساد؟ فلماذا كل هذا النقد على النظام الرأسمالي برغم أنه يزداد إنتاجاً يوماً بعد يوم، فها هي الصين تغرق العالم بمنتجات زهيدة في الثمن تغطي متطلبات الفقراء؟ فأجيب: (إن الآتي هو ملخص سريع لبعض ما سبق) لقد جبل بعض الناس على إطاعة من بيده السلطة، فهؤلاء يشعرون بالأمان لدى عملهم عند من بيده السلطة. فهم مذللون للسلاطين ومتى ما ملك السلاطين المال تسلطوا على هؤلاء، ومعاً كلاهما يتسلطون على باقي الناس فيظهر النظام البشري السلطوي التعسفي في الحكم. وهذا هو الحال منذ فجر التاريخ، فمن الأمثلة على ذلك الإمبراطوريات السابقة مثل الروم والفرس والقياصرة. وبعض مثل هذه الأنظمة البشرية التي قهرت الشعوب ثارت عليها الشعوب وتمكنت من دحرها، مثل الثورة الفرنسية، وظهور الشيوعية في روسيا وما شابه، إلا أن هذه الثورات عندما قامت كانت أدمغة قادتها وسكان شعوبها قد غسلت بطريقة يستحيل معها على هذه الشعوب الخروج مما هي فيه من ضلال. كيف؟ لقد اقتنعت هذه الشعوب خلال حكم الطغاة لها بأنه لا يمكن للبشر العيش من دون دولة، وهذه القناعة تغلغلت عميقاً داخل المجتمعات وغُرست في كيان جميع الأفراد بحيث أنه يندر حتى بين المفكرين من يتقبل أو حتى يتصور مجتمع دون دولة وبالطبع فإنه لا دولة دون سلطات، فكانت القناعة أن هؤلاء الطغاة أساؤا استخدام تلك السلطات، لذلك فلابد من إيجاد دولة لا تسيء استخدام السلطات، فكانت الديمقراطية، ألا وهي حكم الشعب لنفسه. وهذا أهم مصدر للفساد في الأرض، وهو كما قلت مراراً لأنه حكم بغير ما أنزل الله والذي لابد وأن يكون بالحكم بالأهواء كما وصف القران الكريم لأنه سيؤدي للفساد كما في قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ . ولكن كيف سيؤدي اتباع الحق للأهواء للفساد؟ وما علاقة هذا بالهدر للإجابة لابد من تذكر ما مر بنا في أول هذا الفصل. فقد بدأت الفصل بالآية السابقة، وقلت بأنه لابد وأن يكون المقصود بالحق شيئاً آخر «أيضاً» غير العبادات كالصلاة والصوم. ثم نقدت الديمقراطية وقلت بأن البيئة بتطبيق الديمقراطية ستكون في كل جيل أسوء من الجيل الذي قبله ولو بشيء طفيف لأن كل جيل يمتص الخيرات قدر استطاعته وبهذا يتراكم التلوث. ثم قمت بتوضيح قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ، وقلت أن المعجز في الآية هو أنها تركز في خطابها على الفرد، بينما الفساد هو تراكم لأفعال جماعات كثيرة خلال أجيال، أي أن المهم هو النظام المجتمعي الذي يتحرك تحته الفرد. ثم


القذف بالغيب
۷۹۱
بينت الخطابات المختلفة
التي
لنحاول جمع السابق مع الهدر.
أتت بها الشريعة والأفعال التي ستؤدي للفساد من خلال هذه الخطابات. والآن
وما
لدينا عاملان حتميان لا مناص منهما وبالذات لكل علماني: الأول هو أن الديمقراطية فكرة لا يمكن لها أن تطبق وتستقر في المجتمعات إلا من خلال الدولة. والدولة بحاجة للرجال والرجال بحاجة للمال، والمال يأتي من الضرائب. هذه هي القناعة الأساس التي لا يمكن للغرب أن ينكرها والعامل الحتمي الثاني هو أن الله الخالق الخلاق البارئ المصور البديع سبحانه وتعالى خلق البشر بمقدرات عقلية تجريبية تؤدي لتراكم المعرفة. أي أن التراكم المعرفي أمر محتوم على البشر. وهذا أدى لزيادة الإنتاجية بعمل أقل. أي أن فائضاً من العمالة سيظهر لا محالة جيلاً بعد جيل مع التراكم المعرفي. «فإن » تم تسخير هذا الفائض من العمالة للعمل لدى الدولة لأن هناك من الناس من جبل على حب المال وعلى الشعور بالاطمئنان إن عمل للدولة، فإن المجتمع سيكون حتماً ذو طبقات أو جماعات تسخر بعضها بعضاً، وبهذا يتراكم الفساد. أي أن تفاعل هذين العاملين الحتميين سيؤدي حتماً للفساد. تحاول الشريعة فعله هو جذ هذا التفاعل «الحتمي» بين التراكم المعرفي واستغلال هذا الفائض من العمالة من خلال رفض الديمقراطية أو أي نظام بشري آخر. وهذا الجذ لا يكون إلا بشيء واحد فقط»، وهو «عدم تمكين» الدولة أو أية مؤسسة أخرى من تسخير هذا الفائض العمالي للعمل لديها، أي تحجيم الدولة أو المؤسسات الحاكمة لأنها ستحكم بالأهواء لا محالة في أي عصر وفي أي مكان. وعدم التمكين هذا لا يكون إلا بسحب الناس لما هو أفضل بالنسبة لهم، وهذا لن يكون إلا إن فتحت جميع أبواب التمكين من الخيرات لجميع الناس (أي الموارد والموافقات والمعرفة، وفي الوقت ذاته سحبت الشريعة الأموال من الدولة (كما مر بنا). فإن حدث هذا بتطبيق مقصوصة الحقوق فإنه سيتم توظيف التراكم المعرفي في إنتاج سلع وخدمات تنتقل في رقيها سريعاً من كونها كمالية إلى حاجية ثم إلى ضرورية لتسع الجميع، أو بالأحرى، فإن معظم مقتنيات المجتمع من سلع وخدمات هي من الضروريات دائماً و وبيد معظم الناس لأن مقدراتهم الشرائية متقاربة جداً. وبهذا لن تتمكن الدولة من سحب الناس للعمل لديها، فإن لم يكن لها أناس يعملون لها فإن دورها سيتغير رغماً عنها من جهاز يُشرع وينظم إلى جهاز يفصل بين الناس بالقضاء، وهو ما يقوم به الإسلام كما ذكرت وسيأتي تفصيله أيضاً بإذن الله). لأنه متى ما شرّع البشر ونظموا، ظهرت الثغرات التي ينبعث منها الفساد. فسيستطيع مثلاً مستثمر الحصول على ترخيص لبناء مصنع حتى وإن لوث، لأن قرار منع المصنع هو بيد الدولة وليس بيد المتضررين الذي ليس لهم إلا التشكي في ظل دولة سيكون بعض أفرادها بالضرورة من المرتشين لغريزة حب المال. وهذا مثال واحد فقط من عشرات آلاف الأمثلة والتي سنأتي على وصف بعضها لاحقاً بإذن الله. وفي ظل دولة علمانية ستظهر أيضاً البطالة لأن الدولة لها أن تبيح وتمنع الناس من العمل، وظهور البطالة سيؤدي لظهور جماعات مسخرة لجماعات أخرى فتظهر السلع الكمالية التي ستصبح ضرورية للأثرياء، بينما الضروريات لن يطالها معظم الفقراء، وهكذا يظهر الفساد. أي أنه كلما زادت نسبة السلع الكمالية في المجتمع كلما دل ذلك على أن المجتمع بعيد عن الحكم بما شرع الله سبحانه وتعالى وأنه في طريقه للمزيد من الفساد. والعكس صحيح أي كلما حكم المجتمع بشرع الله كلما كانت معظم السلع والخدمات المعروضة للبيع هي من الضروريات والتي هي في الوقت ذاته في متناول الجميع. وبالطبع فإن هذا لا يعني أن المجتمع ليس مرفهاً.


۷۹۲ 🗏
والآن لنضرب مثالاً واحداً من خلال الدراسات للتذكير، فمثل هذه المسائل باتت معروفة الآن للكل، ولكن للتذكير فقط، فقد قامت منظمة الشفافية الدولية والمعروفة بإسم transparency international بإجراء دراسة عن الفساد الإداري في ٦٩ دولة وكان ذلك سنة ۲۰۰٠٥م، ولم تشمل هذه الدراسة أي دولة عربية إذ أن الدول العربية لاستشراء الفساء فيها رفضت السماح لهذه المنظمة من إجراء الدراسة فوجدت هذه المؤسسة بعد استطلاع ٥٥ ألف شخص خلال ستة أشهر أن نسبة الفساد في كل من دول أفريقيا وشرق آسيا وأمريكا اللاتينية ازدادت في السنوات الثلاث الأخيرة برغم زيادة الأنظمة والقوانين لمحاربة الفساد وبرغم انتشار الديمقراطية وحرية التعبير في الإعلام والملفت للنظر هو أن الفساد زاد بين أفراد الأحزاب السياسية والبرلمانات والشرطة والهيئات القضائية والجمارك بالترتيب. فكان السؤال: لماذا الفساد وبين هؤلاء بالذات؟ ۲۷ فتعددت الإجابات، إلا أن الإجماع من معظم الباحثين اتفق على أنه بسبب انفلات السياسيين ومتخذي القرارات واتحادهم مع المنتفعين من تجار أو صناع لاستغلال الوضع باختراق القوانين من خلال الاستثناءات أي أن هؤلاء الذين يشرعون ويطبقون الأنظمة لتُطبق على الكل، يجيزون الاستثناءات لمن هم حولهم أو لمن يُرشونهم، وكأن الأنظمة ما وضعت إلا لاستحداث المنافذ لهم ليظهر التفاضل بين الناس فالنخب ومن معهم من سياسيين وبرلمانيين ورجال شرطة ورجال جمارك ومن مثلهم من المسيطرين أصبحوا أفسد الناس فدور السلطة التنفيذية التي يفترض بها أن تطبق القانون الذي أصدره البرلمان إنقلب ليحمي الفاسدين، ودور الشرطي مثلاً المفترض به إلقاء القبض على من سرق المال العام أصبح تكميم أفواه كل من عادى السلطان أو رجل البرلمان وفضحه. ودور السلطة القضائية التي يفترض بها أن تقاضي المخالفين أصبحت تغض الطرف عنهم وتبرئ ساحاتهم. وفي الدول التي يحكمها الحزب الواحد أو الأسرة الواحدة كما هو حال الدول العربية فإن الوضع أسوأ وذلك لأن مساحة التلاعب أكبر، أو كما يقال بالعامية: «حاميها حراميها». فالحزب مثلاً . يضع الضرائب ليفلت أعضاؤه منها ، والأمير أو الملك يضع القوانين ليستثني منها أفراد أسرته ومن يعملون لهم ومن هم حول من يعملون للسلاطين. ناهيك عن التلاعب بأموال الأمة. لقد أصبحت الدول العربية كمزارع للسلاطين وذويهم لهم أن يفعلوا ما شاؤا، والأمثلة على هذا كثيرة من زوجة زين العابدين بن علي الهارب من تونس إلى صهر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك الذي حصل على حقوق استخراج الغاز من محافظة الشرقية لمدة خمس وعشرين سنة وسرقته لأموال الفقراء بأخذ تواقيعهم لموافقتهم على مد التوصيلات اللازمة للغاز ولكن دون إنشاء التوصيلات والذي اتضح للناس فيما بعد أن التواقيع كانت موافقة منهم على الحصول على قرض من بنك لتأخذه شركة الغاز. فهم لا يقرؤون. ثم تحمل الناس الديون التي حاولوا الخروج منها بعد الثورة. فتأمل هذا الفساد الذي تعدى حتى إلى سلب أموال الفقراء القليلة، ناهيك عن سرقة مادة حيوية لا غنى عنها وبكميات هائلة لبيعها للمؤسسات وللشركات وقد وضعت في الحاشية مثالاً آخر لصفقة أسلحة مؤثرة .
۲۸
والآن لأضرب مثالاً آخر من غير العالم العربي: فقد ظهر تقرير أيضاً سنة ٢٠٠٦م عن الأثرياء والتجارة بالفقراء في الهند ملخصه أنه برغم أن الهند هي أكبر ديمقراطية في العالم من حيث تعداد السكان إلا أن الأسر التي في الحكم هي التي تمسك بزمام التجارة والمصارف وجميع صمامات المجتمع الأخرى المهمة. وهذه الأسر تعرف بعضها بعضاً ويتقابل أفرادها في المناسبات (كحفلات الزواج (مثلاً) ويتعارفون فيما بينهم حيث تتم معظم الصفقات والاتفاقات بين متخذي القرارات والتجار. فعلى سبيل المثال فإن الحكومة الهندية لاتزال تشتري مادة الدي دي تي DDT المبيدة للبعوض وترشه برغم وجود بدائل مثل وضع سمكات لأكل يرقات البعوض في الماء. فالحكومة


القذف بالغيب
۷۹۳
الهندية لاتزال مستمرة في الشراء لأن إيقاف ذلك سيضر بأكبر مصنع للمبيد الحشري. وبرغم أن البعوض قد أوجد مقاومة لمادة الـ DDT وبرغم أن الحكومة تعلم ذلك وتعلم أنه بالتالي علاج غير فعال إلا أنها مستمرة في الشراء. وقد ثبت علمياً أن الطرق البديلة أفضل إلا أن الحكومة الهندية تستمر في رش المبيد الذي يؤثر سلباً على السكان والأطفال علماً بأن ضحايا مرض الملاريا الذين يزيدون عن 3 ملايين في ازدياد كل عام. ونفس هذا التقرير يعزو باستمرار إلى أن كل هذا الفساد الإداري هو بسبب التعارف والتداخل وتبادل المصالح بين علية القوم. فأبناء وأقارب السياسيين مثلاً يحصلون على التصاريح والامتيازات بقطع الأشجار للحصول على الأخشاب للتصدير لآجال تصل إلى عشر سنوات ومقابل ذلك فهؤلاء الحاصلون على مثل هذه الامتيازات يعدون الفقراء التي بها الغابات ببناء المدارس والمستشفيات مقابل هذا الاستنزاف للأشجار إلا أنهم لا يوفون بوعودهم، بل يُهدون لزعماء الفقراء المسكرات لإغوائهم وإفسادهم. وفوق كل هذا فإن هؤلاء الاستغلاليين يودعون أموالهم في بنوك خارج الهند فلا يستفيد منها الاقتصاد الهندي."
ن
لذلك تجد أن الشريعة تحارب بشتى الطرق تمركز القرارات في أيدي السلاطين وأعوانهم وذلك بقص الحقوق للناس. فلا تستطيع الدولة منع الناس من حيازة المعادن التي خلقها خالق الناس لأنه لا رجال لها للقيام بذلك المنع. أي وكأن الشريعة تقول: إن الحكم المطلق ما هو إلا فساد مطلق. لذلك فإن السلطان أو رئيس الوزراء مقيد رغماً عنه ومن كل جانب بمن لهم الحق في التصرف بإحياء أرض أو حيازة معدن أو قطع أشجار وما شابه من قرارات. فتطمحل قوة السلطات. ومن جهة أخرى فإن الشريعة تحارب أيضاً تجمع المال لدى الدولة كما وضحت في الفصول السابقة حتى لا يظهر التسلط من خلال استغلال السلاطين لغريزة حب المال لدى البعض. وتحاول الشريعة أيضاً (كما سترى بإذن الله بشتى الطرق منع تكدس المال لدى أفراد إن كان ذلك على حساب آخرين حتى لا يتمكنوا من تسخير الآخرين حتى لا يظهر الذل، وهذا عن طريقين هما: الأول: فتح أبواب التمكين للآخرين (الموارد والموافقات والمعرفة). الثاني: وضع حركيات لتوزيع المال متى ما تراكم عند أحد من الناس كفرض الزكاة والحث على الصدقة، ولعل أهم هذه الحركيات نسب توزيع المواريث التي أتت في سورة النساء، فلا يأخذ الأخ الأكبر مثلاً كل شيء كما هو في بعض الحضارات الأخرى، ولا يحق للفرد أن يوصي بكل أمواله لأحد أبنائه مثلاً. وبهذا كما سترى بإذن الله لن تتراكم الأموال عند فرد على حساب آخرين، ولن يتمكن بالتالي فرد أبداً حتى وإن كان سلطاناً من تسخير الآخرين بالعمل له بأجر شهري لأن في التسخير مهانة. وفكرة «المهانة» هذه فكرة يرفضها معظم المعاصرين، فهم لا يعتقدون أن عمل الفرد كموظف (أجير) لدى شركة ما يضع الإنسان في مذلة، وما هذا إلا لأنهم لم يستطعموا بعد وجود مجتمع أفراده أعزاء لأن معظم الناس من الأجراء الأذلاء. فالله العزيز الكريم من عدله سبحانه وتعالى فطر كل إنسان على العزة والكرامة فأتت المجتمعات فوضعته في مذلة ومهانة. وإن طبقت مقصوصة الحقوق فإن كل إنسان سيكون عزيزاً كريماً، حتى وإن كان أجيراً لفترة وجيزة (وسيأتي بيانه بإذن الله) كالخباز الذي يستأجر كهربائياً لإصلاح عطب في منزله، فهذا الكهربائي ليس مستعبداً للخباز برغم : أنه يقدم خدمة للخباز مقابل أجر محدد، بل هو يبيع للخباز خدمة محددة، لذلك وفي تلك اللحظة برغم عمل الكهربائي لدى الخباز إلا أن الخباز لأنه بحاجة للكهربائي تجد أنه يلاطفه ويكرمه لأنه بحاجة له. فكلا الطرفين (الخباز من جهة، والكهربائي من جهة أخرى عزيزان برغم احتمال وجود الفارق المالي بينهما. وهذا الفارق يتضاءل مع تطبيق الشريعة لأجيال متعددة وذلك لأنه، كما سيأتي في فصل الفصل والوصل»، مع تطبيق الشريعة ستكون العلاقات


٧٩٤ 🗏
الاقتصادية مبنية فقط على البيع والشراء، أي بيع إما الخدمات أو السلع بعد الانتهاء من إنتاجها. فمثلاً زيد يبيع لعبيد طاقة كهربائية، وعبيد يبيع لبكر زياً، وبكر يُطبب ابنه لدى عمرو، وعمرو يشتري من زيد الطاقة، وهكذا من دوائر إنتاجية واضحة الكل فيها ينتج بنفسه (فراداً أو شراكة ما يتمكن من بيعه لغيره، وليس كمجتمعاتنا التي ينتج فيها المعظم من الناس الأجراء ما ليس لهم الحق في بيعه، بل يقوم مندوبوا الملاك بذلك. تأمل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِل إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ، فالآية تقول لي ولك أخي القارئ أن أية علاقة اقتصادية بين الناس لن تكون مشروعة إلا إن كانت تجارة أي بيع وشراء وأن هذا البيع والشراء سيكون بالضرورة عن تراض بين الأطراف المتبايعة إن طبقت الشريعة كما سترى بإذن الله، وأن أي صفقة غير ذلك ينتج وذاك باطلة. هذا يشترى ويستهلك أو يشتري كتاجر ويبيع لغيره. فهذه الآية من أعظم الآيات للفصل بين الناس ولزيادة الكفاءة الإنتاجية دون هدر، لذلك فقد خصصت لها ولغيرها من الآيات والأحاديث التي تفصل بين الناس فصلين كاملين هما «الفصل والوصل» و «الموافقات». فالناس مفصولون حتى يتفرغوا وينطلقوا للمزيد من العمل والإنتاج دون احتكاكات منهكة تقيدهم كما تفعل الأنظمة المعاصرة، إلا أنهم سيتصلون إن تطلب المنتج ذلك.
هي
ولعل النقطة الأهم والتي تؤدي إليها حركيات الشريعة هي أنه لا مجال لأي إنسان كائن من كان أن يحصل على أي فائدة في المجتمع إلا من خلال إنتاجه المباشر سواء كان المنتج سلعة أو خدمة، إلا المضطرون كالعجزة والمرضى الذين لهم الزكاة والفيء. فالناس يحصلون على المنافع كالمال فقط من خلال إنتاجاتهم، وليس بسبب منصب أو جاه أو سلطان أو تزلف أو تقرب لسلطان أو ما شابه من الطرق الملتوية التي أنتجتها الأنظمة الحاكمة بعقول البشر القاصرة. وبهذا فإن جل اهتمامات الناس تنصب دائماً على تطوير ما ينتجونه من سلع أو خدمات حتى يحصلوا من خلال المقايضة على ما يحتاجونه أو يتمنوه من متطلبات الحياة. وبهذا يتطور الإنتاج كما سيأتي بيانه بإذن الله لأن الكل يعمل ويدرك تماماً أنه لا مجال للصعود في المجتمع إلا بالإنتاج الحق (أي بيع سلعة أو خدمة مباشرة)، وليس بالتقرب لذوي القرارات من المسؤولين لأنه لا وجود لهم كما سترى بإذن الله لأن الشريعة ستستأصلهم، وإن وجدوا فلا مال لهم. أي أن الحصول على المال في الإسلام بالعمل فقط، أما إن كانت هناك دولة وموازنة مالية، فإن الحصول على المال غالباً ما يكون بالنفاق والتزلف، وهذه آفة عظمى. ولكنك قد تقول: إن العمل كأجير جائز شرعاً؟ فأجيب: الشريعة أتت لتلائم جميع العصور، فمع تطبيق مقصوصة الحقوق جيلاً بعد جيل، سيأتي زمن يبحث فيه الناس عمن يعمل لهم بأجر فلا يجدوه إلا بشق الأنفس لانعدام البطالة (وسيأتي بيانه في فصل «الشركة» بإذن الله). عندها سيكون الأجير عزيزاً كالعبودية التي أباحتها الشريعة، فالشريعة حاولت سد منافذ ظهور العبودية وتكثير أبواب اندثارها بإعتاق العبيد، ليأتي زمان وتندثر فيه العبودية كما يضمحل الأجراء.
حتى في الدول التي تعتمد على القطاع الخاص في جل ،أعمالها، فإن مجرد وجود الشركات التي تسيطر على كل قطاعات الإنتاج يعني أن هناك الكثير من الأجراء المسخرين، أو بالأصح المستعبدين، ومقابل هؤلاء فهناك القلة من الأثرياء الذين بترفهم يؤدون لظهور الفساد كما ذكرت. أما إن تقارب الناس في الدخل كما يحدث مع تطبيق مقصوصة الحقوق، عندها، فحتى إن حاول البعض الإفساد بالتلذذ فلن يتمكنوا لأنهم لن يجدوا من يعينهم على ذلك، إذا لا استعباد ولا تسخير للآخرين. فإن وجد فساد فهو في حيز ضيق ربما داخل منزل رجل اغتصب قريبة له، أو


القذف بالغيب
۷۹۵
أسرف في مسكر أو قتل زميلاً، وهذا بالطبع ليس كالفساد الذي يستشري في المجتمع كنظام يعيشه الجميع. لنمر سريعاً على قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، فالآية تتحدث عن التسخير وليس التذليل. لاحظ أن الآية تخاطب غير المسلمين، فهي تتوعدهم بـ سبحانه وتعالى لرفضهم رسالته صلى الله عليه وسلم (وسيأتي تأويل الآية في فصل «الشركة» بإذن الله، فهي آية وقع
وجوههم،
بأنه
لبس في فهمها، فقد كتب الحق سبحانه وتعالى على غير المسلمين العذاب في الدنيا بجعلهم طبقات تتخذ بعضها بعضاً سخرياً، أي طبقات مسخرة للعمل لطبقات أخرى. أليست الرأسمالية هي التي تفعل ذلك؟ أي أنها هي التي تنتج من خلال البطالة أفراداً يمكن الاستغناء عنهم لأنهم لا يملكون مقومات الإنتاج لأن أبواب التمكين مغلقة في لذلك فهناك من يستغنى عنهم لتلتقطهم مؤسسات أخرى بأجر أقل، وهؤلاء هم المستعبدون في الشركات والدول من أجراء، لذلك استخدمت كلمة «تسخير» لتعني أن المأجور مسير ومسخر وخاضع وخانع. أي أن لدينا «مؤشر واضح» هو أنه كلما زادت في المجتمع نسبة الموظفين والعمال الذين لا يملكون المؤسسات الإنتاجية التي يعملون بها كلما ازداد الاستعباد في المجتمع وظهرت الأمراض كما سترى بإذن الله. أي أنه كلما اتضحت الخطوط الفاصلة بين الطبقات الإنتاجية كلما دل ذلك على الاستعباد كما تشير الآية. فهذه طبقة عمالية ماهرة، وتلك طبقة أقل مهارة وتعمل في النظافة، وأولئك يعملون لدى السلطان، وهؤلاء ملاك عقارات، وأولئك ملاك أسهم بنكية، وهكذا. ولأهمية هذه الآية والآية الآتية فقد وضعتهما بمزيد من التفصيل في فصول قادمة.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَئكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ . فهذه الآية كما سأثبت لك بإذن الله تريك أن أي علاقة اقتصادية إن لم تكن بيعاً لسلعة منتهية الإنتاج أو خدمة واضحة المعالم للطرفين فإنها علاقة سيدخل فيها الغرر والغبن لأحد الطرفين لا محالة، وأن أعلى مراتب الغبن هو الربوا، وهذا سيؤدي للمزيد من الهدر. ومعظم العلاقات الإنتاجية المعاصرة مبنية على الربوا الذي يزيد من طبقة المنتجين الذين لا يملكون فتزداد البيئة الفاسدة خصوبة للمزيد من الفساد. ولمحق هذا الفساد كان الخطاب القرآني موجهاً لثلاث جماعات كما ذكرت جماعة مسلمة وأخرى كافرة، وثالثة منافقة تعيش بين المسلمين، وذلك حتى تظهر تركيبة اقتصادية سياسية اجتماعية للمجتمعات تُبيح إيجاد حلبات للصراع بين الحق والباطل، فينتشر الحق بعد مقارنته بالباطل فسيهزمه. وهكذا من خلال القناعة بعد المقارنة ينتشر الحق الذي إن طبق لعدة أجيال سيؤدي بالضرورة لاضمحلال الفائض العمالي الذي كان من الممكن أن تستغله الدولة في تسخير الأفراد للحكم بالأهواء، فلا تظهر الطبقات العمالية والطبقات الحاكمة وما شابه من طبقات. وعلى العكس من هذا ، فبعدم التسخير مع تطبيق الشرع

هامش

ن) ولعلك تقول: إن قطع الجميع الأشجار فإن البيئة ستتلوث؟ ، لاحظ الفرق في تشكيل حـرف أجيب: هذا لن يحدث كما ستستنتج بإذن الله. السين في كلمة «سخريا» في الآيتين، فهي في آية سورة الزخرف س) فالآية تتحدث عن التسخير وليس السخرية أيضاً كما في قوله بالضم ، وفي آية سورة المؤمنون بالكسرة. وسيأتي تأويل الآية في فصل تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَاتََّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ «الشركة» بإذن الله .


٧٩٦ 🗏
ستكون جميع السلع والخدمات من الضروريات في متناول الجميع لأنهم متقاربون في القوة الشرائية فتنتشر القناعة. أي باختصار إن المسألة دائرية تبدأ بعدم الحكم بما شرع الله فتقفل أبواب التمكين فتظهر البطالة التي تسخر لخدمة الطبقات فتنتشر المنتجات الكمالية وتزداد النفوس لهفة للمزيد من التمتع بالمزيد من الاستهلاك للكماليات وتحاول بالتالي الحصول على المزيد من المال بمزيد من التسخير للناس وعندها ستوجد الأنظمة والقوانين للمزيد من التسخير وفتح المزيد من أبواب التمكين لمن هم أقوى وأثرى وظهور المزيد من الكماليات المؤدية للتلويث بسبب التصنيع لما لا حاجة له وللمزيد من الاستهلاك المترف مع وجود مئات ملايين الجوعى، وهكذا من جيل مفسد لآخر أكثر فساداً في الأرض.

سوء المنقلب

المقصود بسوء المنقلب هو المآل المحتوم للإنسان نظراً لغروره وإعراضه عن شرع الله. قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ﴾ . وقال في سورة الأنفال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ، وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكَرَ السَّيِِّئ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾. ألم يستكبر غير المسلمين في الأرض؟ ألم يعتقدوا أن ديمقراطيتهم هي الطريق الأوحد للحياة الأمثل ؟ ما أروع الآيات وبالذات الأخيرة التي تصف وضع الكفرة بأنه مكر منهم وأن هذا المكر لن يسحق أحداً إلا أنفسهم. فسُنة الله الحق سبحانه وتعالى واضحة في من سلف، ولن تتبدل. إن رجعت أخي لما كتب في أول هذا الفصل وقرأته سترى الترابط بين الآيات القرآنية وما تم وصفه وسيأتي المزيد بإذن الله في هذا الفصل من آليات حتمية لظهور الفساد. والعجيب هو أن هذا الفساد الحتمي لا يريد الكفرة وأتباعهم من العلمانيين رؤيته لأنهم لا يطيقون الحكم بما أنزل الله. فهاهم يتجهون في نفس الخط المجتمعي، ويتقبلون نفس التنظيرات برغم ظهور الفساد. بل وحتى أنهم يبحثون عن الوسائل التي ستؤدي للمزيد من الازدهار للرأسمالية برغم أنه سيؤدي للمزيد من الفساد كما هو حال العولمة الآن. ولعل السؤال هو : : لماذا التشبث بالنظام الرأسمالي؟ بالطبع فإن لكل علماني إجابته الخاصة به. ولقد وضحت في فصل «قصور العقل» ضرورة التمييز بين العقل والتمكين وأن التقدم التقني الحاصل هو ليس بسبب العقلانية على مستوى الأمة (بل على مستوى الأفراد)، ولكنه بسبب التمكين النسبي الذي قدمته الحداثة لأفراد المجتمعات، وأن الإسلام سيفوق الأنظمة الديمقراطية المعاصرة في التمكين للشعوب إن أتيحت له الفرصة أي أن ما أحاول قوله هو: لماذا يتشبث العلمانيون بالنظام الرأسمالي والديمقراطي وهم يرون القيود التي تفرزها الأنظمة والقوانين؟ إن ما استشفيته من خلال السماع للكثير من العلمانيين عندما يرفضون الإسلام كدين ينظم شؤون الحياة هو قناعتهم بأن المنجزات التقنية التي نراها اليوم من طائرة وقطار وحاسب آلي هي من إنجازات الرأسمالية في ظل الديمقراطية، وأنه إن طبق الإسلام لما ظهرت كل هذه المنجزات التقنية. وهذا كما سترى بإذن الله ليس بصحيح. صحيح أن الحداثة أدت إلى تسريع التقدم المعرفي وذلك بإبراز أهمية العلم والاحتكام للعقل مقارنة بما كان قبل الثورتين الفرنسية والصناعية. وصحيح أن الحداثة ضمنت الحقوق لكل من أبدع وأنجز وصنع وتاجر، إلا أنها كما قلت سابقاً قيدت أفراد المجتمع من خلال الأنظمة والقوانين بسبب التشابك المقيت والذي لم تستطع التخلص منه، هذا


القذف بالغيب
۷۹۷
بالإضافة إلى أنها ستؤدي للفساد. للمزيد من التوضيح لنسأل السؤال الآتي : إن كان كل منتج تقني هو من ابتكار أو تطوير فرد أو جماعة كشركة أو مؤسسة، وليس من الدولة أو مؤسساتها في الغالب، فلماذا تتم نسبة التقدم التقني للرأسمالية والديمقراطية؟ بالطبع ستكون إجابتك إن كنت علمانياً : أن الأفراد هم نتاج النظام المجتمعي الذي يشجع على المزيد من الابتكار والتطوير والإنتاج. وكأنك تقول هنا أن المسلم الذي يصلي في المسجد ويريد تحكيم شرع الله في كل شؤون حياته لن يكون منتجاً مبدعاً، وأن الدولة المسلمة إن حكمت بشرع الله ستؤدي بالمجتمع بالتخلف. أي أن لدينا شقين شق يخص الفرد ومبادرته وهمته وعزيمته وصفاء ذهنه ومستوى تعليمه وسلوكه البحثي، وشق يخص النظام المجتمعي من دولة ومؤسساتها ومن أنظمة وقوانين. بالنسبة للشق الأول، فكما سأثبت لك بإذن الله في فصل «المعرفة» فإن الشريعة تؤدي إلى المزيد من الدفع للناس للابتكار وإلى المزيد من إشاعة المعرفة والعلم أكثر من أي نظام مجتمعي آخر لأنها باختصار تحرر الأفراد من كل القيود. وبالنسبة للنظام المجتمعي، فكما وضحت فإن الدافع للمزيد من الإنتاج هو تمكين الناس من الموارد والموافقات والمعرفة، وهذه كما مر بنا وسيأتي المزيد بإذن الله تكفلت بها الشريعة لكل من أراد العمل والإنتاج.
أي أن تشبث العلمانيين بفصل الدين عن الحياة غير مبرر قط إن هم حاولوا نسبة الإنجازات التقنية للرأسمالية أو الديمقراطية (وهذا هو المنقلب الأول)، لأنهم لم يقارنوه بما يمكن أن يقدمه الإسلام، بل قارنوه بإنتاج شعوب لم تطبق الإسلام. أي أن العلمانيين وقعوا في فخ المقارنة بين ما أنتجه المجتمع الرأسمالي من غزارة إنتاجية مقارنة بالمجتمعات الأخرى كالاشتراكية فظنوا أن التقدم التقني هو بسبب الرأسمالية والديمقراطية، وليس بسبب التراكم المعرفي والذي كان من الممكن أن يكون أكثر ازدهاراً مع تطبيق مقصوصة الحقوق. وفي الوقت ذاته نسوا أن الاشتراكية كما في الاتحاد السوفيتي تمكنت من التقدم التقني، فهي قد خرجت بصواريخها للفضاء برغم أنها دولة ليست رأسمالية وليست ديمقراطية، وكذلك الصين الشيوعية التي أمطرت المجتمعات الرأسمالية الغربية بمنتجاتها برغم تعاسة سكان الدول الاشتراكية.
ومن جهة أخرى، فإن العلمانيين لا يريدون أن يروا المفاسد التي تفرزها مجتمعات الحداثة بسبب التقدم التقني والذي ذلل أيضاً لكل ما . هو شرير وفاسد. وحتى تزداد قناعة سأقوم الآن بالمرور سريعاً على بعض مآسي النظام الغربي والتي ما ظهرت إلا لأن المجتمعات تقدمت معرفياً في الإنتاج فظهر الفائض في العمالة، فكانت الحيرة بين المنظرين في كيفية الاستفادة من هذا الفائض وهذا هو المنقلب الثاني، أي حتمية الفساد من خلال التسخير للمأجورين)، فإن أعطي الفائض للناس لنقص الإنتاج لأن الكفاءة ستضمحل (كما في الاشتراكية)، وإن لم يعط للناس فإنه لا عدل في توزيع الثروات لأن البعض يملكون آلاف ما يملكه الآخرون. أي أنهم احتاروا في ميزان العدالة والكفاءة. وبعد ظهور الحدود القومية للدول ازداد الوضع سوءاً لظهور نظريات اقتصادية تشد المجتمع من شرقه إلى غربه فكرياً، فكانت النظرة الكينزية ونظرية الاقتصاد الكلاسيكي الجديد ودولة الرفاهية وما شابه من أطر اقتصادية للمجتمعات. وجميع هذه النظريات اتحدت تحت مظلة واحدة وهي إصدار المزيد من الاستعباد للأفراد من خلال الشركات. وهؤلاء المستعبدون أنهكتهم التعاسة والأمراض. وهو ما سيأتي بيانه بإذن الله في
الصفحات الآتية:


۷۹۸ 🗏

خصائص الرأسمالية

لعل أهم ما يميز الرأسمالية لتزداد إنتاجاً ثلاث خصائص. ولأنها معروفة لمعظم الباحثين سألخصها مع مقارنة سريعة بالإسلام مؤملاً منك أخي القارئ أن تتذكر هذه الخصائص على الدوام خلال الفصول القادمة لتقارنها بالإسلام فتدرك الفرق. الخاصية الأولى هي أحقية الأفراد لامتلاك الأعيان والعقارات أنواعها بما بجميع فيها المواد الخام والفرق الجذري بين الإسلام والرأسمالية في هذه الخاصية هو أن الإسلام فتح أساس الطريق للإمتلاك للناس دون تفاوت فهو قد أعطى ملكية الأرض الموات لمن تمكن من أحيائها ، وأعطى المعادن لمن تمكن من استخراجها. فلم يعط الإسلام الأراضي الموات أو المعادن للدولة أو لمن فيها من موظفين ليمنحوها كامتيازات تنقيب لمن يروا فيه الصلاح أو بالأصح لمن يهووا كما أن الدولة في الإسلام لا أملاك لها إلا القليل كما وضحنا في الفصول السابقة. أما في الرأسمالية فإن الدولة تمتلك الكثير إن لم تملك جميع الأراضي ذات المعادن في دول المسلمين المعاصرة، وللدولة أن تضع الضرائب المرتفعة على من يملكون الأراضي التي بها تلك المعادن في الدول الغربية، فلا مواد خام هناك مشاعة إذا لمن أراد العمل، ولا أرض موات لمن أراد وضع سقف على رأسه أو إنشاء مزرعة أو مصنع. وهكذا مع باقي ما يُمكن أن يملك. وهذه مفترقات مهمة عن الإسلام، وذلك لأن فيها إغلاق لأبواب التمكين على الناس فتظهر البطالة التي ستؤدي لاستعباد الناس.
مع
أما الفرق بين الرأسمالية والاشتراكية في الملكية، فكما هو معروف، هو أن معظم العقارات والخدمات في النظم الاشتراكية تملكها الدولة، بينما تتفاوت ملكيات الدول في الأنظمة الرأسمالية، لذلك اختلفت الدول الرأسمالية في نظمها من دولة لأخرى مقارنة بالدول الاشتراكية بحسب تدخل الدول في امتلاك المعادن والعقارات والخدمات. فقد تمتلك دولة ما السكك الحديدية، وتوفر دولة أخرى التعليم مجاناً، وهكذا لدرجة أن بعضها تقترب من النظم الاشتراكية. وتمتد هذه الملكية الخاصة في النظم الرأسمالية لتشمل الإنسان نفسه. فكل إنسان يملك مهاراته ومقدراته الجسدية والعقلية. ففي النظام الاستعبادي يملك السيد العبد كاملاً، وفي النظام الإقطاعي يرتبط ما الإنسان مع يسمى بـ «النبيل» الإقطاعي طيلة حياته عملياً مقابل عناية يتلقاها من النبيل، وفي النظام الاشتراكي يتم اتخاذ قرار عمل إنسان في موقع ما من جهات عليا، فلا خيار لمن يعمل في تحديد أجره أو طريقة عمله، أما في النظام الرأسمالي فإن الإنسان الذي يملك نفسه له رفض أي عمل إلا بعد صفقة يعقدها طواعية بنفسه . الآخرين، وهذا مقارب للإسلام ولكن بالطبع باختلاف الظروف التمكينية المحيطة التي ستغير كل النتائج. الخاصية الثانية للرأسمالية هي أن النشاط الاقتصادي يتمحور حول « الربحية » التي يسعى لها الملاك، فكما لاحظ آدم سميث Adam Smith فإن الرأسمالية هي نظام يحرك مصالح الأفراد الذاتية لإيجاد الثروة. والثروة تأتي من الإدخار الذي سيُستثمر، فالادخار بذلك هو المولد لرأس المال. وكما هو معروف تاريخياً فإن الجميع يحاولون الاستزادة من الثراء بتسخير ما حولهم لمصالحهم حتى الأفراد المؤتمنون في النظم الاشتراكية على الأملاك العامة تمكنوا من تسخير تلك المناصب لمصالحهم الخاصة). وما يميز النظام الرأسمالي هو أن النشاط الاقتصادي يتجدد يومياً في هيكله حول مبدأ زيادة الربح. فالأفراد عادة ما يقومون بإنتاج السلع والخدمات توقعاً للأرباح وليس انصياعاً لقرار تخطيطي كما في الاشتراكية. أي أن الإنتاج هو وسيلة للنهاية وليست النهاية في حد ذاتها، أي أن الإنتاج لا يكون إلا إن كان الربح متوقعاً. لذلك نجد أن المجتمعات التي لا تفرض قيمها على المنتجين، كتحريم


القذف بالغيب
۷۹۹
الربح على بعض النشاطات التجارية في النظم الرأسمالية، ستنتج سلعاً لا نتفق معها تماماً كإنتاج الخمور مثلاً، وفي الوقت ذاته لن تنتج مساكن أو مدارس للفقراء لأنهم قوم لا مال لهم، فلا يرجى الربح منهم، وهؤلاء المعدمون هم مصدر هم للمجتمع الرأسمالي الذي حار في التعامل معهم أيما حيرة. فهل يجمع المجتمع الضرائب من الأثرياء لدعم تعليم وتطبيب الفقراء، وهذا قد يؤدي للتواكل وعدم الكفاءة؟ أم هل يهملهم ليكونوا مادة خام للاستعباد كأجراء لخدمة الرأسمالية، وفي هذا المزيد من الآفات كظهور الإجرام مثلاً؟ أما في الإسلام، فإن القيم تقف كمصفاة لمنع بعض النشاطات الاقتصادية، كمنع بناء مصنع للنبيذ مثلاً أو منع إنشاء دار للدعارة وما شابه من محرمات الكل يعلمها. وفي منع هذه المنتجات خير للأمة، فمفاسد الخمور والزنى واضحة مما تسببه من أمراض، وكذلك الممنوعات الأخرى. أي أن الإسلام لا يقف أمام الدافع الربحي كمحرك للأفراد إلا فيما فيه ضرر، إذ أن هذا الدافع هو غريزة فطرية جبل الناس عليها. بل إضافة لتوجيه هذه الغرائز للإنتاج كما سترى في فصول «الفصل والوصل» و «الموافقات» و «البركة» بإذن الله، فإن الإسلام يحث الناس على كل نشاط يسخر موجودات الأرض إلى مستهلكات تنفع البشر. وبالإمكان تلخيص الوضع بالقول بأن الرأسمالية الغربية هي حرية مطلقة في القيم مع أقل نسبياً من الملاك في المجتمع، وفي ذات الخندق نجد أن الاشتراكية تتفق مع الرأسمالية في إطلاق القيم ولكن مع عدد قليل جداً من الملاك، وفي النقيض فإن الإسلام هو مجتمع تكون فيه نسبة الملاك أعلى ما يكون مع بعض
عدد
التقييدات في القيم. ولأن الربحية هي الهدف الأهم، فإن أدوات المجتمعات الرأسمالية اتجهت لخدمة هذا الهدف. فعادة ما يقوم الخبراء بدراسات وتحاليل دقيقة ومستفيضة قبل إنزال سلعة جديدة للسوق خوفاً من الخسران، وعادة ما يقوم المنتجون بدراسات تحليلية لأذواق المستهكلين وتغير أنماطها لإنتاج ما يلائم تلك الأذواق. وبالطبع فقد ظهرت الوسائل المختلفة لزيادة إنتاجية العامل مقابل أقل أجر ممكن وبأعلى كفاءة إدارية ممكنة. فالربحية إذا هي الدافع لكل شيء حتى وإن كان على حساب قهر العمال. أما في الإسلام، فالربحية هي أيضاً دافع للأفراد، فلا مانع من استحداث دراسات تحليلية لأذواق المستهكلين مثلاً، إلا أن الوضع جد مختلف لأن البنية الاقتصادية الاجتماعية مختلفة تماماً، السياسية للمجتمع الإسلامي. فهي تؤدي لزيادة عدد الملاك وبذلك يقل العمال الذين قد يُقهرون فيرتفع دخل القلة لندرتهم. وهكذا ستكون المجتمعات في أعلى عطاء ممكن وعلى الدوام دون بطالة متذبذبة كما في
الرأسمالية كما سنوضح بإذن الله.
والخاصية الثالثة للرأسمالية هي أن أسعار السوق هي التي تحكم عملية تبادل السلع والخدمات عن طريق العرض والطلب، وهذا ينطبق أيضاً على النقد فالسيولة النقدية تحددها الأرباح الربوية. ولأن الأسواق بالنسبة للمستثمرين محفوفة بالمخاطر فقد قيل أن ثمانين في المائة من المنتجات الجديدة تفشل في توطيد نفسها في السوق الأمريكية)، فقد ظهرت محاولات كثيرة لتلافي هذه المخاطر منها ما هو قانوني كشراء المواد الخام لآماد مستقبلية بسعر معلوم، ومنها ما هو مناف للقوانين والأخلاق مثل رشوة المسؤولين لإيجاد مناخ استهلاكي يلائم سلعة ما. كما أن إشارات الأسواق قد تكون مضللة أحياناً إن لم يتمتع السوق بشفافية عالية، فقد تتكدس السلع في المخازن وقد تنفذ من الأسواق. إلا أن الأسواق كما يقول هايك Hayek هي بالدرجة الأولى مصدر للمعلومات عما يجب أن ينتج، لذلك فشلت الاشتراكية التي لم تتمكن فيها الدول من التعامل مع ملايين المنتجات التي كانت الحاجة لها


^.. 🗏
تتغير في كل يوم، فإن ظهرت تقنية جديدة في الدول الرأسمالية، أو ظهر نقص في قطاع استهلاكي معين، أو تغيرت أذواق المستهلكين، فإن هذا ينعكس في الأسعار ليتداركه المنتجون فوراً، وهذا مفقود في الدول الإشراكية. ٣٠ أما في الإسلام فإن الفارق في هذه الخاصية هو أن الأسواق أكثر شفافية وصحة من الأسواق الرأسمالية إذ أن الدولة لا سلطان لها في التدخل في الأسواق كوضع الجمارك والرسوم أو تحديد الأسعار، والأهم هو أنه لا أنظمة أو قوانين مستحدثة قد تغير مسار السوق، بل هي الشريعة المعروفة للكل وهي ثابتة لا تتغير أبداً ما يؤدي للمزيد من الاستقرار، والمزيد من الاستقرار يؤدي للمزيد من إدراك الجميع لأحكام السوق ما يزيد من الثقة بين التجار والمستهلكين لتبني قرارات تجارية مستقبلية ذات جرأة تؤدي للمزيد من الإنتاج، فالسوق مثلاً كما سترى في فصلي «الفصل والوصل» و «البركة» بإذن الله هو الذي يحدد أسعار التبادل للسلع والخدمات وليس أي سياسي أو حزب أو عقيدة. لكن هناك محرمات كالربوا والاحتكار وحركيات أخرى تجعل السوق أكثر شفافية في نقل المعلومات وبمخاطر أقل مثل «منع بيع الحاضر للباد» وأكثر استقراراً مما يؤثر في الإنتاجية إيجاباً وسنوضحها في حينها بإذن الله. كما أن حركيات السوق من عرض وطلب توفر ما هو مطلوب في العادة. لذلك فإن السوق قد يعمل ضد مصالح المجتمع كما في الرأسمالية إن لم يكن الثراء موزعاً توزيعاً عادلاً. فعندما يبحث كل إنسان عن ضرورياته أولاً ثم حاجياته فإن السوق الرأسمالية ستلبي الجميع لكن ما يشتريه الأثرياء أكثر، أما إن كانت نسبة الملاك عالية في المجتمع مع تقارب في الدخل إن طبقت الشريعة فعندها تتشابه الأولويات عند الناس فيصبح المطلوب هو نفسه المحتاج إليه من الضروريات، أي أن الضروريات هي التي تعم الأسواق.
هذه الخصائص الثلاث للرأسمالية تؤدي للمنافسة بين المنتجين. وبالإمكان القول أنها منافسة مؤامراتية أحياناً، وهي سمة للرأسمالية، فالكل متربص بالكل ويحاول المكر به لكي لا يخرج هو من السوق إلا إن كان في التعاون مع المنتجين الآخرين احتكاراً للسوق. فالمنافسة تعني أن المنتجين في بحث دائم عن أسواق جديدة لمنتجاتهم، وأنهم في تطوير دائم لتلك المنتجات وإيجاد منتجات حديثة، وأنهم في تسخير دائم للتقنية متى ما كانت مربحة، وما هذا إلا لأن من يتخلف عن تطوير المنتج نوعاً وسعراً سيخرج من السوق المنافسة، وكأن بسبب المنافسة سيف مسلط على رؤوس المنتجين. أي أن هذه المنافسة هي ما تعطي، كما يقولون، النظام الرأسمالي تفوقه على الأنظمة الأخرى. ولكن الإسلام لم يقف أمام تمليك الأفراد وأمام البحث عن الربح وأمام إيجاد الأسواق. أي أن الرأسمالية لم تتفوق على الإسلام في هذه الخصائص الثلاث إلا لأن الشريعة لم تطبق في الدول الإسلامية والمعاصرة بالذات التي قيدت الأفراد. أما في العالم الرأسمالي، فإن المنافسة بين المنتجين التي زادت الإنتاجية أدت إلى البحث عن أسواق جديدة، فخرجت الدول عن حدودها لاستعمار الآخرين وتطورت وسائل النقل لأماكن أبعد كالسفن الناقلة والاتصالات كالهاتف والإنترنت.
وهكذا ازدادت المنافسة لتزداد الإنتاجية للفرد، فقد ارتفعت الإنتاجية منذ السبعينات من القرن الثامن عشر حتى آخر القرن العشرين تسعة أضعاف في الولايات المتحدة الأمريكية، وإحدى عشر ضعفاً في ألمانيا، وخمسة وعشرين ضعفاً في اليابان. وبالطبع فإن هذا رفع من المستوى المعيشي لشعوب هذه الدول، فبعد أن كان مستوى خط الفقر بين سكان مدينة يورك بإنجلترا يعتبر عدم المقدرة على توفير الغذاء اليومي والطاقة للتبريد، أصبح بعد سنة ١٩٧٩م عدم مقدرة السكان على السفر للسياحة أو عدم اقتنائهم لمرحاض خاص بهم. أي أن خط


القذف بالغيب
A-1
الفقر قد ارتفع. أو كما زعم هايك Hayek، وكأن المجتمع الرأسمالي طابور من الناس يقف الغني في مقدمته والفقير في مؤخرته ويسيرون قدماً بمحاذاة نقاط ثابتة يصل من في أول الصف الثري) قبل غيره، إلا أن الأخير، أي الأفقر في الطابور سيصل إلى تلك النقطة إن عاجلاً أو آجلاً. وهذه النقاط هي مستويات المعيشة كامتلاك سيارة أو منزل. هذا ما يزعمونه؛ وبالطبع فإن هذا كما هو معلوم اليوم غير صحيح، فالرأسمالية قد أثبتت أنها غير عادلة في توزيع الثروات بين الأفراد برغم غزارة إنتاجيتها. فما يزعمه هايك غير صحيح لأن من هم في آخر الطابور سيموتون قبل أن يتحرك بهم الطابور ولكن لنقل بأن ما زعمه هايك صحيح، أي أن من هم في آخر الطابور يرون الكماليات التي تبهر العقول. ألا يسيل لها لعابهم وهم معدمون فيكونون عندها مادة خام سهلة الانقياد للإجرام أو السرقة أو الرشوة. هكذا تفسد النفوس في مجتمع يمطر الناس بالدعايات للكماليات التي تشعر الفقير بأنه ناقص لأنه لم يستمتع بتلك الكماليات كالسفر للمتعة في إجازة. ومتى ما فسدت بعض نفوس الفقراء فسد المجتمع. فمجرد وجود فرد فاسد كاف لإفساد الكثير. وهذا أمر معلوم وأكيد، ألا يقال «إن الصاحب ساحب»؟ ألا يقال أيضاً: «قل لي من تصاحب أقل لك من أنت». فهل سرق السارق إلا لأنه تتلمذ على يد سارق آخر؟ هذه نبذة سريعة عن أهم خصائص الرأسمالية، وبالطبع فهناك غيرها الكثير كما سيأتي في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله. أريدك أخي أن تتذكر هذه الخصائص لتقارنها بالإسلام دوماً دون الحاجة لتذكيرك بها.

الميزاز الثاني: الكفاءة والعدالة

قلت سابقاً أن هناك ميزانين محيرين، وأن الأول هو الميزان المحير بين كفتي الثقة وسرعة الانتقال، وقد تحدثنا عنه، وأن الميزان المحير الثاني هو بين الكفاءة والعدالة وهو ما نحن بصدده الآن وهو الأهم. لقد ادعت الأنظمة النابعة من العقل البشري القاصر أنها قادرة على ضمان خير الإنسان بتوفير الشروط المادية للحياة مثل القضاء على الفقر والتوزيع العادل للثروة وإتاحة الفرصة للجميع لكسب عيشهم على نحو شريف. إلا أنه ما من دولة تمكنت من ذلك، فالدول ذات التخطيط المركزي الاشتراكية) قد سقطت. أما الدول الرأسمالية، أو دول اقتصاد السوق فقد أخفقت أيضاً من خلال عدم استقرار اقتصادها التي تجلت في التقلبات الاقتصادية المتكررة وارتفاع معدلات التضخم والاحتكار والبطالة وحالات العجز الشديدة في الميزانيات العامة وتقلب أسواق النقد الأجنبي والسلع والأسهم.
حالات
يقول الاقتصاديون أن أهم تحدٍ اقتصادي هو تحقيق الأهداف المادية لإسعاد البشر مع التقليل من عدم الإستقرار الاقتصادي إلى الحد الأدنى إذا ما استخدمت الموارد على نحو «كفؤ» و «عادل». وقد كان همّ الاقتصاديين والدافع لهم لاستحداث نظريات اقتصادية هو تحقيق الكفاءة والعدالة في المجتمعات. فما هو تعريف

هامش

ع) كما أن الرأسمالية مقارنة بالأنظمة الأخرى (ما عدا الإسلام الباحث. فقد وصلت في أحد كتب الاقتصاد مثلاً إلى عشرة خصائص تقدر الأفذاد لأنها بحاجة لمهاراتهم لتستغلها في إنتاجية أعلى، لذلك أو مقومات . منها مثلاً تراكم رأس المال لدى المصارف والمؤسسات تميزت المجتمعات الرأسمالية بالسفر الدائم لأفرادها لينتقلوا إلى المالية وأرباب العمل للقيام بالمشروعات المنتجة. ومنها تمتع العمال حيث يجدون ما يلائم طاقاتهم ومهاراتهم (٣١). بحرية التعاقد وفي التكتل في نقابات تسعى لحمايتهم من سيطرة ف) الخصائص كثيرة ويمكن بالطبع تفصيصها بناءً على اهتمام أصحاب رؤوس الأموال، وهكذا (۳۲).


۸۰۲ 🗏
الكفاءة والعدالة؟ إن من تعاريف الكفاءة مثلاً ما أورده شابراً قائلاً: «فيمكن القول أن اقتصاداً ما قد حقق الحد الأمثل من الكفاءة إذا تمكن من استخدام كامل إمكانيات الموارد البشرية والمادية المتاحة بحيث يمكن إنتاج الحد الأقصى الممكن من السلع والخدمات التي تلبي الحاجات مع وجود درجة معقولة من الإستقرار الاقتصادي ومعدل نمو قابل للاستمرار .... ودون الاستنزاف الذي لا مبرر له للموارد غير المتجددة أو إلحاق الأذى بالبيئة إلى الحد الذي يعرض الحياة على الأرض للخطر». وبالنسبة للعدالة يقول: ويمكن القول أن اقتصاداً ما قد حقق الحد الأمثل من العدالة إذا ما تم إنتاج وتوزيع السلع والخدمات بطريقة تشبع إشباعاً كافياً حاجات جميع الأفراد وتوفر توزيعاً منصفاً للدخل والثروة دون أن تؤثر تأثيراً سلبياً على حوافز العمل والادخار والاستثمار وروح المبادرة في مجال الأعمال ...». ولكن تذكر أخي القارئ: إن وضع الأهداف شيء وتحقيقها شيء آخر. فكيف تتحقق أهداف الكفاءة والعدالة؟
۳۳
إن معظم الاقتصاديين يرون أن هذا لا يكون إلا بتخطيط اقتصادي أو تبني نهج اقتصادي، وهذا لا يكون إلا باستخدام عقل بشري. ولكن من سينفذ ذلك التخطيط؟ بالطبع إنها الدولة. هذه هي. مشكلة كل من فكر في الاقتصاد: إنها الدولة. فلا يمكن لأحد تصور مجتمع معاصر يعيش من غير دور فاعل للدولة في الاقتصاد. ولعل كتاب شابرا المعنون «الإسلام والتحدي «الاقتصادي الفائز بجائزة الملك فيصل الإسلامية العالمية هو من أهم ما كتب عن محاولة إيجاد البديل الإسلامي لمواجهة النظم الاقتصادية المعاصرة. وقد وفق الكتاب في توضيح التناقضات الكامنة في هياكل النظم الاقتصادية المعاصرة. إلا أن مأخذي عليه هو أن مؤلفه كرجل اقتصاد لم يتمكن من الخروج عن الفكر الغربي بالدرجة الكافية. فبعد تعريف الكفاءة والعدالة يوضح قائلاً: «وبما أن النظم الاقتصادية هي التي تقوم بالدرجة الأولى بالتصدي لمسألة تحقيق الكفاءة والعدالة، فإن النهج الأرشد هو اعتماد نظام اقتصادي من شأنه أن يعمل على تحقيق كل من الكفاءة والعدالة».٣٤ ولعلك لاحظت أن كلمة «اعتماد» تؤمن بأن هذين الهدفين هما من مهام النظم الاقتصادية والتي لا تتحقق إلا بدور مرئي للدولة «للمحافظة على التوازن بين الموارد والطلبات على الموارد كما يقول. وما نقدي هنا لعمل شابرا الكبير إلا لأنه مقنع لدرجة أنني خفت أن يسحب الكثيرين وراءه، فكان لابد من نقده لأنه يحاول وضع النظام الاقتصادي الذي أوجده عقل البشر في إطار الإسلام، أي أنني أرى غير ما يراه شابرا كما ستلحظ فهو يقول مثلاً: «لا يمكن لأي مجتمع بشري واسع أن يحقق أهدافه الإنسانية دون أن تقوم الدولة بدور هام في مجال الاقتصاد». وهذا فرق جذري بين ما يراه شابرا كغيره من الاقتصاديين وما يحاول هذا الكتاب طرحه، وهو اليقين بأن الدولة لن تتمكن من تحقيق العدالة والكفاءة إلا إن حكمت بما أنزل الله. وإن حكمت بما أنزل الحق سبحانه وتعالى سينتهي لأن دورها لا وجود له في التدخل في تنظيم الاقتصاد إلا في تطبيق أحكام الشرع كمنع الربوا مثلاً. فلا حاجة لعلماء الاقتصاد لأنهم مهما فعلوا فلن يأتوا بما قد يفيد المجتمع اقتصادياً بعقولهم القاصرة. ولكن الحاجة لهم قد تأتي فقط في القيام بدراسات عن الجدوى الاقتصادية لمشروع غريب لم يطرقه أحد من قبل، أما الدراسات والاستشارات بقصد التدخل في تغيير أو استحداث أنظمة في السوق فهذا سيؤدي للخروج عن مقصوصة الحقوق وبالتالي إلى
۳۷
وضع يفتقد للعدالة وللكفاءة. وللتوضيح أبدأ بالسؤال: لماذا لا تستطيع الدول القيام بتحقيق العدالة والكفاءة؟
دورها
لقد تأثر علم الاقتصاد كغيره من مضامير الحياة بالحداثة. فالحداثة التي أبعدت الدين عن كافة المجالات


القذف بالغيب
٨٠٣
لأنهم
۳۸
أبعدت معها الدين عن علم الاقتصاد. فكيف يمكن الحكم على فعل أو قرار اقتصادي ما، أهو خير أم شر، إلا من خلال العقل البشري؟ وكيف يحكم العقل البشري إن تم إبعاد الدين؟ بالطبع باللجوء للماديات، فلم يكن هناك من معيار لمعرفة ما هو صواب وخطأ من أفعال، أو ما هو مستحسن وغير مستحسن، أو ما هو ظلم وشر إلا من خلال الغرائز الإنسانية. فما يسبب اللذة فهو خير وما يسبب الألم فهو شر، وهذه النظرة المادية تبناها علماء الاقتصاد اعتقدوا أن الخير والشر عنصران يمكن قياسهما مادياً، لأن الألم واللذة يمكن قياسهما. وما هذا إلا لأن قوانين علم الاقتصاد كانت قد تأثرت بعلم الفيزياء على يد آدم سميث. فقد أخذ هذا الاقتصادي المشهور «عن الفيزياء النيوتونية النظرة التي مفادها أن الحياة الاجتماعية والاقتصادية، شأنها في ذلك شأن الكون المادي ... مثل آلة ضخمة تنتج حركاتها المنتظمة والمنسجمة ألوفاً من الآثار المحببة للنفس. ومنذ ذلك الحين [كما يقـول شـابـرا] وعلماء الاقتصاد واقعون تحت التأثير القوي لصورة مهيبة لقوانين الفيزياء، كما أنهم يساقون أحياناً وراء الأمل في وجود مجموعة من قوانين الحركة الاقتصادية تماثل في قوتها قوانين نيوتن». ولأن الألم واللذة أصبحا المعيارين الأهم في الحكم على القرارات، فالإنسان الصالح بناء على هذه النظرية هو الذي يسعى لتحقيق الحد الأقصى لمنفعته، والمجتمع الصالح هو المجتمع الذي يسعى لتحقيق الحد الأقصى لإجمالي المنفعة كلها». وبهذا فإن سعى كل فرد لتحقيق لذته فإن هذا سيؤدي إلى «أكبر قدر ممكن من السعادة لأكبر عدد ممكن من البشر لأنه يفترض وجود انسجام تام بين المصالح العامة والمصالح الخاصة». وقد نادى آدم سميث بأنه إذا ما سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة فإن «اليد الخفية»، أي قوى السوق، من خلال المنافسة ستؤدي إلى تعزيز مصلحة المجتمع مما يؤدى إلى الانسجام بين المصالح الخاصة والخير العام. وقد ساند هذا التبني لآليات السوق قانون ساي Say's law والذي يعتبر تتويجاً لتطبيق قوانين الفيزياء على علم الاقتصاد. فانتشرت الفكرة أن الاقتصاد متى ما ترك في شأنه مثل الكون فسيبلغ حد الكمال. «فمن شأن الاقتصاد أن يوجد الطلب الخاص عليه، ولن يكون هناك إفراط في الإنتاج أو البطالة. وأي ميل من جانب الاقتصاد للإفراط في الإنتاج أو البطالة سوف يصحح تلقائياً. « فالقوانين الاقتصادية» قوانين قوية ولا تطيق التدخل ولا تستطيع الحكومة أن تفعل معها أي شيء ولذلك يتعين عليها أن تمتنع عن التدخل. فمن شأن قوى السوق نفسها أن توجد «النظام» و «الانسجام» و «الكفاءة» و «العدالة» ...» . ۳۹ وقد سمي هذا المذهب الاقتصادي بـ «مذهب المنفعة».

هامش

ص) يقول شابرا: «إن تخصيص الموارد بكفاءة وتوزيعها على نحو اقتصادي لا يكمن في أهدافه المعلنة بل في تحقيق تلك الأهداف» عادل تقتضي من كل نظام اقتصادي، الإجابة عن الأسئلة الاقتصادية (٣٥). الأساسية الثلاثة المعروفة وهي، ماذا ننتج؟ وكيف؟ ولمن ؟ أي: كم من (ق) وتكملة ما جاء في النص: «ولتحقيق الحد الأمثل من الكفاءة السلع والخدمات البديلة ننتج ؟ ومن ينتجها ؟ وبأية مجموعة من الموارد والعدالة. ولابد لها أيضاً من ألية تحفز الأفراد على بذل أقصى جهدهم وبأية طريقة تقانية (تكنولوجية)؟ ومن هم الذين سيتمتعون بالسلع لما فيه مصلحتهم الخاصة ومصلحة المجتمع. كما لابد أن يكون لديها والخدمات التي يتم إنتاجها وإلى أي مدى؟ إن الإجابة عن هذه (أي لدى الدولة) طريقة فعالة لتجـديـد الهيكل الاجتماعي- الأسئلة لا تحدد تخصيص الموارد في اقتصاد ما فحسب بل تحدد أيضاً الاقتصادي للتمكن من نقل الموارد بسرعة من استعمال لآخر حتى توزيعها بين الأفراد، وبين الحاضر (الاستهلاك) والمستقبل (الادخار يتم أكفأ وأعدل تخصيص وتوزيع لتلك الموارد»، وجميع هذه المهام والاستثمار). ويغطي التخصيص والتوزيع جزءاً أساسياً من الاقتصاد للدولة كما ترى أخي القارئ لا تتم إن لم تكن للدولة سلطة ) ويحدد في خاتمة المطاف ما إذا تمت تلبية حاجات جميع الأفراد، وما حاولت الشريعة إلغاءه (٣٦). إذا كانت جميعا الأهداف الاجتماعية الاقتصادية الأخرى قد ر بل إن أدجورث Edgeworth أعلن مفاخراً: «إن المبدأ الأول تحققت، وما إذا كان يوجد ما يكفي من الحوافز ليقوم الناس ببذل لعلم الاقتصاد وهو أن كل عالم لا تحركه إلا المصلحة الذاتية» (٤١). أفضل جهدهم لتحقيق تلك الأهداف. إن الاختبار الحاسم لأي نظام
وهو
ما


٨٠٤ 🗏
وبهذا فإن هذا المذهب المنفعي مدعوماً بالنظرة المادية كانا المبررين للمجتمعات الرأسمالية للتهافت على
الثروة واللذة الجسدية. كل يستفيد من الآخر. فيقول آدم سميث في توضيح هذا مثلاً: «إننا لا ننتظر طعامنا من كرم بائع اللحم أو بائع النبيذ أو الخباز، ولكن من الاعتبارات التي يملكونها بأن مصلحتهم الخاصة تقضي بذلك. فنحن لا نتوجه بطلبنا إلى إنسانيتهم، وإنما إلى أنانيتهم، ولا نكلمهم عن حاجاتنا، وإنما عن مصلحتهم». فكان الاستهلاك هو طريق لسعادة المجتمع لأنه يعكس مصالح الأفراد. فظهر مفهوم الإنسان الاقتصادي الذي أصبح هو محور علم الاقتصاد، لذلك كانت المصلحة الذاتية تعتبر هي المبرر للأفعال. وهذا ما دعاه جيفونز Jevons «آلية المنعفة والمصلحة الذاتية». أي أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة للإنسان كما قال فريدمان Friedman، هي زيادة ربحه، وقد قامت جميع النماذج الاقتصادية الحديثة تقريباً على هذا المبدأ ». ولكن هناك استثناءات بقيت في إطار نظري ولم تتحقق على أرض الواقع. فقد آمن جون ستيوارت ميل Mill مثلاً بقبول مستوى معين من التنمية قد يصل إلى حالة السكون للسيطرة على الإنسان ليتحكم في شهيته للسلع المادية وليستقر التعداد السكاني، وعندها يتم تخفيض ساعات عمل الأفراد مع التقدم التقني لصالح نشاطات أخرى كالفنية أو الدينية، وقد أطلق سنة ١٩٦٨ م للتعبير عن هذا الفكر شعار : « لا تخسر حياتك من أجل أن تربحها». ٤٢
ما
إلا أن الواقع الرأسمالي غير ذلك. فقد استمر الاقتصاد دون قيم دينية مما أثار الكثير من تحفظات الباحثين الذين لاحظوا فشل الرأسمالية وظهور الفارق الشاسع بين الفقراء والأغنياء. لذلك ظهرت موجة من المفكرين الذين برروا ذلك على أن الرأسمالية نظام لا دين له، أي أنه خال من القيم. فقد استنتج كل من توينبي Toynbee وديورانت Durant «بعد الدراسة الواسعة للتاريخ، أنه لا يمكن تحقيق السمو الأخلاقي والتضامن الاجتماعي بدون التأييد الأخلاقي الذي يوفره الدين». كما لاحظ المؤلفان ويل Will وآريل Ariel أنه «لا يوجد مثال هام في التاريخ، قبل زماننا، لمجتمع نجح في المحافظة على الحياة الأخلاقية دون عون الدين». ولكن لماذا هذا الخلل؟
٤٣
إن معظم البشر كما يسلم بذلك برتراند راسل Russell يهتمون برفاهيتهم الخاصة ويفضلونها على رفاهية باقي البشر. وهذا أمر فطري وغريزة لا مفر منها عند الكثير وبالذات إن انعدم الوازع الديني. أي أن الناس يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة دون إدراك للأثر الذي يحدثه على الآخرين. لذلك وضع رولز Rawls مبدأه والمسمى بـ «حجاب الجهل» والذي يعبر بموجبه كل مشارك في الاقتصاد] عن تفضيله دون أن يعرف أي شيء عن مركزه الخاص الاجتماعي والاقتصادي ودون أن يعرف القيمة السوقية لموهبته الخاصة، [ودون أن يعرف] عن العناصر الأساسية الأخرى التي تلعب دوراً هاماً في عملية اتخاذ القرار». فكيف إذا يمكن لمجتمع يقوم فيه معظم أفراده بتفضيل مصالحهم الخاصة على مصالح الآخرين بالوصول لمجتمع عادل اجتماعيا؟ إن هذا أمر محال من خلال آليات السوق الحرة التي لا تعكس حجاب الجهل». كما أن المنافسة الحرة أدت لتلاشي مشاعر البر والخير والإحسان بين الناس ليطغى عليهم الجشع والأنانية واستعباد الآخرين. وبهذا الانفصال بين علم الاقتصاد والأخلاق ظهر توجه بين الاقتصاديين نحو ما يسمى بـ دولة الرفاهية Welfare State والذي تتدخل فيه الدولة في إعادة توزيع الثروات من خلال التعليم والعلاج المجانيين ونحوهما من خدمات. وللوصول لهذا الهدف فقد تبنت الدول ما يعرف في علم الاقتصاد بـ «مثالية باريتو Pareton optimality والتي تقول أن النهج الاقتصادي المقبول هو الذي يؤدي لتحسين حال بعض الناس دون جعل أي فرد في وضع أسوأ.


٨٠٥
القذف بالغيب
كما
ولكن أني لهذا الوضع من منال، فمن الملاحظ على سلوكيات المستهلكين في الدول الرأسمالية عدة ظواهر تدفع المجتمع لإنتاج ما قد لا يفيد الأفراد ويستنهك طاقات المجتمع لصالح الأثرياء على حساب الفقراء كما ذكرت. فمن هذه الظواهر هو أن الثري عندما يقرر شراء سلعة ما فهو قد لا يشعر باللوم تجاه طلباته المسرفة عندما يتذكر بؤس الفقراء، بل يعزو ذلك لكسل الفقراء وعدم كفاءتهم، وليس لقفل أبواب التمكين أمامهم. أن المستهلك قد لا يستطيع التمييز بين ما هو ضروري لحاجته وما هو كمالي له متى ما توفر له المال وبالذات في وضع شن فيه المنتجون سيلاً من الدعايات بكل الوسائل التي لم تترك مسلكاً حتى وإن كان جنسياً إلا وطرقته. وكما قال جالبريث Galbraith فإن «جميع أشكال إقناع المستهلكين تؤكد أن استهلاك السلع هو أكبر مصدر للسرور وأعلى مقياس للإنجاز البشري ٤٥ أي أن التباهي الاستهلاكي، وأقصد به شراء الحاجيات للزهو والتفاخر وإشباع الذات دونما حاجة، والإعلانات عن البضائع التي تزيد الاستهلاكية مع مقدرة الناس على الاقتراض ببطاقات الإئتمان، أدت لمجتمع مستهلك.
يرصع
إن ما تم شرحه سابقاً هو وجهة نظر كثير ممن ينقدون الرأسمالية على خوائها من القيم. وهذا أمر مقبول عاطفياً، أما منطقياً، فماذا يتوقع ممن لديهم المال، ألا يحق لهم أن يسرفوا ليستمتعوا بما جنوه؟ فلماذا جمعوا المال إذاً؟ وماذا يتوقع من رجال الأعمال؟ ألا يتوقع منهم أن ينتجوا مستهلكات فارهة حتى يربحوا؟ فصانع الساعات الذي ساعاته بالمجوهرات التي لا تزيد في دقة الوقت شيئاً، ألا يحق له أن يصنع ساعة فارهة ليلبسها ابن ثري لا يدرك قيمة الوقت؟ أي أن اللوم أخذ يتجه بين المفكرين على القيم. وهذا في رأيي خطأ. لأن القيم لا ضابط لها، فمهما كانت التوعية بين الناس بعدم الإسراف، أو بالتصدق على الفقراء فلن تفلح المجتمعات. ولعل الأسوأ هو أن حب التلذذ بالحياة والذي لا يتحقق إلا بالمزيد من المال في المجتمعات المادية سيؤدي بالأقوياء والأثرياء لإيجاد المزيد من الطرق ليزدادوا سطوة، وهذا لن يكون إلا على حساب الفقراء. أما تقييد الأثرياء أو سلب أموالهم كما فعلت الاشتراكية فهو خطأ آخر، فما هو الحل إذاً؟ إن الحل هو في فتح أبواب التمكين كما فعل الإسلام، وعندها يكثر عدد الملاك ويتقاربون في الدخل. فالعالم الرأسمالي الذي أقفل الأبواب على من أراد الإنتاج لفقره وفتحه للغني المتمكن زاد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وذلك لأن موارد المجتمع وطاقات إنتاجه لا تتمكن من تلبية هذا الاستهلاك الزائد للأغنياء إلا إن كان على حساب ترحيل جزء من متوسطي الدخل إلى طائفة الفقراء وزيادة وضع الفقراء فقراً كما هو حاصل. فالطاقة المبذولة في إنتاج ثريات كريستالية ضخمة لتعلق في أسقف منازل الأثرياء كان بالإمكان أن تتجه نحو منتج آخر لسد حاجات شريحة أكبر إن كان هؤلاء الأثرياء أقل ثراء أو نقص عددهم لأن إنشاء مصنع الثريات هذا لن يكون مجدياً اقتصادياً إلا إن زاد عدد الأثرياء في المجتمع كما ذكرت.
وبهذا الاتساع بين الفقراء والأغنياء، ومع توفر السلع الكمالية الفارهة رغماً عن المجتمع الذي يدعم هذا التوجه في هيكله، أتى مع مرور الزمن الاستعباد بسبب انتشار البطالة، وهذه أهم وصفة للفساد في المجتمعات لتمكن الأثرياء من تسخير الفقراء لأهوائهم واستعبادهم في الجريمة والدعارة ونحوها من موبقات، أو حتى تسخيرهم فيما فيه إسراف مثل بناء منزل فاخر أو إنتاج حقيبة فارهة كما ذكرت مراراً). لأضرب مثلاً واحداً للتذكير، هناك فتاة حسناء من أب فقير، وترى في المدرسة زميلاتها أكثر أناقة، فلا تريد أن تظهر أقل منهن، ولكي تظهر ثراءها قد تتحدث كاذبة عن خال لها يملك سيارة فارهة (مرسيدس (مثلاً)، وأنها ركبت معه مرة، فإن


1.7 🗏
سئلت عن شكل السيارة من الداخل لما استطاعت الإجابة. لذلك، فعندما يغازلها شاب بسيارة فارهة قد لا تصده لتقترب من السيارة لتنظر إلى داخلها، وعندها قد يعبر لها عن إعجابه بها، ويتكرر ذلك حتى يدعوها لنزهة صغيرة معه، وعندها قد ترى فيه شهامة واحتراماً ينسيها نوايا الشاب الأنيق الذي تحلم به، وقد تركب معه لدورة قصيرة، وفي المرة القادمة يطلب منها الذهاب معه لفنجان من القهوة، فهو أثبت لها أنه ليس شريراً، فهي لا تزال بخير، وهكذا بالتدريج حتى تفقد عذريتها، وعندها سترفض الزواج خوفاً من الفضيحة، وبعدها قد تسلك طريق الدعارة. وهناك آلاف الأمثلة والتي تقرأها يومياً. أي أن قفل أبواب التمكين للفقراء زاد ثراء الأغنياء ليعم الفقر والفساد. هذا هو الفساد الأخلاقي، والذي بالطبع لن يوافق عليه غير المسلمين لأنهم لا يرونه فساداً بل هو تمتع بالحرية. لذلك فما يجب علينا أن نحاجهم به هو الفساد الناتج من التلوث البيئي وليس الأخلاقي، وهذا بسبب الزيادة الاستهلاكية غير المبررة. والأمثلة على هذا كثيرة، منها مثلاً إمطار الناس بالدعايات التي تقنعهم بشراء المزيد من الأزياء ذات التصاميم الصارخة التي تستهلك المزيد من الموارد دون استهلاك ما لديهم من ملابس. وما حدث هذا إلا لوجود الأثرياء الذين يملكون المال الذي يمكنهم من شراء هذه الصرعات. أي أن الكماليات الفارهة التي أصبحت ضروريات للأثرياء والتي تؤدي للمزيد من الاستهلاك وبالتالي للمزيد من حب المال للتلذذ بالحياة وبالتالي للمزيد من تسخير الناس للحصول على المال ومن ثم الاستعباد لهي السبب الأهم لفساد مجتمعات يتلوى فيها مليار فرد من الجوع. وما كان الاستعباد والجوع إلا بسبب ظهور البطالة بسبب قفل أبواب التمكين على الناس. ولكن كيف أقفلت الرأسمالية أبواب التمكين أمام الناس؟

الاحتكار

حتى تقوم الرأسمالية بزيادة الإنتاجية مع توزيع عادل لابد لها من فتح الأبواب للتنافس بين البائعين والمشترين والمستثمرين، هذا نظرياً، إلا أن الواقع غير ذلك نظراً لطبيعة الإنسان الغريزية المنفعية التي أوجدت ثغرات في المجتمعات الرأسمالية لتستثمرها لصالحها. وهذه الثغرات مسألة لا مفر منها لأن قوانينهم من وضع عقل بشري قاصر لا يعلم الغيب كما ذكرت مراراً). فالاحتكارات التي تنشأ من طبيعة القوانين التي أوجدتها الرأسمالية تؤدى إلى ظهور طبقة مالكة تزداد ثراءً بمرور الزمن. فالشركات المنتجة مثلاً عادة ما تقوم بتوزيع منتجاتها من خلال وكلاء حصريين ليصبحوا من عداد الأثرياء فقط لكونهم وكلاء. فالحرية التي تتطلبها الرأسمالية لزيادة الإنتاجية بالسماح للمنتجين بحصر التوزيع لدى وكلاء معتمدين كان لها أثر عكسي في هذه الحالة. وفي الإسلام يمنع تلقي الركبان (وسنوضحه في فصل الفصل والوصل» بإذن الله، وما الوكالات الحصرية إلا تلق للركبان، أي منع التجار من شراء البضائع ممن هم في الخارج إلا من خلال تاجر واحد، هو الوكيل المعتمد. وفي هذا هضم لحق عموم التجار لصالح تاجر ،واحد، أي أنه احتكار يزيد من ثروة هذا التاجر دون مجهود كبير منه. واضح، فالمجتمعات البشرية بحاجة لمنع بيع الحاضر للباد كما شرع الإسلام حتى تزداد المنافسة المؤدية لتوزيع أكثر عدلاً دون فرض قيد على أحد. وهذه من الإعجازات التشريعية لمقصوصة الحقوق، وغيرها كثير كما سيأتي بإذن الله، إلا أن العقل القاصر في الرأسمالية لا يرى هذا الجانب فيدخل الاحتكار في السوق. ومن الأمثلة على هذا القصور الاحتكارات الآتية:
قصور
العقل هنا
. ولعل


القذف بالغيب
الطاقة
۸۰۷
لقد اتجهت المجتمعات المعاصرة تقنياً نحو توليد الطاقة الكهربائية بنظام مركزي، لأن التقنية التي أوجدتها الأبحاث الممولة من قبل الشركات تطورت لخدمة هذا الهدف الاحتكاري الجشع. أي أن هناك شركة واحدة لتوزيع بسبب وجود شبكة واحدة لتغذية المستهلكين، ومن ثم تصبح هي المحتكرة، ويصعب على شركات أخرى مزاحمتها إذ لا شبكات لها، فينتفي التنافس المطلوب لمصلحة المجتمع. وكما سنوضح في فصل «الأماكن»، فإن الطاقة الكهربائية قد لا تكون ذات نمط مركزي في التوليد ،والتوزيع، ولكنها أصبحت كذلك لأن الفكر الغربي المتسم بالتخطيط المركزي أفرز هذا النمط من التوليد نتيجة لقبوله لابتكارات تسعى لتركيز الربح من خلال تركيز توليد الطاقة مركزياً. ومن الأمثلة على هذا النوع من الاحتكار كل ما هو شبكي مثل توزيع المياه وشبكات سكك الحديد. وقد تقول: ولكن كيف ستكون سكك الحديد لا مركزية، فهي تنقل الناس من مكان لآخر، فلابد من مؤسسة تسيطر على جميع الخطوط ؟ فأقول: سأجيب عن هذا في فصل «الأماكن » بإذن الله، ولكن باختصار، هناك
فرق بين الأعيان وتوزيعها ( كمواسير المياه وقضبان الحديد من جهة، وبين ملكيتها وإدارتها من جهة أخرى. ومن أنواع الاحتكار أيضاً حقوق الامتياز الذي تزاوله الدول . فعادة ما تعطى حقوق امتیاز تنقيب وتصنيع وتصدير مادة خام لإحدى الشركات في منطقة ما على أن يذهب الجزء الأكبر من الدخل للحكومات، وعندها يظهر استعباد من في الحكومات لعامة الناس لأن قرار التوزيع بيدهم. وهنا كما هو معلوم ومشاهد يغتني المقربون من السلطان أو من هم في الحزب الحاكم على حساب العامة الذين أقفلت الأبواب أمام طموحاتهم ومهاراتهم. فقد ظهر تقرير مؤلم عن مدينة في نيبال مفاده أن أرض المدينة تحوي الكثير من الياقوت، وأن الحكومة العسكرية عادة ما تفضل بعض المستثمرين فتعطيهم حقوق استخراج هذه الأحجار الكريمة على أن يدفعوا لها أكثر من نصف الإيرادات، بينما يحصل أهل القرية الذين يستأجرهم المستثمرون على أقل من نصف دولار يومياً مقابل العمل الشاق جداً لأكثر من عشرة ساعات. وجميع المواد الخام المهمة دون استثناء في جميع الدول الإسلامية بالذات اصبحت من ممتلكات الحكومات وسيأتي بيانه بإذن الله).
ومن أنواع الاحتكار أيضاً نجاح شركة في إنتاج منتج ما بحيث لا يسمح للآخرين بتصنيع مثله حفاظاً لحقوق الملكية الفكرية. فشركة مايكروسوفت التي تمتلك حقوق أنظمة التشغيل للحاسب الآلي اكتسحت الأسواق دون منافس فعلي لآخر عقدين من القرن العشرين. ومن الاحتكارات أيضاً اتحاد الشركات لمنتج ما، وهو ما يعرف بالـ «كارتل»، للسيطرة على كمية المعروض من المنتج في السوق حفاظاً على الأسعار. وبرغم وجود أنظمة لمحاربة الاحتكار إلا أن الأنظمة أقدم من مهارة محامي الشركات الذين يبدعون في إيجاد الثغرات في أي نظام مهما أحكم إغلاقه باستحداثات قانونية مستمرة. ومن أهم عوامل الاحتكار الكذب الذي تطلقه الدعايات تحت شعار الحرية. ففي مجتمع يدعي الحرية تقوم فيه الشركات القوية، كشركات الدخان مثلاً، برجم المجتمع بآلاف الدعايات التي تقنع الشاب أن رجولته لن تكتمل إلا إن أقدم على التدخين. وبهذا يبقى أسيراً لنوع معين من التبغ الذي تنتجه الشركة. ومن أفضل الأمثلة على ذلك شركات الأدوية، فيتم استغلال خوف الناس على حياتهم بدفعهم لشراء أنواع معينة من أدوية تنتجها شركات محددة وبأسعار قد تفوق التكلفة كثيراً بدعوى الحاجة للمزيد من المال للأبحاث. وبمثل هذه الاحتكارات بدأ رأس المال يتمركز في أيدي الشركات المتخصصة وذلك لأن التصنيع بدأ يعتمد على الاختراعات وتطبيقاتها. فتعاون العلم مع التكنولوجيا، كما هو معروف، في بيئة رأسمالية تحث على


۸۰۸ 🗏
٤٦
انغلاق الشركات على نفسها حفاظاً على أسرار صنعتها أدى إلى شركات تحاول جاهدة أن تمركز وسائل الإنتاج داخلها وذلك بتسخير الآلات المتخصصة في أعمالها وبجذب العلماء والخبراء والعمال المهرة للعمل لديها. وهكذا سيطرت الشركات الكبرى على معظم السلع في الأسواق. انظر للمنتجات من حولك، فلعلها جميعاً من شركات عملاقة سواءً كانت أدوات كهربائية أو منتجات قرطاسية، حتى المأكولات والمشروبات فقد أصبحت معلبة أو مقرطسة لشركات ذات أسماء براقة تحتكر الأسواق. ونظراً لأن العالم الإسلامي مفتت إلى دويلات صغيرة متقوقعة داخل حدودها فإن إمكانيات من بها من منتجين لا تسمح لهم بالتآزر لصعوبة عبور الحدود لإنشاء شركات تنافس في إنتاجها تلك الشركات الكبرى، ما أدى لتأكيد الاحتكار لتلك الشركات التي أتقنت ما تنتجة لدرجة يصعب على المنتجين داخل إطار حدود دولة قطرية صغيرة المنافسة.
وقد تسأل متعجباً بأنه لولا الملكية الفكرية لما تسابق المخترعون، ولولا حبس الخبرة داخل الشركات العملاقة المصنعة لما أتقنت المنتجات؟ فأجيب: إن هذا ليس بالضرورة صحيح، وسنوضحه في فصل «المعرفة» بإذن الله. وهكذا من خلال مثل هذه الاحتكارات فإن الرأسمالية تغذي نفسها للدمار. فبعد قفل الأبواب أمام من لا يملكون مقومات الإنتاج، وبتراكم الأموال بأيدي من فتحت لهم أبواب التمكين، ظهرت المنتجات الكمالية الترفية ليزداد الترف للقلة الذين يزدادون من خلال مكرهم سيطرة على أبواب التمكين لحبهم للتلذذ والإسراف، وبهذه السيطرة على أبواب التمكين يزدادون ترفاً على ترف. وهكذا تدور الدائرة مرات ومرات من ترف ثم تلذذ بالترف ثم مزيداً من السيطرة ومزيداً من التمكين للمزيد من الترف ليقترب العالم من التلوث. وبالإضافة للاحتكار فهناك أزمة البطالة التي واجهت المجتمعات الرأسمالية (وسنوضح تأثيرها بإذن الله في الحديث عن النظرة الكينزية للاقتصاد)، وهكذا ظهرت الحيرة للمنظرين للاقتصاد تجاه ازدياد اللاعدالة واللاكفاءة.

الحيرة

٤٧
ملاحظة
إن من أشد ما حار فيه العالم الغربي هو نظريات الاقتصاد وبالذات إشكالية العدالة والكفاءة. فيقول شابرا مستنتجاً وناقداً مثلاً: «إن الفكرة القائلة أن النظام العلماني للسوق سيتمكن بنفسه من تحقيق توزيع «كفؤ» للموارد، وأنه يمكن القضاء على حالات عدم المساواة التي يولدها السوق من خلال ما تقوم به الحكومة من دور نشط، ... تبين أن هذه الفكرة إن هي إلا أضغاث أحلام». وهذا واقع ملموس، فكل ما عليك فعله هو أي عاصمة في العالم الثالث لترى الأثرياء في عمارات مرتفعة أو قصور ريفية فارهة بينما الفقراء على الأرصفة. ولعل من أكثر المناظر إيلاماً ما . هو في الهند مثلاً، فترى يافطة دعائية تزيد عن عشرة أمتار في ارتفاعها لمنتج رأسمالي، ومن تحتها خيام لفقراء مصنوعة من قطع من الأقمشة البالية، وبالطبع لا ماء ولا كهرباء ولا دورات مياه لهم، فيقوم الفقراء بقضاء حوائجهم في الشوارع دون حياء لتعودهم على ذلك. أما في العالم الغربي فكل ما عليك هو زيارة وسط أي مدينة أمريكية لترى الفقراء وبؤسهم من قلة تعليمهم وانتشار المخدرات بينهم وشراستهم بميلهم العدواني تجاه الآخرين وكثرتهم في السجون وما إلى هنالك من مآسي معروفة لكل من عاش في الغرب لدرجة أن مناطق عيش الفقراء أصبحت ظاهرة عمرانية ذات تخصص يدرس في الجامعات لإيجاد بدائل لكيفية
فعله


القذف بالغيب
۸۰۹
التعامل
مع
ΕΛ
تلك المناطق وسكانها من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية ولذكر إحصائية واحدة: فقد زادت نسبة من هم تحت خط الفقر في الولايات المتحدة الأمريكية من ۱۱,۱ % سنة ١٩٧٣م إلى ١٥,٢ ٪ سنة ١٩٨٣م، وهذه نسبة جد مرتفعة إن استمرت في الزيادة بنسبة ٤ في المائة كل عشرة سنوات. ومع هذه الحيرة أتت الحاجة إلى تدخل الدولة للسيطرة على إعادة التوزيع للموارد، فظهر مفهوم دولة الرفاهية، فأثر هذا المفهوم في سياسات الدول اقتصادياً بحثاً عن العدالة والكفاءة. وحتى هنا ضاع الفقراء. فنظراً لثراء الأغنياء ومقدرتهم على التأثير على القرار السياسي فقد زاد الوضع سوءاً. فمنازل الفقراء مثلاً ليست مخدومة بشبكات الري مقارنة بمنازل الأثرياء التي تصل إليها المياه عبر شبكات ري أنشئت بأموال الدولة، والتي هي أموال الفقراء الذين يدفعون الضرائب أيضاً عند شرائهم للسلع الضرورية.
ومن مثل هذه الانتقادات لخلو الفكر الغربي من القيم رأى بعض الباحثين ضرورة إدراج القيم في الاقتصاد. وقد وضعت الكثير من الأفكار لذلك. إلا أنها لا تتحقق إلا بسلطة الدولة. وهنا خلافي الأول مع الاقتصاديين، لأنني أعتقد أن مجرد القبول بدور للدولة يعني تغيير الحقوق، فلا يمكن أن نضمن أن من في الدولة سيحكمون بغير أهوائهم ناهيك عن قصور عقولهم. أما خلافي الثاني فهو عن فكرة القيم كمصفاة للقرارات الاقتصادية. فبعض الاقتصاديين يرون ضرورة وجود مصفاة أخلاقية تجعل الأفراد يتصرفون بشكل رشيد لتأتي العدالة في التوزيع. ومن تمام عبوديته سبحانه وتعالى أنه هو الحنان المنان. فإن دخلت المنة بين البشر من خلال مصفاة كهذه لامتن بعضهم على بعض، أي لظهرت المحسوبيات، وهذه آفة تحرق المجتمع لأنها ستضع غير المؤهلين في مواضع ليسوا بأهل لها، فضلاً عن استحالة تحقيق هذا الهدف لأنه تقييد للحريات في مجتمعات علمانية. أي أن هذا تناقض ذاتي. والذي أراه هو أن نسخر مقصوصة الحقوق التي أتت بها الشريعة في معاملاتنا المالية، وعندها ستأتي العدالة في التوزيع رغماً عن الجميع، وليس منّة من طائفة على أخرى، ولهذا آثار نفسية تؤثر في الإنتاج كما سترى بإذنه تعالى.
ولأن المجتمع الرأسمالي شديد الإنتاج كما يقولون وهذا لن يضاهي الإسلام إن طبق فلم يكن هناك من منفذ أمام عقولهم القاصرة حيال الحيرة في عدم المساواة في توزيع الثروات إلا فكرة رأسمالية أخرى وهي زيادة الثروة في المجتمع، مؤملين بذلك القضاء على الفقر لأن زيادة الثروة تعني زيادة ما ستجنيه الدولة من أموال لتنفق على الفقراء. وزيادة الثروة لا تكون إلا بتكثيف الإنتاج بتشغيل رؤوس الأموال، وهذه ستؤدي للبطالة كما هو معلوم لأن أصحاب رؤوس الأموال عادة ما يلجؤون لتقنيات أعلى لزيادة أرباحهم، والتقنية الأعلى تتطلب أيد عاملة أقل، وهكذا ظهرت البطالة وانتشرت لدرجة أن مسألة البطالة أصبحت وكأنها نتاج طبيعي يجب أن يقبل به المجتمع وأنه لا مفر منه لأي اقتصاد متقدم. فقد أعلن عالم الاجتماع الأمريكي سومنر Sumner أن «أصحاب الملايين هم نتيجة الاصطفاء الطبيعي ... إنهم الأدوات المختارة طبعياً للقيام بعمل ما . فهم يحصلون على أجور عالية ويعيشون مترفين، ولكن الصفقة رابحة بالنسبة للمجتمع»، وما قال هذا إلا لأنه لا يرى طريقاً للنمو الاقتصادي إلا بالرأسمالية. وهكذا تعمق النمو الاقتصادي كبديل رئيس لمكافحة البطالة والفقر. وهكذا أصبح المجتمع الرأسمالي يطمح إلى زيادة إجمالي الدخل بحيث يفوق النمو السكاني مؤملاً بذلك أن يحارب الفقر. فزيادة الدخل تعني استثمار أموال أكثر مما قد تزيد من فرص العمل، إلا أن هذا لم يحدث برغم النمو الاقتصادي، فقد اتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء وظهر التلوث.


A). 🗏
وحتى الدول التي استعانت على محاربة اللاعدالة في توزيع الثروات بالضرائب التصاعدية والإعانات الحكومية، فإن الوضع لم يتغير فيها كثيراً وذلك لأن الضرائب تستقطع من الرواتب مباشرة فيخضع لها الجميع، أما الضرائب على الأرباح من الأثرياء فمجال التلاعب فيها كبير . ففي عام ٢٠٠٢م اكتشتف مؤسسة الضرائب الأمريكية IRS أن معظم الأثرياء تمكنوا من إيداع أرباحهم خارج الولايات المتحدة الأمريكية وأنهم ينفقونها من خلال بطاقات الائتمان أينما كانوا وهكذا يهرب الأثرياء من الضرائب بمعاونة المحامين الأذكياء الذين تفوق
أنظمة الدول البالية.
خبراتهم إن أول تجربة فعلية لي مع الاقتصاد والتمكين كانت سنة ۱۹۹۲م عندما ذهبت لمدينة أحمد أباد في الهند
01
لتقويم معهد عن التمكين Entrepreneurship Institute. فكلمة Entrepreneurship باللغة الإنجليزية تعني محاولة الإنسان القيام بنشاط اقتصادي ما لينهض من خلاله مادياً. وقد ترجمت إلى كلمة «مقاولة»، فكانت Entrepreneur تعني مقاول، لأن المقاول يعمل ويجني الأرباح. لكن كلمة مقاول بالإنجليزية هي contractor، أي أن الترجمة غير دقيقة، ولا غرابة في ذلك لأن الكلمة لا مقابل لها في اللغة العربية. فهي ضرورة في المجتمعات الحداثية التي قفلت فيها أبواب التمكين، فأصبح للتمكين أدوات على الإنسان أن يتسلح بها ليقتحم الأبواب الموصدة في مجتمعه. فظهرت المؤسسات التي تدرس المهارات التي تحوم حول كلمة Entrepreneurship ليتعلم الأفراد كيفية الإتيان بفكرة تجارية أو صناعية رابحة، وليتعلموا كيفية الحصول على القروض من البنوك والضمانات التي تحتاجها البنوك من الأفراد، وما إلى ذلك من تفاصيل لا تعكس إلا محاولة الأفراد تخطي الحواجز التي وضعتها مجتمعات الحداثة وذلك لأن الفرص التمكينية غير متكافئة في النظام الرأسمالي. فالاحتكار في السوق، وتمكن الأثرياء من الوصول إلى الموارد المالية بالاقتراض، والتلاعب بالأنظمة التي تفرض منع الدخول إلى صناعة ما أو مهنة ما إلا من خلال النقابات وغيرها كثير كل هذه أدت إلى انعدام العدالة في الفرص تجاه الفقراء والضعفاء للقيام بعمل ربحي. و .. ولذكر مثال واحد فقط، فالنظام المالي للمصارف الذي لا يتيح فرص الاقتراض للأفراد كما يتيحها للشركات أدى إلى مجتمع تعزز فيه انتشار الشركات، وفي هذا هدر كبير للمجتمع كما بإذن الله. سنوضح لذلك كانت كلمة Entrepreneurship مهمة في الفكر الغربي لأن عموم الأفراد لا يمتلكون المهارات التي يتمكنون بها بدء حياتهم العملية. أما الإسلام، فكما رأينا وسنرى بإذن الله، يحترم اختلاف الأفراد وظروفهم فيمكنهم جميعاً بإزالة جميع العقبات أمام الإنتاج. فمن الناس من لا يستطيع متابعة معاملة بنكية قط، إلا أنه قادر على عمل الكثير كالنجارة مثلاً إن هو وضع في الإنتاج مباشرة دون بيروقراطيات ومن الناس من لا يستطيع إقناع الآخرين بحاجته لقرض لبدء مشروع بعمل دراسة للجدوى الاقتصادية، إلا أنه يدرك ذلك بحدسه ويخوض التجربة بنفسه. وما هذا إلا لأن النظام الرأسمالي مبني على الاقتراض من البنوك، ولن تقدم البنوك القروض إلا بالضمانات الربحية، وهؤلاء المقتدرون على العمل والإنتاج ليسوا بالضرورة من القادرين على إعداد مثل تلك التقارير أو الإتيان بالضمانات اللازمة، وهكذا تم سحب البساط من تحت المعدمين الذين قد يكونون أكثر كفاءة وبالتأكيد هم أكثر همة، فكانت الحاجة لتخصص يُدرّس الناس التحايل على أنظمة المجتمعات للوصول للتمكين.٥٢ لذلك كانت هناك حاجة لكلمة Entrepreneurship في عالم الحداثة ولم يكن لها حاجة في الإسلام. ولكن كيف وصلت مجتمعات الحداثة لهذا الإغلاق للأبواب أمام من أراد العمل؟ للإجابة على هذا يجب أن نمر أولاً وسريعاً على بعض نظريات الاقتصاد لترى الفرق بينها وبين الإسلام.


القذف بالغيب
۸۱۱

الاشتراكية

إن فكرة إيجاد توزيع عادل لثروات الأمة لهي فكرة تتطلب وجود معايير عن ماهية العدل. فهل العدل بأن يأخذ الناس بالتساوي، أم بقدر حاجاتهم، أم بقدر قدراتهم؟ وهل المساواة هي العدل؟ وبغض النظر عن الإجابة على هذه الأسئلة باستخدام العقل القاصر، ففي جميع الأحوال، وحتى تتمكن الدولة من تبني أي نوع من التوزيع العادل فلابد لها من امتلاك الأصول المنتجة في المجتمع، وإلا لن تتمكن من توزيع الدخل، وهذه مأساة في الكفاءة لأنها ستضمحل بامتلاك الدولة للأصول المنتجة. أخي القارئ : لا أريد إضاعة عدة صفحات لنقد الاشتراكية من هذا المنظور، فسقوطها خير دليل على ضياعها الفكري، ولكن هناك عبرة من تاريخها، فالماركسية لا تبحث عن توضيح آلية عمل السوق بقدر ما تبحث عن قوانين تطور آلية عمل السوق الاقتصادي التاريخي لاكتشاف قوانين التطور لتأسيس ما يدعى بـ «الاشتراكية العلمية» بالاعتماد على نضال الطبقة العاملة للوصول للسلطة. أي أن ماركس رجل ثوري. ولعل أهم فكرة لماركس (برغم أن ريكاردو سبقه إليها ولكن بنظرة مختلفة) هي أن سعر بيع أية سلعة هو في العادة أكبر من قيمة العمل المبذول فيها، وأن الفرق بين ما بذل فيها من مجهود إنتاجي، أي ما وضعه العمال فيها من عمل، وبين سعر البيع، هو ربح يذهب لملاك أدوات الإنتاج، والفرق بين السعرين، أي سعر البيع وسعر العمل هو يعرف بـ «فضل القيمة» أو «القيمة الفائضة»، وهذا الفائض هو تراكم لرأس المال الذي سيستثمر مرة أخرى، وبهذا تستمر الرأسمالية في النمو. وهنا ملحوظة من حيث الحقوق: وهي أن النظرية التي وضعها ماركس والتي ترتكز على القيمة الفائضة قد أوجدت إحساساً لدى المعدمين بالظلم الواقع عليهم، وهذا أدى بمطالبتهم بحقوقهم. أي أن ماركس من خلال نظريته أوجد حقوقاً لمن لا يملكون، وأقنعهم بأن حقوقهم مسلوبة،
ما
٥٣
وهكذا توجه حقد العمال على أصحاب رؤوس الأموال وليس على المجتمع الذي أقفل أبواب التمكين أمامهم !
ومن هذه الفكرة الأساسية، أي فكرة فائض القيمة، وضع ماركس نظرياته الاقتصادية ومذاهبه الاشتراكية. فمن الدعائم الفكرية للاشتراكية نظرتها للمجتمع البشري على أنه نتاج صراع طبقي مادي، أي صراع اقتصادي بالدرجة الأولى، وأن الطبقة العاملة الفقيرة ستنتصر في النهاية، وعندها ستأخذ العلاقات الاجتماعية بين الأفراد عدة سمات منها إزالة التفاوت الاجتماعي بين الريف والحضر وبين العمل اليدوي والذهني وبين الآمر والمأمور، ومنها تطور المجتمع بحيث يعطي العاملين الفرص على تنمية قوى الإنتاج ونظم الحياة، ومنها أن الممارسة السياسية الديمقراطية ستتغلب على الديمقراطية البرجوازية بسبب المادية. ومن جهة أخرى فهناك صراع آخر بين الإنسان والطبيعة، وهذا أيضاً صراع مادي، فمن التناقضات الناتجة عن المواجهة بين الإنسان والطبيعة بواسطة العمل ينبثق التاريخ كما يرى ماركس. أي أن تفسير كل ظاهرة تاريخية ترجع للماديات في تحليل ماركس. وبرغم أهمية الاقتصاد في تشكيل الحضارات إلا أن هناك عوامل أخرى أغفلها ماركس ومن أهمها الأديان والحريات والقوميات. فالإنسان روح ودين ومادة، فقد توقع ماركس اضمحلال ثم اختفاء الأديان من المجتمعات لأن المادة هي المفسر الأهم لحركة التاريخ، وكل ما لا يعتمد على وجود محسوس فهو بالنسبة له باطل وكاذب. لذلك كان الدين منبوذاً عند ماركس، فهو قد رفض فكرة الخلق وفكرة الدور الذي تلعبه الروح بين البشر. وقد ذكر مراراً أن فكرة الخلق قد أصيبت بضربة قاضية مع انتشار نظرية التطور، وأن الدين ما هو إلا «زفرة الكائن المثقل بالألم »، إلا أن الأديان والقوميات عادت بقوة في الدول الاشتراكية في أواخر القرن العشرين كما هو معلوم


۸۱۲ 🗏
فقد
وعلى المستوى الفردي فإن الناس صنوف شتى في تفضيلاتهم، فليست المادة هي المرجع الوحيد لتصرفاتهم، يفضل البعض العمل لنفسه، على أن يعمل أجيراً مسيراً بدخل أعلى، وهكذا. أي أن إغفال جميع العوامل على حساب الماديات خطأ جسيم وقع فيه ماركس.
ومن دعائم الاشتراكية أيضاً رفضها للطبقة البرجوازية وملكياتهم الخاصة، أي أن الاشتراكية لا تثق بمن
٥٦
أن
يملكون، إلا أنها في الوقت ذاته تثق بمن يخططون مركزياً، إن في هذا لتناقض عجيب. فما اعتقده ماركس هو طبيعة البشر ستتغير بمجرد تطبيق الاشتراكية، فهو اعتقد أن الإنسان لن يكون أنانياً ولن يستحوذ على المنافع لنفسه إن كان مسؤولاً، إلا أن هذا لم يحدث. فقد نادت الاشتراكية بإيجاد طبقة تستلم القيادة بشكل مطلق ودكتاتوري لتصفية حسابات الرأسمالية نهائياً ولإيجاد إنسان اشتراكي جديد بريء من أمراض المجتمعات الطبقية وميولها الاستغلالية، وأن هذه الطبقة لا تقدر على أداء واجبها، كما زعم لينين إلا إذا كانت منظمة بنمط مركزي وحديدي يوازي النظام العسكري بحيث يتمتع أفراده بصلاحيات واسعة وبثقة أعضاء الحزب المتسلط . ولقد ثبت بالتجربة أن هذا أمر محال، فقد انقلبت هذه الطبقة الحاكمة إلى فئة ذات قيم أشد جشعاً وشراسة من الرأسماليين والإقطاعيين. فكما أقر غرباتشوف بنفسه فإن حالات الفساد ظهرت حتى في جهاز حفظ القانون نفسه. ألم يستحوذ الرئيس السوفيتي برجنيف، الذي كان مولعاً بالسيارات الفخمة، على أفضل أنواع السيارات لنفسه، وكذلك الرئيس اليوغسلافي الذي استحوذ على ما يربو عن العشرة من القصور لنفسه؟ أما الرئيس الروماني شاوسيسكو فقد عين زوجته وأقاربه في مناصب رفيعة وأغدق عليهم، بينما عامل شعبه بقسوة شديدة جعلهم في النهاية يقتلونه وزوجته لارتكابه جريمة الإبادة الجماعية. ونظراً لهذا التمادي في استغلال المناصب، فقد ثار بعض المخلصين لأفكار الحزب الاشتراكي الحاكم، فكان النهج السلطوي رهيباً في رده، وهو جـذ كل معارض، لذلك اتسمت سياسات الأحزاب الاشتراكية بالدموية، فكل معارض يصفى. فقد شملت عمليات التطهير تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الإحدى عشر في الاتحاد السوفيتي سنة ١٩٣٦م، وشملت خمسة رؤساء من السبعة المكونين للجنة السوفييت التنفيذية المركزية التي وضعت دستور سنة ١٩٣٦م، وشملت ثلاثة وأربعين أميناً من ثلاثة وخمسين من أمناء سر منظمة الحزب المركزي، وحوالي ستين في المائة من مجموع الجنرالات في الجيش السوفيتي، وهكذا من
مجازر.

هامش

ت
۵۹
ش) لقد عادى ماركس الأديان بشدة، فيقول: «إن البؤس الديني لهو بالحفاظ على النظام في المجتمع ومكافحة سوء الإدارة قد وقعوا في التعبير عن البؤس الواقعي والاحتجاج على هذا البؤس الواقعي في حالات غير قليلة تحت سلطة الظروف وأصبحوا في حالة التبعية وقت معا. الدين زفرة الكائن المثقل بالألم ، وروح عالم لم تبق فيه وتنازلوا عن المواقف المبدئية في المعركة ضد انتهاكات القانون.
روح، وفكر عالم لم يبق فيه فكر، إنه أفيون الشعب، إذن فنقد وتكررت حالات الفساد في جهاز حفظ القانون نفسه» (٥٧). الدين هو الخطوة الأولى لنقد هذا الوادي الغارق في الدموع» (٥٥). ث) إن من أهم مبادئ الماركسية التمييز بين قيمة السلعة من حيث ما ت) جاء هذا في كتاب جورباتشيف، زعيم حركة إعادة البناء استثمر فيها من عمل بشري وبين سعرها في السوق. وهنا تثار أسئلة والإصلاح (البيريستورويكا) في الاتحاد السوفيتي إذ يقول: «بيد أن منها ما هو وضع رأس المال مثل الأرض وأدوات الإنتاج في هذه فترة الركود مرتبطة أيضاً بأنه قد ضعف الانضباط في تنفيذ القوانين المسألة؟ ولا نريد الدخول في توضيح هذه التفاصيل، ويمكن وظهرت من جديد عناصر الجور واللاشرعية ومن ضمنها في صفوف الاكتفاء بالقول بأن ماركس يدفع في نظرياته إلى إعطاء العمل البشري القادة أيضاً. فالقضاء والنيابة العامة والهيئات الأخرى الملزمة تقديراً أكبر (٦٢).


القذف بالغيب
۸۱۳
وقد تقول أن هذه التعديات تحدث من الرؤساء في معظم الدول، فهي طبيعة النفس البشرية الأمارة بالسوء، إلا من رحم ربك، فأقول: إن كارثة ماركس التي وقع فيها ببلاهة هي أنه افترض أن الاشتراكيين الذين سيطبقون المبادئ الاشتراكية هم من العلماء الذين يدركون مصلحة الناس أكثر من الناس أنفسهم، لذلك سيخططون مركزياً لنمو الدولة. فهو اعتقد أن المسؤولين في الدولة سيعلمون ما سيحتاجه الناس ليتم إنتاجه، لذلك سيحددون لأفراد المجتمع أسعار حاجاتهم وأجورهم وتعليمهم، وما يجب أن يصرف للخدمات العامة والمرافق العامة وما إليها من أدوات التخطيط لكل قطاعات الحياة. فأقل ما يمكن أن يقال عن ماركس في هذه المسألة أنه أحمق، فهو يرفض مبدءاً ليقبله من جهة أخرى. أليس من يخططون بشر ولهم مصالح وأهواء ونزوات؟ فإن لم يثق ماركس بالبشر الذين يملكون شيئاً من ثروات الأمة، أي إن لم يثق بالرأسماليين، فكيف له أن يثق بحفنة من البشر ليستلموا زمام جميع الثروات؛ لذلك كان الوضع سيئاً جداً في العالم الاشتراكي، فبدل أن يأخذ كل مسؤول قدر حاجته ويعطي المجتمع قدر استطاعته (وهذه من أسس الاشتراكية)، فقد كان يأخذ أكثر من حاجته ويعطي أقل من استطاعته، وهذه سمة متأصلة في البشر إن لم يكونوا مؤمنين بالحساب في الآخرة أو إن لم تُتبع مقصوصة الحقوق. والاشتراكية كما هو معلوم نشأت في علمانية ترفض، بل وتحارب الأديان والعجيب أن هذا التناقض الواضح، أو الأضحوكة البينة، انطلت على من في الغرب، وما حدث هذا إلا لخوائهم الفكري أي أن العبرة الأكبر لنا من سقوط الاشتراكية هي أن من يخططون لغيرهم ليسوا ملائكة، لذلك فقد يدفعون ما يخططونه نحو أهوائهم، بل إن الوضع أسوأ، ففي الرأسمالية تبقى بعض قرارات المجتمع خارج أيدي الملاك، أما في الاشتراكية فإن جميع القرارات بيد قلة من الثوريين ، فماذا يتوقع منهم إلا الكوارث والضياع كما حدث لمجتمعات تلك الدول؟
ومما زاد الوضع سوءاً هو التكتم على جميع التجاوزات التي تبدر من موظفي الحزب الحاكم، فلا إعلام حر هنالك ليفضح أفعالهم كما في العالم الرأسمالي. فالمجتمع الاشتراكي أصبح مجتمعاً مدججاً بعناصر الاستخبارات التي تكمكم أفواه الناس وتمنع عنهم المعلومات من الخارج، وفي هذا قال وزير خارجية أستونيا بعد استقلالها من
الاتحاد السوفيتي: «عندما تُغلق أفواه الناس ويصبحون غير قادرين على التكلم وعندما نغلق عيونهم بمنعهم عن السفر، وعندما تسد آذانهم : بالتشويش على أمواج الأثير، يصبح الناس سلبيين أو مستسلمين جداً. وفي هذه الحالة، عندما لا يهتم الناس، تبدو الطبيعة نفسها وكأنها تفعل نفس الشيء. فتنتج الحقول قمحاً أقل، وتموت الأحراش من التلوث، وينحط المجتمع بأسره، ... حتى مقدرة الطلاب على التعلم تراجعت ... في مجتمعنا، اختفى الشخص الجديد، وذهب إلى السجن (أي الذي تعلم أن له حقوقاً وعليه واجبات)، أولئك الناس الذين يتمتعون بقدرات وذكاء، بل عملياً كل الطبقة المثقفة (ذهبت للسجن) . ... لقد تطور بقية العالم. أما نحن فقد عدنا إلى الوراء. هذا هو الفارق المأساوي بين الاتحاد السوفيتي وبقية العالم».
7.
حتى وإن كان أولئك المخططون الاشتراكيون مخلصين وذوي ،أمانة فالأزمة في الاشتراكية ليست في
استحالة دقة التخطيط ونجاح تنفيذه، فإن تصورنا جدلاً أن هناك جماعة من المخططين الذين لا يستغلون معرفتهم
و مركزهم الحساس لخدمة مصالحهم، وأن هناك جماعة أخرى من الفنيين الذين يديرون وحدات الإنتاج وأنهم
دقيقوا التنفيذ للخطط ، يكون السؤال، كما يضعه.
سمير
أمين:


٨١٤ 🗏
جميع
«أين دور العامل العادي في كل ذلك؟ أهو دور يقتصر على «انتخاب» من يتخذ القرارات محله؟ وما هي الوسائل المستخدمة في هذا النظام الفرض واجب «العمل» على أفراد القاعدة الشعبية؟ أليست هذه الوسيلة في نهاية الأمر هي أيضاً هنا عدم وجود وسيلة أخرى للعامل لضمان معيشته سوى العمل، شأنها إذا شأن دور العنف الطبقي في الرأسمالية؟ إذا كان الأمر كذلك، أليس الفرق بين الرأسمالية وتلك «الاشتراكية» فرقاً نسبياً محدوداً؟».
وإن كانت الإجابة بضرورة إشراك القاعدة الشعبية في اتخاذ القرارات في الممارسات الاقتصادية اليومية فكيف يكون ذلك ؟ فإن كانت الإجابة أن كل مجموعة من العمال ستمتلك الوحدة الإنتاجية، أي تقوم هي مباشرة بدور المنظم الذي يقرر ويخطط وينفذ أي أنها إدارة ذاتية فالسؤال عندها هو كيف ستنتج هذه الجماعات العديدة ناتجاً متناسقاً؟ أي كيف يكون التعادل بين العرض والطلب ؟ وحتى تحل هذه الإشكالية لابد من سوق يكون لها الحكم في النهاية في صحة أو خطأ قرارات الوحدات المنتجة، وإن تم هذا فما الفرق بين الاشتراكية والرأسمالية؟" فإن تم القبول بضرورة السوق فإن العلاقات الاجتماعية ليست ذات شفافية كما ظن ماركس، فالسلعة ستأخذ سعر السوق وليس ما بذل فيها من عمل بشري !!! وبهذا تسقط نظريته. أما إن تم رفض السوق فإن الكارثة أكبر، فكما هو معلوم، فلابد لأي تخطيط مركزي من توافر الكثير من المعلومات، إن نحن سلمنا بإمكانية علم الغيب للبشر، فمن أين لهؤلاء القلة من متخذي القرارات المعلومات من أرجاء الدولة، حتى وإن توفرت المعلومات عن آلاف السلع والخدمات، فإن مجرد صدور القرار التخطيطي سيأخذ وقتاً تكون نتيجته التباطؤ في الاستجابة للظروف المتغيرة. ولضرب مثال واحد: فقد كان على اللجنة التي عُينت لتحديد الأسعار في الاتحاد السوفيتي أن تقوم بتحديد أسعار ما يزيد عن عشرين مليون سلعة من الإبرة إلى الشاحنة، وكيف لأفراد هذه اللجنة القيام بذلك دون معرفة أذواق المستهلكين والتكاليف المتوقعة لكل لذلك منتج، بقيت الأسعار دهوراً دون تغيير، وبهذا لم يكن هناك إنصاف في توزيع الموارد بين المصنعين، ولم تكن هناك كفاءة في القدرة الإنتاجية التي تفتقر للتنافس ومراقبة الملاك. "" لذلك كنت ترى الصفوف من الناس (الطوابير) أمام بيع بعض المنتجات، لأن الأسعار وكميات الإنتاج أتت من جهات عليا فهي لا تتغير لتلبي ظروف تغير العرض والطلب. ولأن بعض المستخدمين قد يسرفون في استخدامها في وقت لا محفزات هناك للمنتجين، يقل المنتج مقارنة بالطلب المتزايد بسبب النمو السكاني، وعندها ستظهر أسواق سوداء ليقوم من لهم سطوة على بيع هذه المنتجات بتسريبها لتلك الأسواق. ولأن قرار الإنتاج أتى من جهات عليا، فإن هناك فائضاً في منتجات أخرى إلى حين تدارك الأمر بتخطيط آخر. وبالطبع، ولأنه لا تجار هنالك ليكسبوا أو ليخسروا، فقد يستمر الإنتاج دون تصحيح. أي أن المجتمع برغم أنه قد حقق بعضاً من العدالة، كما يصر الماركسيون، إلا أنه من حيث الكفاءة كان مقبرة لكل فرد من ذوي الهمم . وهذا ما أتقنه فردريك هايك عندما نقد الاشتراكية.
هل رأيت ضلال ماركس قاتله الله الذي ضيع مئات الملايين من البشر. وما ذلك إلا لأنه كان يرمي بالغيب من مكان بعيد. فهو اعتقد أن البشر بعد تعديهم لمرحلة الاشتراكية سينشئون مجتمعات شيوعية تتم فيها إلغاء القيمة للسلعة وإلغاء الدولة. فقد ظن أن إلغاء الملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج ووضعها تحت تصرف المنتجين أنفسهم سيؤدي لإلغاء القيمة في مجتمع لا ،طبقي كما أنه أعتقد أن الجماعة الحاكمة ستزول عندما تشیع المنفعة بين الناس، ولكن الذي حدث هو أن الطبقة الحاكمة نفسها افتقدت للديمقراطية داخل الحزب نفسه، وأنها كانت تعيد


القذف بالغيب
٨١٥
تكوين نفسها بإنتقاء أعضائها بالاعتماد على معيار الولاء بصفة أساسية وليس الكفاءة أو التعليم. فإن فقد الحزب احترام آراء أفراده داخله فكيف له أن يسمح لأفراد المجتمع بالإدلاء بآرائهم، لذلك رفضت الأحزاب الحاكمة في الدول الاشتراكية تعدد التيارات ورفضت السماح لنشر أي رأي مخالف لها بأي وسيلة وكان الرد بالقمع ؛ ومن الذي سبق قد تستنتج أخي القارئ بأن كل دولة اشتراكية وكأنها شركة رأسمالية، يقوم فيها المخططون بإدارتها، والشعب عمالها. وهذا تصور حقيقي وصل إليه بعض الباحثين الذين ذهبوا إلى أن الاشتراكية في واقعها ليست إلا رأسمالية، ولكنها رأسمالية دولة، فهي بهذا أسوأ من الرأسمالية على العمال. وهناك مسائل أخرى كثيرة لفشل الاشتراكية لن نخوض فيها لأن المرحلة الأولى من مجتمعات ماركس أي مجتمعات الاشتراكية، قد فشلت. وكل حكم بغير ما أنزل الله هو حكم أحمق إلا أننا لم نقف بعد على أخطائه لأننا لم نكتشف ذلك بعد. وما هذا الذي ذكر إلا أمثلة من أخطاء الاشتراكية التي لا تعد ولا تحصى، فلماذا إذا تحول الاتحاد السوفيتي من أكبر منتج للقمح في العالم لأكبر مستورد له خلال عقود؟
تثبيط للهمم.
٦٥
ولعل من الدروس المهمة من تاريخ الاشتراكية للبشرية هو أن أي مجتمع إنساني لا يمكن له أن يكون منتجاً إلا إن ابتعد عن التخطيط للغير) قدر الإمكان، لأن التخطيط تسلط على الآخرين بالضرورة وفي هذا كما أن السوق كعنصر تنبثق منه الإشارات للمنتجين ضرورة لابد منها لأي مجتمع، وأنه كلما ازداد السوق شفافية في التنافس والوضوح كلما كانت الإشارات أكثر دقة وصحة لمنتجات مطلوبة. وبالطبع فإن الدرس الأهم هو أن التاريخ البشري فوق مقدرات البشر لتتمكن عقولهم من الإلمام به ووضع التصورات له، فقد ماركس آلاف المفكرين (أو بالأصح (الضالين ووضعوا الكثير من المجهود والبحث والتنظير لتسقط الاشتراكية أمام أعينهم وبين ذهولهم لما يحدث إنهم يرمون بالغيب من مكان بعيد قاتلهم الله. هذا الذي سبق عن أسس الاشتراكية، ولكن ماذا عن أهم النظريات الرأسمالية؟

النظرة الكينزية

تبع
إن من تصريحات اللورد جون ماینارد کینز Kenes (١٨٨-١٩٤٦) المتعددة قبل وفاته أنه لم يشرب ما يكفي من الشمبانيا، وهو يعد من أشهر اقتصاديي القرن العشرين، وقد كان مضارباً بارعاً في البورصة." فتأمل هذا الوضع أخي القارئ: رجل ماجن ومضارب بارع في البورصة وضع نظرية اقتصادية سار عليها العالم الغربي لعقود. فهل فاقد الشيء يعطيه؟ أي هل يمكن لإنسان ماجن مضارب أن يأتي بفكر اقتصادي ينقذ البشرية؟ فإن كان، فلابد وأن تعكس النظرية قيمه وقيم المجتمع الذي يزن الخير من خلال اللذة والمتعة، ويزن الازدهار
الاقتصادي من خلال الأسواق المالية. وهذا نقد بالطبع سيرفضه كل علماني لأن ليس علمياً، لهذا أقول له:
لقد
وضع كينز بعد الكارثة الاقتصادية التي حدثت بين الحربين العالميتين منهجاً سارت عليه الدول الغربية الصناعية، وهو تدخل الدولة من خلال موازنتها المالية في النشاطات الاقتصادية لتصحيح تموجات البطالة والركود التي تفرزها الأسواق. فالنظرة التي وضعها آدم سميث القائلة أن اقتصاد السوق الحر سيعود للانتعاش بعد الكساد بعد مدة من الوقت أمر غير مقبول بالنسبة لكينز لأن المدة قد تطول . فهو قد لاحظ أن المدخرات للأفراد لم


٨١٦ 🗏
مثلاً
تستغل مباشرة كرأس مال، بل بعد مدة طويلة أحياناً خوفاً من الاستثمار، ولاحظ أيضاً أن من فقدوا وظائفهم لم يعودوا مباشرة للعمل بأجر أقل للتأقلم مع الوضع الجديد للكساد، كما أن أرباب الأعمال لم يقدموا لهم الأجر الأمثل مباشرة خوفاً من تفاقم الكساد. وهذا مأزق كبير للرأسمالية، فظاهرة نموذج قطيع الغنم» أساسية في تحليل كينز، وهي تعني أن مخالفة مجموعة صغيرة من الأفراد للقاعدة العامة تخوفاً من كساد قادم أو توقعاً لربح كبير والتي تتبعها الأغلبية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية لتلك التي توقعتها تلك الجماعة. فإن قرر مثلاً عدد من الأفراد زيادة ادخاراتهم بنسبة أكبر وبهذا قد يتبعهم معظم أفراد المجتمع، فإن هذا قد يؤدي إلى انخفاض الطلب الإجمالي في الاقتصاد، وبالتالي ينخفض الدخل الموزع ، وهكذا قد ينخفض الادخار الإجمالي نفسه. وإن تم تعميم هذه النظرة على المستوى الوطني، وهذا وضع لا مفر منه لأن كل دولة تعتبر حيزاً اقتصادياً ذات عملة محددة بوحدة متكاملة في النظرة الكينزية، فإن الرخاء الرأسمالي لا يأتي إلا من تجاوز الإنتاج الحالي للاستهلاك الحالي بمقدار يحقق الوفرة الضرورية لتوسيع قاعدة الإنتاج وذلك بزيادة المشروعات الإنتاجية. ولكن في الوقت ذاته، فإن الهدف من الاستثمار الحالي هو زيادة الاستهلاك المستقبلي، وإلا كان من الأجدى المحافظة على مستوى الاستهلاك الحالي بصورة مستمرة دون إضافة استثمار جديد، أي أن الإنتاج سيعادل الاستهلاك أي لكي تتجاوز كمية ما يُنتج عن كمية ما يستهلك لابد للمجتمعات من أن تزيد من الاستهلاك المستقبلي بزيادة عدد السكان مثلاً. ونظراً لأن الزيادة الاستهلاكية مسألة مستقبلية وغير أكيدة لأسباب عدة، فإن استثمار الحاضر قد يكون زائداً في المستقبل، وعندها قد تتوقف بعض أدوات الإنتاج أو تخفف من أدائها، وفي هذا خسارة للمجتمع لأن ما لديها من أدوات لم يستخدم بكفاءة، ومنها الأيدي العاملة، فتظهر البطالة.
أي أن الازدهار الحالي سيولد تباطؤاً اقتصادياً في المستقبل، لذلك تظهر الدورات الاقتصادية، وهي عبارة عن دورات من الازدهار الاقتصادي تعقبها فترات من الركود لينتعش الاقتصاد مرة أخرى. أي أن القاعدة الاقتصادية الإنتاجية تتوسع بغرض زيادة استثمار رأس المال في دورة ثم يقل الإنتاج في دورة أخرى. علماً أن النظرة الكلاسيكية لآدم سميث تفترض حدوث تغييرات في أسعار السلع وأجور العمال ليعود التوازن الاقتصادي لامتصاص الدورات، ولكن ما يحصل في الواقع هو غير ذلك في تعليل النظرة الكينزية، فتبدأ الشركات بتقليص العمال وإغلاق بعض مواقع الإنتاج. وما يسبب هذه الدورات أيضاً ظهور الاختراعات الجديدة التي قد تؤدي لزيادة الطلب على منتج بديل لمنتج متوفر في الأسواق ما يؤدي لتوقف مصانع تلك المنتجات. ولعل من الأمثلة الجيدة على هذا الحواسيب التي قضت على صناعة الآلات الكاتبة. كما أن وقوع المستثمرين في أخطاء التقدير للاستهلاك المستقبلي ونوعيته قد تساعد هذه الدورات للظهور أو حتى تسببها. فقد يبالغ المستثمرون في توقع الطلب على سلعة معينة ويرفعوا الإنتاج ليفاجؤا بانخفاضه مما قد يؤدي لإفلاس الشركة المنتجة. "
النفقات بتسريح .
٦٧
ولهذا فإن كينز ومن يؤمن بمدرسته يرون أنه لا توجد وسيلة رأسمالية تضمن التشغيل التام لوسائل الإنتاج، لذلك اقترح كينز ضرورة قيام الدولة بإزالة النقص في الطلب بتمويل العجز لإصلاح الكساد. فمن الفروق الأساسية بين نظرة كينز وآدم سميث هي أن المحرك الأساس للاقتصاد بالنسبة لكينز هو علاقات القوى بين الهياكل والبنى المشكلة للاقتصاد من مؤسسات استثمارية كبيرة وبنوك ونحوها، خلافاً لما ذهب إليه آدم سميث الذي ركز على القرارات الفردية الاقتصادية العقلانية. لذلك فإن أي تغيير في الأسعار لا يعني بالضرورة تحقيق


القذف بالغيب
۸۱۷
توازن جديد بين العرض والطلب، ولكنها بالنسبة لكينز هي نتيجة الصراع القائم بين القوى المكونة للاقتصاد لتقاسم الدخل القومي. أي أن الاختلال في التوازن ليس إلا اختلال في توازن التدفقات النقدية. لذلك لابد من تدخل الدولة. لهذا أصبح دور الدولة بعد الحربين العالميتين كدور المستثمر المالي ولكن للمحافظة على الاقتصاد الوطني، فمتى ما ظهر ركود اقتصادي تدخلت الدولة برفع الطلب الكلي بزيادة الإنفاق الاستثماري، وهكذا ينتعش الاقتصاد. وعلى النقيض من ذلك، ففي حالات زيادة النشاط الاقتصادي تقوم الحكومات بتفادي التضخم بزيادة الضريبة لتسديد ما كان عليها من ديون كانت قد مولت بها الاستثمارات لإنعاش الاقتصاد. لذلك فإن الأسعار تتغير بتغير التوازن بين القوى الاقتصادية، فموقف المستثمرين يزداد قوة ويفرضون أسعارهم عندما يكون الاقتصاد في حالة تشغيل كامل. وهنا قد يتحول بعض مضاربي الاستثمار إلى مضاربي أسعار، لهذا فإن تصحيح الاختلال بين التدفقات المختلفة لا يمكن أن يتم عن طريق تغيير حجم الإنتاج وإنما عن طريق الأسعار. ولأن مضارب الأسعار لا يملك الثبات الذي يملكه المستثمر، ستظهر مستويات مختلفة للأسعار في نفس التوازن بين التدفقات الكلية المختلفة. لذلك يرى كينز ضرورة تدخل الدولة من خلال التلاعب في معدلات الفائدة وتغيير نفقاتها للتأثير على العرض والطلب والذي يؤثر في المستثمرين. لعلك ترى كيف أن كينز ولأنه رجل أسواق مالية لا يمكن له أن يرى الاقتصاد دون سوق مالي. وهذا موقف خاطئ كما سترى بإذن الله في فصل «الفصل والوصل».
٦٨
أي أن كينز قد رفض ما رسخه آدم سميث أن بإمكان السوق الحرة المحافظة على الإنتاج الأكفا والازدهار
في جميع الأوقات، فهو يرى أن النظام الرأسمالي غير مستقر، وفي هذا تعبير واضح عن قصور العقل: فكلاهما، سميث وكينز في ضياع أحدهما لا يريد تدخل الدولة والآخر يرى ضرورة ذلك. ولعل آفة النظرة الكينزية هي أنها ترى ضرورة الدولة، والدولة كما أسلفنا أفراد بأهواء. والأسوأ هو أن هؤلاء الأفراد لا ينتجون سلعاً، ولكنهم ينتجون قوانين وأنظمة وبيروقراطيات تثقل تقدم المجتمع إنتاجياً بسبب الهدر الذي ذكرناه. كما أن الكينزية لا تُطبق إلا إن كانت المجتمعات مفككة على شكل دول. فحتى تنجح النظرة الكينزية إن طبقت في العالم الإسلامي لابد من تكسيره إلى دول متعددة حتى تتم السيطرة على اقتصاديات كل دولة على حدة. علماً أن تطبيق النظرة الكينزية في العالم الغربي كان له الكثير من السلبيات من أهمها التضخم الناتج عن التوسع النقدي، وكما هو معلوم في علم الاقتصاد فإن التضخم يؤدي للبطالة التي تنقص من الإنتاجية مع ارتفاع للأسعار، مما يعني في التوزيع. ومن السلبيات أيضاً تقلب أسواق الأسهم والنقد الأجنبي وذلك بسبب السيولة. ولعل من أهم السلبيات على العالم الثالث هو قيام الدول بالاقتراض لدعم عجز ميزانياتها بدعوى التدخل لدعم المشروعات ودعم الإنتاج
اللاعدالة
القومي والذي كانت تذهب فيه الأموال لمتخذي القرارات. وما حدث في الفلبين أيام حكم ماركوس خير مثال .

هامش

خ) يقول شابرا مستنتجاً: ثمة خياران فقط لضمان استقرار الأسعار الحاجيات، وتشويه في تخصيص الموارد. وعندما ينفك التحديد، فإن ضمن إطار التحليل الرأسمالي. فإما أن يتم تقليص التكاليف أو الأسعار والأجور تميل إلى الارتفاع المفرط. أما وصفة الميزانية تخفيض إجمالي الطلب. وتقتضي الوصفة الأولى اللجوء إلى نوع من المتوازنة فإنها تفيد بالفعل على صعيد التضخم، لكنها تؤدي إلى تحديد الأجور والأسعار، في حين تحتاج الوصفة الثانية إلى عودة لمبدأ انخفاض معدلات النمو وزيادة البطالة وإلى تخفيض كبير في الإنفاق «الميزانية المتوازنة». بيد أنه لا يمكن اعتماد الأولى إلا كتدبير مؤقت المتعلق بالرفاهية، ... وهذا أوقع الرأسمالية في أزمة. فثمة تناقض لا لسد الثغرات. فاستمرار استعمالها غير ممكن، ولا سيما في مناخ يمكن حله بين أهداف الرأسمالية المعلنة وبين اقتصاد سليم غير
التضخم لأنها غير منصفة بالنسبة للعمال الذين تهبط أجورهم تضخمي» (٦٩). الفعلية، وتؤدي إلى الأسواق السوداء، وحالات طويلة الأمد من نقص


ΛΙΛ 🗏
هو

الإسلام ورفض الكينزية

بالطبع فإن ما يقوله كل من كينز وآدم سميث قد يكون صحيحاً في حقبة معينة من الزمن، وقد يكون وصفة علاجية موفقة لموقف اقتصادي محدد في إطار النظام الرأسمالي الذي يفتح من خلال تسلط المسؤولين ومن خلال أنماط الملكية لتلك المجتمعات أبواب التمكين للبعض ويغلقه على البعض الآخر. وكما ذكرت، فمن خلال هذا التلاعب بالتمكين مفاضلة بين الناس تظهر السلع والخدمات الكمالية والحاجية بسبب تفاوت الناس في الدخل. ولأن هذه المنتجات الكمالية والحاجية هي أول ما يتأثر استهلاكاً» مع أي تغير اقتصادي (وهذا أمر مفصلي ومهم جداً)، فإن الركود الاقتصادي أمر محتوم بسبب إعراض الناس عن شراء الكماليات ومن ثم الحاجيات، وعندها ستكون المجتمعات بحاجة لوصفة كينزية أو ما شابه لحل الإشكالية. وكل هذا بسبب الوفرة الإنتاجية بسبب التقدم المعرفي في الإنتاج الذي لم تدرك المجتمعات كيفية التعامل معه. ولكن مع تطبيق مقصوصة الحقوق وفتح أبواب التمكين للجميع وتقارب الناس في الدخل فإن معظم إن لم تكن جميع المنتجات ستكون من الضروريات كما ذكرت سابقاً، وهذه الضروريات التي يصعب الاستغناء عنها ستدفع المجتمع دوماً للمزيد من الاستهلاك إما بزيادة كمية الإنتاج بسبب النمو السكاني وإما بتحسين نوعية المنتج، وبهذا فإن كل استثمار حالي «بالتأكيد زيادة في الاستهلاك المستقبلي». أي أن الدورات الاقتصادية التي لاحظها كينز لن توجد مع تطبيق مقصوصة الحقوق. ولن تتذبذب أسعار السلع وأجور العمال ليعود التوازن الاقتصادي كما قال آدم سميث، ولن تبدأ الشركات في تقليص النفقات بتسريح العمال وإغلاق بعض مواقع الإنتاج لأنه لا عامل هنالك ولا شركات رأسمالية، بل كل يعمل لنفسه إما فرداً أو شراكة ولن يسرح ) المالك نفسه ولكن يحاول إتقان منتجه «الضروري» للجميع. أي أن هناك بالفعل وسيلة تضمن التشغيل التام لوسائل الإنتاج وهي تمكين الناس جميعاً كما تفعل مقصوصة الحقوق، وبهذا تصبح جميع المنتجات من الضروريات التي لابد لها وأن تزاداد إما كماً أو جودة. فلا عاقل هنالك يحاول المخاطرة بصناعة منتج قد يكون من الكماليات للأثرياء لأنه لا أثرياء إلا الندرة، ولكن المعظم متقاربون في الدخل، بل سيفكر معظم الصناع في مزاحمة الضروريات بإيجاد ضروريات أخرى أو زيادة إتقان الضروريات المطلوبة. وبالطبع فهناك قلة ممن يحاولون إيجاد الكماليات لأنها بحاجة للمخاطرة لأن الأثرياء قلة. ولأنهم قلة فإن تأثيرهم على الاقتصاد سيكون ضعيفاً. أي أن الاستثمار في ازدياد والاقتصاد في انتعاش. وهذا الازدياد لن يضمحل لأنه مستثمر في الضروريات. ولن تتوقف أدوات الإنتاج. وبهذا فإن الاقتصاد في تقدم مضطرد. هذا بالإضافة إلى أنه كلما تفتت الاقتصاد بين عدد أكثر من الناس، كما تفعل الشريعة إن طبقت (وسيأتي بيانه بإذن الله)، كلما كان الاقتصاد أكثر ثباتاً وذلك لأنه لن توجد دورات اقتصادية. فالدورات بسبب الصفقات الكبيرة التي لن توجد أصلاً لتقارب الدخل، والدورات بسبب الكوارث البيئية ستكون ذا تأثير ضئيل نظراً لسعة العالم الإسلامي، وبهذا تضمحل آثار الدورات الاقتصادية المتوقعة كلما تفتت الاقتصاد بين أيادٍ أكثر عدداً وأيادٍ أكثر استتباباً اقتصادياً. حتى الحروب لن يكون لها تأثير على الاقتصاد كما سترى في الحديث عن الأمن في فصل «المدينة» بإذن الله، لأن الذي يسيطر على الحروب ويفرضها هي الأمم القوية، ومع تطبيق مقصوصة الحقوق ستكون الأمة أقوى ما تكون باقتصاد يفرز باستمرار الراغبين في الجهاد الذين باندفاعهم لغزو غير المسلمين يجعل قلب العالم الإسلامي في أمان باستمرار.


۸۱۹
القذف بالغيب
ونظراً لأن المنتجات الكبيرة كالطائرة مثلاً هي أيضاً من إنتاج شركات صغيرة تنتج قطعاً أصغر ولكنها متكاتفة بالتنسيق فيما بينها كما سترى بإذن الله إن طبقت الشريعة، فإن الاقتصاد لن يقع في براثن المؤسسات الاستثمارية الكبرى لأنها لن توجد أصلاً، وبهذا فلن توجد الهياكل الكبرى المكوّنة للاقتصاد والتي ستؤثر عليه سلباً أو إيجاباً كما لاحظ كينز، وبهذا فلن تظهر الدورات الاقتصادية والتي تتطلب تعديلاً بتدخل الدولة بتنشيط الاقتصاد وقت الركود أو بفرض الضرائب وقت النمو. أي أنه لن تظهر الاختلالات في التدفقات النقدية. ومما يساعد على عدم ظهور هذه الدورات الاقتصادية إن تم الحكم بالشريعة هو أن العالم الإسلامي أمة واحدة كما سترى في فصل «ابن السبيل» بإذن الله، فلكل فرد التنقل من شرق الأمة لغربها، وله نقل منتجاته دون حدود جمركية أو المرور على أي نقاط ضريبية. هذه الحرية في التنقل للأفراد والمنتجات تمتص احتمالية ظهور أي كساد لأي منتج لسعة الرقعة التي يقطنها المستهلكون للضروريات وكثرتهم. حتى وإن خاطر وأوجد فرد مبتكر ما منتجاً جديداً ولم يتقلبه المجتمع وتم وضعه في خانة الكماليات حتى يثبت للمجتمع ضرورته ولم ينجح هذا المنتج، فإن نسبة هؤلاء قلة في الأمة المسلمة لعدم وجود الحدود الفاصلة بين القوميات المسلمة إذا لا قوميات عندها إلا ملة الإسلام. لذلك، مقارنة بالإسلام، فلعل أهم سلبية على البشر من النظرة الكينزية هي أنها حولت التركبية الجغرافية السياسية للعالم إلى دول، وكأن كل دولة مؤسسة لا تهتم إلا بسكانها حتى وإن كان ذلك على حساب الشعوب الأخرى لأن الدولة . التي تقود المجتمع اقتصادياً، فتصبح الدولة وحدة كشركة لها إيرادات وصادرات ولها عملتها الخاصة بها وتبحث عن مصالحها، وبهذا تحول العالم إلى ميدان تسيره الصراعات الاقتصادية بين الدول، فظهر الاستعمار المباشر أو غير المباشر. وبهذا تعزز تدخل الحكومات في اقتصاد شعوبها منطقياً أكثر فأكثر. وبمثل هذه التدخلات التي حاولت المحافظة على إجمالي الطلب ( كأن تقوم الدولة بزيادة الإنفاق على البنية التحتية أو التعليم) نشأت في الغرب دولة الرفاهية التي تبنت النظرة الكينزية لعدة عقود.
هي

دولة الرفاهية

لعل الرأسمالية أكثر انتعاشاً في ظل حكم ديمقراطي، لكنها كنظام اقتصادي تستطيع الازدهار حتى في ظل حكومة دكتاتورية، ومن الأمثلة على ذلك ما حصل في تشيلي سنة ١٩٧٣م عندما أطاح الجنرال أرنستو بينوشيه بالحكومة الاشتراكية بدعم من الرأسماليين في الداخل والخارج. وفي فترة حكمه الدكتاتوري انتعش الاقتصاد القيامه بحماية أسس الرأسمالية. أي أن الرأسمالية تنتج حيث توضع إن وجدت شروط ازدهارها (وسأوضح هذه الشروط في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله). وبعد الإنتاج يأتي التوزيع الذي تقوم به الدولة والذي قد يكون اشتراكياً في وصفته. فقد جذبت الاشتراكية البعض في الغرب الديمقراطي لما فيها من شعارات تنادي بتوزيع عادل للثروات، فظهرت توجهات تحاول الاستفادة من غزارة الإنتاج الرأسمالي مع تحقيق توزيع أفضل للثروات، فظهرت اشتراكية السوق التي تبنتها دول أوروبا الشرقية والصين، وظهرت الاشتراكية الديمقراطية، وهي نموذج مشابه لدولة الرفاهية التي تبنتها بعض دول أوروبا الغربية عندما وصلت الأحزاب المتبنية لمبادئ الاشتراكية الديمقراطية للحكم. فبالنسبة لاشتراكية السوق فإن مأزقها كان في التضخم وارتفاع مديونيتها عندما حاولت تلك الدول تحرير الاقتصاد بالإضافة لأمراض أخرى كثيرة، ولا حاجة للخوض في متاهات ضياع الدول التي طبقت ذلك النظام


۸۲۰ 🗏
لواقعها المؤلم الذي أثبت فشله. وقد يقول قائل: ولكن الصين عملاقة في الصناعة والتجارة؟ فأقول: إنها عملاقة لأن مواردها هائلة وتعداد سكانها مهول مقارنة بشعوب أخرى. فلابد وأن يكون إنتاجها الإجمالي كبيراً كدولة مقارنة بالدول الأخرى. أما إن قيس على مستوى الأفراد، فالفرد الصيني لازال من أقل الناس دخلاً مقارنة بحال من أخذوا بالاشتراكية الديمقراطية ودولة الرفاهية في الغرب. وقد تتقدم الصين اقتصادياً أكثر وأكثر في العقود القادمة، إلا أن هذا لا يعني صلاحية نظامها الاقتصادي السياسي ولكنه يعكس ثراء أرضها وكثرة أفراد شعوبها والتراكم المعرفي للبشرية. وإن قلت بأن المسألة نسبية، فالنمو الاقتصادي في الصين زاد عن %٥% لعدة سنوات متتالية آخر القرن العشرين، أقول: إن هذا حدث لأن الصين استفادت من التقدم المعرفي في الغرب على أيد عاملة زهيدة الأجر، ومع ارتفاع مستوى عيش هذه الأيدي سيقل مستوى النمو الاقتصادي، فهي مسألة وقت. لذلك، فسأستفيد من الصفحات الآتية في التركيز على دولة الرفاهية والاشتراكية الديمقراطية أكثر.
ودعم !
لقد أكدت الاشتراكية الديمقراطية على تبني الديمقراطية السياسية والاقتصادية مع تنظيم وتأميم بعض قطاعات الإنتاج الرئيسية والخدمات التي تؤدي لنوع من الرفاهية كإعانات الناس عند بطالتهم والتعليم المجاني الغذاء، ومحاولة إيجاد اقتصاد مستقر. وحتى تصل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية للسلطة (كما حدث في فرنسا مثلاً) فقد قدمت الكثير من التنازلات عن الأفكار الاشتراكية سياسياً لمجتمع لازال الكثير منه يؤمنون بالرأسمالية كنظام إنتاجي. وبعد الوصول للحكم فشلت أيضاً لتراكم المصروفات على الدول وانتشار البطالة، فبرغم غنى تلك الدول إلا أن الفقر لازال مستمراً مع اختلال الموازنة وعدم الإستقرار في الأسواق. وكأن الاشتراكية الديمقراطية جمعت سيئات الديمقراطية وسيئات الاشتراكية معاً، لذلك بدأ التوجه في تلك الدول نحو اليمين الجديد الذي سحب أصوات الناخبين. فبسقوط حزب العمال البريطاني عادت الرأسمالية بقوة مرة أخرى ولكن بأطروحات أعجبت الكثير من فئات الشعب على أنها دولة الرفاهية. فمن فلسفتها أن رفاهية الفرد أهم من أن تترك لعمليات قوى السوق، وما هذا إلا لقناعة متبنيها أن الفقر ليس بالضرورة مؤشر على العجز في الإنسان بقدر ما هو هضم لحقوقه. لذلك أتت حماية المجتمع له بتوفير الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة برغم عدم توفرها للجميع وبالذات لأصحاب الموارد المحدودة. ومن فلسفتها أن الآلة الإنتاجية تكون أكثر فاعلية وأن الثروات أعدل توزيعاً إن وضعت من ضمن الأهداف السياسية للدولة. ونظراً لأن هذه الأهداف عائمة ويصعب الوقوف على كنهها بدقة، ظهرت آراء مختلفة حولها بالإضافة إلى الاختلافات التي طبقت بها هذه الفلسفة بين كل من السويد والولايات المتحدة الأمريكية مثلاً. وهناك قناعة اليوم بين الكثير من الباحثين والسياسيين على أن هذا التوجه، أي تبني الاشتراكية الديمقراطية، هو الطريق الأمثل لنجاة المجتمعات . . .
۷۰
إن من أهم سمات دولة الرفاهية «تدخل الدولة في آلية السوق لتعديل حالات فشل السوق حتى ترتفع الكفاءة، وكذلك تدخل الدولة في توزيع المعونات إلا أن هذه بحاجة لإجماع المجتمع على طريقة التدخل. فكيف يمكن تنظيم السوق إن لم توجد معايير وقيم متفق عليها بين أفراد المجتمع؟ فقد جردت العلمانية الناس من هذه القيم، لذلك أصبح تدخل الدولة لعبة في أيدي من يصلون للحكم، فازداد الصراع السياسي لأنه لا يعكس إلا مصالح من وصل لسدة الحكم. ومع سقوط الاشتراكية تراجع أصحاب رؤوس الأموال عن مواقفهم التي تدعم دولة الرفاهية، فهم كانوا يدعمونها خوفاً من الاشتراكية كبديل، ولما سقطت الاشتراكية تراجعوا عن هذا
كانت


القذف بالغيب
٨٢١
الدعم وتآزروا للوصول للسلطة، وعندها رفعوا النداءات بإلغاء قيود التنظيم. أما بالنسبة لتأميم الصناعات والخدمات فهي أيضاً بدأت تفقد مصداقيتها نظراً للدعم المستمر من الدولة لقلة كفاءتها. فظهرت المناداة بالخصخصة. وبالنسبة للعمال فقد تزعزع موقف النقابات التي لم تتمكن من الوقوف بجانب العمال الذين سحقتهم العولمة كما سترى بإذن الله . وبالنسبة للإنفاق العام للدولة على الدفاع والأمن الداخلي والإعانات، كإعانة الطفولة والشيخوخة وتعويض البطالة ودعم المزارعين ونحوها من مصاريف، والتي بدأت في التزايد مما أدى لرفع الضرائب لدرجة أنها وصلت في السويد إلى أكثر من ٥٥%، فظهرت موجة مقاومة للضرائب، فما كان على الدول إلا اللجوء إلى الاقتراض لتمويل العجز، وبهذا قلت المدخرات التي كان من الممكن أن تستثمر. وهكذا تتأرجح تلك الدول دون البلوغ لهدف المساواة في توزيع الثروات بين الأفراد. فقد أثبتت الإحصاءات أن الأغنياء هم الأكثر مهارة في الاستفادة من الدعم. ففي إنجلترا مثلاً أثبت بحث أن فئات الدخل الأعلى تعرف كيف تستفيد من الخدمات الطبية على نحو أفضل، فهي تتمكن من استقطاب اهتمام الأطباء المختصين وتشغل عدداً أكبر من الأسرة في مستشفيات ذات تجهيزات أعلى وتستهلك المزيد من العلميات الجراحية ونحوها من خدمات مقارنة بالفقراء الذين يُحالون لخدمات أدنى ويقفون في آخر الصف. يقول شابرا مستنتجاً: «وهكذا فإن التوسع في الخدمات العامة المجانية أو التي تنال إعانات حكومية في دولة الرفاهية قد أفاد الأغنياء أكثر بكثير من الفقراء. ولذا فقد ازدادت حدة . عدم المساواة». ولعلك إن كنت من سكان ما يسمى بالعالم الثالث تدرك هذا تماماً. فالفقير إن دخل المستشفى فهو
VI
آخر من يُلتفت إليه، وليس كالغني أو المتنفذ.
وحتى نظام الضرائب التصاعدية، وهي زيادة الضرائب على من هم أغنى لدعم من هم أفقر لم تثمر إذ تمرس الأثرياء على كيفية الهروب من الضرائب. وبمرور الوقت ازداد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً. وهذه ظاهرة معروفة في مجتمع رأسمالي كما قلت أي زيادة الفقير فقراً، ذلك أن مصروفات الفقير تفوق دخله دائماً، فهو لا يجد ما يدخره ليستثمره، بل قد يقوم بالاستدانة مؤملاً في وضع مستقبلي أفضل، فتراكم عليه الديون بأرباحها، أما الغني فإن فائضه المالي في استثمار ،دائم، لذلك كان الخمس الأدنى من مجموع الأسر في الولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٩٨٠م يحصلون على ٥,٣٪ من إجمالي الدخل، في حين كان الخمس الأعلى يحصدون ۳۸۲٪ من إجمالي الدخل، وبعد ست سنوات، أي في عام ١٩٨٦م كان نصيب الخمس الأفقر قد تقلص إلى ٤,٦% وارتفع نصيب الخمس الأثرى إلى ٤٣,٦٪، وبتقادم الزمن وانتشار العولمة ازداد الوضع سوءاً أكثر وأكثر كما سيأتي في فصل «الفصل والوصل» بإذن
الله
لقد تفاءل الاقتصاديون نظراً للنمو الاقتصادي الكبير الذي حدث قبل نهاية القرن الماضي بأن معدلات النمو المرتفعة التي ستزيد من دخل الدولة ستساهم في إعانة الفقراء، إلا أن البيئيين قاموا على الاقتصاد بدعوى أن النمو السريع غير الرشيد يؤثر على موارد الكرة الأرضية ويلوث البيئة، فقويت التوجهات التي تنادي بالتنمية
المستدامة.
أي أن المأزق لدولة الرفاهية هو أنه لا يمكن لها أن تدعم الرفاهية إلا من خلال معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، وعندما ينخفض معدل النمو تضطر الدولة للإقتراض أو فرض الضرائب أو يتم تسريع التضخم لأنها لا تستطيع التراجع عن التزاماتها. وكل واحدة أسوأ من أختها. فالاقتراض هو إنهاك لاقتصاد المستقبل، والضرائب


۸۲۲ 🗏
۷۲
تثبيط لهمم الأفراد في العمل والمبادرة والادخار ما يؤدي لرفع أسعار الفائدة فيتدنى الاستثمار فيقل الإنتاج والنمو الاقتصادي. أما التضخم فيؤدي إلى إضعاف الدولة في المنافسة وبالتالي خفض حصتها في السوق ويزداد عجز حسابها الجاري. فأين المفر إلا بتخفيض نفقات الدولة فتنخفض الرفاهية. أما الدول ذات الفائض المالي الكبير مثل اليابان وألمانيا فقد وقعت تحت ضغوط الدول الأخرى لتخفض نسبة فوائدها لأنها إن لم تفعل لهربت الأموال من تلك الدول إلى اليابان وألمانيا، وعندما فعلت ونزلت لأدنى حد لها ليصل إلى ٢,٥ % سنة ۱۹۸٧م زادت المضاربة على العقارات والأسهم لدرجة غير مقبولة مما أثر في اقتصادها دون أن يساعد ذلك الدول ذات العجز. وباختصار، فإن دولة الرفاهية كما يوافق كثير من الاقتصاديين الغربيين ما هي إلا تراكم غير محدد الأهداف للمجتمعات التي تحاول الهروب من الفقر والجوع والبطالة والخطر والدكتاتوريات التي أوجدتها الحرب العالمية الثانية، فهي كيان لا فلسفة له، بل تراكم لحلول قصيرة الأمد أوجدت في مجموعها كياناً مدججاً بالتناقضات الداخلية. لذلك بدأت عدة محاولات لإيجاد مدارس ذات فلسفات محددة مثل مدرسة علم الاقتصاد الاجتماعي والتي تحاول إعادة صياغة الاقتصاد في قوالب أخلاقية، إلا أن ما يواجه هذه المدارس هو أن القيم شيء يصعب تحديده علمياً. فيقول برشتس Brechts: «إن من يدعي السند العلمي لنظام من القيم هو مخطئ علميا»." لذلك لابد للجوء للعقل في الحكم على القيم، ولكن تظهر المشكلة ثانية: عقل من هو الحاكم، لذلك لابد لهم من الإجماع على القيم، وهذا أمر محال. فتحويل الفرد من شخص اقتصادي إلى إنسان يدرك القيم ويتنازل عن مكتسباته لمجرد الأخوة والعدالة أمر لا يمكن للغرب تحقيقه إلا بالعودة للدين. فهذه المدارس التي تنادي بالإصلاح في الهيكل الاقتصادي لتلافي الخلل في التوزان في توزيع الثروات من خلال القيم لهي مدارس حالمة لأن الغرب علماني في معظم أفراده ويرفض الأديان. أما من النواحي الاجتماعية والنفسية، فإن دولة الرفاهية قد ساعدت على ازدياد نسبة الإجرام. فيقول ساندرز Saunders مثلاً:
«إن تقديم الدعم التكافلي لأكثر من خمسين سنة قد كسر العلاقة الطبيعية بين المجهود الشخصي، أي بين العمل والادخار، وبين التحصيل الفردي، أي الدخل والاستهلاك، وقد حل مكانها الحق في الحصول على دخل بغض النظر عن السلوكيات أو المجهودات الشخصية، وبهذه الطريقة، فإن النظام
التكافلي الحديث قد ساهم دون قصد في تدمير المسؤوليات الشخصية التي بدت واضحة في السلوكيات غير المسؤولة اجتماعياً منذ نهاية الخمسينات )
VE
وهذا مثال واحد. وسننقد الرأسمالية من المنظور الاجتماعي لاحقاً بإذن الله تعالى. أما مع تطبيق مقصوصة الحقوق، فإن الكل مرفه لأنه يملك من الضروريات ما يملكه الآخر، في مجتمع تندر فيه الكماليات. وهذه مسألة مهمة، فالفقر مسألة نفسية أيضاً بقدر ما هي نقصان في الضروريات. فهارون الرشيد مثلاً لم يتمتع بركوب سيارة في السفر بين مدن العالم الإسلامي برغم سلطانه وثرائه، بينما تمتع بذلك أكثر الفقراء في عصرنا الحالي. فهل هو ر أفقر منهم؟ بالطبع لا، فقد تغير الزمن وتغيرت المقتنيات فهؤلاء الفقراء اليوم قد تمتعوا بما لم يتمع به الكثير من ملوك الأمس، إلا أنهم فقراء لأنهم يشعرون بالحرمان عندما يقارنون حالهم بحال الأثرياء الذين يتمتعون بكماليات لا يستطيعون هم الحصول عليها (ففقير في دولة عربية قد يمتلك مكيفاً هوائياً قديماً في منزله أو حتى مروحة هوائية وينام في حر الصيف براحة لم يستلذ بها هارون الرشيد مثلاً). ومع تطبيق مقصوصة الحقوق ستندر الكماليات، وبهذا يضمحل الإحساس بالفقر. ولأن الكل متمتع بالضروريات الكثيرة المتقنة بسبب التقدم المعرفي فلا حاجة


القذف بالغيب
۸۲۳
لدولة الرفاه أبداً، لأن الكل مرفه بحمد الله ومنه وجوده وكرمه وعطائه في مظلة مقصوصة الحقوق التي فرضتها الشريعة. ولكن لا تعتقد أبداً أن الضروريات حينئذ ستكون كضروريات فقراء اليوم قليلة وجافة وصلبة وخشنة وبهذا تصبح الحياة قاسية وكتيبة دونما تمتع وازدهار لقلة السلع ورداءتها، بل على العكس كما سيأتي بإذن الله.

الاقتصاد الكلاسيكي الجديد

وبرغم أن آدم سميث (۱۷۲۳-۱۷۹۰) أتى قبل كينز (١٨٨٣-١٩٤٦) بأكثر من مئة وخمسين عاماً، إلا أن مبادئ آدم سميث أخذت في العودة بعد تراجع تدخلات الدولة التي بدأت مع عهد كل من تاتشر في إنجلترا سنة ۱۹۷۹م وريجن في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ۱۹۸۰م ومستشاريهما. فبعد انتشار أفكار كينز بقي متبنوا أفكار آدم سميث في تقوقع حتى السبعينات من القرن العشرين، عندها بدؤا بالعودة بقوة على يد مدرسة شيكاغو التي ترأسها ميلتون فريدمان Friedman. فقد عاد الاقتصاد الكلاسيكي مرة أخرى لينادي أتباعه بتقليص دور الحكومة في الاقتصاد والسماح للسوق بأن تقوم بدورها وبتحرير التجارة الخارجية، مؤملين بذلك أن يتحقق كل من الاستقرار الاقتصادي والكفاءة الأعلى في التشغيل. والسبب الذي تمكن به أتباع المدرسة الكلاسيكية، أو الكلاسيكيون الجدد من العودة هو نقدهم الشديد للمدرسة الكينزية بأنها أخطأت في فهم وتعليـل الأزمة الاقتصادية لعام ١٩٢٩م. فعند استمرار البطالة اعتقد كينز بأن العودة للتشغيل الكامل لن تكون إلا بتدخل الدولة، يرى ورثة سميث بأن تلك الأزمة حادثة طارئة في التاريخ ولم تُعالج كما يجب. فعندما قامت الحكومة الأمريكية بإنقاص الكتلة النقدية بحوالي %۳۰ وظهرت البطالة، رفض العمال الموافقة على تخفيض مماثل لأجورهم حتى تنخفض الأسعار وبالتالي إعادة التوازن العام ومن هذه المعطيات غير الصحيحة، كما يقول ورثة سميث، تم تقبل النظرة الكينزية، فتم حقن كميات جديدة من النقود لدعم القوة الشرائية فارتفعت الأسعار مما جعل من عدم مرونة الأجور في الانخفاض أمراً مقبولاً ، فحلت أزمة البطالة. وهذه بالطبع تشوهات في سلوكيات القطاعات الإنتاجية. لذلك يصر ورثة سميث على أن تقليص دور الدولة في الاقتصاد سيساعد القطاع الخاص من القيام بدور أكثر فاعلية في الاقتصاد وبذلك تتحقق الكفاءة. كما أن تخفيف التوسع الإئتماني سيساعد القطاع الخاص على امتصاص الموارد، وبهذا الاعتماد على السوق سيتم تصحيح الأسعار. إلا أن هذا أدى إلى مآسي كثيرة من أهمها هدر الكثير من المجهود الإنساني دونما إنتاج فعلي، لذلك خصصت لها فصلاً كاملاً كما في الحديث عن العولمة في فصل «الفصل والوصل» بإذنه تعالى.
بينما :
ذ
أما في الدول النامية، وبسبب المركزية في اتخاذ القرارات، بدأت سياسات الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في نخر كيان هذه الدول. لقد كان الهم الأكبر للبنك الدولي هو تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن في ميزانيات الدول برغم زيادة الفارق بين الأغنياء والفقراء. فما يحاول الاقتصاد الكلاسيكي اقتراحه من خلال البنك الدولي

هامش

ذ إن الفرق الأساس بين أتباع كل من كينز وسميث هو أن أتباع السوق وعلى التوازن بين العرض والطلب في كل سوق على حدة» كينز «يعتمدون على التدفقات الحاصلة في الاقتصاد وعلى العرض (٧٥). والطلب الإجماليين»، أما أتباع سميث فيستندون «في تحليلهم على


٨٢٤ 🗏
وصندوق النقد الدولي قد أدى (كما اعترف كونابل Conable رئيس مجلس إدارة البنك الدولي) إلى البطالة المؤقتة و إلى تخفيضات بالغة الصعوبة قصيرة الأجل في مستويات المعيشة، وهذا كان تأثيره أكثر ما يكون على الشريحة الأفقر من السكان. ولكن هذه التأثيرات لم تكن مؤقتة ولكنها استمرت وكانت تراكمية كما يقول شابرا. ٧٦ ولذكر مثال واحد فقد توجهت الدول نحو الصناعات الثقيلة على حساب الزراعة مثلاً، فظهرت آفات اقتصادية عدة لخصها كمدسوس Camdessus المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي إذ قال: «إن الاقتصاديات التي يتفشى فيها التضخم وحالات عجز الميزانية وانتشار القيود التجارية وأسعار صرف منحازة انحيازاً سيئاً وأسعار فائدة غير واقعية ودين خارجي كبير وتكرار هروب رأس المال، لا يمكن أن تنمو، ولا تنمو نمواً سريعاً لأي فترة طويلة من الزمن». ناهيك عن تسلط السلاطين على ثروات الأمم المتخلفة الفقيرة. ونظراً لأهمية التنمية في دول ما . بالعالم الثالث فسأقوم بتوضيح أفضل لها في فصل قادم بإذن الله.
VV
يسمى
ولكن لنقل أخي القارئ بأن ما ذكرته في هذا الفصل غير مقنع لك، فأنت ترى إنجازات الرأسمالية المادية انتصاراً للبشرية جميعا، وأن سلبياتها الاقتصادية هي جزء من النمو البشري الذي لا يتقدم إلا بالمحاولات المختلفة النتائج. هنا أقول لك بأن للرأسمالية مآزق جذرية لا مفر منها. فالرأسمالية أكثر ازدهاراً في المجتمعات الديمقراطية والديمقراطية تصويت، والتصويت لا يميز بين قوي وضعيف وفقير وغني، فصوت أثرى رجل في الدولة كصوت أفقر رجل عند صناديق الاقتراع. لذلك ستتأرجح المجتمعات الديمقراطية في أنظمتها السياسية الاجتماعية من منظومة لأخرى. فكما رأينا فإن الحزب الحاكم يتغير من محافظين إلى يساريين أقرب للاشتراكية، ومن جمهوريين إلى ديمقراطيين، ومع كل تغيير تتغير منظومة الحقوق. فعندما تزداد سلطة الأغنياء لوصول حزبهم للحكم ويتضرر الفقراء، ينشط الفقراء ولا يتخلفون عن التصويت ليصل حزبهم اليساري للحكم ليزيد من الضرائب على الأغنياء. وهكذا يتأرجح المجتمع. وحتى لا تظهر الفوضى من جراء هذا التأرجح، كان لابد للمجتمع من مؤسستين تعملان في إطار هذا التمرجح، ولعلك توافقني أخي القارئ بأن المجتمع المدني لن يتمكن من الاستمرار دون هاتين المؤسستين، أحدهما ضرورة وجود دولة تمتص هذا التأرجح حتى لا ينهار المجتمع سياسياً، والأخرى مؤسسات التعامل الربوي والذي أدى لظهور البنوك والشركات حتى يستمر المجتمع اقتصادياً. وفي هاتين المؤسستين (أي الدولة والمؤسسات الربوية هدر وتعاسة يزدادان بمرور الوقت. ولقد تحدثت عن الهدر سابقاً من خلال إحصائيات الأفراد غير المنتجين فعلياً. ولم أتطرق لمصدر آخر مهم للهدر، وهو التسيب الحادث من داخل المؤسسات الإنتاجية، وهو موضوعنا الآتي والذي إن تأملته لأدركت أن الرأسمالية والعياذ بالله ما هي إلا دمار قادم على الأرض ومن عليها لا محالة.

الهدر

كنت قد ذكرت سابقاً بأن نسبة الفساد قد إزدادت في دول العالم الثالث ودول الحزب الواحد الحاكم وبالذات بين المسؤولين الحكوميين المفترض بهم درء الفساد مثل رجال الشرطة والبرلمانات. ولعلك عندها كنت تسأل: ولكن هذا الفساد لم يظهر في الدول المتقدمة صناعياً كأمريكا الشمالية وأوروبا واليابان وأستراليا؟ ولعلك


۸۲۵
القذف بالغيب
استنتجت أن النظام الرأسمالي الديمقراطي هو نظام صالح إن تم تطبيقه بحرص وإجابتي هي كالآتي: حتى وإن لم يظهر الفساد بين المسؤولين الحكوميين، فإن الكارثة ليست في بعض ما يأخذه هؤلاء المرتشون، ولكنه في الهدر الحاصل في أعمال الشركات، وهذه من أسوأ آفات الحداثة، إلا أن معظم الباحثين لا يثيرونها لأنهم مقتنعون بأنها مسألة لا مفر منها، فهم لا يرون بديلاً للنظام الرأسمالي المبني على جمع أموال التوفير ليعاد استثمارها في الشركات. والشركات تدار ممن لا يملكونها في الغالب لهذا فهم لا يرون الهدر الحاصل في الشركات لأنهم يعتقدون أن طبيعة النفس البشرية هي التي أدت لذلك. وهذا صحيح، إلا أن النفس البشرية تزداد انطلاقاً في السوء إن وجدت الظروف المشجعة لها. كيف؟
ذلك
هو
لقد كان لي زميل مهموم جداً لأنه فوجئ عند عمله كمستشار في إحدى شركات إنتاج الزيت النباتي أن مدير الشركة يتلاعب في أموالها بسفره المستمر وسوء إدارته برغم ارتفاع ما يتقاضاه شهريا. فقام الزميل باستشارتي برفع شكوى لأعضاء مجلس الإدارة عن هذا المدير، وعندما فعل تعجب لعدم تفاعل أعضاء المجلس مع الشكوى. ثم ثابر ليعرف حقيقة ما يجري ليكتشف أن أعضاء المجلس هم الذين لا يمانعون هذا التسيب من المدير. وسبب أن الشركة عند الاكتتاب جمعت الأموال من المساهمين واشترت جميع ما تحتاجه من تجهيزات أساسية لبناء المصنع. وفي السنين الأولى، ومن خلال سوء الإدارة لم تجن الشركة أرباحاً، فانتشر الخبر بين المساهمين الذين بدؤا في بيع أسهمهم وبدأ سعر السهم في السقوط ليقوم أعضاء مجلس الإدارة بشرائها بأسعار أقل من قيمة السهم الفعلية. وعندما جمعت الأسهم لهم ولأقاربهم بدأ التشديد على الإنتاج مرة أخرى بإقالة هذا المدير المسرف وإحلال من هو أكفأ منه وبدأت الأرباح في الظهور. فالذي حدث هنا هو سرقة أموال الناس الغافلين نظراً للقطيعة بين مالكي الأسهم المتفرقين والقائمين على الشركة. ولعل المهم لموضوعنا هو الهدر. فخلال السنوات التي لم يكن المصنع فيه يُنتج بكفاءة كان هناك هدر لأموال المجتمع. وهذا مثال واحد والأمثلة كثيرة ولا نراها لأن الهدر لا يقاس إلا إن ظهرت فضيحة إفلاسية كتلك التي ظهرت بين سلسلة من الشركات الأمريكية مثل شركة إنرون .Enron Corp وشركة وورلد كوم .World Com سنة ٢٠٠٢م ، وهذه شركات ضمن الشركات التي تتداول أسهمها في بورصة نيويورك والتي من المفترض أن تكون جميع حساباتها عن أصولها وأرباحها معلنة وصحيحة للمستثمرين. إلا أن مؤسسات التدقيق القانوني هي أيضاً شركات بموظفين ذوي أهواء ومن يعملون بها من غير الملاك، مثل شركة أندرسون Anderson للحسابات القانونية والتي تعتبر من أشهر وأقوى الشركات. لذلك قام من يعمل في هذه الشركات المسؤولة عن التدقيق الحسابي بالتواطؤ مع من يعملون في الشركات الكبرى بالإعلان عن حسابات غير صحيحة ليفاجأ المساهمون بعجز شركاتهم مالياً، وهنا لا يستطيع أحد معاقبة الملاك لأنهم أفراد غير الذين يعملون في الشركات، ولأن نظام الشركات يخلي مسؤولية الملاك إلا عن خسارتهم لقيم أسهمهم. وقد ظهرت الفضائح هنا لأن المسؤولين عن تلك الشركات من مدراء ومساعدين لهم، أو مسؤولين ماليين كانوا على علم بوضع الشركة المالي المتدهور، فباعوا أسهمهم دون علم المساهمين الآخرين، فكان الاختلاس كبيراً وأحمقاً وملفتاً للنظر لدرجة ظهور سلسلة من الفضائح، فقد قامت مجلة فورتشن Fortune بتحقيق بعنوان «أنت اشتريت وهم باعوا». وكان التحقيق عما جناه المديرون لأعلى خمسة وعشرين اختلاساً للشركات خلال الفترة من يناير ١٩٩٩م إلى مايو ٢٠٠٢م، فكانت النتيجة هي أن اختلاس مدراء ثمانية شركات زاد عن بليون دولار لأنهم باعوا أسهمهم، وكان على رأس القائمة شركة کویست کومیونیکیشن Qwest Communication، إذ جنى مسؤوليها الحالي والسابق أكثر من بليونين وربع
.


٨٢٦ 🗏
۷۸
بليون دولار. وثماني شركات تم تقدير إختلاس مسؤوليها ما بين ستمائة مليون وبليون دولار وبنفس السبب، أي أن مسؤوليها قاموا ببيع أسهمهم؛ وتسعة شركات قدرت سرقة مدرائها ما بين أربع مئة مليون وست مئة مليون دولار. أما شركة وورلد كوم فإن ما خسرته قدر بتسع بلايين دولار. ولأن السرقات هنا كانت كبيرة فقد علمها المجتمع ونشرت، أما ما لا يظهر من هدر فهو كثير وفي كل لحظة. كيف؟

شركة إنرون

وللتوضيح أكثر سأحكي لك أخي القارئ قصة شركة إنرون ببعض التفصيل أولاً ولعلك لست بحاجة لقراءة هذا المثال والقفز مباشرة للعنوان القادم: ظهر تقرير يلخص ما حدث، وملخص التقرير هو الآتي: " إن كينيث ليي Kenneth L. Lay هو الرئيس التنفيذي لشركة إنرون Enron وهي شركة تعمل في مجال الطاقة، ومقرها مدينة هيوستون بولاية تكساس وهي تكاد تكون عاصمة الطاقة بالولايات المتحدة الأمريكية. ولأن كينيث ليي لا يملك الشركة، بل هي ملك للمساهمين، أوجد طرقاً للتلاعب بأموالها فنهبها وخرج هو حراً طليقاً بما لا يقل عن ١٨٠ مليون دولار على أقل التقديرات، وهي قيمة الأسهم التي باعها قبل إفلاس الشركة، ناهيك عن الإختلاسات الأخرى. والقصة طويلة وبالإمكان اختصارها بأنها ما هي إلا حصيلة التلاعب بين كبار موظفي كبار الشركات المختلفة مثل شركات المحاسبات كشركة آرثر أندرسون وشركات المحاماة. فالقصة تبدأ من ولاية كاليفورنيا حيث أن شركة إنرون اكتشفت أنها تستطيع شحن الطاقة التي تولدها في ولاية كاليفورنيا إلى ولايات أخرى لتبيعها من هناك على ولاية كاليفورنيا مرة أخرى أو ولايات أخرى وبسعر أعلى. هكذا رفعت الشركة سعر الطاقة من ما بين ٣٠ أو ٥٠ دولار إلى ۱۵۰۰ ،دولار وهذا ما يسمونه بـ «ارتداد الطاقة». وهذا لم يحدث إلا لأن مسؤولي إنرون الكبار استطاعوا التأثير في التشريعات التي تنظم بيع وتسيير الطاقة، فهناك صداقة حميمة بين كينيث ليي والرئيس الأمريكي جورج بش الأب، إذ أنه دعمه في الانتخابات الرئاسية بملايين الدولارات من أموال الشركة، ثم دعم أيضاً جورج بش الابن ليصبح حاكماً لولاية تكساس، وكلاهما يعمل في مجال الطاقة، ثم دعم الابن جورج بش في حملته الرئاسية ليصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا أصدر جورج بش الابن من القوانين ما أراده كينيث ليي. أي أن المسألة هي تبادل منافع. والآلية لذلك كانت واضحة، ففريق العمل للطاقة بالولايات المتحدة الأمريكية برئاسة ديك شيني، وهو نائب الرئيس بش الابن، كان يستمع لاقتراحات شركة إنرون ويأخذ بها لتحرير تجارة الطاقة بالولايات المتحدة الأمريكية من بعض القيود والذي يثبت أن هناك علاقة وطيدة بين الرئيس الأمريكي الابن وكينث ليي هو التحقيق الذي قام به إليكس نوت الذي يعمل في «مركز الاستقامة السياسي»، وهو مركز يحاول التحقق من نزاهة رجال السياسة، فوجد أكثر من ٣٠ علاقة مالية بين الاثنين. لقد لاحظت نائبة الرئيس في شركة إنرون واسمها شيرون واتكنز أن هناك تلاعباً ما يجري في حسابات الشركات الكبرى، فتحدثت بعد إفلاس الشركة، وقالت مقارنة : أن شركة أخرى، وهي شركة وورلد كوم مثلاً، قد خسرت لأن ٦ من أفراد من مجلس الإدارة حولوا مبالغ طائلة من التصريح عن الإيرادات إلى بيان ميزاني». إلا أن هذه الخسارة لا تقارن بخسارة إنرون التي بلغت ٧٠ ملياراً من الدولارات. وقال المحلل المالي جورج أولسون فاضحاً سياسة كينيث ليي ومن معه في شركة إنرون:


القذف بالغيب
«أرادوا رفع سعر السهم بقدر الإمكان ثم ممارسة كافة خيارات الأسهم لديهم وتحويل المال في ذلك الاتجاه. كانت مسألة إفراط ، كانت معقدة للغاية، استخدموا فيها عمليات مالية بالغة التعقيد في المقايضات وشراء وبيع الأسهم وتعزيز المواقع، وكل ذلك بطريقة خفية مستخدمين مجموعة من الشركات خارج بيانات الميزانية، وكيانات ذات غاية خاصة (كما تعرف في الولايات المتحدة) مع المتفرعات والحسابات بين سوق وسوق كل هذا كان يجري من خلال شركات تابعة (لشركة إنرون) في جزر التايميل أو . جزر قناة جرسي أو بجوار الساحل الفرنسي».
۸۲۷
لقد كان عدد الشركات التابعة لإنرون ٢٨٠٠ شركة، بينما الناس يعتقدون أنها تمتلك بضعة شركات. هكذا
لم يدرك المستثمرون ما يجري، فتمكن المسؤولون في الشركة من تنفيذ عملياتهم الاحتيالية. فمن هذه العمليات مثلاً عقد صفقة مع الهند لإنشاء أكبر محطة لتوليد الطاقة في العالم بالقرب من مدينة بومبي. وبعد حصولهم على ٤ مليارات من الدولارات من حكومتي الهند والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة للأراضي في الهند لإنشاء المحطة، قاموا ببناء عدة مباني هنا وهناك لكسب الوقت ولكن دون إنهاء المنشآت لإنتاج الطاقة. هكذا تضرر الكثير من السكان المحليين الذين انتزعت أملاكهم برشوة المسؤولين الهنود. يقول أحد الناقدين الهنود: لقد اشترت شركة إنرون أفراد حكومة الهند بالكامل من رجال الشرطة للوزراء. لقد كان كبار المسؤولين يخفون السرقات. وتقول شيرون واتكنز كان مسؤولوا إنرون يخفون ديون الشركة التي بلغت عشرات المليارات عن المساهمين وعن سوق الأسهم والمحللين الماليين، وحتى عن موظفي إنرون لقد كانت إنرون تدفع لموظفي تدقيق الحسابات، وهم من شركة آرثر أندرسون مليون دولار في الأسبوع للتأكد فقط أن الحسابات تظهر كما تريد لها إنرون أن تظهر بها لينخدع الناس ويبقى سهم إنرون مرتفعاً. هكذا تم إخفاء عشرات المليارات من الديون عن المساهمين وعن موظفي الشركة وعن المحللين الماليين في سوق الأسهم (سوق البورصة في Wall Street).
ولكن من أين الديون؟ إنها بالطبع من البنوك التي تم شراء ذمم موظفيها بالمال أيضاً. لقد انطلى الكذب حتى على هيئة تبادل السندات في سوق البورصة في وول ستريت. وما حدث هذا إلا للثقة المفرطة التي تكونت لدى كبار موظفي إنرون لأن لهم علاقات مع كبار رجالات الدولة من السياسيين، هكذا كونت إدارة شركة إنرون العليا كبرياءً عاليا مكنها من الضغط حتى على المسؤولين الحكوميين في عاصمة الطاقة هيوستون، وعاصمة الدولة في واشنطن لتمرير ما تريد من تشريعات وقوانين لدرجة أن الشركة أفلتت من مراقبة «مفوضية تبادل السندات بالولايات المتحدة الأمريكية U.S. Securities and Exchange Commission»، وهي الهيئة المكلفة بمراقبة تبادل السندات في الولايات المتحدة. يقول آرثر ليويت رئيس المفوضية: إن المفوضية لم تستطع فعل أي شيء لأن ثمة تضارب بين مصالح إنرون ومن يفترض بهم أن يراقبوا الشركة، فهناك فساد كبير بين كبار مسؤولي الشركات عموماً. فقد أساءت شركة إنرون لمن يفترض بهم أن يحموها من خلال المراقبة، أي لرجال المفوضية، لدرجة أنهم هددوا آرثر ليوويت بمحاربته في الكونجريس الأمريكي. وبهذا تمكنوا من إسكاته فكان لهم تقديم الحسابات كما تقرر شركة آرثر أندرسون دون تدقيق من المفوضية، أي أنهم أفلتوا من رقابة الدولة. ولكن أين ذهبت الأموال؟ لقد ذهب جزءاً منها لأعضاء مجلس الإدارة، فقد تكونت مع الزمن صداقة حميمة بين أعضاء مجلس الإدارة وكينيث ليي، فكانوا يوقعون له حيث ما يريد مقابل تقديمه لهم لأسهم تقدر بملايين الدولارات في كل عام. يقول المحلل المالي جورج أولسون وقد سبق ذكره إن الإدارة العليا في شركة إنرون لا تحبه وأنها حاربته، فهو


۸۲۸ 🗏
و
كان من خلال إرشاداته كموظف مستشار في شركة ميريل لينش الاستثمارية يؤثر في قرارات شراء الأسهم، وكما هو معلوم فإن شركة ميريل لينش تعد من أكبر الشركات التي تستثمر الأموال، ولأنه كان واعياً، وكان يحلل التقارير التي تأتيه عن مستقبل شركة إنرون ولا يتوقع لها النمو الكبير، فقد طرد من شركة ميريل لينش، أي أن مسؤولي شركة إنرون تمكنوا من شراء بعض الموظفين الكبار في شركة ميريل لينش. هكذا يُشترى الناس. وكل هذا كان يجري لأن هؤلاء الذين تم شراؤهم من شركة ميريل لينش أو آرثر أندرسون لم يكونوا ليتوقعوا هذا السقوط العنيف لشركة إنرون. فهم توقعوا أن تستمر الشركة دون خسائر، ولكن أيضاً دون أرباح كبيرة وبهذا تضيع بعض أموال المساهمين لتذهب في جيوب هؤلاء اللصوص يقول المحلل المالي فيليب قبل شهر من إفلاس إنرون كان هناك توجيه من شركة ميريل لينش وشركات أخرى استثمارية مثل شركة جي بي مورجون للزبائن بشراء أسهم شركة إنرون إذ أنها شركة ذات مستقبل واعد، فقام موظفوا شركة إنرون بشراء الأسهم ظناً منهم أن الشركة التي يعملون بها شركة فذة. هكذا ارتفعت أسهم الشركة لدرجة أن عمليات . يوم واحد بلغت ٤ ملايين دولار، وكان سعر السهم قد زاد عن ۸۰ دولاراً، بينما شركة جي بي مورجون تنبأت بأن الأسهم سترتفع إلى ١٢٠ دولاراً.
٥٠٠
وبعد إفلاس الشركة انتشر محققوا المفوضية للبحث في حسابات شركات أخرى فظهرت الفضائح في حساب شركات كبرى مثل وورلد كوم وشركة جلوبال كروسنج وشركة دلفيا كوميونيكيشن. وبهذا الكشف ظهرت القناعة لدى الشعب الأمريكي بضرورة زيادة أعمال مفوضية تبادل السندات فزادت ميزانيتها من ٤٠٠ إلى ٧٠٠ مليون دولار في السنة ليزداد عدد المدققين في الحسابات. وهنا يظهر سؤال مركزي : أليس في هذا هدر للموارد البشرية؟ ألا توسع هذه الزيادة من عدد الأفراد الذين ستتمكن الشركات من شراء ذممهم؟ بالطبع، فكل ما سيحدث هو أن معركة شراء الذمم ارتفعت لمستوى آخر بمساحة أكبر لتقل فرص السيطرة على الفساد الذي سيظهر مستقبلاً. وبالطبع فهناك تفسيرات كثيرة لحدوث هذا الفساد في العالم الغربي، فقد قالت شيرين واتكنز في كتابها عن السلطة أن السبب هو الفارق الكبير بين متوسط دخل رئيس الشركة وباقي الموظفين التي بلغت حوالي .. ضعف في الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد كل هذه الفضائح والفظائع إلا أن القانون يبقى عاجزاً عن إدانة كينيث ليي لأنه لم يقم بعمل غير قانوني. كل ما فعله هو أنه قام بأعمال يصعب إثباتها مثل رشوة المدققين وأعضاء مجلس الإدارة، فهم يتحملون عواقب هذه الخسائر، وقام بإقناع موظفيه بشراء أسهم الشركة بينما باعها هو ليبقى طليقاً في منزله الفخم بعد أن باع أسهمه بـ ۱۸۰ مليون دولار. هكذا بلغ مجموع خسائر المستثمرين بعد إفلاس شركة إنرون، كما يقول الناقد بيل ليراش ٤٠ مليار دولار ، وهذا هو سعر تعاضد بضعة أفراد من شركات المحاماة وشركات المحاسبة مع الموظفين الكبار في شركة إنرون. أي بدل حماية المستثمرين، وهو ما يجب أن يكون، قام هؤلاء المدققون بالتآمر مع كبار موظفي إنرون لتنفيذ مجزرة مالية. وهكذا من تحقيقات أدت خلال أسابيع إلى سجن أكثر من ٣٠ مديراً تنفيذياً لكبرى الشركات والذين لم يكونوا بحدة ذكاء كينيث ليي، فتم القبض عليهم وسيخرجون أيضاً أبرياء لأن لديهم من المال المختلس ما يستطيعون به شراء ذمم المحامين الذين يفعلون أي شيء لإنقاذ هؤلاء اللصوص مقابل المال. وهكذا دفعت ثلاثة من أكبر المصارف في العالم مليارات الدولارات كغرامات لأخطاء ارتكبتها لأنها هي التي يسرت القروض لهؤلاء الموظفين الذين أهدروا أموال الشركات وأغرقوها في الديون، السلسلة وستستمر الألاعيب لأن النظام الرأسمالي للشركات لن يتمكن من مدافعة بعض الغرائز في
ولن تنتهي الإنسان التي تؤدي للفساد، وهو موضوعنا الآتي:


القذف بالغيب
۸۲۹
من

القواعد الغريزية

لننظر الآن لبعض الغرائز التي جبل عليها ابن آدم وكيف أن النظم البشرية لم تستطع ولن تستطيع التعامل
أنه
معها، ناهيك عن إمكانية توجيهها بطريقة إيجابية كما يفعل الإسلام إن طبق. هناك قاعدة غريزية هامة وهي لا يعقل أن يسرق الإنسان نفسه، ولكنه قد يسرق غيره إن تمكن. ولكنك قد تقول أخي القارئ بأن هذا ليس صحيحاً، فالياباني الثري لن يسرق لأن ثقافته تمنعه. فأقول : إن اعتبرنا أن السرقة ليس المقصود منها أخذ المال فقط، ولكن حتى القليل من الإهمال هو خيانة للأمانة، عندها نقول أن هذه سرقة تؤدي للهدر. فهل تعالج الطبيبة ابنها كما تعالج أبناء الآخرين؟ قد تفعل إلا أن هذا نادر جداً. فلابد وأن يحظى ابنها باهتمام ورعاية أكبر. وقد يكون هذا المثال متطرفاً لأنه لأم، إلا أنه يوضح الفكرة. فإن تأملنا المجتمعات من هذا المنظار يمكننا القول أن السرقات تحدث عندما يكون الإنسان مسؤولاً عما لا يملك. فالموظف المسؤول عن شراء مواد بناء مشروع ما، إن لم يسرق فقد لا يكون حريصاً في الحصول على أدنى سعر بأعلى جودة (كما لو كان يقوم بالشراء لبناء منزل له) لأن ذلك سيتطلب منه المرور على الكثير من المحلات لفحص الأسعار، فبدل المرور على عشرة محلات سيمر على خمسة مثلاً. والعامل في المطعم قد لا يكون حريصاً على نظافة الأكل حفاظاً على سمعة المطعم كما إن كان الأكل له. وهكذا أمثلة لا تنتهي. فأينما نظرت وجدت مجالاً للإهمال يؤدي للهدر في الموارد والطاقات. وهذه سرقات إلا أنها ليست للأموال ولكنها للوقت والمجهود والسمعة والنظافة والترتيب والإتقان والإبداع وما شابه من معايير الجودة، وهذه تترجم في النهاية إلى أموال. فعندما يقوم عامل السنترال على الإجابة على أربع مئة مكالمة، وكان بإمكانه الإجابة على خمس مئة، فهو بإهماله هذا يكلف الشركة مالاً لأن عليها أن تزيد من عدد الموظفين، لهذا ظهرت النظريات في علم الإدارة التي توجد البدائل للاستفادة القصوى من الموظف، كأن يكافأ بطريقة حسابية معينة إن قام بالرد على مكالمات أكثر وإلا لما ظهرت هذه المحفزات. فهي دليل على ما أحاول قوله. والمكالمات مسألة يمكن قياسها، إلا أن هناك من المسؤوليات ما يصعب قياسه فعامل المطعم الذي يهمل ويسيء لسمعة المطعم فهو إن تسبب في إقفال المطعم فقد خسر المجتمع ذلك المكان المجهز للعمل كمطعم ليصبح شيئاً آخر. ولذلك فإن الهم الأول لنظريات الإدارة الآن هو محاولة تحويل الأجير لأن يتصرف كالمالك من حيث الاهتمام بأداء العمل وذلك من خلال إشراكه في معظم مراحل نمو الشركة وقراراتها، وفي دفع المحفزات له حتى لا يترك العمل، وفي الوقت ذاته استخراج أكبر قدر ممكن من عطائه كما هو معلوم في علم الإدارة. فقط تأمل الشركات اليابانية التي تضع الحوافز للعمال والموظفين، فالمسألة بالإضافة إلى أنها غريزية فهي ثقافية أيضاً. إلا أن الثقافة تتأثر بالغرائز كما سيأتي
توضيحه بإذن الله.
مع
الآخرين.
وهناك قاعدة غريزية ثانية هي أن بعض من لا يعمل لنفسه لص في موقعه وأمين في المظهر وهذه قاعدة فكر فيها ولاحظها أخي القارئ أي أن الموظف أو العامل في شركة لا يملكها سيظهر للآخرين أمانته وبالذات للملاك، وهذا الإظهار قد يكون حقيقياً من خلال الحرص على ممتلكات الشركة ومصالحها، أما هو في ذاته فمتى ما وجد فرصة للسرقة فلن يتردد إن لم يلحظه الآخرون إلا من رحم ربك فهناك محفزات وروادع قيمية سنأتي عليها بإذن الله) وفي هذه السرقة هدر كبير للمجتمع. وهنا أيضاً قد لا تكون السرقة باختلاس المال، ولكن بالإغداق على النفس مثلاً. فتجد أن معظم مدراء الشركات الناجحة يحرصون أشد الحرص على نفقات الشركة إلا


۸۳۰ 🗏
للقطاعات
أنهم ينفقون الأموال على مكاتبهم الفخمة، وعلى سفرياتهم، وعلى اجتماعاتهم، بينما يبخلون على الموظفين الآخرين إن أدركوا أنه لا زيادة إنتاجية من جراء الإغداق عليهم. وهكذا يفعل كل رئيس في موقعه. ولأن الشركات هرمية في تركيبها، ففوق كل رئيس رئيس. ومع كل رئيس هدر لا يراه إلا هو نفسه. فهو قد يتغيب عن العمل بدعوى أنه في مهمة تخص الشركة دون علم رؤسائه، وهكذا يتراكم الهدر نظراً لبعد الملاك وعدم علمهم بما يحدث بـرغـم ازدياد أرباح الشركات. وفي هذا هدر لمجموع الأمة. ولكنك قد تقول أن بعض الشركات قامت بخفض التكاليف لزيادة الربح (كما سنوضح في العولمة بإذن الله، فقد بدأت بعض الشركات بالتخلي عن بعض المهام الخاصة الأخرى. فبدل أن تقوم شركة متخصصة في إنتاج الحاسب الآلي بنقل منتجاتها بنفسها فإنها قد تقرر إلقاء هذه المهمة على شركات متخصصة في النقل، وبهذا تزداد الكفاءة وتقل التكلفة. فأقول: هذا صحيح، ولكن الهدر عود أيضاً داخل تلك الشركات المتخصصة وبدرجة أقل. وهنا قد تقول: أي كلما زاد التخصص كلما زادت الكفاءة. فأقول: نعم ولكن على حساب زيادة الفارق بين الأغنياء والفقراء. فلأن نقل الحاسبات الآلية في هذا المثال عمل يكثر مستطيعوه مقارنة بإنتاج الحاسبات المحتكرة على القليل من الشركات فإن المنافسة ستزداد بين الناقلين لينخفض أجرهم مقارنة بمن يحتكرون المعرفة وأدوات الإنتاج الأخرى كرأس المال أو حقوق التنقيب ونحوهما. وفي هذا مفاسد جمة لأن زيادة الفقر والبطالة ستؤديان للمزيد من التسخير المفضي للفساد الذي تحدثنا عنه. وكما سنرى في الفصول القادمة بإذن الله، فإن مقصوصة الحقوق تؤدي لوضع إنتاجي يكون الجميع فيه مالكاً لينعدم الهدر وينعدم التسخير، وينعدم الاحتكار المعرفي.
موجود
وهناك قاعدة غريزية ثالثة لا مفر منها في المجتمعات الرأسمالية وتؤدي للهدر أيضاً: وهي أنه كلما أغلقت أبواب التمكين أمام الفقراء كلما فتحت للأغنياء. فالدخول إلى السوق أمر يصعب على العامة لصعوبة المنافسة (إلا إن كان المنتج فذاً كما حدث مع بيل جيت صاحب شركة مايكروسوفت)، إذ تحتاج الشركة المبتدئة لموارد ضخمة يصعب جمعها مقارنة بالمخاطر الأولية التي قد تتعرض لها في بدء حياتها الإنتاجية. لذلك تركت هذه المسائل عادة للأثرياء الذين يتحملون مثل هذه المخاطر ويتمتعون بجاه يعينهم على الحصول على الموارد المالية من الجهات المقرضة وعلى الموافقات من الحكومات. كما أن البنوك عادة ما تفضل آلاف عدة شركات كبيرة مقابل دعم . دعم الشركات الصغيرة، فالبنوك أداة لتركيز الثروة لا محالة. وقد تقول : ماذا عن البنوك المخصصة لدعم الفقراء (مثل بنك جرامين الذي حصد الجوائز ) ؟ أقول: ستأتي الإجابة في فصل قادم بإذن الله.
ومن أهم مساوئ الشركات أيضاً هو قفلها للأبواب أمام الآخرين بمحاولة الاستئثار بالأسواق. فالبحث عن ربح أعلى يدفع الشركات لإزالة منافسيها، وإن لم يتمكنوا فسيتعاونوا فيما بينهم، أو بالأحرى يتواطؤوا فيما بينهم ليحتكروا أسعار المنتجات. وكما لوحظ في الغرب فإن بعض الأفراد يقعدون في مجالس إدارات أكثر من شركة في نفس الإنتاج مما يثير الريبة بالتنسيق بين الشركات للمزيد من الاحتكار. وبالطبع فإن الشركات لا تلام على هذا التصرف لأنه أمر متوقع منهم ومباح لهم ، إلا أن هذا لم يحدث إلا لأن أبواب التمكين أغلقت على الضعفاء
والفقراء.
وما زاد الهدر أيضاً توسع الشركات وهيمنتها بتخصيص جزء من الأرباح للتوسع في أعمال الشركة وتوزيع الباقي للمساهمين، فبدل أن يتوجه مسؤولوا الشركات لطرح أسهم جديدة في السوق، ما يعني الحاجة لإقناع


القذف بالغيب
۸۳۱
المساهمين خارج مجلس الإدارة، يُتخذ القرار بالتوسع بالسحب من الأرباح، وهذا بدوره يركز الثروة في أيدي طائفة أقل بدل اتساع الشركة بين أفراد أكثر ، أي أن الثروات التي توجد الإنتاج أخذت في الانحصار في أيد أقل، وبهذا تزداد نسبة المأجورين من ذوي الدخل المحدود. أي أن التوسع الذي كان على أساس قاعدة ضيقة من الأسهم زاد من صلاحيات مديري الشركات ليزداد الهدر، ولتقل المشاركة من عموم الناس، فلا يكون لعموم المجتمع وزن في قرار توزيع الثروات وهذا التوسع للشركات أدى للبطالة لأن من عادة الشركات الكبرى، وبالذات إن كانت متمكنة مالياً، تكثيف الاستثمار في التقنية التي تخفف من الاعتماد على الأيدي العاملة قدر المستطاع. كما لوحظ أن معظم مديري الشركات هم أفراد من الأثرياء أو المقربين إليهم، أي أن طبقة صغيرة هي التي بيدها زمام أمور المجتمع. ١ فقد يفرض أحد كبار المساهمين قريباً له على المدير التنفيذي للشركة ليعمل ذلك القريب في الشركة، لأن المدير إن لم يستجب فقد يُفصل، أو قد يقوم المدير نفسه بذلك. أما مع تطبيق الشريعة وفتح أبواب التمكين وكثرة الملاك، فإن كان المالك واحداً أو بضعة من الأفراد الذين يقفون على ملكيتهم (أو ملكياتهم) لما ينتجون فلن
يضعوا فرداً في العمل إلا إن كان كفؤاً لذلك المنصب وبالذات إن كان المنصب قيادياً ويؤثر على الإنتاج.
أي أن الشركات في النظم الرأسمالية تشبه إلى حد كبير الدول الاشتراكية، وكأن كل شركة عبارة عن دولة اشتراكية مصغرة، وذلك لأن من بيدهم القرار في الشركات لا يملكون. وفي المقابل، فإن كل دولة اشتراكية كأنها شركة رأسمالية كبيرة، وذلك لأن ملكيات الأفراد انتقلت إلى المسؤولين في الدولة كالمسؤولين في الشركة الذين لا يملكون. أي أن المجتمع الاشتراكي انتقل من رأسمالية شركات إلى رأسمالية دولة. وبهذا تكون جميع مجتمعات الحداثة سواءً كانت رأسمالية أو اشتراكية متشابهة من زاوية أن معظم من يعملون أو يقررون لا يملكون. ونظراً لأن النزعة البشرية التي تقدم مصالحها على مصالح الآخرين هي التي تسير الأفراد عند غياب الدين، فإن السلطة من بيدهم في الدول الاشتراكية سيسحقون العامة تماماً كما يسحق الرجل الرأسمالي عماله. ومن جهة أخرى، فإن من بيدهم السلطة في الدول الاشتراكية سيوجهون بعض القرارات لمصالحهم، كما يفعل مديروا الشركات. ولكنك قد تقول: إن الفرق شاسع بين الرأسمالية بشركاتها والمجتمعات الاشتراكية من حيث الإنتاج. فأقول: لا ليس شاسعاً، هو يظهر كذلك لأنه لا خيار ثالث هنالك للمقارنة. فإن قدمت الرأسمالية وحدتين إنتاجيتين مقابل كل وحدة إنتاجية للاشتراكية، فإن وجد خيار ثالث كالإسلام إن طبق، فقد يقدم أربع أو خمس وحدات. ولعدم تطبيق الإسلام ترى الفرق شاسعاً.
ولكن لماذا تقدمت الرأسمالية على الاشتراكية؟ إن الإجابة معروفة للكل، وهي أن الملاك في النظام الرأسمالي أقرب لأعمالهم من مسؤولي الدولة الأبعد في الدول الاشتراكية، لذلك هم حريصون على اختيار أفضل المدراء والموظفين لجني المزيد من الأرباح التي تتحول إلى مدخرات ولتستثمر لتزداد القاعدة الإنتاجية، فالعلاقة بين بعد الملاك وقربهم لما يملكون له تأثير كبير على كمية الإنتاج وجودته. ٨٢ كما أن حرية الإعلام في الدول الرأسمالية تحاول فضح كل مسؤول متلاعب بأموال الدولة، وكل رئيس قد تفلس شركته، أما في النظم الاشتراكية فلا إعلام هناك لتعقب المسؤولين ولا شركات لتتنافس على الإنتاج، ولكن جميع المؤسسات الإنتاجية هي تحت سيطرة الدولة. ولكنك قد تقول بأن الشركات في الدول الرأسمالية شديدة الإنتاج. فأقول نعم، ولكن على حساب زيادة البطالة في المجتمع وهذا ظلم للمجتمع كما سترى في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله، ناهيك عن جلد


۸۳۲ 🗏
العاملين في الشركة واستنزافهم، وفي هذا بؤس لهم كما سنوضح في باقي هذا الفصل بإذن الله)، وهدر للمجتمع كما مر بنا، وسترى أن الوضع إن طبقت الشريعة لكان أفضل.
ومن مساوئ الشركات أيضاً هو أنها مؤسسات في توسع دائم يتلائم مع اتساع السوق وبذلك تنحبس فيها الخبرات فتنحصر المعرفة الإنتاجية في جماعة معينة ليزداد تمكنهم وليزداد ضعف من لا مقدرة لهم لافتقارهم للموارد بالإضافة للمعرفة كما سنوضح في فصل «المعرفة» بإذن الله . وبهذا الانحباس المعرفي داخل الشركات تخلفت البشرية، وهنا قد تقول: ولكن البشر تقدموا ألا ترى الصواريخ والحاسبات الآلية. فأقول كما قلت سابقاً: إن طبق الإسلام فلعل هذا قد يكون ظهر في القرن الرابع أو السادس الهجري، أي قبل ألف سنة، إلا أنه لم يطبق. تذكر ما ذكرته سابقاً عن العقل والتمكين والمعرفة وأن هذا التقدم بسبب التراكم المعرفي والتمكين الجزئي.

مصالح الأهرام

النشاط
إن للشركات الكبيرة بحكم حجمها نفوذاً سياسياً كبيراً على الحكومات، لذلك كان لنشاطاتها عواقب اجتماعية وبيئية كبيرة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية كانت الشركات العملاقة تشكل حوالي ٨٠٪ من الاقتصادي سنة ١٩٨٠م، حتى النشاط الاقتصادي الباقي (أي ۲۰٪) فهو متأثر بإملاءات هذه الشركات التي قد تسير السياسيين لاتخاذ قرارات لا تتفق مع مصلحة العامة كما تفعل شركات النفط في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً. ٨٣ لنضرب مثالاً على التأثير: هناك أخوان من أسرة جالو Gallo ويملكان أكبر مزارع ومصانع النبيذ في العالم بولاية كاليفورنيا والتي تدر عليهما أكثر من بليون دولار سنوياً. لقد قام الأخوان بدعم الرئيس الأميركي كلنتون مالياً أثناء حملته الانتخابية الثانية وعدد كبير من رجال السياسة مقابل وعده بتغيير نظام الإرث بعد الوفاة ليوافق وضع عائلتيهما (أي تغيير منظومة الحقوق. كما أنهما تمكنا من إقناع الرئيس بتخصيص أموال للدعاية للإنتاج الأمريكي من النبيذ في الدول الأوروبية بدعوى تشجيع الصناعة المحلية وبتكلفة تفوق ما قدماه من دعم مالي. فما جنياه يقدر بالملايين، وما قدماه فهو في حدود مئات الآلاف من الدولارات والملفت للنظر أنهما كجميع رجال الأعمال يدعمون الحزبين الجمهوري والديمقراطي تحسباً لجني الفائدة من أي منهما إن فاز. وعندما زار وزير التجارة الأمريكي براون الصين وأخذ معه أكثر من ٢٥ مديراً تنفيذياً لمؤسسات صناعية أمريكية، وتم التعاقد على صفقات تزيد على خمسين ملياراً من الدولارات، فإن أكثر من ثلثي من ذهب معه من رجال الأعمال هم من الذين ساهموا في دعم انتخابات كلينتون. أي أن الأبواب فتحت سياسياً لمن أعان من وصلوا للسلطة، وبهذا ازداد الأثرياء ثراء. وعندما حاول آل غور نائب الرئيس الأمريكي استحداث شبكة المعلومات في أميركا وقف له رجال الأعمال في وادي السيليكون، وهي منطقة تطوير تقنيات الحاسب الآلي، وأخذوا المبادرة منه وقاموا بدراسة اقترحوا فيها ضرورة قيامهم هم بذلك، وفرضوا اقتراحهم على البيت الأبيض. ولم يتمكنوا من ذلك إلا لأنهم كانوا قد دعموا من وصل للسلطة مالياً، وهذا أمر معلوم ومسلم به لأي أمريكي.
Λε
أي أن العلاقة بين أهرام السياسة والتجارة مبنية على التبادل المنفعي بينهما. وهنا مأزق آخر للرأسمالية. فكما هو ثابت ومعروف الآن فإن من عادة الدول التواطؤ مع الشركات الكبرى التي تعرف كيف تخترق نظام


القذف بالغيب
۸۳۳
هو
الدول من خلال المسؤولين. وإن لم تستطع هذه الشركات تغيير القوانين لصالحها فإن أقل ما تتمكن من فعله . تسيير مبالغ الدولة العامة لما . هو في صالحها كتعبيد طريق يؤدي لمصنع لها أو صرف أموال لأبحاث في الجامعات لما يعين منتجاتها. وفي هذا هدر آخر. فالأموال التي تسحب من العامة الذين لا يملكون الكثير) من خلال الضرائب تستثمر لصالح من هم أثرى وأقوى ليزدادوا ثراءً وقوة. وكأن الديمقراطية مؤامرة كبرى بين المتمكنين في المجتمع وبين من يودون الوصول إلى السلطة، أي مؤامرة على الشعب. إلا أن هذه المؤامرة يقبلها المؤمنون بالديمقراطية برغم علمهم بها لأنهم رؤوا مجتمعاتهم أكثر إنتاجاً من غيرها، فظنوا أن ديمقراطيتهم هي الأفضل. وهذا كما سترى غير صحيح لأن الإسلام لم يُطبق، كما أن رخاءهم الاقتصادي هو بسبب التراكم المعرفي الإنتاجي وليس بالضرورة بسبب الديمقراطية. أنظر إلى الصين الشيوعية التي لا تعرف ريح الديمقراطية وكيف أنها تمطر العالم بمنتجاتها. أي أن المجتمعات المعاصرة لا تستطيع الاستمرار دون مؤسستين هما الحكومات والشركات. وبهذا يكون معظم أفراد المجتمعات المعاصرة من العاملين إما لدى الدولة أو لدى الشركات، أي أنهم لا يملكون ما يقومون بعمله. والفرق بين موظفي الحكومات والشركات هو أن موظفي الدولة أقل إنتاجاً لأن الفصل من العمل في الدولة أكثر صعوبة منه في الشركات. لذلك، ولأسباب أخرى، فإن موظفي الشركات أكثر إنتاجاً كما هو معروف. ولكن أرجو ألا تنسى أخي القارئ أن الإنتاجية المرتفعة التي شهدها القرن العشرين ليست بالضرورة بسبب الرأسمالية وشركاتها أو بسبب الديمقراطية ومؤسساتها، ولكنها بسبب التراكم المعرفي كما ستستنتج من باقي الكتاب بإذن الله. وإن أردت تلخيص الديمقراطية والرأسمالية في جملة واحدة لقلت: لقد أصبحت مجتمعات الحداثة سلسلة متداخلة من الفراعنة اللصوص أي أن التركيبة الاجتماعية استعبادية: الكل فرعون ولص في موقعه لأن من يعمل لا يملك، ومن يملك لا يعمل. والإسلام لا يؤدي لهذا كما سنرى بإذن الله، بل ويزيد من الإنتاجية. ولكن قبل إنهاء هذا الفصل لنمر سريعاً على تأثير هذه التركيبة الفرعونية اللصوصية على سعادة المجتمع.

الرقي والسعادة

سأدحض في الفصل بعد القادم بإذن الله فكرة المدن المزدحمة التي أوجدتها الحداثة على أنها مستوطنات لا تعكس الاتزان بين مواضع الخيرات على الأرض وتوزيع البشر، بل تعكس التركيبة الاقتصادية السياسية للمجتمعات المبنية على منظومات الحقوق التي أنتجتها عقول البشر، وسأوضح بإذن الله بأننا إن استخدمنا مقصوصة الحقوق فإن الناس سيستوطنون بالقرب من الخيرات، وعندها قد لا تظهر المدن المكتظة بالسكان، بل يتوزع الناس في أرجاء الأرض في أشباه مدن أو قرى. وهنا يظهر سؤال مركزي: هل يحاول هذا الكتاب هدم مفهوم المدينة الحديثة كنمط للعيش، فقد نشأنا ونحن لا نعرف غيرها ؟ ستقتنع بالإجابة على هذا السؤال بنفسك أخي القارئ في فصل «ابن السبيل» بإذن الله؛ إلا أن السؤال الأجدى الآن هو هل العيش في المدن وبالذات المزدحمة منها، هو النمط الأفضل للبشرية؟ وإن كان، فلماذا؟
إن أهم سببين يدفعان المدينة للاستمرار كنط عمراني هما سعي البشرية للتطور من جهة، والرخاء والسعادة من جهة أخرى. فقد ارتبط التطور الإنساني بمفهوم المدينة حتى يتكتل الناس بعضهم حول بعض لتبادل


٨٣٤ 🗏
المهارات والسلع والمنافع وانتشار العلوم والفنون، وبهذا تطورت البشرية في جميع المضامير، أي أن البشرية ارتقت علمياً وتقنياً وفنياً من خلال المدينة، هذا أولاً؛ كما أن توفر السلع والخدمات تجلب الراحة والسعادة للناس عموماً، بالإضافة للمتعة باللهو والمرح وهذا ثانياً. أي أن البشرية، كما يعتقد الكثير، قد تمتعت بإنسانيتها من خلال المدينة. لذلك، فإذا دحضنا فكرتي الرقي والسعادة من خلال المدينة، فإن ضرورة المدينة كنمط للحياة قد تنتفي. وسنركز في هذا الفصل على مسألة السعادة، أما الرقي فسنتركه لفصل «المعرفة».
وهنا ملحوظة: وهي أنني سأتعامل مع السعادة هنا من منظور لا ديني. فقد يكون الإنسان أسعد الخلق برغم فقره ومرضه ومصائبه لأنه يحتسب الأجر عند الله إن كان مؤمناً. إلا أن هذا المنطق يرفضه العلمانيون. لذلك وحتى يكون طرح هذا الكتاب مقنعاً لهم، يجب ألا أدرج في الكتاب قضية الإيمان بالله كمحرك للمجتمعات أو مصدر أمان واطمئنان، ولم أفعل هذا بعد، بل ركزت على الحركيات المنبثقة من مقصوصة الحقوق التي تسيّر المجتمعات سواء كان المجتمع مؤمناً أو لم يكن، وهذا من عظم مقصوصة الحقوق، فهي مقصوصة حتى وإن أخذ بها غير المسلمين برغم فسقهم كما قلت سيكونون أكثر إنتاجاً وسعادة. ثم إن أحببت أخي القارئ، إن كنت ممن يؤمنون بالله كمسلم، أن تدرج الإيمان في منظارك للأمور فستلحظ أن الطرح سيزداد قوة وإقناعاً. لذلك أقول: إن السعادة لعوم الناس هي حصيلة عنصرين: أحدهما مادي والآخر معنوي فبالنسبة للمادي، فهو توفر المال والسلع والخدمات للإنسان، فشتان بين رجل لديه المال الذي يستطيع به الحصول على تعليم راق لأبنائه، وبين من حرم مثل هذه النعم لفقره. وهناك مقالة تفيد أن %۷۰٪ من القلق الذي يعانيه الناس في الغرب مرجعه الضائقة المالية. أما العنصر المعنوي فهو الراحة النفسية من جميع جوانبها من أمنية إلى عاطفية، فشتان بين إنسان آمن وآخر غير آمن، وبين إنسان يعيش بين من يحبهم ويحبونه وإنسان شُل عاطفياً.
و
٨٥
وقد يلتقي العنصران المادي والمعنوي فقد يأتي التمكن المادي للإنسان بالراحة النفسية كما يقول الرأسماليون: فـوفرة المال قد تأتي للفرد بمسكن مريح توفر له حياة هادئة، ومستشفيات تخفف عنه مرضه بإذن الله، وهكذا. وقد يكون العكس، فقد تأتي الراحة النفسية للإنسان بالتمكن المادي. فمن هو أكثر سعادة بالطبع أكثر إنتاجاً وأوفر مالاً.ض والعنصر المادي ما هو إلا توفر المال بالدرجة الأولى. فإن كثر من بيدهم المال في المجتمع كثرت الخدمات لإسعادهم، سواء كان ذلك في المدن أم لم يكن . وأوضح شـاهـد على هـذا هـو الـقـرى الأوروبية: فالخدمات المتوفرة في قرية ما في سويسرا مثلاً تفوق الخدمات المتوفرة في عاصمة بدولة عربية وذلك بسبب الفرق بين ثراء سكان المستوطنتين. أي كلما زاد عدد المتمكنين مالياً كلما زادت الخدمات لإسعادهم. ونظراً لكثرة المتمكنين مالياً في المدن في أيامنا هذه، فقد كثرت بها السلع والمرافق لخدمة سكانها ومحاولة إسعادهم مقارنة بالقرى الأفقر، لذلك اقترنت السعادة من جانبها المادي بالمدن في أذهان معظم الناس. أي أن السعادة قد تأتي لسكان غير المدن إن تمكن الناس مالياً. أي أن المدينة ليست شرطاً للسعادة البشرية، وهذه سنوضحها أكثر في ظ فصول قادمة بإذن الله.
أما بالنسبة للعنصر المعنوي، فإن أهم مؤثر هو حرية الإنسان وراحته والحرية نقيضها التقييد، والراحة نقيضها الهم والحزن والانكسار. وكلاهما نتيجة ما يجنيه الإنسان من علاقات مع من حوله إن استثنينا العنصر المادي (لأنه ذكر سابقا) واستثنينا الجانب الإيماني (لأننا اتفقنا ألا نخوض فيه لاختلافنا فيه). فقد يأتي التقييد والهم


القذف بالغيب
غ
۸۳۵
ممن هم حول الإنسان كرئيسه في عمله أو أستاذه في معهده أو مسؤول في المدينة؛ أو قد يأتي من الأنظمة المحيطة بالإنسان كمهام تُفرض عليه كضرورة اجتياز امتحان للحصول على شهادة أو كتصرفات تحظر عليه بعض الأفعال كمنعه من تعلية بنائه. أي أن مقدار ما يحظى به الإنسان من حرية أو من راحة مرتبط بنمط المجتمع من علاقات وأنظمة، أي أن المسألة ليست شخصية بقدر ما هي مجتمعية. وهناك نوع آخر من العلاقات تعتمد على ظروف الإنسان مع من حوله، أي أنها شخصية كعلاقة الإنسان مع زوجته وابنه وربما جاره وتؤثر على راحته النفسية. ومن الملاحظ أن العلاقات المجتمعية عادة ما تفرض على الإنسان، فلا خيار له في تغييرها إلا بالقدر اليسير. أما العلاقات الشخصية، فبرغم أنها تتأثر بأعراف وقيم وقوانين المجتمع إلا أنها تعتمد في تشكيلها على الإنسان نفسه بقدر أكبر. لذلك لن نخوض فيها، بل سنركز على العلاقات والأنظمة التي يفرضها المجتمع على الناس لنرى أي نوع العلاقات تنتجه مقصوصة الحقوق مقارنة مع منظومات الحقوق البشرية وأهمها الرأسمالية. وفي باقي الفصل سنركز بإذن الله على الرأسمالية من الناحية الاجتماعيه والنفسية وباختصار.
من
هذا

التعاسة والقناعة

٨٦
لقد كتب الكثير من الغربيين عن التعاسة التي تسببها الرأسمالية بسحق الناس من بشر إلى مجرد آلات تبيع عضلاتها ومهارتها في الأسواق. فقد لخص ريتشارد إيسترلين Easterline بعد إجراء مسح لثلاثين حالة دراسية في تسع عشرة دولة من البلدان المتقدمة والنامية « أن البلدان الغنية ليست في العادة أكثر سعادة من البلدان الفقيرة». ويسأل دهارندورف Dharendorf: «لماذا لا يشعر هذا العدد الكبير من المواطنين في المجتمعات الغنية بالسعادة بعد أربعة عقود من السلم والازدهار، ولماذا يكثر الضيق والضنك، لا لمجرد عدم توافر المال، بل الانحلال والاغتراب، مع وجود كل هذه الوفرة؟». لذلك ظهر الكثير ممن نقدوا الرأسمالية، وظهر أيضاً الكثير من المدافعين عنها، وهكذا تبلور السؤال الآتي عن مسؤوليات المجتمع تجاه الفرد ما الذي على المجتمع توفيره للإنسان لكي لا يشقى؟ لقد وضع عالم الاجتماع ماسلو Maslow في الأربعينات من القرن الماضي عدة متطلبات إنسانية بدأها بالحاجة للسكنى والأكل، فإن لم تتوفرا للإنسان فإنه سيسعى إلى توفيرهما، وإن توفرتا نظر إلى حاجات أبعد، ومن أهمها الأمان، ثم الحاجة للمودة والانتماء، ثم الحاجة للاحترام والتقدير من الآخرين، ثم أخيراً الحاجة إلى تحقيق الذات وذلك من خلال ما يتمتع به من طاقات ومهارات لتأتي له المتعة. وهذا الذي وضعه ماسلو حدد معالم النهج للبحث في العلاقة بين التعاسة والرأسمالية والمجتمع. ففي عام ۱۹۸۸م، واستناداً لما وضعه ماسلو، أتى

هامش

ض) لذلك كما سيأتي بإذن الله في فصل «ابن السبيل»، حثت الشريعة عليه من خلال أنظمة وقوانين المجتمع، أو قد تتشكل بطريقة ودية المزكين على دفع زكاتهم لمن هم أقرب حتى يصبح دافع الزكاة أكثر متى ما كانت بالتراضي بينهما ، لذلك فعلاقة الإنسان بجاره قد تكون استقراراً وبالتالي أكثر إنتاجاً . مجتمعية أو أسرية في طبيعتها ، وكذلك الحال بالنسبة لعلاقة الرجل
ظ) لعلك تسأل: إن قرية صغيرة لن تستطيع دعم محل لبيع السيارات بزوجته، فقد تتدخل السلطة أو المحكمة في تنظيمها متى ما شُدت، أو معهداً للرياضة ونحوهما من مرافق، فهذه بحاجة لتعداد سكاني إلا أن هذه العلاقات المفروضة تقع خارج دائرة هذا الكتاب، كبير؟ فأقول: هذا صحيح، إلا أن النمط الاجتماعي سيكون مختلفاً وسنركز هنا على العلاقات التي تشكل المجتمع بالنظر لما يُفرض عليه كما سنوضح بإذنه تعالى. أنظمة وقوانين وليس تراضيا . غـ) إن علاقة الإنسان بجاره إن كان الوضع مشدوداً بينهما قد تُفرض
من


٨٣٦ 🗏
موراي Murray بعدة شروط تؤدي لتعاسة الأفراد إن لم يحققها المجتمع لهم، وهي تتدرج في أولوياتها أيضاً كالآتي: إذا لم يحصل الناس على ما يأكلوه أو ما يسكنون فيه، وإذا لم يأمنوا أنفسهم من تهديد الآخرين، وإذا سلبوا المودة، وإذا لم يحصلوا على الاحترام الذي يليق بتصرفاتهم، وأخيراً إذا أعاقهم المجتمع من تحقيق ما يصبون إليه من أعمال تتناسب مع قدراتهم عندها فقط يمكن القول أن النظام الاجتماعي هو نظام لا يحقق السعادة للبشرية. أما إن فعل، أي أن النظام الاجتماعي لم يقف أمام هذه الشروط، فإن تعاسة الإنسان إذا هي من صنع يده بسبب إهماله وتقاعسه. وبهذه المساهمة من موراي تحددت معالم البحث العلمي لتحوم حول السؤال: كيف يمكن قياس نجاح الرأسمالية حيال هذه الشروط ؟
ولكن كما قال ماركس من قبل فإن الرأسمالية تسقط عند الشرط الأول وهو توفير المسكن والمأكل الجميع العاطلين الذين تفرزهم الرأسمالية. فكما رأينا فإن من ضرورات الرأسمالية البطالة. كما أن الرأسمالية تسقط في شرط آخر وهو توفير المودة والألفة، وذلك لأن العلاقة بين الأفراد انقلبت من علاقة مبنية على الصداقة والتقارب والتآخي إلى علاقة جافة مبنية على التعامل المالي. فالأجير لا يعامل كإنسان ولكنه يصنف كعضلة مؤجرة لإيجاد منتج ما، حتى الأستاذ في الجامعة أو الباحث فعضلته المستأجرة هي عقله. ومن جهة أخرى فإن الرأسمالية تدمر متعة افتخار الإنسان بما يصنعه وذلك بسحب ما ينتجه حال انتهائه من صناعته ليذهب المنتج إلى السوق وكأن الإنسان جهاز يقف عن العمل حال انتهاء الإنتاج.
Μ
ولأن علماء الاجتماع والاقتصاد في الغرب لا يعيشون أوضاع العالم الثالث الفقير، ولأن الرأسمالية في الغرب تمكنت من وفرة الإنتاج وتوفر السكن والغذاء لمعظم طبقات المجتمع، فقد تباطأ علماء الاجتماع في الغرب عن نقد الرأسمالية من هذا الباب كما يجب، وركزوا نقدهم على الجوانب الأخرى التي ذكرها موراي. فمن هؤلاء النقاد مثلاً ماركوز Marcuse الذي رأى أن الرأسمالية تثير في الناس الرغبة إلى امتلاك ما هو زائف false needs. فالشركات المنتجة عادة ما تغوي الناس بالإيحاء لهم بأنهم بحاجة لما ينتجونه من خلال الدعايات المستمرة المتكررة المتجددة، وهكذا يقع الناس فريسة الاستهلاك بحبس أنفسهم داخل المزيد من الطلبات من الرأسمالية، وهذا ما تتقن الرأسمالية صنعه، ألا وهو المزيد من المنتجات. أما الحاجات الفعلية كالإحساس بالأمان بين الوالدين مثلاً فيتم هجرانها تدريجياً، فطريقة عرض وبيع وتأجير الوحدات السكنية مثلاً لوحدات صغيرة تسع شخصاً أو اثنين يعلن عنها بطريقة مخادعة تدفع الشباب لهجر منازل الوالدين للعيش فرادى. وهكذا ينساق البشر إلى عالم ذي طريق واحد استهلاكي في طبعه حتى الغرائز والمشاعر، كالجنس مثلاً، فبدل أن توجه إلى التوعية بالزواج مثلاً، فيتم وضعها في إطار استهلاكي بإنتاج أفلام إباحية ليزداد الطلب على المزيد منها كلما استهلكت. فأصبح هم الإعلام مثلاً منصباً على إنتاج الأفلام المبهرجة التي تعرض الوضع الأمثل للحياة من خلال عرض القصص بجميع أنواعها بطريقة تشد المشاهد سواء كانت غرامية أو درامية أو جنائية ضمن إطار من المستهلكات وبترويج الدعايات الجاذبة لمقتنيات تعد الإنسان بالسعادة، فيتأثر بها الناس حتى وإن لم يصدقوها لينساقوا نحو المزيد من الاستهلاك الذي لا يلبي احتياجاتهم الفعلية، وعندها يعتقدون أن ما لديهم من مستهلكات لم يصل إلى الحد الذي يرفع من سعادتهم فيزدادون استهلاكاً للوصول للهدف المكذوب. وهكذا تتجمع طاقات الناس ومشاعرهم بطريقة لا تهدد النظام الرأسمالي، وذلك لأنه كلما أنتج النظام الرأسمالي مزيداً من المنتجات الاستهلاكية كلما سيطر على


القذف بالغيب
۸۳۷
المجتمع. والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة النفس البشرية عندما يزداد استهلاكها، فهي تفقد معنى القناعة، أي كلما استهلكت أكثر كلما قلت قناعتها ليزداد نهمها في الاستهلاك. وكأنها وضعت نفسها في شكل حلزوني يزداد سعة كلما بعد عن المركز. وكأن الإنسان أصبح مدمناً على الاستهلاك الذي لا ترتوي نشوته إلا بالمزيد في كل مرة. ولعل أفضل شاهد على هذا حكومة الشعب الأمريكي التي لا تريد الالتزام بأي معاهدة دولية قد تحد من نموها الاقتصادي سواء كان ذلك لتخفيض بث الغازات أو منع حفر آبار النفط في مناطق طبيعية فذة كالتي في ألاسكا ونحوها من قيود. فهم لا يفكرون إلا في جيلهم دون الاكتراث حتى لأبنائهم. وقد رأى دوركهايم Durkheim (من رواد علم الاجتماع من رغبات الإنسان كمبدأ ليس لها نهاية، وهو يعتقد أن الإنسان الذي تستعبده متطلباته اللانهائية لن يقتنع مهما استهلك وبذلك فلن يكون سعيداً أبداً. وهذا كما يرى دوركهايم هو «الوصفة المثلى لأفراد تعساء ومجتمع مريض كئيب»، وما هذا إلا لأن القناعة المرجوة من الاستهلاك لا تؤدى إلا إلى الإثارة بدل تلبية الاحتياجات. وبالطبع فإن هذه الاحتياجات أو بالأحرى الاستهلاكات التفاخرية برغم توليدها إشباعاً مؤقتاً إلا أنها لا تأتي إلا بالمنافسة الشديدة بين الناس لكسب المزيد من المال، وهذا يولد الضغوط النفسية، كما سنوضح بإذن
الله.
۸۹
۹۰
أما في الإسلام ومع تطبيق مقصوصة الحقوق وحصول معظم الناس على معظم ما يرونه من ضروريات، إذ لا كماليات إلا القليل كما أسلفت، فإن كل مسلم قانع بما لديه لأن ما لديه هو ما هو متوفر في الأسواق من الضروريات. تأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. وفي هذا الإطار، فإن لتأويل الحديث احتمالين: الأول هو حث الناس على القناعة واليقين بالتوكل على الله حتى إن لم يدخر الإنسان الكثير من المال كضمان مستقبلي، وهذا هو المعروف. والمعنى الآخر هو أنه عندما تطبق مقصوصة الحقوق فإن الجميع سيعمل فيما يملك لأن أبواب التمكين مفتوحة للكل، وعندها فإن أقل إنسان إنتاجاً سينتج كل يوم على الأقل ما يكفيه ليومه، ولأنه يعيش في مجتمع معظم منتجاته أصبحت من الضروريات وهي في متناول الجميع، فإنه لن يأسى على شيء قد يفوته لأن قد حيزت له. فما دليلي على هذا التأويل؟
جميع الضروريات
إن قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (عنده قوت يومه في الحديث السابق قد لا يعني بالضرورة أن القوت هو كل ما يؤكل ويشرب فقط، وذلك لأنه إن اقتنع كل مسلم بما لديه من قوت يومه، فمن سيوجد ويمتلك المعدات لصناعة الطائرات ؟ فهذه الصناعة ضرورة لنا كمسلمين وإلا لضربنا غير المسلمين من فوق رؤوسنا كما يفعلون الآن. أي أن القوت يجب أن يختلف من فرد لآخر بناء على موقعه في خدمة الأمة. كما أن هذا القوت يزداد مع تقدم المجتمع معرفياً ومع زيادة انتشار الضروريات بتقادم الزمن. أي أن القوت هو الضروريات التي تزداد جيلاً بعد جيل مع تمكن المسلمين. والله أعلم. وجاء في مسند الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغي إليهما آخر، ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب." وبالفعل، فإن القناعة كنز لا يفنى. وهنا نرى أن الحديث يوضح غريزة لا مفر منها إلا للقلة من الأتقياء، وهي غريزة حب المال، وهذه ضد القناعة . والسؤال هو: متى ستكون القناعة مستطاعة ؟ والإجابة هي والله أعلم أنه كلما زادت منتجات المجتمع من غير الضروريات كلما ازداد المال


۸۳۸ 🗏
حلاوة في أعين الناس، وبهذا يضمحل عدد القنوعين في المجتمع. لذلك، فعندما تكون معظم الأعيان والخدمات في المجتمع من الضروريات لتقارب الناس في الدخل عندها ستضمحل أهمية الزيادة في المال لأنه لا تفاضل، فتزداد نسبة القانعين في المجتمع، وسرعان ما تتحول الكماليات وتصبح من الضروريات فيرتقي المجتمع كما سأثبت لك بإذن الله تعالى.
أما في العالم الرأسمالي، وبالنسبة للفقراء، فإن أحلامهم قد تكون أكبر من الأغنياء، ذلك لأنهم يلاحظون الأغنياء الذين يملكون ولا يشبعون في تلذذ دائم، وهم في عوز دائم، برغم أن بعضهم قد يكون أفضل حالاً من الكثير من أغنياء الأجيال السابقة كما ذكرت لأن المقتنيات قد تغيرت إلا أن المقارنة التي يقع فيها الفقراء ليل نهار تذكرهم بفقرهم، فيتولد لديهم الشعور بالنقمة بالإضافة لقهرهم من الفقر، فالنقمة وعدم الرضى في ازدياد مضطرد مع زيادة الفارق في الدخل بين أفراد المجتمع الواحد ، لهذا تظهر حركات الاحتجاج التي تطالب بالإصلاح بإعادة التفكير في توزيع الثروات، وهذه المطالبات قد تتعدى في تعبيرها عن مطالبها عن مجرد المظاهرات إلى التعدي على أملاك الأثرياء بالسرقة والقتل.
ولتوضيح ظاهرة القناعة يقول ساندرز Saunders إن المشكلة هي في أن الناس عندما يقتنون منتجاً صناعياً فإنهم يحاولون الحصول على متعة أو راحة ليفقدوها عندما يقوم الآخرون بشراء الشيء ذاته. فعند شراء سيارة (مركبة) فإن المشتري يتأمل الراحة في الانتقال بسرعة، ولكن عند اقتناء الكثير من الأفراد للسيارات فإن الطرق تزدحم وتنتفي الراحة التي من أجلها تم شراء السيارة. وعندما يثابر الإنسان في الدراسة للحصول على شهادة متخصصة عليا للوصول لدخل مالي أعلى، ويثابر الآخرون مثله ويكثر عددهم في السوق سيقل دخلهم المالي جميعاً لأن الشهادة المضنية لم تصبح ذات ندرة. أي وكأن البشرية، كما وصف ساندرز، تحاول الصعود على مصعد كهربائي ينزل بسرعة فائقة، فعليها إذاً أن تزيد من جهدها للصعود. وبهذا يزداد الناس كآبة لأنهم جاهدوا للوصول لشيء يتوقعون منه أن يبعث لهم السعادة عند اقتنائه إلا أنه لم يفعل. لذلك قال هيرش Hirsch موضحاً: «لقد عادت معضلة التوزيع، فهي زادت بدل أن تضمحل بسبب زيادة الإنتاجية وهذا هو عكس ما توقعه الاقتصاديون ورجال السياسة الحاليون من النمو ». إلا أن من يقدسون الرأسمالية يرون غير ذلك، ولهم أمثلتهم: فذهاب الإنسان إلى قضاء إجازة قد تزداد متعة بوجود الآخرين، وبمثل هذه الأمثلة هم يفندون الآراء التي تنقد الرأسمالية. وبالطبع، فبالإمكان الرد على هذه المزاعم التي تنسب كل نجاح إنساني للرأسمالية، فذهاب الإنسان لقضاء إجازة ليست إنجازاً للرأسمالية، بل هو ناتج عن التمكين المالي والذي قد تأتي به نظم أخرى.
۹۲
ولكن ماذا عن شروط موراي Murray الأخرى التي تؤدي للتعاسة بين أفراد المجتمع مثل عدم حصول الأفراد على الاحترام الذي يليق بتصرفاتهم، وإعاقة المجتمع لهم من تحقيق ما يصبون إليه من أعمال تتناسب مع قدراتهم؟ إن ماركس هو أول من نقد الرأسمالية من هذا الجانب بأنها نظام يسلب الناس الاحترام إلا بمقدار ما يملكون من مال، وأنه نظام يعيق الأفراد من تحقيق ذاتهم وذلك لأن الرأسمالية تعامل مهارات الناس كسلعة، فلا فرق بين الإنسان والآلة. ولكن من يدافعون عن الرأسمالية يرفضون هذا النقد من جانبين: الأول هو أن الرأسمالية أدت لتقدم المجتمعات تقنياً، فالأعمال الروتينية البليدة التي تتطلب تكرار الفعل مراراً وتكراراً قد اندثرت في معظم الصناعات. وقد أبرز روبرت بلونر Blauner هذه المسألة بالتوضيح بأن شعور الإنسان التمكين
بعدم


القذف بالغيب
۸۳۹
والانعزال والغربة في العمل لهو وضع لا مفر منه بسبب التصنيع الذي يقوم فيه العامل بتكرار نفس العمل دون تفكير، كالعمل في خط إنتاجي مثلاً. أما إن أتيحت للعامل الفرصة في استخدام عقله لاتخاذ بعض القرارات مع تحمل بعض المسؤوليات فسيشعر عندها بتحقيق ذاته. ومن جهة أخرى فإن التوجه التصنيعي الذي أتى بعد فورد Ford والمسمى «ما بعد الفوردية post-Fordism» قد أحدث مرونة أكبر في استخدام العمالة في المصانع، وهذا وسع من آفاق العمال مما أوجد لهم قدراً أعلى من الاستقلالية وبالتالي مبادرة أعلى.
والجانب الثاني لمن يدافعون عن الرأسمالية هو أن الأعمال الإنتاجية التي تعتمد على المصانع في انخفاض مستمر في الدول الرأسمالية وذلك لقيام الآلات بذلك، وهذا أدى لتغير النمط الوظيفي في القرن العشرين من العمل في المصانع إلى العمل خارجها كالعمل في الخدمات مثل السياحة والتعليم. وبهذا يرى ساندرز أن ما ادعاه ماركس لا ينطبق إلا على شريحة صغيرة من العمال تقدر مثلاً بخمس القوة العاملة في إنجلترا في أواخر القرن العشرين. إلا أنه يرجع ويقول أن من الأعمال الخدمية الحالية ما هو ممل. فأي عامل في سلسلة مطاعم مكدونالد المعروفة للوجبات السريعة يقوم بعمل ممل كالعامل في مصنع النسيج. وبرغم هذا فهو يرى أن معظم الأعمال الحالية التي ظهرت بسبب الرأسمالية تتطلب مهارة إدارية ومهنية ومعرفة تقنية لا تتأتى إلا بالدراسات المتقدمة والدورات التدريبية، وهذه بالطبع تُعِدُّ إنساناً يتمتع بالسيطرة على آليات عمله وعلى تسخير ذكائه في بيئة مستقلة مفعمة بالتحدي المثير للإنسان. ولي هنا تساؤل هام وهو أن الباحثين الغربيين ينسبون كل تقدم بشري للرأسمالية. وهذا موقف عجيب: فإن لم توجد الرأسمالية، فهل يعني هذا أن الأعمال التي تتطلب مهارة مهنية وإدارية لن توجد؟
تقدیر
۹۳

طاقة الذات واحترام الذات

ثم يثير ساندرز سؤالاً آخر عن أولئك الذين لم تتح لهم الرأسمالية فرصة تحقيق الذات من العمال، فهل هو العمل الذي يسبب لهم هذه التعاسة أم أن هناك أسباباً أخرى؟ يجيب بأن الإعجاب من الآخرين، أو موافقة الآخرين على ما يقوم به الفرد سيشعره بالغبطة وتحقيق الذات. ولكي يرضى الفرد عن نفسه لابد وأن يحظى على الآخرين، وهذا التقدير ليس حقاً مكتسباً للفرد بغض النظر عما يقوم به. لذلك قام موراي Murray بالتمييز بين كل من طاقة الإنسان الذاتية self-esteem وبين احترام الذات self-respect. وهنا ملحوظة: وهي أن كلمة self-esteem عادة ما تترجم في القواميس إلى احترام الذات أو إلى «الغـرور». كما أن كلمة -self respect تترجم أيضاً إلى احترام الذات». وكأن كلمة self-esteem الإنجليزية لا مقابل لها في اللغة العربية بطريقة واضحة ومحددة. وهذا أمر متوقع لأن المجتمع المسلم لم يحتج لهذه الكلمة أصلاً وذلك لأن معظم الأفراد كانوا يملكون ما يعملون، أي أنهم ليسوا أجراء. أما العاملون الأجراء إن طبقت الشريعة سيكونون ندرة جداً وبذلك يزداد الطلب عليهم فتزداد مكانتهم . وفي مجتمع مسلم يطبق الشريعة سيتمتع كل فرد فيه بـ self-esteem أو طاقة ذاتية مرتفعة تدفعه للعمل بجد لأنه يملك ما يعمله كما سترى في فصل «الشركة» بإذن الله، لذلك سنترجمها إلى طاقة الذات برغم وجود كلمات تحوم حول المعنى مثل «الهمة» و «العزيمة» ولكنها لا تعني طاقة الذات. أما في العالم الرأسمالي فهناك حاجة لكلمة self-esteem أو طاقة الذات لأن الأفراد عادة ما يفتقدون


٨٤٠ 🗏
الدافع للعمل لأنهم لا يملكون ما يعملون فيه في الغالب، هذا إن لم يكونوا محبطين. أما الطموح أو ambition فهو قريب من معنى طاقة الذات إلا أنه يختلف في أنه يعني الآمال أكثر من الأفعال.
وهنا بالطبع لعلك تثير سؤالاً مبرراً بالقول: يا لهذا التناقض، فهذا الذي يدعي أنه يتقصى الحق قال في الفصول السابقة بأن الدول الإسلامية السابقة لم تطبق الشريعة لأن السلاطين لجؤوا للديوان، والآن يقول في الفقرة السابقة بأن كلمة «self-esteem» ليس لها مقابل واضح في الترجمة لأن معظم أفراد المجتمع المسلم كانوا سابقاً يملكون ما يعملون فيه، فأيهما الأصح ؟ فأجيب لأن الديوان استحدث وذهبت الأموال بالمكوس لبيت المال الذي أصبح معموراً مقابل فقر الأفراد، ولأن مثل هذا الخروج عن الشرع أثر في المنظومة الاقتصادية للمجتمع، قلت أن الشريعة لم تطبق في تلك الدول. ولكن في الوقت ذاته، ولأن السلاطين لم تصل أياديهم لمعظم المناطق النائية حيث يقطن معظم السكان (إن استثنينا المدن الكبرى)، فقد طبقت الشريعة إلى حد كبير. فالأراضي الموات كانت مثلاً أكبر في مساحتها مما احتاجه السكان، فكان الإحياء مما لم يعترض عليه أحد في تلك المناطق قبل الدولة العثمانية بالذات، وكذلك حيازة المعادن الظاهرة مثلاً. لهذا ظهر مجتمع يملك معظم أفراده ما يعملون فيه ولكن بنوع من
التخلف.
بينهم،
کا
أي يمكننا القول بأن هناك عدة مستويات لتطبيق مقصوصة الحقوق المستوى الأعلى أو الأعم هو منظومة الحكم التي تحدد العلاقة بين الدولة والناس وهي ما خرجت فيه الدول عن الشريعة، والمستوى الأدنى والأدق هو التفاعلات اليومية بين الناس الذين كانوا يلجؤون فيه للقضاة لحل خلافاتهم، فيتم الحكم بما أنزل الله في الفصل كقسمة التركة وحالات الطلاق وما شابه. أي يمكننا القول بأن هناك مستويين واضحين وبينهما مستويات أخرى مثل اختلاف مؤسسة مع أخرى في المصالح فيتم اللجوء للشريعة وفي الفصول السابقة كان التركيز على المستوى الأعم، أما المستويات الأدق فسيأتي بيانها بإذن الله في الفصول القادمة كفصول «الشركة» و «الفصل والوصل» و «الموافقات». على هذا يكون السؤال : أيهما أهم؟ فأجيب برغم أن الأعم هو الأهم ويُشكل أسس مقصوصة الحقوق، إلا أنه لا غنى للأعم عن الأدق، فكلاهما يكمل الآخر. فقد نجد مستوطنة متخلفة إلا أن جميع من يعملون فيها ملاك لما يعملون. تذكر مثلاً قرية نائية وسط آسيا أو أفريقيا، فبرغم سمو قيم السكان وبرغم ترابطهم الأسري وتكافلهم وبرغم أنهم ملاك لما يعملون فيه إلا أنهم في تخلف مزر. وسبب هذا التخلف ليس منظومتهم الحقوقية، بل تخلفهم المعرفي وانغلاقهم عن العالم. فالتطور المعرفي بالطبع مهم جداً لأي جماعة سكانية. ولأن أي جماعة سكانية لا تستطيع أن تطور المعرفة بمعزل عن العالم، فلابد لها من الاحتكاك الدائم مع العالم من حولها لتجلب لنفسها المعرفة والمنتجات الجديدة. وهذا شرط مهم في مقصوصة الحقوق، وهي حق الأفراد والمنتجات في الانتقال لتنتقل المعرفة. فالمعرفة تفوق في حجمها مقدرة قرية أو دولة لتطويرها. فمما ساعد أوروبا على الازدهار مثلاً ظهور القاطرة البخارية التي مكنت الأفراد والمنتجات من الانتقال، فنقل الأفراد معرفتهم معهم لمناطق أخرى لتنمو هنالك أكثر، ونقل التجار بضائعهم لتكمل منتجات تلك الجهات التي تفتقر للمنتجات التي لا تستطيع إيجادها، فأصبحت المستوطنات تكمل بعضها بعضاً فتسارع التقدم المادي. ولأهمية هذه المسألة خصصت لها فصلاً كاملاً هو فصل «ابن السبيل». أي قد توجد مستوطنة وأفرادها يتمتعون بطاقات ذاتية عالية، إلا أنها في
قمة التخلف.


القذف بالغيب
ΛΕΙ
نعود للموضوع: لقد ميز موراي بين طاقة الذات واحترام الذات بأن عرف طاقة الذات على أنها ما يشعر به الفرد بغض النظر عن سلوكياته، أما احترام الذات فهي التي لا تأتي إلا بتحمل الفرد لمسؤوليات يتمكن من خلالها نيل احترام الآخرين لأنهم يثمنون ما يقوم به أي للحصول على احترام الآخرين لابد للإنسان من أن يجد في طلب ذلك. وبالنسبة لموراي فإن احترام الذات أمر بإمكان الجميع الحصول عليه حتى وإن كانوا يشتغلون بأعمال مملة، مثلهم مثل رؤساء الشركات، كما يقول، فهم متقاربون في احترام الذات لأنها لا تعتمد على المال والشهادة والمنصب، بل تعتمد على سلوك الإنسان. وأتى هذا الاستنتاج من دراسات قام بها موراي لبعض المناطق الإنجليزية التي يعمل فيها الرجل بجد لتأمين لقمة العيش لأسرته، وتعمل فيها المرأة بجد لرعاية الأسرة، وقد كان هذا مصدر فخر لهم بغض النظر عن المستوى المالي أو المكانة الوظيفية ومصدر الافتخار هو بسبب اعتماد الرجل على نفسه في كل ما يقوم به وتمكنه من الوقوف أمام الشدائد ومعاونة زملائه ونحوها من قيم .وهمم وهذه المسببات قد لا تكون لها علاقة وطيدة مع طبيعة عمل الرجل. والشيء نفسه ينطبق على المرأة. فلطالما كان منزل الأسرة نظيفاً، وكان الأطفال مهذبون في سلوكهم، وما شابه من عطاءات فإن الأسرة عندها ستشعر باحترام الذات واحترام الآخرين لها. وهذا الاحترام ينعدم في مناطق أخرى من المدينة التي لا يتمكن فيها السكان من مجابهة الحياة، فتجد الرجل مخموراً، والأطفال مهملين والمنازل قذرة، وهكذا من مؤشرات تفقد الأسرة وأفرادها احترام الآخرين. ومن هذا بعض الباحثين الذين يدافعون عن الرأسمالية أن انقسام المجتمع إلى طبقات اجتماعية لن يدمر احترام الذات لمن هم أقل دخلاً، وأن ما يقوم به الإنسان من عمل لن يؤثر على احترام الذات. وبالطبع فإن هذا استنتاج غبي، فمن يدافعون عن الرأسمالية يقرون أن المقدرة الاستهلاكية هي من أهم مباهج الحياة الرأسمالية، وفي الوقت ذاته يقبلون بالتقسيم الطبقي لأنه ضرورة للرأسمالية، وبهذا تظهر طبقات أقل دخلاً. أي أنهم يجمعون بين نقيضين في عقل واحد. فكيف يأتي احترام الذات لإنسان فقير في مجتمع يقدس المال ؟ فلابد للفقير من أن يشعر بالبؤس تجاه نفسه قبل أن يُشعره الآخرون بذلك. إنهم، أي المدافعون عن الرأسمالية يتلاعبون بالأفكار ليقنعوا الآخرين، الله . أما في الإسلام فإن هذه الظاهرة تنتفي أصلاً لأن المجتمع لن يكون مقسماً إلى شرائح متعالية تدهس
قاتلهم
أعلاها أسفلها.
٩٤
يستنتج
ومن جهة أخرى فإن طبيعة العمل ،ورفعته وبالذات في مجتمعات رأسمالية تعبر عن مكانة الإنسان في المجتمع. فهل الدهان كالمهندس مثلاً؟ فمن يشغلون مناصب أعلى في الدولة، أو من يجنون مبالغ أعلى من أعمالهم هم الأكثر جاهاً. فمن جاهد وارتقى من خلال عمله سيشعر بالفخر كرئيس الشركة. كما أن أفراد المجتمع يقدرون الإنسان من مهنته لأنهم يدركون مقدار ما بذله من جهد للوصول لما هو فيه من رفعة كالطبيب مثلاً. وهنا يظهر سؤال محرج للرأسمالية: إن كانت الرأسمالية تؤدي للتقسيم الطبقي، فهل بإمكان الفرد الارتقاء في حياته العملية ليكتسب الاحترام إن هو ولد في طبقة اجتماعية متدنية ؟ إن الرأسمالية كنظام حياة تفتح الطريق أمام كل من ثابر ونافس، هذا كمبدأ. ولكن الواقع شيء آخر، فالفرص المتاحة لمن هو في الطبقات الاجتماعية العليا بالطبع أكثر. فابن الثري تتاح له الفرصة للدراسة في جامعة أفضل ومن ثم الحصول على وظيفة أفخر، بينما نجد أن معظم أبناء الفقراء يضطرون لترك الدراسة من سن مبكرة لكسب العيش من أعمال أدنى. وهذه هي إحدى آفات الرأسمالية. فهي أوجدت مجتمعات ذات مهن متدرجة في مقدارها من الرفيع إلى الوضيع. فهناك من يضطر للعمل ككناس، وهو الرجل الذي يجمع فضلات السكان من الشوارع، وهؤلاء منهم الكثير، وهناك من يعمل كرئيس


٨٤٢ 🗏
بلدية، وهذا شخص لا يوجد مثله في المدينة إلا واحدا، لذلك فهو رفيع جداً. وكما سنرى بإذن الله، فإن الإسلام إن مجتمعاً طبق سيوجد يتلافى هذه المآزق من جذورها، فلن يوجد رئيساً للبلدية، ولن تحتاج المدينة لعمال نظافة لأن الكل سيقوم مضطراً، لا بل ولعله محباً، للتنظيف من وراء نفسه.

تحقيق الذات

منهم
للطبقة
إن الكثير من علماء الاجتماع مقتنعون الآن أن النظام الرأسمالي، برغم أنه مبني على التنافس الحر كمبدأ وأنه بذلك يتيح الفرص لمن هم أكفأ من الناس بالتعلي في المناصب وتحقيق الذات، إلا أنه كنظام حياة يحبس الناس داخل الطبقات التي يفرزها، فلن يتمكن شخص من الطبقة الوسطى التألق والصعود إلى الطبقة الأعلى إلا نادراً. فهناك بحث قام به جون جولد ثروب Goldthrope يشير إلى أن ٥٧٪ من أبناء الطبقة الدنيا في إنجلترا استمروا في نفس الطبقة، بينما ارتقى ۲۷ ٪ منهم إلى الطبقة الوسطى، وقفز ١٦٪ منهم إلى الطبقة العليا. وبالنسبة لأبناء الطبقة العليا فإن ٥٩ ٪ منهم استمروا في نفس الطبقة، وانخفض ۲٦ ٪ منهم للطبقة الوسطى، وانحدر ١٥ % . الدنيا من الأعمال. ومن مثل هذه الإحصاءات يستنتج جولد ثروب أن فرصة الابن في الطبقة السفلى هي ثلث أو حتى ربع فرصة الابن في الطبقة العليا في الارتقاء. لذلك فإن جولد ثروب يرى أن النظام الرأسمالي نظام غير عادل في تمكين الناس لأنه يفاضل بينهم. ففي مجتمع مفتوح للجميع لابد وأن تكون فرص الجميع متساوية بغض النظر عن طبقة ذويهم. أي أن الفرص يجب أن تكون واحداً لواحد. أي لا ربط هنالك بين طبقة الإنسان وبين طبقة أمه وأبيه. ولكن هناك من العلماء من يدافع عن الرأسمالية ويحاول إثبات غير ذلك. فعـالم الاجتماع ساندرز مثلاً يستخدم نفس الإحصائيات ليستنتج أن الرأسمالية ليست بالضرورة نظام يديم القهر على الفقراء، بل هو نظام مفتوح يتيح الفرص للجميع للتحرك بين هذه الطبقات الاجتماعية. فهو ينتقد جولدثروب بأنه ساوى بين الناس، وأن هذا وضع غير صحيح لأن الإنسان الأكثر علماً سينجب طفلاً نبيهاً مقارنة بمن يقوم بأعمال دنيا. فتأمل هذا المنطق العجيب الذي يدافع عن الطبقية التي تفرزها الرأسمالية أخي القارئ. فحتى إن ولد لشخص فقير طفل ذكي فإن فرصة تسلقه السلم الطبقي ضئيلة لانغلاق أبواب التعليم أمامه. فقط انظر إلى الجامعات الأمريكية: فأشهرها وأقواها هي الجامعات الخاصة التي لا يلتحق بها إلا من كان له دعم مالي ميسور، باستثناء من الطلاب ممن حصلوا على بعثات فهناك دراسة أجريت على عدد طلاب الجامعات الأمريكية من أبناء الأثرياء، فوجد أن ١٠٪ على الأقل من طلاب جامعة هارفادر يُقبلون كل سنة في الجامعة لأن آباءهم يدعمون الجامعة مالياً ضعف برغم مستواهم الأكاديمي مقارنة بالآخرين. وفي هذا الوضع هدر كبير للمجتمع، لأن أبناء هذه الطبقة ليسوا بالضرورة جميعاً أكفاء، إلا أنهم يتمتعون بأحقية اتخاذ الكثير من القرارات المؤثرة في المجتمع من خلال الوظائف الكبرى التي لم يصلوا إليها بكفاءتهم، ولكن بسبب موقعهم الطبقي. أي أن الكثير من الأفراد يشغلون من المناصب ما هم ليسوا أهلاً لها. وفي هذا هدر لا يمكن قياسه.
القلة
كفاءات
۹۵
تذكر أخي القارئ ما جاء في صحيح البخاري: فعن «أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث. فقال بعض


القذف بالغيب
٨٤٣
القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم : بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: (أين أراه السائل عن الساعة؟). قال: ها أنا يا رسول الله. قال: (فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة." وهذا التضييع هو ما تؤدي إليه المجتمعات المعاصرة بالضرورة من طريقين: الأول هو أن استحداث الديوان وضع الأموال في أيدي الحكومات الذين إما ورثوا الحكم أو نصبوا في الوظائف من هم ليسوا أهلاً لها والثاني هو الرأسمالية التي أوجدت الطبقية التي أدت لوضع الأقل كفاءة في المنصب الأعلى أحياناً. أما في الإسلام إن طبق، ولأنه لا وجود للديوان، ولأن أبواب التمكين فتحت للكل، ولأن التقسيم الطبقي معدم، فإن الغالب هو انجذاب الناس لشغل ما يتناسب مع مقدراتهم وكفاءتهم من أعمال كما سنرى بإذن الله. حتى الأعمال التي تتطلب القليل من الذكاء فإن أصحابها سيكونون معززين مكرمين وذلك لارتفاع أجورهم مقارنة بما تفرزه الرأسمالية من بطالة تسحق كل من حاول تأجير مهاراته أو عضلاته. وهؤلاء الذين تفرزهم الرأسمالية لأنهم مغلوبون على أمرهم فسينهكون المجتمع من خلال سوء تصرفاتهم أو سوء تربية أبنائهم، وهذا لن يحدث مع تقارب الناس في الدخل وبغض النظر عما يقومون به لأن الندرة في الأيدي العاملة مع تطبيق الشريعة تجعل الناس مذللين لبعضهم البعض، فكل فرد في المجتمع عزيز وكريم ومحتاج إليه، وفي هذا حفظ للموارد وحشد للطاقات كما سأثبت بإذن الله، لأنه لا طبقات تقسم المجتمع إلى مستويات اجتماعية، ولا حاجة حينئذ للفرد للقفز من مستوى لآخر، بل أفراد بمهارات مختلفة كل مذلل تذليلاً لحظياً لخدمة الآخر.
وماذا عن تحقيق الذات؟ لقد وضع موراي Murray طرحاً مفاده أن تحقيق الذات يأتي من العلاقة المتزنة بين طبيعة العمل من حيث التعقيد والصعوبة وبين مقدرة الإنسان وعلمه ونضجه. فالإنسان يحقق ذاته إن هو تمكن من استغلال طاقاته قدر المستطاع مقارنة بما يتطلبه العمل من مهارات. فإن كان العمل يفوق طاقات الإنسان أصبح الإنسان قلقاً ومنهكاً. أما إن كان العمل يقل عن مهاراته وكفاءته فإنه سيشعر عندها بالملل والتضجر. فلا متعة للإنسان إن هو كُلف بما لا يطيق، ولا متعة له إن هو قام بما هو دون مقدرته. فكيف يأتي الاتزان بين
صعب
۹۷
الاثنين؟ إن الرأسمالية لن تستطيع تقديم هذا الاتزان المطلوب وذلك لأن معظم الناس يعملون في أحضان الآخرين، أي مأجورين عند غيرهم لأنهم لا يملكون أعمالهم. وكما هو معلوم فإن كل وظيفة أو عمل له مواصفات ومسؤوليات ومهارات يتطلبها، وعلى المسؤولين عن التوظيف إشغالها بالموظف الملائم، وهذا الشخص الملائم مطلب المنال، بل على من تم اختياره للعمل أن يتكيف مع طبيعة الوظيفة ومتطلباتها. أي أن الناس يتبعون الأعمال، أي أنهم يعملون في وسط إما هو أعلى أو أدنى من كفاءاتهم بالضرورة، أي أن عليهم أن يتكيفوا مع الوظيفة. أما إن عملوا فيما يملكون كما تدفع الشريعة لذلك (كما سترى في فصل «الشركة» بإذن الله ، فإن الكل سيعطي أقصى ما يستطيعه لأن طبيعة العمل ستتبع مقدرة المالك لأن المالك دائم الإنتاج إما لسلعة أو لخدمة، وهذا سيساهم في زيادة السعادة، لأن العمل لابد له من أن يتكيف مع مقدرة الفرد وليس العكس كما تفعل الرأسمالية.
لقد قام روبرت لين Lane في التعمق في مسألة تحقيق الذات. فالرأسمالية كما يتفق الباحثون نظام إنتاجي يؤدي للكثير من الأعمال السهلة المملة حتى على أبسط الناس ذكاء وهمة. فالرأسمالية التي تؤدي لمجتمع تكثر فيه السرقات لكثرة الفقراء مثلاً تتطلب فيه المؤسسات المزيد من الحراسة والحراسة عمل ممل. حتى مع تطور نظم الحراسة بإيجاد أجهزة تصوير مثلاً، فهذه بحاجة للمتابعة في غرف للمراقبة، وهذا عمل ممل أيضاً. كما أن


٨٤٤ 🗏
الرأسمالية التي تسعى لمزيد من الربح تنظم العمل بطريقة لا تترك فيه مجالاً للأجير أن يتصرف أو يبدع حتى تضمن المؤسسات المنتجة نوعية الإنتاج. فالعامل في مطعم مكدونالدز مثلاً لا خيار له حتى في زيادة قطعة من الطماطم أو الخيار في الشطيرة (ساندويش)، وذلك لأن كل شطيرة لها مواصفات لا يستطيع العامل الخروج عليها أبداً. لهذا يرى روبرت لين أن الرأسمالية قد أثبتت مهارتها في تحقيق طلبات الناس كمستهلكين، إلا أنها فشلت في ساحات العمل، وهو يرى أن الرضائية في العمل هي التي ستجلب السعادة للناس أكثر من التمتع الاستهلاكي، وهذا مأزق للرأسمالية لأنها تقدم طلبات المستهلكين على حاجات المأجورين. فهو يستنتج بأن «المستهلكين بهذا
۹۸
هم الملوك ... ومن يعملون هم عبيدهم». أي أن معظم الناس عبيد لأن معظمهم من المستأجرين. فياله من مأزق سرمدي. أما مع تطبيق الإسلام فالعكس، وذلك لأن الفرد المالك والمنتج في ذات الوقت يبحث عن سعادته أولاً وما زاد من طاقته الإنتاجية ذهب للإنتاج لغيره. وفي خضم التمتع بالعمل فيما يملك، فإنه سيكون أكثر إبداعاً في إنتاجه سعياً للمزيد من الربح، وبذلك ترتقي مستويات المنتجات. ولأن كل مالك سعيد، ولأن الكل يملك ما ينتج، فإن الجميع في المجتمع سعيد أيضاً.
ومن جهة أخرى، فبرغم أن الرأسمالية التي تؤدي لإحلال الآلة مكان الإنسان في الأعمال ذات الطابع التكراري وبهذا تريحه، إلا أنها تقوم بالعكس أيضاً : ا: فهي تسلب الإنسان الكثير من الأعمال التي تتطلب إعمال الذوق والإبداع والتركيز. فالكثير مما يصنع بالأيدي تقليدياً من سلع كالسجاجيد والتحف وما عليها من رسوم ونقش ونحوها من منتجات قد تم تصنيعها، وبهذا تحولت تلك المهن إلى مهن مملة لا إبداعية. وما يزيد الوضع سوءاً أن أي محاولة لتحسين أجواء العمل كاستحداث تقنية جديدة، أو إعادة توزيع المسؤوليات، فهي إنما تهدف لزيادة الكفاءة في العمل وتخفيض تكلفة الإنتاج، وهذا سيؤدي للملل. فعندما تصطدم الرغبة في رفع كفاءة الإنتاج، كما وضح لين، مع استحداث البدائل لتحسين حال الأجير ليزداد سعادة، نجد أن الرغبة في رفع الكفاءة هي التي عادة ما تنتصر وذلك حتى تقل تكلفة إنتاج الوحدة ليزداد الربح." وهذا مأزق سرمدي آخر.
هو
وبرغم هذا النقد الجذري الذي وضعه روبرت لين إلا أن من يدافعون عن الرأسمالية ذهبوا إلى أنه برغم أن التعاسة في العمل أمر لا مفر منه، إلا أن الرأسمالية التي تؤدي للمزيد من الإنتاج الآلي ستقلل من عدد ساعات عمل الفرد وبهذا سيتمكن الإنسان من استحداث السعادة خارج ساحات العمل بانطلاقه في استثمار وقته فيما يشتهي. فالرأسمالية بزخمها الإنتاجي قد أدت لزيادة مدة العطل الأسبوعية، وأخرت دخول الفرد لساحات العمل لسن متقدمة لانشغاله بالتحصيل العلمي، وأتاحت له الفرصة للحصول على تقاعد مبكر. وهذه حجج كما ترى أخي القارئ واهية. فالزخم الإنتاجي ليس بسبب الرأسمالية ولكن بسبب التقدم المعرفي. ومن جهة أخرى فإنك نادراً ما تجد إنساناً متقاعداً سعيدا. فمعظم من يحالون للتقاعد تتغير ملامحهم الجسدية في فترة وجيزة لأنهم بتقاعدهم شعروا بانعدام أهميتهم للمجتمع وفقدوا بذلك الشعور بالعزة والتكريم من الآخرين كما ذكرت سابقاً. وبالنسبة للشباب فإن من تأخر منهم الدخول إلى ساحات العمل لانشغاله بالدراسة فهو في هم أكبر أثناء تحصيله العلمي الذي يدفعه إلى المزيد من الكرب النفسي، فإن نسب الانتحار الأعلى هي بين طلاب الجامعات الأقوى في الولايات المتحدة الأمريكية. فالتعليم عموماً والتعليم الجامعي بالذات غالباً ما ينتهي بتقويم الطالب من خلال الامتحانات. وفي أي امتحان كرب وغم على الطالب كما هو معلوم. وكما سترى بإذن الله فمع تطبيق الشريعة فإن التعليم سيكون


٨٤٥
القذف بالغيب
...
بوضع مختلف تماماً لا يؤدي للكرب والهم والغم وبالذات أيام وليالي الامتحانات، بل سيؤدي للاستمتاع والإبداع. كما أن الرأسمالية، كما يقول المدافعون عنها تقلل من انهماك الإنسان في الكثير من الأعمال الضرورية في الحياة وذلك بسبب توفر الآلات مثل البرادات والغسالات والمكانس والحاسبات الآلية ومكائن الخياطة ونحوها، وبهذا يجتمع للناس الكثير من الوقت لاستثماره فيما يسعدهم وفي منازلهم. ليس هذا فحسب، بل من يدافعون عن الرأسمالية يرون أن هذه المنتجات تتيح للإنسان المزيد من التمكين لأنه لا يستخدمها فقط في إنجاز متطلبات حياته المنزلية، بل سيستخدمها أيضاً لإنتاج المزيد من السلع والخدمات لنفسه وللآخرين. فقد يقوم الفرد بخياطة بعض الملابس أو صناعة بعض الفخاريات لبيعها، أو قد يقوم بأعمال الطباعة للآخرين باستخدام الحاسب الآلي في منزله. وهنا أيضاً حجة واهية ،أخرى، فهذه المنتجات التي أعانت الناس على إنتاج السلع والخدمات ليست بالضرورة بسبب تطبيق النظام الرأسمالي في الحياة، بل هي بسبب التقدم المعرفي ومن ثم التقني.. فجميع هؤلاء الباحثين توصلوا للاستنتاج أن هذه التقنيات هي من إنتاج الرأسمالية لأنهم قارنوا الدول الرأسمالية بالدول الاشتراكية في الإنتاج كما ذكرت سابقاً. أما إن تمت المقارنة مع الإسلام إن طبق، فإن الوضع سيكون مختلفاً. ولكن المهم . أن هؤلاء الذين ينتجون في منازلهم كانوا أكثر سعادة من غيرهم. فقد استنتج الباحث راي باهل Pahl أن السلع التي أنتجها الناس في منازلهم كانت مصدر سعادة لهم لأنهم عملوا في إنتاجها وطبعوا عليها لمساتهم الجمالية ومهارتهم الذاتية. ١٠١ والمهم أيضاً هنا هو أن هذه المنتجات لأفراد يملكون ما يقومون به من أعمال، وبهذا فهم يملكون زمام أمورهم ويتفاعلون مع ما ينتجونه، أي أنهم ملاك لأدوات الإنتاج ولما يصنعون رغم قلتهم في المجتمعات الرأسمالية. وهذه مسألة مهمة لهذا الكتاب، لأن الإسلام يدفع في مقصوصة حقوقه إلى تمكين الناس، وبهذا تزداد سعادتهم ويرتفع إنتاجهم لأن التركيبة الإنتاجية المنتشرة في المجتمع هي تمليك الأفراد لأدوات الإنتاج في جميع المستويات كما سترى في فصول «ابن السبيل» و «الشركة» و «الفصل والوصل» بإذن الله. وفي هذا خير للمجتمع أيضاً لأن الإنتاج إن كان من الكثير من الناس سيتسم بالتنوع اللانهائي مع الجودة العالية للضروريات ما يؤدي لسعادة الجميع. أما الرأسمالية التي أدت لمجتمع يعمل فيه معظم الناس فيما لا يملكون، أي في الأهرام الحكومية أو الشركات، فقد اتسمت بالهموم والأحزان والأمراض النفسية والبدنية. كيف؟
هنا هو
۱۰۱

الهموم

إن العلاقة بين الهموم وأنماط الملكية والتحرر والتمكين علاقة مباشرة ووطيدة. فهل من ملك عقاراً أو مصنعاً أو مؤسسة كمن لا يملك؟ بالطبع لا. فالمالك لقراره يفعل ما يعتقده في صالحه. أما من لا يملك فهو إما أن يكون كارياً لدار أو أجيراً في مصنع أو معمل. وإن كان كارياً فهو تحت مطرقة المالك الذي له أن يخرجه من الدار متى ما انتهى العقد، وليس له إجراء أي تعديل في السكن إلا بموافقة المالك، وهكذا من قيود. وإن كان الإنسان أجيراً في معمل أو موظفاً داخل هرم مؤسسة حكومية أو خاصة، فهو أيضاً تحت مطرقة رئيسه، لذلك تجده يفكر في هذا الرئيس ليل نهار كي يرضيه، وفوق هذا الرئيس رئيس آخر ، وهكذا. هذا بالإضافة لما يتلقاه هذا المسكين من تعليمات عليه تنفيذها سواءً اتفق معها أم لم يتفق، فهو كالآلة، فقد إنسانيته بفقدانه لفرض أفكاره


٨٤٦ 🗏
وبالتالي عزيمته وكرامته. وهذا المرؤوس قد يكون رئيساً على غيره، ولأنه ذاق المر من رئيسه الذي عليه الإذعان له، فإنه يتوقع المعاملة نفسها ممن هم تحته من موظفين. أي أن كل رئيس برغم أنه فرعون صغير على من تحته، فهو حمل وديع مع من هم فوقه من فراعنة. فهل هذه حياة؟
ولعلك تقول أخي القارئ بأنني أبالغ، فمن المسؤولين من هم لطفاء، ومن الأجراء من هم أعزاء. فأقول: هذا صحيح، إلا أن المسألة نسبية، فهذا الرئيس اللطيف في عمله سيكون أكثر لطفاً إن تغير موقعه من مسؤول هرم إلى مالك، وهذا العزيز المأجور سيكون أكثر عزة إن أصبح مالكاً. ولعلك لا ترى الفرق لأنك مالكاً، ولكن استشعر تقييد مسؤولي الدولة عليك من حولك، فما من خطوة تخطوها إلا بموافقتهم، وربما برشوتهم، أليس في هذا فقدان للعزة ومصدر للكرب؟ أو أنك لا ترى الفرق لأنك مأجور في شركة ولم تذق طعم حرية اتخاذ القرار. فقد ترعرعنا في هذا النظام الغربي الهرمي الاستعبادي وتشبعنا به لدرجة أننا لن نرى الطرف الآخر من السعادة. أو أنك لا ترى الفرق لأنك موظف في الدولة بوظيفة مستقرة تحميك فيها الأنظمة برغم إهمالك وقلة إنتاجك. فبعض المدراء مثلاً لا يستطيع أحد مساء لتهم برغم إهمالهم الكبير لأن نظام الدولة ما وُضع إلا لحمايتهم. ولقد تناقشت مع اشتراكي حول هذا وقال لي إنه سعيد في حياته لأن نفقته مضمونة (راتبه) وتأتيه كل شهر. فقلت له: إن مجتمعكم في انحدار مستمر لأن الكل أجير ولا حافز لديه للإنتاج، بهذا تراكم التخلف عندكم بدليل انهيار نظامكم أمام النظام الرأسمالي. وإن طبق نظامكم الاشتراكي على كل سكان الأرض واستمر لقرن آخر فسيسحق البشرية فقراً ومجاعة لأن إنتاجية البشر ستكون في تناقص مستمر مع ازدياد في عدد السكان. لذلك نحمد الله على انهيار النظام الاشتراكي، فهو ليس نظاماً مجتمعياً ولكنه آفة.
أما بالنسبة للرأسمالية، فلأن جوهرها يعتمد على تقسيم الإنتاج إلى رأسمال وعمالة كما رأينا في الحديث عن الشركات، فنادراً ما نجد نظرية تخرج عن هذا الإطار. ولعل نظرة سريعة لكتابات كل من ماركس ودوركهايم وفيبر، وهم آباء علم الاجتماع في الغرب، تفضح هذا.. وانظر لأي منتج من حولك، فبرغم أن بعضه صنع في ديار المسلمين إلا أنه تلطخ بالرأسمالية، فهو مصنوع في مصنع عماله يعملون لدى مالك ما." لذلك تبلورت أنظمة لخدمة هذا حقوقهم . التقسيم: فقد وضعت الأنظمة التي تحفظ حق الأجير، فظهرت التحزبات والنقابات. وما هذه النقابات والأنظمة والقوانين إلا تعبير عن الشد الدائم بين الطرفين المالك والأجير). ومتى ما طورت منظومات حقوقهم أو تغيرت من منظومة لأخرى فهي تأخذ من طرف لتعطي الطرف الآخر. فيسعد طرف ليتعس الطرف الآخر. ففي آخر يوم من رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية قام الرئيس كلنتون مثلاً بتوقيع قرار يسمح فيه للممرضات والممرضين بالقيام بتخدير المرضى في العمليات الصغرى دون الضرورة للجوء لطبيب مختص في التخدير. وفي هذا القرار بالطبع إقلال للحاجة لأطباء التخدير مما سيقلل من الطلب عليهم وبذلك ينخفض أجرهم. وفي اليوم التالي عندما استلم الرئيس جورج بـش الابن الحكم ألغى القرار نزولاً لضغط نقابة التخدير ووفاءً لهم بوعده في الانتخابات. والأمثلة في هذا كثيرة ومعروفة، فالمجتمع الغربي ومن دار في فلكه يعيش صراعاً يومياً بين أفراده للاستحواذ على حقوق أكثر من خلال القوانين. أي أن أفراده يعيشون في هم صباح مساء. ولأنهم متفوقون على غيرهم من الأمم مادياً فهم متيقنون أنه لا مفر من هذا الهم لأنهم ترعرعوا في مجتمعات تقنعهم أن
الاستهلاكية المادية هي من أسس السعادة وأن الديمقراطية من أسس السعادة، وبهذا فلا مفر إذاً من هذا الهم.


القذف بالغيب
Λεν
أي أن تلك المجتمعات تعيش همين أولهما هم سيحاول فيه كل طرف عدم فقدان ما لديه من حقوق ويحاول الإستحواذ على حقوق أكثر من خلال القوانين، فالمالك يحاول التحايل على قوانين مجتمعه لاستحواذ الأكثر كالفرار من الضرائب مثلاً. فهذا الثري يشعر بالقهر لأنه يخطط ويجتهد ليزداد رأسماله فتأتي السلطات بوضع الضرائب عليه لتنفقها على الفقراء الذين يعتقد هو بأنهم متسولين على ماله. فحتى هذا الثري لم ينج من الكرب. وقد قامت الدولة بزيادة الضرائب عليه لأن الحزب الذي وصل للحكم وصل إليه بفضل أصوات الفقراء الذين وعدهم المرشحون بفرض مزيد من الضرائب على الأغنياء: ألم يحاول الرئيس الفرنسي الاشتراكي أولاند فرض ٥٧٪ كضرائب على أموال الأكثر ثراءً؟ أي أنه حاول تغيير منظومة الحقوق لأخرى لصالح الفقراء. ولقد وضحت الدكتورة عبير اللحام في بحثها للدكتوراه أن الشريعة الإسلامية وضعت الحقوق بشكل ثابت لا يمكن تغييره، ما يؤدي إلى استقرار المجتمع. أما إن كانت الحقوق قابلة للتغيير فإن السباق في المجتمع سيكون سمة يدفع ثمنها أبناء المجتمع من خلال الديمقراطية. فالديمقراطية تعني أن من وصل للحكم يستطيع أن يغير الأنظمة والقوانين، أي يغير الحقوق. وعندما تصبح أحقية تغيير الحقوق للفائز عرفاً نجد أن الصراع يزداد بين أفراد المجتمع لمحاولة الوصول للحكم. أما إن كانت الحقوق ثابتة ومعلومة وعادلة فلا حاجة للتسابق للوصول للحكم لأن كل فرد يتمتع بحقه الذي قصه له الحق سبحانه وتعالى، إذ لا حق للسلطان في تغيير منظومة الحقوق. وفي هذا رحمة للمجتمع من هذا السباق المولد للضغوط النفسية.
وقد تقول أخي القارئ إن الغرب في سعادة مقارنة بوضع المسلمين اليوم فلا تعاسة في الانتخابات، بل حماسة ولذة وتمكن من الحقوق أقول: هذا للمتفرجين ،والناخبين أما المرشحين وأعضاء الحزب فهم في ضغط وكرب. فعندما يفقد حزب ما الحكم يأتي المنتصر ليزيل معظم رؤساء الدوائر من الحزب السابق. كما أنك تقارن الغرب بحال المسلمين اليوم، وليس بما كان يمكن أن يكون عليه حال المسلمين إن حكموا بالشريعة، فالصراع بين الأسر المختلفة أو حتى أفراد الأسرة الواحدة على الحكم في دويلات العالم الإسلامي ما كان إلا لأن السلطان تمتع قهراً بأحقية تغيير مقصوصة الحقوق، فصارت الأحكام بيده، ينتزع من الأملاك ما شاء، يأخذ مال عمرو ويغدق العطاء على بكر بلا رقيب، أي «نهابون وهابون» كما وصفهم ابن تيمية رحمه الله. فامتلأت البيوت بالأموال، وحشرت القصور بالجواري الحسان، وهكذا اقترن الحكم بالثراء والقوة واللذة، فأصبح الحكم مطمعاً يقتل الأخ من أجله أخيه كما فعل حكام سعود في دويلاتهم الأولى والثانية ... وغيرهم كثير.
أما الهم الثاني الذي يعيشه معظم أفراد المجتمع، فهو تعاسة الأجير مع المالك في القطاع الخاص (الشركات) أو الموظف مع رئيس دائرته في القطاع العام وزارة الزير)، وهذه منتشرة ومعروفة بسبب الرأسمالية التي وضعت نفسها في مأزق. فحتى تزداد الإنتاجية يجب على الإنسان أن يثابر في عمله، ولأن العمل ليس ملكاً له، أي أن الموظف أو العامل ليس مالكاً، فلن يثابر إلا بالقدر الذي يجبر فيه على ذلك من خلال وسائل التحفيز والعقاب. فظهرت البدائل المختلفة في علم الإدارة لزيادة الإنتاجية من خلال التنظير لهذه الأهرام الحكومية والخاصة، فمثلاً: كيف يمكن أن تهيكل المؤسسات الإنتاجية نفسها من حيث صلاحيات ومسؤوليات العاملين بها حتى تكون أكثر

هامش

ب٢) هذا في الدول الرأسمالية، أما في الدول الاشتراكية فإن المالك قد يكون الدولة في معظم المؤسسات المهمة.


ΛΕΛ 🗏
هو
وهو
إنتاجية. لذلك كثرت الأبحاث والكتب التي تنصح المدراء لكيفية امتصاص أكبر قدر ممكن من العمل من المأجورين، وتنصح الموظفين لكيفية تسلق هرم المؤسسات ولتتأكد من هذا فكل ما عليك فعله الذهاب لمكتبة للنظر في قسم الاقتصاد والتسويق والإدارة لتصعق ما فيها من كتب لا هم لها إلا امتصاص الطرف الآخر. ولأضرب مثلاً واحداً، فقد ظهر كتاب يقول بأن في كل مؤسسة أو مصنع أو دائرة أو قسم مهما صغر أو كبر، أي في كل هرم شخص أو أكثر من طينة «قابيل»، وهو ابن سيدنا آدم عليه السلام الذي قتل هابيل. وفي هذا الاستخدام للاسم «قابيل» استعارة رمزية مجازية لصفة شخص قابيل الذي لا يريد الارتقاء على حساب الآخرين فحسب، بل يريد أيضاً أن يبرهن لنفسه بأنه يتمتع بمركز وسلطة لا يتمتع بها من حوله». كما أن الكتاب يثبت أن قابيل هذا لا يبالي بالقيم، بل بالأنانية والمصلحة الذاتية من خلال الكذب وسوء الأخلاق. ويوضح الكتاب أن السلوك السيء لقابيل هذا يُعدي الآخرين ويطغى في المؤسسة على السلوك الحسن، ولأن قابيل حثيث لبلوغ مراكز السلطة، فهو تواق للسيطرة والنفوذ. ومن صفاته أنه لا يفكر بالمشكلات التي تواجه مؤسسته بقدر تفكيره بالمشكلات التي تواجهه هو، ويتظاهر بغيرته على المؤسسة، كما أنه يقطف ثمار جهود غيره لإعـلاء شأنه، يريد من مرؤوسيه الولاء لشخصه، لذلك فهو دائم التجميل لصورته، لذلك يحب الذليل الذي يتزلف له. وهو يلهث وراء الاحترام والإعجاب الذي يعقب المنجزات، وليس المنجزات بحد ذاتها .. كما يتهم الكتاب رؤوس الأهرام، أي رجال السياسة ورجال الأعمال بأنهم أشباه قابيل فيقول: «إن العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع، ولا سيما رجال السياسة منهم، يتصفون بهذه الصفات إلى حد ما. ولكي تكون سياسياً ناجحاً لابد وأن تكون واعياً للصورة التي تظهر بها أمام الجمهور، وأن تكون معتداً بنفسك إلى حد يفوق الحد الطبيعي. وهذا من العوامل التي تجعل السياسي قادراً على تجاوز الفضائح. إلا أن العديد من كبار رجال الأعمال يتمتعون بهذه الصفات، وهذا ينسحب على أي شخص يتمتع بسلطة وصلاحيات واسعة أيا كانت مهنته وهؤلاء الأفراد يحالفهم النجاح لأنهم دهاة وماهرون بالإضافة إلى أنهم يتسمون بالكثير من صفات قابيل، لكن هذه الصفات تبقى تحت سيطرتهم ولا ترقى إلى مصاف الحالة المرضية». وبالطبع فإن مقابل كل قابيل الكثير من هابيل الذين يعانون من الكرب بسبب طموح ووصول ونفوذ قابيل لما يطمع فيه.
١٠٣
ولكن لماذا ظهرت ظاهرة قابيل هذه وبدأت في الانتشار في المجتمع الرأسمالي؟ يقول مؤلف الكتاب: «هناك من يقول بأن أشباه قابيل ليسوا سوى نتاجاً طبيعياً لثقافتنا المعاصرة التي تقوم على الربح المادي وتكديس الثروات والممتلكات، وبالتالي تشجع هذا السلوك». وهناك تفسير منطقي آخر واضح ألا وهو: إن كل جماعة من الموظفين لهم رئيس، وهذا الرئيس سيحل مكانه أحد المرؤوسين يوماً ما، فماذا يُتوقع من الموظفين عندما يوضعون في وضع تسابقي مع آخرين لتسلق هرم سلطوي إن ترقوا فيه حصلوا على جاه أكبر ومال أكثر. ألا يتنافسون ويتشاحنون ويتباغضون وبذلك يزدادون هماً وكرباً وبالتالي كرهاً فيما بينهم؟ فكر أخي القارئ بالمؤسسة التي تعمل بها، ستجد أن هناك بعضاً من الموظفين ممن يحاولون تسلق السلم الوظيفي الهرمي من خلال التزلف لمن هم أعلى منهم، وتجد أنهم يحاولون باستمرار إظهار إنجازاتهم وكأنها هي الأفضل، وتجد أنهم يحاولون تحطيم أو تحقير إنجازات الآخرين، وعندها ستلحظ أن همّ هؤلاء ليس جودة المنتج النهائي للمؤسسة، سواء كان المنتج بضاعة كالحليب من المصنع أو خريجاً كالمهندس من الجامعة أو خدمة كتوصيل الكهرباء، ولكن همهم الأهم هو ارتقاؤهم الوظيفي داخل مؤسستهم حتى وإن كان هذا على أكتاف زملائهم. وفي شخصيات قابيل هذه تدمير


القذف بالغيب
٨٤٩
للكثير من الموظفين وبالتالي هدر للكثير من طاقات المؤسسات. وهذا وضع لا مفر منه لأن النظام الرأسمالي قائم على هذه الشركات الخاصة أو المؤسسات الحكومية التي يعمل بها من لا يملكونها. لهذا كثرت النظريات التي تحاول علاج هذه الإشكاليات وانساق وراءها كثير من الباحثين المسلمين بنقل هذه النظريات وأسلمتها. فمن الأمثلة على ذلك أشرطة د. طارق السويدان أثابه الله التي يتحدث فيها ببراعة عن رفع الإنتاجية، إلا أن المنظور غربي في نخاعه (والحق أنني أقدره لما يقوم به من مجهود، ولكن لابد من النقد للتوضيح). وكذلك الدورات التي لا حصر لها ولا عد عن وسائل التخطيط والهيكلة للشركات والتعامل مع الموظفين وتحفيزهم وما شابه من أدوات. حتى أن هناك شركات ظهرت للتفكير الإداري. فقد ظهر سنة ١٩٩٧م كتاب بعنوان: صحبة خطرة Dangerous Company»، ثم أعيد طبعه مرات لأهميته كان آخرها سنة ۲۰۰۲م، ويشرح كيف أن مدراء الشركات الكبيرة يستأجرون شركات أخرى للحصول على أفكار لا تقدر بثمن لرفع الإنتاجية. فقد دفعت شركة AT&T مثلاً نصف بليون دولار لمدة خمسة سنوات لمستشارها الإداري والغرابة ليست في كبر المبلغ، ولكن في أن الاستشارة لم تغير شيء في أرباح الشركة. فقد قلبت الشركة أكثر من مرة استراتيجيتها التسويقية والإنتاجية، وانتقلت من بيت خبرة إدارية لأخرى وذاقت في صحبتهم الويل من بحث عن جودة شاملة لهندرة الأعمال وتخفيض حجم العمالة. لقد حصل المستشارون على مبالغ هائلة من بيع أفكارهم ولكن دون جدوى كما يثبت الكتاب من خلال صحبة لم تُسمن. أما مع تطبيق الشريعة، فإنه لا مجال لأي فرد في الارتقاء إلا من خلال منتجه سواء كان المنتج سلعة أو خدمة، وذلك لأنه لا رئيس لأي فرد إلا نفسه، فلا تزلف ولا نفاق، بل فقط التركيز على المنتج النهائي الذي يفضح هؤلاء من خلال منتجهم الزائف. أي أمثال قابيل هؤلاء لن يفلحوا في المجتمعات الإسلامية، أو بالأصح لن يوجدوا أصلاً لأنه لا تربة هنالك لينبتوا فيها. فحتى إن كان هذا معدنهم فلن يتمكنوا من استثمار هذه الخبائث لأن المجتمع الاقتصادي لا يدعم ذلك. أي أن عليهم الارتقاء فقط من خلال أدائهم الجاد بإبداع فيما ينتجون بأنفسهم.
أي أن الناجين من القلق في العالم الرأسمالي قلة نادرة وهم الوارثون للثروات الهائلة من ذويهم، والذين مهما أنفقوا فلن ينفذ ما لديهم ولا هم لهؤلاء إلا اللهو والتلذذ وهؤلاء هم رؤوس الفساد لأنهم ينفقون أموالهم بحثاً عن اللذة التي لا تنقطع، بل تزداد في التعمق شهوة بالبحث عن كل ما هو غريب وشاذ. وهنا أيضاً تساعدهم الرأسمالية بإباحيتها، إذ ينجذب لهؤلاء الأثرياء من يبحثون عن المال بتحقيق شهوات الأثرياء. قال لي معماري أمريكي مشهور ١٠ أن ثرياً طلب منه أن يصمم له منزلاً في ولاية كاليفورنيا تحقق له أحلامه، وأن على المعماري أن يحضر إحدى حفلات هذا الثري ليرى نمط حياته ليتمكن من وضع التصاميم المناسبة. فذهب المعماري لإحدى هذه الحفلات ورأى مجوناً لم . عنه في مجتمعه الفاسق ولم يشاهده حتى في أكثر الأفلام إباحية. أي أن ذلك
1.0
يسمع
1.7
الثري وأمثاله يبتكرون للمجتمعات ألواناً من اللهو والمجون ليُحتذى بها. تأمل قوله تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ١٠٦ ومتى ما انتهى اللهو المؤقت عاد أولئك الأثرياء للهم والبؤس لخوائهم الإيماني. ألا تراهم ينتحرون، فهذا المغني الراقص ألفس برسلي الذي ملك المال والشهرة، وتلك مارلين مونرو التي أوتيت الجمال وملكت المال وغيرهما كثير ممن ينتحرون غماً وكآبة بالمخدرات. ولعل أغربهم مثالاً هو ديل كارنجي مؤلف كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» الذي انتحر هماً كما يقال، فيا لها من مفارقة
وعبرة.


٨٥٠ 🗏

الأمراض

هكذا وضعت المجتمعات المعاصرة نفسها في مأزق، فهي تريد رفع الإنتاجية، إلا أن جوهرها يناقض ذلك لأن العاملين في هذه المؤسسات لا حافز لديهم لأنهم لا يملكون. فأصبحت المجتمعات نظاماً أعرجاً، نظام يستعين على عرجه ببدائل تحاول رفع الإنتاج مما زاد من ضغوط الناس النفسية. ولكثرة هموم من في الغرب ظهرت الأبحاث والتخصصات التي تحاول التخفيف من هذه الهموم. فقد ثبت علمياً أن الاضطرابات النفسية الجسدية، أي المرتبطة بالنفس والجسد معاً، هي بسبب الانفعالات غير المناسبة التي تجعل الجسم في حالة استنفار دائم بسبب الكرب. وأن الكرب إما أن يؤدي للأمراض أو أنه يزيد من خطرها. ومن هذه الأمراض مثلاً قرحة الجهاز الهضمي والتهاب القولون المتقرح وفرط نشاط الغدة الدرقية والتهاب المفاصل الناتج عن الروماتيزم وارتفاع ضغط الدم وسرطان الثدي. والضغط النفسي هو بسبب وصول الإنسان لقناعة بأن طريقه مسدود في محنته، كتوقعه الرسوب في الامتحان، أو فقدانه لوظيفته مع تراكم للأعباء المالية، وهكذا. وقد ثبت أن مما يرفع الضغوط النفسية عامل الوقت: فتحديد وقت ضيق للقيام بعمل كبير سيؤدي إلى ضغط نفسي. ومعظم إن لم يكن جميع رجال الأعمال يحاولون إنجاز أكبر قدر ممكن من الأعمال في أقل وقت زيادة في الربح لإرضاء الملاك. فنظامهم الرأسمالي المبني على الطبقية يجبرهم عليه. فإن لم يسبقوا الآخرين لأن العمال لم يتفانوا في أداء العمل، سيسبقهم الآخرون وقد يخرجون من السوق وعندها قد يفتقرون، وخوف المالك من الفقر يجعله يجلد من عنده من الأجراء. لذلك تجد أن معظم موظفي القطاع الخاص في ضغط وقتي دائم. هذه هي طبيعة الرأسمالية، وقد ازداد الوضع سوءاً مع العولمة (وسيأتي بيانه في فصل «الفصل والوصل» بإذن الله). فقد لاحظ ملاك الشركات أنهم إن عينوا مدراء أفذاذاً في فإن هؤلاء الأفذاذ سيتفانون في جلد المأجورين بالعمل لساعات أطول مع نفقات أقل ليزداد الربح. وما هو قلق الموظفين من إحداث خطأ أثناء العمل يفقدون به وظيفتهم أو جزءاً من مخصصاتهم. ولكنك قد تقول: إن هذا سيزيد الإنتاجية ! فأقول : نعم ولكن هناك طريق أكثر راحة لزيادة الإنتاجية كما سترى بإذن الله (تذكر مثلاً ما قلناه عن الهدر سابقاً). أي أن التسابق والهم والكرب والنكد هي سمات المجتمعات المعاصرة التي انبثقت من الحداثة.
شركاتهم
يزيد الهم هماً .
۱۰۷
لقد ظهر على غلاف مجلة تايم TIME الأمريكية عنواناً مثيراً هو: «فهم القلق: الآن، وأكثر من أي وقت مضى، إننا نخنق أنفسنا مرضاً». ١٠٧ والعنوان بالطبع لمقالة عن تأثير القلق والهم على الصحة، وهذه من أمراض الرأسمالية. ويقول سابولسكي في مقدمة كتابه عن الهموم وتأثيرها على الأجسام بسبب الأوضاع المعاصرة من تدافع الأفراد: «إن بعض ما يخبرك عنه هذا الكتاب مروع، فالكرب المتواصل والمتكرر ينهش أجسامنا بطرق شتى، لا تحصى ...». وبالفعل، إن قرأت الكتاب لارتعت فقد تغيرت مسببات الموت، فبعد أن كان المسبب الرئيس للوفاة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٠٠م هو التهاب الرئة والسل والإنفلونزا، أصبح الفرد الأمريكي في أواخر القرن العشرين يُبتلى بأمراض ناشئة عن تراكم الأضرار، مثل أمراض القلب والسرطان واضطراب الأوعية الدماغية. فأمور روتينية أفرزتها المجتمعات المعاصرة مثل رهن عقار أو الخوف من فقدان الترقية في موقع العمل تؤدي لكرب متواصل ما يؤدي لخلل في التوازن الاستتبابي ما يؤدي إلى تنشيط إفراز بعض الهرمونات وتثبيط إفرازات أخرى، وتنشيط أجزاء معينة من الجهاز العصبي، وهكذا من تغيرات فيسيولوجية. وهذه التغيرات لا تأتي


القذف بالغيب
٨٥١
فقط بسبب حدوث أذى للإنسان كالخوف من فقدان العمل، بل وحتى الخوف من احتمال وقوعها مستقبلاً. فإن مجرد التفكير في حدوث الكوارث سيؤدي لهذه التغييرات. وحتى الجهاز المناعي المفترض فيه أن يعمل بشكل مثالي كتحري خلايا الورم التي يمكن أن تقتل الإنسان، تتأثر في أدائها بسبب الكرب، فبدل أن تصنع المضادات الكافية التي تحمي الإنسان لبضعة أسابيع، ينقلب الإنسان إلى كائن ضعيف أمام مختلف الأمراض بسبب الهم. كما تم التأكيد العلمي على أن إفراز بعض الهرمونات أثناء الكرب يسرع هرم المخ عند الإنسان والحيوان على حد سواء. وحتى لا نطيل في هذه المسألة أقتبس لك الآتي من وصف ما يفعله الكرب من تفاعلات تحدث للإنسان وذلك فقط لتستشعر ما يسببه الهم. يقول المؤلف واصفا:
ومع الارتفاع المزمن لضغط الدم الذي يصاحب الكرب المتكرر يبدأ الأذى بالظهور في نقاط التفرع في شرايين الجسم، فتبدأ الطبقة الملساء المبطنة للأوعية بالتمزق والتخدش والتآكل. وعندما تتعطل هذه الطبقة تشرع الحموض الدسمة والغلوكوز التي تسري في مجرى الدم في مستهل الاستجابة الاستقلابية للكرب، بشق طريقها تحت هذ الطبقة والالتصاق بها؛ متسببة بزيادة سماكتها. إضافة إلى ذلك، يزيد الجهاز العصبي الودي، أثناء الكرب من لزوجة الدم، .... وقبل أن يدرك المرء حقيقة ما يجري، تنسد الأوعية الدموية ويقل جريان الدم فيها ...».
ويقول المؤلف في موضع آخر: «... لكن أطباء القلب يجمعون على أن موت القلب المفاجئ، هو درجة مفرطة من كرب حاد مسبب للرجفان البطيني .... يبدوا أن الرجفان هو الأمر الحاسم في الموت القلبي المفاجئ، استنتج من دراسات أجريت على الحيوانات فمثلاً ، عشر ساعات من الكرب تجعل الفأر أكثر حساسية وقابلية للإصابة بالرجفان طوال أيام بعد ذلك) ..».
كما
۱۰۸
أي أن المجتمعات التي تعيش غزارة الإنتاج بسبب التراكم المعرفي، وبرغم أن أناسها يعيشون عمراً أطول بتقدم الطب، إلا أنهم بسبب نظامهم الاقتصادي الاجتماعي المتخبط الذي نسجه عقلهم القاصر يعيشون هذا العمر في قلق يؤدي بهم لتعاسة تزيد من أمراضهم. وبرغم كل هذا البلاء الذي أنتجه النظام الرأسمالي والديمقراطي إلا أن العالم الإسلامي المعاصر بدأ في تقبل هذه الأنظمة لأنه انبهر بإنتاجهم المادي، فلم يعارض بعض العلماء هذا التوجه، بل وبعضهم باركوه وحاول آخرون لي أعناق النصوص حتى يظهر الإسلام وكأنه دين لا يعارض مثل هذه التوجهات. لذلك لابد من المرور ببعض الحرص على أقوالهم، وهو موضوع الفصل القادم بإذن الله، أي فصل
«المكوس».
وأخيراً أرجو المعذرة إن كانت إحصائيات هذا الفصل قديمة ذلك أنني قد جمعتها قبل أكثر من تسع سنين، وهذا بالطبع لن يؤثر في طرح الكتاب لأن الأرقام ازدادت سوءاً كما سترى في فصل الفصل والوصل» بإذن الله. حينها ستقتنع أن الشريعة ليست صالحة لكل زمان ومكان فحسب، بل إن الزمان والمكان لن يصلحا دون الحكم
بما شرع الله عز وجل.


🗏
٨٥٢